(وأما الجدار) يعني الذي أصلحه (فكان لغلامين يتيمين) قيل اسمهما أصرم وصريم (في المدينة) هي القرية المذكورة سابقًا وفيه جواز إطلاق المدينة على القرية لغة، وقيل عبر هناك بالقرية تحقيرًا لها لخسة أهلها وعبر هنا بالمدينة تعظيمًا لها من حيث اشتمالها على هذين الغلامين وعلى أبيهما (وكان تحته كنز لهما) قيل كان مالًا جسيمًا كما يفيده لفظ الكنز، وبه قال عكرمة وقتادة إذ هو المال المجموع.
قال الزجاج: المعروف في اللغة أن الكنز إذا أفرد فمعناه المال المدفون فإذا لم يكن مالًا قيل كنز علم وكنز فهم، وقيل لوح من ذهب، وقيل علم في صحف مكتوبة مدفونة، عن قتادة قال: كان الكنز لمن قبلنا وحرم علينا وحرمت الغنيمة على من كان قبلنا وأحلت لنا، فلا يعجبن الرجل فيقول ما شأن الكنز أحل لمن قبلنا وحرم علينا فإن الله يحل من أمره ما شاء ويحرم ما شاء، وهي السنن والفرائض تحل لأمة وتحرم على أخرى.
[ ٨ / ٩٣ ]
وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: وكان تحته كنز ذهب وفضة أخرجه البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه والطبراني والحاكم وصححه (١)، وعن أبي الدرداء قال: أحلت لهم الكنوز وحرمت عليهم الغنائم، وأحلت لنا الغنائم وحرمت علينا الكنوز.
وأخرج البزار وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ذر رفعه قال: إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مصمت فيه " عجبت لمن أيقن بالقدر ثم نصب، وعجبت لمن ذكر النار ثم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت ثم غفل لا إله إلا الله محمد رسول الله " وفي نحو هذا روايات كثيرة لا تتعلق بذكرها فائدة.
(وكان أبوهما صالحًا) فكان صلاحه مقتضيًا لرعاية ولديه وحفظ مالهما، فظاهر اللفظ أنه أبوهما حقيقة، وقيل هو الذي دفنه، وقيل هو الأب السابع من عند الدافن له. قاله جعفر بن محمد وقيل العاشر وكان يسمى كاشحًا وكان من الأتقياء قاله مقاتل، واسم أمهما دنيا. ذكره النقاش، ففيه ما يدل على أن الله يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا. قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما.
وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله ﵌: " إن الله ﷿ يصلح بصلاح الرجل الصالح ولده وولد ولده وأهل دويرته، وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله تعالى ما دام فيهم " (١). وعن ابن عباس نحوه وقال موضع حفظ الله في ستر من الله وعافية.
قال سعيد بن المسيب: إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي. وقد
_________________
(١) الترمذي تفسير سورة ١٨/ ٤٠.
[ ٨ / ٩٤ ]
روي أن الله يحفظ الصالح في سبعة من ذريته، وعلى هذا يدل قوله تعالى (إن وليّيّ الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) قاله القرطبي.
(فأراد ربك) أي مالكك ومدبر أمرك، وأضاف الرب إلى ضمير موسى تشريفًا له، وإنما ذكر أولًا: فأردت لأنه إفساد في الظاهر وهو فعله، وثانيًا: فأردنا لأنه إفساد من حيث الفعل إنعام من حيث التبديل، وثالثًا: فأراد ربك لأنه إنعام محض وغير مقدور للبشر.
قال الشوكاني في الفتح الرباني: علم أنه قد وجد في الخضر ﵇ المقتضى للمجيء بنون العظمة لما تفضل الله به عليه من العطايا العظيمة والمواهب الجسيمة التي من جملتها العلم الذي فضله الله به حين أخبر موسى ﵇ لما سأله هل في الأرض أعلم منه؟ فقال عبدنا خضر كما هو ثابت في الصحيح، كان هذا وجهًا صحيحًا ومسوغًا صحيحًا للمجيء بنون العظمة تارة وعدم المجيء بها أخرى، فقال فأردت أن أعيبها، وقال فأردنا ملاحظًا في أحد الموضعين لما يستحقه من التعظيم تحدثًا بنعمة الله سبحانه عليه وفي الموضع الآخر قاصدًا للتواضع وأنه فرد من أفراد البشر غير ناظر إلى تلك المزايا التي اختصه الله بها سبحانه مع كون ذلك هو الصيغة التي هي الأصل في تكلم الفرد.
ْومع هذا ففي تلوين العبارة نوع من الحسن آخر وهو الافتنان في الكلام فإنه أحسن تطرية لنشاط السامع وأكثر إيقاظًا له، كما قيل في نكتة الالتفات، ويمكن أن يقال إن خرق السفينة لما كان باعتبار تحصيل مسماه أمرًا يسيرًا فإنه يحصل بنزع لوح من ألواحها، قال (فأردت أن أعيبها) ولما كان القتل مما تتعاظمه النفوس وتدخل فاعله الروعة العظيمة نزل منزلة ما لا يقدر عليه إلا جماعة. ويمكن أيضًا وجه ثالث وهو أن يقال لما كان خرق السفينة مما يمكن تداركه بأن يرد اللوح الذي نزعه كان ذلك وجهًا للإفراد لأنه يسير بالنسبة إلى ما لا يمكن تداركه وهو القتل.
[ ٨ / ٩٥ ]
وأما قوله (فأراد ربك) فوجه نسبة الإرادة إلى الرب سبحانه أن هذه الإرادة وقعت على قوله أن يبلغا أشدهما، ومعلوم أن ذلك لا يكون من فعل البشر ولا بإرادته لأن بقاءهما في الحياة حتى يبلغا الأشد لا يدخل تحت طاقة البشر ولا يصح نسبته إلى غير الرب ﷿؛ ولهذا يقول الخضر (رحمة من ربك وما فعلته عن أمري) هذا ما خطر بالبال عند الوقوف على هذه الآية، ولم أقف على كلام لأحد من أهل التفسير فيما يتعلق بذلك أهـ.
(أن يبلغا أشدهما) أي كمالهما وتمام نموهما (ويستخرجا كنزهما) من ذلك الموضع الذي عليه الجدار، ولو انقض لخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميته وضاع بالكلية (رحمة من ربك) لهما وهو مصدر في موضع الحال أي مرحومين من الله سبحانه.
(وما فعلته عن أمري) أي عن اجتهادي ورأيي وهو تأكيد لما قبله فقد علم بقوله: فأراد ربك أنه لم يفعله الخضر عن أمر نفسه لأن تنقيص أموال الناس وإراقة دمائهم وتغيير أحوالهم لا يكون إلا بالنص، وليس في هذا دلالة على نبوة الخضر كما زعم الجمهور بل هو إلهام من الله سبحانه إليه.
(ذلك) المذكور من تلك البيانات التي بينتها لك وأوضحت وجوهها (تأويل ما لم تسطع عليه صبرًا) أي ما ضاق صبرك عنه ولم تطق السكوت عليه. ومعنى التأويل هنا هو المال الذي آلت إليه تلك الأمور، وهو اتضاح ما كان مشتبهًا على موسى وظهور وجهه، وحذف التاء من تسطع تخفيفًا، يقال اسطاع واستطاع بمعنى أطاق، ففي هذا وما قبله جمع بين اللغتين.
وقد اختلف أهل العلم في نسب الخضر وفي كونه نبيًا وفي طول عمره وبقاء حياته وكونه باقيًا إلى زمن النبي ﵌ وحياته بعده على أقوال. كثيرة، فقيل هو ابن آدم لصلبه وهو ضعيف منقطع. وقيل إنه ابن قابيل بن آدم وهو معضل؛ وقيل إنه من سبط هارون أخي موسى وهو بعيد. وقيل إنه أرميا بن خلقيا ورده ابن جرير وقيل إنه ابن بنت فرعون، وقيل ابن
[ ٨ / ٩٦ ]
فرعون لصلبه، وقيل إنه اليسع، وقيل إنه من ولد فارس. وقيل من ولد بعض من كان آمن بإبراهيم وهاجر معه من أرض بابل، وقيل كان أبوه فارسيًا وأمه رومية، وقيل بعكس ذلك.
ثم قيل كان اسمه عامرًا؛ وقيل بليا بن ملكان، وقيل كلمان بدل ملكان، وقيل معمر بن مالك وكنيته أبو العباس، وهذا متفق عليه. قاله النووي.
واحتج من قال إنه نبي بقوله تعالى (وما فعلته عن أمري) لأن الظاهر من هذا أنه فعله بأمر الله والأصل عدم الواسطة.
قال الثعلبي: هو نبي في سائر الأقوال، ثم قيل نبي غير مرسل، وقيل أرسل إلى قومه فاستجابوا له ونصره الرماني ثم ابن الجوزي، وقيل كان وليًا وإليه ذهب جماعة من الصوفية، وبه قال علي بن أبي موسى من الحنابلة وابن الأنباري والقشيري، وقيل إنه ملك من الملائكة.
قال ابن جرير في تاريخه: إنه كان في أيام فريدون الملك في قول عامة أهل الكتاب الأول، وقيل كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان في زمن إبراهيم الخليل، وقصته هذه ذكرها جماعة منهم خيثمة بن سليمان.
وأما تعميره فقال ابن عباس: نسئ للخضر في أجله حتى يكذب الدجال، وقال أبو محنف: أجمع أهل العلم بالأحاديث والجمع لها أنه أطول آدمي عمرًا وشرب من عين الحياة، وقال الحسن: وكل الخضر بالبحور وإلياس بالفيافي، وإنهما يجتمعان في موسم كل عام، وروى أبان مرفوعًا إليه ﷺ اجتماعهما عند ردم يأجوج ومأجوج كل ليلة، وفي سنده متروكان.
وقال النووي في التهذيب. قال الأكثرون من العلماء: هو حي موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة وحكاياتهم
[ ٨ / ٩٧ ]
في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصى، وأشهر من أن تذكر.
قال ابن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء والصلحاء والعامة منهم، إنما شذ بإنكاره بعض المحدثين. وقال بعضهم: إن لكل زمان خضرًا وهي دعوى لا دليل عليها، وقال السهيلي: اسمه عاميل وإن أباه كان ملكًا، وأنه الرجل الذي يقتله الدجال ثم يحييه.
وقال البخاري وطائفة من أهل الحديث: إنه مات قبل انقضاء مائة سنة من الهجرة، ونصره أبو بكر العربي لقوله ﵌ في آخر حياته " لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة سنة ممن عليها اليوم " (١)؛ وله ألفاظ عند الشيخين وغيرهما عن جابر وابن عمر.
وأجاب من أثبت حياته بأنه كان حينئذ على وجه البحر، وما أبرد هذا الجواب وأبعده عن الصواب.
وأما اجتماعه مع النبي ﷺ وتعزيته لأهل البيت وهم مجتمعون لغسله ﷺ فقال لهم عليّ: هو الخضر فقد ذكره ابن عبد البر في التمهيد، وقيل اجتمع الناس مع النبي ﷺ، وإذا جاز ذلك جاز لقاء الخضر، رواه ابن أبي الدنيا عن أنس، وتعقبه الحافظ أبو الخطاب بن دحية وقال: لم يصح من طرقه شيء ولا يثبت اجتماعه مع أحد من الأنبياء إلا مع موسى كما قصه الله من خبره، وجميع ما ورد في حياته لا يصح منه شيء باتفاق أهل النقل.
وأما ما جاء من المشايخ فهو مما يتعجب منه، كيف يجوز لعاقل أن يلقى شيخًا لا يعرفه فيقول له أنا فلان فيصدقه، وحديث التعزية المتقدم موضوع وفيه ابن محرز متروك، قال مسلم صاحب الصحيح فلما رأيته كانت بعرة
_________________
(١) مسلم ٢٥٣٧ - البخاري ١٠٥.
[ ٨ / ٩٨ ]
أحب إليَّ منه، وما روي عن أنس فموضوع أيضًا، وقد نقل تكذيبه عن أحمد ويحيى وإسحاق وأبي زرعة، وسياق المتن ظاهر النكارة وإنه من المجازفات.
وتمسك من قال بتعميره بقصة عين الحياة واستند إلى ما وقع من ذكرها في صحيح البخاري وجامع الترمذي لكن لم يثبت ذلك مرفوعًا، وأخرج الطبراني في المعجم الكبير حديثًا طويلًا عن أبي أمامة الباهلي مرفوعًا إليه ﷺ في قصة الخضر يدل على كونه نبيًا وسنده حسن لولا عنعنة بقية وهو ضعيف. وقد ذهب إلى أن الخضر مات عليُّ بن موسى الرضا والبخاري، وانكر أن يكون باقيًا للحديث المتقدم، وهو عمدة من تمسك بأنه مات.
قال أبو حيان في تفسيره: الجمهور على أن الخضر مات، وبه قال ابن أبي الفضل المرسي، لأنه لو كان حيًا لزمه المجيء إلى النبي ﷺ والإيمان به واتباعه، وقد روي عنه ﷺ أنه قال: لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي؛ وبذلك جزم ابن المناوي وإبراهيم الحربي وأبو طاهر العبادي. وأخرج مسلم من حديث جابر قال؛ قال رسول الله ﷺ قبل موته بشهر: " أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة " (١)، وله ألفاظ وطرق عند الترمذي وغيره.
وممن جزم أنه غير موجود الآن أبو يعلى الحنبلي وأبو الفضل بن ناصر والقاضي أبو بكر بن العربي وأبو بكر بن النقاش وابن الجوزي، واستدل على ذلك بأدلة منها ما تقدم، ومنها قوله تعالى (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون).
قال ابن عباس: ما بعث الله نبيًا إلا أخذ عليه الميثاق إن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه. أخرجه البخاري.
فلو كان الخضر موجودًا لجاء إليه ونصره بيده ولسانه وقاتل تحت رايته،
_________________
(١) مسلم ٢٥٣٨.
[ ٨ / ٩٩ ]
ولم يأت في خبر صحيح أنه جاء إلى النبي ﵌ أو قاتل معه.
قال أبو الحسين بن المناوي: بحثت عن تعمير الخضر وهل هو باق أم لا فإذا أكثر المغفلين مغترون بأنه باق من أجل ما روي في ذلك، والأحاديث المرفوعة في ذلك واهية، والسند إلى أهل الكتاب ساقط لعدم ثقتهم؛ وخبر مسلمة بن مصقلة كالخرافة، وخبر رياح كالريح وما عدا ذلك من الأخبار كلها واهية الصدور والأعجاز لا يخلو حالها من أمرين؛ إما أن تكون أدخلت على الثقات استغفالًا أو يكون بعضهم تعمد ذلك. وقد قال الله (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد).
وفي تفسير الأصفهاني عن الحسن أن الخضر مات، وقد مر عنه أيضًا أنه حي، وإذا تعارضا تساقطا، واحتج ابن الجوزي أيضًا بما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال يوم بدر: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض " (١)، ولم يكن الخضر فيهم، ولو كان يومئذ حيًا لورد على هذا العموم، فإنه كان ممن يعبد قطعًا.
وقد بسط الحافظ بن حجر العسقلاني القول في بيان أحوال الخضر وأخباره قبل بعثة النبي ﵌ والتي وردت أن الخضر وإلياس كانا في زمن النبي ﵌ ثم بعده إلى الآن، وما جاء في بقائه بعد النبي ﷺ ومن نقل عنه أنه رآه وكلمه في أبواب مستقلة من كتابه الإصابة في معرفة الصحابة، وتكلم على أسانيدها جرحًا وتعديلًا وغالبها لا يخلو عن علة أو ضعف أو انقطاع أو إعضال أو وضع أو نكارة أو شذوذ، ولا يصلح شيء للاستدلال على حياة الخضر وبقائه إلى الآن أو إلى خروج الدجال.
_________________
(١) مسلم ١٧٦٣ - الإمام أحمد ١/ ٣٠ ولم أجده في البخاري.
[ ٨ / ١٠٠ ]
والحق ما ذكرناه عن البخاري وأضرابه في ذلك ولا حجة في قول أحد كائنًا من كان إلا الله سبحانه ورسوله ﷺ، ولم يرد في ذلك نص مقطوع به ولا حديث مرفوع إليه ﷺ حتى يعتمد عليه ويصار إليه؛ وظاهر الكتاب والسنة نفي الخلد وطول التعمير لأحد من البشر، وهما قاضيان على غيرهما، ولا يقضي غيرهما عليهما.
ومن قال إنه نبي أو مرسل أو حي باق لم يأت بحجة نيرة ولا سلطان مبين، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وقد تكلم الحافظ على هذا الباب في فتح الباري أيضًا فمَنْ شاء الاطلاع على تفصيل ذلك فليرجع إليه وبالله التوفيق، ومنه الفتح والإصابة. ولما أجاب سبحانه عن سؤالين من سؤالات اليهود وانتهى الكلام إلى حيث انتهى شرع سبحانه في السؤال الثالث والجواب عنه، فالمراد بالسائلين في قوله (ويسألونك) هم اليهود أي سؤال تعنت (عن ذي القرنين) واختلفوا فيه اختلافًا كثيرا، فقيل هو الاسكندر بن فيلقوس الذي ملك الدنيا كلها بأسرها اليوناني باني الاسكندرية.
وقال ابن إسحاق: هو رجل من أهل مصر اسمه مرزبان بن مرزبة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح، وقيل هو ملك اسمه هرمس وقيل هردس، وقيل شاب من الروم وقيل كان نبيًا وقيل كان عبدًا صالحًا وقيل اسمه عبد الله بن الضحاك وقيل مصعب بن عبد الله من أولاد كهلان بن سبا.
وحكى القرطبي عن السهيلي أنه قال: أن الظاهر من علم الأخبار أنهما اثنان أحدهما كان على عهد إبراهيم ﵇، والآخر كان قريبًا من عيسى ﵇، وقيل هو أبو كرب الحميري وقيل هو ملك من الملائكة؛ ورجح الرازي القول الأول قال: لأن من بلغ ملكه من السعة والقوة إلى الغاية التي نطق بها النزيل إنما هو إسكندر اليوناني كما يشهد به كتب التواريخ قال فوجب القطع بأن ذا القرنين هو الاسكندر.
قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذًا لأرسطاطاليس الحكيم وكان
[ ٨ / ١٠١ ]
على مذهبه فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطاطاليس حق وصدق، وذلك مما لا سبيل إليه.
قال النيسابوري: قلت ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلًا فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر والله أعلم، ورجح ابن كثير ما ذكره السهيلي من أنهما اثنان كما قدمنا ذلك وبين أن الأول طاف بالبيت مع إبراهيم أول ما بناه وآمن به واتبعه وكان وزيره الخضر، وأما الثاني فهو الاسكندر المقدوني اليوناني وكان وزيره الفيلسوف المشهور أرسطاطاليس وكان قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة، فأما الأول المذكور في القرآن فكان في زمن الخليل.
هذا معنى ما ذكره ابن كثير في تفسيره راويًا له عن الأزرقي وغيره ثم قال: وقد ذكرنا طرفًا صالحًا في أخباره في كتاب (البداية والنهاية) بما فيه كفاية (١)، وحكى أبو السعود في تفسيره عن ابن كثير أنه قال؛ وإنما بينا هذا يعني أنهما اثنان لأن كثيرًا من الناس يعتقد أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن العظيم هو هذا المتأخر فيقع بذلك خطأ كثير وفساد كبير.
كيف لا والأول كان عبدًا صالحًا مؤمنًا وملكًا عادلًا ووزيره الخضر، وقد قيل إنه كان نبيًا، وأما الثاني فقد كان كافرًا ووزيره أرسطاطاليس الفيلسوف وكان بينهما من الزمان أكثر من ألفي سنة، فأين هذا من ذاك انتهى.
قلت: لعله ذكر هذا في الكتاب الذي ذكره سابقًا وسماه بالبداية والنهاية ولم نقف عليه والذي يستفاد من كتب التاريخ هو أنهما اثنان كما ذكره السهيلي والأزرقي وابن كثير وغيرهم لا كما ذكر الرازي وادعى أنه الذي تشهد به كتب التواريخ وقد وقع الخلاف هل هو نبي أم لا؟ وسيأتي ما يستفاد منه المطلوب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الرد على المنطقيين: المشهور
_________________
(١) ابن كثير ٣/ ١٠٠.
[ ٨ / ١٠٢ ]
المتواتر أن أرسطو وزير الاسكندر بن فيلبس كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة وكثير من الجهال يحسب أن هذا هو ذو القرنين المذكور في القرآن ويعظم أرسطو بكونه كان وزيرًا له كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله من الجهال بأخبار الأمم، وهذا من جهلهم فإن الاسكندر الذي وزر له أرسطو هو المقدوني الذي يؤرخ له تاريخ الروم المعروف عند اليهود والنصارى وهو إنما ذهب إلى أرض القدس لم يصل إلى السد عند من يعرف أخباره، وكان مشركًا يعبد الأصنام، وكذلك أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأصنام وذو القرنين كان موحدًا مؤمنًا بالله وكان متقدمًا على هذا؛ ومن يسميه الإسكندر ويقول هو الإسكندر بن فيلبس.
ولهذا كان هؤلاء المتفلسفة إنما راجوا على أبعد الناس عن العقل والدين كالقرامطة والباطنية الذين ركبوا مذهبهم من فلسفة اليونان ودين المجوس وأظهروا الرفض، وكجهال المتصوفة وأهل الكلام، وإنما ينفقون (١) في دولة جاهلية بعيدة عن العلم والإيمان إما كفارًا وإما منافقين كما نفق منهم من نفق على المنافقين الملاحدة ثم نفق على المشركين الترك، وكذلك إنما ينفقون دائمًا على أعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين انتهى.
وأما السبب الذي لأجله سمي ذا القرنين فقال الزجاج والأزهري: إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرن الشمس من مطلعها وقرن الشمس من مغربها، وقيل إنه كان له ضفيرتان من شعر والضفائر تسمى قرونًا، وقيل إنه رأى في أول ملكه كأنه قابض على قرني الشمس فسمي بذلك، وقيل كان له قرنان تحت عمامته، وقيل: إنه دعا إلى الله فشجه قومه على قرنه ثم دعا إلى الله فشجوه على قرنه الآخر وقيل إنما سمي بذلك لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس وهو حي، وقيل
_________________
(١) أي يروجون.
[ ٨ / ١٠٣ ]
لأنه كان إذا قاتل قاتل بيديه وركائبه جميعًا، وقيل لأنه أعطى علم الظاهر والباطن.
وقيل لأنه دخل النور والظلمة، وقيل لأنه ملك فارس والروم، وقيل لأنه ملك الروم والترك، وقيل: لأنه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال والجنوب، وهذا هو القدر المعمور من الأرض، وقيل لأنه كان لتاجه قرنان.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " ما أدري أتُبَّع كان نبيًا أم لا؟ وما أدري أذو القرنين كان نبيًا أم لا؟ وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا " (١)؟ أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم وصححه وغيرهم.
وعن عليّ بن أبي طالب قال؛ لم يكن نبيًا ولا ملكًا ولكن كان عبدًا صالحًا أحب الله فأحبه الله، ونصح لله فنصحه الله، بعثه الله إلى قوم فضربوه على قرنه فمات ثم أحياه الله لجهادهم، ثم بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه الآخر فمات فأحياه الله لجهادهم فلذلك سمي ذا القرنين وإن فيكم مثله.
وعن ابن عمر قال: ذو القرنين نبي، وعن النبي ﵌ قال: " هو ملك يسيح الأرض بالأسباب "، أخرجه ابن أبي حاتم عن الأحوص بن حكيم عن أبيه وعن عمر بن الخطاب أنه سمع رجلًا ينادي بمنى يا ذا القرنين فقال ها أنتم قد سميتم بأسماء الأنبياء فما بالكم وأسماء الملائكة، وفي الباب غير ما ذكرناه مما يغني عنه ما قد أوردناه.
وقد أخرج أبو الشيخ والبيهقي عن عقبة بن عامر الجهني حديثًا يتضمن أن نفرًا من اليهود سألوا النبي ﵌ عن ذي القرنين فأخبرهم بما جاؤوا له ابتداء وكان فيما أخبرهم به أنه كان شابًا من الروم وأنه بنى الاسكندرية وأنه علا به ملك إلى السماء وذهب به إلى السد، وإسناده
_________________
(١) المستدرك كتاب التفسير ٢/ ٤٥٠.
[ ٨ / ١٠٤ ]
ضعيف وفي متنه نكارة، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل، ذكر معنى هذا ابن كثير في تفسيره وعزاه إلى ابن جرير والأموي في مغازيه: ثم قال بعد ذلك والعجب أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره ساقه بتمامه في كتابه دلائل النبوة انتهى (١).
وقد ساقه بتمامه السيوطي في الدر المنثور وساق أيضًا خبرًا طويلًا عن وهب بن منبه وعزاه إلى ابن إسحاق وابن المنذر وغيرهم، وفيه أشياء منكرة جدًا وكذلك ذكر خبرًا طويلًا عن محمد الباقر أخرجه أبو الشيخ وغيره، ولعل هذه الأخبار ونحوها منقولة عن أهل الكتاب وقد أمرنا بأن لى لا نصدقهم ولا نكذبهم فيما ينقلونه إلينا.
واختلفوا أيضًا في وقته فقال قوم: كان بعد موسى، وقال قوم: كان في الفترة بعد عيسى، وقال قوم: كان في وقت إبراهيم وإسماعيل، وقد حققنا ذلك في لقطة العجلان فراجعه.
وبالجملة فإن الله مكنه وملكه ودانت له الملوك، وروي أن الذين ملكوا الدنيا كلها أربعة مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود والاسكندر، والكافران نمروذ وبختنصر، وسيملكها من هذه الأمة خامس لقوله تعالى (ليظهره على الدين كله) وهو المهدي ذكره القرطبي.
وعن السدي قال؛ قالت اليهود للنبي ﷺ: إنك إنما تذكر إبراهيم وموسى وعيسى والنبيين إنك سمعت ذكرهم منا فأخبرنا عن نبي لم يذكره الله في التوراة إلا في مكان واحد، قال " ومن هو؟ " قالوا ذو القرنين قال: " ما بلغني عنه شيء " فخرجوا فرحين قد غلبوا في أنفسهم، فلم يبلغوا باب البيت حتى نزل جبريل بهذه الآيات
_________________
(١) ابن كثير ٣/ ١٠٠.
[ ٨ / ١٠٥ ]