(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) قال المفسرون: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى مشركي قريش يخبرهم بمسير النبي (ﷺ) إليهم، وسيأتي ذكر القصة، وأضاف سبحانه العدو إلى نفسه تعظيمًا لجرمهم وتغليظًا فيه، والعدو وصف يطلق على الواحد والاثنين والجماعة والآية تدل على النهي عن موالاة الكفار بوجه من الوجوه، وفيه دليل على أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان.
(تلقون إليهم بالمودة) أي توصلون إليهم المودة على أن الباء زائدة أو هي سببية، والمعنى تلقون إليهم أخبار النبي (ﷺ) بسبب المودة التي بينكم وبينهم، وقال الزجاج: تلقون إليهم أخبار النبي (ﷺ) وسره بالمودة التي بينكم وبينهم، والجملة في محل نصب على الحال من ضمير تتخذوا، ويجوز أن تكون مستأنفة لقصد الإخبار بما تضمنته، أو لتفسير موالاتهم إياهم، أو في محل نصب صفة لأولياء وجملة: (وقد كفروا بما جاءكم من الحق) في محل نصب على الحال من فاعل تلقون، أو من فاعل لا تتخذوا، ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان حال الكفار.
[ ١٤ / ٧٣ ]
قرأ الجمهور بما جاءكم بالموحدة، وقرىء لما جاءكم باللام أي لأجل ما جاءكم من الحق على حذف المكفور به، أي كفروا بالله والرسول لأجل ما جاءكم من الحق، أي دين الإسلام، والقرآن، أو على جعل ما هو سبب للإيمان سببًا للكفر توبيخًا لهم (يخرجون الرسول وإياكم) مستأنفة لبيان كفرهم أو حالية وقدم الرسول عليهم تشريفًا له، وقد استدل به من يجوز انفصال الضمير مع القدرة على اتصاله، إذ كان يجوز أن يقال: يخرجونكم والرسول.
(أن تؤمنوا بالله ربكم) تعليل للإخراج، أي يخرجونكم لأجل إيمانكم أو كراهة أن تؤمنوا (إن كنتم خرجتم) من مكة (جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي) جواب الشرط محذوف، أي إن كنتم كذلك فلا تلقوا إليهم بالمودة، فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، وانتصاب جهادًا وابتغاء على العلة أي إن كنتم خرجتم للجهاد في سبيلي، ولأجل ابتغاء مرضاتي، أو حال كونكم مجاهدين ومبتغين.
(تسرون إليهم بالمودة) مستأنفة للتقريع والتوبيخ، أي تسرون إليهم الأخبار بسبب المودة، وقيل: هي بدل من قوله: (تلقون)، ثم أخبر سبحانه بأنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء فقال: (وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم) أي بما أضمرتم في صدوركم، وما أظهرتم وأعلنتم بألسنتكم، والجملة في محل نصب على الحال؛ والباء في بما زائدة يقال: علمت كذا وعلمت بكذا هذا على أن أعلم مضارع، وقيل: هو أفعل تفضيل، أي أعلم من كل واحد بما تخفون وما تعلنون.
(ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) أي من يفعل ذلك الاتخاذ لعدوي وعدوكم أولياء، ويلقي إليهم بالمودة فقد أخطأ طريق الحق والصواب وضل عن قصد السبيل.
[ ١٤ / ٧٤ ]