دَخَلَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ ذَات صَبَاحٍ على أَبيهِ يَعْقُوبَ - - ﵇ - - ووقَفَ قُبَالَتَهُ بِأَدَبٍ وَوَقَارٍ، وبِلِسَانِ الاستِفْهَامِ والإخْبَارِ: ﴿قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ يعقوب ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ﴾ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وذُكِر العددُ مطابقًا للتّأويل، فرؤيا الأنبياء حقّ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ عطف على الكواكب على طريق الاختصاص إثباتًا لفضلهما، وقد جرى القرآن على تقديم الشَّمس على القمر، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ (٢)﴾ [الرّعد]، وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ [الرّحمن] وقال: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [القيامة].
_________________
(١) مسلم "صحيح مسلم بشرح النووي" (م ٨/ج ١٥/ص ١٩) كتاب الرُّؤيا.
(٢) المرجع السَّابق.
[ ٢٥ ]
﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ تأكِيد لفظيّ ﴿لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ نَزَلْنَ مِن عَلْيَائِهِنَّ وَسَجَدْنَ لِي (سُجود تَحيَّة)، وفي الكلام استعارة مكنيَّة فقد شبَّه الكواكب بقوم عقلاء ساجدين.
فَأَدْرَكَ يَعقُوبُ - - ﵇ - - عِنْدَ سَمَاعِهِ لهذهِ الرُّؤيَا الصَّالِحَة دلالَتَها، وعَلِمَ أنَّ هذهِ الرُّؤيا لَهَا خَطَرُها، وأنَّها تتضَمَّنُ مَجْدًا وعِزًّا لِيُوسُفَ، وتُؤْذِنُ بِرِفْعَةٍ يَنَالُها على إخوتِهِ، وأنَّ اللهَ يصْطَفِيهِ لِلنبُوَّةِ، وَيُنْعِم عَليهِ بِشَرفِ الدَّارينِ؛ فَخاف عَلِيهِ من نَزْغِ الشَّيطانِ في نُفُوس إخوَتِهِ، فنَصَحَهُ ألَّا يَقُصَّها عليهم خَشْيَة أن تشْتَدَّ بِهِم الغَيرةُ إلى حَدِّ الحَسَدِ.