مكية وهي إحدى وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ* اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ* الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ)].
(كِتابٌ) هو كتاب، يعني: السورة. وقرئ: "ليخرج الناس"
_________________
(١) سورة إبراهيم ﵇ مكية، وهي إحدى وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (هو كتاب)، هذا على تقدير أن يكون (الر) تعديدًا للحروف؛ قرعًا للعصا وتقدمة لدلائل الإعجاز، لا على أنها اسم للسورة. فإن قلت: لم آثر هذا الوجه على أن المقام يقتضي أن يكن اسمًا للسورة، لأن
[ ٨ / ٥٤١ ]
و(الظلمات) و(النور): استعارتان للضلال والهدى (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) بتسهيله وتيسيره، مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب، وذلك ما يمنحهم من اللطف والتوفيق،
_________________
(١) الخطاب بقوله: (أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ) الآية، مع النبي ﷺ لا مع القوم؟ قلت: معناه: أن المركب من هذه هو كتاب بلغ في البلاغة والإعجاز إلى مكان يخرج بسببه الناس من الظلمات إلى النور. قوله: (مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب)، قال المصنف: "استعارة "الإذن" للتسهيل والتيسير لأن الدخول في حق المالك متعذر، فإذا صودف الإذن تسهل وتيسر، فملا كان الإذن تسهيلًا لما تعذر من ذلك، وضع موضعه، والمراد: عنده منح اللطف وتيسير الإيمان"، قال محيي السنة: "بأمر ربهم، وقيل: بعلم ربهم". وقوله: "مستعار من الإذن" بعد قوله: "والظلمات والنور: مستعاران": فيه وجهان: أحدهما: استقلال كل من الاستعارات. وثانيهما: أن يعتبر التركيب إما عقليًا أو وهميًا، فيتصور الهدى كأنه نور، والضلال كأنه ظلمة، ويتصور المكلف لانغماسه في ظلمات الكفر بحيث لا يتسهل له الخروج إلى نور الإيمان إلا بأن يتفضل الله تعالى عليه بكرمه، ويبعث رسولًا، وينزل كتابًا، ثم يسهل ذلك عليه، كمن وقع في تيه مظلمة ليس منها الخلاص، ولات حين مناص، وإن ملكًا بعث توقيعًا إلى بعض خواصه في استخلاصه، وضمن تسهيل ذلك على نفسه. ثم استعمل هناك ما كان مستعملًا ها هنا، فقيل: "كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذننا"، ووضع موضع الضمير قوله: (رَبِّهِمْ)، للإشعار بالتربية واللطف والفضل، وبأن الهداية لطف محض، وفيه: أن الكتاب والرسول والدعوة لا تجدي دون الله، كما قال تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [القصص: ٥٦].
[ ٨ / ٥٤٢ ]
(إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) بدل من قوله: (إلى النور) بتكرير العامل، كقوله: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) [الأعراف: ٧٥]، ويجوز أن يكون على وجه الاستئناف، كأنه قيل: إلى أي: نور؟ فقيل: إلى صراط العزيز الحميد.
وقوله: (اللَّهِ) عطف بيانٍ لـ (لعزيز الحميد)؛ لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لغلبته واختصاصه بالمعبود الذي تحق له العبادة كما غلب "النجم" في الثريا. وقرئ بالرفع على: هو الله.
الويل: نقيض الوأل؛ وهو النجاة اسم معنى، كالهلاك؛ إلا أنه لا يشتق منه فعل، إنما يقال: ويلا له، فينصب نصب المصادر، ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات، فيقال: ويل له، كقوله سلام عليك.
ولما ذكر الخارجين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان توعد الكافرين بالويل.
فإن قلت: ما وجه اتصال قوله (مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ) بـ"الويل"؟ قلت: لأنّ المعنى أنهم يولولون من عذاب شديد، ويضجون منه، ويقولون: يا ويلاه!
_________________
(١) قوله: (بدل من قوله: (إِلَى النُّورِ) بتكرير العامل)، قال القاضي: "إضافة "الصراط" إلى الله: إما لأنه مقصده أو المظهر له. وتخصيص الوصفين- أعني: (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) - للتنبيه على أنه لا يذل سالكه ولا يخيب سائله". قوله: (لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لغلبته، كما غلب "النجم" في "الثريا")، فيه بحث على ما سبق في أول الكتاب. قوله: (وقرئ بالرفع؛ على: هو الله)، نافع وابن عامر، والباقون: بالجر. قوله: (ما وجه اتصال [قوله]: (مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) بـ "الويل")، يعني: أن الظاهر يمنع
[ ٨ / ٥٤٣ ]
كقوله: (دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا) [الفرقان: ١٣].
(الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ) مبتدأ خبره: (أولئك في ضلال بعيد)، ويجوز أن يكون مجرورًا صفة للكافرين، ومنصوبًا على الذمّ، أو مرفوعًا على: أعني الذين يستحبون أو: هم الذين يستحبون. والاستحباب: الإيثار والاختيار، وهو استفعال من المحبة، لأنّ المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحبّ إليها وأفضل عندها من الآخر.
وقرأ الحسن: "ويصدّون" بضم الياء وكسر الصاد. يقال: صدّه عن كذا، وأصدّه. قال:
أُنَاسٌ اصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ
والهمزة فيه داخلة على: صدّ صدودًا، لتنقله من غير التعدّى إلى التعدّي
_________________
(١) من الاتصال: قال أبو البقاء: " (ويل) مبتدأ و(لِلْكَافِرِينَ) خبره، و(مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) صفة "الويل" بعد الخبر، وهو جائز، ولا يجوز أن يتعلق بـ "ويل" لأجل الفصل بينهما بالخبر". وأجاب: أنه يجوز، لأنه اتصل به معنى لا لفظًا، لأن المعنى أنهم يولولون ويضجون منه، وقوله: "ويقولون: يا ويلاه" تفسير لقوله: "يولولون". قوله: (أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم)، تمامه: صدود السوافي عن أنوف الخرائم
[ ٨ / ٥٤٤ ]
وليست بفصيحةٍ كـ"أوقفه"؛ لأنّ الفصحاء استغنوا بـ"صدّه" و"وقفه" عن تكلف التعدية بالهمزة.
(وَيَبْغُونَها عِوَجًا) ويطلبون لسبيل الله زيغًا واعوجاجًا، وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة عن الحق غير مستوية، والأصل: ويبغون لها،
_________________
(١) "أصد": جاء بمعنى: صد، وهي لغة كلب، و"السوافي": الرياح، و"الخرم"- بالخاء المعجمة والراء المهملة: أنف الجبل، يقول: هم أناس صدوا الأعداء عن أنفسهم كما تصد الريح عن أنوف الجبال. قوله: (وليست بفصيحة)، يمكن أن يراد: وليست قراءة الحسن بفصيحة، لأن المشهورة- وهي "يصدون" بفتح الياء- هي الفصيحة، ونحن مستغنون بها عن تكلف جعل "يصدون" منقولًا من: صد صدودًا، كما استغنينا عن "أوقفه" للتعدية، لأنه جاء "وقفه"، وهذا مبني على عادته بأن القراءة ليست بموقوفة على السماع، بل على الاجتهاد. قوله: (وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة)، قيل: هو عطف على "زيغًا"، أي: يطلبون لسبيل الله أن يدلوا الناس. والوجه أن يكون عطفًا على "يطلبون"، لأن ما يطلبونه معدوم محال، فلا يكون طلبهم إلا هذه الدلالة، ووصفهم بأنها سبيل ناكبة، وقدحهم فيه: عناد وتعنت.
[ ٨ / ٥٤٥ ]
فحذف الجار وأوصل الفعل (فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) أي: ضلوا عن طريق الحق، ووقفوا دونه بمراحل.
فإن قلت: فما معنى وصف الضلال بالبعد؟ قلت: هو من الإسناد المجازي، والبعد في الحقيقة للضالّ، لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، كما تقول: جدّ جدّه. ويجوز أن يراد: في ضلال ذي بعدٍ، أو: فيه بعدٌ، لأنّ الضالّ قد يضلّ عن الطريق مكانًا قريبًا وبعيدًا.
_________________
(١) قوله: (في ضلال ذي بعد، أو: فيه بعد)، قال صاحب "الفرائد": فعلى هذا "البعد" صفة للمكان، لا صفة للضلال. وقلت: هذا حق، وأما تحرير هذا المقام فأن يقال: إن أصل الكلام أنهم ضلوا عن طريق الحق ضلالًا أي ضلال، فاستعير له البعد، وقيل: بعدوا فيه، فالبعد من صفتهم، فوصف بالضلال الذي هو فعلهم وملتبس بهم، نحو: طريق سائر، وهو المراد من قوله: "فوصف به فعله"، أو أن الضلال كأنه مكان واسع ذو أطراف ومسافات، وهو من الكناية المطلوب بها تخصيص الصفة بالموصوف، لأن القرب والبعد مما يضاف إلى المكان، فنبه به أن محل الضلال محل ذو بعد، والضلال معنى لابد له أن يقوم بذات يكون هذا المحل مكانه ومستقره، قال: إن السماحة والمروءة والندى … في قبة ضربت على ابن الحشرج وأما قوله: "أو: فيه بعد": فهو تمثيل، كأنه مثل طريق مستقيم، وصور أن العدول عن الجادة يمنة ويسرة ضلالة، وحينئذ تتفاوت الضلالات بحسب المعاصي والبدع والكفر، وإلى التمثيل الإشارة بقوله: "لأن الضال قد يضل عن الطريق مكانًا قريبًا وبعيدًا".
[ ٨ / ٥٤٦ ]
[(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)].
(إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) أي: ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولوا: لم نفهم ما خوطبنا به، كما قال: (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ) [فصلت: ٤٤].
فإن قلت: لم يبعث رسول الله ﷺ إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى الناس جميعًا (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) [الأعراف: ١٥٨]، بل إلى الثقلين، وهم على ألسنة مختلفةٍ، فإن لم تكن للعرب حجه فلغيرهم الحجة وإن لم تكن لغيرهم حجة فلو نزل بالعجمية، لم تكن للعرب حجة أيضًا.
قلت: لا يخلو إمّا أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل، فبقى أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول، لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر. قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمّة من أمم العجم، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة، والأقطار المتنازحة، والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة، على كتاب واحد، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد، وما يتكاثر في إتعاب النفوس وكدّ القرائح فيه، من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب،
_________________
(١) قوله: (فلو نزل بالعجمية)، جواب الشرط على التأويل، أي: ولئن منع أن يكون حجة لغير العرب فنحن نقول أيضًا: لو نزل، إلى آخره.
[ ٨ / ٥٤٧ ]
ولأنه أبعد من التحريف والتبديل، وأسلم من التنازع والاختلاف، ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها - مع اختلافها وكثرتها، وكان مستقلًا بصفة الإعجاز في كل واحد منها، وكلم الرسول العربيّ كل أمّةٍ بلسانها كما كلم أمّته التي هو منها يتلوه عليهم معجزًا - لكان ذلك أمرًا قريبًا من الإلجاء.
_________________
(١) قوله: (أبعد من التحريف والتبديل، وأسلم من النزاع والاختلاف)، قال صاحب "الفرائد": وذلك أن الرسول إذا لم يكن له لسان مخالف للسان قومه تبين لهم كلهم ما أرسل به إليهم بلسانهم هم، ثم هم ينقلون ذلك إلى من سواهم من الأمم، وهلم جرا، فيحصل التواتر، وبه يحصل اليقين، وأما إذا كان لسانه مخالفًا للسان المبعوث إليهم، فيحتاجون إلى الترجمان والمبين، فيضعف النقل، فلم يحصل لهم اليقين، فيقع الاختلاف. ألا ترى أن رسول الله ﷺ لم يقبض حتى صار النقل تواترًا. قوله: (وكلم الرسول العربي كل أمة بلسانها، كما كلم أمته) إلى قوله: (لكان ذلك أمرًا قريبًا من الإلجاء)، قال في "الانتصاف": "وفي هذا نظر؛ إذ يتضمن أن إعجاز القرآن بلفظه خاصة، حتى لو قدر منزلًا بكل لغة لكان إلجاء إلى الإيمان، وهو بعيد، لأن الإيمان عند حصول العلم بالمعجزة ليس إلجائيًا، ولا فرق بين حصوله بلغة واحدة ولغات كثيرة". وقلت: ولعل مراد المصنف من الإلجاء أن رجلًا واحدًا عربيًا إذا تكلم بالألسن التي لا تكاد تنحصر كثرة، ويكون كل منها مستقلًا بالإعجاز، كان ذلك مما يخرج عن حد المعجزة التي يصح أن يتحدى بها، فيكون كالأمور التي تلجئ إلى الإيمان، كالكشف عن قوارع الساعة، وحضور ملك الموت، وغير ذلك، ومن ثم قال: "قريبًا من الإلجاء".
[ ٨ / ٥٤٨ ]
ومعنى (بِلِسانِ قَوْمِهِ): بلغة قومه. وقرئ: "بلسن قومه". واللسن واللسان: كالريش والرياش، بمعنى اللغة. وقرئ: «بلسن قومه» بضم اللام، والسين مضمومةٌ أو ساكنة، وهو جمع لسان، كعماد وعمد وعمد على التخفيف.
وقيل: الضمير في (قومه) لمحمد ﷺ، ورووه عن الضحاك. وأن الكتب كلها نزلت بالعربية، ثم أدّاها كل نبيّ بلغة قومه، وليس بصحيح، لأنّ قوله (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) ضمير القوم وهم العرب، فيؤدّى إلى أن الله أنزل التوراة من السماء بالعربية ليبين للعرب، وهذا معنى فاسد (فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) كقوله: (فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) [التغابن: ٢]، لأنّ الله لا يضلّ إلا من يعلم أنه لن يؤمن، ولا يهدي إلا من يعلم أنه يؤمن. والمراد بالإضلال: التخلية ومنع الألطاف، وبالهداية: التوفيق واللطف، فكان ذلك كناية عن الكفر والإيمان (وَهُوَ الْعَزِيزُ) فلا يغلب على مشيئته الْحَكِيمُ فلا يخذل إلا أهل الخذلان، ولا يلطف إلا بأهل اللطف.
_________________
(١) قوله: (التي هو منها)، الضمير المرفوع للرسول ﷺ، والمجرور للأمة. وقوله: "يتلوه" حال من المرفوع في "كلم". قوله: (لأن قوله: (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) ضمير القوم، وهم العرب)، وللضحاك أن يقول: الضمير لكل قوم، كأنه قيل: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قوم محمد ﷺ ليبين الرسول لقومه الذي أرسل إليهم؛ لدلالة السياق. قوله: «فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ): كقوله تعالى: (فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ»، يريد: أن الفاء في (فَيُضِلُّ) تفصيلية، يعني: أن الله تعالى أرسل الرسول إلى القوم ليبين لهم طريق الهداية وطريق الضلالة، فعند ذلك حصل الاختلاف؛ فبعضهم اختاروا الهداية وبعضهم الضلالة، كقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ
[ ٨ / ٥٤٩ ]
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)].
(أَنْ أَخْرِجْ) بمعنى أي: أخرج، لأنّ الإرسال فيه معنى القول، كأنه قيل: أرسلناه وقلنا له أخرج. ويجوز أن تكون "أن" الناصبة للفعل، وإنما صلح أن توصل بفعل الأمر، لأنّ الغرض وصلها بما تكون معه في تأويل المصدر وهو الفعل والأمر، وغيره سواء في الفعلية. والدليل على جواز أن تكون الناصبة للفعل: قولهم أو عز إليه بأن افعل، فأدخلوا عليها حرف الجر. وكذلك التقدير بأن أخرج قومك،
_________________
(١) مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) إلى قوله: (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) [البقرة: ٢١٣]، لكن لما كان الإضلال والهداية مترادفين لمنع الألطاف ومنح التوفيق، والمنع والمنح لازمين للكفر والإيمان، كنى بها عنهما على التلويحية. وعندنا: الفاء ليست للتفصيل، لأن المعنى: ما كان إرسال الرسل إلا للبيان وإلزام الحجة وإزاحة العلة وتمييز الضال من المهتدي، لا ليوجدوا فيهم الهداية، ويزيلوا عنهم الضلالة، فإن ذلك من الله تعالى، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، لأنه عزيز قوي لا يغالب، يفعل ما يشاء، حكيم لا يدرك أحد كنه حكمته، يحكم ما يشاء، هذا ظاهر لا تعقيد فيه ولا تعسف، وموافق لفاتحة السورة، والله أعلم. قوله: (أوعز إليه)، الجوهري: "أوعزت إليه في كذا وكذا؛ أي: تقدمت، وكذلك: وعزت إليه توعيزًا، وقد يخفف فيقال: وعزت إليه وعزًا". وفي الحاشية: "أوعز؛ أي: أمر". قوله: (فأدخلوا عليها حرف الجر)، ودخول حرف الجر مشعر بأن "أن" مصدرية، لأنه من خواص الاسم، ولو كانت مفسرة لزم خلاف ذلك، لأن حرف الجر لا يدخل على الحرف ولا على الفعل.
[ ٨ / ٥٥٠ ]
(وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) وأنذرهم بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم: قوم نوح وعاد وثمود. ومنه أيام العرب لحروبها وملاحمها، كيوم ذي قار، ويوم الفجار، ويوم قضة وغيرها، وهو الظاهر. وعن ابن عباس ﵄: نعماؤه وبلاؤه؛ فأما نعماؤه فإنه ظلل علل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، وفلق لهم البحر، وأما بلاؤه فإهلاك القرون.
_________________
(١) قوله: (وملاحمها)، الجوهري: الملحمة: الوقعة العظيمة في الفتنة. "يوم ذي قار": يوم لبني شيبان، وكان أبرويز أغزاهم جيشًا، وهو أول يوم انتصرت فيه العرب من العجم. و"الفجار": يوم من أيامهم، وهي أربعة أفجرة؛ كانت بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عيلان في الجاهلية، وكانت الدبرة على قيس، وإنما سميت هذه الحرب فجارًا؛ لأنها كانت في الأشهر الحرم. و"يوم قضة"- بكسر القاف وفتح الضاد المعجمة المخففة: موضع كانت به وقعة تحلاق اللمم. قوله: (وهو الظاهر)، أي: وحمل "الأيام" على معنى الوقائع هو الظاهر، لأن التذكير بالأيام أكثر ما يستعمل في التخويف والإنذار كما سبق. وأما دليل ابن عباس على قوله: "نعماؤه وبلاؤه": فهو قوله: (صَبَّارٍ شَكُورٍ)، وكذا
[ ٨ / ٥٥١ ]
(لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) يصبر على بلاء الله ويشكر نعماءه، فإذا سمع بما أنزل الله من البلاء على الأمم، أو أفاض عليهم من النعم، تنبه على ما يجب عليه من الصبر والشكر واعتبر. وقيل: أراد لكل مؤمن، لأنّ الشكر والصبر من سجاياهم، تنبيهًا عليهم.
[(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)].
(إِذْ أَنْجاكُمْ) ظرفٌ للنعمة بمعنى الإنعام، أي: إنعامه عليكم ذلك الوقت. فإن قلت: هل يجوز أن ينتصب بـ (عليكم)؟ قلت: لا يخلو من أن يكون صلة للنعمة بمعنى الإنعام، أو غير صلة إذا أردت بالنعمة العطية،
_________________
(١) جمع "الأيام"؛ فإنها تقتضي اختلاف أنواعها، وقوله: (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)، وقوله: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ)، لأنه كالتفصيل لهذا الإجمال. قوله: (وقيل: أراد لكل مؤمن)، عطف من حيث المعنى على قوله: "يصبر على بلاء الله"، فعلى الأول: "الصبار" و"الشكور" مراد بهما كل من قام به الصبر والشكر، وعلى الثاني: عبارتان عن معبر واحد، كما تقول في الكناية عن الإنسان: حي مستوي القامة عريض الأظفار. هو من قوله: "الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر". قوله: (تنبيهًا عليهم)، مفعول له، أي: قال الله تعالى: (لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)، وأراد: لكل مؤمن؛ لينبه السامع على مكان الشكر والصبر، وأنهما من سجية المؤمنين، وكشف عن حقيقتهم، كأنه قيل: المؤمن هو الذي يصبر ويشكر.
[ ٨ / ٥٥٢ ]
فإذا كان صلةً لم يعمل فيه، وإذا كان غير صلةٍ بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرّة عليكم عمل فيه، ويتبين الفرق بين الوجهين أنك إذا قلت: نعمة الله عليكم، فإن جعلته صلة لم يكن كلامًا حتى تقول فائضة أو نحوها، وإلا كان كلامًا.
ويجوز أن يكون (وإذ) بدلًا من (نعمة الله)، أي: اذكروا وقت إنجائكم، وهو من بدل الاشتمال.
فإن قلت: في سورة البقرة (يُذَبِّحُونَ)، وفي الأعراف: (يُقَتِّلُونَ) وهاهنا (وَيُذَبِّحُونَ) مع الواو، فما الفرق؟ قلت: الفرق أنّ التذبيح حيث طرح الواو جعل تفسيرًا للعذاب وبيانًا له، وحيث أثبت جعل التذبيح لأنه أو في على جنس العذاب، وزاد عليه زيادة ظاهرة كأنه جنس آخر. فإن قلت: كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم؟ قلت: تمكينهم وإمهالهم، حتى فعلوا ما فعلوا ابتلاء من الله. ووجه آخر وهو أن ذلك إشارة إلى الإنجاء وهو بلاء عظيم، والبلاء يكون ابتلاء بالنعمة والمحنة جميعًا، قال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء: ٣٥]، وقال زهير:
فَأَبْلَاهُمَا خَيرَ البَلَاءِ الذِى يَبْلُوا
_________________
(١) قوله: (كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم)، يريد: كيف نسب البلاء الصادر من آل فرعون إلى الله تعالى؟ وأجاب: أن ما صدر منهم لما كان من تمكين الله تعالى نسب إليه، وهذا تحريف؛ لأن لفظة التنزيل: (وَفِي ذَلِكُم) أي: وفي أفعالهم اختبار من الله، أي: أنه تعالى خلق فيهم تلك الأفعال؛ ليكون ابتلاء منه. قوله: (فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو)، أوله: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم
[ ٨ / ٥٥٣ ]
[(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ)].
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ) من جملة ما قال مومى لقومه، وانتصابه للعطف على قوله: (نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) كأنه قيل: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم، واذكروا حين تأذن ربكم. ومعنى (تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ): أذن ربكم. ونظير تأذن وأذن: توعد وأوعد، تفضل وأفضل. ولا بدّ في "تفعل" من زيادة معنى ليس في "أفعل"، كأنه قيل: وإذ أذن ربكم إيذانًا بليغًا تنتفي عنده الشكوك، وتنزاح الشبه. والمعنى: وإذ تأذن ربكم فقال (لَئِنْ شَكَرْتُمْ) أو أجرى (تَأَذَّنَ) مجرى، "قال"، لأنه ضرب من القول.
وفي قراءة ابن مسعود: «وإذ قال ربكم لئن شكرتم»، أي: لئن شكرتم يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها من النعم
_________________
(١) مضى شرحه في الأنفال. قوله: (ولابد في "تفعل" من زيادة معنى)، ومن ذلك قيل: تكلف فلان فيما فعل: أي: كدح فيه وتعمل. قوله: (أي: لئن شكرتم- يا بني إسرائيل- ما خولتكم من نعمة الإنجاء) إلى آخره، ولما كان اللفظان مطلقين- أعني: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) - غير مقيدين بأي شيء يشكرون، وما تلك النعمة التي وجب عليهم شكرها، وما تلك الزيادة التي يستزيدونها بالشكر، قيد كلًا بما يناسبه المقام، قال محيي السنة: "قيل: الشكر قيد الموجود وصيد المفقود".
[ ٨ / ٥٥٤ ]
بالإيمان الخالص والعمل الصالح (لَأَزِيدَنَّكُمْ) نعمة إلى نعمة، ولأضاعفن لكم ما آتيتكم (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ) وغمطتم ما أنعمت به عليكم إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ لمن كفر نعمتي.
[(وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ)].
(وَقالَ مُوسى): إن كفرتم أنتم - يا بني إسرائيل- والناس كلهم، فإنما ضررتم أنفسكم وحرمتموها الخير الذي لا بدّ لكم منه وأنتم إليه محاويج، واللَّهَ غَنِيٌّ عن شكركم (حَمِيدٌ) مستوجبٌ للحمد بكثرة أنعمه وأياديه، وإن لم يحمده الحامدون.
_________________
(١) قوله: (بالإيمان الخالص)، الباء متعلقة بقوله: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ). قوله: (وغمطتم)، أي: حقرتم، الجوهري: "غمط الناس: الاحتقار لهم والإزراء بهم". قوله: (فإنما ضررتم أنفسكم وحرمتموها الخير الذي لابد لكم منه، وأنتم إليه محاويج)، هذه المعاني إنما تستفاد من إيقاع قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) جزاء لقوله: (إِن تَكْفُرُوا)، فإنه على سبيل التقريع والتوبيخ، يعني: إني أنبهكم- أيها الجهلة- بسبب كفرانكم نعمة الله؛ على أنكم إنما ضررتم أنفسكم وحرمتموها الخير الذي لابد لمك منه، لأنه تعالى ما كلفكم إلا ليجزيكم على أعمالكم، فتنتفعوا بها يوم القيامة؛ يوم تحتاجون غليه، إذ لا يرجع نفعها ولا ضرها إليه، لأنه غني حميد، سواء حمدتموه أو كفرتم به، ولابد من الجزاء، وليس ذلك إلا في يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وهو المراد من قوله: "وأنتم إليه محاويج"، أي: إلى الخير الذي يصل إليكم بسبب أعمالكم في ذلك اليوم.
[ ٨ / ٥٥٥ ]
[(أَلَمْ يَأتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)].
(وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ وقعت اعتراضًا، أو: عطف "الذين من بعدهم" على (قوم نوح)، و(لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) اعتراض. والمعنى: أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله. وعن ابن عباس ﵄: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون، وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون، يعني أنهم يدّعون علم الأنساب، وقد نفى الله علمها عن العباد.
_________________
(١) قوله: (أو عطف "الذين من بعدهم" على (قَوْمِ نُوحٍ)، و(لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ) اعتراض)، هذا أحسن من الاعتراض الأول، لأن الاعتراض من التحاسين في الكلام، وحسن موقعه أن يكون مع التأكيد، كما قال: "والمعنى: [أنهم] من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله". وعلى الأول: والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله، ليس فيه رائحة من ذلك. قوله: (بين عدنان وإسماعيل)، قال صاحب "الجامع": "اختلف في نسب النبي ﷺ بعد اتفاقهم أنه من ولد إسماعيل ﵇، وأنه من ولد معد بن عدنان، وإنما الاختلاف في الأسماء التي قبل عدنان، ولا يكاد يصح لأحد الرواة رواية ولا ضبط الأسماء". وأما اتصال هذه الآية بما قبلها: فإنه لما أجمل الكلام في قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ
[ ٨ / ٥٥٦ ]
(فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ) فعضوها غيظًا وضجرًا مما جاءت به الرسل، كقوله (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) [آل عمران: ١١٩]، أو ضحكًا واستهزاء كمن غلبه الضحك فوضع يده على فيه. أو: وأشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم (إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ) أي: هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره، إقناطًا لهم من التصديق. ألا ترى إلى قوله (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ) وهذا قول قوي. أو: وضعوها على أفواههم يقولون للأنبياء: أطبقوا أفواهكم واسكتوا. أو ردّوها في أفواه الأنبياء،
_________________
(١) إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، وفصله مبتدئًا بقصة موسى ﵇، عقبه مجملًا بقوله: (أَلَمْ يَاتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ) توبيخًا وتهديدًا. قوله: (ألا ترى إلى قوله: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ»، يعني: الذي ينصر أن المراد من قوله: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ): أنهم أشاروا بأيديهم إلى ما نطقت به ألسنتهم؛ عطف قوله: (إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ)، أي: أشاروا إلى أفواههم، ثم تكلموا به، لتتصل الإشارة بالقول، ومنه قولهم: أقول قولي هذا. وهذا أقوى الوجوه؛ وذلك أنه تعالى عطف "قالوا" على (فَرَدُّوا)، والفاء للتعقيب، فكأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات ما أمهلوا، بل عقبوه بالتكذيب، وأكدوه غاية التأكيد، وما تفكروا في الآيات، وما قصروا في الرد. الانتصاف: "أقوى الوجوه هذا، لأن إقناطهم قولًا وفعلًا هو المناسب لحدهم، ومن ثم صدروا الجملة بـ "إن" المؤكدة، وواجهوا بالخطاب، وكرروا "إنا"، ولا يناسب
[ ٨ / ٥٥٧ ]
يشيرون لهم إلى السكوت. أو وضعوها على أفواههم يسكتونهم ولا يذرونهم يتكلمون.
وقيل: الأيدي، جمع يدٍ، وهي النعمة بمعنى: الأيادي، أي: ردوا نعم الأنبياء التي هي أجل النعم من مواعظهم ونصائحهم وما أوحى إليهم من الشرائع والآيات (في أفواههم)،
_________________
(١) السياق الضحك والغيظ، ولا التصميت، إذ لم ينكروا عودهم إلى المجادلة". قوله: (أو وضعوها على أفواههم يسكتونهم)، أي: يسكتونهم قسرًا بوضع الأيدي على شفاهم، وفي الوجه السابق: لم يكن الوضع للقسر بل للإشارة. قال صاحب "الفرائد": الواجب أن يكون المراد منعهم من التحدث بما جاؤوا بقدر استطاعتهم، لأنه إن حمل على الحقيقة لزم أن يكون الكل وضعوا أيديهم على أفواههم، ومعلوم أنه غير واقع. وقلت: لا يلزم ذلك، لأنه حينئذ من باب "قتل بنو تميم فلانًا"، وإنما قتله واحد منهم. قوله: (وقيل: "الأيدي": جمع "يد"، وهي النعمة، بمعنى: الأيادي)، إنما قال: "بمعنى: الأيادي"؛ لأن "الأيادي" غلبت في النعم، و"الأيدي" في الجوارح، قال: سأشكر عمرًا إن تراخت منيتي … أيادي لم تمنن وإن هي جلت
[ ٨ / ٥٥٨ ]
لأنهم إذا كذبوها ولم يقبلوها، فكأنهم ردوها في أفواههم ورجعوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل (مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ) من الإيمان بالله. وقرئ: «تدعونا»، بإدغام النون (مُرِيبٍ) موقع في الريبة أو ذى ريبة، من أرابه، وأراب الرجل، وهي قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر.
[(قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَاتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ)].
(أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) أدخلت همزة الإنكار على الظرف، لأن الكلام ليس في الشك، إنما هو في المشكوك فيه، وأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة وشهادتها عليه (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) أي: (يدعوكم) إلى الإيمان (ليغفر لكم)، أو يدعوكم لأجل المغفرة،
_________________
(١) قوله: (على طريق المثل)، أي: مثل ما جاء به الأنبياء من المصالح والنصائح والمواعظ، وأنهم ردوها أبلغ رد، وما قبلوها، بما يحاول رده إلى حيث جاء منه؛ من الكلام الخارج من الفم، فقيل: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ)، نحوه قوله تعالى: (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) [البقرة: ١٠١]، قال المصنف: "نبذه وراء ظهورهم مثل لتركهم وأعراضهم عنه بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه"، فإذن لا يد ولا فم هناك. قوله: (لأن الكلام ليس في الشك)، يعني: من حق حرف الاستفهام أن يدخل على فعل الشك، لا على الظرف الذي هو متعلقه، وإنما أدخل عليه لأن التردد إنما وقع في المشكوك فيه، لأن الشك موجود لا كلام فيه. قوله: (أي: (يَدْعُوكُمْ) إلى الإيمان (لِيَغْفِرَ لَكُم)، أو: يدعوكم لأجل المغفرة)، وعلى الثاني: الدعوة مطلقة أو المدعو إليه عام، قال القاضي: " (يَدْعُوكُمْ) إلى الإيمان (لِيَغْفِرَ
[ ٨ / ٥٥٩ ]
كقوله: دعوته لينصرني، ودعوته ليأكل معي، وقال:
دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِى مِسْوَرا … فَلَبَّى فَلَبَّى يَدَيْ مِسْوَرِ
فإن قلت: ما معنى التبعيض في قوله: (من ذنوبكم)؟ قلت: ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين، كقوله: (وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ* يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [نوح: ٣ - ٤]، (يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [الأحقاف: ٣١]، وقال في خطاب المؤمنين: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) [الصف: ١٠] إلى أن قال (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [الصف: ١٢]، وغير ذلك مما يقفك عليه الاستقراء، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين،
_________________
(١) لَكُم)، أو يدعوكم إلى المغفرة، كقولك: دعوته لينصرني؛ على إقامة المفعول له مقام المفعول به"، أراد: أن المدعو إليه في الأول: الإيمان، و(لِيَغْفِرَ لَكُم) تعليل قصدًا، وفي الثاني: المدعو إليه المغفرة، والتعليل لازم لكن من غير قصد. قوله: (دعوت لما نابني مسورًا فلبا فلبي يدي مسور)، روي عن المصنف: أن ذكر "اليدين" على سبيل الإقحام، وأضاف "لبي" إلى المظهر، كما يضاف إلى المضمر، وفي حاشية "الصحاح": "قال أبو تمام: البيت لأعرابي من بني أسد، استشهد به على أن "لبيك" مثنى، والياء علامة التثنية، وليست مثل: عليك وإليك. وكتب ابن الحبيب الكاتب". فـ "لبا" الأولى بالألف، والثانية بالياء على إضافتها إلى "يدي" إضافة للمصدر إلى المفعول، وصححه الصغاني، والأول فعل وإن كانت الألف رابعة، ولعل ذلك للتمييز، والفاء الثانية سببية على حذف الفعل، وإقامة المصدر مقامه، دعا له أن يكون مجابًا كما كان مجيبًا و"يدي" تأكيد.
[ ٨ / ٥٦٠ ]
ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد، وقيل: أريد أنه يغفر لهم ما بينهم وبين الله، بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم ونحوها.
_________________
(١) قال الجوهري: "قولهم: هذا كما قدمت يداك، وهو تأكيد، كما يقال: هذا ما جنت يداك، أي: جنيته أنت". يقول: دعوت مسورًا لينصرني لما نابني من الشدائد، فأجابني، فأجاب الله دعاءه ونصره الله نصرًا. قوله: (وقيل: أريد أنه يغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى، بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لأنه مشترك بين الفريقين، أي: المؤمنين إذا تابوا، والكافرين إذا آمنوا. وقلت: الذي عليه الحديث الصحيح الذي رويناه في "صحيح مسلم" عن عمرو ابن العاص قال: "لما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله"، يرد نظره وهذا القول أيضًا. قال التوربشتي: "اعلم أن الفضائل المرتبة بعضها على بعض مختلفة لا يجوز التسوية بينها في الحكم، وذلك أن الإسلام يهدم ما كان قبله على الإطلاق، مظلمة كانت أو غير مظلمة، كبيرة كانت أو صغيرة، فأما الهجرة والحج فإنهما لا يكفران المظالم، ولا يقطع فيهما أيضًا بغفران الكبائر التي بين الله وبين العباد، فيحمل الحديث على أن الهجرة والحج يكفران الصغائر والكبائر أيضًا فيما لا يتعلق بحقوق العباد، كما عرفنا ذلك من أصول الدين".
[ ٨ / ٥٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقلت: وروينا في "سنن ابن ماجة" عن عباس بن مرداس: "أن النبي ﷺ دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة، فأكثر الدعاء، فأجيب: أني قد غفرت لهم ما خلا المظالم، فإني آخذ للمظلوم منه. قال: أي رب، إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة، وغفرت للظالم. فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل. قال: فضحك رسول الله ﷺ- أو تبسم-، فقال له أبو بكر ﵁: فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك؟ قال: إن عدو الله إبليس لما علم أن الله استجاب دعائي، وغفر لأمتي، أخذ التراب، فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه". قال صاحب "الفرائد": "من": زائدة للتأكيد، كما هو مذهب الأخفشن فيكون مبالغة واستغراقًا في غفران الذنوب الماضية من الكفر وغيره، وذلك أليق بأهل الكفر حين دعوا إلى الإيمان والعمل الصالح؛ لبعدهم عن ذلك وإنكارهم، فخصوا لذلك بذلك. ونقل عن الأصم: أن "من" للتبعيض، والمعنى: أنكم إذا تبتم يغفر الله لكم الذنوب التي هي الكبائر، فأما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها، لأنها في نفسها مغفورة. وقلت: والذي يقتضيه المقام هذا، لأن الدعوة عامة، لقوله تعالى: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)، كأنه قيل: أيها الشاكون الملوثون بأوضار الشرك والكفر والمعاصي، إن الله يدعوكم إلى الإيمان والتوحيد ليطهركم من أجناس أنجاس الذنوب، فلا وجه للتخصيص، وقد ورد: (إِن
[ ٨ / ٥٦٢ ]
(وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) إلى وقت قد سماه الله وبين مقداره، يبلغكموه إن آمنتم، وإلا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت.
(إِنْ أَنْتُمْ) ما أنتم (إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) لا فضل بيننا وبينكم، ولا فضل لكم علينا، فلم تخصون بالنبوّة دوننا، ولو أرسل الله إلى البشر رسلًا لجعلهم من جنسٍ أفضل منهم وهم الملائكة، (بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) بحجة بينة، وقد جاءتهم رسلهم بالبينات والحجج، وإنما أرادوا بالسلطان المبين آية قد اقترحوها تعنتًا ولجاجًا.
[(قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَاتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
_________________
(١) يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: ٣٨]، و"ما" للعموم، سيما في الشرط، ومقام الكافر عند ترغيبه في الإسلام بسط لا قبض، ولأن الكفار إذا أسلموا إنما اهتمامهم في الشرك ونحوه، لا في الصغائر. يؤيده ما روى المصنف: أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف ولم نهاجر، وعبدنا الأوثان، وقتلنا النفس التي حرم الله؟ ! فنزلت: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) [الزمر: ٥٣] الآية، وقصة وحشي مشهورة. على أن الزجاج نص في بعض المواضع من "تفسيره": أن "من" للبيان. قوله: (لجعلهم من جنس أفضل منهم، وهم الملائكة)، الانتصاف: "تهالك في مذهبه حتى اعتقد أن الكفار كانوا يعتقدون تفضيل الملك".
[ ٨ / ٥٦٣ ]
وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)].
(إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) تسليم لقولهم، وأنهم بشر مثلهم، يعنون: أنهم مثلهم في البشرية وحدها، فأما ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم، ولكنهم لم يذكروا فضلهم تواضعًا منهم،
_________________
(١) قوله: (تسليم لقولهم، وأنهم بشر مثلهم) إلى قوله: (فأما ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم)، وهو كالقول بالموجب، لأن فيه إطماعًا بالموافقة، وكذا إلى إجابتهم بالإبطال بقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، أي: إنما اختصنا الله بالرسالة بفضل منه وامتنان، والبشرية غير مانعة لمشيئته، وفي قول المصنف: "إلا وهم أهل لاختصاصهم" شائبة من الميل إلى المذهب، وفي قول موسى ﵇: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء: ٢١] دلالة على أن الرسالة موهبة محضة من الله، لا مدخل لعمل العبد فيها.
[ ٨ / ٥٦٤ ]
واقتصروا على قولهم: (وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) بالنبوّة، لأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لاختصاصهم بها، لخصائص فيهم قد استأثروا بها على أبناء جنسهم (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أرادوا أن الإتيان بالآية التي اقترحتموها ليس إلينا ولا في استطاعتنا، وما هو إلا أمر يتعلق بمشيئة الله (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أمرٌ منهم للمؤمنين كافة بالتوكل، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا وأمروها به، كأنهم قالوا: ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وما يجرى علينا منكم. ألا ترى إلى قوله (وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ) ومعناه: وأي: عذر لنا في أن لا نتوكل عليه (وَقَدْ هَدانا) وقد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه، وهو التوفيق لهداية كل واحد منا سبيله الذي يجب عليه سلوكه في الدين.
فإن قلت: كيف كرّر الأمر بالتوكل؟ قلت: الأول لاستحداث التوكل، وقوله (فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) معناه فليثبت المتوكلون على ما استحدثوا من توكلهم وقصدهم إلى أنفسهم على ما تقدّم.
_________________
(١) قوله: (وأمروها به)، الضمير راجع إلى "الأنفس"، وهو عطف على "قصدوا". قوله: (الأول)، أي: الأول لاستحداث التوكل، والثاني: للثبات عليه، وذلك أن قوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ) تذييل للجواب عن قول القوم: (إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا)، كأنهم قالوا: من حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم هذه، فلما ذكروا رفع الموانع من التوكل، وأثبتوا السبب فيه، وهو الهداية، وتصريح الصبر على أذى القوم، كروا إلى اختصاص التوكل عليه، فاللام في (الْمُتَوَكِّلُونَ) للعهد التقديري، بدلالة قوله: (فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ)، أي: الواجب علينا في اختصاصنا التوكل على الله أن نشمر له عن ساق الجد، وكلما تجدد الموجب نستجد توكلًا على التوكل.
[ ٨ / ٥٦٥ ]
[(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ* وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ)].
(لَنُخْرِجَنَّكُمْ)، (أَوْ لَتَعُودُنَّ) ليكونن أحد الأمرين لا محالة، إما إخراجكم وإما عودكم حالفين على ذلك.
فإن قلت: كأنهم كانوا على ملتهم حتى يعودوا فيها؟ قلت: معاذ الله، ولكن العود بمعنى الصيرورة، وهو كثير في كلام العرب كثرة فاشية؛
_________________
(١) قوله: (ليكونن أحد الأمرين لا محالة)، وقد استقصينا الكلام [فيه] في قوله: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) [الفتح: ١٦] بسورة (إِنَّا فَتَحْنَا). قوله: (حالفين على ذلك)، هو حال، وعاملها مضمر، أي: قالوا: لابد من الإخراج أو العود حالفين، والدليل على القسم اللامان في "لنخرجن" و(لَتَعُودُنَّ). قوله: (ولكن "العود" بمعنى: الصيرورة)، قال صاحب "الفرائد": ولو كان "عاد" بمعنى: صار، لقيل: لتعودن إلى ملتنا، أي: لتصيرن إليها، فملا عدي بـ "في" ضمن معنى: دخل، كقوله: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) [الفجر: ٢٩]، أي: لتدخلن في أهل ملتنا. وقلت: إنما يلزم ذلك أن لو كان (فِي مِلَّتِنَا) صلة (لَتَعُودُنَّ)، وليس كذلك، لأن "عاد" إذا كان بمعنى: صار، لم يكن "في" من صلة "العود"، بل يكون خبرًا لـ "عاد"، لأن أخوات "كان" و"صار" من دواخل المبتدأ والخبر، ويمكن أن يقال: إنهم قالوا ذلك لظنهم الفاسد وجهلهم بأحواله، كقول فرعون: (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ) [الشعراء: ١٩]، قال: "أو جهل أمره، لأنه كان يعايشهم بالتقية".
[ ٨ / ٥٦٦ ]
لا تكاد تسمعهم يستعملون "صار"، ولكن "عاد"، ما عدت أراه عاد لا يكلمني، ما عاد لفلانٍ مال. أو خاطبوا به كل رسول ومن آمن به، فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد.
(لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) حكاية تقتضي إضمار القول، أو إجراء الإيحاء مجرى القول، لأنه ضرب منه. وقرأ أبو حيوة: «ليهلكنّ»، و«ليسكننكم» بالياء اعتبارًا لـ"أوحى"، وأن لفظه لفظ الغيبة، ونحوه قولك: أقسم زيد ليخرجن ولأخرجن. والمراد بـ"الأرض": أرض الظالمين وديارهم، ونحوه: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا) [الأعراف: ١٢٧]، (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ) [الأحزاب: ٢٧]. وعن النبي ﷺ: «من آذى جاره ورثه الله داره» ولقد عاينت هذا في مدة قريبة: كان لي خالٌ يظلمه عظيم القرية التي أنا منها ويؤذيني فيه، فمات ذلك العظيم وملكني الله ضيعته، فنظرت يومًا إلى أبناء خالي يتردّدون فيها ويدخلون في دورها ويخرجون ويأمرون وينهون فذكرت قول رسول الله ﷺ، وحدّثتهم به، وسجدنا شكرًا لله (ذلِكَ) إشارة إلى ما قضى به الله من إهلاك الظالمين إسكان المؤمنين ديارهم، أي: ذلك الأمر حق (لِمَنْ خافَ مَقامِي) موقفي وهو موقف الحساب، لأنه موقف الله الذي يقف فيه عباده يوم القيامة، أو على إقحام المقام. وقيل:
_________________
(١) قوله: (أو على إقحام المقام)، وهو كقوله: ونفيت عنه … مقام الذئب وسبق بيانه في أنه كناية.
[ ٨ / ٥٦٧ ]
خاف قيامي عليه وحفظي لأعماله. والمعنى أنّ ذلك حق للمتقين، كقوله: (وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: ١٢٨].
[(وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ* مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ* يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ)].
(وَاسْتَفْتَحُوا) واستنصروا الله على أعدائهم (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ) [الأنفال: ١٩]، أو: استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم؛ من الفتاحة وهي الحكومة، كقوله تعالى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ) [الأعراف: ٨٩]، وهو معطوف على (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ).
وقرئ: «واستفتحوا»، بلفظ الأمر،
_________________
(١) قوله: (والمعنى: أن ذلك حق للمتقين، كقوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»، يريد: موقع قوله: (لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) - الذي هو كناية عن "المتقين" في هذه الآية- بعد قوله: (وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) موقع قوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) في قصة موسى ﵇، حيث قال: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: ١٢٨]، ولهذا شبه قوله: (وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) بقوله: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا) [الأعراف: ١٣٧]، (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ) [الأحزاب: ٢٧]، وهو في تلك القصة. قوله: (وقرئ: "واستفتحوا" بلفظ الأمر)، قال ابن جني: "قرأها ابن عباس ومجاهد وابن محيصن".
[ ٨ / ٥٦٨ ]
وعطفه على (لَنُهْلِكَنَّ) أي: أوحى إليهم ربهم وقال لهم لنهلكنّ، وقال لهم: استفتحوا.
(وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) معناه: فنصروا وظفروا وأفلحوا (وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)، وهم قومهم. وقيل: واستفتح الكفار على الرسل، ظنًا منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل، (وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) منهم ولم يفلح باستفتاحه.
(مِنْ وَرائِهِ) من بين يديه. قال:
_________________
(١) قوله: (وعطفه على (لَنُهْلِكَنَّ) داخلة في حكم الموحى- أي: الموحى إليه- لبيان الوعد بالإهلاك والأمر بطلب الفتح، ثم قوله: (وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) على التقديرين: إخبار عن مآل الحال، وهو معطوف على مقدر هو مرتب على الوعد بالاستفتاح، وإليه الإشارة بقوله: "فنصروا وظفروا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد". فإن قلت: قوله: (وَاسْتَفْتَحُوا) طلب النصرة- سواء كان خبرًا أو طلبًا- موقعه قبل الوعد بالإهلاك، فما الحكمة في تأخيره؟ قلت: الواو للجمع المطلق، كأنه تعالى أخبر عن وجودهما، وعول الترتيب إلى ذهن السامع. قوله: (وقيل: واستفتح الكفار)، عطف على " (وَاسْتَفْتَحُوا) واستنصروا"، لا على "استفتحوا؛ بلفظ الأمر"، لأنه لا يدخل تحت الموحى، بل تحت الإخبار، فعلى هذا: (وَخَابَ) عطف على (وَاسْتَفْتَحُوا).
[ ٨ / ٥٦٩ ]
عَسَى الْكَرْبُ الَّذِى أَمْسَيْتَ فِيهِ … يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
وهذا وصف حاله وهو في الدنيا، لأنه مرصد لجهنم، فكأنها بين يديه وهو على شفيرها أو وصف حاله في الآخرة حين يبعث ويوقف.
فإن قلت: علام عطف (وَيُسْقى)؟ قلت: على محذوف تقديره: من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى من ماء صديد، كأنه أشد عذابها،
_________________
(١) قوله: (عسى الكرب الذي) البيت، صح "أمسيت" على الخطاب، لأن القائل يبشر رجلًا محزونًا بالفرج القريب، وزوال الحزن، ووشك انكشافه، وحذف "أن" من الفعل بعد "عسى"، وهو قليل. قوله: (مرصد بجهنم)، بفتح الميم وبالباء، وفي نسخة: "مرصد لجهنم" بضم الميم وباللام. النهاية: "يقال: رصدته؛ إذا قعدت له على طريقه تترقبه، وأرصدت له العقوبة؛ إذا أعددتها له، وحقيقته: جعلتها على طريقه كالمترقبة له". قوله: (أو وصف حاله في الآخرة حيث يبعث)، عطف على قوله: "من بين يديه"، فسر "الوراء" بكلا معنييه لأنه من الأضداد، قال الجوهري: "وراء: بمعنى: خلف، وقد يكون بمعنى: قدام". قوله: (من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى من ماء)، قال صاحب "الفرائد": "ويمكن أن يقال: هو عطف على المقدر في قوله: (مِن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ)، أي: يحصل له من ورائه جهنم، ويسقى فيها من ماء صديد". وما قدره المصنف أبلغ، والمقام له أدعى،
[ ٨ / ٥٧٠ ]
فخصص بالذكر مع قوله (وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ).
فإن قلت: ما وجه قوله تعالى (مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ)؟ قلت: (صديد) عطف بيان لـ (ماء)، قال: (وَيُسْقى مِنْ ماءٍ) فأبهمه إبهامًا ثم بينه بقوله (صَدِيدٍ)، وهو ما يسيل من جلود أهل النار.
(يَتَجَرَّعُهُ) يتكلف جرعه (وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ) دخل "كاد" للمبالغة. يعني: ولا يقارب أن يسيغه، فكيف تكون الإساغة، كقوله (لَمْ يَكَدْ يَراها) [النور: ٤٠]، أي: لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها؟ (وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ) كأنّ أسباب الموت وأصنافه كلها قد تألبت عليه وأحاطت به من جميع الجهات، تفظيعا لما يصيبه من الآلام.
وقيل: (مِنْ كُلِّ مَكانٍ) من جسده حتى من إبهام رجله. وقيل: من أصل كل شعرة
_________________
(١) والعاطف إذا جيء بغير معطوف عليه دل على فخامة الأمر، ومن ثم قدر: "يلقى ما يلقى"، أي: لا يدخل تحت الوصف، والجملة استئنافية. قوله: (فخصص بالذكر مع قوله: (وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ»، وإنما جمعهما ليؤذن بالجمع بين الذوقين؛ ذوق مرارة الصديد، وذوق مرارة الغصص وما الموت دونه؛ تفظيعًا للأمر. فظهر من هذا أن قول المصنف: "تفظيعًا لما يصيبه من الآلام" على لمقدر، أي: إنما خصه بالذكر وجمعه مع قوله: (وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) تفظيعًا لما يصيبه. قوله: (قد تألبت)، الجوهري: "تألبوا: اجتمعوا، وهم ألب: إذا كانوا مجتمعين".
[ ٨ / ٥٧١ ]
(وَمِنْ وَرائِهِ) ومن بين يديه (عَذابٌ غَلِيظٌ) أي: في كل وقت يستقبله يتلقى عذابًا أشدّ مما قبله وأغلظ. وعن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد.
ويحتمل أن يكون أهل مكة قد استفتحوا - أي: استمطروا، والفتح المطر - في سني القحط التي أرسلت عليهم بدعوة رسول الله ﷺ فلم يسقوا، فذكر سبحانه ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء آخر، وهو صديد أهل النار. و"اسْتَفْتَحُوا" على هذا التفسير: كلامٌ مستأنفٌ منقطعٌ عن حديث الرسل وأممهم.
_________________
(١) قوله: «مِنْ وَرَائِهِ) ومن بين يديه (عَذَابٌ غَلِيظٌ)، أي: في كل وقت يستقبله)، (مِنْ وَرَائِهِ) في الآية الأولى: ظرف مكان؛ يدل عليه قوله: "فكأنها بين يديه وهو على شفيرها"، وفي هذه: ظرف زمان؛ يدل عليه قوله: "في كل وقت"، وإنما فسره بالوقت لإردافه بقوله: (مِن كُلِّ مَكَانٍ) ليشمل الأمكنة والأزمنة. قوله: (ويحتمل أن يكون أهل مكة)، عطف على قوله: "واستفتح الكفار على الرسل". قوله: (كلام مستأنف منقطع)، فإن قلت: قد تقرر أن الاستئناف مناف لإدخال العاطف، فما هذه الواو إذن؟ قلت: قد ذكر أن الجملة منقطعة عن حديث الرسل وأممهم، ولم يذكر أنها منقطعة على الإطلاق، لأنها متصلة بقوله في مفتتح السورة: (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ* الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) [إبراهيم: ٢ - ٣]، والمراد منهم أهل مكة، ووسطت قصص الأنبياء بين الكلامين؛ ليذكرهم بأيام الله، فيعتبروا بعاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالًا، ولإرشاد الرسول ﷺ وتسليته ليهتدي بهديهم، ويقتفي آثارهم في الصبر على أذى القوم، والتشمر في الدعوة إلى الدين الحق. ألا ترى كيف طابق بين الإرشادين- أعني: قوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى
[ ٨ / ٥٧٢ ]
[(مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ)].
هو مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه، تقديره: وفيما يقص عليك (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) و"المثل" مستعار للصفة التي فيها غرابة وقوله (أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ) جملةٌ مستأنفةٌ على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم؟ فقيل: (أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ). ويجوز أن يكون المعنى: مثل أعمال الذين كفروا بربهم. أو هذه الجملة خبرا للمبتدأ؛
_________________
(١) النُّورِ) [إبراهيم: ١] في خطاب الرسول ﷺ، وقوله: (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [إبراهيم: ٥] من خطاب موسى عليه السالم، ووافق بين التذكيرين، أعني: تذكير هذه الأمة بالأنبياء والأمم، وتذكير أمة موسى ﵇ بقوله: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) [إبراهيم: ٥]. وإنما أخر المصنف هذا الوجه، وفصل بينه وبين الوجوه السابقة، وأطال الكلام بينها، لأنه- بالنظر إلى الظاهر- بعيد التعلق، وعليه النظم المعجز كما ترى. وأما إيراده في هذا المقام فعلى سبيل الاستطراد، فإنه تعالى لما ذكر خيبة الجبارين الذين تجبروا على الرسل، فإنهم لما قالوا: (لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا) [إبراهيم: ١٣] خيبهم بقوله: (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ* وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) [إبراهيم: ١٣ - ١٤]، كما استفتح أهل مكة بالمطر، وخيبهم بالسقي من الماء الصديد. والمراد بـ "سني القحط": ما أكلوا فيها الجيف والعلهز، وهي الدخان في قوله: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَليمٌ) [الدخان: ١٠ - ١١]. قوله: (أو: هذه الجملة خبر للمبتدأ)، عطف على قوله: "ويجوز أن يكون المعنى"، يعني: قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) مبتدأ، والخبر: (أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) على تقدير
[ ٨ / ٥٧٣ ]
أي: صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد، كقولك صفة زيد عرضه مصون وماله مبذول، أو يكون (أعمالهم) بدلًا من (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) على تقدير: مثل أعمالهم، و(كرماد): الخبر.
وقرئ: (الرياح فِي يَوْمٍ عاصِفٍ) جعل العصف لليوم، وهو لما فيه، وهو الريح أو الرياح، كقولك: يوم ماطر وليلة ساكرة. وإنما السكور لريحها وقرئ: في يوم عاصف، بالإضافة. وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم، من صلة الأرحام وعتق الرقاب، وفداء الأسارى، وعقر الإبل للأضياف، وإغاثة الملهوفين، والإجازة، وغير ذلك من صنائعهم، شبهها في حبوطها وذهابها هباء منثورا لبنائها على غير أساس من معرفة الله والإيمان به، وكونها لوجهه: برماد طيرته الريح العاصف.
(لا يَقْدِرُونَ) يوم القيامة (مِمَّا كَسَبُوا) من أعمالهم (عَلى شَيْءٍ) أي: لا يرون له أثرًا من ثوابٍ، كما لا يقدر من الرماد المطير في الريح على شيء،
_________________
(١) حذف مضاف؛ ليستقيم إيقاع (أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) خبرًا عنه، أو تكون هذه الجملة- أي: (أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) - خبرًا على التأويل المذكور، ولا تقدر شيئًا، لأنه حينئذ من التركيب السببي. قوله: (أو يكون (أَعْمَالُهُمْ) بدلًا من (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا)؛ على تقدير: مثل أعمالهم، و(كَرَمَادٍ): الخبر)، قال أبو البقاء: "وهو بدل اشتمال". قوله: (وليلة ساكرة)، أي: ساكنة، عن الجوهري. قوله: (الملهوفين)، الجوهري: "لهف- بالكسر- يلهف لهفًا؛ أي: حزن وتحسر، والملهوف: المظلوم يستغيث".
[ ٨ / ٥٧٤ ]
(ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق أو عن الثواب.
(بِالْحَقِّ): بالحكمة والغرض الصحيح والأمر العظيم، ولم يخلقها عبثًا ولا شهوة.
[(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ* وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)].
وقرئ: "خالق السموات والأرض" (إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ) أي: هو قادرٌ على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقا آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم، إعلاما منه باقتداره على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم،
_________________
(١) قوله: (إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق)، أي: هذا الكلام إشارة إلى أن ضلالهم قد بعد عن الطريق القويم، والمراد أنهم قد بعدوا؛ على الإسناد المجازي أو الاستعارة المكنية كما سبق قبل هذا، وفيه من المبالغات ما بلغت غايتها، وذلك من إيقاع اسم الإشارة مبتدأ، وتعريف الخبر، ووصفه بالبعد، وتوسيط ضمير الفصل. قوله: «بِالْحَقِّ) بالحكمة والغرض الصحيح)، الانتصاف: "هذا اعتزال خفي، سبقت أمثاله، ثم قال: (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ) لأنه قادر بالذات، لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فإذا خلص له الداعي وانتفى الصارف يكون من غير توقف، وصرح بما كان خفيًا، وما أقبح قوله عن الله تعالى: خلص له الداعي وانتفى الصارف". قوله: (وقرئ: "خالق السماوات")، حمزة والكسائي.
[ ٨ / ٥٧٥ ]
يقدر على الشيء وجنس ضده. (وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) بمتعذرٍ، بل هو هين عليه يسير، لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فإذا خلص له الداعي إلى شيءٍ وانتفى الصارف تكوّن من غير توقف، كتحريك أصبعك إذا دعاك إليه داعٍ ولم يعترض دونه صارف.
وهذه الآيات بيانٌ لإبعادهم في الضلال وعظيم خطئهم في الكفر بالله، لوضوح آياته الشاهدة له الدالة على قدرته الباهرة وحكمته البالغة وأنه هو الحقيق بأن يعبد، ويخاف عقابه ويرجى ثوابه في دار الجزاء.
[(وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ)].
_________________
(١) قوله: (وجنس ضده)، مبالغة في الاقتدار، يعني: أنه ليس بقادر على الضد فقط، بل هو قادر على الضد وأمثاله، كالتباين والتماثل والتقابل والنظير والند وغيرها. الجوهري: "يقال: لا ضد له ولا ند؛ أي: لا نظير له"، وقال المصنف: "معنى قولهم: ليس لله ند ولا ضد: نفي ما يسد مسده، ونفي ما ينافيه"، وفيه إدماج لإبطال قول الثنوية.
[ ٨ / ٥٧٦ ]
(وَبَرَزُوا لِلَّهِ) ويبرزون يوم القيامة. وإنما جيء به بلفظ الماضي، لأنّ ما أخبر به عزّ وعلا لصدقه كأنه قد كان ووجد، ونحوه: (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٤٤]، (وَنادى أَصْحابُ النَّارِ) [الأعراف: ٥٠]، ونظائر له. ومعنى بروزهم لله- والله تعالى لا يتوارى عنه شيء حتى يبرز له-: أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش، ويظنون أن ذلك خاف على الله، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أنّ الله لا يخفى عليه خافية. أو خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه.
فإن قلت: لم كتب (الضعفؤا) بواو قبل الهمزة؟ قلت: كتب على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو. ونظيره (علمؤا بني إسرائيل) [الشعراء: ١٩٧].
و(الضعفؤا): الأتباع والعوام، و(للذين استكبروا): ساداتهم وكبراؤهم، الذين استتبعوهم واستغووهم وصدورهم عن الاستماع إلى الأنبياء وأتباعهم (تَبَعًا) تابعين: جمع تابع على تبع، كقولهم: خادم وخدم وغائب وغيب أو ذوي تبع. والتبع: الأتباع، يقال: تبعه تبعًا.
فإن قلت: أي: فرقٍ بين "من" في (مِنْ عَذابِ اللَّهِ) وبينه في (مِنْ شَيْءٍ)؟ قلت: الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، كأنه قيل: هل أنتم مغنون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله. ويجوز أن تكونا للتبعيض معًا، بمعنى: هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله، أى: بعض بعض عذاب الله.
_________________
(١) قوله: (بعض الشيء الذي هو عذاب الله)، فإن قلت: كيف طابق هذا التقدير قوله: "من: الأولى للتبيين، والثانية: للتبعيض"؟ قلت: من حيث إن (مِن شَيْءٍ) حينئذ مفعول (مُغْنُونَ)، والتنكير للتقليل، و(مِنْ عَذَابِ اللهِ) حال منه قدمت؛ لأن ذا الحال نكرة، والحال وصاحبها في الحقيقة صفة وموصوف. قوله: (بعض شيء هو بعض عذاب الله)، فعلى هذا: (مِن شَيْءٍ) بدل (مِنْ عَذَابِ اللهِ)،
[ ٨ / ٥٧٧ ]
فإن قلت: فما معنى قوله (لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ)؟ قلت الذي قال لهم الضعفاء كان توبيخًا لهم وعتابا على استتباعهم واستغوائهم. وقولهم (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا) من باب التبكيت، لأنهم قد علموا أنهم لا يقدرون على الإغناء عنهم، فأجابوهم معتذرين عما كان منهم إليهم: بأن الله لو هداهم إلى الإيمان لهدوهم ولم يضلوهم، إما موركين الذنب في ضلالهم وإضلالهم على الله، كما حكى الله عنهم وقالوا: (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) [الأنعام: ١٤٨]، (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) [النحل: ٣٥] يقولون ذلك في الآخرة كما كانوا يقولونه في الدنيا. ويدل عليه قوله حكاية عن المنافقين (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ) [المجادلة: ١٨]. وإما أن يكون المعنى: لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان. وقيل: معناه لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم، أى: لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة.
_________________
(١) على أن لا يكون المبدل مطرحًا، والبدل لما كان كالبيان للمبدل قال: "هو بعض عذاب الله" فيرجع حاصل المعنى إلى قوله: "مغنون عنا بعضَ بعضِ عذاب الله". قوله: (الذي قال لهم الضعفاء كان توبيخًا لهم)، أي: قولهم: (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) توبيخ، لأنهم أخبروهم بما لم يخف عليهم، فأفاد الإخبار في ذلك المقام التقريع والتوبيخ، فهو من لازم فائدة الخبر على المجاز. قوله: (إما موركين الذنب)، الجوهري: "وورك فلان ذنبه على غيره؛ أي: قرفه [به] "، ولفظة "إما" تستدعي قرينتها؛ لأنها تفصيلية، وقرينتها ما يدل عليه قوله: "ويجوز أن يكون المعنى"، فالتقدير: لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم، قالوه إما موركين الذنب، وإما معلقين فقدان هدايتهم على فقدان اللطف.
[ ٨ / ٥٧٨ ]
(سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا) مستويان علينا الجزع والصبر. والهمزة و"أم" للتسوية. ونحوه: (فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ) [الطور: ١٦]. وروي أنهم يقولون: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون كذلك ثم يقولون: (سواء علينا).
فإن قلت: كيف اتصل قوله (سواء علينا) بما قبله؟ قلت: اتصاله به من حيث أنّ عتابهم لهم كان جزعا مما هم فيه، فقالوا: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا)، يريدون أنفسهم وإياهم، لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين فيها، يقولون: ما هذا الجزع والتوبيخ، ولا فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر والأمر من ذلك أطمّ
_________________
(١) ـ قوله: (مستويان علينا الجزع والصبر)، الراغب: "الجزع أبلغ من الحزن، فإن الجزع حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده ويقطعه، وأصله: قطع الحبل من نصفه، يقال: جزعته فانجزع، ولتصور الانقطاع قيل: جزع الوادي؛ لمنعطفه، ولانقطاع اللون بتغيره قيل للخرز الملون: جزع". قوله: (كيف اتصل قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا) بما قبله؟)، يعني: كان من الظاهر أن يقولوا: سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم، لأنه جواب عن قولهم: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ)، وهو إظهار الجزع مما كانوا فيه؟ وأجاب: أنهم إنما شركوا أنفسهم معهم لاجتماعهم في عقاب الضلالة. وقلت: وفيه أنا كيف نغني عنكم ذلك ونحن معكم فيه سواء، ولو قيل على ما يقتضيه الظاهر لم يفده، وهو من باب الإيجاز. قوله: (أطم)، النهاية: "طم الشيء: إذا عظم، وطم الماء: إذا كثر، وهو طام، ومنه
[ ٨ / ٥٧٩ ]
أو: لما قالوا (لو هدانا الله) طريق النجاة لأغنينا عنكم وأنجيناكم، أتبعوه الإقناط من النجاة فقالوا (ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ) أي: منجى ومهرب، جزعنا أم صبرنا.
ويجوز أن يكون من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعًا، كأنه قيل: قالوا جميعًا (سواء علينا)، كقوله: (ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب) [يوسف: ٥٢]. و"المحيص" يكون مصدرًا كالمغيب والمشيب. ومكانًا كالمبيت والمصيف. ويقال: حاص عنه وجاض، بمعنى واحد.
[(وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)].
_________________
(١) حديث أبي بكر ﵁: "ما من طامة إلا وفوقها طامة"، أي: ما من عظيم إلا وفوقه ما هو أعظم منه". قوله: (كقوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ»، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ إذ الاحتمالان هناك على البدل، وها هنا على الجمع، إلا أن يريد بالتشبيه أنه من كلام الفريقين مع وروده ظاهرًا عقيب قول المستكبرين، كما أن قوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) [يوسف: ٥٢] ورد عقيب قول المرأة، مع أنه قيل: إنه من كلام يوسف ﵇. وقلت: وجه التشبيه هو أن هذا الكلام يحتمل أن يكون مقولًا للمستكبرين وحدهم، وأن يكون مقولًا للضعفاء والمستكبرين جميعًا، كما أن ذلك الكلام يحتمل أن يكون مقولًا
[ ٨ / ٥٨٠ ]
﴿لما قضي الأمر﴾ لما قطع الأمر وفرغ منه، وهو الحساب، وتصادُر الفريقين ودخول أحدهما الجنة ودخول الآخر النار. وروي: أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيبا في الأشقياء من الجن والإنس فيقول ذلك: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق﴾ وهو البعث والجزاء على الأعمال، فوفى لكم بما وعدكم، ﴿ووعدتكم﴾ خلاف ذلك، ﴿فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي وألجئكم إليها، ﴿إلا أن دعوتكم﴾ إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني، وليس الدعاء من جنس السلطان، ولكنه كقلك: ما تحيتهم إلا الضرب.
﴿فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾ حيث اغتررتم بي وأطعتموني إذ دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم، وهذا دليل على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه، وليس من الله إلا التمكين، ولا من الشيطان إلا التزيين.
ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه.
فإن قلت: قول الشيطان باطل لا يصح التعلق به؟ قلت: لو كان هذا القول منه …
_________________
(١) ليوسف ﵇، وأن يكون مقولًا لها، وهذا القدر كاف في صحة التشبيه. قوله: (ما تحيتهم إلا الضرب)، جعل "التحية" نوعين: متعارف؛ وهي ما يقال عند الملتقى، وغير متعارف؛ وهي الضرب على التهكمية والادعاء، فأخرج بالاستثناء أحد النوعين. قوله: (ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإن الله قضى عليكم الكفر)، وقلت: غاية هذا الاستدلال أن الشيطان أضاف اللوم إلى أنفسهم، ونحن نقول بموجبه، لأن العتاب والعقاب متوجهان إلى المكلف بسبب كسبه ومباشرته، لأنه في الظاهر كالمختار، ولأن قول الشيطان معطوف على قول الضعفاء، وكلتا القضيتين حكاية لقول الفريقين، ومخاصمة جرت بين الحزبين، وهما تفصيلان لما أجمل في قوله: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا)، وذكر في الآية الأولى احتجاج المستكبرين على المستضعفين، وهو قولهم: (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ
[ ٨ / ٥٨١ ]
باطلًا لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره، على أنه لا طائل له في النطق بالباطل في ذلك المقام: ألا ترى إلى قوله (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) كيف أتى فيه بالحق والصدق، وفي قوله (وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ) وهو مثل قول الله تعالى: (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) [الحجر: ٤٢]، (ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) لا ينجي بعضنا بعضًا من عذاب الله ولا يغيثه. والإصراخ: الإغاثة.
_________________
(١) لَهَدَيْنَاكُمْ)، فكما دل قول الشيطان على ظاهر مذهبكم، دل قول المستكبرين على خلافه. ولعمري إنه تفسير بالرأي، وذلك أنه حين سمع أن قول المستكبرين مخالف لمذهبه قال: "إما موركين الذنب وإما معتذرين بعدم اللطف"، وحين رأي الشيطان يقول بما يوافق مذهبه شنع على أهل السنة. ثم إني بعد برهة من الزمان وقفت على كلام من جانب صاحب "الانتصاف"، وهو قوله: "حمل كلام الكفار في الأول على الإبطال؛ إذ لا يوافق مذهبه، واستشهد على أن الذنب غير ممتنع بقوله: (فَيَحْلِفُونَ لَهُ)، ولما وافق قول الشيطان معتقده صوبه اتباعًا لهواه، ونحن نعتقد أن الملامة إنما تتوجه على المكلف، وتعالى الله عن توجه تلك إليه، ولله الحجة البالغة، لأن الله تعالى خلق للعبد اختيارًا يجده من نفسه في الأفعال الإرادية ضرورة، وبذلك قامت الحجة عليه، وإن سلبنا تأثير قدرة الخلق، لأن الله تعالى قدرته سارية في الفعل، فلا تناقض لأن توجه اللوم إلى المكلفين"، فعلمت توارد الخواطر.
[ ٨ / ٥٨٢ ]
وقرئ: "بمصرخي" بكسر الياء، وهي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول:
قَالَ لَهَا هَلْ لَكِ يَا تَافِىِّ … قَالَتْ لَهُ مَا أنْتَ بِالمَرْضِى
وكأنه قدّر ياء الإضافة ساكنة وقبلها ياء ساكنة، فحرّكها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين، ولكنه غير صحيح، لأنَّ ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة، حيث قبلها ألف في نحو "عصاي"، فما بالها وقبلها ياء؟
فإن قلت: جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام، فكأنها ياء وقعت ساكنة بعد حرف صحيح ساكن، فحرّكت بالكسر على الأصل
_________________
(١) قوله: (قال لها: هل لك يا تا في)، "تا": إشارة إلى المرأة، أي: هل لك رغبة في يا هذه. نقل الإمام عن الواحدي "أنها قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب، قال الفراء: ولعل أنهم توهموا أن الباء في "بمصرخي" خافضة لجملة هذه الكلمة، كما توهموا في قوله: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ) [النساء: ١١٥] بجزم الهاء، وظنوا أن الجزم في الهاء، وليس كذلك، لأن ياء المتكلم والهاء خارجتان من نفس الكلمة".
[ ٨ / ٥٨٣ ]
قلت: هذا قياس حسن، ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات
_________________
(١) قوله: (ولكن الاستعمال المستفيض)، أي: فتح الياء، فالياء الأولى: ياء الجمع، والثانية: ضمير المتكلم، وفتحت لئلا تجتمع الكسرتان والياءان. قال الزجاج: "قرأ حمزة والأعمش: "بمصرخي" بكسر الياء، وهي عند جميع النحويين مرذولة، وأجازها الفراء، لأن أصل التقاء الساكنين الكسر، وأنشد: قال لها: هل لك يا تا في". قال الزجاج: "هذا الشعر مما لا يلتفت إليه، وقائله ممن لا يعرف، فلا يحتج به في كتاب الله".
[ ٨ / ٥٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ونقل أبو علي في "الحجة" عن الفراء: "زعم القاسم بن معن أنه صواب، وكان ثقة بصيرًا، وزعم قطرب أنه لغة بني يربوع؛ يزيدون على ياء الإضافة ياء"، وأنشد البيت، ووجهه في القياس: "أن الياء لا تخلو من أن تكون في موضع نصب أو جر، فالياء في النصب والجر كالهاء فيهما، وكالكاف في "أكرمتك"، فكما أن الهاء قد لحقها الزيادة في "هذا لهو"، والكاف في "أعطيتكاه" و"أعطيتكيه"، فيما حكاه سيبويه، وهما أختا الياء، فكذلك ألحقوا الياء [الزيادة من المد، فقالوا: فيي، ثم حذفت الياء] الزائدة، كما حذفت الزيادة من الهاء في قول من قال: له أرقان
[ ٨ / ٥٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) - والأرقان: لغة في اليرقان-، وزعم أبو الحسن: أنها لغة، وحذفت الزيادة من الكاف في قول من قال: "أعطيتكه" و"أعطيتكه"، وكذلك حذفوا الياء اللاحقة للياء، وأقرت الكسرة التي كانت على الياء المحذوفة، فبقيت الياء على ما كانت عليه من الكسرة، وكما لحقت الكاف والهاء والتاء الزيادة، فكذلك لحق الياء الزيادة بإلحاق الياء، نحو ما أنشد من قول الشاعر: رميتيه فأصميت … وما أخطأت الرميه
[ ٨ / ٥٨٦ ]
«ما» في (بِما) مصدرية، و(مِن قَبلُ) متعلقة بـ (أَشْرَكْتُمُونِ)، يعني: كفرت اليوم بإشراككم إياي: من قبل هذا اليوم، أي: في الدنيا، كقوله تعالى (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) [فاطر: ١٤]، ومعنى كفره بإشراكهم إياه: تبرؤه منه واستنكاره له، كقوله تعالى (إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ) [الممتحنة: ٤]، وقيل: (مِنْ قَبْلُ) يتعلق بـ (كفرت)، و"ما" موصولة، أي: كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أَشركتمونيه وهو الله ﷿. تقول: شركت زيدًا، فإذا نقلت بالهمزة قلت: أَشركنيه فلان، أي: جعلني له شريكًا.
ونحو «ما» هذه: «ما» في قولهم: سبحان ما سخركنّ لنا.
ومعنى إشراكهم الشيطان بالله: طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان وغيرها.
_________________
(١) وإذا كانت الكسرة في الياء على هذه اللغة، وإن كان غيرها أفشى منها، وعضده القياس كما ذكرنا، لم يجز لقائل أن يقول: إن القراءة بذلك لحن؛ لاستفاضة ذلك في السماع والقياس، وما كان كذلك لا يكون لحنًا"، تم كلامه. قوله: (ونحو "ما" هذه "ما" في قولهم: سبحان ما سخركن لنا)، يريد: أن "ما" على أن تكون موصولة يراد بها الله ﷿، و"ما" لا تستعمل في ذوي العلم إلا باعتبار الوصفية
[ ٨ / ٥٨٧ ]
وهذا آخر قوله إبليس. وقوله (إِنَّ الظَّالِمِينَ) قول الله ﷿، ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس، وإنما حكى الله عزّ وعلا ما سيقوله في ذلك الوقت، ليكون لطفًا للسامعين في النظر لعاقبتهم والاستعداد لما لا بدّ لهم من الوصول إليه، وأن يتصوّروا في أنفسهم ذلك المقام الذي يقول الشيطان فيه ما يقول، فيخافوا ويعملوا ما يخلصهم منه وينجيهم.
وقرئ: "فلا يلوموني" بالياء؛ على طريقة الالتفات، كقوله تعالى: (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [يونس: ٢٢].
[(وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ)].
وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: "وأُدخل الذين آمنوا" على فعل المتكلم، بمعنى: وأدخل أنا وهذا دليل على أنه من قول الله، لا من قوله إبليس (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) متعلق بـ"أدخل" أي: أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.
_________________
(١) فيه وتعظيم شأنه، كقولهم: سبحان ما سخركن لنا، أي: سبحان العظيم الشأن الذي سخر أمثالكن لنا. قوله: (ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس)، فإذا كان من قول الله تعالى كان استئنافًا فيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أشد عذاب الظالمين، كما قال المصنف في قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ) [يونس: ٤٥]: "فيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أخسرهم". وإذا كان من قول الشيطان كان نداء منه على الإقناط والإياس.
[ ٨ / ٥٨٨ ]
فإن قلت: فبم يتعلق في القراءة الأخرى، وقولك: وأدخلهم أنا بإذن ربهم، كلام غير ملتئم؟ قلت: الوجه في هذه القراءة أن يتعلق قوله: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) بما بعده، أي: (تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ) بإذن ربهم، يعني: أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.
_________________
(١) قوله: (فبم يتعلق في القراءة الأخرى)، أي: قراءة المتكلم؛ لأنه غير ملتئم ظاهرًا، قال ابن جني: "قوله: "وأدخل الذين آمنوا" على فعل المتكلم؛ قطع للكلام واستئناف، فقال الله تعالى: "وأدخل الذين آمنوا"، أي: أنا أدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار بإذن ربهم، أي: بإذني، إلا أنه أعاد ذكر "الرب" ليضيفه إليهم، فتقوى الملابسة باللفظ، فيكون أحنى عليهم وأذهب في الإكرام والتقريب منه، ومثله قوله تعالى: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: ٥٠]، وقال: (إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ) [الأعراف: ٩٦]، هذا كله تقرب منه وانتساب". وقال في "الانتصاف": "لم لا يجعله الزمخشري من الالتفات، لأنه انتقل من التكلم إلى الغيبة، كقوله تعالى: (طه* مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) [طه: ١ - ٢]، ثم قال: (تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ) [طه: ٤]؟ ". قال صاحب "الانتصاف": "لأن ظاهر "أدخل" أنه لم يكن بواسطة، بل من الله مباشرة، وظاهر الإذن يشعر بإضافة الدخول إلى الواسطة، وبينهما تنافر، والأحسن أن يتعلق بـ (خَالِدِينَ)، لأن الخلود غير الدخول، فلا تنافر". وقلت: القول ما قاله ابن جني، لأنه من باب التجريد، يعني: أنا أدخل بتيسير
[ ٨ / ٥٨٩ ]
[(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ* تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)].
قرئ: "أَلَمْ تَرَ" ساكنة الراء، كما قرئ: "من يتق"، وفيه ضعف.
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) اعتمد مثلًا ووضعه، و(كَلِمَةً طَيِّبَةً) نصب بمضمر، أي: جعل كلمة طيبة (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) وهو
تفسيرٌ لقوله (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) كقولك: شرّف الأمير زيدًا؛ كساه حُلة، وحمله على فرس. ويجوز أن ينتصب (مَثَلًا) و(كَلِمَةً) بـ (ضرب)، أي: ضرب كلمة طيبةً مثلًا، بمعنى: جعلها مثلًا ثم قال: (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) على أنها خبر مبتدأ محذوف، بمعنى هي كشجرة طيبة (أَصْلُها ثابِتٌ) يعني في الأرض ضارب بعروقه فيها (وَفَرْعُها) وأعلاها ورأسها (فِي السَّماءِ) ويجوز أن يريد: وفروعها، على الاكتفاء بلفظ الجنس.
_________________
(١) من رحمهم ولطف بهم وأكرمهم بأن هداهم إلى الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ) [فصلت: ١٩] على قراءة النون، وقال صلوات الله عليه: (أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) ثم قال: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ) [الأعراف: ١٥٨]. قوله: (اعتمد مثلًا)، أي: جعله ما يعتمد عليه، الجوهري: "العمدة: ما يعتمد عليه، واعتمدت على الشيء: اتكأت علي". قوله: (ويجوز أن يريد: وفروعها)، عطف على " (وَفَرْعُهَا) "، والفرع: إما أن يحمل
[ ٨ / ٥٩٠ ]
وقرأ أنس بن مالك: "كشجرة طيبة ثابت أصلها".
فإن قلت: أي: فرق بين القراءتين؟ قلت: قراءة الجماعة أقوى معنى، لأنّ في قراءة أنس أجريت الصفة على الشجرة، وإذا قلت: مررت برجل أبوه قائم، فهو أقوى معنى من قولك: مررت برجل قائم أبوه، لأنّ المخبر عنه إنما هو الأب لا رجل.
_________________
(١) على أعلى الشجرة أو على أغصانها؛ بأن يكتفى باسم الجنس عن الجمع. الجوهري: "فرع كل شيء: أعلاه، وتفرعت أغصان الشجرة: كبرت". قوله: (قراءة الجماعة أقوى معنى)، قال ابن جني: "لأنك إذا قلت: "ثابت أصلها" فقد أجريت الصفة على "شجرة"، وليس الثبات لها، إنما هو للأصل، ولعمري إن الصفة إذا كانت في المعنى لما هو من سبب الموصوف جرت عليه، وإذا كانت له كانت أخص لفظًا به، وإذا كانت الثبات في الحقيقة إنما هو للأصل، فالمعتمد بالثبات هو الأصل، فالأحسن تقديم الأصل عناية به، ومن ثم قالوا: "زيدًا ضربته"، فقدموا المفعول، لأن الغرض ها هنا ليس ذكر الفاعل، وإنما هو ذكر المفعول، فقدم عناية بذكره، ثم لم يقنع بذلك حتى أزالوه عن لفظ الفضلة، وجعلوه رب الجملة لفظًا، فرفعوه بالابتداء، وصار قوله: "ضربته" ذيلًا له وفضلة ملتحقة به، فكذلك قولك: "مررت برجل أبوه قائم" أقوى معنى من قولك: "قائم أبوه"؛ لأن المخبر عنه بالقيام إنما هو "الأب" لا "رجل". ومن هنا ذهب أبو الحسن في نحو قولنا: "قام زيد" إلى أن "قام" في موضع رفع، لأنه وقع موقع الاسم، لأن تقدير المحدث عنه أسبق رتبة من الحديث. إلا أن لقراءة أنس وجهًا حسنًا، وهو أن قوله: "ثابت أصلها" صفة لـ "شجرة"، وأصل الصفة أن تكون اسمًا مفردًا، لأن الجملة إذا وقعت صفة حكم على موضعها بإعراب المفرد، فإذا قال: "ثابت أصلها" فقد جرت الصفة على أصلها، وإذا قال: (أَصْلُهَا ثَابِتٌ)
[ ٨ / ٥٩١ ]
والكلمة الطيبة: كلمة التوحيد. وقيل: كل كلمةٍ حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة. وعن ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله.
وأما الشجرة فكل شجرة مثمرة طيبة الثمار، كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمّان وغير ذلك. وعن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ قال ذات يوم: «إن الله ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي؟» فوقع الناس في شجر البوادي، وكنت صبيًا، فوقع في قلبي أنها النخلة، فهبت رسول الله ﷺ أن أقولها وأنا أصغر القوم. وروي: فمنعني مكان عمرو استحييت، فقال لي عمر: يا بنيّ لو كنت قلتها لكانت أحبّ إلىّ من حمر النعم، ثم قال رسول الله ﷺ «ألا إنها النخلة» وعن ابن عباس ﵄: شجرة في الجنة.
وقوله (فِي السَّماءِ) معناه: في جهة العلوّ والصعود، ولم يرد المظلة، كقولك في الجبل: طويل في السماء تريد ارتفاعه وشموخه (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ) تعطي ثمرها كل وقت وقته الله لإثمارها (بِإِذْنِ رَبِّها) بتيسير خالقها وتكوينه (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني.
_________________
(١) فقد وضعت موضع المفرد، فالموضع إذن له لا لها، فقوله: "ثابت أصلها" لا يبلغ صورة الجملة، لأن "ثابتًا" جار في اللفظ على ما قبله، وإنما فيه أنه وضع "أصلها" موضع الضمير الخاص لتضمنه إياه، وليس كذلك (أَصْلُهَا ثَابِتٌ)، لأنه جملة قطعًا. قوله: (وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم) الحديث، وفي أكثر النسخ: "عن ابن عباس"، والرواية الصحيحة عن البخاري ومسلم والترمذي والدارمي عن ابن عمر قال: "كنا عند رسول الله ﷺ، فقال: أخبروني بشجرة شبه- أو كالرجل- المسلم
[ ٨ / ٥٩٢ ]
[(وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ)].
(كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) كمثل شجرة خبيثة، أي: صفتها كصفتها. وقرئ: ومثل كلمة بالنصب، عطفًا على كلمة (طيبة). والكلمة الخبيثة: كلمة الشرك. وقيل: كل كلمة قبيحة.
وأمّا الشجرة الخبيثة: فكل شجرةٍ لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والكشوث ونحو ذلك. وقوله (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ): في مقابلة قوله (أَصْلُها ثابِتٌ) [إبراهيم: ٢٤]، ومعنى (اجْتُثَّتْ): استؤصلت، وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها (ما لَها مِنْ قَرارٍ) أي: استقرار. يقال: قرّ الشيء قرارًا، كقولك: ثبت ثباتًا، شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة، فهو داحض غير ثابت،
_________________
(١) لا يتحات ورقها، ولا ولا ولا، تؤتي أكلها كل حين؟ قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أني أتكلم، فلما لم يقولوا شيئًا قال رسول الله ﷺ: هي النخلة، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخل. فقال: ما منعك أن تتكلم؟ فقلت: ما رأيتكم تكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا. فقال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا". قوله: (والكشوث)، بالثاء المثلثة، الجوهري: "الكشوث: نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض". قوله: (وحقيقة الاجتثاث: أخذ الجثة كلها)، الراغب: "جثة الشيء: شخصه الناتئ، والجث: ما ارتفع من الأرض، كالأكمه والجثيثة سميت [به] لما بانت جثته بعد طحنه".
[ ٨ / ٥٩٣ ]
والذي لا يبقى إما يضمحل عن قريب لبطلانه، من قولهم: الباطل لجلج. وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء: ما تقول في "كلمة خبيثة"؟ فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقرًا، ولا في السماء مصعدًا، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.
[(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ)].
(بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) الذي ثبت بالحجة والبرهان في قلب صاحبه وتمكن فيه، فاعتقده واطمأنت إليه نفسه. وتثبيتهم به في الدنيا: أنهم إذا فتنوا في دينهم لم يزلوا، كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود، والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وكما ثبت جرجيس وشمسون وغيرهما
_________________
(١) قوله: (الباطل لجلج)، الجوهري: "اللجلجة والتلجلج: التردد في الكلام، ويقال: الحق أبلج والباطل لجلج؛ أي: يتردد من غير أن ينفذ"، واستشهد به لأن ما يتردد في نفسه ولا ينفذ في شيء لا يكون ثابتًا. قوله: (إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها القيامة)، يعني: الكلمة الخبيثة، وهو مقتبس من قوله تعالى: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا) [الإسراء: ١٣]، قال: "المعنى: أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل، لا يفك عنه". قوله: (كما ثبت جرجيس)، وجدت في كتاب "المبتدأ" المنسوب إلى أبي عبد الله محمد بن عبد الله الكسائي أنه قال: إن جرجيس كان من الحواريين أصحاب عيسى ﵇، وعلمه الله الاسم الذي يحيا به الموتى، وكان بأرض الموصل جبار يعبد الصنم، فدعاه جرجيس
[ ٨ / ٥٩٤ ]
وتثبيتهم في الآخرة: أنهم إذا سئلوا عند تواقف الأشهاد عن معتقدهم ودينهم، لم يتلعثموا ولم يبهتوا، ولم تحيرهم أهوال الحشر. وقيل معناه الثبات عند سؤال القبر. وعن البراء ابن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر قبض روح المؤمن فقال: «ثم تعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره ويقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد،
_________________
(١) إلى عبادة الله، ونهاه عن عبادة الصنم، فأمر به، فشد يديه ورجليه، ودعا بأمشاط من الحديد، فسرح بها صدره وبدنه، ثم صب عليه ماء الملح، فصبره الله عليه، ثم دعا بمسامير من حديد، فسمر عينيه وأذنيه، فصبره الله عليه، ثم دعا بحوض من نحاس، فأوقد عليه حتى ابيض، ثم ألقي عليه وأطبق رأسه، فجعله الله له بردًا وسلامًا، وزاده حسنًا وجمالًا، ثم قطع إربًا إربًا، فأحياه الله، ودعاهم إلى الله وإحياء الموتى، فلم يؤمن الملك، فأمر الله أن يغير بهم، وقلب بالمدينة عاليها وسافلها. قوله: (لم يتلعثموا)، الجوهري: "تلعثم الرجل في الأمر: إذا تمكث فيه وتأنى". قوله: (وعن البراء بن عازب)، تمام الحديث على ما رواه أبو داود عن البراء: "وأن الكافر- فذكر موته- فتعاد روحه إلى جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه! لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن قد كذب، فأفرشوه من النار"، الحديث. ونظم الآيات إنما ينطبق على الحديث لو أريد بـ (الْظَّالِمِينَ): الكفار، لأن قوله:
[ ٨ / ٥٩٥ ]
فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي فذلك قوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت).
(وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) الذين لم يتمسكوا بحجة في دينهم، وإنما اقتصروا على تقليد كبارهم وشيوخهم، كما قلد المشركون آباءهم فقالوا (إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا) [الزخرف: ٢٢ - ٢٣]، وإضلالهم في الدنيا: أنهم لا يثبتون في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أوّل شيء، وهم في الآخرة أضل وأزل (وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ) أي: ما توجبه الحكمة، لأن مشيئة الله تابعة للحكمة، من تثبيت المؤمنين وتأييدهم، وعصمتهم عند ثباتهم وعزمهم، ومن إضلال الظالمين وخذلانهم، والتخلية بينهم وبين شأنهم عند زللهم.
_________________
(١) (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) واقع في مقابلة (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا)؛ إذ القول الثابت هو الكلمة الطيبة، وهي كلمة التوحيد، كأن المعنى: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت المؤيد بالعمل، كما قال: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: ١٠]، ويزل الله أقدام المشركين بكلمتهم الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، وهي الإشراك بالله. قوله: (لأن مشيئة الله تابعة للحكمة)، مذهبه.
[ ٨ / ٥٩٦ ]
[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ* وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)].
(بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ) أي: شكر نعمة الله (كُفْرًا) لأن شكرها الذي وجب عليهم؛ وضعوا مكانه كفرًا، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلًا، ونحوه (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢] أي: شكر رزقكم حيث وضعتم التكذيب موضعه. ووجه آخر: وهو أنهم بدلوا نفس النعمة كفرًا على أنهم لما كفروها سلبوها فبقوا مسلوبي النعمة موصوفين بالكفر، حاصلًا لهم الكفر بدل النعمة. وهم أهل مكة: أسكنهم الله حرمه، وجعلهم قوّام بيته، وأكرمهم بمحمد ﷺ، فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم. أو أصابهم الله بالنعمة في الرخاء والسعة لإيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين،
_________________
(١) قوله: (أنهم بدلوا نفس النعمة كفرًا)، فعلى الأول: التبديل: التغيير في الوصف، وإليه الإشارة بقوله: "فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر"، لأنهم إذا بدلوا شكر النعمة بكفرانها فقد غيروا صفة النعمة، وعلى الثاني: التغيير في الذات، كما قال: "بدلوا نفس النعمة كفرًا". فعلى الأول: النعمة باقية، لكنها موصوفة بالكفران، وعلى الثاني: النعمة زائلة مبدلة بالكفران، فهم إذن كفرة فقراء. قال في قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ) [إبراهيم: ٤٨]: "التبديل: التغيير، وقد يكون في الذات، كقولك: بدلت الدراهم دنانير، وفي الأوصاف: كقولك: بدلت الحلقة خاتمًا؛ إذا أذبتها وسويتها خاتمًا". قوله: (أو أصابهم)، عطف على "أسكنهم الله حرمه"، فيه لف ونشر، والأول مبني على أن التبديل التغيير في شكر النعمة بالكفران، والثاني على أن التبديل التغيير في النعمة
[ ٨ / ٥٩٧ ]
فحصل لهم الكفر بدل النعمة، كذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر وقد ذهبت عنهم النعمة وبقي الكفر طوقًا في أعناقهم. وعن عمر ﵁: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر. وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين. وقيل: هم متنصرة العرب: جبلة بن الأيهم وأصحابه.
(وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ) ممن تابعهم على الكفر (دارَ الْبَوارِ) دار الهلاك.
وعطف (جَهَنَّمَ) على (دار البوار) عطف بيان.
قرئ: (لِيُضِلُّوا) بفتح الياء وضمها.
فإن قلت: الضلال والإضلال لم يكن غرضهم في اتخاذ الأنداد، فما معنى اللام؟ قلت: لما كان الضلال والإضلال نتيجة اتخاذ الأنداد، كما كان الإكرام في قولك: جئتك لتكرمني، نتيجة المجيء، دخلته اللام وإن لم يكن غرضا، على طريق التشبيه والتقريب
_________________
(١) بالكفر، وكذلك حين أسروا وقتلوا. قوله: «دَارَ الْبَوَارِ) دار الهلاك)، الراغب: "البوار: فرط الكساد، ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد- كما قيل: كسد حتى فسد- عبر بـ "البوار" عن الهلاك، يقال: بار يبور بوارًا وبورًا، قال تعالى: (تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) [فاطر: ٢٩]، وقال: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) ". قوله: (قرئ: (لِيُضِلُّوا»، ابن كثير وأبو عمرو: بفتح الياء التحتانية، والباقون: بضمها. قوله: (وإن لم يكن غرضًا على طريق التشبيه)، أي: الاستعارة، نحو قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) [القصص: ٨].
[ ٨ / ٥٩٨ ]
(تَمَتَّعُوا) إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر، وأنهم لا يعرفون غيره ولا يريدونه، مأمورون به، قد أمرهم آمر مطاعٌ لا يسعهم أن يخالفوه ولا يملكون لأنفسهم أمرًا دونه، وهو أمر الشهوة. والمعنى: إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة (فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ). ويجوز أن يراد الخذلان والتخلية، ونحوه: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) [الزمر: ٨].
[(قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ)].
المقول محذوف، لأن جواب قُلْ يدل عليه،
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يراد الخذلان)، عطف على قوله: "قد أمرهم آمر مطاع، وهو آمر الشهوة"، فعلى هذا: الآمر الله على الخذلان، فقوله: "لانغماسهم في التمتع" علة الأمر على الوجهين. قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: هذا أمر تهديد، فهو كقول الطبيب بعدما أمر المريض بالاحتماء مرات، ولم يقبل منه: كل ما تريد، فإن مصيرك إلى الموت، والمراد التهديد ليرتدع ويقبل ما يقول، وهو المراد من قول المصنف: "إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر". وقال القاضي: "وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدد به، وأن الأمرين كائنان لا محالة، ولذلك علله بقوله: (فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)، وأن المخاطب لانهماكه فيه كالمأمور فيه". قوله: (المقول محذوف، لأن جواب (قُل) يدل عليه)، قال ابن الحاجب: " (يُقِيمُوا):
[ ٨ / ٥٩٩ ]
وتقديره: (قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا): أقيموا الصلاة وأنفقوا (يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا)،
_________________
(١) جواب (قُل)، أي: قل لعبادي يقيموا، وحذف ما هو المقول استغناء بتفسير الجواب، أي: قل لهم ما يقتضي الإقامة. وما اعترض عليه من أن الإقامة ليست بلازمة للقول ليس بشيء، فإن الجواب لا يقتضي الملازمة العقلية، وإنما يقتضي الغلبة، وذلك حاصل، فإن أمر الشارع للمؤمنين بإقامة الصلاة يقتضي إقامة الصلاة منه غالبًا". وقال أبو البقاء ﵀: "قال الأخفش: (يُقِيمُوا) جواب (قُل)، وفي الكلام حذف، أي: "قل لهم: "أقيموا الصلاة" يقيموا"، أي: إن تقل لهم: "أقيموا" يقيموا. ورد بأن قول الرسول ﷺ لهم لا يوجب أن يقيموا، وهذا باطل، لأنه لم يرد بـ "العباد": الكفار، بل المؤمنين، وإذا قال لهم الرسول ﷺ: "أقيموا الصلاة" أقاموها، ويدل على ذلك قوله تعالى: (قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا). وروي عن المبرد: أن التقدير: "قل لهم: "أقيموا" يقيموا"، فـ "يقيموا" المصرح جواب "أقيموا" المحذوف- وكذا حكي عن أبي علي: أنه جواب "أقيموا"-، وهو فاسد لوجهين: أحدهما: أن جواب الشرط ينبغي أن يخالف الشرط، إما في الفعل أو في الفاعل أو فيهما، وأما نحو: "قم تقم" فخطأ، والتقدير: إن يقيموا يقيموا. وثانيهما: أن الأمر للمواجهة، و"يقيموا" على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحدًا، لأنه لا يجوز أن يقال للمخاطبين: "يقيموا" بالياء". وكذا رد ابن الحاجب.
[ ٨ / ٦٠٠ ]
وجوزوا أن يكون: (يقيموا) (وينفقوا)، بمعنى: ليقيموا ولينفقوا، ويكون هذا هو المقول، قالوا: وإنما جاز حذف اللام، لأنّ الأمر الذي هو (قُلْ) عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام، لم يجز.
_________________
(١) قوله: (وجوزوا أن يكون (يُقيِمُوا) (وَيُنفِقُوا) بمعنى: ليقيموا ولينفقوا)، قال الزجاج: "وجائز أن يجزم باللام المحذوفة، لأن الأمر دل على الغائب، تقول: قل لزيد: ليضرب عمرًا، وإن شئت قلت: قل لزيد: يضرب عمرًا، ولا يجوز: يضرب زيد عمرًا، لأن لام الغائب ليس لها عوض إذا حذفتها"، وذكر أبو البقاء نحوه. وقال صاحب "الإنصاف": وفائدة التزام اللام في الغائب: التنبيه بها على أن الصيغة أمر، فلما علم الأمر لمخاطب افتقر ما سواه إلى اللام من غائب ومتكلم وغير الفاعل في مثل: ليقم زيد لأقم أنا، ليضرب عمرو، فتقدير "قل" يغني عنها، لأن ذلك يرشد إلى أن المأمور مبلغ غير مخاطب، فقام مقام اللام. هذا أجود الأوجه في إعراب الآية واختيار الزجاج، والزمخشري تبرأ من عهدته ترجيحًا للأول. وقلت: نبه على بيان تبرئة صاحب "المفتاح" حيث قال: "إضمار الجازم نظير إضمار الجار"، يعني: أنه شاذ، نحو قول رؤبة: خير، لمن قال له: كيف أصبحت؟ ثم قال: "فانظر! "، أي: انظر إلى شذوذه، ولا تحمل الآية عليه، بل على أن الجواب على تقدير "قل لعبادي: "أقيموا الصلاة وأنفقوا" فإنك إن قلت لهم: أقيموا وأنفقوا؛ يقيموا وينفقوا".
[ ٨ / ٦٠١ ]
فإن قلت: علام انتصب (سِرًّا وَعَلانِيَةً)؟ قلت: على الحال، أي: ذوي سرّ وعلانية، بمعنى: مسرين ومعلنين. أو على الظرف؛
_________________
(١) وقلت: يمكن أن يقال: إنه ليس نظير ذلك، لأن حذفًا فيه جائز، ألا ترى إلى حذف اللام عن الحاضر. وقال المصنف في قراءة من قرأ: (فَبِذَلِكَ فلتَفرَحُوا) - بالتاء: "هو الأصل والقياس"، وقد ذكرت عن ابن جني هناك: أن أصل الأمر أن يكون بحرف الأمر، وهو اللام، لكن لما كثر أمر الحاضر حذفوه تخفيفًا، ودل حاضر الحال على أن المأمور هو الحاضر المخاطب، فحذفوا حرف المضارعة، فلما حذفوا حرف المضارعة بقي ما بعده في أكثر الأمر ساكنًا، فاحتيج إلى همزة ليقع الابتداء بها، فقيل: اذهب، ويدلك على تمكن أمر الحاضر أنك لا تأمر الغائب بنحو: "صه" و"مه" و"إيه" و"دونك" و"حيهل". تم كلامه. وإذا جاز أن تحذف اللام في الحاضر لكثرة الاستعمال جاز أن تحذف في الغائب لدلالة قرائن الأحوال، فصح قول الزجاج: "جاز أن يقال: قل لزيد: يضرب عمرًا، ولا يجوز: يضرب زيد عمرًا، لأن لام الغائب ليس لها عوض إذا حذفتها"، وإليه أشار المصنف بقوله: "لأن لام الأمر الذي هو "قُل" عوض منه". ومثله في النيابة عن الجار الإضافة، قال الدار الحديثي: إن المضاف في "غلام زيد" عمل الجر لنيابته عن حرف الجر لفظًا لأنه في موضعه، كذلك ها هنا.
[ ٨ / ٦٠٢ ]
أي: وقتي سر وعلانية، أو على المصدر، أي: إنفاق سرٍّ وإنفاق علانية، المعنى: إخفاء المتطوع به من الصدقات والإعلان بالواجب.
والخلال: المخالة. فإن قلت: كيف طابق الأمر بالإنفاق وصف اليوم بأنه (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ)؟ قلت: من قِبَلِ أنّ الناس يخرجون أَموالهم في عقود المعاوضات، فيعطون بدلًا ليأخذوا مثله، وفي المكارمات ومهاداة الأصدقاء ليستجروا بهداياهم أَمثالها أو خيرًا منها. وأمّا الإنفاق لوجه الله خالصا كقوله تعالى: (وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى* إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى) [الليل: ٢٠]- فلا يفعله إلا المؤمنون الخلص، فبعثوا عليه ليأخذوا بدله في يوم لا بيع فيه ولا خلال، أي: لا انتفاع فيه بمبايعة ولا بمخالة، ولا بما ينفقون به أَموالهم من المعاوضات والمكارمات، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله. وقرئ: (لا بيع فيه ولا خلال) بالرفع.
[(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ
_________________
(١) قوله: (كيف طابق الأمر بالإنفاق وصف اليوم بأنه (لا بيعَ فيه ولا خِلالَ»، يعني: أي فائدة في تقييد الإنفاق بقوله: (مِن قَبْلِ أَن يَاتِيَ يَوْمٌ)؟ وأجاب: أن وجوه الإنفاق وأغراضها متعددة، مثل: أخذ البدل، وحسن الأحدوثة، واستجرار المثل في العاجل، والثواب في الآجل، فقيد بهذا الأخير ليختص به. وتلخيصه: أن الخطاب ليس عامًا، بل هو مع قوم مخصوصين، ووصف اليوم بذلك لمزيد البعث على الإنفاق، فإنهم لما جزموا وأيقنوا مجيئه، وعلموا أنه يوم لا ينفع فيه عمل، اغتنموا الفرصة في الإنفاق لوجه الله. قوله: (وقرئ: (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ) بالرفع)، كلهم إلا ابن كثير وأبا عمرو.
[ ٨ / ٦٠٣ ]
الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ* وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ* اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ* وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ* وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)].
(اللَّهُ) مبتدأ، و(الَّذِي خَلَقَ) خبره، و(مِنَ الثَّمَراتِ) بيان للرزق، أي: أخرج به رزقًا هو ثمرات. ويجوز أن يكون (مِنَ الثَّمَراتِ) مفعول "أخرج"، ورِزْقًا حالًا من المفعول، أَو نصبًا على المصدر من "أخرج"، لأنه في معنى "رزق" (بِأَمْرِهِ) بقوله كن.
(دائِبَيْنِ) يدأبان في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات، وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) يتعاقبان خلفة لمعاشكم وسباتكم.
_________________
(١) قوله: «مِنَ الْثَّمَرَاتِ) مفعول "أخرج")، فـ "من" على هذا تبعيض، أي: أخرج بعض الثمرات. قوله: (يدأبان في سيرهما)، الجوهري: "دأب فلان في عمله؛ أي: جد وتعب"، وهو معنى التسخير. قوله: (درئهما)، الأساس: "درأ الكوكب: طلع، كأنه يدرأ الظلام، أي: يدفعه". قوله: (خلفة لمعاشكم)، يقال: هن يمشين خلفة؛ أي: تذهب هذه وتجيء هذه، ويقال أيضًا: القوم خلفة؛ أي: مختلفون، حكاه أبو زيد، والخلفة أيضًا: اختلاف الليل والنهار، يريد: أن معنى تسخير الليل والنهار لبني آدم: بيانه وتفسيره ما في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان: ٦٢]، فبين التسخير
[ ٨ / ٦٠٤ ]
(وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ) "من" للتبعيض، أي: آتاكم بعض جميع ما سألتموه، نظرًا في مصالحكم. وقرئ من كلّ" بالتنوين، و(ما سألتموه) نفى ومحله النصب على الحال أي: آتاكم من جميع ذلك غير سائليه، ويجوز أن تكون ما موصولة، على: وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ولم تصلح أَحوالكم ومعايشكم إلا به، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال.
_________________
(١) فيه بأن جعلهما خلفة يتعاقبان؛ يجيء هذا ويذهب ذاك، وبين فيه حكمة التسخير من وجهين: أحدهما: إرادة التذكر، وهو أن يتفكر المكلف في هذه القدرة العظيمة، فيعرف كمال مسخرهما. وثانيهما: إرادة الشكر، وهو أن يعرف بذلك نعمة السكون بالليل وابتغاء الفضل بالنهار، ويشكر موليهما. الراغب: "التسخير: سياقة الشيء إلى الغرض المختص به قهرًا، فالمسخر هو المقيض للفعل، والسخري: هو الذي يقهر أن يتسخر لنا، وسخرت منه: إذا سخرته للهزء منه، قال تعالى: (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ) [هود: ٣٨]، وقوله تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) [المؤمنون: ١١٠] قد حمل على التسخير وعلى السخرية". قوله: (وقرئ: "من كل" بالتنوين"، قال ابن جني: "وهي قراءة ابن عباس والحسن وغيرهما، تقديره: وآتاكم ما سألتموه من كل شيء سألتموه أن يؤتيكم". قوله: (وآتاكم من كل ذلك)، "ذلك" إشارة إلى ما سبق من الآيات، فإنهم وإن لم يعطوها عن سؤالهم، ولكن لما يستغنوا في معايشهم وأحوالهم عنها، فكأنهم سألوها بلسان
[ ٨ / ٦٠٥ ]
(لا تُحْصُوها) لا تحصروها ولا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها، هذا إذا أَرادوا أَن يعدوها على الإجمال،
_________________
(١) حالهم، وهو من باب التمثيل، وسبيل هذا السؤال سبيل الجواب في قوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: ١٧٢]. شبه حالة الإنسان في كونه غير قائم بنفسه مفتقرًا إلى من يقوم به، وما تقام به نفسه، وتكمل به حياته، ويتصل به إلى غايته، وهو أن يقال في حقه: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء: ٧٠] بحالة الطفل أو الفرخ الذي يحتاج إلى قيم يتعيش به حياته، ويقيم به أوده، إذ لولاه لسقط متنه، ويبقى مهملًا معطلًا، وإليه ينظر قوله تعالى حكاية عن الكليم ﵇: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: ٥٠]، أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ويرتفقون به، ثم عرفهم كيف يرتفقون بما أعطاهم، وكيف يتوصلون إليه، والله أعلم. قوله: «لَا تُحْصُوهَا) لا تحصروها ولا تطيقوا عدها)، قال في "الأساس": "هذا أمر لا أحصيه؛ أي: لا أطيقه ولا أضبطه"، وقال القاضي: "يعني: لا تطيقوا عد أنواعها، فضلًا عن أفرادها، فإنها غير متناهية، وفيه دليل على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة". الراغب: "الإحصاء: التحصيل بالعدد، يقال: أحصيت كذا؛ من لفظ الحصا، واستعمال ذلك فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدونه بالعد كاعتمادنا فيه على الأصابع".
[ ٨ / ٦٠٦ ]
وأمّا التفصيل فلا يقدر عليه ولا يعلمه إلا الله (لَظَلُومٌ) يظلم النعمة بإغفال شكرها (كَفَّارٌ) شديد الكفران لها. وقيل ظلوم في الشدّة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع. و"الإنسان" للجنس، فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من يوجدان منه.
[(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ* رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
_________________
(١) قوله: (وأما التفصيل فلا يقدر)، "أما" يقتضي التكرير، فالتقدير: أما الإجمال فإنكم إن أردتم أن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، وأما التفصيل فلا كلام في أنه ليس إليكم، فلا يحتاج إلى البيان، لأنه لا يقدر عليه ولا يعلمه إلا الله تعالى. قوله: (فيتناول الإخبار)، الفاء جزائية، أي: التعريف في "الإنسان" للجنس الذي هو العهد الذهني، وهو ما يعرفه كل أحد أن الإنسان ما هو، فلما أتى بقوله: (لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) تناولهما، فصار المطلق مقيدًا، كما أن التعريف في "اللئيم" في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني للجنس، فيتناول من تعرض لسب الشاعر. ولو حمل التعريف على الاستغراق فيختص بمن عصمه الله تعالى منهما، لكان أولى، كقوله تعالى: (إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا) [العصر: ٢ - ٣]، وقوله تعالى: (إِنَّ
[ ٨ / ٦٠٧ ]
(هَذَا الْبَلَدَ) يعني: البلد الحرام، زاده الله أَمنًا، وكفاه كل باغٍ وظالم، أَجاب فيه دعوة خليله إبراهيم ﵇ (آمِنًا): ذا أمن.
فإن قلت: أي: فرق بين قوله (اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا) [البقرة: ١٢٦] وبين قوله: (اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا)؟ قلت: قد سأل في الأوّل: أَن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني: أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف، فاجعله آمنًا.
(وَاجْنُبْنِي): وقرئ: "وأجنبني"، وفيه ثلاث لغات: جنبه الشر، وجنبه، وأجنبه، فأهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد-، وأهل نجد جنبني وأجنبنى، والمعنى: ثبتنا وأدمنا على اجتناب عبادتها
_________________
(١) الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلاَّ الْمُصَلِّينَ) [المعارج: ١٩ - ٢٢] إلى آخره. قوله: (قد سأل في الأول: أن يجعله من جملة البلاد) إلى آخره، وهو أحد معاني "جعل"، وهو تصيير شيء شيئًا، فعلى الأول: تقدير الآية: اجعل هذا البلد بلدًا ذا أمن، أو آمنًا من فيه، كقولك: نهاره صائم، فـ (آَمِنًا) صفة (بَلَدًا). وعلى الثاني: هذا البلد ذا أمن، فـ (آَمِنًا) مفعول ثان، و"البلد" وصف للمفعول الأول، فلابد من تقدير الخوف ليصح تصييره ذا أمن. فعلى الأول: كأنه ليس بلدًا في ذلك الوقت، فسأل أن يجعله بلدًا آمنًا، وعلى الثاني: السؤال لحصول الأمن بعد وجدانه. قال صاحب "التقريب": "وحيث قال: (بَلَدًا آَمِنًا) سأل جعله بلدًا موصوفًا، وحيث قال: (هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا) سأل صفة أمنه.
[ ٨ / ٦٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال الراغب في "غرة التنزيل": "فيه وجهان: أحدهما: أن الدعوة الأولى وقعت، ولم يكن المكان [قد جعل بلدًا، فكأنه قال: رب اجعل هذا الوادي بلدًا آمنًا، والدعوة الثانية وقعت، وقد جعل الوادي بلدًا]، فكأنه قال: اجعل هذا الوادي بلدًا آمنًا، لقوله: (إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)، ووجه الكلام فيه تنكير (بَلَدًا) الذي هو مفعول ثان، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل الوادي بلدًا، فكأنه قال: اجعل هذا المكان- الذي صيرته كما أردت، ومصرته كما سألت- ذا أمن، فـ (الْبَلَدَ) على هذا عطف بيان عند سيبويه، وصفة عند المبرد، و(آَمِنًا) مفعول ثان. وثانيهما: أن تكون الدعوتان واقعتين بعدما صار المكان بلدًا، والمطلوب الأمن، كما تقول: اجعل ولدك هذا ولدًا أديبًا، فلا تأمره بأن يجعله ولدًا، لأن ذلك ليس إليه، وإنما تأمره بتأديبه، أي: اجعله على هذه الصفة، وتقول: كن رجلًا سخيًا، ولا تأمره بأن يكون رجلًا، بل تأمره بما يجعله سخيًا، فذكر الموصوف وأتبعه الصفة، وهو كما تقول: كان اليوم يومًا حارًا، فتجعل "يومًا" خبر "كان"، و"حارًا" صفة له، ولم تقصد أن تخبر عن اليوم
[ ٨ / ٦٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بأنه كان يومًا، لأنه غير مفيد، وإنما القصد أن تخبر عن حر اليوم، فكأن الأصل: كان اليوم حارًا، وأعدت "يوم" لتجمع بين الصفة والموصوف، فكأنك قلت: كان هذا اليوم من الأيام الحارة، فكذلك قوله: (اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) يجوز أن يراد: واجعل هذا البلد آمنًا، فتدعو له بالأمن من بعد ما قد صار بلدًا، ويكون مثل قوله: (اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا)، وتكون الدعوة واحدة، قد أخبر الله عنها في الموضعين. فأما قول من يقول: إنه جعل الأول نكرة، فلما أعاد ذكرها أعاد بلفظ المعرفة فليس بشيء". وأما بيان النظم: فإنه تعالى لما عجب رسوله ﷺ من حال قريش بقوله: (أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا) يعني: ألم تتعجب من حال قوم أنعم الله عليهم بأنواع النعم الجسيمة؛ حيث أسكنهم حرمه، وجعلهم قوم نبيه، ليكونوا في كنف هذا البلد الذي جعله الله حرمًا آمنًا، ويتخطف الناس من حولهم، وأكرمهم ببعثة أفضل الرسل؛ ليشكروا الله ويوحدوه، فعكسوا وجعلوا ما هو وسيلة إلى الأمن من سخط الله سببًا للحلول في دار البوار، وما هو ذريعة إلى الهداية والتوحيد سبيلًا إلى اتخاذ الأنداد وإضلال الخلق! ثم أمر رسوله [ﷺ] بأن يعرض عنهم ويكافحهم بكلمة المتاركة والمودعة إقناطًا وإياسًا، وهي (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)، ويقبل إلى المخلصين من عباده، ويحرضهم على شكر تلك النعم التي لم يقوموا بشكرها بما هو أساس الحسنات، وأما العبادات- من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في حالتي السر والعلانية- إلى قيام القيامة إلى يوم لا بيع فيه ولا خلال.
[ ٨ / ٦١٠ ]
(وَبَنِيَّ) أراد: بنيه من صلبه. وسئل ابن عيينة: كيف عبدت العرب الأصنام؟ فقال: ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنما، واحتج بقوله (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ) إنما كانت أنصاب حجارة لكل قوم، قالوا: البيت حجر،
_________________
(١) ثم بعد ذلك يعد عليهم من النعم التي لا تحصى كثرة؛ منها خلق هذه السماء التي كالمظلة على هذا القرار الذي هو مستقرهم ومكان عبادتهم، ثم ما سواه من شبه النكاح بينهما بإنزال الماء وإخراج ما هو كالنتيجة من الثمرات رزقًا لهم؛ ليكون ذلك معتبرًا إلى النظر الموصل إلى التوحيد، ونعمة يقابلونها بالعبادة، وحتى لا تجعلوا لله أندادًا، مثل أولئك الأنعام الذين لم يلتفتوا إلى هذه الآيات البينات، ولهذا قال: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ). ونظيره قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) إلى قوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: ٢١ - ٢٢]. عقبه ليذكر بما يناسبه من قصة الخليل ﵇، ودعائه في حق هذا البيت المكرم والحرم المعظم، واعتنائه بشأن إقامة الصلاة فيه، وتوحيد الله، ومجانبة عبادة الأصنام، فمن قام بواجب ذلك من عبادة الملك العلام، والمجانبة عن عبادة الأصنام، صحح النسبة بينه وبين أبيه، وأمن في الدنيا والآخرة من سخط الله وحلول نكاله، ومن عكس استؤصل في الدنيا بالدمار، وفي العقبى أحل نفسه وقومه دار البوار، جهنم يصلونها فبئس القرار. والذي يؤيد أن قصة الخليل استطراد: العود إلى تهديد الكفرة بقوله: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ). قوله: (إنما كانت أنصاب)، أي: ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنمًا، وإنما التي تولعوا بها كانت أنصاب حجارة.
[ ٨ / ٦١١ ]
فحيثما نصبنا حجرًا فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه: الدوار، فاستحب أن يقال: طاف بالبيت، ولا يقال: دار بالبيت.
(إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) فأعوذ بك أن تعصمني وبنيّ من ذلك، وإنما جعلن مضلات، لأنّ الناس ضلوا بسببهنّ، فكأنهنّ أضللنهم، كما تقول: فتنتهم الدنيا وغرّتهم، أي: افتتنوا بها واغتروا بسببها.
_________________
(١) قوله: (ويسمونه الدوار)، في حاشية "الصحاح": "قال ابن الأنباري: دوار: بد كانوا في الجاهلية يدورون حوله أسابيع، يتشبهون بأهل مكة"، وأنشد في "المغرب" لامرئ القيس: فعن لنا سرب كأن نعاجه … عذارى دوار في ملاء مذيل السرب: الجماعة من الظباء والبقر، والنعاج: جمع نعجة، وهي الأنثى من بقر الوحش، والعذارى: جمع عذراء، والدوار: صنم كانت تنصبه العرب وتدور حوله. الجوهري: "الملاءة- بالضم والمد-: الريطة، والجمع: ملاء"، والمذيل: الطويل الذيل، وإنما ذكر حملًا على اللفظ. قوله: (فاستحب أن يقال: طاف)، أي: "دار" بمعنى: طاف، ومنع أن يقال: "دار"، واستحب أن يقال: "طاف"؛ لئلا يتأسى بألفاظ المشركين.
[ ٨ / ٦١٢ ]
(فَمَنْ تَبِعَنِي) على ملتي وكان حنيفًا مسلمًا مثلي (فَإِنَّهُ مِنِّي) أي: هو بعضي لفرط اختصاصه بي وملابسته لي، وكذلك قوله: «من غشنا فليس منا» أي: ليس بعض المؤمنين، على أنّ الغش ليس من أفعالهم وأوصافهم، (وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تغفر له ما سلف منه من عصياني إذا بدا له فيه واستحدث الطاعة لي. وقيل: معناه (ومن عصاني) فيما دون الشرك.
[(رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لعلهم يَشْكُرُونَ)].
(مِنْ ذُرِّيَّتِي) بعض أولادي، وهم إسماعيل ومن ولد منه (بِوادٍ) هو وادي
_________________
(١) قوله: «فَإِنَّهُ مِنِّي) أي: هو بعضي)، لا يريد أن "من" في قوله: (مِنِّي) تبعيضية، وإن صرح بلفظ البعض، بل هي اتصالية، كقوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، ولهذا قال: "لفرط اختصاصه بي وملابسته لي". قوله: «وَمَنْ عَصَانِي) فيما دون الشرك)، يدل على أنه حمل "العصيان" في الوجه الأول على الشرك، لأنه مقابل لقوله: (فَمَنْ تَبِعَنِي) على ملتي، وكان حنيفًا مسلمًا"، أي: موحدًا، والكلام مبني على التخييل والتورية، كما سبق في قوله تعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) [التوبة: ٨٠]. قال القاضي: " (فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: تقدر أن تغفر له وترحمه ابتداء أو بعد التوفيق للتوبة، وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره حتى الشرك، إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره".
[ ٨ / ٦١٣ ]
مكة (غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) لا يكون فيه شيءٌ من زرعٍ قط، كقوله: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) [الزمر: ٢٨] بمعنى: لا يوجد فيه اعوجاج، ما فيه إلا الاستقامة لا غير. وقيل للبيت: المحرم، لأنّ الله حرم التعرض له والتهاون به، وجعل ما حوله حرما لمكانه، أو لأنه لم يزل ممنعًا عزيزًا يهابه كل جبار، كالشئ المحرم الذي حقه أن يجتنب، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه، أو لأنه حرّم على الطوفان أي: منع منه، كما سمي "عتيقًا" لأنه أعتق منه فلم يستول عليه (لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) اللام متعلقة بـ (أسكنت)، أي: ما أسكنتهم هذا الوادي الخلاء البلقع من كل مرتفق ومرتزق، إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم، ويعمروه بذكرك وعبادتك،
_________________
(١) قوله: (لا يكون فيه شيء من زرع قط)، هذه المبالغة يفيدها معنى الكناية، لأن نفي ذي الزرع يستلزم كون الوادي غير صالح، لأنه نكرة في سياق النفي. قوله: (انتهاكه)، الجوهري: "انتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحل". قوله: (ما أسكنتهم … إلا ليقيموا الصلاة) إلى آخره، هذا الحصر وتلك الفوائد إنما يفيدها تكرير ذكر (رَبَّنَا)، لأنه للاهتمام بشأن المدعو المطلوب، وجعل (لِيُقِيمُوا) علة للإسكان بواد موصوف بهذين الوصفين؛ كونه غير ذي زرع، وكونه عند بيتك المحرم، يعني: لا يختار أحد مثل هذا الموضع إلا للانقطاع للعبادة والتبتل إلى الله، والتبرك به لشرفه، وخص الصلاة لأنها عمود الدين. قوله: (البلقع)، الجوهري: "البلقع والبلقعة: الأرض القفر التي لا شيء بها". قوله: (مرتفق ومرتزق)، الأساس: "ارتفقت به: انتفعت به، تقول: بكرمك أثق، وعلى
[ ٨ / ٦١٤ ]
وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك، متبركين بالبقعة التي شرفتها على البقاع، مستسعدين بجوارك الكريم، متقربين إليك بالعكوف عند بيتك، والطواف به، والركوع والسجود حوله، مستنزلين الرحمة التي آثرت بها سكان حرمك.
(أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ) أفئدة من أفئدة الناس، ومن للتبعيض، ويدل عليه ما روي عن مجاهد: لو قال أَفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم، وقيل: لو لم يقل: (مِنْ) لازدحموا عليه حتى الروم والترك والهند. ويجوز أن يكون (مِنْ) للابتداء، كقولك: القلب منى سقيم، تريد قلبي، فكأنه قيل: أفئدة ناس، وإنما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل لتنكير (أفئدة)، لأنها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة.
_________________
(١) سؤددك أرتفق، ومنه قوله تعالى: (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا) [الكهف: ٣١]، ويقال: ما فيها مرفق من مرافق الدار؛ نحو المتوضأ والمطبخ". قوله: (القلب مني سقيم)، والظاهر أنه مثل قوله تعالى: (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) [مريم: ٤]، لكنه جعله ابتدائية لتفخيم الأمر، كأنه قيل: نشأ سقم هذا العضو الذي يصلح بصلاحه البدن، ويفسد بفساده مني ومن جهتي، فعلى هذا: التعريف في (النَّاسَ) للجنس، والمراد قوم مخصوصون، أي: نشأ جعل الأفئدة مائلة إلى جهة الكاملين من الناس. قوله: (وإنما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل)، أي: في "الكشاف" في قوله: "فكأنه قيل: أفئدة ناس"، وفي الآية معرفة؛ ليتناول بعض الأفئدة، قال صاحب "الفرائد": لا يحتاج
[ ٨ / ٦١٥ ]
وقرئ: "آفدةً"، بوزن عاقدة. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون من القلب كقولك: آدر، في أدؤر. والثاني: أن يكون اسم فاعلة من أفدت الرحلة إذا عجلت، أي: جماعة أو جماعات يرتحلون إليهم ويعجلون نحوهم.
وقرئ: "أفدةً"، وفيه وجهان: أن تطرح الهمزة للتخفيف، وإن كان الوجه أن تخفف بإخراجها بين بين. وأن يكون من أفد.
_________________
(١) إلى جعل المعرفة نكرة لجواز أن يقال: المضاف مقدر، أي: بعض أفئدة من الناس، أو يقال: "الناس" للجنس، كقوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) [آل عمران: ١٧٣]. وقلت: هذا هو الذي أراده المصنف، فإنه أشار به إلى أن التعريف في (الْنَّاسِ) بمنزلة النكرة، كقولك: ادخل السوق في بلد كذا، أي: سوقًا من الأسواق. وأما الوجه الأول فساقط يظهر بالتأمل. قوله: (بوزن عافدة)، وفي "الأساس": "اعتفد الرجل: إذا أغلق الباب ليموت جوعًا ولا يسأل، ولقي رجل جارية تبكي، فقال: مالك؟ قالت: نريد أن نعتفد. وأنشد ابن الأعرابي: وقائلة ذا زمان اعتفاد" قوله: (من: أفدت الرحلة؛ إذا عجلت)، الجوهري: "أفد الرجل- بالكسر- يأفد إفدًا؛ أي: عجل، فهو أفد؛ على "فعل"، أي: مستعجل، وأفد الترحل: إذا دنا وأزف". قوله: (أن تخفف بإخراجها بينَ بين)، قيل: فيه نظر؛ لأن الهمزة المتحركة الساكن ما قبلها إنما يكون تخفيفها بالحذف، كما في "مسألة" و"الخبء"، ولا يمكن فيها بينَ بينَ؛ المشهور ولا غيره، لأن بينَ بين: إما ساكن أو قريب من الساكن؛ على اختلاف المذهبين، فلو جعلت هذه الهمزة بين بينَ لزم التقاء الساكنين، أو ما هو في حكمه.
[ ٨ / ٦١٦ ]
(تَهْوِي إِلَيْهِمْ) تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقا ونزاعا من قوله:
يَهْوِي مَخَارِمَهَا هُوِىَّ الأَجْدَلِ
وقرئ: "تهوى إليهم" على البناء للمفعول، من: هوى إليه، وأهواه غيره. و"تهوى إليهم"؛ من هوي يهوى؛ إذا أحب، ضمن معنى تنزع فعدّى تعديته. (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ) مع سكناهم واديًا ما فيه شيء منها، بأن تجلب إليهم من البلاد (لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات،
_________________
(١) قوله: (يهوي مخارمها هوي الأجدل)، أوله: وإذا رميت به الفجاج رأيته قال المرزوقي: "الفج: الطريق الواسع في قُبُل جبل، والجمع: الفجاج، والمخارم: جمع المخرم، وهو منقطع أنف الجبل، والخرم: أنف الجبل، والأجدل: من جدل الخلق، والهوي- بضم الهاء-: هو القصد إلى الأعلى. يقول: إذا وجهت هذا الجلد في طرق الجبال رأيته يقصد أعاليها قصد الصقر". قوله: ("تهوى إليهم" … من هوي [يهوى]؛ إذا أحب)، قال ابن جني: "قرأها علي ﵁، هو من: هويت الشيء؛ إذا أحببته، لا تقول: هويت إلى فلان، ولكن: هويت فلانًا، لكن لاحظ معنى: تميل إليهم، وهذا باب من العربية ذو عوز".
[ ٨ / ٦١٧ ]
حاضرةً في وادٍ يبابٍ ليس فيه نجم ولا شجر ولا ماء لا جرم أن الله ﷿ أجاب دعوته فجعله حرمًا آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنه، ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريفٍ وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثمارًا، وفي أي: بلد من بلاد الشرق والغرب ترى الأعجوبة التي يريكها الله بواد غير ذي زرع، وهي اجتماع البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد، وليس ذلك من آياته بعجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه، وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم ﵇، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم.
[(رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ)].
_________________
(١) قوله: (في واد يباب)، الجوهري: "أرض يباب: خراب". قوله: (ثم فضله)، "ثم" للتراخي في الإخبار أو الزمان. قوله: (على كل ريف)، الريف: أرض فيها زرع وخصب. قوله: (وفي أي بلد من بلاد الشرق والغرب)، "أي" فيه استفهامية، و"التي" صفة الأعجوبة، فإنه لما قال: "ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلاد"، قال: "في أي بلد"، أي: لا ترى الأعجوبة التي يريكها الله تعالى في مكة في بلاد الشرق والغرب أي بلد شئت. قوله: (اجتماع البواكيل)، الجوهري: "الباكورة: أول الفاكهة".
[ ٨ / ٦١٨ ]
النداء المكرر دليل التضرع واللجأ إلى الله تعالى (إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ) تعلم السرَّ كما تعلم العلن علمًا لا تفاوت فيه، لأنّ غيبًا من الغيوب لا يحتجب عنك. والمعنى: أنك أعلم بأحوالنا وما يصلحنا وما يفسدنا منا، وأنت أرحم بنا وأنصح لنا منا بأنفسنا ولها، فلا حاجة إلى الدعاء والطلب، وإنما ندعوك إظهارا للعبودية لك، وتخشعًا لعظمتك، وتذللًا لعزتك، وافتقارًا إلى ما عندك، واستعجالًا لنيل أياديك، وولهًا إلى رحمتك، وكما يتملق العبد بين يدي سيده، ورغبةً في إصابة معروفه، مع توفر السيد على حسن الملكة. وعن بعضهم: أنه رفع حاجته إلى كريم، فأبطأ عليه النجح، فأراد أن يذكره فقال: مثلك لا يذكر استقصارًا ولا توهما للغفلة عن حوائج السائلين، ولكن ذا الحاجة لا تدعه حاجته أن لا يتكلم فيها. وقيل: (ما نخفي) من الوجد لما وقع بيننا من الفرقة،
_________________
(١) قوله: (كما تعلم العلن)، أشار إلى تكرير "ما"، وأن لم يقل: "تعلم ما نخفي ونعلن"؛ ليؤذن باستقلال إيقاع العلم على كل من السر والعلن، حيث لا يتفاوت العلم فيهما. قوله: (وقيل: (مَا تُخْفِي) من الوجد)، عطف على قوله: "تعلم السر كما تعلم العلن"، جعل (نُعْلِنُ) و(نُخْفِي) على الأول مطلقًا؛ على منوال "يعطي ويمنع" تتميمًا لحسن المطلب، يعني: هذا الذي يظهر من الطلب ليس إلا التملق والرغبة إلى إصابة المعروف، لا الاستقصار والإعلام، وقريب منه قول الشاعر: أهزك لا أني عرفتك ناسيًا … لأمري ولا أني أردت التقاضيا
[ ٨ / ٦١٩ ]
(وما نعلن) من البكاء والدعاء. وقيل: (ما نخفي) من كآبة الافتراق، (وما نعلن) يريد: ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله أكلكم. قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا نخشى، تركتنا إلى كاف. (وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) من كلام الله ﷿ تصديقًا لإبراهيم ﵇، كقوله: (وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل: ٣٤]. أو من كلام إبراهيم، يعني: وما يخفى على الله الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان. و«من» للاستغراق، كأنه قيل: وما يخفى عليه شيء ما.
_________________
(١) ولكن رأيت السيف من بعد سله … إلى الهز محتاجًا وإن كان ماضيا قوله: (ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟)، هذا في حديث طويل رواه البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس قال: "جاء إبراهيم ﵇ بهاجر وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك، ووضع عند هاجر إناء فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم ثنى إبراهيم منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ قالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، فرفع يديه فقال: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) ". قوله: «وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) من كلام الله أو من كلام إبراهيم)، وعلى التقديرين:
[ ٨ / ٦٢٠ ]
"عَلَى"- في قوله: (عَلَى الْكِبَرِ) - بمعنى "مع"، كقوله:
إنِّي عَلَى مَا تَرَيْنَ مِنْ كِبَرِي … أَعْلَمُ مِنْ حَيْثُ تُؤْكَلُ الْكَتِفُ
_________________
(١) هو تذييل لما سبق وتأكيد له، ولهذا استشهد بقوله: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)، لأنه من كلام الله تذييلًا لكلام بلقيس: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً) [النمل: ٣٤]. فعلى الأول: كان من الظاهر أن يقول: "صدقت يا إبراهيم ما يخفى علي شيء"، أقام المظهر موضع المضمر، وأتى باسمه الأقدس الجامع، أي: اقتضى عظمة جلاله وكبرياء سلطانه وشمول علمه أن لا يخيب دعاءك. وعلى الثاني: "وما يخفى عليك من شيء"، فعدل ليؤذن أنه كيف تخفى عليه حاجتي، وعلمه شامل لكل غيب وشهادة؟ ! قوله: ("على" في قوله: (عَلَى الْكِبَرِ) بمعنى: "مع")، ويجوز أن تجري على حقيقتها، ويقال: وهب لي وأنا متمكن على الكبر، كقوله تعالى: (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) [يوسف: ١٨]، وهذا أنسب؛ لقوله: "لأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية". قوله: (إني على ما ترين من كبري)، يقول: إني مع ما ترين من كبري أعرف الأشياء حق معرفتها، لأني جربتها ومارستها، وإني الآن على ما كنت مع كبر سني وتغير أحوال الحواس. وإليه أومئ بقوله: "وإنما ذكر حال الكبر، لأن المنة بهبة الولد فيها أعظم". قوله: (أعلم من حيث تؤكل الكتف)، مثل في التجربة، لأن المجرب يأخذ
[ ٨ / ٦٢١ ]
وهو في موضع الحال، معناه: وهب لي وأنا كبير وفي حال الكبر. روي أنّ إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مئة وثنتي عشرة سنة، وقد روي أنه ولد له إسماعيل لأربع وستين. وإسحاق لتسعين. وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مئة وسبع عشرة سنة، وإنما ذكر حال الكبر لأنّ المنة بهبة الولد فيها أعظم، من حيث أنها حال وقوع اليأس من الولادة. والظفر بالحاجة على عقب اليأس من أجلّ النعم وأحلاها في نفس الظافر، ولأنّ الولادة في تلك السنّ العالية كانت آية لإبراهيم (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ) كان قد دعا ربه وسأله الولد، فقال: (رب هب لي من الصالحين) [الصافات: ١٠٠]، فشكر لله ما أكرمه به من إجابته.
فإن قلت: الله تعالى يسمع كل دعاء، أجابه أو لم يجبه
_________________
(١) ـ الكتف من أعلاه، ليجذب اللحم عنه، وقيل: تؤكل من أسفلها ليسهل. قوله: «إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) كان قد دعا ربه، وسأله الولد) إلى قوله: (فشكر لله ما أكرمه به من إجابته)، وقلت: قضية النظم أن يكون قوله: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) تعليلًا لإجابة دعائه السابق على سبيل التذييل، وأن يكون قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ) تذكيرًا لشكر نعمه السابقة، ووسيلة لاستجابة هذا الدعاء، فإن هذه الآية كالاعتراض بين أدعية إبراهيم ﵇ في هذا المكان، كأنه ﵇ يقول: "اللهم استجب دعائي في حق ذريتي في هذا المقام، فإنك لم تزل سميع الدعاء، وقد دعوتك على الكبر، وسألت أن تهب لي إسماعيل وإسحاق، فأجبت لي"، فذكره وسيلة لاستجابة الدعاء. وفي تقييده تلك النعمة بالحمد دون إطلاقها: إشارة إلى التزام الشكر لهذه النعمة المستجدة. قوله: (الله يسمع كل دعاء أجابه أو لم يجبه)، يعني: كيف استعمل (سَمِيعُ الدُّعَاءِ) بمعنى: مجيبه، فإنه تعالى يسمع الدعاء، أجابه أو لم يجبه؟ وما فائدة اختصاصه به؟
[ ٨ / ٦٢٢ ]
قلت: هو من قولك: سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به وقبله، ومنه: سمع الله لمن حمده. وفي الحديث: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن».
فإن قلت: ما هذه الإضافة إضافة "السميع" إلى "الدعاء"؟ قلت: إضافة الصفة إلى مفعولها، وأصله لسميع الدعاء. وقد ذكر سيبويه "فعيلًا" في جملة أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل، كقولك: هذا ضروب زيدًا، وضراب أخاه، ومنحار إبله، وحذر أمورًا، ورحيم أباه. ويجوز أن يكون من إضافة فعيل إلى فاعله، ويجعل دعاء الله سميعا على الإسناد المجازي. والمراد سماع الله.
_________________
(١) وأجاب: أن الفائدة أنه اعتد به وقبل منه، كما إذا رفع شخصان قصتهما إلى الأمير، وسمع كلامهما، وقبل من أحدهما وقضى حاجته، ولم يقبل من الآخر، يقال: سمع قصة فلان، ولم يسمع من الآخر، وهو من باب الكناية. قوله: (ما أذن الله) الحديث، رواه الشيخان عن أبي هريرة، يعني: لا يعتد بشيء كاعتداده لنبي يتغنى بالقرآن، قال في "الفائق": "الأذن: الاستماع، والمراد بالتغني: تخزين القراءة وترقيقها، ومنه الحديث: (زينوا القرآن بأصواتكم) ". الراغب: "غنى أغنية وغناء وتغنى، وقيل: تغنى؛ بمعنى: استغنى، ومنه: "من لم يتغن بالقرآن". قوله: (من إضافة "فعيل" إلى فاعله)، أي: لسميع دعاؤك.
[ ٨ / ٦٢٣ ]
[رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ* رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ)].
(وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) وبعض ذرّيتي، عطفًا على المنصوب في (اجعلني)، وإنما بعض لأنه علم بإعلام الله أنه يكون في ذرّيته كفار، وذلك قوله: (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة: ١٢٤].
(وَتَقَبَّلْ دُعاءِ) أي: عبادتي؛ (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [مريم: ٤٨].
يعني: أباه، وقرأ الحسن بن علي ﵄: "ولولدي" يعني: إسماعيل وإسحاق. وقرئ: "لولدي" بضم الواو، والوُلُد بمعنى: الوَلَد، كالعدم والعدم. وقيل: جمع ولد، كـ"أُسدٍ" في: أسد. وفي بعض المصاحف: "ولذريتي".
فإن قلت: كيف جاز له أن يستغفر لبويه وكانا كافرين؟ قلت: هو من مجوزات العقل، لا يعلم امتناع جوازه إلا بالتوقيف. وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء. وقيل: بشرط الإسلام، ويأباه قوله: (إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك) [الممتحنة: ٤]؛ لأنه لو شرط الإسلام لكان استغفارًا صحيحًا لا مقال فيه، فكيف يُستنى الاستغفار الصحيح من جُملة ما يؤتسى فيه بإبراهيم.
في قراءة أبيّ: "ولأبويّ". وقرأ سعيد بن جبير: "ولوالدي"، على الإفراد،
_________________
(١) قوله: «وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ»، استشهاد لأن الدعاء يجيء بمعنى العبادة. قوله: (ويأباه قوله: (إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ»، يعني: هذا القول مردود، لأنه لو نوى إبراهيم ﵇ في قوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ): "إن أسلما"، لكان مثل هذا الاستغفار مما يؤتسى به ومأمورًا به، وقد قال الله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) إلى قوله: (إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) [الممتحنة: ٤]، فالله تعالى
[ ٨ / ٦٢٤ ]
(يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ) أي: يثبت، وهو مستعارٌ من قيام القائم على الرجل، والدليل عليه قولهم: قامت الحرب على ساقها. ونحوه قولهم: ترجلت الشمس: إذا أشرقت وثبت ضوؤها، كأنها قامت على رجل. ويجوز أن يسند إلى الحساب قيام أهله إسنادًا مجازيًا، أو يكون مثل (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢]. وعن مجاهد: قد استجاب الله له فيما سأل، فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته، وجعل البلد آمنا، ورزق أهله من الثمرات،
_________________
(١) نهانا أن نأتسي به في هذا الاستغفار، ولو كان مشروطًا بالإسلام لكان مأمورًا بالاتباع، فضلًا عن أن يكون منهيًا عنه، وقد استقصينا الكلام عليه في "مريم"؛ ردًا على المصنف. قوله: (وهو مستعار من قيام القائم)، أي: القيام مستعار للثبات، شبه (الْحِسَابُ) في الوقوع والثبوت بإنسان إذا كان على أقوى حاله، وهو القائم، ثم خيل له ما يلازم الإنسان في هذه الحالة، وهو القيام، ثم شبه هذا المتخيل بمثله من المحقق، ثم أطلق المحقق على ذلك المتخيل، فهي استعارة مكنية مستلزمة للتخييلية. قوله: (وعن مجاهد: قد استجاب الله له)، بيان لربط الآيات من ابتداء دعوة إبراهيم ﵇، فقوله: "فمل يعبد أحد من ولده صنمًا بعد دعوته": مبني على ما سبق من جواب ابن عيينة: "ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنمًا، وإنما كانت أنصاب حجارة"، وفي قوله: "وجعل في ذريته من يقيم الصلاة": إشارة إلى أن "من" في (مِن ذُرِّيَّتِي) للتبعيض، وقوله: "وأراه مناسكه وتاب عليه": إشارة إلى ما في البقرة: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا) [البقرة: ١٢٨]. وقول ابن عباس: إما من تتمة كلام مجاهد، أو أنه لما لم يذكره جاء به ليستوعب جميع ما اشتملت عليه الآيات من المعاني.
[ ٨ / ٦٢٥ ]
وجعله إمامًا، وجعل في ذريته من يقيم الصلاة، وأراه مناسكه، وتاب عليه. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: كانت الطائف من أرض فلسطين، فلما قال إبراهيم: (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ) [إبراهيم: ٣٧]، رفعها الله فوضعها حيث وضعها رزقا للحرم.
[(وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ* مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ)].
فإن قلت: يتعالى الله عن السهو والغفلة، فكيف يحسبه رسول الله ﷺ - وهو أعلم الناس به غافلًا حتى قيل: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا)؟ قلت: إن كان خطابًا لرسول الله ﷺ ففيه وجهان:
أحدهما: التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلًا، كقوله: (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ١٤]، (فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ) [الشعراء: ٢١٣]، كما جاء في الأمر (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [النساء: ١٣٦].
والثاني: أنّ المراد بالنهي عن حسبانه غافلًا، الإيذان بأنه عالم بما يفعل الظالمون، لا يخفى عليه منه شيء، وأنه معاقبهم على قليله وكثيره على سبيل الوعيد والتهديد كقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ يريد الوعيد. ويجوز أن يراد: ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون،
_________________
(١) قوله: (الإيذان بأنه عالم بما يفعله الظالمون)، يريد: أن قوله: (غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) كناية أو مجاز في المرتبة الثانية عن الوعيد والتهديد، أي: لا تحسبن الله يترك عقابهم، لأنه جائز في كرمه ولطفه أن يعفو عنهم، لكن لابد أن يعاقبهم على القليل والكثير. قوله: (يعاملهم معاملة الغافل)، فعلى هذا [هو] استعارة تمثيلية، كما مر في (يُخَادِعُونَ اللهَ) [البقرة: ٩].
[ ٨ / ٦٢٦ ]
ولكن معاملة الرقيب عليهم، المحاسب على النقير والقطمير.
وإن كان خطابًا لغيره ممن يجوز أن يحسبه غافلًا، لجهله بصفاته، فلا سؤال فيه. وعن ابن عيينة: تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، فقيل له. من قال هذا؟ فغضب وقال: إنما قاله من علمه.
وقرئ: (يؤخرهم) بالنون والياء
_________________
(١) قوله: (النقير والقطمير)، الجوهري: "النقير: النقرة التي في ظهر النواة"، و"القطمير: الفوفة التي في النواة، وهي القشرة الرقيقة". قوله: (تسلية للمظلوم، وتهديد للظالم)، يعني: الخطاب عام، فلا يختص به مخاطب دون مخاطب، لأن الناس بين ظالم ومظلوم، فإذا سمع المظلوم أن الله تعالى عالم بما يفعله الظالم وينتصر له هان عليه ظلمه، والظالم إذا تصور أن الله تعالى عالم بما يفعله، ولابد أن يجازيه على ظلمه، ربما ارتدع عن ظلمه. وإنما غضب عليه؛ لأن السائل قصر التأويل على التقليد، وطلب منه الرواية، ولهذا قال: "إنما قاله من علمه"، أي: قاله صاحب الدراية. وهذا مناسب لتأليف النظم؛ فإن الآية مردودة إلى قوله: (قُلْ تَمَتَّعُوا) و(قُل لِعِبَادِيَ) [إبراهيم: ٣٠ - ٣١]، أمر صلوات الله عليه وسلامه بمتاركة القوم، وبأن يقول لهم: (تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) [إبراهيم: ٣٠]، وبأن يشتغل بتبليغ الرسالة مع من ينتفع به بالعمل وباستعمال الفكر والاعتبار؛ بقوله: (يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) [إبراهيم: ٣١] الآية، وبقوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) [إبراهيم: ٣٢]، وقوله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ) [إبراهيم: ٣٥]، ثم سلاه وهدد الظالم على سبيل العموم بقوله: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)، وختم به وبما يتصل به السورة، والله أعلم.
[ ٨ / ٦٢٧ ]
(تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ) أي: أبصارهم لا تقرّ في أماكنها من هول ما ترى.
(مُهْطِعِينَ) مسرعين إلى الداعي. وقيل: الإهطاع: أن تقبل ببصرك على المرئي تديم النظر إليه لا تطرف (مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ) رافعيها (لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم، أي: لا يطرفون، ولكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان. أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم.
الهواء: الخلاء الذي لم تشغله الأجرام، فوصف به فقيل: قلب فلان هواء إذا كان جبانا لا قوّة في قلبه ولا جرأة. ويقال للأحمق أيضا: قلبه هواء. قال زهير:
مِنَ الظُّلْمَانِ جُؤْجُؤُهُ هَوَاءُ
_________________
(١) قوله: (أي: أبصارهم لا تقر في أماكنها)، الراغب: "الشخص: سواد الإنسان القائم المتراءى من بعيد، وقد شخص من بلده: نفذ، وشخص سهمه وبصره، وأشخصه صاحبه، قال الله تعالى: (تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ)، وقال: (شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الأنبياء: ٩٧]، أي: أجفانهم لا تطرف". قوله: (لا يرجع إليهم أن يطرفوا)، الجوهري: "طرف بصره يطرف طرفًا؛ إذا أطبق أحد جفنيه على الآخر، الواحدة من ذلك: طرفة، يقال: أسرع من طرفة عين". قوله: (من الظلمان جؤجؤه هواء)، وأنشده الزجاج، صدره:
[ ٨ / ٦٢٨ ]
لأنّ النعام مثل في الجبن والحمق. وقال حسان:
فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَوَاءُ
وعن ابن جريج: (أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ) صفرٌ من الخير خاوية منه. وقال أبو عبيدة: جوف لا عقول لهم.
[(وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَاتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ* وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ* وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ* فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ)].
_________________
(١) كأن الرحل منها فوق صعل الصعل: الصغير الرأس من الرجال والنعام من غير قصر العنق، والجؤجؤ من الطائر والسفينة: صدرهما، يهمز ولا يهمز، يصف مطيته بالقلق، يقول: كأن رحل هذا المطي فوق ظليم- أي: نعامة- لا قوة في قلبه، لأن النعام يضرب به المثل في الجبن. قوله: (فأنت مجوف نخب هواء)، صدره: ألا أبلغ أبا سفيان عني يقال: رجل مجوف: لا قلب له، كأنه خالي الجوف من القلب، والنخب: الفاسد، رجل
[ ٨ / ٦٢٩ ]
(يَوْمَ يَأتِيهِمُ الْعَذابُ) مفعول ثانٍ لـ"أنذر" وهو يوم القيامة. ومعنى: (أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ): رُدّنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمدٍ وحدّ من الزمان قريب، نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك. أو أريد بـ"اليوم": يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، أو يوم موتهم معذبين بشدّة السكرات ولقاء الملائكة بلا بشرى، وأنهم يسألون يومئذ أن يؤخرهم ربهم إلى أجل قريب، كقوله: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ) [المنافقون: ١٠].
(أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ) على إرادة القول، وفيه وجهان: أن يقولوا ذلك بطرًا وأشرًا، ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسفه، وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديدًا وأمّلوا بعيدًا. (وما لَكُمْ) جواب القسم، وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله (أَقْسَمْتُمْ)، ولو حكى لفظ المقسمين لقيل: ما لنا مِنْ زَوالٍ والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء. وقيل. لا تنتقلون إلى دار أخرى يعنى كفرهم بالبعث، كقوله (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) يقال: سكن الدار وسكن فيها.
_________________
(١) نخب- بكسر الخاء-: أي جبان لا فؤاد له، وهواء: صفر من الخير. قوله: (أن يقولوا ذلك بطرًا وأشرًا)، إشارة إلى أن القول مضمر، أي: ألم يكونوا بطرين أشرين قائلين: والله ما لنا من زوال، أو أن يقولوه بلسان الحال، أي: لا قول ثمة ولا قسم، ولكن دل بطرهم وأشرهم من بناء القصور والأمل البعيد على هذا المعنى. قوله: (يعني: كفرهم بالبعث)، يريد: أن قولهم: "ما لنا من زوال" مبني على إنكار البعث، وأن القوم دهرية، يعني: لم نزل على هذه الطريقة، لأن القائلين بالقدم يقولون: (مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ) [الجاثية: ٢٤]، خذلهم الله.
[ ٨ / ٦٣٠ ]
ومنه قوله تعالى (وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) لأنّ "السكنى" من السكون الذي هو اللبث، والأصل تعدّيه بـ"في"، كقولك: قرّ في الدار وغني فيها وأقام فيها، ولكنه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه فقيل: سكن الدار كما قيل: تبوّأها وأوطنها.
ويجوز أن يكون: "سكنوا" من السكون، أي: قرّوا فيها واطمأنوا طيبي النفوس، سائرين سيرة من قبلهم في الظلم والفساد، لا يحدّثونها بما لقي الأوّلون من أيام الله، وكيف كان عاقبة ظلمهم، فيعتبروا ويرتدعوا.
(وَتَبَيَّنَ لَكُمْ) بالإخبار والمشاهدة (كَيْفَ) أهلكناهم وانتقمنا منهم. وقرئ: "ونبين لكم" بالنون.
(وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ) أي: صفات ما فعلوا وما فعل بهم، وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم.
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يكون "سكنوا" من السكون)، عطف على قوله: "سكن الدار وسكن فيها" من حيث المعنى، يعني: (سَكَنتُم) في الآية: إما من السكون الذي هو بمعنى اللبث والتبوء، أو من السكون بمعنى القرار، فإن كان الأول فاستعماله بـ "في" بالنظر إلى أصل الاستعمال. لا بالنظر إلى النقل بحسب العرف، فإنهم يستعملونه بغير "في". وقوله: "لأن "السكنى" من السكون": تعليل لقوله: "ومنه قوله تعالى: (وَسَكَنتُمْ) "، أي: (وَسَكَنتُمْ) من هذا الاستعمال، لأن"سكن الدار"- بمعنى: السكنى والتبوء- يستعمل بالجار على الأصل، وبلا جار للنقل إلى العرف، فاستعمل ها هنا بالجار. قوله: (وكيف كان)، عطف على قوله: "ما لقي" على سبيل البيان؛ على تأويل جواب "كيف"، أي: لا يحدثونها بأحوال عاقبة ظلم الأولين من الهلاك والدمار.
[ ٨ / ٦٣١ ]
(وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ) أي: مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم (وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ) لا يخلو: إمّا أن يكون مضافًا إلى الفاعل كالأوّل، على معنى: ومكتوب عند الله مكرهم، فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه، أو يكون مضافًا إلى المفعول على معنى: (وعند الله مكرهم) الذي يمكرهم به، وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ) وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلا لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم مسوى لإزالة الجبال. معدًا لذلك.
وقد جعلت "إن" نافيةً واللام مؤكدة لها، كقوله تعالى: (وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) [البقرة: ١٤٣]، والمعنى: ومحال أن تزول الجبال بمكرهم، على أنّ الجبال مثل لآيات الله وشرائعه، لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتًا وتمكنًا. وتنصره قراءة ابن مسعود: "وما كان مكرهم".
وقرئ: "لتزول" بلام الابتداء، على: (وإن كان مكرهم) من الشدّة بحيث تزول منه الجبال ونتقلع من أماكنها. وقرأ علي وعمر ﵄: "وإن كاد مكرهم".
_________________
(١) قوله: (مكرهم العظيم)، إنما عظمه للإضافة، وهذا إنما يصار إليه إذا علم شدة شكيمة من أضيف إليه، وتماديهم في الطغيان، كأنه قيل: فما ظنك بمكر مباشره مثل صناديد قريش. قوله: (وقرئ: "لتزول" بلام الابتداء)، قال الزجاج: "قرئ: "لتزول" على الرفع وفتح اللام الأولى، المعنى: وعند الله مكرهم، وإن كان يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن
[ ٨ / ٦٣٢ ]
(مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) يعني قوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا) [غافر: ٥١]، (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: ٢١].
فإن قلت: هلا قيل: مخلف رسله وعده؟ ولم قدم المفعول الثاني على الأوّل؟ قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلًا، كقوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) [آل عمران: ٩]، ثم قال: (رُسُلَهُ) ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدًا، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، كيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته؟ وقرئ: "مخلف وعده رسله" بجرّ "الرسل" ونصب "الوعد". وهذه في الضعف كمن قرأ «قتل أولادهم شركائهم» [الأنعام: ١٣٧]. (عَزِيزٌ) غالب لا يماكر (ذُو انتِقامٍ) لأوليائه من أعدائه.
_________________
(١) الله ينصر دينه". وعلى هذا: "إن" مخففة من الثقيلة، وعلى الأول: شرطية. وقدر "مسوى" لتعلق به اللام، لأنه خبر لـ "كان"، وهو من الشرط الذي يعقب به الكلام مبالغة. قوله: (يعني: قوله: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا»، يعني: المراد بـ "الوعد" قوله هذا في غير هذا الموضع. وقلت: ويمكن أن يحمل "الوعد" على قوله: (وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ)، لأنه إيماء إلى النصرة، يدل عليه قوله: "فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه"، وقوله: "وهو عذابهم". قوله: (قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلًا)، قال في "الانتصاف": "وفيه نظر، لأن الفعل إذا تقيد بمفعول انقطع إطلاقه، فليس تقديم الوعد دالًا على إطلاق الفعل حتى يكون ذكر "الرسل" ثانيًا كالأجنبي، فلا فرق بين تقديم الوعد وتأخيره، بل فيه الإيذان
[ ٨ / ٦٣٣ ]
[(يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ* وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ* سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ* لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ)].
(يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ) انتصابه على البدل من (يوم يأتيهم)، أو على الظرف للانتقام. والمعنى: يوم تبدّل هذه الأرض التي تعرفونها أرضًا أخرى غير هذه المعروفة، وكذلك السموات. والتبديل: التغيير، وقد يكون في الذوات كقولك: بدّلت الدراهم دنانير. ومنه (بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها) [النساء: ٥٦] و(وبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ) [سبأ: ١٦]، وفي الأوصاف، كقولك: بذلت الحلقة خاتمًا، إذا أذبتها وسويتها خاتمًا، فنقلتها من شكل إلى شكل. ومنه قوله تعالى (فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) [الفرقان: ٧٠].
_________________
(١) بعناية المتكلم، وهذه الآية سيقت لتهديد الظالمين بما وعدهم الله على ألسنة الرسل، فالمهم ذكر الوعد، أما كونه على ألسنة الرسل فلا يقف التخويف عليه". وقال في "الإنصاف": "هذا السؤال قوي، وإنما الذي ذكره الزمخشري هو القاعدة عند علماء البيان، قال الجرجاني مثل ذلك في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠]: إنما قدم (شُرَكَاءَ) للإيذان بأنه لا ينبغي أن يتخذ الشركاء لله مطلقًا، ثم ذكر (الجِنَّ) تحقيرًا لهم، أي: إذا لم يتخذ من غير الجن، فالجن أحق أن لا يتخذوا شركاء، وإن كان السؤال متوجهًا على هذا أيضًا". وقلت: صاحب "الإنصاف" ما أنصف من نفسه حيث قال: "هذا السؤال قوي" بعدما أقر السائل بأن لا فرق بين تقديم الوعد وتأخيره إلا الإيذان بعناية المتكلم، ألا تسمع سيبويه
[ ٨ / ٦٣٤ ]
واختلف في تبديل الأرض والسموات، فقيل: تبدّل أوصافها فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوّى فلا يرى فيها عوج ولا أمت. وعن ابن عباس: هي تلك الأرض وإنما تغير، وأنشد:
وَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الّذِينَ عَهِدْتَهُمْ … وَلَا الدَّارُ بِالدَّارِ الّتِى كُنْتَ تَعْلَمُ
وتبدّل السماء بانتثار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وانشقاقها، وكونها أبوابًا.
وقيل: يخلق بدلها أرض وسموات أخر. وعن ابن مسعود وأنس: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئةً. وعن علي ﵁: تبدّل أرضًا من فضة، وسماوات من ذهبٍ. وعن الضحاك: أرضًا من فضة بيضاء كالصحائف. وقرئ: "يوم نبدّل الأرض" بالنون.
_________________
(١) كيف قال: فإنهم يقدمون الأهم وما هم ببيانه أعنى، فإذا قدم المفعول الثاني على الأول وقع الكلام فيه أصالة، ويكون المفعول الأول تبعًا له، لا أن الفعل يصير مطلقًا كما توهم، حققنا المعنى في سورة الأنعام في قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠]، فإذن المعنى ما قال المصنف: ليس من شأن الله إخلاف المواعيد، كقوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران: ٩، والرعد: ٣١]، ثم قال: (رُسُلَهُ)، ولما كان السياق في تهديد الظالمين كان ذكر الرسل تتميمًا لذلك التهديد ومبالغة فيه، وأن ذلك كائن لا محالة، لأنهم خيرته وصفوته، وهو على منوال قولها: كأنه علم في رأسه نار
[ ٨ / ٦٣٥ ]
فإن قلت: كيف قال: (الْواحِدِ الْقَهَّارِ)؟ قلت: هو كقوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: ١٦]؛ لأنّ الملك إذا كان لواحدٍ غلابٍ لا يغالب ولا يعازّ، فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار، كان الأمر في غاية الصعوبة والشدّة. (مُقَرَّنِينَ) قرن بعضهم مع بعض، أو مع الشياطين، أو قرنت أيديهم ألى أرجلهم مغللين.
وقوله: (فِي الْأَصْفادِ): إمّا أن يتعلق بـ (مقرّنين)، أي: يقرنون في الأصفاد. وإمّا أن لا يتعلق به، فيكون المعنى: مقرّنين مصفدين. والأصفاد: القيود: وقيل الأغلال، وأنشد لسلامة بن جندل:
وَزَيْدُ الْخَيْلِ قَدْ لَاقَى صِفَادًا … بَعَضُّ بِسَاعِدٍ وَبِعَظْمِ سَاقِ
_________________
(١) وسقط أيضًا قول صاحب "الانتصاف": "أما كونه على ألسنة الرسل فلا يقف التخويف عليه". قوله: (كيف قال: (الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)؟)، أي: كيف ضم هذا مع قوله: (وَبَرَزُوا لِلهِ)؟ وأجاب: أن انضمامه معه يفيد معنى الصعوبة والشدة كانضمام قوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) مع قوله: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: ١٦]. قوله: (إما أن يتعلق بـ (مُقَرَّنِينَ»، أي: يكون (فِي الأَصْفَادِ) ظرفًا لغوًا، وهو نشر لقوله: "قرن بعضهم مع بعض أو مع الشياطين"، أيك في الأغلال، وقوله: "وإما أن لا يتعلق به"، أي: يكون ظرفًا مستقرًا حالًا من ضمير المجرمين، وهو نشر لقوله: "قرنت أيديهم إلى أرجلهم مغللين". قوله: (وزيد الخيل قد لاقى صفادا)، قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "هو زيد ابن مهلهل بن زيد الطائي، قدم على النبي ﷺ، وسماه ﷺ زيد الخير، وقال له: ما وصف
[ ٨ / ٦٣٦ ]
القطران: فيه ثلاثة لغات: قَطِران، وقِطْران، وقَطْران؛ بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء، وهو ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ، فتهنأ به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحرّه وحدّته، والجلد، وقد تبلغ حرارته الجوف، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وقد يستسرج به، وهو أسود اللون منتن الريح، فتطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل وهي القمص، لتجتمع عليهم الأربع: لذع القطران. وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح. على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين، وكل ما وعده الله أو وعد به في الآخرة، فبينه وبين ما نشاهد من جنسه من لا يقادر قدره، وكأنه ما عندنا منه إلا الأسامى والمسميات ثمة، فبكرمه الواسع نعوذ من سخطه، ونسأله التوفيق فيما ينجينا من عذابه.
وقرئ: "من قِطْرٍ آنٍ"، والقطر: النحاس أو الصفر المذاب. والآني: المتناهي حرّه.
(وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ): كقوله تعالى: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ) [الزمر: ٢٤]، (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ) [القمر: ٤٨] لأن الوجه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه، كالقلب في باطنه،
_________________
(١) لي [أحد] في الجاهلية فرأيته في الإسلام [إلا رأيته] دون صفته غيرك، ومات منصرفه من عند النبي ﷺ محمومًا". قوله: (وقرئ: "من قطر آنٍ")، قال ابن جني: "وهي قراءة ابن عباس وأبي هريرة وجماعة من التابعين، والآني: من: أنى الشيء يأني أنيًا وإنى- مقصور-، ومنه قوله تعالى: (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) [الأحزاب: ٥٣]، أي: بلوغه وإدراكه، قال أبو علي: ومنه: الإناء، لأنه الظرف الذي قد بلغ غايته المرادة فيه".
[ ٨ / ٦٣٧ ]
ولذلك قال: (تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) [الهمزة: ٧]. وقرئ: (وتغشى وجوههم)، بمعنى تتغشى: أي: يفعل بالمجرمين ما يفعل (لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ) مجرمةٍ (ما كَسَبَتْ) أو كل نفسٍ من مجرمةٍ ومطيعة، لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم على أنه يثيب المطيعين لطاعتهم.
_________________
(١) ـ قوله: (بمعنى: تتغشى)، أي: يجب حمل هذه القراءة على المضارع، فحذف إحدى التاءين ليوافق المشهورة. فإن قلت: (مُقَرَّنِينَ) و(سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ) (وَتَغْشَى) ثلاثتها أحوال من ضمير (الْمُجْرِمِينَ)، فلم خولف بينها؟ قلت: ليؤذن بالترقي، فإن كونهم مقرنين في الأصفاد دون أن تكون سرابيلهم من قطران، فجيء بها جملة اسمية، وغشيان أكرم الأعضاء واستعلاء أقوى العناصر عليها فوق الكل، فجدد بالمضارع الدال على استحضار تلك الحالة الفظيعة في مشاهدة السامع. وإنما قلت: "فجدد" لأن إتيان "ترى" لذلك. قوله: (أي: يفعل بالمجرمين ما يفعل)، كناية عن قوله تعالى: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ) الآيتين، واللام تعليل للمذكور. قوله: (لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم)، علة لإجزاء كل نفس بما كسبت على العموم، يعني: أن (كُلَّ نَفْسٍ) لما عقبت ذكر (الْمُجْرِمِينَ)، خصصت بنفس مجرمة وكانت مقيدة بها، أو يترك على الإطلاق، وإن كان تعليلًا للكلام السابق. قال القاضي: "ويتعين ذلك إن علق اللام بـ "برزوا لله الواحد القهار"، للدلالة على أنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم، علم بالمفهوم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم".
[ ٨ / ٦٣٨ ]
[(هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ)].
(هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ) كفاية في التذكير والمواعظة، يعني بـ (هذا) ما وصفه من قوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ) [آل عمران: ١٦٩] إلى قوله (سَرِيعُ الْحِسابِ) [آل عمران: ١٩٩]. (وَلِيُنْذَرُوا) معطوفٌ على محذوف، أي: لينصحوا ولينذروا (بِهِ) بهذا البلاغ. وقرئ: "ولينذروا" بفتح الياء؛
_________________
(١) قوله: (يعني بـ (هَذَا) ما وصفه من قوله: (فَلَا تَحْسَبَنَّ) إلى قوله: (سَرِيعُ الْحِسَابِ»، قال القاضي: " (هَذَا) إشارة إلى القرآن أو إلى السورة أو ما فيها من العظة والتذكير". وقلت: إلى السورة هو الظاهر؛ ليكون كالخاتمة لها، فإن الفاتحة- وهي قوله: (الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [إبراهيم: ١]- وهلم جرا إلى آخره دل على التذكير والعظة والإنذار، والله أعلم. قوله: (وقرئ: "ولينذروا" بفتح الياء) والذال، قال ابن جني: "قرأها يحيى بن عمر وأحمد بن يزيد السلمي، يقال: نذرت بالشيء: إذا علمت به فاستعددت له، فهو في معنى: فهمته وعلمته، وطبنت له: في وزن ذلك، ولم تستعمل العرب لقولهم: "نذرت بالشيء"
[ ٨ / ٦٣٩ ]
من: نذر به: إذا علمه واستعدّ له، (وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ) لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به، دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى التوحيد، لأنّ الخشية أمّ الخير كله.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة إبراهيم أُعطى من الأجر عشر حسنات بعدد كل من عبد الأصنام وعدد من لم يعبد».
_________________
(١) مصدرًا، كأنه من الفروع المهجورة الأصول، ومنه: "عسى" لا مصدر لها، وكذلك "ليس"، كأنهم استغنوا عنه بـ "أن" والفعل، نحو: سرني أن نذرت بالشيء، ويسرني أن تنذر به". قوله: (لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به، دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى التوحيد)، قال القاضي: "اعلم أنه تعالى ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد، هي الغاية الحكمة في إنزال الكتب: تكميل الرسل للناس، واستكمالهم النظر إلى منتهى كماله، وهو التوحيد، واستصلاحهم العمل الصالح، وهو التدرع بلباس التقوى. جعلنا الله من الفائزين بهما. والله ﷾ أعلم تمت السورة
[ ٨ / ٦٤٠ ]