وافْتَرَصَ - - ﵇ - - الفرصة، فوعظهما تمهيدًا لدعوتهما للتَّوحيد، قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)﴾ فهذا العلم الَّذي وهبني تعالى إيَّاه كان ثوابًا على تركي ملَّة من لا يؤمنون بالله تعالى ولا بيوم الحساب، واتِّباعي ملَّة آبائي الأنبياء الموحِّدين.
والترك هنا بمعنى الامتناع دون سابق مزاولة لا تركًا بعد الملابسة، ويؤكِّد هذا قوله الآتي: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وإنَّما عبَّر بهذه الكلمة ﴿تَرَكْتُ﴾ تحريضًا لهما لأن يتركا تلك الملَّة التي هم عليها، ولتقوى رغبتهما في سماعه واتِّباع ملَّته.
وقد نبَّه - - ﵇ - - في كلامه إلى أصلين عظيمين: الإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر، إذ هما أعظم أركان الإيمان السِّتَّة الَّتي يدلُّ عليها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
[ ٨٢ ]
الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ (١٧٧)﴾ [البقرة] وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر]
وذِكْرُ الآخرة على لِسَان يُوسُفَ فيه إشارة إلى أنَّ الإيمان بالآخرة كان أصلًا من أصول العقيدة على لِسَانِ الرُّسلِ جميعًا منذ آدم أبي البشر - - ﵇ - ـ، ولم يكن الأمر كما يدَّعي بعضُ الملاحدة أنَّ تصوُّر الآخرة جاء إلى العقيدة متأخِّرًا.
ثمَّ مضى - - ﵇ - - يؤكِّدُ لهما أنَّه ما فاز بما فاز إلَّا لأنَّه ترك ملَّة أولئك الجاحدين واتَّبع ملَّة آبائه الموحِّدين: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾.
وغنيٌ عن البيان أنَّه ما قَصَدَ بذكر سلسلة نَسَبِهِ الفَخَارَ والتَّرفُّعَ والمفاخرة، ففضل الإنسان بعلمه وعمله لا بنسبه وحسبه، لذلك يقول عليٌ - - ﵁ - ـ:
النَّاسُ مِنْ جِهَةِ الآباءِ أَكْفاءُ أَبوهُمُ آدَمُ والأمُّ حَوَّاءُ
فإنْ يَكُنْ لهم مِنْ أصْلِهِم شَرَفٌ يُفاخِرونَ بِهِ فالطِّينُ والمَاءُ
مَا الفَضْلُ إلَّا لأهل العِلْم إنَّهُمُ عَلى الهُدى لِمَن استهدى أدلَّاءُ
وقَدْرُ كُلِّ امرئ مَا كان يُحْسِنُهُ وللرِّجَال عَلى الأفعال أسماءُ
فَفُزْ بِعِلْمٍ ولا تطْلُبْ به بدلًا فالنَّاسُ مَوتَى وأهلُ العِلْمِ أحْيَاءُ
فليحذر العاقل خصلة استهان النَّاس بها، مع أنَّها تزرع في النُّفوس كرهًا، وتقدح في الصُّدور بغضًا، وتعقب في القلوب غلًَّا، والشَّرائع السماويَّة كلُّها تدعو لِطَمْسِها، وهي التَّعاظم بالآباء والتَّفاخر بالأنساب، وإنَّما ذكر لهم أنَّه من بيت النُّبوَّة لتزداد ثقتهُما بكلامه، وعلى سبيل إظهار النِّعمة، ثم أنَّه لم يخصَّ نفسَه ولا بيتَه بفضل كما يفصح عنه قوله الآتي: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾.
[ ٨٣ ]
وهكذا تتجلَّى الوحدة الموضوعيَّة في سُورة يُوسُفَ، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ (٣٨)﴾ فهي تربط بين رسالات الأنبياء، فالأنبياء جميعًا جاؤوا برسالة واحدة، وهي التَّوحيد، ونبذ الشِّرك.