مدنية، ست وسبعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) ١ - ٤]
النفل: الغنيمة، لأنها من فضل الله تعالى وعطائه،
_________________
(١) ـ سورة الأنفال مدنية، ست وسبعون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (لأنها من فضل الله تعالى) وهو علة التسمية، قال الإمام: "سُميت الغنائم أنفالًا؛
[ ٧ / ٥ ]
قال لبيد:
إنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ
والنفل: ما ينفله الغازي، أي يعطاه زائدًا على سهمه من المغنم، وهو أن يقول الإمام تحريضًا على البلاء في الحرب: من قتل قتيلًا فله سلبه. أو قال لسرية: ما أصبتمُ فهو لكم، أو فلكم نصفه أو ربعه. ولا يخمس النفل، ويلزم الإمام الوفاء بما وعد منه. وعند الشافعي ﵀في أحد قوليه-: لا يلزم.
_________________
(١) لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل الغنائم لهم، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، أي: زيادة على ما سأل". قوله: (إن تقوى ربنا خيرُ نفل): تمامه: … وبإذن الله ريثي وعجل أحمد الله فلا ند له … بيديه الخيري ما شاء فعل من هداه سبل الخير اهتدى … ناعم البال ومن شاء أضل قوله: (على البلاء في الحرب)، المغرب: "بلاه وأبلاه: اختبره، ومنه: أبلى في الحرب؛ إذا أظهر بأسه حتى اختبره الناس". قوله: (من قتل قتيلًا فله سلبه) الحديث: من رواية البخاري ومسلم وغيرهما: "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه"، الحديث.
[ ٧ / ٦ ]
ولقد وقع اختلاف بين المسلمين في غنائم بدر، وفي قسمتها، فسألوا رسول الله ﷺ كيف تُقسم، ولمن الحكم في قسمتها؟ أللمهاجرين أم للأنصار؟ أم لهم جميعًا؟ فقيل له: قل لهم: هي لرسول الله ﷺ، وهو الحاكمُ فيها خاصة، يحكم فيها ما يشاء، ليس لأحد غيره فيها حُكم. وقيل: شرط لمن كان له بلاء في ذلك اليوم أن يُنفله، فتسارع شبانهم حتى قتلوا سبعين، وأسروا سبعين، فلما يسر الله لهم الفتح اختلفوا فيما بينهم وتنازعوا، فقال الشبان: نحنُ المُقاتلون، وقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا ردءًا لكم
_________________
(١) قوله: (ولقد وقع اختلاف بين المسلمين) إلى آخره: مبني على التفسير الأول، وهو أن يُراد بالنفل: الغنيمة. وقوله: (شرط لمن كان له بلاء): مبني على التفسير الثاني، وهو أن يراد بالنفل: ما ينفله الغازي، فعلى الأول: السؤال في ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ﴾ للاستخبار، أي: كيف نُصرفها ومن الحاكم فيها؟ وعلى الثاني: للاستعطاء، على ما رُوي أنهم كانوا يقولون: يا رسولا لله، أعطنا كذا، وأعطنا كذا. قاله الإمام. فعلى هذا "عن" بمعنى "من"، وقيل: "عن" صلة، أي: يسألونك الأنفال، وهكذا قرأه ابن مسعود. ذكره محي السنة. قوله: (فقال الشبان: نحن المقاتلون) الحديث: أخرجه أبو داود عن ابن عباس. وأما حديث سعد بن أبي وقاص: فرواه مسلم والترمذي وأبو داود مع اختلاف أيضًا. قوله: (كنا ردءًا لكم) أي: معينًا، الجوهري: "أردأته بنفسي: إذا كنت له ردءًا، وهو العون".
[ ٧ / ٧ ]
وفئة تنحازون إليها إن انهزمتم، وقال لرسول الله ﷺ: المغنم قليل والناس كثير: وإن تعط هؤلاء ما شرطت لهم حرمت أصحابك. فنزلت.
وعن سعد بن أبى وقاص: قتل أخي عُمير يوم بدر، فقتلت به سعيد بن العاص، وأخذت سيفه فأعجبني، فجئت به إلى رسول الله ﷺ، فقلت: إنّ الله قد شفى صدري من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال: "ليس هذا لي ولا لك، اطرحه في القبض"، فطرحته، وبى ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي، وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلًا حتى جاءني رسول الله ﷺ، وقد أنزلت سورة الأنفال، فقال: يا سعد، إنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فاذهب فخذه".
وعن عبادة بن الصامت ﵁: نزلت فينا -يا معشر أصحاب بدر- حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله لرسول الله ﷺ، فقسمه بين المسلمين على السواء، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله، وإصلاح ذات البين.
_________________
(١) قوله: (تنحازون إليها)، الجوهري: "الحوز: الجمع، وكل من ضم إلى نفسه شيئًا فقد حازه حوزًا، وانحاز القوم: تركوا منزلهم"، إلى آخره. قوله: (اطرحه في القبض): القبض - بالتحريك-: ما قُبض من الغنائم. قوله: (وان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله، وإصلاح ذات البين): أي: في نزع النفل من أيدينا وجعله للرسول ﷺ وقسمته على السواء. وأما كونه تقوى الله فإن كل أحدٍ منا كان يظن أن حقه أوفى من حق صاحبه؛ لما كان يرى من جهاده، فيقع التشاجر التنازع، فلما نزع الله من بين أيدينا ارتفع الظن والاختلاف خشية من الله أن نتصرف في ماله بغير إذنه.
[ ٧ / ٨ ]
وقرأ ابن محيصن: يسألونك علنفال، بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، وإدغام نون عن في اللام: وقرأ ابن مسعود: يسألونك الأنفال، أي يسألك الشبان ما شرطت لهم من الأنفال.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين ذكر الله والرسول في قوله (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول)؟ قلت: معناه أنّ حكمها مختص بالله ورسوله، يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته، ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوّضًا إلى رأى أحد، والمراد: أنّ الذي اقتضته حكمة الله وأمر به رسوله: أن يواسى المقاتلة المشروط لهم التنفيل الشيوخ الذين كانوا عند الرايات، فيقاسموهم على السوية،
_________________
(١) وأما كونه طاعة رسوله صلى الله عيه وسلم: فإنه لما قُسم بيننا على السوية رضينا به. وأما كونه إصلاح ذات البين: فإنا لم نر حينئذ أن لكل منا فضلًا على الآخر، وأن ما نفله الله تفضل منه لا أجر لسعينا، وفيه إشارة إلى أن ثواب الآخرة على الأعمال تفضل، كما عليه الأصحاب. هذا تفسير حسن للآية، فسره صاحب رسول الله ﷺ. قوله: (ما معنى الجمع بين كر الله ورسوله؟): ظاهره يقتضي أن السؤال وارد على الوجهين، وهو أن يُراد بالأنفال الغنائم، والسؤال عن القسمة من يقسمها: أرسول الله أم غيره؟ وأن يُراد بالأنفال ما يعطاه الغازي زائدًا على سهمه، والسؤال للاستعطاء، لكن قوله بعد ذلك: "والمراد أن الذي اقتضته حكمة الله، وأمر به رسوله: أن يواسي المقاتلة المشروط لهم" إلى آخره، يخصصه بالوجه الثاني، وأن المراد بالجمع اختصاص الله تعالى بالأمر، واختصاص رسوله ﷺ بالامتثال.
[ ٧ / ٩ ]
ولا يستأثروا بما شرط لهم، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيما بين المسلمين من التحاب والتصافي (فَاتَّقُوا اللَّهَ) في الاختلاف والتخاصم، وكونوا متحدين متآخين في الله (وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) وتآسوا وتساعدوا فيما رزقكم الله وتفضل به عليكم.
وعن عطاء: كان الإصلاح بينهم أن دعاهم وقال: "اقسموا غنائمكم بالعدل"، فقالوا: قد أكلنا وأنفقنا، فقال: "ليردّ بعضكم على بعض".
فإن قلت: ما حقيقة قوله (ذاتَ بَيْنِكُمْ)؟ قلت: أحوال بينكم، يعنى: ما بينكم من الأحوال، حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، كقوله (بِذاتِ الصُّدُورِ) [آل عمران: ١١٩] وهي مضمراتها. لما كانت الأحوال مُلابسة للبين قيل لها: ذات البين، كقولهم: اسقني ذا إنائك، يريدون: ما في الإناء من الشراب
_________________
(١) وعلى الوجه الأول: ذكر الله تعالى لشرف الرسول ﷺ، كقوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة: ٦٢] في وجه، يدل عليه قوله فيما سبق: "هي لرسول الله صلى الله عليه وسلمن وهو الحاكم فيها خاصة"، وفيه تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلمن وإيذانٌ بأن طاعته طاعة الله تعالى، وأنه خليفة الله في أرضه، وكما أنه لا ينطق عن الهوى كذلك لا يفعل بالهوى، صلات الله وسلامه عليه، والوجهان مبنيان على معنى السؤال، هل هو بمعنى استدعاء معرفة أو استجداء عطاء؟ الراغب: "السؤال: إما لاستدعاء معرفة أو ما يؤدي إليها، وإما لاستدعاء مال أو ما يؤدي إليه، فاستدعاء المعرفة: جوابه على اللسان، واليد خليفة له بالكتابة أو الإشارة، واستدعاء المال: جوابه على اليد، واللسان خليفة لها؛ إما بوعدٍ أو رد. والسؤال إذا كان للتعرف يعدى بنفسه وبالجار، نحو: سألته كذا، وعن كذا، وبكذا، وبـ"عن" أكثر، وإذا كان لاستدعاء المال يتعدى بنفسه وبـ"مِنْ"، كقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) [الأحزاب: ٥٣]، وقال: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) [النساء: ٣٢]. قوله: (أحوال بينكم): قال الزجاج: "معنى (ذَاتَ بَيْنِكُمْ): حقيقة وصلكم، أي:
[ ٧ / ١٠ ]
وقد جعل التقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله من لوازم الإيمان وموجباته، ليعلمهم أنّ كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها.
ومعنى قوله: (إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) إن كنتم كاملي الإيمان. واللام في قوله: (إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) إشارة إليهم. أي: إنما الكاملو الإيمان من صفتهم كيت وكيت، والدليل عليه قوله: (أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا). (وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ): فزعت، وعن أمّ الدرداء: الوجل في القلب كاحتراق السعفة، أما تجد له قشعريرة؟
_________________
(١) ـ فاتقوا الله وكونوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله، وكذا معنى: "اللهم أصلح ذات البين" أي: أصلح الحال التي لها يجتمع المسلمون". قوله: «إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ): إن كنتم كاملي الإيمان): وإنما دل على الكمال ليكون الخطاب مع من آمن إيمانًا لا شك فيه، كما أومأ إليه بقوله: "ليعلمهم أن كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها"، وفيه أن الإيمان له مراتب، يعني: إن كنتم من الذين لهم المرتبة العليا في الإيمان. ثم اتجه لهم أن يسألوا: ما لنا خوطبنا بقوله: (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)، وهل يشك في كوننا كاملي الإيمان؟ فقيل: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ) الآيات، وهو المراد من قوله: "واللام في قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) إشارة إليهم". قوله: (السعفة)، الجوهري: "السعفة-بالتحريك-: غُصن النخل، والجمع سعف". قوله: (قشعريرة): هي من قولهم: اقشعر جلد الإنسان اقشعرارًا، يُقال: أخذته قشعريرة. كأنه شكى بعضهم إليها فزعة يجدها عند استماع الذكر، فقالت: إن تلك الفزعة تشبه احتراق الورقة اليابسة، وعلامتها إحساس الارتعاد في الجلد، ثم أرشدته بإزالتها بالدعاء.
[ ٧ / ١١ ]
قال: بلى، قالت: فادع الله؛ فإنّ الدعاء يذهبه. يعنى: فزعت لذكره استعظاما له، وتهيبا من جلاله وعزَّة سلطانه وبطشه بالعصاة وعقابه، وهذا الذَّكر خلاف الذَّكر في قوله: (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر: ٢٣] لأن ذلك ذكر رحمته ورأفته وثوابه. وقيل: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله فينزع. وقرئ: "وجلت"، بالفتح، وهي لغة، نحو: "وبق" في "وبق"، وفي قراءة عبد الله: "فرقت".
(زادَتْهُمْ إيمنًا): ازدادوا بها يقينا وطمأنينة نفس؛ لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقدمه، وقد حمل على زيادة العمل.
_________________
(١) قوله: (قالت: فادع الله؛ فإن الدعاء يذهبه): يوهم توخي إزالة الخوف عن القلب بالكلية، والركون إلى الرجاء، لكن المراد أن المبتدئ إذا سمع الآيات القوارع والزواجر لم يطق فينزعج، وليس ذل من صريح الإيمان، بل صريح الإيمان أن يتدارك ذلك بآيات الرجاء ليحصل له الاطمئنان، كما أن الخوف يجذبه إلى القلق والاضطراب، فالرجاء يدعوه إلى السكون، فيطمئن السالك بين تينك الجذبتين، وهو المراد من قولها: "فإن الدعاء يذهبه". قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس سره: لما رأى أبو بكر الصديق ﵁ الباكي عند قراءة القرآن، قال: هكذا كنا حتى قست القلوب. أي: أدمنت سماع القرآن وألفت أنواره، فما استغربته حتى تتغير. قوله: (فينزع): من نزعت الشيء من مكانه نزعًا: قلعته. قوله: (ازدادوا به يقينًا وطمأنينة): قال الشيخ محيي الدين في "شرح صحيح مسلم": "الأظهر أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشبهة، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، ولا تزال قلوبهم منشرحة، وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره". وهذا موافق لقول من قال: الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان،
[ ٧ / ١٢ ]
وعن أبي هريرة: "الإيمان سبع وسبعون شعبة، أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله. وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
وعن عمر بن عبد العزيز: "إن للإيمان سَننّا وفرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان.
_________________
(١) كما أن قوله: "وقد حُمل على زيادة العمل" مُناسب لقول القائلين بأن الأعمال داخلة فيه، ودلالة الآيات على الأول أظهر، لأن قوله: ٠ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) جملة واردة على المدح، إما بتقدير "أعني" أو "هم". وقلت: يمكن أن يُقال - والله أعلم-: نبه أولًا بقوله: (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) على بدء حال المريد في التصقيل، وثانيًا بقوله: (زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا) على أخذه في السلوك والتجلي وعروجه في الأحوال، وثالثًا بقوله: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) على صعوده في الدرجات والمقامات. ثم في تقديم المعمول: الإيذان بالتبري عن الحول والقوة، والتفويض الكامل، وقطع النظر عما سواه. وفي صيغة المضارع: التلويح إلى استيعاب مراتبه كلها. قال الشيخ العارف أبو إسماعيل الأنصاري: "التوكل: كلة الأمر كله إلى مالكه والتعويل على وكالته، وهو من أصعب المنازل". قوله: (الإيمان سبع وسبعون شعبة): وفي رواية لمسلم والبخاري: "بضع". النهاية: "البضع
[ ٧ / ١٣ ]
_________________
(١) في العدد - بالكسر، وقد يُفتح-: ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة، لأنه قطعة من العدد". و"الشعبة: الطائفة من كل شيء والقطعة منه". وفي "الأساس": "ومن المجاز: أنا شعبة من دوحتك، وغصن من سرحتك". وقلت: دلالة هذا الحديث على أن العمال داخلة في مسمى الإيمان ظاهرة. قال الشيخ محيي الدين: "الإيمان قول وعمل، وهو مذهب مالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم من أرباب العلم الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين، من أهل العراق والشام وغيرهم، وقول ابن مسعود وحذيفة والنخعي والحسن وعطاء وطاووس ومجاهد وابن المبارك". وقال الشيخ: "المعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين: هو إتيانه بهذه الأمور: التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح، وذلك أنه إذا أقر وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه لا يستحق اسم المؤمن، وكذا لو عرفه وعمل وجحد بلسانه وكذب ما عرف، وكذا إذا أقر ولم يعمل بالفرائض لا يسمى مؤمنًا بالإطلاق، وإن كان في اللغة يسمى مؤمنًا؛ لأنه غير مستحق لهذا الاسم في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) ". وقلت: فعلى هذا (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) بدل من السابق، لأن في إقامة الصلاة إشارة إلى تعديل أركانها وتوفيه حدودها وآدابها، وذلك لا يتأتى إلا من
[ ٧ / ١٤ ]
_________________
(١) المؤمن المخلص، ثم في اقترانها بأداء الزكاة- وهما أما العبادات البدنية والمالية- دلالة على استجلاب سائرها. وقال الشيخ أيضًا: "أنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة والنقصان كان شكًا وكفرًا، وقال المحققون من المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقصن والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته ونقصانها، وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص". وقال: "الإيمان في اللغة: هو التصديق، فإن عُني به ذلك فلا يزيد ولا ينقص؛ لأن التصديق لا يتجزأ، فلا يتصور كماله مرة ونقصانه أخرى، وفي لسان الشرع: هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان". وقال الراغب في "الذريعة: "الإيمان: هو الإذعان على سبيلا لتصديق لله تعالى باليقين، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) ووجل القلب: هو الخشية للحق على سبيل التصديق له باليقين. هذا أصل الإيمان، ثم صار اسمًا لشريعة محمد صلى الله عليه ولم كالإسلام، فعلى الثاني يصح إطلاقه على من يظهر ذلك، وإن لم يتخصص بالتصديق اليقيني، ولأن اشتقاق الإيمان لا يمنع منه، فإن معنى المؤمن: من صار ذا أمن، وبإظهار الشهادتين يأمن الإنسان من أن يهراق دمه ويباح ماله، على أنه ﷺ حين سأل الجاري عن الله تعالى، فأشارت نحو السماء، وعن النبوة فأشارت إليه، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". وقال بعض المعتزلة: لا يصح إطلاقه على أحد ما لم يختبر في الأصول الخمسة". وقال أيضًا: "اختلف في الإيمان: هل هو الاعتقاد المجرد أم الاعتقاد والعمل معًا؟ واختلافهم بسبب اختلاف نظرهم، فمن قال: هو اعتقاد مجرد فنظره إلى اشتقاق اللفظ،
[ ٧ / ١٥ ]
_________________
(١) وإلى أنه ﷾ فصل بينهما في عامة التنزيل بالعطف، لأن النبي ﷺ فرق بينهما في خير جبريل حين سأله عن الإسلام والإيمان، ففسر الأول بالأعمال، والثاني بالاعتقاد، ومن قال: هو الاعتقاد والعمل؛ فلما ورد: "الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان". ولأن الإيمان ليس بذي منزلة واحدة، قال النبي ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" الحديث، ومن تأمله وعرف حقيقته علم أن الإيمان الواجب هو اثنان وسبعون درجة، لا أقل ولا أكثر؛ لأنه صلوات الله عليه لا ينطق عن الهوى، إن هوى إلا وحي يوحى". إلى آخر كلامه. وقلت: قد مر تأويل العطف في البقرة عند قوله تعالى: (وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): "جعل النبي ﷺ في الحديث الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد، وجماعها الدين، ولذلك قال: "ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم".
[ ٧ / ١٦ ]
(وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ): ولا يفوّضون أمورهم إلى غير ربهم، لا يخشون ولا يرجون إلا إياه.
جمع بين أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل، وبين أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة. (حَقًّا) صفة للمصدر المحذوف، أي: أولئك هم المؤمنون إيمانًا حقًّا، أو هو مصدر مؤكد للجملة التي هي (أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ) كقولك: هو عبد الله حقا، أي حقَّ ذلك حقا.
وعن الحسن: أنّ رجلًا سأله: أمؤمن أنت؟ قال: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا مؤمن. وإن كنت تسألني عن قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) فو الله لا أدرى؛ أمنهم أنا أم لا؟ وعن الثوري: "من زعم أنه مؤمن بالله حقًا، ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة، فقد آمن بنصف الآية". وهذا إلزام منه، يعنى: كما لا يقطع بأنه من أهل ثواب المؤمنين حقا، فلا يقطع بأنه مؤمن حقًا، وبهذا تعلق من يستثنني في الإيمان.
_________________
(١) ـ قوله: (وبهذا تعلق من يستثني): أي: بإلزام الثوري تمسك من يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وبيانه: أنه تعالى عقب اسم الإشارة بقوله: (هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)، وبقوله: (لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) الآية، بعد إجراء الوصاف الفاضلة على المؤمنين، فيلزم أن يكونا حقين ثابتين للمؤمنين، لاتصافهم بتلك الفضائل، وقد تقرر أن اسم الإشارة في مثل هذا المقام مؤذن بأن ما يرد عقيبه: المذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عُددت، لا سيما على الحصر، فكأنهما معللان معًا لتلك الصفات الجارية على الموصوف، فلا يفارقانه أبدًا. وقد تقرر - بل أجمع عليه - أن أحدًا من المسلمين بعد العشرة المبشرة لا يقدر أن يقطع
[ ٧ / ١٧ ]
وكان أبو حنيفة ﵁ ممن لا يستثني فيه، وحكي عنه أنه قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك؟ قال: إتباعاَ لإبراهيم ﵇ في قوله: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي) [الشعراء: ٨٢] فقال له: هلا اقتديت به في قوله: (أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى) [البقرة: ٢٦٠].
_________________
(١) بأنه من أهل الثواب، فمن قال: إني مؤمن حقًا لابد له من القول بأن له درجات عند ربه قطعًا، وألا فقد آمن ببعض دون البعض، لكنه لا يجوز القطع بالثاني، فلا يجوز القطع بالأول، فله أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لا: أنا مؤمن حقًا، وإليه الإشارة بقوله: "وهذا إلزام منه". قال الإمام: مذهب عبد الله بن مسعود جواز الاستثناء، وأن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وتبعه جمع عظيم من الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي، ﵃. وأنكره أبو حنيفة ﵁؛ ذهابًا إلى أن الاستثناء شك، فلا يجتمع مع الإيمان الذي هو اليقين. والشافعي يحمل الاستثناء إما على التبرك، كقوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) [الفتح: ٢٧]، وإما على الإيمان المنتفع به عند الموت، فإذن لا خلاف في أصل المعنى. قوله: (هلا اقتديت به في قوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى) [البقرة: ٢٦٠]): يعني: لِمَ لم تقتد به في هذا الجواب حيث جزم به وقطعه ولم يتردد فيه، ولم يقل: بلى إن شاء الله؟ ويمكن أن يجاب: بأن الإيمان بأن الله تعالى قادر على إحياء الموتى مما الشك فيه موجب للكفر، وليس أيضًا من مقام التبرك، بخلافه في قوله ﵇: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) [الشعراء: ٨٢]، فإنه ﵇ في مقام هضم النفس وتحري الوسيلة إلى إنجاح المطلوب. وإليه ينظر قول الحسن: "الإيمان إيمانان".
[ ٧ / ١٨ ]
(دَرَجَاتٌ): شرف وكرامة وعلوٌّ منزلة (وَمَغْفِرَةٌ): وتجاوز لسيئاتهم (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ): نعيم في الجنة، يعنى: لهم منافع حسنة دائمة على سبيل التعظيم، وهذا معنى الثواب.
[(كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ) ٥]
[(كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ)] فيه وجهان: أحدهما: أن يرتفع محل الكاف على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذه الحال كحال إخراجك،
_________________
(١) ـ قوله: (هذه الحال كحال إخراجك): قال محيي السنة: "اختلفوا في تعلق الكاف؛ قيل: التقدير: امض لأمر الله - يعني: في الأنفال- وإن كرهوا، كما مضيت لأمر الله في الخروج من البيت لطلب العير وهم كارهون. وعن المبرد: الأنفال لله والرسول وإن كرهوا، كما أخرجك ربك بالحق وإن كرهوا". قال السيد ابن الشجري في "الأمالي": القول بأن الكاف نعت لمصدر- كما في الوجه الثاني- ضعيف؛ لتباعد ما بينهما بعشر جمل، والوجه: الأول، وهو أن يكون خبر مبتدأ محذوف. وقلت: بل الوجه الثاني أدق التئامًا من الأول، والتشبيه في أكثر تفصيلًا، لأنه حينئذ من تتمة الجملة السابقة داخل في حيز المقول مع مراعاة الالتفات، فالفاء في (فَاتَّقُوا اللَّهَ) رابطة للوصف بالحكم، جاعلة تتمة الآية من جملة حال المشبه ومرتبة عليه، فكأنه قيل: قُلِ
[ ٧ / ١٩ ]
_________________
(١) الأنفال استقر لله مع كراهتكم، وكان خيرًا لكم؛ لما حصل لكم من تقوى الله وطاعة الرسول وإصلاح ذات البين، كما استقر إخراجي من المدينة إلى القتال مع كراهتكم إياه، وكان خيرًا لكم؛ لما نلتم من الفتح والغنيمة. والأول مركب عقلي لقوله: "هذه الحال كحال إخراجك"، والثاني مركب وهمي، فلابد من تصور جزئيات الكلام، لئلا يختل أمر التمثيل، بخلاف الأول، فإنه يحصل من مجرد أخذ الزبدة والخلاصة، كما مر مرارًا. ثم استأنف مستطردًا بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) إلى آخر الآيات، للحث على طاعة الله وطاعة رسوله وقلع الهوى الكامن في النفوس، والإيذان بأن المؤمن الكامل من يجعل هواه تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ، على ما روينا في "المصابيح" عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به". ثم في تقديم عجز القصة - وهي ذكر قسمة الأنفال والسؤال فيها- على صدرها؛ وهو الخروج من المدينة إلى بدر، إلى آخر هذه القصة الواردة في هذه السورة: استبعاد لكراهتهم هذه بعدما شاهدوا أمثال هذه الحالة، فكرهوها، ثم تبين لهم حقيقتها، واستحضار لمعنى التأديب في قوله: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [الحجرات: ١]، ولما تبني لهم من وجه الحكمة في قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) الآية [الحجرات: ٧]. كأن هذه السورة الكريمة من فاتحتها إلى خاتمتها جواب عن سؤال واحد، وإرشاد للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في تحري طاعة رسول الله ﷺ وتوخي رضاه، وامتنان عليهم بما
[ ٧ / ٢٠ ]
يعني: أنّ حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب. والثاني: أن ينتصب على أنه صفة مصدر الفعل المقدَّر في قوله: (الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) [الأنفال: ١] أي: الأنفال استقرّت لله والرسول، وثبتت، مع كراهتهم، ثباتًا مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون.
و(مِنْ بَيْتِكَ) يريد بيته بالمدينة، أو المدينة نفسها، لأنها مهاجره ومسكنه، فهي في اختصاصها به كاختصاص البيت بساكنه (بِالْحَقِّ) أي: إخراجًا ملتبسا بالحكمة والصواب الذي لا محيد عنه (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكرهُونَ) في موضع الحال، أي: أخرجك في حال كراهتهم،
_________________
(١) ـ من لهم من نعمة الصحبة، وإن شئت فجرب ذوقك في تكرار "إذ" في التفصيل الوارد في السورة وإيراد القص من غير ترتيب، ثم في كل من تلك الإيرادات الرمز إلى المقصود، ثم في إدراج تقسيم المسؤول عنه في أثناء ذلك، يعني قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) [الأنفال: ٤١]: بيان لكيفية تصرف من وُكل إليه أمر الغنائم، فتفكر في كل ذلك تَرَ العجائب، ويتحقق لك ما ذكرت هاهنا، وما أسلفت في قصة البقرة من تقديم آخر القصة على أولها، لتقف على شمة من أسرار كلام الله تعالى المجيد، والله يقول الحق وهوي هدي السبيل. قوله: (في كراهة ما رأيت): قيل: هو من الرأي الذي في قول الله تعالى: (بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) [النساء: ١٠٥]، لا من رؤية البصر، ولا من رؤية القلب المتعدي إلى مفعولين، ويدل عليه قوله ﷺ في فاتحة السورة: "من قتل قتيلًا فله سلبه"، وقول المصنف: "شرط لمن كان له بلاء في ذلك اليوم أن ينفله".
[ ٧ / ٢١ ]
وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام فيها تجارة عظيمة، معها أربعون راكبًا، منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص وعمرو ابن هشام، فأخبر جبريل رسول الله ﷺ فأخبر المسلمين، فأعجبهم تلقى العير؛ لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم، فنادي أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكة النَّجَاء النَّجَاء، على كل صعب وذلول، عيركم أموالكم، إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبدًا.
وقد رأت أخت العباس بن عبد المطلب رؤيا فقالت لأخيها: إني رأيت عجبًا،
_________________
(١) ـ قوله: (وذلك أن عير قريش): جملة كالمبينة للأولى وإن دخلت الواو؛ لأن المشار غليه ما سبق، أي: الإخراج في حال الكراهية، لأن عير قريش، إلى آخره. قوله: (النجاء النجاء)، الجوهري: "نجوت نجاءً، ممدودً؛ أي: أسرعت"، منصوب بفعل مُضمر، واللام فيهما للجنس. قوله: (على كل صعب وذلول)، أي: أسرعوا وبادروا مجتمعين، ولا تقفوا لأن تختاروا للركوب ذلولًا دون صعب. قوله: (عيركم أموالكم): "أموالكم" بدل "عيركم"، وهو مثل قولهم: "أهلك فقد أعريت"، قال الميداني: "أي: بادر أهلك وعجل الرجوع إليهم، فقد هاجت ريح عرية، أي: باردة، أعريت: دخلت في العرية". وقيل: التقدير: الزموا عيركم. قوله: (وقد رأت أخت العباس): قال محيي السنة: هي عاتكة بنت عبد المطلب.
[ ٧ / ٢٢ ]
رأيت كأنّ ملكًا نزل من السماء، فأخذ صخرة من الجبل، ثم حلق بها فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة. فحدّث بها العباس، فقال أبو جهل: ما يرضى رجالهم أن يتنبّئوا حتى تتنبَّأ نساؤهم، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير في المثل السائر: "لا في العير ولا في النفير"، فقيل له: إنّ العير أخذت طريق الساحل ونجت، فارجع بالناس إلى مكة، فقال: لا والله، لا يكون ذلك أبدًا، حتى ننحر الجزور، ونشرب الخمور، ونقيم القينات والمعازف ببدر، فيتسامع جميع العرب بمخرجنا، وإن محمدًا لم يصب العير، وإنا قد أعضضناه. فمضى بهم إلى بدر، وبدر: ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يومًا في السنة.
_________________
(١) ـ قوله: (حلق بها): التحليق بالشيء: الرمي به إلى فوق. قوله: (لا في العير ولا في النفير): قال المفضل: أول من قال ذلك أبو سفيان بن حرب حين انصرف بنو زهرة إلى مكة: يا بني زهرة، لا في العير ولا في النفير! عني بالعير: عير قريش التي أقبلت مع أبي سفيان من الشام، وبالنفير: من خرج مع عتبة بن ربيعة لاستنقاذها من أيدي المؤمنين، وكان ببدر ما كان. قال الأصمعي: يضرب للرجل يحط أمره ويصغر قدره. الجوهري: "النفير: القوم الذين يتقدمون في أمر"، و"العير بالكسر: الإبل التي تحمل الميرة". قوله: (أعضضناه): أي: استخففنا به وشتمناه وقلنا له: عضضت بظر أمك، والبظر: لحمة في الفرج، وهي التي تختن، وهذا من شتائم العرب. النهاية: "وفي الحديث: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا"، أي: قولوا له: اعضض بأير أبيك، ولا تكنوا عن الأير بالهن، تنكيلًا له". وقول أبي جهل لعتبة يوم بدر: لو غيرك يقول هذا أعضضته، أي: شتمته.
[ ٧ / ٢٣ ]
فنزل جبريل ﵇، فقال: يا محمد، إن الله وعدكم إحدى الطائفتين: إمّا العير، وإمّا قريشا، فاستشار النبي ﷺ أصحابه وقال: "ما تقولون؟ إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول، فالعير أحب إليكم أن النفير؟ " قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدوّ، فتغير وجه رسول الله ﷺ: ثم ردّد عليهم فقال: "إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل"، فقالوا: يا رسول الله، عليك بالعير ودع العدوّ، فقام عند غضب النبي ﷺ أبو بكر وعمر ﵄، فأحسنا، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر أمرك فامض، فو الله لو سرت إلى عدن أبين ما تخلف عنك رجل من الأنصار، ثم قال المقداد بن عمرو: يا رسول الله، امض لما أمرك الله،
_________________
(١) ـ وقيل: من الأدب أن يُقال: يعني "أعضضناه"؛ أي: جعلناه عاض أنامله، أو قلنا له: أعضضت علينا أناملك من الغيظ، يعني: ما حصل مطلوبك، وما ظفرت إلا بعض أناملك من الغيظ، وتحقيق هذه الكناية: أوقعناه فيما يصير به نادمًا يعض أنامله، فإنه إذا قصد العير ولم يجده ندم على المسير، كقوله تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ) [الفرقان: ٢٨]، أو غضب كقوله تعالى: (عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ) [آل عمران: ١١٩]. قوله: (قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدو، فتغير وجه رسول الله ﷺ … فقالوا: يا رسول الله، عليك بالعير ودع العدو): وهذا هو المراد من إيراد هذه القصة؛ لأن القصة سيقت لبيان أن قوله: (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) حال، كما علم من كلامه. قوله: (فأحسنا): أي: أحسنا الكلام في اتباع مراد رسول الله ﷺ. قوله: (إلى عدن أبين)، النهاية: "عدن أبين: مدينة معروفة باليمن، أضيفت إلى "أبين" بوزن "أبيض"، وهو رجل عدن بها، أي: أقام". قوله: (ثم قال المقداد بن عمرو): روينا في "صحيح البخاري" عن ابن مسعود قال: "أتى
[ ٧ / ٢٤ ]
فإنا معك حيثما أحببت، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون ما دامت عين منا تطرف. فضحك رسول الله ﷺ، ثم قال: " أشيروا علىَّ أيها الناس"، وهو يريد الأنصار، لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة: إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا، نمنعك مما نمنع منه آباءنا ونساءنا، فكان النبي ﷺ يتخوّف أن لا تكون الأنصار لا ترى عليهم نصرته إلا على عدوّ دهمه بالمدينة.
فقام سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: "أجل"، قال: آمنَّا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض-يا رسول الله- لما أردت، فو الذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى
_________________
(١) المقداد النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين، فقال: يا رسول الله، إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن امض ونحن معك. فسري عن رسول الله ﷺ". ورواه أحمد بن حنبل عن طارق بن شهاب، وفي آخره: "ولن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون". قوله: (بتخوف أن لا تكون الأنصار لا ترى عليهم): أي: لا تعتقد وجوب نصرته عليهم إلا على عدو يفجؤه بالمدينة، و"لا" في "أن لا تكون": زائدة. قوله: (استعرضت): أي لو عبرت بنا البحر عرضًا. النهاية: "في الحديث: "فأتى جمرة الوادي فاستعرضها"، أي: أتاها من جانبها عرضًا".
[ ٧ / ٢٥ ]
بنا عدوّنا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعلّ الله يريك ما تقرّبه عينك، فسر بنا على بركة الله. ففرح رسول الله ﷺ، وبسطه قول سعد، ثم قال: "سيروا على بركة الله وأبشروا، فإنّ الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم".
وروى: أنه قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء،
_________________
(١) . قوله: (لكأني الآن انظر إلى مصارع القوم): روينا عن مُسلم وأبي داود عن أنس قال: "إن النبي ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. قال: فندب رسول الله ﷺ الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا، فقال رسول الله ﷺ: "هذا مصرع فلان"، ويضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا، قال: فما ماط أحد عن موضع يد رسول الله ﷺ". الأساس: "خاض الماء خوضًا، وأخاضوا الماء إخاضة: إذا خاضوه بدوابهم". النهاية: "في الحديث: "لا تضرب أكباد المطي إلا إلى ثلاثة مساجد"؛ أي: لا تركب ولا يسار عليها، يقال ضربت في الأرض؛ إذا سافرت فيها". وأما "برك الغماد" بفتح الباء وكسرها، وضم الغين وكسرها: فهو اسم موضع باليمن، وقيل: هو موضع من وراء مكة بخمس ليال.
[ ٧ / ٢٦ ]
فناداه العباس وهو في وثاقه: لا يصلح، فقال له النبي ﷺ: "لم"؟
قال: لأنّ الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك.
وكانت الكراهة من بعضهم لقوله: (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكِرهُونَ).
[(يُجدِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) ٦]
(يُجدِلُونَكَ فِي الْحَقِّ) والحق الذي جادلوا فيه رسول الله ﷺ: تلقى النفير، لإيثارهم عليه تلقى العير (بَعْدَ ما تَبَيَّنَ): بعد إعلام رسول الله ﷺ بأنهم ينصرون. وجدالهم: قولهم: ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت لنا لنستعد ونتأهب! وذلك لكراهتهم القتال.
ثم شبه حالهم في فرط فزعهم ورعبهم، وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة،
_________________
(١) ـ قوله: (فناداه العباس وهو في وثاقه) الحديث: رواه أحمد بن حنبل والترمذي عن ابن عباس. قوله: (لا يصلح): أي: لا يصلح هذا الرأي، وهو قول القائل: "عليك بالعير"؛ لأنه تعالى وعدك إحدى الطائفتين وأنجز ما وعده. قوله: (وكانت الكراهة من بعضهم) عطف على قوله: "وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام" إلى آخر القصة، أو حال عاملة معنى الإشارة، وهو كالبيان لمضمون القصة، لأن القصة أذنت بحصول الكراهة من أصحاب الرسول ﷺ لتلقي النفير، والإعجاب لتلقي العير، ولم يعلم أن لهم كرهوا ذلك أو بقي منهم من لم يكره، يدل عليه قوله: "فاستشار أصحابه وقال: ما تقولون: "العير أحب غليكم أم النفير؟ " قالوا: بل العير، فتغير وجه رسول الله ﷺ". فقال: "وكانت الكراهة من بعضهم بدليل قوله: (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) ". قوله: (ثم شبه حالهم): لفظة "ثم" توهم أنالمشبه غير ما سبق من قوله: (يُجَادِلُونَكَ فِي
[ ٧ / ٢٧ ]
بحال من يعتل إلى القتل، ويساق على الصغار إلى الموت المتيقن، وهو مشاهد لأسبابه، ناظر إليها، لا يشك فيها.
وقيل: كان خوفهم لقلة العدد، وأنهم كانوا رجالة، وروي: أنه ما كان فيهم إلا فارسان.
[(وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ) ٧]
(وإذ) منصوب بإضمار: اذكر. و(أَنَّها لَكُمْ) بدل من (إحدى الطائفتين)، والطائفتان:
العير والنفير، و(غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ): العير،
_________________
(١) ـ الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ)، ولكن هو المشبه، لأن مثل هذا الجدال - أعني قولهم: "ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت لنا لنستعد ونتأهب"، بعد قول رسول الله ﷺ: "إن الله وعدني إحدى الطائفتين"، وقوله: "والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم" - يدل على جبن عظيم وإفراط في الرعب والفرق، فصح تشبيهه بقوله: (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ)، ثم عطفت هذه الجملة على ما سبق من حيث المعنى، يعني: أثبت الله لهم الجدال بسبب الكراهة بعدما أعلمهم رسول الله ﷺ بالنصرة، ثم شبه حالهم. قوله: (من يعتل إلى القتل)، الجوهري: "عتلت الرجل أعتله: إذا جذبته جذبًا عنيفًا". قوله: (وقيل: كان خوفهم لقلة العدد، وأنهم كانوا رجالة): عطف على قوله: "لكراهتهم القتال"، أي: خافوا العدو إما جُبنًا وخورًا وكانوا معذورين فيه لقلة العدد والعُدد، ولهذا قدر وجه التشبيه في الأول: "في فرط فزعهم ورعبهم". قوله: (إلا فارسان): قيل: هما المقداد بن الأسود والزبير بن العوام. وفي "مسند الإمام أحمد بن حنبل" عن علي ﵁: "ما كان منا فارس يوم بدر إلا المقداد بن الأسود".
[ ٧ / ٢٨ ]
لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسًا، والشوكة كانت في النفير لعددهم وعدّتهم، والشوكة: الحدّة، مستعارة من واحدة الشوك. ويقال: شوك القنا؛ لشباها، ومنها قولهم: شائك السلاح، أي تتمنون أن تكون لكم العير، لأنها الطائفة التي لا حدّة لها ولا شدّة، ولا تريدون الطائفة الأخرى (أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ): أن يثبته ويعليه (بِكَلِمتِهِ): بآيه المنزلة في محاربة ذات الشوكة، وبما أمر الملائكة من نزولهم للنصرة، وبما قضى من أسرهم وقتلهم وطرحهم في قليب بدر.
والدَّابر: الآخر، فاعل من: دبر: إذا أدبر، ومنه: دابرة الطائر. وقطع الدابر: عبارة عن الاستئصال، يعنى: أنكم تريدون الفائدة العاجلة وسفساف الأمور، وأن لا تلقوا
_________________
(١) قوله: (لشباها)، الجوهري: "شباة كل شيء: حد طرفه، والجمع: الشبا والشبوات". قوله: (ومنها قولهم: شائك السلاح): فعلى هذا "شائك" يكون أصلًا و"شاك" مقلوبة، وذكر في "الصافات" عند قوله: (صَالِي الْجَحِيمِ) [الصافات: ١٦٣] عكس ذلك، وحقق القول فيه هنالك. قوله: (بآية المنزلة)، (وبما أمر الملائكة)، (وبما قضى من أسرهم): كلها تفسير لقوله: (بِكَلِمَاتِهِ)؛ لأنها جمع يحتمل المعدودات كلها، لأن الكلمة تطلق على المنزل، نحو قوله: (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ) [الأعراف: ١٥٨]، وعلى "كُن" بمعنى الأمر الحقيقي، أو بمعنى "قضى" على المجاز، كقوله تعالى: (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: ٤٧، ومريم: ٣٥]. قوله: (دابرة الطائر)، الجوهري: "دابرة الطائر: التي يضرب بها، وهي كالإصبع في باطن رجله". قوله: (وسفساف الأمور)، النهاية: "السفساف: ضد المكارم والمعالي، وأصله ما يطير من غبار الدقيق إذا نُخل، والتراب إذا نثر"، والمصنف ذهب إلى الاقتباس مما رُوي في
[ ٧ / ٢٩ ]
ما يرزؤكم في أبدانكم وأحوالكم، والله ﷿ يريد معالي الأمور، وما يرجع إلى عمارة الدين، ونصرة الحق، وعلوّ الكلمة، والفوز في الدارين، وشتان ما بين المرادين، ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوّتهم بضعفكم، وغلب كثرتهم بقلتكم، وأعزّكم وأذلهم، وحصل لكم مالا تعارض أدناه العير وما فيها. وقرئ: "بكلمته"، على التوحيد.
[(لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) ٨]
فإن قلت: بم يتعلق قوله لِيُحِقَّ الْحَقَّ؟ قلت: بمحذوف تقديره: ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ذلك، ما فعله إلا لهما، وهو إثبات الإسلام وإظهاره، وإبطال الكفر ومحقه. فإن قلت: أليس هذا تكريرًا؟ قلت: لا، لأنّ المعنيين متباينان،
_________________
(١) الحديث: "إن الله يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها"، ومن ثم ذكر في المقابل: "والله تعالى يريد معالي الأمور". قوله: (يرزؤكم): أي: ينقصكم، والرزء: المصيبة. قوله: (أليس هذا تكريرًا؟): يعني: أليس قوله: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ) بعد قوله: (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ)، مثل قولك: أردت أن أكرم زيدًا لإكرامه؟ وتلخيص الجواب: أنه ليس نظيرًا لذلك، بل هو نظير قولك: أردت أن تفعل الباطل، وأردت أن أفعل الحق، ففعلت ما أردته لكذا، لا لمقتضى إرادتك، ولهذا قال: "وجب أن يُقدر المحذوف متأخرًا حتى يفيد معنى الاختصاص"، لأن المقام يقتضي نفي إرادة القوم وإثبات
[ ٧ / ٣٠ ]
وذلك أنّ الأوّل تمييز بين الإرادتين، وهذا بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم ونصرتهم عليها، وأنه ما نصرهم ولا خذل أولئك، إلا لهذا الغرض الذي هو سيد الأغراض. ويجب أن يقدّر المحذوف متأخرًا حتى يفيد معنى الاختصاص، وينطبق عليه المعنى. وقيل: قد تعلق بـ" يقطع".
[(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) ٩] فإن قلت: بم يتعلق (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ)؟ قلت: هو بدل من (إِذْ يَعِدُكُمُ) [الأنفال: ٧]،
_________________
(١) إرادة الله لينطبق عليه المعنى، ولا يحصل ذلك غلا بتأخير المقدر، وكان أصل الكلام: تودون أن العير تكون لكم، ويريد الله ملاقاة النفير، ففعل الله تعالى ما أراده دون ما أردتم أنتم. فوضع (أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ) موضع "ملاقاة النفير" للدلالة على حصول الفوز في الدارين، ثم وضع موضع "ففعل الله تعالى ما أراده دون ما أردتم" قوله: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ)، مع إرادة المحذوف متأخرًا للدلالة على تعظيم ذلك الفعل. وإلى الأول الإشارة بقوله: "وما يرجع إلى عمارة الدين، ونُصرة الحق، وعلو الكلمة، والفوز في الدارين"، وإلى الثاني الإشارة بقوله: "وأنه ما نصرهم، ولا خذل أولئك، إلا لهذا الغرض الذي هو سيد الأغراض". وفي وضع "تودون" موضع "تريدون"، لكونه مقابلًا لقوله: (وَيُرِيدُ اللَّهُ): إيذان ببطلان إرادتهم، وفي إيثار (غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ) على "العير": إيماء إلى جُبنهم وخورهم، وإنما ترك الفاء في جملة قوله: (يُحِقَّ الْحَقَّ) مع معلله كما في المثال، ليكون الاتصال استئنافًا. قوله: (فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم، ونصرتهم عليها، وأنه ما نصرهم): "من" بيان "ما فعل"، و"أنه" عطف على "غرضه"، أي: هذا بيان لأن ما نصرهم ولا خذل أولئك إلا لهذا الغرض.
[ ٧ / ٣١ ]
وقيل: بقوله: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ البَطلَ)، واستغاثتهم: أنهم لما علموا أنه لا بدَّ من القتال، طفقوا يدعون الله ويقولون: أي ربنا، انصرنا على عدوّك، يا غياث المستغيثين أغثنا.
وعن عمر ﵁: أنّ رسول الله ﷺ نظر إلى المشركين وهم ألف، وإلى أصحابه وهم ثلاث مئة، فاستقبل القبلة ومدّ يديه يدعو: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكر فألقاه على منكبه والتزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك.
(أَنِّي مُمِدُّكُمْ) أصله: بأني ممدكم، فحذف الجار وسلط عليه "استجاب" فنصب محله. وعن أبى عمرو أنه قرأ: " أَنِّي مُمِدُّكُمْ" بالكسر؛ على إرادة القول، أو على إجراء استجاب مجرى "قال" لأنّ الاستجابة من القول.
_________________
(١) قوله: (وقيل: بقوله) أي: يتعلق (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ) بقوله: (وَيُحِقُّ الْحَقّ)، وقيل: هذا أوجه من أن يكون بدلًا، لأن زمان الوعد غير زمان الاستغاثة، إلا على تأويل أن الوعد والاستغاثة وقعًا في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا. وهذا أبلغ؛ لتكرير التذكير لمزيد الامتنان والتعبير لما وُجد منهم من الكراهة والخوف، كما سبق في قوله: (إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ) في "آل عمران" [الآية ٤٤ - ٤٥]. قوله: (اللهم أنجز لي ما وعدتني): عن مُسلم وأحمد والترمذي عن عمر ﵁ قال: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مئة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل القبلة، ثم مد يده، فجعل يهتف بربه، يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني" الحديث.
[ ٧ / ٣٢ ]
فإن قلت: هل قاتلت الملائكة يوم بدر؟ قلت: اختلف فيه، فقيل: نزل جبريل في خمس مئة ملك على الميمنة، وفيها أبو بكر ﵁، وميكائيل في خمس مئة على الميسرة، وفيها علىّ بن أبى طالب ﵁، في صور الرجال، عليهم ثياب بيض وعمائم بيض، قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم، فقاتلت.
وقيل: قاتلت يوم بدر، ولم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حنين.
وعن أبى جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصا؟ قال: من الملائكة، فقال أبو جهل: هم غلبونا، لا أنتم. وروى: أنّ رجلًا من المسلمين بينما هو يشتد في أثر رجل من المشركين، إذ سمع صوت ضربة بالسوط فوقه، فنظر إلى المشرك قد خر مستلقيا وشقّ وجهه، فحدث الأنصاري رسول الله ﷺ، فقال: "صدقت، ذاك من مدد السماء". وعن أبى داود المازني: تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر، فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي.
وقيل: لم يقاتلوا، وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم، فإنّ جبريل ﵇ أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط، وأهلك بلاد ثمود قوم صالح بصيحة واحدة.
وقرئ (مُرْدِفِينَ) بكسر الدال وفتحها، من قولك: ردفه: إذا تبعه،
_________________
(١) قوله: (وقرئ: (مُرْدِفِينَ) بكسر الدال وفتحها): بالفتح: نافع، وبالكسر: الباقون. قال الزجاج: "يُقال: ردفت الرجل: إذا ركبت خلفه، وأردفته: إذا أركبته خلفي. ويُقال: أردفت الرجل: إذا جئت بعده، فمعنى "مردفين": يأتون فرقة بعد فرقة". قال الجوهري: "كل شيء تبع شيئًا فهو ردفه، وردفه - بالكسر-: أي: تبعه، وأردفه: لغة في ردفه، مثل: تبعه وأتبعه".
[ ٧ / ٣٣ ]
ومنه قوله تعالى: (رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) [النمل: ٧٢] بمعنى: ردفكم. وأردفته إياه: إذا أتبعته، ويقال: أردفته، كقولك: أتبعته: إذا جئت بعده، فلا يخلو المكسور الدال من أن يكون بمعنى: متبعين أو متبعين، فإن كان بمعنى "متبعين": فلا يخلو من أن يكون بمعنى: متبعين بعضهم بعضًا، أو متبعين بعضهم لبعض، أو بمعنى: متبعين إياهم المؤمنين، أي يتقدمونهم فيتبعونهم أنفسهم،
_________________
(١) الراغب: "الردف: التابع، وردف المرأة: عجيزتها، والترادف: التتابع، والرادف: المتأخر، والمردف: المتقدم الذي أردف غيره، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: (بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ): جائين، فجعل "ردف" و"أردف" بمعنى واحد، وأنشد: إذا الجوزاء أردفت الثريا وقال غيره: معناه مردفين ملائكة أخرى، فعلى هذا يكونون ممدين من الملائكة، وقيل: عني بالمردفين: المتقدمين للعسكر يلقون في قلوب العدا الرعب. وقرئ: "مردفين"، أي: أردف كل إنسان ملكًا". قوله: (كقولك: اتبعته): واعلم أن في كلام المصنف دقة، فإنه لما قسم المكسورة الدال على قسمين، أخذ في بيان أحد القسمين، وخلط القسم الآخر به، وكان الظاهر أن لا يأتي بالآخر إلا بعد الفراغ من الأول، ومن ثم عمد إلى إبطال سطر من الكتاب، فعاد الكلام
[ ٧ / ٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) هكذا: "فلا يخلو المكسور الدال من أن يكون بمعنى: متبعين بعضهم بعضًا أو متبعين بعضهم لبعض"، إلى آخره. وأما وجه استقامة ما في الكتاب - كما جاء في النسخ كلها-: فهو أن للبلغاء في أسلوب اللف والنشر طرقًا شتى - خلاف الظاهر - يسلكونها؛ تارة بإعانة اللف على النشر، وأخرى عكس ذلك، وهاهنا لما أتى باللف على ظاهره حيث قال: "بمعنى: متبعين أو متبعين" عمد في النشر إلى خلاف الظاهر، ثقة بأن السامع يرتب النشر عليه بالإضمار والتقديم والتأخير، كما يقول: "فن كان بمعنى: متبعين" بالتخفيف "فلا يخلو من أن يكون بمعنى: متبعين بعضهم بعضًا"، أي: يتبعون بعض الملائكة بعضًا منهم، "أو متبعين إياهم المؤمنين، أو متبعين أنفسهم، أو متبعين غيرهم من الملائكة". وأعجب بنشر فيه لف! وإنما ارتكب هذا الصعب ليريك أن "متبعين" و"مُتَّبعين" عند كل من الاختلاف متفقان على معنى واحد، فقوله: "متبعين بعضهم بعضًا، أو متبعين بعضهم لبعض" يشتركان في معنى قوله: "أردفته إياه: إذا أتبعته" إذا كان المفعولان منهم، وقوله: "أو مُتبعين إياهم المؤمنين، أو متبعين لهم يشيعونهم" يشتركان في معنى قوله: "أردفته: إذا اتبعته" إذا كان أحد المفعولين "المؤمنين". وكذلك الصورة الثالثة، وإنما الفرق أن الثالثة واردة في إتباع أنفسهم ملائكة آخرين، والثانية في إتباع أنفسهم المؤمنين.
[ ٧ / ٣٥ ]
أو متبعين لهم يشيعونهم ويقدمونهم بين أيديهم، وهم على ساقتهم، ليكونوا على أعينهم وحفظهم، أو بمعنى متبعين أنفسهم ملائكة آخرين، أو متبعين غيرهم من الملائكة، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى في سورة آل عمران: (بِثَلثَةِ ءالف مِنَ الْمَلكَةِ مُنْزَلِينَ). [آل عمران: ١٢٤]. (بِخَمْسَةِ ءالف مِنَ الْمَلكَةِ مُسَوِّمِينَ) [آل عمران: ١٢٥].
ومن قرأ: (مُرْدِفِينَ) بالفتح: فهو بمعنى: متبعين أو متبعين. وقرئ: (مردّفين)، بكسر الراء وضمها وتشديد الدال، وأصله: مرتدفين، أي: مترادفين أو متبعين، من: ارتدفه، فأدغمت تاء الافتعال
في الدال، فالتقى ساكنان، فحرّكت الراء بالكسر على الأصل، أو على إتباع الدال، وبالضم على إتباع الميم.
_________________
(١) ـ وقريب منه قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ) [الروم: ٢٣]، قال المصنف: "التقدير" منامكم وابتغاؤكم بالليل والنهار، فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الأخريين، بإعانة اللف"، فعلى هذا يتطابق بين تفسيره القراءة المكسورة وبين تفسيره المفتوحة حيث قال: "ومن قرأ "مردفين" - بالفتح- فهو بمعنى: متبعين أو متبعين". قوله: (ويعضد هذا الوجه): لأن هذا الوجه يدل على أن الملائكة كانوا أكثر من الألف، فيوافق ما في قوله: (أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٥]، وإنما استشهد بقوله: (بِخَمْسَةِ آلافٍ) وإن لم ينزلوا للنصر ليقرر أنهم نيفوا على الألف البتة، وأن الكلام في الزيادة، قوله: ("مردفين" بكسر الراء وضمها وتشديد الدال)، قال الزجاج: "ويجوز في اللغة: مُرِدفين ومُرَدفين ومُرُدفين، يجوز في الراء مع تشديد الدال وكسرها: فتحها وضمها وكسرها.
[ ٧ / ٣٦ ]
وعن السدي: (بآلاف من الملائكة)؛ على الجمع، ليوافق ما في سورة آل عمران.
فإن قلت: فبم يعتذر لمن قرأ على التوحيد، ولم يفسر المردفين بإرداف الملائكة ملائكة آخرين، والمردفين بارتدافهم غيرهم؟ قلت: بأنّ المراد بالألف من قاتل منهم، أو الوجوه منهم الذين من سواهم أتباع لهم.
[(وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ١٠]
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في وَما (جَعَلَهُ)؟ قلت: إلى قوله: (أَنِّي مُمِدُّكُمْ) [الأنفال: ٩]، لأن المعنى: فاستجاب لكم بإمدادكم.
فإن قلت: ففيمن قرأ بالكسر؟ قلت: إلى قوله: (أَنِّي مُمِدُّكُمْ) لأنه مفعول القول المضمر، فهو في معنى القول، ويجوز أن يرجع إلى الإمداد الذي يدل عليه (ممدّكم).
_________________
(١) ـ قال سيبويه: أصله: مرتدفين، فأدغمت التاء في الدال فصارت مردفين، لأنك طرحت حركة التاء على الراء. قال: وإن شئت لم تطرح حركة التاء، وكسر الراء لالتقاء الساكنين، والذين ضموا الراء جعلوها تابعة لضم الميم". قوله: (لأن المعنى: فاستجاب لكم بإمدادكم): يعني: (أَنِّي مُمِدُّكُمْ) بفتح الهمزة: مفرد يجوز أن يرجع إليه الضمير، وأصله: بأني ممدكم، فحذف الجار وسلط عليه (فَاسْتَجَابَ) فنصب محله، أي: ما جعل إمدادكم بالملائكة لأمر من الأمور، إلا للبشرى وللاطمئنان، لأن النصر ليس بالملائكة، فإن الناصر هو الله. قوله: (ففيمن قرأ بالكسر؟): أي: فما تصنع في قراءة من قرأ بكسر الهمزة، فإنها ليست في تأويل المفرد، فأجاب: "اجعله مقولًا للقول" لأن التقدير: فاستجاب لكم وقال: إني ممدكم، كأنه قيل: ما جعل الله ذلك القول- أي: إني ممدكم - إلا بشرى.
[ ٧ / ٣٧ ]
(إِلَّا بُشْرى): إلا بشارة لكم بالنصر، كالسكينة لبنى إسرائيل، يعنى: أنكم استغثتم وتضرعتم لقلتكم وذلتكم، فكان الإمداد بالملائكة بشارة لكم بالنصر، وتسكينًا منكم، وربطا على قلوبكم (وَمَا النَّصْر إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يريد: ولا تحسبوا النصر من الملائكة، فإن الناصر هو الله لكم وللملائكة، أو: (وما النصر) بالملائكة وغيرهم من الأسباب (إلا من عند الله)، والمنصور من نصره الله.
[(إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ) ١١]
"إِذْ يغشاكم" بدل ثان من (إِذْ يَعِدُكُمُ) [الأنفال: ٧] أو منصوب بـ (النصر)، أو بما في (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [الأنفال: ١٠] من معنى الفعل، أو بـ (جعله الله)، أو بإضمار: اذكر. وقرئ: (يغشيكم) بالتخفيف والتشديد.
_________________
(١) ـ قوله: (أو: (وَمَا النَّصْرُ) بالملائكة): عطف على لفظ: "لا تحسباو"، و(النَّصْرُ) على هذا مُطلق شائع في جنسه، ولذلك قدر "وغيرهم من الأسباب"، وعلى الأول مقيد بالملائكة المنزلين بقرائن المقام، والجملة داخلة تحت الحسبان، نزلهم لاعتمادهم على نصرة الملائكة منزلة من يزعم أن الملائكة هم الناصرون، فقصر الإفرادي، لأنه نفي زعم من زعم الفرق بين المؤثر المشاهد، وأن بعضه مستقل وبعضه سبب، فقصر الحكم على أن الكل أسباب لا فرق بينها، فقيل: (وَمَا النَّصْرُ) بالملائكة وغيرهم من الأسباب (إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ). قوله: (وقرئ: (يُغَشِّيكُمْ)، بالتخفيف والتشديد): "يغشاكم": بالألف وفتح الياء، و"النعاس" بالرفع: قراءة أبي عمري وابن كثير. وبضم الياء وتخفيف الشين ونصب (النُّعَاسَ): قراءة نافع، وبتشديد الشين وضم الياء- من التغشية- ونصب (النُّعَاسَ): قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي.
[ ٧ / ٣٨ ]
ونصب (النعاس)، والضمير لله ﷿. (وأَمَنَةً) مفعول له.
فإن قلت: أما وجب أن يكون فاعل الفعل المعلل والعلَّة واحدًا؟ قلت: بلى، ولكن لما كان معنى "يغشاكم النعاس"، تنعسون، انتصب (أمنة) على أن النعاسِ والأمنة لهم. والمعنى: إذ تنعسون أمنة، بمعنى: أمنا، أي: لأمنكم، و(مِنْهُ) صفة لها، أي: أمنة حاصلة لكم من الله ﷿.
فإن قلت: فعلى غير هذه القراءة؟ قلت: يجوز أن تكون الأمنة بمعنى الإيمان، أي: ينعسكم إيمانًا منه، أو على: يغشيكم النعاس فتنعسون أمنًا.
_________________
(١) قوله: (و(آمِنَةً) مفعول له): فإن قلت: لم قصر هاهنا على هذا، وجعل في "آل عمران": تارة حالًا، وأخرى مفعولًا به، ومفعولًا له؟ قلت: لأن ذلك المقام اقتضى الاهتمام بشأن الأمن، ولذل قدمه وبسط الكلام في الأمن وإزالة الخوف، ألا ترى إلى سياق الآية وهو قوله: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا) [آل عمران: ١٥٣]، وسياقها وهو قوله: (يَغْشَى طَائِفَةً) إلى آخرها [آل عمران: ١٥٤]، حيث جعلها صفة لـ (نُعَاسًا) وختم الكلام بقوله: (لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ)، كيف جعل الكلام كله في الأمن والخوف بخلافه هنا، لأنه في مقام تعداد النعم، فجيء بالقصة مختصرة للرمز. قوله: (لما كان معنى "يغشام النعاس"): هذا الجواب على القراءة الأولى، وهي: "يغشاكم" بالألف و"النعاس" بالرفع. قوله: (فعلى غير هذه القراءة؟) يعني: صح الجواب على قراءة "يغشاكم"، فما تأويله على
[ ٧ / ٣٩ ]
فإن قلت: هل يجوز أن ينتصب على أنّ الأمنة للنعاس الذي هو فاعل "يغشاكم"؟ أي: يغشاكم النعاس لأمنه، على أن إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازى، وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غشيانكم؟ وإنما غشيكم أمنة حاصلة من الله لولاها لم يغشكم، على طريقة التمثيل والتخييل؟ قلت: لا تبعد فصاحة القرآن عن احتماله، وله فيه نظائر، وقد ألم به من قال:
يهاب النّوم أن يغشى عيونًا … تهابك فهو نفّار شرود
_________________
(١) القراءة الثانية، يعني: "يغشيكم" بضم الياء وتخفيف الشين، والثالثة، أي: (يُغَشِّيكُمْ)؛ بالتشديد؟ أجاب: بأن الفاعل على القراءتين هو الله تعالى، أي: ينعسكم الله تعالى إيمانًا منه، أو يغشيكم الله النعاس فتنعسون أمنًا، على أن عامله مضمر، و(آمِنَةً) بمعنى: أمنًا. قوله: (هل يجوز أن ينتصب؟): هذا السؤال أيضًا وارد على القراءة الأولى. قوله: (على طريقة التمثيل والتخييل): أي: على أنه من الاستعارة المكنية، شبه النعاس بشخص طالب للأمن، ثم خيل أنه إنسان بعينه، حيث أثبت له على سبيل الاستعارة التخييلية الأمنة التي هي من لوازم المشبه به، وجعل نسبتها إليه قرينة مانعة من إرادة الحقيقة، وفيه إغراق في الوصف، لأنه جعل النعاس الذي هو سبب للأمن بسبب غشيانه غياهم ملتمسًا للأمن منهم. قوله: (يهاب النوم) البيت: قيل: إنه للمصنف. "تهابك": صفة لـ "عيونا". "نفار": مبالغة من: نفرت الدابة نفارًا، و"شرود": من: شرد البعير، أي: مستعصى
[ ٧ / ٤٠ ]
وقرئ: "أمنة" بسكون الميم، ونظير: أمن أمنة: حيي حياة، ونحو: أمن أمنة: رحم رحمة، والمعنى: أن ما كان بهم من الخوف كان يمنعهم من النوم، فلما طمأن الله قلوبهم وأمنهم رقدوا. وعن ابن عباس ﵄: " النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة: وسوسة من الشيطان".
(وَيُنَزِّلُ) قرئ بالتخفيف والتثقيل، وقرأ الشعبي: "ما ليطهركم به"، قال ابن جني:
"ما" موصولة وصلتها حرف الجر بما جره، فكأنه قال: ما للطهور.
_________________
(١) عليك، والضمير في "فهو" عبارة عن النوم. المعنى: يخاف النوم أن يدخل عين أعدائك، فهو لذلك نفار شرود. قال في "الانتصاف": "وفيه بُعد؛ لأن هذه الاستعارة البعيدة للنوم قد تستحسن في الشعر لبنائه على المبالغة، وغلبة باطله على حقه، ولا يوجد مثلها في الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه". قلت: إن منع استعمال المجاز في كتاب الله المجيد يتمشى له هذا المنع، وإلا هذا منه غير مستحسن، لأن هذا الأسلوب في الدرجة القصوى من البلاغة، وكلام الله إنما كان معجزًا من حيث اللفظ والمعنى إذا استعمل فيه أمثال ذلك. قوله: (حيي حياة): أصله: حيية، قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وكتبت ألفه واوًا للتفخيم. قوله: (وقرأ الشعبي: "ما ليطهركم [به] "، قال ابن جني: "ما"موصولة)، فالتقدير: وينزل عليكم من السماء الذي لطهارتكم أو لتطهيركم. واللام التي في قراءة الجماعة هي اللام في قولك:
[ ٧ / ٤١ ]
و(رِجْزَ الشَّيْطانِ): وسوسته إليهم، وتخويفه إياهم من العطش. وقيل: الجنابة، لأنها من تخييله. وقرئ: "رجس الشيطان".
وذلك أن إبليس تمثل لهم، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء، ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء، وناموا فاحتلم أكثرهم، فقال لهم: أنتم- يا أصحاب محمد- تزعمون أنكم على الحق، وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة، وقد عطشتم، ولو كنتم على حق ما غلبكم هؤلاء على الماء، وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش، فإذا قطع العطش أعناقكم
مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا، وساقوا بقيتكم إلى مكة، فحزنوا حزنًا شديدًا وأشفقوا، فأنزل الله ﷿ المطر، فمطروا ليلا حتى جرى الوادي، واتخذ رسول الله ﷺ وأصحابه الحياض على عدوة الوادي، وسقوا الركاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدو، حتى ثبتت عليه الأقدام، وزالت وسوسة الشيطان، وطابت النفوس.
_________________
(١) زرتك لتكرمني، وأما اللام في القراءة الشاذة فمتعلقة بمحذوف، كقولك: دفعت إليه المال الذي له، أي: استقر وثبت له، وفيها ضمير لتعلقها بالمحذوف، ومعنى القراءتين يرجع إلى واحد، والمشهورة أفصح لتصريح التعليل فيها. قوله: (وقرئ: "رجس الشيطان") قال ابن جني: "الرجس في القرآن: العذاب، كالرجز، ورجس الشيطان: وسوسته، الرجس في الأصل: كل ما تستقذره النفس، كالخنزير ونحوه". قوله: (كثيب أعفر): أي: رمل أبيض تعلوه حمرة، "تسوخ" أي: تدخل فيه الأقدام وتغيب.
[ ٧ / ٤٢ ]
والضمير في (بِهِ) للماء، ويجوز أن يكون للربط، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجرأة ثبتت القدم في مواطن القتال.
[(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلْائكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءآمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ) ١٢]
(إِذْ يُوحِي) يجوز أن يكون بدلا ثالثًا من (إِذْ يَعِدُكُمُ) [الأنفال: ٧]، وأن ينتصب بـ "يثبت". (أَنِّي مَعَكُمْ) مفعول (يوحى)، وقرئ: " إني" بالكسر على إرادة القول، أو على إجراء (يوحى) مجرى: يقول، كقوله: "إِني مُمِدُّكُمْ"، والمعنى: أنى معينكم على التثبيت فثبتوهم.
_________________
(١) . قوله: (لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجرأة): يؤذن بأن (عَلَى قُلُوبِكُمْ) صلة لـ"يربط"، وعُدي بـ "على" مزيدًا للتمكن، ونحوه في إرادة الاستعلاء: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) [البقرة: ٥] لمزيد التمكن. قال الواحدي: "الربط: معناه الشد، يقال لكل من صبر على أمر: ربط قلبه، و"على" صلة، والمعنى: وليربط قلوبكم بما أنزل من الماء، فتثبت ولا تضطرب بوسوسة الشيطان". قوله: «إِنْ يُوحَى) يجوز أن يكون بدلًا ثالثًا من (إِذْ يَعِدُكُمْ) وأن ينتصب بـ "يثبت")، وقد سبق أن البدل أولى للتكرير. قوله: (كقوله: "إني ممدكم"): يعني: في قراءة من قرأ بكسر "إن" في قوله: (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ)، والظاهر أنه استشهد به للوجهين، وإن ذكر في موضعه أنه مفعول القول المضمر.
[ ٧ / ٤٣ ]
وقوله: (سَأُلْقِي … فَاضْرِبُوا) يجوز أن يكون تفسيرًا لقوله: (إِني مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا) ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم، واجتماعهما غاية النصرة. ويجوز أن يكون غير تفسير، وأن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم، وتصحّ عزائمهم ونياتهم في القتال، وأن يظهروا ما يتيقنون به أنهم ممدّون بالملائكة.
_________________
(١) قوله: «سَأُلْقِي فَاضْرِبُوا): يجوز أن يكون تفسيرا) اعلم أن في فصل قوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) عما قبله وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: (سَأُلْقِي) مع ما ترتب عليه بالفاء تفسيرًا لقوله: (إِنِّي مَعَكُمْ) مع ما ترتب عليه بالفاء، فقوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) تفسير لقوله: «إِنِّي مَعَكُمْ)، وقوله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) تفسير لقوله: (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا). وثانيهما: أن لا يكون تفسيرًا لذلك، وحينئذ يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون معنى قوله: (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا): أخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم، بنحو: أني سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لنَنكَشِفَنَّ، وينحو: أبشروا فإن الله ناصركم، ويكون قوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) استئنافًا، كأنه لما قيل: فأوقعوا في قلوب المؤمنين ما تقوى به قلوبهم، وأهروا ما يتيقنون به أنهم قد أمدوا بالملائكة، فقالوا: فماذا يكون إذن؟ فأجيبوا بقوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)، وعند ذلك (وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) يعني: مدوهم أنتم، وأنا أنجزكم وعدكم بإلقاء الرعب في قلوبهم وآمركم بالضربين.
[ ٧ / ٤٤ ]
وقيل: كان الملك يتشبه بالرجل الذي يعرفون وجهه، فيأتي، فيقول: إني سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفنَّ، ويمشى بين الصفين، فيقول: أبشروا، فإن الله ناصركم؛ لأنكم تعبدونه، وهؤلاء لا يعبدونه.
_________________
(١) . فقوله: "كان الملك يتشبه بالرجل": كالاستشهاد للإخطار بالبال بما تقوى به القلوب، وقوله: "يمشي بين الصفين فيقول" بيان لقوله: "وأن يظهروا ما يتيقنون به أنهم ممدون بالملائكة". وثانيهما: أن يكون قوله: (سَأُلْقِي) إلى آخره، بعينه ملقنًا، وهو المراد من قوله: "ويجوز أن يكون قوله: (سَأُلْقِي) إلى قوله: (كُلَّ بَنَانٍ) تلقينا للملائكة"، وهذا أيضًا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مقولًا للقول على سبيل البيان، كقوله: (فَثَبِّتُوا). وثانيهما: على الاستئناف على طريقة السؤال والجواب، كما صرح به قوله: "فالضاربون على هذا"، أي: على أن يكون (سَأُلْقِي) تلقينًا، وعلى الوجوه السابقة هم الملائكة، وفيه دلالة على أن الملائكة قاتلت. فإن قلت: التقسيم مختل؛ لأن الوجه الأخير مشتمل على البيان، وهو تفسير، فكيف يكون قسيمًا للوجه الأول؟ قلت: ليس كذل؛ لأنه قال أولًا: " (سَأُلْقِي .. فَاضْرِبُوا): يجوز أن يكون تفسيرًا"، فالتقدير: أن المجموع: إما تفسيرٌ أو غير تفسير، والثاني: إما أن يكون معنى "التثبيت": الإخطار بالبال، أو إظهار ما يحصل به اليقين، أو التلقين، ثم التلقين: إما على البيان أو على الاستئناف. قوله: (لننكشفن) أي: لننهزمن، من: كشفت الشيء فانكشف.
[ ٧ / ٤٥ ]
وقرئ: (الرعب) بالتثقيل، (فَوْقَ الْأَعْناقِ): أراد أعالي الأعناق التي هي المذابح، لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها حزًا وتطييرًا للرؤوس.
وقيل: أراد الرؤوس لأنها فوق الأعناق، يعنى: ضرب الهام. قال:
وَأضْرِبُ هَامَةَ الْبطَلِ الْمُشِيحِ
و:
غشّيته وهو في جأواء باسلة … عضبًا أصاب سواء الرّأس فانفلقا
والبنان: الأصابع، يريد الأطراف، والمعنى: فاضربوا المقاتل والشوى،
_________________
(١) قوله: ("الرعب" بالتثقيل): أي: بضم العين، ابن عامر والكسائي. قوله: (واضرب هامة البطل المشيح): أوله: وإجشامي على المكروه نفسي إجشامي: تكليفي، والهام: وسط الرأس، والمشيح- بالحاء المهملة-: المُجد المسرع، ورجل مشيح: حذر، وأشاح الرجل: إذا جد في القتال. قوله: (غشيته) البيت: الجأواء: العسكر العظيم الذي اسود من كثرة السلاح، والبسالة: الشجاعة، والعضب: السيف القاطع، والسواء: الوسط، يقول: رب فارس صفته كيت وكيت، أنا ضربته وهو في جيش تام السلاح، بسيف قاطع نال وسط رأسه، فشقه. قوله: (والشوى): وهو اليدان والرجلان والرأس من الإنسان، وكل ما ليس مقتلًا، يُقال: رماه فاشواه: إذا لم يصب المقتل.
[ ٧ / ٤٦ ]
لأنّ الضرب إما واقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معًا.
ويجوز أن يكون قوله: (سَأُلْقِي) إلى قوله: (كُلَّ بَنانٍ)، عقيب قوله: (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءامَنُوا): تلقينًا للملائكة ما يثبتونهم به، كأنه قال: قولوا لهم قوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)، أو كأنهم قالوا: كيف نثبتهم؟ فقيل: قولوا لهم قوله: (سَأُلْقِي)، فالضاربون على هذا هم المؤمنون.
[(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ * ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ) ١٣ - ١٤]
(ذلك) إشارة إلى ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العاجل، ومحله الرفع على الابتداء، و(بأنَّهُمْ) خبره، أي: ذلك العقاب وقع عليهم بسبب مشاقتهم، والمشاقة: مشتقة من الشق، لأن كلا المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه. وسئلت في المنام عن اشتقاق المعاداة، فقلت: لأن هذا في عدوة، وذاك في عدوة.
_________________
(١) الراغب: "البنان: الأصابع، سميت بذلك لأن بها صلاح الأحوال التي يمكن للإنسان أن يبن بها، يريد: أن يقيم، ويُقال: أبنَّ بالمكان يُبنُّ، ولذلك خُص في قوله تعالى: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) [القيامة: ٤]، وقوله تعالى: (وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)، خص لأجل أنهم بها تقاتل وتدافع". قوله: (فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معًا): وفائدته: الضرب المتواتر بلا تحاش. قوله: (هذا في عدوة): العدوة- بضم العين وكسرها-: جانب الوادي وحافته، والجمع: عداء، مثل: برمة وبرام، وما يوافق قول المصنف في منامه قول ابن جني: " (وَلا تُشْطِطْ) [ص: ٢٢]: أي: لا تُبعد، وهو من الشط، وهو الجانب، فمعناه: أخذ جانب الشيء وترك وسطه وأقربه، كما قيل: تجاوز، وهو من الجيزة، وهو جانب الوادي".
[ ٧ / ٤٧ ]
كما قيل: المخاصمة والمشاقة؛ لأن هذا في خصم- أي في جانب- وذاك في خصم، وهذا في شق، وذاك في شق.
والكاف في (ذلِكَ) لخطاب الرسول ﵇، أو لخطاب كل واحد، وفي (ذلِكُمْ) للكفرة، على طريقة الالتفات. ومحل (ذلِكُمْ) الرفع على: ذلكم العقاب، أو: العقاب ذلكم (فَذُوقُوهُ)، ويجوز أن يكون نصبًا على: عليكم ذلكم فذوقوه، كقولك: زيدًا فاضربه، (وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ) عطف على (ذلكم) في وجهيه،
_________________
(١) قوله: (على طريقة الالتفات): التفت من (شَاقُّوا اللَّهَ) وهو غيبة، إلى (ذَلِكُمْ) وهو خطاب. قوله: (ويجوز أن يكون نصبًا على: عليكم): قال القاضي: " (ذَلِكُمْ) نصب بفعل دل عليه (فَذُوقُوهُ) أو غيره؛ مثل: باشروا، أو: عليكم، فتكون الفاء عاطفة"، وفيه أن الفاء على الأول شرطية. قلت: هو مثل قوله: خولان فانكح، أي: هؤلاء خولان، المعنى: ذلكم العذاب الذي تستحقونه، فإذا كان كذلك فذوقوه. قوله: (في وجهيه): أي: في أن يكون مبتدأ وخبره محذوف، أو عكسه، والمعنى: ذلكم الجزاء في الدنيا وكونكم في النار في الآخرة، فالعقاب بمعنى الجزاء. ووضع (لِلْكَافِرِينَ) موضع الضمير، واللام فيه للعهد. والجملة على قراءة الحسن تذييل، واللام للجنس، والواو للاستئناف.
[ ٧ / ٤٨ ]
أو نصب على أن الواو بمعنى "مع"، والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة، فوضع الظاهر موضع الضمير، وقرأ الحسن: "وإن للكافرين"، بالكسر.
[(يأُيّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومأويه جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ١٥ - ١٦]
(زَحْفًا) حال من (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والزحف: الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف، أي يدب دبيبًا، من: زحف الصبي: إذا دبّ على استه قليلا، سمي بالمصدر، والجمع: زحوف، والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم، وأنتم قليل، فلا تفرّوا، فضلًا أن تدانوهم في العدد أو تساووهم. أو حال من الفريقين، أإذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، أو حال من المؤمنين، كأنهم أشعروا بما كان سيكون
_________________
(١) ـ قوله: (أو نصب): عطف على قوله: "على ذلكم" من حيث المعنى، أي: (وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ) رفع عطف على (ذَلِكُمْ)، أو نصب على أن "الواو" بمعنى "مع". قوله: (فوضع الظاهر موضع المضمر): أي: فوضع (لِلْكَافِرِينَ) موضع (ذَلِكُمْ)، وفائدته: الإشعار بأن صفة الكفر هي الموجبة لإذاقة العذاب في الدارين، وفائدة التذييل أن يُقال: أيها الكفار، إن العذاب في الدنيا من ضرب الأعناق وقطع الأطراف لكم خاصة فذوقوه، ثم الأمر في الآخرة أن تدخلوا في زمرة الجاحدين المخلدين في عذاب النار. قوله: (الجيش الدهم): والدهم بفتح الدال، الجوهري: "العدد الكثير". قوله: (بما كان سيكون): "كان" زائدة للتأكيد، كقول الفرزدق: وجيران لنا كانوا كرام
[ ٧ / ٤٩ ]
منهم يوم حنين حين تولوا مدبرين، وهم زحف من الزحوف اثني عشر ألفًا، وتقدمة نهى لهم عن الفرار يومئذ، وفي قوله: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ) أمارة عليه.
(إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ) هو الكرّ بعد الفرّ، يخيل عدوّه أنه منهزم، ثم يعطف عليه، وهو باب من خدع الحرب ومكايدها، (أَوْ مُتَحَيِّزًا): أو منحازًا، (إِلى فِئَةٍ): إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها.
وعن ابن عمر ﵁: "خرجت سرية وأنا فيهم، ففرّوا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا، فدخلوا البيوت، فقلت: يا رسول الله، نحن الفرّارون؟ فقال: بل أنتم العكارون، وأنا فئتكم".
_________________
(١) ـ قوله: (وتقدمه نهي): عطف من حيث المعنى على قوله: "كأنهم أشعروا"، أي: كأنهم أشعروا وكأنه تقدمة نهي لهم، أي: قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الآية- على أن يكون (زَحْفًا) حالًا من المؤمنين - إشعار بما سيكون منهم وتقدمة نهي. قوله: (وفي قوله: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ) الآية، أمارة عليه): أي: على أنه تقدمة نهي لهم عن الفرار، وذلك أن التحيز إلى فئة إنما يصح إذا كان للمسلمين فئة ينحازون إليها، ويوم بدر لم يكن لهم في الأرض فئة، وأما بعد ذلك فالمسلمون كثروا، يدل عليه قوله تعالى: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) [التوبة: ٢٥]. قوله: (وعن ابن عمر: خرجت سرية) الحديث: أخرجه أحمد بن حنبل والترمذي وأبو داود مع اختلاف فيه. قوله: (أنتم العكارون): أي: الكرارون إلى الحرب والعطافون نحوها، يُقال للرجل يولي عن الحرب ثم يكر راجعًا إليها: عكر واعتكر. قاله صاحب "النهاية".
[ ٧ / ٥٠ ]
وانهزم رجل من القادسية، فأتى المدينة إلى عمر ﵁ فقال: "يا أمير المؤمنين هلكت، فررت من الزحف، فقال عمر ﵁: أنا فئتك".
وعن ابن عباس ﵁: "إنّ الفرار من الزحف من أكبر الكبائر". فإن قلت: بم انتصب (إِلَّا مُتَحَرِّفًا)؟ قلت: على الحال، و(إلا) لغو، أو على الاستثناء من المولين، أي: ومن يولهم إلا رجلا منهم متحرّفًا أو متحيزًا.
وقرأ الحسن: (دُبُرَهُ) بالسكون، ووزن "متحيز": متفيعل، لا: متفعل، لأنه من حاز يحوز، فبناء "متفعل" منه: متحوّز.
[(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ١٧]
لما كسروا أهل مكة، وقتلوا وأسروا، أقبلوا على التفاخر، فكان القائل يقول: قتلت وأسرت، ولما طلعت قريش قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) قوله: (رجل من القادسية)، المغرب: "هو موضع بينه وبين الكوفة خمسة عشر ميلًا". قوله: (و(إلا) لغو) أي: لفظة (إلا) لغو من حيث اللفظ، أي: مزيدة، لأن العامل يعمل في الحال استقلالًا، لكنها معطية في المعنى فائدتها، والكلام في سياق النفي، المعنى: فلا تولوهم الأدبار في حال من الأحوال إلا متحرفًا. قوله: (ولما طلعت قريش) إلى قوله: "خذ قبضة من تراب فارمهم بها" إلى آخره: يدل على أن هذه الرمية غير الرمية التي وُجدت يوم حنين، قال محي السنة: "قال أهل التفسير والمغازي: ندب رسول الله ﷺ أصحابه، فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا"، وساق القصة إلى قوله: "فلما التقى الجمعان تناول كفا من حصى عليها تراب، فرمى به في وجوه القوم، وقال: "شاهت الوجوه"، فلم يبق منهم مشرك مشرك إلا دخل في عينيه وفمه ومنخريه، فانهزموا".
[ ٧ / ٥١ ]
_________________
(١) وقلت: أما أئمة الحديث فلم يذكر أحد منهم أن هذه الرمية كانت يوم بدر، روينا في "صحيح مسلم" عن سلمة بن الأكوع قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ حُنينًا، فلما واجهنا العدو"، وساق الحديث إلى قوله: "فولى أصحاب النبي ﷺ، ومررت منهزمًا على رسول الله ﷺ وهو على بغلته الشهباء، فقال: لقد رأى ابن الكوع فزعًا، فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن بغلته، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه"، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فهزمهم الله تعالى". وذكر صاحب "المعتمد" حديث الرومي بعد قوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ): ورواه مسلم عن العباس، وفيه أنه في يوم حنين. وفي "مسند أحمد بن حنبل" عن أبي عبد الرحمن الفهري: أن الرمية كانت يوم حنين
[ ٧ / ٥٢ ]
_________________
(١) وفيه: قال الراوي: "حدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابًا". وللمفسرين أن يقولوا: إن هذه الرمية غير تلك الرمية، ثم إن لهم أن يبينوا صحة هذا النقل، وبهذا رمز محيي السنة: "وقال أهل التفسير والمغازي"، وفي إقحام "إذ" في هذه القرينة دون أختها - أي: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) - دلالة على اختلاف وقوعهما بحسب الزمان. وأما قضية النظم: فعلى ما سبق أن قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ) كالفاتحة التي يتخلص منها إلى تعداد أحوال المؤمنين مع رسول الله ﷺ، وكراهة بعضهم رأيه صلوات الله عليه في كثير من الأمر، كما سبق في قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ)، فبدأ بقصة بدر، وذكر نُبذًا منها، وختمها بقوله: (ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ)، ثم عم الخطاب بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) الآية. وروى محيي السنة عن بعضهم: أن حكم الآية عام في حق كل من ولى منهزمًا. ثم رتب النهي عن التولي على الوصف المناسب، وهو قوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)، يعني: أتحسبون أن النصرة تحصل بفعلكم أو بفعل الغير، فلم تقتلوهم حين قتلتموهم يوم بدر، ولا هزمتموهم حين هزمتموهم يوم حنين، وإذا كان الناصر والمتولي هو الله ﷿، فكيف تولون الأدبار؟ ! كأنه قيل: لا تولوهم الأدبار، لأن الله تعالى ناصركم ومعينكم.
[ ٧ / ٥٣ ]
"هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها، يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني "، فأتاه جبريل ﵇، فقال: خذ قبضة من تراب، فارمهم بها، فقال لما التقى الجمعان لعلى ﵁: أعطني قبضة من حصباء الوادي "، فرمى بها في وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه"، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا، وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم فقيل لهم: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ)،
_________________
(١) ـ والذي يؤيد أن تعداد القصص للاستذكار: إيرادها هكذا على غير ترتيب على منوال ما سبق في قصة البقرة، ألا ترى كيف عقبه بقوله: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ) الآية [الأنفال: ١٩]، وأنه في شأن المشركين حين خرجوا من مكة لقتال المسلمين، وبقوله: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال: ٢٥]، وأنه في أمر علي وعمار ﵄ يوم صفين، وفي أمره وأمر طلحة والزبير يوم الجمل، وبقوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ) [الأنفال: ٣٠] وأنه في أمر رسول الله ﷺ ونجاته من مكر قريش قبل الهجرة، وعلى هذا إلى آخر السورة. هذا هو النظم المعجز الفائت للقوى والقدر! ولهذا السر كان التحدي بالسورة وإن كانت قصيرة، دون الآيات وإن كانت ذوات عدد والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (شاهت الوجوه)، النهاية: "شاهت، أي: قبحت، يُقال: شاه يشوه شوهًا، وشوه شوهًا، ورجل أشوه، وامرأة شوهاء، ويُقال للخطبة التي لا يصلي فيها على النبي ﷺ: شوهاء".
[ ٧ / ٥٤ ]
والفاء جواب شرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم، فأنتم لم تقتلوهم (وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)، لأنه هو الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر، وقوّى قلوبكم، وأذهب عنها الفزع والجزع.
(وَما رَمَيْتَ) أنت يا محمد (إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى)، يعنى: أنّ الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها، لما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمى البشر، ولكنها كانت رمية الله، حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله ﷺ؛ لأنّ صورتها وجدت منه، ونفاها عنه؛ لأنّ أثرها الذي لا يطيقها البشر فعل الله عزّ وعلا، فكأن الله هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول ﵊ أصلا.
وقرئ: "ولكن الله قتلهم"، "ولكن الله رمى"، بتخفيف "لكن"، ورفع ما بعده. (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ): وليعطيهم، (بَلاءً حَسَنًا): عطاءً جميلًا، قال زهير:
فَأبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو
_________________
(١) ـ قوله: (فأثبت الرمية لرسول الله ﷺ؛ لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه) إلى قوله: (فكان الله هو فاعل الرمية على الحقيقة): صريح في مذهب أهل السنة، قال الإمام ﵀: "أثبت كونه ﷺ راميًا، ونفى كونه راميًا، فوجب حمله على أنه رماه كسبًا، والله تعالى رماه خلقًا". قوله: (لأن أثرها الذي لايطيقها البشر فعل الله): نظر إلى لفظ "الأثر"، فذكر وصفه في "الذي"، وإلى اكتسائه التأنيث بالإضافة، فأنث الراجع في "لا يطيقها". قوله: (فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو): أوله: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم
[ ٧ / ٥٥ ]
والمعنى: وللإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل، وما فعله إلا لذلك (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) لدعائهم (عَلِيمٌ) بأحوالهم.
[(ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكفِرِينَ) ١٨]
(ذلِكُمْ) إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرفع، أي: الغرض ذلكم، (وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ) معطوف على (ذلِكُمْ)، يعنى: أن الغرض إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين
_________________
(١) ـ يقول: جزى الله الممدوحين بالإحسان جزاء ما فعلا بكم، وأعطاهما خير العطاء الذي يُعطى لأحد، فـ"ما" موصولة، حُذف منها المضاف، وأقيمت مقامه. قلت: الظاهر أن يفسر قوله: (بَلاءً حَسَنًا) بالإبلاء في الحرب، النهاية: "في حديث سعد يوم بدر: "عسى أن يُعطى هذا من لا يبلى بلائي"، أي: لا يعمل مثل عملي في الحرب، كأنه يريد: أفعل فعلًا أختبر فيه، ويظهر به خيري وشري"، لما أنه في مقابل توهين كيد الكافرين كما قال، لأن الغرض إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين، المعنى: ما فعل الله القتل والرمي إلا ليعطي المؤمنين منه - أي: بسبب ذلك- قوة ونجدة، وإلا ليوهن أمر الكافرين ويبطل كيدهم. ويمكن أن يوجه قول المصنف بحمل العطاء على ما ذكرنا، لأن العطاء الحسن في مقام الحرب النجدة والقوة، وأما توسيط (ذَلِكُمْ) بين الإعطاء والتوهين؛ فلبعدهما من العطاءين. قوله: «وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ) معطوف على (ذَلِكُمْ): أي: عطف خبر على خبر، ويجوز أن يكون عطف جملة، أي: الغرض ذلكم والغرض أن الله موهن. وعليه كلام أبي البقاء، لكنه قدر "الأمر" بدل "الغرض"، وهو أبعد من مذهب الاعتزال.
[ ٧ / ٥٦ ]
وقرئ: (موهن) بالتشديد، وقرئ على الإضافة، وعلى الأصل الذي هو التنوين والإعمال.
[(إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) ١٩]
(إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ) خطاب لأهل مكة على سبيل التهكم، وذلك أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهمّ انصر أقرانا للضيف، وأوصلنا للرحم، وأفكنا للعاني، إن كان محمد على حق فانصره، وإن كنا على حق فانصرنا. وروي: أنهم قالوا:
اللهمّ انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين. وروي: أنّ أبا جهل قال يوم بدر:
اللهمّ أينا كان أهجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم. أي: فأهلكه.
وقيل: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا) خطاب للمؤمنين، (وَإِنْ تَنْتَهُوا) خطاب للكافرين، يعنى: وإن تنتهوا عن عداوة رسول الله ﷺ (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) وأسلم، (وَإِنْ تَعُودُوا) لمحاربته (نَعُدْ) لنصرته عليكم.
(وَأَنَّ اللَّهَ) قرئ بالفتح؛ على: ولأنّ الله معين المؤمنين كان ذلك،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "موهن" بالتشديد): نافع وابن كثير وأبو عمرو، وبالإضافة: حفص. قوله: «إِنْ تَسْتَفْتِحُوا) خطاب لأهل مكة على سبيل التهكم): وذلك أنه تعالى لما أجمل في قصة بدر، ووصى المؤمنين بالثبات في مقابلة الأعداء، عاد إلى التفصيل، وحكى خطابه لأهل مكة قبل اللقاء. قوله: «وَإِنَّ اللَّهَ) قرئ بالفتح): نافع وابن عامر وحفص، والباقون: بالكسر.
[ ٧ / ٥٧ ]
وقرئ بالكسر، وهذه أوجه. ويعضدها قراءة ابن مسعود: "والله مع المؤمنين"، وقرئ: "ولن يغنى عنكم"، بالياء للفصل.
[(يأيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) ٢٠ - ٢٣]
(وَلا تَوَلَّوْا) قرئ بطرح إحدى التاءين وإدغامها، والضمير في (عَنْهُ) لرسول الله ﷺ، لأنّ المعنى: وأطيعوا رسول الله، كقوله: (الله ورسوله أحق أن يرضوه) [التوبة: ٦٢]، ولأنّ طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد، (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) [النساء: ٨]، فكأن رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما،
_________________
(١) قوله: (وهذه أوجه): أي: القراءة بكسر "إن" في قوله: (أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) أوجه من القراءة بالفتح؛ لأن الجملة حينئذ تذييل، وكأنه قيل الغرض إعلاء أمر المؤمنين، وتوهين كيد الكافرين، وكيت وكيت، وأن سنة الله وعادته ﷿ جارية في نصر المؤمنين وخذلان الكافرين، كقوله: (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ) [الصافات: ١٧٣]. ويجوز على قراءة الفتح أيضًا هذا التقرير، كما قال أبو البقاء: " (ذَلِكُمْ) أي: الأمر ذلكم، والأمر أن الله موهن كيد الكافرين، والأمر أن الله مع المؤمنين"، ولكن الأول أحسن وأدل على إرادة التذييل، لأنه نص فيه. قوله: (وإدغامها): أي: بتشديد التاء.
[ ٧ / ٥٨ ]
كقولك: الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان، ويجوز أن يرجع إلى الأمر بالطاعة، أي: ولا تولَّوا عن هذا الأمر وامتثاله وأنتم تسمعونه، أو: ولا تتولوا عن رسول الله ﷺ ولا تخالفوه، (وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) أي تصدقون، لأنكم مؤمنون لستم كالصمّ المكذبين من الكفرة، (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا) أي: ادّعوا السماع، (وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) لأنهم ليسوا بمصدّقين، فكأنهم غير سامعين.
والمعنى: أنكم تصدّقون بالقرآن والنبوّة،
_________________
(١) قوله: (ولا تتولوا عن رسول الله ﷺ) عطف على قوله: "ولا تتولوا عن هذا الأمر"، وكلاهما نشر لتقرير عود الضمير إما إلى الأمر بالطاعة أو إلى الرسول ﷺ، ولكن على غير ترتيب، ومعنى السماع في (وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) على أن يعود الضمير إلى الأمر بالطاعة: على الحقيقة، وعلى العود إلى الرسول ﷺ: مجاز عن التصديق. واعلم أنه قد سبق أن هذه السورة الكريمة مشتملة على تشديد أمر طاعة الرسول ﷺ، وتحريض أصحابه رضوان الله عليهم على الانقياد لأمره والامتناع عن مخالفته، فلما ذكر في مفتتح السورة: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) [الأنفال: ١]، وساق حديث قصة بدر، وأطال الكلام فيها، كر إلى ما بدأ به، وشدد فيه غاية التشديد، حيث جعل طاعة الرسول ﷺ طاعة الله ﷿، وعقب المر بالطاعة النهي عن المخالفة بقوله: (وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ)، ثم أكده بالتذييل التشبيهي، وهو (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا)، ثم تمم المعنى على المبالغة بضرب المثل (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ). ويؤيد ما ذكرنا أن في الآية كرًا إلى المعنى الأول.
[ ٧ / ٥٩ ]
فإذا توليتم عن طاعة الرسول في بعض الأمور من قسمة الغنائم وغيرها، كان تصديقكم كلا تصديق، وأشبه سماعكم سماع من لا يؤمن.
ثم قال: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ) أي: إنّ شر من يدب على وجه الأرض، أو إنّ شرّ البهائم الذين هم صمّ عن الحق لا يعقلونه، جعلهم من جنس البهائم، ثم جعلهم شرّها! .
_________________
(١) قوله: (فإن توليتم عن طاعة الرسول): من قسمة الغنائم وغيرها. قوله: (أو: إن شر البهائم): هذا محمول على العرف العام، وعلى الأول: على عرف اللغة. قوله: (هم صم عن الحق لا يعقلونه): تفسير لقوله: (الصُّمُّ الْبُكْمُ)، قال أبو البقاء: "إنما جمع الصم، وهو خبر (شَرَّ)؛ لأن "شرًا" هنا يُراد به الكثرة، فجمع الخبر على المعنى، ولو قال: "الأصم"، لكان الإفراد على اللفظ". قوله: (جعلهم من جنس البهائم، ثم جعلهم شرها): آذن بهذا الجعل بأنه من باب التشبيه، وأن أصل التشبيه: الصم البكم كالبهائم، ثم: الصم البكم كشر البهائم، ثم: شر البهائم كالصم البكم، على التقديم والتأخير، نحو قول الشاعر: وبدا الصباح كأن غرته … وجه الخليفة حين يمتدح
[ ٧ / ٦٠ ]
(وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ) في هؤلاء الصم البكم (خَيْرًا) أي: انتفاعا باللطف، (لَأَسْمَعَهُمْ): للطف بهم، حتى يسمعوا سماع المصدقين، ثم قال: (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا)، يعنى: ولو لطف بهم لما نفع فيهم اللطف، فلذلك منعهم ألطافه، أو: ولو لطف بهم فصدقوا لارتدوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا.
_________________
(١) ـ وفي تعريف الخبر الدلالة على الحصر، وأن من لم يُطع الله ورسوله هو شر خلق الله تعالى، ولا دابة شر منه، وإن كان مطاعًا عند الناس. قوله: (ثم قال: (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ) يعني: ثم الكلام عند قوله: (لأَسْمَعَهُمْ)، وعُلم منه أن علمه تعالى بعدم الانتفاع سبب لعدم الإسماع. ثم ابتدأ الكلام بناء على ما سبق، أي: لو قُدر أن الله تعالى يلطف بهم ويسمعهم على ذلك التقدير لكان عبثًا، لأن علم الله تعالى متعلق بأنه لا ينفعهم، فلذلك ما لطف بهم، وقوله: "أو: ولو لطف بهم لما نفع فيهمن أي: لو لطف بهم على ذلك التقدير وآمنوا لارتدوا"، ونفي العلم هاهنا لنفي المعلوم، كقوله: (أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ) [يونس: ١٨]. واعلم أن كلمة "لو" وضعت للدلالة على امتناع الشيء لامتناع غيره، فإذا دخلت على النفي يصير بمعنى الإثبات، ولو دخل على الإثبات صار بمعنى النفي، فيلزم من قوله تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ) أنه تعالى ما أسمعهم لأنه ما علم فيهم خيرًا، ومن الثاني أنهم ما تولوا لأنه تعالى ما أسمعهم، وعدم التولي خير من الخيرات، فالابتداء يقتضي نفي الخيرن والانتهاء إثباته، ولهذا قدر الإمام: "لو حصل فيهم خير لأسمعهم الله الحجج سماع تفيهم
[ ٧ / ٦١ ]
_________________
(١) . وتعليم، ولو أسمعهم بعد أن علم الله أن لا خير فيهم لم ينتفعوا بها وتولوا وهم معرضون"، وحاصل الكلامين أن "لو" الثانية مجاز لمجرد الاستلزام، لا لامتناع الشيء لامتناع غيره. قال أبو البقاء: لو: في قوله تعالى: (لَوْ عَلِمَ) إلى آخره كـ"لو" في قول عمر ﵁: "نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه": تفيد المبالغة، وهو أنه لو لم يكن عنده خوف لما عصى الله، فكيف يعصي وعنده خوفه؟ ولو لم يرد المبالغة لكان معناه: أنه يعصي الله لأنه يخافه. وقال صاحب "الانتصاف" على كلام المصنف: "إطلاق أن اللطف يحصل من الله للعبد ولا ينفعه: قبحي مردود، فاللطف عندنا: أن يخلق في قلبه قبولا لحق والإصغاء له، وهذه عقيدة أهل الحق، ولو بُحث معه على مذهبه لم يستقم قوله: "ولو علم الله فهيم خيرًا للطف بهم، ولو لطف لتولوا"، فيلزم توليهم على تقدير علم الله الخير، فيجب أن يُجعل الإسماع الواقع جوابًا لـ (لوْ) غير الإسماع الواقع شرطًا للثاني، أي: ولو علم الله فيهم خبرًا لأسمعهم إسماعًا يحصل لهم به الهدى والقبول، ولو أسمعهم لا على ان يخلق لهم الهدى إسماعًا مجردًا لتولوا وهم معرضون".
[ ٧ / ٦٢ ]
وقيل: هم بنو عبد الدار بن قصي، لم يسلم منهم إلا رجلان: مصعب بن عمير، وسويد بن حرملة، كانوا يقولون: نحن صم بُكم عُمي عما جاء به محمد، لا نسمعه ولا نجيبه، فقتلوا جميعًا بأحد، وكانوا أصحاب اللواء.
وعن ابن جريج: هم المنافقون. وعن الحسن: أهل الكتاب.
[(يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ٢٤]
(إِذا دَعاكُمْ) وحد الضمير كما وحده فيما قبله، لأن استجابة رسول الله ﷺ كاستجابته، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد، والمراد بالاستجابة. الطاعة والامتثال، وبالدعوة: البعث والتحريض.
وروى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ مرّ على باب أبىّ ابن كعب، فناداه وهو في الصلاة، فعجل في صلاته، ثم جاء، فقال: " ما منعك عن إجابتي"؟
_________________
(١) ـ قوله: (وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ مر على باب أبي بن كعب) الحديث: من رواية البخاري وأبي داود وابن ماجه والدارمي والنسائي عن أبي سعيد بن المعلي قال: كنت أصلي في المسجد، ودعاني رسول الله ﷺ، فلم أجبه، ثم أتيته وقلت: يا رسول الله، ني كنت أصلي، فقال: "ألم يقل الله: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ)؟ ".
[ ٧ / ٦٣ ]
قال: كنت أصلي، قال: "ألم تخبر فيما أوحي إلىّ: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ)؟ ! " قال: لا جرم لا تدعوني إلا أجبتك.
وفيه قولان: أحدهما: إن هذا مما اختص به رسول الله ﷺ، والثاني: أن دعاءه كان لأمر لم يحتمل التأخير، وإذا وقع مثله للمصلي فله أن يقطع صلاته. (لِما يُحْيِيكُمْ) من علوم الديانات والشرائع، لأن العلم حياة، كما أنّ الجهل موت. ولبعضهم:
لَا تُعْجِبَنَّ الْجَهُولَ حُلَّتُهُ … فَذَاكَ مَيْتٌ وَثَوْبُهُ كَفَنُ
وقبل: لمجاهدة الكفار، لأنهم لو رفضوها لغلبوهم وقتلوهم، كقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَيوةٌ) [البقرة: ١٧٩]، وقيل: للشهادة، لقوله: (بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [عمران: ١٦٩].
(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) يعنى: أنه يميته، فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهي التمكن من إخلاص القلب، ومعالجة أدوائه وعلله، ورده سليمًا كما يريده الله، فاغتنموا هذه الفرصة، وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله، (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فيثيبكم على حسب سلامة القلوب وإخلاص الطاعة.
وقيل: معناه: إنّ الله قد يملك على العبد قلبه، فيفسخ عزائمه، ويغير نياته ومقاصده، ويبدله بالخوف أمنًا وبالأمن خوفًا، وبالذكر نسيانًا، وبالنسيان ذكرًا، وما أشبه ذلك مما هو جائز على الله ﷿،
_________________
(١) فعلى هذا الوجه: الدعاء والاستجابة جاريان على الحقيقة، كما كان في الوجه الأول الدعاء مجازًا عن البعث والتحريض، والاستجابة عن الطاعة والامتثال. قوله: (لا تعجبن الجهول) البيت: من قول أبي الطيب: لا يعجبن مضيما حسن بزته … وهل يروق دفينًا جودة الكفن
[ ٧ / ٦٤ ]
فأما ما يثاب عليه العبد ويعاقب من أفعال القلوب فلا، والمجبرة على أنه يحول بين المرء والإيمان إذا كفر، وبينه وبين الكفر إذا آمن، تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
_________________
(١) قوله: (والمجبرة على أنه يحول بين المرء والإيمان إذا كفر، وبينه وبين الكفر إذا آمن): روى هذه العبارة محيي السنة عن سعيد بن جبير وعطاء، وروى عن السدي قريبًا منه: وقال الإمام: "إن الأحوال القلبية: إما العقائد وإما الإرادات والدواعي، فالعقائد: إما العلم وإما الجهل، أما العلم فهو من الله، وأما الجهل فكذلك، لأن الإنسان لا يختار الجهل لنفسه، وأما الدواعي والإرادات فحصولها إن لم يكن بفاعل لزم الحدوث لا عن محدث، ولا يجوز أن يكون محدثه العبد، وإلا لزم توقف ذلك القصد على قصد آخر، إلى ما لا نهاية له، فتعين أن يكون الفاعل الله". وقلت: قضية النظم وسياق الآيات راجع إلى إثبات مسألة العلم وخلق الداعية، كما عليه مذهب أهل السنة والجماعة، وبيانه: أنه تعالى لما نص بقوله: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ) الآية [الأنفال: ٢٣]، على أن الإسماع لا ينفع فيهم؛ تسجيلًا على أولئك الصم البكم؛ من على المؤمنين بما منحهم من الإيمان، ويسر لهم من الطاعات، كما قال ﷺ: "كل مُيسر لما خلق له"، يعني: أنكم لستم مثل أولئك المطبوعين على قلوبهم، فإنهم إنما امتنعوا عن الطاعة لأنهم ما خلقوا إلا للكفر، فما تتيسر لهم الاستجابة، وأنتم لما منحتكم الإيمان ووفقتكم الطاعة فاستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما فيه حياتكم من مجاهدة الكفار وطلب الحياة الأبدية واغتنموا تلك الفرصة، واعلموا أن الله يحول بني المرء وقلبه؛ بأن يحول بينه وبين الإيمان، وبينه وبين الطاعة، ثم يجازيه في الآخرة بالنار.
[ ٧ / ٦٥ ]
وقيل: معناه: أنه يطلع على كل ما يخطره المرء بباله، لا يخفى عليه شيء من ضمائره، فكأنه بينه وبين قلبه.
وقرئ: "بين المر" بتشديد الراء، ووجهه: أنه قد حذف الهمزة، وألقى حركتها على الراء، كالخب، ثم نوى الوقف على لغة من يقول: مررت بعمرّ.
[(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) ٢٥]
(فِتْنَةً): ذنبًا؛ قيل: هو إقرار المنكر بين أظهرهم
_________________
(١) ـ تلخيصه: أوليتكم النعمة فاشكروها ولا تكفروها لئلا أزيلها عنكم. ويؤيد هذا التأويل ما روينا عن الترمذي عن شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ؟ قالت: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قالت: فقلت له: يا رسول الله، ما أكثر دعائك بهذا؟ ! قال: "يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ". قلت: وتصديقه قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) [آل عمران: ٨]، والله أعلم. قوله: (أنه تعالى يطلع على كل ما يخطره المرء بباله): فكأنه يحول بينه وبين قلبه، قال القاضي: "هذا تمثيل لغاية قربه من العبد، كقوله تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق: ١٦]، وتنبيه على أنه تعالى مطلع على مكنونات القلوب مما عسى يغفل عنه صاحبها، فيكون حثًا على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها" في طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، (وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فيحاسبكم بما في قلوبكم من الإخلاص والرياء. قوله: (هو إقرار المنكر): أي: تمكين الفعل المنكر بين المسلمين، من: أقره في مكانه فاستقر.
[ ٧ / ٦٦ ]
وقيل: افتراق الكلمة. وقيل (فِتْنَةً): عذابًا.
وقوله: (لا تُصِيبَنَّ) لا يخلو من أن يكون جوابًا للأمر، أو نهيًا بعد أمر، أو صفة لـ (فتنة): فإذا كانت جوابًا: فالمعنى: إن إصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة،
_________________
(١) ـ قوله: (افتراق الكلمة): وهي أمر الله بالإنفاق، وأن يكونوا يدًا واحدة على غيرهم، من قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: ١٠٣]، أي: تمسكوا بعهده ولا تنكثوا. وفي الحديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم". قوله: (فإذا كانت جوابًا فالمعنى: إن أصابتكم لا تصب الظالمين): قال صاحب "التقريب": هذا ليس بجواب للأمر، بل هو جواب لشرط مقدر؛ إذ لا يستقيم: إن تتقوا لا تُصب، وهو ما يقتضيه جواب الأمر. أراد أن ما في كلام الله المجيد ليس من باب جواب الأمر، إذ لو قُدر ذلك لرجع إلى أن يُقال: عن تتقوا لا تصب، فيفسد، بل هو من باب آخر، وهو أن يقدر الشرط بقرينة الجزاء واقتضاء المقام، كما قال: إن أصابتكم لا تصب الظالمين. وقال ابن الحاجب: "الظاهر أنه نهي، والمعنى: واتقوا فتنة مقولًا فيها: لا تصيبن، والنهي في الظاهر للفتنة، والمعنى للمتعرضين لها، فكأنه قيل: لا تتعرضوا للفتنة التي يصيب المتعرضين بلاؤها، فعدل من التعرض الذي هو سبب، إلى الإصابة التي هو المسبب. فعلى هذا يكون "الظالمون" مخصوصين بالإصابة، لأن المعنى: لا يتعرض متعرض للفتنة، فتصيبه خاصة، فعدل إلى ما ذكرنا، فصار لا تصيب الفتنة متعرضًا لها خاصة، ثم ذكر "المتعرض" بلفظ "الظالم"؛ تشنيعًا عليه للصفة التي يكون عليها عند التعرض.
[ ٧ / ٦٧ ]
_________________
(١) ويجوز أن تكون (لا) نافية، ودخول النون فيها على وجه ليس بقوي، أي: اتقوا فتنة غير مصيبة للظالمين خاصة، ولكنها تعم الظالم وغيره. فعلى هذا تكون الإصابة عامة. وقد ذكر الزمخشري هذا الوجه، وجعل الإصابة أيضًا فيه خاصة، وليس بجيد؛ إذ المعنى: وصفها بأنها لا تصيب الظالمين خاصة، وإذا لم تصبهم خاصة فكيف يصح وصفها بكونها خاصة؟ ! وقد قيل: إنه يجوز أن يكون جوابًا للأمر، ويُقدر: واتقوا فتنة إن أصبتموها لا تصب الظالمين خاصة، ولكن تعم فتأخذ الظالم وغيره. وهو غير مستقيم؛ إذ جواب الأمر إنما يُقدر فعله من جنس الأمر المظهر لا من جنس الجواب، وأن يُقال: فإنكم إن تتقوا لا تُصب الظالمين، فيفسد المعنى؛ لأنه يصير الاتقاء سببًا لانتفاء الإصابة عن الظالم المرتكب، وهو بالعكس أشبه". وقلت: قوله: "وقد ذكر الزمخشري هذا الوجه، وجعل الإصابة أيضًا فيه خاصة": منظور فيه؛ لأنه ليس في كلامه أن (لا تُصِيبَنَّ) صفة لـ (فِتْنَةٌ) و"لا" نافية، بل الظاهر في جعله صفة أن "لا" ناهية، ولذلك قدر "مقولا"، وشبهه بالبيت لأنه إنشائي مثله وقع صفة.
[ ٧ / ٦٨ ]
_________________
(١) ولعل المصنف إنما ترك هذا الوجه، لأن نون التأكيد قد تجتمع مع "لا" النافية في جواب الأمر، كما سييجيء، وأما إذا كان وصفًا فلا، ولئن سُلم فليس تقدير الوصف ما ذكره أخيرًا، بل ما ذكره أولًا كما سنقرره. وأما قوله: "إنما يقدر فعله من جنس المظهر لا من جنس الجواب" فجوابه: هذا إذا أجرى الكلام على ظاهره، وأما إذا جُعل الظاهر مهجورًا فيذهب إلى قوة المعنى فلا. ألا ترى إلى قوله في "شرح المفصل": وقد أجاز الكسائي مسألة: "لا تدن" وشبهه، وحجته أن يُقدر الإثبات نظرًا إلى قوة المعنى، فجعل القرينة المعنوية حاكمة على اللفظية، كذا هاهنا. ويجوز أن يُحمل على مسألة "لا تدن"، وأن يُقال: واتقوا فتنة فإنكم إن لم تتقوها أصابتكم، فإن أصابتكم لا تصب الظالمين منكم خاصة، بل تعمكم فاكتفى بالمسبب عن السبب. وقال نور الدين الحكيم: تقرير كلام الزمخشري أنه مثل قول القائل: اتق غضب الله لا يحلل عليك، فإن من شأن غضبه إن حل لا يحل بالمجرم خاصة، واتق الزنبور لا ينزل، فإنه إن نزل لا ينزل بالجاني خاصة، بل يعم. وأقرب منه: اتق غضبًا لا يحلل على المجرم خاصة، واتق الزنبور لا ينزل بالجاني خاصة. والمنهج الذي سلكه المصنف أوضح، والبلاغة له أدعى، وذلك أنه حين ذهب إلى أن (لا تُصِيبَنَّ) جواب للأمر؛ جعل (لا) نافية، دل عليه قوله في الجواب عن السؤال الآتي: "لأن فهي معنى النهي".
[ ٧ / ٦٩ ]
_________________
(١) ولما أن الجواب مسبب عن الأمر، فإذا نُفيت الإصابة على الخصوص دل بالمفهوم على العموم، إذ لابد من إصابة العقاب لانتفاء ما ترتب النفي عليه من الاتقاء قال: "إن أصابتكم لا تصب الظالمين منكم خاصة، لكنها تعمكم". ولما جعل النهي قرينًا للأمر مؤكدًا لمعناه على طريقة الطرد والعكس - لقوله: "ثم قيل: لا تتعرضوا"، بعد قوله: "واحذروا ذنبًا" - جعل الإصابة خاصة، لأنه لما سلط "لا" الناهية على "تتعرضوا"، بقي "لا تصيب" مثبتًان والأسلوب من باب النكاية، كقوله تعالى: (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ) [الأعراف: ٢]، فالأمر في الظاهر للفتنة وفي الحقيقة للمخاطبين، يعني: أن الفتنة لو كانت مما ينهى لنهيناها عنكم، فانتهوا أنتم عنها بترك التعرض لها، وإليه الإشارة بقوله: "لا تتعرضوا للظلم فيصيب العقاب من ظلم منكم خاصة". فعلى هذا لا يفتقر إلى تقدير "مقولًا فيه"، كما فعله ابن الحاجب، وكذلك التقدير على أن يكون صفة، أي: واتقوا فتنة يقول من رآها: لا تتعرضوا للفتنة التي يصيب المتعرضين خاصة بلاؤها. ويجوز أن تقدر - على الوصف - الاستعارة فيها على سبيل المكنية، فالمنهي حينئذ الفتنة لا المخاطبون، شبهت الفتنة بإنسان مطيع إذا ورد عليه أمر آمر مطاع أو نهي ناه قاهر، امتثل وانتهى،
[ ٧ / ٧٠ ]
_________________
(١) فعلى هذا قوله: (لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) عبارة عن شدتها وهولها من غير نظر إلى مفردات التركيب، كأنه قيل: واتقوا فتنة هائلة طامة "لا تصيبنكم خاصة على ظلمكم، لأن الظلم أقبح منكم من سائر الناس"، كما قال، لأن المخاطبين أجلاء الصحابة، إذ القصد حينئذ الإغراق في الوصف، ولذلك عدل إلى الإنشاء، على طريقة قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ) [الدخان: ٣٠ - ٣١] على الاستفهام. وإنما جاء الفرق بين الوجه الأول والثاني؛ لأن الفتنة على الأول إقرار المنكر، والمخاطبون كل الأمة، وقد أمر بعضهم برفعها بالإقلاع عنها، فقيل لهم: إن لم ترفعوا المنكر من بين أظهركم بنهي فاعله، لا تختص الفتنة بالفاعل، بل تسري إلى الغير أيضًا، لأنه كما يجب على راكبه الانتهاء عنه، يجب على الباقين رفعه، فإذن كلهم مستوون، ومن ثم أوجب أن يجعل "مِن" في (منكم) للتبعيض. ويؤيد هذا التأويل ما روى محيي السنة عن ابن عباس ﵁: "أمر الله المؤمنين أن لا يُقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم"، ويعضده ما
[ ٧ / ٧١ ]
_________________
(١) روينا عن الترمذي وأبي داود عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده، أوشك أن يعمهم الله بعقاب". وروى الترمذي أيضًا عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهاهم علماؤهم، فمل ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون". والفتنة على القول الثاني: افتراق الكلمة، هو ما حدث بين أصحاب بدر يوم الجمل، والمخاطبون هم حينئذ خاصة، نهوا عن القربان منها، ولذلك كان "من" بيانًا. فإذا قيل لك: اتق فتنة شأنها كيت وكيت، أريد: أنك إذا تعرضت لها أصابتك ألبتة، وإن اتقيت عنها سلمت. وليس معناه: أن تعرضك لها سبب لإصابة الغير، ولا تعرض الغير سبب لإصابتها إياك، كما في الوجه الأول. والواقع هذا؛ لما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود عن الأحنف قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ قلت: أريد نصر ابن عمر رسول الله ﷺ، قال: يا أحنف، ارجع، فغني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قال: فقلت- أو: قيل-: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه".
[ ٧ / ٧٢ ]
_________________
(١) وعن الإمام أحمد بن حنبل عن ابن صيفي وكان له صحبة: أن عليًا ﵁ لما قدم البصرة بعث إليه: ما يمنعك أن تتبعني؟ ! قال: أوصاني خليلي وابن عمك قال: "إنه ستكون فرقة واختلاف، فاكسر سيفك، واقعد في بيتك، حتى تأتيك يد خاطئة، أو ميتة قاضية، ففعلت ما أمرني، فإن استطعت أن لا تكون اليد الخاطئة فافعل". والمقام يقتضي هذا القول؛ لأن قوله: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً) عطف على قوله: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) أي: لمجاهدة أعداء الدين واتفاق الكلمة فيما بينكم، واتقوا المخالفة لتتمكنوا على المجاهدة. والمصنف راعي هذا الترتيب، وذلك أنه فسر الفتنة أولًا بإقرار المنكر بينهم وبافتراق الكلمة، ذكر القول الأول، واستشهد له بقوله: "يحكي أن علماء بني إسرائيل" إلى آخره، ثم ذكر القول الثاني وقرره بالوجهين، ثم عقبهما بذكر حديث الجمل وأصحاب بدر وما يتصل به. فإن قلت: لم خص الوجه الأول بإقرار المنكر الذي يقتضي عموم الإصابة، والثاني بافتراق الكلمة التي تقتضي خصوص الإصابة؟ قلت: التنكير في الفتنة أولًا لنوع ما منها، وهو إقرار المنكر، وفي الثاني لنوع يوجب التفخيم والتهويل فيه، من افتراق الكلمة الموجب للهرج والمرج وثلم الدين، فتختص بمن باشرها، ولذلك أكد بالنهي الأمر بعد
[ ٧ / ٧٣ ]
ولكنها تعمكم، وهذا كما يحكى: "أن علماء بني إسرائيل نهوا عن المنكر تعذيرًا، فعمهم الله بالعذاب". وإذا كانت نهيًا بعد أمر: فكأنه قيل: واحذروا ذنبًا أو عقابًا، ثم قيل: لا تتعرضوا للظلم فيصيب العقاب -أو أثر الذنب ووباله- من ظلم منكم خاصة، وكذلك إذا جعلته صفة على إرادة القول، كأنه قيل: واتقوا فتنة مقولا فيها لا تصيبنّ، ونظيره قوله:
حتى إذَا جَنَّ الظَّلَامُ وَاخْتَلَطْ … جَاؤُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأَيْتَ الذِّئْبَ قَطْ
_________________
(١) إخراجه مخرج الكناية لشدة الاهتمام، على هذا تقدير الوصف و"لا" ناهية. وأما إذا جُعل صفة و"لا" نافية: فلا يون فيه مبالغة، فينخرط في الوجه الأول في إفادة العموم. هذا ما يمكن أن يقال في هذا المقام الصعب، وهو من حيات وعقارب هذا الكتاب. قوله: (تعذيرًا): أي: وهو نصبٌ على الحال، أي: مقصرين. الجوهري: "التعذير: التقصير"، وقيل: تعذيرًا: من عذر: إذا أزال العذر، كقرد البعير: إذا أزال القُراد. قوله: (وكذلك إذا جعلته صفة): أي: كذلك إذا جعلته صفة تختص إصابة الفتنة بهم، وقيل: كذلك إذا جعلته صفة فهو نهي، والوجه هو الأول؛ لقوله: "ويعضد المعنى الأخير قراءة ابن مسعود: "لتصيبن"، على جواب القسم"، والنهي لا يفارقه. قوله: (جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط): أنشده ابن جني في "المحتسب"، قبله: ما زلت أسعى معهم وأختبط … حتى إذا جاء الظلام المختلط جاؤوا بضيح هل رأيت الذئب قط الضيح: هو اللبن المخلوط بالماء، وهو يضرب إلى الخضرة، أي: جاؤوا بضيح يشبه
[ ٧ / ٧٤ ]
أي: بمذق مقول فيه هذا القول، لأنه سمار فيه لون الورقة التي هي لون الذئب.
ويعضد المعنى الأخير قراءة ابن مسعود: "لتصيبنّ"، على جواب القسم المحذوف. وعن الحسن: نزلت في علىّ وعمار وطلحة والزبير، وهو يوم الجمل خاصة، قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها زمانًا، وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها. وعن السدي: نزلت في أهل بدر، فاقتتلوا يوم الجمل.
وروى: أن الزبير كان يساير النبي ﷺ يومًا، إذ أقبل علىّ ﵁، فضحك إليه الزبير، فقال رسول الله ﷺ: "كيف حبك لعلّى؟ " فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إني أحبه كحبي لوالدي أو أشدّ حبا، قال: "فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله؟ ! ".
_________________
(١) ـ لونه لون الذئب، و"هل رأيت" جملة استفهامية وصف بها "الضيح" حملًا على معناها دون لفظها، لأن الصفة ضرب من الخبر، والاستفهام والخبر متدافعان. قوله: (ويعضد المعنى الأخير): أي: إذا كان نهيًا أو وصفًا، لأنهم يشتركان في تخصيص العذاب بالمتعرضين. قوله: (عن الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير): كذا في "العالم". قوله: (قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها): روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن مطرف، قلنا للزبير: يا أبا عبد الله، ما جاء بكم، ضيعتم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه، فقال الزبير: إنا قرأناها على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)، ولم نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت".
[ ٧ / ٧٥ ]
فإن قلت: كيف جاز أن يدخل النون المؤكدة في جواب الأمر؟ قلت: لأنّ فيه معنى النهى، إذا قلت: انزل عن الدابة لا تطرحك، فلذلك جاز: لا تطرحنك، (ولا تصيبنّ)، ولا (يحطمنكم). [النمل: ١٨].
فإن قلت: فما معنى "من" في قوله: (الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ)؟ قلت: التبعيض على الوجه الأوّل، والتبيين على الثاني، لأنّ المعنى: لا تُصيبنكم خاصة على ظلمكم، لأن الظلم أقبح منكم من سائر الناس.
_________________
(١) . قوله: (كيف جاز أن تدخل النون المؤكدة): قال أبو البقاء: "يضعف ذلك؛ لأن جواب الأمر للشرط، وجواب الشرط متردد، فلا يليق به التوكيد. وأجاب بقوله: لأن فيه معنى النهي". وهو من قول الزجاج، قال: "هذا الكلام جزاء، فيه طرف من النهي، إذا قلت: انزل عن الدابة لا تطرحك، يكون جوابًا للأمر بلف النهي، فإذا أتيت بالنون الثقيلة أو الخفيفة كان أوكد للكلام". يعني: لما عدل من الإخباري إلى الإنشائي لضرب من المبالغة بالتأول ناسب لذلك إضافة التأكيد. وهذا لا يقال إلا في أمر يتردد فيه القائل لفظاعته، كما في الفتنة والدابة الجموح. قوله: (التبعيض على الوجه الأول): أي: على أن يكون جوابًا للأمر، ومحله نصب على أنه بدل من (الَّذِينَ ظَلَمُوا)، وعلى أن يكون صفة أو نهيًا: "مِن" بيانية، وهو المراد من قوله: "التبيين على الثاني"، وإلى هذا ذهب القاضي أيضًا. قوله: (لأن المعنى): تعليل لكون "مِن" بيانية، أي: إذا كان المراد من التركيب: لا يصيبنكم العقاب خاصة على ظلمكم، كان (منكم) تفسيرًا لـ (الَّذِينَ ظَلَمُوا)، أي: لا يصيبن الظالم الذي هو أنتم.
[ ٧ / ٧٦ ]
[(واذْكُرُوا إذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ٢٦]
(واذْكُرُوا إذْ أَنتُمْ) نصبه على انه مفعول به مذكور، لا ظرف،
_________________
(١) . وفي قوله: "لا تصيبنكم" إشعار بالتعبير، أي: لا ينبغي أن تختصوا بالفتنة وأنتم أصحاب بدر وعظماء الصحابة ومن السابقين الأولين، تعلمون عظم شأن الفتنة، فأنتم أحرياء بأن لا تدنوها، فضلًا عن أن تورطوا فيها، لأن الظلم أقبح منكم من سائر الناس الذين لا يعلمون. قال صاحب "التقريب": "وفي تخصيص "مِن" بالتبعيض في الأول، والتبيين في الثاني حرازة". وقلت: إذا حقق النظر فيما أسلفناه من أن المخاطبين في الأول كل الأمة وراكب الفتنة بعضهم، فهم لا محالة أن "مِن" تبعيض، وأن المخاطبين في الثاني بعض الأمة الذين باشروا الفتنة خصوصًا، عُلم أن "مِن" بيان لا محيد عنه. وفيه أيضًا: أن قوله: (الَّذِينَ ظَلَمُوا) مُظهر وضع موضع المضمر؛ تشنيعًا عليهم، كما قال ابن الحاجب. قوله: (على أنه مفعول به مذكور): توكيد لقوله: "مفعول به"، لأنه إذا جُعل مفعولًا به، لـ "اذكر"، كان - لا محالة - مذكورًا.
[ ٧ / ٧٧ ]
أي: اذكروا وقت كونكم أقلة أذلة مستضعفين (فِي الْأَرْضِ): أرض مكة قبل الهجرة تستضعفكم قريش، (تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) لأن الناس كانوا جميعا لهم أعداء منافين مضادّين، (فَآواكُمْ) إلى المدينة، (وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ): بمظاهرة الأنصار، وبإمداد الملائكة يوم بدر، (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبتِ): من الغنائم، (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): إرادة أن تشكروا هذه النعم.
وعن قتادة: كان هذا الحي من العرب أذلّ الناس، وأشقاهم عيشا، وأعراهم جلدًا، وأبينهم ضلالًا، يؤكلون ولا يأكلون، فمكن الله لهم في البلاد، ووسع لهم في الرزق والغنائم وجعلهم ملوكًا.
[(يأيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمنتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ٢٧]
معنى الخون: النقص، كما أن معنى الوفاء: التمام، ومنه: تخوّنه: إذا تنقصه، ثم استعمل في ضدّ الأمانة والوفاء،
_________________
(١) قوله: (وأعراهم جلدًا): كناية عن فقرهم، الجوهري: "عرى عن ثيابه يعرى عريا، فهو عار وعريان". قوله: (يؤكلون ولا يأكلون)، الأساس: "مأكول حمير خير من آكلها، أي: رعيتها خير من واليها. وهو من ذوي الآكال، أي: من السادات الذين يأكلون المرباع، ولما قال الممزق: فإن كنت مأكولًا فكن خير آكل … وإلا فأدركني ولما أمزق قال له النعمان: لا آكلك ولا أوكلك غيري". المرباع: الربع، كان الأمير في الجاهلية يأكل ربع الغنيمة، فخمستها الشريعة.
[ ٧ / ٧٨ ]
لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه، وقد استعير فقيل: خان الدلو الكرب، وخان المشتار السبب؛ لأنه إذا انقطع به فكأنه لم يف له. ومنه قوله: (وَتَخُونُوا أَمنتِكُمْ)، والمعنى: لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه، ورسوله بأن لا تستنوا به. وأَماناتِكُمْ فيما بينكم بأن لا تحفظوها، (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) تبعة ذلك ووباله، وقيل وأنتم تعلمون أنكم تخونون، يعنى: أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو، وقيل: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن.
_________________
(١) قوله: (خان الدلو الكرب): الكرب: حبل قصير يوصل بالرشاء ويلوى على العراقي سُمي كربًا لأنه يقرب من الدلو. الأساس: "خان الدلو الرشاء: إذا انقطع. قال ذو الرمة: كأنها دلو بئر جد ماتحها … حتى إذا ما رآها خانها الكرب" قوله: (وخان المشتار السبب): المشتار: الذي يجني العسل من الكوارة، والسبب: حبل يتوصل به إلى اجتناء العسل. قولهم: (وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح): يريد أن: (تَعْلَمُونَ) -في (أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) - إما مفعوله مقدر منوي بقرينة السياق، وهو أنكم تخونون وأنتم تعلمون تبعة ذلك، أو غير منوي بمنزلة اللازم، وهو المراد من قوله: "وأنتم علماء"، فقوله: "تعلمون قُبح القبيح وحسن الحسن": مقدر من جهة الالتزام، لا أنه مفعول منوي، يعني: إذا كنتم علماء من أهل المعرفة فلم تباشرونه؟ !
[ ٧ / ٧٩ ]
وروي: أن نبي الله ﷺ حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير، على أن يسيروا إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام، فأبى رسول الله ﷺ، إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة مروان بن [عبد] المنذر، وكان مناصحًا لهم، لأنّ عياله وماله في أيديهم، فبعثه إليهم فقالوا له: ما ترى؟ هل ننزل على حكم سعد؟ فأشار إلى حلقه: إنه الذبح.
قال أبو لبابة فما زالت قدماي حتى علمت أنى قد خنت الله ورسوله، فنزلت، فشدّ نفسه على سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموت أو يتوب الله علىّ، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشيًا عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تيب عليك، فحل نفسك، فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني، فجاءه، فحله بيده، فقال: إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي. فقال ﷺ: " يجزيك الثلث أن تتصدّق به". وعن المغيرة: نزلت في قتل عثمان بن عفان ﵁.
_________________
(١) قوله: (أرسل إلينا أبا لُبابة مروان بن [عبد] المنذر): وفي "جامع الأصول": "هو رفاعة ابن عبد المنذر، صحابي معروف"، وكذا في "الاستيعاب"، وفيه: "اختلف في الحال التي أوجبت فعل أبي لبابة هذا بنفسه، وأحسن ما قيل: إنه ممن تخلف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية"، وساق القصة إلى آخر ما في الكتاب، مع اختلاف في الألفاظ. وقال أبو عمر: "وقد قيل: إن الذنب هو الذي أشار به أبو لبابة إلى حلفائه: إنه الذبح إن نزلتم على حكم سعد، وأشار إلى حلقه، فنزلت الآية".
[ ٧ / ٨٠ ]
وقيل: (أَمانتِكُمْ): ما ائتمنكم الله عليه من فرائضه وحدوده.
فإن قلت: (وَتَخُونُوا) جزم هو أم نصب؟ قلت: يحتمل أن يكون جزما داخلا في حكم النهى، وأن يكون نصبًا بإضمار "أن"، كقوله: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: ٤٢]، وقرأ مجاهد: "وتخونوا أمانتكم"، على التوحيد.
[(وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) ٢٨]
جعل الأموال والأولاد فتنة، لأنهم سبب الوقوع في الفتنة، وهي الإثم أو العذاب، أو محنة من الله تعالي ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدوده؟ (وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)
فعليكم أن تنوطوا بطلبه، وبما تؤدى إليه هممكم، وتزهدوا في الدنيا، ولا تحرصوا على جمع المال وحب الولد، حتى تورّطوا أنفسكم من أجلهما، كقوله: (الْمالُ وَالْبَنُونَ) الآية [الكهف: ٤٦].
وقيل: هي من جملة ما نزل في أبى لبابة، وما فرط منه لأجل ماله وولده.
[(يأيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ٢٩]
(فُرْقانًا): نصرًا، لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الكفر بإذلال حزبه، والإسلام بإعزاز أهله. ومنه قوله تعالى: (يَوْمَ الْفُرْقانِ) [الأنفال: ٤١]، أو بيانًا وظهورا يشهر أمركم ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض،
_________________
(١) ـ قوله: (أو محنة من الله): عطف على قوله: "سبب الوقوع"، كقوله: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ) [الكهف: ٤٦]، فقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ): أي: محنة من الله ليبلوكم، كقوله: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٤٦]، وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) قوله: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) [الكهف: ٤٦].
[ ٧ / ٨١ ]
من قولهم "بتّ أفعل كذا" حتى سطع الفرقان، أي: طلع الفجر، أو مخرجا من الشبهات وتوفيقًا وشرحًا للصدور، أو تفرقة بينكم وبين غيركم من أهل الأديان، وفضلا ومزية في الدنيا والآخرة.
[(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمكِرِينَ) ٣٠]
لما فتح الله عليه، ذكره مكر قريش به حين كان بمكة، ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم واستيلائه عليهم، وما أتاح الله له من حسن العاقبة، والمعنى: واذكر إذ يمكرون بك، وذلك أن قريشا -لما أسلمت الأنصار وبايعوه- فرقوا أن يتفاقم أمره، فاجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ،
_________________
(١) قوله: (أو تفرقة بينكم): فإن قلت: ذكر لقوله: (فُرْقَانًا) وجوهًا، وهي أن يكون نصرًا أو بيانًا أو مخرجًا أو تفرقة، فأيها أحسن؟ قلت: الجمع بينها، لأن هذه الآية كالخاتمة لجميع ما سبقن بدليل عوده إلى بدء القصة، وهو قوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الأنفال: ٣٠]، و"أو" في كلام المصنف للتخيير، كما في قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. قوله: (لما فتح الله عليه ذكره مكر قريش به): يعني: بعد أن فرغ رسول الله ﷺ من أمر قريش بتمامه ذكره بدو حالهم معه ليعتبر فيشكر. وفيه بيان لتوفيق النظم، وتنبيه على ما أشرنا في فاتحة السورة وعند تفسير (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) [الأنفال: ١٧]. قوله: (في دار الندوة)، الجوهري: "الندي: مجلس القوم ومتحدثهم، وكذلك الندوة والنادي والمنتدى، ومنه سميت دار الندوة التي بمكة، بناها قُصي، لأنهم كانوا يندون فيها، أي: يجتمعون للمشاورة". والحديث مذكور في "مسند أحمد بن حنبل" عن ابن عباس، وليس فيه ذكر إبليس رأسًا.
[ ٧ / ٨٢ ]
وقال: أنا شيخ من نجد، ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا منى رأيا ونصحًا.
فقال أبو البختري: رأيي أن تحبسوه في بيت، وتشدّوا وثاقه، وتسدوا بابه غير كوّة تلقون إليه طعامه وشرابه منها، وتتربصوا به ريب المنون. فقال إبليس: بئس الرأي، يأتيكم من يقاتلكم من قومه، ويخلصه من أيديكم.
فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم، فلا يضركم ما صنع، واسترحتم. فقال إبليس: بئس الرأي، يفسد قومًا غيركم ويقاتلكم بهم.
فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلامًا، وتعطوه سيفًا صارمًا، فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا. فقال الشيخ: صدق هذا الفتى، هو أجودكم رأيًا. فتفرقوا على رأي أبي جهل مجتمعين على قتله.
فأخبر جبريل ﵇ رسول الله ﷺ، وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن الله له في الهجرة، فأمر عليًا ﵁، فنام في مضجعه، وقال له: اتشح ببردتي، فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه، وباتوا مترصدين، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه، فأبصروا عليًا فبهتوا، وخيب الله سعيهم، واقتصوا أثره، فأبطل مكرهم.
(لِيُثْبِتُوكَ) ليسجنوك، أو يوثقوك، أو يثخنوك بالضرب والجرح، من قولهم: ضربوه حتى أثبتوه لا حراك به، وفلان مثبت وجعًا.
وقرئ: " ليثبتوك"، بالتشديد. وقرأ النخعي: "ليبيتوك"، من البيات. وعن ابن عباس ﵄: "ليقيدوك"، وهو دليل لمن فسره بالإيثاق.
_________________
(١) ـ قوله: (أو يثخنوك): من: أثخنته الجراحة، أي: أوهنته.
[ ٧ / ٨٣ ]
(وَيَمْكُرُونَ): ويخفون المكايد له، (وَيَمْكُرُ اللَّهُ): ويخفى الله ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة، (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمكِرِينَ) أي مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيرًا، أو لأنه لا ينزل إلا ما هو حق وعدل، ولا يصيب إلا بما هو مستوجب.
_________________
(١) قوله: (أو لأنه لا يُنزل إلا ما هو حق): عطف على قوله: "مكره أنفذ من مكر غيره"، فعلى الأول: التركيب من باب قوله تعالى: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا) [مريم: ٧٦]، وقولهم: "الصيف أحر من الشتاء"، وذلك أنه فسر مكرهم بقوله: "ويخفون المكايد"، ومكر الله بقوله: "ويُخفي الله ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة"، ثم جمعهما بقوله: (خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)، وفسره بقوله: "إن مكره أبلغ تأثيرًا"، ولا شك أن لا خير في مكرهم، ب بل هو شر بحت، لكن المراد بالـ"خير": أن مكر الله أبلغ تأثيرًا في بابه من الخير، من مكرهم في بابه من الشر، فالخير على هذا بمعنى التفضيل. والتعريف في (الْمَاكِرِينَ) للعهد. وأما الوجه الثاني فلا شركة فيه؛ لأنه من باب: "أعدلا بني مروان"، وذلك لأن ما يفعله الله لا يكون إلا حقًا وعدلًا، وتسميته بالمكر على سبيل الاستعارة بجامع الإخفاء والأخذ بغتة، فشبه صورة صنع الله ذلك معهم بصورة صنع المخادع المحتال، ثم سمي مكرًا، فالتعريف للجنس، يؤيده قوله في "الأعراف": "ومكر الله استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه".
[ ٧ / ٨٤ ]
[(وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ ءايتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَسطِيرُ الْأَوَّلِينَ* وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ * وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ٣١ - ٣٤]
(لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا) نفاجة منهم، وصلف تحت الراعدة،
_________________
(١) ـ وذهب القاضي إلى المشاكلة، قال: "وأمثال هذا لا يجوز إطلاقها ابتداء لما فيه من إيهام الذم، وإنما يحسن بالمزاوجة"، وهو وجه أيضًا. الجوهري: "المكر: الاحتيال والخديعة، وقد مكر به يمكر فهو ماكر ومكار". وقال الراغب: "المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة، وذلك ضربان: مكر محمود؛ وهو أن يُتحرى بذلك فعل جميل، وعلى ذلك قال: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)، ومذموم؛ وهو أن يُتحرى به فعل قبيح، قال: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ) [فاطر: ٤٣]. وقال بعضهم: من مكر الله تعالى إمهال العبد وتمكينه من أعراض الدنيا، ولذلك قال علي ﵁: من وسع عليه دنياه، ولمي علم أنه مكر به، فهو مخدوع في عقله". قوله: (نفاجة منهم)، الأساس: "نفجت الريح: جاءت بقوة، وريح نافجة، ومن المجاز: فلان نفاج، وسمعت من يقول: فيه نفاجة". الجوهري: "رجل نفاج: إذا كان صاحب فخر وكبر، عن ابن السكيت". قوله: (وصلف تحت الراعدة)، الأساس: "ومن المجاز: صلفت السحابة: قل مطرها. وفي المثل: رب صلف تحت الراعدة".
[ ٧ / ٨٥ ]
فإنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة، وإلا فما منعهم، إن كانوا مستطيعين، أن يشاؤوا غلبة من تحدّاهم وقرعهم بالعجز، حتى يفوزوا بالقدح المعلى دونه؟ مع فرط أنفتهم، واستنكافهم أن يغلبوا في باب البيان خاصة، وأن يماتنهم واحد، فيتعللوا بامتناع المشيئة،
_________________
(١) ـ الميداني: "الصلف: قلة النزل والخير، والراعدة: السحابة ذات الرعد"، يُضرب في الرجل يتوعد، ثم لا يقوم به. وفي الحواشي: يضرب لمن يكثر الكلام ولا خير عنده. قوله: (وإلا فما منعهم): أي: وإن لم يكن نفاجة فما منعهم عن أن يشاؤوا غلبة من تحداهم حتى يفوزوا بالقدح المعلى دون رسول الله ﷺ؟ فقوله: "إن كانوا مستطيعين" شرط جزاؤه ما دل عليه "ما منعهم"، والجملة الشرطية معترضة، و"أن يشاؤوا" مفعول "منعهم"، و"قرعهم" عطف على "تحداهم"، و"حتى يفوزوا" غاية "أن يشاؤوا"، و"مع فرط أنفتهم" حال من مفعول "منعهم"، أي: فما منعهم مع أنفتهم ونخوتهم المفرطة، و"أن يماتنهم" عطف على "أن يغلبوا". "فيتعللوا": قيل: هو جواب الاستفهام، والظاهر أنه عطف على "يماتنهم"، أي: استنكفوا أن يطلبوا بالمماتنة، فيتعللا فيها بامتناع المشيئة، لأنهم ما كانوا مستنكفين عن مجرد المماتنة، فكيف ودأبهم المفاخرة والمساجلة، ورثوها كابرًا عن كابر؟ كما قال: "إن أتاهم أحد بمفخرة أتوه بمفاخر، وإن رماهم بمأثرة رموه بمآثر"، حتى نزل فيهم: (أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ *حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ) [التكاثر: ١ - ٢]. قوله: (أن يماتنهم)، الأساس: "في رأيه متانة، وماتنه في الشعر: عارضه، وتماتنًا، وتعال أماتنك أينا أمتن شعرًا، وبينهما مماتنة: معارضة في كل أمر ومباراة".
[ ٧ / ٨٦ ]
ومع ما علم وظهر ظهور الشمس من حرصهم على أن يقهروا رسول الله ﷺ، وتهالكهم على أن يغمروه!
وقيل: قائله النضر بن الحرث المقتول صبرًا، حين سمع اقتصاص الله أحاديث القرون: لو شئت لقلت مثل هذا. وهو الذي جاء من بلاد فارس بنسخة حديث رستم وإسفنديار، فزعم أن هذا مثل ذاك، وأنه من جملة تلك الأساطير، وهو القائل: (إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ) وهذا أسلوب من الجحود بليغ،
_________________
(١) قوله: (على أن يغمروه)، الجوهري: "الغمر: الماء الكثير، وقد غمره الماء يغمره، أي: علاه، ومنه قيل للرجل: غمره القوم: إذا علوه شرفًا". قوله: (المقتول صبرًا)، الجوهري: "يقال: قُتل فلان صبرًا، وحلف صبرًا: إذا حُبس على القتل حتى يُقتل، أو على اليمين حتى يحلف". قتل النبي ﷺ النضر بن الحارث صبرًا، وكان يتأذى منه، قال المرزوقي: [قالت] قتيلة ابنته لما جاءت إلى حضرة النبي ﷺ، وأنشدته أبياتًا منها: ظلت سيوف بني أبيه تنوشه … لله أرام هناك تشقق أمحمد ولأنت نجل نجيبة … من قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما … من الفتى وهو المغيظ المحنق فالنضر أقرب من أصبت وسيلة … وأحقهم إن كان عتق يعتق فرق لها النبي ﷺ وبكى، وقال: "لو جئتني من قبل لعفوت عنه"، ثم قال: "لا يُقتل قرشي بعد هذا صبرًا". قوله: (أسلوب من الجحود بليغ): وهو من أسلوب قوله تعالى: (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا) [البقرة: ٢٣]، والكلام مع المرتابين، وهذا لا يُصار إليه إلا فيما ظهر خلافه ظهورًا
[ ٧ / ٨٧ ]
يعني: إن كان القرآن هو الحق، فعاقبنا على إنكاره بالسجيل، كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر. ومراده: نفى كونه حقًا، وإذا انتفى كونه حقا لم يستوجب منكره عذابًا فكان تعليق العذاب بكونه حقا مع اعتقاد أنه ليس بحق، كتعليقه بالمحال في قولك: إن كان الباطل حقا فأمطر علينا حجارة.
وقوله: (هُوَ الْحَقَّ) تهكم بما يقول على سبيل التخصيص والتعيين: هذا هو الحق. وقرأ الأعمش: "هو الحق" بالرفع، على أن (هُوَ) مبتدأ غير فصل، و(هو) في القراءة الأولى فصل.
ويقال: أمطرت السماء؛ كقولك: أثجمت وأسبلت،
_________________
(١) جليًا، فيفرض كما تفرض المحالات، وإليه الإشارة بقوله: "إن كان الباطل حقًا فأمطر علينا حجارة"، فهو من الكناية الإيمائية، ولهذا قال: "وإذا انتفى كونه حقًا لم يستوجب منكره عذابًا". قوله: (على سبيل التخصيص والتعيين): أما التخصيص فمن تعريف الخبر وتوسيط ضمير الفصل، وأما التعيين فمن اسم الإشارة، كقوله: هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه قوله: (أثجمت)، الجوهري: "أثجم المطر: إذا كثر ودام"، و"أسبل: إذا هطل"، و"هتن المطر
[ ٧ / ٨٨ ]
ومطرت؛ كقولك: هتنت وهتلت، وقد كثر الأمطار في معنى العذاب.
فإن قلت: ما فائدة قوله: (مِنَ السَّماءِ)، والأمطار لا يكون إلا منها؟ قلت: كأنه أريد أن يقال: فأمطر علينا السجيل، وهي الحجارة المسوّمة للعذاب، فوضع (حِجارَةً مِنَ السَّماءِ) موضع السجيل، كما تقول: صب عليه مسرودة من حديد، تريد درعًا.
_________________
(١) يهتن هتنًا وهتونًا وتهتانًا: قطر، والتهتان: مطر ساعة يفتر ثم يعود"، وكذلك التهتال. قوله: (موضع السجيل): أي: وُضع هذا اللفظ موضع ذلك اللفظ؛ زيادة للبيان وتصويرًا للمسمى، كما يعبر عن الشيء بمعناه، فتقول في الكناية عن الإنسان: حي مستوى القامة عريض الأظفار. وأصل الكلام: فأمطر علينا السجيل، وهي الحجارة المسومة للعذاب المنزلة من السماء، فوضع قوله: (حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ) موضعه. قال في قوله تعالى: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) [القمر: ١٣]: "أراد السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات فتنوب منابها، وتؤدي مؤداها، بحيث لا يفصل بينها وبينها"، فلا يكون هذا استعارة كما ظُن، فضلًا عن أن يكون تجريدًا لها، ولكن لفظة (فَأَمْطِرْ) مستعارة لـ "أنزل"، سواء قلت: حجارة من السماء أو سجيلًا، لأنها لا تستعمل حقيقة إلا في الغيث. قوله: (صب عليه مسرودة): سرد الدرع نسجها، وهو أن يداخل الحلق بعضها في بعض، والمسرودة: الدرع المثقوبة، وكذا لا فرق بين قولك: "مسرودة من حديد"، وبين قولك: "درعًا"، إلا ما سبق.
[ ٧ / ٨٩ ]
(بِعَذابٍ أَلِيمٍ) أي: بنوع آخر من جنس العذاب الأليم، يعنى أن أمطار السجيل بعض العذاب الأليم، فعذبنا به أو بنوع آخر من أنواعه.
وعن معاوية: أنه قال لرجل من سَبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! قال: أجهل من قومي قومك، قالوا لرسول الله ﷺ حين دعاهم إلى الحق: إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً، ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق فأهدنا له.
اللام لتأكيد النفي، والدلالة على أنّ تعذيبهم وأنت بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة، لأن عادة الله وقضية حكمته أن لا يعذب قوما عذاب استئصال
_________________
(١) ـ قال صاحب "التخمير": "اعلم أن الموصوف في مثل قوله: "وعليهما مسرودتان قضاهما داود"، وفي قوله تعالى: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ) [الصافات: ٤٨] مطروح، والجمع بينه وبين هذه الصفة قبيح؛ إذ لو قلت: عليهما درعان مسرودتان قضاهما داود، كان مستقبحًا، لأنه من المعلوم أن "مسرودتين قضاهما داود" لا يكونان إلا درعين، وأن "قاصرات الطرف عين" لم يكن إلا حورًا". قوله: (أي: بنوع آخر من جنس العذاب الأليم): يعني: عطف (أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) على (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ) عطف الجنس على النوع، فخص بالعطف الجنس، فتناول بعضًا آخر عن ما سبق، أي: ائتنا بعذاب أليم سواه، فهذا من باب عطف العام الذي خُص بالعطف.
[ ٧ / ٩٠ ]
ما دام نبيهم بين أظهرهم، وفيه إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم، والدليل على هذا الإشعار قوله: (وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) وإنما يصح هذا بعد إثبات التعذيب، كأنه قال: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وهو معذبهم إذا فارقتهم، وما لهم أن لا يعذبهم.
(وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) في موضع الحال، ومعناه: نفى الاستغفار عنهم، أي: ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم، كقوله: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) [هود: ١١٧]، ولكنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون، ولا يتوقع ذلك منهم.
وقيل: معناه: وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون بين أظهرّهم ممن تخلف عن رسول الله ﷺ من المستضعفين.
_________________
(١) ـ قوله: (ومعناه: نفي الاستغفار عنهم): يعني: ليست هذه القرينة كالقرينة الأولى إلا في انتفاء العذاب لوجود الاستغفار، كانتفائه لوجود الرسول ﷺ فيهم، لاقترانها بها؛ إذ المعنى: استحقاق العذاب يدل على عدم الاستغفار، إذ لو استغفروه ما استحقوه، وهو نوع من الكناية. ونظيره: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: ١١٧]، يعني: إهلاكهم دليل على إفسادهم، إذ لو أصلحوا ما أهلكهم، لأن الله ليس بظلام للعبيد. انظر إلى مرتبة الاستغفار وعظم موقعه، كيف قُرن حصوله مع وجود سيد البشر في استدفاع البلاء؟ روينا عن أبي داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب". قوله: (وقيل: معناه): هذا الوجه أبلغ من الأول؛ لما دل على أن استغفار الغير مما يدفع به العذاب عن أمثال أولئك الكفرة.
[ ٧ / ٩١ ]
(وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ): وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم؟ يعنى:
لاحظّ لهم في ذلك، وهم معذبون لا محالة، وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدّون عن المسجد الحرام، كما صدّوا رسول الله ﷺ عام الحديبية؟ ! وإخراجهم رسول الله ﷺ والمؤمنين من الصدّ، وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، فنصدّ من نشاء، وندخل من نشاء.
(وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ): وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدين أن يكونوا ولاة أمره وأربابه، (إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) من المسلمين، ليس كل مسلم أيضًا ممن يصلح لأن يلي أمره، إنما يستأهل ولايته من كان برًا تقيًا، فكيف بالكفرة عبدة الأصنام؟ ! (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) كأنه استثنى من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة، أو أراد بالأكثر: الجميع، كما يراد بالقلة: العدم.
[(وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) ٣٥]
المكاء: فعال، بوزن الثغاء والرغاء، من: مكا يمكو: إذا صفر، ومنه المكاء، كأنه سمي بذلك لكثرة مكائه،
_________________
(١) . قوله: (وإخراجُهم): مبتدأ، والخبر "من الصد"، قيل: هو عطف على "كما صدوا" من حيث المعنى، والظاهر أنه جملة مستطردة، يعني: أنهم كانوا يصدون صدًا حقيقيًا وغير حقيقي، لأن إخراجهم رسول الله ﷺ من مكة حين هاجر ملحق بالصد. قوله: (ليس كل مسلم ممن يصلح): يعني: في تخصيص ذكر "المتقين"، والعدول إلى "المؤمنين": إشارة إلى الإيغال والمبالغة. قوله: (ومنه المُكاء)، الجوهري: "المُكاء - بالمد والتشديد- طائر، والجمع: المكاكي، وبالتخفيف: الصفير".
[ ٧ / ٩٢ ]
وأصله الصفة، نحو: الوضاء والفراء، وقرئ: "مكا" بالقصر، ونظيرهما: البكى والبكاء.
والتصدية: التصفيق؛ تفعلة من الصدى، أو من: صدَّ يصدّ، بمعنى: صاح (إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) [الزخرف: ٥٧]،
_________________
(١) قوله: (والقراء): أي: المتنسكون. الأساس: "قارئ وقراء: ناسك، أي: عابد". الجوهري: "وقد تقرأ: تنسك، والجمع القراؤون". قوله: (البُكى والبُكاء)، الجوهري: "إذا مددت أردت الصوت مع البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها". قوله: (تفعلة من الصدى)، الراغب: "الصدى: صوت يرجع من كل مكان صقيل، والتصدية: كل صوت يجري مجرى الصدى في أن لا غناء فيه. وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) أي غناء ما يوردونه غناء الصدى ومكاء الطير". قوله: (أو من: صد يصد)، الجوهري: صد يصد- بالضم والكسر - ضج، فالتصدية على هذا من إبدال أحد حرفي التضعيف، كقولهم: تقضي البازي، ووجه ربط هذه الآية هو أنه تعالى لما علل التعذيب بقوله: (يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الأنفال: ٣٤]، عطف
[ ٧ / ٩٣ ]
وقرأ الأعمش: "وما كان صلاتهم"، بالنصب على تقديم خبر (كان) على اسمه. فإن قلت: ما وجه هذا الكلام؟ قلت: هو نحو من قوله:
وَمَا كُنْتُ أخْشَى أنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ … أدَاهِمَ سُودًا أوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرَا
والمعنى: أنه وضع القيود والسياط موضع العطاء، ووضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة؛
_________________
(١) ـ قوله: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) على (وَهُمْ يَصُدُّونَ) لأنه نوع من الصد، وقوله: (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ) معترضة، وقوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) يجوز أن يتعلق بالمعترضة وبما قبلها. قوله: (على تقديم خبر (كان) على اسمه): فيلزم أن يكون الخبر معرفة والاسم نكرة، ذهب صاحب "المفتاح" إلى أنه من باب القلب، وقال ابن جني: "إن نكرة الجنس تفيد مفاد معرفته، فإنك لو قلت: خرجت فإذا أسد بالباب، أو: إذا الأسد بالباب، لم تجد الفرق بينهما، لأنك لا تريد بالصورتين أسدًا معينًا، فكأنه تعالى قال: ما كان صلاتهم عند البيت إلا المُكاء والتصدية، أي: هذا الجنس نم الفعل، ولم يجر هذا مجرى: كان قائم أخاك، وكان جالس أباك، لأنه ليس في "قائم" و"جالس" معنى الجنسية التي تلاقي معينًا نكرتها ومعرفتها على ما قدمناه". قوله: (وما كنت أخشى): "أخشى"، أي: أعلم، و"أداهم": جمع أدهم، وهو القيد، و"المحدرجة" بالحاء المهملة: السياط المفتولة من الجلود، "يُقال: حدرجه، أي: فتله وأحكمه". كذا ذكره الجوهري. قوله: (وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة): وهو من أسلوب قولهم في التهكم:
[ ٧ / ٩٤ ]
الرجال والنساء، وهم مشبكون بين أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله ﷺ؛ في صلاته يخلطون عليه.
(فَذُوقُوا) عذاب القتل والأسر يوم بدر، بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة.
[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ* لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) ٣٦ - ٣٧]
قيل: نزلت في المطعمين يوم بدر، كان يطعم كل واحد منهم كلّ يوم عشر جزائر.
_________________
(١) تحية بينهم ضرب وجيع قوله: (وهم مشبكون بين أصابعهم): الأصمعي: قلت لمنتجع بن نبهان: ما يكون؟ فشبك بين أصابعه، ثم وضعها على فمه ونفخ. قوله: (عشر جزائر)، النهاية: "الجزور: البعير ذكرًا كان أو أنثى، إلا أن اللفظ مؤنثة، تقول: هذه الجزور، وإن أردت ذكرًا. والجمع: جزر وجزائر".
[ ٧ / ٩٥ ]
وقيل: قالوا لكل من كان له تجارة في العير: أعينوا بهذا المال على حرب محمد، لعلنا ندرك منه ثأرنا بما أصيب منا ببدر، وقيل: نزلت في أبى سفيان، وقد استأجر ليوم أحد ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية، والأوقية: اثنان وأربعون مثقالا.
(لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي كان غرضهم في الإنفاق الصدّ عن أتباع محمد، وهو سبيل الله، وإن لم يكن عندهم كذلك، (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً) أي تكون عاقبة إنفاقها ندمًا وحسرة، فكأنّ ذاتها تصير ندما وتنقلب حسرة، (ثُمَّ يُغْلَبُونَ) آخر الأمر،
_________________
(١) . قوله: (الأحابيش)، الأساس: "هم فرق مختلفة من قبائل شتى حلفاء لقريش، تحالفوا عند جبل يسمى: حبيشًا، ويقال: عندي أحبوش منهم، أي: جماعة". قوله: (وإن لم يكن عندهم كذلك): يعني: قيل: (لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، وإن لم يكونوا يعتقدون أن الذي يحاولونه صد عن سبيل الله، بل اعتقدوا أنه صد عن اتباع النبي ﷺ، وفائدته التنبيه على غباوتهم وجهلهم، يعني: صدهم عن اتباع النبي ﷺ هو صد عن سبيل الله، وأنهم غافلون عنه، واللام في (ليَصُدُّوا) لام الصيرورة. قوله: (فكأن ذاتها): يعني: الظاهر أن يُقال: ثم تكون عاقبة إنفاقها حسرة، فأنث الفعل ليعود الراجع إلى الأموال، فتصير نفس الأموال حسرة، مبالغة. قوله: (وتنقلب حسرة): أي: الأموال أو النفقة، وتحقيق المعنى أن قوله: (فَسَيُنفِقُونَهَا) جواب عما تتضمنه الموصولة مع صلتها من معنى الشرط، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ) [البروج: ١٠].
[ ٧ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) و(يُنفِقُونَ) إما حال أو بدل من (كَفَرُوا) أو عطف بيان، وفي تضمن الجزاء من معنى الإعلام والإخبار: التوبيخ على الإنفاق والإنكار عليه، كما في قوله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) [النحل: ٥٣]، وفي تكرير الإنفاق في الشرط والجزاء: الدلالة على كمال سوء الإنفاق، كما في قوله تعالى: (إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران: ١٩٢]، وقوله: من أدر الصمان فقد أدرك المرعى. وتلخيص المعنى: أن الذين ينفقون أموالهم لإطفاء نور الله، والصد عن متابعة رسول الله ﷺ، فسيعلمون عن قريب سوء مغبة تلك الإنفاق وانقلابها إلى حسرة ما أبعدها من الحسرات، ثم المآل إلى القتل والأسر في الدنيا، والخزي والنكال في العقبى ما أفصحها من آية! قال القاضي: "الأول: إخبار عن إنفاقهم في تلك الحال وهو إنفاق بدر، والثاني: إخبار عن إنفاقهم فيما يستقبل وهو إنفاق أحد، ويحتمل أن يراد بالإنفاقين واحد، على أن مساق الإنفاق الأول لبيان غرض الإنفاق، ومساق الثاني لبيان عاقبته". وقال الإمام في معنى قوله تعالى: (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً): "سيقع هذا الإنفاق وتكون عاقبته الخسران والحسرة، لأنه يُذهب المال، ولا يحصل المقصود، بل يصيرون مغلوبين في آخر الأمر".
[ ٧ / ٩٧ ]
وإن كانت الحرب بينهم وبين المؤمنين سجالًا قبل ذلك، فيرجعون طلقاء، (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: ٢١]، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا): والكافرون منهم (إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) لأنّ منهم من أسلم وحسن إسلامه.
(لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ) الفريق الخبيث من الكفار (مِنَ) الفريق (الطَّيِّبِ) من المؤمنين، فيجعل الفريق (الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا) عبارة عن الجمع والضم، حتى يتراكبوا، كقوله: (كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) [الجن: ١٩]، يعنى: لفرط ازدحامهم (أُولئِكَ) إشارة إلى الفريق الخبيث.
وقيل: ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله ﷺ من المال الطيب الذي أنفقه المسلمون، كأبي بكر وعثمان ﵄ في نصرته، (فَيَرْكُمَهُ) فيجعله (في جهنم): في جملة ما يعذّبون به، كقوله: (فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ) الآية [التوبة: ٣٥]، واللام على هذا متعلقة بقوله: (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً)، وعلى الأوّل بـ (يحشرون)، و(أولئك) إشارة إلى (والذين كفروا).
_________________
(١) قوله: (سجالًا)، النهاية: "هو من قول أبي سفيان: "والحرب بيننا سجال"، أي: مرة لنا ومرة علينا". قوله: (فيرجعون طلقاء)، النهاية: "واحده: طليقن فعيل بمعنى: مفعول، وهو الأسير إذا أطلق سبيله"، والطلقاء: هم الذين خُلي عنهم يوم فتح مكة. قوله: (واللام على هذا متعلقة بقوله: (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً)، وعلى الأول بـ (يُحْشَرُونَ»: وذلك أن الخبيث والطيب على الأول وصف الأشخاص، فالمناسب أن يكون المعلل ما يُعلم من قوله: (إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)، والمشار إليه بقوله:
[ ٧ / ٩٨ ]
وقرئ: (ليميز) على التخفيف.
[(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) ٣٨]
(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) من أبى سفيان وأصحابه، أي: قل لأجلهم هذا القول، وهو (إِنْ يَنْتَهُوا)، ولو كان بمعنى: خاطبهم به، لقيل: إن تنتهوا يغفر لكم، وهي قراءة ابن مسعود، ونحوه:
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءامَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ) [الأحقاب: ١١]، خاطبوا به غيرهم لأجلهم ليسمعوه، أي إن ينتهوا عمَّاهم عليه من عداوة رسول الله ﷺ وقتاله؛ بالدخول في الإسلام (يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ) لهم من العداوة، (وَإِنْ يَعُودُوا) لقتاله، (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ)
_________________
(١) ـ (أُوْلَئِكَ): الفريق الخبيث، ولذلك قال: "ليميز الله الفريق الخبيث"، والفريق الخبيث: هم الخاسرون. وعلى الثاني: المراد من الخبيث والطيب: المال، فالمناسب أن يكون المعلل قوله: (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً)، لأن الضمير فيه للأموال، وليس إذن المشار إليه القريب سوى قوله: (َالَّذِينَ كَفَرُوا)، والظاهر أن يكون تعليلًا لـ (يُحْشَرُونَ) فيدخل فيه أيضًا معنى الحسرة، وذلك أنه تعالى لما بين أن إنفاقهم في الصد، أثمر لهم الحسرة والمغلوبية في الدنيا، ضم إليهما حُكم ما يلحقهم في الآخرة، فعطف جملة قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) على جملة قوله: (يُغْلَبُونَ) يعني: في العاقبة يغلبون جميعًا، ثم بعضهم يسلمون وبعضهم يموتون على الكفر، أي: بعض الذين أنفقوا ليصدوا عن سبيل الله، ويحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب مطلقًا. ومعنى (أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ): أولئك هم المخصوصون بالخسران الكامل، حيث خسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. قوله: (وقرئ: (ليميز) على التخفيف): كلهم إلا حمزة والكسائي.
[ ٧ / ٩٩ ]
منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر، أو: فقد مضت سنة الذين تحزّبوا على أنبيائهم من الأمم فدمّروا، فليتوقعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا.
وقيل: معناه: أنّ الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف لهم من الكفر والمعاصي، وخرجوا منها، كما تنسلّ الشعرة من العجين، ومنه قوله عليه والسلام: "الإسلام يجب ما قبله"، وقالوا: الحربي إذا أسلم لم يبق عليه تبعة قط، وأما الذمي فلا يلزمه قضاء حقوق الله تعالى، وتبقى عليه حقوق الآدميين.
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: معناه: أن الكفار إذا انتهوا): عطف على قوله: " (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) من أبي سفيان وأصحابه"، والقول الأول تهديد لكفار قريش المرادين بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ) وهو نفقتهم يوم أحد، والموصولة مع صلتها مُظهر وُضع موضع المضمر، وهو على وجهين: أحدهما: أن يحمل التعريف في الأولين على العهد، وهو المراد من قوله: "الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر"، أو على الجنس ليدخلوا فيه دخولًا أوليًا، وهو الذي أراده بقوله: "أو الذين تحزبوا على أنبيائهم". والقول الثاني- أي: قوله: "وقيل: معناه الكفار"- ترغيب في الدخول في الإيمان وحث عليه، وهي عامة. ومعناه ما قاله الإمام: إذا انتهوا عن الكفر لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وإن عادوا إلى الكفر فقد رجع التسلط والقهر. وقلت: على هذا لا يحسن التقابل بين قوله: (إِنْ يَنتَهُوا) وبين قوله: (وَإِنْ يَعُودُوا) حسنه في الوجه الأول؛ لأن التقابل الظاهر: إن ينتهوا عن الكفر يكون كذا، وإن لم ينتهوا - أي: داموا عليه - يكون كذا، لأن العود الرجوع إلى ما كان. قوله: (الإسلام يجب ما قبله): روينا عن مسلم عن عمرو بن العاص: أتيت النبي ﷺ
[ ٧ / ١٠٠ ]
وبه احتجّ أبو حنيفة ﵁ في أنّ المرتدَّ إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال الردّة وقبلها، وفسر (وَإِنْ يَعُودُوا) بالارتداد.
وقرئ: "يُغْفَرْ لَهُمْ"، على أن الضمير لله ﷿.
[(وَقتِلُوهُم حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) ٣٩ - ٤٠]
(وَقتِلوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ): إلى أن لا يوجد فيهم شرك قط، (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ): ويضمحل عنهم كل دين باطل، ويبقى فيهم دين الإسلام وحده، (فَإِنِ انْتَهَوْا) عن الكفر وأسلموا (فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) يثيبهم على توبتهم وإسلامهم.
وقرئ: "تعملون" بالتاء، فيكون المعنى: فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله، والدعوة إلى دينه، والإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإسلام
_________________
(١) ـ فقلت: ابسُط يمينك لأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، فقال: "ما لك يا عمرو؟ ! " قلت: أردت أن أشترط، قال: "تشترط ماذا؟ " قال: قلتُ: أن يُغفر لي، قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله"، الحديث. قوله: "يجب" أي: يقطع. الجوهري: "المجبوب: المقطوع". قوله: (وقُرئ: تعملون) بالتاء الفوقانية في الشذوذ، والمعنى على هذه القراءة: قاتلوهم حتى لا تكون فتنة، فإن انتهوا عن الشرك، فإن الله يجازيكم بما تعملون من الجهاد في سبيله، فإن لم ينتهوا وتولوا فلا تتوانوا في الجهاد، لأن الله ناصركم ومعينكم. وعلى المشهورة: فإن انتهوا فإن الله يثيبهم على توبتهم وإسلامهم، وإن لم ينتهوا فإن الله ينصر أعداءهم عليهم، وهم أولياء الدين، حتى يقهروهم.
[ ٧ / ١٠١ ]
(بَصِيرٌ) يجازيكم عليه أحسن الجزاء.
(وَإِنْ تَوَلَّوْا) ولم ينتهوا، (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلكُمْ) أي: ناصركم ومعينكم، فثقوا بولايته ونصرته.
[(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى والْيَتَامَى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ٤١]
(أَنَّما غَنِمْتُمْ): "ما" موصولة، (ومِنْ شَيْءٍ) بيانه، قيل: من شيء حتى الخيط والمخيط، (فَأَنَّ لِلَّهِ) مبتدأ خبره محذوف، تقديره: فحق-، أو: فواجب- أن الله خمسه، وروى الجعفي عن أبى عمرو: "فإن الله" بالكسر،
_________________
(١) واعلم أن هذه خاتمة شريفة في أمر الجهاد، ولذلك كانت تخلصًا إلى ذكر ما بُدئت السورة به من حديث الغنائم وقسمتها. قوله: (ما: موصولة، و(مِنْ شَيْءٍ) بيانه): قال أبو البقاء: "ما" بمعنى "الذي"، والعائد محذوف، و(مِنْ شَيْءٍ) حال من المحذوف، أي: ما غنمتموه قليلًا وكثيرًا". قوله «فَإِنَّ لِلَّهِ) مبتدأ، خبره محذوف): قال أبو البقاء: "الفاء دخلت في خبر "ما" بمعنى: الذي، لما فيها من معنى المجازاة، و"أن" وما عملت فيه في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، أي: فالحكم أن لله خمسه، وقيل: ويجوز أن تكون "ما" مصدرية، والمصدر بمعنى المفعول، أي: واعلموا أن غنيمتكم، أي: مغنومكم". قوله: ("فإن لله" بالكسر): في "فإن"، قال أبو البقاء: "فعلى هذا تكون "إنَّ" وما عملت فيه مبتدأ وخبرًا، في موضع خبر المبتدأ".
[ ٧ / ١٠٢ ]
ويقويه قراءة النخعي: "فلله خمسه". والمشهورة آكد وأثبت للإيجاب، كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه، لا سبيل إلى الإخلال به والتفريط فيه، من حيث إنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات، كقولك: ثابت، واجب، حق لازم، وما أشبه ذلك، كان أقوى لإيجابه من النص على واحد. وقرئ: "خمسه بالسكون.
فإن قلت: كيف قسمة الخمس؟ قلت: عند أبي حنيفة ﵁: أنها كانت في عهد رسول الله ﷺ على خمسة أسهم: سهم لرسول الله ﷺ، وسهم لذوي قرباء من بني هاشم وبني المطلب، دون بني عبد شمس وبني نوفل، استحقوه حينئذ بالنصرة والمظاهرة، لما روى عن عثمان وجبير بن مطعم: أنهما قالا لرسول الله ﷺ:
"هؤلاء إخوتك بنو هاشم، لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة! "،
_________________
(١) قوله: (إذا حُذف الخبر واحتمل غير واحد) إلى قوله: (كان أقوى لإيجابه من النص على واحد): قال صاحب "التقريب": هذا مُعارض بلزوم الإجمال. والجواب: إن أريد بالإجمال ما يحتمل الواجب والندب والإباحة فالمقام يأبى إلا الوجوب، وإن أريد به ما ذكره من قوله: "واجبن حق، لازم، ثابت"، فالتعميم يوجب التفخيم والتهويل من شدتها. قوله: (لما رُوي عن عثمان ﵁ وجبير) الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه مع اختلاف فيه. قوله: (وإنما نحن وهُم بمنزلة واحدة): وذلك أن هاشمًا والمطلب وعبد شمس ونوفلًا
[ ٧ / ١٠٣ ]
فقال ﵇: "إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد"، وشبك بين أصابعه. وثلاثة أسهم: لليتامى والمساكين وابن السبيل.
وأمّا بعد رسول الله ﷺ: فسهمه ساقط بموته، وكذلك سهم ذوى القربى، وإنما يعطون لفقرهم، فهم أسوة سائر الفقراء، ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل.
وأمّا عند الشافعي ﵀: فيقسم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله ﷺ، يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين، كعدّة الغزاة من السلاح ونحو ذلك، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم، يقسم بينهم الذكر مثل حظ الأنثيين، والباقي للفرق الثلاث.
وعند مالك ابن أنس ﵀: الأمر فيه مفوّض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين هؤلاء، وإن رأى أعطاه بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فغيرهم. فإن قلت: ما معنى ذكر الله ﷿ وعطف الرسول وغيره عليه؟ قلت: يحتمل أن يكون معنى (لله … وللرسول):
_________________
(١) . أولادُ عبد مناف، ونسبة رسول الله ﷺ مع هؤلاء تنتهي إلى عبد مناف؛ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، صلوات الله وسلامه عليه، وأما عثمان ﵁: فهو ابن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأما جُبير: فهو ابن مطعم ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف. قوله: (من الكُراع): أي: الخيل. الأساس: "ومن المجاز: احبس في سبيل الله الكراع، أي: الخيل".
[ ٧ / ١٠٤ ]
لرسول الله ﷺ، كقوله (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة: ٦٢]، وأن يراد بذكره: إيجاب سهم سادس يصرف إلى وجه من وجوه القرب، وأن يراد بقوله: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ): أن من حق الخمس أن يكون متقرّبا به إليه لا غير. ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة؛ تفضيلًا لها على غيرها، كقوله تعالى (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) [البقرة: ٩٨].
فعلى الاحتمال الأول: مذهب الإمامين، وعلى الثاني: ما قال أبو العالية: أنه يقسم على ستة أسهم: سهم لله تعالى
_________________
(١) قوله: (إن من حق الخمس أن يكون متقربًا به إليه لا غير): الفرق بين هذا الوجه والثاني: أن على الثاني الأصل إيجاب التسوية بين هؤلاء المذكورين وبين حق الله، وعلى هذا لا تجب المساواة؛ لأن الخمس ثابت لله، وهؤلاء اختصوا بالذكر لمزيد الشرف، فالمصالح هي التي أوجب لهم ذلك، فيقسم عليهم وعلى غيرهم بالاجتهاد. قال الزجاج: "مذهب مالك في هذا الخُمس أنه إنما ذكر هؤلاء لأنه من أهم من هو يدفع إليهم، فيجيز أن يُقسم بينهم، ويجيز أن يعطي بعضًا دون بعض، ويُجيز أن يخرجهم من القسم إن كان أمر غيرهم أهم من أمرهم. وحجته أن ذكر هؤلاء إنما وقع للخصوص، كقوله تعالى: (وَمَلائِكَتُهُ … وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) [البقرة: ٩٨]، فذكرهما لخصوصهما، ومنه قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [البقرة: ٢١٥]، فللرجل أن ينفق في البر على هذه الأصناف كيف شاء". قال في "الانتصاف": "الأمر فيه موكول عند مالك إلى رأي الإمام يصرفه في مصالح المسلمين، والآية مطابقة له، والمراد منها بيان أن الخمس مصروف في وجوه القربات لله تعالىن وتخصيص ما ذُكر تنبيه على فضله".
[ ٧ / ١٠٥ ]
يُصرف إلى رتاج الكعبة، وعنه: " كان رسول الله ﷺ يأخذ الخمس، فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه قبضة، فيجعلها للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة". وقيل: إن سهم الله تعالى لبيت المال، وعلى الثالث: مذهب مالك بن أنس.
وعن ابن عباس ﵁: أنه كان على ستة: لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض، فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة، وكذلك روى عن عمر ومن بعده من الخلفاء.
وروى: أنّ أبا بكر ﵁ منع بني هاشم الخمس، وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم، ويزوّج أيمكم، ويخدم من لا خادم له منكم، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غنىّ، لا يعطى من الصدقة شيئا، ولا يتيم موسر
_________________
(١) قوله: (إلى رتاج الكعبة)، الجوهري: "الرتج - بالتحريك - الباب العظيم، وكذلك الرتاج، ومنه: رتاج الكعبة". النهاية: "جعل ماله في رتاج الكعبة، أي: لها، فكُني عنها بالباب، لأن منه يُدخل إليها"، وقيل: يُصرف إلى مصالح الكعبة من السدنة وغيرهم. قوله: (فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل): يريد: أن "ذا القربى" في الآية، وإن كان مطلقًا ظاهرًا، لكنه مقيد بقيد الفقر والاحتياج، لأنه مقترن بما يشترط فيه ذلك، لأن ابن السبيل إنما يُعطى لانقطاعه عن ماله، و"اليتامى" و"المساكين" على هذا عطف. قوله: (ولا يتيم موسر): عطفٌ على الضمير المرفوع في قوله: "لا يُعطى من الصدقة شيئًا"، وإنما عُطف من غير تأكيد للفصل.
[ ٧ / ١٠٦ ]
وعن زيد بن علي ﵁ كذلك، قال: " ليس لنا أن نبنى منه قصورًا، ولا أن نركب منه البراذين".
وقيل: الخمس كله للقرابة، وعن على ﵁ أنه قيل له: إنّ الله تعالى قال: (وَالْيَتمى وَالْمَسكِينِ)؟ فقال: أيتامنا ومساكيننا.
وعن الحسن في سهم رسول الله ﷺ: أنه لولي الأمر من بعده.
_________________
(١) قال محيي السنة: "الكتاب ثم السنة يدلان على ثبوته للأغنياء منهم، والخلفاء بعد رسول الله ﷺ كانوا يعطونه، ولا يُفضل فقير على غني، والنبي ﷺ أعطى العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله، والشافعي ألحقه بالميراث الذي يُستحق باسم القرابة، فيعطى الرجل سهمين، والأنثى سهمًا واحدًا". وقلت: وأما دلالة الكتاب: فلأنه تعالى عطف "ذا القربى" على الرسول ﷺ مُطلقًا من غير تقييد بالفقر، وأما "ابن السبيل واليتامى والمساكين" فمخصوص بالدليل، ولا يبعد أن يُجعل الاستحقاق بحسب مفهوم الألفاظ الخمسة. وفي التنزيل من الأعلى إلى الأدنى: التنبيه على الاستحقاق بحسب الأولوية، وعلى أن المقصود من ذكر الله تعظيم رسول الله ﷺ، كما ذهب إليه الإمامان الشافعي وأبو حنيفة ﵄، وأن العلة في الاستحقاق كونه ذا القربى، لا الاحتياج والفقر. قوله: (البراذين): البرذون من الدابة: خلاف الجواد، الأساس: "وبرذن الجواد: صار برذونًا، قال القلاخ: لله در جياد أنت سائسها … برذنتها وبها التحجيل والغرر
[ ٧ / ١٠٧ ]
وعن الكلبي: أنّ الآية نزلت ببدر. وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام؛ للنصف من شوال، على رأس عشرين شهرًا من الهجرة.
فإن قلت: بم تعلق قوله: (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ)؟ قلت: بمحذوف يدل عليه (وَاعْلَمُوا)، المعنى: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنّ الخمس من الغنيمة يجب التقرب به، فاقطعوا عنه أطماعكم، واقتنعوا بالأخماس الأربعة، وليس المراد بالعلم: المجرّد، ولكنه العلم المضمن بالعمل، والطاعة لأمر الله؛ لأنّ العلم المجرّد يستوي فيه المؤمن والكافر.
(وَما أَنْزَلْنا) معطوف على (بِاللَّهِ) أي: إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل (عَلى عَبْدِنا)، وقرئ "عبدنا" كقوله: "وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ" [المائدة: ٦٠] بضمتين.
(يَوْمَ الْفُرْقانِ): يوم بدر، و(الْجَمْعانِ): الفريقان من المسلمين والكافرين، والمراد: ما أنزل عليه من الآيات والملائكة والفتح يومئذ، (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): يقدر على أن ينصر القليل على الكثير، والذليل على العزيز، كما فعل بكم ذلك اليوم
_________________
(١) قوله: (بم تعلق قوله: (إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ)؟) يعني: ما جزاؤه. ولما كان في هذا الشرط - المُذيل به الكلام السابق - التأكيد؛ لما فيه من التكرير، وضُم معه قيد الإيمان: كان المراد من العلم العمل، وهو قطع الطمع بالكلية عن الخمس، والاقتناع بالأخماس الباقية. قوله: (وقرئ: "عُبدنا") بالضم، أي: الرسول ﷺ وأصحابه. قوله: (من الآيات والملائكة والفتح): يعني: لم يذكر مفعول "ما أنزل" ليشمل جميع ما يُناسب أن ينزل في ذلك المقام، ثم "الآيات" في قول المصنف أيضًا مطلقة، فيجوز أن يُراد بها ما ذهب إليه محيي السنة، قال: "وما أنزلنا على عبدنا؛ يعني قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ)، ويجوز أن يُراد بها الآيات الدالة على القدرة الباهرة، ويكون عطف "الملائكة
[ ٧ / ١٠٨ ]
[(إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) ٤٢]
(إِذْ) بدل من (يوم الفرقان)، والعدوة: شط الوادي، بالكسر والضم والفتح، وقرئ بهنّ وبـ" العدية"، على قلب الواو ياء، لأنّ بينها وبين الكسرة حاجزًا غير حصين كما في الصبية.
_________________
(١) والفتح" من باب عطف (وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) على (وَمَلائِكَتِهِ) [البقرة: ٩٨]، والذي يُشعر بالثاني قوله: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقراءة من قرأ: "عبدنا"، بالجمع. وفي إبدال (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) من (يَوْمَ الْفُرْقَانِ) معنى التتميم، وأن المراد بالآيات القدرة، وفيه تصوير تلك الحالة الدالة على ضعف أحد الفريقين وقوة الآخر، وغلبة الضعيف على القوي بما أنزل الله من أسباب الفتح والنصرة، ولو قيل يوم بدر، لم يفد هذا المعنى، والذي يدل على التصوير إبدال قوله: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا) [الأنفال: ٤٢] ثم إبدال (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) [الأنفال: ٤٤]. قوله: (وقرئ بهن): ابن كثير وأبو عمرو: بالكسر، والباقون: بالضم، والفتح: شاذ، وكذلك "العدية" بالياء. قوله: (غير حصين): يعني: بين الواو وبين الكسر وقع الدال، وهو ساكن، مانع غير قوي، نحو الباء الساكنة في "الصبية"، لأنها حاجزة غير حصين بين الكسرة والواو.
[ ٧ / ١٠٩ ]
و(الدنيا) و(القصوى): تأنيث "الأدنى" والأقصى". فإن قلت: كلتاهما "فعلى" من بنات الواو، فلم جاءت إحداهما بالياء، والثانية بالواو؟ قلت: القياس هو قلب الواو ياء كـ "العليا"، وأما (القصوى) فكـ "القود" في مجيئه على الأصل، وقد جاء "القصيا"، إلا أنّ استعمال "القصوى "أكثر، كما كثر استعمال "استصوب" مع مجيء "استصاب"، و"أغيلت" مع "أغالت"، والعدوة الدنيا: مما يلي المدينة، والقصوى: مما يلي مكة.
(وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) يعنى الركب الأربعين الذين كانوا يقودون العير أسفل منكم بالساحل. و(أسفل) نصب على الظرف، معناه: مكانا أسفل من مكانكم، وهو مرفوع المحل، لأنه خبر المبتدأ
_________________
(١) ـ قوله: (القياس هو قلب الواو ياء كـ"العُليا"). فإن قلت: لا شك في وقوع (الدُّنْيَا) و(الْقُصْوَى) في الآية صفتين، لـ "العُدْوة"، فكيف الجمعُ بين هذا القول وبين ما في "المُفصَّل": "وفُعْلى: تُقلب واوها ياء [في الاسم] دون الصفة، فالاسم نحو: الدنيا والعليا والقضيا، وقد شذ: القصوى وحُزوى، والصفة قولك - إذا بنيت "فُعلى" من غزوت غُزوى"، صفة من (أفعلُ -فُعلى) لا يكاد يستعمل اسمًا. قلت: ذكر ابن جني: وإنما ذكر هذه- يعني: "الدنيا" و"القُضيا" - في موضع الأسماء، وأنَّ أصلها الصفة، فإن معنى "الدنيا" الدانية القريبة، و"القضيا" القاصية البعيدة، و"العُليا" بمعنى العالية، لأنها الآن قد ذُهبت بها مذهب السماء بتركهم إجراءها وصفًا في أكثر الأمر، واستعمالهم إياها استعمال الأسماء. قوله: (كـ"القود"): يعني: القياس أن تُقلب واوها ألفًا كأشباهه، فتركوه على ما كان، كذلك "القصوى".
[ ٧ / ١١٠ ]
فإن قلت: ما فائدة هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم؟ قلت: الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدوّ وشوكته، وتكامل عدّته، وتمهد أسباب الغلبة له،
_________________
(١) قوله: (ما فائدة هذا التوقيت؟): أي: التعيين، يعني: حق الإخبار عن الشيء ألا يكون عند المخاطب، وكل هذه الأمور المذكورة كانت معلومة معينة، فما الفائدة في الذكر؟ وخلاصة الجواب: أن بعض الأخبار المُراد منه لازم الفائدة، وتخصيصه باقتضاء المقام، والمقام هاهنا بيان قدرة الله وتصوير صنعه العجيب الشأن، وهو نصرة الضعيف القليل مع فقدان الأسباب على القوى الكثير مع تهيؤ الأسباب، ولا يحصل هذا غلا بأن يحكي صورة الواقعة ما هي، لينتقل إلى لازمها. فإن قلت: فأي فرق بين هذا اللازم وبين ما وقع في كلام صاحب "المفتاح": "وفائدة الخبر لما كانت هي الحكم أو لازم الحكم، وهو أنك تعلم الحكم أيضًا"؟ قلتُ: هذا على مقتضى الظاهر، فإن كلا من الأخبار أيا كان لا ينفك عن الفائدة ولازمها، كما قال: "والأولى بدون هذه تمتنع"، لكن رُبما جُعل ذلك ذريعة إلى التحسر والحرمان كقولها: (إِنِّي وَضَعْتُهَا
[ ٧ / ١١١ ]
وضعف شأن المسلمين، والتياث أمرهم، وأنّ غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعًا من الله، ودليلًا على أنّ ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوّته وباهر قدرته،
وذلك أنّ العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، وكانت أرضًا لا بأس بها ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهي خبار تسوخ فيها الأرجل،
_________________
(١) ـ أُنْثَى) [آل عمران: ٣٦]، أو الامتنان كقوله: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا)، أو إلى التهديد كقول للجاني: أنت الذي فعلت كذا، أو إظهار التحزن نحو قوله: أنت الذي كلفتني دُلج السرى … وجون القطا بالجلهتين جثوم قوله: (والتياث أمرهم)، الجوهري: "الالتياث: الاختلاط والالتفاف، يُقال: التاثت الخطوب، والتاث برأس القلم شعرة". قوله: (وهي خبار)، الجوهري: "هي الأرض الرخوة ذات الجحرة"، فقوله: "تسوخ فيها الرجل ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة" تفسير للخبار.
[ ٧ / ١١٢ ]
ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة، وكانت العير وراء ظهور العدوّ مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم. ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم، ليبعثهم الذب عن الحريم، والغيرة على الحرم على بذل جهيداهم في القتال، وأن لا يتركوا وراءهم ما يحدّثون أنفسهم بالانحياز إليه، فيجمع ذلك قلوبهم ويضبط هممهم ويوطن نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم، ولا يخلوا مراكزهم، ويبذلوا منتهى نجدتهم وقصارى شدّتهم.
وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر وقعة بدر؛ ليقضى أمرًا كان مفعولا؛ من إعزاز دينه وإعلاء كلمته، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة،
_________________
(١) قوله: (وتشحذ في المقاتلة)، الجوهري: "شحذت السكين أشحذه شحذًا، أي: حددته، والمشحذ: المسن"، وهو من الاستعارة المكنية أو التبعية. قوله: (على بذل جهيداهم)، الأساس: "بلغ جهده ومجهوده، أي: طاقته، ولا بلُغن جُهَيداي". قوله: (منتهى نجدتهم)، الأساس: "نجد الرجل، ورجل نجد ونجيد، أي: شجاع". قوله: (وفيه تصوير ما دبر الله): قيل: هو عطف على "فيه الإخبار عن الحال"، فيكون الجواب من وجهين. وقلت: بل هي واو الحال، أي: في التوقيت والإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدو وضعف شأن المسلمين. وفي الإخبار على هذا النهج: إدماج تصوير ما
[ ٧ / ١١٣ ]
حتى خرجوا ليأخذوا الغير راغبين في الخروج، وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم من تعرّض رسول الله ﷺ لأموالهم، حتى نفروا ليمنعوا عيرهم، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى ووراءهم العير يحامون عليها، حتى قامت الحرب على ساق، وكان ما كان.
(وَلَوْ تَواعَدْتُمْ) أنتم وأهل مكة، وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه للقتال، لخالف بعضكم بعضًا، فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله ﷺ والمسلمين، فلم يتفق لكم من التلاقي في ما وفقه الله وسبب له.
(لِيَقْضِيَ) متعلق بمحذوف، أي ليقضى أمرًا كان واجبًا أن يفعل، وهو نصر أوليائه، وقهر أعدائه، دبر ذلك،
_________________
(١) دبره الله تعالى، أي: صوروا في أنفسكم تلك الحالات العجيبة الدال على القدرة الباهرة من فاتحتها إلى خاتمتها، لتعرفوا حسن تدبير الله فيها، في إعلاء كلمته، ونصرة أوليائه، وقهر أعدائه، إلى غير ذلك، وإليه الإشارة بقوله: "وكان ما كان"، وإنما قُلنا: إن الواو للحال دون الإخبار؛ لأن المراد التنبيه والتصوير كما سبق. قوله: (وشخص بقريش)، الجوهري: "شخص من بلد إلى بلد شخوصًا، أي: ذهب، وأشخصه غيره". قوله: (أي: ليقضي أمرًا كان واجبًا أن يُفعل، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه): هذا إن كان بسبب الوعد - كقوله تعالى: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: ٤٧]- فلا نزاع، وإن كان سببه الاستحقاق أو رعاية الأصلح فلا، قال في "مريم" في قوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) [مريم: ٢١]: "أي: مقدرًا مسطورًا في اللوح، لابد من جريه عليك، أو كان
[ ٧ / ١١٤ ]
وقوله: (لِيَهْلِكَ) بدل منه، واستعير "الهلاك" و"الحياة" للكفر والإسلام، أي ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة، لا عن مخالجة شبهة، حتى لا تبقى له على الله حجة، ويصدر إسلام من أسلم أيضًا عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به، وذلك أن ما كان من وقعة بدر من الآيات الغرّ المحجلة التي من كفر بعدها كان مكابرًا لنفسه مغالطًا لها.
وقرئ: " ليهلك" بفتح اللام،
_________________
(١) أمرًا حقيقًا بأن يكون ويُقضى"، إلى قوله: "وما كان سببًا في قوة الاعتقاد والتوصل إلى الطاعة والعمل الصالح، فهو جدير بالتكوين". قوله: «لِيَهْلِكَ) بدل منه): قال أبو البقاء: " (لِيَهْلِكَ): يجوز أن يكون بدلا ًمن (لِيَقْضِيَ) بإعادة الحرف، وأن يكون متعلقًا بـ "يقضي"، أو بـ (مَفْعُولًا) ". وقلت: البدل أولى؛ لأن المراد بالحياة الإيمان، وبالهلاك الكفر، وبالبينة إظهار كمال القدرة الدالة على الحجة الدامغة، أي: فعلنا ذلك لتظهر حجة من أسلم، ويدحض باطل من كفر، ولا ارتياب في أن هذه المعاني في هذا التركيب أوضح منها في قوله تعالى: (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا). قوله: ("لِيَهلَكَ"، بفتح اللام): قال ابن جني في "الأحقاف": "أما "يَهلَكُ" بفتح الياء واللام جميعًا فشاذة مرغوب عنها، لأن ماضيه "هلك" مفتوح العين، ولا يأتي: فعل يفعل، إلا إذا كان حرف الحلق في العين أو اللام، فهو من اللغة المتداخلة".
[ ٧ / ١١٥ ]
و(حيي) بإظهار التضعيف.
(لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ): يعلم كيف يدبر أموركم ويسوى مصالحكم، أو: (لسميع عليم) بكفر من كفر وعقابه، وبإيمان من آمن وثوابه.
[(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) ٤٣]
(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ) نصبه بإضمار: اذكر، أو: هو بدل ثان من (يوم الفرقان) [الأنفال: ٤١]، أو متعلق بقوله: (لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال: ٤٢]، أي يعلم المصالح إذ يقللهم في عينك، (فِي مَنامِكَ): في رؤياك، وذلك أن الله ﷿ أراه إياهم في رؤياه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، فكان تثبيتًا لهم وتشجيعًا على عدوهم.
_________________
(١) ـ قوله: (و"حيي") أي: وقُرئ: "حيي" بإظهار التضعيف؛ نافع والبزي وأبو بكر، قال أبو البقاء: " (حَيَ) يُقرأ بتشديد الياء، وهو الأصل، لأن الحرفين متماثلان متحركان، مثل: شد ومد، ويُقرأ بالإظهار؛ وفيه وجهان: أحدهما: أن الماضي حُمل على المستقبل، وهو يحيا، فكما لم يدغم في المستقبل، لم يدغم في الماضي، وليس كذلك: شد ومد، فإنه يدغم فيهما جميعًا. والثاني: أن حركة الحرفين مختلفة، فالأولى مكسورة، والثانية مفتوحة، واختلاف الحركتين كاختلاف الحرفين، ولذلك أجازوا في الاختيار: لححت عينه، وضبب البلد: إذا كثُر ضبه". الجوهري: "لححت عينه: إذا لصقت بالرمص، وهو أحد ما جاء على الأصل".
[ ٧ / ١١٦ ]
وعن الحسن: (في منامك): في عينك، لأنها مكان النوم، كما قيل للقطيفة؛ المنامة، لأنه ينام فيها. وهذا تفسير فيه تعسف، وما أحسب الرواية صحيحة فيه عن الحسن، وما يلائم علمه بكلام العرب وفصاحته.
_________________
(١) قوله: (وهذا تفسير فيه تعسف، وما أحسب الرواية صحيحة): ورواه محيي السنة عن الحسن أيضًا. وقال الزجاج: "رُوي عن الحسن: أن معناها: فيعينك التي تنام بها، وكثير من النحويين يذهبون إليه، يعني: (إِذْ يُرِيكَهُمْ) في موضع (مَنَامِكَ)، أي: في عينك، ثم حُذف الموضع، وأقيم المنام مقامه، وهذا حسن، ولكن قد جاء في التفسير: أن النبي ﷺ رآهم في النوم قليلًا، وقص الرؤيا على أصحابه. وهذا المذهب أسوغ في العربية، لأنه قد جاء (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا)، فدل بهذا على أن هذه الرؤية رؤية الالتقاء، وأن تلك رؤية النوم". قلت: أراد الزجاج أن هذا الوجه حسن من حيث التأويل، لكن النظم يأباه؛ لأن الآية الثانية داعية إلى المخالفة بين الرؤيتين، فيُقال: إن المخالفة حاصلة، وهي أن الإراءة في الأول
[ ٧ / ١١٧ ]
(لَفَشِلْتُمْ): لجبنتم وهبتم الإقدام (ولَتَنَازَعْتُمْ) في الرأي، وتفرقت فيما تصنعون كلمتكم، وترجحتم بين الثبات والفرار (وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ) أي: عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع والاختلاف، (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) يعلم ما سيكون فيها من الجرأة والجبن والصبر والجزع.
[(وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ٤٤]
(وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ) الضميران مفعولان، يعنى: وإذ يبصركم إياهم، (وقَلِيلًا) نصب على الحال، وإنما قللهم في أعينهم تصديقًا لرؤية رسول الله ﷺ، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم، ويجدّوا ويثبتوا.
_________________
(١) . خُصت بالرسول ﷺ، وفي الثاني عمتن كأنه صلوات الله عليه أُريَ في اليقظة أنهم قليلون ليشجع أصحابه، فأخبرهم بما رأى لئلا يجبنوا، كما قال: (وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ)، ثم لما التقوا حقق الله تلك الإراءة في أعين أصحابه رضوان الله عليهم أيضًا، حيث قال: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا) فتجاوبت الإراءتان. والله أعلم. وفائدة العدول عن العين إلى مكانها: الإشعار بحصول الأمن الوافر، وإنزال السكينة التامة، وعدم المبالاة بهم، وهو كقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا) [آل عمران: ١٥٤]، قال: "أنزل الله الأمن على المؤمنين، وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم، حتى نعسوا وغلبهم النوم". قوله: (وترجحتم بين الثبات والفرار)، الأساس: "رجحت الشيء: وزنته بيدي، ونظرت ما ثقله".
[ ٧ / ١١٨ ]
قال ابن مسعود ﵁: " لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة، فأسرنا رجلًا منهم، فقلنا له: كم كنتم؟ قال. ألفًا، (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ حتى قال قائل منهم: إنما هم أكلة جزور.
فإن قلت: الغرض في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض في تقليل المؤمنين في أعينهم؟ قلت: قد قللهم في أعينهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعده؛ ليجترئوا عليهم، قلة مبالاة بهم، ثم تفجأهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا، وتفل شوكتهم حين يرون ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم، وذلك قوله: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَايَ الْعَيْنِ) [آل عمران: ١٣]، ولئلا يستعدوا لهم، وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح الآية البينة من قلتهم أوّلا وكثرتهم آخرًا.
فإن قلت: بأي طريق يبصرون الكثير قليلا؟ قلت: بأن يستر الله بعضه بساتر، أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير، كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين. قيل لبعضهم: إن الأحول يرى الواحد اثنين، وكان بين يديه ديك واحد فقال: فمالي لا أرى هذين الديكين أربعة؟
_________________
(١) قوله: (أكلة جزور): يُضرب في القلة والأمر الذي لا يُعبأ به. الجوهري: "قولهم: هم أكلة رأس، أي: قليل يشبعهم رأس واحد، وهو جمع آكل". قوله: (أو يُحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير): قال في "الانتصاف": "فيه دليل بين على أن الله هو الذي يخلق الإدراك في الحاسة، ويكون غير موقوف على سبب من مقابلة أو ارتفاع حُجب وغيرها، إذ لو كانت هذه الأسباب موجبة للرؤية عقلًا، لما أمكن أن يستتر عنهم البعض ويدركوا البعض، فيجوز خلق الإدراك مع انتفاء هذه الأسباب، وأن لا يخلقه مع اجتماعها، وهو رد على من أنكر رؤية الله تعالى". انتهى كلامه.
[ ٧ / ١١٩ ]
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ٤٦]
(إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً): إذا حاربتم جماعة من الكفار، وترك أن يصفها لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار. واللقاء: اسم للقتال غالب، (فَاثْبُتُوا) لقتالهم ولا تفرّوا، (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) في مواطن الحرب مستظهرين بذكره، مستنصرين به،
_________________
(١) . فإن قلت: "لكن" تقتضي أن يكون ما قبلها مخالف لما بعدها، وقوله: (وَلَوْ أَرَاكَهُمْ .. لَفَشِلْتُمْ) [الأنفال: ٤٣] معناه: ما أراكهم كثيرًا وما فشلتم، فأين مقتضى ذلك؟ قلت: هو استدراك من كلام مقدر، أي: ما فشلتم فسلمتم فلا تحسبوا أن تلك السلامة الموجبة للنصرة كانت منكم، لكن الله سلمكم ونصركم، كقوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) [الأنفال: ١٧]؛ إن افتخرتم بقتلهم فإنكم ما قتلتموهم، ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت. وفي وضع اسم الله تعالى موضع المضمر إشعارٌ بأن الأمر عظيم الشأن، فلا يصدرن ذلك إلا عن باهر السلطان، وفيها رد للمعتزلة؛ لأنه نفي أن يكون سبب المسبب سببًا. ويجوز أن تُحمل "لو" على معنى: أي: إن فُرض إراءتكم كثيرًا لفشلتم ووقعتم في العطب، ولكن لم يحصل المفروض، أي: الإراءة، فلم يحصل العطب، فوضع المسبب موضع السبب. قوله: (ترك أن يصفها): أي: ترك وصف قوله: (فِئَةً)، أي: أطلقها ولم يقيدها بالكفار؛ لقرينة قوله: (إِذَا لَقِيتُمْ)، لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار، واللقاء أيضًا مبهم، ولكن أغلب استعماله في القتال، وعلى هذا (فَاثْبُتُوا).
[ ٧ / ١٢٠ ]
داعين له على عدوكم: اللهم اخذلهم، اللهم اقطع دابرهم (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ): لعلكم تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة.
وفيه إشعار بأنّ على العبد أن لا يفتر عن ذكر ربه أشغل ما يكون قلبًا وأكثر ما يكون هما، وأن تكون نفسه مجتمعة لذلك،
_________________
(١) ـ قوله: (وفيه إشعار بأن [على] العبد): أي: أُدمج في الآية معنى وجوب ذكر الله في جميع المواطن، سيما في المواطن المهلكة، لأنه تعالى جعل الأمر بالذكر مسببًا عن لقاء العدو في الحرب، ولا مقام أشغل للقلب منه، وأدمج فيه أيضًا إيجاب التكلف لجمع النفس لأجل ذكر الله والتوكل عليه وتفويض الأمر إليه، وإن كانت أفكاره متوزعة، لأنه تعالى قرن الأمر بالذكر بقوله: (فَاثْبُتُوا)، ليُقبل إليه بشراشره فارغ البال واثقًا بأن لطفه لا ينفك عنه في شيء من الأحوال. قوله: (أشغل ما يكون قلبًا): فيه غرابة؛ لأن "ما" مصدرية، والوقت مقدر، فيكون إسناد "أشغل" إلى الوقت من باب: "نهاره صائم"، ويلزم منه إثبات القلب للوقت. والأحسن أن يكون "أشغل ما يكون" استعارة مكنية؛ شبه أوقاته بالإنسان على التصوير، ثم أثبت له الشغل على التخييلية، ثم فرع عليه القلب على الترشيح. وقيل: "أشغل" حال من الضمير في "يفتر"، و"ما" بمعنى: شيء، ويكون صفته، و"قلبًا" تمييز. والمعنى: يجب على العبد أن لا يفتر عن ذكر ربه في حال يكون أشغل قلبًا من أفراد الناس إذا فصل الناس واحدًا واحدًا.
[ ٧ / ١٢١ ]
وإن كانت متوزعة عن غيره، وناهيك بما في خطب أمير المؤمنين في أيام صفين وفي مشاهده مع البغاة والخوارج؛ من البلاغة والبيان، ولطائف المعاني وبليغات المواعظ والنصائح، دليلا على أنهم كانوا لا يشغلهم عن ذكر الله شاغل وإن تفاقم الأمر.
(وَلا تَنازَعُوا) قرئ بتشديد التاء، (فَتَفْشَلُوا) منصوب بإضمار "أن"، أو مجزوم لدخوله في حكم النهى، وتدل على التقديرين قراءة من قرأ "وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" بالتاء والنصب، وقراءة من قرأ: "ويذهب ريحكم بالياء والجزم.
_________________
(١) قوله: (متوزعة)، الجوهري: "وزع المال والخراج توزيعًا: قسمه، وبها أوزاع من الناس: ضروب متفرقون". الأساس: "ومن المجاز: توزعته الأفكار، وهو متوزع القلب". قوله: (وناهيك بما في خُطب): "ما" فاعل أو مبتدأ، والباء زائدة، و"ناهيك" خبرٌ مقدم، أي: ما في خطب أمير المؤمنين من البلاغة كافيك في الدلالة على ما ذكرنا، يعني: أنه في قوة دلالته ينهاك عن تطلب غيره. قوله: (في أيام صفين وفي مشاهده): عطف العام على الخاص، نحو: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الحجر: ٨٧]، وحينئذ يلزم المصنف تعميم ما خصص في قوله: (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً): "إذا حاربتم جماعة الكفار"، بأن يقال: جماعة الكفار والبغاة: ويمكن أن يقال: إنه غلب الكفار على البغاة تغليظًا. قوله: ("وتذهب ريحكم" بالتاء والنصب): الأئمة السبعة بالاتفاق، وبالتاء الفوقانية والجزم: شاذة.
[ ٧ / ١٢٢ ]
والريح: الدولة؛ شبهت في نفوذ أمرها وتمشيه بالريح وهبوبها، فقيل: هبت رياح فلان: إذا دالت له الدولة ونفذ أمره. ومنه قوله:
أتُنْظِرَانِ قَلِيلًا رَيْثَ غَفْلَتِهِمْ … أمْ تَعْدُوَانِ فَإنَّ الرِّيحَ لِلْعَادِي
_________________
(١) قوله: (والريح: الدولة): يعني: استعار للدولة الريح بعدما شُبهت الدولة في نفوذ أمرها وتمشيته بالريح، ثم أدخل المشبه في جنس المشبه به ادعاء، وأطلق اسم المشبه به على المشبه المتروك، فقيل: هبت رياح فلان: إذا دالت له الدولة. قال: إذا هبت رياحك فاغتنمها … فإن لكل خافقة سكون فلا تغفل عن الإحسان فيها … فما تدري السكون متى يكون قوله: (أتنظران قليلا)، البيت: قبله: يا صاحبي ألا لا حي بالوادي … إلا عبيد وآم بين أذواد الذود من الإبل: ما بين ثلاثة إلى عشرة. "أتنظُران": من: انتظرته، "ريث": قدر، "أم تعدوان": تفتكان، "للعادي": للفاتك؛ يخاطب صاحبيه حين اطلع على الحي: أتنظران قليلًا قدر ما يغفلون، فتسرقان أو تقتلان من غير انتظار الغفلة، وذلك أن سُليكًا مع صاحبين له أتوا جوف مراد من اليمن، فإذا نعم كثيرة،
[ ٧ / ١٢٣ ]
وقيل: لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله، وفي الحديث: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور".
[(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ٤٧]
حذرهم بالنهى عن التنازع واختلاف الرأي،
_________________
(١) فخافوا أن يغيروا، فقال سُليك: كونا قريبًا حتى آتى الرعاء، فأعلم لكما أن الحي قريب أم بعيد، فإن كان قريبًا رجعت إليكما، وإن كان بعيدًا قلت لكما قولًا، فأغيرا، فانطلق حتى استعلم أن الحي بعيد، فقال للرعاء: ألا أغنيكم؟ قالوا: بلى، فغنى بأعلى صوته: يا صاحبي ألا لا حي .. البيتين. فأتيا، فذهبوا بالإبل، ولم يدركوا. قوله: (وقيل: لم يكن قط نصر إلا بريح): فعلى هذا يكون ذهاب الريح حقيقة، ويجوز أن يكون كناية. قال محيي السنة: "والريح هنا: كناية عن نفاذ الأمر وجريانه على المراد، قال قتادة وابن زيد: هو ريح النصر، لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله تعالى تضرب وجوه العدو، ومنه الحديث: "نصرت بالصبا وأهلك عاد بالدبور"، وعن النعمان بن مقرن قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ، فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر". روى البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى: "أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس"، الحديث.
[ ٧ / ١٢٤ ]
نحو ما وقع لهم بأحد لمخالفتهم رسول الله ﷺ من فشلهم وذهاب ريحهم. (كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ): هم أهل مكة حين نفروا الحماية العير، فأتاهم رسول أبي سفيان، وهم بالجحفة: أن ارجعوا، فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل، وقال: حتى نقدم بدرًا نشرب بها الخمور، وتعزف علينا القيان، ونطعم بها من حضرنا من العرب. فذلك بطرهم ورئاؤهم الناس بإطعامهم، فوافوها، فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان، فنهاهم أن يكونوا مثلهم بطرين طربين مرائين بأعمالهم، وأن يكونوا من أهل التقوى والكآبة والحزن من خشية الله، مخلصين أعمالهم لله.
[(وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ) ٤٨].
_________________
(١) . قوله: (نحو ما وقع لهم بأُحد): منصوب على أنه مفعول به لـ "حذرهم"، وفيه أن قوله: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا) الآية [الأنفال: ٤٦]، وإن وقعت في أثناء قصة بدر، لكنها معترضة، والأمر عام في جميع المواطن، لأن حرب أد وقعت بعد حرب بدر بزمان. وهذا يقوى أن هذه السورة نازلة في بيان تعداد أحوال أصحاب النبي ﷺ حالًا فحالًا، من غير ترتيب، ليكثر الحالات، وأن حمل قوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) [الأنفال: ١٧] على قصة بدر، وقوله: (وَمَا رَمَيْتَ) [الأنفال: ١٧] على قصة حنين، صحيح. قوله: (وتعزف علينا)، النهاية: "العزف: اللعب بالمعازف، وهي الدفوف وغيرها مما يُضرب، وقيل: إن كل لعب عزف". قوله: (وأن يكونوا من أهل التقوى): أي: نهى المسلمين أن يكونوا بطرين، وأمرهم أن يكونوا متقين، وهو من باب: علفتها تبنًا وماء باردًا
[ ٧ / ١٢٥ ]
(وَ) اذكر (إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) التي عملوها في معاداة رسول الله ﷺ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن إتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم، فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم، أي: بطل كيده حين نزلت جنود الله، وكذا عن الحسن ﵀: كان ذلك على سبيل الوسوسة، ولم يتمثل لهم.
وقيل: لما اجتمعت قريش على السير ذكرت الذي بينها وبين بني كنانة من الحرب، فكان ذلك يثنيهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم؛ الشاعر الكناني، وكان من أشرافهم في جند من الشياطين معه راية، وقال: لا غالب لكم اليوم، وإنى مجيركم من بني كنانة، فلما رأى الملائكة تنزل، نكص، وقيل: كانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما نكص قال له الحارث: إلى أين؟ أتخذ لنا في هذه الحال؟ فقال: إني أرى مالا ترون، ودفع في صدر الحارث وانطلق، وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة، فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.
_________________
(١) ـ قوله: (نكص الشيطان)، الجوهري: "النكوص: الإحجام عن الشيء، يُقال: نكص على عقبيه ينكص وينكص، أي: رجع". قوله: (وقيل: ولما اجتمعت قريش): عطف من حيث المعنى على قوله: "وسوس إليه"، فالقول في قوله تعالى: (وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ) مجاز عن الوسوسة، والنكوص استعارة تمثيلية ما تقول: أراك أيها المفتي، تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، ولذلك قال في تفسير (نَكَصَ): "بطل كيده، يدل عليه قول الحسن: كان ذلك على سبيل الوسوسة، ولم يتمثل لهم"، وعلى الثاني: الكل مجراة على الحقيقة.
[ ٧ / ١٢٦ ]
وفي الحديث: "وما رئي إبليس يوما أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة؛ لما يرى من نزول الرحمة، إلا ما رئي يوم بدر".
_________________
(١) . قوله: (وفي الحديث "ما رُئي إبليس يومًا أصغر ولا أدحر") الحديث: من "الجامع" عن مالك في "الموطأ" عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله ﷺ قال: "ما رُئي الشيطان في يوم هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة؛ وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رئي يوم بدر، فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة". النهاية: "الدحر: الدفع بعنف على سبيل الإهانة والإذلال، وأفعل التفضيل فيه كأشهر وأجن، من: شُهر وجُن"، "يزع الملائكة": أي: يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب، فكأنه يكفهم عن التفرق والانتشار. قوله: "في يوم عرفة": في رواية "الموطأ": متعلق بـ"أفعل"، فهو يعمل في المستتر والظرف ونحوهما، لأن فيه رائحة الفعل. وأما رواية الكتاب: "ولا أغيظ من يوم عرفة": فقال صاحب "النهاية": "نُزل وصف الشيطان بأنه أدحر منزلة وصف اليوم به، لوقوع ذلك فيه، كأن اليوم نفسه هو الأدحر". قلت: فعلى هذا "أصغر" صفة "يومًا"، و"من يوم عرفة": متعلق بهن وهو مطابق لرواية "الموطأ"، لأن الأصل: ما رُئي إبليس في يوم من الأيام هو أصغر من نفسه إلا ما رُئي في يوم عرفة"، ثم علق الظرف بـ "أفعل من" على التوسع، كما في قولهم: زيد نهاره صائم"، أي: هو في نهاره صائم، وما قيل: إن "أصغر" مفعول ثان لـ"رُئي"، أو حال من "إبليس": فمُتعسف.
[ ٧ / ١٢٧ ]
فإن قلت: هلا قيل: لا غالبًا لكم، كما يقال: لا ضاربا زيدًا عندنا؟ قلت: لو كان (لَكُمُ) مفعولا لـ (غالب)، بمعنى: لا غالبًا إياكم، لكان الأمر كما قلت: لكنه خبر تقديره: لا غالب كائن لكم.
[(إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ٤٩]
(إِذْ يَقُولُ الْمُنفِقُونَ) بالمدينة (والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) يجوز أن يكون من صفة (المنافقين)، وأن يراد: الذين هم على حرف؛ ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام. وعن الحسن: هم المشركون،
_________________
(١) ـ قوله: (لو كان (لَّكُمْ) مفعولًا لـ (غَالِبَ» إلى آخره: قال أبو البقاء: " (غَالِبَ) هاهنا: مبنية، و(لَّكُمْ) في موضع رفع خبر (لا)، و(اَلْيَوْمَ) منصوبًا بـ (غَالِبَ)، ولا (مِنْ النَّاسِ) حالًا منا لضمير في «غَالِبَ)؛ لأن اسم "لا" إذا عمل فيما بعده لا يجوز بناؤه"، لأنه مشابه للمضاف، فكان منصوبًا. قوله: «وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) يجوز أن يكون من صفة "المنافقين")، ويجوز أن تكون الواو في (وَالَّذِينَ) من التي تتوسط بين الصفة والموصوف؛ لتأكيد لصوق الصفة، لأن هذه الصفة في المنافقين لاصقة لا تنفك، قال الله تعالى: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)، أو تكون من التي تدخل بين المُفسِّر والمُفسَّر، نحو: أعجبني زيدٌ وكرمه، قال القاضي: "والعطف لتغاير الوصفين". قوله: (ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام): قال في قوله تعالى: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) [الحج: ١١]: "أي: على طرف من الدين، لا في وسطه وقلبه".
[ ٧ / ١٢٨ ]
(غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ) يعنون: أنّ المسلمين اغتروا، بدينهم وأنهم يتقوّون به وينصرون من أجله، فخرجوا وهم ثلاث مئة وبضعة عشر، إلى زهاء ألف، ثم قال جوابا لهم (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) غالب يسلط القليل الضعيف على الكثير القوى.
[(وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الملكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبرَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ* ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) ٥٠ - ٥١]
(وَلَوْ تَرى): ولو عاينت وشاهدت، لأن "لو" تردّ المضارع إلى معنى الماضي، كما تردّ "إن"
الماضي إلى معنى الاستقبال، (وإِذْ) نصب على الظرف، وقرئ: (يتوفى). بالياء والتاء،
و(الملكة) رفعها بالفعل، و(يَضْرِبُونَ) حال منهم.
ويجوز أن يكون في (يَتَوَفَّى) ضمير الله ﷿، و(الملكة) مرفوعة بالابتداء، (ويَضْرِبُونَ) خبر. وعن مجاهد: (وأدبارهم): أستاههم، ولكن الله كريم يكنى، وإنما خصوهما بالضرب؛ لأنّ الخزي والنكال في ضربهما أشدّه.
وبلغني عن أهل الصين: أن عقوبة الزاني عندهم أن يصبرَّ، ثم يعطى الرجل القوي البطش شيئًا عمل من حديد، كهيئة الطبق، فيه رزانة، وله مقبض، فيضربه على دبره ضربة واحدة بقوّته فيجمد في مكانه. وقيل: يضربون ما أقبل منهم وما أدبر.
(وَذُوقُوا) معطوف على (يَضْرِبُونَ) على إرادة القول، أي: ويقولون: ذوقوا (عَذابَ الْحَرِيقِ)، أي: مقدمة عذاب النار، أو: وذوقوا عذاب الآخرة، بشارة لهم به، وقيل: كانت معهم مقامع من حديد، كلما ضربوا بها التهبت النار، أو: ويقال لهم يوم القيامة: ذوقوا.
_________________
(١) قوله: (وقرئ (يَتَوَفَى) بالياء والتاء): ابن عامر: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء. قوله: (و(الْمَلائِكَةِ) مرفوعة بالابتداء، و(يَضْرِبُونَ) خبر): فالجملة على هذا استئنافية. قوله: (أو: ويُقال لهم يوم القيامة: ذوقوا): يعني: قوله تعالى: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)
[ ٧ / ١٢٩ ]
وجواب" لَوْ" محذوف: أي: لرأيت أمرًا فظيعًا منكرًا (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) يحتمل أن يكون من كلام الله ومن كلام الملائكة، (وذلِكَ) رفع بالابتداء، و(بِما قَدَّمَتْ) خبره، (وَأَنَّ اللَّهَ) عطف عليه، أي: ذلك العذاب بسببين: بسبب كفركم ومعاصيكم، وبأن الله (لَيْسَ بِظَلّم لِلْعَبِيدِ) لأن تعذيب الكفار من العدل،
_________________
(١) . إما أنه محمول على إصابة العذاب في الدنيا وأنه متصل بعذاب النار، بأن يُسلط بعد السكرات عذاب القبر، وينتهي ذلك إلى دخول النار، أو يضربون وجوههم ويبشرونهم بعذاب القيامة ليجتمع لهم العذاب في الدنيا والخوف من النكال في الآخرة، أو يقع الضرب في الدنيا والقول في الآخرة. وعن بعضهم أنه قال: الذوق: وجود الطعم بالفم، وأصله فيما يقل تناوله دون ما يكثر، فإنه يقال له: الأكل، وقد يعبر به عن الاختيار، وعن مطلق الإدراك. قوله: (لأن تعذيب الكفار من العدل): كأنه قيل: ذلك العذاب بسبب كفركم، وبسبب أن الله عادل، إذ لابد من جزاء المسيء، كما لابد من ثواب المحسن، فوضع موضعه (لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)، بناء على مذهبه. قلت: والذي يقتضيه النظم هو: أن قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) كالتقرير لمعنى قوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ)، وفائدته: الدلالة على أن التعذيب إنما بلغ غايته لاستِئهالهم ذلك بسبب عظيم جرمهم، وأنه في قوم مخصوصين، وذلك أن قوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا) في المشركين الذين ناصبوا الحرب يوم بدر، لأن المنافقين لما طعنوا في المسلمين بقولهم: (غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ) بمعنى: أن المسلمين اغتروا بدينهم، وأنهم يتقوون به وينصرون من أجله، فخرجوا وهم قليل مستضعفون على الكثير القوي، أجاب الله تعالى بقوله: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) أي: ومن يتوكل على الله فهو يقويه وينصره، لأنه عزيز قوي يُقوي اولياءه، حكيم ينصرهم ويخذل أعداءهم.
[ ٧ / ١٣٠ ]
كإثابة المؤمنين، وقيل: ظلام، للتكثير لأجل العبيد، أو لأن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذب بمثله ظلامًا بليغ الظلم متفاقمه.
[(كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا ْبآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ * ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِايتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ) ٥٢ - ٥٤]
_________________
(١) ثم حقق ذلك بقوله: (وَلَوْ تَرَى)، والخطاب مع هذا القائل، أي: لو رأيت، أيها القائل، إذ يتوفى الملائكة المشركين الذين تعدهم كثيرين قويين، يضربون منهم فوق الأعناق وكل بنان قائلين: ذوقوا عذاب الخزي في الدنيا وعذاب الحريق في الآخرة، وأن ذلك العذاب بسبب مناصبتكم رسول الله ﷺ، وأن الله ليس بلام للعبيد، لرأيت قوة أوليائه ونصرهم على أعدائه. مثاله: إذا نكل المنتصر من عدوه ويعذبه بأنواع البلاء ويقول: هذا بسبب ما ارتكبت من الظلم وأني فيما أفعله بك من النكال العظيم ما تجاوزت حد الإنصاف؛ لأنك تستحقه. وهذا لا يفيد أنه إن ترك التعذيب كان ظالما، كذا [ما] نحن بصدده. ودل على تعظيم الذنب اسم الإشارة، وهو عين ما قاله بعد ذلك: "أو لأن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذب بمثله ظلامًا". قوله: (وقيل: ظلام، للتكثير لأجل العبيد): يعني: أن ظلامًا بناء مبالغة يدل على أنه تعالى ليس بظلام للعبيد، أي: بكثير الظلم، ويُفهم من دليل الخطاب جواز إثبات الظلم القليل.
[ ٧ / ١٣١ ]
الكاف في محل الرفع، أي: دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون. ودأبهم: عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه،: أي داوموا عليه وواظبوا، و(كَفَرُوا) تفسير لدأب آل فرعون. (وذلِكَ) إشارة إلى ما حل بهم. يعنى: ذلك العذاب -أو: الانتقام- بسبب أن الله لم ينبغ له، ولم يصحّ في حكمته، أن يغير نعمته عند قوم (حَتَّى يُغَيِّرُوا) ما بهم من الحال.
فإن قلت: فما كان من تغيير آل فرعون ومشركي مكة، حتى غير الله نعمته عليهم، ولم تكن لهم حال مرضية، فيغيروها إلى حال مسخوطة؟ قلت: كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة، تغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها، وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول ﷺ إليهم كفرة عبدة أصنام،
_________________
(١) أجاب عنه بوجهين: أحدهما: أن نفي الظلم الكثير عند وجود العقاب العظيم من العادل: عبارة عن حصول الذنب العظيم من المعذب. مثاله: أنا إذا نظرنا إلى من يُعذب شخصًا بأنواع العقاب، ويبالغ في التشديد، وقطعنا النظر عن الموجب، حكمنا بأن المعذب ظالم كثير الظلم، أما لو علمنا أنه عادل لا يضع الشيء إلا في موضعه قطعنا بأن المعذب مستوجب لذلك، لأنه متمرد متجاوز في الذنب حده. وثانيهما: أن قوله: "ظلام" مقترن بقوله: (لِلْعَبِيدِ)، وهو جمع محلي بلام الاستغراق، فإذا وُزع نفي الظلم عن كل فرد فرد من أفراد هذا العام، فصح أن يُقال: (لَيْسَ بِظَلاَّمٍ)، كما قال في سورة (ق): "هو ظالم لعبده، وظلام لعبيده"، يعني: المناسب أن يُقال: ظالم لعبده وظلام لعبيده، إذ لو عكس وقال: ظلامٌ لعبده وظالم لعبيده، لم يتطابق، اللهم إلا أن يعتبر كثرة ذنبه أو عظمه. قوله: (وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول ﷺ إليهم كفرة عبدة أصنام) إلى آخره: قيل: إنهم
[ ٧ / ١٣٢ ]
فلما بعث إليهم بالآيات البينات، فكذبوه، وعادوه، وتحزبوا عليه، ساعين في إراقة دمه، غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت، فغيرَّ الله ما أنعم به عليهم من الإمهال، وعاجلهم بالعذاب.
(وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) لما يقول مكذبو الرسل (عَلِيمٌ) بما يفعلون.
(كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ) تكرير للتأكيد، وفي قوله: (بِايتِ رَبِّهِمْ) زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق، وفي ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذنوب، (وَكُلٌّ كانُوا ظلِمِينَ): وكلهم من غرقى القبط وقتلى قريش كانوا ظالمين أنفسهم بالكفر والمعاصي.
[(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ عهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ* فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ٥٥ - ٥٧]
_________________
(١) . لما كانوا متمكنين من الإيمان، ثم تركوا ذلك ولم يؤمنوا، كأن ذلك كان حاصلًا لهم فغيروه، كقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: ١٦ و١٧٥]. وقلت: تحريره: أن بعثة الرسول ﷺ في نفسها نعمة دونها كل نعم، فلما نسي المشركون هذه النعمة الأسنى وتلك الآيات العظمى، وكانوا متمكنين من قبولها والاهتداء بهديها، فلما امتنعوا منه واضطروه إلى المهاجرة، ثم استأصل شأفتهم يوم بدر، قيل ذلك لهم. وعلى هذا أمر فرعون مع موسى ﵇، ويؤيده قوله هاهنا: (كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ). قوله: «كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ) تكرير للتوكيد، وفي قوله: (بِآيَاتِ اللَّهِ) زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق): قال القاضي: "يعني: كرر (كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ) للتأكيد، ولما نيط به من الدلالة على كفران النعم بقوله: (بِآيَاتِ اللَّهِ)، وبيان ما أخذ به آل فرعون".
[ ٧ / ١٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) … وقلت: وازن المصنف بين الآيتين، وقابل بين كل من القرينتين، فقوله: " (بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق": معناه: أن قوله (كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) في الآية السابقة مبهم لم يفهم منه أن تلك النعمة المكفورة من أي نوع من أنواع النعم؟ أهي نعمة الآيات المنصوبة أو الآيات المنزلة؟ وأن الكُفران من أي قبيل كان؟ أهو من قبيل الإعراض عن الآيات المنصوبة، أو هو من قبيل التكذيب بالآيات النازلة؟ فعُلم من هذه الآية: أن تلك النعمة هي نعمة الآيات المنزلة، وأن ذلك الكفران تكذيبها وجحود الحق، وقوله: (فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ) مشتمل لجميع أنواع التعذيب، وقوله: (وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) نص على تعيين العذاب. قال صاحب "الفرائد": هذا ليس بتكرير؛ لأن معنى الأول: حالُ هؤلاء كحال آل فرعون في الكفر والتكذيب، فأخذهم بالعذاب، ومعنى الثاني: حال هؤلاء كحال آل فرعون في تغييرهم النعم، وتغيير الله حالهم بسبب ذلك التغيير، وهو أنه أغرقهم، بدليل ما تقدم عليه، وهو قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا) الآية. ولخص المعنى القاضي وقال: "الأول: تشبيه الكفر والأخذ، والثاني: تشبيه التغيير في النعمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم". وقلت: النظم يأبى هذا القول؛ لأن وجه التشبيه في التشبيه الأول هو قوله: (كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ)، فشبه حال كفار قريش بحال فرعون ومن قبله، والوجه للتشبيه: الكفر المرتب عليه العقاب، فكذلك ينبغي أن يكون الوجه في التشبيه الثاني هو قوله: (كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ)، لأنه مثله.
[ ٧ / ١٣٤ ]
(الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي: أصروا على الكفر ولجوا فيه، فلا يتوقع منهم إيمان، وهم بنو قريظة،
_________________
(١) . بيانه: أن قوله: (كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ) جملة مبتدأة بعد ذكر المشبه والمشبه به، صالحة لأن تكون بيانًا لوجه التشبيه، فوجب حملها عليه، كقوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) [آل عمران: ٥٩]، قوله: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم، ولا فرق بينه وبين قوله: (كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) في هذا المعنى. وأما قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) كالتعليل لحلول النكال للكفران، لما تقرر مرارًا: أن اسم الإشارة في مثل هذا المقام مؤذن بأن ما بعده جدير بمن قبله لأجل اكتسابه موجبه. وقد اعترض بين التشبيهين، وهو غير مختص بقوم فرعون وقريش، بلهو متناولٌ لجميع من يغير نعمة الله من الأمم السالفة واللاحقة، من الكفران وتكذيب الآيات. فاختصاصه بالوجه الثاني دون الأول، وإيقاعه وجهًا للتشبيه، مع وجوده صريحًا كما بينا: بعيد عمن ذاق معرفة الفصاحتين، ووقف على ترتيب النظم بين الآيتين. قوله: (فلا يتوقع منهم الإيمان): يعني: دل قوله: (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) - لما فيه من بناء (لا يُؤْمِنُونَ) على "هم" المفيد لتقوي الحكم - على عدم توقع الإيمان منهم، وذلك لترتب هذه الجملة على قوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) حيث أوقع (الَّذِينَ كَفَرُوا) - وهو معرفة - خبرًا لـ (إنَّ)، وجعل اسمه (شَرَّ الدَّوَابِّ). قال القاضي: "والفاء للعطف والتنبيه على أن تحقق المعطوف عليه يستدعي تحقق المعطوف".
[ ٧ / ١٣٥ ]
عاهدهم رسول الله ﷺ أن لا يمالئوا عليه، فنكثوا بأن أعانوا مشركي مكة بالسلاح، وقالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم فنكثوا ومالوا معهم يوم الخندق، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم.
(الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ) بدل من (الذين كفروا)، أي: الذين عاهدتهم من الذين كفروا، جعلهم شر الدواب؛ لأن شر الناس الكفار، وشر الكفار المصرون منهم، وشر المصرين الناكثون للعهود.
(وَهُمْ لا يَتَّقُونَ): لا يخافون عاقبة الغدر، ولا يبالون ما فيه من العار والنار.
(فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ): فإما تصادفنهم وتظفرنّ بهم (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ): ففرق عن محاربتك ومناصبتك؛ بقتلهم شر قتلة والنكاية فيهم، من وراءهم من الكفرة، حتى لا يجسر عليك بعدهم أحد، اعتبارًا بهم واتعاظًا بحالهم.
_________________
(١) قوله: (لا يمالئوا): لا يساعدوا. النهاية: "الممالأة: المساعدة والمعاونة". قوله: (لأن شر الناس الكفار): يعني: أبدل (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ) من (الَّذِينَ كَفَرُوا)، وهم الذين أصروا على الكفر، ولجوا فيه، بعد أن جعلهم شر الدواب؛ ليدل على أن شر الناس الكفار إلى آخره، لما عرفت في إبدال (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧]، من (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: ٦]، معنى البدل. ثم في عطف (يَنقُضُونَ) وهو مضارع، على (عَاهَدْتَ) وهو ماضٍ: الدلالة على استمرار النقض، ولذلك قال: "فنكثوا، ثم عاهدهم فنكثوا". قوله: «فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ): فإما تصادفنهم وتظفرن بهم)، الأساس: "طلبناه فثقفناه في مكان كذا، أي: أدركناه". الجوهري: "ثقفة ثقفًا، أي: صادفته".
[ ٧ / ١٣٦ ]
وقرأ ابن مسعود: "فشرذ"، بالذال المعجمة، بمعنى: ففرق، وكأنه مقلوب "شذر"، من قولهم: "ذهبوا شذر مذر، ومنه: الشذر: المتلقط من المعدن؛ لتفرّقه. وقرأ أبو حيوة: من "خلفهم"، ومعناه: فافعل التشريد من ورائهم، لأنه إذا شرد الذين وراءهم فقد فعل التشريد في الوراء، وأوقعه فيه؛ لأنًّ الوراء جهة المشردين، فإذا جعل الوراء ظرفًا للتشريد فقد دلّ على تشريد من فيه، فلم يبق فرق بين القراءتين.
_________________
(١) ـ قلت: والظاهر أن الفاء في قوله: (فَشَرِّدْ بِهِمْ) فاء فصيحة تقتضي محذوفًا هو سبب التشريد، كما قدر "فإما تُصادفنهم وتظفرن بهم فشَرِّد بهم"، فالتشريد مسبب عن الظفر بهم لا الإدراك فقط. ولا يبعد أن تُجعل الفاء في قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) منها، ويجوز أن يكون قوله: "وتظفرن بهم" عطفًا تفسيريًا على "تُصادفن"، كما في قوله: "فإما تثقفوني فاقتلوني"، فيكون قوله: (فَشَرِّدْ بِهِمْ) جزاء للشرط فقط. قوله: (ذهبوا شذر مذر)، الجوهري: "تفرقوا شذر مذر: إذا ذهبوا في كل وجه"، قال ابن جني: "قرأ الأعمش: "شرذ" بالذال المعجمة، ولم يمر بنا في اللغة تركيب (ش ر ذ)، والأوجه أن تكون الذال بدلًا من الدال، والجامع بينهما أنهما مجهوران ومتقاربان". وقال أبو البقاء: "نحو: خراديل وخراذيل، وقيل: هو مقلوب من "شذر" بمعنى: فرق، وكل ذلك تعسف بعيد". قوله: (فافعل التشريد من ورائهم): يعني: أُجري المتعدي مجرى اللازم، ثم عُدي تعديته، كقوله: . يجرح في عراقيبها نصلي
[ ٧ / ١٣٧ ]
(لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ): لعلّ المشردين من ورائهم يتعظون.
[(وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) ٥٨]
(وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ) معاهدين (خِيانَةً) ونكثا بأمارات تلوح لك (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ): فاطرح إليهم العهد (عَلى سَواءٍ): على طريق مستو قصد -وذلك أن تظهر لهم نبذ العهد، وتخبرهم إخبارًا مكشوفًا بينا أنك قطعت ما بينك وبينهم- ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد، فيكون ذلك خيانة منك، (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) فلا يكن منك إخفاء نكث العهد والخداع.
وقيل: على استواء في العلم بنقض العهد، وقيل: على استواء في العداوة، والجار والمجرور في موضع الحال، كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتًا على طريق قصد سوي،
_________________
(١) . وفي إيقاع التشريد في المكان وإرادة التشريد فيمن يشغل المكان كناية، كقول الشنفري: تبيت بمنجاة من اللوم بيتها فإذن صح قوله: "فلم يبق فرق بين القراءتين"، اللهم إلا في المبالغة. قال محيي السنة في معنى المشهورة: "فرق بهم جمع كل ناقض، أي: افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك وحاربوك فعلًا من القتل والتنكيل، ليخافك من خلفهم من أهل مكة". قوله: (فانبذ إليهم ثابتًا): هذا على أن يكون (سَوَاءٍ) صفة موصوف محذوف، كما قال:
[ ٧ / ١٣٨ ]
أو حاصلين على استواء في العلم أو العداوة، على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معًا.
[(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ) ٥٩]
(سَبَقُوا): فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم (إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ): إنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزًا عن إدراكهم، وقرئ: "أنهم" بالفتح؛ بمعنى: لأنهم، كل واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل، إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف، والمفتوحة تعليل صريح وقرى: "يعجزون"، بالتشديد، وقرأ ابن محيصن: "يعجزون" بكسر النون. وقرأ الأعمش: "ولا تحسب الذين كفروا" بكسر الباء وبفتحها؛ على حذف النون الخفيفة. وقرأ حمزة: (ولا يحسبن) بالياء؛ على أن الفعل لـ (الَّذِينَ كَفَرُوا)،
_________________
(١) "على طريق مُستوٍ"، فالجار والمجرور حال من فاعل (فَانْبِذْ). وقوله: "أو حاصلين" على أن يكون حالًا من المجرور في (إِلَيْهِمْ) أو المرفوع في (فَانْبِذْ) كما في الوجهين، أي: على استواء في العلم أو على استواء في العداوة. قوله: (ولا يجدون طالبهم عاجزًا)، الراغب: "أعجزت فلانًا وعجزته وعاجزته: جعلته عاجزًا. قال ﷿: (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ) [الحج: ٥١]، وقرئ: "معجزين"، فـ (مُعَاجِزِينَ) معناه: ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا؛ لأنهم حسبوا أن لا حشر ولا نشر، فيكون ثواب وعقاب، و"معجزين" ينسبون من تبع النبي ﷺ إلى العجز، نحو: جهلته وفسقته". قوله: (وقرئ: "أنهم" بالفتح): ابن عامر، والباقون: بكسرها. قوله: (وقرأ حمزة: (وَلا يَحْسَبَنَّ) بالياء، على أن الفعل لـ (الَّذِينَ كَفَرُوا)، وقوله: (واستدل)، كأنه أشار إلى ضعف هذا الوجه؛ إذ لا حاجة إلى تقدير "إن" المخففة، قال أبو
[ ٧ / ١٣٩ ]
وقيل فيه: أصله: أن سبقوا، فحذفت "أن"، كقوله: (وَمِنْ ءاياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ) [الروم: ٢٤]، واستدل عليه بقراءة ابن مسعود ﵁: "أنهم سبقوا"، وقيل: وقع الفعل على "أنهم لا يعجزون"؛ على أن "لا" صلة، و(سبقوا) في محل الحال، بمعنى: سابقين، أي: مفلتين هاربين، وقيل: معناه: ولا يحسبنهم الذين كفروا سبقوا، فحذف الضمير لكونه مفهوما، وقيل: ولا يحسبن قبيل المؤمنين الذين كفروا سبقوا. وهذه الأقاويل كلها متمحلة، وليست هذه القراءة التي تفرد بها حمزة بنيرة.
_________________
(١) ـ البقاء: "في الفاعل وجهان: أحدهما: هو مضمر، أي: لا يحسبن من خلفهم، أو: يحسبن أحد، والمفعول الثاني (سَبَقُوا). وثانيهما: أن الفاعل (الَّذِينَ كَفَرُوا) ن والمفعول الأول محذوف، أي: أنفسهم، وقيل: التقدير: أن سبقوا، و"أن" مصدرية، حُكي عن الفراء، وهو بعيد؛ لأن المصدرية موصولة، وحذف الموصول ضعيف في القياس شاذ في الاستعمال". قوله: (وقع الفعل على "أنهم لا يُعجزون"، على أن (لا) صلة): قال الزجاج: "ويجوز أن تكون (لا) لغوًا، أي: ولا يحسبن الذين كفروا أنهم يعجزون، وأن يكون بدلًا من (سبقوا)، وهو ضعيف؛ لأن "لا" لا تكون لغوًا في موضع يجوز أن تقع فيه غير لغو". قوله: (قبيل المؤمنين)، الجوهري: "القبيل: الجماعة تكون من ثلاثة فصاعدًا من قوم شتى، والجمع: قُبل". قوله: (وليست هذه القراءة التي تفرد بها حمزة بنيرة): يقال: زعمه ليس بنير، وإن حمزة ما تفرد بها، وفي "التيسير": قرأ حفص وابن عامر وحمزة: (وَلا يَحْسَبَنَّ) بالياء، والباقون بالتاء"، ووجهها مستقيم على وجوه كما صححه أبو البقاء، ولأنها متواترة، وما تواتر فهو نير. على أنه أجاز حذف المفعول الأول من باب "حسب" في غير موضع من هذا الكتاب؛
[ ٧ / ١٤٠ ]
وعن الزهري: أنها نزلت فيمن أفلت من فل المشركين.
[(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) ٦٠]
(مِنْ قُوَّةٍ): من كل ما يتقوّى به في الحرب من عددها.
وعن عقبة بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "ألا إن القوة الرمي " قالها ثلاثا. ومات عقبة عن سبعين قوسًا في سبيل الله. وعن عكرمة: هي الحصون.
والرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط؛ كفصيل وفصال، وقرأ الحسن: "ومن ربط الخيل"، بضم الباء وسكونها، جمع رباط.
_________________
(١) منها: قال في قوله: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) [آل عمران: ١٦٩]: "هو في الأصل مبتدأ، فحذف كما حذف المبتدأ"، إلى غير ذلك كما سيجيء. قوله: (من فل المشركين)، النهاية: "الفَلُّ: القوم المنهزمون، من الفل: الكسر، وهو مصدر سُمي به، ويقع على الواحد والاثنين والجمع". قوله: (ومن عقبة بن عامر) الحديث: رواه مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي، وليس فيه: "مات عقبة عن سبعين قوسًا". قوله: (والرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله): قيل: فإذن يلزم من إضافته إلى الخيل إضافة الشيء إلى نفسه، يُقال: الرباط: اسم عام يطلق على معان؛ منها ما ذكره، ومنها
[ ٧ / ١٤١ ]
ويجوز أن يكون قوله: (وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) تخصيصًا للخيل من بين ما يتقوى به، كقوله: (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) [البقرة: ٩٨]، وعن ابن سيرين: أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون؟ فقال: يشترى به الخيل، فترابط في سبيل الله ويغزى عليها، فقيل له: إنما أوصى في الحصون؟ فقال: ألم تسمع قول الشاعر:
أنّ الحصون الخيل لا مدر القرى
(تُرْهِبُونَ) قرئ بالتخفيف والتشديد،
_________________
(١) انتظار الصلاة بعد الصلاة. في "النهاية": "الرباط في الأصل: الإقامة على جهاد العدو بالحرب، وارتباط الخيل: إعدادها، وقيل: الرباط: مصدر رابطت، أي لازمت. وقيل: الرباط: اسم لما يُربط به الشيء، أي: يُشد"، فأضيف إلى الخيل للبيان، كقولك: خاتم حديد، فعلى هذا اللام في قول المصنف: "الرباط" للعهد، أي: الرباط المذكور في الآية، قال في "الانتصاف": "المطابق للرمي أن يكون "الرباط" على بابه مصدرًا". قوله: (إن الحصون الخيل لا مدر القرى): أوله: ولقد علمت على توقي الردى يعني: علمت أن الحصون التي يتوقى بها: الخيل، لا قصور القرى والمدائن التي يلجأ إليها. قوله: (تُرهبون): بالتخفيف: الجماعة، وبالتشديد: شاذة. الراغب: "الرهبة والرهب مخافة مع تحزن واضطراب، قال ﷿: (لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ) [الحشر: ١٣]، (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ)، والترهب: التعبد، وهو استعمال الرهبة،
[ ٧ / ١٤٢ ]
وقرأ ابن عباس ومجاهد: "تخزون"، والضمير في (بِهِ) راجع إلى (ما استطعتم)، (عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ): هم أهل مكة، (وَءاخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ): هم اليهود وقيل: المنافقون وعن السدي هم أهل فارس.
وقيل: كفرة الجن، وجاء في الحديث: "إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس، ولا دارًا فيها فرس عتيق"، وروى: "أنّ صهيل الخيل يرهب الجن".
[(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ٦١]
جنح له، وإليه: إذا مال، والسلم: تؤنث تأنيث نقيضها، وهي الحرب، قال:
السِّلْمُ تَاخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ … وَالْحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ
وقرئ بفتح السين وكسرها
وعن ابن عباس ﵁: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [التوبة: ٢٩]، وعن مجاهد: بقوله (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥]، والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله؛ من حرب أو سلم، وليس بحتم: أن يقاتلوا أبدا، أو يجابوا إلى الهدنة أبدًا.
_________________
(١) ـ والرهبانية: غلو في تحمل الرهبة من فرط الرهبة، والرهبان يكون واحدًا وجمعًا، وقالوا: رهبوت خير من رحموت".، قوله: (قال: السلم تأخذ) البيت: مضى شرحه في البقرة. قوله: (إلى الهدنة): هادنة: صالحه، والاسم: الهدنة.
[ ٧ / ١٤٣ ]
وقرأ الأشهب العقيلي. "فاجنح" بضم النون. (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ): ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم، فإنّ الله كافيك وعاصمك من مكرهم وخديعتهم. قال مجاهد: يريد قريظة.
[(وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ* وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ٦٢ - ٦٣]
(فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) فإن محسبك الله: قال جرير:
إنِّي وَجَدْتُ مِنَ الْمَكارِمِ حَسْبَكُمْ … أَنْ تَلْبَسُوا خَزَّ الثِّيَابِ وَتَشْبَعُوا
(وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله ﷺ من الآيات الباهرة؛ لأنّ العرب لما فيهم من الحمية، والعصبية، والانطواء على الضغينة في أدنى شيء وإلقائه بين أعينهم إلى أن ينتقموا، لا يكاد يأتلف فيهم قلبان،
_________________
(١) . قوله: (إني وجدت من المكارم) البيت، بعده: إذا تُذوكرت المكارم مرة … في مجلس أنتم به فتقنعوا "حسبكم": أي: محسبكم، و"الحر" من كل شيء: أعتقه، ويروي: "خز الثياب"، والخز: "اسم دابة، سمي الثوب المتخذ من وبرها خزًا". في "المغرب". وفي "النهاية": الخز: ثياب تنسج من إبريسم وصوف، وقيل الخز: الثياب المعمول من الإبريسم، وهذا هو المعروف الآن". يهجوهم بأنهم لئام أراذل هممهم مقصورة على المآكل والملابس. "تقنعوا": أي: غطوا وجوهكم من الحياء، "أن تلبسوا" فاعل: "حسبكم"، وقيل: وقوع "حسبُك" صفة للنكرة في قولهم: عندي رجل حسبك رجلًا، دليل على أنه في معنى اسم الفاعل.
[ ٧ / ١٤٤ ]
ثم ائتلفت قلوبهم على إتباع
رسول الله ﷺ، واتحدوا، وأنشؤوا يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظم الله من ألفتهم، وجمع من كلمتهم، وأحدث بينهم من التحاب والتوادّ، وأماط عنهم من التباغض والتماقت، وكلفهم من الحب في الله والبغض في الله، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب، فهو يقلبها كما شاء، ويصنع فيها ما أراد.
وقيل: هم الأوس والخزرج، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم، ودق جماجمهم، ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى، وبينهما التجاور الذي يهيج الضغائن، ويديم التحاسد والتنافس، وعادة كل طائفتين كانتا بهذه المثابة أن تتجنب هذه ما آثرته أختها، وتكرهه وتنفر عنه، فأنساهم الله تعالى ذلك كله حتى اتفقوا على الطاعة، وتصافوا، وصاروا أنصارًا، وعادوا أعوانًا، وما ذاك إلا بلطيف صنعه وبليغ قدرته.
[(يأيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ٦٤]
_________________
(١) قوله: (وبينهما التجاور)، الأساس: "وهم جيرتي، وتجاوروا". قوله: (وعادة كل طائفتين: مبتدأ، والخبر "أن تنجب"، و"كانتا بهذه المثابة" صفة "طائفتين". قوله: (وما ذاك إلا بلطيف صنعه وبليغ قدرته): ويمكن أن يستنبط هذا المعنى من قوله: (عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فإن العزيز دل على بليغ قدرته، ومن عزته: أن بعث النبي ﷺ إليهم، وجعل بعثته من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة، حيث ألف به قلوبهم، وأذل صعبهم؛ بأن أوقع بنهم الرحمة والتواضع، ورفع الأنفة الكبر، ولا يقدر على ذلك إلا من يكون قاهرًا على الأشياء كلها، مالكًا للقلوب الأبية المجبولة على الحمية الجاهلية، كما قال ﷺ: "إن
[ ٧ / ١٤٥ ]
(وَمَنِ اتَّبَعَكَ) الواو بمعنى "مع" وما بعده: منصوب، تقول: حسبك وزيدًا درهم، ولا تجرّ؛ لأنّ عطف الظاهر المجرور على المكني ممتنع، قال:
فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ عَضْبٌ مُهَنَّدُ
والمعنى: كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصرًا، أو يكون في محل الرفع: أي: كفاك الله وكفاك المؤمنون.
وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، وعن ابن عباس ﵁ نزلت في إسلام عمر، وعن سعيد بن جبير: أنه أسلم مع النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة، ثم أسلم عمر ﵁، فنزلت.
_________________
(١) قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفها كيف يشاء". رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو، وأحمد بن حنبل عن أم سلمة. ومن حكمته: أن دبر أمورهم هذا التدبير العجيب، وأحدث فيهم من التواد والتحاب، ونظم ألفتهم وجمع كلمتهم، لأن الفاصلة كالتعليل للتأليف، ولابد من مناسبة لتخصيص الصفتين. قوله: (فحسبك والضحاك عضب مهند): أوله: إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا وانشقاق العصا: عبارة عن التفرق، ونصب "الضحاك" بقوله: "فحسبك"، لأنه في معنى: يكفيك، يقول: إذا كان يوم الحرب ووقع الخلاف بينكم فحسبكم مع الضحاك سيف هندي.
[ ٧ / ١٤٦ ]
[(يأيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ* ألن خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) ٦٥ - ٦٦]
التحريض: المبالغة في الحث على الأمر، من الحرض، وهو أن ينهكه المرض ويتبالغ فيه، حتى يشفى على الموت، أو أن تسميه حرضًا، وتقول له: ما أراك إلا حرضًا في هذا الأمر وممرضًا فيه؛ ليهيجه ويحرّك منه. ويقال: حركه وحرضه وحرشه وحربه؛ بمعنى.
وقرئ: " حرص" بالصاد غير المعجمة، حكاها الأخفش؛ من الحرص. وهذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله تعالى وتأييده، ثم قال: (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) أي: بسبب أنَّ الكفار قوم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم، فيقل ثباتهم ويعدمون- لجهلهم بالله- نصرته، ويستحقون خذلانه،
_________________
(١) قوله: (أو أن تسميه حرضًا): عطف على قوله: "المبالغة في الحث"، يريد: أن "حرضًا" له معنيان. الأساس: "نُهِكَ فلان مرضًا حتى أصبح حرضًا، أي: أشفى على الهلاك، وحرضه على الأمر، وفيه تحريض"، فإذا حُمل على المعنى الأول فمعناه: يا أيها النبي حث المؤمنين على القتال، أي: بالغ في الأمر بالقتال، وإذا حُمل على الثاني فمعناه: سمهم حرضًا، كما يُقال: فسقته، أي: سميته فاسقًا، وهذا من باب التهييج والإلهاب، ولهذا قال: "ليهيجه ويُحرك منه". قوله: (ويستحقون خذلانه)، وقوله: "ومعه ما يستوجب به النصر": بناء على مذهبه، فإن عندهم الوجوب عقلي، وفعل العبد مؤثر، وعندنا: الوجوب بسبب الوعد؛ تفضلًا منه تعالى، لقوله: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: ٤٧].
[ ٧ / ١٤٧ ]
خلاف من يقاتل على بصيرة، ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله.
وعن ابن جريج: كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد منهم للعشرة، وكان رسول الله ﷺ بعث حمزة ﵁ في ثلاثين راكبًا، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب. قيل: ثم ثقل عليهم ذلك وضجوا منه، وذلك بعد مدّة طويلة، فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين.
وقيل: كان فيهم قلة في الابتداء، ثم لما كثروا بعد نزل التخفيف.
_________________
(١) قوله: (وقيل: كان فيهم قلة في الابتداء): فإن قلت: كيف يستقيم هذا مع قوله: (الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا)، فإن التحويل من القلة إلى الكثرة يزيد القوة لا الضعف؟ قلتُ: لما كان موجب القوة اعتمادهم على الله وتوكلهم عليه، لا على الكثرة، ما في بدر وغيره، أوجب أن يُقاوم واحد منهم عشرة، ولهذا يعلل الأمر بما يقابل قوله: (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ)، وإليه الإشارة بقوله: "خلاف من يقاتل على بصيرة، ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله"، ثم لما كثروا واعتمدوا عليها بعض الاعتماد، كما في حُنين، خفف الله عنهم بعض ذلك. وقال الإمام: "الكفار إنما يعولون على قوتهم وشوكتهم، والمسلمون يستعينون بالدعاء والتضرع، ومن كان كذلك كان النصر والظفر به أليق". فإن قلت: فما معنى عطف قوله: (وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) على قوله: (خَفَّفَ اللَّهُ)؟ قلت: معناه: الآن خفف الله عنكم لما هر متعلق علمه تعالى، أي: كثرتكم التي هي موجب ضعفكم بعد ظهور قلتكم وقوتكم. روى السلمي عن النصرابادي: هذا التخفيف كان للأمة دون الرسول ﷺ، ومن لا
[ ٧ / ١٤٨ ]
وقرئ: (ضعفًا) بالفتح والضم؛ كالمكث والمكث، والفقر والفقر. و"ضعفا: ً؛ جمع ضعيف، وقرئ الفعل المسند إلى "المئة" بالتاء والياء في الموضعين.
والمراد بالضعف: الضعف في البدن، وقيل: في البصيرة والاستقامة في الدين، وكانوا متفاوتين في ذلك.
فإن قلت: لم كرّر المعنى الواحد- وهو مقاومة الجماعة لأكثر منها- مرّتين، قبل التخفيف وبعده؟ قلت: للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت، لأن الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المئتين، والمئة الألف، وكذلك بين مقاومة المئة المئتين والألف الألفين.
_________________
(١) يثقله حمل أمانة النبوة كيف يُخاطب بتخفيف اللقاء للأضداد؟ وكيف يُخاطب به الرسول ﷺ، وهو الذي يقول: "بك أصول وبك أحول"، ومن كان به كيف يخفف عنه أو يُقل عليه؟ قوله: (وقرئ: (ضَعْفًا) بالفتح والضم): بالفتح: عاصم وحمزة، والباقون: بضمها. قوله: (وقرئ الفعل المسند إلى المئة): أي: قوله: (وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ)، بالياء التحتانية: الثانية: أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، والثالثة: عاصم وحمزة والكسائي. والباقون: بالتاء بلا خلاف. قوله: (لأن الحال قد تتفاوت): يعني: حالة المقاومة تتفاوت، ترى الواحد لا يقاوم العشرة، والعشرة المئة، فإذا بلغ العدد إلى مئة مع ألف من العدو لا يكون الحكم كذلك،
[ ٧ / ١٤٩ ]
[(ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) ٦٧ - ٦٨]
وقرئ: "للنبيَّ"، على التعريف، و"أسارى"، و"يثخن"بالتشديد، ومعنى الإثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه، من قولهم: أثخنته الجراحات: إذا أثبتته حتى تثقل عليه الحركة، وأثخنه المرض: إذا أثقله؛ من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة، يعنى: حتى يذل الكفر ويضعفه بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام ويقويه بالاستيلاء والقهر، ثم الأسر بعد ذلك.
_________________
(١) فربما يُقاومونهم على هذه الزيادة، ومن ثم قيل: الجيش العرمرم أربعة آلاف، فلا يُغلب من أجل القلة وكثرة العدو، ورُوي في الحديث: "خير الجيوش أربعة آلاف"، لكن حال المسلمين بخلاف ذلك، كما أشار إليه بقوله: "للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة". قوله: (قرئ: "للنبي" …، و"أسارى"، و"يُثخن" بالتشديد): وهو في الشواذ. قال الزجاج: "قرئ: أسرى وأسارى، فمن قرأ: أسرى، فهو جمع أسير؛ وفعلى فعيل: جمع لكل من أصيب في بدنه وفي عقله، يقال: مريض ومرضى، وأحمق وحمقى، ومن قرأ: أسارى فهو جمع الجمع، يقال: أسير وأسرى وأسارى"، والفتح هو الأصل. قوله: (ثم الأسر بعد ذلك): تفسير لمعنى الغاية في قوله تعالى: (حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ) يعني: لا يجوز الأسر إلا بعد إذلال الكفرة بالقتل، وإعزاز أهل الإسلام بالغلبة والقهر.
[ ٧ / ١٥٠ ]
ومعنى (ما كانَ): ما صح له وما استقام، وكان هذا يوم بدر، فلما كثر المسلمون نزل (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) [محمد: ٤].
وروى: أنّ رسول الله ﷺ، أتى بسبعين أسيرًا فيهم العباس عمه، وعقيل بن أبى طالب، فاستشار أبا بكر فيهم فقال: قومك وأهلك، استبقهم، لعلّ الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك، وقال عمر: كذبوك وأخرجوك فقدّمهم واضرب أعناقهم، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر، وإن الله أغناك عن الفداء: مكن عليًا من عقيل، وحمزة من العباس، ومكني من فلان لنسيب له، فلنضرب أعناقهم.
فقال ﵇: " إنّ الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّد قلوب رجال حتى تكون أشدّ من الحجارة، وإنّ مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم؛ قال: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم: ٣٦]، ومثلك يا عمر مثل نوح؛ قال: (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا) [نوح: ٢٦]، ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد منكم إلا بفداء أو ضرب عنق".
_________________
(١) قوله: (أتي بسبعين أسيرًا فيهم العباس) الحديث: مخرج في "مسند أحمد بن حنبل" عن ابن مسعود إلى قوله: "إلا بفداء أو ضرب عنق" مع اختلاف فيه. ومن قوله: "فإذا هو وأبو بكر يبكيان" إلى قوله: "لشجرة قريبة منه": رواه مسلم والترمذي عن ابن عباس. قال القاضي: "الآية دليل على أن الأنبياء مجتهدون، وأنه قد يكون خطأ، ولكن لا يقرون عليه".
[ ٧ / ١٥١ ]
وروي أنه قال لهم: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم، واستشهد منكم بعدّتهم، فقالوا: بل نأخذ الفداء، فاستشهدوا بأحد".
وكان فداء الأسارى عشرين أوقية، وفداء العباس أربعين أوقية. وعن محمد بن سيرين: كان فداؤهم مئة أوقية، والأوقية: أربعون درهما وستة دنانير.
وروى: أنهم لما أخذوا الفداء نزلت الآية، فدخل عمر على رسول الله ﷺ فإذا هو وأبو بكر يبكيان، فقال: يا رسول الله أخبرني، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت، فقال: أبكى على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض علىّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة منه.
وروى أنه قال: لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمرو سعد بن معاذ"، لقوله: كان الإثخان في القتل أحب إلىّ.
(عَرَضَ الدُّنْيا): حطامها، سمى بذلك لأنه حدث قليل اللبث، يريد الفداء
(وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) يعنى: ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل، وقرئ: "يريدون" بالياء،
_________________
(١) ـ قوله: «عَرَضَ الدُّنْيَا): حُطامها)، الراغب: "العرض: ما لا ثبات له، ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر، كاللون والطعم، وقيل: "الدنيا عرض حاضر"، تنبيهًا على أن لا ثبات لها".
[ ٧ / ١٥٢ ]
وقرأ بعضهم "والله يريد الآخرة" بجرّ "الآخرة" على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على حاله، كقوله:
وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِالَّليْلِ نَارًَا
ومعناه: والله يريد عرض الآخرة؛ على التقابل، يعنى ثوابها (وَاللَّهُ عَزِيزٌ) يغلب أولياءه على أعدائه، ويتمكنون منهم قتلا وأسرًا، ويطلق لهم الفداء، ولكنه (حَكِيمٌ) يؤخر ذلك إلى أن يكثروا ويعزوا، وهم يعجلون.
(لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) لولا حكم منه سبق إثباته في اللوح، وهو أنه لا يعاقب أحد بخطأ، وكان هذا خطأ في الاجتهاد،
_________________
(١) قوله: (ونار توقد بالليل نارًا): أوله: أكل امرئ تحسين امرأ يقول: أكل امرئ تظنين أنه رجل ذو سماحة وشجاعة، وكل نار تُرى بالليل تظنين أنها نار قرى. قال ابن جني: "هو بيت الكتاب"، وتقديره: "وكل نار"، فناب ذكره في أول الكلام عن إعادتها في آخره، كأنه قال: وكل نار، هربًا من العطف على عاملين، وهما (كل) و(تحسين) ". وعلى هذا قراءة الجر في "الآخرة" بتقدير "عرض"، وإنما جاز للمشاكلة، لأن العرض - بالتحريك - متاع الدنيا وحطامها، والدار الآخرة هي الحيوان، وثوابه دائم لا ينقطع.
[ ٧ / ١٥٣ ]
لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سببًا في إسلامهم وتوبتهم، وأنّ فداءهم يتقوّى به على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام، وأهيب لمن وراءهم، وأفل لشوكتهم.
وقيل: كتابه: أنه سيحل لهم الفدية التي أخذوها. وقيل: إن أهل بدر مغفور لهم. وقيل: إنه لا يعذب قومًا إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهى، ولم يتقدم نهى عن ذلك.
[(فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ٦٩]
(فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ) روي أنهم أمسكوا عن الغنائم، ولم يمدّوا أيديهم إليها، فنزلت. وقيل: هو إباحة للفداء، لأنه من جملة الغنائم (وَاتَّقُوا اللَّهَ) فلا تقدموا على شيء لم يعهد إليكم فيه.
فإن قلت: ما معنى الفاء؟ قلت: التسبيب والسبب محذوف، معناه: قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم، (وحللًا): نصب على الحال من المغنوم، أو صفة للمصدر، أي أكلًا حلالًا، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) معناه: أنكم إذا اتقيتموه بعد ما فرط منكم من استباحة الفداء قبل أن يؤذن لكم فيه، غفر لكم ورحمكم، وتاب عليكم.
[(يأيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ٧٠]
_________________
(١) قوله: (أن أهل بدر): بفتح "أن"، أي: كتابه أن أهل بدر مغفور لهم، وهو من قوله ﷺ لعمر ﵁ في حديث حاطب: "إنه قد شهد بدرًا، وما يُدريك لعل الله اطلع على أهل بدر وقال: اعملوا ما شئتم، قد غفرت لكم" الحديث، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما كما سبق.
[ ٧ / ١٥٤ ]
(فِي أَيْدِيكُمْ): في ملكتكم، كأن أيديكم قابضة عليهم. وقرئ: (من الأسرى)، (فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا): خلوص إيمان، وصحة نية، (يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ) من الفداء، إما أن يخلفكم في الدنيا أضعافه، أو يثيبكم في الآخرة. وفي قراءة الأعمش: (يثبكم خيرًا).
وعن العباس أنه قال: كنت مسلمًا، لكنهم استكرهوني، فقال رسول الله ﷺ: "إن يكن ما تذكره حقا فالله يجزيك، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا"، وكان أحد الذين ضمنوا إطعام أهل بدر، وخرج بالذهب لذلك.
وروى: أن رسول الله ﷺ قال للعباس: "افد ابني أخيك؛ عقيل بن أبى طالب، ونوفل بن الحارث "، فقال: يا محمد، تركتني أتكفف قريشًا ما بقيت. فقال له: " فأين الذهب الذي دفعته إلى أمّ الفضل وقت خروجك من مكة، وقلت لها: لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بى حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل؟ " فقال العباس: وما يدريك؟ قال "أخبرني به ربى"، قال العباس: فأنا أشهد أنك صادق، وأن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتابًا في أمرك، فأمّا إذ أخبرتني بذلك فلا ريب. قال العباس: فأبدلني الله خيرًا من ذلك، لي الآن عشرون عبدًا، إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفًا، وأعطاني زمزم، ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي.
_________________
(١) قوله: (وعن العباس أنه قال): الحديث بتمامه مذكور في "مُسند أحمد بن حنبل" عن ابن عباس مع تغيير، لكن ليس فيه حديث "عشرون عبدًا". قوله: (ليضربُ): أي: ليضرب الأرض، ويسافر فيها، ويتجر في عشرين ألفًا.
[ ٧ / ١٥٥ ]
وروي: أنه قدم على رسول الله ﷺ مال البحرين ثمانون ألفًا، فتوضأ لصلاة الظهر، وما صلى حتى فرقه، وأمر العباس أن يأخذ منه ما قدر على حمله، وكان يقول: هذا خير مما أخذ منى، وأرجو المغفرة.
وقرأ الحسن وشيبة: "مما أخذ منكم"، على البناء للفاعل.
[(وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ٧١]
(وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ): نكث ما بايعوك عليه من الإسلام والردّة واستحباب دين آبائهم (فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ) في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه (فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ) كما رأيتم يوم بدر، فسيمكن منهم إن أعادوا الخيانة. وقيل: المراد بالخيانة: منع ما ضمنوا من الفداء.
_________________
(١) قوله: «فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ»: يُقال: مكنه من الشيء وأمكنه منه: أقدره عليه. الأساس: "مكنته من الشيء وأمكنته منه، فتمكن منه واستمكن، ويقول المصارع لصاحبه: مكني من ظهرك". وفي إيقاع قوله تعالى: (فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ) جزاء للشرط: معنى قولهم: إن تكرمني الآن فقد أكرمتك أمس، وهو متضمن للتوبيخ والإخبار بالوعيد، ومن ثم قال: "فسيمكن منهم"، وهذه الآية قرينة للسابقة، والمعنى: قل للأسارى إن أردتم الإخلاص في الإيمان، وصحت نياتكم لله فيه، فالله تعالى لا يضيع حقكم في الدنيا والآخرة، وإن أردتم الأخرى - وهي دأبكم وعادتكم - فالله تعالى قادر على أن يمكن منكم. فوضع الخيانة موضع عدم الإخلاص في الإيمان، ليؤذن بأن الإيمان هو الأمانة التي استودع الله في بني آدم (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ) إلى قوله: (وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ) [الأحزاب: ٧٢]، ولذلك قال: "ونقض ما أُخذ على كل عاقل من ميثاقه" يعني: في قوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: ١٧٢].
[ ٧ / ١٥٦ ]
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ٧٢]
الذين هاجروا: أي: فارقوا أوطانهم وقومهم حبا لله ورسوله: هم المهاجرون. والذين آووهم إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم: هم الأنصار.
(بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) أي: يتولى بعضهم بعضًا في الميراث، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون ذوى القرابات، حتى نسخ ذلك بقوله: (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ) [الأحزاب: ٦].
وقرئ: (من ولايتهم) بالفتح والكسر، أي من توليهم في الميراث. ووجه الكسر أن تولى بعضهم بعضا شبه بالعمل والصناعة، كأنه بتوليه صاحبه يزاول أمرًا ويباشر عملا، (فَعَلَيْكُمُ النَّصْر): ُ فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين (إِلَّا عَلى قَوْمٍ) منهم (بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ): عهد فإنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم لأنهم لا يبتدؤون بالقتال، إذ الميثاق مانع من ذلك.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: (مِنْ وَلايَتِهِمْ) بالفتح): مصدر، "وبالكسر": حمزة وحده، الجوهري: "الولاية بالكسر: السلطان، وبالفتح: النصرة، ويُقال: هم على ولاية، أي: مجتمعون في النصرة، وقال سيبويه: الولاية بالفتح: المصدر، وبالكسر: السلطان، والولاية مثل الإمارة والنقابة". قوله: (أن تولي بعضهم بعضًا شبه بالعمل): قيل: الظاهر أنه أراد أن المصدر في الصنائع وما يزاول فيه ويعالج: يجيء على"فعالة" بالكسر، مثل: الكتابة والتجارة والصناعة، فشبه تولي بعضهم بعضًا بالعمل والصناعة، ثم استعير. وقال الزجاج: وكل ما كان من جنس الصناعة فمكسور، مثل: الخياطة.
[ ٧ / ١٥٧ ]
[(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ) ٧٣]
[(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) ظاهره إثبات الموالاة بينهم كقوله تعالى في المسلمين: (أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) [الأنفال: ٧٢]، ومعناه: نهى المسلمين عن موالاة الذين كفروا وموارثتهم، وإيجاب مباعدتهم ومصارمتهم، وإن كانوا أقارب، وأن يتركوا يتوارثون بعضهم بعضا.
ثم قال: (إِلَّا تَفْعَلُوهُ) أي: إلا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين وتولى بعضهم بعضًا، حتى في التوارث، تفضيلا لنسبة الإسلام على نسبة القرابة، ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفار، ولم تجعلوا قرابتهم كلا قرابة تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة، لأنّ المسلمين ما لم يصيروا يدًا واحدة على الشرك، كان الشرك ظاهرًا والفساد زائدًا.
وقرئ "كثير" بالثاء.
[(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ٧٤ - ٧٥].
_________________
(١) قوله: (أي: إن لا تفعلوا ما أمرتكم به): يريد أن الضمير في (تَفْعَلُوهُ) بمنزلة اسم الإشارة الذي يُشار به إلى جميع ما ذُكر، والمذكور: قيل: ما دل على الأمر والنهي، لأن معنى (أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) الأمر بتواصل المسلمين، وقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) نهيٌ عن تواصل الكافرين، ومن ثم قال: "ومعناه نهيُ المسمين"، ولذلك صح أن يجمعهما قوله: (إِلاَّ تَفْعَلُوهُ) أي: إن لم تمتثلوا ما أمرتم به، ولم تنتهوا عما نُهيتم عنه. قوله: (بدا واحدة): عبارة عن الاتفاق والتعاضد. النهاية: "في الحديث: "اجعل الفُساق يدًا يدًا": أي: فرق بينهم، ومنه قولهم: تفرقوا أيادي سبأ، أي: تفرقوا في البلاد أشتاتًا".
[ ٧ / ١٥٨ ]
(أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه، بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والانسلاخ من المال لأجل الدين، وليس بتكرار لأن هذه الآية واردة للثناء عليهم، والشهادة لهم مع الموعد الكريم، والأولى للأمر بالتواصل.
(وَالَّذِينَ ءامَنُوا مِنْ بَعْدُ) يريد اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة، كقوله: (وَالَّذِينَ جآءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ) [الحشر: ١٠]، ألحقهم بهم، وجعلهم منهم، تفضلا منه وترغيبًا
(وَأُولُوا الْأَرْحامِ): أولو القرابات أو أولى بالتوارث، وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة (فِي كِتاب اللَّهِ) تعالى: في حكمه وقسمته. وقيل في اللوح. وقيل في القرآن، وهو آية المواريث، وقد استدل به أصحاب أبى حنيفة على توريث ذوى الأرحام.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة الأنفال وبراءة، فأنا شفيع له يوم القيامة، وشاهد أنه بريء من النفاق وأعطى عشر حسنات بعدد كل منافق ومنافقة، وكان العرش وحملته يستغفرون له أيام حياته في الدنيا".
_________________
(١) ـ قوله: (وليس بتكرار): يعني: قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا) إلى قوله: (وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا) إنما جيء به أولًا وعُقب بقوله: (أُوْلَئِكَ)، ليؤذن بأنهم السابقون في الدين الفائزون بالقدح المعلى فيه، فلا يُشق غبارهم، فهم لذلك أجرياء بأن يكونوا إخوانًا، وأن لا يؤثر بعضهم نفسه بالمزايا الدنيوية على أخيه، وأعيد ثانيًا ليعلق به ما لهم عند الله من المراتب السنية، والفوز بالرضوان والمقامات العلية، فجمع خير الدارين بتينك الخلتين. وأنت إذا تأملت هذه الخاتمة، حققت النظر في الفاتحة، عند قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) [الأنفال: ١]، عرفت إيجاب رعاية النظم في المبدأ والوسط والمنتهى. والله أعلم بالصواب. * * * تمت السورة
[ ٧ / ١٥٩ ]
سورةُ التوبة
مدنية، وهي مئة وثلاثون -وقيل: تسع وعشرون- آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لها عدة أسماء: براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المشردة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الحافرة، المنكلة، المدمدمة، سورة العذاب؛ لأنّ فيها التوبة على المؤمنين، وهي تقشقش من النفاق، أي تبرئ منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها، وتثيرها، وتحفرها وتفضحهم، وتنكلهم، وتشرد بهم، وتخزيهم، وتدمدم عليهم.
وعن حذيفة: "إنكم تسمونها سورة التوبة، وإنما هي سُورةُ العذاب، والله ما تركت أحدًا إلا نالت منه".
_________________
(١) .. سورة التوبة مدنية، وهي مئة وثلاثون أو تسع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (تسمونها سورة التوبة، وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحدًا إلا نالت منه)، النهاية: "وفي الحديث: "أن رجلًا كان ينال من الصحابة"، يعني: الوقيعة فيهم"، يعني: ما ذُكر
[ ٧ / ١٦٠ ]
_________________
(١) فيها أحد من فرق الناس؛ كالمشركين والمنافقين وأهل الكتاب والمؤمنين، إلا بُولغ في شأنهم أقصى الغاية، لا ترى أبلغ منها. أما المشركون والمنافقون وأحوالهم فلا حاجة إلى البيان. وأما المؤمنون الخُلص فورود قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ)، إلى قوله: (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة: ٢٤]، وهو من أشد ما يُخاطب به المخالف، فكيف الموافق؟ ولهذا قال الحسن: عقوبة آجلة وعاجلة، وهذه آية شديدة لا ترى أشد منها. وأما أهل الكتاب فإن قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: ٢٩] إلى منتهى قوله: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ) [التوبة: ٣٤ - ٣٥] جامع لخزي الدنيا والصغار والذلة وخزي الآخرة على أبلغ ما يكون. ويقرب مما رُوي عن حذيفة: ما روى البخاري ومسلم عن سعيد بن جبير قال: "قلت لابن عباس: سورة التوبة، قال: بل هي الفاضحة، ما زالت تقول: (وَمِنْهُمْ)، (وَمِنْهُمْ)، حتى ظنوا أن لا يبقى أحدٌ إلا ذُكر فيها". وأما تسميتها بالتوبة: فلقوله تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) [التوبة: ١١٧]، إلى قوله: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) [التوبة: ١١٨]، فغُلبت على العذاب، فسميت بالتوبة. وأما ما رواه المصنف عن حذيفة، فمعناه: أنه غلب الأغلب الأقوى على الأقل الأضعف، غير لازم، فغن سورة البقرة سميت: بقرة، على أن حديث البقرة نزر قليل بالنسبة إلى غيره.
[ ٧ / ١٦١ ]
فإن قلت: هلا صدرت بآية التسمية، كما في سائر السور؟ قلت: سأل عن ذلك ابن عباس عثمان ﵄، فقال: إنّ رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه السورة أو الآية قال: "اجعلوها في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا "، وتوفى رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أين نضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فلذلك قرنت بينهما، وكانتا تدعيان القرينتين،
_________________
(١) قوله: (سأل عن ذلك ابن عباس عثمان ﵄)، الحديث: اعلم أن جوابه غير مطابق للسؤال؛ سأل عن بيان عدم تصدير السورة بالبسملة، وأجاب عن موقع السورة مع أختها، ويمكن أن يُقال: إن السؤال كان عن شيئين، فاختصر في السؤال على أحدهما، وفي الجواب على الآخر، يدل عليه ما روى أحمد بن حنبل في "مسنده"، والترمذي وأبو داود في "سننهما"، عن ابن عباس قال: قلت لعُثمان ﵁: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المثين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ ووضعتموها في السبع الطوال؟ قال عثمان ﵁: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب، يقول: "ضعوا هذه الآيات في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا"، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يُبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)، ووضعتها في السبع الطوال. قلت: في الحديث دليل ظاهر على بيان ترتيب الآي والسور.
[ ٧ / ١٦٢ ]
وعن أبي بن كعب: "إنما توهموا ذلك، لأنّ في الأنفال: ذكر العهود، وفي براءة: نبذ العهود".
وسئل ابن عيينة فقال: اسم الله سلام وأمان، فلا يكتب في النبذ والمحاربة، قال تعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) [النساء: ٩٤]،
_________________
(١) قوله: (وعن أُبي بن كعب إنما توهموا [ذلك]؛ لأن في الأنفال: ذكر العهود، وفي براءة: نبذ العهود): الأول إشارة إلى قوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) [الأنفال: ٦١]، والثاني: ما ذكر في آية السيف. قوله: (قال الله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) [النساء: ٩٤]: روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عباس: "لقي ناس من المسلمين رجلًا في غنيمة له، فقال: السلام عليكم، فأخذوه، فقتلوه، وأخذوا تلك الغنيمات، فنزلت: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) [النساء: ٩٤]، وقرأ ابن عباس: (السَّلامَ) ". ووجه الاستدلال أن الكفار لما نبذوا العهد وأظهروا المحاربة، فالمناسب أن لا يُكتب إليهم في صدر الكتاب البسملة، لأنها أمارة أمان وسلامة؛ لما اشتملت على الاسم الجامع والوصف بما ينبئ عن جلائل النعم ودقائقها، وهو المراد من قوله" "اسم الله سلام وأمان"، كما أن المحارب حين طلب الأمان بالتسليم كان الواجب أن لا يقال له: لست مؤمنًا؛ لأن السلام طلب سلامة وأمان. قال المصنف في قوله: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً) [النور: ٦١]: "إن التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه".
[ ٧ / ١٦٣ ]