(فكلي) من ذلك الرطب (واشربي) من ذلك الماء أو من عصير الرطب وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء.
ثم قال: (وقري عينًا) قرأ الجمهور، بفتح القاف، وقرئ بكسرها، قال ابن جرير: هي لغة نجد، والمعنى طيبي نفسًا وارفضي عنك الحزن وهو مأخوذ من القَرِّ والقِرَّة وهما البرد، والمسرور بارد القلب ساكن الجوارح، وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها قارًا أي باردًا وإذا حزن كان دمعها حارًا، ولذلك قالوا في الدعاء عليه: أسخن الله عينه.
وقيل: المعنى وقري عينًا برؤية الولد الموهوب لك، وقال الشيباني: معناه نامي، قال أبو عمرو: أقر الله عينه أي أنام عينه، وأذهب سهره، وقيل مأخوذ من الاستقرار أي أعطاها الله ما يسكن عينها، فلا تطمح إلى غيره.
(فإما ترين) أصله تَرْأَيِين مثل تسمعين (من البشر أحدًا فقولي) أي إن طلب منك الكلام أحد من الناس فقولي، وبهذا المقدر يتخلص من إشكال وهو أن قولها فلن أكلم اليوم إنسيًا، كلام فيكون ذلك تناقضًا لأنها قد
[ ٨ / ١٥٣ ]
كلمت إنسيًا بهذا الكلام، وقيل قوله فقولي أي بالإشارة وليس بشيء، بل المعنى فلن أكلم اليوم إنسيًا بعد هذا الكلام قاله السمين.
(إني نذرت للرحمن صومًا) قيل المراد به الصوم الشرعي، وهو الإمساك عن المفطرات (١) والأول أولى، وفي قراءة أبي صومًا صمتًا بالجمع بين اللفظين، وكذا روي عن أنس وروي عنه الواو بينهما، والذي عليه جمهور المفسرين أن الصوم هنا الصمت، ويدل عليه فلن أكلم اليوم إنسيًا كما سيأتي ومعنى الصوم في اللغة أوسع من المعنيين.
قال أبو عبيدة: كل ممسك من طعام أو كلام أو سير فهو صائم، وقراءة أبي تدل على أن المراد بالصوم هنا الصمت، لأنه تفسير للصوم، وقراءة أنس تدل على أن الصوم هنا غير الصمت كما يفيده الواو، ومعنى (فلن أكلم اليوم إنسيًا) أنها لا تكلم أحدًا من الإنس بعد إخبارهم بهذا الخبر، بل إنما تكلم الملائكة وتناجي ربها.
ولما اطمأنت مريم ﵍ بما رأت من الآيات
_________________
(١) قوله (والأول أولى) لم يذكر الأول وأصل التركيب بعد قوله: (صومًا) أي امساكًا وسكوتًا، وقيل المراد الخ فتأمل إهـ مصححة.
[ ٨ / ١٥٤ ]