(قال) الخضر لموسى (فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء) مما تشاهد من أفعالي المخالفة لما يقتضيه ظاهر الشرع الذي بعثك الله به أي لا تفاتحني بالسؤال عن حكمته فضلًا عن المناقشة والاعتراض (حتى أحدث لك منه ذكرًا) أي حتى أكون أنا المبتدئ لك بذكره وبيان وجهه وما يؤول إليه وفيه إيذان بأن كل ما صدر عنه فله حكمة وغاية حميدة البتة وهذا من أدب المتعلم مع العالم والتابع مع المتبوع وهذه الجمل المعنونة بقال وقال مستأنفات لأنها جوابات عن سؤالات مقدرة كل واحدة ينشأ السؤال عنها مما قبلها.
واعلم أنه قد رويت في قصة موسى مع الخضر المذكورة في كتاب العزيز أحاديث كثيرة وأتمها وأكملها ما روي عن ابن عباس ولكنها اختلفت في بعض
[ ٨ / ٨٢ ]
الألفاظ وكلها مروية عن سعيد بن جبير عنه وبعضها في الصحيحين وغيرهما وبعضها في أحدهما وبعضها خارج عنهما، وقد رويت من طريق العوفي عنه كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم ومن طرق أخرى فلنقتصر على الرواية التي هي أتم الروايات الثابتة في الصحيحين ففي ذلك ما يغني عن غيره وهي (١):
قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، قال ابن عباس كذب عدو الله حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه أن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى يا رب فكيف لي به قال تأخذ معك حوتًا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم (٢).
فأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربًا وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق.
فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به، فقال له فتاه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبًا قال فكان للحوت سربًا ولموسى وفتاه عجبًا فقال موسى ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصًا.
_________________
(١) مسلم ٢٣٨٠، البخاري ٦٤.
(٢) ثم بفتح الثاء أي هناك.
[ ٨ / ٨٣ ]
قال سفيان: يزعم الناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة لا يصيب ماؤها ميتًا إلا عاش، قال وكان الحوت قد أكل منه فلما قطر عليه الماء عاش، قال فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر وإني بأرضك السلام، قال أنا موسى؛ قال موسى بن إسرائيل؛ قال نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا، قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا، يا موسى إني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمك الله لا أعلمه. قال موسى ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا، فقال له الخضر: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا.
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا، قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا؟ قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا.
قال وقال رسول الله ﷺ " فكانت الأولى من موسى نسيانًا "، قال " وجاءَ عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور الذي وقع على حرف السفينة من هذا البحر ".
ثم خرجا من السفينة فبينما. هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، فقال موسى: أقتلت نفسًا زكية بغير نفس لقد جئت شيئًا نكرًا، قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا، قال: وهذه أشد من الأولى، قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرًا.
[ ٨ / ٨٤ ]
فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه، قال مائل، فقال الخضر بيده هكذا فأقامه، فقال موسى قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا! لو شئت لاتخذت عليه أجرًا، قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا، فقال رسول الله ﷺ " وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما "، قال سعيد بن جبير: وكان ابن عباس يقرأ: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا، وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين وبقية روايات سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب هي موافقة لهذه الرواية في المعنى وإن تفاوتت الألفاظ في بعضها، فلا فائدة في الإطالة بذكرها، وكذلك روايات غير سعيد عنه.
[ ٨ / ٨٥ ]