(من ذا الذي يقرض الله) أي ينفق ماله في سبيل الله فإنه كمن يقرضه والعرب تقول لكل من فعل فعلًا حسنًا قد أقرض، من إستفهامية مرفوعة المحل بالابتداء وذا خبرة، والموصول صفة له، أو بدل منه، ويصح أن يكون من ذا مبتدأ، والموصل خبره، وهذا منه تعالى في غاية اللطف بنا
[ ١٣ / ٤٠٣ ]
والإحسان إلينا، حيث أعطانا الأموال من عنده وجعل رجوعها إليه منا قرضًا، مع أنه المالك الحقيقي، قال الكلبي: (قرضًا) أي صدقة (حسنًا) أي محتسبًا من قلبه بلا مَنٍّ ولا أذى وقال مقاتل: حسنًا طيبة به نفسه.
واستعير لفظ القرض ليدل على التزام الجزاء، وفيه استعارة تصريحية تبعية حيث شبه الإنفاق بالإقراض، والجامع إعطاء شيء بعوض، من حيث إن الله وعد به الجنة تشببها بالقرض لأن القرض إخراج المال لاسترداد البدل.
وقيل: القرض الحسن هو النفقة على الأهل. قاله زيد بن أسلم، وقال الحسن: هو التطوع بالعبادات وقيل: أنه العمل الخير، والعرب تقول: لي عند فلان قرض صدق وقرض سوء، والأول أولى.
وقال بعض العلماء: القرض لا يكون حسنًا حتى يجمع أوصافًا عشرة، وهي أن يكون المال من الحلال، وأن يكون من أجود المال، وأن تتصدق به وأنت محتاج إليه، وأن تصرف صدقتك إلى الأحوج إليها، وأن تكتم الصدقة ما أمكنك، وأن تتبعها بالمن والأذى، وأن تقصد بها وجه الله ولا ترائي به الناس، وأن تستحقر ما تعطي وإن كان كثيرًا، وأن يكون من أحب أموالك إليك، وأن لا ترى عز نفسك وذل الفقير فهذه عشرة خصال إذا اجتمعت في الصدقة كانت قرضًا حسنًا وقد تقدم تفسير الآية في سورة البقرة.
(فيضاعفه له) أي يعطيه أجره على إنفاقه أضعافًا مضاعفة من فضله، قرأ أهل الكوفة والبصرة بالألف وتخفيف العين، وقرىء فيضعفه وعلى كل من القراءتين فالفعل إما مرفوع أو منصوب فالقراآت أربعة وكلها سبعية قال ابن عطية: الرفع هنا على العطف أو الإستئناف والنصب بالفاء على جواب الإستفهام (وله) مع المضاعفة (أجر كريم) وهو الجنة، والمضاعفة هنا هي كون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، على اختلاف الأحوال والأشخاص والأوقات.
[ ١٣ / ٤٠٤ ]
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)
[ ١٣ / ٤٠٥ ]