مدنية، وهي مئتان وسبع وثمانون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(الم)]
الم اعلم أنّ الألفاظ التي يتهجى بها أسماء،
_________________
(١) ـ سورة البقرة مدنية، وهي مئتان وسبع وثمانون آية غير آية نزلت يوم عرفة بمنى. بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (الألفاظ التي يتهجى بها)، الأساس: تعلم هجاء الحروف وتهجيتها وتهجيها وهو يهجوها ويتهجاها: يعددها. وقيل لرجل من قيس: أتقرأ القرآن؟ فقال: والله ما أهجو منه حرفًا. ومن المجاز: فلانٌ يهجو فلانًا هجاءً: يعد معايبه.
[ ٢ / ٥ ]
مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم، فقولك (ضاد) اسم سمى به «ضه» من ضرب إذا تهجيته، وكذلك: «را»، «با»: اسمان لقولك: «ره»، «به» وقد روعيت في هذه التسمية لطيفة، وهي أن المسميات لما كانت ألفاظا كأساميها وهي حروف وحدان والأسامي عدد حروفها مرتق إلى الثلاثة، اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في التسمية على المسمى،
_________________
(١) ـ قوله: (الحروف المبسوطة)، أي: حروف المباني المنثورة المفردة لا المركبة. قوله: (ضه)، بغير إفصاح الهاء وإنما كتبت على لفظ الواقف. والضمير في «تهجيته» يعود إلى «ضه»، وقيل: إلى «ضرب»، وهو أحسن. و«تسمي» من قولهم: سميت زيدًا: إذا ذكرته، لا من التسمية بمعنى: وضع الاسم للمسمى. وأما التسمية بمعنى الوضع فهو المراد من قوله: «وقد روعيت في هذه التسمية». قوله: (وحدانٌ)، وهو جمع واحدٍ كركبانٍ جمع راكب. قوله: (اتجه لهم)، يقال: اتجه لأمر كذا، أي: وجه وجهه إليه، الجوهري: اتجه له رأيٌ، أي: سنح. قال الإمام قطب الدين الفالي تغمده الله بغفرانه: اعلم أن تصدير الاسم بالحرف المسمى يتوقف على ثلاثة أمورٍ: أحدها: كون المسمى لفظًا؛ إذ لو كان معنًى لا لفظًا لم يمكن تصدير الاسم. والثاني: كون المسمى حرفًا واحدًا ليقع في الصدر. والثالث: كون الاسم ثلاثيًا؛ إذ لو كان الاسم حرفًا واحدًا كالمسمى اتحد الاسم والمسمى، ولو كان اثنين لم يستقم أيضًا لوجهين:
[ ٢ / ٦ ]
فلم يغفلوها، وجعلوا المسمى صدر كل اسم منها كما ترى، إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ساكنا.
ومما يضاهيها في إيداع اللفظ دلالة على المعنى: التهليل، والحولقة، والحيعلة، والبسملة وحكمها - ما لم تلها العوامل - أن تكون ساكنة الأعجاز موقوفة كأسماء الأعداد، فيقال: ألف لام ميم، كما يقال: واحد اثنان ثلاثه فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب.
_________________
(١) ـ أما أولًا: فلأن الاسم المتمكن لا يكون على حرفين. وأما ثانيًا: فلأن الحرف الثاني إما أن يكون صحيحًا، أو معتلًا، فإن كان صحيحًا لم يستقم لما مر، وإن كان معتلًا فلا يستقيم أيضًا لذلك، ولأنه قابلٌ للتنوين، وعند التنوين يسقط حرف لعلة، لاجتماع الساكنين. فإذا سقط حرف العلة عاد محذورًا اتحاد الاسم والمسمى، فتعين أن يكون ثلاثياًّ؛ إذ لا احتياج إلى الزيادة في المعنى. قوله: (فلم يغفلوها)، الأساس: فلاةٌ غفلٌ: لا علم فيها، ونعمٌ أغفالٌ: لا سمة عليها. المعنى: لم يجعلوا الأسامي أغفالًا لا سمة عليها من المسمى. وقيل: لم يغفلوها: لم يتركوها، من قولك: أغفلت الشيء، إذا تركته. والضمير راجعٌ إلى الطريق أو إلى اللطيفة أي: ما تركوا تلك الطريق غير مسلوكةٍ، واللطيفة غير مرعية. قوله: (استعاروا الهمزة مكان مسماها)، أي: مسمى الهمزة مكان مسمى الألف؛ لأن الألف اسم مدةٍ ساكنةٍ قبلها فتحة. ذكر ابن جني في «سر الصناعة»: أن الألف في الأصل اسم الهمزة، واستعمالهم إياها في غيرها توسع. وذلك أن الهمزة تصير هذه المدة إذا أتى في آخر الاسم، ثم لما غلب استعمال الألف في هذه المدة أهمل ما وضع عليها.
[ ٢ / ٧ ]
كقولك: هذه ألف، وكتبت ألفًا، ونظرت إلى ألف وهكذا كل اسم عمدت إلى تأدية ذاته فحسب، قبل أن يحدث فيه بدخول العوامل شيء من تأثيراتها، فحقك أن تلفظ به موقوفا. ألا ترى أنك إذا أردت أن تلقي على الحاسب أجناسا مختلفة ليرفع حسبانها، كيف تصنع؟ وكيف تلقيها أغفالا من سمة الإعراب؟ فتقول: دار، غلام، جارية، ثوب، بساط. ولو أعربت ركبت شططا.
فإن قلت: لم قضيت لهذه الألفاظ بالاسمية؟ وهلا زعمت أنها حروف كما وقع في عبارات المتقدّمين؟ قلت: قد استوضحت بالبرهان النير أنها أسماء غير حروف، فعلمت أن قولهم خليق بأن يصرف إلى التسامح، وقد وجدناهم متسامحين
_________________
(١) ـ قوله: (إلى تأدية ذاته فحسب)، الجوهري: أحسبني الشيء: كفاني. وحسبك درهمٌ، أي: كفاك. وذلك أن اللفظ موضوعٌ للمعنى، وحركات اللفظ الإعرابية دالةٌ على أحوال المعنى، فإذا لم يرد باللفظ إلا مجرد معناه يجاء به عرياًّ عما يدل على الأحوال الطارئة عليها عند الإعراب. قوله: (ليرفع)، أي: ليضبط، الأساس: ومن المجاز: ارفع هذا الشيء: خذه. قوله: (كما توقع)، صفة مصدرٍ محذوف. وفاعل «وقع» ضميرٌ يرجع إلى أنها حروف، الأساس: زعم فلانٌ أن الأمر كيت وكيت زعمًا ومزعمًا: إذا شك أنه حق أو باطل. وفي قوله مزاعم.: إذا لم يوثق به. توجيه السؤال: لم قطعت الحكم باسميتها ولم لا تزعم كزعمهم؟ قوله: (قد استوضحت)، الأساس: وضحته وأوضحته واستوضحته: وضعت يدي على عيني أطلب أن يضح لي. واستوضح عن هذا الشيء: بحث عنه.
[ ٢ / ٨ ]
في تسمية كثير من الأسماء التي لا يقدح إشكال في اسميتها كالظروف وغيرها بالحروف، ومستعملين الحرف في معنى الكلمة، وذلك أن قولك: «ألف» دلالته على أوسط حروف «قال» و«قام» دلالة «فرس» على الحيوان المخصوص، لا فضل فيما يرجع إلى التسمية بين الدلالتين.
ألا ترى أنّ الحرف: ما دلّ على معنى في غيره، وهذا كما ترى دال على معنى في نفسه ولأنها متصرف فيها
بالإمالة كقولك: «با»، «تا». وبالتفخيم كقولك: «يا»، «ها». وبالتعريف، والتنكير، والجمع والتصغير، والوصف
_________________
(١) ـ قوله: (كالظروف)، يعني نحو قبل وبعد، ويعدون «إذا» و«متى» من حروف الشرط؛ لأنهم لما رأوا أن بعض الأسماء بمنزلة الحروف في كونها لا تتم في الاستعمال إلا بانضمام شيءٍ معها، استعاروا لها اسم الحرف. قوله: (ومستعملين الحرف في معنى الكلمة)، روينا عن الترمذي والدارمي عن ابن مسعودٍ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله مائة حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ». قال القاضي: المراد به غير المعنى الذي اصطلح عليه- وهو المعنى اللغوي- فإن تخصيصه به عزفٌ مجددٌ، ولعله سماه باسم مدلوله. قوله: (وذلك أن قولك ألف)، هذا شروعٌ في البرهان الذي استوضح منه اسمية هذه الألفاظ. أتى بحد الاسم وخواصه من التعريف والتنكير والتصغير.
[ ٢ / ٩ ]
والإسناد، والإضافة، وجميع ما للأسماء المتصرفة. ثم إنى عثرت من جانب الخليل على نص في ذلك. قال سيبويه: قال الخليل يوما وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في «لك»)، والباء التي في «ضرب»؟ فقيل: نقول: باء، كاف فقال: إنما جئتم بالاسم، ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: «كهْ»، «بهْ». وذكر أبو على في كتاب «الحجة» في: (يس): وإمالة (يا)، أنهم قالوا: يا زيد، في النداء. فأمالوا وإن كان حرفا، قال: فإذا كانوا قد أمالوا ما لا يمال من الحروف من أجل الياء، فلأن يميلوا الاسم الذي هو «يس» أجدر. ألا ترى أنّ هذه الحروف أسماء لما يلفظ بها؟ فإن قلت: من أي قبيل هي من الأسماء: أمعربة أم مبنية؟
_________________
(١) ـ قوله: (من جانب الخليل)، كنايةٌ عن تعظيمه كقولك: المجلس العالي. وحق له ذلك لما روى الأنباري: أن الخليل بن أحمد البصري كان سيد أهل العربية قاطبةً في علمه وزهده واستخراجه مسائل النحو وتعليله. أخذ من أبي عمرو بن العلاء وأخذ منه سيبويه. قوله: (أقول: كه، به)، بإفصاح الهاء هاهنا للفصل. قوله: (وذكر أبو علي)، قال الأنباري: هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي، كان من أكابر أئمة النحو، وعلت منزلته في النحو حتى قيل: ما كان بين سيبويه وأبي عليٍّ أفضل منه. صنف كتبًا كثيرةً منها كتاب «الحجة في علل القراءات السبع». قوله: (من أي قبيلٍ هي من الأسماء: أمعربةٌ أم مبنية؟)، السؤال مبنيٌّ على الخلاف في أن الأسماء قبل التركيب هل هي معربةٌ أم مبنية؟
[ ٢ / ١٠ ]
قلت: بل هي أسماء معربة، وإنما سكنت سكون زيد وعمرو وغيرهما من الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد مقتضيه وموجبه
_________________
(١) ـ قال الزجاج: هذه الحروف [ليست] تجري مجرى الأسماء المتمكنة والأفعال المضارعة التي يجب لها الإعراب، وإنما هي تقطيع الاسم المؤلف الذي لا يجب له الإعراب إلا مع كماله. وقال: أجمع النحويون أن هذه الحروف مبنيةٌ على الوقف، بمعنى أنك تقدر أن تسكت على كل حرف وتجمع بين الساكنين كما بني العدد على السكون. وقال ابن الحاجب: المعرب: المركب الذي لم يشبه مبني الأصل. وفي سؤاله نوع إنكارٍ على جعل الألفاظ إما موقوفةً أو معربةً على ما بنى الكلام السابق عليه، وهو: «وحكمها ما لم تلها العوامل أن تكون موقوفةً، فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب» أي: الألفاظ الموقوفة من أي قبيلٍ هي من الأسماء؟ فإنها لا تخلو من هذين القبيلين. وما هذا التقسيم وتصريحه بذكر الأسماء إلا لمزيد الإنكار؛ ف «أم» في قوله: «أم مبنية» منقطعة، والهمزة فيها للإنكار، كأنه قال: أمعربةٌ؟ ثم أضرب عن هذا السؤال وأنكر أن تكون معربةً فقال: هي مبنيةٌ لفقد مقتضى الإعراب، وهو التركيب كما عليه مذهب ابن الحاجب وغيره. ولذلك أجاب بالإضراب عن السؤال في كونها مبنيةً، وقال: «بل هي أسماءٌ معربة» كزيدٍ وعمرو، وأقحم الأسماء أيضًا لمزيد الإنكار على كونها مبنية، أي: هي أسماءٌ غير
[ ٢ / ١١ ]
والدليل على أنّ سكونها وقف وليس ببناء: أنها لو بنيت لحُذي بها حذو:
_________________
(١) ـ مشابهةٍ للحروف كأين وكيف، بل هي أسماءٌ متمكنةٌ كزيدٍ وعمروٍ. وهذا مطابقٌ لحده المعرب في «المفصل»: «المعرب: المركب الذي يختلف آخره باختلاف العوامل، أي: من شأنه أن يختلف». ويجوز أن تكون «أم» متصلةً و«بل» إضرابٌ عن التردد. أي: سؤالك هذا يشعر بأنك مترددٌ في كونها معربةً، وليست بقاطعٍ فيه، فاقطع بأنها معربةٌ، فالمضرب لازم التركيب. وقيل: الأصل في الكلمات إذا كن قابلاتٍ للإعراب، الإعراب الذي هو مسبب التركيب؛ لأن وضع الألفاظ لمسيس الحاجة إلى التعاون والتعارف، فوضعت بإزاء المعاني الذهنية لتفيد النسب دون المعاني المفردة، وإلا فتدور فقطعها عن التركيب عارضٌ كعروض الوقف، فاغتفر فيها التقاء الساكنين عند عروض عدم التركيب كما عند عروض الوقف، ولا يسكن آخر ما لا يقبل الإعراب إذا عدد نحو: أين، وكيف، وحيث، وحين؛ لأن حركتها لازمةٌ فلا تزول لعارض، وإنما زالت في الوقف للضرورة. وقال المالكي: لم يبعد من الصواب رأي من جعله معربًا حكمًا؛ إذ لو كان مبنياًّ لم يسكن وصلًا، إذا عددت نحو زيدٍ وعمرو؛ إذ لم يرد مبنيٌّ كذلك. قوله: (إن سكونها وقف)، الوقف: قطع الكلمة عما بعدها، وهذه الفواتح وإن وصلت بما بعدها لفظًا، لكنها موقوفةٌ نيةً. يعني: أن سكونها ليس للبناء/، فإن الأسماء المبنية: إما مبنيةٌ
[ ٢ / ١٢ ]
«كيف»، و«أين»، و«هؤلاء». ولم يقل: «ص»، «ق»، «ن» مجموعا فيها بين الساكنين. فإن قلت: فلم لفظ المتهجي بما آخره ألف منها مقصورا، فلما أعرب مدّ فقال: هذه باء، وياء، وهاء وذلك يخيل أن وِزانها وزان قولك «لا» مقصورة فإذا جعلتها اسما مددت فقلت: كتبت (لاء)؟ قلت: هذا التخيل يضمحل بما لخصته من الدليل والسبب في أن قُصرت متهجاة، ومدّت حين مسها الإعراب: أنّ حال التهجي
_________________
(١) ـ على الحركة نحو كيف، وأين، وهؤلاء، أو على السكون على وجهٍ لا يلزم منه التقاء الساكنين ك: متى، وحتى. وهذه ليست كذلك؛ لأنها لو بينت لقيل: صاد وقاف بالفتح كالمبنيات، ولم يقل: صادٍ وقافٍ كزيدٍ وعمروٍ، جمعًا بين الساكنين. قوله: (فلم لفظ المتهجي)، يعني: كأن القياس على ما ذهبت في نحو «صاد» و«قاف» أن يقال: «باء» و«تاء» مهموزةً ساكنةً، وحين لفظ المتهجي، حال التهجي مقصورةً، وممدودةً حالة التركيب، خيل حرفيتها مقصورةً، واسميتها ممدودةً، كقول حسان يمدح النبي ﷺ. ما قال قط إلا في تشهده … لولا التشهد لم يسمع له لاء ويؤيده ما روينا عن الدارمي عن جابرٍ قال: «وما سئل رسول الله ﷺ شيئًا قط، فقال: لا». وأجاب: أن كونها مقصورةً ليس لكونها حرفًا، بل لأمرٍ آخر وهو طلب الخفة، فلم يعلم من ذلك حرفيتها، فوجب الرجوع إلى تلخيص الدليل وهو البرهان النير.
[ ٢ / ١٣ ]
خليقة بالأخف الأوجز، واستعمالها فيه أكثر. فإن قلت: قد تبين أنها أسماء لحروف المعجم، وأنها من قبيل المعربة، وأن سكون أعجازها عند الهجاء لأجل الوقف، فما وجه وقوعها على هذه الصورة فواتح للسور؟ قلت:
فيه أوجه: أحدها وعليه إطباق الأكثر: أنها أسماء السور.
_________________
(١) قوله: (قد تبين أنها أسماءٌ)، يعني أطنبت في تقرير كونها أسماء، وتركت المقصود الأولى وهو وجه وقوعها على هذه الصورة المخصوصة في أوائل السور من بيان فائدتها، وكيفية إعرابها فيها، وتخصيص كلٍّ من السور التي فاتحتها بما اختصت به، وتخصيص أعدادها وغير ذلك، فإن كل ذلك هو المطلوب في التفسير. ودل على هذا الإنكار الفاء في قوله: «فنا وجه وقوعها؟». وأجاب عن ذلك بوجوهٍ ثلاثة: وهي أنها أسماءٌ للسور، أو هي كقرع العصا، أو أنها تقدمةٌ لدلائل الإعجاز، وضمن هذه الوجوه الثلاثة ما يقتضيها من الفوائد، ومن كونها معربةً أو محكيةً. ومن اختصاص أعدادها وغير ذلك كما سيرد، فعلم من هذا البيان أن الأبحاث السابقة كانت كالمقدمة للاحقة. قوله: (لحروف المعجم)، الجوهري: العجم: النقط بالسواد. ومنه حروف المعجم وهي الحروف المقطعة التي يختص أكثرها بالنقط. ومعناه حروف الخط المعجم، كما تقول: مسجد الجامع، أي: مسجد اليوم الجامع. وناسٌ يجعلون المعجم بمعنى الإعجام مصدرًا مثل المخرج والمدخل، أي: من شأن هذه الحروف أن تعجم. قوله: (وعليه إطباق الأكثر)، قال الإمام: هو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه.
[ ٢ / ١٤ ]
وقد ترجم صاحب الكتاب الباب الذي كسره على ذكرها في حد ما لا ينصرف ب «باب أسماء السور» وهي في ذلك على ضربين:
أحدهما ما لا يتأتى فيه إعراب، نحو: «كهيعص»، و«المر».
والثاني: ما يتأتى فيه الإعراب، وهو إما أن يكون اسما فردا كصاد وقاف ونون، أو أسماء عدّة مجموعها على زنة مفرد ك: حم. وطس. ويس. فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وكذلك طسم يتأتى فيها أن تفتح نونها، وتصير «ميم» مضمومة إلى طس فيجعلا اسماء واحد كدارابجرد فالنوع الأول محكي ليس إلا وأما النوع الثاني فسائغ فيه الأمران: الإعراب، والحكاية قال قاتل محمد بن طلحة السجاد وهو شريح ابن أوفى العبسي
يُذَكِّرُنِى حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ.
فأعرب حاميم ومنعها الصرف، وهكذا كل ما أعرب من أخواتها لاجتماع سببى منع الصرف فيها، وهما: العلمية، والتأنيث.
_________________
(١) قوله: (كسره)، أي جمعه، الأساس: ومن المجاز: كسر الطائر جناحيه كسرًا: ضمهما للوقوع، وكسر الكتاب على عدة أبوابٍ وفصول. قوله: (وهي في ذلك)، أي الفواتح في كونها أسماءً للسور. قوله: (قاتل محمد بن طلحة)، في الاستيعاب»: هو محمد بن طلحة بن عبيد الله القرشي، المعروف بالسجاد. قتل يوم الجمل، وكان طلحة أمره أن يتقدم للقتال فنثل درعه بين رجليه وقام عليها، وكلما حمل عليه رجلٌ قال: نشدتك ب «حم» حتى شد عليه العبسي فقتله، وأنشأ يقول:
[ ٢ / ١٥ ]
والحكاية: أن تجيء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته الأولى كقولك: دعني من «تمرتان»، وبدأت بـ «الحمد للَّه»، وقرأت «سورة أنزلناها». قال:
وَجَدْنا في كِتَابِ بَنى تَمِيم … أَحَقُّ الْخَيْلِ بالرَّكْضِ المُعَارُ.
_________________
(١) ـ وأشعث قوامٍ بآيات ربه … قليل الأذى فيما ترى العين مسلم خرقت له بالرمح جيب قميصه … فخر صريعًا لليدين وللفم على غير شيءٍ غير أن ليس تابعًا … علياًّ، ومن لا يتبع الحق يظلم يذكرني ، البيت. فلما رآه علي ﵁ بين القتلى، استرجع وقال: إن كان لشاباًّ صالحًا، ثم قعد كئيبًا. سمي السجاد لتعبده. شجر الرمح: اختلف. والتشاجر: التخاصم. وكل شيءٍ دخل في بعضٍ فقد تشاجر. قيل: المراد بقوله: «حم» قوله تعالى: (قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى)، وهو في «حم» الشورى [الآية: ٢٣]. قوله: (دعني من تمرتان)، جوابٌ عن قول من قال: يكفيك تمرتان، أو هاتان تمرتان. قوله: (أحق الخيل)، كأنه من قول الشاعر: أعيروا خيلكم ثم اركضوها … أحق الخيل بالركض المعار يقال: ركض فلانٌ دابته: إذا ضرب جنبيها برجله لتعدو. المعار: من عار الفرس، إذا انفلت، وذهب يمينًا وشمالًا من مرحه، وأعاره صاحبه، فهو معارٌ، وفي «الصحاح»: البيت للطرماح، وقال الصغاني: وهو خطأٌ، البيت لبشر بن أبي
[ ٢ / ١٦ ]
وقال ذو الرّمّة:
سَمِعْتُ النَّاسَ يَنْتَجِعُونَ غَيثًا … فَقُلْتُ لِصَيْدَح انْتَجِعى بِلَالا
وقال آخر:
تَنَادَوْا بالرَّحِيلِ غَدًا … وَفي تَرْحَالِهمْ نَفْسِى
وروى منصوبا ومجرورا. ويقول أهل الحجاز في استعلام من يقول: رأيت زيدا، من زيدًا؟
وقال سيبويه: سمعت من العرب
_________________
(١) خازم. وقال أبو عبيدة: والناس يعتقدون أنه من الإعارة بمعنى العارية، وهو خطأ، ومعناه على هذا: أن صاحبه لم يشفق عليه، فغيره أحق أن لا يشفق. قوله: (لصيدح): صيدح علم ناقة ذي الرمة. قوله: (بلالًا)، قال في «الجامع»: هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، كان على البصرة. «الناس» مرفوعٌ على الحكاية، كأنه سمع قائلًا يقول: الناس ينتجعون غيثًا. النجعة: طلب الكلأ والخير. وفي «انتجعي» مشاكلةٌ لقوله: ينتجعون غيثًا. قوله: (وروي منصوبًا ومجرورًا)، هذا العطف دل على كونه مرفوعًا، فالرفع على الابتداء، أي: الرحيل غدًا. أي: ينادون بهذا القول. والنصب على ارحل الرحيل. والجر على اللفظ. «وفي ترحالهم نفسي» أي: هلاك نفسي أو استقر في ترحالهم نفسي.
[ ٢ / ١٧ ]
لا من أين يافتى. فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: صادَ، وقافَ، ونونَ مفتوحات؟ قلت: الأوجه أن يقال: ذاك نصب وليس بفتح، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف على ما ذكرت. وانتصابها بفعل مضمر. نحو: اذكر وقد أجاز سيبويه مثل ذلك في: حم، وطس، ويس لو قرئ به.
_________________
(١) ـ قوله: (لا من أين يا فتى)، يقول الرجل لآخر: من أين يا فتى؟ فيقول: لا من أين يا فتى، أي: لا تسألني عن نسبي ومقامي، وسل عن حسبي ومناقبي. قوله: (فما وجه قراءة من قرأ صاد؟)، قال الزجاج: قرأ عيسى صاد وقاف ونون بالفتح لالتقاء الساكنين. وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق بالكسر. والفاء في السؤال دلت على الإنكار على الكلام السابق، وهو قوله «فسائغٌ فيه الأمران: الإعراب، والحكاية» يعني: أين الإعراب أم أين الحكاية على هذه القراءة؟ فإنها تدل على كونها مبنيةً لما أسلفت أنها لو بينت لحذي بها حذو أين وكيف، أي: فتح آخرها. فإذن هذه الحركات ليست بإعرابيةٍ لفقد المقتضي، ولا هي للوقف؛ لأن المحكية إنما يوقف عليها بالسكون كما سبق. وأجاب: لا نسلم فقد المقتضي؛ لأن التقدير «اذكر». ويجوز أن يحرك على التقاء الساكنين في لغة من جد في الهرب عنه، كما في (وَلا الضَّالِّينَ). قال الزجاج: فالفتح في صاد ونحوه لالتقاء الساكنين؛ لأن الفتحة تختار مع الألف في التقاء الساكنين، قال سيبويه: إذا رخمت «إسحار» اسم رجلٍ مشدد الراء قلت في ترخيمه: يا إسحار أقبل، ففتحت لالتقاء الساكنين.
[ ٢ / ١٨ ]
وحكى أبو سعيد السيرافي أنّ بعضهم قرأ: يس. ويجوز أن يقال: حرّكت لالتقاء الساكنين، كما قرأ من قرأ: وَلَا الضَّالِّينَ.
فإن قلت: هلا زعمت أنها مقسم بها؟ وأنها نصبت قولهم: نعمَ اللَّه لأفعلن، وأيِ اللَّه لأفعلن، على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم. وقال ذو الرمة:
أَلَا رُبَّ مَنْ قَلْبى لَهُ اللَّهَ نَاصِح.
_________________
(١) ـ قوله: (وحكى أبو سعيد السيرافي)، قال الأنباري: إنه كان من أكابر الفضلاء، زاهدًا لا نظير له في علم العربية، ولو لم يكن له سوى «شرح كتاب سيبويه» لكفاه فضلًا. قوله: (ألا رب من قلبي له الله ناصحٌ)، تمامه: ومن قلبه لي في الظباء السوانح أي: ألا رب من قلبي له ناصحٌ، أحلف بالله. أضمر الفعل بعد أن أعلمه فيه على حذف الجار، تقول: أنا أحبه، فأنصحه بقلبي، وقلبه نافرٌ عني نفور الظباء. ويمكن أن يكون المعنى: قلبه مستقرٌّ في الظباء. والسانح: ما أتاك من يمينك من طائرٍ وظبي، والعرب تتيمن به، والبارح: ما أتاك عن يسارك، والعرب تتشاءم به.
[ ٢ / ١٩ ]
وقال آخر:
فَذَاكَ أَمَانَةُ اللَّهِ الثَّرِيدُ
قلت: إنّ القرآن والقلم بعد هذه الفواتح محلوف بهما، فلو زعمت ذلك لجمعت بين قسمين على مقسم عليه واحد وقد استكرهوا ذلك.
_________________
(١) ـ قوله: (فذاك أمانة الله)، صدره: إذا ما الخبز تأدمه بلحمٍ أي: فذاك أمانة الله الثريد. قوله: (إن القرآن والقلم بعد هذه الفواتح محلوفٌ بهما)، حاصل الجواب: أنه لا يجوز أن تكون هذه الفواتح مقسمًا بها، ومنصوبًا كما ذكرتم؛ لأن الواو حينئذٍ: إما للقسم، أو للعطف. ولا سبيل إلى الأول؛ لاجتماع قسمين على مقسمٍ عليه واحدٍ وهو مستكره، ولا إلى الثاني؛ لمخالفته الثاني الأول في الإعراب، فبقي أن يكون معمولًا لفعلٍ مضمرٍ، فعلى هذا قوله: «قال الخليل» إلى قوله: «هذا» اعتراضٌ على سبيل الاستطراد مبينٌ لقوله: «وقد استكرهوا ذلك». بيانه: أن الخليل جعل «الواو» في قوله: «والليل» للقسم، و«الواو» في «والنهار» للعطف. فاشتركا في معنى القسيمة، فيجوز تلقيهما بمقسمٍ عليه واحدٍ. ولو قدر أن يكون الثاني أيضًا حرف قسمٍ؛ لزم أن يكونا قسمين مستقلين. والأفصح حينئذٍ أن يتلقى كل منهما بمقسمٍ عليه، كقولك: بالله لأفعلن، تالله لأخرجن. وإن جاز أن يقال: وحقك وحق زيدٍ لأفعلن للتأكيد، لكن لم يحسن ذلك الحسن؛ ولذلك استكرهوه.
[ ٢ / ٢٠ ]
قال الخليل في قوله ﷿: (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى، وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى): الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء. قال سيبويه: قلت للخليل: فلم لا تكون الأخريان بمنزلة الأولى؟ فقال: إنما أقسم بهذه الأشياء على شيء، ولو كان انقضى قسمه بالأوّل على شيء لجاز أن يستعمل كلاما آخر، فيكون كقولك باللَّه لأفعلنّ، باللَّه لأخرجنّ اليوم. ولا يقوى أن تقول:
_________________
(١) ـ قال أبو علي: والذي يمنع هذا: أن القسم يبقى متعلقًا بغير مقسم عليه؛ ألا ترى أنه إذا قال: قاف أو صاد، فنصبه بأنه مقسم به، لم يتلقه محلوف عليه، يدل على ذلك استئنافك باسم آخر لا يجوز عطفة على هذا الاسم الأول إذا قدرته مقسما به لانجراره بالواو. فهذا التأويل الذي ذكرنا امتناعه في هذه الفواتح لا يخلو الاسم المنجر فيه من أحد أمرين: إما أن يكون معطوفًا على ما قبله، وإما أن يكون مستأنفًا منقطعًا منه. ولا يجوز أن يكون معطوفا على ما قبلة لانجراره وانتصاب المعطوف عليه، فإذا لم يجز ذلك؛ ثبت أنه منقطع مما قبله، وأن الواو للقسم لا للعطف، وإذا كان كذلك، لم يكن الأول قسمًا؛ ألا ترى أن الخليل وسيبويه لم يجيزا في قوله تعال: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) الآية [الليل: ١] كون الواوين اللتين بعد الأولي قسما كالأولي فقالا فيهما: إنهما للعطف لما كان يلزم من إجازة ذلك بقاء القسم الأول غير متعلق بمقسم عليه. تم كلامه. واستدل الخليل أيضا على أن الواو الثاني للعطف بأنه لو وضع موضعها "ثم" و"الفاء" كما يقال: وحياتي ثم حياتك لأفعلن: لم يتغير المعنى وهما حرف عطف. وأعترض عليه بأنه لو جعل الواو في: (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) [الليل: ٢] للعطف؛ للزم العطف على معمولي عاملين متغايرين، وهو غير سائغ.
[ ٢ / ٢١ ]
وحقك وحق زيد لأفعلنّ. والواو الأخيرة واو قسم لا يجوز إلا مستكرها قال: وتقول وحياتي ثم حياتك لأفعلنّ فثم هاهنا بمنزلة الواو. هذا ولا سبيل فيما نحن بصدده إلى أن تجعل الواو للعطف لمخالفة الثاني الأول في الإعراب. فان قلت: فقدّرها مجرورة بإضمار الباء القسمية لا بحذفها، فقد جاء عنهم: اللَّه لأفعلن مجرورا،
_________________
(١) وأجاب المصنف بأنه لما تنزلت الواو التي في «الليل» منزلة الباء والفعل حتى لم يجز ذكر الفعل معها، صارت كأنها هي العاملة نصبا وخفضا، فصارت كعاملٍ له عملان كقولك: إن زيدا قائم وعمرا قاعد؛ فعومل معها معاملتهما. الانتصاف: في قوله تعالى: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا* فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا* فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) [الصافات: ١ - ٣] دليل على صحة مذهب الخليل وسيبويه، فوقوع الفاء هاهنا كوقوع الواو في قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) ولم يفترق الحال إلا بما أعطته الفاء من تفاوت الترتيب. قوله: (هذا)، من فصل الخطاب، أي: مضي هذا. ثم شرع في بيان ما هو المقصود من كلامه، ونحوه قوله تعالى: (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ) [ص: ٥٥] فإنه تعالى كلما فرغ من نوع من الكلام وأراد الشروع في نوع آخر، فصل بقوله: «هذا». وقيل: هذا فصل أحسن من وصل. قوله: (فقدرها مجرورة)، مسبب عما قبله يعني لم يقدر صاد وقاف ونون مجرورة بإضمار حرف الجر لا بحذفها حتى يتم للك العطف؟ والفرق بين أن يكون مضمرًا وبين أن
[ ٢ / ٢٢ ]
ونظيره قولهم: لاه أبوك غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، واجعل الواو للعطف حتى يستتب لك المصير إلى نحو ما أشرت إليه.
_________________
(١) ـ يكون محذوفا هو: أن المضمر أثره باق؛ كقولك: الأسد الأسد، والمحذوف لا أثر له؛ كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢]. ويجوز أن يكون من باب قوله: بدالي أني لست مدرك ما مضي … ولا سابق شيئا إذا كان جانيا قوله: (لاه أبوك)، أصله: لله أبوك. قال أبو على: قال سيبويه: حذفوا اللامين منه: لام الإضافة واللام الأخرى. وقيل: المحذوف لام الأصل والمبقى الزائد، خلافا لسيبويه. قال أبو على: فلهم أن يقولوا: إن الزائد جاء لمعنى، وهو أولى بأن يترك؛ لأنه إذا حذف زالت لحذفه دلالته التي جاء لها. وقد رأيناهم يحذفون من نفس الكلمة في نحو: لم يك، ولا أدر، ولم أتل، إذا كان في الذي أبقى دليل على ما ألقى. فعلى هذا المحذوف من هذا الاسك ما هو من نفسه والمبقى الزائد. وقيل: معنى التعجب في: «لاه أبوك» أنهم يفيدون بذكر اللام المفيدة للاختصاص: أن الله تعالى لكمال قدرته مختص بإيجاد مثل هذا الشيء العجيب الشأن. قوله: (يستتب)، الأساس: استتب الطريق: ذل وانقاد، كقولهم: طريق معبد. واستتب
[ ٢ / ٢٣ ]
قلت: هذا لا يبعد عن الصواب، ويعضده ما رووا عن ابن عباس ﵁ أنه قال: أقسم اللَّه بهذه الحروف. فإن قلت: فما وجه قراءة بعضهم ص وق بالكسر؟ قلت: وجهها ما ذكرت من التحريك لالتقاء الساكنين، والذي يبسط من عذر المحرّك: أن الوقف لما استمرّ بهذه الأسامى، شاكلت لذلك ما اجتمع في آخره ساكنان من المبنيات، فعوملت تارة معاملة «الآن» وأخرى معاملة «هؤلاء». فإن قلت: هل تسوّغ لي في المحكية مثل ما سوّغت لي في المعربة من إرادة معنى القسم؟
_________________
(١) ـ له الأمر: استقام. ويجوز أن يقال للاستقامة والتمام: الاستتباب، أي: طلب التباب الذي هو الهلاك؛ لأن التباب يتبع التمام. كما قيل: إذا تم أمر دنا نقصه. قوله: (عن ابن عباس: أقسم الله بهذه الحروف)، قال الإمام: أقسم الله بها لشرفها؛ لأنها مباني كتبه المنزلة وأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأصول كلام الأمم. قوله: (فما وجه قراءة بعضهم: صاد؟)، سؤال آخر على تحريك هذه الحروف كما سبق في قوله: «فما وجه قراءة من قرأ «صاد» بالنصب؟». وأجاب: أنه على تقدير الحكاية دون الإعراب؛ لكونها غير مصروفة. والمراد بقوله: «ما ذكرت من التحريك لالتقاء الساكنين» ما سبق في جواب السؤال السابق على فتح صاد. قوله: (هل تسوغ لي في المحكية)، والمحكية كما مضى نوعان: نوع لا يتأتى فيه الإعراب ألبتة نحو: (كهيعص) [مريم: ١] و(الم) [البقرة: ١]، ونوع سائغ فيه الإعراب أيضا نحو: «حم» و«ق».
[ ٢ / ٢٤ ]
قلت: لا عليك في ذلك، وأن تقدّر حرف القسم مضمرًا في نحو قوله ﷿: (حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ) [الدخان: ٢]، كأنه قيل: أقسم بهذه السورة، وبالكتاب المبين: إنا جعلناه. وأما قوله ﷺ «حم لا يبصرون» فيصلح أن يقضى له بالجرّ والنصب جميعًا على حذف الجار وإضماره. فان قلت: فما معنى تسمية السور بهذه الألفاظ خاصة؟
_________________
(١) ـ قوله: (لا عليك)، أي: لا بأس عليك في ذلك. ثم عطف عليه على سبيل البيان قوله: «وأن تقدر» أي: لا بأس عليك أن تقدر في المحكية حرف القسم مضمرا عاملا عمل الجر فيما يشبه (حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ) [الدخان: ١ - ٢] يعنى فيما بعده الواو، ولا يقدره محذوفا لئلا يجتمع قسمان على مقسم عليه واحد، أو يحصل الاختلاف في المعطوف والمعطوف عليه في الإعراب كما سبق. وأما قوله ﷺ: «حم لا ينصرون» فعلى تقدير سؤال، يعنى: فيما لم يأت بعده الواو في المحكية ما تقول فيه؟ فقال: وفي مثله يجوز الجر والنصب على حذف الجار وإضماره لزوال المانع وهو الواو. قوله: (حم لا ينصرون)، روى الترمذي وأبو داود عن المهلب عمن سمع النبي ﷺ يقول: «إن بيتكم العدو فقولوا: (حم) لا ينصرون».
[ ٢ / ٢٥ ]
قلت: كأن المعنى في ذلك الإشعار بأن الفرقان ليس إلا كلما عربية معروفة التركيب من مسميات هذه الألفاظ، كما قال عز من قائل: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [يوسف: ٢].
فإن قلت: فما بالها مكتوبة في المصحف على صور الحروف أنفسها، لا على صور أساميها؟ قلت: لأنّ الكلم لما كانت مركبة من ذوات الحروف، واستمرّت العادة متى تهجيت ومتى قيل للكاتب: اكتب كيت وكيت أن يلفظ بالأسماء وتقع في الكتابة الحروف أنفسها، عمل على تلك الشاكلة المألوفة في كتابة هذه الفواتح.
وأيضًا فإن شهرة أمرها، وإقامة ألسن الأسود والأحمر لها،
_________________
(١) ـ قال في «الفائق»: والذي يؤدي إليه النظر في معنى هذا الحديث: أن السور السبع التي في أوائلها «حم» سور لها شأن، فنبه صلوات الله عليه أن ذكرها لشرف منزلتها وفخامة شأنها مما يستظهر به على إنزال رحمة الله في نصرة المسلمين، وفل شوكة الكفار، وقوله: «لا ينصرون» كلام مستأنف؛ كأنه حين قال: «قولوا: (حم)، وقال له قائل: ماذا يكون إذا قلت هذه الكلمة؟ فقال: «لا ينصرون». قوله: (كأن المعنى في ذلك الإشعار) إلى آخره. فإن قلت: أليس هذا المعنى يفيده الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة في الفواتح وهو قوله: «أن يكون ورودها على نمط التعديد كالإيقاظ وقرع العصا»؟ قلت: لأن هذا المعنى إنما يفيده هذا الوجه بحسب التناسب بين الاسم والمسمى من غير قصد في التسمية إليه، وهناك يفيده قصدا أوليا، ومن ثم قال: «كأن المعنى» على التشبيه دون الجزم. وفيه إشارة إلى مذهبه على سبيل الإدماج.
[ ٢ / ٢٦ ]
وأنّ اللافظ بها غير متهجاة لا يحلى بطائل منها، وأنّ بعضها مفرد لا يخطر ببال غير ما هو عليه من مورده؛ أمنت وقوع اللبس فيها، وقد اتفقت في خط المصحف أشياء خارجة عن القياسات التي بنى عليها علم الخط والهجاء،
_________________
(١) ـ وقوله: (وأن اللافظ بها) وقوله: (وأن بعضها مفرد)، معطوفان على شهرة أمرها، يعني: لا يخطر ببال أن المراد من «ق» و«ن» و«ص» الأوامر، أو فائدة أخرى يعبأ بها حتلا يحتاج أن يكتب قاف ونون وصاد لئلا تلتبس. قوله: (غير متهجاة)، أي: أن يتلفظ «ق» مفردة من غير أن يقال: قاف. قوله: (لا يحلى بطائل)، حليت منه بطائل، أي: ظفرت منه بفائدة، الأساس: ومن المجاز: حلى فلان في صدري وفي عينى، وهو حلو اللقاء وحلو الكلام. وفيه: وله عليه طول: فضل، وهو غير طائل: غير فاضل. قوله: (وأن بعضها)، أي: بعض أسامي حروف التهجي، يعني: ورود بعض هذه الفواتح نحو ث، ص، ن، مفردًا لا يخطر ببال من يراه مكتوبا كذا- غير المعني المراد به وهو الاسم الملفوظ به. وضمير «مورده» عائد إلى البعض، أي: أن ذلك البعض المكتوب على حرف واحد وارد على ذلك الملفوظ الذي هو الاسم. قوله: (أمنت وقوع اللبس)، خبر «إن» في قوله: «فإن شهرة أمرها». قوله: (علم الخط)، قال ابن الحاجب: الخط تصوير اللفظ بحرف هجائه، إي: اللفظ المقصود تصويره. فإذا قيل: اكتب زيدا، تكتب مسمى زاي وياء ودال. والأصل في كل كلمة أن تكتب بصورة لفظها بتقدير الابتداء بها والوقوف عليها.
[ ٢ / ٢٧ ]
ثم ما عاد ذلك بضير ولا نقصان لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ، وكان اتباع خط المصحف سنة لا تخالف.
قال عبد اللَّه بن درستويه في كتابه: المترجم بكتاب الكتاب المتمم: في الخط والهجاء خطان لا يقاسان:
_________________
(١) قوله: (عبد الله بن درستويه)، قال الأنباري: كان أحد النحاة المشهورين، والأدباء المذكورين. ألف كتابه في «الهجاء»، وهو من أحسنها. ووجدت في كتاب صنف في هذا الفن: اعلم أن كتابة المصحف مثبتة بخط واحد على الأحرف السبعة، وهي تنقسم إلى ما يوافق القياس، وإلى ما لا يوافقه، بل يتلقى بالقبول؛ لأنها سنة واجبة الاتباع؛ لأنه رسم زيد بن ثابت ﵁، أمين رسول الله ﷺ وكاتب وحيه، علم من هذا العلم ما لم يعلم غيره، وما خالفه إنما خالف لحكمة بليغة ومعرفة خفية؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فإنه كتب بلا ألف، ولا يجوز إثباتها؛ لأن إثباتها يؤدي إلى مخالفة من قرأ بغير ألف، وكذلك قوله تعالى: (فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ) [يوسف: ١٥] كتبت بالياء من غير ألف، إذ لو أثبتت لبطلت قراءة من قرأ بالوحدة، ولو كتبت بالهاء لبطلت قراءة من قرأ بالجمع. قوله: (بكتاب الكتاب)، أي: بكتاب الكتابة. وفي بعض النسخ: «بكتاب الكتاب» بالتشديد.
[ ٢ / ٢٨ ]
خط المصحف، لأنه سنة، وخط العروض لأنه يثبت فيه ما أثبته اللفظ ويسقط عنه ما أسقطه.
الوجه الثاني: أن يكون ورود هذه الأسماء هكذا مسرودة على نمط التعديد، كالإيقاظ، وقرع العصا لمن تحدّى بالقرآن وبغرابة نظمه
_________________
(١) قوله: (خط المصحف وخط العروض)، مبتدأ، و"خطان لا يقاسان" خبره. قدم على المبتدأ للتشويق، كقول الشاعر: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها … شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر قوله: (هكذا)، صفة مصدر محذوف، و"الإيقاظ" خبر "يكون"، و"مسرودة" حال. وصاحبها "هذه الأسماء"، والعامل "الورود" أي: الوجه الثاني: أن يكون ورود هذه الأسماء متتابعة على طريقة التعداد كالتنبيه لمن يرد عليه امر له شأن وفيه فخامة ليتلقاه بالقبول. قوله: (مسرودة)، الأساس: سرد الحديث والقراءة: جاء بهما على ولاء. قوله: (وقرع العصا)، أصله من قولهم: إن العصا قرعت لذي الحلم، يضرب لمن إذا نبه انتبه. قال الميداني: ذو الحلم: عامر بن الظرب، كان من حكماء العرب، لا يعددل بفهمه فهم، فلما طعن في السن أنكر من عقله شيئا، فقال لبنيه: إنه قد كبرت سني، وعرض لي
[ ٢ / ٢٩ ]
وكالتحريك للنظر في أن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم؛ ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا أن لم تتساقط مقدرتهم دونه، ولم تظهر معجزتهم عن أن يأتوا بمثله بعد المراجعات المتطاولة، وهم أمراء الكلام وزعماء الحوار، وهم الحرّاص على التساجل في اقتصاب الخطب، والمتهالكون على الافتنان في القصيد والرجز، ولم يبلغ من الجزالة وحسن النظم
_________________
(١) سهو، فإذا رأيتموني خرجت من كلامي وأخذت في غيره، فاقرعوا لي المحجن بالعصا. قوله: (وقد عجزوا عنه عن آخرهم)، أي: عجزوا صادرا عن آخرهم، فإذا صدر العجز عن آخرهم؛ فيكون قد صدر عن جميعهم متجاوزا عن آخرهم. قوله: (دونه)، أي: عند الوصول إليه. والضمير عائد إلى المتلو عليهم. قوله: (معجزتهم)، يروى بكسر الجيم وفتحها، الجوهري: عجزت عن كذا أعجز بالكسر عجزا ومعجزة ومعجزة ومعجزة ومعجزا، ومعجزا أيضا بالفتح على القياس. قوله: (الحوار)، الأساس: كلمته فما أحار جوابا، أي: ما رجع. قوله: (على التساجل)، الأساس: ومن المجاز: ساجله: فاخره. وله من المجد سجل سجيل: ضخم. واقتضب الكلام: ارتجله. قوله: (في القصيدة)، القصيد والقصيدة كالسفين والسفية. قوله: (الرجز)، الرجز: ضرب من الشعر، الجوهري: الرجز داء يصيب الإبل في أعجازها، فإذا ثارت الناقة ارتعشت فخذاها ساعة ثم تنبسط. ومنه سمى الرجز من الشعر لتقارب أجزائه وقلة حروفه.
[ ٢ / ٣٠ ]
المبالغ التي بزت بلاغة كل ناطق، وشقت غبار كل سابق، ولم يتجاوز الحدّ الخارج من قوى الفصحاء، ولم يقع وراء مطامح أعين البصراء إلا لأنه ليس بكلام البشر، وأنه كلام خالق القوى والقدر
_________________
(١) قوله: (وشقت غبار كل سابق)، وهو من قول قصير: "فأركب العصا، فإنه لا يشق غباره". قال الميداني: وكانت العصا فرشا لجذيمة. يضرب لمن لا يجارى. فإن قلت: هل من فرق بين ما في الكتاب وما في المثل؟ قلت: ما في المثل هي للسبق، والمقام مقام مدح السابق؛ فينبغي أن يكنى به عن عدم لحوق اللاحق. وما في الكتاب إثبات له، والمقام مقام مدح اللاحق؛ فالواجب أن يعبر به عن السبق على السابق. قوله: (مطامح)، الأساس: طمحت ببصري إليه، وطمح المتكبر يعينه: شخص بها. قوله: (إلا لأنه ليس من كلام البشر)، استثناء من قوله: "إن لم تتساقط"، ومن المنفيات المعطوفة عليه. الانتصاف: هذا الفصل أتى فيه ببلاغة لكنه أفسدها بالنفي، وطول فيه حتى انتهى إلى الإثبات، وهو متقد على المتبني قوله في الخيل:
[ ٢ / ٣١ ]
وهذا القول من القوة والخلاقة بالقبول بمنزلٍ. ولناصره على الأوّل
_________________
(١) فلا ركبت بها إلا إلى ظفر … ولا حصلت بها إلا على أمل وقلت: ليت شعري كيف ينتقد على مثله في بلاغته، أم كيف يقاس هذا الكلام ببيت أبي الطيب؟ فإنه أوهم في البداية دعاء السوء وما يدخل منه في وهل السامع ما لا ينجبر بما يستدرك بعده، وإن المصنف سلك مسلك التشويق إلى ما يرد في الإنتهاء؛ أتى أولا بقرينتين مشتملتين على سلب مقدرة الخصوم وبيان عجزهم وهما قوله: "لم تتساقط مقدرتهم دونه، ولم تظهر معجزتهم عن أن يأتوا بمثله"، ثم عقبهما بقرائن ثلاث مضمنات صفات بليغة للقرآن لتؤدي بالسامع إلى مبلغ لا يتمالك إلا طلب العثور على المطلوب. وكأن هذا الزاعم - بعد أن حرم الوقوف على الأساليب - ما تلي عليه قوله: (بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفَّارَ ولا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) [التوبة: ١٢٠] والعجب أن المنفيات الثلاث الأولى مؤذنات بما هو عليهم، والقرينيتين الأخريين مشتملتان على ما هو لهم، ولا يبعد أن المصنف اقتبس كلامه من أسلوب الآية. قوله: (والخلاقة)، الأساس: وهو خليق بكذا: كأنما خلق له وطبع عليه. وقد خلق خلاقة. قوله: (بمنزل)، أي: بمنزل بعيد، ومنه قول صاحب "المفتاح": إن التركيب متى وقع موقعه رفع شأن الكلام في باب البلاغة إلى حيث يناطح السماك.
[ ٢ / ٣٢ ]
أن يقول: إن القرآن إنما نزل بلسان العرب مصبوبا في أساليبهم واستعمالاتهم، والعرب لم تتجاوز ما سموا به مجموع اسمين، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة، والقول بأنها أسماء السور حقيقة: يخرج إلى ما ليس في لغة العرب، ويؤدّى أيضًا إلى صيرورة الاسم والمسمى واحدًا، فإن اعترضت عليه بأنه قول مقول على وجه الدهر وأنه لا سبيل إلى ردّه، أجابك بأن له محملا سوى ما يذهب إليه، وأنه نظير قول الناس: فلان يروى: قفا نبك، وعفت الديار. ويقول الرجل لصاحبه: ما قرأت؟ فيقول (الحمد لله) و(براءة من الله ورسوله) [التوبة: ١]، و(يوصيكم الله في أولادكم) [النساء: ١١]، و(الله نور السماوات والأرض) [النور: ٣٥].
وليست هذه الجمل بأسامى هذه القصائد وهذه السور، والآي، وإنما تعنى رواية القصيدة التي ذاك استهلالها، وتلاوة السورة أو الآية التي تلك فاتحتها. فلما جرى الكلام على أسلوب
_________________
(١) قال القاضي: هذا الوجه أقرب إلى التحقيق، وأوفق للطائف للتنزيل، وأسلم من لزوم النقل ووقوع الإشتراك في الأعلام من واضع واحد؛ فإنه يعود بالنقص على ما هو مقصود من العلمية. وقال السجاوندي: والمروي عن الصدر الأول في التهجي أنها أسرار بين الله وبين نبيه صلوات الله عليه. وقد تجرى بين المجرمين كلمات معماة تشير إلى سر بينهما، وتفيد تحريض الحاضرين إلى إستماع ما بعد ذلك. وهذا معنى قول السلف: حروف التهجي إبتلاء لتصديق المؤمن وتكذيب الكافر.
[ ٢ / ٣٣ ]
من يقصد التسمية، واستفيد منها ما يستفاد من التسمية، قالوا ذلك على سبيل المجاز دون الحقيقة.
وللمجيب عن الاعتراضين على الوجه الأول أن يقول: التسمية بثلاثة أسماء فصاعدا مستنكرة لعمري وخروج عن كلام العرب، ولكن إذا جعلت اسما واحدًا على طريقة حضر موت، فأما غير مركبة منثورة نثر أسماء العدد فلا استنكار فيها لأنها من باب التسمية بما حقه أن يحكى حكاية،
_________________
(١) ـ هذا وهي أعلام توقظ من رقدة الغفلة بنصح التعليم، وتنشط في إلقاء السمع على شهود القلب للتعظيم، كمن أراد الإخبار بمهم حرك الحاضر بيديه، أو صاح به صرة، ليقبل بكله عليه. ومصداق ذلك أن معظمها معقبة بذكر الكتاب. وقد قلبت الرأي ظهرا لبطن في تأويل معاني هذه الحروف سنين، ونيفت الأقاويل المختارة على الستين، ولم أتحصل على ثلج اليقين ولا ظفر الجهد على المراد قادر اليمين، حتى استروحت إلى هذا الوجه من التحري. ثم إني بعد التجاسر والإمتناع إذا بثعلب سقى الله عهده وهو الإمام الموثوق برأيه، يقول: حروف التهجي تنبيه في معرض ألا، وكفى بلطف الله في تجاذب الآراء موئلا. قوله: (ولكن إذا جعلت)، استدراك عن مقدر، أي: التسمية مستنكرة لا في جميع الصور، ولكن إذا جعلت إسما واحدًا على طريقة "جضرموت" في إعتبار الإعراب في آخره. قوله: (غير مركبة منثورة)، منصوبان بمضمر، أي: فأما إذا جعلت غير مركبة، منثورة فلا إستنكار في التسمية.
[ ٢ / ٣٤ ]
كما سموا: بتأبط شرًا، وبرق نحره، وشاب قرناها. وكما لو سمى: بزيد منطلق، أو بيت شعر.
وناهيك بتسوية سيبويه بين التسمية بالجملة والبيت من الشعر، وبين التسمية بطائفة من أسماء حروف المعجم، دلالة قاطعة على صحة ذلك.
وأما تسمية السورة كلها بفاتحتها، فليست بتصيير الاسم والمسمى واحدًا، لأنها تسمية مؤلف بمفرده، والمؤلف غير المفرد.
ألا ترى أنهم جعلوا اسم الحرف مؤلفًا منه ومن حرفين مضمومين إليه، كقولهم: صاد، فلم يكن من جعل الاسم والمسمى واحدًا حيث كان الاسم مؤلفًا والمسمى مفردًا. الوجه الثالث: أن ترد السور مصدرة بذلك ليكون أوّل ما يقرع الأسماع مستقلا بوجه من الإعراب، وتقدمة من دلائل الإعجاز
_________________
(١) ـ قوله: (وناهيك)، أي: كافيك وحسبك بتسوية سيبويه. ومن قوله في "باب الترخيم": "ولو رخمت "تأبط شرًا" من الأسماء لرخمت رجلًا يسمى بقول عنترة: يا دار عبلة بالجواء تكلمي" قوله: (ألا ترى أنهم جعلوا اسم الحرف)، أي: كما أن تسمية المفرد بالمركب في الحروف لا تصير الإسم والمسمى واحدا، كذلك عكسه. قوله: (ليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلًا بوجه من الإعراب)، والفرق بين هذا الوجه والسابق ذكره: أن دلالة هذا على الإعجاز والغرابة من نفسه؛ لصدورها عمن لم يجر منه
[ ٢ / ٣٥ ]
وذلك أنّ النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام: الأميون منهم وأهل الكتاب، بخلاف النطق بأسامى الحروف، فإنه كان مختصًا بمن خط وقرأ وخالط أهل الكتاب وتعلم منهم، وكان مستغربًا مستبعدًا من الأمى التكلم بها استبعاد الخط والتلاوة، كما قال ﷿: (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) [العنكبوت: ٤٨].
فكان حكم النطق بذلك مع اشتهار أنه لم يكن ممن اقتبس شيئا من أهله - حكم الأقاصيص المذكورة في القرآن، التي لم تكن قريش ومن دان بدينها في شيء من الإحاطة بها
_________________
(١) التعليم، ودلالة ذاك عليه بإعتبار التنبيه على غرابة نظم القرآن؛ فلو تحدى به كاتب وقارئ لجاز، بخلاف الثاني. فالوجهان يدوران مع تفسير قوله تعالى: (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) [البقرة: ٢٣] في أن الضمير في "مثله" إما لرسول الله، أو للقرآن كما سيجيء. قال صاحب "التقريب": وفيه ضعف؛ لانه يمكن تعلمه لول بسماع من صبي في أقصر زمان. والجواب: أن صدور مثل هذه الألفاظ من مثله، وهو ممن لم يمارس الخط والقراءة، ولم يشتهر به، سواء تعلم أو لم يتعلم بديع وغريب، فكان حكمه حكم العرب العرباء إذا تكلم بالزنجية مثلًا، فمطلق التكلم به منه غريب. والمقصود من إثبات الغرابة في الفواتح ليس إلا التنبيه على ما يرد بعدها من الإنجاز. قوله: (ومن دان بدينها)، النهاية: "كانت قريش ومن دان بدينهم" أي: اتبعهم في دينهم ووافقهم عليه، واتخذ دينهم له دينا وعبادة.
[ ٢ / ٣٦ ]
في أن ذلك حاصل له من جهة الوحى، وشاهد بصحة نبوته، وبمنزلة أن يتكلم بالرطانة من غير أن يسمعها من أحد.
واعلم أنك إذا تأملت ما أورده اللَّه عز سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء. وجدتها نصف أسامى حروف المعجم «١» أربعة عشر سواء، وهي: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون - في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم.
ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف، بيان ذلك:
_________________
(١) ـ قوله: (في أن ذلك حاصل له من جهة الوحي)، متعلق بقوله: "وكان حكم النطق" وهو وجه التشبيه. قوله: (وبمنزلة)، عطف على قوله: "حكم الأقاصيص". قوله: "بالرطانة"، الأساس: كلمة بالرطانة، ورطن له يرطن: كلمه بالعجمية. قوله: (أربعة عشر سواء)، وقال بعده: "في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم" لما كان نصفه الحقيقي على الكسر جعله النصف تقريبا كما فعل في أجناس الحروف وقال: "ومن المستعلية نصفها"، فأورد ثلاثة مع أنها سبعةن وكذا في حروف القلقلة. قيل: فيه نظر لتأكيد بقوله: "سواء". وأجيب: أن "سواء" صفة أربعة عشر، ولا يتعلق "بنصف أسامي حروف المعجم". قوله: (وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف)، يشكل بحروف الذلاقة وهي:
[ ٢ / ٣٧ ]
أن فيها من المهموسة نصفها: الصاد، والكاف، والهاء، والسين، والحاء. ومن المجهورة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والعين، والطاء، والقاف، والياء، والنون. ومن الشديدة نصفها: الألف، والكاف، والطاء، والقاف؛ ومن الرخوة نصفها: اللام، والميم، والراء، والصاد، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون. ومن المطبقة نصفها: الصاد، والطاء. ومن المنفتحة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والقاف، والياء، والنون؛ ومن المستعلية نصفها:
_________________
(١) ـ (مر بنفل)، وهي ستة، وذكر منها أربعة وهي: (مر بل)، وبحروف المصمتة وهي ما عداها، وذكر منها عشرة، فكأنه أكثر من الذبلقة ونقص من المصمتة لسهولة الذلاقة وثقل المصمتة. قوله: (من المهموسة)، وهي: "ستشحثك خصفه". قوله: (من المجهورة)، وهي ما ينحصر جرى النفس مع تحركه. وحروفها: "ظل قو ربض إذ غزا جند مطيع". قوله: (ومن الشديدة)، وهي ما ينحصر جري الصوت عند إسكانه في مخرجه فلا يجري، وحروفها: "أجدك قطبت". والرخوة: وهي ما عدا الشديدة. والمطبقة: وهي ما ينطبق على مخرجه الحنك، وحروفها: "صضطظ". والمنفتحة: هي ما يخالف المطبقة. والمستعلية: هي ما يرتفع اللسان بها إلى الحنك وحروفها: "خفق" وحروف المطبقة.
[ ٢ / ٣٨ ]
القاف، والصاد، والطاء. ومن المنخفضة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والسين، والحاء، والنون. ومن حروف القلقلة نصفها: القاف، والطاء. ثم إذا استقريت الكلم وتراكيبها، رأيت الحروف التي ألغى اللَّه ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته.
وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله. وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته، فكأن اللَّه عز اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم.
_________________
(١) ـ والمنخفضة: هي ما عدا المستعلية. والقلقلة: هي ما ينضم إلى الشدة فيها ضغط في الوقف، وحروفها: "قدطبج" قوله: (مكثورةً بالمذكورة)، أي: مغلوبة بالكثرة، أي: المذكورة غالبة على غير المذكورة، ومنه: كاثرة، أي: غالبه بالكثرة. قوله: (فكأن الله)، قيل، إنما ذكر بلفظ كأن لأنه ذكر بعضه، وأراد الكل. قوله: (من التبكيت)، وهو إلزام الخصم بما يعتقده من الحجة. والذي ذكره: ما في الوجهين الأخيرين من معنى التحدي. تقريره على الوجه الأول: أن هذا القرآن الذي عجزتم عنه منظوم من جنس ما تنظمون منه كلامهم، وانتم تعرفون انه كذلك، فإذا عجزتم عن الإتيان بمثله؛ فأذعنوا للحق. وعلى الوجه الثاني: أن محمدا صلوات الله عليه اشتهر عندكم أنه ممن لم يمارس الخط والكتابة، ولم يقتبس العلم من أحد؛ فقد أتي بهذا البحر الزاخر، فاتركوا العناد.
[ ٢ / ٣٩ ]
ومما يدل على أنه تغمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها وقوعا في تراكيب الكلم «٢». أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكرّرتين. وهي: فواتح سورة البقرة، وآل عمران، والروم، والعنكبوت ولقمان، والسجدة، والأعراف، والرعد، ويونس، وإبراهيم، وهود، ويوسف، والحجر. فان قلت: فهلا عدّدت بأجمعها في أوّل القرآن؟ ومالها جاءت مفرقة على السور؟ قلت: لأنّ إعادة التنبيه على أنّ المتحدّى به مؤلف منها لا غير، وتجديده في غير موضع واحد أوصل إلى الغرض وأقرّ له في الأسماع والقلوب من أن يفرد ذكره مرة، وكذلك مذهب كل تكرير جاء في القرآن فمطلوب به تمكين المكرر في النفوس وتقريره. فان قلت: فهلا جاءت على وتيرة واحدة؟ ولم اختلفت أعداد حروفها
_________________
(١) ـ قوله: (كل تكرير)، إعلم أن التكرير: إما تكرير الألفاظ بنفسها كقوله تعالى (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) [الرحمن: ١٣]، وإما تكرير المعاني من غير النظر إلى الألفاظ؛ فهو كتكرير هذه الألفاظ في السور، فالمكرر هو التنبيه نفسه وإن إختلفت الألفاظ. قوله: (فهلا جاءت على وتيرة واحدة)، الوتيرة: الطريقة. غن قلت: ما معنى الفاءات في الأسئلة وهي: "فهلا عددت؟ " و"فهلا جاءت؟ " و"فما وجه اختصاص كل سورة؟ " قلت: الأولى مسببة من جعل الفواتح كقرع العصا، وجعلها تقدمة لدلائل الإعجاز: أي: هذان السببان يوجبان أن تذكر مجموعة في صدر الكلام؛ فلم فرقت؟ والثانية مسببة عن قوله: "لأن إعادة التنبيه على أن المتحدى به مؤلف" يعني كان يحصل التنبيه بمجرد الإيراد؛ فهلا أجريت على نسق واحد على أن التكرير يستدعيه؟
[ ٢ / ٤٠ ]
فوردت ص وق ون على حرف، وطه وطس ويس وحم على حرفين، والم والر وطسم على ثلاثة أحرف، والمص والمر على أربعة أحرف، وكهيعص وحم عسق على خمسة أحرف؟ قلت: هذا على إعادة افتنانهم في أساليب الكلام، وتصرفهم فيه على طرق شتى ومذاهب متنوّعة.
وكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف لم تتجاوز ذلك، سلك بهذه الفواتح ذلك المسلك. فإن قلت: فما وجه اختصاص كل سورة بالفاتحة التي اختصت بها؟ قلت: إذا كان الغرض هو التنبيه - والمبادي كلها في تأدية هذا الغرض سواء لا مفاضلة - كان تطلب وجه الاختصاص ساقطا، كما إذا سمى الرجل بعض أولاده زيدًا والآخر عمرًا، لم يقل له: لم خصصت ولدك هذا بزيد وذاك بعمرو؟ لأنّ الغرض هو التمييز وهو حاصل أية سلك ولذلك لا يقال: لم سمى هذا الجنس بالرجل وذاك بالفرس؟ ولم قيل للاعتماد الضرب؟ وللانتصاب القيام؟ ولنقيضه القعود؟ فإن قلت: ما بالهم عدوّا بعض هذه الفواتح آية دون بعض؟ قلت: هذا علم توقيفى لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور.
أمّا الم فآية حيث وقعت من السور المفتتحة بها. وهي ست. وكذلك المص آية، والمر لم تعدّ آية، والر ليست بآية في سورها الخمس، وطسم آية في سورتيها، وطه ويس آيتان، وطس ليست بآية،
_________________
(١) ـ والثالثة: مسببة عن الجوابين يعني: هب أن التكرير لإعادة التنبيه، وأن إختلافها على عادة إفتنانهم؛ فما وجه إختصاص مواقعها في كل سورة؟ قوله: (آية سلك)، أية: ظرف "حاصل" وهي موصولة، والمضاف إليه محذوف لكونها لازمة الإضافة، والضمير في "سلك" راجع إلى الرجل، أي: أية طريق سلكها؟ قوله: (للاعتماد)، وهو وقوع الشئ على الشئ، الجوهري: إعتمدت على الشئ: إتكأت عليه.
[ ٢ / ٤١ ]
وحم آية في سورها كلها، وحم عسق آيتان، وكهيعص آية واحدة، وص وق ون ثلاثتها لم تعدّ آية.
هذا مذهب الكوفيين ومن عداهم، لم يعدّوا شيئا منها آية. فإن قلت: فكيف عدّ ما هو في حكم كلمة واحدة آية؟ قلت: كما عدّ (الرحمن) [الرحمن: ١]، و(مدهامتان) [الرحمن: ٦٤] وحدها آيتين على طريق التوقيف. فإن قلت: ما حكمها في باب الوقف؟ قلت: يوقف على جميعها وقف التمام إذا حملت على معنى مستقل غير محتاج إلى ما بعده، وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور ونعق بها كما ينعق بالأصوات أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف كقوله عز قائلا: (الم اللَّهُ) أى: هذه (الم)، ثم ابتدأ فقال (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) [آل عمران: ١ - ٢]. فإن قلت: هل لهذه الفواتح محل من الإعراب؟ قلت: نعم لها محل فيمن جعلها أسماء للسور لأنها عنده كسائر الأسماء الأعلام. فإن قلت: ما محلها؟ قلت: يحتمل الأوجه الثلاثة،
_________________
(١) ـ قوله: (هذا مذهب الكوفيين)، والذي يعلم من كتاب "المرشد": هو أن الفواتح في السور كلها آيات عند الكوفيين من غير تفرقة بينها. قوله: (أو جعلت وحدها أخبار إبتداء)، عطف على قوله: "لم تجعل"، وقوله: "ونعق بها" عطف عليه على سبيل البيان؛ كأنه قيل: إذا نعق بالفواتح أو لم ينعق، وجعلت أسماء للسور على حذف المبتدأ، تكون على كلتا الحالتين مستقلة، فيوقف عليها. قوله: (هل لهذه الفواتح محل من الإعراب؟)، قيل: هو مستدرك؛ لأنه قد علم غير مرة أنها معربة وعلم محلها. قلت: التكرير إنما يصار إليه، لمعان شتى منها: أن يعاد ليعلق عليه معنى آخر، وها هنا لما قال: "أو جعلت وحدها أخبار إبتداء محذوف" ليكون الوقف عليها تاما، سأل هذا السؤال ليعلق عليه المسألتين في حالتي النصب والجر على تقدير القسم، فعلم عدم جواز الوقف عليها إن عنى كونها مقسما بها، وإن عنى بها منصوبة ب"اذكر" يجوز الوقف.
[ ٢ / ٤٢ ]
أما الرفع: فعلى الابتداء، وأما النصب والجرّ، فلما مرّ من صحة القسم بها وكونها بمنزلة اللَّه واللَّه على اللغتين. ومن لم يجعلها أسماء للسور، لم يتصوّر أن يكون لها محل في مذهبه، كما لا محل للجمل المبتدأة وللمفردات المعدّدة.
[(ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ)].
فإن قلت: لم صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد؟ قلت: وقعت الإشارة إلى الم بعد ما سبق التكلم به وتقضى، والمتقضى في حكم المتباعد، وهذا في كل كلام. يحدّث الرجل بحديث ثم يقول: وذلك ما لا شك فيه. ويحسب الحاسب ثم يقول: فذلك كذا وكذا. وقال اللَّه تعالى: (لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ) [البقرة: ٦٨]. وقال: (ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) [يوسف: ٣٧]، ولأنه لما وصل من المرسل
_________________
(١) قوله: (فعلى الابتداء)، أراد بالإبتداء اعم من أن يكون مبتدأ أو خبرا؛ فإن الإبتدائية هو رافعها كما هو مذهب المحققين. قوله: (لما مر)، يعني في جواب قوله: "هل تسوغ في المحكية مثل ما سوغت لي في المغربة؟ " وهو قوله: "أن يقضي له بالجر والننصب جميعا". قوله: (ولأنه لما وصل)، معطوف من حيث المعنى على قوله: "وقعت الإشارة" فإنه لما قال: "لم صحت الإشارة ب"ذلك" إلى ما ليس ببعيد" أجاب: إنما صحت الإشارة لأنه أشير بها إلى (الم) بعد ما سبق، "ولأنه لما وصل من المرسل" إلى آخره.
[ ٢ / ٤٣ ]
. ..
_________________
(١) ـ وقوله: "وقيل: معناه ذلك الكتاب" جواب آخر مستقل، يعني: ليس المشار إليه (الم) ليلزم المحذور؛ بل هو الكتاب، وهو من حيث كونه موعودا في حكم البعيد، وإنما جازت الإشارة إلى الآتي لتصوره أولا في الذهن. قال في قوله تعالى: (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨]: قد تصور بينهما حلول ميعاد، فأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه، وأما الوعد، فقد قال الواحدي والإمام: كان رسول الله (ﷺ) وعد بقوله: (إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) [المزمل: ٥] فأشير بذلك إلى ذلك. وقال الزجاج: القرآن ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى ﵉، ودليله قوله تعالى: (وكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) [البقرة: ٨٩]. ويؤيده ما روينا عن الدرامي عن كعب: "عليكم بالقرآن فإنه فهم العقل، ونور الحكمة، وينابيع العلم. وأحدث الكتب بالرحمن عهدا. وقال في التوراة: يا محمد، إني منزل عليك توراة حديثة، تفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا". ثم المشار إليه إن كان ما وعد بقوله: "ثقيلًا" كما ذهب إليه الإمام؛ فالمناسب أن يكون (الم) اسما للسورة؛ وهي المشار إليها، وإن كان كل القرآن؛ فالمناسب أن يكون تعدادا ليؤذن أن ذلك الموعد مركب من هذه الحروف. والأحسن ما ذكره صاحب "المفتاح": قال: (ذَلِكَ الكِتَابُ) ذهابًا إلى بعده درجة.
[ ٢ / ٤٤ ]
إلى المرسل إليه، وقع في حد البعد، كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئا: احتفظ بذلك.
وقيل معناه: ذلك الكتاب الذي وعدوا به. فإن قلت: لم ذكر اسم الإشارة - والمشار إليه مؤنث وهو السورة؟ قلت: لا أخلو من أن أجعل الكتاب خبره أو صفته. فإن جعلته خبره، كان ذلك في معناه ومسماه مسماه، فجاز إجراء حكمه عليه في التذكير، كما أجرى عليه في التأنيث في قولهم: من كانت أمّك. وإن جعلته صفته، فإنما أشير به إلى الكتاب صريحًا لأنّ اسم الإشارة مشار به إلى الجنس الواقع صفة له. تقول: هند ذلك الإنسان، أو ذلك الشخص فعل كذا.
_________________
(١) ـ وقال الإمام: إن الفواتح وإن كانت حاضرة نظرا إلى صورتها؛ لكنها غائبة نظرا إلى أسرارها وحقائقها، أو لكونها يعسر على البشر الإطلاع عليها كأنها غائبة. قوله: (احتفظ بذلك)، الأساس: إحتفظ بالشئ، وتحفظ به: عني بحفظه. وإحتفظ بما أعطيتك؛ فإن له شأنا. قوله: (كان ذلك في معناه ومسماه مسماه، فجاز إجراء حكمه عليه)، قال ابن جني: حكى الأصمعي عن أبي عمرو قال: سمعت رجلًا من اليمن يقول: فلان لعوب، جاءته كتابي فاحتقرته. فقل: أتقول: جاءته كتابي؟ فقال: أليس بصحيفة! وفي "حواشي" المصنف: هذا كقوله في الشمس: (هَذَا رَبِّي) لكونه الخبر مذكرا؛ ذكر المبتدأ، وهو قياس مطرد في كل ضمير يقع بين مبتدأ وخبر مختلفين في التذكير والتأنيث.
[ ٢ / ٤٥ ]
وقال الذبياني:
نُبِّئْتُ نُعْمَى على الهِجْرانِ عاتِبةً … سُقْيَا ورُعْيَا لِذَاكَ العاتِبِ الزَّارِى
فإن قلت: أخبرنى عن تأليف (ذلِكَ الْكِتابُ) مع (الم). قلت: إن جعلت (الم) اسما للسورة ففي التأليف وجوه: أن يكون (الم) مبتدأ، و(ذلِكَ). مبتدأ ثانيًا، و(الْكِتابُ) خبره، والجملة خبر المبتدأ الأوّل.
ومعناه: أنّ ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وأنه
_________________
(١) قوله: (نبئت نعمى) البيت، الزاري: من زريت بالفتح زراية: إذا عبت عليه، نعمى: اسم إمراأة، وحكمها حكم هند في الصرف وعدمه، "عاتبة": ثالث مفاعيل نبئت، " على الهجران" متعلق بعاتبة، ويجوز أن يكون حالا من المفعول الأول. قوله: (والجملة خبر المبتدأ الأول)، إنما صح وليس فيها العائد؛ لأن اسم الإشارة قائم مقامه. قوله: (ومعناه: أن ذلك هو الكتاب)، الضمير فصل، أذن بإدخاله بين المبتدأ والخبر أن التركيب مفيد للحصر، وأذن بقوله "الكامل" أن التعريف في الخبر للجنس، وأذن بإقحام أذاة التشبيه في قوله: "كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص" أن الحصر على المبالغة دون الحقيقة. قال ابن جني: إن من عادتهم أن يوقعوا على الشئ الذي يختصونه بالمدح اسم الجنس؛ ألا تراهم كيف سموا الكعبة بـ"البيت"، وكتاب سيبويه بـ"الكتاب"!
[ ٢ / ٤٦ ]
الذي يستأهل أن يسمى كتابا، كما تقول: هو الرجل، أى الكامل في الرجولية، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال. وكما قال:
هُمّ الْقَوْمُ كلُّ الْقَوْمِ يا أُمَّ خَالِدِ
_________________
(١) ـ وقال القاضي: إن اسم الجنس كما يستعمل لمسماه مطلقا، يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به المقصودة منه، ولذلك يسلب عن غيره. قوله: (يستأهل)، الأساس: فلان أهل لكذا، واستأهل لذلك، وهو مستأهل له. وقد سمعت أهل الحجاز يستعملونه إستعمالًا واسعًا. وعد الحريري هذه الكلمة من جملة أوهام الخواص، وسيجئ بيانه في تفسير قوله تعالى (إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: ٣٠]. قوله: (هم القوم كل القوم يا أم خالد)، صدره: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم. حانت: هلكت. والموصول على نحو قوله تعالى: (وخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) [التوبة: ٦٩].
[ ٢ / ٤٧ ]
وأن يكون الكتاب صفة. ومعناه: هو ذلك الكتاب الموعود، وأن يكون (الم) خبر مبتدإ محذوف، أى هذه الم، ويكون ذلك خبرًا ثانيًا،
_________________
(١) فلج: اسم موضع بالبصرة. والمعني: إن الذين هدرت دماؤهم وأريقت بهذا الوضع هم القوم، أي: هم المشهورون بالرجولية والبراعة، الموصوفون بكمال الشهامة والشجاعة. قوله: (وأن يكون الكتاب صفة)، قال القاضي: وهو مصدر سمي به المفعول للمبالغة، أو فعال بني للمفعول كاللباس، ثم أطلق على المنظوم قبل أن يكتب؛ لأنه مما يكتب وأصل الكتب الجمع، ومنه الكتيبة. الراغب: الكتب: ضم أديم إلى أديم بالخياطة، وفي التعارف: ضم الحروف بعضها إلى بعض في الخط؟ وقد يقال ذلك للمضموم بعضها إلى بعض في اللفظ؛ ولهذا سمي كتاب الله وإن لم يكتب كتابا كقوله تعالى: (الم* ذَلِكَ الكِتَابُ) [البقرة: ١ - ٢] وقوله: (إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ) [مريم: ٣٠]. ويعبر عن الإثبات والاقدير والإيجاب والعرض والكتابة. ووجه ذلك: أن الشئ يراد، ثم يقال، ثم يكتب؛ فالإرادة مبدأ، والكتابة منهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد به توكيده بالكتابة التي هي المنتهى قال تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورُسُلِي) [المجادلة: ٢١] وقال تعالى: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) [التوبة: ٥١]. ويعبر بالكتابة عن القضاء الممضى أو ما يصير في حكم الممضى، وقد حمل على هذا قوله: (بَلَى ورُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف: ٨٠] وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ) [المجادلة: ٢٢].
[ ٢ / ٤٨ ]
أو بدلًا، على أن الكتاب صفة، وأن يكون: (هذه الم) جملة، وذلك الكتاب جملة أخرى. وإن جعلت (الم) بمنزلة الصوت، كان ذلك مبتدأ، خبره (الكتاب)، أى ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل. أو الكتاب صفة والخبر ما بعده، أو قدّر مبتدأ محذوف، أى هو - يعنى المؤلف من هذه الحروف - ذلك الكتاب.
_________________
(١) قوله: (أو بدلًا على أن الكتاب صفة)، هذا القيد ينبئ أن على تقدير كونه خبرا لا يلزم ذلك، فيجوز أن يكون صفة لـ"ذلك". وأن يكون (ذَلِكَ) مبتدأ، والكتاب خبره، والجملة خبر ثان، ولو جعل بلا ذلك تعين كون الكتاب صفة؛ لأن البدل عن المفرد لا يكون جملة، ونظيره قولك: هذا زيد أخوك الكريم، ولأنك إذا قلت: (ذَلِكَ) وتسكت، ثم تبتدئ (الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) [البقرة: ٢] ركبت متعسفا. قوله: (وذلك الكتاب جملة أخرى)، وفصلها لكونها مقررة لها. قال: نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوث بغاية الكمال. قوله: (بمنزلة الصوت)، شامل للوجهين الأخيرين: قرع العصا، والتقدمة للإعجاز؛ ولهذا قيد الكتاب بالمنزل، يعني تنبهوا أن هذا الكتاب هو الكتاب الكامل الذي عجزتم عن الإتيان بمثله، وهو منزل بلسانكم. وإنما قد هذا الوجه والوجه السابق بقوله: "الكامل" لأن الكتاب إذا وقع خبرا، كان التعريف للجنس، فيفيد الحصر لمعنى الكمال كما سبق، وإذا وقع صفة لذلك كان اللام للعهد، ويعود المعنى إلى أنه الكتاب الموعود. قوله: (يعني المؤلف من هذه الحروف)، وكان من حق الظاهر أن يقول: هذه الحروف ذلك الكتاب، لكن هذه الحروف لما كانت دالة على المركب المؤلف فيما بعده قيل: "المؤلف من هذه" تسمية للدال باسم مدلوله.
[ ٢ / ٤٩ ]
وقرأ عبد اللَّه: (الم* تنزيل الكتاب لا ريب فيه. وتأليف هذا ظاهر. والريب: مصدر رابنى، إذا حصل فيك الريبة. وحقيقة الريبة: قلق النفس واضطرابها، ومنه: ما روى الحسن بن على قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الشك ريبة، وإنّ الصدق طمأنينة» أى فإن كون الأمر مشكوكا فيه مما تقلق له النفس ولا تستقرّ. وكونه صحيحا صادقا مما تطمئن له
_________________
(١) ـ قوله: (وتأليف هذا ظاهر)، يعنى (الم) على أنها اسم للسورة مبتدأ، خبره: «تنزيل الكتاب». و«تنزيل» بمعنى المنزل، ويجوز أن يكون (الم) خبر مبتدأ محذوف و«تنزيل الكتاب لا ريب فيه» مبتدأ وخبر. وعلى أنها تعديد الحروف ارتفع «تنزيل الكتاب» على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو هو مبتدأ خبره «لا ريب فيه». قوله: (دع ما يريبك)، والحديث من رواية الترمذي والنسائي: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة». المعنى: دع ما اعترض لك الشك فيه منقلبا إلى ما لا شك فيه، يقال: دع ذلك إلى ذلك، أي: استبدله به، أو دع ذلك ذاهبا إلى غيره، وقوله: «إن الصدق طمأنينة والكذب ريبة»، جاء ممهدا لما تقدمه. المعنى: إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه؛ فإن نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق، وترتاب من الكذب. فارتيابك في الشيء مبني على كونه باطلا؛ فاحذره، واطمئنانك إلى الشيء مشعر بكونه حقا، فاستمسك به. وهذا مخصوص بذوي النفوس الشريفة القدسية الطاهرة من أوضار الذنوب، وأوساخ الآثام. فظهر أن قوله: «إن الشك ريبة» لا يستقيم رواية ولا دراية.
[ ٢ / ٥٠ ]
وتسكن. ومنه: ريب الزمان، وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه.
_________________
(١) روينا عن أحمد بن حنبل والدارمي، عن وابصة بن معبد: أن رسول الله ﷺ قال له: «جئت تسأل عن البر والإثم؟» قال: نعم، فجمع أصابعه، فضرب بها صدره وقال: «استفت نفسك، استفت نفسك يا وابصة ثلاثًا؛ البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك». الراغب: الفرق بين الشك والمرية والريب والإرابة والتخمين والحدس والوهم والخيال والحسبان والظن- أن الشك: هو وقوف النفس بين شيئين متقابلين بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر بأمارة والمرية: هي التردد في المتقابلين، وطلب الأمارة؛ مأخوذ من مرى الضرع، أي: مسحه للدر، فكأنه يحصل مع الشك تردد في طلب ما يقتضي غلبة الظن. والريب: أن يتوهم في السيء أمر ما، ثم ينكشف عما توهم فيه. والإرابة: أن يتوهمه فينكشف خلاف ما توهم؛ ولذلك قيل: القرآن فيه إرابة وليس فيه ريب. والتخمين: توهم لا عن أمارة. والحدس: إسراع الحكم بما يأتي به الهاجس من غير توقف فيه؛ مأخوذ من حدس في سيره، أي: أسرع. والوهم: صورة تتصورها في نفسك سواء كان لها وجود من خارج كصورة إنسان ما، أو لم يكن لها وجود كعنقاء مغرب. والخيال: تصور ما أدركته الحاسة في النفس.
[ ٢ / ٥١ ]
ومنه أنه مر بظبي حاقف فقال: "لا يربه أحد بشيء". فإن قلت: كيف نفى الريب على سبيل الاستغراق؟
_________________
(١) ـ والحسبان: اعتقاد عن أمارة اعتددت به، سواء كام له وجود في الحقيقة أو لم يكن؛ وهو مشتق من حسبت الحساب. والظن أعم معنى من ذلك كله؛ فإنه اعتقاد عن أمارة مما قد ثبت، فمتى كانت تلك الأمارة ضعيفة جرى مجرى خلت وحسبت، ومتى كانت قوية جرى مجرى علمت. قوله: (أنه مر بظبي حاقف)، عن مالك والنسائي عن البهزي: «أن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل وفيه سهم، فزعم أن رسول الله ﷺ أمر رجلًا يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوه». وقال صاحب «الجامع»: الظبي الحاقف: الذي انحنى وتثنى في نومه. لا يريبه، أي: لا يزعجه ولا يتعرض له. الأثاية بضم الهمزة وبالثاء المثلثة وبالياء تحتها نقطتان: موضع معروف بطريق الجحفة إلى مكة، وبعضهم يكسر الهمزة، والرويثة بلفظ التصغير، والثاء المثلثة. قوله: (كيف نفي الريب على سبيل الاستغراق)، يعني: أنه تعالى نفي عنه الريب بالكلية،
[ ٢ / ٥٢ ]
وكم من مرتاب فيه! قلت: ما نفى أنّ أحدًا لا يرتاب فيه،
_________________
(١) فينبغي أن لا يتصور فيه الريب، ولا ما يتعلق به من وجود المرتاب وقد كثر المرتابون. قوله: (ما نفى أن أحدًا لا يرتاب فيه)، قيل: إن «نفى» مسند إلى ما بعده و«لا» زائدة، أي: ما نفى عدم ارتياب أحد، وفيه ضعف. وقيل: أن «نفى» مسند إلى ضمير الريب، واللام مقدر في قوله: «أن أحدا» والتحقيق: أنه مسند إلى ما بعده و«لا» غير مزيدة، وأن «أحدا» مثله في قوله تعالى: «لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ» [الأحزاب: ٣٢] يعني لم يقصد بالنفي الاستغراقي نفي كل واحد واحد لا يرتاب فيه، وإنما قصد نفي كل فرد من الريب، ويدل عليه قوله: «وإنما: المنفي كونه متعلقا للريب» وتعليله بقوله: «لأنه من وضوح الدلالة» إلى آخره، يعنى: ما نفى الريب بحيث ينتفي به المرتابون وإنما نفى المرتابون. وإنما نفي بطريق يرشد إلى أنه لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه؛ فإذن الكلام مع المرتابين، ويدل عليه أيضا تصدير الكلام بأسامي حروف التهجي؛ لأنها كالتنبيه وقرع العصا لهم، كأنه قيل: أيها المرتابون، تنبهوا من رقدة الجهالة، واعلموا أن القرآن من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه، فينطلق على هذا استشهاده بقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا) [البقرة: ٢٣] وتفسيره: فيتحققوا عند عجزهم أن ليس فيه مجال للشبهة. وكلام صاحب «المفتاح»: ويقلبون هذه القضية مع المنكر إذا كان معه ما إذا تأمله ارتدع كقوله تعالى في حق القرآن: (لَا رَيْبَ) [البقرة: ٢].
[ ٢ / ٥٣ ]
وإنما المنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [البقرة: ٢٣]! فما أبعد وجود الريب منهم؟ وإنما عرفهم الطريق إلى مزيل الريب، وهو أن يحرزوا أنفسهم،
_________________
(١) قوله: (مظنة له)، قال في «النهاية»: المظنة بالكسر: مفعلة من الظن، أي: الموضع الذي يظن به الشيء. ومنه حديث: «طلبت الدنيا من مظان حلالها» أي: المواضع التي أعلم فيها الحلال. ناسب هذا التفسير معنى الآية من حيث إنه تعالى جعل القرآن كظرف أخلي عن الريب، يعني: ليس القرآن ظرفا للريب، ولا الريب مما يصلح أن يكون مظروفا له ومتعلقا به. قوله: (أن يقع فيه)، أي: يظعن، الأساس: وقع الشيء على الأرض وقوعا. ومن المجاز: وقع فيه: اغتابه. وفاعل «يقع» ضمير المرتاب، والضمير في «فيه» للقرآن، أي: لا ينبغي لمرتاب أن يطعن فيه. قوله: (فما أبعد وجود الريب عنهم)، أي: خاطب المصرين على الريب الجازمين فيه بما يدل على خلوهم عنه، ولم يقصد به أنهم غير مرتابين، وإنما قصد به إرشادهم وتعريفهم الطريق إلى مزيل الريب على سبيل الاستدراج، يعني: أن الارتياب من العاقل في مثل هذا المقام واجب الانتفاء، فلا يفرض إلا كما تفرض المحالات، وأنتم عقلاء ألباء، تفكروا فيه، وجربوا نفوسكم، وانظروا هل تجدون فيه مجالا للريب. قال في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ): «وما أبعد» وفيها مر «ما نفي»؛ لأن «لا» صريحة في النفي، و«إن» هنا متضمنة له.
[ ٢ / ٥٤ ]
ويروزوا قواهم في البلاغة، هل تتم للمعارضة أم تتضاءل دونها؟ فيتحققوا عند عجزهم أن ليس فيه مجال للشبهة ولا مدخل للريبة. فإن قلت: فهلا قدّم الظرف على الريب، كما قدّم على الغول في قوله تعالى: (لا فِيها غَوْلٌ) [الصافات: ٤٧]؟ قلت: لأنّ القصد في إيلاء الريب حرف النفي، نفى الريب عنه، وإثبات أنه حق وصدق لا باطل وكذب، كما كان المشركون يدّعونه، ولو أولى الظرف لقصد إلى ما يبعد عن المراد، وهو أنّ كتابا آخر فيه الريب لا فيه، كما قصد في قوله: (لا فِيها غَوْلٌ) تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي، كأنه قيل: ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة
_________________
(١) ـ قوله: (يروزوا)، الجوهري: رزته أروزه، أي: جربته وخبرته. قوله: (تتضاءل)، النهاية: وفي الحديث: «أن إسرافيل يتضاءل من خشية الله)، أي: يتصاغر تواضعا له. وتضاءل الشيء: إذا انقبض وانضم بعضه إلى بعض، والضئيل: النحيف. قوله: (أن ليس فيه مجال)، مفعول «فيتحققوا»، الجوهري: حققت الأمر وأحققته أيضا: إذا تحققته وصرت منه على يقين. قوله: (فهلا قدم الظرف)، معنى الفاء أنه حين حقق الجواب أن المنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له، فهم أن الكلام في كون القرآن ليس مظنة للريب، لا في الريب، وكان تقديم الظرف أهم. فأجاب أن الظاهر وإن اقتضي ذلك، لكنه منعه مانع؛ وهو توهم إثبات الريب في غيره من الكتب السماوية، فسلك به مسلكا لا يؤدي إلى ذلك، وحصل المقصود. قوله: (كما تغتالها هي)، الجوهري: أي: ليس فيها غائلة الصداع.
[ ٢ / ٥٥ ]
وقرأ أبو الشعثاء: (لا ريب فيه) بالرفع، والفرق بينها وبين المشهورة، أنّ المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوّزه. والوقف على: (فِيهِ) هو المشهور
_________________
(١) قال أبو عبيدة: الغول: أن تغتال عقولهم، أي: تذهب بها، أبرز الضمير للتأكيد، وإلا فليس هنا موضع للإبراز لعدم اللبس. قوله: (قرأ أبو الشعثاء)، قال في (الجامع): أبو الشعثاء بفتح الشين وسكون العين: اسمه سليم بن الأسود المحاربي، تابعي مشهور. قوله: (وهذه تجوزه)، أي: الاستغراق. قال الإمام: والذي يدل على إيجاد المشهور للاستغراق أن نفي الجنس نفي الماهية، وهو يقتضي نفي كل فرد من أفرادها، فلو ثبت فرد من أفرادها ثبتت الماهية، وأما قولنا: «لَا رَيْبَ فِيهِ» بالرفع؛ فهو، وإن كانت نكرة في سياق النفي؛ لكنه نقيض قولنا: «رَيْبَ فِيهِ»، وهو يحتمل أن يكون إثباتا لفرد واحد منها، ونفيه يفيد انتفاءه. وقال الزجاج: إذا قلت: لا رجل في الدار؛ جاز أن يكون فيها رجلان، وإذا قلت: لا رجل في الدار؛ فهو نفي عام. قوله: (والوقف على (فيه) هو المشهور)، قال الإمام: الوقف على (فيه) أولى؛ لأنه
[ ٢ / ٥٦ ]
وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على: (لا رَيْبَ) ولا بد للواقف من أن ينوى خبرًا، ونظيره قوله تعالى: (قالُوا لا ضَيْرَ) [الشعراء: ٥٠]، وقول العرب: لا بأس، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز. والتقدير: (لا ريب فيه).
(فِيهِ هُدىً) الهدى مصدر على فعل، كالسرى والبكى؛
_________________
(١) يكون الكتاب نفسه هدي، ولما تكرر في التنزيل أنه هدي وهو نور، وعلى (لا ريب) لا يكون الكتاب نفسه هدي؛ بل يكون فيه هدي. قوله: (ولا بد للواقف من أن ينوي خبرًا)؛ لأنه إذا لم ينوه يلزم الشروع في الكلام الثاني قبل تمام الأول. قال في «المرشد»: إن جعلت «لا ريب» بمعنى حقا كأنك قلت: «الم ذلك الكتاب حقا»، فالوقف عليه تام، وإليه ذهب الزجاج، وقال: لأن «لا شك» بمعنى حقا. قوله: (والهدي مصدر كالسري)، اضطرب كلام سيبوسه في الهدي؛ فمرة يقول: هو عوض من المصدر؛ لأن فعلًا لا يكون مصدرًا، وأخرى يقول: هو مصدر هدي، وقال أيضًا: قلما يكون ما ضم أوله من المصادر إلا منقوصًا؛ لأن فعلًا لا يكاد يرى مصدرًا من غير ثبات الياء والواو، فدل على أنه مصدر كالبكاء والسرى. واعلم أن المصنف استدل على مطلوبه وهو: أن الهدى هي الدلالة الموصلة إلى البغية بوجوه ثلاثة:
[ ٢ / ٥٧ ]
وهو الدلالة الموصلة إلى البغية، بدليل وقوع الضلالة في مقابلته. قال اللَّه تعالى:
_________________
(١) ـ أحدها: وقوع الهدى في الآيتين في مقابلة الضلال، والضلالة هي الخيبة، وحيث وقعت مقابلة لها، كان معناها مقابلًا لمعناها. وثانيها: استعمال المهدي في موضع المدح كمعتد، يعني: أن المهدي اسم مفعول من هدى والمعتدي اسم فاعل من اهتدى، وكما يوصف المرء بالمعتدي في مقام المدح لوصوله إلى البغية، يوصف بالمهدي أيضًا، ولولا اعتبار هذا القيد في مسمى الهدى؛ لم يكن الوصف بكونه مهديًا مدحًا. وثالثها: أن "اهتدى مطاوع هدى" إلى آخره، ومعناه. أنا إذا قلنا: انكسر الإناء، كانت الفائدة الإخبار بحصول معنى الانكسار من تعلق فعل الكسر بما قام به الانكسار الذي هو أثر الكسر، كذا قولنا: اهتدى، بالوصول إلى البغية من تعلق هدى بمن قام به الاهتداء الذي هو أثر الهدى، لو لم يكن في مسمى الهدى الإيصال إلى البغية معتبرًا، يلزم أن يكون المطاوع في خلاف معنى المطاوع الذي هو أثره، فقوله: "ولأن اهتدى" معطوف على قوله: "بدليل وقوع الصلالة" وقوله: "يقال" عطف على "وقوع" أي: بدليل قولهم: ويجوز أن يعطف على الدليل. قال صاحب "التقريب": وفي الوجوه الثلاثة نظر؛ لأن: الأول: معارض بقوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) [فصلت: ١٧]. والثاني: أن المدح حاصل بالتمكين من الاستدلال وإن لم يوصل إلى البغية. والثالث: بقولهم: أمرته فلم يأمر. لعلة اقتدى بالإمام؛ حيث قال في "تفسيره": الهدى عبارة عن الدلالة.
[ ٢ / ٥٨ ]
(أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى) [البقرة: ١٦]، وقال تعالى:
_________________
(١) ـ وقال صاحب "الكشاف": "هي الدلالة الموصلة إلى البغية". والذي يدل على صحة القول الأول، وفساد الثاني، أنه لو كان كون الدلالة الموصلة إلى البغية معتبرة في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء، لكن الله تعالى أثبت الهدى مع عدم الاهتداء في قوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) [فصلت: ١٧]. ثم أجاب عن: الوجه الأول: أن الفرق بين الهدى والاهتداء معلوم بالضرورة، فمقابل الهدى هو الإضلال، ومقابل الاهتداء هو الضلال؛ فجعل الهدى في مقابلة الضلالة ممتنع. وعن الثاني: أن المنتفع بالهدى يسمى مهديًا، وغير المنتفع به لا يسمى مهديًا؛ لأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم. وعن الثالث: أن الائتمار مطاوع الأمر، يقال: أمرته فائتمر، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه أمرًا حصول الائتمان فكذا هذا. والجواب عن قوله: "أثبت الهدى مع عدم الاهتداء" يعني في قوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) [فصلت: ١٧] أي: بدلوا العمى بالهدى رغبة عن الهدى، واستحبابًا للعمى كما في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: ١٦]. وعن قوله: "فجعل الهدى في مقابلة الضلالة ممتنع": أنه لو كان ممتنعًا لم يقع في الآيتين،
[ ٢ / ٥٩ ]
(لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [سبأ: ٢٤]. ويقال: مهدى، في موضع المدح،
_________________
(١) ـ ولأن المراد بالمقابلة في الصناعة: الجمع بين اللفظين الدالين على المعنيين المتضادين حقيقة أو تقديرًا، أي: سواء كانا متعديين أو لازمين، أو أحدهما متعديًا والآخر لازمًا. وفي الآيتين هذا المعنى موجود وسيما في الثانية؛ فإنه صريح فيها، لتوسيط كلمة التقابل. وعن قوله: "أن المنتفع بالهدى يسمى مهديًا" بمعنى: أن المهدي إنما دل على المدح بالمجاز، والقرينة مقام المدح. فلا تثبت الحقيقة بقرينة المقام، أن يقال: إن المراد بقوله: يقال: مهدي في موضع المدح أن المهدي من الأوصاف التي تستعمل في المدح مطلقًا، لا أنه يعرضه ذلك، وعن قوله: أمرته فلم يأتمر ما قاله البزدوي في "اصوله": ألا ترى أن أمر فعل متعد لازمة ائتمر، ولا وجود للمتعدي إلا أن يثبت لازمه، كالكسر لا يتحقق إلا بالانكسار، فقضيته الأمر لغة أن لا يثبت إلا بالامتثال إلا أن ذلك لو ثبت بالأمر نفسه، لسقط الاختيار من المأمور أصلًا، وللمأمور عندنا ضرب من الاختيار. معنى هذا الكلام: أن أصحاب اللغة ما أثبتوا لكل فعل متعد لازمًا إلا إذا اتفقا في الوجود. قال ابن الحاجب: معنى المطاوعة حصور فعل عن فعل؛ فالثاني مطاوع لأنه طاوع الأول، والأول مطاوع لأنه طاوعه الثاني، فإذا وجد المطاوع يجب أن لا يختلف عنه المطاوع. فإذن معنى: أمرته فائتمر، جعلته مؤتمرًا فائتمر، لكن معنى الائتمار معنى سقوط الاختيار ولزوم الجبر، فعرض له عارض فوجب العدول عن الحقيقة.
[ ٢ / ٦٠ ]
كمهتدٍ؛ ولأن "اهتدى" مطلوع "هدى"، ولن يكون المطاوع في خلاف
_________________
(١) ـ هذا وإن الواجب توخي الجمع بين القولين، ورفع الحاجز بين البحرين بتحقيق معنى الهدى: أهي حقيقة في الدلالة المطلقة مجاز في الدلالة المخصوصة أو عكسه؟ أم هي مشتركة بينهما؟ أم موضوعة للقدر المشترك وهو البيان. روينا في "صحيح الإمام محمد بن إسماعيل البخاري": فهنديناهم: دللناهم على الخير الشر، كقوله: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد: ١٠] وكقوله: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) [الإنسان: ٣] والهدى الذي للإرشاد بمعنى أصعدناه؛ من ذلك قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) [الأنعام: ٩٠]. وقال الزجاج والواحدي: معناه البيان. وقال الجوهري: الهدى: الرشاد والدلالة. وقال صاحب "المطلع": معنى الهداية في اللغة: الدلالة، يقال: هداه في الدين يهديه هداية، إذا دله على الطريق. والهدى يذكر لحقيقة الإرشاد أيضًا؛ ولهذا جاز النفي والإثبات، قال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) [القصص: ٥٦]، وقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: ٥٢]. وفي كلام المصنف إشعار بأن الهدى حقيقة في الدلالة الموصلة إلى البغية، مجاز في مجرد الدلالة وذلك قوله في "حم" السجدة. "أليس معنى "هديته": حصلت فيه الهدى؟ والدليل عليه قولك: هديته فاهتدى، بمعنى تحصيل البغية، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة؟
[ ٢ / ٦١ ]
معنى أصله ألا ترى إلى نحو غمه فاغتم، وكسره فانكسر، وأشباه ذلك؟
_________________
(١) ولهذا انتصب لإقامة الدليل على حقيقتها في هذا المعنى، وأنها حقيق أن تحمل عليه في هذا المقام؛ لاقتضاء مدح الكتاب وكونه كاملًا في بابه. والإمام لما رأى الدلالة منصوبة في كونها حقيقة في ملق الدلالة، انتصب لإبطال مذهبه؛ هربًا من الاشتراك إلى المجاز، وكأن الزجاج والواحدي ذهبًا إلى القول بالقدر المشترك بين المفهومين، ولكل وجهة هو موليها، والله أعلم. والقول الجامع ما ذكره الراغب، قال: "الهداية دلالة بلطف، ومنه الهدية، وهو أدى الوحش: متقدماتها لكونها هادية لسائرها. وخص ما كان دلالة بـ "فعلت" نحو: هديته الطريق، وما كان من الإعطاء بـ" افتعلت" نحو: أهديت الهدية. وأما نحو قوله تعالى: (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) [الصفات: ٢٣] فعلى التهكم. والهداية: هي الإرشاد إلى الخيرات قولًا وفعلًا، وهي من الله تعالى على منازل، بعضها يرتب على بعض، لا يصح حصول الثاني إلا بعد الأول، ولا الثالث إلا بعد الثاني. فأولها: إعطاؤه العبد القوى التي بها يهتدي إلى مصالحه، إما تسخيرًا وإما طوعًا؛ كالحواس الخمس، والقوة المفكرة، وعلى ذلك قوله تعالى: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: ٥٠]، (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) [الأعلى: ٣]. وثانيها: الهداية بالدعاء وبعثه الأنبياء، وإياها عني بقوله: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) [السجدة: ٢٤]. وثالثها: هداية يوليها صالحي عباده بما اكتسبوه من الخيرات، وهي المعنى بقوله: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) [الحج: ٢٣]، وقوله: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: ٦٩]. قال بعض المحققين: الهدى من الله كثير، ولا يبصره إلا البصير، ولا يعمل به إلا اليسير ألا ترى إلى نجوم السماء ما أكثرها، ولا يهتدي بها إلا العلماء!
[ ٢ / ٦٢ ]
فإن قلت: فلم قيل: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) والمتقون مهتدون؟ قلت: هو كقولك للعزيز المكرم: أعزك اللَّه وأكرمك، تريد طلب الزيادة إلى ما هو ثابت فيه واستدامته، كقوله: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: ٦].
_________________
(١) ورابعها: التمكين من مجاورته في دار الخلد، وإياها عني بقوله: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا) [الأعراف: ٤٣] فإذا ثبت ذلك، فمن الهداية مالا ينفى عن أحد بوجه، ومنها ما ينفي عن بعض ويثبت لبعض؛ ومن هذا الوجه قال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) [القصص: ٥٦] فإنه عني الهداية التي هي التوفيق وإدخال الجنة، دون التي هي الدعاء كقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: ٥٢]. قوله: (فلم قيل)، الفاء فيه تدل على إنكار ما تقدم؟ يعني لما دللت على أن الهدى هي الدلالة الموصولة إلى البغية لا مطلق الدلالة، فحينئذ كيف يستقيم (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) والمتقوم هم المهتدون؟ وأجاب بجوابين: أحدهما: باعتبار الثبات والزيادة. وثانيهما: باعتبار ما يؤول، وكذا الفاء في السؤال الآتي بعده إنكار على جوابه الثاني، أي: إذا كان المراد بالمتقين ما ذكرت، فلم ارتكب المجاز وترك الحقيقة؟ وأجاب أيضًا بوجهين: أحدهما: إثبات الاختصار الذ يهو حلية القرآن. وثانيهما: رعاية براعة الاستهلال.
[ ٢ / ٦٣ ]
ووجه آخر؛ وهو أنه سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى: متقين، كقول رسول اللَّه ﷺ "من قتل قتيلا فله سلبه".
_________________
(١) قوله: (عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى)، مقتبس من قوله تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف: ٢٦] واحتذاء على أسلوب (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ) [النحل: ١١٢] فالاستعارة تحقيقية؛ لأن المشبه المتروك: إما عقلي وهو أن يستعار اللباس لماي غشى الإنسان ويتلبس به من انشراح الصدر، وقذف النور في القلب، والتخلص من مضيق الضلال وظلمات الكفر، قال الله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) [الأنعام: ١٢٥]. وإما حسي بأن يستعار اللباس لماي ظهر في الإنسان من شعائر الإسلام ونوره وحسن الطلعة، وبهاء المنظر، قال الله تعالى: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) [الفتح: ٢٩]. ثم قوله: "الاكتساء" ترشيح لهذه الاستعارة، وقوله: "عند مشارفتهم" استعارة أخرى واقعة على الاستعارة، الأساس: شارف البلد، وساروا إليهم حتى إذا شارفوها. فعظم التقوى التي هي من لوازم الإسلام، وجعلها دار السلام. المغنى: سماهم متقين عند مشارفتهم مدينة السلام لدخول دار التقوى، فراعى في اللفظ الترقي أيضًا، لتطابق المعنى وهو كون هذا المجاز باعتبار ما يؤول إليه. قوله: (من قتل قتيلًا)، الحديث من رواية البخاري ومسلم وغيرهما "من قتل قتيلًا له عليه بينه فله سلبه".
[ ٢ / ٦٤ ]
وعن ابن عباس: «إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض المريض وتضل الضالة، وتكتفّ الحاجة» فسمى المشارف للقتل والمرض والضلال: قتيلا ومريضًا وضالة.
ومنه قوله تعالى: (وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِرًا كَفَّارًا) [نوح: ٢٧]، أى صائرًا إلى الفجور والكفر. فإن قلت: فهلا قيل هدى للضالين؟ قلت: لأن الضالين فريقان: فريق علم بقاؤهم على الضلالة وهم المطبوع على قلوبهم، وفريق علم أنّ مصيرهم إلى الهدى فلا يكون هدى للفريق الباقين على الضلالة، فبقى أن يكون هدى لهؤلاء، فلو جيء بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل: هدى للصائرين إلى الهدى بعد الضلال، فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا، فقيل: هدىً للمتقين.
_________________
(١) قوله: (وعن ابن عباس)، الحديث إن صح فهو موقوف على ابن عباس، وهو من رواية أبي داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ومن أراد الحج فليتعجل" وليس فيه الزيادات. قوله: (ومنه قوله تعالى)، وإنما فصله للفرق؛ لأن الأمثلة السابقة إنما صير إليها لأن الفاعل كان ملابسًا له مجتهدًا فيه، فنزل لذلك منزلة الحاصل، ولا كذلك ها هنا لكن نزل اجتهاد الأب منزلة اجتهاد المولود المعدوم مبالغة في عنادهم. قوله: (بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا)، وهي المجاز باعتبار المآل.
[ ٢ / ٦٥ ]
وأيضًا فقد جعل ذلك سلما إلى تصدير السورة التي هي أولى الزهراوين،
_________________
(١) قوله: (وأيضًا فقد جعل ذلك)، قيل: معطوف على قوله: "فاختصروا" ويجوز أن يعطف على "فقيل"، أي: فاختصر فقيل؛ فقد جعل ذلك الاختصار وذلك القول سلمًا إلى تصدير السورة. والفاءات كلها للتعقيف: وهذا كقوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤] وفيه معنى الترقي، وقد روعي معنى التناسب بين السلم والترقي والتصدير والزهراوين والسنام، والمقصود من العدول رعاية حسن المطلع، والاحتراز عن لفظ يوحش السامعين. والسنام مقتبس من قوله صلوات الله عليه "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد". و"أولى الزهراوين" من قوله - ﷺ -: "اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن صاحبهما" أخرجه مسلم عن أبي أمامة الباهلي، وقد روى الدارمي عن بريدة مثله. قال التوريشتي: "الزهراوين" أي: المنبرتين. والأزهر: المنبر، ومنه قيل المنيرين: الأزهران. وفيه تنبيه على أن مكان السورتين مما عداهما مكان القمرين من سائر النجوم فيما يتشعب منهما لذوي الأبصار. الغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من السحابة وغيرها.
[ ٢ / ٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ فرقان من الطير: طائفتان، وقيل: للقطيع من الغنم: فرق. تحاجان، أي: تدفعان عن صاحبهما وتذبان عنه. مثل السورتين مرة بغمامتين، وكره بغيايتين، وتارة بفرقين؛ لينبه على أنهما يظلان صاحبها عن حر الموقف وكرب القيامة. وإدخال "أو" في "غيايتان أو فرقان" إنما كان للتقسيم، لا من تردد الرواة. وقلت: أوقع صلوات الله عليه القراءة أولًا على النيرين ثم بينهما بقوله: "البقرة وآل عمران" ولولاهما كان استعارة، فالتشبيه واقع على حد التجريد كقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧] هذا بالنظر إلى البيان. وأما بالنظر إلى المعاني، فالتركيب من باب قوله: هل ادلك على الإكرام الأفضل فلان؟ كما مضى في آخر "الفاتحة" ثم أتى بنوع آخر من التشبيه هو قوله: كأنهما فرقان من الطير؛ بيانًا لترتيب طبقات أهل الإيمان، ولتمييز درجاتهم، فآذن بتشبيهه الأول بأن تينك المظلتين على غير ما عليه المظلة المتعارفة في الدنيا؛ فإنها وإن كانت لدفع كرب الحر عن صاحبها ولتكرمته، لكن لم تخل عن نوع كدورة وشائبة نصب، وتلك - رزقنا الله تعالى منها - مبرأة عن ذلك، لكونهما كالنيرين في النور والإشراق، مسلوبتي الحرارة والكرب. وآذن بتشبيهه الثاني بأنهما مع كونهما مشرقتين مشبهتين بمظلة من خص بالملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، ثم بولغ فيه وزيد "تحاجان" لينبه به على أن تلك الفرقتين من الطير على غير ما عليه طير نبي الله سليمان ﵇؛ من كونهما حاميتين صاحبهما، ذابتين عنه، وعلى عكس ذلك حال الكفار في ظلهم، قال الله تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ* فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ* وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ* لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) [الواقعة: ٤١ - ٤٤] قوله: (لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) نفي لصفتي الظل المطلوبتين منه، وهما البرودة
[ ٢ / ٦٧ ]
وسنام القرآن وأول المثاني، بذكر أولياء اللَّه والمرتضين من عباده.
والمتقى في اللغة اسم فاعل، من قولهم: وقاه فاتقى. والوقاية: فرط الصيانة. ومنه: فرس واق، وهذه الدابة تقى من وجاها، إذا أصابه ظلع ٌ من غلظ الأرض ورقة الحافر، فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء يؤلمه. وهو في الشريعة الذي يقي نفسه تعاطى ما يستحق به العقوبة من فعلٍ أو تركٍ. واختلف في الصغائر،
_________________
(١) والكرم، يريد أنه ظل لا كسائر الظلال، وفيه تحكم بأصحابه. و"أو" في الحديث للتنويع، والثانية غير الأولى؛ فإنها لتنويع في التشبيه، والأولى للتنويع في المشبه به في تشبيه واحد، ثم إنهما وإن تفاوتا في الاعتبار؛ فإن الغيابة أفضل من الغمامة، ولكن دون الفرقين بمنازل كما قررنا، ولذلك كرر أداة التشبيه والمشبه. انظر إلى هذه الأسرار في الكلام النبوي، والله أعلم. قوله: (وسنام القرآن)، استعارة تخيلية؛ شبه السورة بالسنام لأن الفاتحة كالرأس للقرآن. قوله: (أول المثاني)، قيل: المثاني جميع القرآن لقوله تعالى: (كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ) [الزمر: ٢٣] والأولى أن يقال: إنها السبع الطول؛ لأن "البقرة" ليست بأول القرآن. قال المصنف في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي) [الحجر: ٨٧] سبع آيات وهي "الفاتحة"، أو سبع سور وهي الطول. قوله: (من وجاها)، الأساس: وجي الماشي: إذا حفي؛ وهو أن يرق القدم أو حافر الفرس، الجوهري: وجي الفرس بالكسر، وهو أن يجد وجعًا في حافره. قوله: (تعاطى)، أي: تناول، الأساس: لا تعطوه الأيدي، وفلان يتعاطى ما لا ينبغي له.
[ ٢ / ٦٨ ]
وقيل الصحيح أنه لا يتناولها، لأنها تقع مكفرة عن مجتنب الكبائر.
وقيل: يطلق على الرجل اسم المؤمن لظاهر الحال، والمتقى لا يطلق إلا عن خبرة، كما لا يجوز إطلاق العدل إلا على المختبر. ومحل (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) الرفع، لأنه خبر مبتدإ محذوف، أو خبر مع (لا رَيْبَ فِيهِ) لذلك، أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدّم خبرًا عنه.
_________________
(١) ـ قوله: (أنه لا يتناولها)، قيل: الضمير في "أنه" راجع إلى "ما" في "ما يستحق به العقوبة" أي: ما يستحق به العقوبة لا يتناول الصغائر، بل إلى ما دل عليه المتقي وهو التقوى، أي التقوى لا يتناول اجتناب الصغائر. يدل عليه قول الإمام: اختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في التقوى! ولا نزاع في وجوب التوبة عن الكل؛ وإنما النزاع في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل يستحق هذا الاسم؟ ويمكن أن يقال: إن الإصرار على الصغائر مما يسلب العدالة؛ فكيف بالتقوى؟ وأيضًا قوله: "الوقاية فرط الصيانة" يوجب أن يتناولها؛ ويؤيده ما روينا عن عطية السعدي عن رسول الله - ﷺ: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس" أخرجه الترمذي، وابن ماجة. نعم ذلك من أعلى مناصب الصديقين، بل يكاد يختص بالنبيين. الراغب: التقوى: هو جعل النفس في وقاية مما يخاف، هذا حقيقته، ثم يسمى تارة الخوف تقوى، والتقوى خوفًا. وفي التعارف: حفظ النفس عن كل ما يؤثم، ولها منازل: الأول: ترك المحظور، وذلك لا يتم إلا بترك المباح كما جاء "من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه" وقيل: من لم يجعل بينه وبين محارم الله سترًا من حلال؛ فحقيق أن يقع فيها.
[ ٢ / ٦٩ ]
ويجوز أن ينصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة
_________________
(١) والثاني: أن يتعاطى الخير مع تجنب الشر، وإياه عن بقوله: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا) [الزمر: ٧٣]. والثالث: التبري من كل شيء سوى الله تعالى، وهو المعنى بقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [آل عمران: ١٠٢] وهذه المنازل مرتب بعضها فوق بعض. قوله: (ويجوز أن ينصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة)، روى صاحب "الإقليد": عن المصنف قال: سئلت بمكة - حرسها الله تعالى - عن ناصب الحال في قوله تعالى: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) [هود: ٧٢]. فقلت: ما في حرف التنبيه أو في اسم الإشارة من معنى الفعل فقيل: أم استقر من أصولهم أن العامل في الحال وذيها يجب أن يكون في العامل واحدًا، وقد اختلف العامل هنا حيث جعلته في الحال المعنى الذي ذكرته، قيل ذيها معنى الابتداء، فقلت: تحقيق الكلام أن التقدير: هذا بعلى أنبه عليه شيخًا، أو أشير إليه؛ فالضمير هو ذو الحال والعامل فيه وفي الحال واحد كما ترى. وقال ابن الحاجب: إن اسم الإشارة إذا تقيد بحال لم يكن الخير مقيدًا؛ بدليل قولهم: هذا زيد قائمًا، فإن الخبر بـ"زيد" غير مقيد بالقيام. وقال: لأن المعنى المشار إليه قائمًا زيد، فإن زعم زاعم أنه مقيد بأنه إذا كان قائمًا فهو زيد أيضًا، فإخباره بـ"زيد" إنما هو في حال القيام لم يستقيم؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون غير زيد في غير حال القيام.
[ ٢ / ٧٠ ]
أو الظرف،
_________________
(١) وقال اليمني: ولقائل أن يقول: إن من الأفعال ما لا يقبل التقييد، فإن قولك: عرفت زيدًا قائمًا، فغن المعرفة الحاصلة حال القيام ليست مقيدة بحال القيام حتى إنها تزول بزواله، بل هي حاصلة بعد ذلك في جميع الأحوال؛ وإنما ذكرت ليعرف أنه كان كذلك عند المعرفة، والمعرفة مستمرة، وكذلك جميع أفعال العلم. فإن قيل: إن الخبر هو المبتدأ في المعنى بمعنى أنه يصدق عليه، فيكون تقييدًا المبتدأ تقييدًا للخبر. ثم كلامه. ويقرب من هذا الكلام ما ذكره الزجاج: إنك إذا قلت: هذا زيد قائمًا، إن قصدت أن تخبر به من لم يعرف زيدًا لم يجز؛ لأنه يكون زيدًا ما دام قائمًا، فإذا زال عند القيام فليس بزيد وإنما تقول: هذا زيد قائمًا لمن يعرف زيدًا، فيعمل في الحال التنبيه، أي: انتبه لزيد في حال قيامه، أو أشير إلى زيد في حال قيامه؛ لأن "هذا" إشارة إلى ما حضر، وقال: هذا من لطيف النحو وغامضه. وأبو علي قرر أن هذا المعنى حيث لم يتكلم عليه في "الإغفال" بشيء وصرح المصنف وأبو البقاء في أول "لقمان" أن قوله: (هدى) في قوله: (الم* تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ* هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ) [لقمان: ١ - ٣] حال من (آيات) والعامل اسم الإشارة. قوله: (أو الظرف)، روي بالرفع واجر، والأول هو المشهور، أي: العامل في الحال "فيه" لكونه قائمًا مقام استقر، وذو الحال الضمير المجرور، لأنه مفعول معنوي باعتبار استقرار الريب فيه.
[ ٢ / ٧١ ]
والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحًا، وأن يقال إن قوله: (الم) جملة برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها. و(ذلِكَ الْكِتابُ) جملة ثانية. و(لا رَيْبَ فِيهِ) ثالثة. و(هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) رابعةٌ.
وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة،
_________________
(١) وقيل: لا يجوزُ أن يكون حالًا من الضمير المستتر في الظرف العائد إلى الريب لاستلزام نسبة الهدى إلى الريب. قوله: (والذي هو أرسخُ عرقًا)، فيه لطيفةٌ، فإنه رمز به تعريضًا أن الاعتبار اللفظي الذي لا يُساعده المعنى كشجرةٍ خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، والذي شُد عضده بالمعنى كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء. قوله: (أن يُضرب عن هذا المحال صفحًا)، أي: عن البحث عن محل هذه الجمل بالطريق المذكور؛ فإنها لا طائل تحتها، وأن اللائق ببلاغة القرآن أن يُسلك به طريقُ المعاني والبيان، فإنها هي الطلبة وما عداها ذرائع إليها، وهي المرامُ وما سواها أسبابُ للتسلق عليها. قوله: (صفحًا)، المرزوقي: صفحت عنه: عفوت عن جرمه. ويقال: أعرضت عن هذا الأمر صفحًا: إذا تركته. قوله: (مستقلةٌ بنفسها)، أي غير مفتقرة إلى انضمام شيءٍ معها، إما لأنها كالإيقاظ وقرع العصا، أو كتقدمة الإعجاز. قوله: (مفصل البلاغة)، الجوهري: يقال لمن أصاب الحُجة: إنه طبق المفصل، النهاية: أصلُ التطبيق إصابة المفصل وهو طبق العظمين، أي: ملتقاهما فيفصل بينهما.
[ ٢ / ٧٢ ]
وموجب حسن النظم، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض. فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها، وهلم جرًا إلى الثالثة والرابعة.
بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدّى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال. فكان تقريرًا لجهة التحدي، وشدًّا من أعضاده. ثم نفى عنه
_________________
(١) قوله: (وموجب حسن النظم)، بفتح الجيم، أي: موضع إيجاب حسن النظم ومكانه ومستقره. قوله: (متآخية)، أي: متناسبة. يقال: آخاه مؤاخاةً وإخاءً، وتأخيت أخًا، أي: اتخذت. وفي قوله: "آخذًا [بعضها] بعنق بعضٍ" تأكيدٌ للمؤاخاة وترشيحٌ للاستعارة. قوله: (وهلم جرا)، جرًا، منصوبٌ على الحال عند البصريين، وعلى المصدر عند الكوفيين. قال ابن جني: "جرًا" مصدرٌ وقع حالًا، أي جارًا، أو منجرًا. الجوهري: وتقول: كان ذاك عام كذا، وهلم جرًا إلى اليوم. قيل: هلم جرًا، مثلٌ لأمثالٍ. قال المُفضل: تعالوا على هيئتكم كما يسهل عليكم. قوله: (نبه أولًا على أنه الكلام المتحدى به)، أما على تأويله على أنها أسماءٌ للسور، فلقوله: "الإشعار بأن الفرقان ليس إلا كلماتٍ عربيةً معروفة التركيب من مسميات هذه الألفاظ"، وأما على أنها طائفةٌ من حروف المعجم، فلما مر مرارًا.
[ ٢ / ٧٣ ]
أن يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة وتسجيلا بكماله، لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة.
وقيل لبعض العلماء: فيم لذتك؟ فقال: في حجة تتبختر اتضاحا، وفي شبهة تتضاءل افتضاحا. ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرّر بذلك كونه يقينًا لا يحوم الشك حوله، وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ثم لم تخل كل واحدة من الأربع، بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق،
_________________
(١) وفي قوله "شدًا من أعضاده" اقتباسٌ من قوله تعالى: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ) [القصص: ٣٥]، ومراعاةٌ لمعنى المؤاخاة في قوله: "متآخية"، وترشيحٌ للاستعارة. قوله: (وتسجيلًا بكماله)، الأساس: سجَّل عليهم، وكتابٌ مسجل، وكتب عليه سجلًا يعني قوله: (لَا رَيْبَ فِيهِ) [البقرة: ٢] تأكيدٌ لمعنى ذلك الكتاب، وهو كونه كاملًا لا كمال أكمل منه، ولا يكون كاملًا كذا إلا أن يكون حقًا وصدقًا، لا باطلًا وكذبًا؛ فلا يحوم الشك حوله. قوله: (فقرر بذلك كونه يقينًا لا يحوم الشك حوله)، أي: كونه هاديًا تأكيدٌ لقوله: (لا رَيْبَ فِيهِ)؛ لأنه لا يكون هاديًا إذا كان فيه مجالٌ للشبهة، ففي قوله: "لا يحوم الشك حوله" كنايةٌ كقوله: فما جازه جودٌ، ولا حل دونه … ولكن يصير الجود حيث يصير وهذه المبالغة مستفادةٌ من إيقاع المصدر خبرًا لـ"هو" كما أن المبالغة في الجملة الثانية حصلت من تعريف الخبر، وفي الثالثة: من الاستغراق. قوله: (الأنيق)، أي: العجيب، الأساس: هذا شيءٌ أنيقٌ، وآنقٌ ومونقٌ، وآنقني: أعجبني.
[ ٢ / ٧٤ ]
ونظمت هذا النظم السرى؛ من نكتة ذات جزالة. ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة. وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف. وفي الرابعة الحذف. ووضع المصدر
_________________
(١) قوله: (السري)، أي: العظيم، الأساس: يقال: فلانٌ من السراة، ومن أهل السرو؛ وهو السخاءُ في مروءة. ومن المجاز: سروات الطريق: معاظمها وظهورها. الراغب: السري من السرو، أي: الرفعة. يقال: رجلٌ سريٌ. قوله: (ففي الأولى الحذف)، أي: حذف المبتدأ، أي: هذه (الم) إذا جعلت اسمًا للسورة. قوله: (والرمز إلى الغرض) أي: التحدي: وأُريد بألطف وجهٍ، كونها مشيرةً إلى أن المُتحدى به من جنس ما تنظمون منه كلامكم على سبيل الاستدراج. وطفي الثانية ما في التعريف من الفخامة" وهي: الدلالة على كونه كاملًا في بابه. و"في الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف" وهو الدلالة على نفي الريب عنه بالكلية من غير أن يتعرض لإبطال غيره. و"في الرابعة الحذف" أي: هو هُدى، ووضع المصدر موضع اسم الفاعل على طريقة رجلٍ عدل، وإيراده منكرًا، أي: هاديًا لا يكتنه كنهه. والإيجاز حيث لم يقل: هدى للضالين الصائرين إلى التقوى؛ رعايةً لحسن المطلع. قال القاضي: وتستتبع السابقة منها اللاحقة استتباع الدليل للمدلول؛ فإنه لما نبه أولًا على إعجاز المتحدى به- لزم منه أنه الكتاب البالغ درجة الكمال، واستلزم ذلك أن لا يتشبث الريب بأطرافه؛ إذ لا أنقص مما يعتريه الشك، وما كان كذلك؛ كان لا محالة هدى للمتقين
[ ٢ / ٧٥ ]
الذي هو «هدىً» موضع الوصف الذي هو «هاد» وإيراده منكرًا. والإيجاز في ذكر المتقين.
زادنا اللَّه اطلاعا على أسرار كلامه، وتبيينا لنكت تنزيله، وتوفيقًا للعمل بما فيه!
[(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ)].
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) إما موصول بـ (المتقين) على أنه صفة مجرورة، أو مدح منصوب، أو مرفوع بتقدير: أعنى الذين يؤمنون، أو هم الذين يؤمنون. وإما مقتطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه ب (أُولئِكَ عَلى هُدىً).
_________________
(١) قوله: (أو مدحٌ منصوبٌ أو مرفوع)، فيه لف. قال أبو علي: إذا ذُكرت صفاتٌ للمدح أو الذم وخولف بعضها في الإعراب فقد خولف للافتنان. وقال المرزوقي في قوله: إنا بني نهشلٍ لا ندعي لأبٍ هو أنه لو جعله خبرًا، كان قصده إلى تعريف نفسه عند المخاطب، وكان لا يخلو فعله لذلك من خمولٍ فيهم، وجهلٍ من المخاطب بشأنهم، فإذا جُعل اختصاصًا فقد أمن الأمرين جميعًا، فقال مفتخرًا: إنا- أذكر من لا يخفى شأنه - لا نفعل.
[ ٢ / ٧٦ ]
فإذا كان موصولًا كان الوقف على (المتقين) حسنًا غير تامّ، وإذا كان مقتطعًا، كان وقفًا تامًا
_________________
(١) وقال شارح "الهادي": شرطُ هذا الأسلوب كون الممدوح مشهورًا، والصفة صالحةً للتمدح بها؛ ومن ثم لم يجز: زيدٌ الكريم في الدار، وعند المخاطب زيودٌ. ولا زيدٌ الإسكاف فيها، وهو مشهور. نعم، لو أريد الذم لجاز، فعلى هذا لو جعل (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) [البقرة: ٣] صفةً لأوهم خمول المتقين ولم يعلم أن الصفات مادحةٌ، فسلك به ذلك المسلك، ليكون نصًا في المراد. قوله: (حسنًا غير تام)، قال السجاوندي: الوقوف على مراتب: لازم: وهو الذي وُصل غير المرام؛ كقوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخَادِعُونَ) [البقرة: ٨ - ٩] فلو وصل "يخادعون" صارت صفةً للمؤمنين، فينتفي الخداع عنهم، ويتقرر الإيمان خالصًا عن الخداع، كما تقول: وما هو بمؤمنٍ مخادعٍ. والمراد نفي الإيمان وإثبات الخداع. ومطلق: وهو ما يحسن الابتداءبما بعده. هذا هو الذي عناه المصنف بقوله: "مقتطعٌ عن المتقين، مرفوعٌ بالابتداء". وجائز: وهو ما يجوز الوصل فيه والفصل؛ لتجاذب الموجبين من الطرفين. وحمل قوله:
[ ٢ / ٧٧ ]
فإن قلت: ما هذه الصفة؟ أواردةٌ بيانًا وكشفا للمتقين أم مسرودة مع المتقين تفيد غير فائدتها؟ أم جاءت على سبيل المدح والثناء كصفات اللَّه الجارية عليه تمجيدًا؟ قلت: يحتمل أن ترد على طريق البيان والكشف،
_________________
(١) ـ "حسنٌ غير تام" على هذا القسم حسن؛ لأن اعتبار الصفة يقتضي الوصل، واعتبار الفاصلة وأنها آخر آيةٍ يقتضي الفصل. قوله: (ما هذه الصفة)، كرر الاستفهام وجعل الأول توطئةً للثاني تفخيمًا لها، يعني أرى لهذه الصفة في هذا المقام شأنًا وموقعًا رفيعًا، بين لي موقعًا. قوله: (بيانًا وكشفًا)، أي: مفهومها مفهوم المتقين كما تجيء الصفة معرفةً لموصوفها نحو الجسم العريض، العميق، الطويل، يحتاج إلى حيز يشغله. قوله: (أم مسرودةٌ مع المتقين)، أي: تابةٌ للموصوف، ومخصصةٌ إياه، نحو: زيدٌ التاجر عندنا؛ لأن مفهوم التاجر غير مفهوم زيدٍ، وهو المراد بقوله: "تفيد غير فائدتها" أي: فائدة الصفة الواردة على البيان والكشف، وذلك أن فائدتها متحدةٌ متساويةٌ مع الموصوف في المعنى. قوله: (مسرودةٌ)، الأساس: ومن المجاز: نجومٌ سردٌ: متتابعةٌ، وتسرد الدر: تتابع في النظام. قوله: (كصفات الله الجارية عليه تمجيدًا)، كقوله: (هُوَ اللَّهُ … الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ) [الحشر: ٢٣] أي: يكون مدحًا للمتقين كما يُمدح بصفاته؛ لأنه على جهة الإيضاح، ولا على سبيل التفصلة والإبانة والتفرقة؛ إذ ليس تعالى بالمشارك في اسمه المبارك، وإنما هي تماجيد لذاته المكونة لجميع الذوات.
[ ٢ / ٧٨ ]
لاشتمالها على ما أسست عليه حال المتقين من فعل الحسنات وترك السيئات.
أمّا الفعل فقد انطوى تحت ذكر الإيمان الذي هو أساس الحسنات ومنصبها، وذكر الصلاة والصدقة لأنّ هاتين أُمّا العبادات البدنية والمالية، وهما العيار على غيرهما.
ألم تر كيف سمى رسول اللَّه ﷺ الصلاة عماد الدين، وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة؟
_________________
(١) قوله: (لأن هاتين أما العبادات: البدنية والمالية)، فإن قلت: هل في وصف الإيمان بالأساسي، والصلاة والصدقة بالأم من نكتة؟ قلت: أجل، فيه نكت وأجلها: أن الأعمال: إما قلبية وأعظمها اعتقاد حقية التوحيد والنبوة والمعاد؛ إذ لولاه لكان سائر الأعمال كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً، أو بدنيةٌ وأصلها الصلاة؛ لأنها الفارقة بين الكُفر والإسلام، وهي عمود الدين، وهي الأم التي يتشعب منها سائر الخيرات والمبرات، أو ماليةٌ وهي الإنفاق لوجه الله، وهي التي إذا وُجدت علم الثبات في الإيمان كما قال: (وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [البقرة: ٢٦٥]. قوله: (العيار)، الأساس: عاير المكاييل والموازين: قايسها. أي: هما الشاهدان المعدلان، بمعنى من كانت فيه هاتان العبادتان كان ذلك دليلًا على أنه يقيم سائر العبادات، ولم يقل: العياران؛ ملاحظةً لمعنى المصدر. قوله: (كيف سمى رسول الله ﷺ عماد الدين؟)، روينا عن الترمذي وابن ماجه عن معاذٍ في حديث طويل: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد". قوله: (وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة)، روينا عن الإمام أحمد بن حنبلٍ عن بُريدة عن رسول الله ﷺ يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر".
[ ٢ / ٧٩ ]
وسمى الزكاة قنطرة الإسلام، وقال اللَّه تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ) [فصلت: ٦ - ٧]؟ فلما كانتا بهذه المثابة كان من شأنهما استجرار سائر العبادات واستتباعها. ومن ثم اختصر الكلام اختصارًا، بأن استغنى عن عدّ الطاعات بذكر ما هو كالعنوان لها، والذي إذا وجد لم تتوقف أخواته أن تقترن به، مع ما في ذلك من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين.
وأما الترك فكذلك. ألا ترى إلى قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: ٤٥]! ويحتمل أن لا تكون بيانا للمتقين، وتكون صفة برأسها دالة على فعل الطاعات، ويراد بالمتقين الذين يجتنبون المعاصي.
ويحتمل أن تكون مدحا للموصوفين بالتقوى، وتخصيصًا للإيمان بالغيب،
_________________
(١) قوله: (وسمى الزكاة قنطرة الإسلام)، هذا الحديث ضعفه الصغاني. وقوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) [فصلت: ٦ - ٧] " جعل منع الزكاة هنا من أوصاف المشركين تعريضًا بالمؤمنين وحثًا على أدائها، وتخويفًا شديدًا من منعها، وجعل النفقة في سبيل الله دليلًا على الثبات على الإيمان في قوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [البقرة: ٢٦٥]. قوله: (والذي إذا وُجد)، عطفٌ على "ما هو" على سبيل البيان. قوله: (أن يقترن به)، صح بإدغام النون التي هي لام الكلمة في النون التي هي ضمير أخواته.
[ ٢ / ٨٠ ]
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر إظهارًا لإنافتها على سائر ما يدخل تحت حقيقة هذا الاسم من الحسنات.
_________________
(١) قوله: (لإنافتها)، أي: لشرفها وعلو منزلتها، الجوهري: النوف: السنام، وناف الشيء: طال وارتفع ذكره. واعلم أن للقاضي صاحب "الأنوار" تغمده الله بغفرانه كلامًا رفيعًا في هذا المقام، فلا بد من إيراده، قال: التقوى على ثلاث مراتب: الأولى: التوقي عن العذاب المخلد بالتبرؤ عن الشرك، وعليه قوله تعالى: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى) [الفتح: ٢٦]، وقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) [الحجرات: ٣] وفي الشعراء: (قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ) [الشعراء: ١١]. والثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعلٍ أو تركٍ، حتى الصغائر عند قومٍ، وهو المتعارف بالتقوى في الشرع، والمعنى بقوله: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا) [الأعراف: ٩٦]. والثالثة: أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق، ويتبتل بشراشره، وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [آل عمران: ١٠٢]، فعلى هذا قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) مترتبة على المرتبة الأولى ترتيب التحلية على التخلية، والتصوير على التصقيل. وقد فسر المتقون ها هنا على الأوجه الثلاثة. وقلت: إذا جُعل (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) الآية [البقرة: ٣] كشفًا وبيانًا للمتقين؛ كان من الوجه الثاني، وإذا جعل مدحًا؛ كان من الوجه الثالث، وإذا جعل صفة مخصصةً؛ كان من الوجه الأول.
[ ٢ / ٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ثم في جعل (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) صفةً مخصصةً للمتقين، وأن يراد بالمتقين الذين يجتنبون عن المعاصي، كما ذهب إليه المصنف وتبعه صاحب "المفتاح"- نظرٌ؛ لأن الصفة حينئذٍ على غير ما عليه الكاشفة، فيكون مفهومها غير مفهوم الموصوف كما قال: "تفيد غير فائدتها". فإذا قيل: المراد بالمتقين المجتنبون عن المعاصي! فهم منه أنهم الذين يأتمرون بأمر الله تعالى، وينتهون عما نهى الله عنه؛ لقوله تعالى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) [التحريم: ٦] فكيف يُقال: الذين يؤمنون بالغيب غير الذين يجتنبون عن المعاصي، أما لو أريد بهم الذين يجتنبون عن الشرك كما هو الوجه الأول للقاضي- وذُكر نحوه في "الوسيط"- أفادت الصفة ما هو المطلوب من هذا الوجه، وهو التحلية بعد التخلية وجاءت قارة في مكانها. وفي اختيار المصنف ذلك رمزٌ إلى المذهب كما صرح به في قوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: ٥]. واعلم أن الصفة الفارقة تستدعي الاشتراك في الموصوف فيما يقع له الامتياز بالصفة، فإذا قلت: زيدٌ التاجر عندنا، وجب الاشتراك فيما يقع له الامتياز بصفة التجارة، كذلك "المتقين" إنما يتصور فيه الاشتراك باعتبار (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) إلى آخره، فينبغي أن يتصور من هو متحل به، ومن هو معزولٌ عنه؛ ليختص بالوصف من قُصد إيراده له، وذلك لا يصح إلا بالقول بأنهم يجتنبون الشرك. وأما إذا قلت: الذين يجتنبون المعاصي؛ فلا يستقيم لما ذكرناه من وجوب الاشتراك فيما يقع له الامتياز بالوصف. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون القصد في إيراد المتقين إرادة المجتنبين عن المعاصي، فلما التبس عند السامع، أتى بالوصف قرينةً دالةً على المقصود؟
[ ٢ / ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قلت: لا يخلو أن يراد بالوصف فعل الطاعات لا غير، كما عليه ظاهر كلام المصنف، أو مع الاجتناب عن المعاصي. فالأول لا يصح؛ لأن منطوق الوصف غير مانعٍ للمعصية، على أن أغلب المتصفين به غير معصومين. والثاني كذلك؛ لأن مفهوم الوصف مفهوم الموصوف كما في الصفة الكاشفة؛ فيكون القصد في إيراد الوصف تمييزه عن الحقائق، والمقدر أن الوصف مفيدٌ غير فائدة الكشف. فإن قلت: تحمل المعاصي على المناهي وحدها؟ قلت: لا يستقيم؛ لأن العاصي خلاف المطيع. قال في "سورة الحجرات": العصيان: ترك الانقياد والمضي لما أمر به الشارع. وفي "الذاريات": الكبيرة والصغيرة يجمعهما اسم العصيان. على أن مفهوم (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) يوجب أن المجتنب عن المعاصي قد لا يكون موصوفًا به، فيكون كافرًا، والكافر هو المارق المارد، فكيف يقال له: إنه المتقي المجتنب عن المعاصي؟ ! فإن قلت: ما الفرق بين قوله أولًا: "من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين"، وقوله ثانيًا: "إظهارًا لإنافتها على سائر ما يدخل تحت حقيقة الحسنات"؟ قلت: على الأول ذكر الصلاة والزكاة من باب إطلاق البعض على الكل، والشرط في هذا النوع من المجاز إيراد أشرف ما في ذلك الشيء كما قال. وقد علمت أن معظم الشيء وجُله ينزل منزلة كله؛ فتضمن هذا المعنى أفضلية هاتين العبادتين؛ ولهذا قال: "مع ما في ذلك
[ ٢ / ٨٣ ]
والإيمان إفعال من الأمن. يقال: أمنته وآمنته غيرى. ثم يقال: آمنه إذا صدّقه. وحقيقته: آمنه التكذيب والمخالفة
_________________
(١) ـ من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين" أي: لزم من ذلك هذا على سبيل الإدماج، وأما على الثاني، فلم يذكر المذكورات لاستجلاب الغير؛ بل هي المرادة أولًا، وإنما يُرجح ذكرها لفضلها على غيرها ابتداء. قوله: (ثم يقال: آمنه إذا صدقه)، أي: الإيمان إفعالٌ من الأمن لغةً، ثم نقل إلى المفهوم الشرعي وهو التصديق لعلاقة الأمن من التكذيب والمخالفة. قال الراغب: ولما كان من لوازم الإيمان التصديق قالوا: الإيمان هو التصديق، وقال: ولا يكون التصديق قالوا: الإيمان هو التصديق، وقال: ولا يكون التصديق إلا عن علمٍ؛ ولذلك قال تعالى: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: ٨٦] فالإيمان: اسمٌ لثلاثة أشياء: علمٌ بالشيء، وإقرارٌ به، وعملٌ بمقتضاه إن كان لذلك المعلوم عملٌ كالصلاة والزكاة. هذا هو الأصل، ثم قد يستعمل في كل واحدٍ من هذه الثلاثة فيقال: فلانٌ مؤمن، أي: أنه مقرٌ بما يحصن دمه وماله؛ وبذلك حكم رسول الله ﷺ على الجارية، فسألها ما سألها، ثم قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". ويقال: مؤمنٌ، ويراد به أنه يعرف الأدلة الإقناعية التي يحصل معها سكون النفس، وإياه عنى ﷺ: "من قال: لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنة".
[ ٢ / ٨٤ ]
وأمّا تعديته بالباء فلتضمينه معنى أقرّ وأعترف. وأمّا ما حكى أبو زيد عن العرب: ما آمنت أن أجد صحابة - أى ما وثقت - فحقيقته: صرت ذا أمن به، أى ذا سكون وطمأنينة، وكلا الوجهين حسن في (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) أى يعترفون به أو يثقون بأنه حق. ويجوز أن لا يكون (بالغيب) صلة للإيمان، وأن يكون في موضع الحال؛
_________________
(١) ويقال: مؤمنٌ، ويعنى به أنه يسكن قلبه إلى الله تعالى من غير أن يلتفت إلى شيءٍ من العوارض الدنيوية، وغيان عنى بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) الآية [الأنفال: ٢]. قوله: (أما تعديته بالباء)، هذا على تقدير السؤال والجواب؛ يعني إذا كان حقيقة الإيمان منقولةً من "أمِنَ" فما باله عُدي بالباء ولم يُعد بنفسه كما سبق؟ فأجاب: إن تعديته بالباء من باب التضمين. قال ابن جني: لو جمعت تضمينات العرب لاجتمعت مجلدات. قال المصنف: من شأنهم أنهم يضمنون الفعل معنى فعلٍ آخر، فيجرونه مجراه، ويستعملونه استعماله. وقلت: ولو زيد مع إرادة معنى المضمن كان أحسن، كما تقول: أحمدُ إليك فلانًا، أي: أُنهي إليك حمد فلانٍ. قال في "سورة الكهف": الغرض في التضمين إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى. قوله: (وأما ما حكى أبو زيدٍ)، قال الأنباري: هو سعيد بن أوسٍ الأنصاري البصري، وكان سيبويه إذا قال: سمعت الثقة، أراد به أبا زيد.
[ ٢ / ٨٥ ]
أي: يؤمنون غائبين عن المؤمن به. وحقيقته: ملتبسين بالغيب، كقوله: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) [فاطر: ١٨]، (لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) [يوسف: ٥٢]. ويعضده ما روى «أن أصحاب عبد اللَّه ذكروا أصحاب رسول اللَّه ﷺ وإيمانهم، فقال ابن مسعود: إنّ أمر محمد كان بينًا لمن رآه. والذي لا إله غيره، ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيبٍ، ثم قرأ هذه الآية
_________________
(١) ـ هذا أيضًا جوابٌ عن سؤالٍ آخر مقدر، يعني ليس في هذه الرواية مما ذكرت شيءٌ فأجاب: أن الهمزة للصيرورة، أي: صرت ذا سكونٍ به وطمأنينة. فإن الذي أومن وجد من نفسه سكونًا وطمأنينة، كما أن الخائف يجد قلقًا واضطرابًا. الأساس: ما أومن بشيءٍ، أي: ما أصدق وما أثق، وما أومنُ أن أجد صحابةً- يقوله ناوي السفر- أي: ما أثق أن أظفر بمن أرافقه. فعلى هذا رجع هذا الوجه إلى المجاز، لقوله: "وحقيقته"، وهذا يشير إلى أن لابد من ذلك القيد في تعريف التضمين لئلا يدخل فيه هذا الوجه وجميع الاستعارات الواقعة في التبعية. قوله: (وحقيقته: ملتبسين بالغيب)، أي: يرجع معنى الغيب إليهم، أي: يصدقون وهم غائبون عن نظر المؤمن به، وهو الرسول ﷺ؛ يدلُّك على هذا قوله: "ويعضده" حديث ابن مسعودٍ وفيه: "ما آمن مؤمنٌ إيمانًا أفضل من إيمانٍ بغيب" أي: هو غائبٌ عن حضرة الرسول ﷺ. ومعنى الحديث مُخرجٌ في "سنن الدارمي عن أبي عبيدة بن الجراح، أنه قال: يا رسول الله، أحدٌ خيرٌ منا، أسلمنا وجاهدنا معك؟ قال: "نعم، قومٌ يكونون من بعدكم، يؤمنون بي ولم يروني".
[ ٢ / ٨٦ ]
فإن قلت: فما المراد بالغيب إن جعلته صلة؟ وإن جعلته حالا؟ قلت: إن جعلته صلة كان بمعنى الغائب، إمّا تسمية بالمصدر من قولك. غاب الشيء غيبا، كما سمى الشاهد بالشهادة. قال اللَّه تعالى: (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) [الزمر: ٤٦]. والعرب تسمى المطمئن من الأرض غيبًا. وعن النضر بن شميل: شربت الإبل حتى وارت غيوب كلاها. يريد بالغيب: الخمصة التي تكون في موضع الكلية، إذا بطنت الدابة انتفخت. وإما أن يكون فيعلا فخفف، كما قيل «قيل» وأصله: قيل: والمراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه، أو نصب لنا دليلا عليه. ولهذا لا يجوز أن يطلق فيقال: فلان يعلم الغيب. وذلك نحو الصانع وصفاته، والنبوّات وما يتعلق بها، والبعث والنشور،
_________________
(١) قوله: (فما المراد بالغيب؟)، يعني: رجحت وجه الحال بالحديث، كأن معنى الغيب يختلف باختلاف الوجهين فبيِّن ذلك. قوله: (المطمئن)، يُروى بكسر الهمزة وبفتحها. فبالكسر: الصفة، وبالفتح: الاسم. قوله: (الخمصة)، النقرة والحفرة، ويقال للجوع أيضًا، كقولهم: ليس للبطنة خيرٌ من خمصةٍ تتبعها. والبطنة: الامتلاء من الطعام. قوله: (وإنما تعلم منه نحن ما أعلمناه، أو نصب لنا دليلًا عليه)، فيه تقسيمٌ لما جمع في حكم الغيب. وقوله: (وذلك نحو الصانع)، إلى آخره: تفريقٌ، فإن قوله: "نحو الصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها" يتعلق بقوله: "أو نصب لنا دليلًا". وقوله: (والبعث والنشور)، إلى آخره يتعلق بقوله: "ما أعلمناه" أي: بالنص، وهذا مبنيٌ على ما قال الإمام وهو: أن كل مقدمةٍ لا يمكن إثبات النقل إلا بعد ثبوتها؛ فإنه لا يمكن إثباتها بالنقل، وكل ما كان إخبارًا عن وقوع ما جاز وقوعه، وجاز عدمه، لا يمكن معرفته إلا
[ ٢ / ٨٧ ]
والحساب والوعد والوعيد، وغير ذلك.
وإن جعلته حالا كان بمعنى الغيبة والخفاء، فإن قلت: ما الإيمان الصحيح؟ قلت: أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه، ويصدّقه بعمله. فمن أخل بالاعناد - وإن شهد وعمل - فهو منافق. ومن أخل بالشهادة فهو كافر. ومن أخل بالعمل فهو فاسق
_________________
(١) ـ بالحس أو بالنقل، ولا شبهة أن إثبات الصانع والنبوات من قبيل الأول، وإثبات الحشر والنشر وما يتعلق بهما من قبيل الثاني. الراغب: الغيب: ما لا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بدائه العقول؛ وإنما يُعلم إما بواسطة علمٍ ما، واستشهادٍ به عليه، وإما بخبر الصادق. قوله: (كان بمعنى الغيبة والخفاء)، والفرق بين هذا الوجه والأول هو أن على الأول "بالغيب" مفعولٌ به، والإيمان مضمنٌ معنى الإقرار، أو مجازٌ من الوثوق؛ فلا يصدق الغيب على الرسول ﷺ بالنسبة إلى الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى الثاني يكون الإيمان بمعنى التصديق، ويكون مفعوله محذوفًا على طريقة العموم أو المبالغة؛ ليقع على جميع ما يجب أن يؤمن به، سواءٌ كان غائبًا أو حاضرًا، وهذا الوجه يختص بغير الصحابة كما مضى. قوله: "أن يعتقد الحق)، التعريف فيه للعهد، أي: الحق الذي تحقق عند المسلمين أنه ما هو، وهو: التصديق بما عُلم بالضرورة أنه من دين محمدٍ صلوات الله عليه، كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء وما يتصل بها. قوله: (ويُعرب عنه)، أي: عن المذكورات بأن يُقر بالشهادتين؛ فإنها جامعةٌ لتلك المعاني، ومفصحةٌ عنها، ويصدقه بعمله؛ لأن مقتضى ذلك كله العمل، وهو أمارةٌ على ما في ضميره. قوله: (ومن أخل بالشهادة فهو كافر)، فيه نظر.
[ ٢ / ٨٨ ]
ومعنى إقامة الصلاة تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها، من أقام العود - إذا قوّمه. أو الدوام عليها والمحافظة؛
_________________
(١) ـ قال الإمام: من عرف الله بالدليل، ولم يجد من الوقت ما يتلفظ بكلمة الشهادة: هل يُحكم بإيمانه؟ وكذا لو وجد من الوقت ما أمكنه التلفظ به؟ رُوي عن الغزالي: نعم. والامتناع من النطق يجري مجرى المعاصي التي تؤتى مع الإيمان. ويعضده ما روينا عن البخاري عن حُميدٍ، عن أنسٍ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة، شُفعت، فقلت: يا رب، أدخل الجنة من كان في قلبه خردلةٌ؛ فيدخلون، ثم أقول: أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء". والذي يعتذر له أن المراد بالإخلال هو أن يقصد به على سبيل الجحود والعناد كما فعل أبو طالبٍ وصرح به في قوله: وعرضت دينًا لا محالة أنه … من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سُبةً … لوجدتني سمحًا بذاك مبينا قوله: (ومعنى إقامة الصلاة: تعديل أركانها)، أي: هو استعارةٌ تبعيةٌ؛ شبه تعديل المصلي أركان الصلاة وحفظها من أن يقع فيها زيغٌ بتقويم الرجل العود المعوج، فقيل: يقيمون، وأريد: يعدلون. قوله: (أو الدوام عليها)، فعلى هذا هو كنايةٌ تلويحية؛ عبر عن الدوام بالإقامة، فإن
[ ٢ / ٨٩ ]
عليها، كما قال عز وعلا: (الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ) [المعارج: ٢٣]، (وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ) [المؤمنون: ٩]، من: قامت السوق إذا نفقت، وأقامها. قال:
أَقَامَتْ غَزَالةُ سُوقَ الضِّرَابِ … لِأَهْلِ العِرَاقيْنِ حَولًا قَمِيطًا
لأنها إذا حوفظ عليها، كانت كالشئ النافق الذي تتوجه إليه الرغبات ويتنافس فيه …
_________________
(١) إقامة الصلاة بمعنى تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغٌ في فرائضها مُشعرةٌ بكونها مرغوبًا فيها، وإضاعتها وتعطيلها يدل على ابتذالها؛ كالسوق إذا شوهدت قائمةً دلت على نفاق سلعتها، ونفاقها يدل على توجه الرغبات إليها، وتوجه الرغبات يستدعي الاستدامة، بخلافها إذا لم تكن قائمة، فعلى هذا المراد من قوله: "من قامت السوق" أي: من باب: قامت السوق، لا أنه منقولٌ من قامت السوق. قوله: «عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ»، الأساس: هو مُحافظ على سبحة الضحى: مواظبٌ عليها. ومن المجاز: قام على الأمر: دام وثبت، وأقامه: أدامه. ومنه ما روى مسلمٌ عن جابر: "لو تركتيها ما زال قائمًا" قاله لأم مالكٍ حين عصرت العُكة التي كانت تهدي فيها للنبي ﷺ. ذكره الصغاني في "مشارق الأنوار". قوله: (أقامت غزالة) البيت، غزالة هي التي خرجت على الحجاج، والضراب: المضاربة بالسيوف، والعراقين: البصرة والكوفة. قميطًا: تامًا. قوله: (ويتنافس فيه)، الجوهري: شيءٌ نفيسٌ: ينافس فيه ويرغب. وهذا أنفس ماله: أحبه وأكرمه عنده.
[ ٢ / ٩٠ ]
المحصلون، وإذا عطلت وأضيعت، كانت كالشئ الكاسد الذي لا يرغب فيه. أو التجلد والتشمر لأدائها. وأن لا يكون في مؤدّيها فتور عنها ولا توانٍ، من قولهم: قام بالأمر، وقامت الحرب على ساقها. وفي ضدّه: قعد عن الأمر، وتقاعد عنه - إذا تقاعس وتثبط - أو أداؤها، فعبر عن الأداء بالإقامة لأنّ القيام بعض أركانها،
_________________
(١) ـ قوله: (أو التجلد والتشمر)، فعلى الوجوه "يقيمون" مسندٌ إلى المصلي، وعلى هذا الوجه مسندٌ إلى الصلاة باعتبار أن المصلي إذا أقام الصلاة كانت هي قائمةً على نحو: نهاره صائمٌ وليله قائم؛ ألا ترى إلى قوله: "وأن لا يكون في مؤديها فتور" فإنه لا يقال: نهاره صائم إلا لمن صام الدهر كله، ولا ليله قائم، إلا لمن لا ينام فيه، وكذا قوله: "قامت الحرب على ساقها" من الإسناد المجازي؛ لأنه نحو قوله تعالى: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [محمد: ٤]. قوله: (وتثبط)، الجوهري: ثبطه عن الأمر تثبيطًا: شغله عنه. قوله: (أو أداؤها)، أي: معنى إقامة الصلاة: أداؤها. فعبر عن الأداء بالإقامة؛ لأن القيام بعض أركانها، فإذن المراد بالإقامة إيجاد فعل القيام ليصح تعليله بقوله: "لأن القيام بعض أركانها". وتحرير هذا المقام، أن قوله: (يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) ليس على ظاهره؛ فهو إما استعارةٌ تبعيةٌ، أو كنايةٌ عن الدوام من: قامت السوق، إذا راجت ونفقت؛ لأن نفاقها مشعرٌ بتوجه الرغبات إليها، وهو يدل على المحافظة وهي على الدوام، أو مجازٌ في الإسناد، بمعنى يجعلون الصلاة قائمةً؛ فيفيد التجلد والتشمر، وأنها مؤداةٌ على وفور رغبةٍ ومزيد نشاطٍ كقولهم: قامت الحرب على ساقها، أو بمعنى: يوجدون قيامها، أي: يقومون فيها، فأسند القيام إليها على المجاز، فيفيد أنهم يؤدونها من باب إطلاق معظم الشيء على كله.
[ ٢ / ٩١ ]
كما عبر عنه بالقنوت - والقنوت: القيام - وبالركوع وبالسجود،
_________________
(١) ـ واختار القاضي الوجه الأول وقال: تأويل "يقيمون الصلاة: يُعدلون أركانها، ويحفظونها من الزيغ أظهر؛ لأنه أشهر، وإلى الحقيقة أقرب وأفيد، لتضمنه التنبيه على أن الحقيق بالمدح من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن، وحقوقها الباطنة كالخشوع والإقبال بقلبه على الله تعالى، لا المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون، ولذلك ذُكر في سياق المدح: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) [النساء: ١٦٢] وفي معرض الذم: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) [الماعون: ٤] ". والإمام اختار الوجه الثاني وقال: الأولى حملُ الكلام على ما يحصل معه الثناء العظيم؛ وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا الإقامة على إدامة فعلها من غير خللٍ في أركانها وشرائطها. قلت: هذا أولى من قول القاضي لما مر لنا في تقرير الكناية؛ فإنها جامعةٌ لجميع المعاني المطلوبة فيها. الراغب: إقامة الصلاة: توفية حدودها وإدامتها، وتخصيص الإقامة فيه تنبيهٌ على أنه لم يُرد إيقاعها فقط؛ ولهذا لم يؤمر بالصلاة، ولم يمدح بها إلا بلفظ الإقامة نحو: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) ولم يقل: المصلين إلا في المنافقين؛ حيث قال: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) [الماعون: ٤ - ٥] ومن ثم قيل: إن المصلين كثيرٌ، والمقيمين لها قليل، كما قال عمر ﵁: الحاج قليلٌ والراكب كثير. وكثيرٌ من الأفعال التي حث الله تعالى على توفية حقه ذكره بلفظ الإقامة: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) [المائدة: ٦٦] ونحو: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) [الرحمن: ٩].
[ ٢ / ٩٢ ]
وقالوا: سبح، إذا صلى لوجود التسبيح فيها (فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) [الصافات: ١٤٣].
والصلاة: فعلة من صلى، كالزكاة من زكى. وكتابتها بالواو على لفظ المفخم. وحقيقة صلى: حرّك الصلوين لأن المصلى يفعل ذلك في ركوعه وسجوده،
_________________
(١) قوله: (سبح إذا صلى)، إنما استشهد لهذا المثال بقول البلغاء أولًا وبالقرآن ثانيًا؛ لأنه أخفى من أخواته، وأقل استعمالًا منها. فإن قلت: أليس من شرط هذا المجاز أن يكون هذا البعض أشرف وأعظم مما في ذلك الشيء، وهذه الاختلافات تُشعر بتعظيم الشيء على نفسه؟ قلت: خولف ليؤذن بأن أركان الصلاة كلها بحيث إذا سُمي أي واحدٍ منها وأريد به الكل كفى به شرفًا، على حد قولها: هم كالحلقة المفرغة، لا يُدرى أين طرفاها. قوله: (وكتابتها بالواو على لفظ المفخم)، قيل: التفخيم على ثلاثة أوجه: ترك الإمالة، وإخراجُ اللام من أسفل اللسان كما في اسم الله، والإمالة إلى الواو كما في اسم الصلاة. قوله: (حرك الصلوين)، بيان للعلاقة، الأساس: ضرب الفرس صلويه بذنبه: ما عن يمينه وشماله، ومنه مُصلي السابق. الجوهري: الكاذة: ما نتأ من اللحم في أعلى الفخذ.
[ ٢ / ٩٣ ]
ونظيره: كفر اليهودي إذا طأطأ رأسه وانحنى عند تعظيم صاحبه لأنه ينثني على الكاذتين، وهما الكافرتان. وقيل للداعي: مصلّ، تشبيها في تخشعه بالراكع والساجد. وإسناد الرزق إلى نفسه؛ للإعلام بأنهم ينفقون الحلال الطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى اللَّه، ويسمى رزقا منه
_________________
(١) ذكر ابن جني في "المحتسب": قال أبو علي ﵀: الصلاة من الصلوين؛ وذلك لأن أول ما يشاهد من أحوال الصلاة إنما هو تحريك الصلوين للركوع، فأما القيام فلا يختص بالصلاة دون غيرها. قال ابن جني: هو حسن. قوله: (وقيل للداعي)، كأنه جوابٌ عن سؤال سائلٍ أن الداعي يُسمى مصليًا وهو لا يحرك الصلوين. قال الإمام: هذا الاشتقاق يُفضي إلى الطعن في كون القرآن حُجةً؛ لأن الصلاة من أشهر الألفاظ، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء معرفةً، ولو جوزنا ذلك- ثم إنه خفي واندرس بحيث لا يعرفه إلا الآحاد- لجاز مثله في سائر الألفاظ، ولو جاز لما قطعنا بأن مراد الله من هذه الألفاظ ما تتبادر أفهامنا إليه، بل لعل المراد تلك المعاني المندرسة. وأجاب القاضي: أن اشتهار اللفظ في المعنى الثاني مع عدم اشتهاره في الأول لا يقدح في نقله. قوله: (الطلق)، النهاية: الطلق بالكسر: الحلال، يقال: أعطيته من طلق مالي، أي: من صفوته وطيبه. قوله: (أن يضاف إلى الله ويسمى رزقًا)، قال القاضي: الرزق في اللغة: الحظ، قال تعالى:
[ ٢ / ٩٤ ]
وأدخل (من) التبعيضة؛ صيانة لهم وكفا عن الإسراف والتبذير المنهي عنه. وقدّم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم، كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدّق به
_________________
(١) (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢] والعُرف خصصه بتخصيص الشيء بالحيوان وتمكينه من الانتفاع به. والمُعتزلة لما استحالوا من الله أن يُمكن من الحرام؛ لأنه منع من الانتفاع به، وأمر بالزجر عنه- قالوا: الرزق لا يتناول الحرام. ألا ترى أنه أسند الرزق هاهنا إلى نفسه إيذانًا بأنهم ينفقون الحلال الطلق، فإن إنفاق الحرام لا يوجب المدح، وأصحابنا جعلوا الإسناد للتعظيم والتحريض على الإنفاق، واختصاص "مما رزقناهم" بالحلال للقرينة، وتمسكوا بشمول الرزق للحرام، وأنه لو لم يكن رزقًا لم يكن المغتذي به طول عمره مرزوقًا. وليس كذلك لقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود: ٦]. قلت: قوله: "جعلوا الإسناد للتعظيم" معناه: أن الرزق وإن كان كله من الله، لكن من شرط ما يُضاف إليه من الأفعال أن يكون الأفضل فالأفضل، كما قال إبراهيم ﵇: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء: ٨٠] وقوله تعالى: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [الفاتحة: ٧]. الانتصاف: المعتزلة أثبتوا خالقًا غير الله ورازقًا غيره، وقد قال الله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) [فاطر: ٣].
[ ٢ / ٩٥ ]
وجائز أن يراد به الزكاة المفروضة، لاقترانه بأخت الزكاة وشقيقتها، وهي الصلاة، وأن تراد هي وغيرها من النفقات في سبل الخير، لمجيئه مطلقًا يصلح أن يتناول كل منفق. وأنفق الشيء وأنفده أخوان. وعن يعقوب: نفق الشيء، ونفد واحد،
_________________
(١) ـ الراغب: الرزق: لفظٌ مشتركٌ للحظ الجاري تارة، وللنصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به. (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [البقرة: ٣] محمولٌ على المباح؛ لأنه حث على الإنفاق ومدحٌ لفاعله، ولأنه مضافٌ إلى الله ﷿ والإنفاق كما يكون من المال والنعم الظاهرة يكون من النعم الباطنة كالعلم والقوة والجاه. والجود التام: بذل العلم، ومتاع الدنيا عرضٌ زائل. وقال بعض المحققين في الآية: ومما خصصناهم من أنوار المعرفة يفيضون. قوله: (بأخت الزكاة)، أي: بالصلاة، فوضعها موضعها للإشعار بالعلية. قوله: (وعن يعقوب)، هو ابن إسحاق السكيت. قال الأنباري: كان من أكابر أهل اللغة. قال المبرد: ما رأيت للبغداديين كتابًا خيرًا من كتاب ابن السكيت في اللغة وهو: "إصلاح المنطق". وأما حكاية قول ابن السكيت في "الإصلاح" فهو: نفق الزاد ينفق نفقًا: إذا نفد.
[ ٢ / ٩٦ ]
وكل ما جاء مما فاؤه نون وعينه فاء، فدالّ على معنى الخروج والذهاب ونحو ذلك إذا تأملت.
[(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)].
فإن قلت: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) أهم غير الأوّلين أم هم الأوّلون؟ وإنما وسط العاطف كما يوسط بين الصفات في قولك هو الشجاع والجواد، وفي قوله:
إلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهمامِ … وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحمْ
وقوله:
يَا لَهْفَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ الصَّـ … ابِحِ فالغَانِم فَالْآيِبِ؟
قلت: يحتمل أن يراد
_________________
(١) قوله: (إلى الملك القرم)، البيت. القرم: الفحل المكرم الذي لا يُحمل عليه، ثم سمي به السيد. والهمام: من أسماء الملوك؛ لعظم همتهم، أو لأنهم إذا هموا بأمرٍ فعلوه. والكتيبة: الجيش. وازدحم القوم: إذا وقع بعضهم على بعضٍ. ومنه قيل للمعركة: مزدحم؛ لأنها موضع المزاحمة. قوله: (يا لهف زيابة)، البيت. اللهف: كلمة استغاثة يُتحسر بها على ما فات. والزيابة: اسم أبي القائل. والحارث: من غزاهم وصبحهم وغنم منهم، وآب إلى قومه سالمًا والصابح من: صبحت القوم: إذا أتيتهم صباحًا.
[ ٢ / ٩٧ ]
بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأضرابه من الذين آمنوا، فاشتمل إيمانهم على كل وحى أنزل من عند اللَّه، وأيقنوا بالآخرة إيقانًا زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى وأنّ النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودات،
_________________
(١) قوله: (كعبد الله بن سلام)، قال في "الجامع": هو عبد الله بن سلام بن الحارث، من بني قينقاع الإسرائيلي. وكان اسمه الحصين فسماه النبي ﷺ عبد الله، وسلام: بتخفيف اللام. قينقاع: بفتح القاف وضم النون وبالعين المهملة. قوله: (وأضرابه)، قال المصنف: أكثر الناس على أن الأضراب جمع ضربٍ بفتح الضاد، وعندي بكسرها فعلٌ بمعنى مفعول- كالعجز- وهو الذي يُضرب به المثل. ولا بد في المضروب به مثلًا والمضروب فيه من المماثلة. وقال غيره: الضرباء والأضراب: الأمثال، سمعت غير واحدٍ من العرب يقولون: هذا ضربه، أي: مثله بكسر الضاد. ويعضده مثل ومثيل، وشبهٌ وشبيه، وأنهم جمعوه على أضراب. قوله: (فاشتمل إيمانهم)، الفاء سببية، تقديره: آمنوا بالقرآن بعد أن كانوا مؤمنين بكتابهم؛ فلزم من إيمانهم بهذا اشتمال الإيمان على كل وحي. ثم قوله: "وأيقنوا بالآخرة" مشعرٌ بأن في الكلام تغييرًا، وأن أصل الكلام: الذين آمنوا بما أُنزل إليك، وما أُنزل من قبلك، وأيقنوا بالآخرة؛ فأتى بالمضارع، وقدم الجار والمجرور، وأبرز الضمير، وبنى عليه لإعطاء معنى التخصيص مع التأكيد، على منوال قوله: (لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ) [الإسراء: ١٠٠] ليكون تعريضًا بمن لم يؤمن منهم، وبأن إيمانهم بالآخرة على خلاف ما هي عليه مع التردد فيهم، وأن إيمان المؤمنين مستمر الوقوع.
[ ٢ / ٩٨ ]
واجتماعهم على الإقرار بالنشأة الأخرى، وإعادة الأرواح في الأجساد، ثم افتراقهم فرقتين: منهم من قال: تجرى حالهم في التلذذ بالمطاعم والمشارب والمناكح على حسب مجراها في الدنيا ودفعه آخرون فزعموا أن ذلك إنما احتيج إليه في هذه الدار من أجل نماء الأجسام ولمكان التوالد والتناسل، وأهل الجنة مستغنون عنه فلا يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة، والسماع اللذيذ والفرح والسرور، واختلافهم في الدوام
_________________
(١) قوله: (واجتماعهم)، روي مرفوعًا ومجرورًا؛ فالرفع عطفٌ على قوله: "ما كانوا عليه"، والجر على قوله: "أنه لا يدخل الجنة". المعنى: زال مع هذا الإيقان زعماتهم أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وزال أيضًا ما كانوا عليه من خلط الحق مع الباطل، وهو الإقرار بالنشأة الأخرى، ثم افتراقهم فرقتين: فرقةٌ منهما موافقةً للمسلمين، وفرقةٌ مخالفةٌ لهم في قولهم بالتلذذ الجسماني، وفي الدوام والانقطاع. قوله: (الأرواح العبقة)، الجوهري: الريح واحدة الرياح والأرياح، وقد تُجمع على أرواح؛ لأن أصلها الواو، وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت إلى الواو، كقولك: أروح الماء، وتروحت بالمروحة، الأساس: عبق به الطيب: لزمه، وامرأة عبقة: تطيبت بأدنى طيبٍ، فلم تذهب عنها ريحه أيامًا. وقال أبو الطيب: مسكية النفحات إلا أنها … وحشيةٌ بسواهم لا تعبق قوله: (واختلافهم)، عطفٌ على "افتراقهم" لا على "اجتماعهم"؛ ليكون في حكم "ثم" في التراخي. المعنى: أنهم اجتمعوا على الإقرار بإعادة الأرواح إلى الأجساد، ثم حصلت لهم التفرقة في كيفية الأحوال، والاختلاف في كمية الزمان.
[ ٢ / ٩٩ ]
والانقطاع، فيكون المعطوف غير المعطوف عليه. ويحتمل أن يراد وصف الأوّلين. ووسط العاطف على معنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه. فإن قلت: فإن أريد بهؤلاء غير أولئك، فهل يدخلون في جملة المتقين أم لا؟ . قلت: إن عطفتهم على (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) دخلوا وكانت صفة التقوى مشتملة على الزمرتين من مؤمنى أهل الكتاب وغيرهم. وإن عطفتهم على (لِلْمُتَّقِينَ) لم يدخلوا. وكأنه قيل: هدى للمتقين، وهدى للذين يؤمنون بما أنزل إليك. فإن قلت: قوله: (بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) إن عنى به القرآن بأسره والشريعة عن آخرها، فلم يكن ذلك منزلا وقت إيمانهم، فكيف قيل أنزل بلفظ المضىّ؟ وإن أريد المقدار الذي سبق إنزاله وقت إيمانهم فهو إيمان ببعض المنزل واشتمال الإيمان على الجميع سالفه ومترقبه واجب. قلت: المراد المنزل كله وإنما عبر عنه بلفظ المضىّ وإن كان بعضه مترقبًا، تغليبا للموجود على ما لم يوجد، كما بغلب المتكلم على المخاطب، والمخاطب على الغائب فيقال:
أنا وأنت فعلنا، وأنت وزيد تفعلان. ولأنه إذا كان بعضه نازلا وبعضه منتظر النزول جعل كأن كله قد نزل وانتهى نزوله، ويدل عليه قوله تعالى: (إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى) [الأحقاف: ٣٠] ولم يسمعوا جميع الكتاب، ولا كان كله منزلا، ولكن سبيله سبيل ما ذكرنا. ونظيره قولك: كل ما خطب به فلان فهو فصيح، وما تكلم بشيء إلا وهو نادر. ولا تريد بهذا الماضي منه فحسب دون الآتي، لكونه معقودًا بعضه ببعض، ومربوطا آتيه بماضيه. وقرأ يزيد بن قطيب بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ على لفظ ما سمى فاعله. وفي تقديم (بِالْآخِرَةِ) وبناء (يُوقِنُونَ) على: (هُمْ) تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات
_________________
(١) ـ قوله: (وفي تقديم "بالآخرة" وبناء (يُوقِنُونَ) على (هُمّ) تعريضٌ) إلى آخره، أي: قصد بهذين الاعتبارين تينك الخاصيتين- أعني: التخصيص وتقوّي الحكم- تعريضًا بهم،
[ ٢ / ١٠٠ ]
أمر الآخرة على خلاف حقيقته، وأنّ قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. والإيقان: إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه. وبِالْآخِرَةِ تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأوّل، وهي صفة الدار بدليل قوله: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ) [القصص: ٨٣]، وهي من الصفات الغالبة، وكذلك الدنيا. وعن نافع أنه خففها بأن حذف الهمزة وألقى حركتها على اللام، كقوله (دَابَّةُ الْأَرْضِ) [سبأ: ١٤].
_________________
(١) فقوله: "تعريضٌ بأهل الكتاب" توطئة، وقوله: "بما كانوا عليه" وقوله: "وأن قولهم" إني آخره، عطفٌ عليه على طريقة: أعجبني زيدٌ وكرمه. وهذان المعطوفان تفسيران لقوله: "وفي تقديم "بالآخرة"" وقوله: "وبناء "يوقنون"" على سبيل النشر، فدل التقديم على التخصيص، وأن إيمانهم مقصورٌ على الآخرة الحقيقية لا يتجاوز إلى ما أثبته اليهود، وهو أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودًا، وأنه لا تمسهم النار إلا أيامًا معدودات، وأن أهل الجنة يتلذذون بالنسيم والأرواح العبقة، وهو المارد بقوله: "من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته" ودل بناء "يوقنون" على "هم" على تحقيق إيقانهم وثباته، وهو المراد بقوله: "وأن قولهم ليس بصادرٍ عن إيقانٍ، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أُنزل إليك"، ثم بمجموعها دل على أن اليهود على خلاف ذلك تعريضًا، فعلى هذا قوله: "وأن اليقين ما عليه" ليس معطوفًا على "تعريضٌ" كما ظُن، وإنما لم يُحمل قوله: "وبناء "يوقنون" على "هم"" على التخصيص؛ لأن القول بتقوى الحُكم يفيد التحقيق ويستلزم التخصيص بالتعريض، والقول بالتقديم لا يفيد إلا التخصيص، فكان أولى. قوله: (والإيقان: إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه). قال القاضي: اليقين: إتقان العلم بنفي الشبهة عنه نظرًا واستدلالًا، ولذلك لا يوصف به العلم القديم والعلوم الضرورية. وقال الإمام: لا يُقال: تيقنت أن السماء فوقي، ويقال: تيقنت ما أردته بكلامك.
[ ٢ / ١٠١ ]
وقرأ أبو حية النميري (يوقنون) بالهمز، جعل الضمة في جار الواو كأنها فيه، فقلبها قلب واو «وجوه» و«وقتت». ونحوه:
لَحُبَّ المُؤْقِدَانِ إلَىَّ مُؤْسَى … وَجَعدَةُ إذْ أَضَاءَهُمَا الْوَقُودُ
[(أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)]
(أُولئِكَ عَلى هُدىً): الجملة في محل الرفع إن كان (الذين يؤمنون بالغيب) مبتدأ وإلا فلا محلّ لها. ونظم الكلام على الوجهين: أنك إذا نويت
_________________
(١) ـ وقال الراغب: اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال: عِلم يقينٍ، ولا يقال: معرفة يقينٍ، وهو سكون النفس مع ثبات الحكم، يقال: استيقن وأيقن. قوله: (لحب المؤقدان) البيت لجرير. وموسى وجعدة ابناه، وهما عطفا بيانٍ لقوله: "المؤقدان" كانا يوقدان نار القرى، وقوله: "إذ أضاءهما" بدل اشتمال منهما، يحمد فعالهما ويشكر صنيعهما، المعنى: حبب الله إلي وقت إضاءة وقودهما إياهما، ونحوه في البدل قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ) [مريم: ١٦]، أي: اذكر وقت انتباذهما، واللام في "لحب المؤقدان" للقسم، هكذا روى سيبويه بقلب الواو في "الموقدان"، وموسى همزه. "لحب" يُروى بضم الحاء وفتحها. الجوهري: يُقال: أحبه فهو محب، وحبه يحبه بالكسر فهو محبوبٌ، ولقد حببت بالكسر، أي: صرت حبيبًا. قوله: (وإلا فلا محل لها) من الإعراب، قيل: فيه نظر لأنه لو كان الموصول الثاني مبتدأ، فكذلك محلها الرفع، فالحق أن يقال: إن كان أ؛ د الموصولين مبتدأ، فهو في محل الرفع.
[ ٢ / ١٠٢ ]
الابتداء بـ (الذين يؤمنون بالغيب)؛ فقد ذهبت به مذهب الاستئناف. وذلك أنه لما قيل: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) واختصّ المتقون بأنّ الكتاب لهم هدى، اتجه لسائل أن يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟ فوقع قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) إلى ساقته، كأنه جواب لهذا السؤال المقدّر. وجيء بصفة المتقين المنطوية تحتها خصائصهم التي استوجبوا بها من اللَّه أن يلطف بهم، ويفعل بهم ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم، أى الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم، أحقاء بأن يهديهم اللَّه ويعطيهم الفلاح.
ونظيره قولك: أحبّ رسول اللَّه ﷺ الأنصار الذين قارعوا دونه، وكشفوا الكرب عن وجهه، أولئك أهل للمحبة. وإن جعلته تابعًا للمتقين، وقع الاستئناف على أولئك كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟ فأجيب بأنّ
_________________
(١) وأجيب: أن المصنف في صدد أن يذكر في الآية وجوهًا ثلاثة، ويشير في التقرير إلى بيان الفرق؛ فبنى الكلام أولًا على الوجهين اللذين هما أقوى الوجوه وعليهما تعويل أهل المعاني دون الثالث، ثم سأل نفسه: هل يجوز ذلك التقدير؟ أي: أن يجري الموصول الثاني على الابتداء و"أولئك" خبره، لأن الوجه الأخير لا يحسن حسنهما لخلوه عن الاستئناف ولزوم فك الموصولين. ولهذه اللطيفة قُدِّم الاستئناف المنطوي على بيان الموجب على الآخرة، وكما روعيت هذه اللطيفة روعيت المناسبة بين الوجهين أيضًا حيث قال أولًا: "نويت" مقرونةً بإذا، وثانيًا: "وإن جعلته تابعًا" وإنما كان الوجه الأول أحسن الوجوه لما ذكرنا من بيان الموجب، ولإيقاع "أولئك" خبرًا له، وهو أيضًا موجبٌ كما سيجيء. قوله: (ما للمستقلين بهذه الصفات)، الأساس: ومن المجاز: هو مستقلٌ بنفسه: إذا كان ضابطًا لأمره. النهاية: يقال: أقل الشيء يُقله، واستقله يستقله، إذا رفعه وحمله، وفي الحديث: "حتى تقالت الشمس" أي: استقلت في السماء، وارتفعت وتعالت.
[ ٢ / ١٠٣ ]
أولئك الموصوفين، غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا، وبالفلاح آجلا. واعلم أنّ هذا النوع من الاستئناف يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث، كقولك: قد أحسنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان
_________________
(١) أي: ما للمتقين الذين هذه المذكورات حدهم، أو ما للكاملين بهذه الصفات؟ وقد راعى فيه معنى لا يلزم منه الموجب، بخلافه في الأول فليتدبر. ولإفادة اللام الاختصاص: أعني في "المتقين"، قال في هذا الوجه: "أن يفوزوا دون الناس"، وفي الأول: "بمن ليسوا على صفتهم" وقال أولًا: "استوجبوا" بناءً على مذهبه، وثانيًا: "غير مستبعدٍ أن يفوزوا" لأن الأول مبني على العلية، ثم الأنسب أن يجرى "المتقين" في الوجه الأول على الحقيقة، وهم الثابتون على التقوى، ليستقيم قوله: "استوجبوا بها من الله أن يلطف بهم"، وفي الثاني على المجاز، كما قال: (هُدىً) للصائرين إلى الهدى بعد الضلال، فيستقيم قوله: "غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلًا". قوله: (هذا النوع) الإشارة بـ"هذا" إلى المذكور قبلُ، فإنه لا يخرج عن هذين القسمين، ويُفهم منه أن من الاستئناف أنواعًا تأتي على غير هذا النوع، ومن قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) [البقرة: ١٥] بعد قوله: (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) [البقرة: ١٤]، وغير ذلك. قوله: (زيدٌ حقيقٌ بالإحسان) جوابٌ عن قول من قال- إذا قُلت: أحسنت إلى زيدٍ: ما له أُحسن إليه؟ أي: هو حقيقٌ بالإحسان لما فيه من الخصال المرضية والخلال الحميدة كما في الوجه الثاني في تفسير الآية؛ لأن الوصف حينئذٍ حده، أو مدحه لقوله: "ما للمستقلين بهذه الصفات"، وقولك: صديقك القديم، جوابٌ عن قوله- حين قلت له: أحسنت إلى زيد: ما له أحُسِنُ إليه ولم يستوجب مني الإحسان؟ أي: استوجب منك الإحسان لكونه
[ ٢ / ١٠٤ ]
وتارةً بإعادة صفته، كقولك: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك فيكون الاستئناف بإعادة الصفة أحسن وأبلغ، لانطوائها على بيان الموجب وتلخيصه. فإن قلت: هل يجوز أن يجرى الموصول الأوّل على المتقين، وأن يرتفع الثاني على الابتداء و(أولئك) خبره؟
_________________
(١) ـ صديقًا لك، كما في الوجه الأول، لأن الصفة حينئذٍ لغير الكشف والمدح، لقوله: "ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم"؛ فعلى الأول استحق الإحسان لما هو فيه، وعلى الثاني لما له عليك، وهذا أبين في تلخيص الموجب، لتخصيصه، أي: بما يستحق عليك الإحسان، ولكن ذاك أدخل في التمدح كأن ذاته لكونها مستجمعةً للخلال المرضية مستحقةٌ للإحسان. على أن (أُولَئِكَ) في الآية ليس كالمثال، فإن إيراد اسم الإشارة هنا، كإعادة الموصوف مع صفاته المذكورة، وذلك أن "المتقين" لما حكم عليهم بكون الكتاب هُدى لهم، ثم أجرى عليهم تلك الصفات شيئًا فشيئًا، كما ذكر في "الفاتحة" مُيزوا غاية التمييز، فاستحقوا لذلك التمييز التام أن يفوزوا بالهدى عاجلًا، وبالفلاح آجلًا. ويؤيد هذا التأويل قول القاضي: إذا كان (أُولَئِكَ) استئنافًا، كان نتيجة الأحكام والصفات المتقدمة. تم كلامه. فَوِزان قوله تعالى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢] إلى قوله: (يُنْفِقُونَ) وزانُ قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة: ٢] إلى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: ٤]، ووزان قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: ٥] وزان قوله: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: ٥]، وها هنا سرٌ دقيقٌ وهو: أنه تعالى حكى في مفتتح كتابه الكريم مدح العبد لبارئه بسبب إحسانه إليه، وترقى فيه ثم مدح الباري هاهنا عبده بسبب هدايته له، وترقى فيه على أسلوبٍ واحد.
[ ٢ / ١٠٥ ]
قلت: نعم، على أن يجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضًا بأهل الكتاب
_________________
(١) قوله: (نعم على أن يُجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضًا) يعني: إنما يجوزُ ذلك إذا جُعل الغرض في بناء (أُوْلَئِكَ) على "الذين"، ودلالة الاختصاص الذي يُعطيه معنى التركيب، التعريض بأهل الكتاب؛ ليكون قطع الكلام من الأول، وجعله جملةً بحيالها، والعدول من تلك المواقع المستحسنة لغرضٍ صحيح. فإن قلت: هل يجوز أن يكون (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى) على الوجهين السابقين تعريضًا؟ قلت: ليس بواضح، لأن الغرض في الاستئناف الأول بيان موجب أن الكتاب هدىً لهم، أي: إنما كان الكتاب هدى لهم، لأنهم على هدىً لا يكتنه كنهه. وفي الاستئناف الثاني بيان جزاء أولئك الموصوفين بتلك الصفات الفائقة، فوجب أن يقال: لهم الهدى عاجلًا، والفلاح آجلًا. نعم لو أريد التعريض على سبيل الإدماج لجاز، بخلافه في تلك الصورة؛ لأن الغرض الأول هو التعريض. قال: "إذا كان الكلام منصبًا إلى غرضٍ من الأغراض، جُعل سياقه له وتوجهه إليه كأن ما سواه مرفوضٌ مطرح". وذهب صاحب "المفتاح": إلى أن الجملة على هذا من مستتبعات (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، وقدره: "هو هدى"، وقال (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) تقريرٌ وتوكيدٌ لقوله: (لَا رَيْبَ فِيهِ). فعُلم منه أنه على الوجوه السابقة كان مستتبعًا للمتقين، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يراد بالمتقين: الضالون الصائرون إلى الهدى كما في الوجه الثاني من الكتاب، فعطف هذه الجملة على السابقة على سبيل الحصول والوجود وتفويض الترتب إلى الذهن. يعني: إذا كان الكتاب هدى للضالين الصائرين إلى الهدى، فلأن يكون هدىً للذين شرعوا وصدقوا ما يجب تصديقه أحرى وأولى.
[ ٢ / ١٠٦ ]
الذين لم يؤمنوا بنبوّة رسول اللَّه ﷺ، وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند اللَّه. وفي اسم الإشارة الذي هو (أولئك) إيذان بأنّ ما يرد عقيبه فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عدّدت لهم،
_________________
(١) ـ وثانيهما: أن يُراد بهم الثابتون على التقوى كما في الوجه الأول، فالعطف حينئذٍ من حيث الجملة لا بالنظر إلى أنها مؤكدةٌ للسابق إذ لا تحسن هذه أن تكون مؤكدةً مثلها، بل تكون مستطردةً ولا يمنع العاطف من الاستطراد كما في قوله: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف: ٢٦] وتقريره: أنه لما قيل: إن الكتاب هدىً للمتقين الموصوفين بتلك الصفات النابهة، استتبع هذا الحديث حديث أهل الكتاب الذين جمعوا بين الإيمان بهذا الكتاب الكريم وبجميع ما نزل من الكتب السماوية، فأورد في الذكر على طريق التخصيص تعريضًا بمن لم يؤمن منهم. قوله: (فالمذكورون قبله أهلٌ لاكتسابه) معنى كونهم على هدىً وحصول الفلاح لهم أمارةٌ لاستئهالهم للهدى والفلاح، لأجل اتصافهم بتلك الصفات، وهذا إنما يقع موقعه إذا اعتبر الاستئناف من قوله: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى) [البقرة: ٥] كما سبق تقريره آنفًا لا من قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: ٣] لأنه يلزم من إجراء الأوصاف على المتقين استئهالهم الهدى والفلاح، ويلزم من الاستئناف كون الكتاب هدىً، اللهم إلا أن يُجعل الموجب مركبًا. ولعل المقصود من ركوب الاستئناف الأول تقرير المذهب؛ يعني: إنما كان الكتاب هدىً للمتقين، لكونهم على هدىً وأي هدىً! فاستوجبوا لذلك أن يهتدوا بالكتاب، لأنهم أوجبوا على الله الهداية بعملهم كما قال: "بخصائصهم التي استوجبوا من الله أن يلطف بهم". وقوله: (فالمذكورون قبله) واردٌ على مذهب الأخفش، وهو: أنّ "إنَّ" و"أنَّ" لا يمنعان دخول الفاء في خبر المبتدأ، فهو كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ) [البروج: ١٠] ولكن معناه معنى قوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل: ٥٣] ألا ترى أنك لو جعلت مضمون قوله: (فَمِنَ اللَّهِ) هو المشروط، لكان المعنى:
[ ٢ / ١٠٧ ]
كما قال حاتم: وللَّه صعلوك ثم عدّد له خصالا فاصلة، ثم عقب تعديدها بقوله:
فَذلِكَ إنْ يَهْلِكْ فَحسْبى ثَنَاؤُهُ … وَإنْ عاشَ لَمْ يَقْعُدْ ضَعِيفًا مُذَمَّمَا
_________________
(١) أن استقرارها بهم سببٌ لحصولها من الله، وهو من التعكيس، وإذا جعلت الإخبار بنفس الجزاء هو المشروط كما تقول: والذي استقر بكم من نعمةٍ فإني أُخبركم أنه من الله، استقام. كذا هاهنا ورود ما ورد عقيب أولئك سبب الإخبار أن المذكورين أهلٌ لاكتسابه. قوله: (ثم عدد له خصالًا فاضلةً) إشارةً إلى سائر الأبيات، وهي: ولله صعلوكٌ يساور همه … ويمضي على الأحداث والدهر مقدما فتى طلباتٍ لا يرى الخمص ترحةً … ولا شبعةً إن نالها عد مغنما إذا ما رأى يومًا مكارم أعرضت … تيمم كبراهن ثمت صمما ترى رُمحه أو نبله أو مجنه … وذا شُطبٍ عضب الضريبة مخذما وأحناء سرج قاترٍ، ولجامه … عتاد فتى هيجا وطرفًا مسوما فذلك إن يهلك فحسني ثناؤه … وإن عاش لم يقعد ضعيفًا مذمما "ولله صعلوكٌ" كقولك: ولله القائل، ولله أنت، أي: لله القدرة على خلق قائل هذا الكلام، وهذا يُقال عند صدور كلامٍ غريب وفعلٍ عجيب. والتقدير: أنت صنيعه ومختاره، فله القدرة على خلق مثلك. الصعلوك: الفقير، وصعاليك العرب: ذؤبانها أي: الذين يتلصصون. المساورة: المواثبة، والخمص: الجوع، والترح: الشدة. شطبة السيف: طريقته التي في متنه، خذمه: قطعه بسرعة، وسيفٌ مخذم وخذم: قطاع.
[ ٢ / ١٠٨ ]
ومعنى الاستعلاء في قوله: (عَلى هُدىً) مثل لتمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه، وتمسكهم به. شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه. ونحوه: هو على الحق وعلى الباطل. وقد صرّحوا بذلك في قولهم: جعل الغواية مركبًا،
_________________
(١) ـ أعرضت، أي: ظهرت واستبانت. قاتر: واقٍ لا يعقر ظهر الفرس، وحسنى: مصدر بمعنى حسنٍ، مثل بُشرى بمعنى بشارة، وقيل: هو اسمٌ من الإحسان. يقول: لله در فقيرٍ يواثب همته ويمضي مقدمًا على الدهر، والحال أنه فتى طلباتٍ يتجدد طلبه كل ساعة، والدهر يسعف بمطلوبه بجده ورشده، ولا يرى الجوع شدةً، ولا الشبع غنيمةً، لعلو همته، فمثله إن يهلك فحسنٌ ثناؤه، وإن يعِشْ يعِشْ ممدوحًا معززًا. قوله: (مثلٌ لتمكنهم) أي: هو استعارةٌ تمثيليةٌ واقعةٌ على سبيل التبعية، يدل عليه قوله: "شُبهت حالهم": وتقريره أن يُقال: شبهت حالهم وهي تمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه، وتمسكهم به، بحال من اعتلى الشيء وركبه، ثم استعير للحالة التي هي المشبه المتروك كلمة الاستعلاء المستعملة في المشبه به. ويدلك على أن الاستعارة التبعية تمثيليةٌ الاستقراء، وبه يشعر قول صاحب "المفتاح" في استعارة لعل: فتشبه حال المكلف وكيت وكيت بحال المرتجي المخير إلى آخره. وليكن هذا المعنى على ذكر منك لينبهك على أن أحد وجهي المجاز في (خَتَمَ اللهُ) [البقرة: ٧] من الاستعارة والتمثيل على هذا. قوله: (وقد صرحوا بذلك) أي: بإرادتهم معنى الاستعلاء والركوب فيما يُشبه الآية، وقولهم: "هو على الحق وعلى الباطل" من قولهم: "جعل الغواية مركبًا" أي: كالمركب، فهو من التشبيه. وقالوا: "امتطى الجهل" أي: اتخذ الجهل مطيةً، وهو أيضًا تشبيه، وأما قوله: "واقتعد
[ ٢ / ١٠٩ ]
وامتطى الجهل، واقتعد غارب الهوى. ومعنى (هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) أى منحوه من عنده وأوتوه من قبله، وهو اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير، والترقي إلى الأفضل فالأفضل. ونكر (هدى)،
_________________
(١) غارب الهوى" فهو استعارةٌ: إما تحقيقيةٌ أو تخييليةٌ. و"اقتعد" ترشيحٌ لها نحو قوله: وعُري أفراس الصبا ورواحله قوله: (ومعنى (هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ» مبتدأ، و"منحوه من عنده" خبره، فأقحم "أي"التفسيرية، لمزيد البيان، أو معنى هدىً من ربهم هذا القول، فحذف القول وجيء بتفسيره كما سيجيء في قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) [البقرة: ١١]. قوله: (أي: منحوه من عنده وأوتوه من قبله) يعني: أن "من" هاهنا لابتداء الغاية فلا يصح إلا بتقدير "عند" نحو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) [الأعراف: ٢٠٦]، وهو أيضًا لا يصح إلا بالكناية، فيرجع حاصله: أوتوه من قِبَله، أي: بتوفيقه ولطفه، واللطف ما يختار عنده المكلف الطعة على مذهبه، وسيجيء تحقيقه بعد هذا. قوله: (والترقي إلى الأفضل فالأفضل) والفاء مثلها في قوله صلوات الله عليه: "الأمثل فالأمثل"، فهي للتعقيب على سبيل الاستمرار إلى ما لا نهاية له. المعنى: إذا ساعدتهم ألطاف الله، وتداركهم توفيقه، اقتدروا على عملٍ من الأعمال الحسنة، وهذا العمل يستنزل لهم لُطفًا جديدًا أفضل منه، فيستجدوا به عملًا أعلى من ذلك،
[ ٢ / ١١٠ ]
ليفيد ضربا مبهمًا لا يبلغ كنهه، ولا يقادر قدره كأنه قيل: على أى هدى، كما تقول: لو أبصرت فلانا لأبصرت رجلا. وقال الهذلي:
_________________
(١) ـ فعلى هذا، فاللطف يدعو إلى العمل، والعمل إلى استجلاب اللطف، فلا يزال اللطف والعمل يتناوبان حتى يتمكنوا على الأعمال، فتصير فيهم صفةً راسخة. وإليه ينظر ما روي: "من عمل بما علم، ورثه الله علم ما لم يعلم". وروي عن الجنيد: "الحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة، والذنب بعد الذنب عقوبة الذنب". قوله: (لا يبلغ كنهه)، الأساس: سله عن كنه الأمر: عن حقيقته وكيفيته، واكتنه الأمر: بلغ كنهه وغايته. قوله: (لا يقادر قدره)، الأساس: قدرت الشيء أقدره، وهذا شيءٌ لا يقادر قدره، وقدرت أن فلانًا يفعل كذا، وفلانٌ يقادرني: يطلب مساواتي، وتقادر الرجلان: طلب كل واحدٍ مساواة الآخر.
[ ٢ / ١١١ ]
فَلَا وَأَبِي الطّيْرِ المُرِبَّةِ بالضُّحَى … عَلى خالِدٍ لَقدْ وَقَعْتِ على لَحَم
والنون في: (مِنْ رَبِّهِمْ) أدغمت بغنة وبغير غنة. فالكسائى، وحمزة، ويزيد، وورش في رواية والهاشمي عن ابن كثير لم يغنوها. وقد أغنها الباقون إلا أبا عمرو. فقد روى عنه فيها روايتان. وفي تكرير (أُولئِكَ) تنبيه على
_________________
(١) قوله: (فلا وأبي الطير المربة) البيت: نقل عن المصنف أنه كان يقول: ما أفصحك يا بيت المربة! أي: الملازمة، من أرب بالمكان: إذا أقام به، وقد كان خالدٌ هذا رفيع الشأن، على القدر، فاستعظم لحمه حيث نكره، وبسبب تعظيمه اللحم استعظم الطير الواقعة عليه، حيث أقسم بأبيها؛ والإقسام بالشيء دليلٌ على تعظيمه، وكذلك الكُنى تدل على التعظيم. ثم إن جعلت "لا" زائدةً، كان جواب القسم: "لقد وقعت"، وفيه إشعارٌ من حيث الالتفات بالتعظيم، ومن حيث إن سبب الإقسام بها كونها واقعةً على ذلك اللحم فيه تعظيم الشيء بنفسه، فيعود إلى معنى قول الطائي: وثناياك إنها إريض. وقوله تعالى: (حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا) [الزخرف: ١ - ٣]، وإن لم تُجعل "لا" زائدةً بل ردًا لكلامٍ سابقٍ، أي: ليس الأمر كما زعمت وحق أبي الطير، يكون جواب القسم ما دلت عليه "لا"، ثم ابتدأ بإنشاء قسم آخر، أي: والله لقد وقعت على لحمٍ، كقوله تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) [القيامة: ١] فيكون صفةً للطير على تأويل: الطير المقول في حقه ذلك.
[ ٢ / ١١٢ ]
أنهم كما ثبتت لهم الأثرة بالهدى، فهي ثابتة لهم بالفلاح فجعلت كلّ واحدة من الأثرتين في تمييزهم بالمثابة التي لو انفردت كفت مميزة على حيالها. فإن قلت: لم جاء مع العاطف؟ وما الفرق بينه وبين قوله: (أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) [الأعراف: ١٧٩] قلت: قد اختلف الخبران هاهنا فلذلك دخل العاطف،
_________________
(١) ـ قوله: (كما ثبتت لهم) لا يجوز أن تُحمل "الكاف" على التشبيه؛ لأن "الفاء" التي في قوله: "فهي" مانعةٌ من جعل ما بعدها مشبهًا به، بل "الكاف" للقِران في الوقوع كما في قولك: كما حضر زيدٌ قام عمروٌ، والمعنى: كما حصلت الأثرة بالهدى ما توقف حصول الفلاح عقيبه؛ جعل الفلاح المتوقع في الآجل حاصلًا مع حصول الهدى في العاجل، مبالغةً، وما اكتفى بذلك، بل غير العبارة، وأبرز الجملة الثانية وهي قوله: "فهي ثابتةٌ" في معرض الاسمية وبناها على تقوي الحكم ليشير به إلى مبالغةٍ أخرى في الآية سوى التكرار، وهي تعريف ما يعطيه الخبر، وتوسيط الضمير في الجملة الثانية بخلاف الأولى. قوله: (الأثرة بالهدى) الأثرة: التقدم والاختصاص؛ من الإيثار، الأساس: ولهم مآثر، أي: مساع يأثرونها عن آبائهم، وهو أثيري، أي: الذي أوثره وأقدمه، وله عندي أثرةٌ، وهو ذو أثرةٍ عند الأمير. قوله: (على حيالها)، الجوهري: قعد حياله وبحياله، أي: بإزائه. وأصله الواو. المغرب: وأعطى كل واحدٍ على حياله، أي: بانفراده. قوله: (قد اختلف الخبران) أي: الجملتان الواقعتان خبرين عن (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) فإن معنى (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى): أنهم متمكنون الآن على الهداية، ومعنى (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أنهم في الآخرة يفوزون بمباغيهم ومآربهم، فبينهما اختلافٌ من وجهٍ، واتفاقٌ من وجه، فتوسطت
[ ٢ / ١١٣ ]
بخلاف الخبرين ثمة فإنهما متفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيهم بالبهائم شيء واحد، فكانت الجملة الثانية مقرّرة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل (وهُمُ): فصلٌ، وفائدته: الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة، والتوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره. أو هو مبتدأ و(المفلحون) خبره، والجملة خبر أولئك.
ومعنى التعريف في (الْمُفْلِحُونَ): الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين عنهم بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنسانا قد تاب من أهل بلدك، فاستخبرت من هو؟ فقيل زيد التائب، أى هو الذي أخبرت بتوبته. أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين،
_________________
(١) بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع، فدخل العاطف، بخلافه في قوله تعالى: (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ) [الأعراف: ١٧٩] الآية، هذا إذا قدروا الاستئناف من قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)، وأما إذا قُدر من "أولئك" فالمراد بالخبرين الإخبار. والأظهر أن المراد بالخبرين قوله: (عَلَى هُدًى) وقوله: (هُمُ الْمُفْلِحُونَ)؛ فاختلافهما يؤدي إلى اختلاف الجملتين، وإن اتحد المبتدأ فيهما، وكذلك اتفاقهما في تلك الآية يوجب اتفاق الجملتين. قوله: (أو هو مبتدأٌ و(الْمُفْلِحُونَ) خبره) فعلى هذا تكون الجملة من باب تقوّي الحكم، أو من التخصيص على نحو: هو عارف. قوله: (ومعنى التعريف) مبتدأٌ و"الدلالة" الخبر. وفي قوله: "هم الناس الذين بلغك" إشارةٌ إلى أن التعريف للعهد. وفي قوله: (أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين) دلالةٌ على أن التعريف في هذا الوجه للجنس، فإذا جُعل للعهد كان قصرًا للمسند على المسند إليه، فالفلاح لا يتعدى إلى
[ ٢ / ١١٤ ]
وتحققوا ما هم، وتصوّروا بصورتهم الحقيقية، فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة. كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام؟ إن زيدًا هو هو. فانظر كيف كرّر اللَّه ﷿ التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى، وهي: ذكر اسم الإشارة، وتكريره، وتعريف المفلحين، وتوسيط الفصل بينه وبين أولئك ليبصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوا، وينشطك لتقديم ما قدّموا، ويثبطك عن الطمع الفارغ والرجاء الكاذب،
_________________
(١) ـ غيرهم، وإذا جُعل للجنس، أفاد أن المسند إليه مقصورٌ على المسند، فلا يعدون من الفلاح إلى صفةٍ أخرى، فيلزم على الأول اختصاصهم بالفلاح دون غيرهم. ولما كان الكلام واردًا على التعريض بأهل الكتاب يعود عدم الفلاح إليهم. قوله: (وتحققوا ما هم) أي: أيّ شيءٍ هم؟ وهذه الجملة مفعولٌ ثانٍ لتحققوا وهو متضمنٌ لمعنى العلم، كأنه قيل: وعلموا أي شيءٍ هم، وهذا لا يسمى تعليقًا، وإنما التعليق أن يقع بعده ما يسد مسد المفعولين جميعًا كقولك: علمت أيهما عمروٌ، وعلمتُ أزيدٌ منطلقٌ أم عمرو، وإذا قلت: علمت أزيدٌ منطلقٌ أم هو كاتبٌ، كانت هذه الجملة واقعةً موقع ثاني مفعولي علمت. قوله: (وتصوروا بصورتهم) أي: لو قُدر أن معنى المفلحين تصور بصورته الحقيقية، فالمتقون لا يعدون تلك الحقيقة، وهذا معنى قولنا: إن المسند إليه مقصورٌ على المسند، ويقرب منه قول الطائي: ولو صورت نفسك لم تزدها … على ما فيك من كرم الطباع قوله: (ويثبطك عن الطمع الفارغ، والرجاء الكاذب) وهذا تلويحٌ إلى الوعيد.
[ ٢ / ١١٥ ]
والتمني على اللَّه ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته.
اللهمّ زينا بلباس التقوى، واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة.
_________________
(١) وقوله: (والتمني على الله ما لا تقتضيه حكمته) معناه: توقع الثواب من غير عملٍ باطلٌ، لامتناع الثواب بدون العمل على مذهبه، وتلخيص كلامه: أن المتقي من صدر منه تلك الخصال المذكورة، فمن أخل بشيءٍ منها لم يكن متقيًا، ومن لم يكن متقيًا لم يكن مفلحًا، بدليل تكرير ما كُرر، ومن لم يكن مفلحًا، لا خلاص له من العذاب السرمد. وأجاب القاضي: المراد بالمفلحين: الكاملون في الفلاح، ويلزم عدم كمال الفلاح لمن ليس على صفتهم، لا عدم الفلاح رأسًا. وقلت: يمكن أن يقال: إن قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: ٣] صفةٌ مادحةٌ، أو مخصصةٌ على ما قررناه، لا كاشفةٌ ولا مخصصة على ما ذكره من التفسير للمتقي لما أبطلناه، وأن المراد بالمتقين المجتنبون عن الشرك، فيدخل العاصي في هذا الحكم، وهذا التأويل أوفق لتأليف النظم مما ذهب إليه المصنف لدخول أكثر المسلمين في الحكم، فتتطابق هذه الآية وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ) [البقرة: ٦] وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ) [البقرة: ٨] ويحسن تقسيمه. افتتح سبحانه بذكر الذين أخلصوا دينهم، وواطأت قلوبهم ألسنتهم، ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهرًا وباطنًا، ثم ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، إذ لو حُمل على ما قال، لم يدخل فيه سوى الأفراد منهم كقوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: ١٣]. فإن قلت: كيف جاز أن يكون العاصي مفلحًا؟
[ ٢ / ١١٦ ]
والمفلح: الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه. والمفلج - بالجيم - مثله. ومنه قولهم المطلقة: استفلحى بأمرك بالحاء والجيم. والتركيب دال على معنى الشق والفتح، وكذلك أخواته في الفاء والعين، نحو: فلق، وفلذ، وفلى.
_________________
(١) قلت: كما جاز أن يكون مصطفىً في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) [فاطر: ٣٢]، وروينا عن رسول الله ﷺ: "لو جُعل القرآن في إهابٍ ثم أُلقي في النار ما احترق"، أخرجه الدارمي عن عقبة بن عامر. هذا مثلٌ لبركة مجاورته، فكيف بالمؤمن الذي تولى حفظه وتفسيره وإن كان عاصيًا. وروينا عن البخاري ومسلمٍ والترمذي، عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل، فبشرني أنه من مات من أمتك لا يُشرك بالله شيئًا، دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق! ". وفي رواية: أنه ﷺ قال: "ما مِن عبدٍ قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق! ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر". قوله: (استفلحي) أي: فُوزي بأمرك واستبدي؛ وهو من كنايات الطلاق.
[ ٢ / ١١٧ ]
[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)].
لما قدّم ذكر أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم التي أهلتهم لإصابة الزلفى عنده، وبين أن الكتاب هدى ولطف لهم خاصة، قفى على أثره بذكر أضدادهم وهم العتاة المردة من الكفار الذين لا ينفع فيهم الهدى، ولا يجدى عليهم اللطف،
_________________
(١) ـ روى في "الفائق" عن ابن مسعود: إذ قال الرجل لامرأته: استفلحي بأمرك والحقي بأهلك، فقبلت، فواحدةٌ بائنة. أي: استبدي به، واقتطعيه إليك من غير أن تنازعيه. وقال أيضً: كل ما فيه فاءٌ ولامٌ ففيه معنى الشق، فلق الصبح، أي: شق، وفلذ، أي: قطع، وفلى، هو من فلوته عن أمه، إذا فطمته، وفلوته بالسيف وفليته إذا ضربته به. قال الراغب: الفلح: الشق، وقيل: الحديدُ بالحديد يفلح، أي: يشق، والفلاح: الأكار، وكذلك الفلاح: الظفر وإدراك البغية، وذلك ضربان: دنيوي وأخروي، فالدنيوي: الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا، وهو البقاء والغنى والعز، وفلاحٌ أخروي وذلك أربعة اشياء: بقاءٌ بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعزٌّ بلا ذل، وعلمٌ بلا جهل، ولذلك ورد: "لا عيش إلا عيشُ الآخرة"، وقال تعالى: (وإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) [العنكبوت: ٦٤]، وقال: (أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: ٢٢].
[ ٢ / ١١٨ ]
وسواء عليهم وجود الكتاب وعدمه، وإنذار الرسول وسكوته. فإن قلت: لم قطعت قصة الكفار عن قصة المؤمنين ولم تعطف كنحو قوله: (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) وغيره من الآي الكثيرة؟ قلت: ليس وزان هاتين القصتين وزان ما ذكرت: لأن الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب وأنه هدى للمتقين، وسيقت الثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت، فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب، وهما على حدّ لا مجال فيه للعاطف
_________________
(١) ـ قوله: (تباينٌ في الغرض والأسلوب)، أما الغرض فلأن الأولى مسوقةٌ لوصف الكتاب بكونه هاديًا كاملًا في بابه، بالغًا في إيصال المهديين إلى منتهى مباغيهم، والثانية واردةٌ لذم الكفار، وأن إنذارهم بالكتاب لا ينفع فيه، وأما الأسلوب، فلأن الثانية مصدرةٌ بحرف التوكيد التي يُتلقى بها الطالب أو المنكر عريةً عن الفنون البيانية والصنعة البديعية المستدعية، لذلك توخى العطف كقوله: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الانفطار: ١٣ - ١٤]، وإن فيها صنعة التقابل والترصيع، فإن العطف بين الجملتين جائزٌ بشرط رعاية التناسب، وبين المفردين بشرط اتحاد التصورات. قوله: (لا مجال للعاطف فيه) قيل: فيه نظر، لأن قوله: "سواءٌ وجود الكتاب وعدمه" مشعرٌ بأنها مسوقةٌ لوصف الكتاب. قلت: المطلوب من الوصف هنا تعظيم الكتاب وتفخيم شأنه، فإن الموصوف إنما يكتسب المدح إذا كانت الصفة صالحة للتمدح بها. ولا شك أن كون الكتاب غير منتفعٍ به للمصرين على الكفر لا يصلح للمدح، لأن القصد من سوق الآيات مدح الكتاب. وأما قوله: "سواءٌ وجود الكتاب وعدمه" بيانٌ لنظم الآي، وأن ذكر الكفار على سبيل
[ ٢ / ١١٩ ]
فإن قلت: هذا إذا زعمت أن الذين يؤمنون جار على المتقين، فأمّا إذا ابتدأته وبنيت الكلام لصفة المؤمنين، ثم عقبته بكلام آخر في صفة أضدادهم، كان مثل تلك الآي المتلوّة. قلت: قد مرّ لي أن الكلام المبتدأ عقيب المتقين سبيله الاستئناف، وأنه مبنىّ على تقدير سؤال،
_________________
(١) ـ الاستطراد لذكر المؤمنين، وكون الكتاب هاديًا لهم كما قال صاحب المفتاح: هذا كما يكون في حديث ويقع في خاطرك بغتةً حديثٌ آخر بينهما جامعٌ، لكن غير ملتفتٍ إليه لبُعد مقامك عنه، ويدعوك إلى ذكره داعٍ، فتورده مفصولًا. قوله: (كان مثل تلك الآي) يعني قوله: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الانفطار: ١٣ - ١٤] ونحوها لانقطاعها عما قبلها، وابتداء جملةٍ أخرى متآخيةٍ لما بعدها بالتقابل، فإذن لا يمتنع إدخال العاطف بينهما. وخلاصة الجواب: أن (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية [البقرة: ٦] ليست على منوال (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: ٣] لا صفةً ولا استئنافًا كما سبق. نعم، هي واردةٌ على الاستئناف استطرادًا لا مدحًا، لأن "إنّ" مستدعيةٌ للطلب أو الإنكار، لكونها لتأكيد النسبة كأنه لما قيل: إن الكتاب هادٍ للمتقين، وموصلٌ لهم إلى مباغيهم، تردد السامع في هذا الاختصاص قائلًا: لم اختص المتقون بتلك الهداية؟ وما بال الكفرة محرومين عنه؟ فقيل: لأن الذين كفروا مُصرون على كفرهم، وأن الله ختم على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. والحاصل: أن هذه الآية تابعةٌ للتابع وهو "الذين يؤمنون" لا صفةٌ للكتاب، لأنها لا يصلح للتمدح بها مثلها، فتدبر.
[ ٢ / ١٢٠ ]
فذلك إدراج له في حكم المتقين، وتابع له في المعنى وإن كان مبتدأ في اللفظ فهو في الحقيقة كالجارى عليه.
والتعريف في الَّذِينَ كَفَرُوا يجوز أن يكون للعهد،
_________________
(١) ـ قوله: (إدراج) يعني: هو تعليل للحكم، كأنه قيل: الكتاب هدىً للمتقين؛ لاختيارهم تلك الفضائل النابهة، وكذا حكمه إذا جعل وصفًا له، لما عرفت أن ترتب الحكم على الوصف المناسب يُشعر بالعلية، فتدبر. قوله: (والتعريف في (الَّذِينَ كَفَرُوا» يعني المراد بالذين كفروا قومٌ بأعيانهم فيطابقه قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ) [البقرة: ٦] فإذن لا إشكال فيه، ويجوز أن يكون التعريف للجنسن فيكون اللفظ بظاهره متناولًا لكل من صمم ولمن لم يصمم، كالمشترك، ويكون قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ) قرينةً مبينةً لأحد مفهوميه. قال القاضي: وتعريفُ الموصول للجنس متناولٌ لمن صمم على الكفر وغيرهم، فخص منهم غير المصرين بما أسند إليهم. وقلت: حملُ قول المصنف على المطلق والمقيد أظهر عنده من الحمل على الخاص والعام، يدل عليه قوله في تفسير قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) [البقرة: ٢٢٨]: أراد ذوات الأقراء. فإن قلت: كيف جاز إرادتهن خاصةً واللفظ يقتضي العموم؟ قلت: بل هو مطلقٌ في تناول الجنس صالحٌ لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك، وذلك أن دليل الخصوص عند الحنفية جملةٌ مستقلةٌ بنفسها، نص عليه
[ ٢ / ١٢١ ]
وأن يراد بهم ناس بأعيانهم كأبى لهب وأبى جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وأن يكون للجنس متناولا كلّ من صمم على كفره تصميما لا يرعوى بعده وغيرهم، ودل على تناوله للمصرين الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم، و(سَواءٌ) اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر
_________________
(١) البزدوي بقوله: "دليل الخصوص يشبه الناسخ بصيغته؛ لأنه نص قائمٌ بنفسه"، فعلى هذا: "إن الذين كفروا" لفظٌ مطلقٌ يتناول كل من صمم على الكفر ومن لم يصمم؛ فدل على تناوله- أي: إرادته- المصرين هاهنا حديث استواء الإنذار وتركه، ودل على تناوله المنافقين انضمام قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: ٨] معها. قوله: (وأن يراد [بهم] ناسٌ بأعيانهم) عطفٌ تفسيري. قوله: (من صمم)، الجوهري: صمم في السير، أي: مضى، وصمم، أي: عض ونيب فلم يرسل ما عض. قوله: (لا يرعوي)، النهاية: في الحديث "شر الناس رجلٌ يقرأ كتاب الله ولا يرعوي إلى شيءٍ منه" أي: لا يكف ولا ينزجر عن منهياته، وقد ارعوى عن القبيح يرعوي ارعواءً، وقيل: الارعواء: الندم على الشيء والانصراف عنه وتركه. قوله: (كما يُوصف بالمصادر) روي عن المصنف: الوصف بالمصدر نحو رجل صومٌ وعدلٌ على وجهين: أن يقدر مضافًا محذوفًا، أي: ذو صومٍ، وذو عدلٍ، وأن يُجعل أنه تجسيمٌ من الصوم والعدل مبالغةً. والمبالغة ها هنا أن الإنذار وعدم الإنذار نفس السواء.
[ ٢ / ١٢٢ ]
ومنه قوله تعالى: (تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) [آل عمران: ٦٤]، (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ) [فصلت: ١٠] بمعنى مستوية وارتفاعه على أنه خبر لإنّ، و(أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) في موضع المرتفع به على الفاعلية كأنه قيل: إنّ الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه. كما تقول: إنّ زيدا مختصم أخوه وابن عمه.
أو يكون (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) في موضع الابتداء، (وَسَوَاءٌ) خبرًا مقدّما بمعنى: سواء عليهم إنذارك وعدمه، والجملة خبر لإنّ. فإن قلت: الفعل أبدًا خبر لا مخبر عنه فكيف صحّ الإخبار عنه في هذا الكلام؟ قلت: هو من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى، وقد وجدنا العرب يميلون في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلا بينًا،
_________________
(١) قوله: «فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً) [فصلت: ١٠]) بالجر شاذٌ، وبالنصب مشهور. قوله: (من جنس الكلام المهجور) قال القاضي: والفعل إنما يمتنع الإخبار عنه إذا أريد به تمام ما وضع له، أما إذا أطلق، وأريد به اللفظ، أو مطلق الحديث المدلول عليه ضمنًا على الاتساع، فهو كالاسم في الإضافة والإسناد إليه كقوله تعالى: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا) [البقرة: ١٣] وقوله: (يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ) [المائدة: ١١٩] وقولهم: «تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه». وإنما عدل هنا عن المصدر إلى الفعل لما فيه من إيهام التجدد. قوله: (يميلون … مع المعاني)، الأساس: مال معه ومايله ومال إليه: أحبه. والمعنى يميلون مصاحبين المعاني، أو يدورون معها ولا يبالون بالألفاظ كما في قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، عطفوا الاسم على الفعل على تأويل: لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن.
[ ٢ / ١٢٣ ]
من ذلك قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل. والهمزة وأم مجرّدتان لمعنى الاستواء، وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأسًا
_________________
(١) هذا التقدير على غير المتعارف، فإنه قال في قوله تعالى: (وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ) [البقرة: ٤٢]: إن «الواو» بمعنى الجمع، أي: لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق كمسألة السمكة، لكن المعنى يعود إليه، لأن المنهي في الظاهر في قوله: «لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن» هو الأكل والشرب على منوال (فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ) [الأعراف: ٢]، ولا أرينك ها هنا، وإنما المنهي المخاطب بأن يجانب الأكل والشرب على أبلغ وجه، وقد علم جواز الانفراد، فتوجه النهي إلى الجمع لما يورث الداء المحذر منه. وأما بيان الجمع، فهو ما قال صاحب «الضوء»: هذه «الواو» تسمى واو الجمع، وهي بمعنى «مع»، لأن المراد: لا تأكل السمك مع شربك اللبن، وله أن يأكل كل واحدٍ منهما على حدة، وليس له أن يجمع بينهما في وقتٍ واحد، وإن أردت أن تكفه عن كل واحدٍ منهما، قلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن بالجزم، والفعل بعدها مع «أن» المضمرة منصوب المحل على أنه مفعولٌ معه كما في قولهم: ما صنعت وإياك. ونحوه في «الإقليد». قوله: «(والهمزة» و«أم» مجردتان) شروعٌ في التفسير على طريقٍ يؤكد معنى الجواب، لأن معنى «الهمزة» و«أم» أيضًا من جنس الكلام المهجور؛ يعني أن همزة الاستفهام تفيد شيئين: السؤال والاستواء، فإنك إذا قلت: أزيدٌ عندك أم عمرو؟ كان المعنى: أخبرني أيهما عندك؟ و«أخبرني» سؤالٌ، و«أيهما عندك» يؤذن بالاستواء، ألا ترى أن المجيب بأيهما أجاب كان مصيبًا في الجواب. قال صاحب «التقريب»: وفيه نظرٌ، لأنهما لو كانا للاستواء لما أخبر عنه بـ «سواء»، فلعل
[ ٢ / ١٢٤ ]
قال سيبويه: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء قولك: اللهمّ اغفر لنا أيتها العصابة، يعنى أنّ هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء.
ومعنى الاستواء: استواؤهما في علم المستفهم عنهما لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن، إمّا الإنذار وإمّا عدمه، ولكن لا بعينه، فكلاهما معلوم بعلم غير معين. وقرئ: (أَأَنْذَرْتَهُمْ) بتحقيق الهمزتين، والتخفيف أعرب وأكثر،
_________________
(١) ـ المراد: أنهما كانا للاستفهام عن مستويين فجردا عن الاستفهام، بقي أنهما للمستويين، ولا تكرار لإدخال «سواء» عليه، لأن المعنى: أن المستويين في العلم مستويان في عدم النفع، وإنما جردا عن الاستفهام ليقع فاعلًا لسواء، لأن الاستفهام يمنع ذلك لصدارته، ولكونه لأحد الأمرين، والاستواء يقتضي متعددًا، فبالتجريد ارتفع المانعان. قوله: (قال سيبويه: جرى هذا) قال ابن الحاجب: اعلم أن في كلامهم حملًا لمعانٍ في الأصل، ثم نقلوها إلى معان أخر مع تجريدها عن أصل معناها، وهذا في أبوابٍ منها قولهم: سواءٌ علي أقمت أم قعدت، سؤالٌ عن تعيينٍ مع التسوية بينهما، ثم نقل إلى الخبر بمعنى التسوية من غير سؤال، ومنها: قولهم: يا أيها الرجل، أصله تخصيص المنادى بطلب إقباله عليك، ثم نقل إلى معنى الاختصاص مجردًا عن معنى طلب الإقبال في قولك: أما أنا فأفعل كذا يا أيها الرجل. قوله: (بعلمٍ غير معين) صح «معين» بكسر الياء في نسخة المصنف. لعل المراد أن المستفهم كما إذا استفهم بقوله: أزيدٌ عندك أم عمرو؟ يعلم أن أحدهما عنده، لكن لا يعينه ويطلب منه التعيين، كذلك المستفهم بقوله: أأنذرتهم أم لم تنذرهم يعلم أن أحد الأمرين كائنٌ، ولكن لا يعينه، فيجب التأويل، والقول بأن حرف الاستفهام منسلخٌ عن معنى الطلب إلى الاستواء.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وبتخفيف الثانية بين بين، وبتوسيط ألف بينهما محققتين، وبتوسيطها والثانية بين بين، وبحذف حرف الاستفهام، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله، كما قرئ (قَدْ أَفْلَحَ). فإن قلت: ما تقول فيمن يقلب الثانية ألفًا؟ قلت: هو لاحن خارج عن،
_________________
(١) ـ قوله: (وبتخفيف الثانية) عطفٌ على قوله: «بتحقيق الهمزتين» وقوله: «والتخفيف أعرب وأكثر» اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه، إنما قدم للاهتمام، والقراءة بتحقيق الهمزتين لابن عامرٍ وعاصمٍ وحمزة والكسائي «وبتخفيف الثانية بَيْنَ بَيْن» لابن كثيرٍ ونافعٍ وأبي عمرو، وهشامٌ وورشٌ يبدلها ألفًا، والقياس أن تكون بين بين، وابن كثيرٍ لا يدخل بينهما ألفًا، وقالون وهشامٌ وأبو عمروٍ يدخلونها، وبحذف حرف الاستفهام، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله، وهو «عليهم آنذرتهم»، القراءتان شاذتان. قال ابن جني: حذف الهمزة قراءة ابن محيصن وهو للتخفيف، كراهة اجتماع الهمزتين. والقرينة مجيء «أم»، وقد حذف في غير موضع، منه بيت الكتاب: لعمري ما أدري وإن كنت داريًا … بسبع رمين الجمر أم بثمان أي: أبسبع؟ قيل: فلعل في الآية حذف همزة الفعل؟ وأجيب: أنه قد ثبت جواز حذف همزة الاستفهام، وأما حذف همزة الفعل في الماضي، فبعيد. قوله: (ما تقول فيمن يقلب الثانية ألفًا) وهي روايةٌ ثانيةٌ لورش. قوله: (هو لاحنٌ خارجٌ). فإن قلت: هذا طعنٌ فيما هو من القراءات السبع الثابتة بالتواتر، وهو كفر.
[ ٢ / ١٢٦ ]
كلام العرب خروجين: أحدهما الإقدام على جمع الساكنين على غير حدّه - وحدّه أن يكون الأوّل حرف لين والثاني حرفا مدغمًا نحو قوله: (الضالين)،
_________________
(١) قلت: ليس بكفرٍ، لأن التواتر ما نقل بين دفتي مصحف «الإمام»، وهذا من قبيل الأداء، ونحوه المد وتخفيف الهمزة. قال الكواشي: وفي زعمه نظر، من قلب الهمزة ألفًا يشبع الألف إشباعًا زائدًا على مقدار الألف الخارجة عادةً، ليكون الإشباع فاصلًا بين الساكنين، وهما: الألف المقلوبة والنون. وذكر ابن الحاجب في وجه من قرأ «محياي» بإسكان الياء وصلًا، هذا المعنى. وقيل: طريق التخفيف ليس بخطأ، وأنشد للفرزدق: فارعي فزارة لا هناك المرتع أي: هنأك. وقال: حسان: سالت هذيل رسول الله فاحشةً … ضلت هذيل بما قالت ولم تصب وإذا ثبت مثله في كلام الفصحاء ونقل عمن ثبتت عصمته من الغلط، يجب القبول، وأما القراء فهم أعدل من النحاة، فوجب المصير إلى قولهم.
[ ٢ / ١٢٧ ]
وخويصة. والثاني: إخطاء طريق التخفيف لأن طريق تخفيف الهمزة المتحرّكة المفتوح ما قبلها أن تخرج بين بين فأما القلب ألفًا فهو تخفيف الهمزة الساكنة المفتوح ما قبلها كهمزة رأس. والإنذار: التخويف من عقاب اللَّه بالزجر عن المعاصي. فإن قلت: ما موقع (لا يُؤْمِنُونَ)؟ قلت: إمّا أن يكون جملة مؤكدة للجملة قبلها، أو خبرًا لإنّ والجملة قبلها اعتراض.
[(خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)].
الختم والكتم أخوان لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه
_________________
(١) ـ قوله: (وخويصة)، النهاية: في الحديث: «بادروا بالأعمال ستاًّ: وخويصة أحدكم» يريد حادثة الموت التي تخص كل إنسانٍ، وهي تصغير خاصة، وصغرت لاحتقارها في جنب ما بعدها من البعث والعرض والحساب وغير ذلك. والحديث من رواية الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستاًّ: الدخان، والدجال، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم». قوله: (والإنذار: التخويف) قال القاضي: إنما اقتصر عليه، لأنه أوقع في القلب وأشد تأثيرًا في النفس من حيث إن دفع الضر أهم من جلب النفع، فإذا لم ينفع فيهم، كانت البشارة بعدم النفع أولى. قوله: (والجملة قبلها اعتراض) والفرق بين المعترضة والمؤكدة- على أن المعترضة أيضًا مؤكدة-: هو أن المعترضة أحسن موقعًا، وألطف مسلكًا، وفيه مع التوكيد الاهتمام بشأنها لتخللها بين الكلام، وقال القاضي: إذا كانت معترضةً كانت علةً للحكم. قوله: (الختم والكتم أخوان)، الراغب: الختم والطبع: الأثر الحاصل عن نقش، ويتجوز
[ ٢ / ١٢٨ ]
كتمًا له وتغطيةً؛ لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه. والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة. فإن قلت: ما معنى الختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار؟ قلت: لا ختم ولا تغشية ثم على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز،
_________________
(١) به، يقال: ختمت كذا في الاستيثاق من الشيء والمنع منه، نظرًا إلى ما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب، ويقال ذلك، ونعني به بلوغ آخر الشيء نظرًا إلى أنه آخر فعلٍ يفعل به في إحراز الشيء، ومنه قيل: ختمت القرآن. وقد قيل: للإنسان ثلاثة أنواعٍ من الذنوب يقابلها في الدنيا ثلاث عقوباتٍ، الأول: الغفلة عن العبادات، وذلك يورث جسارةً على ارتكاب الذنوب، وهي المشار إليها بقوله: «إن المؤمن إذا أذنب أورث في قلبه نكتةً سوداء، وإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تغلق قلبه». والثاني: الجسارة على ارتكاب المحارم، إما لشهوةٍ تدعوه إليه، أو شرارةٍ تحسنه في عينه، فتورثه وقاحةً، وهي المعبر عنها بالرين في قوله تعالى: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: ١٤]. والثالث: الضلال، وهو أن يسبق إلى اعتقاد مذهبٍ باطل، وأعظمه الكفر، فلا يكون تلفتٌ منه بوجهٍ إلى الحق، وذلك يورثه هيئةً تمرنه على استحسانه المعاصي، واستقباحه للطاعات، وهو المعبر عنه بالختم والطبع في قوله تعالى: (وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ) [الجاثية: ٢٣] و(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [النحل: ١٠٨]، وبالأقفال في قوله تعالى: (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: ٢٤] إلى غير ذلك.
[ ٢ / ١٢٩ ]
ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه وهما الاستعارة والتمثيل. أما الاستعارة فأن تجعل قلوبهم لأن الحق لا ينفذ فيها،
_________________
(١) قوله: (ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه) لا يخلو لفظه عن اتساع ما، لأنه جعل التمثيل نوعًا من المجاز، وقسيمًا للاستعارة. بيانه: أنه إن عنى بالتمثيل ما هو واقعٌ على سبيل التشبيه، بأن يكون وجهه منتزعًا من عدة أمورٍ غير حقيقيةٍ، فهو ليس بمجاز، وإن أراد به الاستعارة التمثيلية، فهو ليس قسيمًا للاستعارة، بل هو قسمٌ منها. والأظهر أن يقال: المجاز نوعان: مرسلٌ، واستعارة. والاستعارة نوعان: تمثيليةٌ، وغير تمثيليةٌ، ككونها تخييليةً، أو تحقيقيةً، أو مكنية، والعذر أن الاستعارة التمثيلية غلب عليها اسم التمثيل، ولا يكاد يطلق عليها اسم الاستعارة كما استقرينا من كلامه، منه ما قال في قوله تعالى: (واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) [آل عمران: ١٠٣]: يجوز أن يكون تمثيلًا لاستظهاره به، ووثوقه بحمايته بامتساك المتدلي من مكانٍ مرتفعٍ بحبلٍ وثيق، وأن يكون استعارة، وبقية الاستعارات يطلق عليها اسم الاستعارة مطلقًا، ونحوه قول أبي الطيب: فإن تفق الأنام، وأنت منهم … فإن المسك بعض دم الغزال وذلك أنهم إذا رأوا أن بعض أنواع الجنس له مزيةٌ على سائر أنواعه يخرجونه من ذلك الجنس ويجعلونه جنسًا آخر، كذا ها هنا. قوله: (فإن تجعل قلوبهم) إلى آخره، شروع في بيان كيفية التشبيه الذي هو واقعٌ في طريق هذه الاستعارة، ليعلم منه كيفية استخراج الاستعارة؛ وذلك أن قوله: «أن تجعل قلوبهم» بسبب عدم نفوذ الحق فيها «كأنها مستوثقٌ منها بالختم» كقولك في الاستعارة المكنية في قول الهذلي.
[ ٢ / ١٣٠ ]
ولا يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه واستكبارهم عن قبوله واعتقاده، وأسماعهم لأنها تمجه وتنبو عن الإصغاء إليه وتعاف استماعه كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لأنها لا تجتلى آيات اللَّه المعروضة ودلائله المنصوبة كما تجتليها أعين المعتبرين المستبصرين كأنما غطى عليها وحجبت، وحيل بينها وبين الإدراك. وأمّا التمثيل فأن تمثل حيث لم يستنفعوا بها في الأغراض الدينية التي كلفوها
_________________
(١) وإذا المنية أنشبت أظفارها جعلت المنية بسبب اغتيالها الأرواح كأنها سبعٌ ذو أظفارٍ وأنياب، ثم ذكرت المنية، وأريدت المنية المشكلة على صورة السبع في التخييل، وجعلت القرينة ما يلازم السبع المشبه به، ونسبت إليها على سبيل الاستعارة التخييلية، لأن المكنية لا تنفك عن التخييلية، كذا ها هنا تجعل القلوب استعارةً مكنيةً عن قلوبٍ متخيلةٍ على صورة شيءٍ مستوثقٍ منه، ثم ينسب إليها لازم ذلك الشيء، وهو الختم بعد التخييل، قائلًا: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)، والذي يؤيد أن هذه الاستعارة مكنيةٌ تصريح التشبيه في القلوب بقوله: «كأنها مستوثق منها»؛ لأن الاستعارة بالكناية هي التي يذكر فيها المشبه، ويراد به المشبه به. قوله: (ولا يخلص)، الجوهري: خلص إليه الشيء: وصل. قوله: (فأن تمثل) أي: تشبه حالة قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وهي عدم انتفاعها الأغراض الدينية بسبب منع قبول الحق، بحالة أشياء ضرب حجابٌ- أي: حدٌّ فاصلٌ- بينها وبين الاستنفاع بها بالختم والتغشية، ثم استعير لجانب المشبه لفظ «الختم» جاعلًا القرينة نسبته إلى القلوب، فيكون من الاستعارة التمثيلية الواقعة على طريق التبعية كما مر في قوله: (أُوْلَئِكَ
[ ٢ / ١٣١ ]
وخلقوا من أجلها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها بالختم والتغطية. وقد جعل بعض المازنيين الحبسة في اللسان والعىّ ختما عليه فقال:
خَتَمَ الالهُ عَلى لِسَانِ عُذَافِرٍ … خَتْمًا فلَيْسَ عَلى الكلامِ بقَادِرِ
وإذا أَرَادَ النُّطْقَ خِلْتَ لِسَانَهُ … لَحْمًا يُحَرِّكُهُ لِصَقْرٍ نَاقِرِ
فإن قلت: فلم أسند الختم إلى اللَّه تعالى، وإسناده إليه يدل على المنع
_________________
(١) ـ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ) [البقرة: ٥] ويؤيده قوله بعيد هذا: «ويجوز أن تضرب الجملة كما هي مثلًا». ودل على أن التشبيه مركبٌ قوله: «بأشياء ضرب حجابٌ بينها وبين الاستنفاع بها» لأنه مشبهٌ به، ولابد من تقدير مثله في جانب المشبه فيقال: «فأن تمثل» أي: تشبه قلوبهم؛ لأن الحق لا ينفذ فيها ليستنفعوا بها في الأغراض الدينية، فظهر أن الاستعارة في «ختم» على الأول تخييلية، وفي القلوب مكنية، وعلى الثاني تبعيةٌ واقعةٌ على طريق الاستعارة التمثيلية، فصح قوله: «لا ختم ولا تغشية ثم على الحقيقة» وإنما قلنا: تبعية، لأن «ختم» فعلٌ، والاستعارة واقعةٌ في مصدره، والمراد ما في القلوب من المنع من قبول الحق. قوله: (ختم الإله) البيت، عذافرٌ بالعين المهملة وضمها والذال المعجمة: اسم رجلٍ، ويقال: جملٌ عذافرٌ، أي: قويٌ شديد. قوله: (فلم أسند الختم إلى الله) إلى آخره، هذا السؤال والجواب مبنيٌّ على مذهبه. والسؤال الأول والجواب مشتركٌ بينهم وبين أهل السنة. قال القاضي: المراد بالختم والتغشية أن يحدث في نفوسهم هيئةً تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصي واستقباح الإيمان والطاعات.
[ ٢ / ١٣٢ ]
من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه وهو قبيح واللَّه تعالى عن فعل القبيح علوا كبيرا لعلمه بقبحه وعلمه بغناه عنه. وقد نص على تنزيه ذاته بقوله: (وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [ق: ٢٩]، (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) [الزخرف: ٧٦]، (إِنَّ اللَّهَ لا يَامُرُ بِالْفَحْشاءِ) [الأعراف: ٢٨]، ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل؟ قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها. وأما إسناد الختم إلى اللَّه ﷿، فلينبه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشئ الخلقي غير العرضي. ألا ترى إلى قولهم: فلان مجبول على كذا ومفطور عليه، يريدون أنه بليغ في الثبات عليه
_________________
(١) وقلت: فالإحداث فعل الله حقيقةً، والختم والتغشية مجازٌ كما مر. قوله: (لعلمه بقبحه) يعني من ارتكب قبيحًا إنما يرتكبه لأمرين: إما للجهل بكونه قبيحًا، أو للاحتياج إلى فعله. والله تعالى منزهٌ عنهما. و«الفاء» في «فلم» دلت على إنكار، يعني: أن الختم لما كان عبارةً عن المنع من قبول الحق فلم أسند إلى ذاته. قوله: (القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها) أي: المقصود من الإسناد المبالغة في الإباء عن قبول الحق، فعبر عن المبالغة بقوله: «كالمختوم عليها»، هذا خلاصة الجواب، والوجوه الآتية بيانٌ لهذا المعنى على طرقٍ شتى. قوله: (فلينبه) هذا هو الوجه الأول من الوجوه وخلاصته: أن (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) الآية بكاملها معبرةٌ عن فرط تمكن الكفر فيهم على الكناية الإيمائية: وهي أن تؤخذ الزبدة والخلاصة من الجملة من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز. قال المصنف في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]: هذا كنايةٌ عن الملك، قالوا: فلانٌ استوى على العرش، يريدون ملك وإن لم يقعد على السرير البتة، وإليه الإشارة
[ ٢ / ١٣٣ ]
وكيف يتخيل ما خيل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم وسماجة حالهم، ونيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم!
_________________
(١) ـ بقوله: «فلانٌ مجبولٌ على كذا، ومفطورٌ عليه، يريدون أنه بليغٌ في الثبات عليه» قال صاحب المفتاح في قول الطائي: أبين فما يزرن سوى كريمٍ … وحسبك أن يزرن أبا سعيد إنه في إفادة أن أبا سعيدٍ كريمٌ، غير خاف. قوله: (وكيف يتخيل ما خيل) تعريضٌ بأهل السنة وتوهينٌ لدلائلهم، يعني أنها متخيلاتٌ لا حقيقة لها، وهي ما حكى الإمام في «تفسيره»: القائلون بأن أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى لهم قولان: أحدهما: أن الختم هو خلق الكفر في قلوب الكفار. وثانيهما: أنه خلق الداعية التي إذا انضمت إلى القدرة صار مجموع القدرة معها سببًا موجبًا لوقوع الكفر، وللمنع عن قبول الإيمان. وقال محيي السنة: معناه: حكم الله على قلوبهم بالكفر لما سبق من علمه الأزلي فيهم. قوله: (وقد وردت الآية ناعيةً على الكفار) أي: مظهرةً لهفواتهم؛ من قولهم: فلانٌ نعى على فلانٍ ذنوبه: إذا أظهرها وشهرها. وقال القاضي: الختم والتغشية من حيث إن الممكنات مستندةٌ إلى الله تعالى، واقعةٌ بقدرته أسندت إليه، ومن حيث إنهما مسببان مما اقترفوه وردت ناعيةً عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم، ثم الآية تعليلٌ للحكم السابق وبيان ما يقتضيه.
[ ٢ / ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقلت: تقريره أن الآية جاريةٌ مجرى السبب الموجب لكون الهدى لا ينفع فيهم، فإن الله تعالى لما أظهر تصميمهم على الكفر بقوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: ٦] اتجه لسائلٍ أن يقول: ما بالهم كذلك؟ فأوقع قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) إلى نهايته جوابًا منطويًا على بيان الموجب، وقد بولغ في المعنى حيث جعل الختم على القلوب ليمنع من الفكر في الدلائل المقولة الصرفة، وعلى السمع لئلا تنفذ في القلوب بسببه الدلائل المسموعة، وجعل على البصر الغشاوة لئلا تصل إليها الدلائل المبصرة ليستدلوا بها على وجود منشئها، فسد الطرق عليهم من كل وجه. أما صاحب «الانتصاف» فقد أطنب في هذا المقام، وقال: قد اشتمل كلام الزمخشري على مفاسد: أحدها: الخروج عن دليل العقل الدال على أن لا موجد إلا الله. الثانية: محالفة دليل النقل المؤيد له كقوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الرعد: ١٦]، (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) [فاطر: ٣]. الثالثة: غلطٌ في أن ما يقبح غائبًا، وهي قاعدةٌ باطلة. الرابعة: قالوا: لو كانت أفعال العباد مخلوقةً لله، لما عابها، ولما عاقب عليها بناءً على قاعدة الحسن والقبح، ولم يعلموا أن هذه الملازمة تلزمهم أيضًا، لأنه يقبح شاهدًا أن يمكن الإنسان من القبائح والفواحش وهو بمرأًى منه وبمسمعٍ مع قدرته على رده، وهو كإعطاء سيفٍ باترٍ لفاجرٍ يقطع الطريق ويسبي الحريم، وهو قبيحٌ في الشاهد. فإن قالوا: نعم، لكن ذلك لحكمةٍ أستأثر الله تعالى بعلمها، ففرقوا بين الغائب والشاهد، فيقال: ما ذكرتموه إن صلح جوابًا كان جوابًا عم اعترضتم، فلم لا سلمتم الأمر إلى الله تعالى في أول الأمر؟ والواجب على العبد أن يلاحظ الفرق بين الحركة الاختيارية والاضطرارية فيخرج عن الجبر، ثم يلاحظ الأدلة الدالة على أنه لا خالق إلا الله، فيخرج عن الاعتزال.
[ ٢ / ١٣٥ ]
ويجوز أن تضرب الجملة كما هي - وهي (خَتَم اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) - مثلًا، كقولهم: سال به الوادي، إذا هلك. وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته وإنما هو تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن تضرب الجملة كما هي) هذا هو الوجه الثاني من الوجوه، وهو مبنيٌّ على التمثيل، وهو الذي عناه صاحب «المفتاح» بقوله: التشبيه التمثيلي متى فشا استعماله على سبيل الاستعارة سمي مثلًا. والفرق بين هذا التمثيل والذي سبق في قوله: «ختم»، هو أن في ذلك الاستعارة واقعةٌ في الختم فقط على سبيل التبعية، وهنا الاستعارة في الجملة برأسها، وإليه الإشارة بقوله: «أن تضرب الجملة كما هي مثلًا». ثم هذا الوجه يقدر على ثلاثة أضربٍ: أحدهما: أن تكون قلوبٌ موجودةٌ ختم الله تعالى عليها نحو قلوب الأغتام. الأساس: الغتمة: عجمةٌ في النطق، ورجلٌ أغتم وقوم غتمٌ وأغتام من الغتم، وهو الأخذ بالنفس. وثانيهما: كذلك نحو قلوب البهائم. وثالثهما: قلوبٌ مقدرةٌ ختمها لا وجود لها. قوله: (ولا للعنقاء عملٌ في هلاكه) عن الميداني، قال الخليل: سميت عنقاء؛ لأنه كان في عنقها بياض كالطوق، ويقال: لطولٍ في عنقها. قال الكلبي: كان لأهل الرس نبيٌّ يقال له حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبلٌ مصعدة ميلٌ، وكانت تنتابه طائرةٌ كأعظم ما يكون لها عنقٌ طويلٌ فجاعت ذات يوم، وأعوزت الطير، فانقضت على صبيٍّ، فذهبت به فسميت «عنقاء مغرب»، لأنها تغرب كل ما أخذته، ثم انقضت على جارية فشكوا ذلك إلى نبيهم،
[ ٢ / ١٣٦ ]
من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء فكذلك مثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم اللَّه عليها نحو قلوب الأغتام «١» التي هي في خلوّها عن الفطن كقلوب البهائم، أو بحال قلوب البهائم أنفسها، أو بحال قلوب مقدّر ختم اللَّه عليها حتى لا تعبى شيئا ولا تفقه، وليس له ﷿ فعل في تجافيها عن الحق ونبوّها عن قبوله، وهو متعال عن ذلك. ويجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير اللَّه للَّه، فيكون الختم مسندًا إلى اسم اللَّه على سبيل المجاز. وهو لغيره حقيقة. تفسير هذا: أنّ للفعل ملابسات شتى يلابس. الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلى هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة وذلك لمضاهاتها للفاعل
_________________
(١) فقال: اللهم خذها، واقطع نسلها، فأصابتها صاعقةٌ فاحترقت، فضرب بها العرب مثلًا وأنشد البحتري. أتت دون ذاك الدهر أيام جرهمٍ … وطارت بذاك العيس عنقاء مغرب قوله: (ويجوز أن يستعار) هذا هو الوجه الثالث وهو: أن يستعار إسناد الفعل من الفاعل الحقيقي لفاعلٍ غير حقيقي. قوله: (في نفسه) أي: نفس الإسناد من غير النظر إلى المسند والمسند إليه، فإن كل واحدٍ منهما حقيقةٌ لا مجاز إلا في مجرد الحكم، كما يقال: أنبت الربيع البقل. قوله: (وقد يسند إلى هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة) وقد يختلج في بعض الخواطر أن معنى الاستعارة ها هنا ليس على حده، وذلك بأن يذكر أحد طرفي التشبيه، ويراد به الطرف الآخر، بل هو على حده وموقعه.
[ ٢ / ١٣٧ ]
في ملابسة الفعل، كما يضاهي الرجل الأسد في جراءته فيستعار له اسمه؛ فيقال في المفعول به: عيشة راضية،
_________________
(١) نعم، الفرق بين هذه الاستعارة وبين الاستعارة في المفرد، هو أن الاستعارة هناك واقعةٌ في الموضوع اللغوي واللفظ المفرد بسبب علاقة التشبيه، كما ترى بين الأسد والإنسان بسبب علاقة الجرأة الموجودة فيهما، وها هنا الاستعارة واقعةٌ في النسبة لدليلٍ عقلي بسبب التشبيه بين الفاعل الحقيقي والفاعل المجازي، فكما أن المستعار هناك لفظ الأسد للشجاع، كذلك في قولنا: أنبت الربيع البقل، المستعار إسناد الإنبات من الفاعل الحقيقي وهو الله ﷿ للفاعل المجازي وهو الربيع بسبب دوران الإنبات معه. قال صاحب المفتاح: مثل ما يرى الربيع في: «أنبت الربيع البقل» من نوع شبهٍ بالفاعل المختار من دوران الإنبات معه وجودًا وعدمًا، ثم قال: وإن لم يكن هذا الشبه بين المذكور والمتروك كما لو قلت: أنبت الربيع البقل، نسبت إلى ما تكره». وإنما قلنا: إن نسبة الإنبات إلى الله على الحقيقة لما يتبادر إلى فهم الموحد من ذلك كما يتبادر إلى الفهم من لفظ الأسد الحيوان المفترس، فالطرف المتروك هنا إسناد الإنبات إلى الله والمذكور تعلق الربيع به، وهو حصوله في أوانه، ولذلك كان المقدر: أنبت الله البقل وقت الربيع، فقوله: «وذلك لمضاهاتها الفاعل» تعليلٌ لجعل الإسناد استعارةً، أي: إنما جعلناه استعارةً لذلك، لأنه تقرر أن الاستعارة هي المجاز الذي العلاقة بينه وبين الحقيقة التشبيه.
[ ٢ / ١٣٨ ]
و: ماء دافق، وفي عكسه: سيل مفعم. وفي المصدر: شعر شاعر، وذيل ذائل. وفي الزمان: نهاره صائم. وليله قائم. وفي المكان: طريق سائر، ونهر جار. وأهل مكة يقولون: صلى المقام. وفي المسبب: بنى الأمير المدينة، وناقة ضبوث وحلوب. وقال:
إذَا رَدَّ عَافِى الْقِدْرِ مَنْ يَسْتَعِيرُها
فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر، إلا أنّ اللَّه سبحانه لما كان هو الذي أقدره ومكنه، أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب
_________________
(١) قوله: (وفي عكسه سيل مفعمٌ) مفعم، بفتح العين، من: أفعم السيل الوادي: إذا ملأه، وإنما قال: «عكسه» لأنه جعل في الأول المفعول فاعلًا، وفي هذا جعل الفاعل مفعولًا، فإن السيل يُفعِمُ ولا يُفعَمُ. قوله: (ذيلٌ ذائلٌ)، الأساس: وذالت: الجارية وتذيلت: تبخترت ساحبةً ذيلها، وأذاله: أهانه، وذال بنفسه ذيلًا. وهو في ذيلٍ ذائل: في هوان شديد. قوله: (ناقةٌ ضبوث»، الأساس: ضبث الشيء، وضبث عليه: إذا قبض عليه وجسه، ومن المجاز: ناقةٌ ضبوثٌ: يشك في سمنها فضبثت، وإنما جعلت ضابثةً لما بها من الداعي إلى الضبث، ومثله الحلوب والركوب. قوله: (إذا رد عافي القدر من يستعيرها) أوله: فلا تسأليني واسألي خليقتي الخليقة: الخلق والطبيعة. عافي القدر: من العفوة والعفاوة وهي: ما يبقى في أسفل القدر من المرقة، وموضع «عافي» رفعٌ على الفاعلية، لأنه هو الذي يرد المستعير ويمنع المعير من إعارة القدر، والفاعل على الحقيقة صاحب القدر، وهكذا كانوا يفعلونه في تناهي القحط وشدة الزمان.
[ ٢ / ١٣٩ ]
ووجه رابع؛ وهو أنهم لما كانوا على القطع والبت ممن لا يؤمن ولا تغنى عنهم الآيات والنذر، ولا تجدى عليهم الألطاف المحصلة ولا المقربة إن أعطوها؛ لم يبق - بعد استحكام العلم بأنه لا طريق إلى أن يؤمنوا طوعا واختيارًا - طريق إلى إيمانهم
_________________
(١) قوله: (ووجهٌ رابع) تلخيصه: أنهم لما كانوا مصرين على الكفر متمكنين عليه، وما كان الطريق إلى الإيمان سوى القسر والإلجاء، فكنى عن ترك القسر والإلجاء بالختم، وهي من التلويحية: أن قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [البقرة: ٧] على زعمه مشعرٌ بأن الله تعالى لم يقسرهم، ولم يلجئهم إلى الإيمان، وترك القسر والإلجاء مشعرٌ بأن القسر والإلجاء مقتضى حالهم؛ لأن الترك إنما كان لئلا ينتقض غرض التكليف، وهو حصول الاختيار للابتلاء، وإلا كان الحق أن يقسر؛ لأنه الطريق إلى إيمانهم. وكون القسر والإلجاء مقتضى حالهم، مشعرٌ بأن الآيات والنذر لا تغني عنهم، والألطاف لا تجدي عليهم، وكون الآيات والألطاف لا تنفعهم مشعرٌ بأن ترامي أمرهم في التصميم أقصى غاياته ومدى نهاياته، فانظر بين الكناية وبين المطلوب بها كم ترى من لوازم وملوحات! قوله: (ولا تجدي عليهم الألطاف المحصلة ولا المقربة)، قال نجم الدين الزاهدي الخوارزمي في كتاب «الصفوة»: اللطف في عرف المتكلمين: هو ما يختار عنده المكلف الطاعة تركًا وإتيانًا. ثم إن اللطف إذا كان محصلًا للواجب يسمى توفيقًا، وإذا كان محصلًا لترك القبيح يسمى عصمةً، وإذا كان مقربًا من الواجب أو ترك القبيح يسمى لطفًا مقربًا. قوله: (إن أعطوها) شرط، والجزاء ما دل عليه ما قبله. وقوله: «لم يبق» جواب «لما» وقوله: «بأنه لا طريق» متصلٌ بالعلم، وقوله: «عبر» جواب «إذا».
[ ٢ / ١٤٠ ]
إلا القسر والإلجاء، وإذا لم تبق طريق إلا أن يقسرهم اللَّه ويلجئهم ثم لم يقسرهم ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض في التكليف - عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم، إشعارًا بأنهم الذين ترامى أمرهم في التصميم على الكفر والإصرار عليه إلى حدّ لا يتناهون عنه إلا بالقسر والإلجاء،
_________________
(١) وفي «شرح مقامات المصنف»: الألطاف عند المتكلمين: هي المصالح، وهي الأفعال التي عندها يطيع المكلف أو يكون أقرب إلى الطاعة على سبيل الاختيار، ولولاها لم يطع أو لم يكن أقرب مع تمكنه في الحالين، والواحد لطف بضم اللام وسكون الطاء، وقد لطف الله بعبده يلطف، وأما الألطاف الهدايا، فالواحد لطفٌ بفتح اللام والطاء، قال: كمن لنا عنده التكريم واللطف والفعل منه: ألطف. وقال أهل السنة والجماعة في مسألة خلق الأفعال: إن لله تعالى لطفًا لو فعل بالكفار لآمنوا اختيارًا، غير أنه تعالى لم يفعل وهو في فعله متفضلٌ، وفي تركه عادلٌ، ولا يجب على الله تعالى الأصلح ولا الصلاح. وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في كتاب «مفاتيح الحجج ومصابيح النهج»: اللطف قدوة الطاعة على الصحيح، ويسمى ما يقرب العبد إلى الطاعة ويوصل دواعيه إلى الخير أيضًا لطفًا، والتوفيق ما تتفق به الطاعة، وهو القدرة التي تصلح للطاعة، واختص هذا
[ ٢ / ١٤١ ]
وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغى واستشرائهم في الضلال والبغي. ووجه خامس: وهو أن يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكما بهم من قولهم: (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) [فصلت: ٥]،
_________________
(١) ـ الاسم بما يتفق به الخير دون ما يتفق به الشر عرفًا شرعيًا، والخذلان: قدرة المعصية، والحرمان قدرة الكفر، والله ﷾ قادرٌ على ما لو فعل بالمؤمن لكفر، وعلى ما لو فعل بالكافر لآمن، وليس لأحدٍ عليه ﷾ حقٌّ مستحق، وكل ما يفعله فمنه جميل. قوله: (وهي الغاية)، الضمير عائدٌ إلى العبارة الدال عليها قوله: «عبر» أو إلى التعبير، والتأنيث باعتبار الخبر. قوله: (واستشرائهم) أي: لجاجهم، الأساس: استشرى في الأمر وفي العدو: لج فيه. وشري البرق: كثر لمعانه. قوله: (ووجهٌ خامس) وحاصله: أنه تعالى حكى كلام الكفار على سبيل التهكم، فإن الكفرة لما قالوا: (قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ وفِي آذَانِنَا وقْرٌ ومِنْ بَيْنِنَا وبَيْنِكَ حِجَابٌ) [فصلت: ٥] فجيء بقوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) [البقرة: ٧] معبرًا عن كلامهم على سبيل التهكم والوعيد والتهديد، فقوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) كقولهم: (قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ) و(وَعَلَى سَمْعِهِمْ) كقولهم: (وفِي آذَانِنَا وقْرٌ) لأن الوقر في الأذن يمنع من نفوذ الصوت فيها، وقوله: (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) كقولهم: (ومِنْ بَيْنِنَا وبَيْنِكَ حِجَابٌ) فإن الغشاوة هي الحجاب. قيل: هذا الوجه أحسن الوجوه، ويقال: لأنه أسهل في استخراج المقصود، ولم يحتج إلى استفراغ القوى وبذل المجهود، وإلا فأين الثريا من الثرى، على ما يلزم منه فك الرابطة الاستئنافية في بيان الموجب بينها وبين الجملة السابقة. ولله در القائل: ومستودعات هذا الفن لا تتضح إلا باستبراء خاطرٍ وقاد، ولا تنكشف جواهرها إلا لبصيرة ذي طبعٍ نقاد، ثم نقول: من رفع الختم عن تفسيره لختم الله، فقد حل له
[ ٢ / ١٤٢ ]
ونظيره في الحكاية والتهكم قوله: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) [البينة: ١]. فإن قلت: اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي حكم التغشية، فعلى أيهما يعوّل؟ قلت: على دخولها في حكم الختم لقوله تعالى: (وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً) [الجاثية: ٢٣]،
_________________
(١) ـ الشروع في هذا الكتاب، وقد علم أنه من رجالٍ تصدوا لكشف الحجاب، وإلا فليترك القوس لباريها، وعند الله العلم بالصواب. قوله: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) [البينة: ١])، قيل: كان الكفار من الفريقين: أهل الكتاب وعبدة الأوثان يقولون قبل مبعث النبي ﷺ: لا ننفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوبٌ في التوراة والإنجيل، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فحكى الله تعالى كلامهم كما كانوا يقولون على سبيل الوعيد والتهديد، ولو كان هذا ابتداء إخبارٍ من الله تعالى لكان الانفكاك متحققًا موجودًا عند مجيء الرسول ﷺ. قوله: (على دخولها في حكم الختم) قال القاضي: لأنهما لما اشتركا في الإدراك من جميع الجهات جعل ما يمنعهما من خاص فعلمهما الختم الذي يمنع من جميع الجهات، وإدراك الأبصار لما اختص بجهة المقابلة، جعل المانع لها عن فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة.
[ ٢ / ١٤٣ ]
ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم. فإن قلت: أىّ فائدة في تكرير الجارّ في قوله: (وَعَلى سَمْعِهِمْ)؟ قلت: لو لم يكرّر لكان انتظاما للقلوب والأسماع في تعدية واحدة وحين استجدّ للأسماع تعدية على حدة، كان أدل على شدة الختم في الموضعين. ووحد السمع كما وحد البطن في قوله:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا
يفعلون ذلك إذا أمن اللبس. فإذا لم يؤمن كقولك: فرسهم، وثوبهم، وأنت تريد الجمع رفضوه. ولك أن تقول: السمع مصدر في أصله، والمصادر لا تجمع،
_________________
(١) قوله: (ووحد السمع)، المغرب: اسمع: الأذن، وأصله المصدر. قيل: وقد يطلق مجازًا على القوة الحالة في الغشاء المفترش عند الصماخ بها تدرك الأصوات، فعلى هذا الوجه المراد بالسمع الآلة، ولم يلمح فيه الأصل. قوله: (كلوا في بعض بطنكم تعفوا) تمامه: فإن زمانكم زمنٌ خميص الخميص: الجائع، أي: ذو خمص كقوله: (عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ) [الحاقة: ٢١] يقال: عف يعف عفاًّ ومنه العفة، وهي الكف عما لا يحل. أي: اقتنعوا بالقليل من الطعام، تعفوا عن طلب الحرام، فإن زمانكم زمن الضيق والجذب، واستعمل البطن في موضع البطون إرادة بطن كل واحدٍ منهم، ويفعل ذلك إذا أمن اللبس مثل قولهم: سمعهم وقلبهم وبطنهم، فإن من المعلوم أن لكل واحدٍ منهم سمعًا واحدًا، وقلبًا وبطنًا، وإذا خيف اللبس في مثل الثوب والفرس، فلابد في حال الجمع أن يجمع، لأنه لا يبعد أن يكون للجميع فرسٌ واحدٌ، أو ثوبٌ واحد.
[ ٢ / ١٤٤ ]
فلمح الأصل. يدل عليه جمع الأذن في قوله: (وَفِي آذانِنا وَقْرٌ) [فصلت: ٥]؛ وأن تقدّر مضافا محذوفا: أى وعلى حواس سمعهم. وقرأ ابن أبى عبلة: وعلى أسماعهم. فإن قلت: هلامنع أبا عمرو والكسائي من إمالة (أبصارهم) ما فيه من حرف الاستعلاء وهو الصاد؟ قلت: لأنّ الراء المكسورة تغلب المستعلية، لما فيها من التكرير كأن فيها كسرتين، وذلك أعون شيء على الإمالة وأن يمال له ما لا يمال. والبصر نور العين، وهو ما يبصر به الرائي ويدرك المرئيات. كما أن البصيرة نور القلب، وهو ما به يستبصر ويتأمل. وكأنهما جوهران لطيفان خلقهما اللَّه فيهما آلتين للإبصار والاستبصار. وقرئ (غشاوة)
_________________
(١) قوله: (يدل عليه)، أي: على لمح معنى المصدرية في اسم العضو قوله تعالى: (وفِي آذَانِنَا وقْرٌ) [فصلت: ٥] حيث جمع الأذن لأنها ليست في الأصل مصدرًا. قوله: (وأن تقدر مضافًا محذوفًا)، فعلى هذا الوجه: السمع مصدرٌ وليس بمعنى الأذن كما في الوجهين الأولين، أي: على حواس هذه الحقيقة. قوله: (وكأنهما جوهران لطيفان) الضمير راجعٌ إلى البصر والبصيرة، وفي «فيهما» إلى العين والقلب. وقوله: «آليتين»، إما حالٌ من مفعول «خلقهما»، أو مفعولٌ ثانٍ له. فخلق بمعنى جعل. المعنى كأنه تعالى خلق في العين والقلب آليتين للإبصار والاستبصار، وهما النوران، شبه العرض بالجوهر في قوله: «كأنهما جوهران» مبالغةً في كونهما مقصودين من العين والقلب. قوله: (وقرئ: «غشاوةً») إلى آخره، القراءات كلها شواذ، والمشهورة (غِشَاوَةٌ) بكسر الغين المعجمة مع الألف بعد الشين والرفع، ولم يذكرها، وهو على وزن فعالة. قال الزجاج: كل ما اشتمل عليه الشيء مبنيٌّ على فعالةٍ نخو العمامة والقلادة، وكذلك أسماء الصناعات، فإن الصناعة مشتملةٌ على كل ما فيها نحو الخياطة والقصارة، وكذلك ما استولى على اسمٍ، فاسم ما استولى عليه: الفعالة؛ نحو الحلاقة والإمارة.
[ ٢ / ١٤٥ ]
بالكسر والنصب. و(غشاوة) بالضم والرفع. و(غشاوةً) بالفتح والنصب، وغشوة: بالكسر والرفع. و(غشوةٌ) بالفتح والرفع والنصب، و(عشاوة) بالعين غير المعجمة والرفع، من العشا. والعذاب: مثل النكال بناء ومعنى لأنك تقول: أعذب عن الشيء، إذا أمسك عنه. كما تقول: نكل عنه. ومنه العذب لأنه يقمع العطش ويردعه، بخلاف الملح فإنه يزيده، ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخا لأنه ينقخ العطش، أي: يكسره؛ وفراتًا؛ لأنه يرفته على القلب، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذابًا وإن لم يكن نكالًا، أى: عقابًا يرتدع به الجاني عن المعاودة.
والفرق بين العظيم والكبير، أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير،
_________________
(١) و(غِشَاوَةٌ) بالرفع على الابتداء عند سيبويه، وعلى إعمال الظرف عند الأخفش، ويؤيد الثاني العطف على الجملة الفعلية، أي: واستقر على أبصارهم غشاوة. ومن قرأ بالنصب فعلى تقدير: وجعل على أبصارهم غشاوة، وأما العشاوة بالعين المهملة، فمن قولهم: عشى يعشى، إذا صار أعشى، وعشا يعشو: إذا جعل نفسه كأنه أعشى، قال تعالى: (ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ) [الزخرف: ٣٦]. قوله: (لأنك تقول) تعليلٌ للمعنى، لأن البناء ظاهرٌ، وإنما كان مثله في المعنى؛ لأن النكول ارتداعٌ عما يراد الإقبال إليه، كما أن العذاب يردع الجاني عن المعاودة إلى الجناية. قوله: (يرفته)، الأساس: رفت الشيء: فته بيده كما يرفت المدر والعظم البالي. قوله: (كل ألمٍ فادحٍ عذابًا)، الأساس: فدحني، أثقلني، ونزل بهم خطبٌ فادح.
[ ٢ / ١٤٦ ]
فكأن العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير. ويستعملان في الجثث والأحداث جميعًا، تقول: رجل عظيم وكبير، تريد جثته أو خطره.
ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعا من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات اللَّه. ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا اللَّه.
اللهم أجرنا من عذابك ولا تبلنا بسخطك يا واسع المغفرة.
[(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ)].
افتتح سبحانه بذكر الذين أخلصوا دينهم للَّه وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ووافق سرهم علنهم وفعلهم قولهم. ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهرًا وباطنًا قلوبا وألسنة. ثم ثلث
_________________
(١) وقال السجاوندي: العذاب: إيصال الألم إلى الحي مع الهوان، فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب. [قوله]: (فكان العظيم فوق الكبير) الفاء جوابٌ لشرطٍ محذوف، يعني: إذا كان الحقير مقابلًا للعظيم، والصغير للكبير؛ يلزم أن يكون العظيم فوق الكبير؛ لأن العظيم لا يكون حقيرًا؛ لأن الضدين لا يجتمعان، والكبير قد يكون حقيرًا كما أن الصغير قد يكون عظيمًا؛ لأن كلا منهما ليس بضد للآخر. قال: وبضدها تتبين الأشياء
[ ٢ / ١٤٧ ]
بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وأبطنوا خلاف ما أظهروا وهم الذين قال فيهم: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ، لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ) [النساء: ١٤٣]، وسماهم المنافقين، وكانوا أخبث الكفرة وأبغضهم إليه وأمقتهم عنده لأنهم خلطوا بالكفر تمويهًا وتدليسًا، وبالشرك استهزاء وخداعا. ولذلك أنزل فيهم (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) ووصف حال الذين كفروا في آيتين، وحال الذين نافقوا في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم،
_________________
(١) ـ قوله: (آمنوا بأفواههم) أي: أظهروا كلمة الإيمان وهو المراد من قوله: (ءَامَنَّا) وقوله: (ولم تؤمن قلوبهم) [المائدة: ٤١] أي: لم يكن ذلك القول عن تصديق القلب، لأن مكان التصديق القلب لقوله تعالى: (كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ) [المجادلة: ٢٢] وهو المراد من قوله: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: ٨]. اعلم أن الإيمان إن كان مجرد التصديق بالجنان، فنسبته إلى القلب حقيقة، وإلى غيره مجاز، ومن ثم فسرنا قوله «آمنوا بأفواههم» بقولنا: أظهروا كلمة الإيمان، وإن كان مجموع التصديق والأعمال، فنسبته إلى الشخص حقيقةٌ وإلى بعض الجوارح مجاز. قوله: (تمويهًا) هو من: موهت الشيء: طليته بذهبٍ أو فضةٍ، والتدليس في البيع كتمان عيب السلعة عن المشتري. قوله: (نعى عليهم فيها خبثهم) أي: شنع عليهم قولهم: (آمَنَّا بِاللَّهِ) والحال أنهم غير مؤمنين «ونكرهم» أي: دهاءهم، وذلك أنهم ادعوا مع الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر لقوله بعد هذا: «إفراطهم في الخبث وتماديهم في الدعارة». قوله: (ونكرهم) بالضم والفتح، الجوهري: يقال للرجل إذا كان فطنًا منكرًا: ما أشد نكره، بالفتح والضم.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وفضحهم وسفههم، واستجهلهم، واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، وسجل بطغيانهم، وعمههم ودعاهم صما بكما عميًا، وضرب لهم الأمثال الشنيعة. وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة. وأصل (ناس) أناس، حذفت همزته تخفيفًا كما قيل: لوقة، في ألوقة. وحذفها مع لام التعريف كاللازم لا يكاد يقال الأناس. ويشهد لأصله إنسان وأناس وأناسى وإنس. وسموا لظهورهم وأنهم يؤنسون أى يبصرون، كما سمى الجنّ لاجتنانهم. ولذلك سموا بشرًا. ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول. ألا تراك تقول في وزن «قه»:
_________________
(١) قوله: (وفضحهم) عطفٌ على قوله: «نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم» على سبيل البيان، لأن إظهار خبثهم ونكرهم هي الفضيحة نفسها. قوله: (وسفههم) أي: سماهم سفهاء في قوله: (أَلا إنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ) [البقرة: ١٣] «واستجهلهم»، أي: نسبهم إلى الجهل في قوله: (وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ) (وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ)، «واستهزأ بهم» في قوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)، «وسجل بطغيانهم» حيث أضاف الطغيان إليهم. قوله: (كما تعطف الجملة على الجملة) يحتمل وجهين: أحدهما: أن تعطف من حيث حصول مضمون الجملتين في الوجود. وثانيهما: أن الجهة الجامعة بين من محض الكفر ظاهرًا وباطنًا، وبين من أظهر الإيمان وأبطن الكفر: التوافق في الكفر. قوله: (لوقة، في ألوقة) الألوقة: طعامٌ من زبدٍ، قال ابن الكلبي: هو الزبد والرطب، وأنشد: وإني لمن سالمتم لألوقةٌ … وإني لمن عاديتم سم أسود
[ ٢ / ١٤٩ ]
افعل؟ وليس معك إلا العين وحدها؟ وهو من أسماء الجمع كرخال. وأما نويس فمن المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان ورويجل. ولام التعريف فيه للجنس. ويجوز أن تكون للعهد، والإشارة إلى الذين كفروا المارّ ذكرهم كأنه قيل: ومن هؤلاء من يقول. وهم عبد اللَّه بن أبىّ وأصحابه ومن كان في حالهم من أهل التصميم على النفاق. ونظير موقعه موقع القوم في قولك: نزلت ببني فلانٍ
_________________
(١) ـ قوله: (من أسماء الجمع) الفرق بين الجمع الحقيقي وبين اسم الجمع: أن اسم الجمع في حكم الإفراد، بدليل جواز التصغير فيه، ولا يجوز تصغير الجمع الحقيقي إذا كان جمع الكثرة. مثال اسم الجمع: ركبٌ، وسفرٌ، وصحبٌ، يجوز أن يقال: ركيبٌ، سفيرٌ، صحيبٌ، ولا يجوزون في جمع الكثرة، بل يجب أن يرد إلى واحده أو إلى جمع قلته إن وجد. قوله: (كرخالٍ)، الجوهري: الرخل بكسر الخاء: الأنثى من أولاد الضأن، والذكر حملٌ والجمع رخال، يريد أن وزن أناسٍ كوزن رخالٍ لا أنه جمعٌ مثله لأنه قال في «الأعراف» في قوله تعالى: (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ) [الأعراف: ١٦٠] الأناس: اسم جمعٍ غير تكسيرٍ نحو رخال. قوله: (ونظير موقعه) يعني: أن اللام في الناس للجنس وهو المختار، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي التقديري، فإن قوله: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ) [البقرة: ٦] في معنى الناس؛ لأن الواجب في العهد الخارجي أن يكون هناك ما يشار إليه، وهو إما تحقيقيٌّ كقوله تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل: ١٥ - ١٦] أو تقديريٌّ: وهو إما أن يكون في الكلام ما يدل عليه كما في الآية والمثال، لأن بني فلانٍ في معنى القوم، أو يكون
[ ٢ / ١٥٠ ]
فلم يقروني والقوم لئام. و"من" في (مَنْ يَقُولُ) موصوفة، كأنه قيل: ومن الناس ناس يقولون كذا، كقوله (من المؤمنين رجال) [الفتح: ٢٥]؛ إن جعلت اللام للجنس. وإن جعلتها للعهد فموصولة، كقوله: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ) [التوبة: ٦١]. فإن قلت: كيف يجعلون بعض أولئك والمنافقون غير المختوم على قلوبهم؟ قلت: الكفر جمع الفريقين معًا وصيرهم جنسًا واحدًا. وكون المنافقين نوعا من نوعي هذا الجنس - مغايرًا للنوع الآخر بزيادة زادوها على الكفر الجامع بينهما من الخديعة والاستهزاء - لا يخرجهم من أن يكونوا بعضا من الجنس فإن الأجناس إنما تنوّعت لمغايرات وقعت بين بعضها وبعض. وتلك المغايرات إنما تأتى بالنوعية ولا تأبى الدخول تحت الجنسية. فإن قلت: لم اختص بالذكر الإيمان باللَّه والإيمان باليوم الآخر؟
_________________
(١) ـ بين المتكلم والمخاطب حصةٌ معهودةٌ من جنسٍ كقوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) إذا أريد به أبو جهلٍ والمغيرة. قال صاحب «الفرائد»: الوجه أن يكون اللام للعهد ولا وجه أن يكون للجنس؛ لأن (مِنَ النَّاسِ) خبر (مَن يَقُولُ)، فلو كان للجنس لكان المعنى: من يقول من الناس، والظاهر أنه لا فائدة فيه. وأما إن كانت للعهد، فمعناه: ومن الناس المذكورين جماعةٌ يقولون كذا، ولم يلزم أن تكون موصولةً في العهد بل يجوز كلاهما. وكذا قال صاحب «التقريب»: يحتمل «من» أن تكون موصولةً إن جعل التعريف للجنس، وموصوفةً إن جعل للعهد. ومنع بعضهم أن يكون للعهد و«من» موصولةً، وقال: بل اللام للجنس و«من» موصوفة، فإن المراد ب «الذين كفروا» الذين محضوا الكفر ظاهرًا وباطنًا، وبينهم وبين المنافقين تنافٍ، فلم يكونوا نوعًا تحت ذلك الجنس، وكيف وقد حكم على أولئك بالختم على القلوب وغيره، فعلم كفرهم الأصلي، وعلى هؤلاء بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: ١٦] وأشار إلى تمكنهم من الهدى وتنور فطرتهم. وقلت: إن التفصي عن هذا المقام لا يستتب إلا ببيان كيفية نظم الآيات، فإنه محك
[ ٢ / ١٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ البلاغة، ومنتقد البصيرة، ومضمار النظار ومتفاضل الأنظار، ولا يهتدي إليه من ديدنه المجادلة ودأبه المماراة، ولم يتكلم عن مقتضى الحال، ولم يعين لكل مقامٍ مقالًا، وليس كل ما يصح تقديره بحسب اللغة أو النحو يعتبر عند علماء هذا الفن، فإن ذلك قد يعد من النعيق في بعض المقامات؛ ألا ترى إلى المصنف في سورة «طه» في قوله تعالى: (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ) [طه: ٣٩] كيف بالغ فيه حيث قال: «حتى لا تفرق الضمائر، فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر» وفي سورة «الحاقة» في قوله: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ* وأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ) [الحاقة ٥ - ٦] كيف ذهب إلى أن المعني بقوله: «بالطاغية» بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة ليطابق قوله: (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ)، وعدل عن حمله على المصدر، وأنه الظاهر؛ لأن الطاغية كالعافية، أي: بطغيانهم، لأن الواجب رعاية حسن النظم بين آي التنزيل. وكم له أمثال ذلك! فالواجب على من يخوض في هذا الكتاب، لا سيما في كتاب الله المجيد، أن يستوعب معرفة جميع المقامات، وجميع خواص التراكيب لينزل كلاًّ في مقامه. إذا علم هذا فنقول: إذا كان النظم هو ما ذكر افتتح ﷾ بذكر الذين أخلصوا دينهم لله تعالى، ثم ثنى بذكر الذين محضوا الكفر ظاهرًا وباطنًا، وثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، فالواجب حمل التعريف في الأقسام الثلاثة: إما على الجنس بأسرها، وإما على العهد برمتها، وإذا حمل على الجنس فلا يجوز أن يقال: «من» في (مَن يَقُولُ) موصولةٌ كما قال أبو البقاء: هذه الآيات استوعبت أقسام الناس، فالآيات الأول تضمنت ذكر المخلصين في الإيمان، وقوله: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) تضمن من أبطن الكفر وأظهره، وهذه الآية تضمنت ذكر
[ ٢ / ١٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، و«من» للتبعيض، و«مَنْ» نكرةٌ موصوفةٌ، ويضعف أن تكون بمعنى «الذي» لأن الذي يتناول قومًا بأعيانهم، والمعنى ها هنا محتملةٌ للجنس كما في (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) [البقرة: ٦]، فيلزم الإبهام أيضًا. قلت: الموصوفة نصٌّ في الشياع، بخلاف الموصولة لاحتمال الأمرين فيها، وبيان الظاهر إيقاعه الموصولة في مقابلة الموصوفة، وكذا قوله قبيل هذا: «ومن هؤلاء من يقول: وهو عبد الله ابن أبي وأصحابه». بقي أن يقال: فما معنى قوله: «ومن الناس من يقول» وأي فائدة فيه؟ فيقال: إنه تعالى نظم الآيات الثلاث في سلكٍ واحدٍ، لكن خص كل صنفٍ بفنٍّ من الفنون، لا سيما خص هذا الصنف بمبالغاتٍ وتشديداتٍ لم يخص الصنفين بها كما قرره المصنف، وأبرز أيضًا نفس التركيب إبرازًا غريبًا حيث قدم الخبر على المبتدأ، وأبهمه غاية الإبهام، ونكر المبتدأ ووصفه بصفاتٍ عجيبةٍ ليشوق السامع إلى ذكر ما بعده من قبائحهم ونكرهم نعيًا عليهم، وتعجيبًا من شأنهم. يعني: انظروا إلى هؤلاء الخبثة، وقبيح ما ارتكبوه كيف اختصموا من بين سائر الناس بما لم يرض العاقل أن ينتسب إليه! نعم، لم يفد شيئًا أن لو أريد مجرد الإخبار، ونظيره قوله تعالى: (مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ) [الأحزاب: ٢٣] أي: امتاز من بين سائر المؤمنين بهذه المناقب الشريفة رجالٌ كرماءٌ، فدل التنكير في «رجال» على تعظيم جانبهم كما دل الإبهام في (مَن يَقُولُ) على خلاف ذلك ها هنا. وأما إذا حمل التعريف في الناس على العهد فيقال: المراد بالمتيقن من شاهد حضرة الرسالة من الصحابة المنتجبين، وينصره تقدير إرادة أهل الكتاب، أعني عبد الله بن سلامٍ وأصحابه من قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) [البقرة: ٤] معطوفًا على
[ ٢ / ١٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) [البقرة: ٣] فعلى هذا يحمل قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) على قومٍ بأعيانهم كأبي جهل وأبي لهب والوليد وأضرابهم، وأن يراد بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا) [البقرة: ٨] عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير وجد بن قيسٍ وأشباههم، فلا وجه إذن لقول من قال: ويحتمل أن تكون موصوفةً إن جعلت التعريف للعهد، لأن المراد بقوله: (مَن يَقُولُ) حينئذٍ قومٌ بأعيانهم وأشخاصهم كعبد الله بن أبي وأصحابه، فكيف تجعل موصوفةً، لأن «من» نكرةٌ والقوم معهودون! ثم إني بعد برهةٍ من الزمان وقفت على ما أشار إليه المصنف في قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ومَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا) الآية [النحل: ٧٥] بقوله «الظاهر أن «من» موصوفة، كأنه قيل: وحرًّا رزقناه؛ ليطابق (عَبْدًا)، ولا يمتنع أن تكون موصولة»، يريد أن الآية من باب التضاد، فالظاهر أن تراعى المطابقة من كلمات القرينتين، فإذا قلت: عبدًا مملوكًا والحر الذي رزقناه؛ ذهبت المطابقة وفاتت الطلاوة، فلا يذهب إليه إلا الكز الجافي الغليظ الجاسي. وأما الجواب عن قول من قال: بينهم وبين المنافقين تنافٍ، فهو عين ما ذكره المصنف في الجواب عن سؤاله «كيف يجعلون بعض أولئك والمنافقون غير المختوم على قلوبهم»؛ لأن هذا السؤال واردٌ على قوله: «ويجوز أن تكون للعهد والإشارة إلى الذين كفروا المار ذكرهم كأنه قيل: «ومن هؤلاء من يقول»، والمار ذكرهم على ما سبق في الكتاب: أبو لهبٍ وأبو جهلٍ والوليد بن المغيرة وأضرابهم، فإذا جعل التعريف في الناس للمعهودين و(مَن يَقُولُ) يكون بعضًا منهم، لزم أن يكونوا في حكمهم في كونهم مختومًا على قلوبهم، وليس كذلك لما ذكر من قوله: «افتتح سبحانه بذكر المخلصين، ثم ثنى بذكر الذين محضوا الكفر ظاهرًا وباطنًا، وثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم» وإليه الإشارة بقوله: «والمنافقون غير المختوم على قلوبهم».
[ ٢ / ١٥٤ ]
قلت: اختصاصهما بالذكر كشف عن إفراطهم في الخبث،
_________________
(١) وأجاب: أن «الكفر جمع الفريقين معًا» إلى آخره، يعني: كون هؤلاء مخصوصين بحكم النفاق لا يخرجهم من جنس المصممين، بل يفيد تميزهم عنهم بما لم يتصفوا به، وإليه الإشارة بقوله: «بزيادةٍ زادوها على الكفر الجامع بينهما»، فالتعريف في قوله: «الكفر جمع الفريقين معًا» وقوله: «الكفر الجامع بينهما» للعهد وهو الكفر الخاص، لأنه جنسٌ أيضًا باعتبار النوعين، وهذا من فصيح الكلام ووجيزه؛ لأن الجنس إذا أطلق شاع في جميع متناولاته إن لم تنتهض قرينةٌ على إرادة البعض، فإذا حصلت القرينة قيدت، فإذا كررت كرر، فإنه تعالى لما قال: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) تناول جميع الفرق من الكفرة، فقيد بقوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) بالمصممين، ثم قيده مرةً أخرى مع ذلك القيد بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ). ونحوه قول الأصوليين: يجوز تخصيص ما بقي غير محصور، وكيف لا يكون المنافقون مختومًا على قلوبهم، وقد صح المصنف بعد هذا في قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) [البقرة: ١٧]! والأوجه أن يراد الطبع بقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) [البقرة: ١٨]. ثم إني عثرت بعد هذا التقرير على كلامٍ من جانب الإمام أفضل المتأخرين القاضي ناصر الدين- تغمده الله برضوانه- ما شد بعضده، قال: واللام فيه للجنس و«مَنْ) موصوفةٌ إذ لا عهد، فكأنه قال: ومن الناس ناسٌ يقولون، وقيل: للعهد، والمعهودون: هم الذين كفروا، و«مَنْ» موصولةٌ مرادٌ بها ابن أبيًّ وأصحابه ونظراؤه، فإنهم من حيث إنهم صمموا على النفاق دخلوا في عداد الكفار المختوم على قلوبهم، واختصاصهم بزيادةٍ زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم في هذا الجنس، فإن الأجناس إنما تتنوع بزياداتٍ تختلف فيها أبعاضها. قوله: (اختصاصهما)، فاعله: الله، يعني: إنما خصهما بالذكر من بين سائر قبائحهم للكشف عن إفراطهم في الخبث.
[ ٢ / ١٥٥ ]
وتماديهم في الدعارة لأن القوم كانوا يهودًا، وإيمان اليهود باللَّه ليس بإيمان، لقولهم: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) [التوبة: ٣٠]، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر، لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته، فكان قولهم: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ) خبثًا مضاعفًا، وكفرًا موجهًا، لأن قولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق وعقيدتهم عقيدتهم، فهو كفر لا إيمان. فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة للمسلمين واستهزاء بهم، وأروهم أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي، كان خبثا إلى خبث، وكفرًا إلى كفر. وأيضا فقد أوهموا في هذا المقال أنهم اختاروا الإيمان من جانبيه، واكتنفوه من قطريه، وأحاطوا بأوّله وآخره
_________________
(١) قوله: (في الدعارة) أي: الفسق والخبث. الجوهري: يقال: هو خبيثٌ داعرٌ بين الدعر والدعارة. قوله: (موجهًا) أي: ذا وجهين. الأساس: ومن المجاز: كساءٌ موجهٌ: له وجهان. وأحدب موجهٌ له حدبتان من خلفٍ وقدام؛ لأنهم أظهروا في هاتين المسألتين ما يخالف اعتقادهم؛ لأنهم قالوا: عزيرٌ ابن الله، والآخرة لا يكون فيها إلا تلذذ الأرواح بالروائح العبقة وما شاكل ذلك، فلما علموا أن عمدة ما ينكره المسلمون عليهم هو هذان الأمران، تعرضوا لهما وصرحوا بالاعتراف بهما مع أنهم باقون على اعتقادهم الأصلي، وغرضهم إجراء أحكام المسلمين عليهم وكان ذلك غاية دهائهم ومكرهم. قوله: (وأيضًا): ابن السكيت: هو مصدر قولك: آض يئيض أيضاَ، أي: عاد، وإذا قال: فعلت ذاك أيضًا، قلت: قد أكثرت من أيضٍ. قوله: (وأيضًا فقد أوهموا) عطفٌ على جواب «إذا» وهو «كان خبثًا إلى خبثٍ» أي: إذا قالوه على وجه النفاق كان خبثًا مضاعفًا مع إيهام أنهم أحاطوا بالإيمان من جانبيه.
[ ٢ / ١٥٦ ]
وفي تكرير الباء أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام. فإن قلت: كيف طابق قوله: (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) قولهم (آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ) والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل؟
_________________
(١) قوله: (وفي تكرير الباء) وذلك أن في العطف على المظهر المجرور لا يجب إعادة الجار كما في المضمر نحو: مررت به وبعمروٍ، فكرر ها هنا ليؤذن بالاستقلال والأصالة. قوله: (كيف طابق) تقرير السؤال: أن قولهم: «آمنا» مسوقٌ لذكر شأن الفعل، أي: أحدثنا الإيمان، وليس في شأن الفاعل، فلما كان الدعوى في إحداث الإيمان أتوا بجملةٍ فعليةٍ، ولو كان في شأن الفاعل لقيل: نحن آمنا، وحدنا دون غيرنا، فكيف طابقه قوله: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) وأنه في ذكر شأن الفاعل لإيلاء ضمير الفاعل حرف النفي، وقد أجمعوا على أنه يفيد التخصيص. قال المصنف في تفسير قوله تعالى: (ومَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز) [هود: ٩١]: دل إيلاء الضمير حرف النفي على أن الكلام واقعٌ لا في الفعل، كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيزٍ بل رهطك هم الأعزة عندنا. وذكر صاحب «المفتاح»: ويحترز أن يقال: ما أنا ضربت إلا زيدًا، لأن نقض النفي ب «إلا» يقتضي أن تكون قد ضربته، وتقديمك ضميرك وإيلاؤك حرف النفي يقتضي أن تكون قد ضربته. ونقل أن ظاهر كلام الشيخ عبد القاهر على أن في ما يليه حرف النفي القطع بأنه يفيد التخصيص مضمرًا كان أو مظهرًا، معرفًا أو منكرًا.
[ ٢ / ١٥٧ ]
قلت: القصد إلى إنكار ما ادعوه ونفيه، فسلك في ذلك طريق أدّى إلى الغرض المطلوب. وفيه من التوكيد والمبالغة ما ليس في غيره، وهو إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن تكون طائفة من طوائف المؤمنين؛ لما علم من حالهم المنافية لحال الداخلين
_________________
(١) قوله: (القصد إلى إنكار ما ادعوه) وحاصله: أن التركيب وإن دل على الاختصاص لكن ها هنا ما يأبى أن يحمل عليه، لأنه واردٌ في إنكار ما ادعوه؛ وذلك أن المنافقين ادعوا أنهم اختاروا الإيمان بجانبيه، وأحاطوا بأوله وآخره حيث خصوا ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر من بين خصاله، وادعوا الاستحكام والتأكيد مع ذلك، حيث كرروا ذكر الباء، وما ادعوا أنهم اختصوا بهما دون سائر الناس، لينكر عليهم دعوى الاختصاص، فوجب المصير إلى التأويل والحمل على الكناية الإيمائية ليفيد التأكيد ويحصل التطابق. بيانه: أنه تعالى لما أولى الضمير حرف النفي وحكم عليهم بأنهم ليسوا بمؤمنين، وكان ذلك جوابًا عن دعوتهم أنهم اختاروا الإيمان بجانبيه على صفة الإحكام، دل على إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن يكونوا طائفةً من طوائف المؤمنين، وإذا شهد عليهم بذلك لزم نفي ما ادعوه على سبيل البت والقطع. وقلت: هذا إنما يصح لو قيل: وما هم من المؤمنين؛ إذ ليس قوله: وما هو بمؤمنٍ مثل ما هو من المؤمنين، لكن الأول أبلغ؛ لأنه نفيٌ لأصل الإيمان، والثاني نفيٌ للكمال. ويمكن أن يجري الكلام على التخصيص، وأن يكون الكلام في الفاعل، ويكون موقع السؤال قول المصنف: «وأروهم أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي» وذلك لما ادعوا أنهم يوافقون المسلمين في المسألتين، وأن إيمانَهم كإيمانِهم قيل: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) على قصر الإفراد؛ لأنهم ادعوا الشركة في الإيمانين الحقيقيين فردوا باختصاص المؤمنين بهما دونهم، كقوله تعالى: (ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهُمْ لَمِنكُمْ ومَا هُم مِّنكُمْ) [التوبة: ٥٩]. والمقام يساعد هذا التقرير دون الأول، وذلك أن سياق الكلام لبيان خبث المنافقين ودعارتهم كما ذكر، فإذا ادعوا رفع المخالفة من البين، ارتفع المنازعة، وإنما المنازعة بينهما في هاتين المسألتين أقوى من سائر المسائل، وادعاء
[ ٢ / ١٥٨ ]
في الإيمان. وإذا شهد عليهم بأنهم في أنفسهم على هذه الصفة، فقد انطوى تحت الشهادة عليهم بذلك نفى ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل البت والقطع. ونحوه قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها) [المائدة: ٣٧]، هو أبلغ من قولك: وما يخرجون منها. فإن قلت: فلم جاء الإيمان مطلقا في الثاني وهو مقيد في الأوّل؟ قلت: يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه، وأن يراد بالإطلاق أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان باللَّه وباليوم الآخر،
_________________
(١) حصولهما أدعى لرفع المخالفة، فكان اختصاصهما أهم من غيرهما. ألا ترى إلى قول الفقهاء: الفلسفي إذا قال: أشهد أن الباري علة الموجودات أو مبدؤها أو سببها، ولم يكن ذلك إيمانًا حتى يقر بأنه مخترع ما سواه ومحدثه بعد أن لم يكن. ذكره شارح «اللباب». وأما تشبيه التركيب بقوله: (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ ومَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا) [المائدة: ٣٧] فصحيحٌ، ولكن لا يتم به غرضه، وذلك أن قوله: (آمَنَّا) نحو: (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا) وأن قوله: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) نحو قوله: (ومَا هُم بِخَارِجِينَ) ولكن قوله: (ومَا هُم بِخَارِجِينَ) نصٌّ في الاختصاص كما سيأتي بيانه في موضعه. قوله: (ما انتحلوا)، الأساس: قال شعرًا فنحله غيره، وانتحل شعر غيره: إذا ادعاه لنفسه. قوله: (يحتمل أن يراد التقييد) حاصل الجواب: إنما حذف المفعول لدلالة المذكور عليه، أو حذف لتعم الفائدة، ولئلا يقصره السامع على ما يذكر معه، ويحتمل أن ينزل منزلة اللازم نحو: فلانٌ يعطي ويمنع. قوله: (قط)، الجوهري: إذا كانت بمعنى «حسب» وهو الاكتفاء فهي مفتوحةٌ ساكنةٌ الطاء، تقول: رأيته مرةً واحدةً فقط، وقط بضم الطاء معناها الزمان، يقال: ما رأيته قط.
[ ٢ / ١٥٩ ]
ولا من الإيمان بغيرهما. فإن قلت: ما المراد باليوم الآخر؟ قلت: يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حدّ له وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع، لتأخره عن الأوقات المنقضية. وأن يراد الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة الذي لا حدّ للوقت بعده. والخدع: أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه. من قولهم: ضب خادع وخدع، إذا أمر الحارش يده على باب جحره أو همه إقباله عليه ثم خرج من باب آخر. فإن قلت: كيف ذلك ومخادعة اللَّه والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا تخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنون وإن جاز أن يخدعوا لم يجز أن يخدعوا.
ألا نرى إلى قوله:
واسْتَمْطَرُوا مِنْ قُرَيْشٍ كلَّ مُنْخدِعِ
_________________
(١) قوله: (أن يراد به الوقت الذي لا حد له) يريد أن اليوم هنا: الوقت. وهو إما أن يعبر به عن الوقت الذي لا انقضاء له وبإزائه الوقت الذي له انقضاءٌ، وهو الأيام الدنيوية، وأوان البرزخ، وأوان النشور لفصل القضاء ولتعاقبه إياها سمي باليوم الآخر، وأن يعبر به عن الوقت المحدد، أي: الذي عينه الله تعالى بقوله: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [المعارج: ٤]، وسمي باليوم الآخر لكونه آخر الأيام المنقضية ومن جملتها، وتلك محدودةٌ في علمه الخاص. قوله: (والخدع أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه) وزاده القاضي: لينزله عما هو بصدده. وقال الإمام: إظهار ما يوهم السلامة، وإبطان ما يقتضى الإضرار بالغير أو التخلص منه. يشير إلى أن تعريفه ليس بجامعٍ، ولعل قوله: «من المكروه» يشمل تخلصه منه؛ لأن العدو يكره خلاص عدوه، وفي قوله: «ثم خرج من بابٍ آخر» رمزٌ إليه. قوله: (واستمطروا من قريشٍ كل منخدعٍ) تمامه: إن الكريم إذا خادعته انخدعا
[ ٢ / ١٦٠ ]
وقول ذي الرمّة:
إنَّ الحَليمَ وذَا الإِسْلامِ يُخْتَلَبُ
_________________
(١) قائله الفرزدق، والاستمطار: الاستسقاء، أي: اطلبوا العطاء، فإنه يعطيه كالمطر، و«من قريشٍ» بيان كل منخدعٍ، وهو حالٌ منه. قيل: كان عبد الله بن عمر ﵄ كلما صلى عبدٌ له أعتقه، فقيل له: من خادعنا بالله ننخدع [له]. وقيل في حق أبيه: كان أعقل من أن يُخدع، وأروع من أن يَخدع، ولا يبعد أن يحمل البيت على التلميح؛ وذلك أن عمر ﵁ صعد المنبر وقال: اللهم إنا كنا إذا أقحطنا استسقينا بنبيك، فتسقينا، وإنا نستسقيك اليوم بعم نبيك- يعني: عباسًا- فاسقنا، فسقوا في الحال، فقال عقيل بن أبي طالب: بعمي سقى الله البلاد وأهلها … عشية يستسقي بشيبته عمر توجه بالعباس في الجدب داعيًا … فما حار حتى جاد بالديمة المطر قوله: (إن الحليم وذا الإسلام يختلب) القائل ذو الرمة، وأوله: تلك الفتاة التي علقتها عرضًا
[ ٢ / ١٦١ ]
فقد جاء النعت بالانخداع ولم يأت بالخدع؟ قلت: فيه وجوه. أحدها: أن يقال كانت صورة صنعهم مع اللَّه حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون، صورة صنع الخادعين. وصورة صنع اللَّه معهم - حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد شرار الكفرة وأهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر اللَّه فيهم فأجروا أحكامهم عليهم. والثاني: أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن اللَّه
_________________
(١) ـ العلق: الحب، يقال: نظرةٌ من ذي علق، عرضًا، أي: اعتراضًا من غير قصدٍ ونيةٍ بل بمخادعةٍ، ثم قال: إن الحليم .. البيت. الخلابة: الخديعة باللسان، يقال منه: خلبه يخلبه بالضم واختلبه مثله. قوله: (بإجراء أحكام المسلمين عليهم) يعني به جريان التوارث وإعطاء السهم من المغنم وغيرهما. هذا الوجه من الاستعارة التبعية الواقعة على طريق التمثيلية كما سبق في قوله: (عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ) [البقرة: ٥]، ألا ترى إلى قوله: «كانت صورة صنعهم مع الله حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون» إلى آخره كيف دل على بيان الحالة المتوهمة المنتزعة من عدة أمور. قوله: (وأهل الدرك) صح بالرفع عطفًا على محل «في عداد». قال: الدرك الأسفل: الطبق الذي في قعر جهنم. الراغب: الدرك كالدرجِ لكن الدرجُ يقال اعتبارًا بالصعود، والدرك اعتبارًا بالحدور، ولهذا قيل: درجات الجنة، ودركات النار، ولتصور الحدور في النار سميت هاويةً. قوله: (ترجمةً عن معتقدهم وظنهم) هذا كما مر في آخر الوجوه المذكورة في قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [البقرة: ٧].
[ ٢ / ١٦٢ ]
ممن يصح خداعه لأن من كان ادعاؤه الإيمان باللَّه نفاقا لم يكن عارفا باللَّه ولا بصفاته، ولا أن لذاته تعلقا بكل معلوم، ولا أنه غنى عن فعل القبائح فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون اللَّه في زعمه مخدوعا ومصابا بالمكروه من وجه خفى، وتجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم. والثالث: أن يذكر اللَّه تعالى ويراد الرسول ﷺ لأنه خليفته في أرضه، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده، كما يقال:
_________________
(١) قوله: (لم يكن عارفًا بالله ولا بصفاته) إلى آخره، مبنيٌّ على صيغة الجمع مع التفريق والتقسيم، فجمع ذات الله العليا وصفاته الحسنى في: «لم يكن عارفًا بالله ولا بصفاته»، وأما التفريق فهو قوله: «ولا أن لذاته» أي: أنهم لم يعلموا أنه من حيث ذاته له تعلقٌّ بكل معلومٍ جزئيٍّ وكلي، وقوله: «ولا أنه غنيّ» أي: لم يعلموا أنه من حيث صفاته غنيٌّ عن القبائح. وأما التقسيم فهو قوله: «فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله في زعمه مخدوعًا ومصابًا بالمكروه من وجهٍ خفيٍّ» أي: أنهم حين لم يعلموا أن لذاته تعلقًا بكل معلومٍ، زعموا أنه ممن يخدع. وقوله: (وتجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم) أي: حين لم يعلموا أنه من حيث صفاته غنيٌّ عن القبائح، حوزوا أنه ممن يَخدع. الانتصاف: قوله: «عالمٌ لذاته» والصواب أنه عالمٌ بعلمٍ عام التعلق بجميع المعلومات، ثم إنه تعالى لما كان عالمًا بعلمٍ عام التعلق استحال كونه مخدوعًا، ولما أنه لا يقع في الوجود شيءٌ إلا بقدرته، يمتنع أن يكون خادعًا لما فيه من الإشعار بالعجز عن المكافحة، لكن لما جاء في مقابلة خداع المنافقين صار كقوله: (ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ) [آل عمران: ٥٤]. قوله: (أن يدلس) المدلس: هو الذي يظهر خلاف مراده، ومنه أخذ التدليس في الحديث، لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع منه.
[ ٢ / ١٦٣ ]
قال الملك كذا ورسم كذا وإنما القائل والراسم وزيره أو بعض خاصته الذين قولهم قوله ورسمهم رسمه. مصداقه قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) [الفتح: ١٠]، وقوله: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) [النساء: ٨٠]. والرابع: أن يكون من قولهم: أعجبنى زيد وكرمه، فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا باللَّه. وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص، ولما كان المؤمنون من اللَّه بمكان، سلك بهم ذلك المسلك. ومثله: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة: ٦٢]، وكذلك: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [الأحزاب: ٥٧].
ونظيره في كلامهم: علمت زيدا فاضلا، والغرض فيه ذكر إحاطة العلم بفضل زيد لا به نفسه لأنه كان معلوما له قديما كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكر زيد توطئة وتمهيد لذكر فضله. فإن قلت: هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح؟ قلت: وجهه أن يقال: عنى به «فعلت» إلا أنه أخرج في زنة «فاعلت»؛
_________________
(١) ـ واعلم أن الخداع قد يكون حسنًا إذا كان الغرض استنزال الغير من ضلالٍ إلى رشدٍ، كما يفعل الأب البار بابنه من حيلةٍ تدعوه إلى ترك شرٍّ أو تعاطي خير. ومن تأمل جميع استدراجات التنزيل على لسان الرسل في دعوة الأمم، عاين معنى الخداع وشاهده. قوله: (أعجبني زيدٌ وكرمه) أي: أعجبني كرم زيدٍ. والتركيب يشبه البدل والمبدل منه من حيث التوظئة والتمهيد والتفسير والتأكيد، ويفترق من حيث إن المبدل في حكم المنحى. والمعطوف عليه هنا مقصودٌ بالذكر، ومرادٌ في الحكم، فكان لذات زيدٍ أيضًا مدخلًا في الإعجاب، ومن ثم قال: «ولما كان المؤمنون من الله بمكانٍ سلك بهم ذلك المسلك» أي: لما كان المؤمنون من الله بمنزلةٍ عظيمةٍ واختصاصٍ قويٍّ كأنه سرى خداعهم إلى خداعه تعالى. ويدل على الفرق قوله في المثال «إحاطة العلم بفضل زيدٍ لا به نفسه» إذ ليس فيه ذكر العاطف، فلا يكون فيه معنى الاختصاص بل مجرد التوطئة كما في المبدل. والمصنف كثيرًا يسلك في تراكيبه هذا الفن من العطف ويشبه أن يسمى بالعطف التفسيري.
[ ٢ / ١٦٤ ]
لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه. ويعضده قراءة من قرأ: (يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) وهو أبو حيوة. و(يُخادِعُونَ) بيان لـ (يَقُولُ)، ويجوز أن يكون مستأنفا كأنه قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين وما رفقهم في ذلك؟ فقيل (يُخَادِعُونَ). فان قلت: عمّ كانوا يخادعون؟ قلت: كانوا يخادعونهم عن أغراض لهم ومقاصد منها متاركتهم وإعفاؤهم عن المحاربة وعما كانوا يطرقون به من سواهم من الكفار. ومنها اصطناعهم بما يصطنعون به المؤمنين من إكرامهم
_________________
(١) اعلم أن الوجه الثالث والرابع لا تستقيم جوابًا للسؤال إلا أن يحمل خادعت على خدعت لما في تنزيل الله ﷾ اسمه المقدس منزلة اسم رسوله، وجعل تمهيدًا لذكر المؤمنين في هذا المقام للدلالة على الغضب الشديد على اعتدائهم، وإرادة الانتصار ممن يحاول خدعهم، وإنزال الهوان بهم، فلا يدخل في المعنى إثبات الخداع في جانب المؤمنين والله أعلم. ومن ثم عقبهما بقوله: (هل للاقتصار بخادعت على واحدٍ وجهٌ صحيح). قوله: (والمباراة)، الجوهري: فلانٌ يباري فلانًا، أي: يعارضه ويفعل مثل فعله، قال المصنف: هذا كما جاء يخاشي الله، أي: يخشاه خشيةً عظيمة. قوله: (رفقهم) أي: نفعهم، الأساس: ومن المجاز: هذا الأمر رافقٌ بك وعليك، ورفيق: نافعٌ بك، وأرفقني هذا الأمر ورفق بي: نفعني. قوله: (عم كانوا يخادعون؟) أي: عن أي شيءٍ من الأعراض كان يصدر خداعهم؟ ففيه تضمين معنى الصدور. قوله: (متاركتهم … واصطناعهم … واطلاعهم) هذه المصادر ثلاثتها مضافةٌ إلى المفعول، والفاعل المسلمون، والمفعول المنافقون. أي: متاركة المنافقين المسلمون، أي: لا يكلفونهم على المحاربة ويحمونهم عن الغير، ويحسنون إليهم كما يحسنون إلى المسلمين ويطلعونهم على أسرارهم. قوله: (يطرقون به)، الأساس: ومن المجاز: طرقه الزمان، أي: نوائبه، وأصابته طارقةٌ من الطوارق، ويقال: اصطنعت عنده صنيعةً، قال تعالى: (واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه: ٤١].
[ ٢ / ١٦٥ ]
والإحسان إليهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم ونحو ذلك من الفوائد، ومنها اطلاعهم - لاختلاطهم بهم - على الأسرار التي كانوا حراصا على إذاعتها إلى منابذيهم.
فإن قلت: فلو أظهر عليهم حتى لا يصلوا إلى هذه الأغراض بخداعهم عنها. قلت: لم يظهر عليهم لما أحاط به علما من المصالح التي لو أظهر عليهم لانقلبت مفاسد واستبقاء إبليس وذرّيته ومتاركتهم وما هم عليه من إغواء المنافقين وتلقينهم النفاق أشدّ من ذلك. ولكن السبب فيه ما علمه تعالى من المصلحة.
_________________
(١) قوله: (منابذيهم)، الأساس: من المجاز: نبذ إلى العدو: رمى إليه بالعهد ونقضه، ونابذه منابذةً. قوله: (فلو أظهر عليهم) جواب «لو» محذوفٌ، أي: لو جعل الله تعالى نفاقهم ظاهرًا على المسلمين إظهارًا جليًا حتى لا يصلوا إلى أغراضهم، ماذا كان؟ ولا يجوز أن يكون «أظهر عليهم» بمعنى أطلع عليهم إلا على تقدير حذفٍ، أي: أطلع الله على المؤمنين على أسرار المنافقين. قوله: (لانقلبت مفاسد) منها: أنهم إذا ستروا على المنافقين أحوالهم، خفي على المخالفين أمرهم، وحسبوا أنهم من جملة المسلمين وأن كلمتهم واحدة، فكان ذلك سببًا لاجتنابهم عن محاربة المسلمين لكثرة عددهم، بل يؤدي ذلك إلى استشعار الخوف منهم، وإذا أظهر الله عليهم، انقلبت إلى العكس. ومنها: أنهم إذا سمعوا مخاشنة المسلمين مع من يصحبهم، ومن اشتهر أنه منهم، كان ذلك سببًا لنفرتهم وعدم تآلفهم؛ روينا عن البخاري ومسلمٍ والترمذي عن جابرٍ، قال عمر ﵁: ألا نقتل يا نبي الله هذا الخبيث، يعني عبد الله بن أبيٍّ بن سلول؟ فقال النبي ﷺ: «لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه» هذا مبنيٌّ على رعاية الأصلح، وإلا فالله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
[ ٢ / ١٦٦ ]
فإن قلت: ما المراد بقوله: (وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ)؟ قلت: يجوز أن يراد
_________________
(١) ـ قوله: (فإن قلت: ما المراد بقوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ» [البقرة: ٩] يعني أنك فسرت «يخادعون الله» بما فسرت. فما معنى (وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ) والمخادعة إنما تكون بين اثنين، فكيف يخادع أحدٌ نفسه؟ وأجاب عنه بوجوهٍ ثلاثةٍ أحدها: أن قوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ)، ذكر لمشاكلته «يخادعون الله» المراد به الاستعارة كما سبق، أي: لما كان ذلك مبنيًا على المفاعلة، جعل الذي من طرفٍ واحدٍ مثله، رومًا للمشاكلة. قال الواحدي: فلما وقع الاتفاق على الألف في قوله (يُخَادِعُونَ اللَّهَ) أجرى الثاني على الأول، طلبًا للتشاكل. وقال المرزوقي في قول الطائي: لا تسقني ماء الملام فإنني … صبٌّ قد استعذبت ماء بكائي لما قال في آخر البيت: «ماء بكائي» قال في الأول: «ماء الملام» فأقحم اللفظ على اللفظ إذ كان من سببه، كقوله تعالى: (وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) [الشورى: ٤٠] فالثانية جزاءٌ وليست بسيئةٍ، فجاء باللفظ على اللفظ إذ كان من سببه، فكذا ها هنا، لما كان خداع أنفسهم- أي: إيصال الضرر إليها- مسببًا عن تلك المخادعة المشبهة بمغافلة المخادعين ومصاحبًا له، قيل: يخادعون، فجاء باللفظ على اللفظ. وثانيهما: أن يراد حقيقة المخادعة الواقعة بين اثنين، لكن على أسلوب التجريد. قال ابن الأثير: إنهم يجردون من أنفسهم شخصًا آخر، ثم يخاطبونه كخطاب الغير. قال الأعشى:
[ ٢ / ١٦٧ ]
وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها يلحقهم، ومكرها يحيق بهم، كما تقول: فلان يضارّ فلانا وما يضارّ إلا نفسه، أى: دائرة الضرار راجعة إليه وغير متخطية إياه، وأن يراد حقيقة المخادعة أى: وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل ويكذبونها فيما يحدثونها به، وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدّثهم بالأمانى وأن يراد: وما يخدعون فجيء به على لفظ «يفاعلون» للمبالغة. وقرئ: (وَمَا يَخْدَعونَ)، و(يُخَدِّعون) من خدَّع. و(يَخدعون) بفتح الياء
_________________
(١) ـ ولن تطيق وداعًا أيها الرجل وإليه الإشارة بقوله: «وهم في ذلك يخدعون أنفسهم، وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدثهم». قوله: (وأن يراد: وما يخدعون) هذا الجواب وما قبله صريحٌ في أن السؤال عن استعمال «يُخادِعون» في جانبٍ واحد. والوجه الثالث أيضًا تجريدٌ لكن من جانبٍ واحدٍ، كأن كل واحدٍ منهم جرد من نفسه شخصًا يخدعه. قوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ) قرأها عاصمٌ وحمزة والكسائي وابن عامرٍ، والباقون: (وَمَا يَخْدَعُونَ) قراءة عبد السلام بن شداد والجارود.
[ ٢ / ١٦٨ ]
بمعنى: يختدعون. ويخدعون. ويخادعون على لفظ ما لم يسم فاعله. والنفس: ذات الشيء وحقيقته. يقال عندي كذا نفسًا. ثم قيل للقلب: نفس لأن النفس به. ألا ترى إلى قولهم: (المرء بأصغريه)؟
_________________
(١) هذا على قولك: خدعت زيدًا نفسه، أي: عن نفسه على إرادة الإيصال، أو يحمل على المعنى، فيضمر له ما ينصبه، وذلك أن قولك: خدعت زيدًا عن نفسه، يدخله معنى انتقصته نفسه، وملكت عليه نفسه، وهذا من أسد مذاهب العربية؛ وذلك أنه موضعٌ يملك فيه المعنى عنان الكلام، فيأخذه إليه ويصرفه بحسب ما يؤثره، وجملته: أنه متى كان فعلٌ من الأفعال في معنى فعلٍ آخر، فكثيرًا ما يجزى أحدهما مجرى صاحبه، فيعدل في الاستعمال به إليه، ويحتذى به في تصرفه حذو صاحبه، وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضد مأخذه؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (هَل لَّكَ إلَى أَن تَزَكَّى) [النازعات: ١٨] أي: في أن تزكى، فنظر معه معنى قولك: أجذبك إلى كذا، وأدعوك إليه. قوله: (ثم قيل للقلب: نفسٌ) إطلاقًا لاسم المسبب على السبب، ولذلك قال: «لأن النفس به» أي: النفس تقوم بالقلب. قوله: (المرء بأصغريه) قال الميداني: يعني بهما القلب واللسان، وقيل لهما: الأصغران لصغر حجمهما. ويجوز أن يسميا الأصغرين ذهابًا إلى أنهما أكثر ما في الإنسان معنىً وفضلًا، كما قيل: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، والجالب للباء معنى القيام كأنه قال: المرء تقوم معانيه بهما، ويكمل المرء بهما، وأنشد لزهيرٍ: وكائن ترى من صامتٍ لك معجبٍ … زيادته أو نقصه في التكلم
[ ٢ / ١٦٩ ]
وكذلك بمعنى الروح، وللدم نفس؛ لأن قوامها بالدم. وللماء نفس لفرط حاجتها إليه: قال اللَّه تعالى: (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء: ٣٠].
وحقيقة نفس الرجل بمعنى عين أصيبت نفسه، كقولهم: فلان يؤامر نفسيه - إذا تردّد في الأمر اتجه له رأيان وداعيان لا يدرى على أيهما يعرج كأنهم أرادوا
_________________
(١) ـ لسان الفتى نصفٌ، ونصفٌ فؤاده … فلم يبق إلا صورة اللحم والدم فالنفس على هذا بمعنى الجملة لقوله: المرء بأصغريه. قوله: (وكذلك بمعنى الروح) عطفٌ على قوله: «والنفس ذات الشيء» أي: وكذلك جاء النفس بمعنى الروح. وقوله: «ثم قيل للقلب نفسٌ» مجازٌ متفرعٌ على الأول. وقوله: (للدم نفسٌ) متفرعٌ على الثاني يدل عليه قوله: «لأن قوامها» أي: قوام الروح بالدم، لأنه مقابلٌ لقوله: «لأن النفس به». قال في الأساس: ومن المجاز: دفق نفسه، أي: دمه. وعن النخعي: كل شيءٍ ليست له نفسٌ سائلةٌ فإنه لا ينجس الماء. ومنه: النفاس. وقوله: (وحقيقة نفس الرجل) متفرعٌ على الأول. قوله: (وقولهم) مبتدأٌ، والخبر «كأنهم»، والعائد محذوف، و«إذا» ظرف قولهم.
[ ٢ / ١٧٠ ]
داعي النفس، وهاجسي النفس فسموهما: نفسين، إما لصدورهما عن النفس، وإما لأن الداعيين لما كانا كالمشيرين عليه والآمرين له، شبهوهما بذاتين فسموهما نفسين. والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم. والمعنى بمخادعتهم ذواتهم: أن الخداع لاصق بهم لا يعدوهم إلى غيرهم ولا يتخطاهم إلى من سواهم. ويجوز أن يراد قلوبهم ودواعيهم وآراؤهم.
والشعور علم الشيء علم حس. من الشعار. ومشاعر الإنسان: حواسه. والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادى غفلتهم كالذي لا حسّ له. واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة ومجازًا؛ فالحقيقة:
_________________
(١) ـ قوله: (هاجسي النفس)، النهاية: الهاجسة: هي ما يهجس في الضمائر، أي: ما يخطر بها ويدور فيها من الأحاديث والأفكار. قوله: (إما لصدورهما عن النفس) أي: هو من إطلاق المحل وإرادة الحال. قوله: (ذواتهم: أن الخداع لاصقٌ بهم) مبنيٌّ على الوجه الأول في الجواب عن معنى المخادعة على طريق المشاكلة، وقوله: «ويجوز أن يراد قلوبهم» على الوجه الثاني على سبيل التجريد. قوله: (واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقةً) تحقيقه ما أشار إليه الإمام: أن الإنسان إذا صار مبتلًى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه، ودام به، فربما صار سببًا لتغير مزاج القلب وتألمه. قال أبو الطيب: والهم يخترم النفوس مخافةً … ويشيب ناصية الصبي ويهرم
[ ٢ / ١٧١ ]
أن يراد الألم كما تقول في جوفه مرض. والمجاز أن يستعار لبعض أعراض القلب، كسوء الاعتقاد، والغل، والحسد والميل إلى المعاصي، والعزم عليها، واستشعار الهوى، والجبن، والضعف، وغير ذلك مما هو فساد وآفة شبيهة بالمرض،
_________________
(١) ثم قال: في قوله: «فالحقيقة أن يراد الألم» نظر؛ لأن الألم مسببٌ عن المرض لا نفس المرض. قال القاضي: المرض: حقيقةٌ فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال الخاص به، ويوجب الخلل في أفعاله، ومجازٌ في الأعراض النفسانية التي تخل بكمالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والضغينة وحب المعاصي، لأنها مانعةٌ عن نيل الفضائل أو مؤديةٌ إلى زوال الحياة الحقيقية الأبدية. قوله: (كسوء الاعتقاد) إلى آخره، جعل أمراض القلب على نوعين: أحدهما: ما يتعلق بالدين وهو المراد بقوله: «كسوء الاعتقاد» وهو الكفر والبدعة. وثانيهما: ما يتعلق بالأخلاق، وهو إما ما يصدر به عن فاعله الرذائل، وهو المراد بقوله: «الغل والحسد والميل إلى المعاصي» وجعل طلب الشهوات شعارًا له. أو يمنعه من نيل الفضائل وهو المراد بقوله: «والجبن والضعف» فإن الجبن يمنعه من الشجاعة وكف الأذى عن نفسه وطلب معالي الأمور، والضعف يمنعه عن بذل المعروف، ويحمله على أن يقنع بسفساف الأمور، ولهذا لما نشر هذا الكلام جاء بلفظة «أو» في الوجهين الآخرين. ومعنى الاستئناف في قوله: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) [البقرة: ١٠] كمعنى الاستئناف في قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [البقرة: ٧].
[ ٢ / ١٧٢ ]
كما استعيرت الصحة والسلامة في نقائض ذلك. والمراد به هنا ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد والكفر، أو من الغل والحسد والبغضاء، لأن صدورهم كانت تغلى على رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين غلًا وحنقًا ويبغضونهم البغضاء التي وصفها اللَّه تعالى في قوله: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [آل عمران: ١١٨]، ويتحرقون عليهم حسدا (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) [آل عمران: ١٢٠]، وناهيك مما كانمن ابن أبىّ وقول سعد بن عبادة لرسول اللَّه ﷺ
_________________
(١) قوله: (ويتحرقون) من حرق نابه، أي: سحقه حتى يسمع له صريفٌ، فهو كنايةٌ عن الغيظ الذي جلبه الحسد. قوله: (ناهيك)، الجوهري: يقال: هذا رجلٌ ناهيك من رجل، أي: أنه بجده وغنائه ينهاك عن تطلب غيره. والباء في قوله: «بما كان من ابن أبيٍّ» كالباء في حسبك بزيدٍ. المعنى: يكفيك ما كان من ابن أبي بن سلول من الحسد والبغضاء أي: شدة البغض. روينا عن الشيخين: البخاري ومسلم، عن أسامة: أن رسول الله ﷺ ركب على حمارٍ، وأردف أسمة بن زيدٍ يعود سعد بن عبادة، قبل وقعة بدرٍ، فسارا حتى مرا بمجلسٍ فيه عبد الله ابن أبي بن سلول قبل إسلامه، وفي المجلس أخلاطٌ من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله ابن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله ﷺ فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله ابن أبي: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقًّا فلا تؤذونا به في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، واستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم حتى سكنوا ثم ركب ﷺ فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي ﷺ: «يا سعد، ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟» يريد ﷺ
[ ٢ / ١٧٣ ]
اعف عنه يا رسول اللَّه واصفح، فواللَّه لقد أعطاك اللَّه الذي أعطاك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة، فلما ردّ اللَّه ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك. أو يراد ما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخور؛ لأن قلوبهم كانت قوية؛ إما لقوة طمعهم فيما كانوا يتحدثون به أن ريح الإسلام تهب حينًا
_________________
(١) عبد الله ابن أبي، «قال، كذا وكذا»، فقال: يا رسول الله اعف عنه، ثم ساقا الحديث كما أورده المصنف مع تغييرٍ سيرٍ. فالحديث دل على أن ابن أبي كان كافرًا محضًا، ولم يكن منافقًا حينئذٍ، والذي يعلم من ظاهر كلام المصنف أنه كان منافقًا، ولعل مراده من إيراد قصته مجرد إظهار الحسد والبغضاء دون النفاق. قوله: (هذه البحيرة) البحيرة: كل قريةٍ واسعة، قال في «الفائق»: البحيرة: المدينة، يقولون: هذه بحيرتنا، أي: أرضنا وبلدتنا. قوله: (أن يعصبوه) من العصابة؛ العمامة يعصب بها الرأس، وهو كنايةً عن التسويد، لأن العمائم تيجان العرب. قوله: (شرق بذلك) الشرق: الشجى والغصة. وقد شرق بريقه، أي: غص ولم يقدر على إساغته لتعاظمه إياه، كأنه اعترض في حلقه فغص به كما يغص الشارب بالماء. قوله: (أن ريح الإسلام) قال: الريح: الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيتها بالريح وهبوبها، وأنشد:
[ ٢ / ١٧٤ ]
ثم تسكن ولواءه يخفق أياما ثم يقرّ، فضعفت حين ملكها اليأس عند إنزال اللَّه على رسوله النصر وإظهار دين الحق على الدين كله. وإما لجرامتهم وجسارتهم في الحروب فضعفت جبنًا وخورا حين قذف اللَّه في قلوبهم الرعب وشاهدوا شوكة المسلمين وإمداد اللَّه لهم بالملائكة. قال رسول اللَّه ﷺ: «نصرت بالرعب مسيرة شهر»». ومعنى زيادة اللَّه إياهم مرضًا أنه كلما أنزل على رسوله الوحى فسمعوه كفروا به فازدادوا كفرًا إلى كفرهم، فكأن اللَّه هو الذي زادهم ما ازدادوه إسنادا للفعل إلى المسبب له، كما أسنده إلى السورة في قوله: (فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: ١٢٥]؛ لكونها سببًا؛ أو كلما زاد رسوله نصرة وتبسطا في البلاد ونقصًا
_________________
(١) إذا هبت رياحك فاغتنمها … فعقبى كل خافقةٍ سكون قوله: (نصرت بالرعب مسيرة شهر) في حديثٍ طويلٍ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي. الرعب: الفزع والخوف. قال صاحب «الجامع»: وذلك أن أعداء النبي ﷺ كان قد أوقع الله في قلوبهم الرعب، فإذا كان بينه صلوات الله عليهم وبينهم مسيرة شهرٍ، هابوه وفزعوا منه فلا يقدموا على لقائه. قوله: (فازدادوا كفرًا إلى كفرهم) هذا على تقدير أن يكون المراد بالمرض سوء الاعتقاد. قوله: (إسنادًا للفعل) مصدرٌ لفعلٍ محذوفٍ. وفيه إشارةٌ إلى مذهبه، يعني: أنه تعالى لما كان سببًا للفعل وهو إنزاله الوحي أسند ازدياد المرض إلى نفسه.
[ ٢ / ١٧٥ ]
من أطراف الأرض ازدادوا حسدا وغلا وبغضا وازدادت قلوبهم ضعفا وقلة طمع فيما عقدوا به رجاءهم وجبنا وخورا. ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع. وقرأ أبو عمرو في رواية الأصمعى: (مرضٌ) و(مرضًا) بسكون الراء:
يقال ألم فهو أَلِيمٌ كوجع فهو وجيع ووصف العذاب به نحو قوله:
تحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ
_________________
(١) قوله: (ازدادوا حسدًا وغلًا) هذا على التفسير الثاني. قوله: (أن يراد بزيادة المرض الطبع) يؤيد هذا الوجه إعادة ذكر المرض المنكر، وعدم الاكتفاء بالضمير في قوله: (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)؛ لأن النكرة إذا أعيدت دلت على غير ما تدل عليه أولًا، ففيه لمحةٌ من معنى قوله تعالى: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: ١٤] وقوله ﷺ: «إن العبد إذا أخطأ خطيئةً نكتت في قلبه نكتةٌ، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران» أخرجه أحمد بن حنبلٍ والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة. قوله: (وقرأ أبو عمرو) وهي شاذة. قال ابن جني: لا يجوز «مرضٌ» مخففًا من مرض، لأن المفتوح لا يخفف إلا شاذًّا، وإنما ذلك في المكسورة والمضمومة، فينبغي أن يكون أصله من مرضٍ لغةٌ في مرض كالحَلْبِ والحَلَب. قوله: (تحية بينهم ضربٌ وجيع) أنشد أوله الزجاج: وخيلٍ قد دلفت لهم بخيلٍ
[ ٢ / ١٧٦ ]
وهذا على طريقة قولهم: جدّ جدّه.
والألم في الحقيقة للمؤلم كما أنّ الجدّ للجادّ، والمراد بكذبهم قولهم آمنا باللَّه وباليوم الآخر. وفيه رمز إلى قبح الكذب وسماجته، وتخييل أن العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم. ونحوه قوله تعالى: (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا) [نوح: ٢٥]،
_________________
(١) أي: أصحاب خيل، دلفت: دنوت، يقال: دلفت الكتيبة في الحرب، أي: تقدمت، والتحية مصدر حييته تحيةً، أي: رب جيشٍ قد تقدمت إليها بجيشٍ، والتحية بينهم: الضرب بالسيف لا القول باللسان كما هو العادة، والوجيع في الحقيقة المضروب لا الضرب. قوله: (طريقة قولهم: جَدَّ جِدُّه) أي: طريقة الإسناد المجازي. قيل: يجوز أن يكون «أليم» بمعنى مؤلم، كالسميع بمعنى المسمع، والنذير بمعنى المنذر، وأنشد الزجاج لعمرو بن معدي كرب: أمن ريحانة الداعي السميع … يؤرقني وأصحابي هجوع وقال: معنى السميع: المسمع. قوله: (وفيه رمزٌ إلى قبح الكذب) وهو من باب التعريض، عرض بالمؤمنين، فإن المؤمن متى سمع أن العذاب ترتب على الكذب دون النفاق- على أن النفاق من أعظم أنواع الكفر، وأن صاحبه في الدرك الأسفل من النار- تخيل في نفسه تغليظ معنى الكذب، وتصور سماجته فانزجر منه أعظم الانزجار، وإليه الإشارة بقوله: (وإنما خصت الخطيئات استعظامًا لها، وتنفيرًا عن ارتكابها» وهذا المعنى يشبه ما في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ) [غافر: ٧] وحملة العرش ليسوا ممن لا يؤمنون، وذكر الإيمان لشرفه والترغيب فيه، وإنما خص هذا النوع، وهو التعريض بالرمز إذ الرمز إشارةٌ إلى المقصود من قريب مع نوع خفاءٍ، والتعريض كذلك.
[ ٢ / ١٧٧ ]
والقوم كفرة، وإنما خصت الخطيئات استعظاما لها وتنفيرا عن ارتكابها. والكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به وهو قبيح كله. وأما ما يروى عن إبراهيم ﵇ أنه كذب ثلاث كذبات؛
_________________
(١) قوله: (وأما ما يروى عن إبراهيم صلوات الله عليه: أنه كذب ثلاث كذباتٍ) جوابٌ عن سؤالٍ مقدرٍ يرد على قوله: «هو قبيحٌ كله» وهو يحتمل أن يكون مخصصًا لذلك العام، وأن يراد أن هذا لا يعد كذبًا، لأنه تعريضٌ، ومن ثم قيل: إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب. ويدل على أن مراد المصنف هو الاحتمال الأول: قوله في «الصافات»: «والصحيح أن الكذب حرامٌ إلا إذا عرض وروى» والذي قاله إبراهيم ﵇ تعريضٌ، لأنه جاء بأداة الاستثناء، لكن الاحتمال الثاني أولى أن يصار إليه، لأن حد الكذب على ما قال «هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به» لا يصدق عليه، فإن المعاريض والمجازات والنصوص الواردة على العموم أخبارٌ مقيداتٌ بالقرائن المانعة عن الحمل على الكذب؛ إما لفظًا، أو تقديرًا بحسب اقتضاء المقام، ومن ثم قال صاحب «المفتاح»: إن الكذاب لا ينصب دليلًا على كذبه. وأما تخصيص هذا العام، فهو إذا أريد بالكذب المكيدة في الحرب، والتقية، وإرضاء الزوج، والصلح بين المتخاصمين على ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن أم كلثوم بنت عقبة: أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين اثنين، فيقول خيرًا وينمي خيرًا». وزاد مسلم: ولم أسمعه يرخص في شيءٍ مما يقول الناس
[ ٢ / ١٧٨ ]
فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمى به،
_________________
(١) كذبٌ إلا في ثلاثٍ، يعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل زوجته، وحدي المرأة زوجها. وفي أفراد «الترمذي»: يا أيها الناس، ما يحملكم على أن تتابعوا على الكذب كتتابع الفراش في النار؟ الكذب كله على ابن آدم حرام إلا في ثلاث خصال: رجلٌ كذب امرأته ليرضيها، ورجلٌ كذب في الحرب، فإن الحرب خدعة، ورجلٌ كذب بين مسلمين ليصلح بينهما. رواه عن أسماء بنت يزيد. قوله: (فالمراد التعريض) وهو اللفظ المشار به إلى جانب، والغرض جانبٌ آخر، ويسمى تعريضًا لما فيه من التعوج عن المطلوب، يقال: نظر إليه بعرض وجهه، أي: بجانبه، ومنه المعاريض في الكلام، وهو التورية بالشيء. وتفسيره الكذبات بالتعريض يوافق ما روينا عن «الترمذي» عن أبي سعيدٍ في حديث الشفاعة «فيأتون إبراهيم فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات» ثم قال رسول الله ﷺ: «ما منها كذبةٌ إلا ما حل بها عن دين الله» أي: خاصم وجادل وذب عن دين الله، وتلك الكذبات على ما روينا في حديثٍ آخر في الشفاعة عن الشيخين والترمذي عن إبراهيم ﵇: «إني كذبت ثلاث كذبات» وفي روايةٍ فقال: وذكر قوله في الكوكب: (هَذَا رَبِّي) وقوله في
[ ٢ / ١٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) آلهتهم: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وقوله: (إنِّي سَقِيمٌ). ووجه التوفيق: أن قوله ﷺ: «ما حل» أي: جادل، وهو معنى التعريض، لأنه نوعٌ من الكناية، ونوعٌ من التعريض يسمى بالاستدراج، وهو: إرخاء العنان مع الخصم في المجاراة ليعثر حيث يراد تبكيته، فسلك إبراهيم ﵇ مع القوم هذا المنهج. أما قوله في الكوكب: (هَذَا رَبِّي) فقال المصنف: «فكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، ويرشدهم إلى أن شيئًا منها لا يصلح للإلهية لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثًا أحدثها». وأما قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) فتنبيهٌ على أن الإله الذي لم يقدر على دفع المضرة عن نفسه كيف يرجى منه دفع الضرر عن الغير. وأما قوله: (إنِّي سَقِيمٌ) فإنه ﵇ أوهمهم أنه استدل بأمارة علم النجوم على أنه سقيمٌ ليتركوه، فيفعل بالأصنام ما أراد أن يفعل، أو سقيمٌ لما أجد من الغيظ والحنق باتخاذكم النجوم آلهةً، وفيه توقيفٌ على إبطال علم النجوم. فإن قلت: فإذا شهد له الصادق المصدوق بالبراءة، فما له يشهد على نفسه بها على أن تسميتها وأنها معاريض بالكذبات إخبارٌ بالشيء على خلاف ما هو به؟ قلت: نحن وإن أخرجناها عن مفهوم الكذبات باعتبار التورية وسميناها معاريض، فلا ننكر أن صورتها صورة التعوج عن المستقيم، فالحبيب قصد إلى براءة ساحة الخليل عما لا يليق بها، فسماها معاريض، والخليل لمح إلى مرتبة الشفاعة هنالك، وأنها مختصةٌ بالحبيب، فتجوز في
[ ٢ / ١٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الكذبات. ألا ترى إلى ما رواه أنسٌ وأخرجه الشيخان: «فيأتون آدم فيقولون: اشفع لذريتك فيقول: لست لها» وفي روايةٍ: «لست هناكم» فيذكر خطيئته، وعلى هذا نوحٌ وإبراهيم وموسى ﵈ إلى قوله: «فيأتون فأستأذن على ربي» الحديث. وإلا فما وجه ذكر الخطيئات وقد غفرت لهم بالنصوص القاطعة. ويمكن أن يقال: إنهم من هول ذلك اليوم، وما بهم من شأن أنفسهم، يدفعونهم بذلك. ويعضده ما أخرجه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة في حديثٍ طويلٍ: «فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله، اشفع لنا إلى ربك، فيقول لهم: إني ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات، فذكرها … نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري» الحديث. ونظيره قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا) [المائدة: ١٠٩]. قال المصنف: «قيل هو من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب». هكذا ينبغي أن يتصور هذا المقام، فإنه من مزال الأقدام، ألا ترى إلى الإمام كيف ذهل عن ذلك، وطعن في الأئمة، وقال في سورة يوسف: «الأولى ألا تقبل مثل هذه الأحاديث لئلا يلزمنا تكذيب الأنبياء»، ولا شك أن صونهم من نسبة الكذب إليهم أولى من صون الرواة، والله أعلم.
[ ٢ / ١٨١ ]
وعن أبي بكر ﵁ وروى مرفوعًا: «إياكم والكذب فإنه مجانب للإيمان» وقرئ (يكذبون) من "كذبه" الذي هو نقيض صدقه أو من كذّب الذي هو مبالغة في كذب، كما بولغ في صدق فقيل: صدّق. ونظيرهما: بان الشيء وبين، وقلص الثوب وقلص؛
_________________
(١) قوله: (وروي مرفوعًا) المرفوع: هو الحديث الذي أسند إلى النبي ﷺ، وإنما كان مجانبًا للإيمان لما مضى أن الإيمان هو التصديق، والتصديق أمانٌ للمُصَدَّقِ عما يتوهم من المٌصَدَّقِ من خوف التكذيب، ويطابقه من حيث المعنى ما أورد الإمامان مالكٌ وأحمد بن حنبلٍ في «مسنديهما» عن مالك بن صفوان، قلنا: يا رسول الله، أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: «نعم»، قيل: أيكون المؤمن بخيلًا؟ قال: «نعم»، قيل: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: «لا». قوله: (وقرئ: (يكذبون» وهي قراءة نافعٍ وابن كثيرٍ وأبي عمروٍ وابن عامر، وقرأ الكوفيون بالتخفيف وفتح الياء. قوله: (قَلَصَ الثوب وقلَّصَ) أي: انزوى بعد الغسل.
[ ٢ / ١٨٢ ]
أو بمعنى الكثرة كقولهم: موتت البهائم، وبركت الإبل، أو من قولهم: كذب الوحشي إذا جرى شوطا ثم وقف لينظر ما وراءه لأن المنافق متوقف متردّد في أمره، ولذلك قيل له مذبذب. وقال ﵇: (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة).
_________________
(١) قوله: (أو بمعنى الكثرة) عطفٌ على قوله: «هو مبالغة»، والفرق بين الكثرة والمبالغة: أن الكثرة تفيد صدور هذا المعنى من الشخص مرارًا كثيرةً، والمبالغة لا تستدعي المرات، بل المراد أن الشخص في نفسه بليغٌ في كذبه، كأنه بمنزلة مارٍ كثيرة. قال في سورة «مريم»: «الصديق من أبنية المبالغة كالضحيك، والمراد كثرة ما صدق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله، أو كان بليغًا في الصدق لأن ملاك أمر النبوة الصدق». قوله: (ومن قولهم: كذب الوحشي) عطفٌ على قوله: «ومن كذبه الذي هو نقيض صدقه»؛ فعلى هذا هو استعارةٌ تبعيةٌ واقعةٌ على التمثيل لقوله: «لأن المنافق متوقفٌ مترددٌ في أمره»، ولقوله ﷺ: «مثل المنافق» إلى آخره. والحديث أخرجه مسلمٌ والترمذي؛ والرواية: «كالشاة» قال التوربشي: العائرة أكثر ما تستعمل في الناقة وهي التي تخرج من الإبل إلى أخرى ليضربها الفحل، ثم اتسع في المواشي. قوله: (بين الغنمين) أي: ثلتين، فإن الغنم اسم جنس. أي: المنافق يتردد بين الثلتين فلا يستقر على حالٍ، ولا يثبت مع إحدى الطائفتين كالشاة العائرة التي تطلب الفحل. قلت: وفيه أيضًا معنى سلب الرجولية عنهم، وتصوير شناعة فعلهم.
[ ٢ / ١٨٣ ]
[(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ* وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ* وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ* أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ*)].
(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ) معطوف على (يكذبون). ويجوز أن يعطف على: (يَقُولُ آمَنَّا)؛ لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحًا، والأوّل أوجه
_________________
(١) قوله: (والأول أوجه) قال صاحب «التقريب»: إنما كان أوجه، لأنه أقرب، وليفيد تسببه للعذاب أيضًا. وقلت: وليؤذن أن صفة الفساد يحترز منها لقبحها كما يحترز عن الكذب تعريضًا كما سبق، ويمكن أن ينصر القول الثاني بأن يقال: إن في العطف على (يَقُولُ آمَنَّا) [البقرة: ٨] تصييرًا للآيات على سنن تعديد قبائحهم كما ذكره، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم، ولا شك أن قوله: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) الآية [البقرة: ١٠] متعلقٌ بقوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) على سبيل التعليل، فإذا عطف على «يكذبون» يكون تابعًا للتابع وإذا عطف على «يقول» كان مستقلاًّ مثله مذيلًا بقوله: (أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) [البقرة: ١٢] كما ذيلت الآيات السابقة واللاحقة، ومن ثم فضل قول المتنبي: إذا كان مدحٌ فالنسيب المقدم … أكل فصيحٍ قال شعرًا متيم؟ ! على قوله: مغاني الشعب طيبًا في المغاني … بمنزلة الربيع من الزمان
[ ٢ / ١٨٤ ]
والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية. قال اللَّه تعالى: (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) [البقرة: ٢٠٥]، (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) [البقرة: ٣٠]. ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد. وكان فساد المنافقين في الأرض. أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم،
_________________
(١) لأن المصراع الأول في البيت الأول مستقلٌ بنفسه بخلافه في الثاني، وأيضًا إذا ترتب إيجاب العذاب على الكذب وحده، ليكون سببًا مستقلاًّ، واستوجب هذا القول عذابًا آخر أفظع منه؛ لإطلاقه، كان أبسط للكلام وأشرح له لا سيما المقام يقتضي الإطناب. قوله: (لأن في ذلك فساد ما في الأرض) تعليلٌ لتسمية هيج الفتن بالفساد؛ لأن هيج الفتن سببٌ لانتفاء استقامة أحوال الناس من سفك الدماء وهلاك الزروع، وممالأة المنافقين الكفار على المسلمين سببٌ لهيج الحروب كما قال، فتكون الممالأة سببًا بعيدًا، وأما قوله تعالى: (وإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ) [البقرة: ٢٠٥] فهو إشارةٌ إلى هيج الحروب والفتن، وقوله: (ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ) [البقرة: ٢٠٥] إشارةٌ إلى فساد أحوال الناس والزروع. وقوله: (حرب الفساد) قيل: سمى هذا الحرب به؛ لأنهم مثلوا فيها بأنواع المثل؛ جدعوا الأنوف وصلموا الآذان. قوله: (يمالئونهم)، النهاية: في حديث عمر ﵁: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به»، أي: تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا، ومنه حديث عليٍّ ﵁: والله ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله، أي: ما ساعدت ولا عاونت.
[ ٢ / ١٨٥ ]
وذلك مما يؤدي إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد قيل لهم: لا تفسدوا، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته. و«إنما» لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب. ومعنى إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد. وأَلا مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا كقوله: (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ) [القيامة: ٤٠].
_________________
(١) الراغب: مالأته: عاونته وصرت من ملئه، أي: جمعه، نحو: شايعته، أي: صرت من شيعته. قوله: (إنما لقصر الحكم على شيءٍ) أي: لقصر المسند على المسند إليه كقولك: إنما ينطلق زيدٌ. فهو لقصر الانطلاق على زيدٍ؛ لأنه فرع قولك: ما ينطلق إلا زيدٌ، فيلزم أن لا يكون أحدٌ منطلقًا، ولا يلزم أن لا يكون له صفةٌ غير الانطلاق. قوله: (أو لقصر الشيء على حكم) أي: لقصر المسند إليه على المسند كقولك: إنما زيدٌ كاتبٌ، فهو لقصر زيدٍ على الكتابة؛ لأنه فرع قولك: ما زيدٌ إلا كاتبٌ، فيلزم أن لا يكون له صفةٌ غيرها، ولا يلزم أن لا يكون غيره كاتبًا، وقوله تعالى: (إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) [البقرة: ١١] من قبيل الثاني، وتقريره: أن المسلمين لما قالوا لهم: لا تفسدوا في الأرض، توهموا أن المسلمين أرادوا بذلك أنكم تخلطون الإفساد بالإصلاح، فأجابوا: بأنا مقصورون على الإصلاح لا نتجاوز إلى الإفساد ولا نتخطى إليه بوجهٍ من الوجوه، فيلزم منه عدم الخلط. وإليه أومأ بقوله: «إن صفة المصلحين خلصت لهم» إلى آخره فهو لقصر الإفراد، فأجيبوا بالقصر القلبي وهو (أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ) [البقرة: ١٢]، لإفادة ضمير الفصل وتعريف الجنس في الخبر أنهم
[ ٢ / ١٨٦ ]
ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم. وأختها التي هي «أما» من مقدّمات اليمين وطلائعها:
أَمَا والّذِى لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غَيْرُهُ
أَمَا والّذِى أَبْكَى وأَضحَكَ
ردّ اللَّه ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ ردّ وأدله على سخط عظيم،
_________________
(١) إن تصورت صفة المفسدين، وتحققوا ما هم، فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة، كما سبق في: (وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) [البقرة: ٥]. قال القاضي: تصوروا الفساد تصور الصلاح لما في قلوبهم من المرض (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) [فاطر: ٨]. قوله: (من مقدمات اليمين وطلائعها) طليعة الجيش: ما يتقدم الجيش، فاستعير ها هنا للمقدمة. قوله: (أما والذي لا يعلم الغيب غيره) تمامه: ويحيي العظام البيض وهي رميم قوله: (أما والذي أبكى وأضحك) تمامه: والذي … أمات وأحيا والذي أمره الأمر وجواب القسم بعده: لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى … أليفين منها لا يروعهما الذعر
[ ٢ / ١٨٧ ]
والمبالغة فيه من جهة الاستئناف وما في كلتا الكلمتين ألا. وإن من التأكيدين وتعريف الخبر وتوسيط الفصل. وقوله: (لا يَشْعُرُونَ).
أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده من الصواب وجرّه إلى الفساد والفتنة. والثاني: تبصيرهم الطريق الأسد من اتباع ذوى الأحلام، ودخولهم في عدادهم فكان من جوابهم أن سفهوهم لفرط سفههم، وجهلوهم لتمادى جهلهم. وفي ذلك تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة. فإن قلت: كيف صح أن يسند (قيل) إلى (لا تفسدوا) و(آمنوا) وإسناد الفعل إلى الفعل مما لا يصح؟ قلت: الذي لا يصح هو إسناد الفعل إلى معنى الفعل، وهذا إسناد له إلى لفظه، كأنه قيل: وإذا قيل لهم هذا القول وهذا الكلام،
_________________
(١) قوله: (والمبالغة فيه من جهة الاستئناف) أي: ترك العاطف ليفيد ضربًا من المبالغة، وذلك أن ادعاءهم الإصلاح لأنفسهم على ما ادعوه مع توغلهم في الإفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكم الله تعالى عليهم، وكان وروده هكذا أي: على التشويق، يفيد المبالغة، فإن الشيء إذا وجد بعد الطلب كان أعز مما فوجئ به من غير التعب. وفي قوله: (لاَّ يَشْعُرُونَ) أيضًا تأكيدٌ؛ لأن الشعور عِلْمُ الشيء عِلْمَ حسٍّ، فإذا نفى شعورهم كان أدعى لظهور الفساد، ولأن من ركب متن الفساد وله شعورٌ بقبحه ربما نزل منه، ولكن إذا فقد الشعور به بلغ غايته. قوله: (أتوهم) هذا شروعٌ في تفسير قوله تعالى: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ) [البقرة: ١٣] بعد ما فرغ من تفسير قوله: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا) [البقرة: ١١] على سبيل ترتيب النظم، أي: المسلمون نصحوا المنافقين أولًا: بإزالة ما لا ينبغي وهو الإفساد في الأرض، وثانيًا: بتحصيل ما ينبغي وهو الإصلاح بإتباع دين الحق والانخراط في زمرة المؤمنين.
[ ٢ / ١٨٨ ]
فهو نحو قولك: ألِفٌ: ضربٌ من ثلاثة أحرف. ومنه:
_________________
(١) مثل استيعابه النصيحة من قطريها واحتيازها من جانبيها بمن أتى الشيء من جميع أكنافه، وهو مقتبسٌ من قوله تعالى: (لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ) [الأعراف: ١٧] أي: لآتينهم في الوسوسة من جميع جهاتها. قال المصنف: «هذا مثلٌ لوسوسته وتسويله ما أمكنه». قوله: (فهو نحو قولك: ألفٌ: ضربٌ) قال صاحب «الفرائد»: وفيه نظر، لأن «ضربٌ» هنا ليس بفعل، و«لا تفسدوا» فعلٌ باعتبار، والجملة تذكر بعد القول مفعولًا بها كقولك: قلت لا تفعل، فأقيمت مقام الفاعل بعد ترك الفاعل، وأسند الفعل إليها بالنظر إلى أنها كلام، وقوله: «ضربٌ» ليس بفعلٍ، يعني أنه تأويل لفظ «ضَرَبَ» ولم يرد ب «ضَرْب» الإخبار عن الضرب الحاصل في الزمان الماضي، بخلافه في: لا تفسدوا، فإنه أريد به معناه، أي: طلبوا إنشاء عدم الإفساد، غير أن الجملة في مقول بمنزلة المفعول به في فعلٍ آخر، ومنظورٌ إلى كونها كلامًا مفردًا. وأجيب عنه: أن قوله: «ألفٌ ضربٌ» مثل: «لا تفسدوا» من حيث الإسناد إلى اللفظ وهذا يكفي في التشبيه، وذلك أن الفعل إذا أسند إليه اعتبار اللفظ لا يخلو إما أن لا يكون للمعنى فيه مدخلٌ رأسًا كقولك: ألفٌ ضربٌ من ثلاثة أحرفٍ، أو يكون له مدخلٌ ما، كقوله تعالى: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا) [البقرة: ١١]. وأما تخصيصه بالمفعول به، ففيه كلام. قال ابن الحاجب في «الأمالي»: الجملة الواقعة بعد القول إذا بني لما لم يسم فاعله، تقوم مقام الفاعل كقوله تعالى: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا) وكذلك ما أشبهه، لأن القول تحكى بعده الجمل في موضع نصبٍ بالاتفاق، إلا أنها هي مصدرٌ أو مفعولٌ به، وإن قلنا: لا يتعدى، كانت الجملة في
[ ٢ / ١٨٩ ]
"زعموا: مطية الكذب" و«ما» في (كما) يجوز أن تكون كافة مثلها في: (رُبَما)، ومصدرية مثلها في: (بِما رَحُبَتْ) [التوبة: ٢٥]. واللام في (الناس) للعهد، أي: كما آمن رسول اللَّه ﷺ ومن معه. أو هم ناس معهودون كعبد اللَّه بن سلام وأشياعه لأنهم من جلدتهم ومن أبناء جنسهم، أى: كما آمن أصحابكم وإخوانكم،
_________________
(١) موضع نصبٍ بالمصدر، وكان ثم غير المصدر من المفاعيل أقيم كل واحدٍ مقام الفاعل وإن لم يكن تعين المصدر. وقال في «شرح المفصل»: ومتعلق القول في المعنى هو القول، وإنما يكون فيه خصوصيةٌ تذكر خاصيته فيتوهم أنه متعلقٌ به، وليس كذلك. وتحقيق القول ما ذكره أبو البقاء، قال: القائم مقام الفاعل مصدرٌ وهو القول، وأضمر لأن الجملة بعده تفسره، والتقدير: وإذا قيل لهم قولٌ هو لا تفسدوا. قوله: (زعموا مطية الكذب) مبتدأٌ وخبر. قال صاحب «النهاية»: إن الرجل إذا أراد السير إلى بلدٍ والظعن في حاجةٍ، ركب مطيته وسار حتى يقضي أربه، فشبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه ويتوصل به إلى غرضه من قوله: زعموا كذا وكذا، بالمطية التي يتوصل بها إلى الحاجة، وإنما يقال: «زعموا» في حديثٍ لا سند له ولا ثبت فيه، وإنما يحكى عن الألسن على سبيل البلاغ. قوله: (من جلدتهم) جملتهم، الجوهري: أجلاد الرجل: جسمه وبدنه، كقولهم: فلانٌ بضعةٌ مني، وفي الحديث «لحمه لحمي، ودمه دمي» أي: هو مني ومن جملتي.
[ ٢ / ١٩٠ ]
أو للجنس، أي: كما آمن الكاملون في الإنسانية. أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة، ومن عداهم كالبهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل
_________________
(١) قوله: (أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة). اعلم أن التعريف الجنسي يحمل ادعاءً، تارةً على الكمال كما في قوله تعالى: (الم* ذَلِكَ الكِتَابُ) [البقرة: ١ - ٢] وقد سبق تقريره، وأخرى على الحصر كما في هذا الوجه، وإليه الإشارة بقوله: «ومن عداهم كالبهائم»، وكان يمكن أن يحمل الأول على الحصر أيضًا، فإن الجنس لا يتعدد، وحين وجد كتبٌ غيره مثل التوراة والإنجيل والزبور، حمل الحصر على الكمال. قال القاضي: إن اسم الجنس يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به والمقصودة منه، ولذلك يسلب عن غيره فيقال: إنه ليس بإنسان. وقال الإمام في قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ) [البقرة: ١٨٥]: وهذا يدل على أن المتقين في قوله تعالى: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) هم كل الناس، فمن لا يكون متقيًا كأنه ليس بناس. الراغب: كل اسم نوعٍ فإنه يستعمل على وجهين: أحدهما دلالةٌ على المسمى وفضلًا بينه وبين غيره، والثاني: لوجود المعنى المختص به، وذلك هو الذي يمدح به في نحو: إذ الناس ناسٌ والزمان زمان وذلك أن كل ما أوجده الله تعالى في هذا العالم جعله صالحًا لفعلٍ خاصٍّ ولا يصلح لذلك العمل سواه، كالفرس للعدو الشديد، والبعير لقطع الفلاة البعيدة، وعلى ذلك الجوارح كاليد والرجل والعين، والإنسان أوجد لأن يعلم ويعمل بحسبه، فكل شيءٍ لم يوجد كاملًا لما خلق له، لم يستحق اسمه مطلقًا، بل قد ينفى عنه كقولهم: فلانٌ ليس بإنسانٍ، أي: لا يوجد فيه المعنى
[ ٢ / ١٩١ ]
والاستفهام في (أَنُؤْمِنُ) في معنى الإنكار. واللام في (السُّفَهاءُ) مشارٌ بها إلى الناس، كما تقول لصاحبك: إن زيدًا قد سعى بك، فيقول: أو قد فعل السفيه. ويجوز أن تكون للجنس، وينطوى تحته الجاري ذكرهم على زعمهم واعتقادهم؛
_________________
(١) الذي قد خلق لأجله، فقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ) [البقرة: ١٠] هو اسم جنسٍ لا غير، وقوله: (كَمَا آمَنَ النَّاسُ) [البقرة: ١٣] معناه كما يفعل من وجد فيه تمام فعل الإنسانية الذي يقتضيه العقل والتمييز وهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. قوله: (مشارٌ بها إلى الناس) وهم المار ذكرهم آنفًا، وهم رسول الله ﷺ وأصحابه، أو عبد الله بن سلام وأشياعه؛ لأن السفهاء عبارةٌ عن الناس، ويتغير معنى السفهاء بتغير إرادة معنى الناس، من كونه جنسًا أو عهدًا على كلا التقديرين فيه. قوله: (أو قد فعل السفيه!) قال شارح «الهادي»: اللام في «السفهاء» للعهد: وذلك أن لام العهد منها ما يجيء من غير نكرة، وذلك بأن يذكر اسمٌ يستدعي صفةً، فتذكر الصفة معرفةً باللام، كما إذا قيل: شتمك زيدٌ، فتقول: أو قد فعل السفيه! فإن قوله: شتمك زيدٌ، تنبيه على سفاهة زيدٍ، كأنه قال: اعترض لك سفيهٌ. وقد يجيء على غير هذا الحد، وهو أن يكون زيدٌ مشهورًا بصفةٍ، فمتى ذكر زيدٌ علم صفته. والآية تنزل على الوجهين: أما أولًا، فلأن صفة الإيمان عندهم تستدعي صفة السفاهة، فلما ذكر الإيمان ذكر الصفة معرفةً، وأما ثانيًا: فلأن المؤمنين عندهم مشهورون أو مجبولون على السفاهة، فكلما ذكروا بادر معنى السفاهة إلى أذهانهم الخبيثة. قوله: (وينطوي تحته الجاري ذكرهم) فعلى هذا اسم الجنس شاملٌ لهؤلاء وغيرهم، ولما كان سوق الكلام لهؤلاء دخلوا فيه دخولًا أوليًا، وهذا أبلغ لما فيه من الكناية كقوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَافِرِينَ) [البقرة: ٨٩] واللام في "الكافرين" للجنس.
[ ٢ / ١٩٢ ]
لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه. فإن قلت: لم سفهوهم واستركوا عقولهم، وهم العقلاء المراجيح؟ قلت: لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر وإنصاف أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيها ولأنهم كانوا في رياسة وسطة في قومهم ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيرا لشأنهم. أو أرادوا عبد اللَّه بن سلام وأشياعه ومفارقتهم دينهم وما غاطهم من إسلامهم،
_________________
(١) قوله: (أعرق الناس في السفه)، الأساس: فلانٌ معرقٌ في الكرم واللؤم، وهو عريق فيه، وفلانٌ يعارق صاحبه: يفاخره بعرقه، واعترقت الشجرة: ضربت بعروقها. قوله: (استركوا عقولهم) أي: عدوا عقولهم ركيكةً. قوله: (المراجيح) جمع مرجاح، وهو الذي له رزانة العقل ورصانته. قال في «الأساس»: ومن المجاز: رجلٌ راجح العقل، وقومٌ مراجيح الحلم. قوله: (لأنهم لجهلهم) هذا الجواب مبنيٌّ على أن اللام في «السفهاء» للجنس، وقوله: «ولأنهم كانوا في رئاسةٍ» على أن اللام للعهد. والمراد به رسول الله ﷺ وأصحابه. وقوله: «أو عبد الله بن سلام» عطفٌ على قوله: «ولأنهم كانوا في رئاسةٍ» فاللام للعهد أيضًا. المعنى: أرادوا رسول الله ﷺ وأصحابه لأنهم كانوا في رئاسةٍ، أو أرادوا عبد الله بن سلام، فرجع معنى نسبتهم السفهاء على أن اللام للجنس إلى أن ما هم فيه هو الحق، وأن ما عداه هو الباطل؛ لعموم «من» في قوله: «ومن ركب متن الباطل كان سفيهًا» فيدخل فيه النبي ﷺ وأصحابه، وعبد الله وأشياعه، ورجع على تقدير العهد: إما إلى أن اليسار والرئاسة هو الرشد، والفقر والعدم هو السفه. هذا بالنسبة إلى النبي ﷺ وأصحابه، وإما إلى أن من ثبت على دينهم هو الرشيد، ومن فارقه هو السفيه هذا بالنسبة إلى عبد الله وأشياعه.
[ ٢ / ١٩٣ ]
وفت في أعضادهم. قالوا ذلك على سبيل التجلد توقيًا من الشماتة بهم مع علمهم أنهم من السفه بمعزل، والسفه سخافة العقل وخفة الحلم. فان قلت: فلم فصلت هذه الآية بـ: (لا يَعْلَمُونَ)، والتي قبلها ب: (لا يَشْعُرُونَ)؟ قلت: لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحقّ وهم على الباطل، يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة، وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدّى إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوىّ مبنى على العادات، معلوم عند الناس، خصوصا عند العرب في جاهليتهم وما كان قائما بينهم من التغاور والتناحر والتحارب والتحازب، فهو كالمحسوس المشاهد؛
_________________
(١) قوله: (وفت في أعضادهم)، الأساس: وفت في عضده: إذا كسر قوته، وفرق عنه أعوانه. قوله: (لم فصلت) التفصيل من الفاصل كالتقفية من القافية. وفصلت الآية إذا جعل لها فاصلة. وهذا مما يقوي مذهبنا في الخطبة في قوله: «فصله سورًا وسورة آيات». قوله: (من التغاور والتناحر)، الأساس: صبحتهم الغارة، وبينهم التغاور والتناحر، وانتحروا على الأمر، وتناحروا عليه: تشاجروا، وحزب قومه فتحزبوا، أي: صاروا طوائف، وفلانٌ يحازب فلانًا: ينصره ويعاونه، وإنما قال: كالمحسوس، لأن المذكورات معانٍ لكن أماراتها ظهرت ظهور المحسوس. قوله: (فهو كالمحسوس) قيل: دخول الفاء فيه: إما لتضمن المبتدأ وهو قوله: «وما كان قائمًا» معنى الشرط، وإما للعطف على قوله: «وأما النفاق» إلى آخره. ثم إن قوله: «وإما النفاق» إلى قوله: «في جاهليتهم» تفسيرٌ للآية الأولى من الآيتين المفصلتين ب «لا يشعرون»، وقوله: «وما كان قائمًا» إلى قوله: «كالمحسوس المشاهد» للآية الثانية فتدبر. وقلت: والتحقيق فيه أن قوله: «وما فيه من البغي» عطفٌ تفسيريٌّ على «النفاق»
[ ٢ / ١٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) و«ما كان قائمًا بينهم» عطفٌ على «جاهليتهم» على نحو: أعجبني زيدٌ وكرمه؛ لاستدعاء الضمير في «بينهم» أن يكون المرجع إليه العرب. وقوله: «فأمرٌ دنيوي» جواب «أما». قوله: «فهو كالمحسوس» عطفٌ على «فأمرٌ دنيوي» مترتبٌ عليه. وأما مع ما بعده عطفٌ على قوله: «لأن أمر الديانة» من حيث المعنى، لأن «أما» تفصيليةٌ تستدعي التثنية والتكرير. وتلخيص المعنى: أما أمر الديانة، فأمرٌ أخرويٌّ يحتاج إلى دقة نظرٍ، فلذلك فصلت الآية التي اشتملت على الإيمان بقوله: (لاَّ يَعْلَمُونَ)، وأما أمر البغي والفساد فأمرٌ دنيويٌّ فهو كالمحسوس المشاهد لا يحتاج إلى دقة نظر، فلذلك فصلت الآية ب «لا يشعرون». الراغب: أصل الشعور من الشعر، ومنه الشعار: الثوب الذي يلي الجسد. وشعرت كذا يستعمل على وجهين: تارةً يؤخذ من مس الشعر، ويعبر به عن اللمس، وعنه استعمل المشاعر للحواس، فإذا قيل: فلانٌ لا يشعر، فذلك أبلغ في الذم من قولهم: إنه لا يسمع ولا يبصر؛ لأن حس اللمس أعم من حس السمع والبصر، وتارةً يقال: شعرت كذا، أي: أدركت شيئًا. وقالوا: فلانٌ يشق الشعر في كذا، إذا دقق النظر فيه، ومنه أخذ الشاعر لإدراكه دقائق المعاني. فظهر أن «شعرت» يستعمل بمعنى: أحسست، وبمعنى أدركت وفطنت، فقوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ) في الآية الأولى نفيٌ للإحساس عنهم، وفي هذه الآية نفي الفطنة، لأن معرفة الصلاح والفساد تدرك بالفطنة، وفي الآية التي بعدهما نفي العلم، وفي نفيها على هذه الوجوه تنبيهٌ لطيفٌ ومعنىً دقيقٌ، وذلك أنه بين في الأول أن في استعمالهم الخديعة نهايةً للجهل الدال على عدم الحس، وفي الثاني: أنهم لا يفطنون، تنبيهًا على أن ذلك لازمٌ لهم؛ لأن من لا حس له لا فطنة له، وفي الثالث: أنهم لا يعلمون، تنبيهًا أن ذلك أيضًا لازمٌ لهم لأن من لا فطنة له، لا علم له.
[ ٢ / ١٩٥ ]
ولأنه قد ذكر السفه، وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقا له. مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أوّل قصة المنافقين فليس بتكرير، لأن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما كانوا يعملون عليه مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم، فإذا فارقوهم إلى شطار دينهم صدقوهم ما في قلوبهم.
_________________
(١) قوله: (ولأنه قد ذكر السفه) جوابٌ آخر عن السؤال وهو من باب المطابقة المعنوية، إذ لو كانت لفظيةً لقيل: لا يرشدون، فإن الرشد مقابلٌ للسفه، أو قيل: ألا إنهم هم الجهلاء ليقابل «لا يعلمون». قوله: (مساق هذه الآية) أي قوله: (وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا) [البقرة: ١٤] بخلاف ما سيقت له أول قصة المنافقين، أي: قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا) المعنى: دلت الآية الأولى على بيان ما يعتقده المنافقون، فيندرج في ذلك القول من هو موسومٌ بسمة النفاق، لأنه لا معنى للنفاق شرعًا سوى ذلك، وهي بمنزلة حدهم ليمتازوا به عن قسمتهم. والثانية: على بيان الحالة المخصوصة بأولئك مع المؤمنين ومع أصحابهم، وتحريره أن قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ) إبداء لخبثهم ونكرهم، وكشفٌ عن إفراطهم في الدعارة وادعاء أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي، وأنهم أحاطوه من جانبيه، ومن ثم نفى ذلك عنهم بقوله: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) وفسر بقوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: ٩] وعلل بقوله: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) [البقرة: ١٠] وأن قوله تعالى: (وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا) [البقرة: ١٤] بيانٌ لدأبهم وعادتهم، وأنهم حين استقبلوا المؤمنين دفعوهم عن أنفسهم بقولهم: (آمَنَّا) استهزاءًا وسخريةً، ولذلك أتى بالجملة الشرطية، وعقب بقوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) [البقرة: ١٥]. قوله: (من التكذب لهم) التكذب تكرير الكذب في مهلةٍ نحو تجرعه. قوله: (إلى شطار دينهم)، الجوهري: الشطار: جمع شاطرٍ، وهو الذي أعيا أهله خبثًا.
[ ٢ / ١٩٦ ]
وروي أن عبد اللَّه بن أبىّ وأصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول اللَّه ﷺ، فقال عبد اللَّه: انظروا كيف أردّ هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبى بكر فقال: مرحبا بالصدّيق سيد بنى تيم وشيخ الإسلام وثانى رسول اللَّه في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول اللَّه. ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيد بنى عدىّ الفاروق القوىّ في دين اللَّه، الباذل نفسه وماله لرسول اللَّه. ثم أخذ بيد علىّ فقال: مرحبًا بابن عم رسول اللَّه وختنه سيد بنى هاشم ما خلا رسول اللَّه. ثم افترقوا فقال لأصحابه: كيف رأيتمونى فعلت؟ فأثنوا عليه خيرًا، فنزلت. ويقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريبًا منه،
_________________
(١) قوله: (سيد بني تميم) وفي بعض النسخ، وهو خطأٌ لما في «الجامع»: هو أبو بكر عبد الله بن عثمان أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، وكذا: عبد الله بن عثمان أبي قحافة بن عامر بن عمرو في «الاستيعاب». قوله: (لقيته ولاقيته؛ إذا استقبلته) قال شارح «الهادي»: وقد يفسر الكلام ب «إذا» تقول: عسعس الليل: إذا أظلم تفسيرًا لعسعس، لكنك إذا فسرت جملةً فعليةً مستندةً إلى ضمير المتكلم ب «أي» ضممت تاء الضمير، فتقول: استكتمته سري، أي: سألته كتمانه، بضم تاء «سألته»، لأنك تحكي كلامه المعبر عن نفسه، وإذا فسرتها بـ «إذا» فتحت فقلت: إذا سألته كتمانه، لأنك تخاطبه، أي: أنك تقول ذلك إذا فعلت ذلك الفعل، وأنشدوا في ذلك المعنى: إذا كتبت بـ «أي» فعلًا تفسره … فضم تاءك فيه ضم معترف وإن تكن بـ «إذا» يومًا تفسره … ففتحة التاء أمرٌ غير مختلف
[ ٢ / ١٩٧ ]
وهو جاري ملاقي ومراوقي. وقرأ أبو حنيفة: وإذا لاقوا. وخلوت بفلان وإليه، إذا انفردت معه. ويجوز أن يكون من «خلا» بمعنى: مضى، و"خلاك ذمّ": أى عداك ومضى عنك. ومنه: القرون الخالية، ومن «خلوت به» إذا سخرت منه. وهو من قولك: خلا فلان بعرض فلان يعبث به. ومعناه: وإذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدّثوهم بها. كما تقول: أحمد إليك فلانًا، وأذمّه إليك. و(شياطينهم): الذين ماثلوا الشياطين في تمرّدهم. وقد جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة. والدليل على أصالتها قولهم: تشيطن، واشتقاقه من «شطن» إذا بعد لبعده من الصلاح والخير. ومن «شاط» إذا بطل إذا جعلت نونه زائدة. ومن أسمائه: "الباطل".
_________________
(١) قال بعض الشارحين ل «المفصل»: وسره أن «أي» تفسيرٌ فينبغي أن يطابق ما بعدها لما قبلها، والأول مضموم، فالثاني مثله، و«إذا» شرطٌ تعلق بقول المخاطب على فعله الذي ألحقه بالضمير فمحالٌ فيه الضم. قوله: (ومرواقي) مخففًا؛ معناه: رواق بيتي لي رواق بيته. النهاية: الرواق: هو ما بين يدي البيت، وقيل: رواق البيت: سماوته. قوله: (خلوت بفلانٍ وإليه)، الأساس: خلا بنفسه: انفرد، واستخليت الملك فأخلاني، أي: خلا معي. ومن المجاز: خلى فلانٌ مكانه: مات، ولا أخلى الله مكانك: دعاءٌ بالبقاء، وخلا به: سخر به وخدعه؛ لأن الساخر والمخادع يخلوان به، يريان النصح والخصوصية، وتضمن خلا معنى الإنهاء. قال السجاوندي: (وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ) في معرض أفضوا، أي: خلوا من المؤمنين إلى الشياطين، وهو أبلغ من قولك بشياطينهم. قوله: (كما تقول: أحمد إليك) أي: ضمن «أحمد» معنى الإنهاء، أي: أنهي إليك حمد فلان. النهاية: في حديث ابن عباس: «أحمد إليكم غسل الإحليل» أي: أرضاه لكم وأتقدم فيه إليكم.
[ ٢ / ١٩٨ ]
(إِنَّا مَعَكُمْ) إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم. فإن قلت: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالاسمية محققة بأن؟ قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرًا بأقوى الكلامين وأوكدهما، لأنهم في ادّعاء حدوث الإيمان منهم ونشئه من قبلهم، لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك إما لأنّ أنفسهم لا تساعدهم عليه، إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرّك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد. وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة. وكيف يقولونه ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والإنجيل؟
_________________
(١) قوله: (أريحية)، الجوهري: الأريحي: الواسع الخلق. قال في «النهاية»: رجلٌ أريحيٌّ إذا كان سخيًّا يرتاح للندى ويحبه. قوله: (لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد) يشهد بذلك أنهم لما قالوا: (نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) [المنافقون: ١] على سبيل التوكيد أجيبوا بقوله: (واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [المنافقون: ١] أي: فيما ادعوا أن تلك الشهادة من صميم قلوبهم. قوله: (ظهراني المهاجرين)، النهاية: في قوله: فأقاموا بين ظهرانيهم، أي: أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، وزيدت فيه ألفٌ ونونٌ مفتوحةٌ تأكيدًا، ومعناه: أن ظهرًا منهم قدامه، وظهرًا وراءه، فهو مكنوفٌ من جانبيه، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا. قوله: (الذين مثلهم في التوراة والإنجيل) يعني أن الله تعالى مدحهم في هذين الكتابين على لسان ذينك الرسولين بهذه الأوصاف التي دلت على رجاحة عقولهم وشدة ذكائهم وصلابتهم في دين الله، ومن ثم علل التمثيل بقوله: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ) [الفتح: ٢٩] فكيف تروج عندهم تصلفاتهم.
[ ٢ / ١٩٩ ]
ألا ترى إلى حكاية اللَّه قول المؤمنين: (رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا) [آل عمران: ١٦]؟
وأما مخاطبة إخوانهم، فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية،
_________________
(١) قوله: (ألا ترى إلى حكاية الله) استئنافٌ على تقدير سؤالٍ، كأن قائلًا يقول: لزم من قولك: إنهم لو ساعدتهم أنفسهم عليه أو روج عنهم ما قالوه، لأكدوا كلامهم، وما أمارة ذلك؟ فقيل: ألا ترى أن المسلمين كيف أوردوا في مثل هذا التركيب ما قدروا عليه من التأكيد لنا أنهم كانوا أوحديين فيه، فساعدتهم أنفسهم عليه، وكان ذلك مقبولًا منهم. وحاصل التأويل: أن معنى التوكيد الذي تعطيه «إن» ها هنا ليس راجعًا إلى المخاطب في إزالة تردده أو نفي شكه، بل إلى المتكلم في إظهار نشاطه ووفور ارتياحه إيذانًا بأن المقام خليقٌ بالإطناب وإبداء ارتياحه ونشاطه، وإعلامًا بأن السامع يتلقاه بالقبول، ويصغي إليه بشراشره. فإن قلت: فكيف سمحت أريحيتهم حتى قالوا: آمنا بالله وباليوم الآخر بتكرير الباء المؤكدة، أم كيف ادعوا أنهم اختاروا الإيمان من جانبيه، واكتنفوه من قطريه، وهم بين ظهراني أولئك المتوسمين؟ قلت: ولذلك قال: «مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أول قصة المنافقين» لأن مساق تلك للتقية ولخداعهم ودعوى أنهم مثل المؤمنين في الإيمانين ليجروا عليهم أحكامهم، ويعفوهم من المحاربة والمقاتلة. يؤيده بيانه بقوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: ٩] فهو جديرٌ بالتوكيد، ومساق هذه مساق الاستهزاء والاستخفاف بعد استقرار تلك الدعوى، فهو بالخلو عن التوكيد أحرى. قوله: (وأما مخاطبة إخوانهم) عطفٌ على قوله: «ليس ما خاطبوا به المؤمنين».
[ ٢ / ٢٠٠ ]
والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد من أن يزلوا عنه على صدق رغبة ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد. فإن قلت: أنى تعلق قوله: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) بقوله: (إِنَّا مَعَكُمْ)؟ قلت: هو توكيد له؛ لأن قوله: (إِنَّا مَعَكُمْ) معناه الثبات على اليهودية،
_________________
(١) قوله: (على صدق رغبةٍ) خبرٌ عن قوله: «فهم فيما أخبروا به». قوله: (مظنةً للتحقيق)، النهاية: المظنة بكسر الظاء: موضع الشيء ومعدنه. والقياس فتح الظاء وإنما كسرت لأجل الهاء. قوله: (ومئنةً للتوكيد)، الفائق: في الحديث «إن طول الصلاة وقصر الخطبة مئنةٌ من فقه الرجل المسلم» قال أبو زيد: إنه لمئنةٌ من ذاك، وإنهن لمئنة، أي: مخلقة، وكل شيءٍ دلك على شيءٍ فهو مئنةٌ له، وحقيقتها: أنها مفعلةٌ من معنى «إن» التأكيدية غير مشتقةٍ من لفظها؛ لأن الحروف لا يشتق منها، وإنما ضمنت حروف تركيبها لإيضاح الدلالة على أن معناها فيها. قوله: (قلت: هو توكيدٌ) يرجع حاصل الجواب إلى وجوهٍ ثلاثةٍ لاحتمال (إنَّا مَعَكُمْ) على طريق الكناية أمورًا ثلاثة. أحدها: إنا على دينكم ومذهبكم فيصح توكيده إذن بقوله: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) بمعنى ندفع دين مخالفيكم بالاستهزاء.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وقوله: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) ردّ للإسلام ودفع له منهم، لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتدا به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر. أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليهم حين قالوا لهم: (إِنَّا مَعَكُمْ)، فقالوا: فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام فقالوا: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ). والاستهزاء: السخرية والاستخفاف،
_________________
(١) وثانيهما: إنا مصاحبوكم في دينكم، لا نفارقكم لاحترامكم؛ لأن من توخى تعظيم الشيء لا يفارقه، فحينئذٍ يستقيم بيانه وتفسيره بقوله: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)؛ لأن مَنْ وضع مِن مقدار العدو وحقر شأنه، فقد عظم قدر وليه، فكان قوله: (إنَّا مَعَكُمْ) كالتوطئة؛ لأن من حق الظاهر أن يقولوا لأصحابهم: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) بعد قولهم للمؤمنين: (آمَنَّا) والفرق: أنه جعل الجملة الثانية في تأويل الأولى في الأول ليصح التوكيد، وبالعكس في الثاني ليستقيم التفسير، هذا على تقدير أن يكون بدل الكل تفسيرًا للمبدل كما سبق في «الفاتحة». ويجوز أن يقال: إن قوله: (إنَّا مَعَكُمْ) دل على تعظيم الكفر، وقوله: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) دل على تحقير الإسلام، ولزم من مفهومه تعظيم الكفر كما قال المصنف «لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر» فقد اشتمل الثاني على معنى الأول مع الزيادة. والفرق بين هذا الوجه وبين الأول، وهو كونه تأكيدًا أو تفسيرًا: أنه اعتبر في الأول مفهوم الثاني، لتقرير المعنى الأول، واعتبر في هذه العبارة والمفهوم معًا، ولا بعد فيه؛ لأن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة. وثالثها: إنا موافقوكم وموالوكم، فإن هذا القول يحمل أصحابهم لأن ينكروا عليهم ويقولوا: إن صح أنكم معنا فما بالكم توافقون أهل الإسلام في الإيمان؟ فقالوا: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنقف على أسرارهم ونأخذ من أموالهم وغنائمهم. قوله: (والاستهزاء: السخرية)، الراغب: الاستهزاء: ارتياد الهزء، وإن كان قد يعبر به
[ ٢ / ٢٠٢ ]
وأصل الباب الخفة من الهزء؛ وهو القتل السريع. وهزأ يهزأ: مات على المكان. عن بعض العرب: مشيت فغلبت فظننت لأهز أنّ على مكاني. وناقته تهزأ به: أى تسرع وتخف. فإن قلت: لا يجوز الاستهزاء على اللَّه تعالى، لأنه متعال عن القبيح، والسخرية من باب العيب والجهل. ألا ترى إلى قوله: (قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ)، فما معنى استهزائه بهم؟ قلت: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم، لأنّ المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة والزراية ممن يهزأ به، وإدخال الهوان والحقارة عليه، والاشتقاق -كما ذكرنا- شاهد لذلك
_________________
(١) عن تعاطي الهزء كالاستجابة في كونها ارتيادًا للإجابة وإن كان قد يجري مجرى الإجابة. قوله: (فلغبت)، الجوهري: اللغوب: الإعياء، تقول منه: لغب يلغب بالضم لغوبًا ولغبت بالكسر لغةٌ ضعيفة. قوله: (لأن المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة) فيه إشارةٌ إلى ما سبق من القانون في (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧] فالاستهزاء من المخلوق: الفعل الذي يصدر من الجاهل عبثًا، وغرضه فيه طلب هوان المستهزأ به، فيحمل ها هنا على المعنى الثاني دون الأول، وهو من باب إطلاق السبب على المسبب، ثم في قوله: «غرضه» مع قوله «يرميه» رعاية التناسب، فإن الرامي يرمي الغرض، أي: الهدف. قوله: (والزراية بمن يهزأ به) قيل: الزراية تعدى ب «على»، وإنما عدي هنا بالباء لتضمنه معنى استخف. الأساس: أزريت به: قصرت به وحقرته، وزريت عليه فعله: عبته وعنفته. قوله: (والاشتقاق كما ذكرنا) وهو قوله: «أصل الباب الخفة من الهزء».
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وقد كثر التهكم في كلام اللَّه تعالى بالكفرة. والمراد به تحقير شأنهم وازدراء أمرهم، والدلالة على أن مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك الضاحكون. ويجوز أن يراد به ما مر في: (يُخادِعُونَ) من أنه يجرى عليهم أحكام المسلمين في الظاهر، وهو مبطن بادخار ما يراد بهم، وقيل: سمى جزاء الاستهزاء باسمه كقوله: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشورى: ٤٠]، (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) [البقرة: ١٩٤].
_________________
(١) قوله: (وقد كثر التهكم)، النهاية: في حديث أسامة: «فخرجت في أثر رجلٍ منهم جعل يتهكم بي»، أي: يستهزئ ويستخف. قوله: (والدلالة على أن مذاهبهم) إلى آخره، يعني: أن الاستهزاء مما يذم من الأخلاق، وكاد أن يكون حرامًا، فلا يجوز إسناده إلى أدون الخلق، فإسناده إلى الله تعالى لإيذانٌ بالمبالغة في ذم مذهبهم. المعنى: أن مذهبهم مكان الاستهزاء وموقعه، وحقيقٌ على كل عالمٍ كاملٍ أن يوقع الاستهزاء فيه، فإنه قد أذن الله فيه، وندب إليه. قوله: (ما مر في (يُخَادِعُونَ» أي: في الوجه الأول م الوجوه المذكورة فيه، وذلك بأن شبه صورة صنع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم بصورة صنع الخادع، كذلك شبه صورة صنع الله من إجراء أحكام المسلمين عليهم في الظاهر- وهو مبطنٌ بادخار العذاب- صورة صنع الهازئ مع المهزوء به، وهو من الاستعارة التبعية. قوله: (وهو مبطنٌ) الضمير فيه لقوله: «إجراء للأحكام»، المدلول عليه بقوله: «يجرى» قيل: ثوبٌ مبطنٌ بالقطن إذا كان حشوه قطنًا. المعنى: أجرى عليهم أحكام المسلمين من الموارثة والمناكحة وغيرهما، وفي ضمن هذا ما يراد بهم من العذاب والهوان، كما أنك إذا أحسنت إلى صاحبك وفي ضمنه ما يورث الهوان، فإنه إذا وقف على فعلك قال لك: أتسخر مني وتستهزئ بي.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
فإن قلت: كيف ابتدئ قوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ولم يعطف على الكلام قبله «١». قلت: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة. وفيه أن اللَّه ﷿ هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ، الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاءٍ،
_________________
(١) قوله: (هو استئنافٌ في غاية الجزالة) قيل: بيان الجزالة هو: أن حكاية حال المنافقين في الذي قبله لما كانت تحرك السامعين أن يسألوا: ما مصير أمرهم، وعقبى حالهم، وكيف معاملة الله إياهم؟ لم يكن من البلاغة أن يعرى الكلام عن الجواب، فلزم المصير إلى الاستئناف. وقلت: ما ذكر بيانٌ لكيفية ورود الاستئناف في هذا المقام، لا بيان جزالته، إذ حقيقة الاستئناف هو أن تجعل الجملة السابقة كالمورد للسؤال، فيجاب بالجملة الثانية، وقول المصنف: «في غاية الجزالة» يقتضي أمرًا آخر، وتقريره أن يقال: كان من مقتضى الظاهر أن تصدر الجملة باسم المؤمنين، لأن المستهزأ بهم هم كما في قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ* وإذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) [المطففين: ٢٩ - ٣٠] إلى قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) [المطففين: ٣٤]، فلما صدرت بذكر اسم الله الجامع لجميع الصفات وبنى الخبر عليه ليتقوى الحكم، وأبرز الفعل على صيغة المضارع المؤذن بالاستمرار لاستدعاء الجواب، ليكون أبلغ من كلامهم، دل ذلك كله على جزالة الاستئناف وفخامته، ولزم منه تعظيم جانب المؤمنين، وأنه تعالى هو الذي يتولى الاستهزاء البليغ بنفسه تعالى. وكفى الله المؤمنين القتال. وقد أشار إلى هذه المعاني بقوله: «وفيه أن الله هو الذي يستهزئ بهم» وقوله: «وفيه أن الله
[ ٢ / ٢٠٥ ]
ولا يؤبه له في مقابلته، لما ينزل بهم من النكال ويحل بهم من الهوان والذل. وفيه أن اللَّه هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله. فان قلت: فهلا قيل اللَّه مستهزئ بهم ليكون طبقا لقوله: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) قلت: لأن (يستهزئ) يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتا بعد وقت،
_________________
(١) هو الذي يتولى الاستهزاء بهم. وقد أتى في التفسير ب «أن» ووسط الجملة ضمير الفصل المؤذن بالاختصاص ليشير إلى أن بناء «يستهزئ» على «الله» مفيدٌ للاختصاص، ولهذا نفى احتياج المؤمنين إلى الاستهزاء بقوله: «ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم». وقد نص في «المزمل» في قوله: (واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ) [المزمل: ٢٠] أنه مفيدٌ للاختصاص. قوله: (لا يؤبه له)، النهاية: في الحديث «لا يؤبه له» أي: لا يحفل به لحقارته. قوله: (وقتًا بعد وقت) أي: حالًا فحالًا على الاستمرار، وإفادة الفعل المضارع ذلك من اقتضاء المقام، فإنك إذا قلت في مقام المدح: فلانٌ يقري الضيف ويحمي الحريم، عنيت أنه اعتاده واستمر عليه، لا أنك تخبر عنه بأنه سيفعله، فكذا أنه تعالى يخبر أن معاملته مع هؤلاء القوم إنما تقع على هذه الحالة، وإليه الإشارة بقوله: «وهكذا كانت نكايات الله فيهم». ويمكن أن يقال: إن هذا الاستمرار أبلغ من الدوام الذي يعطيه معنى الجملة الاسمية؛ لأن النفس إذا اعتادت الشيء ألفته ولا تحب مفارقته، قال:
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وهكذا كانت نكايات اللَّه فيهم وبلاياه النازلة بهم (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) وما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار، ونزول في شأنهم واستشعار حذر من أن ينزل فيهم (يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ)، (قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ) [التوبة: ٦٤].
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ من مدّ الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره. وكذلك مدّ الدواة وأمدها: زادها ما يصلحها. ومددت السراج والأرض؛
_________________
(١) ألفت الضنى لما تطاول مكثه … فلو زال عن جسمي بكته الجوارح الانتصاف: على الاستمرار جاء قوله تعالى: (إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإشْرَاقِ (١٨) والطَّيْرَ مَحْشُورَةً) [ص: ١٨ - ١٩] لما كان التسبيح من الوظائف المتكررة أتى فيه بالفعل، وحشر الطير أمرٌ دائمٌ فذكر فيه اسم المفعول. قوله: (نكايات الله فيهم)، النهاية: يقال: نكيت في العدو أنكي نكاية؛ إذا أكثرت فيه الجراح والقتل، فوهنوا لذلك، وقد يهمز تقول: نكأت القرحة أنكؤها: إذا قشرتها. قوله: (واستشعار حذرٍ)، الجوهري: استشعر فلانٌ خوفًا، أي: أضمره. قوله: (من أن ينزل فيهم) أي: في شأنهم وحقهم ما يفتضحون به، ويكشف عن دغلهم وسوء دخلتهم، ومع ذلك لم يكن ينفعهم ذلك الاستشعار حيث كان ينزل الله تعالى ما كانوا يحذرون منه، واستشهد لذلك بقوله: (يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ) الآية [التوبة: ٦٤]. قوله: (من: مد الجيش وأمده) فمعنى (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ) [البقرة: ١٥] نوليهم ونعطيهم مددًا في الطغيان، من مد الجيش، أي: أعطاهم مددًا.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
إذا استصلحتهما بالزيت والسماد. ومده الشيطان في الغى وأمده: إذا واصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه ويزداد انهما كافيه. فإن قلت: لم زعمت أنه من المدد دون المد في العمر والإملاء والإمهال؟ قلت: كفاك دليلا على أنه من المدد دون المد قراءة ابن كثير وابن محيصن: (وَيَمُدُّهُمْ)، وقراءة نافع: (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ) [الأعراف: ٢٠٢]، على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مدّ له مع اللام كأملى له. فان قلت: فكيف جاز أن يوليهم اللَّه مددا في الطغيان وهو فعل الشياطين؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ) [الأعراف: ٢٠٢]؟ قلت: إما أن يحمل على أنهم لما منعهم اللَّه ألطافه التي يمنحها المؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه، بقيت قلوبهم بتزايد الرين والظلمة فيها، تزايد الانشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمى ذلك التزايد مددًا. وأسند إلى اللَّه سبحانه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم؛
_________________
(١) قوله: (انهماكًا فيه)، الجوهري: انهمك الرجل في الأمر، أي: جد ولج، وكذلك تهمك في الأمر. قوله: (كأملى له)، الجوهري: أمليت له في غيه: إذا أطلت. وأملى الله له، أي: أمهله وطول له. وأما قراءة نافع: (يَمُدُّونَهُمْ) [الأعراف: ٢٠٢] فمن الإمداد من المدد، لا من المد في العمر، ولأنه لا يعدى إلا باللام. وأجاب القاضي: أن أصله يمد لهم بمعنى يملي لهم، ويمد في أعمارهم كي ينتهوا ويطيعوا، فما زادوا إلا طغيانًا وعمهًا، فحذفت اللام وعدي الفعل بنفسه، أي: نمدهم استصلاحًا وهم مع ذلك يعمهون، ويؤيده قول الجوهري: مده في غيه، أي: أمهله.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وإما على منع القسر والإلجاء وإما على أن يسند فعل الشيطان إلى اللَّه لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده. فإن قلت: فما حملهم على تفسير المدّ في الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه؟ قلت: استجرّهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى اللَّه ما أسندوا إلى الشياطين ولكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته، وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام،
_________________
(١) قوله: (فما حملهم على تفسير المد في الطغيان بالإمهال) والضمير للمفسرين؟ قال الزجاج: يمدهم: يمهلهم. وكذا في الواحدي. وقال محيي السنة: يمدهم: يتركهم ويمهلهم، والمد والإمداد واحدٌ وأصله الزيادة إلا أن المد أكثر في الشر، والإمداد في الخير. وقال الإمام: والأولى أن يقال من المد بمعنى الإملاء والإمهال؛ لأنه تعالى لا يمدهم بالشر، على أن أكثر ما جاء في القرآن من الإمداد فبالخير نحو: (وأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ) [الطور: ٢٢] (ويُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ) [نوح: ١٢] ومن المد فبالشر نحو: (ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًا) [مريم: ٧٩] (وإخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ) [الأعراف: ٢٠٢]. قوله: (الأروى)، الجوهري: الأروى: الأنثى من الوعول وثلاث أراوي على وزن أفاعيل، فإذا كثرت فهي الأروى على أفعل بغير قياس. وهي تسكن الجبال والوعور، والنعام تسكن البوادي والسهل، فبينهما بعدٌ، يضرب هذا المثل لمن يحاول أن يجمع بين المتنافيين.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
ومن حق مفسر كتاب اللَّه الباهر وكلامه المعجز، أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدّى سليما من القادح، فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل. ويعضد ما قلناه قول الحسن في تفسيره: في ضلالتهم يتمادون، وأن هؤلاء من أهل الطبع. والطغيان: الغلو في الكفر، ومجاوزة الحدّ في العتوّ. وقرأ زيد بن على ﵁: (في طغيانهم) بالكسر
_________________
(١) قوله: (ويعضد ما قلناه قول الحسن) فإنه فسر «نمدهم» بقوله: في ضلالتهم يتمادون. وقال: «إن هؤلاء من أهل الطبع» لأن الطبع يحصل من تزايد الرين وترادف ما يزيد في الكفر، فيكون من المدد لا من الإمهال. ويروى: «وأن هؤلاء» بفتح «أن» فيكون عطفًا على قول الحسن ودليلًا آخر، ويمكن أن يقال: إن معنى «يتمادون» يبلغون المدى والغاية في الضلال، وهي بالإمهال أليق، ويكون الطبع مسببًا عنه؛ لأن الإمهال في الكفر يتمادى إلى الطبع، قال الله تعالى: (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) [الحديد: ١٦]. قوله: (والطغيان: الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو). الراغب: يقال: طغا يطغو ويطغى. وحكي: طغيت. والفرق بين عدا وطغى وبغى: أن العدوان تجاوز المقدار المأمور بالانتهاء إليه والوقوف عنده، وعلى ذلك قال: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) [البقرة: ١٩٤] أي: تجاوز معكم المقدار المأمور بالانتهاء إليه فتجاوزوا معه بقدره، لتكون العدالة محفوظةً في المجازاة، وأما الطغيان فتجاوز المكان الذي وقفت فيه، ومن أخل بما عين له من المواقف الشرعية والمعارف العقلية فلم يرعها فيما يتحراه ويتعاطاه، فقد طغى، وعلى ذلك: (لَمَّا طَغَا المَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ) [الحاقة: ١١] أي: تجاوز الحد الذي كان عليه من قبل، والبغي: طلب تجاوز قدر الاستحقاق، تجاوزه أم
[ ٢ / ٢١٠ ]
وهما لغتان؛ كلقيان ولقيان، وغنيان وغنيان. فان قلت: أى نكتة في إضافته اليهم؟ قلت: فيها أن الطغيان والتمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم واجترحته أيديهم، وأن اللَّه بريء منه ردًّا لاعتقاد الكفرة القائلين: (لو شاء اللَّه ما أشركنا) [الأنعام: ١٤٨]، ونفيًا لوهم من عسى يتوهم. عند إسناد المدّ إلى ذاته لو لم يضف الطغيان اليهم ليميط الشبه ويقلعها ويدفع في صدر من يلحد في صفاته. ومصداق ذلك أنه حين أسند المدّ إلى الشياطين، أطلق الغىّ ولم يقيده بالإضافة في قوله: (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ) [الأعراف: ٢٠٢].
_________________
(١) لم يتجاوزه، وأصله الطلب، ويستعمل في التكبر، لأن المتكبر طالب منزلةٍ ليس لها بأهل. قوله: (كلُقْيان) من اللقاء. و«غُنْيان» من: غني به غنيةً، وغنيت المرأة بزوجها غنيانًا، أي: استغنت. قوله: (ويدفع في صدر من يلحد)، الأساس: دفعته عني ودفعت في صدره. قوله: (يلحد) أي: يميل عن الحق. هذا تعصبٌ قويٌّ ولفظٌ فاحشٌ. حيث جمع أهل الحق مع الكفرة بالعطف، وخص الإلحاد بهم. والمعنى: أنه أزال معنى «يمدهم» عن موضعه حيث جعل الإسناد مجازيًّا، وجعل تزايد الرين بمعنى منع الألطاف، وأمال «طغيانهم» إلى مذهبه وليس ما ذهب إليه أولى من العكس على اعتبار الإسناد أولى من اعتبار الإضافة؛ لأن الإضافة يصار إليها بأدنى ملابسة كما في قوله: إذا قال قدني قال بالله حلفةً … لتغني عني ذا إنائك أجمعا
[ ٢ / ٢١١ ]
والعمه: مثل العمى، إلا أن العمى عامّ في البصر والرأى، والعمه في الرأى خاصة، وهو التحير والتردّد، لا يدرى أين يتوجه. ومنه قوله:
أعمى الهدى بالجاهلين العمه
_________________
(١) وأن الإسناد إذا جعل مجازيًّا يشترط فيه أن يكون بين الفاعل الحقيقي وغير الحقيقي تعلق شبهٍ، وإلا لم يصح، لكن له شغفٌ بنضرة مذهبه، وأيضًا إسناد الطغيان إليهم لا ينافي مذهب أهل الحق؛ لأن فعل العبد يستند إلى الله تعالى خلقًا وتقديرًا، ويضاف إلى العبد اقترافًا وكسبًا. فمعنى الإضافة إرادة الطغيان الذي عرف صدوره عنهم ونظيره: (وسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) [الإسراء: ١٩]، وأن الغي في قوله: (يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ) [الأعراف: ٢٠٢] مقيد بالتعريف فهو مثل الإضافة؛ لأنه إنما يصح المدد في أمرٍ ثابت. الانتصاف: فعل العبد الاختياري له اعتباران: أحدهما: وجوده وحدوثه، وما هو عليه من وجوه التخصيص، وذلك منسوبٌ إلى القدرة والإرادة. والثاني: تميزه عن القسري الضروري، وهو منسوبٌ من هذه الجهة إلى العبد، وهو الكسب المراد في مثل قوله تعالى: (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) [الشورى: ٣٠] فمدهم في الطغيان مخلوقٌ لله تعالى، فأضافه إليه، ومن حيث كونه واقعًا على وجه الاختيار، وهو الكسب أضافه إليهم. قوله: (لا يدري أين يتوجه) وهو استئنافٌ على سبيل البيان لقوله: «وهو التحير والتردد» والتردد يستعمل مجازًا في التحير. الأساس: ومن المجاز: رجلٌ مترددٌ حائرٌ بائر. قوله: (بالجاهلين العمه) تمامه: ومهمهٍ أطرافه في مهمهِ … أعمى الهدى بالجاهلين العُمَّهِ
[ ٢ / ٢١٢ ]
أي الذين لا رأي لهم ولا دراية بالطرق. وسلك أرضًا عمهاء: لا منار بها ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها عليه واستبدالها به، على سبيل الاستعارة، لأنّ الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر. ومنه:
أَخَذْتُ بالجُمَّةِ رَاسًا أزْعَرَا
وبالثَّنَايَا الْوَاضِحَاتِ الدَّرْدَرَا
وبالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْرًا حَيْدَرَا
_________________
(١) العمه: جمع عمهٍ وعامهٍ، أي: المهمه طريقةٌ مشتبهةٌ على العمي إذ ليس فيه جادةٌ أو منارٌ يهتدى به. قوله: (لأن الاشتراء) تعليل الاستعارة، يعني: إنما جاز استعارة الاشتراء للاستبدال لما يجمعهما معنى الإعطاء والأخذ. وأصل المبايعة بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان أو المنافع، وهي تنقسم إلى: مبايعةٍ بناضٍّ، وإلى مبايعة سلعةٍ بسلعة، ويقال في الأول لآخذ السلعة: المشتري، ولآخذ الناض: بائع. وفي الثاني يطلق على كل واحدٍ منهما اسم البائع والمشتري، ولهذا عد البيع والشراء من الأضداد، ومتا تدخله الباء الثمن، والآخر المثمن، ثم استعير للإعراض عما في يده محصلًا به غيره، سواءٌ كان من المعاني أو الأعيان. قوله: (أخذت بالجمة) الأبيات، قيل: هي لأبي النجم. والجمة بالضم: مجتمع شعر الرأس. وهي أكثر من الوفرة، والأزعر: الأصلع الذي قل شعره، والدردر: مغرز الأسنان
[ ٢ / ٢١٣ ]
كما اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا
وعن وهب: قال اللَّه ﷿ فيما يعيب به بنى إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة. فان قلت: كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟ قلت: جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم. كأنه في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به،
_________________
(١) الساقطة الباقية الأصول، والجيذر بالجيم والذال المعجمة: القصير. والمراد بقوله: «كما اشترى المسلم إذ تنضرا» جبلة بن الأيهم الغساني على ما روى الواقدي: أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب كتابًا إلى أجناد الشام أن جبلة ورد إلي في سراة قومه، وأسلم فأكرمته، ثم سار إلى مكة، فطاف فوطئ إزاره رجلٌ من بني فزارة، فلطمه جبلة، فهشم بها أنفه، وكسر ثناياه، فاستعدى الفزاري على جبلة إلي، فحكمت: إما العفو، وإما القصاص، فقال: أتقتص مني وأنا ملكٌ وهو سوقةٌ، فقلت: شملك وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعاقبة، فسأل جبلة التأخير إلى الغد، فلما كان من الليل ركب في بني عمه، ولحق بالشام مرتدًا، وفي رواية: أنه ندم على ما فعل، وأنشد: تنصرت بعد الحق عارًا للطمةٍ … ولم يك فيها لو صبرت لها ضرر فأدركني فيها لجاج حميةٍ … فبعت لها العين الصحيحة بالعور فياليت أمي لم تلدني وليتني … صبرت على القول الذي قال لي عمر قوله: (جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم كأنه في أيديهم) اعلم أن موقع «أولئك» هنا بعد ذكر المنافقين وإجراء أوصافهم وقبائحهم عليهم في موقع «أولئك» في قوله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ) [البقرة: ٥] على أحد وجهيه، فإن السامع بعد سماع ذكرهم، وإجراء تلك
[ ٢ / ٢١٤ ]
ولأن الدين القيم هو فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها، فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة والضَّلالَةَ الجور عن الفصد وفقد الاهتداء. يقال. ضلّ منزله، و"ضل دريص نفقه"
_________________
(١) الأوصاف المميزة عليهم، لابد أن يسأل: من أين دخل على أولئك هذه الهنات؟ فيجاب: بأن أولئك المستبعدين إنما جسروا عليها، وارتكبوا تلك الرذائل؛ لأنهم كانوا قد أبطلوا استعداداتهم الفطرية السليمة عن النقائص، واستبدلوا الضلالة بالهدى، فخسرت صفقتهم، وفقدوا الاهتداء إلى الطريق المستقيم، فلذلك وقعوا في تيه الضلالات. قوله: «وإعراضه» يقال: أعرض له، إذا أبدى عرضه، أي: جانبه. الجوهري: أعرض لك الخير، إذا أمكنك، والله أعلم. قوله: (هو فطرة الله) روينا عن البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة: «ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، ثم يقول اقرؤوا: (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: ٣٠] فأبواه يهودانه» الحديث. قال صاحب «الجامع»: كل مولودٍ إنما يولد في مبدأ الخلقة، وأصل الجبلة على الفطرة السليمة، والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن هذا الدين حسنه موجودٌ في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفةٍ من الآفات البشرية والتقليد. وقلت: فعلى هذا الوجه إثبات الهدى لهم مجازٌ باعتبار ما كان، وعلى الوجه الأول مجازٌ باعتبار ما يؤول، حيث جعل التمكن من الهدى بمنزلة حصول الهدى. قوله: (ضل دريصٌ نفقه). قال الميداني: هو ولد الفأر واليربوع وأشباه ذلك. ونفقه: جحره، ويقال: ضل عن سواء السبيل، إذا مال عنه، وضل المسجد والدار، إذا لم يهتد إليهما، ولم يعرفهما؛ يضرب لمن يعنى بأمره ويعد حجةً لخصمه، فينسى عند الحاجة.
[ ٢ / ٢١٥ ]
فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين. والربح: الفضل على رأس المال، ولذلك سمى الشف، من قولك: أشف بعض ولده على بعض، إذا فضله. ولهذا على هذا شف. والتجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشترى للربح. وناقة تاجرة: كأنها من حسنها وسمنها تبيع نفسها. وقرأ ابن أبى عبلة (تجاراتهم). فإن قلت: كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟ قلت: هو من الإسناد المجازى، وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له، كما تلبست التجارة بالمشترين. فإن قلت: هل يصح: ربح عبدك وخسرت جاريتك، على الإسناد المجازى؟ قلت: نعم إذا دلت الحال. وكذلك الشرط في صحة: رأيت أسدًا، وأنت تريد المقدام إن لم تقم حال دالة لم يصح. فإن قلت: هب أنّ شراء الضلالة بالهدى وقع مجازًا في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة؟ كأن ثمّ مبايعة على الحقيقة؟
_________________
(١) قوله: (فاستعير للذهاب) هذا بيانٌ للعلاقة بين الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية. قوله: (إذا دلت الحال) وهي كما اشترى عبدًا أو جاريةً ليتجر فيهما، فربح أو خسر فيهما، وإنما شرط ذلك؛ لأنه من الجائز أن يكونا مأذونين في التجارة فيكون الإسناد حقيقيًا. قوله: (وكذلك الشرط في صحة: رأيت أسدًا) نبه به على قرب معنى الإسناد المجازي من الاستعارة المصرحة، يعني: أن الإسناد يستعار من الفاعل الحقيقي لغير الحقيقي بسبب تعلق أحدهما بالآخر؛ لقيام القرينة، كما أن لفظ الأسد يستعار من الأسد الحقيقي للشجاع بسبب التشبيه لقيام القرينة. قوله: (كأن ثم مبايعةً على الحقيقة) يعني: سلمنا أن الشراء على المجاز لقرينة استعمال الهدى والضلالة معه فيما تصنع بقوله: (رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ) [البقرة: ١٦] فإنه لا يقرن إلا بالشراء الحقيقي، كأن بين إرادة المجاز وبين هذا التفريغ منافاة؟ وخلاصة الجواب: أنهم إذا أرادوا المبالغة في الاستعارة بنوا كلامهم على حديث المستعار منه كأنهم نسوا حديث التشبيه والاستعارة ولم يخطر منهم على بال.
[ ٢ / ٢١٦ ]
قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقا، وهو المجاز المرشح. وذلك نحو قول العرب في البليد: (كأن أذني قلبه خطلاوان)،
_________________
(١) قوله: (من الصنعة البديعة) أي: الغريبة المستحسنة التي يتوخى بها تزيين الكلام، ويتحرى بها حسن النظام، وتسمى بالتتميم، وهو تابعٌ يفيد الكلام مبالغةً وإليه أشار بقوله: «وأتبعه ما يشاكله» إلى قوله: «ويتم بانضمامه إليه تمثيلًا» والترشيح وإن كان يبحث عنه في البيان لكنه من المستحسنات البديعية لا من الدلالات الالتزامية، ولهذا قال: «لم تر كلامًا أحسن ديباجةً، وأكثر ماءً ورونقًا منه» على أن الصنعة البديعية قد تطلق على مجموع المعاني والبيان والبديع؛ تسميةً الشيء باسم أشهر أقسامه. قوله: (أحسن [منه] ديباجةً) الديباج: فارسيٌّ معرب. الأساس: ومن المجاز: دبج المطر الأرض يدبجها بالضم دبجًا، ودبجها زينها بالرياض، ولهذه القصيدة ديباجةٌ حسنةٌ، إذا كانت محبرة. قوله: (خطلاوان)، الجوهري: أذنٌ خطلاء بينة الخطل، أي: مسترخية. ومنه سمي الأخطل الشاعر.
[ ٢ / ٢١٧ ]
جعلوه كالحمار، ثم رشحوا ذلك روما لتحقيق البلادة، فادعوا لقلبه أذنين، وادعوا لهما الخطل، ليمثلوا البلادة تمثيلا يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة. ونحوه:
ولَما رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَايَةٍ … وعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لهُ صَدْرِى.
_________________
(١) قوله: (جعلوه) أي: البليد كالحمار، ظاهره يؤذن بأن المشبه الشخص، وإنما المشبه قلبه، لكن في الحقيقة يعود المعنى إليه، فلذلك قال: «جعلوه كالحمار». وإنما ذكر القلب وأريد الشخص؛ لأن القلب محل الفهم والذكاء، والاستعارة التي في الأذن تخييلية، وفي القلب مكنية؛ شبه قلبه بالحمار في البلادة تشبيهًا بليغًا، ثم أخذ الوهم في تصويره بصورة الحمار بعينه واختراع ما يلازم صورته من الأذنين، ثم أطلق على ذلك المخترع المتوهم اسم المحقق، وإليه الإشارة بقوله: «فادعوا لقلبه أذنين»، وجعلت القرينة إضافتهما إلى القلب، وقوله: «خطلاوان» ترشيحٌ لهذه الاستعارة؛ لأن ذكر الخطل متفرعٌ على إثبات الأذنين المستعارتين، وإليه الإشارة بقوله: «وادعوا لهما الخطل»، تقدير الكلام: أذنا قلبه كأنهما خطلاوان. والفاء في «فادعوا» مثلها في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤] لأن قوله: «فادعوا» إلى آخره عين قوله: «جعلوه كالحمار» كما أن القتل عين التوبة، أي: عزموا على جعله كالحمار فادعوا. قوله: (مشاهدةً معاينةً) حالان مترادفتان، أو متداخلتان، كقولك للمسافر: راشدًا مهديًّا. قوله: (ولما رأيت النسر) البيت، النسر: طائرٌ يوصف بطول العمر. عز: غلب. وابن دأيةً: الغراب، الجوهري: دأية البعير: ما يقع عليه ظلفة الرحل فتعقره، ومنه قيل للغراب: ابن دأية.
[ ٢ / ٢١٨ ]
لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر. ونحوه قول بعض فتاكهم في أمّه:
فما أُمُّ الرّدين وإنْ أَدَلَّتْ … بِعالِمَةٍ بأَخْلاقِ الْكِرَامِ
إذَا الشّيْطانُ قَصَّعَ في قَفَاها … تَنفّقْناهُ بالحُبُلِ التُّوَامِ
أى إذا دخل الشيطان في قفاها استخرجناه من نافقائه بالحبل المثنى المحكم. يريد: إذا حردت وأساءت الخلق اجتهدنا في إزالة غضبها وإماطة ما يسوء من خلقها. استعار التقصيع أوّلا، ثم ضم إليه التنفق، ثم الحبل التوام. فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه وما يكمل ويتم بانضمامه إليه،
_________________
(١) استعار للشيب النسر وللشباب الغراب، ثم رشحها بالوكرين، وهما: الرأس واللحية. قوله: (فتاكهم)، الجوهري: الفاتك الجريء، والجمع: الفتاك، والفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غافلٌ حتى يشد عليه فيقتله. قوله: (فما أم الردين) البيت: أدلت من الإدلال. أي: لا تحفظ حد الإدلال. القاصعاء:
[ ٢ / ٢١٩ ]
تمثيلًا لخسارهم وتصويرًا لحقيقته. فإن قلت: فما معنى قوله (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ)؟ قلت: معناه أنّ الذي يطلبه التجار في متصرفاتهم شيئان:
_________________
(١) الطريق المستوي، وهي إحدى جمري اليربوع، والنافقاء: موضع يرققه ولا ينفذه مخافة أن يقف عليه الصائد، فإذا طلب من القاصعاء خرج من النافقاء برأسه، ومنه سمي المنافق؛ لأنه يدخل في الإسلام ثم يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه، وإنما جاء بالتقصيع مصدرًا ليشير إلى أن الاستعارة في قصع تبعيةٌ، ورشح الاستعارة بأن ضم التنفق والحبل التؤام إليها. وأما وجه مناسبة القفا فهو أن سوء الخلق من الحمق. والحمق ينسب إلى القفا كما يقال: فلانٌ عريض القفا، ويروى: إنك لعريض الوساد، وفيه أنها مبالغةٌ في سوء الخلق بعيدة النزوع عنه، وأنه مثل الحارس الماهر حيث يعلم استخراج الصيد من مكامنه بلطائف الحيل والأسباب المتناسبة. قوله: (ما معنى [قوله:] (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)؟)، وفي بعض النسخ: (فما معنى) بالفاء، يعني: هب أنك حملت (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ) على الترشيح لكونه ملائمًا للمستعار منه، فما معنى قوله: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) فإنه معطوفٌ عليه ولا يصلح أن يكون ترشيحًا؛ لأنه غير ملائمٍ للمستعار منه، وأجاب: أنه وإن لم يصلح أن يكون ترشيحًا للاستعارة لكن يصلح أن يكون تجريدًا لها؛ لأنه يحسن أن يوصف التاجر بأنه ليس مهتديًا لطرق التجارة، فكما أن مطلوب التجار في متصرفاتهم الربح، كذلك مطلوبهم سلامة رأس المال، ولا يسلم رأس المال إلا بمعرفة طرق التجارة. وها هنا رأس مالهم التمكن على
[ ٢ / ٢٢٠ ]
سلامة رأس المال، والربح. وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معًا، لأن رأس ما لهم كان هو الهدى، فلم يبق لهم مع الضلالة. وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلالة، لم يوصفوا بإصابة الربح. وإن ظفروا بما ظفروا به من الأغراض الدنيوية لأن الضال خاسر دامر؛
_________________
(١) الهدى، والربح حصول الفلاح في الآجل، وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلال، فقد أضاعوا الطلبتين. والحاصل: أن هذه الصفقة استتبعت شيئين: أحدهما: الوصف بعدم الربح، والثاني: ظهور عدم الخبرة بصنعة التجارة. والذي يؤكد أن السؤال عن معنى انضمام (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) مع قوله: (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ) سؤاله عن معنى (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ) بقوله: «فما معنى ذكر الربح والتجارة، وإتيان هذا السؤال بعد الفراغ من ذلك السؤال وجوابه». ولأجل أن السؤال عن معنى اقتران القرينتين يجب أن يقال: إن قوله (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) لطرق التجارة عطفٌ على قوله «لم يوصفوا» ليطابق الجواب السؤال. فإن قلت: لو كان (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) تجريدًا للاستعارة لم قدر «مهتدين لطرق التجارة»؟ قلت: ليرشدك إلى اكتساب المعطوف من المعطوف عليه معناه بحسب المقام. ومما يدل على أن قوله: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) وصفٌ ملائمٌ للمستعار له أنك لو قلت: أولئك الذين استبدلوا الضلالة بالهدى، فما كانوا مهتدين، كان على ظاهره. قال القاضي: رأس مالهم كان الفطرة السليمة، والعقل الصرف، فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعدادهم، واختل عقلهم، ولم يبق لهم رأس مالٍ يتوسلون به إلى درك الحق ونيل الكمال، فبقوا خاسرين آيسين عن الربح فاقدين للأصل. قوله: (لأن الضال خاسرٌ دامر) تعليلٌ لقوله: «لم يوصفوا بإصابة الربح». وقوله: «ولأنه
[ ٢ / ٢٢١ ]
ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله: قد ربح، (وما كانوا مهتدين): لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر.
[(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ* صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ)].
لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان
_________________
(١) لا يقال» عطفٌ على التعليل، والتقدير: لم يوصفوا بإصابة الربح، ولأنه لا يقال، يعني أن قوله: (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ): إما أن يحمل على الخسران، أو على عدم الربح، وإلى الأول الإشارة بقوله: «لأن الضال خاسرٌ دامر»، وإلى الثاني بقوله: «لمن لم يسلم» إلى آخره لأنه يصح عرفًا أن يقال لمن ضيع رأس ماله: إنه ما ربح، كما يصح أن يقال: إنه خسر. ثم في تخصيص ذكر نفي الربح في التنزيل، مع تضييع رأس المال لطيفةٌ، وهي تصوير خيبتهم، وتخييل فوت مطلوبهم، وفي انضمام (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) إليه تجهيل أمرهم وتسفيه رأيهم وسلب رشدهم. قوله: (لما جاء بحقيقة صفتهم) يعني أن قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: ٨] إلى هنا جارٍ مجرى الصفات الكاشفة عن حقيقة المنافقين. فلما فرغ منها عقبها ببيان تصوير تلك الحقيقة، وأبرزها في معرض المشاهد المحسوس تتميمًا للبيان، ونعم ما قال القاضي: التمثيل إنما يصار إليه لرفع الحجاب عن المعنى الممثل له، ليبرزه في صورة المشاهد ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه، فإن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعةٍ من الوهم؛ لأن من طبعه ميل الحس وحب المحاكاة، ولذلك شاعت الأمثال.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثل والنظائر - شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد. وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبىّ، ولأمر مّا أكثر اللَّه في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول اللَّه ﷺ وكلام الأنبياء والحكماء. قال اللَّه تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) [العنكبوت: ٤٣]، ومن سور الإنجيل سورة الأمثال. والمثل في أصل كلامهم: بمعنى المثل، وهو النظير. يقال: مثل ومثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه. ثم قيل للقول السائر
_________________
(١) قوله: (وفيه تبكيت)، الأساس: بكته بالحجة وبكته: غلبه، تقول: بكته حتى أسكته، وبكته: قرعه على الأمر، وألزمه ما عيَّ بالجواب عنه، وبكته بالعصا: ضربه. قوله: (للخصم الألد)، الجوهري: رجل ألد بين اللدد، وهو شديد الخصومة. قوله: (الأبيّ)، الجوهري: أبى فلان: امتنع، فهو آبٍ وأبي وأبيان بالتحريك. وإنما كان كذلك؛ لأن إبراز حاله في صورة المثل أردع له من مجرد تقرير الحجة عليه كما في قصة الخصماء مع داود ﵇. قوله: (ثم ثيل للقول السائر)، أي: ثم نقل هذا المعنى إلى القول السائر، أي: المشهور الدائر بين الناس، الذي هو كالعلم للتشبيه، ولأجل كونه علما للتشبيه حوفظ عليه وحمي عن التغيير. قال الميداني: حقيقة المثل: ما جعل كالعلم للتشبيه بالحال الأولى، قال كعب بن زهير: كانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلًا … وما مواعيده إلا الأباطيل
[ ٢ / ٢٢٣ ]
الممثل مضربه بمورده: مثل، ولم يضربوا مثلا، ولا رأوه أهلا للتسيير، ولا جديرا بالتداول والقبول، إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه. ومن ثمّ حوفظ عليه وحمى من التغيير
_________________
(١) قوله "مواعيد عرقوب" علم لكل ما لا يصلح من المواعيد والأعلام لا تتغير. قوله: (الممثل مضربه بمورده)، مورد المثل: هو الحال التي صدر فيها المثل عن مرسله، ومضربه: الحال التي شبهت بها. أي: تشبه حالة مضربه بحالة مورده. مثاله قولهم: "في الصيف ضيعت اللبن". مورد المثل هو: أن دختنوس بنت لقيط بن زرارة، كانت تحت عمرو ابن عمرو، وكان شيخا ففركته، فطلقها، ثم تزوجها فتى وأجدبت، فبعثت إلى عمرو تطلب منه حلوبة، فقال عمرو: "في الصيف ضيعت اللبن"، فذهب مثلا. ومضرب المثل حصول حالة من يطلب شيئا قد فوته على نفسه في أوانه؛ لأن فخواه مشابه لذلك، فيستعار المثل بعينه من غير تغيير، وهو تذكير صيغة "ضيعت" لاستعماله في المذكر، بل يورد هكذا على صيغة المؤنث، وإلا لم يكن عارية لذلك. قوله: (قولًا فيه غرابة) أي: قولًا حاصلًا أو مستقرا فيه الغرابة. قال في "الأساس": يقال: رمى فأغرب، أي: أبعد المرمى، وتكلم فأعرب، إذا جاء بغرائب الكلام ونوادره، وقد غربت
[ ٢ / ٢٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) هذه الكلمة، أي: غمضت فهي غريبة، ومنه: مصنف الغريب. وقال فيه: وهذا كلام نادر: غريب خارج عن المعتاد. واعلم أن غموضة الكلام وكونه نادرًا، إما أن يكون بحسب المعنى، أو اللفظ، أما الأول فأن ترى فيه أثر التناقض، أو التنافي ظاهرًا، مثال الأول في غير المثل قوله تعالى: (ومَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ) [الأنفال: ١٧]، فأثبت الرمية لرسول الله ﷺ لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها فعل الله تعالى، فكان الله ﷿ هو فاعل الرمية على الحقيقة، وقوله تعالى: (ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ) [البقرة: ١٧٩] قال: كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أن القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل طرفًا ومكانًا للحياة. وفي المثل: قول الحكم بن عبد يغوث: رب رمية من غير رام، أثبت الرمي ونفى الرامي. ومثال الثاني ما روي في الحديث: "إن من البيان لسحر" حكم بأن بعض البيان سحر، والمشبه مباح مندوب والمشبه به حرام محظور. وأما الثاني: فأما أن يحصل فيه ألفاظ نادرة لا يستعملها العامة نحو قول الحباب بن المنذر: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب. يضرب في المجرب الذي يستشفى برأيه وعقله، جذيل: تصغير الجذل، أصل الشجر، المحكك: الذي تتحكك به الإبل الجربى، وهو عود ينصب في مبارك الإبل، والعذيق: تصغير العذق بفتح العين: النخلة، المرجب: الذي جعل له الدعامة بأن يبنى حولها من الحجارة، وذلك إذا كانت كريمة. أو أن يكون فيه حذف أو إضمار كما في قوله: "رب رمية من غير رام"، أي: رب رمية مصيبة من رام مخطئ، أو مراعاة للمشاكلة نحو: كما تدين
[ ٢ / ٢٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) تدان، أي: كما تجازي تجازى، أي: كما تعمل تجازى، فسمي الابتداء جزاء، إلى غير ذلك، وهو المراد من قوله: "فيه غرابة من بعض الوجوه" أي: الغرابة في المثل مطلوبة لا من كل الوجوه بل إن حصلت من بعض الوجوه المذكورة صح واستقام. وروى الميداني عن إبراهيم النظام. يجتمع في المثل أربع لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة. وزاد ابن المقفع: والوسعة في شعوب الحديث. وقلت: "إن من البيان لسحرًا" إذ المعنى أن بعض البيان يعمل عمل السحر لحدة عمله في سامعه، وسرعة قبول القلب له، وأما حسن التشبيه فأن يكون مورد المثل مما له صلاحية الممثل به لحسن موقعه وندرته كما في الحديث. روى الميداني: أن عمرو بن أهتم، والزبرقان وفدا على النبي ﷺ، فسأل عمرًا عن صاحبه فقال: مطاع في أدنيه، شديد العارضة مانع لما وراء ظهره. قال الزبرقان: إنه ليعلم مني أكثر من هذا، ولكنه حسدني، فقال: أما والله إنه لزمر المروءة، ضيق العطن، أحمق الولد، لئيم الخال، والله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الآخرة، ولكني رجل رضيت فقلت أحسن ما عملت، وسخطت فقلت أقبح ما وجدت، فقال النبي ﷺ: "إن من البيان لسحرًا". يضرب في استحسان المنطق وإيراد الحجة البالغة، وفيه أيضًا معنى قول ابن المقفع: والوسعة في شعوب الحديث.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
فإن قلت: ما معنى (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا)؟، وما مثل المنافقين ومثل الذي استوقد نارا حتى شبه أحد المثلين بصاحبه؟ قلت: قد استعير المثل استعارة الأسد للمقدام، للحال أو الصفة أو القصة، إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارا، وكذلك قوله:
_________________
(١) وأما جودة الكناية، وهي أخذ الزبدة والخلاصة منه، فينبغي أن يكون صحيحًا مشروطًا فيه ما شرط في وجه التشبيه، كما في قوله: "رب رمية من غير رام". فإنه كالعلم لكل من أصاب في شيءٍ ولم يكن أهلًا له، والله أعلم. قوله: (ما معنى (مَثَلُهُمْ» أي: كيف قال: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: ١٧] والمثل كما علم إما بمعنى النظير لغة، أو بمعنى القول السائر اصطلاحًا، فأين ذلك النظير أم أين القول السائر حتى يشبه أحدهما بالآخر؟ قوله: (وما مثل المنافقين؟) عطف تفسيري على قوله "ما معنى"، وخلاصة الجواب: أن المثل بعد النقل استعير لمعنى الحال أو القصة. فهو مجاز بعد النقل. قوله: (إذا كان لها شأن) "إذا" في أكثر النسخ مغير بإسقاط الألف، ولا حاجة إليه؛ لأن "إذا" يرد أيضًا لمجرد الظرفية، فلا بأس أن يعمل "قد استعير" فيه وإن كان للمعنى. قال صاحب التخمير: قال الإمام عمر الجنزي: فاوضت جار الله في قوله تعالى: (وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى) [النجم: ١] ما العامل في الظرف؟ أعني "إذا". فقال: العامل فيه ما تعلق به "الواو"، فقلت: كيف يعمل فعل الحال في المستقبل؟ وهذا لأن معناه: أقسم الآن، وليس معناه: أقسم بعد هذا، فرجع وقال: العامل فيه مصدر محذوف وتقديره: وهوي النجم إذا هوى. فعرضته
[ ٢ / ٢٢٧ ]
(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) [الرعد: ٣٥]، أى وفيما قصصنا عليك من العجائب: قصة الجنة العجيبة. ثم أخذ في بيان عجائبها؛ (وللَّه المثل الأعلى) [النحل: ٦٠] أي: الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة. (مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ) [الفتح: ٢٩] أي: صفتهم وشأنهم المتعجب منه.
ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا: فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن. فإن قلت: كيف مثلت الجماعة بالواحد؟ قلت: وضع الذي موضع الذين، كقوله: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) [التوبة: ٦٩]، والذي سوّغ وضع
_________________
(١) على زين المشايخ فلم يستحسن قوله الثاني، والوجه: أن "إذا" قد انسلخ عنه معنى الاستقبال وصار للوقت المجرد، ونحوه: آتيك إذا حمر البسر؛ لأن معناه: آتيك وقت احمراره، فقد عري عن معنى الاستقبال، لأنه قد وقعت الغنية بقولك: آتيك. قوله: (فلان مثلة في الخير والشر)، "في الخير والشر" يتعلق "بقالوا" لا بمثلة، أي: يستعملون هذه اللفظة في الخير والشر، لكن استعماله في معنى الخير قليل، ومنه قول الحريري: أنا في العالم مثله … ولأهل العلم قبله قوله: (فاشتقوا) عطف على "قالوا" على التعقيب؛ عطف (فَاقْتُلُوا) على (فَتُوبُوا). قوله: (وخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) [التوبة: ٦٩]) هذا إذا جعل ضمير الفاعل للذي.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
"الذي" موضع "الذين"- ولم يجز وضع القائم موضع القائمين ولا نحوه من الصفات أمران: أحدهما: أنّ «الذي» لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة بجملة، وتكاثر وقوعه في كلامهم، ولكونه مستطالا بصلته، حقيق بالتخفيف، ولذلك نهكوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا به على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين. والثاني: أن جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون. وإنما ذاك علامة لزيادة الدلالة،
_________________
(١) المعنى: خضتم مشبهين بالذين خاضوا، أو خوضًا مثل خوض الذين خاضوا، وإذا جعل الضمير العائد محذوفا وجب أن يكون "الذي" على بابه، أي: وخضتم خوضًا مثل الذي خاضوه. فإن قلت: ليس قوله: (الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: ١٧] مثل (كَالَّذِي خَاضُوا) لاختلاف صلتيهما مفردًا وجمعًا، وقرينة التخفيف في المستشهد جمع الصلة. قلت: سيجيء أن الآية بحسب عود الضمير من (بِنُورِهِمْ) إلى الموصولة يحتمل أمرين، فيجوز أن يحمل على الوجه الضعيف للتخفيف، على أن الآية التي نحن بصددها إذا حمل على التشبيه المفرق يوجب تقدير الجمع. قال أبو البقاء: (الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) أراد "الذين"، فحذف النون لطول الكلام بالصلة، ومثله: (والَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ) ثم قال: (أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ) [الزمر: ٣٣]. قوله: (نهِكوه) بالكسر، صح عن نسخة الأصل. الجوهري: نهك، أي: دنف وضني. قال في "المفصل": ولاستطالتهم إياه بصلته مع كثرة الاستعمال خففوه من غير وجه، فقالوا: "اللذ" بحذف الياء، ثم "اللذ" بحذف الحركة، ثم حذفوه رأسًا واجتزوا عنه بالحرف الملتبس به، وهو لام التعريف، وأورد بأن الذي بكمالها للتعريف، واللام بانفرادها للتعريف. قوله: (وإنما ذاك علامة) قيل: يريد أن لفظة "الذي" كما تصلح للمفرد تصلح أيضًا للجمع
[ ٢ / ٢٢٩ ]
ألا ترى أن سائر الموصولات لفظ الجمع، والواحد فيهن واحد. أو قصد جنس المستوقدين. أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد نارا. على أنّ المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد. ونحوه قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا) [الجمعة: ٥]، وقوله: (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) [محمد: ٢٠] ووقود النار: سطوعها وارتفاع لهبها. ومن أخواته: وقل في الجبل إذا صعد وعلا، والنار: جوهر لطيف مضيء حارّ محرق. والنور: ضوءها وضوء كل نير، وهو نقيض الظلمة. واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأنّ فيها حركة واضطرابا
_________________
(١) كسائر الموصولات مثل "من" و"ما" وغيرهما، فلما ألحق به "الياء" و"النون" اختص بالجمع، ولا كذلك سائر الأسماء التي جمعت بالواو والنون، لأنها بدونهما لا تكون للجمع. قال القاضي: إنما جاز ذلك في "الذي" ولم يجز في نحو: القائم، لأنه غير مقصود، والمقصود الوصف بالجملة التي هي صلته، وهو وصلة إلى وصف المعرفة بها لأنه ليس باسم تام بل هو كالجزء منه، فحقه أن لا يجمع كما لم تجمع أخواتها. قوله: (على أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا) يعني: أن التشبيه واقع في المضاف والمضاف إليه معًا، لا في المضاف إليه وحده، والتطابق من هذا الوجه حاصل كما في الآية المستشهد بها أولًا، وفي الثانية التشبيه واقع في النظرين وما يتصل بهما، لا فيما يتصل بهما وحده. قوله: (وذواتهم)، وفي أكثر النسخ بكسر التاء، وفي بعضها بالفتح. وجهه: أنه قال في "المغرب": ذو بمعنى الصاحب يقتضي شيئين: موصوفًا ومضافًا إليه، تقول للمؤنث: امرأة ذات مال، وللثنتين ذواتا مال، وللجماعة ذوات مالٍ، هذا أصل الكلمة ثم اقتطعوا عنها مقتضيها،
[ ٢ / ٢٣٠ ]
والنور مشتق منها. والإضاءة. فرط الإنارة. ومصداق ذلك قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا) [يونس: ٥]، وهي في الآية متعدية،
_________________
(١) وأجروها مجرى الأسماء التامة المستقلة بأنفسها غير المقتضية لما سواها، فقالوا: ذات قديمة أو محدثة، ونسبوا إليها كما هي من غير تغيير علامة التأنيث، فقالوا: الصفات الذاتية، واستعملوها استعمال النفس والشيء، وعن أبي سعيد: كل شيءٍ ذات، وكل ذاتٍ شيءٍ. وقال في الكواشي في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ) [النساء: ٢٣]: بناتكم: جمع بنتٍ، فلام الكلمة محذوف والتاء عوض منه وليست بتاء تأنيث؛ لأن تاء التأنيث لا يسكن ما قبلها ومع ذلك فتكسر تاء بنات في حالة النصب تشبيها لها بما في آخرها تاء التأنيث كمسلماتٍ. إلا يونس فإنه يقول: رأيت بناتك فتحًا يجعلها كالتاء الأصلية. قوله: (والنور مشتق منها) أي: من النار. الراغب: النور والنار: أحدهما مشتق من الآخر من حيث إنه قلما ينفك أحدهما عن الآخر، ولهذا قال: (نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) [الحديد: ١٣] فاستعمل فيه الاقتباس الذي هو للنار. قوله: (وهي في الآية متعدية) فعلى هذا الهاء موصولة مفعول به، أي: أضاءت النار ما حول المستوقد ويجوز أن تكون غير متعدية فيسند لفعل ما إلى "ما" على تأويل: أضاءت الأماكن التي حول المستوقد، أو يسند إلى ضمير النار، فعلى هذا ينتصب (مَا حَوْلَهُ) على الظرفية أي: أضاءت النار في الأمكنة التي حول المستوقد، وإنما أضاء إشراق النار فيما حوله
[ ٢ / ٢٣١ ]
ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى (ما حوله). والتأنيث للحمل على المعنى لأنّ ما حول المستوقد أماكن وأشياء. ويعضده قراءة ابن أبى عبلة (ضاءت). وفيه وجه آخر، وهو أن يستتر في الفعل ضمير النار. ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها، على أنّ ما مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة. و(حَوْلَهُ) نصب على الظرف وتأليفه للدوران والإطافة. وقيل للعام: حول لأنه يدور. فإن قلت: أين جواب لما؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن جوابه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ. والثاني: أنه محذوف كما حذف في قوله: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ). وإنما جاز حذفه لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس للدالّ عليه، وكان الحذف أولى من الإثبات لما فيه من الوجازة، مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت
_________________
(١) لا هي نفسها لكن يجعل إشراق ضوء النار بمنزلة إشراق النار في نفسها؛ لأن ضوء النار لما كان محيطا بالمستوقد مشرقا فيما حوله غاية الإشراق، أسند الفعل إلى النار نفسها إسنادًا للفعل إلى الأصل كقولهم: بنى الأمير للمدينة. قوله: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ) [يوسف: ١٥] وجوابه المحذوف: فعلوا به ما فعلوا من الأذى. قوله: (بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى) يعني لو صرح بالجواب على ما يقتضيه حال مستوقد نار أضاءت ما حوله، أوهم أن ذلك محصور، ولما حذف أشعر بأن الأمر بلغ من الفظاعة والشدة إلى ما لا يدخل تحت الوصف، وهذا من السحر البياني، لأنه آذن بأن الإيجاز استقل بمعانٍ لا يستقلها الإطناب، لكن في كلامه تسامح، لأنه قدر المحذوف ما لو صرح به لما اجتزئ به، فيجب أن يقدر بعد قوله: "بعد الكدح في إحياء النار" وغير ذلك مما لا يدخل تحت الوصف كما قال في قوله تعالى: (حَتَّى إذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) [الزمر: ٧٣]: حذف جواب "إذا"، لأنه في صفة ثواب أهل الجنة، فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار. فإن قلت: فإذا قدّر الجواب محذوفا فبم يتعلق (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)؟ قلت: يكون كلاما مستأنفًا. كأنهم لما شبهت حالهم بحال المستوقد الذي طفئت ناره،
_________________
(١) وللواحدي في هذا المقام كلام حسن، فلابد من التعرض له، قال: مثل هؤلاء المنافقين لما أظهروا كلمة الإيمان، واستناروا بنورها، واعتزوا بعزها، وآمنوا، فناكحوا المسلمين ووارثوهم، وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف وبقوا في العذاب، كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء بها واستدفأ ورأى ما حوله فاتقى ما يحذر ويخاف وأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي مظلما خائفا متحيرا. فمعنى إذهاب الله نور المنافقين هو أن يسلبهم ما أعطوا من النور مع المؤمنين في الآخرة، وكان من حق ظاهر النظم أن يكون اللفظ: "فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره"، ليشاكل جواب "لما" معنى هذه القصة. ولما كان إطفاء النار مثلا لإذهاب نورهم أقيم إذهاب النور مقام الإطفاء، وجعل جواب "لما" اختصارًا وإيجازًا. وقلت: على هذا التقدير في هذا التمثيل إيجازان: أحدهما: إيجاز في الشطر الأول من الممثل له، وهو مثل هؤلاء المنافقين لما أظهروا كلمة الإيمان، واستناروا بنورها واعتزوا بعزها، وآمنوا فناكحوا المسلمين ووارثوا وأمنوا على أموالهم وأولادهم حيث اقتصر على قوله: (مَثَلُهُمْ) لدلالة الشطر الأول من الممثل به عليه وهو قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) [البقرة: ١٧]. وثانيهما: إيجاز في الشطر الثاني من الممثل به وهو قوله: فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فبقى مظلمًا خائفًا متحيرًا، حيث لم يذكر منه شيئًا، واكتفى بذكر الشطر الثاني من الممثل له وهو قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ) [البقرة: ١٧]. قوله: (بعد الكدح) مستفاد من السين في قوله: (اسْتَوْقَدَ نَارًا).
[ ٢ / ٢٣٣ ]
اعترض سائل فقال: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟ فقيل له: ذهب اللَّه بنورهم. أو يكون بدلا من جملة التمثيل على سبيل البيان. فإن قلت: قد رجع الضمير في هذا الوجه إلى المنافقين فما مرجعه في الوجه الثاني؟ قلت: مرجعه الذي استوقد لأنه في معنى الجمع. وأما جمع هذا الضمير وتوحيده في: (حَوْلَهُ)، فللحمل على اللفظ تارة، وعلى المعنى أخرى. فإن قلت: فما معنى إسناد الفعل إلى اللَّه تعالى في قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)؟ قلت: إذا طفئت النار بسبب سماوي ريح أو مطر، فقد أطفأها اللَّه تعالى وذهب بنور المستوقد. ووجه آخر، وهو أن يكون المستوقد في هذا الوجه مستوقد نار لا يرضاها اللَّه.
_________________
(١) قوله: (أو يكون بدلًا من جملة التمثيل) أي: يكون تفسير المجموع قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) خمدت فبقوا متحيرين متحسرين؛ لأن حاصله وتلخيصه: ذهب الله بنور المنافقين، وتركهم في ظلمات لا يبصرون، والبدل كما علم في "الفاتحة" كالبيان والتفسير للمبدل. قوله: (قد رجع الضمير في هذا الوجه) يعني: إذا كان الجواب محذوفًا، وكان (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) استئنافًا، أو بدلًا، يرجع الضمير في (بِنُورِهِمْ) إلى المنافقين، وأما إذا كان الجواب (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) لا يجوز أن يرجع إليهم، ولا بأس في تسميته بالوجه الثاني وإن كان مذكورًا أولًا؛ لأن كلا من الوجهين ثانٍ للآخر، كقوله تعالى: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الغَارِ إذ) [التوبة: ٤٠] أي: مصيرهما، ونظيره قوله في قوله تعالى: (وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: ٦]: "فعطفت- أي: الأرجل- على الرابع المسموح". قوله: (فما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى) دلت "الفاء" على إنكار أن يكون (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) جوابًا، يعني إنما جاز إسناد إذهاب نور المنافقين إلى الله تعالى؛ لأنه جزاء لفعلهم، وأما إسناد إذهاب نور المستوقدين فلا يجوز لكونه عبثًا والعبث قبيح، بناء على مذهبه.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
ثم إما أن تكون نارًا مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام، وتلك النار متقاصرة مدّة اشتعالها قليلة البقاء. ألا ترى إلى قوله: (كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) [المائدة: ٦٤]، وإما نارًا حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي، ويتهدوا بها في طرق العبث، فأطفأها اللَّه وخيب أمانيهم. فإن قلت: كيف صح في النار المجازية أن توصف بإضاءة ما حول المستوقد؟ قلت:
_________________
(١) وتلخيص الجواب: أن الإسناد في قوله تعالى: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) إذا جعل مجازيًا يجوز أن يحمل قوله: (الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) على نار أوقدها بعض الناس للانتفاع بها من نحو الاستدفاء وإضاءة ما حوله وغير ذلك، فأطفأها ريح أو مطر، وإنما جاز إسناده إلى الله تعالى لأنه سبب بعيد، وإذا جعل الإسناد حقيقة احتمل أن يراد بالنار نار الفتنة، وأن يراد نار حقيقية أو قدها الغواة، بناء على أن إطفاء تلك النيران مستحسن في العقول. وقال القاضي: معنى الإسناد إلى الله تعالى أن الكل بفعله، إذا طفئت النار بسبب سماوي. يريد أن الإسناد مجازي على طريقة: هزم الأمير الجند. قوله: (نارًا مجازية) وعلى هذا حصل التداخل بين التشبيه والمجاز، فأدخل الاستعارة في المشبه به، كما أدخل التشبيه في قوله: "كأن أذني قلبه خطلاوان"، في الاستعارة هناك، وجعله ترشيحًا لها كما مر. وأما قوله: (وتلك النار متقاصرة) فموضوع موضع يطفئها الله سريعًا، يدل عليه قوله: (أَطْفَأَهَا اللَّهُ) في قوله: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ) [المائدة: ٦٤].
[ ٢ / ٢٣٥ ]
هو خارج على طريقة المجاز المرشح فأحسن تدبره. فإن قلت: هلا قيل ذهب اللَّه بضوئهم؟ لقوله: (فَلَمَّا أَضاءَتْ)؟ قلت: ذكر النور أبلغ لأنّ الضوء فيه دلالة على الزيادة. فلو قيل: ذهب اللَّه بضوئهم، لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نورًا، والغرض إزالة النور عنهم رأسًا وطمسه أصلًا،
_________________
(١) قوله: (المجاز المرشح) يريد أنه لما استعار لإثارة الفتنة لفظ النار قفاها بالإضاءة، فإنها صفة ملائمة لها. قوله: (والغرض إزالة النور) والحاصل: أن نفي القليل يوجب نفي الكثير، دون العكس، وفي معناه: (فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء: ٢٣]. قال صاحب "الفلك الدائر": هذا غير صحيح، فإنا تصفحنا كتب اللغة فلم نجدها شاهدة لما ذكر ولا الاصطلاح العرفي مساعد له. وقال ابن السكيت- وإنه ثقة بالإجماع- في كتاب "إصلاح المنطق"، في باب فعل وفعل بكسر الفاء وضمها مع سكون العين باختلاف المعنى: النير: علم الثوب، والنور: الضياء فجعلهما شيئًا واحدًا، وليس في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً والْقَمَرَ نُورًا) [يونس: ٥] ما يدل على الاختلاف. والجواب عن قوله: إن ابن السكيت جعلهما شيئًا واحدًا؛ هو أن ابن السكيت بين معناه الحقيقي بحسب الوضع لا الاستعمال، وقد تقرر في أول هذه الآية، أن هذا الاعتبار بحسب الاستعمال، وحيث قال: ومصداق ذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً) الآية [يونس: ٥]، وأن الأصل ما ذكره ابن السكيت.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
ألا ترى كيف ذكر عقيبه (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ)! والظلمة عبارة عن عدم النور وانطماسه، وكيف جمعها، وكيف نكرها، وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة مبهمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله (لا يُبْصِرُونَ). فان قلت: فلم وصفت بالإضاءة؟
_________________
(١) وقال في "الأساس": أشرق ضوء الشمس وضياؤها وأضواؤها، وقولهم: فلان أضوأ من الشمس وأنور من البدر. وأما قوله: ليس في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً والْقَمَرَ نُورًا) [يونس: ٥] ما يدل على الاختلاف، فيقال له: أفلا تقابل الآية بقوله تعالى: (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) [الإسراء: ١٢] وقوله تعالى: (وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) [نوح: ١٦] حتى يعلم الاختلاف للاستعمال! قوله: (ألا ترى كيف ذكر عقبيه … وكيف جمعها، وكيف نكرها) كرر "كيف" ليؤذن باستقلال كل واحد من المذكورات فيما قصد إليه، أي: أنها ظلمات متكاثفة بتتابع القطر وظلمة غمامه مع ظلمة الليل، وأنها ظلمات لا يكتنه كنهها. ثم قوله: (لاَّ يُبْصِرُونَ) كالتتميم والإيغال كقولها: كأنه علم في رأسه نار وجعله بمنزلة اللازم من قبيل: فلان يعطي ويمنع. قوله: (فلم وصفت بالإضاءة) الفاء تدل على إنكار الكلام السابق. ومبنى سؤاله السابق "هلا قيل: ذهب الله بضوئهم"، هو أن المجاوبة بين صدر الكلام وعجزه مطلوبة، فلما قيل:
[ ٢ / ٢٣٧ ]
قلت: هذا على مذهب قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل. ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت، ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح. والفرق بين أذهبه وذهب به:
_________________
(١) (أَضَاءَتْ) فالمناسب أن يقال: بضوئهم، ليكون من باب رد العجز على الصدر، وأجاب عنه بأن مراعاة تلك النكتة- وهي إزالة النور بالكلية- اقتضت المخالفة، ثم سأل ثانيا على الإنكار: "فلم وصفت بالإضاءة؟ " يعني إذا كان الغرض إزالة النور بالكلية، وأنه لو قيل: ذهب الله بضوئهم، لم يحصل الغرض، فما الذي استدعى وصف النار بالإضاءة دون الإنارة، إذ لو قيل: فلما أنارت ما حوله لحصل المقصود أيضًا وتجاوب النظم؟ وأجاب بما معناه: أنه أدمج في الكلام معنى الباطل، وتحريره: أن سياق الكلام كان في إثبات ضوء أو نور كيف ما كان، ثم إزالته ليحصل غرض التمثيل، ففي إيراده على هذه الطريقة إشعار بمعنى البطلان أيضًا، فإنه ثبت عند ذوي البصائر وأرباب النهى قوة ظهور الباطل في بدء الحال ثم اضمحلاله سريعًا في المآل، فقيل: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ) ليثبت أولًا الإفراط في إشراق النار ثم (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) ليثبت التفريط فيه ثانيًا، ليكون على وزان قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل. وفي هذا التقرير إيذان بأن الواجب أن يحمل التنكير في قوله: (اسْتَوْقَدَ نَارًا) على التعظيم والتهويل، وأن يجعل الإسناد في "أضاءت" للنار على المجاز، كما سبق. قوله: (ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح) أي: هذا اللفظ وهو نار العرفج، علم لهذا المعنى وقد أسلفنا أن حقيقة المثل: ما جعل علما للتشبيه لحال الأول، فإن نار العرفج علم لحال من تراه يخوض في أمر مع شرهٍ قويٍّ، ثم تراه ينخفض عنه سريعًا. والعرفج: شجر ينبت في السهل، الواحدة عرفجة. والنزوة: الطفرة، ومنه: نزا الذكر على الأنثى، والطماح: الشره. قوله: (والفرق بين أذهبه وذهب به) وقد ذهب إلى هذا الفرق أبو العباس المبرد، ذكره الحريري في "درة الغواص". قال صاحب "المثل السائر": كل من ذهب بشيء فقد أذهبه،
[ ٢ / ٢٣٨ ]
أن معنى "أذهبه": أزاله وجعله ذاهبا. ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه. وذهب السلطان بماله: أخذه (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ)، (إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ) [المؤمنون: ٩١]. ومنه: ذهبت به الخيلاء. والمعنى: أخذ اللَّه نورهم وأمسكه، (وما يمسك فلا مرسل له) [فاطر: ٢]، فهو أبلغ من الإذهاب. وقرأ اليماني: أذهب اللَّه نورهم)
_________________
(١) وليس كل من أذهب شيئًا فقد ذهب به، لأن قولنا: ذهب به يفهم منه أنه استصحبه معه، وأمسكه عن الرجوع إلى الحالة الأولى، وليس كذلك "أذهبه". وقال صاحب "الفلك الدائر": وفيه نظر؛ لأن كلا اللفظين يدلان على معنى واحد؛ لأن الأفعال اللازمة تعدى تارة بحرف الجر، وأخرى بالهمزة، كما تقول: أخرجت زيدًا من البلد، وخرجت بزيد منه، وليس معنى الثاني أنك أخرجت زيدًا واستصحبته معك، وكذا عن صاحب "الضوء" أنه قال: ويكون للتعدية إلى معنى آخر، وها هنا لم يفد شيئًا سواها. والجواب: أنهما وإن اشتركا في معنى التعدية، لكن لم قلت: إنهما مشتركان في تأدي معنى واحد؟ وهل النزاع إلا في هذا؟ فإن الهمزة ها هنا للإزالة والباء للمصاحبة، وصاحب المعاني لا ينظر إلا إلى الفرق بينهما، واستعمال كل منهما في مقامه، لا إلى التعدية نفسها فإن البحث عنها وظيفة النحوي. ويؤيده ما قاله المصنف في "الأعراف": "فإن قلت: كيف قيل: (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ) [الأعراف: ١٧] بحرف الابتداء (وعَنْ أَيْمَانِهِمْ وعَن شَمَائِلِهِمْ) [الأعراف: ١٧] بحرف المجاوزة؟ قلت: المفعول فيه عدي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به، فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك، اختلفت في هذا، وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس، وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط، فلما سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه، وعلى يمينه، وعن شماله، وعلى شماله،
[ ٢ / ٢٣٩ ]
و"ترك": بمعنى طرح وخلى، إذا علق بواحد، كقولهم: تركه ترك ظبى ظله. فإذا علق بشيئين كان مضمنًا معنى صير، فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة:
فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ
_________________
(١) قلنا: معنى "على يمينه" أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى "عن يمينه"، أي: جلس متجافيا عن صاحب اليمين، منحرفًا عنه غير ملاصق له". وقال في "طه": "ومعنى الاستعلاء في (عَلَى النَّارِ) [طه: ١٠]: أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها، كما قال سيبويه- في مررت بزيدٍ-: إنه لصوق بمكانٍ يقرب من زيد". قوله: (ترك ظبي ظله) أي: كناسه الذي يستظل به في شدة الحر، فيأتيه الصائد فيثيره فلا يعود إليه أبدًا، يضرب فيمن ترك الأمر تركًا لا يعود إليه أبدًا. قاله الميداني. قوله: (فتركته جزر السباع ينشنه) تمامه: ما بين قلة رأسه والمعصم قبله: فشككت بالرمح الطويل ثيابه … ليس الكريم على القنا بمجرم وروي: فتركنه بالنون، والضمير "للقنا" وفي رواية: يقضمن حسن بنانه والمعصم. الجزر: جمع الجزيرة، وهي الشاة التي أعدت للذبح، والنوش: التناول، والقضم: الأكل بمقدم الأسنان. يقول: صيرته طعمة للسباع، أي: قتلته فجعلته عرضة للسباع حتى تناولته وأكلته بمقدم أسنانها.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
ومنه قوله: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ) أصله: هم في ظلمات، ثم دخل ترك فنصب الجزأين.
والظلمة: عدم النور. وقيل: عرض ينافي النور. واشتقاقها من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا: أى ما منعك وشغلك، لأنها تسدّ البصر وتمنع الرؤية. وقرأ الحسن (ظلمات) بسكون اللام وقرأ اليماني (في ظلمة) على التوحيد. والمفعول الساقط
_________________
(١) قوله: (ومنه قوله: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ» يوهم أن تقدير الآية مقصور على هذا الوجه دون الأول، ولكن جاء في "الأمالي" عن ابن الحاجب: أن على الأول مفعول "ترك": "هم"، و(فِي ظُلُمَاتٍ) و(لاَّ يُبْصِرُونَ) حالان مترادفان من المفعول، فيقال: إن المصنف إنما ترك ذكره لظهوره، والوجه الثاني: لما كان متضمنا لفائدة التضمين وعلى قاعدة وأصل في الإعراب وهي: أن بعض الأفعال التي تقتضي مفعولين مبنية على أصل الأخبار. وقال ابن الحاجب: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ) كقولك: صيرت زيدًا عالمًا فاضلًا، لأنها في معنى الأخبار، فكما جاز تعدد الأخبار جاز تعددها، ويجوز أن يكون الأول هو المفعول، والثاني حالًا من الضمير في قوله "تركهم" أي: تركهم مستقرين في ظلماتٍ في حال كونهم لا يبصرون، ويجوز أن يكون الأول حالًا، والثاني هو المفعول، أي: صيرهم غير مبصرين في حال كونهم في ظلمات. قوله: (والظلمة عدم النور) وزاد الإمام: عما من شأنه أن يستنير. قوله: (وقيل: عرض ينافي النور) فعلى هذا الظلمة أمر وجودي، ويدل عليه قوله تعالى: (وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ) [الأنعام: ١].
[ ٢ / ٢٤١ ]
من (لا يبصرون) من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي، كأنّ الفعل غير متعدّ أصلا، نحو (يَعْمَهُونَ) في قوله: (وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الأنعام: ١١٠]. فإن قلت: فيم شبهت حالهم بحال المستوقد؟ قلت: في أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة وتورّطوا في حيرة. فان قلت:
وأين الإضاءة في حال المنافق؟ وهل هو أبدًا إلا حائر خابط في ظلماء الكفر؟ قلت: المراد ما استضاءوا به قليلا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم،
_________________
(١) قوله: (فيم شبهت حالهم بحال المستوقد) والذي عليه المعنيون بشأن هذا الكتاب: أن السؤال عن وجه التشبيه؛ قالوا: المعنى ما وجه التشبيه؟ ثم بين الوجه من ثلاثة أوجه، ولما ذكر الوجه الأول من تلك الوجوه، أورد سؤالًا وأجاب عنه، ثم شرع في الوجهين الأخيرين فتدبر، وقالوا: إن الضمير في "أنهم غب الإضاءة" للمستوقدين، والذي نذهب إليه: أن السؤال عن المشبه، ومورده قوله السابق: إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد، وأن الضمير للمنافقين، وإن كان ظاهر اللفظ يشعر بأن السؤال عن الوجه فافهم، فإن هذا المقام من مزال الأقدام. فإذن المعنى: في أي حال من أحوال المنافقين وقع التشبيه بحال المستوقد؟ فإن حالات المنافقين فيها كثيرة كما سبقت من ابتداء ذكرهم إلى أن انتهت إلى ما نحن بصدده، فلا بد من تخصيص بعضها بهذا التشبيه، ولهذا وقع الاختلاف في الجواب وتعدد الوجوه، ولا كذلك إذا كان السؤال عن الوجه. ثم نقول: إنا لو فرضنا أن يكون هذا السؤال عن الوجه، فلا يخلو: إما أن يكون هذا التشبيه مفرقًا أو مركبًا كان الوجه ما ذكره صاحب "المفتاح"، حيث قال: وجه تشبيه المنافقين بالذين شبهوا بهم في الآية هو رفع الطمع إلى تيسير مطلوبهم بسبب مباشرة أسبابه القريبة مع تعقيب الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمى بهم إلى ظلمة سخط اللَّه وظلمة العقاب السرمد. ويجوز أن يشبه بذهاب اللَّه بنور المستوقد اطلاع اللَّه
_________________
(١) وليس في الأجوبة التي أوردها المصنف ما يدل على ذلك، ولا على ما يقاربه، وأما إذا كان مفرقًا، فالوجه في غاية الظهور، فلا يحتاج إلى السؤال والجواب كما في بيت امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العناب والحشف البالي لأن الوجه فيه متعدد بحسب تعدد المشبه والمشبه به، واستخراجه سهل، على أن السؤال من الوجه إنما يحسن إذا تعين الطرفان، وها هنا المشبه غير معلوم؛ لأن في قوله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: ١٧] المشبه مثلهم وليس فيه ظاهرًا ما يصح أن يقابل بما في المشبه به، فوجب السؤال عنه، ولمثل هذا المعنى أورد في التمثيل الثاني: "قد شبه المنافق في التمثيل الأول بالمستوقد نارًا، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، فماذا شبه في التمثيل الثاني بالصيب وبالظلمات؟ "، ثم أعرض عن هذا السؤال بقوله: "والصحيح أن التمثيلين من التمثيلات المركبة". وأما بيان كون الاختلاف في الجواب دالا على المدعى، فهو أن قوله: "في أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة، وتورطوا في حيرة" لا يصلح أن يكون وجهًا في التشبيه المركب والمفرق؛ لما تقرر أن الوجه أمر مشترك يعم الطرفين، وها هنا ليس كذلك، لأنه لا يخلو من أن تكون الإضاءة فيه حقيقة أو مجازًا، فإن كان حقيقة فتختص بالمستوقد، وإن كان مجازًا فبالمنافق، وعلى التقديرين لا يكون مشتركًا، فلا يكون وجها فيجب حمله على أحدهما، فخصصناه بالمنافقين على المجاز، ليكون مشبهًا، فيرد عليه سؤاله: "وأين الإضاءة في حال المنافق؟ " وينطبق
[ ٢ / ٢٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عليه الجواب المراد: "ما استضاؤوا به قليلًا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم" إلى آخره فإنه في بيان مجاز المشبه. وأما الجواب الثاني، وهو قوله: "ويجوز أن يشبه بذهاب الله بنور المستوقد" إلى آخره، والثالث وهو قوله: "والأوجه أن يراد الطبع" فمن الدلائل القاطعة على ما قصدناه. بيان الوجه الثاني: أن المشبه بالاستضاءة هو انتفاعهم من المؤمنين بالمتاركة والإعفاء عن المحاربة، والإحسان إليهم، وإعطائهم الحظوظ من المغانم، وبذهاب الله بنور المستوقد إذهاب الله ذلك الانتفاع بكشف أسرارهم وافتضاحهم بين المؤمنين بإطلاعهم على أفعالهم، فيكون الاطلاع على النفاق مترتبًا على الانتفاع، كما أن الذهاب مترتب على الإضاءة في حال المستوقد. ويفترق هذا الوجه من الوجه الأول في إرادة معنى (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) دون الإضاءة والانتفاع، فإن المراد بالإضاءة في الوجهين الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، وبالإذهاب في الأول ظلمة العقاب، وفي الثاني إطلاع الله المؤمنين على أسرارهم. وبيان الوجه الثالث: هو أن المشبه بالاستضاءة هو الانتفاع المذكور، وبالإذهاب الطبع المرتب على عدم منح الألطاف، وتركهم على ما هم عليه، فإنه سبب لتراكم الرين والطبع على قلوبهم، فصح إيقاع الطبع مشبهًا، وأنه بمنزلة إذهاب النور في طرف المشبه به، لأن نورهم، أي: انتفاعهم لما كان سببًا عن إظهارهم الإيمان وموافقتهم المسلمين في الظاهر، وكان تركهم على هذه الحالة سببًا لتراكم الرين فكلما ازداد الرين، قل الانتفاع والإضاءة، إلى أن ينتهي الرين إلى الطبع، فحينئذ لم يتمالكوا أن يجروا على ألسنتهم كلمة الإيمان، قال الله تعالى: (قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ومَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [آل عمران: ١١٦] فانقطع لذلك الانتفاع بالكلية، فصح التشبيه، هذا على تقدير أن يكون (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) جزاء الشرط والضمير للمستوقدين، وأما إذا قدر الجزاء محذوفًا، تكون دلالة "ذهب الله" على هذا المعنى دلالة النائب على المنوب.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
على أسرارهم وما افتضحوا به بين المؤمنين واتسموا به من سمة النفاق. والأوجه أن يراد الطبع، لقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ). وفي الآية تفسير آخر: وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب اللَّه بنورهم وتركه إياهم في الظلمات. وتنكير النار للتعظيم. كانت حواسهم سليمة
_________________
(١) قوله: (وما افتضحوا) قيل: هو عطف على "اطلاع الله". وأما الجواب الرابع وهو قوله: "وفي الآية تفسير آخر" فكذا يقوي قولنا: إن تقدير السؤال: في أي حالة من حالات المنافقين وقع التشبيه؟ فإن حالات المنافقين فيها كثيرة. تقريره: أن تلك الأجوبة كانت مبنية على أن المراد من الحال المسؤول عنها ما يعلم من تفسيره قوله: () حيث قال: "كانت صورة صنيعهم مع الله- حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون- صورة صنع المخادعين، وصورة صنع الله معهم- حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده في عداد شرار الكفرة وأهل الدرك الأسفل من النار- صورة صنع الخادع" إلى آخره. وهذا الجواب مبني على أن الحالة التي وقع التشبيه فيها هي ما في الآية السابقة وهي قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدَى) [البقرة: ١٦]. ألا ترى كيف صرج بالمشبه والمشبه به بقوله: "ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة"! فالحق أن هذا جواب ثان، والجواب الأول متفرع عليه الوجهان. قوله: (والأوجه أن يراد الطبع) لما أن قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) [البقرة: ١٨] واقع استئنافًا على بيان الموجب. قوله: (كانت حواسهم سليمة)، الراغب: الصم: صلابة من اكتناز الأجزاء، ومنه قيل: حجر أصم وصخرة صماء، وقيل لرأس القارورة: الصمام، والبكم: اعتقال اللسان، وأصله فيمن يولد أخرس، والعمى قد يقال في عدم البصيرة والبصر جميعًا، فمن ترك الإصغاء إلى
[ ٢ / ٢٤٥ ]
ولكن لما سدّوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم جعلوا كأنما أيفت مشاعرهم وانتقضت بناها التي بنيت عليها للإحساس والإدراك كقوله:
صُم إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ … وإنْ ذُكِرْتُ بسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا
أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ
أَصَمُّ عَنِ الشَّىْءِ الَّذِى لا ارِيدُهُ … وأَسْمَعُ خَلْقِ اللَّهِ حِينَ أُرِيدُ
_________________
(١) الحكمة الربانية، وأعرض عن الطريق الأخروية واشتغل عن تعرف حالهما، ولم ينعم تدبرهما، صح أن تستعمل هذه الألفاظ فيه، والآية مبنية على الآية الأولى ومفسرة بحسب تفسيرها. قوله: (وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم) زاد في العبارة في هذا القسم، وأكد فيه، حيث بين النظر بالتبصر وصرح بذكر العين، وبناه من التفعل؛ لأن بديهة النظر لا تجدي ألبتة، والنظرة الأولى حمقاء، فلابد من بناء ثان على الأول، وإعمال التفكير فيه لينتفع به. قوله: (إيفت) أي: صارت ذا آفةٍ. الجوهري: الآفة: العاهة. وقد إيف الزرع، أي: أصابته آفة فهو مؤوف مثال معوف، والبنى: بالضم مقصورة مثل البنى يقال: بنية وبنى، وبنية وبنى. قوله: (أذنوا) هو من: أذنت الشيء أذنا، إذا أصغيت إليه، وأنشد الجوهري قبلة لقعنب: إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحًا … مني، وما أذنوا من صالح دفنوا
[ ٢ / ٢٤٦ ]
فأَصمَمتُ عَمْرًا وأَعْمَيتُهُ … عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يَوْمَ الفَخَار،
فإن قلت: كيف طريقته عند علماء البيان؟ قلت: طريقة قولهم:
_________________
(١) قوله: (فأصممت عمرًا) البيت. أي: وجدته أصم، "وأعميته"، أي: وجدته أعمى. قوله: (كيف طريقته) قيل: أي: هو حقيقة أم مجاز؟ ثم إن كان مجازًا، أهو من باب التمثيل أو الاستعارة؟ وليس بذاك، بل توجيه السؤال أن يقال: ذكرت أن قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) [البقرة: ١٨] ليست على ظواهرها؛ لأن حواسهم كانت سليمة، وأنها محمولة على تلك المعاني، فمن أي أسلوب هو في البيان؟ فأجاب: إنه من باب التشبيه، ثم أورد عليه أن مبنى التشبيه أن يذكر طرفاه، وهو المشبه والمشبه به، فهل يسمى استعارة أم لا؟ فأجاب بأنه لا يسمى استعارة؛ لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون، ثم منع هذا التعليل بقوله: "طوى ذكرهم عن الجملة بحذف المبتدأ" وتقريره: أنه ثبت في البيان أن شرط الاستعارة أن يكون المشبه المتروك مطويًا في جملة وقعت الاستعارة فيها، فلو ذكر في غيرها من الجمل لا يضرها، ألا ترى إلى قوله: قامت تظللني من الشمس … نفس أعز علي من نفسي قامت تظللني ومن عجب … شمس تظللني من الشمس فإن قوله: "شمس تظللني" عد استعارة، وإن علم من السابق أنه تشبيه، كذا ها هنا هذه الجملة معراة عن ذكر المشبه، وإن علم مما سبق ذكرهم، فانسلق إلى أنه استعارة، وإليه الإشارة بقوله: "طوى ذكرهم عن الجملة". وأجاب أن المطوي في حكم المنطوق؛ لأن الكلام لا يتم إلا به، بخلافه في البيت، فإن تلك الجملة مستقلة.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
هم ليوث؛ للشجعان، وبحور للأسخياء. إلا أنّ هذا في الصفات، وذاك في الأسماء، وقد جاءت الاستعارة في الأسماء والصفات والأفعال جميعًا. تقول: رأيت ليوثا، ولقيت صما عن الخير، ودجا الإسلام، وأضاء الحق. فإن قلت: هل يسمى ما في الآية استعارة؟ قلت: مختلف فيه. والمحققون على تسميته تشبيها بليغًا لا استعارة؛
_________________
(١) قوله: (هم ليوث للشجعان، وبحور للأسخياء) أي: تشبيه بحذف الأداة، والوجه كأنه قيل: هم كالليوث وكالصم إلا أن الفرق بينهما من حيث الاسم والصفة، وكما جاءت الاستعارة على الأصالة في الأسماء وعلى التبعية في الصفات والأفعال كذا تجيء في التشبيه؛ لأن مبنى الاستعارة على التشبيه فقوله: "رأيت ليوثًا ولقيت صما، ودجا الإسلام، وأضاء الحق" استعارات لا تشبيهات، فإذا جوز ذلك في الفرع، ففي الأصل بطريق الأولى. قوله: (ودجا الإسلام)، الأساس: ومن المجاز ثوب داج: سايغ غطى جسده كله، وثوب الإسلام داج. قوله: (تشبيهًا بليغًا) وذلك أن حق التشبيه ذكر أركانه الأربعة: المشبه والمشبه به، وأداته ووجهه، وحين لم يذكر ها هنا الأداة دل على الحمل، ولما لم يذكر الوجه دل على العموم. وأما حذف المسند إليه، فيه بلاغة أم لا؟ فمذهب صاحب المفتاح: لا، لكون المقدر كالملفوظ، لكن لا يخلو من نوع مبالغة، فإن دلالة المسند على المسند إليه المقدر في نحو: أسد علي وفي الحروب نعامة قريب من نحو دلالة الأسد على الشجاع في قولك: رأيت أسدًا يرمي، ولهذا اختلف فيه.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
لأنّ المستعار له مذكور وهم المنافقون. والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خلوًا عنه صالحًا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه، لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام، كقول زهير:
لَدَى أَسَدٍ شَاكِى السِّلاحِ مُقَذَّفٍ … لَهُ لِبَدٌ أَظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
_________________
(١) قوله: (يطوى ذكر المستعار له) ليس بكلي؛ لأن ذلك مشروط في الاستعارة المصرحة، أما المكنية فبخلافه. قوله: (ويجعل الكلام خلوا عنه، صالحا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه) مبني على القول بالدعاء الذي هو أصل الاستعارة، وإلا فمعنى الحقيقة هو المبادر إلى الفهم عند خلو الكلام عن القرينة، وإلى الاستعارة عند وجودها؛ وذلك أن المتكلم عند إرادة الاستعارة يدعي أولا أن المشبه داخل في جنس المشبه به، وفرد من أفراد حقيقته، فالمستعار كاللفظ المشترك الدائر بين مفهوميه، ولولا القرينة المبينة لم يعلم المراد. قوله: (لدى أسد شاكي السلاح) الشوكة شدة البأس، والحدة في السلاح، وقد شاك الرجل، أي: ظهرت شوكته وحدته، فهو شائك السلاح، وشاكي السلاح مقلوب منه، مقذف: كثير اللحم، ناقة مقذفة مكتنزة اللحم، كأنما قذفت به قذفا. لبد: جمع لبدة، وهي الشعر الذي على رقبته يتلبد. قوله: (أظفاره لم تقلم) أي: براثنه لا يعتريها ضعف، يقال للضعيف: مقلوم الظفر، واجتمع في البيت تجريد الاستعارة مع ترشيحها، والبيت مستشهد به لقيام دلالة الحال على الاستعارة.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
ومن ثم ترى المفلقين السحرة منهم كأنهم يتناسون التشبيه ويضربون عن توهمه صفحًا.
قال أبو تمام:
ويُصْعِدُ حتَّي يَظُنَّ الجَهُولُ … بأَنَّ لهُ حاجَةً في السَّمَاء
_________________
(١) قوله: (ومن ثم) تعليل لقوله: «ويجعل الكلام خلوا عنه صالحًا لأن يراد به المنقول عنه» أي: حقيقة «والمنقول إليه» أي: ادعاء، ولأن المشبه داخل في جنس المشبه به فرد من أفراد حقيقة «يتناسون التشبيه» في الترشيح كأنه لم يخطر منهم على بال، ولا رأوه ولا طيف خيال. فإن قلت: الكلام في تناسي التشبيه مسوق للاستعارة كما يفهم من كلامه، وهذا تشبيه كما تقرر من مفهوم كلام صاحب المفتاح؟ قلت: ذكره للمبالغة والإيذان بأنهم إذا كانوا مع التشبيه والاعتراف بالأصل يسوغون أن لا يبنوا إلا على الفرع الذي هو المشبه به، فهم إلى تسويغ ذلك مع جحد الأصل في الاستعارة أقرب. قوله: (المفلقين)، الجوهري: الفلق بالكسر: الداهية والأمر العجيب تقول منه: أفلق الرجل، وشاعر مفلق. الأساس: شاعر مفلق يأتي بالفلق وهو الأمر العجيب. قوله: (ويصعد) البيت، والضمير في «يصعد» للمدوح، ساق سمو منزلته وارتقاءه
[ ٢ / ٢٥٠ ]
ولبعضهم:
لا تَحْسَبُوا أَنَّ في سِرْبالهِ رَجُلًا … ففِيهِ غَيْثٌ ولَيْثٌ مُسْبِلٌ مُشْبِل
وليس لقائل أن يقول: طوى ذكرهم عن الجملة بحذف المبتدإ فأتسلق بذلك إلى تسميته استعارة لأنه في حكم المنطوق به، نظيره قول من يخاطب الحجاج:
أَسَدٌ عَلَىَّ وفي الحُرُوبِ نَعَامَةٌ … فَتْخاءُ تَنْفُرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ
_________________
(١) مدارج الكمال مساق علوه المكاني، واللام في «الظن» جواب القسم، والبيت مثال الاستعارة. قوله: (لا تحسبوا) البيت، والبيت مستشهد به من حيث اللفظ كما تقول في شجاع: هذا ليس بإنسان بل هو أسد؛ ألا ترى كيف يفترس ويصول. قوله: (مسبل)، الأساس: أسبل المطر: أرسل دفعة وتكاثف كأنما أسبل سترا. قوله: (فأتسلق)، الجوهري: تسلق الجدار: تسوره. أي ترك التشبيه وارتقى إلى الاستعارة، لأنها تدرج من التشبيه لحذف أحد طرفيه وذكر الآخر، وفي حذف المبتدأ إيهام لتطهيره اللسان عنه. قوله: (أسد علي) البيت، وبعده: هلا حملت على غزالة في الوغى … بل كان قلبك في جناحي طائر فتخاء: مسترخية الجناح. والصفير: صوت المكاء، والنعام يضرب به المثل في الجبن. قيل: قتل الحجاج شبيبا الخارجي، فحاربته امرأته سنة، وهزمت الحجاج وهي تتبعه، فقيل له ذلك تغييرا، أي: هلا حملت على هذه المرأة في الوغى بل كان قلبك في الوجيب والخفقان كأنه في جناحي الطير.
[ ٢ / ٢٥١ ]
ومعنى (لا يَرْجِعُونَ): أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها، تسجيلا عليهم بالطبع. أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين
_________________
(١) قوله: (ومعنى (لا يَرْجِعُونَ» أي: (لا يَرْجِعُونَ) متعلقه محذوف. الأساس: رجع إلى رجوعا ومرجعا ورجعى، ورجعته أنا رجعا. فإما أن يقدر المتعلق «إلى»، فالرجوع إذن بمعنى الإعادة إلى ما كان، فالمعني: «لا يعودون إلى الهدي»؛ لأن المراد تمكنهم من الهدي، وإما أن يقدر «عن» فالمعنى: «لا يرجعون عن الضلالة»، فإن المتمسك بالشيء لا يرجع عنه، وإما أن لا يقدر شيء، ويترك على الإطلاق، والوجهان المتقدمان مبنيان على أن وجه التشبيه في التمثيل مستنبط من قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: ١٦] والوجه الأخير من قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ)، المعني به قوله: «إنهم غب الإضاءة، خبطوا في ظلمة، وتورطوا في حيرة». قوله: (تسجيلا عليهم بالطبع) اعلم أن في تفريعه هذا اللفظ على قوله: «بعد أن باعوه» أو «بعد أن اشتروها» وإيقاعه مفعولا له للقول المقدر، أي: قيل: فهم لا يرجعون، تسجيلا عليهم، دقيقة جليلة ولطيفة سنية، لأنه آذن به أن هذا القول أيضا متفرع على قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: ١٦] وتتميم لذلك المعنى، نحو قوله: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) وقوله: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)؛ لآن المشتري والبائع إذا بتا المبايعة بحيث لا يكون لأحدهما الخيار والرجوع إلى السلعة كتبا صكا على ذلك، ثم أثبت الحاكم سجله تأكيدا على تأكيد، فهذا هو معنى الطبع، لأن الطبع: تراكم الرين وتزايد في الكفر، فعلى هذا جملة التمثيل كالمعترضة بين التتميم أعني: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) [البقرة: ١٨] والمتمم وهو قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ) الآية [البقرة: ١٦] وعلى الوجه الثاني وهو قوله: «أو أراد
[ ٢ / ٢٥٢ ]
الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخرون؟ وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه.
[(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ* يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*)].
ثم ثنى اللَّه سبحانه في شأنهم بتمثيل آخر ليكون كشفا لحالهم بعد كشف، وإيضاحا غب إيضاح
_________________
(١) أنهم بمنزلة المتحيرين"، قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) كالتتميم لجملة التمثيل، ويمكن أن ينظر في الترشيح والتجريد والتتميم معنى الترقي ليشمل جميع شرائط التجارة؛ لأن المقصود من التجارة حصول الربح، وحفظ رأس المال، وهؤلاء في هذه الصفقة أضاعوا هاتين الطلبتين، فعلم من ذلك فقد اهتدائهم لطرق التجارة. ومن وقف على كونه دخيلًا في صنعة التجارة ربما اشتغل بالتلافي، ويرجع إلى البائع ويعتذر إليه ليرد رأس ماله، ويرجع عن الغبن الفاحش، وهؤلاء حرموا كل ذلك فدمروا. قوله: (وكيف يرجعون) عطف على "أيتقدمون أم يتأخرون" ضمن "لا يدرون" معنى العلم، وعلق عمله حيث أتى بالحملتين مصدرتين بحرف الاستفهام، و"كيف" مفعول "يرجعون" على تأويل جواب الاستفهام. قوله: (ثم ثنى الله تعالى) هو عطف على قوله: "عقبها بضرب المثل" في قوله: "ولما جاء بحقيقة صفتهم عقبها". قوله: (غب إيضاح)، الجوهري: الغب: أن ترد الإبل الماء يومًا وتدعه يومًا.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وكما يجب على البليغ في مظانّ الإجمال والإيجاز أن يجمل ويوجز فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل والإشباع أن يفصل ويشبع. أنشد الجاحظ:
يُوحُونَ بالخُطَبِ الطِّوَالِ وتَارَةً … وَحْىَ المُلَاحِظِ خِيفةَ الرُّقَباءِ
ومما ثنى من التمثيل في التنزيل قوله: (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ) [فاطر: ١٩ - ٢١]، وألا ترى إلى ذى الرمّة كيف صنع في قصيدته:
أَذَاكَ أَمْ نَمَشٌ بالْوَشْي أَكْرَعُه؟
_________________
(١) قوله: (وكما يجب على البليغ) الواو للاستئناف، والكلام إلى تمام بيت الجاحظ معترض، والكاف في "كما" مرفوع المحل و"ما" موصولة، ولذلك جيء بالفاء في الخبر، وهو "فكذلك". قوله: (يرمون بالخطب)، الأساس: ومن المجاز: رأيت الناس يرمون الطائف، أي: يقصدونه وهذا الكلام بعيد المرامي. قوله: (وحي الملاحظ) منصوب على المصدر، أي: يشيرون رمزًا. قوله: (وألا ترى) ويروى بغير "الواو"، وإذا كان بغير "الواو" فهو كالبيان لم امر، وإذا كان "بالواو" فهو عطف على "مما ثني". قوله: (أذاك أم نمش بالوشي أكرعه) تمامه: مسفع الخد غادٍ ناشط شبب النمش بالفتح: نقط بيض وسود، ومنه: ثور نمش بكسر الميم، وهو الوشي الذي فيه نقط. بالوشي: صفة النمش، وأكرعه فاعله. مسفع الخد: أسود. الجوهري: السفعة في الوجه: سواد في خدي المرأة الشاحبة. ناشط: يخرج من أرضٍ إلى أرضٍ. وشبب: ثور مسن قد
[ ٢ / ٢٥٤ ]
أَذَاكَ أَمْ خَاضِبٌ بالسَّىِّ مَرْتَعُهُ؟
فإن قلت: قد شبه المنافق في التمثيل الأوّل بالمستوقد نارا، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار،
_________________
(١) استحكم أسنانه. والأكرع: جمع الكراع، وهو الوظيف وهو ما بين الركبة إلى الرسغ. يقول: أذاك الحمار الوحشي الذي مر ذكره يشبه ناقتي، أم ثور ملمع مسفع الخد. قوله: (أذاك أم خاضب بالسي مرتعه) تمامه: أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب الخاضب: الظليم. والظليم إذا أكل الربيع احمرت ساقاه، وأطراف ريشه. و"السي": ما استوى من الأرض. و"أبو ثلاثين" أي: ثلاثين فرخًا، فهو منقلب، أي: منصرف إلى وكره. كرر التشبيه، وشبه ناقته تارة بالحمار، وأخرى بالثور، ثم بالنعام في السرعة والخفة. قوله: (وإظهاره الإيمان بالإضاءة) قيل: فيه نظر، والأولى أن يقال: إظهاره الإيمان بالاستيقاد، وانتفاعه بالإضاءة؛ لأن المنافق إذا شبه بالمستوقد، ففعله وهو إظهار الإيمان يكون كالاستيقاد لا محالة، وما يحصل له من إظهار الإيمان يكون كالإضاءة الحاصلة من الاستيقاد. هذا هو التحقيق. وقلت: تحقيق هذا المقام أن التشبيه واقع في صفة المنافقين وصفة المستوقدين كقوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: ١٧] وصفة المنافقين إظهار الإيمان بالكلمة المجراة على ألسنتهم، وصفة المستوقدين مزاولة الوقود ومحاولة الاستيقاد، وكما أن هذه المزاولة عقيب هذه الإضاءة على ما قال تعالى: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ)، كذلك ذلك الإظهار أورث أن تجري عليهم أحكام المسلمين من المتاركة والاصطناع والإحسان إليهم، فإنها منافع بمنزلة
[ ٢ / ٢٥٥ ]
فماذا شبه في التمثيل الثاني بالصيب وبالظلمات وبالرعد وبالبرق وبالصواعق؟ قلت: لقائل أن يقول: شبه دين الإسلام بالصيب؛ لأنّ القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر. وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات،
_________________
(١) الإضاءة، يدل عليه قوله فيما سبق: "وأين الإضاءة في حال المنافق" وجوابه: أن "المراد ما استضاؤوا به قليلًا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم" ثم كما ترتب على تلك الإضاءة إذهاب النور بالكلية كذلك ترتب على هذه الإضاءة انقطاع الانتفاع وهو المراد بقوله: "وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار" ولا شك أن انقطاع الانتفاع متوقف على ثبوته، فالتقدير: شبه الإظهار بالاستيقاد والانتفاع بالإضاءة لدلالة كلامه السابق وهو قوله: "ما استضاؤوا به قليلًا من الانتفاع" على أن الانتفاع مشبه بالإضاءة. هذا التقرير وهو قوله: "قد شبه المنافق" إلى آخره؛ هذا التقرير يؤيد أيضًا ما ذهبنا إليه من أن السؤال فيما سبق في قوله: "فيم شبهت" عن المشبه لا عن الوجه. قوله: (شبه دين الإسلام بالصيب) لما كان الكلام فيه تشبيه حال المنافقين بذوي الصيب، فكانوا ملتبسين بالمسلمين تجري عليهم أحكامهم، دخل دين الإسلام بالتشبيه. قال القاضي: شبه أنفس المنافقين بأصحاب الصيب، وإيمانهم المخالط بالكفر والخداع بصيبٍ فيه ظلمات ورعد وبرق من حيث إنه وإن كان نافعًا في نفسه لكنه لما وجد في هذه الصورة، عاد نفعه ضرًا، وشبه نفاقهم حذرًا عن نكايات المؤمنين، وما يطرقون به من سواهم من الكفرة بجعل الأصابع في الآذان من الصواعق حذر الموت. قوله: (وما يتعلق به) روي مجهولًا. قيل: الضمير المجرور إذا رجع إلى "الدين"، لا يبقى للموصول عائد، ولو روي مرفوعًا لرجع الضمير المستتر فيه إلى الموصول، وفي "به" إلى "الدين"، لكان وجهًا، لكن الرواية بالضم.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق. وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق. والمعنى: أو كمثل ذوى صيب. والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا. فإن قلت: هذا تشبيه أشياء بأشياء فأين ذكر المشبهات؟ وهلا صرح به كما
في قوله: (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ) [غافر: ٥٨]! وفي قول امرئ القيس:
كأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا … لَدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البَالِى؟
قلت: كما جاء ذلك صريحًا فقد جاء مطويا ذكره على سنن الاستعارة،
_________________
(١) قوله: (وما فيه) الضمير المجرور "للدين"، والمستتر المتحول إلى الظرف للموصول. قوله: (وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق) فيه لف ونشر. قوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) [غافر: ٥٨] شبه المسئ بالأعمى، ومن عمل صالحًا بالبصير، وأتى بالمشبه والمشبه به فيهما على طريقة اللف والنشر من غير ترتيبٍ كما أتى امرؤ القيس بهما على الترتيب. والأول أحسن لأنه أدل على جودة ذهن السامع بأن يرد كلا منه إلى ما هو له. قوله: (كأن قلوب الطير) البيت، الحشف: أردأ التمر. والبالي من بلي الشيء بلاء بفتح الباء وبلى بكسرها، يصف بازيًا يصيد الطيور، ورطبًا ويابسًا حالان. والعامل "كأن"، كقولك: كأنك مقاتلًا الأسد أي: أشبهك به في حال القتال. قوله: (على سنن الاستعارة) أي: الاستعارة المصرحة، فإن المشبه فيها مطوي أبدًا، والفرق أن المتروك في التشبيه منوي مراد، وفي الاستعارة منسي غير مراد، فقول تعالى: (مَثَلُهُمْ)
[ ٢ / ٢٥٧ ]
كقوله تعالى: (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ) [فاطر: ١٢]، (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ) [الزمر: ٢٩]. والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطونه:
أنّ التمثيلين جميعًا
_________________
(١) مشبه مبهم، والمشبه به قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: ١٧] إلى آخره، وهو مشتمل على أشياء معدودةٍ مستدعيةٍ لما يقابلها من المشبه في الطرف الآخر ليتم أمر التشبيه، وكذلك كان في حكم المذكور كما استدعى الإخبار في قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) [البقرة: ١٨] المبتدأ، ولذلك لم يكن استعارة بخلافه في قوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ) [فاطر: ١٢] وقوله: (رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ) [الزمر: ٢٩] فإن المراد بالأول الكافر والمؤمن، وبالثاني الكافر وإشراكه الأصنام بالله، والمؤمن وتفرده بإله واحد. فشبه الكافر مع آلهته بعيدٍ قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف، كل واحدٍ منهم يدعي عبوديته، ويريد أن يتفرد له بالخدمة، فذاك بأمره، وهذا بنهاه، متحير لا يدري رضاء أيهم يتحري، وشبه المؤمن مع توحيده بعبدٍ قد سلم لمالكٍ واحدٍ، فهو معتنق لما لزمه من الخدمة، معتمد على مولاه فيما يصلحه ويهمه، فهو مجتمع القلب. ولا يستدعي الإتيان سوى القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة، والصارف فيهما سياق الكلام فكانتا استعارتين. قوله: (والصحيح) جواب آخر عن قوله: "فأين ذكر المشبهات" أو يقال: إنه جواب آخر عن السؤال الأول، فإنه سأل أولًا بقوله: "قد شبه المنافق في التمثيل الأول" إلى آخره. وقدر في الجواب المشبهات كلها، ثم سأل: فأين هذه المقدرات؟ وأجاب عنه: أنه مطوي مراد، ثم أتى بالوجه الصحيح بل الظاهر هذا؛ لأن المشبه في هذا الوجه أيضًا مطوي منوي لكن بوجهٍ آخر، فإذا هو عطف على قوله: "ولقائل أن يقول" ودل قوله في الجواب: "ولقائل أن يقول" على ضعف القول الأول.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
من جملة التمثيلات المركبة دون المفرّقة، لا يتكلف الواحد واحد شيء يقدر شبهه به، وهو القول الفحل والمذهب الجزل، بيانه: أنّ العرب تأخذ أشياء فرادى، معزولًا بعضها من بعض، لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها، كما فعل امرؤ القيس وجاء في القرآن، وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامّت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا، بأخرى مثلها كقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ) الآية [الجمعة: ٥]. الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة، بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، وتساوى الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار، لا يشعر من ذلك إلا بما يمرّ بدفيه
_________________
(١) قوله: (لا يتكلف) استئناف على سبيل البيان، أو حال، المعنى: أن التمثيلين من جملة التمثيلات المركبة فلا تحتاج إلى أن يقدر في طرف المشبه ما يقابل واحدًا واحدًا معزولًا بعضها عن بعض. قوله: (بيانه) أي: بيان وقوع التمثيلين في كلامهم، لا بيان القول الفحل، وأما جزالة هذا الوجه فإنك تتصور في المركب الهيئة الحاصلة من تقارن تلك الصور وكيفياتها المتضامة، فيحصل في النفس منه ما لا يحصل من المفردات، كما إذا تصورت من مجموع الآية مكابدة من أدركه الوبل الهطل مع تكاثف ظلمة الليل وهيئة انتساج السحاب بتتابع القطر، وصوت الرعد الهائل، والبرق الخاطف، والصاعقة المحرقة، ولهم من خوف هذه الشدائد حركات من يحذر الموت، حصل لك منه أمر عجيب وخطب هائل بخلاف ما إذا تكلفت لواحدٍ واحدٍ مشبهًا به. قوله: (كقول تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ) الآية [الجمعة: ٥]. فإن قلت: كيف استشهد بها هنا للتمثيل المركب، وقد استشهد بها للمفرد في قوله: "لم يشبهوا بذات المستوقد وإنما شبهت قصتهم بقصتهم"؟ قلت: ليريك أن الآية أيضًا يسوغ فيها الأمران، وأن القول القوي الذي عليه علماء البيان هو الأخير.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
من الكدّ والتعب. وكقوله: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ) [الكهف: ٤٥]، المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضر. فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئًا واحدًا، فلا. فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة شبهت حيرتهم وشدّة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق. فإن قلت: الذي كنت تقدّره في المفرّق من التشبيه من حذف المضاف وهو قولك «أو كمثل ذوي صيب
_________________
(١) قوله: (فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد) متعلق بقوله: "الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها" إلى آخره، إيجاز بحذف "إما" في أحد الفصلين، أي: إما أن يراد تشبيه المركب بالمركب فهو المرام، وإما أن يراد تشبيه المفرد بالمفرد، فلا. قوله: (فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم) هذا شروع في بيان التشبيهين على أن الوجه فيهما غير حقيقي، منتزع من عدة أمورٍ، فعند هذا يحسن السؤال عن بيان الوجه في التشبيهين، فإن ذلك مشكل، فيقال: فيم شبهت حال المنافقين بحال المستوقدين وبحال ذوي الصيب؟ والجواب عنها ما ذكره صاحب "المفتاح": فإن وجه تشبيه المنافقين بالذين شبهوا بهم إلى آخره كما سبق. وأن قوله تعالى: (كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ) [البقرة: ١٩] إلى آخره تمثيل لما أن وجه الشبه بينهم وبين المنافقين هو أنهم في المقام المطمع في حصول المطالب ونجح المآرب، لا يحظون إلا بضد المطموع فيه من مجرد مقاساة الأهوال. قوله: (الذي كنت تقدره في المفرق من التشبيه من حذف المضاف، وهو قولك: أو كمثل ذوي صيب) يعني: لا بد في التشبيه المفرق من تقدير "ذوي"؛ لأن التشبيه حينئذٍ ليس بين
[ ٢ / ٢٦٠ ]
هل تقدّر مثله في المركب منه؟ قلت: لولا طلب الراجع في قوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) ما يرجع إليه لكنت مستغنيا عن تقديره لأنى أراعى الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام فلا علىّ أوَلِىَ حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به أم لم يله. ألا ترى إلى قوله: (إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا) الآية، كيف ولى الماء الكاف، وليس الغرض تشبيه الدنيا بالماء ولا بمفرد آخر يتمحل لتقديره. ومما هو بين في هذا قول لبيد:
وما النَّاسُ إلّا كالدِّيَارِ وأَهْلُهَا … بِهَا يَوْمَ حَلُّوهَا وغَدْوًا بَلَاقِعُ
_________________
(١) ذوات المنافقين والصيب نفسه، بل بين ذواتهم وذوات ذوي الصيب، ومن تقدير "مثل" أيضًا؛ لأن التشبيه أيضًا ليس بين صفة المنافقين وبين ذوات ذوي الصيب، بل بين صفتهم وصفتهم، لأن هذا التشبيه يقتضي التساوي بين الطرفين من جملة الوجوه، فإذا جعل التشبيه مركبًا هل يجب التطابق في مثل ذلك؟ وأجاب: أن مثل ذلك التطابق ليس بشرطٍ في المركب، لكن اقتضى ذلك التقدير أمران آخران: أحدهما ضمير الجمع في قوله: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ) فإنه يستدعي مرجوعًا إليه يناسبه، فلا بد من تقدير "ذوي"، وثانيهما: عطف هذا التمثيل على التمثيل الأول، فالواجب تقدير لفظ "مثل" أيضًا. قوله: (ومما هو بين في هذا) أي: في أن المراعى هي الكيفية المنتزعة لا النظر فيما يلي حروف التشبيه أي شيءٍ كان، فإن الشاعر جاء في التشبيه بأداة الحصر، وهو يقتضي أن لا يكون الناس إلا مشبهين بالديار، وليس كذلك إذا لم تراع فيه الكيفية. قوله: (وما الناس إلا كالديار) البيت، قوله: "بلاقع" خبر مبتدأٍ محذوف، "وغدوا" متعلق به والجملة حال عطفًا على قوله: "وأهلها بها" و"يوم" ظرف للمقدر في "بها" الذي هو الخبر. أي: الناس كالديار مأهولة يوم حلوا فيها، وبلاقع يوم رحلوا عنها. بعده:
[ ٢ / ٢٦١ ]
لم يشبه الناس بالديار، وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم وفنائهم، بحلول أهل الديار فيها ووشك نهوضهم عنها، وتركها خلاء خاوية.
فإن قلت: أي التمثيلين أبلغ؟ قلت: الثاني، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدّة الأمر وفظاعته، ولذلك أُخر، وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ. فإن قلت: لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك؟ قلت: أو في أصلها لتساوى شيئين فصاعدا في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوى في غير الشك؛
_________________
(١) وما المرء إلا كالشهاب وضوئه … يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع وما المال والأهلون إلا وديعة … ولابد يومًا أن ترد الودائع قوله: (ووشك نهوضهم) أي: قرب رحيلهم. الأساس: وشك وأوشك أن يفعل، ويوشك أن يخرج، وأخاف وشك البين. قوله: ("أو" في أصلها لتساوي شيئين [فصاعدًا] في الشك) إلى قوله: "فاستعيرت للتساوي". وتبعه صاحب "التخمير" بلا تغييرٍ في العبارة. قال صاحب "الفرائد": الوجه أن يقال: "أو" لتعليق الحكم بأحد المذكورين فصاعدًا، والتفاوت في المؤدى إنما يقع بحسب التركيب الذي وقعت فيه، فإن وقعت في الخبر، فالحاصل تعلق الحكم بأحدهما، وهو غير معين، فأمكن أن يقع الشك فيه، وإن وقعت في الطلب ولم يمكن وقوع الشك فيه، أفاد التخيير والإباحة، والحاصل أيضًا تعلق الحكم بأحدهما وذلك غير مانعٍ لتعلق الحكم بكل واحدٍ منهما، فعلى هذا لم تلزم الاستعارة وهي في المواضع كلها على معناها. قلت: حاصل تقريره: أن "أو" حقيقة في القدر المشترك بين الشك والتخيير والإباحة وهو تعليق الحكم بأحد الأمرين.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وذلك قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، تريد أنهما سيان في استصواب أن يجالسا، ومنه قوله تعالى: (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان: ٢٤]، أى الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما، فكذلك قوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ) معناه أن كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتى هاتين القصتين، وأن القصتين سواء في استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن مثلتها بهما جميعا فكذلك
_________________
(١) وقال الحديثي: دلالة الثلاثة، أعني: "أو" و"أما" و"أم"على أحد الشيئين لا غير، وأما الشك والتخيير والإباحة وغيرها، فإنها من صفات الكلام الذي هي فيه، وإضافتها إليها مجازًا. وقال ابن الحاجب في "شرح المفصل": إنما قال -أي المصنف-: "ويقال في "أو" و"أما" إنهما للشك" بلفظة "يقال" تنبيهًا على أن ذلك ليس بلازم إذ قد يكون المتكلم غير شاك، بل يكون مبهمًا، أما في الأمر، فيقال للتخيير، والإباحة على وضعها لإثبات الحكم لأحد الأمرين، إلا أنه إن حصلت قرينة يفهم معها أن الأمر غير حاجرٍ عن الآخر، مثل قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين سمي الإباحة، وإلا سمي تخييرًا، وهو لأحد الأمرين في الموضعين. وإنما علم نفي حجر الأمر عن الآخر في الإباحة من أمرٍ خارجًٍ كما في النهي نحو قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان: ٢٤] جاء التعميم من جهة النهي الداخل على معنى النفي؛ لأن المعنى قبل وجود النهي على بابه، ومصير المعنى: ولا تطع واحدًا منهما، فلا يحصل الانتهاء عن أحدهما حتى ينتهي عنهما مطلقًا. روي أن المصنف كتب في بعض الحواشي: تقول: كل خبزًا أو لحمًا، كأنك قلت: كل أحدهما، فإذا نفيت هذا، وقلت: لا تأكل خبزًا أو لحمًا، فكأنك قلت: لا تأكل شيئًا منهما. وقلت: وجه التوفيق بين كلامي المصنف في "الكشاف" و"المفصل" هو أن "أو" في أصل اللغة موضوعة لتساوي شيئين في الشك، ثم فيه طريقان:
[ ٢ / ٢٦٣ ]
والصيب: المطر الذي يصوّب، أى ينزل ويقع، ويقال للسحاب: صيب أيضا. قال الشماخ يصف سحابةً:
وأَسْحَمَ دَانٍ صَادِقِ الرَّعْدِ صَيِّب
_________________
(١) أحدهما: أن يستعار لمعنى التخيير "أو" الإباحة لعلاقة تعليق الحكم بأحد المذكورين كما يستعار الأسد للشجاع لعلاقة الجراءة. وثانيهما: أن يحمل على عموم المجاز لتعليق الحكم بأحد المذكورين، فيقال: "أو" أما في الخبر، فإنها للشك، وفي الأمر للتخيير والإباحة، وعلى الأول ورد في "الكشاف"، وعلى الثاني في "المفصل"، وفي كلام الزجاج إشعار بما ذهب إليه المصنف وقال: "أو" في قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ) دخلت لغير شك، وهذه يسميها الحذاق باللغة "أو" الإباحة، والمعنى: أن التمثيل مباح لكم في المنافقين، إن مثلتموهم بالمستوقدين فذلك مثلهم، أو مثلتموهم بأصحاب فهو مثلهم، أو مثلتموهم جميعًا فهما مثلاهم. وقلت: إن اختصاص الحذاق، أي: المهرة بهذا المعنى دون من سواهم، دليل على دقة هذا المعنى. ولم يكن كذلك إذا كان حقيقة لاستواء الحذاق وغيرهم من أهل اللغة فيه. وهذا خلاف تلك القاعدة، وهي أن "أو" في الأمر للإباحة لكونها داخلة ها هنا على الخبر، وهي للإباحة، ولأن "أو" عند الإطلاق يتبادر منها الشك دون ما سواه من المعاني، وذلك أمارة الحقيقة. قوله: (وأسحم دانٍ صادق الرعد صيب) صدره: عفا آيه نسج الجنوب مع الصبا الأسحم: السحاب الأسود، ذانٍ: قريب من الأرض، صادق الرعد، أي: غير خلب، المعنى: محا آثار ربع المحبوب وغير رسومه، اختلاف هاتين الريحين، وتتابع هبوبهما؛ مثل
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل. كما نكرت النار في التمثيل الأول. وقرئ: كصائب، والصيب أبلغ. والسماء: هذه للمظلة. وعن الحسن: أنها موج مكفوف. فان قلت: قوله: (مِنَ السَّماءِ) ما الفائدة في ذكره؟ والصيب لا يكون إلا من السماء. قلت: الفائدة فيه أنه جاء بالسماء معرفة؛
_________________
(١) اختلاف الريحين بنسج الصانع الثوب، فإن إحدى الريحين بمنزلة السدى، والأخرى كاللحمة فإن ريح الصبا تهب من جانب المشرق، والجنوب من يمين من يكون متوجه المشرق. قوله: (أنها موج مكفوف) روينا عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ في حديث طويل: "هل تدرون ما فوقكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنها الرقيع، سقف محفوظ، وموج مكفوف" أخرجه الترمذي، مكفوف: مدفوع، أي: كف أن يسيل. النهاية: كل سماءٍ يقال لها رقيع، وقيل: هو اسم سماء الدنيا. قوله: (الفائدة فيه أنه جاء بالسماء معرفة) يوهم أنه غير مطابق للسؤال؛ لأنه لم يسأل
[ ٢ / ٢٦٥ ]
فنفى أن يتصوّب من سماء، أى من أفق واحد من بين سائر الآفاق، لأنّ كل أفق من آفاقها سماء، كما أن كل طبقة من الطباق سماء في قوله: (وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها). الدليل عليه قوله:
ومِنْ بُعْدِ أَرْضٍ بَيْنَنا وسَمَاءِ
_________________
(١) عما عرض للفظ السماء من التعريف، بل سأل أن قوله: (مِنَ السَّمَاءِ) ما الفائدة في ذكره؟ بل الجواب المطابق قوله بعد ذلك: "وفيه أن السحاب من السماء ينحدرن ومنها يأخذ ماءه" ليرد زعم المخالف، وكان من الظاهر تقديم هذا على ذلك. قلت: قد يذكر الشيء إما لكونه مقصودًا بالذات، أو ليعلق عليه أمر آخر، وذلك الأمر موقوف على ذكر ذلك الشيء. وهاهنا المقصود الاستغراق والمبالغة، ولم يكن يحصل ذلك إلا بذكر السماء معرفة، فجيء بها كما ترى، واستجلب ذكره المعنى الثاني، وهو رد زعم المخالف على سبيل الإدماج، أي: إشارة النص، فذكره، ولو عكس لم تكن المبالغة مقصودًا أوليًا، وإنما قلنا: المقصود المبالغة ليطابق ذكر السماء ذكر الصيب؛ لأن فيه مبالغاتٍ شتى كما ذكرن وإليه الإشارة بقوله: "كما جاء بصيب" إلى آخره. قوله: (ومن بعد أرضٍ بيننا وسماء) صدره:
[ ٢ / ٢٦٦ ]
والمعنى: أنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء، كما جاء بصيب. وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتنكير. أمد ذلك بأن جعله مطبقا. وفيه أن السحاب من السماء ينحدر ومنها يأخذ ماءه، لا كزعم من يزعم أنه يأخذه من البحر،
_________________
(١) فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها سمى بعض الأرض أرضًا، وبعض السماء سماءً، وأريد ببعد السماء والأرض ما يقابل من السماء والأرض التي بينهما، ولا يجوز أن يراد بالسماء المطلقة؛ لأنها ليست بينه وبينها. قوله: (من جهة التركيب) لأنها ركبت من صادٍ، وهي مطبقة مستعلية، وياءٍ مشددة، وباءٍ وهي من الشديدة. قوله: (والبناء) لأنها بنيت على وزن فيعل، وهي صفة مشبهة تدل على شيءٍ ثابت. قال السجاوندي: وهو بناء يختص بالمعتل وفيه مبالغة. وقوله: (والتنكير) لأنه تنكير تهويل. قوله: (بأن جعله مطبقًا) حيث عرف السماء باللام الاستغراقية. قوله: (لا كزعم من يزعم أنه يأخذه من البحر) قال الإمام: من الناس من قال: المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبةٍ من الأرض إلى الهواء، فتنعقد هناك من شدة برد الهواء، ثم تنزل مرة أخرى، والله تعالى أبطل ذلك المذهب هنا بأن بين أن ذلك الصيب نزل من السماء. وكذلك بقوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [الفرقان: ٤٨] وبقوله: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) [النور: ٤٣].
[ ٢ / ٢٦٧ ]
ويؤيده قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) [النور: ٤٣]. فان قلت: بم ارتفع (ظلمات)؟ قلت: بالظرف على الاتفاق لاعتماده على موصوف. والرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب، كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتفض
_________________
(١) قوله: (بالظرف على الاتفاق) يريد: أنك لو قلت ابتداءً: "فيه ظلمات" فعند الأخفش ارتفاعه على الفاعلية؛ لأنه لم يشترط الاعتماد، وعند سيبويه ارتفاعه على الابتداء لاشتراطه الاعتماد، وإذا اعتمد الظرف على شيء جاز إعماله كما في الآية، لأنه وصف "صيب" به، فارتفاعه على الفاعلية بالاتفاق. قوله: (والرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب) إلى آخره، والصحيح الذي عليه التعويل هو ما روينا عن الترمذي، عن ابن عباس ﵁، قال: أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: "ملك من الملائكة موكل بالسحاب، معه مخازيق من نارٍ يسوقها بها حيث شاء الله"، فقالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: "زجره حتى تنتهي حيث أمرت، فقالوا: صدقت". النهاية: المخاريق: جمع مخراق، وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضًا، أراد أنها آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه، ويفسره حديث ابن عباسٍ: "البرق سوط من نورٍ تزجر به الملائكة السحاب". قوله: (تنتفض)، الجوهري: نفضت الثوب والشجر أنفضه نفضًا، إذا حركته لينتفض.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
إذا حدتها الريح فتصوّت عند ذلك من الارتعاد.
والبرق الذي يلمع من السحاب، من برق الشيء بريقا إذا لمع. فان قلت: قد جعل الصيب مكانا للظلمات فلا يخلو من أن يراد به السحاب أو المطر، فأيهما أريد فما ظلماته؟ قلت: أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقا فظلمتا سجمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل. وأما ظلمات المطر فظلمة تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر، وظلمة إظلال غمامه مع ظلمة الليل. فان قلت: كيف يكون المطر مكانا للبرق والرعد وإنما مكانهما السحاب؟ قلت إذا كانا في أعلاه ومصبه وملتبسين في الجملة فهما فيه. ألا تراك تقول: فلان في البلد، وما هو منه الا في حيز يشغله جرمه. فان قلت: هلا جمع الرعد والبرق أخذا بالأبلغ كقول البحتري:
يَا عَارِضًا مُتَلِّفعًا ببُرُودِهِ … يَخْتالُ بَيْنَ بُرُوقِهِ ورُعُودِهِ
_________________
(١) قوله: (من الارتعاد) لم يرد أن أصله منه؛ لأن أصله من الرعدة، بل أراد أن فيه معنى الاضطراب والحركة. قوله: (مضمومة إليهما ظلمة الليل) قيل: ظلمة الليل من أين تستفاد من الآية وليس فيها ما يدل عليه؟ والعجب أنه كررها، فيقال: تستفاد من الجمع، ومقام المبالغة، فإن أقل الجمع ثلاثة، فلذلك اعتبر الأعداد على التقديرين. قوله: (في أعلاه ومصبه) هو من إطلاق أحد المتجاورين على الآخر، والمقصود في الاستشهاد بالبلد المجاورة، لا أنه من إطلاق الكل على البعض. قال السجاوندي: "فيه ظلمات" أي: في وقته. قوله: (يا عارضًا) البيت. العارض: السحاب. يقال: تلفعت، أي: تلحَّفْتُ كما تلحَّفَتِ المرأة بمرطها، والاختيال: التبختر.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وكما قيل: (ظلمات)؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يراد العينان، ولكنهما لما كانا مصدرين في الأصل - يقال: رعدت السماء رعدًا وبرقت برقًا؛ روعي حكم أصلهما بأن ترك جمعهما وإن أريد معنى الجمع. والثاني: أن يراد الحدثان كأنه قيل: وإرعاد وإبراق. وإنما جاءت هذه الأشياء منكرات، لأن المراد أنواع منها، كأنه قيل: فيه ظلمات داجية، ورعد قاصف، وبرق خاطف. وجاز رجوع الضمير في يجعلون إلى أصحاب الصيب مع كونه محذوفا قائما مقامه الصيب، كما قال: (أَوْ هُمْ قائِلُونَ) [الأعراف: ٤]، لأن المحذوف باق معناه وإن سقط لفظه. ألا ترى إلى حسان كيف عوّل على بقاء معناه في قوله:
يُسْقَوْنَ مِنْ وِرْدِ البَرِيصِ عليْهِمُ … بَرْدَي يُصَفِّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
_________________
(١) قوله: (العينان) أي: اسمان لا مصدران. قوله: (وإن أريد معنى الجمع) "الواو" بمعنى مع، أي: ترك الجمع لفظًا مع إرادته معنى. ولو روي "إن" بالكسر على الشرطية كان أظهر. قوله: (الحدثان) يجوز فيه الرفعن ويراد به المصدر، وكسر النون ويراد به تثنية الحدث، وهو مصدر أيضًا، وصح بالكسر. قوله: (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) [الأعراف: ٤] فإن "هم" والضمير في "قائلون" يرجع إلى المضاف المحذوف عند قوله: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) أي: أهلكنا أهلها، وإنما ذكر تقدر "ذوي" فيما سبق على سبيل الاستطراد، وذكره هناهنا على سبيل الأصالة وحل التركيب. قوله: (يسقون) البيت، قبله: لله در عصابةٍ نادمتها … يومًا بجلق في الزمان الأول أولاد حفنة حول قبر أبيهم … قبر ابن مارية، الكريم المفضل بيض الوجوه كريمة أحسابهم … شم الأنوف من الطراز الأول
[ ٢ / ٢٧٠ ]
حيث ذكر يصفق لأن المعنى ماء بردي، ولا محل لقوله: (يَجْعَلُونَ) لكونه مستأنفًا، لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدّة والهول، فكأن قائلا قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) ثم قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟ فقيل: يكاد البرق يخطف أبصارهم. فان قلت: رأيس الأصبع هو الذي يجعل في الأذن، فهلا قيل أناملهم؟ قلت: هذا من الاتساعات في اللغة التي لا يكاد الحاصر يحصرها، كقوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) [المائدة: ٦]، (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) [المائدة: ٦]، أراد البعض الذي هو إلى المرفق والذي إلى الرسغ. وأيضًا ففي ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل
_________________
(١) يغشون حتى ما تهر كلابهم … لا يسألون عن السواد المقبل اللاحقين فقيرهم بغنيهم … والمنفقين على اليتيم الأرمل جلق؛ بكسر الجيم وتشديد اللام: موضع بدمشق، بردى: وادي دمشق، والبريص: نهر متشعب منه، تصفيق الشراب: أن يتحول من إناءٍ إلى إناء. والرحيق: صفوة الخمر. وماء سلسل وسلسال، أي: سهل الدخول إلى الحلق. والشاعر عول على بقاء المعنى حيث ذكر "يصفق" لأن المعنى "ماء بردى"، وكان القياس "تصفق" بالتاء المعجمة بنقطتين من فوق؛ لأن في "بردى" ألف التأنيث. "الطراز الاول": هو الذي يبدأ بذكره في الخصال الحميدة. الأساس: ومن المجاز: ما أحسن طارز فلانٍ وطرزه، وهو طريقته في عمله، وهذا الكلام الحسن من طراز فلانٍ، وهو من الطراز الأول.
[ ٢ / ٢٧١ ]
فإن قلت: فالأصبع التي تسدّ بها الأذن أصبع خاصة، «٣» فلم ذكر الاسم العام دون الخاص؟ قلت: لأن السبابة فعالة من السب؛ فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن. ألا ترى أنهم قد استبشعوها فكنوا عنها بالمسبحة والسباحة والمهللة والدّعاءة. فان قلت: فهلا ذكر بعض هذه الكنايات؟ قلت: هي ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ذلك العهد، وإنما أحدثوها بعد. وقوله مِنَ الصَّواعِقِ متعلق بيجعلون، أى: من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم، كقولك: سقاه من العيمة «١». والصاعقة: قصفة رعد تنقض معها شقة من نار، قالوا: تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة. لا تمرّ بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود. يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف ثم طفئت. ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته، فصعق أى مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق. ومنه قوله تعالى: (وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا) [الأعراف: ١٤٣]. وقرأ الحسن: من الصواقع وليس بقلب للصواعق؛
_________________
(١) قوله: (من العيمة). العيمة: اشتهاء اللبن، يقال: عام إلى اللبن. أي: اشتهاه. قال صاحب "الضوء": يروى: "عن العيمة"، أي: بعده عنها وجاوز به حكمها إلى الري، وإن شئت قلته بـ "من" على معنى سقاه من جهة العيمة، وهذا من عمل من تم كلامه. و"من" هذه كما في قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا) [مريم: ٥٣] أي: من أجل رحمتنا. قوله: (قصفة رعد)، الجوهري: رعد قاصف: شديد الصوت، والقصف: الكسر. تنقض، أي: تسقط. قوله: (إلا أتت عليه) أي: أهلكته ووطئته وطأ مفنيًا. الأساس: أتى عليهم الدهر: أفناهم. وقال أبو زيد: الصاعقة: نار تسقط من السماء في رعدٍ شديد. قوله: (ومنه قوله تعالى: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) [الأعراف: ١٤٣]) أي: ومنه مجاز قوله تعالى: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) كقوله في قوله تعالى: (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) [البقرة: ٥٥]:
[ ٢ / ٢٧٢ ]
لأنّ كلا البناءين سواء في التصرف، وإذا استويا كان كل واحد بناء على حياله. ألا تراك تقول: صقعه على رأسه، وصقع الديك، وخطيب مصقع: مجهر بخطبته. ونظيره «جبذ» في «جذب» ليس بقلبه لاستوائهما في التصرف. وبناؤها إما أن يكون
_________________
(١) "وموسى ﵇ لم تكن صعقته موتًا، ولكن غشية بدليل قوله: (فَلَمَّا أَفَاقَ) [الأعراف: ١٤٣] إذ لو حمل على الاشتقاق لناقض بين كلامين. قوله: (سواء في التصرف) أي: فيما يلزم الفعل من التشعب والاشتقاق، فيقال: صقع الديك، وخطيب مصقع، وصقعه على رأسه، ولو كان مقلوبًا لم يتجاوز عن صورةٍ واحدة. الراغب: الصاعقة والصاقعة يتقاربان، وهما الهدة الكبيرة إلا أن الصقع يقال في الأجسام الأرضية، والصعق في الأجسام العلوية. وقال بعض أهل اللغة: الصاعقة ثلاثة أوجه: الموت كقوله تعالى: (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) [الزمر: ٦٨] والعذاب كقوله تعالى: (أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) [فصلت: ١٣] والنار كقوله: (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ) [الرعد: ١٣]. وما ذكره فهي أشياء متولدة من الصاعقة، فإن الصاعقة هي الصوت الشديد من الجو، ثم تكون منه نار فقط، أو عذاب أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد، وهذه الأشياء تأثيرات منها. قوله: (وبناؤها) أي: بناء الصاعقة "إما أن يكون صفة لقصفة الرعد" لأن فاعلة صفة للمؤنث، يجئ جمعها على فواعل نحو: ضاربةٍ وضوارب، أو هو فاعل صفة للمذكر وهو الرعد، والتاء للمبالغة، فيجمع على فواعل شاذًا نحو فارسٍ وفوارس، أو هي فاعلة اسم المؤنث نحو كاتبةً وكواتب.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
صفة لقصفة الرعد، أو للرعد، والتاء مبالغة كما في الراوية، أو مصدرا كالكاذبة والعافية. وقرأ ابن أبى ليلى: حذار الموت، وانتصب على أنه مفعول له كقوله:
وأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ
والموت فساد بنية الحيوان. وقيل: عرض لا يصح معه إحساس معاقب للحياة. وإحاطة اللَّه بالكافرين مجاز. والمعنى: أنهم لا يفوتونه
_________________
(١) قوله: (وأغفر عوراء الكريم ادخاره) تمامه: وأعرض عن شتم اللئيم تكرما قائله حاتم. العوراء: الكلمة القبيحة، أي: أسترها لتبقى الصداقة، وأدخره ليومٍ أحتاج إليه، لأن الكريم إذا فرط منه قبح ندم على فعله، ومنعه كرمه أن يعود إلى مثله، واستشهد به لكونه مضافًا إلى المعرفة وهو نادر كقوله تعالى: (حَذَرَ الْمَوْتِ) [البقرة: ١٩] أي: ادخاره وتكرمًا، كلاهما مفعول له. قوله: (وقيل: عرض لا يصح معه إحساس، معاقب للحياة) هذا يدل على أن الموت في الوجه الأول ليس بعرضٍ بل هو أمر عدمي. وقال القاضي: وقيل: عرض يضاد الحياة لقوله تعالى: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) [الملك: ٢] ورد بأن الخلق بمعنى التقدير، والإعدام مقدر. قوله: (وإحاطة الله بالكافرين مجاز) أي: الاستعارة تمثيلية شبهت حالة إنزال الله عذابه على الكافرين من كل جانبٍ بحيث لا محيد لهم عنه، بحالة الجيش الذي صبح القوم وقد أحاط بهم عن آخرهم، فلا يفوت منهم أحد، يؤيده قوله في موضع آخر: "والإحاطة بهم من ورائهم مثل لأنهم لا يفوتونه كما لا يفوت فائت الشيء المحيط به".
[ ٢ / ٢٧٤ ]
كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة. وهذه الجملة اعتراض لا محل لها. والخطف: الأخذ بسرعة.
_________________
(١) قوله: (المحاط به: المحيط به) لا ضمير في "المحاط" لأنه يعدى بالجار إلى المفعول به، والضمير المجرور عائد إلى اللام، والضمير في "المحيط" عائد إلى اللام فيه وفي "به" الثاني إلى المحاط. المعنى: كما لا يفوت الذي أحيط به من كل جانبٍ من قصده وأحاط به. قوله: (وهذه الجملة اعتراض لا محل لها) فإن قلت: كيف يصح أن تقع معترضة وهي لتأكيد معنى المعترض فيها، والكلامان اللذان اعترضت هذه فيهما في شأن ذوي الصيب، وهو الممثل به وهذه بعض أحوال المنافقين الممثل له؟ قلت: هذا من وجيز الكلام وبليغه؛ وذلك أن مقتضى الظاهر أن يذكر هذا قبيل "كصيب" ليكون بعضًا من أحوال المشبه، فنزل هنا ليدل على ذلك، ويعطي معنى التأكيد في هاتين الجملتين. وفيه من الغرابة: أنه مؤكد بحال المشبه به، وهو من حال المشبه، وفائدته شدة المناسبة بين المشبه والمشبه به، وأن المشبه مما يهتم بشأنه ويعتني بحاله، وهذا المعنى قريب مما مر في (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) [البقرة: ١٧] وأنه في حال المنافقين على جزاء الشرط، وأنه من حال المستوقدين. والأوجه أن يقال: إن قوله: (بِالْكَافِرِينَ) من وضع المظهر موضع المضمر إشعارًا باستئهال أصحاب ذوي الصيب ذلك لكفرانهم نعم الله تعالى. ومثل هذا التتميم في المشبه به مما يقوي المقصود في التمثيل من المبالغة، ونحوه قوله تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [آل عمران: ١١٧]. قال: "شبه بحرث قومٍ ظلموا أنفسهم، فأهلك عقوبة لهم على معاصيهم؛ لأن الإهلاك عن سخطٍ أشد
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وقرأ مجاهد (يخطف) بكسر الطاء، والفتح أفصح وأعلى، وعن ابن مسعود: (يختطف)،
_________________
(١) وأبلغ". وينصره قوله في التشبيه الأول: أن يكون المستوقد في هذه الوجه مستوقد نارٍ لا يرضاها الله تعالى، أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي، ويتهدوا بها في طرق العيث فأطفأها الله تعالى وخيب أمانيهم. قال القاضي: "كاد" وضعت لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه، لكنه لم يوجد، إما لفقد شرط، أو لعروض مانع، و"عسى" موضوعة لرجائه، فهي خبر محض، ولذلك جاءت متصرفة بخلاف "عسى"، وخبرها مشروط فيه أن يكون مضارعًا تنبيهًا على أنه المقصود بالقرب من غير "أن" حملًا لها على "عسى" كما تحمل عليها بالحذف عن خبرها لمشاركتها في أصل معنى المقاربة. قوله: (قرأ مجاهد: يخطف). القراءات كلها شواذ. قال ابن جني: "حكى الفراء عن بعض القراء: "يخطف" بنصب الياء والخاء والتشديد، ثم قال ابن جني: أصله: يختطلف فأدغم التاء في الطاء؛ لأنهما من مخرجٍ واحد، ولأن التاء مهموسة، والطاء مجهورة، والمجهور أقوى صوتًا من المهموس. ومتى كان الإدغام يقوي الحرف المدغم حسن ذلك، وعلته: أن الحرف إذا أدغم خفي فضعف، فإذا أدغم في حرفٍ أقوى منه، استحال لفظ المدغم إلى لفظ المدغم، فيه، فقوي. لقوته، وكان في ذلك تدارك وتلافٍ لما جني على الحرف المدغم، فأسكن
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وعن الحسن: (يخطف)، بفتح الياء والخاء، وأصله يختطف. وعنه: (يخطف) بكسرهما على إتباع الياء الخاء. وعن زيد بن على: يخطف، من خطف. وعن أبىّ: يتخطف، من قوله: (يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [العنكبوت: ٦٧].
(كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ) استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول: كيف يصنعون في تارتى خفوق البرق وخفيته؟ وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون، إذا صادفوا من البرق خفقة، مع خوف أن يخطف أبصارهم، انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفى وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة، (ولو شاء اللَّه) لزاد في قصيف الرعد فأصمهم، أو في ضوء البرق فأعماهم
_________________
(١) "التاء" لإدغامها، و"الخاء" قبلها ساكنة، فنقلت الفتحة إليها، وقلبت التاء طاء، وأدغمت في الطاء فصارت "يخطف". ومنهم من إذا أسكن "التاء" ليدغمها، كسر الخاء لالتقاء الساكنين، فاستغنى بكسرتها عن نقل الفتحة إليها، فيقول: يخطف. ومنهم من يكسر حرف المضارعة إتباعًا لكسرة فاء الفعل بعده فيقول: يخطف". قوله: (استئناف ثالث) الأول: (يَجْعَلُونَ) والثاني: (يَكَادُ الْبَرْقُ). قوله: (وهذا- أي: قوله: (يَكَادُ الْبَرْقُ) - تمثيل)، أي: تتميم للتمثيل لا أنه تمثيل آخر، فقوله: "وما هم فيه" إلى آخره بيان معنى (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ) وعطف تفسيري على شدة الأمر على المنافقين كما أن (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ) بيان لقوله: (يَكَادُ الْبَرْقُ) والباءان- في "بشدته" و"بما يأتون ويذرون" أي: يزاولونه ويتركونه- يتعلقان بقوله: "تمثيل".
[ ٢ / ٢٧٧ ]
و(أضاء) إما متعد بمعنى: كلما نوّر لهم ممشى ومسلكا أخذوه والمفعول محذوف. وإما غير متعد بمعنى: كلما لمع لهم مَشَوْا في مطرح نوره وملقى ضوئه. ويعضده قراءة ابن أبى عبلة: كلما ضاء لهم والمشي: جنس الحركة المخصوصة. فإذا اشتد فهو سعى. فإذا ازداد فهو عدو. فإن قلت: كيف قيل مع الإضاءة: (كلما)، ومع الإظلام: (إذا)؟ قلت لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، وليس كذلك التوقف والتحبس. و(أظلم): يحتمل أن يكون غير متعد وهو الظاهر، وأن يكون متعديًا منقولًا من ظلم الليل،
_________________
(١) فإن قلت: هذا يوهم أن التشبيه الثاني مفرق، مع أن المنصف رجع عنه بقوله: "والصحيح الذي عليه علماء البيان". قلت: هذا لا يأبى التمثيل؛ لأن شرطه أن يكون منتزعًا؛ من عدة أمور، وكل ما ذكر في طرف المشبه به أمر يتوهم ويعتبر مثله في طرف المشبه، إذ لو اختل أمر منه اختل التمثيل كما صرح به صاحب "المفتاح" بقوله: والذي نحن بصدده من الوصف غير الحقيقي أحوج منظورٍ فيه إلى التأمل، لا سيما المعاني التي ينتزع منها، فربما ينتزع من ثلاثةٍ فأورث الخطأ لوجوب انتزاعه من أكثر. قوله: (فإذا ازداد فهو عدو (فإن قيل: فالمقام يقتضي عدوًا لا مشيًا لانتهازهم الفرصة، قلنا: بل يقتضي المشي لما سبق من قوله: (حَذَرَ الْمَوْتِ) [البقرة: ١٩] و(يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ) [البقرة: ٢٠]، فإنهم لغاية تحيرهم ودهشتهم لا يمكن لهم المشي أيضًا عند الفرصة فكيف بالعدو، وإليه الإشارة بقوله: "من إمكان المشي". قوله: (انتهزوها)، الجوهري: انتهزت الفرصة إذا اغتنمتها.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وتشهد له قراءة يزيد بن قطيب: (أظلم)، على ما لم يسم فاعله. وجاء في شعر حبيب ابن أوس:
هُمَا أَظْلَمَا حالَىَّ ثُمَّتَ أَجْلَيَا … ظَلَامَيْهُما عنْ وَجْهِ أَمْرَدَ أَشْيَبِ
_________________
(١) قوله: (وتشهد له قراءة يزيد بن قطيب) قيل: فيه نظر؛ لم لا يجوز أن يكون الفعل مسندًا إلى الجار والمجرور كقوله تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧]؟ والجواب: أن الجار والمجرور ليس صلة للإظلام، بل هو طرف مستقر كما في الاستعمال، و"على" مثلها في قوله: زارت عليها للظلام رواق … ومن النجوم قلائد ونطاق قوله: (هما أظلما حالي) البيت، وقبله: أحاولت إرشادي فعقلي مرشدي … أم استمت تأديبي فدهري مؤدبي استمت، أي: تجشمت وطلبت، "هما أظلما"، أي: العقل والدهر، "حالي"، أي: الشيب والشباب، "ثمت أجليا" يقال: للقوم إذا كانوا مقبلين على شيءٍ، محدقين به ثم انكشفوا عنه: قد أفرجوا عنه وأجلوا عنه. "أمرد"، أي: في السن، و"أشيب" أي: في الرأي، ويجوز أن يريد أنه شاب في حال المرد لعظم ما ناله من الشدائد، وإنما أضاف الإظلام إلى العقل لأن العاقل لا يطيب له عيش. قوله: (عن وجه أمرد أشيب) يريد به نفسه، جرد شخصًا أمرد يخاطب عاذلته، أي: لا تخاطبيني لإرشادي في الكرم، فعقلي يرشدني، ولا تجشمي تأديبي، فإن الدهر مؤدبي.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وهو وإن كان محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه. ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه. ومعنى قامُوا وقفوا وثبتوا في مكانهم. ومنه: قامت السوق، إذا ركدت وقام الماء: جمد. ومفعول شاءَ محذوف، لأن الجواب يدل عليه. والمعنى: ولو شاء اللَّه أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، ولقد تكاثر هذا الحذف في «شاء» و«أراد» لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كنحو قوله:
فلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِى دَمًا لَبَكَيْتُهُ
_________________
(١) قوله: (وإن كان محدثًا) الشعراء طبقات: الجاهليون مثل امرئ القيس، وزهير بن أبي سلمى، وطرفة، والذين أدركوا الجاهلية ثم أسلموا مثل لبيد، وحسان، والمتقدمون من الإسلاميين كفرزدق وجرير، والمحدثون كأبي تمام والبحتري. قوله: (فاجعل ما يقوله) أي: إنه موثوق به في الرواية، فلو لم يسمع من العرب لم يقل. قال ابن الأنباري: هو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيسٍ الطائي شامي الأصل، قدم بغداد وجالس فيها الأدباء، وعاشر العلماء، وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهرٍ وغيره أخبارًا مسندةً، ورثاه الحسن بن وهب: فجع القريض بخاتم الشعراء … وغدير روضتها حبيب الطائي ماتا معًا فتجاورا في حفرةٍ … وكذاك كانا قبل في الأحياء قوله: (فلو شئت أن أبكي دمًا لبكيته) تمامه: عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وقوله تعالى: (لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَخِذَ لَهوًّا لَاتَخذْنَاهُ مِن لَدُنَا) [الأنبياء: ١٧]، (لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا) [الزمر: ٤]، وأراد: ولو شاء اللَّه لذهب بسمعهم بقصيف الرعد، وأبصارهم بوميض البرق. وقرأ ابن أبى عبلة: (لأذهب بأسماعهم)، بزيادة الباء كقوله: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَهلُكَةِ) [البقرة: ١٩٥]. والشيء: ما صح أن يعلم ويخبر عنه. قال سيبويه - في ساقة الباب المترجم بباب مجارى أواخر الكلم من العربية -: وإنما يخرج التأنيث من التذكير. ألا ترى أن الشيء يقع على كل ما أخبر عنه من قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى؟ . والشيء: مذكر، وهو أعم العام،
_________________
(١) أتى بالمفعول لأن بكاء الدم مستغرب، ونصب دمًا باعتبار تضمين البكاء معنى الصب. قوله: (وأراد: ولو شاء الله) عطف على قوله: "والمعنى ولو شاء الله" يعني كما أن مفعول شاء محذوف كذا متعلق "لذهب" محذوف وهو "بقصيف" و"بوميض". قال القاضي: فائدة قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ) [البقرة: ٢٠] إبداء المانع لذهاب سمعهم وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه، والتنبيه على أن تأثير الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئة الله، وأن وجودها مرتبط بأسبابها. وقلت: وفائدته الراجعة إلى الممثل له هي أنه تعالى يمهل المنافقين فيما هم فيه ليتمادوا في الغي والفساد ليكون عذابهم أشد. قوله: (بأسماعِهم" بزيادة الباء) يعني دلت الهمزة على التعدية، والباء كعضادةٍ للتعدية وتأكيدها كما يعضد الباب بعضادتيه. قوله: (وهو أعم العام) كلام المصنف لا كلام سيبويه، وهو لفظ يقع على كل مذكر ومؤنث، ثم إنه لا يستعمل إلا مذكرًا، فلولا أن المذكر أصل لوقع التغليب للفرع.
[ ٢ / ٢٨١ ]
كما أن اللَّه أخص الخاص يجرى على الجسم والعرض والقديم. تقول: شيء لا كالأشياء أى معلوم لا كسائر المعلومات، وعلى المعدوم والمحال فان قلت: كيف قيل عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وفي الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل وفعل قادر آخر؟ قلت: مشروط في حد القادر أن لا يكون الفعل مستحيلا فالمستحيل مستثنى في نفسه عند ذكر القادر على الأشياء كلها، فكأنه قيل: على كل شيء مستقيم قدير. ونظيره: فلان أمير على الناس أى على من وراءه منهم، ولم يدخل فيهم نفسه وإن كان من جملة الناس
_________________
(١) قوله: (كما أن الله أخص الخاص) يريد به قوله: "وأما الله فمختص بالمعبود بالحق ولا يطلق على غيره". قوله: (وعلى المعدوم والمحال)، الانتصاف: الشيء عندنا مختص بالموجود فلا يدخل فيه المستحيل، وعند المعتزلة يدخل فيه المعدوم، وأما المستحيل فلا يدخل فيه فلا يرد السؤال. فإن قيل: إذا كان المعدوم لا يسمى شيئًا، وإذا وجد صار شيئًا لا تتعلق القدرة به، إذ القدرة إنما تتعلق بالشيء أول وجوده، فكيف يكون قادرًا على شيء؟ فجوابه: أنه من باب: "من قتل قتيلًا" أي: تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، كأنه قال: قادر على كل ما يصير شيئًا. الإنصاف: وفيه نظر، فإن القدرة تتعلق به في أول زمن وجوده، وهو في أول زمن وجوده شيء بلا خلافٍ بين المسلمين، إذ لو لم يكن شيئًا في أول وجوده لم يكن شيئًا في ثاني الأحوال. قال القاضي: الشيء يختص بالوجود؛ لأنه في الأصل مصدر شاء، أطلق بمعنى شاءٍ تارة، أي: مريدٍ، والمريد يكون موجودًا، وحينئذٍ يتناول البارئ تعالى كما قال: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ) [الأنعام: ١٩] وبمعنى مشئٍ أخرى، أي: مشئٍ وجوده، وما شاء الله وجوده
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وأما الفعل بين قادرين فمختلف فيه. فإن قلت: ممّ اشتقاق القدير؟ قلت: من التقدير، لأنه يوقع فعله على مقدار قوّته واستطاعته وما يتميز به عن العاجز.
_________________
(١) فهو موجود، أي: موجود حالًا أو مالًا، أو أعم منه على حسب مشيئته، وعليه قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: ٢٠] وهو المراد بقول المصنف: "مشروط في حد القادر بأن لا يكون الفعل مستحيلًا". قوله: (فمختلف فيه) يعني بين المعتزلة؛ فمن جوزه قال: إن القادر منا غير مستقل، أي: ليس سببًا تامًا، ومن منعه قال: إن اجتماع قدرتي قادرين مستقلين على فعلٍ واحدٍ ممتنع. وقيل: مختلف بين المعتزلة وأهل السنة، فإنهم قالوا: فعل العبد مقدور له من جهة الكسب، ومقدور لله من جهة الإيجاد. الانتصاف: المعتزلة زعموا أن ما تعلقت به قدرة العبد لا تتعلق به قدرة الله ﷾؛ إذ قدرة العبد مستغنية بنفسها، وأما أهل السنة، الخالق عندهم هو الله الواحد القهار، فتتعلق قدرته بالفعل، وتتعلق به قدرة العبد لا للتأثير، ولذلك لم يحيلوا مقدورًا بين قادرين. قوله: (لأنه يوقع فعله على مقدار قوته). قال القاضي: القدرة: هو التمكن من إيجاد الشيء. وقيل: صفة تقتضي التمكن، وقيل: قدرة العبد: هيئة بها يتمكن من الفعل، وقدرة الله: عبارة عن نفي العجز عنه، والقادر هو الذي إن شاء فعل، وإن لم يشأن لم يفعل، والقدير هو الفعال لما يشاء على ما يشاء، ولذلك قلما يوصف به غير البارئ. واشتقاق القدرة من القدر؛ لأن القادر
[ ٢ / ٢٨٣ ]
[(يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)].
لما عدّد اللَّه تعالى فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين، وذكر صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم، وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها، ويحظيها عند اللَّه ويرديها، أقبل عليهم بالخطاب، وهو من الالتفات المذكور عند قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: ٥]،
_________________
(١) يوقع الفعل على مقدار قوته، أو على مقدار ما تقتضيه مشيئته، وفيه دليل على أن الحادث حال حدوثه، والممكن حال إمكانه مقدوران، وأن مقدور العبد مقدور الله، لأنه شيء. فقول المصنف: "اشتقاق القدير من التقدير" يؤول بقولنا: اشتقاقه من القدر بمعنى التقدير، إذ لا يستقيم أن يشتق الثلاثي من المزيد. الراغب: القدرة إذا وصف بها الإنسان، فاسم لهيئةٍ له يتمكن بها من فعل شيءٍ ما، وإذا وصف الله تعالى بها فنفي للعجز عنه، ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة معنى، وإن أطلق عليه [لفظًا]، بل حقه أن يقال: قادر على كذا، ومتى قيل: هو قادر، فعلى سبيل معنى التقييد، ولهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من كل وجه، والقدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضيه الحكمة لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه، ولهذا لا يوصف به إلا الله، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: ٢٠] والمقتدر يقاربه نحو: (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: ٥٥] لكن قد يوصف به البشر، فإذا استعمل في الله فمعناه معنى القدير، وفي البشر بمعنى المتكلف والمكتسب للقدرة.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وهو فنّ من الكلام جزل، فيه هزّ وتحريك من السامع، كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث لكما: إنّ فلانا من قصته كيت وكيت، فقصصت عليه ما فرط منه، ثم عدلت بخطابك إلى الثالث فقلت: يا فلان من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجارى أمورك، وتستوي على جادّة السداد في مصادرك ومواردك، نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبيه، واستدعيت إصغاءه إلى إرشادك زيادة استدعاء، وأوجدته بالانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازًا من طبعه ما لا يجده إذا استمررت على لفظ الغيبة، وهكذا الافتنان في الحديث والخروج فيه من صنف إلى صنف، يستفتح الآذان للاستماع،
_________________
(١) قوله: (وأوجدته) أي: صيرته واجدًا، من: أوجدته الشيء فوجده، وأوجده الله مطلوبه، أي: أظفره به. المعنى: صيرته واجدًا شيئًا هازًا من طبعه، ولولا هذا الالتفات لما وجد السامع ذلك الشيء الهاز. قوله: (والخروج من صنفٍ إلى صنفٍ يستفتح الآذان للاستماع). واعلم أن كل عدولٍ عن الظاهر من البليغ، سواء كان التفاتًا أو غيره، تنبيه على مكان لطيفةٍ مثارها مقتضى المقام، فمتى وقع عند بليغٍ مثله، وتنبه لها، استهش نفسه لقبولها. قال صاحب "المفتاح": ولأمرٍ ما تجد أرباب البلاغة وفرسان الطراد يستكثرون من هذا الفن في محاوراتهم. واللطيفة التي يتضمنها هذا المقام هي أنه تعلى لما عدد الفرق الثلاث بمسمعٍ منهم، مخاطبًا غيرهم، ووصف كل فرقةٍ بما اختصت به مما يسعدها ويشقيها، ويحظيها ويرديها؛ أقبل عليهم بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) يعني: أيها المؤمنون كما شرفتكم ورفعت منزلتكم ومنحكتم الكتاب الكامل، ففزتم بالهدى عاجلًا، وبالفلاح آجلًا، دوموا على ما أنتم فيه، ولا تتوانوا، وزيدوا في الشكر والتقوى، لأزيدنكم في النعمة والإفضال، ويا أيها الكافرون أقلعوا عما أنتم
[ ٢ / ٢٨٥ ]
ويستهش الأنفس للقبول، وبلغنا بإسناد صحيح عن إبراهيم عن علقمة: أنّ كل شيء نزل فيه: (يا أَيُّهَا النَّاسُ) فهو مكي، و(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فهو مدنى، فقوله: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) خطاب لمشركي مكة
_________________
(١) فيه، وارجعوا عن عبادة غير الله الذي لا نفع فيه، ولا ضر، وتوجهوا إلى عبادة من خلقكم وآباءكم، وجعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً، ورزقكم وكيت وكيت، ويا أيها المنافقون، اعلموا أني عالم بما في ضمائركم وأسراركم، وأعلم ما تأتون وما تذرون، فأخلصوا العبادة لخالقكم الذي أنعم عليكم وعلى أسلافكم لعلكم تتقون، فتحذرون عن النفاق. قوله: (وبلغنا) إلى آخره معطوف على قوله: "لما عدد الله تعالى" لأن معناه أن الخطاب شامل للمؤمن والكافر والمنافق، ومعنى "بلغنا" إلى آخره: أن الخطاب مختص بمشركي مكة. وأما قوله: "يا أيها الناس مكي، ويا أيها الذين آمنوا مدني" فمذكور في "معالم التنزيل" و"الوسيط" و"الكواشي" نحوه، ولم أجده في كتب الحديث. قوله: (فقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) خطاب لمشركي مكة) تفريع على هذه الرواية. روى الإمام عن القاضي: أن هذا الذي ذكراه -يعني إبرايهم وعلقمة- إن كان الرجوع فيه إلى النقل فمسلم، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون
[ ٢ / ٢٨٦ ]
و«يا» حرف وضع في أصله لنداء البعيد، صوت يهتف به الرجل بمن يناديه. وأما نداء القريب فله أى والهمزة،
_________________
(١) مكة، فضعيف، لأنه يجوز أن يخاطب المؤمنين مرة بصفتهم ومرة باسم جنسهم، وقد مؤمر من ليس بمؤمنٍ بالعبادة كما يؤمر المؤمن بالاستمرار على العبادة والازدياد منها، فالخطاب في الجميع ممكن. وقال القاضي: الجموع وأسماؤها المحلاة باللام المعمول حيث لا عهد، ويدل عليه صحة الاستثناء، والتوكيد بما يفيد العموم، كقوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) [الحجر: ٣٠]، واستدلال الصحابة بعمومها شائعًا ذائعًا، فالناس يعم الموجودين وقت النزول لفظًا ومن سيوجد، لما تواتر من دين محمدٍ صلوات الله عليه أن مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبلين، ثابت إلى قيام الساعة إلا ما خصه الدليل. الراغب: "قد تقدم أن الناس يستعمل على وجهين: أحدهما: المشار به إلى الصورة المخصوصة، وذلك عام في الصغير والكبير، والعاقل وغير العاقل. والثاني: المشار به إلى المختص بقوى العلم والعمل المحكم، وهو المستعمل على طريق المدح، ولذلك يقال: فلان أكثر إنسانية من فلان؛ لاختصاص هذا المعنى بقبول الزيادة والنقصان. وهذا المعنى هو المراد في هذا الموضع. والعبادة: نهاية التذلل في الخدمة، وبذل الطاقة وذلك في مقابلة أعظم النعم، ولا يستحقها غير الله؛ لأنه هو الذي له أعظم النعم، والعبادة تقال في ثلاثة أشياء: اعتقاد الحق، وتحري الحق، وعمل الخير، وعبادة الله كما تكون في فعل الواجبات قد تكون في فعل
[ ٢ / ٢٨٧ ]
ثم استعمل في مناداة من سها وغفل وإن قرب. تنزيلًا له منزلة من بعد، فإذا نودي به القريب المفاطن فذلك للتأكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معني به جدًا
_________________
(١) المباحات، وذلك إذا قصد بالفعل وجه الله وتحري مرضاته. قال بعضهم: مباحات أولياء الله كلها واجبات، وواجباتهم نوافل، فقيل: كيف ذلك؟ قال: لأنهم لا يقومون على تناول مباح لهم كالأكل والشرب حتى يضطروا إليه، فيصير تناولها متحتمًا، ويلتزمون من الفرائض فوق ما يلزمهم حتى يصير فرضهم متنفلًا. وبهذا النظر قيل: عند أكمل الصالحين تنزل الرحمة. وفرق بين قوله: (اُعْبُدُوا اللَّهَ) وبين قوله: (اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) لأن في الثاني إيجاب العبادة بواسطة رؤية النعمة التي بها تربيتهم وقوامهم، وفي "اعبدوا الله" إيجاب عبادته بمراعاته ﷿ من غير واسطةٍ، وعلى ذلك قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) [الحج: ١] وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) [البقرة: ٢٧٨] فحيث ذكر الناس ذكر الرب، وحيث ذكر الإيمان ذكر الله". قوله: (ثم استعمل) أي: "يا" موضوعة لنداء البعيد حقيقة، وإذا استعملت في القريب على المجاز، فلا يخلو أن يراد بالبعد البعد بحسب المنزلة والمرتبة، إما من جهة المتكلم، كقوله تعالى: (يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) [هود: ٤٤] إظهارًا لعظمته وكبريائه، وإبداءً لشأن عزته وتهاونًا بالمنادى وتبعيدًا له، وإما من جهة المخاطب، كما يقول: يا رب، ويا الله، هضمًا للنفس واستبعادًا لها عن مظان الزلفى، أو البعد بحسب الغفلة والبلادة كما يقال: يا هذا، إن البغاث بأرضنا يستنسر. وكقوله: فانعق بضأنك يا جرير
[ ٢ / ٢٨٨ ]
فإن قلت: فما بال الداعي يقول في جؤاره: يا رب، ويا اللَّه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وأسمع به وأبصر؟ قلت: هو استقصار منه لنفسه، واستبعاد لها من مظانّ الزلفى وما يقرّبه إلى رضوان اللَّه ومنازل المقرّبين، هضما لنفسه،
_________________
(١) أو بحسب التفطن، وأن الخطاب بمكانٍ بعيدٍ عن التفكر لما فيه من المعاني الدقيقة، أو أنه معني به جدًا كما نحن بصدده، فينزل لذلك المخاطب منزلة الغافل تهييجًا وإلهابًا ليتلقاه بشراشره ومجامع قلبه. قال المصنف في قوله تعالى: (حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) [الأنفال: ٦٥] أي: سمهم حرضًا كما يقال: ما أراك إلا ممرضًا في هذا الأمر، ليهيجه ويحرك منه. قوله: (في جؤاره)، النهاية: الجؤار: رفع الصوت والاستغاثة، ومنه الحديث: "لخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله". قوله: (وأسمع به وأبصر) عطف على جملة قوله: "وهو أقرب إليه من حبل الوريد". قال أبو البقاء في قوله تعالى: (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) [الكهف: ٢٦]: الهاء في "أبصر به" تعود على الله وموضعها رفع، والباء زائدة أي: أبصر الله. وهكذا في فعل التعجب الذي هو على لفظ الأمر. قوله: (واستبعاد لها من مظان الزلفى) تفسير لقوله: "استقصار منه لنفسه" وكذا "ما يقربه" تفسير لقوله "من مظان الزلفى" وكذا "إقرارًا علهيا بالتفريط في جنب الله" تفسير
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وإقرارًا عليها بالتفريط في جنب اللَّه مع فرط التهالك على استجابة دعوته والإذن لندائه وابتهاله، و«أى» وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، كما أنّ «ذو» و«الذي» وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم مفتقر إلى ما يوضحه ويزيل إبهامه، فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجرى مجراه يتصف به حتى يصح المقصود بالنداء، فالذي يعمل فيه حرف النداء هو «أي»،
_________________
(١) لقوله: (هضمًا لنفسه" وقوله: "مع فرض التهالك" حال من فاعل "إقرار" أي يستبعد نفسه من القرب من رضوان الله لأجل إقراره بالتفريط مصاحبًا الحرص على استجابة الدعوة؛ لأن الله تعالى إنما يستجيب دعوة الضعيف الخاضع الذليل الذي يستعطفه ويظهر افتقاره ومسكنته. قوله: (التهالك)، النهاية: في الحديث "فتهالكت عليه" أي: سقطت عليه، ورميت بنفسي فوقه، فهو كناية عن الحرص. قوله: (والأذن لندائه)، النهاية: أذن يأذن أذنًا بالتحريك: استمع، وفي الحديث: "ما أذن الله لشيءٍ ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن" أخرجه البخاري ومسلم، أي: ما استمع الله لشيءٍ كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن، أي: يتلوه جهرًا. قوله: (فلا بد أن يردفه اسم جنس) قال ابن الحاجب: لأنه مبهم الذات، فكان وصفه بما يدل على ذاتياته أولًا هو الوجه؛ لأن الوصف بالمعاني الخارجة فرع على معرفة الذات، ولذلك كان المبهم مستبدًا بصحة الوصفية بأسماء الأجناس دون غيره لما فيه من الإبهام. قوله: (أو ما يجري مجراه) من اسم الإشارة نحو: يا أيهذا الرجل.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
والاسم التابع له صفته، كقولك: يا زيد الظريف إلا أن «أيا» لا يستقل بنفسه استقلال «زيد» فلم ينفك من الصفة.
وفي هذا التدرّج من الإبهام إلى التوضيح ضرب من التأكيد والتشديد. وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لفائدتين: معاضدة حرف النداء ومكانفته بتأكيد معناه، ووقوعها عوضا مما يستحقه أىّ من الإضافة. فان قلت: لم كثر في كتاب اللَّه النداء على هذه الطريقة ما لم يكثر في غيره؟ قلت: لاستقلاله بأوجه من التأكيد وأسباب من المبالغة: لأن كل ما نادى اللَّه له عباده - من أوامره ونواهيه، وعظاته وزواجره ووعده ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم، وغير ذلك مما أنطق به كتابه - أمور عظام، وخطوب جسام، ومعان - عليهم أن يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها، وهم عنها غافلون. فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ. فإن قلت: لا يخلو الأمر بالعبادة من أن يكون متوجها إلى المؤمنين والكافرين جميعًا، أو إلى كفار مكة خاصة، على ما روى عن علقمة والحسن، فالمؤمنون عابدون ربهم فكيف أمروا بما هم ملتبسون به؟ وهل هو إلا كقول القائل:
_________________
(١) قوله: (لفائدتين) إحداهما: تأكيد معنى النداء؛ لأن النداء تنبيه. وثانيتهما: أن "أيًّا" مستدعيةٌ للإضافة، فحيث فكت عنها عوض بها ليشتغل بها عنها. قوله: (ومكانفته)، الجوهري: المكانفة: المعاونة. قوله: (ما لم يكثُر في غيره) "ما" يُمكن أن تكون موصولةً، أي: الكثرة التي لم تكثر في غيره، أو مصدريةً أي: كثر كثرةً لم تكثر في غيره من الكلام. قوله: (كقول القائل) وهو أبو تمام. وقبله: نعمةُ الله فيك، لا أسأل اللـ … ه إليها نعمى سوى أن تدوما
[ ٢ / ٢٩١ ]
فلَوَ انِّى فَعَلْتُ كُنْتُ مَنْ تَسْ … أَلُهُ وهُوَ قائمٌ أنْ يَقُوما
وأما الكفار فلا يعرفون اللَّه، ولا يقرّون به فكيف يعبدونه؟ قلت: المراد بعبادة المؤمنين: ازديادهم منها وإقبالهم وثباتهم عليها.
وأما عبادة الكفار فمشروط فيها ما لا بد لها منه وهو الإقرار. كما يشترط على المأمور بالصلاة شرائطها من الوضوء والنية وغيرهما وما لا بد للفعل منه، فهو مندرج تحت الأمر به وإن لم يذكر، حيث لم ينفعل إلا به، وكان من لوازمه. على أنّ مشركي مكة كانوا يعرفون اللَّه ويعترفون به (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [الزخرف: ٨٧]. فان قلت: فقد جعلت قوله: (اعْبُدُوا) متناولا شيئين معًا: الأمر بالعبادة، والأمر بازديادها. قلت: الازدياد من العبادة عبادة وليس شيئًا آخر. فإن قلت: (رَبَّكُمُ) ما المراد به؟
_________________
(١) أي: نعمة الله حاصلة فيك، شاملة عليك لا اسأل الله النعمة الحاصلة لك ولكن اسأله دوام تلك النعمة، فلو أني سألت النعمة الحاصلة لك، لكنت كمن يسأل قائمًا أن يقوم فإنه من من تحصيل الحاصل. قوله: (فمشروط فيها ما لا بد لها منه) وهذه مسألة أصولية وهي أن وجوب الشيء مطلقًا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورًا. قل: فيه خلاف، فعند من قال: المعارف ضرورية فالأمر بالعبادة للكافرين جائز، ومن قال: إنها غير ضروريةٍ قال: الأمر للكافر بالعبادة، الأمر بما هو من متمماتها، فيسلتزم الأمر بالمعرفة. قوله: (وليس شيئًا آخر) وها هنا بحث وهو أن اللفظ إذا أطلق وهو محتمل لمعنيين، فلا يخلو إما: أن يطلق على حقيقتين مختلفتين كاللفظ المشترك، أو على أفراد حقيقةٍ واحدةٍ كالجنس، أو على حقيقةٍ ومجاز، وأما القسم الأول والثالث فلا يجوز إرادتهما معًا، فبقي الثاني: وهو المراد بقوله: "والأمر بازدياد العبادة عبادة وليس شيئًا آخر"؛ لأن تلك الزيادة أيضًا عبادة.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
قلت: كان المشركون معتقدين ربوبيتين: ربوبية اللَّه، وربوبية آلهتهم. فإن خصوا بالخطاب فالمراد به اسم يشترك فيه رب السموات والأرض والآلهة التي كانوا يسمونها أربابا وكان قوله (الَّذِي خَلَقَكُمْ) صفة موضحة مميزة. وإن كان الخطاب للفرق جميعًا، فالمراد به «ربكم» على الحقيقة. و(الذي خلقكم) صفة جرت عليه على طريق المدح والتعظيم. ولا يمتنع هذا الوجه في خطاب الكفرة خاصة، إلا أن الأول أوضح وأصح. والخلق: إيجاد الشيء على تقدير واستواء. يقال: خلق النعل، إذا قدرها وسواها بالمقياس. وقرأ أبو عمرو: (خلقكم) بالإدغام.
وقرأ أبو السميقع: وخلق من قبلكم. وفي قراءة زيد بن على: (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) وهي قراءة مشكلة، ووجهها على إشكالها أن يقال: أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيدًا، كما أقحم جرير في قوله:
يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيّ لا أَبَا لَكُمُ
_________________
(١) ـ قوله: (فالمراد به ربكم على الحقيقة). أي: الرب الذي إذا خوطب به مطلقًا سائر الناس لا يتبادر إلى ذهن أحدٍ غير الله تعالى. والفرق أن الرب في الأول متعدد، والمربوب واحد. أي: طائفة واحدة فلذلك يجيء اللبس، وفي الثاني: بالعكس فلا لبس. قوله: (ولا يمتنع هذا الوجه) أي: أن تكون الصفة جارية على المدح في خطاب الكفرة، لأنهم كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا، والرب الحقيقي هو هو. وأيضًا فإذا سمعوه من جانب الحق لم يشبه عليهم، والأول أصح لما تعورف بينهم، ولأن قول السحرة (قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢] ليس إلا لدفع الاحتمال. قوله: (وهي قراءة مشكلة) لأن فيها موصولين وصلة واحدة. والإقحام: الإدخال بالشدة. قوله: (يا تيم تيم عدي لا أبالكم) عجزه:
[ ٢ / ٢٩٣ ]
"تيمًا" الثاني بين الأول وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضافة بين المضاف والمضاف إليه في: لا أبالك: ولعل للترجى أو الإشفاق. تقول: لعل زيدًا يكرمني. ولعله يهينني.
وقال اللَّه تعالى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) [طه: ٤٤]، (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشورى: ١٧]. ألا ترى إلى قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها) [الشورى: ١٨]. وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن، ولكن لأنه إطماع من كريم رحيم، إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة، لجرى إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به. قال من قال: إن «لعل» بمعنى «كى»، و«لعل» لا تكون بمعنى «كى»، ولكن الحقيقة ما ألقيت إليك. وأيضا فمن ديدن الملوك وما عليه أوضاع أمرهم ورسومهم أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا: عسى، ولعل، ونحوهما من الكلمات،
_________________
(١) لا يلقينكم في سوأةٍ عمر وذلك أن عمر بن لجأٍ التيمي أراد أن يهجو جريرًا، فخاطب جرير قبيلة يتمٍ وقال: لا تتركوا عمر أن يهجوني فيصيبكم شري. قال المصنف: فإن قيل: يا تيم كلام مفيد بنفسه، فجاز وقوع تيم الثاني تأكيدًا له بخلاف "والذين" في الآية، فإنه غير مفيدٍ فكيف يجوز تأكيده بمن؟ والجواب: أن "الذين" مفيد أيضًا فائدة الإشارة وإن كان المشار إليها مبهمًا، ولهذا رجع الضمير إليه، والضمير إليه، والضمير إنما يرجع إلى المفيد فإنك تقول: الذي فعلته. قوله: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه: ٤٤] مثال الترجي. وقوله: (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشورى: ١٧] مثال الإشفاق، وكذا المثالان السابقان. قوله: (قال من قال) معلل قوله: "لأنه إطماع". قوله: (وأيضًا فمن ديدن الملوك) عطف على قوله "إطماع من كريم" من حيث المعنى.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
أو يخيلوا إخالة. أو يظفر منهم بالرمزة أو الابتسامة أو النظرة الحلوة، فإذا عثر على شيء من ذلك منهم، لم يبق للطالب ما عندهم شك في النجاح والفوز بالمطلوب. فعلى مثله ورد كلام مالك الملوك ذى العز والكبرياء. أو يجيء على طريق الإطماع دون التحقيق لئلا يتكل العباد، كقوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا، عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) [التحريم: ٨]. فان قلت: ف «لعل» التي في الآية ما معناها وما موقعها؟ قلت: ليست مما ذكرناه في شيء، لأن قوله: (خَلَقَكُمْ … لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، لا يجوز أن يحمل على رجاء اللَّه تقواهم لأن الرجاء لا يجوز على عالم الغيب والشهادة: وحمله على أن يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد أيضًا
_________________
(١) قوله: (أو يخيلوا إخالةً)، الجوهري: وقد أخالت السحاب وأخيلت وخايلت، إذا كانت ترجى المطر. وأخلت فيه خالًا من الخير، أي: رأيت فيه مخيلته. وعن يعقوب: وخلت الشيء خيلًا وخيلةً ومخيلةً، أي: ظننته. قوله: (أو يجئ على طريق الإطماع) عطف على قوله: "وقد جاءت على سبيل الإطماع" كأنه قيل: "لعل" إما تجيء على سبيل الإطماع مع التحقيق مجازًا أو على طريق الإطماع دون التحقيق حقيقة. قوله: (راجين للتقوى ليس بسديد) أي: لا يصح إسناد الرجاء إليهم حين خلقهم الله تعالى؛ لأنهم حينئذٍ لم يكونوا عالمين بالرجاء ولا بالتقوى، ولا بشيءٍ من المعاني حتى تتوجه أذهانهم إليها. ويمكن أن يقال: لم لا يجوز أن يكون: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: ٢١] على هذا حالًا مقدرة؟ قيل في جوابه: لأنهم حالة الخلق ليسوا براجين ولا مقدرين الرجاء، وأجيب: إن لم يجز مقدرين الرجاء بكسر الدال لم لا يجوز مقدرين بفتحها. قال في قوله تعالى: (وَبَشَّرْنَاهُ
[ ٢ / ٢٩٥ ]
ولكن «لعل» واقعة في الآية موقع المجاز لا الحقيقة، لأن اللَّه ﷿ خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات، وأزاح العلة في أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين، ووضع في أيديهم زمام الاختيار، وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجوّ منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم - وهم مختارون بين الطاعة والعصيان، كما ترجحت حال المرتجى بين أن يفعل وأن لا يفعل، ومصداقه:
_________________
(١) ـ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا) [الصافات: ١١٢]: حال مقدرة، وقدر: (وَبَشَّرْنَاهُ) بوجود إسحاق (نَبِيًّا)، أي: بأن توجد مقدرة نبوته. قوله: (وهداهم النجدين) أي: طريقي الخير والشر. قوله: (لترجح أمرهم)، الأساس: رجحت الشيء وزنته بيدي ونظرت ما ثقله. ومن المجاز: رجح أحد قوليه على الآخر، وترجح في القول: تميل فيه. قوله: (حال المرتجى) أي: الذي يتوقع منه الفعل حقيقة كما قال صاحب "المفتاح": فتشبه حال المكلف الممكن من فعل الطاعة والمعصية- أي: مع تكليف الله أياه للابتلاء- بحال المرتجى المخير بني أن يفعل وأن لا يفعل- أي: مع مرتجيه الذي لا يعلم العاقبة- ثم استعير لجانب المشبه "لعل" جاعلًا قرينة الاستعارة علم الذي لا تخفى عليه خافية فيه. فهو من الاستعارة التبعية. قالوا: قوله: "لأن الرجاء لا يجوز على الله" إلى قوله: "ليس بسديد" هذا إنما يلزم إذا علق "لعل" بـ "خلقكم" وأما إذا علق بقوله: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) اتقاءً واحترازًا من عقابه، أو اعبدوا راجين أن تحصل لكم التقوى التي هي غاية العبادة بحسب تفسي "لعل" بمعنى الترجي أو الإشفاق، فلا يكون مجازًا. وعليه قول القاضي في "تفسيره": (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
[ ٢ / ٢٩٦ ]
قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود: ٧، الملك: ٢]، وإنما يبلو ويختبر من تخفى عليه العواقب، ولكن شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار. فإن قلت: كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون، فكذلك خلق الذين من قبلهم لذلك،
_________________
(١) حال من الضمير في (اعْبُدُوا) كأنه قال: اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح المستوجبين جوار الله تعالى؛ نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين، وهو التبري من كل شيءٍ سوى الله تعالى إلى الله، وأن العابد ينبغي أن لا يتغير بعبادته، ويكون ذا خوفٍ ورجاءٍ، قال الله تعالى (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) [السجدة: ١٦] (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) [الإسراء: ٥٧] أو من مفعول (خَلَقَكُمْ) والمعطوف عليه على معنى: أنه خلقكم ومن قبلكم في صورة من يرجى منه التقوى ليترجح أمره باجتماع أسبابه وكثرة الدواعي إليه. قلت: لعل اختيار المصنف القول الثاني لكونه أقرب إلى مذهبه. واعلم أن الذي يفهم من ظاهر كلام المصنف أن "لعل" مشترك في الترجي والإشفاق، وفي الإطماع ملحق بـ "عسى". قال ابن الحاجب: "لعل" معناها التوقع، وقد يكون التوقع للمرجو والمخوف، ولكنه كثر في المرجو حتى صار غالبًا عليها. قلت: وأما كونها للإطماع فلتضمنها معنى "عسى"، ومن ثم عومل معها معاملتها في قوله: لعلك يومًا أن تلم ملمة
[ ٢ / ٢٩٧ ]
فلم قصره عليهم دون من قبلهم؟ قلت: لم يقصره عليهم، ولكن غلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ والمعنى على إرادتهم جميعًا
_________________
(١) قال الزجاج: "عسى" معناها الطمع والإشفاق والإطماع من الله واجب. تم كلامه. ثم الإطماع إما راجع إلى المتكلم فيكون لتحقيق ما يطمع فيه؛ لأنه كريم، أو عظيم الشأن، أو إلى السامع فلا يكون للتحقيق. وقال ابن الحاجب: ومنهم من زعم أنها في حق الله لتحقيق ما تعلقت به، ويقف عليه في قوله تعالى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه: ٤]. ولم يتذكر ولم يخش، ومنهم من زعم أن معناها في مثل ذلك للتعليل، ويقف عليه في مثل (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشورى: ١٧]، وإليه الإشارة بقوله: "لعل لا تكون بمعني كي" أي: لا تظنن أن "لعل" بمعنى "كي" على الحقيقة، ومن قال: إنه بمعنى "كي" إنما قال لأنه حين رأي قائلها يستعملها في تحقيق المطلوب وإنجاز الموعود، زعم أنها بمعنى "كي"، وذلك إنما نشأ من المقام، فإن القائل: إما كريم لا يجوز إخلاف إطماعه لكرمه وشمول رحمته، وإما عظيم نطق بها إبداءً لعظمته، وإظهارًا لأبهته، فالرمزة من مثله تقوم مقام مبالغاتٍ شتى من غيره. وما هذا شأنه لا يكون حقيقة. فإن قلت: قوله "ليست مما ذكرناه في شيءٍ" يقتضي أن لا تكون "لعل" بمعنى "كي"، ومرجع تقريره الذي سيذكره إلى ذلك بدليل قوله: "خلقكم للاستيلاء"، وقوله بعد ذلك "خلقكم لكي تتقوا". قلت: إن المصنف كان في بيان مجيء "لعل" على الحقيقة، وقال: هي للترجي والإشفاق،
[ ٢ / ٢٩٨ ]
فإن قلت: فهلا قيل تعبدون؛ لأجل (اعبدوا)، أو: اتقوا؛ لمكان (تتقون) ليتجاوب طرفا النظم. قلت: ليست التقوى غير العبادة حتى يؤدّى ذلك إلى تنافر النظم،
_________________
(١) وضم إليهما معنى الإطماع، وبنى عليه مسألة المجاز فيها، وهي بمعنى كي. وأما قوله: "ليست مما ذكرناه في شيءٍ" فمعناه: أن المذكور في معنى "لعل" لا يجوز حمل الآية على شيءٍ من ذلك، أما بمعنى "كي" لتكون من حمل النقيض على النقيض بواسطة التلميح من الكريم الذي إذا أطمع فعل، ومن العظيم الذي إذا رضي قطع، فالمقام يأباه؛ لأن المقصود من الإيراد الاختبار والابتلاء؛ لقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: ٢]، فلا يحصل ذلك إلا على طريق الاستعارة التبعية كما سبق، فطريق المجازين مختلف، وإن كان مآلهما إلى معنى "كي"، والله أعلم. الانتصاف: كلام الزمخشري حسن إلا قوله: "وأراد منهم التقوى" فإنه على مذهبه، والله تعالى مريد عند أهل السنة من كل أحدٍ ما وقع منه. وقال أيضًا، كلامه: "وأقدرهم وألقى بأيديهم زمام الاختيار" خطأ. قوله: (فهلا قيل: تعبدون) يعني من الصنعة البديعية رد العجز على الصدر، وهو أن يجعل أحد اللفظين المكررين في أول الفقرة والآخر في آخرها، كقوله: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) [الأحزاب: ٣٧] وأول الآية الأمر بالعبادة وآخرها في ذكر التقوى، فلو جعل مقدمتها مطابقةً لسياقها بأن يقال: يا أيها الناس اتقوا، أو بالعكس بأن يقال: لعلكم تعبدون، لحصل المطلوب.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وإنما التقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده. فإذا قال: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) للاستيلاء على أقصى غايات العبادة كان أبعث على العبادة، وأشدّ إلزاما لها، وأثبت لها في النفوس. ونحوه أن تقول لعبدك: احمل خريطة الكتب، فما ملكتك يمينى إلا لجرّ الأثقال. ولو قلت: لحمل خرائط الكتب لم يقع من نفسه ذلك الموقع.
[(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)].
قدّم سبحانه من موجبات عبادته وملزمات حق الشكر له خلقهم أحياء قادرين أوّلا لأنه سابقة أصول النعم ومقدمتها، والسبب في التمكن من العبادة والشكر وغيرهما، ثم خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرّهم الذي لا بدّ لهم منه،
_________________
(١) وحاصل الجواب: أن المطابقة حاصلة من حيث المعنى مع إعطاء معنى المبالغة، وهي: أن التقوى عرفًا عبارة عن الإتيان بجميع المأمورات والانتهاء عن جميع المنهيات، وإليه الإشارة بقوله: "والتقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده" ويمكن أن يكون الأسلوب من باب الترقي، والمراد في "لعلكم" معنى الترجي، لكن معناه راجع إلى المكلف، أي: اعملوا في عبادة ربكم علم من يرجو الترقي فيها من الأهون إلى الأغلظ. الانتصاف: قوله: "خلقكم للاستيلاء على أقصى غاية العبادة" مفرع على مذهبه، والأليق أن يقال: خلقكم على حالةٍ من حقكم معها أن لا تدعوا من جهدكم في التقوى شيئًا. الإنصاف: لا يرد عليه ما ذكره؛ لأن خلقهم للاستيلاء أعم من كون الاستيلاء منهم أو من الله تعالى، وحينئذٍ يخص عمومه بأن المراد من خلق ذلك. قوله: (خلقهم أحياءً قادرين) نحو قوله تعالى: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ) [الشعراء: ١٤٩] على أنهما حالان مترادفتان مقدرتان.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وهي بمنزلة عرصة المسكن ومتقلبه ومفترشه، ثم خلق السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار، ثم ما سوّاه ﷿ من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها. والإخراج به من بطنها - أشباه النسل المنتج من الحيوان - من ألوان الثمار رزقا لبنى آدم، ليكون لهم ذلك معتبرا: ومتسلقا إلى النظر الموصل إلى التوحيد والاعتراف؛
_________________
(١) قوله (المُقِلَةِ والمُظِلَةِ) أي: الأرض والسماء، ومنه الحديث: «ما أقلت الغبراء وأظلت الخضراء على أصدق لهجه من أبى ذر». قوله: (المنتج)، الجوهري: نتجت الناقه على ما لم يسم فاعله تنتج نتاجا و«من الحيوان «متعلق بالمنتج، و«من ألوان» بيان «أشباه». قوله: (ليكون لهم ذلك معتبرًا ومُتَسلَقًا) أي: مدرجا ومصعدا يرقون منه إلى معرفة التوحيد، وهو تعليل لقوله: «قدم ﷾ من موجبات عبادته» وقوله: «فيتيقنوا عند ذلك» نتيجته. أما بيان الترقي فهو: أنه تعالى منعم على الأطلاق، فلا بد من ظهور هذه الصفة، ومظهرها وجود المعم عليه وهو المكلف وإليه الإشارة بقوله: «خلقهم»، لابد من تمكنه مما خلق له أيضا، وهو أن يكون حيا قادرا، ولما كان الخلق والقدرة كالمقدمة للمطلوب قال: «ومقدمتها والسبب في التمكن من العبادة والشكر»، ولما أن القيام بالشكر والعبادة مسبوق بمعرفه المنعم والمعبود احتج إلى التفكر والنظر المؤدى إلى تلك المعرفة. وأول شيء يقع نظر المكلف إليه مقره ومكانه، وإليه الإشاره بقوله: «ثم خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرهم»، ثم بعد هذا النظر إذا ساعدهم التوفيق بأن يأخذوا في العروج من السفليات إلى العلويات
[ ٢ / ٣٠١ ]
ونعمة يتعرفونها فيقابلونها بلازم الشكر، ويتفكرون في خلق أنفسهم وخلق ما فوقهم وتحتهم، وأن شيئا من هذه المخلوقات كلها لا يقدر على إيجاد شيء منها، فيتيقنوا عند ذلك أن لا بدّ لها من خالق ليس كمثلها، حتى لا يجعلوا المخلوقات له أندادا وهم يعلمون أنها لا تقدر على نحو ما هو عليه قادر. والموصول مع صلته إمّا أن يكون في محل النصب وصفا كـ (الذي خلقكم)، أو على المدح والتعظيم. وإمّا أن يكون رفعا على الابتداء وفيه ما في النصب من المدح. وقرأ يزيد الشامي: بساطا. وقرأ طلحة: مهادا. ومعنى جعلها فراشا وبساطا ومهادا للناس: أنهم يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه وبساطه ومهاده. فإن قلت:
_________________
(١) وآثارها، فينظروا إلى هذه السماء التي هي كالسقف لمفترشهم، وإليه الإشارة بقوله: «ثم خلق السماء التي هي كالقبة المضروبة على هذا القرار» أي: المقر والمفترش، ثم ينظروا بعد النظر إليها إلى ما يحصل من ازدواجها مع مفترشها التي هي فراشهم من أنواع الثمار والنبات، وإليه الإشارة بقوله: «ثم ما سواه - أي: ما سواه الله -﷿ من شبه عقد النكاح». ثم إن المصنف ضمن في دلائل الآفاق دلائل الأنفس على سبيل الإدماج، بأن جعل دليل الأنفس مشبها به، ودليل الآفاق مشبها، وذلك قوله: "أشباه النسل المنتج من الحيوان" لينضم إلى دليل الآفاق دليل الأنفس، لله دره وبيانه وتقريره. قوله: (يتعرفونها)، الجوهري: تعرفت ما عند فلان، أي: تطلبت حتى عرفت. أي: يطلبون ما به يعرفون وجود النعمة ليقابلوها بلازم الشكر، أي: العبادة؛ لأن الشكر لغة: الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف، ولازمه آداب الجوارح في العمل، وتحقيق مراضيه بالقلب وثناؤه باللسان. وقيل: المراد «بلازم الشكر»: الشكر اللازم. قوله: (وإما أن يكون رفعا على الابتداء) أي: على أنه خبر لمبتدأ محذوف
[ ٢ / ٣٠٢ ]
هل فيه دليل على أنّ الأرض مسطحة وليست بكرّية؟ قلت: ليس فيه إلا أن الناس يفترشونها كما يفعلون بالمفارش سواء كانت على شكل السطح أو شكل الكرة، فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع، لعظم حجمها واتساع جرمها وتباعد أطرافها. وإذا كان متسهلا في الجبل وهو وتد من أوتاد الأرض، فهو في الأرض ذات الطول والعرض أسهل. والبناء مصدر سمى به المبنى - بيتا كان أو قبة أو خباء أو طرافا - وأبنية العرب: أخبيتهم، ومنه بنى على امرأته، لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديدا. فإن قلت: ما معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرته ومشيئته؟ قلت: المعنى أنه جعل الماء سببا في خروجها ومادّة لها، كماء الفحل في خلق الولد، وهو قادر على أن ينشئ الأجناس كلها بلا أسباب ولا موادّ كما أنشأ نفوس الأسباب والموادّ، ولكن له في إنشاء الأشياء مدرجا لها من حال إلى حال، وناقلا من مرتبة إلى مرتبة حكما ودواعي يجدد فيها لملائكته والنظار بعيون الاستبصار من عباده عبرا وأفكارًا صالحة، وزيادة طمأنينة، وسكون إلى عظيم قدرته وغرائب حكمته،
_________________
(١) قوله: (بيتا كان أو قبة أو خباء)، الجوهري: واحد الأخبية من وبر أو صوف، لا من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك، فهو بيت، والطراف: بيت من أدم. قوله: (ومنه: بنى على امرأته)، النهاية: البناء: الدخول بالزوجة، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأه بنى عليها قبة ليدخل بها فيها. قوله: (وسكون إلى عظيم قدرته)، الأساس: سكنت إلى فلان: استأنست به، ومالي سكن، أي: من أسكن إليه من امرأه وحميم. والتدرج إلى الشيء العظيم سبب لمؤانسة المرء به، كما أن المبادهة به سبب للاستيحاش، ألا ترى إلى إرشاد إبراهيم قومه إلى التوحيد، كيف
[ ٢ / ٣٠٣ ]
ليس ذلك في إنشائها بغتة من غير تدريج وترتيب. و«من» في (مِنَ الثَّمَراتِ) للتبعيض بشهادة قوله: (فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) [فاطر: ٢٧]، وقوله: (فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ) [فاطر: ٢٧]، ولأنّ المنكرين أعني: ماء، ورزقا. يكتنفانه. وقد قصد بتنكيرهما معنى البعضية فكأنه قيل: وأنزلنا من السماء بعض الماء، فأخرجنا به بعض الثمرات، ليكون بعض رزقكم. وهذا هو المطابق لصحة المعنى، لأنه لم ينزل من السماء الماء كله،
_________________
(١) أخذ في إبطال معتقدهم شيئا فشيئا، والأخذ من الأدون إلى الأعلى من الكوكب أولا، ثم القمر ثانيا، ثم الشمس ثالثا، ثم قوله: (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)] الأنعام: ٧٨ - ٧٩ [إذ لو خاطبهم أولا بالتوحيد لم يقع هذا الموقع. قوله:] بشهادة قوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) [يعنى قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)] الأعراف: ٥٧ [لأنه تعالى لم يرد بقوله: (سَحَابًا ثِقَالًا) كل السحاب، ولا بالبلد الميت جميع الأراضي، ولا أنزل من السحاب الثقال كل الماء، ولا أخرج جميع الثمرات، بل أراد بالكل الأكثر، ما يستعمل الكل في التنزيل بمعنى أكثر، منه قوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا)] الأحقاف: ٢٥ [وقوله: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)] النمل: ١٦ [، (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)] النمل: ٢٣ [، وأما قوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ)] فاطر: ٢٧ [فدلالته على البعضية من حيث الجمعية والتنكير لأنها جمع قلة. قوله: (لأنه لم ينزل من السماء الماء كله) أي: لم ينزل من السماء كل الماء الذى أخرج به كل الثمرات؛ لأن بعضا من الثمرات مخرج من غير ماء السماء بدليل قوله: «وأنزلنا من السماء بعض الماء، فأخرجنا به بعض الثمرات» وقوله: «ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات».
[ ٢ / ٣٠٤ ]
ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات، ولا جعل الرزق كله في الثمرات. ويجوز أن تكون للبيان كقولك: أنفقت من الدراهم ألفا. فإن قلت: فيم انتصب (رِزْقًا)؟ قلت: إن كانت «من» للتبعيض. كان انتصابه بأنه مفعول له. وإن كانت مبنية، كان مفعولًا لـ"أخرج". فإن قلت: فالثمر المخرج بماء السماء كثير جمّ
_________________
(١) فإن قلت: يخالفه ما قال في «الزمر»: «كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسمه». قلت: على تقدير صحة هذه الرواية، «الفاء» في قوله "فأخرج به" مستدعية للإخراج بعد الإنزال بلا تراخ عادة، ومفهومه: أن بعضا من الثمرات مخرج على غير هذه الصورة، وهي ما يسقى بماء الآبار والعيون والأنهار فإنها متراخية عادة عن الإنزال، لأنه تعالى استودعها الجبال، ثم أجراها في الأرض وأخرج بها بعض الثمرات. قوله: (إن كانت «من» للتبعيض كان انتصابه بأنه مفعول له) قيل: إذا كانت «من» للتبعيض يكون محلها منصوبا على المفعول به، ورزقا على المفعول له، ومحل «لكم» منصوب على أنه مفعول به لـ «رزقا» لأنه مصدر، وإن كانت للتبين كانت حالا ورزقا مفعول به، و«لكم» صفة لـ «رزقا». وقيل: إذا قلت: أكلت من هذا الخبز، تكون «من» للتبعيض لا غير، وإذا قلت: أكلت من هذا الخبز الجيد بنصب الجيد، كان للبيان، وعلى أن تكون «من» مفعولا به كانت اسما كـ «عن» في قول الشاعر: فلقد أراني للرماح دريةً … من عن يميني مرة وأمامي
[ ٢ / ٣٠٥ ]
فلم قيل: (الثمرات) دون الثمر والثمار؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما أن يقصد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك: فلان أدركت ثمرة بستانه، تريد ثماره.
ونظيره قولهم: كلمة الحويدرة، لقصيدته. وقولهم للقرية: المدرة،
_________________
(١) الدرية: هي الحلقة التي يتعلم عليها الطعن، والمعنى من جانب يميني فـ «من» في الآية و«عن» في البيت مجازان عن متعلق معناهما كما قال صاحب المفتاح: ونازلان منزلتهما في الاعتبار، قال المصنف في (حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا)] يوسف: ٣١ [: حاش: حرف من حروف الجر وضعت موضع التنزيه والبراءة. والدليل عليه قراءة من قرأ «حاشًا لله» بالتنوين، فإن قلت: فلم جاز أن لا ينون - أي في المشهورة - بعد إجرائه مجرى براءة؟ قلت: مراعاة لأصله الذى هو الحرفية؛ ألا ترى إلى قولهم: جلست من عن يمينه، كيف تركوا «عن» غير معرب على أصله. قوله: (أن يُقصَدَ بالثمراتِ جماعة الثمرة) يريد أن مفرد الثمرات الثمرة التي يُرادُ بها الثمارُ. والثمرات مشتملةٌ على أفرادٍ، كل فرد منها ثمار، فإذن تفيد الثمرات من الكثرة ما لا تقيده الثمار، وإن كانت جمع قلة. قوله: (ونظيرُه) أي: نظير إرادة الثمار بالثمرة. قوله: (كلمة الحويدرة) الحويدرة: اسم شاعر، تصغير حادرة، واسمه قطبة بن محصن. روى أن حسانا كان إذا قيل له: أنشدنا، قال: هل أنشدكم كلمة الحويدرة؟ أي: قصيدته العينية التي مستهلها:
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وإنما هي مدر متلاحق. والثاني: أنّ الجموع يتعاور بعضها موقع بعض لالتقائها في الجمعية، كقوله: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ) [الدخان: ٢٥]، و(ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨].
ويعضد الوجه الأوّل قراءة محمد بن السميقع: من الثمرة، على التوحيد. وقَبْلِكُمْ صفة جارية على الرزق إن أريد به العين، وإن جعل اسما للمعنى فهو مفعول به، كأنه قيل: رزقا إياكم. فإن قلت: بم تعلق (فَلا تَجْعَلُوا)؟
قلت: فيه ثلاثة أوجه: أن يتعلق بالأمر. أى اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له أَنْدادًا لأنّ أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن لا يجعل للَّه ندّ ولا شريك. أو بلعل، على أن ينتصب (تجعلوا)
_________________
(١) بكرت سميه بكرة فتمتع … وغدت غدو مفارق لم يربع ابن السكيت: ربع الرجل: إذا وقف وتحبس. قوله: (وإن جعل اسما للمعنى) أي: مصدرا، فهو مفعول به، كأنه قيل: أعطاكم، وهو المراد بقوله: «رزقا إياكم» كما تقول: رزقه العلم والمال أي: أولاه وأعطاه. قوله: (فيه ثلاثة أوجه) والوجوه ذكرها القاضي ملخصا قال: (فَلَا تَجْعَلُوا) متعلق «باعبدوا» على أنه نهي معطوف عليه، أو نفي منصوب بإضمار «أن» جواب له، أو بـ «لعل» على أن نصب (تَجْعَلُوا) نصب (فَاطَّلَعَ) في قوله تعالى: (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ)] غافر: ٣٦ - ٣٧ [إلحاقا لها بالأشياء السته؛ لاشتراكها في أنها غير موجبة، المعنى: إن تتقوا لا تجعلوا لله أندادا، أو «بالذي» جعل إن استأنفت به على أنه نهي وقع خبرا على تأويل مقول فيه: لا تجعلوا، فالفاء للسببية أدخلت عليه لتضمن المبتدأ معنى الشرط، والمعنى: من خصكم بهذه النعم الجسام والآيات العظام ينبغي أن لا يشرك به.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
انتصاب، (فأطلع) في قوله ﷿: (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ* أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى) [غافر: ٣٦ - ٣٧] في رواية حفص عن عاصم، أى خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلا تشبهوه بخلقه، أو بالذي جعل لكم، إذا رفعته على الابتداء، أى هو الذي خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية، فلا تتخذوا له شركاء. والند: المثل. ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوئ. قال جرير:
_________________
(١) وقلت: والوجه الأول للمصنف مبنى على أنه منصوب جوابا للأمر، ولذلك علله بقوله: «لأن أصل العبادة التوحيد، وأن لا يجعل له ند ولا شريك»، وأما على عطف النهي على الأمر، فالآية مثل قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)] النساء: ٣٦ [. والوجه الثانى في الكتاب على غير ما ذهب إليه القاضي لأنه لم يجعل «لعل» على تأويل الشرط، بل جعلها بمعنى «كي» على تشبيه الحالة بالحالة في قوله تعالى: (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ)] غافر: ٣٦ [، ثم الاستعارة على سبيل التبعية كما مضى. والوجه الثالث غير مخالف لقوله: «وإن زاد فيه لفظة «هو» حيث قال: «هو الذى خلقكم» لأنه في بيان المعنى لا تقدير الكلام، وفيه إشارة إلى معنى الاختصاص؛ لأنه استئناف بإعادة صفة من استؤنف عنه الحديث»، فكأن سائلا حين سمع قوله: (اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) سأل: ما بالنا نخضه بالعبادة وأن لا نشرك به شيئا؟ فقيل: لأنه هو الذى خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة. وفي الوجوه إشارة إلى الإشعار بالعلية؛ لأن الحكم مترتب على الأوصاف. قوله: (حفكم)، الأساس: حفوا به واحتفوا: أطافوا، وهم حافون به وحففته بالناس: جعلتهم حافين به. قوله: (المناوئ)، الأساس: نؤتُ بالحمل: نهضت به، وناوأت الرجل: عاديته، ومعناه: ناهضته للعداوة.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
أتَيمًا تَجْعَلُون إِلَىَّ نِداًّ … وما تَيْمٌ لِذِى حَسَب نَدِيدَا
وناددت الرجل: خالفته ونافرته، من ندّ ندا إذا نفر. ومعنى قولهم: ليس للَّه ندّ ولا ضدّ نفى ما يسدّ مسدّه، ونفي ما ينافيه
_________________
(١) قوله: (أتيما تجعلون) البيت. ضمن «تجعلون» معنى «يضمون»، أي: يضمون إلى تيما ويجعلونه ندا. ويجوز أن يكون «تيما» مفعولا لفعل محذوف، أي: يضمون وينسبون إلى، تيما يجعلونه ندا لى، وأن يكون إلى مع متعلقة المحذوف حالا من ندا. قوله: (ونافرته)، الأساس: نافرته إلى الحكم فنفرني عليه، أي حاكمته فغلبني عليه، وأصل المنافرة قولهم: أينا أعز نفرا. قوله: (ليس لله ند ولا ضد) لف. وقوله: «نفي ما يسد مسده، ونفي ما ينافيه» نشر. الراغب: ند الشيء: مشاركه في الجوهر. وذلك ضرب من المماثلة فإن المثل يقال في أي مشاركة كانت، فكل ند مثل ولا ينعكس، يقال: نده ونديده ونديدته. والضدان: الشيئان اللذان تحت جنس واحد وينافي كل منهما الآخر في أوصافه الخاصة، وبينها أبعد البعد، كالخير والشر والسواد والبياض، وما لم يكونا تحت جنس واحد كالحلاوة والحركة لا يقال لهما ضدان، قالوا: الضد هو أحد المتقابلين، فإن المتقابلين هما الشيئان المختلفان بالذات وكل واحد قبالة الآخر، ولا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد وذلك أربعة أشياء: الضدان، والمتناقضان كالضعف والنصف والوجود والعدم، والنفي والإثبات في الأخبار، وكثير من أهل اللغة والمتكلمين يجعلون كل ذلك من المتضادات ويقول: الضدان ما لا يصح اجتماعهما
[ ٢ / ٣٠٩ ]
فإن قلت: كانوا يسمون أصنامهم باسمه ويعظمونها بما يعظم به من القرب، وما كانوا يزعمون أنها تخالف اللَّه وتناويه. قلت: لما تقرّبوا إليها وعظموها وسموها آلهة، أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله، قادرة على مخالفته ومضادّته فقيل لهم ذلك على سبيل النهكم. كما تهكم بهم بلفظ الندّ، شنع عليهم،
_________________
(١) في محل واحد. وقيل: الله تعالى لا ضد له ولا ند؛ لأن الند هو الاشتراك في الجوهر، والضد هو أن يعتقب الشيئان المتنافيان على جنس واحد، والله تعالى منزه عن أن يكون له جوهر، فإذا لا ضد له ولا ند، وقال تعالى: (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا)] مريم: ٨٢ [أي: منافين لهم. قوله: (كانوا يسمون) توجيه السؤال: أن الكفرة كانوا يجعلون أصنامهم مساوية لله تعالى في التسميه والتقرب إليهم، وما كانوا يزعمون أنهم يخالفون الله في شيء من ذلك حتى يكونوا أندادا فكيف قيل: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا)] البقرة: ٢٢ [، وخلاصة الجواب: أن هذه التسمية، أي: تسمية الله إياها أندادا على التهكم لأنهم ينزلون الضد مقام الضد لضرب من التهكم كقوله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)] آل عمران: ٢١ [استحقارا لهم وازدراء لفعلهم، أي: أنتم لا تعلمون أن مثل هذا التعظيم والتسمية تؤدى إلى جعلها قادرة على مخالفته ومناوأته، فهي استعارة مصرحة تحقيقية أصلية واقعة على سبيل التهكم. قوله: (شنع عليهم) يعنى: كما تهكم بهم بإثبات الند بولغ فيه بأن أوثر، لفظ الجمع، يعنى لم يكتفوا بذلك الفعل الشنيع حتى ضموا إليه ما زادت به الشناعة، فيكون من باب الإيغال كقولها:
[ ٢ / ٣١٠ ]
واستفظع شأنهم بأن جعلوا أندادًا كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ندّ قط. وفي ذلك قال زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق دين قومه:
أرَبًّا واحِدًا أمْ ألْفُ رَبٍ … أدِينُ إذَا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ
وقرأ محمد بن السميقع: فلا تجعلوا للَّه ندا. فإن قلت: ما معنى (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)؟ قلت: معناه: وحالكم وصفتكم أنكم من صحة تمييزكم بين الصحيح والفاسد،
_________________
(١) كأنه علم في رأسه نار قوله: (أربا واحدا) البيت، أدين، أي: أتخذه دينا. تقسمت الأمور، أي تفرقت الأحوال، من قولهم: تقسمهم الدهر فتقسموا: فرفهم فتفرقوا، من «الصحاح». أي: إذا تفرقت الأمور وفوض اختيار هذا الأمر إلى أختار ربا واحدا أم ألف رب؟ أي: كيف أترك ربنا واحدا وأختار أربابا متعددة كقوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)] يوسف: ٣٩ [وبعده: تركت اللات والعزى جميعًا … كذلك يفعل الرجل البصير روينا عن البخاري عن ابن عمر كان يحدث عن رسول الله - صل الله عليه وسلم-: «أنه لقى زيد بن عمرو ابن نفيل بأسفل بلدح وذلك قبل أن ينزل على النبي - صل الله عليه وسلم- الوحي، فقدم إليه رسول الله - صل الله عليه وسلم- سفرة فيها لحم، فأبى أن ياكل منها، ثم قال زيد: إنى لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه». قوله: (معناه: وحالكم وصفتكم) يريد أن موقع (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) موقع الحال المقررة لجهة الإشكال المتضمنة لمعنى التعجب والتعجيب كقوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
[ ٢ / ٣١١ ]
والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال، والإصابة في التدابير، والدهاء والفطنة، بمنزل لا تدفعون عنه.
وهكذا كانت العرب، خصوصًا ساكن والحرم من قريش وكنانة، لا يصطلى بنارهم في استحكام المعرفة بالأمور وحسن الإحاطة بها. ومفعول (تعلمون) متروك كأنه قيل: وأنتم من أهل العلم والمعرفة. والتوبيخ فيه آكد، أى أنتم العرّافون المميزون.
ثم إنّ ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام للَّه أندادا، هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل.
ويجوز أن يقدر: وأنتم تعلمون أنه لا يماثل. أو: أنتم تعلمون
_________________
(١) وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا)] البقرة: ٢٨ [أي: لا تجعلوا لله أندادا والحال أنكم من صحة التمييز والمعرفة بمنزلة، يعنى جعلكم لله أندادا مع هذا الصارف القوى مظنة تعجب وتعجيب. فـ «ثم» في قوله: «ثم إن ما أنتم عليه» للاستبعاد كما في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا)] السجده: ٢٢ [. قوله: (لا يصطلى بنارهم)، النهاية: وفي حديث السقيفة: «أنا الذى لا يصطلى بناره» الاصطلاح: افتعال من صلى النار إذا تسخن بها. أي: أنا الذى لا يتعرض لحربي يقال: فلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق. ومعناه: لا تنال ناره لرفعة شانه حتى يصطلى بها، ونظيره: لا يشق غبارهم، فهما كنايتان عن علو المرتبة والسبق. قوله: (وأنتم من أهل العلم والمعرفة) هذا على تنزيل المعتدى منزلة اللازم، أي: أنكم توجدون على هذه الحقيقة إيهاما للمبالغة، وإليه الإشارة بقوله «أنتم العرافون المميزون». قوله: (وأنتم تعلمون أنه لا يماثل) إلى آخره، إشارة إلى قصد التعميم وعدم القصر على المذكور؛ إذا لو ذكر واحد مما ذكره المصنف لاقتصر عليه.
[ ٢ / ٣١٢ ]
ما بينه وبينها من التفاوت. أو: وأنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله، كقوله: (هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ) [الروم: ٤٠].
[(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)].
لما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويحققها، ويبطل الإشراك ويهدمه، وعلم الطريق إلى إثبات ذلك وتصحيحه، وعرفهم أنّ من أشرك فقد كابر عقله وغطى على ما أنعم عليه من معرفته وتمييزه - عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات نبوّة محمد ﷺ، وما يدحض الشبهة في كون القرآن معجزة، وأراهم كيف يتعرفون؛
_________________
(١) قوله: (وعلم الطريق إلى إثبات ذلك) أي: إثبات التوحيد وإبطال الشرك كأنه قال: يا أيها الناس، اعلموا أن لكم معبودًا بجب عليكم عبادته؛ لأنه خلقكم وخلق آباءكم، وجعل لكم مظلة ومقلة، وأنعم عليكم بإنزال المطر وإخراج الثمر؛ فإذا لا تجعلوا له شريكا. فالتعليم هو ترتب الحكم على الأوصاف. قوله: (وغطى على ما أنعم عليه) يشير إلى قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)] البقرة: ٢٢ [أي: لا يخفي عليكم بطلان أمر الأصنام وحقيقة ألوهية الملك العلام، فلا تكابروا عقولكم ولا تغطوا على ما رزقكم من المعرفة. قوله: (وأراهم) عطف على قوله «عطف على ذلك» على سبيل التفسير و«بإرشادهم» متعلق بقوله: «أراهم»، والمراد بالإرشاد ما سبق في قوله تعالى: (لا رَيْبَ فِيهِ)] البقرة: ٢ [وطريقة الإتيان بـ «إن» الشرطية المستدعية للشك وخلو الجزم في مقام القطع ليحزر أنفسهم ويجربوا طباعهم، فقوله: «على إثبات نبوة محمد -صل الله عليه وسلم-» في مقابلة ما يثبت الوحدانية، «وما يدحض الشبة» في مقابلة «ويبطل الإشراك ويهدمه»، «وأراهم كيف يتعرفون» في مقابلة «علم الطريق إلى إثبات ذلك»، فطريق إثبات التوحيد هو التفكر في خلق أنفسهم وما يرتفقون به على الترتيب كما سبق، والتنبيه عليه بقوله (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
[ ٢ / ٣١٣ ]
أهو من عند اللَّه كما يدعى، أم هو من عند نفسه كما يدعون. بإرشادهم إلى أن يحزروا أنفسهم ويذوقوا طباعهم وهم أبناء جنسه وأهل جلدته. فإن قلت: لم قيل: (مِمَّا نَزَّلْنا) على لفظ التنزيل دون الإنزال؟ قلت:
لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم، وهو من محازه لمكان التحدي. وذلك أنهم كانوا يقولون:
_________________
(١) قوله: (ويذوقوا طباعهم)، الجوهري: ذقت القوس: إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها. قوله: (وهو من محازه) قيل: المعنى: النزول على سبيل التدريج من محاز استعمال لفظ التنزيل. وقلت: يأباه الجمع والتعليل على أنه من توضيح الواضح، والوجه أن يقال: هو راجع إلى معنى قوله: لم قيل: نزلنا دون أنزلنا؟ لأنه من محازه ومواقعه، و«من»: إما ابتدائي أو تبعيضي، أي: ناس منه أو بعض مواقعه، لأن فوائده كثيرة؛ أما بالنسبة إلى رسول الله؟ فلضبط ألفاظه وتسهيل حفظه ثم التدرج إلى معرفة معانيه، وأما بالنسبة إلى المؤمنين فللتوقيف على ما يفتقرون إليه من المصالح السانحة، وأما بالنسبة إلى المخالفين فلإزاحة خللهم وتبكيتهم كما نحن بصدده، ولذلك علله بقوله «لمكان التحدي» وبين مقام التحدي بقوله: «ذلك أنهم كانوا يقولون» إلى آخره. ألا ترى حين لم يقصد هذه المعاني كيف جيء بلفظ الإنزال في نحو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ)] البقرة: ٤ [وقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)] الكهف: ١ [إلى غير ذلك! فليتأمل مواقعها. قال القاضي: إنما قال (مِمَّا نَزَّلْنَا) لأن نزوله نجما فنجما على ما عليه أهل الشعر والخطابة مما يريبهم كما حكى الله تعالى عنهم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)] الفرقان: ٣٢ [، فكان الواجب تحديهم على هذا الوجه إزالة للشبهة، وإلزامًا للحجة.
[ ٢ / ٣١٤ ]
لو كان هذا من عند اللَّه مخالفًا لما يكون من عند الناس، لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة وآيات غب آيات، على حسب النوازل وكفاء الحوادث «٢» وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر، من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينًا فحينًا، وشيئًا فشيئا حسب ما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة، لا يلقى الناظم ديوان شعره دفعة، ولا يرمى النائر بمجموع خطبه أو رسائله ضربة، فلو أنزله اللَّه لأنزله خلاف هذه العادة جملة واحدة: قال اللَّه تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً) [الفرقان: ٣٢]. فقيل: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجمًا فردًا من نجومه؛
_________________
(١) قوله: «من محازه»، الأساس: قطع فأطاب المحز ومن المجاز: تكلم أو أشار فأصاب المحز. قوله: (وكفاء الحوادث)، الأساس: قولهم: لا كفاء له، مصدر بمعنى المكافأة، وضع موضع المكافئ، قال حسان: وروح القدس ليس له كفاء أي: مكافئ مقاوي، وهو كفؤ بين الكفاءة. الجوهري: كل شيء يساوى شيئا حتى يكون مثله فهو مكافئ له. قوله: (فقيل: إن ارتبتم) عطف على قوله «كانوا يقولون».
[ ٢ / ٣١٥ ]
سورة من أصغر السور، أو آيات شتى مفتريات. وهذه غاية التبكيت، ومنتهى إزاحة العلل. وقرئ (على عبادنا) يريد رسول اللَّه ﷺ وأمته. والسورة: الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات. وواوها إن كانت أصلا، فإما أن تسمى بسورة المدينة وهي حائطها، لأنها طائفة من القرآن محدودة محوّزة على حيالها، كالبلد المسوّر، أو لأنها محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد، كاحتواء سورة المدينة على ما فيها. وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة. قال النابغة:
ولرَهْطِ حَرَّابٍ وقَدٍ سُورَةٌ … في المَجْدِ لَيْسَ غُرَابُهَا بمُطَارِ
_________________
(١) قوله: (وهذه غاية التبكيت) أي: هذه الحجة غاية التبكيت؛ لأنها إفحام للخصم يعنى ما يريد به بطلان الشيء؛ وذلك أنهم كانوا يقولون: لم لم ينزل القرآن جملة واحدة ليكون على خلاف ما نشاهده من الشعراء والخطباء؛ إذا لو كان كلام الله لم يكن على سنن ما يرى عليه الخطابة والشعر؟ فأجيبوا بأن النزول هكذا كما هو دأبكم وعادتكم أسهل لكم أن تأتوا بمثله إذا تحديتم به فلا يشق عليكم معارضته، فلو نزل جملة واحدة وتحديتم بها لصعب عليكم معارضته، فإذا لم تأتوا بأقصر سورةٍ منه فقد دل على حقيقته وبطلان قولكم، فألزموا بعين ما أرادوا بطلانه وهذا قريب من القول بالموجب. قوله: (ولرهط حراب) البيت. حراب بالراء المهملة، وقد بالدال غير المعجمة. قوله: (ليس غرابها بمطار) كناية عن كثرة الرهطين ودوام المجد لهما؛ فإن النبات والشجر إذا كثر في موضع قيل: لا يطير غرابه؛ لأن الغراب إذا وقع في المكان الخصيب أصاب فيه
[ ٢ / ٣١٦ ]
لأحد معنيين، لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارئ: وهي أيضًا في أنفسها مترتبة: طوال وأوساط وقصار، أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين. وإن جعلت واوها منقلبة عن همزة، فلأنها قطعة وطائفة من القرآن، كالسؤرة التي هي البقية من الشيء والفضلة منه. فان قلت: ما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سورًا؟ قلت: ليست الفائدة في ذلك واحدة. ولأمر ما أنزل اللَّه التوراة والإنجيل والزبور وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه على هذا المنهاج مسوّرة مترجمة السور. وبوّب المصنفون في كل فنّ كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم. ومن فوائده: أنّ الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف، كان أحسن وأنبل وأفخم من أن يكون ببّانًا واحدًا
_________________
(١) ما لا يحتاج معه إلى أن ينتقل منه إلى مكان آخر. والوجه: أن يراد أنه لا يرام هذه المرتبة لكونها منيعة رفيعة. قوله: (ببانا واحدًا) روى البخاري أنه سمع عمر ﵁ يقول: «لولا أن أترك آخر الناس ببانًا واحدًا ليس لهم من شيء ما فتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر، ولكنى أتركها خزانة لهم يقسمونها».النهاية: عن أبي عبيد: لا أحسبه عربيًا. قال
[ ٢ / ٣١٧ ]
ومنها: أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأهز لعطفه، وأبعث على الدرس والتحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله. ومثله المسافر، إذا علم أنه قطع ميلا، أو طوى فرسخا، أو انتهى إلى رأس بريد؛
_________________
(١) أبو سعيد الضرير: ليس في كلامهم ببان، والصحيح عندنا: «بيانا واحدًا»، أي: لأسوين بينهم في العطاء حتى يكونوا شيئا واحدًا لا فضل لأحد على غيره. وقال الأزهري: ليس كما ظن، وهذا حديث مشهور رواه أهل الإتقان، وكأنها لغة يمانيه. قوله: (رأس بريد) قال في «الفائق»: «سمى المسافة التي بين السكتين بريدا، والسكة الموضع الذى كان يسكنه الفيوج المرتبون من رباط أو قبة أو نحو ذلك وبعد ما بين السكتيرن الفرسخان، فكان يرتب في كل سكة بغال. والبريد في الأصل البغل وهي كلمة فارسية أي: «بريده دم»، لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب، فعربت وخففت، ثم سمي
[ ٢ / ٣١٨ ]
نفس ذلك منه ونشطه للسير. ومن ثم جزأ القرّاء القرآن أسباعًا وأجزاء وعشورًا وأخماسًا. ومنها أن الحافظ إذا حذق السورة، اعتقد أنه أخذ من كتاب اللَّه طائفة مستقلة بنفسها لها فاتحة وخاتمة؛ فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه ويغتبط به، ومنه حديث أنس ﵁: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جد فينا ومن ثمة كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل. ومنها أنّ التفصيل سبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض. وبذلك تتلاحظ المعاني ويتجاوب النظم، إلى غير ذلك من الفوائد والمنافع
_________________
(١) الرسول الذي يركب البريد باسمه. قال الصغاني: الفيج الذى تسميه أهل العراق الركابي والساعي، وهو معرب. قوله: (حذق السورة)، الجوهري: حذق الصبي القرآن، إذا مهر فيه. قوله: (جد فينا) روينا عن البخاري ومسلم عن أنس «أن رجلا كان يكتب للنبي؟ وكان قد قرأ «البقرة» و«آل عمران» وكان الرجل إذا قرأ «البقرة» و«آل عمران» جد فينا» الحديث، النهاية: «جد فينا»، أي: عظم قدره وصار ذا جد. قوله: (كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل). قال الرافعي ﵀: «وأوصل الاستحباب يتأذى بقراءة شيء من القرآن، لكن السورة أحب حتى إن السورة القصيرة أولى من بعض سورة طويلة».
[ ٢ / ٣١٩ ]
(مِنْ مِثْلِهِ): متعلق (بسورةٍ) صفة لها، أي: بسورة كائنة من مثله. والضمير لما نزلنا، أو لعبدنا. ويجوز أن يتعلق بقوله: (فَاتُوا) والضمير للعبد
_________________
(١) قوله: «مِنْ مِثْلِهِ) متعلق (بِسُورَةٍ). قال الزجاج: وللعلماء فيه قولان: قال بعضهم: من مثل القرآن؛ كقوله تعالى: (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ)] هود: ١٣ [وقال بعضهم: من مثله، أي: من بشرٍ مثله. وقالى القاضي: (مِنْ مِثْلِهِ) صفه «سورة»، أي: بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة وحسن النظم، أو لعبدنا، ومن للابتداء، أي: بسورةٍ كائنة ممن هو على حاله من كونه بشرًا أميا لم يقرأ الكتب، ولم يتعلم العلوم، أو صلة (فَاتُوا) والضمير للعبد. تم كلامه. لا يقال: إنه إن جعل (مِنْ مِثْلِهِ) صفه لـ «سورة»، فإن كان الضمير للمنزل فمن للبيان، وإن كان للعبد فمن للابتداء، وهو ظاهر. فعلى هذا إن تعلق قوله: (مِنْ مِثْلِهِ) بقوله: (فَاتُوا) فلا يكون الضمير للمنزل؛ لأنه يستدعى كونه للبيان، والبيان يستدعى تقديم مبهم، ولا تقديم، فتعين أن يكون للابتداء لفظًا أو تقديرًا، أي: اصدروا وأنشئوا واستخرجوا من مثل العبد بسورةٍ؛ لأن مدار الاستخراج هو العبد لا غير، فلذلك تعين في الوجه الثاني عود الضمير إلى العبد؛ لأن هذا وأمثاله ليس بوافٍ، ولذلك تصدى للسؤال بعض فضلاء الدهر، وقال: قد استبهم قوله صاحب «الكشاف» حيث جوز في الوجه الأول كون الضمير لـ «ما نزلنا» تصريحا، وحظره في الوجه الثاني تلويحًا، فليت شعرى ما الفرق بين «فأتوا بسورة كائنة من مثل ما نزلنا» و«فأتوا من مثل ما نزلنا بسورة»! !
[ ٢ / ٣٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأجيب: إنك إذا اطلعت على الفرق بين قولك لصاحبك: أتيت برجل من البصرة، أي: كائن منها، وبين قولك: أتيت من البصرة برجل، عثرت على الفرق بين المثالين، وزال عنك التردد والارتياب. ثم نقول: إن «من» إذا تعلق بالفعل يكون إما ظرفا لغوا، و«من» للابتداء، أو مفعولا به و«من» للتبعيض، إذ لا يستقيم أن يكون بيانا لاقتضائه أن يكون مستقرا، والمقدر خلافه، وعلى تقدير أن يكون تبعيضا فمعناه: فأتوا بعض مثل المنزل بسورة، وهو ظاهر البطلان. وعلى أن يكون ابتداءً لا يكون المطلوب بالتحدي الإتيان بالسورة فقط؛ بل بشرطٍ أن يكون بعضا من كلامٍ مثل القرآن، وهذا على تقدير استقامته بمعزل عن المقصود واقتضاء المقام؛ لأقله نظير، فكيف للكل! فالتحدي إذا بالسورة الموصوفة بكونها من مثله في الإعجاز، وهذا إنما يتأتى إذا جعل الضمير «لما نزلنا»، و«من مثله» صفة لسورة، «ومن» بيانية فلا يكون المأتى به مشروطًا بذلك الشرط؛ لأن البيان والمبين كشيء واحد؛ كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ)] الحج: ٣٠ [. ويعضده قول المصنف في سوره «الفرقان»: إن تنزيله مفرقا وتحديهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كلما نزل شيء منها أدخل في الإعجاز، وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة واحدة ويقال لهم: جيئوا بمثل هذا الكتاب في فصاحته مع بعد ما بين طرفيه، أي: طوله. فإن قلت: إذا كان المال إلى المطلوب المبالغة والإتيان بمثل أقصر سورة يكون القول بأن الضمير للعبد مردودا، وقد قيل به، ونقله الزجاج وغيره؟
[ ٢ / ٣٢١ ]
فإن قلت: وما "مثله" حتى يأتوا بسورة من ذلك المثل؟ قلت: معناه فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم،
_________________
(١) قلت: ولهذا جعله المصنف مرجوحا بقوله: لأنهم إذا خوطبوا، وهم الجم الغفير بأن يأتوا بطائفه يسيرة من جنس ما أتى به واحد منهم كان أبلغ في التحدي من أن يقال: ليأت أحد بنحو ما أتى به هذا الواحد. قوله: (فإن قلت: وما مثله حتى يأتوا بسورة من ذلك المثل) تلخيصه: أنه تعالى تحدى بإتيان مثل المنزل ومثل الرسول، ولا بد أن يكون المطلوب شيئا يتوجه إليه الطلب، فما ذلك الشيء الذى هو نظير هذا المنزل وهذا الرسول حتى يؤتى به؟ واعلم أن الجواب مبنى على قاعدة: وهي أن التشبيه أكثر ما يقع في إلحاق النظير بالنظير والمثيل بالمثيل، وربما لا يراد فيه النظير والمقابل، بل مجرد وصف يشركهما في أمر، وإن شئت فجرب في قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)] آل عمران: ٥٩ [ قال المصنف: فإن قلت: كيف شبه به وقد ولد بغير أب، وآدم وجد بغير أب وأم؟ قلت: هو مثيله في أحد الطرفين فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر؛ لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ولأنه شبه به في أنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة، وهما في ذلك نظيران. وما نحن بصدده من قبيل الأول دون الثاني؛ ألا ترى إلى قوله: «بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب» وقوله: «ولا قصد إلى مثل ونظير»! فإذن لو قدر أن يكون المأتى به شعرا أو خطبة ويكون المتصف بوصف البلاغة الفائقة والنظم الأنيق استقام وصح. ولو أريد به النظير لأوهم؛ لأن المراد نظيره في كونه مشتملا على علوم الأولين والآخرين، أو نظيره في كونه منزلا من عند الله بليغا فصيحا، أو نظيره؟ في كونه نبيا أميا فصيحا، ومن المثال الذي
[ ٢ / ٣٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ورد ولم يرد من المثل النظير والمثيل: قول القبعثرى: مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب. فإن قلت: المثال لا يصلح للاستشهاد؛ لأن المقصود منه أن الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، ولا معنى لقولنا: فأتوا بسورة من المنزل أو من محمد صلوات الله عليه وسلم. قلت: والعجب أن المثال أيضا مستشهد به لمجرد الوصفية دون الكناية، فإن المقصود من إثبات الوصف فيه الكناية، وتشبيه الآية به وقع في مجرد الوصفية دون ملزومها، وقد سبق أن هذا القدر لا يمنع من إيراد التشبيه. فإن قلت: أوضح لي الفرق بين المثل إذا كان بمعنى الصفة، وبينه إذا كان بمعنى النظير، فإن المذكور لا يشفي الغليل. قلت: على الأول الصفة مقصودة أولية ويتبعها الموصوف ضمنا، وعلى الثاني كلاهما مطلوبان معا؛ لأن نظير الشيء هو الذى يقابله ويباريه. قال في الأساس: وهو ناظره بمعنى مناظره، أي: مقابله ومماثله، وهي نظيرتها. وعن الزهري: لا تناظر بكتاب الله وبكلام رسول الله، أي: لا تقابله ولا تجعل مثلا له. قال الراغب: النظير: المثل، وأصله المناظرة كأنه ينظر كل واحد منهما إلى صاحبه فيباريه. فالنظير أخص، ولذلك قدرنا في المثال كونه منزلا من عند الله بليغا فصيحا. ولما كان الأول
[ ٢ / ٣٢٣ ]
أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشرا عربيًا أو أميًا لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء، ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك. ولكنه نحو قول القبعثرى للحجاج - وقد قال له: لأحملنك على الأدهم -: مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب. أراد: من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد. ولم يقصد أحدا يجعله مثلا للحجاج. وردّ الضمير إلى المنزل أوجه، لقوله تعالى: (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [يونس: ٣٨]. (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ) [هود: ١٣]، (عَلى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ) [الإسراء: ٨٨]، ولأن القرآن جدير بسلامة الترتيب والوقوع على أصح الأساليب، والكلام مع ردّ الضمير إلى المنزل أحسن ترتيبًا؛ وذلك أن الحديث في المنزل لا في المنزل عليه، وهو مسوق إليه ومربوط به، فحقه أن لا يفك عنه برد الضمير إلى غيره. ألا ترى أن المعنى: وإن ارتبتم في أنّ القرآن منزل من عند اللَّه. فهاتوا أنتم نبذًا مما يماثله ويجانسه. وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودًا إلى رسول اللَّه ﷺ أن يقال: وإن ارتبتم في أنّ محمدًا مُنزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله. ولأنهم إذا خوطبوا جميعًا - وهم الجم الغفير بأن
_________________
(١) أعم قدرنا أن يكون المأتى به شعرًا أو خطبة أو غير ذلك، وهو المختار لاقتضاء المقام وإرخاء العنان، والله أعلم. قوله: (أو أميًا) عطف على «عربيًا» ممن لا كتاب له أصلا كالعرب، أو ممن له كتاب لكنه لم يقرأ ولم يتعلم. قال في قوله تعالى: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ)] آل عمران: ٢٠ [أي: الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب. قوله: (وهم الجم الغفير)، النهاية: روى جما غفيرا، يقال: جاء القوم جما غفيرا، والجماء الغفير، أي: مجتمعين كثيرين. ويقال: جاؤوا الجم الغفير، وأصل الكلمة من الجموم والجمة، وهو الاجتماع والكثرة.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
يأتوا بطائفة يسيرة من جنس ما أتى به واحد منهم، كان أبلغ في التحدّى من أن يقال لهم: ليأتى واحد آخر بنحو ما أتى به هذا الواحد، ولأنّ هذا التفسير هو الملائم لقوله: (وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ)، والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة
_________________
(١) والغفير من الغفر وهو التغطية والستر. فجعلت الكلمتان في موضع الشمول والإحاطة. ولم يقولوا: الجماء إلا موصوفة، وهو اسم وضع موضع المصدر. قوله: (هو الملائم لقوله: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ» الآية] البقرة: ٢٣ [، إن كان المراد بالشهداء الأصنام كما سيجئ فدعاؤهم حينئذ لأجل الاستظهار والتعاون، ولا معنى لاستظهارهم بها أن يأتوا بسورة واحدة من مثل محمد؟ وكذا إن أريد بالشهداء القائمون بالشهادة ليشهدوا لهم أنهم أتوا برجل من مثله. قوله: (والشهداء جمع شهيد)، قال القاضي: الشهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة، أو الناصر، أو الإمام، وكأنه سمي به لأنه يحضر النوادي وتبرم بمحضره الأمور؛ إذا التركيب للحضور، إما بالذات أو التصور، ومنه قيل للمقتول في سبيل الله: شهيد، لأنه حضر ما كان يرجوه، أو الملائكة حضروه. الراغب: الشهادة تبين الشيء الحاضر. ولما كان تبين الشيء على ضربين: تبين بالبصر وتبين بالبصيرة، والحضور على ضربين: حضور بالذات وحضور بالتصور، صارت الشهادة تستعمل على أوجه، فيقال لحصول قربة ومنزلة، ومنه قيل: استشهد فلان وهو شهيد، كأنه حضر وتبين ما كان يرجوه. وقالوا: أنا شاهد لهذا الأمر، أي: عارف به متصور له، إشارة إلى
[ ٢ / ٣٢٥ ]
ومعنى (دون): أدنى مكان من الشيء. ومنه الشيء الدون، وهو الدنىّ الحقير، ودوّن الكتب، إذا جمعها، لأن جمع الأشياء إدناء بعضها من بعض وتقليل المسافة بينها. يقال: هذا دون ذاك، إذا كان أحط منه قليلا. ودونك هذا: أصله خذه من دونك. أى من أدنى مكان منك فاختصر واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم. ومنه قول من قال لعدوّه
_________________
(١) قولهم: لئن غبت عن عيني فما غبت عن قلبي. وأما الشهادة المتعارفة فأصلها الحضور بالقلب والتبيين، ثم يقال ذلك إذا عبر باللسان، ثم يقال لكل ما يدل على شيء. إن لم يكن قولًا. فقوله. (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ) قد فسر على كل ما يقتضيه لفظ الشهادة. قوله: (ومنه الشيء الدون) أي: مأخوذ من هذا الأصل. وكذا جميع الأمثلة. قوله: (فاختصر) معطوف على قوله: "أصله خذه من دونك"، وقوله: "واستعير" على قوله: "أي: من أدنى مكان" يعني لما كثر استعمال في هذه المعاني استعير في معنى المرتبة مطلقًا بأن شبهت المراتب المعنوية بالمكانية واستعير لها ما كان مستعملًا هناك، ثم اتسع فيها، فجعل مثلًا لكل تجاوز حد من غير نظر إلى الاستعارة. وقال الزجاج: ومعنى "من دون المؤمنين" في قوله تعالى "لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ" [آل عمران: ٢٨] أنه لا يتناول الولاية من مكان دون مكان المؤمنين، والكلام جار على المثل في المكان كما تقول: زيدٌ دونك، وليس معناه أنه في متسفل، وأنت في مرتفع، ولكن جعلت الشرف بنزلة الارتفاع في المكان، والخسة كالاستفال فيه، والمعنى: أن المكان المرتفع في باب الولاية مكان المؤمنين دون الكافرين.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وقد راءاه بالثناء عليه: أنا دون هذا وفوق ما في نفسك، واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حدّ إلى حدّ وتخطى حكم إلى حكم.
قال اللَّه تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: ٢٨] أى لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين.
وقال أمية:
يا نَفْسُ مالَكِ دُونَ اللَّهِ مِنْ وَاقِى
أي: إذا تجاوزت وقاية اللَّه ولم تناليها لم يقك غيره. و(مِنْ دُونِ اللَّهِ) متعلقٌ بـ (ادعوا) أو بـ (شهدائكم)، فإن علقته بـ (شهدائكم) فمعناه:
_________________
(١) قوله: (وقد راءاه)، الجوهري: راءى فلانٌ الناس يرائيهم مراءاةً ورايأهم مرايأة على القلب بمعنى. وفي "مقدمة الأدب". راءى الناس بعمله: أراهم عمله. فالباء صلة. قال الميداني: هذا قول علي ﵁ لرجل مدحه نفاقا. قوله: «مِنْ دُونِ اللَّهِ) متعلق بـ (ادعوا) أو بـ (شهداءكم» اعلم أن "من دون الله" إما متعلق بشهدائكم أو بادعوا، والشهداء إما بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة. و"دون" إما بمعنى غير، أو قدام، فإذا علق بشهدائكم اختص أن يكون بمعنى القائم بالشهادة. والشاهد إما الأصنام أو مدارة القوم فعلى أن يراد به الأصنام (من دون الله) إما في محل النصب على الحال، قال أبو البقاء: "من دون الله" في موضع الحال والعامل محذوف أي: "شهدائكم"
[ ٢ / ٣٢٧ ]
ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون اللَّه وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق؛ أو: ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي اللَّه من قول الأعشى:
_________________
(١) منفردين عن الله. وهو المراد بقوله: "ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم" أو على الظرف والعامل ما في الشهداء من معنى الفعل. وهو المراد من قوله: "أو ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله"، وعلى التقديرين المراد بالشهداء الأصنام، يدل عليه قوله بعد ذكرهما: "وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد" إلى قوله: "غاية التهكم". وعلى أن يكون القائم بالشهادة المداره، المضاف محذوف. المعنى: ادعوا شهداءكم متجاوزين من أولياء الله ومن المؤمنين، وادعوا غيرهم فانظروا هل يشهدون لكم، وعلى هذا الأمر واردٌ على سبيل إرخاء العنان والكلام المصنف؛ لأنهم إذا سمعوا هذا الكلام تفكروا فيه، وأيقنوا أنهم لا يشهدون لهم بذلك، لأنهم زعماء الحوار وأرباب الفصاحة، يميزون بين كلام فصيح وأفصح، وبليغ وأبلغ، ويأنفون عن الكذب. إذا عُلق بـ"ادعوا "يعمُّ الشهداء في القائم بالشهادة وفي الحاضر، فعلى أن يراد القائم بالشهادة الشهيدُ مطلقٌ غير مقيد بقوله (مِنْ دُونِ اللَّهِ) كما في الأول؛ لأنه حينئذٍ قيدٌ للفعل و"من" لابتداء الغاية كما سبق في قوله تعالى (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) فيكون الدعاء قد ابتدئ من دون الله، والمراد بالشاهد حينئذٍ الشاهد العدل، لأن الشاهد إذا أطلق عرفًا بادر إلى الذهن هذا، ومن ثمَّ قال في الأول: "من دون أولياء ومن غير المؤمنين"، وهاهنا: "وادعوا شهداء من الذين شهادتهم بينة تصحح بها الدعاوي"، وعلى هذا الأمر للتبكيت؛ لأنهم مُقرون بأن ليس لهم شهداء عادلون تصحح بهم الدعاوي يشهدون لهم بذلك. ولقرب هذا الوجه من السابق وهو أن يراد بشهدائكم المدارة قال: "وتعليقه بالدعاء
[ ٢ / ٣٢٨ ]
تُرِيكَ القَذَى مِنْ دُونِهَا وهِىَ دُونَهُ
_________________
(١) في هذا الوجه جائز". وعلى أن يراد بالشهيد الحاضر، ففي الكلام تخصيصٌ بحسب المفهوم؛ لأن الدعاء إذا قُيِّد بمن دون الله يكون غير متناول لله تعالى، ولهذا قال: "فادعوا كل من يشهد لكم واستظهروا به من الجن والإنس إلا الله"، والأمر ُعلى هذا للتعجيز والتحدي مطلقًا ولهذا قال: "وادعوا شهدائكم من دون الله" إلى قوله: "والجن والإنسُ شاهدوكم". ويؤيده قوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء: ٨٨] وفي التقسيم وجوهٌ أخر، وللبحث فيه مجال فليتأمل. واعلم أن التفرقة بين الوجوه توجب التفرقة بين المعاني، فإذا أريد بالشهداء الأصنام كان الأمر بقوله: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ) للتهكم، وإن أريد به الرؤساء، كان الأمر للاستدراج وإرخاء العنان، وإن أريد به الناس العدول، كان لإظهار التبكيت، وإن أريد به الناصر والمستظهر به من دون الله، كان الأمر للتحدي والتعجيز كما سبق تفصيله. قوله: (تُريك القذى من دونها وهي دونه) قيل تمامه: إذا ذاقها من ذاقها يتمطق أي: تريك الزجاجة القذى من قدامها وهي قدام القذى. الأساس: ودونه خرط القتاد، أي: أمامه. يتمطق، أي: يمص شفتيه من لذاذتها. وروى ابن حمدون في "التذكرة": أن الوليد بن عبد الملك قال لابن الأقرع أنشدني قولك في الخمر، فأنشده:
[ ٢ / ٣٢٩ ]
أي: تريك القذى قدّامها وهي قدّام القذى، لرقتها وصفائها. وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن بفصاحته: غاية التهكم بهم؛ أو (وادعوا شهداءكم من دون اللَّه) أي: من دون أوليائه ومن غير المؤمنين، ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله. وهذا من المساهلة وإرخاء العنان والإشعار بأنّ شهداءهم وهم مدارة القوم، الذين هم وجوه المشاهد وفرسان المقاولة والمناقلة، تأبى عليهم الطباع وتجمح بهم الإنسانية والأنفة أن يرضوا لأنفسهم الشهادة بصحة الفاسد البين عندهم فساده واستقامة المحال الجلى في عقولهم إحالته، وتعليقه بالدعاء في هذا الوجه جائز. وإن علقته بالدعاء فمعناه: ادعوا من دون اللَّه شهداءكم، يعنى لا تستشهدوا باللَّه،
_________________
(١) كميت إذا شجت ففي الكأس وردها … لها في عظام الشاربين دبيب تريك القذى من دونها وهي دونه … لوجه أخيها في الإناء قطوب فقال الوليد: شربتها ورب الكعبة، قال: لئن كان وصفي لها رابك فقد رابني معرفتك بها. فعلى هذا ابن الأقرع إما ضمن المصراع، أو كان من التوارد. قوله: (مداره القوم)، الجوهري: درهت عن القوم: دفعت عنهم، مثل درأت، وهو مبدل منه نحو هراق، والمدره: زعيم القوم والمتكلم عنهم، والجمع المداره. قوله: (والأنفة) الأساس: ومن المشتق من الأنف: فيه أنفةٌ وأنفٌ، وأنف من كذا، ألا تراهم قالوا: الأنف من الأنفِ! الجوهري: أنف من الشيء تأنف أنفًا: استنكف.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
ولا تقولوا: اللَّه يشهد أنّ ما ندعيه حق، كما يقوله العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم بينة تصحح بها الدعاوى عند الحكام. وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم وانخذالهم. وأنّ الحجة قد بهرتهم ولم تبق لهم متشبثًا غير قولهم: اللَّه يشهد أنا صادقون. وقولهم هذا: تسجيل منهم على أنفسهم بتناهي العجز وسقوط القدرة. وعن بعض العرب أنه سئل عن نسبه فقال: قرشىّ والحمد للَّه. فقيل له: قولك «الحمد للَّه» في هذا المقام ريبة. أو ادعوا من دون اللَّه شهداءكم: يعنى أنّ اللَّه شاهدكم لأنه أقرب إليكم من حبل الوريد، وهو بينكم وبين أعناق رواحلكم. والجن والإنس شاهدوكم فادعوا كل من يشهدكم واستظهروا به من الجن والإنس إلا اللَّه تعالى، لأنه القادر وحده على أن يأتى بمثله دون كل شاهد من شهدائكم، فهو في معنى قوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ) الآية [الإسراء: ٨٨].
[(نْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ)].
لما أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرّفون أمر النبي ﷺ وعلى آله،
_________________
(١) قوله: (يعني أن الله شاهدكم) أي: حاضركم، وقوله: "لأنه أقرب إليكم" تعليل للتفسير أي: الشهيد بمعنى الحاضر، لقوله تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ) [ق: ١٦] ولقوله صلوات الله عليه: "وهو بينكم وبين أعناق رواحلكم" والحديث من رواية البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى في حديث طويل: "اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا بصيرًا، وهو معكم، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" وهو مثلٌ لقربِ القريب، الجوهري: اربع على نفسك: أي: ارفق بنفسك وكف. قوله. (لما أرشدهم [الله] إلى الجهة) يعني بقوله (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا) [البقرة: ٢٣] حيث أتى بـ"إن" في موضع الجزم لكون الكلام مع المرتابين، والغرض استدراجهم إلى
[ ٢ / ٣٣١ ]
وما جاء به حتى يعثروا على حقيقته وسرّه وامتياز حقه من باطله. قال لهم فإذا لم تعارضوه ولم يتسهل لكم ما تبغون وبان لكم أنه معجوز عنه، فقد صرح الحق عن محضه ووجب التصديق فآمنوا وخافوا العذاب المعدّ لمن كذب. وفيه دليلان على إثبات النبوّة: صحة كون المتحدى به معجزًا، والإخبار بأنهم لن يفعلوا
_________________
(١) أن يحزروا نفوسهم ويجربوا قواهم، فيعثروا على سرِّه وامتياز حقه، قال لهم: فإذا لم تعارضوه، أي: رتب على ذلك الإرشاد جملتين شرطيتين: أولاهما: محذوفة الجزاء، وثانيتهما: محذوفة الشرط لتكميل ذلك الإرشاد وتتميم التحقيق فيه. بيانه: أن قوله: "فإذا لم تعارضوه، ولم يتسهل لكم ما تبتغون، وبان لكم أنه معجوز عنه" هو معنى قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) وهو الشرط الأول، "فقد صرح الحق عن محضة ووجب التصديق" جزاءٌ لهذا الشرط المذكور. وقوله: «فآمنوا وخافوا العذاب» هو معنى قوله: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) وهو جزاءُ شرطٍ مقدر، أي: إذا "صرح الحق عن محضه ووجب التصديق فآمنوا وخافوا العذاب". يدل على هذا المقدر تصريحه بعد بقوله: "إنهم إذا لم يأتوا بها، وتبين عجزهم عن المعارضة فقد صح عندهم صدق رسول الله ﷺ، وإذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد استوجبوا العذاب". قوله: (صرح الحق عن محضة)، الجوهري: الصريح: اللبن الخالص، والمحض كذلك. الأساس: لبن صريحٌ: ذهبت رغوته وخلص. الميداني: صرح الحق عن محضه، أي: انكشف الأمر وظهر، وقال أبو عمرو: أي: انكشف الباطل واسبتان الحق فعرف. قوله: (وفيه دليلان) أي: في قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) الآية.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
وهو غيب لا يعلمه إلا اللَّه. فان قلت: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب، فهلا جيء بـ «إذا» الذي للوجوب دون «إن» الذي للشك. قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم، وأن العجز عن المعارضة كان قبل التأمّل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام.
والثاني: أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاويه: إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه ويتيقنه تهكما به. فإن قلت: لم عبر عن الإتيان بالفعل وأى فائدة في تركه إليه؟ قلت: لأنه فعل من الأفعال. تقول: أتيت فلانا، فيقال لك: نعم ما فعلت. والفائدة فيه:
_________________
(١) قوله: (على حسب حسبانهم) فإنهم كانوا يقولون: لو نشاء لقلنا مثل هذا. قوله: (على من يقاويه) أي: يعارضه. قاويته فقويته، أي: غلبته. الأساس: وهم يتقاوون الفطيمة في الدم وتقاوينا الدلو تقاويًا: إذا جمعوا شفاههم على شفتها فشرب كل واحدٍ ما أمكنه. قوله: (لم أُبقِ عليك)، الجوهري: أبقيت على فلان: إذا أرعيت عليه ورحمته، يقال: لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي. قوله: (لأنه فعل من الأفعال)، الراغب: لفظ الفعل أعم معنىً من سائر أخواته نحو الصنع والإبداع والإحداث والخلق والكسب والعمل؛ لأن الإبداع أكثر ما يقال في إيجادٍ عن عدمٍ، وليس حقيقة ذلك إلا لله تعالى، والإحداث في إيجاد الأعيان والأعراض معًا، والعمل
[ ٢ / ٣٣٣ ]
أنه جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصارًا ووجازة تغنيك عن طول المكنى عنه. ألا ترى أنّ الرجل يقول: ضربت زيدًا في موضع كذا على صفة كذا، وشتمته ونكلت به، ويعد كيفيات وأفعالا، فتقول: بئسما فعلت. ولو ذكرت ما أنبته عنه، لطال عليك، وكذلك لو لم يعدل عن لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل، لاستطيل أن يقال: فإن لم تأتوا بسورة من مثله.
ولن تأتوا بسورة من مثله. فإن قلت: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) ما محلها؟ قلت: لا محل لها لأنها جملة اعتراضية. فإن قلت: ما حقيقة «لن» في باب النفي؟
_________________
(١) لا يقال إلا فيما كان عن فكر ورويةٍ، ولهذا قُرن بالعلم حتى قال بعض الأدباء: قُلِب لفظُ العمل عن لفظ العلم تنبيهًا أنه من مقتضاه. والصنع يقال في إيجاد الصورة في المواد كالصياغة والبناء، والخلق تقدير الأعراض الجسمانية وإيجادها، وقد يقال للتقدير من غير إيجادٍ، ولأن الخلق لا يستعمل إلا في إيجاد الأجسام وأعراضها امتُنِعَ من إطلاق الخلق على القرآن. قوله: (جار مجرى الكناية) يريد بها الكناية اللغوية، وهي عدم التصريح بالشيء وتسميةُ الضمائر بها من هذا القبيل، ويمكن أن يحمل على الاصطلاحية: وهي أن يُنفى العام لينتفي الخاص. وهذا أبلغ لكن قوله: "جار مجرى الكناية" لا يساعد عليه؛ لأن ظاهره أن قوله: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) أجري مجرى الضمير في أنه إذا تقدم أشياء يُجاء به أو باسم الإشارة فيعبر بهما عنها كقوله تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئولًا) [الإسراء: ٣٦]. قوله: (ونكلت به)، الجوهري: يقال: نكل به تنكيلًا: إذا جعله نكالًا وعِبرةً لغيره. قوله: (جملة اعتراضية)، الكواشي: واوها استئنافية، ولا محلَّ لها من الإعراب، لأنها لم تقع موقع المفرد، ولا هي مستحقةٌ للإعراب في نفسها.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
قلت: «لا» و«لن» أختان في نفى المستقبل، إلا أن في «لن» توكيدًا وتشديدًا. تقول لصاحبك: لا أقيم غدًا، فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غدًا، كما تفعل في: أنا مقيم، وإنى مقيم. وهي عند الخليل في إحدى الروايتين عنه
أصلها «لا أن» وعند الفراء «لا» أبدلت ألفها نونا. وعند سيبويه وإحدى الروايتين عن الخليل: حرف مقتضب لتأكيد نفى المستقبل. فإن قلت: من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو به حتى يكون معجزة؟ قلت: لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه؛
_________________
(١) قوله: (تقول لصاحبك: لا أُقيم غدًا، فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غدًا) مثاله في الإثبات قولك لخالي الذهن: أنا مقيمٌ غدًا، فإذا تردد قلت: إني مقيم غدًا، ثم إذا أنكر قلت: إني لمقيمٌ غدًا. قوله" (أصله: لا أن) قيل: حذفت همزة "أن" لكثرتها في الكلام، وذهبت الألف من "لا" في الدرج لاجتماع الساكنين فبقي اللام من "لا" والنون من "أن" فجُمِعا وقيل: لن، وقد جاء في الشعر على أصله: يُرجى المرء ما لا أن يلاقي … وتعرض دون أقربه خطوب المعنى: يُرجي المرء ما لن يلاقيه ولن يجده. قوله: (مقتضب) أي: مرتجل، الأساس: ومن المجاز: اقتضب الكلام: ارتجله، واقتضب حديثه: انتزعه واقتطعه.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال، لا سيما والطاعنون فيه أكثف عددًا من الذابين عنه، فحين لم ينقل علم أنه إخبار بالغيب على ما هو به فكان معجزة. فإن قلت: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ قلت: إنهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق رسول اللَّه ﷺ وإذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد ولم ينقادوا ولم يشايعوا، استوجبوا العقاب بالنار، … .
_________________
(١) قوله: (إذ خفاءُ مثله) الضمير راجعٌ إلى "شيء"، و"فيما عليه" ظرف "محال" أي: خفاء ما وهو على صفة ذلك الشي المعارض به من الخطر والفخامة محالٌ فيما جرت به العادة. هذا الجواب مبني على قاعدةٍ أصولية. أي: علم أنهم ما أتوا بمثله لأنهم لو أتوا به لتواتر بين العالمين لتوفر الدواعي على نقله، وحين لم ينقل علم عدم الإتيان، فكان الإخبار عنه إخبارًا بالغيب. فيكون معجزةً. قوله: (أكثف عددًا)، الأساس: كتف الشئ: كثر مع الالتفاف، وتكاثف عددهم. قوله. (ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة) أي: كيف يترتب على قوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) أي: إن لم تأتوا بسورةٍ من مثله. قوله: (فَاتَّقُوا النَّارَ) لأن عدم إتيانهم بمثله لا يصح أن يكون سببًا لاتقاء النار: لأنه تقرر أن الشرط سبب للجزاء، على أن الكلام مع المرتابين وهم ينكرون النار فكيف يتقونها؟ وأجاب بأن "فاتقوا" ليس جوابا للشرط المذكور، بل هو منبئ عن شرط محذوفو كما أن اتقاء النار كناية عن ترك العناد، وإليه الإشارة بقوله: "وإذا صح عندهم صدقه، ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب" هذا السؤال والجواب يرد قول الزاعم أن قوله: (فَاتَّقُوا) - صريحا كان أو كناية- جواب لقوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا)، بل جزاء لشرط محذوف يستدعيه قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ)] البقرة: ٢٣ [.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
فقيل لهم: إن استبنتم العجز فاتركوا العناد فوضع (فَاتَّقُوا النَّارَ) موضعه؛ لأنّ اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد، من حيث أنه من نتائجه لأنّ من اتقى النار ترك المعاندة.
ونظيره أن يقول الملك لحشمه: إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطى. يريد: فأطيعونى واتبعوا أمرى، وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط. وهو من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة. وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية القرآن، وتهويل شأن العناد بإنابة اتقاء النار منابه وإبرازه في صورته، مشيعًا ذلك بتهويل
_________________
(١) قوله: (فقيل لهم: إن استبنتم) عطف على قوله "تبين عجزهم" إلى أخره، والفاء مثلها في قوله: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا)] البقرة: ٥٤ [. قول: (لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد) ظاهره يوهم أنه من باب المجاز: لأنه مشعر بأن اتقاء النار ملزوم ترك العناد لقوله: "اتقاء النار لصيقه" أي: لازمه ترك العناد، ثم قوله بعد ذلك: "وهو من باب الكناية" بخلافه لكن الشرط في الكناية التساوي بين الملزوم واللازم فكان كل واحد ملزوم الآخر، ولهذا فسر "لصيقه" بقوله: "ضميمه"، ونحوه قولهم: رعينا الغيث. وأما الإمام فقد جعله من إقامة المؤثر مقام الأثر؛ لأن اتقاء النار سبب لترك العناد. قوله: (فائدته الإيجار) لأن أصل المعنى إذا استبنتم العجز فاتركوا العناد الذي يستلزم تركه اتقاء النار: فأنيب (فَاتَّقُوا النَّارَ) مناب المذكور جميعًا، يدل عليه قوله: "يريد فأطيعوني واتبعوا أمري وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط" أي: المذكور جميعًا مرادٌ من قوله: "فاحذروا سخطي"، ولو لم يكن كناية بان كان مجازا لم يصح إرادة المجموع. قوله: (وإبرازه في صورته مشيعًا) الضمير في "إبرازه" للعناد، وفي "صورته" لاتقاء النار "مشيعًا" حال من اتقاء النار، والعامل قوله: "إنابة"؛ يريد أن في إيثار الكناية على التصريح فائدتين أخريين:
[ ٢ / ٣٣٧ ]
صفة النار وتفظيع أمرها. والوقود: ما ترفع به النار. وأمّا المصدر فمضموم، وقد جاء فيه الفتح. قال سيبويه: وسمعنا من العرب من يقول: وقدت النار وقودًا عاليا. ثم قال: والوقود أكثر، والوقود الحطب. وقرأ عيسى بن عمر الهمدانىّ - بالضم - تسمية بالمصدر، كما يقال: فلان فخر قومه وزين بلده. ويجوز أن يكون مثل قولك: حياة المصباح السليط، أى ليست حياته إلا به فكأنّ نفس السليط حياته،
_________________
(١) إحداهما: تصوير معنى المكني عنه وأن العناد هو النار، والسامع عند ذكر النار يستحضر صورتها فيمتلئ قلبه رعبًا وخوفًا، فإنك إذا أردت أن تقول: فلان جواد، قلت: فلان جبان الكلب، مهزولُ الفصيل، فصورت صفة الجود تصويرًا بليغًا، فإن جبن الكلب يدل على مشاهدته وجوهًا إثر وجوه، وهي مشعرةٌ بكثرة تردد الضيفان، وهي بكونه مضيافًا، وهو بكونه جودًا. وثانيتهما: التمكن من انضمام قوله: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) الآية إليه تتميمًا لذلك التهويل والرعب وترتبه للتصوير. قوله: (الهمداني) قال صاحب "الجامع": همدان بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة: أبو قبيلةٍ واسمه أوشلة بن مالك بن زيدٍ بن ربيعة. قوله: (فلان فخر قومه) أي: الذي يفتخر به قومه: كقولك: ضرب الأمير، أي: مضروبه. قوله: (حياة المصباح السليط) ولا يبعد على هذا أن يكون من باب "رجلٌ عدلٌ"
[ ٢ / ٣٣٨ ]
فإن قلت: صلة «الذي» و«التي» يجب أن تكون قصة معلومة، للمخاطب، فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ قلت: لا يمتنع أن يتقدّم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب، أو سمعوه من رسول اللَّه ﷺ، أو سمعوا قبل هذه الآية قوله تعالى في سورة التحريم (نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) فإن قلت: فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم، وهاهنا معرّفة؟ قلت: تلك الآية نزلت بمكة، فعرفوا منها نارًا موصوفة بهذه الصفة. ثم نزلت هذه بالمدينة مشارًا بها إلى ما عرفوه أوّلًا. فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ؟ قلت: معناه أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران، بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة،
_________________
(١) والمعنى ليس وقود النار إلا الناس: لأن الناس بمنزلة الحطب، وعلى الأول يجوز أن يكون هناك وقود آخر. قوله: (تلك الآية نزلت بمكة ثم نزلت هذه بالمدينة)، الانتصاف: يعني بآية سورة التحريم (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) لكني لم أقف على خلاف أن سورة التحريم مدنية، والقصة أنها شاهدة بصحة ذلك، والظاهر أن الزمخشري وهم في قوله: إنها مكية. وقلت: يؤيده ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يحب العسل والحلواء، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر ﵄" وساقوا الحديث إلى قوله: فنزل (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ)] التحريم: ١ [، وكذلك قوله تعالى بعدها: (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التحريم: ٩] وإنما نجم النفاق في المدينة.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
وبأن غيرها إن أريد إحراق الناس بها أو إحماء الحجارة أو قدت أوّلا بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك - أعاذنا اللَّه منها برحمته الواسعة - توقد بنفس ما يحرق ويحمى بالنار، وبأنها لإفراط حرّها وشدّة ذكائها إذا اتصلت بما لا تشتعل به نار، اشتعلت وارتفع لهبها. فإن قلت: أنار الجحيم كلها موقدة بالناس والحجارة، أم هي نيران شتى منها نار بهذه الصفة؟ قلت: بل هي نيران شتى، منها نار توقد بالناس والحجارة، يدل على ذلك تنكيرها في قوله تعالى: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا) [التحريم: ٦]، (فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى) [الليل: ١٤]. ولعل لكفار الجن
_________________
(١) وفي "جامع الأصول": تزوج رسول الله ﷺ عائشة بمكة في شوالٍ سنة عشر من النبوة، وأعرس بها بالمدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة، وتزوج حفصة في سنة ثلاث من الهجرة. قيل: لعل أن تكون هذه السورة مدنية، وهذه الآية وحدها مكية. قلت: لا يجوز على مذهبه: لأنه قال فيما سبق: بلغنا بإسنادٍ صحيح أن كل شئ نزل فيه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) فهو مكي، و(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) فهو مدني، وهذه الآية مصدرة بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) فهو منافٍ لما قيل، ومناقض لقوله، فحينئذٍ تعريف النار إما أن يكون لسماعهم إياها من رسول الله ﷺ أو من أهل الكتاب. قوله: (وشدة ذكائها)، المغرب: أصل التركيب يدل على التمام ومنه: ذكاء السن بالمد لنهاية الشباب، وذكا النار بالقصر لتمام اشتعالها. الجوهري: ذكت النار تذكو ذكًا مقصورًا، أي: اشتعلت. وفي "الأساس": ذكت النار تذكو ذكاء، وأصابه ذكاء النار وذكا النار: بالمد والقصر. قوله: (يدل على ذلك تنكيرها) أي: على أن نيران الآخرة نيران شتى. قيل: فيه نظر،
[ ٢ / ٣٤٠ ]
وشياطينهم نارًا وقودها الشياطين، كما أنّ لكفرة الإنس نارًا وقودها هم، جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب. فإن قلت: لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقودًا. قلت: لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا، حيث نحتوها أصناما وجعلوها للَّه أندادًا أو عبدوها من دونه: قال اللَّه تعالى: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) [الأنبياء: ٩٨]، وهذه الآية مفسرة لما نحن فيه. فقوله: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) في معنى الناس والحجارة، و(حَصَبُ جَهَنَّمَ) في معنى وقودها. ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون اللَّه أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضارّ عن أنفسهم بمكانهم، جعلها اللَّه عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم، إبلاغا في إيلامهم،
_________________
(١) لأن التنكير في قوله: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)] التحريم: ٦ [لا يدل على تنوع نار الآخرة، وغايته أنه دل على تنوع النار مطلقًا، والجواب من وجهتين: أحدهما: أن النار ناران: نارٌ لغوية وهي المتعارف] عليها [، ونار شرعية وهي نار الآخرة، فإذا توعد المكلف بالنار بادرت الشرعية، والتنكير يدل على نوعية تلك النار. وثانيهما: أن التنويع بحسب من وعد بها، فإن من توعد بها في الآية هم المؤمنون، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) وفي الثانية الكافرون لقوله: (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى* الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى)] الليل: ١٥ - ١٦ [. وأيضا دل هذا الحصر على الاختصاص. قوله: (بمكانهم) متعلق بقوله: "يستدفعون" وهو مقابل لقوله: "يستشفعون بهم"، والمكان كناية عن مرتبتهم ومنزلتهم. وإنما قيد دفع المضرة به: لان الشافع إنما يدفع عن المشفوع بمكانته ومنزلته عند من يشفع له، أو كناية عن قوتهم وشوكتهم فيدفعون بها عنهم مضرة عدوهم. قوله: (جعلها الله عذابهم فقرنهم بها محماة) الفاء فيه كما في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) للتعقيب والتفسير.
[ ٢ / ٣٤١ ]
وإغراقًا في تحسيرهم، ونحوهم ما يفعله بالكانزين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدّة وذخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم. وقيل: هي حجارة الكبريت، وهو تخصيص بغير دليل وذهاب عما هو المعنى الصحيح الواقع المشهود له بمعاني التنزيل (أُعِدَّتْ) هيئت لهم وجعلت عدّة لعذابهم. وقرأ عبد اللَّه، (أعتدت)، من العتاد بمعنى العُدة
_________________
(١) قوله: (في تحسيرهم) في نسخة الصمصام والمعزي: بالحاء المهملة، وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة، والتخسير: الإهلاك، والتحسير: التلهف على الشيء الفائت. قوله: (وقيل: هي حجارة الكبريت) روى محيي السنة عن ابن عباس وأكثر المفسرين ذلك. وقالوا: لأنها أكثر التهابًا، وهو دليل عظم النار. قال القاضي: إن صحت الرواية فلعل المراد أن الأحجار كلها لتلك كحجارة الكبريت لسائر النيران. وقيل: هذا ابلغ لأن الغرض تعظيم صفة هذه النار، والإيقاد بحجارة الكبريت لا يدل على قوة النار نفسها، أما لو حُمل على سائر الأحجار على أنها توقد إيقاد حجارة الكبريت بلغ النهاية، وفيه أن تلك النار تعلقت في أول أمرها بالحجارة التي طبعها إطفاء النار تعلق النار بالكبريت. قوله: (المشهود له) أي: الذي استشهد له من التنزيل، وهو قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)] الأنبياء: ٩٨ [، ولا دليل لهم من التنزيل ولا من غيرها على إرادة حجارة الكبريت، وهو المراد بقوله: "تخصيص بغي دليل". قوله: (من العتاد بمعنى العدة)، الجوهري: العتاد: العدة، يقال: أخذ للأمر عدته وعتاده، أي: أهبته وآلته. وقال: أعده لأمر كذا، أي: هيأه له. والاستعداد للأمر: التهيؤ له. والأول من. عتد، والثاني من: عدد.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
[(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ)].
من عادته عز وعلا في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط، لاكتساب ما يزلف؛ والتثبيط عن اقتراف ما يتلف. فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي، وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر بالثواب.
فإن قلت: من المأمور بقوله تعالى: (وَبَشِّرِ)؟ قلت: يجوز أن يكون رسول اللَّه ﷺ، وأن يكون كل أحد
_________________
(١) قوله: (والتثبيط) يقال: ثبطه عن الأمر تثبيطا: شغله عنه. قوله: (وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر) قال الإمام: القول بالإحباط باطل؛ لأن من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة استحق الثواب الدائم، فإذا أتى بعده بالكفر استحق العقاب الدائم، ثم لا يخلو من أن يوجدا معًا، وهو محال، أو أن يندفعا، وليس زوال الباقي لطريان الطارئ أولى من اندفاع الطارئ لقيام الباقي، فيبطل القول بالإحباط، وعند هذا تعين أن يقال: إن العبد لا يستحق على الطاعة ثوابا ولا على المعصية عقابًا استحقاقًا عقليًا واجبا، وهو قول أهل السنة واختيارنا، وبه يحصل الخلاص من ظلمات هذه الورطة. قوله: (بالثواب) هو متعلق بقوله: "ببشارة عباده".
[ ٢ / ٣٤٣ ]
كما قال ﵊ «بشر المشاءين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة لم يأمر بذلك واحدًا بعينه. وإنما كل أحد مأمور به، وهذا الوجه أحسن وأجزل لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به. فإن قلت: علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهى يصح عطفه عليه؟
قلت: ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهى يعطف عليه إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين، فهي معطوفة على جمة وصف عقاب الكافرين، كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق، وبشر عمرًا بالعفو والإطلاق.
ولك أن تقول: هو معطوف على قوله: (فَاتَّقُوا) كما تقول
_________________
(١) قوله: (بشر المشائين إلى المساجد) الحديث اخرجه أبو داود والترمذي. قوله: (ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر) يعني إذا حصلت الجهة الجامعة وقوي شأنها بين المعطوف والمعطوف عليه كما وجدت في هاتين الآيتين وهي شبه التضاد لا يبالي بالاختلاف من حيثية الخبري والطلبي في أجزائهما فإن ذلك إنما يعتبر عند عطف المفرد على المفرد، وأما في العطف الجملي، فيجوز ذلك بالتأويل. هذا تلخيص كلامه، مع أن ظاهر قوله: "هو جملة وصف ثواب المؤمنين" يوهم بتأويل الطلبي بالخبري وليس بذلك؛ لأن الواجب في الموضعين العكس، فإن قوله تعالى (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)] الجاثية: ٢٨ [قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا) مجملان واردان على الخطاب فوجب تأويل التفصيل بما يناسبهما من الأمر وجعل الخبري في تأويل الطلبي. قوله: (ولك أن تقول: هو معطوف على قوله: (فَاتَّقُوا» قال الخطيب في
[ ٢ / ٣٤٤ ]
يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بنى أسد بإحساني إليهم
_________________
(١) "الإيضاح" بعد أن نقل كلام المصنف: هذا كلامه، وفيه نظرٌ لا يخفى على المتأمل. ثم كتب في الحواشي: لأن قوله: (فَاتَّقُوا) جزاءٌ وما بعده في حكمه، فلهذا امتنع. قلت: هذا سؤال اتفق الناس على وروده، وقدر صاحب "المفتاح": "قُل" قبل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ليكون معطوفًا عليه هربًا من هذا. والجواب عنه: أن كل هذا توهم؛ لأن المصنف لم يجعل قوله: (فَاتَّقُوا) جوابًا لقوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) حتى يلزم المحذور، وإنما جعله جزاء لشرط محذوف كما قررناه وحققنا القول فيه في قوله: "ولما أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرفون أمر النبي ﷺ، ولا بد من ذلك التقدير لتتم الملازمة: لأن قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا)] البقرة: ٢٣ [يستدعي ذلك؛ لأن المقصود منه إزالة الريب وإثبات صحة ما ادعاه كأنه قيل: وإن كنتم في شك من صحة نبوته وصدق قوله: إن القرآن منزل عليه من عند الله، فأتوا بسورة من مثله، فإن لم تقدروا على ذلك، وأنتم فرسان البلاغة، فقد صح صدقه، وإذا صح صدقه المعاند النار، وبشر يا محمد المصدق بالجنة. ثم إني بعد برهة من الزمان عثرت على تحقيق هذا المقام من جانب الإمام القاضي ناصر الدين تغمده الله برضوانه قال: " (وَبَشِّرِ) عطف على (فَاتَّقُوا) لأنهم إذا لم يأتوا بما يعارضه بعد التحدي ظهر إعجازه، وإذا ظهر ذلك فمن كفر به استوجب العقاب، ومن آمن به استحق الثواب، وذلك يستدعي أن يخوف هؤلاء ويبشر هؤلاء. ثم على هذا التقدير يشتمل العطف على جهات من الحسن والمزايا منها: قرب المعطوف
[ ٢ / ٣٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) من المعطوف عليه، ومنها رعاية الجهة الجامعة الوهمية بين (بَشِّرِ) و(اتَّقُوا) لأنه في معنى أنذروا العقلية لاتفاقهما في المسببية، ومنها: اجتماع ثلاث مقابلات، ومنها حذف العجز من الشطر الأول والصدر من الثاني المؤذن بالإيجاز الذي هو حلية القرآن. وأما عدم اتحاد المسند إليه في (فَاتَّقُوا) و(بَشِّرِ) فمضمحل نظرًا إلى هذه الوجوه، على أن الاتحاد حاصل كما قررناه. هذا وإن الوجه الأول أقضى لحق البلاغة وأدعى لتلاؤم النظم، لأن قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) خطابٌ عام يشمل الفريقين: الموافق والمعاند كما سبق، وأن قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ) إلى آخره قوله: (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) تفصيله، فقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) إلى قوله: (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) مختص بالفريق المخالف ومضمونة الإنذار، إن قوله: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) مختص بالفريق الموافق، ومضمونه البشارة، كأنه تعالى أوحي إلى حبيبه صلوات الله عليه أن يدعو الناس قاطبة إلى عبادة الله ويرشدهم إلى معرفته، ثم امره ان ينذر من أبي وعاند، ويبشر من آب وعبد، وهذا هو المعتمد، ولهذا قال في الوجه الأول: "إنما المعتمد في العطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين" وقال في الوجه الثاني: "ولك أن تقول: هو معطوف على قوله: فاتقوا"، ويعضده قول الشيخ صاحب "الفرائد": هو معطوف على الخبر الذي قبله: لأنه مشتمل على معنى الأمر، كأنه قيل: وأنذر وبشر. ويوافقه ما ذهب إليه صاحب "المفتاح" في قوله تعالى (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)] يس: ٥٤ [قال. غنه خطاب عام لأهل المحشر، ومن قوله: " إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ"] يس: ٥٥ [إلى قوله: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ)] يس: ٥٩ [تفصيل لما أجمله، وأن التقدير: إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر، ومآله إلى معنى: فليمتازوا عنكم يا أهل المحشر إلى الجنة حتى يصح عطف (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ) على قوله: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ).
[ ٢ / ٣٤٦ ]
وفي قراءة زيد بن علي ﵁: (وَبَشِّرِ) على لفظ المبنىّ للمفعول عطفًا على: (أُعِدَّتْ). والبشارة: الإخبار مما يظهر سرور المخبر به. ومن ثم قال العلماء: إذا قال لعبيده: أيكم بشرنى بقدوم فلان فهو حرّ، فبشروه فرادى، عتق أوّلهم، لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين. ولو قال مكان «بشرنى» «أخبرنى» عتقوا جميعًا، لأنهم جميعًا أخبروه. ومنه: البشرة لظاهر الجلد. وتباشير الصبح: ما ظهر من أوائل ضوئه. وأما (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: ٢١]: فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد
_________________
(١) قوله: (عطفًا على (أُعِدَّتْ» فعلى هذا يدخل في حيز الصلة، ويكون بشارة للمؤمنين عن الخلاص عنها من جملة تنكيل الكافرين، فيجتمع لهم التعذيب مع التنوير كما قال في آخر "النساء": "إن الإحسان إلى العدو مما يغم العدو". قوله: (والبشارة: الإخبار بما يظهر سرور المخبر به)، الراغب: بشرت الرجل وأبشرته: أخبرته بسار يبسط بشرة وجهه، وذلك ان النفس إذا سرت انتشر الدم انتشار الماء في الشجرة. وبين هذه الألفاظ فروق، فإن بشرته بالتخفيف عام، وأبشرته نحو أحمدته، وبشرته على التكثير، واستبشر إذا وجد ما يبشره من الفرح، قال تعالى: (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ)] آل عمران: ١٧٠ [. قوله: (وأما (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فمن العكس) أي: من الاستعارة التهكمية؛ استعار البشارة للنذارة بواسطة اشتراك الضدين من حيث اتصاف كل بمضادة صاحبتها، فنزلت البشارة منزلة النذارة، ثم يل على التبعية: فبشرهم بدل فأنذرهم.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
في غيظ المستهزأ به وتألمه واغتمامه، كما يقول الرجل لعدوّه: أبشر بقتل ذرّيتك ونهب مالك. ومنه قوله:
فَأعْتَبُوا بِالصَّيْلَمِ
والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسم. قال الحطيتة:
كيْفَ الهِجَاءُ وما تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ … مِنْ آلِ لَامٍ بظهْرِ الغَيْبِ تَاتِينِي.
_________________
(١) قوله: (فأعتبوا بالصيلم) أوله: غضبت تميم ان تقتل عامرٌ … يوم النسار فأعتبوا الصيلم اسم الشاعر: بشر بن أبي خازم. يوم النسار: وقعة كانت لبني أسدٍ وذُبيان على بني جشم بن معاوية، والنسار ماءٌ لبني عامر. فأعتبوا، أي: أزيل العتب، كأشكى في إزالة الشكوى. والصيلم: الداهية والسيف أيضًا. قوله: (كيف الهجاء) البيت، الحطيئة بالهمز: الرجل القصير، وسمي الحطيئة لدمامته وقصره. واللام أيضًا مهموزة. الباء في "بظهر الغيب" للحال، أي: ملتبسًا بظهر الغيب، أي. غائبين، والظهر مقحم لتأكيد معنى الغيب كما ورد في الحديث: "أفضل الصداقة ما كان عن ظهر غنى". "تأتيني": خبر "ما تنفك"، أي. ما يزال.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
والصالحات: كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة، واللام للجنس. فإن قلت: أى فرق بين لام الجنس داخلة على المفرد، وبينها داخلة على المجموع؟ قلت: إذا دخلت
_________________
(١) قال صاحب "كامل التاريخ": وكان من سبب قول الحُطيئة: أن النعمان دعا بحلةٍ من حُلل الملوك وقال للوفود وفيهم أوس بن حارثة بن لأم الطائي: احضروا في غد، فإني مُلبسٌ هذه الحُلة أكرمكم، فلما كان الغد حضروا إلا أوسًا فقيل له، فقال: إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء بي أن لا أحضر، إن كنت المراد فسأطلب، فلما جلس النعمان ولم ير أوسًا، فطلب وقيل: احضر آمنا مما خفت، فحضر وألبس الحلة، فحسده قوم من أهله وقالوا للحطيئة: اهجه ولك ثلاث مئة ناقة فقال. كيف الهجاء البيت. قوله: (والصالحات: كل ما استقام من العمال بجليل العقل والكتاب والسنة)، قال القاضي: الصالحات من الأعمال ما سوغه الشرع وحسنه، والتأنيث على تأويل الخصلة أو الخلة، واللام فيها للجنس، وعطف العمل على الإيمان مرتبا للحكم عليها إشعارًا بأن السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين، فإن الإيمان المعبر بالتصديق أسٌّ، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناء بأس لا بناء عليه، ولذلك قلما ذُكرا مفردين، وفيه دليلٌ على أنها خارجةٌ عن مسمى الإيمان، إذ الأصلُ ان الشئ لا يعطف على نفسه وما هو داخل فيه.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
على المفرد كان صالحا لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به، وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه، وإذا دخلت على المجموع صلح أن يراد به جميع الجنس، وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه لأن وزانه في تناول الجمعية في الجنس وزان المفرد في تناول الجنسية،
_________________
(١) الراغب: قيل ما ذكر الله تعالى الإيمان إلا قرن به الأعمال الصالحة؛ تبينها على أن الاعتقاد لا يغني من دون العمل، فالعلم أس والعمل بناء، ولا غناء للأسِّ ما لم يكن بناءٌ، كما لا بناء ما لم يكن له أسٌّ، ولذلك قيل: لولا العمل لم يطلب العلم، ولولا العلم لم يكن عمل، فإذن حقهما أن يتلازما. قلت: مذهب السلف الصالح والصحابة بخلافه كما نص في "شرح السنة". وأما قوله: لا يعطف على الشئ ما هو داخل فيه، فمنقوص بقوله: "وملائكته وجبريل"، وفائدته: الإيذان بان الأعمال الصالحة أنفع الأجزاء وبها كما لها (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ)] فاطر: ١٠ [أو أن أصل الكلام. وبشر المؤمنين، كما في قوله: (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)] الصف: ١٣ [فجيء بأبسط تعريضًا بالكافرين الذين عاندوا بعد ظهور الحق وهو عجزهم عن المعارضة، ونحوه تعبيرك عن المتقي العارف بقولك: الذي يؤمن ويصلى ويزكي، أي: يفعل الواجبات ويجتنب عن الفواحش. قوله: (صالحًا لا يراد به الجنس) اعلم: ان تعريف الجنس عنده بمنزلة المطلق، أي: اللفظ الشائع على جنسه، فكما أن المطلق يصح حمله على الحقيقة من حيث هي هي، وعلى بعض
[ ٢ / ٣٥٠ ]
والجمعية في جمل الجنس لا في وحدانه.
_________________
(١) الحقيقة، وعلى كل بحسب التقييد وعدمه، كذلك هذا التعريف يدل عليه قوله: "صالحًا لأن يراد به الجنس، وأن يراد به بعضه"، وتصريحه في قوله: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨]: اللفظ مطلق في تناول الجنس صالح لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك. فقوله: "صالحًا لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به" تقرير لبيان الاستغراق؛ لأن "إلى" لانتهاء الغاية فلا بد من الابتداء. يعني: إذا دخلت على المفرد وقصد الاستغراق تناول َفردًا فردًا من الحقيقة إلى أن يستغرقها إذا لم تنتهض قرينةٌ لإرادة البعض، وأما إذا انتهضت القرينة حمل على بعض تلك الحقيقية بحسب الإقتضاء إلى أن يحمل على الواحد منها، وكذا إذا دخلت على المجموع، لكن يفترق الحكم بحسب الاعتبار؛ لأن المجموع إذا أريد به الشمول والاستغراق كالمفرد لا يكون حقيقة فيه بل مجازًا؛ إطلاقًا للجمع على الجنس، قال البزدوي: قولك: والله لا أتزوج النساء، ولا أكلم العبيد وبني آدم، إنَّ ذلك يقع على الأقل ويحتمل الكل؛ لأن هذا جمعٌ صار مجازًا عن اسم الجنس، وبقي معنى الجمع من وجهٍ في الجنس، فكان الجنس أولى. تم كلامه. وإذا أريد بالمجموع البعض ينتهي المراد إلى أقل ما يطلق عليه اسم الجمع، فعلى هذا اللفظ المجموع المستغرق للجنس بحسب الجموع وحدانه الجموع، فلا يدخل تحته إلا ما فيه
[ ٢ / ٣٥١ ]
فإن قلت: فما المراد بهذا المجموع مع اللام؟
_________________
(١) الجنسية من الجموع، فلا يبعد على هذا أن يكون حقيقة كالمفرد، فقوله: "وزانه في تناول الجمعية في الجنس" معناه ما يعتبر فيه معني الجموع في الجنس، وذلك أن الجنس من حيث هو هو لا متعدد ولا لا متعدد لكن يتحقق مع كل منهما، فتحققه مع المتعدد يكون تارة باعتبار الأفراد وأخرى باعتبار الجموع. والحاصل: أن وزان اللفظ المجموع المحلى باللام في تناوله الجمعية في الجنس وزان المفرد في تناوله الجنسية، فكما يصح أن يطلق المفرد ويراد به جميع ما فيه الجنسية بحسب أفراده، وأن يراد بعض ما فيه الجنسية، كذا يصح أن يطلق الجمع ويراد به جميع ما فيه الجمعية في الجنس وأن يراد بعض ذلك. فإذن لا يدخل في هذا الاعتبار الواحد، إذ الجمعية في جمل الجنس لا في وحدانه، فعلى هذا ينبغي أن يقدر بعد قوله: "صلح أن يراد به جميع الجنس لا إلى الواحد" بقرينة المذكور حتى يصح التعليل بقوله: "لأن وزانه" إلى آخره، وينطبق عليه قول صاحب"المفتاح": الاستغراق في المفرد أشمل منه في الجمع، ويؤيده قول ابن عباس في قوله تعالى: (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ) [البقرة: ٢٨٥]: إن كتابه أكثر من كتبه. قوله: (فما المراد بهذا المجموع) الفاء مسبب عن المقدم ذكره، أي: إذا كانت اللام داخلة على المجموع ويصلح أن يراد جميع الجنس وأن يراد بعضه فما المراد بقوله: "وعملوا الصالحات"؟ إن كان جميع الجنس، فليس ذلك من وسع المكلف، وإن كان البعض فما المخصص، أي: المقيد؟ وأجاب: إن المخصص على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف، فمن ليس له مال فلا تجب عليه الزكاة، ومن لم يكن له استطاعة لم يجب عليه الحج، وكذا المسافر والمريض والصبي والمجنون علي هذا.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
قلت: الجملة من الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف. والجنة: البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه. قال زهير:
تَسقِى جَنَّةً سُحُقَا
_________________
(١) قوله: (الجملة من الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين) فالأعمال كالجنس تشمل الصحيحة وغيرها، والصحيحة إلى آخره كالفصل، وبالصحيحة خرجت الفاسدة سواء كانت في الدين أم لا، وبالمستقيمة خرجت من الأعمال الصحيحة ما لا تعلق لها بالدين. قوله: (في مواجب التكليف) أي: مساقطه، المغرب: الوجوب: اللزوم، يقلب: وجب البيع، ويقال: أوجب الرجل: إذا عمل ما تجب به الجنة أو النار. ويقال للحسنة والسيئة: موجبة، والوجبة: السقوط، يقال: وجب الحائط. عن مسلم عن جابر قال: سأل أعرابي النبي ﷺ: ما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك به دخل النار". قوله: (تسقي) تمامه. كأن عيني في غربي مقتلة … من النواضح تسقي جنة سحقا "في غربي"خبر كأن، رجل مقتل: مجرب، والمقتلة: الناقة المرناطة المذللة. والغربان:
[ ٢ / ٣٥٣ ]
أي نخلًا طوالًا. والتركيب دائر على معنى الستر، وكأنها لتكاثفها وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرّة، من مصدر جنه إذا ستره، كأنها سترة واحدة لفرط التفافها. وسميت دار الثواب «جنة» لما فيها من الجنان. فإن قلت: الجنة مخلوقة أم لا؟ قلت: قد اختلف في ذلك. والذي يقول إنها مخلوقة يستدل بسكنى آدم وحواء الجنة وبمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام؛
_________________
(١) الدلوان الضخمان. والناضج: البعير يُستقى عليه. وتخصيص النواضح والمقتلة لأنها تخرج الدلو ملآن بخلاف الصعبة فإنها تنفر فيسيل الماء من نواحي الغرب فلا يبقى منه إلا صبابة. والسحوق من النخيل الطويلة والجمع سحق، وأراد بالجنة النخل؛ لأنها أحوج إلى الماء، والطوال منها أكثر احتياجًا من القصار، وفي قوله: "في غربي" تجريدية. قوله: (سميت بالجنة) أي: سميت الجنة وهي البستان (بالجنة التي هي المرة من مصدر جنة) لما بينهما من مناسبة السترة الواحدة؛ وذلك أن البستان إذا كبرت أشجارها وتقاربت أغصانها والتفت بعضها ببعض صارت كأنها سترة واحدة. قوله: (لما فيها من الجنان) تعليل للتسمية، يعني سميت دار الثواب بالجنة وإن كانت مشتملة على أنواع من النعم سوى الأشجار المتكاثفة لكثرة جنانها، كما أن دار العقاب سميت بالنار لكونها أعظم أنواع العقاب، أو روعيت في هذه التسمية تلك السترة الواحدة أيضًا، فإن دار الثواب سميت بالجنة التي هي المرة من مصدر "جَنَّه" لجنانها المتلاصقة المتباينة من غير فرج، فصيرت كأنها سترة واحدة. قوله: (على نهج الأسماء الغالبة) وذلك: أن الجنة كانت تطلق على كل بستان متكاثفٍ
[ ٢ / ٣٥٤ ]
كالنبي والرسول والكتاب ونحوها. فان قلت: ما معنى جمع الجنة وتنكيرها؟ قلت: الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين، لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان
_________________
(١) أغصان أشجارها، ثم غلبت على دار الثواب. وإنما قال: "اللاحقة بالأعلام" لكونها غير لازمة اللام. وتحقيق القول: أنها منقولة شرعية على سبيل التغليب، وإنما تغلب إذا كانت موجودة معهودة كالأسماء الغالبة، كذلك اسم النار منقولة لدار العقاب على سبيل الغلبة، وإن اشتملت على الزمهرير والمهل والضريع وغير ذلك، ولولا ذلك لما كان يغني عن المذكورات طلب الوقاية عن مطلق النار. قوله: (كالنبي والرسول والكتاب) أي: القرآن، يعني في عرف الشرع لا العرف العام بدليل قوله: "وبمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة". قوله: (الجنة) أي: الجنة اسمٌ لدار الثواب كلها كما سبق أنها سترة واحدة فجئ بها مجموعة ليدل على تعددها، ومنكرة ليدل على تنوعها واختلافها، لأن كل عدد من تلك الأعداد لجماعة، فتختلف الجنان بحسب اختلاف استحقاق ساكنيها. قوله: "مراتب" منصوبة على المصدرية من مرتبة. قال القاضي: الجنان على ما ذكره ابن عباس سبع: الفردوس، والعدان، والنعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون، في كل واحدة منها مراتب ودرجات متفاوتة علي حسب تفاوت الأعمال والعمال، لا لذاته، فإنه لا يكافئ النعم السابقة، فضلا من أن يقتضي ثوابا وجزاء فيما يستقبل، بل بجعل
[ ٢ / ٣٥٥ ]
فإن قلت: أما يشترط في استحقاق الثواب بالإيمان والعمل الصالح أن لا يحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر وأن لا يندم على ما أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية؟ فهلا شرط ذلك؟ قلت: لما جعل الثواب مستحقا بالإيمان والعمل الصالح، والبشارة مختصة بمن يتولاهما، وركز في العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله عليه المثوبة والثناء، إذا لم يتعقبه بما يفسده ويذهب بحسنه، وأنه لا يبقى مع وجود مفسده إحسانًا، وأعلم بقوله تعالى لنبيه ﷺ وهو أكرم الناس عليه وأعزهم: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥]، وقال تعالى المؤمنين: (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ) [الحجرات: ٢] كان اشتراط حفظهما من الإحباط والندم كالداخل تحت الذكر. فان قلت: كيف صورة جرى الأنهار من تحتها؟ قلت: كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية.
_________________
(١) الشارع ومقتضى وعده، ولا على الإطلاق، بل بشرط أن يستمر عليه حتى يموت وهو مؤمن لقوله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) [البقرة: ٢١٧] وقوله تعالى لنبيه صلوات الله عليه: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥] ونحوهما، ولعله تعالى لم يقيدها هنا استغناءً بها. قوله: (كما ترى الأشجار النابتة) هذا تشبيه صورة ما لم يعرف ولم يشاهد بصورة ما تعورف وشوهد، وإلا فأين المشبه به أن يكون من المشبه! قال صاحب "المفتاح": كما إذ قيل لك: ما لون عمامتك؟ قلت: كلون هذه، وأشرت إلى عمامة لديك. والشرط في المشبه به أن يكون أعرف من المشبه وإن لم يكن أقوي منه في الوجه، وعليه قوله: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا).
[ ٢ / ٣٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فإن قلت: جوابه غير مطابق للسؤال؛ سأل عن كيفية جرى الأنهار تحت الأشجار وأجاب عن الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار. قلت: في السؤال والجواب اختصار، وتحريره أن يقال: إن قوله تعالى: (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [البقرة: ٢٥] "من" فيه لابتداء الغاية، وذلك يقتضي أن يكون ابتداء الجري من تحت أشجار الجنات وأصولها، وهذا على غير ما هو عليه المشاهد. وأجاب بجوابين: أحدهما: أن "تحتها" صفة موصوف محذوف، والمعنى: جنات تجري الأنهار من مكان كائن تحت الأشجار كما تري الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار. وثانيهما: أنه لا يبعد ذلك، لأن أوصاف الجنة على خلاف المشاهد كما روى عن مسروق: أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود. وقد ذكر الوجهين في تفسير قوله تعالى: (تَحْتَكِ سَرِيًّا) [مريم: ٢٤] وقال: في أحد الوجهين قيل: تحتها أسفل من مكانها كقوله: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [البقرة: ٢٥].
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وعن مسروق: أن أنهار الجنة تجرى في غير أخدود. وأنزه البساتين وأكرمها منظرًا ما كانت أشجاره مظللة، والأنهار في خلالها مطردة. ولولا أن الماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى، وأن الجنان والرياض وإن كانت آنق شيء وأحسنه لا تروق النواظر ولا تبهج الأنفس ولا تجلب الأريحية والنشاط، حتى يجرى فيها الماء، وإلا كان الأنس الأعظم فائتا، والسرور الأوفر مفقودًا، وكانت كتماثيل لا أرواح فيها، وصور لا حياة لها، لما جاء اللَّه تعالى بذكر الجنات مشفوعا بذكر الأنهار الجارية من تحتها مسوقين على قرن واحد كالشيئين لا بد لأحدهما من صاحبه، ولما قدّمه على سائر نعوتها. والنهر: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر. يقال لبردى:
نهر دمشق، وللنيل: نهر مصر. واللغة العالية «النهر» بفتح الهاء. ومدار التركيب على السعة، وإسناد الجري إلى الأنهار من الإسناد المجازى كقولهم: بنو فلان يطؤهم الطريق،
_________________
(١) قوله: (من غير أخدود)، الجوهري: هو شق في الأرض مستطيل. قوله: (لما جاء الله) جواب "لولا". قوله: (مشفوعًا) صح بغير إلا عن المعزى. قوله: (واللغة العالية)، المغرب: العالية ما فوق نجد وتهامة. وقيل: العالية: الفصيحة التي كثر استعمالها في كلام الفحصاء. الأساس: هذا شعرٌ علوي، أي: عالي الطبقة. قوله: (يطؤهم الطريق) أي: يقصدهم العفاة، وهو كناية عن وجودهم، والإسناد مجازي على نحو: طريق سائر: لأنه لما كثر في الطريق وطء العفاة كأنها هي التي تطؤهم.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
وصيد: عليه يومان. فإن قلت: لم نكرت الجنات وعرّفت الأنهار. قلت: أما تنكير الجنات فقد ذكر. وأما تعريف الأنهار فأن يراد الجنس، كما تقول: لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان الفواكه، تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب. أو يراد أنهارها، فعوّض التعريف باللام من تعريف الإضافة كقوله: (وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبًا) [مريم: ٤]؛ أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله: (فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) - الآية [محمد: ١٥]. وقوله (كُلَّما رُزِقُوا) لا يخلو من أن يكون صفة ثانية لجنات، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة؛
_________________
(١) قوله: (وصيد عليه يومان) أصله صيد الوحوش على الفرس مدة يومين، أسند الفعل إلى الظرف على المجاز. قوله: (وأما تنكير الجنات فقد ذكر) أنها نكرت ليدل على تنوعها واختلافها بحسب استحقاق ساكنيها، وأما تعريف الأنهار فقد ذكر في فائدتها وجوها ثلاثة: أحدها: أن المراد بالتعريف الجنس؛ ليشير بها إلى ما هو حاضر في ذهن المخاطب. وأنت تعلم أن الشيء لا يكون حاضرًا في الذهن إلا أن يكون عظيم الخطر معقودا به الهمم، أي: تلك الأنهار التي عرفت أنها النعمة العظمي واللذة الكبرى، فإن الرياض وإن كانت آنق شيء لا تبهج النفس حتى تكون بها الأنهار كما سبق. وثانيها: أن ينبه على أن هذه الأنهار المتعددة لتلك الجنان المتنوعة بحسب التوزيع كقولهم: ركبوا خيولهم. وثالثها: ليعلم أن هناك أنهارا معهودة بين المخاطب والمخاطب. والمراد إحضارها فلا بد من الإشارة إليها.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
لأنه لما قيل: (أن لهم جناتٍ)؛ لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا، أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس؟ فقيل إنّ ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا، أى أجناسها أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا اللَّه. فان قلت: ما موقع مِنْ ثَمَرَةٍ؟ قلت: هو كقولك: كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئا حمدتك. فموقع (مِنْ ثَمَرَةٍ) موقع قولك من الرمان، كأنه قيل: كلما رزقوا من الجنات من أى ثمرة كانت من تفاحها أو رمّانها أو عنبها أو غير ذلك رزقا قالوا ذلك. فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لأنّ الرزق قد ابتدئ من الجنات، والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة. وتنزيله تنزيل أن تقول: رزقني فلان، فيقال لك: من أين؟ فتقول: من بستانه، فيقال: من أى ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول: من الرمّان
_________________
(١) قوله: (قيل: (أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ» قوله: "أن" يروى بالفتح على الحكاية وهو الوجه. قوله: (فـ"من" الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية) وعلى ما قدره متعلقتان بـ"رزقوا". وقال القاضي: وكلتاهما واقعتان موقع الحال، وكلما نصب على الظرف، "ورزقا" مفعول به، وصاحب الحال الأولى "رزقا"، والثانية ضمير الرزق المستكن فى الحال. والمعنى كل حين رزقوا مرزوقًا مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة، قيد الرزق بكونه مبتدأ من الجنات، وابتداؤه منها بابتدائه من ثمرة فيها. قوله: (وتنزيله) التنزيل: حط الكلام درجة درجةّ، فكأن أصله كان شيئًا آخر فنزلت إلى هذه المرتبة. قال في "النهاية": نزلت عن الأمر: إذا تركته، كأنك كنت مستعليًا عليه، وفي الحديث: أن أبا بكر ﵁ "أنزله أبا" أي: جعل الجد في منزلة الأب وأعطاه نصيبه من الميراث.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
وتحريره أن (رزقوا) جعل مطلقا مبتدأ من ضمير الجنات، ثم جعل مقيدا بالابتداء من ضمير الجنات، مبتدأ من (ثمرةٍ)، وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفذة على هذا التفسير، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار.
ووجه آخر: وهو أن يكون (مِنْ ثَمَرَةٍ) بيانا على منهاج قولك: رأيت منك أسدًا
_________________
(١) قوله: (وتحريره)، الأساس: حرر الكتاب: حسنة وخلصه بإقامة حروفه وإصلاح سقطه. فإن قلت: ما معنى قوله أولا: "موقعه موقع قولك من الرمان" ثم ثانيا: "وتنزيله تنزيل أن تقول: رزقني فلان" وثالثا: "تحريره: أن تقول (رُزِقُوا) جعل"؟ قلت: الأول لبيان الموقع وكونه صفة الفعل، والثاني: لبيان المعني وأن مرجع "من" الابتدائية على تقدير السؤال والجواب. والثالث: لبيان خلاصة المعنى وزبدته. قوله: (وليس المراد بالثمرة التفاحة … على هذا التفسير) أي: على أن تكون "من" ابتدائية في (مِنْ ثَمَرَةٍ) لأن "رزقا" هو بمعنى مرزوقا، وهو أعم من أن يكون من الجنة أو من مكان غيرها، ومن أن يكون ثمرة أو غيرها من المأكولات، فخص عموم الأمكنة بقوله: (مِنْهَا) وعموم المأكولات بقوله: (مِنْ ثَمَرَةٍ) لكن بقي عاما في هذا الجنس، فلا وجه لتخصيصها بثمرة دون ثمرة فضلا عن أن تكون جناه واحدة. وفي نظيرة بقوله: "رزقني فلان، فيقال لك: من أين؟ فتقول: من بستانه، فيقال: من أي ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول: من الرمان" إيمان ألى هذا المعنى فقوله: "من الرمان" بيان للنوع، ويبعد أن يجاب عن قوله: من أي ثمرة بقوله: من الرمان الفذ، إذا ليس السؤال عن العدد. قوله: (رأيت منك أسدًا) يعني هو من باب التجريد وهو: أن ينتزع من ذي صفةٍ آخر مثله فيها، إيهاما لكمالها فيه، كأنك جردت من المخاطب شيئا يشبه الأسد وهو نفسه. كذا هنا
[ ٢ / ٣٦١ ]
تريد أنت أسد. وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار، والجنات الواحدة. فإن قلت: كيف قيل (هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ)؟ وكيف تكون ذات الحاضر عندهم في الجنة هي ذات الذي رزقوه في الدنيا؟ قلت: معناه هذا مثل الذي رزقناه من قبل. وشبهه بدليل قوله (وأتوا به متشابهًا)، وهذا كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة، تريد أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته ذاته
_________________
(١) جرَّد من ثمرة رزقًا وهو هي، فيكون رزقًا أخص من "ثمرة"؛ لأن الثمرة ذات أوصاف فانتزع منها وصف المرزوقية، أي: التي يقع الأكل عليها لكمال هذا المعنى فيه، فالرزق على هذا مخرج من قوله: (مِنْ ثَمَرَةٍ) وعلى الأول بالعكس. ولهذا لم يجز أن يراد على الأول بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمان الفذ، وجاز ذلك على الثاني: "والجناة الواحدة" إشارة إلى ذلك. قوله: (وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار والجناة الواحدة) لأن قوله: (مِنْ ثَمَرَةٍ) يدل على نوع من الثمار، فانتزع منها ما وقع عليه اسم الرزق، أي: الأكل، فيصح أن يراد بها التفاحة الواحدة، ويصح أيضا أن يراد بها النوع من الثمار، وذلك أن تخصيص الثمرة التي مدلولها النوع من أنواع الثمار إما باعتبار تعيين النوع عن الشخص كما في قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) [النور: ٤٥] قال صاحب "المفتاح": أي: نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو من ماءٍ مخصوصٍ وهي النطفة. قوله: (والجناة)، الجوهري: الجنى: ما يجتنى من الشجرة، يقال: أتانا بجناةٍ طيبةٍ لكل ما اجتنى. قوله: (كأن ذاتَه ذاتُه) أي: هو تشبيهٌ بحذف الأداة ووجهه نحو قولك: زيدٌ أسد. قال الإمام: لما اتحدا في الحقيقة وإن تغايرًا بالعدد صح أن يقال: هذا هو ذاك؛ لأن الوحدة النوعية لا تنافيها الكثرة بالشخص.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: (وَأُتُوا بِهِ)؟ قلت: إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعًا لأنّ قوله: (هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ) انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين. ونظيره قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما) [النساء: ١٣٥]، أي: بجنسى الغنى والفقير لدلالة قوله: غنيًا أو فقيرًا على الجنسين. ولو رجع الضمير إلى المتكلم به لقيل أولى به على التوحيد. فإن قلت: لأى غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة، وما بال ثمر الجنة لم يكن أجناسا أخر؟ قلت: لأنّ الإنسان
_________________
(١) وقال القاضي: هذا إشارة الى نوع ما رزقوا، كقولك مشيرًا إلى نهر جار: هذا الماء لا ينقطع، فإنك لا تعني به العين المشاهد منه بل النوع المعلوم المستمر بتعاقب جريانه وإن كانت الإشارة إلى عينه. وقال صاحب"الفرائد": الإشارة بقوله: "هذا" إلى النوع فلا حاجة إلى التأويل الذي ذكره. وقلت: قوله تعالى (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) يخوجه إلى التأويل؛ لأنه اعتراض يقرر أمر المعترض فيه، أو حال مقيد، وإليه الإشارة بقوله: "بدليل قوله: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) ". قوله: (لأن قوله: (هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين) أي: المشبه والمشبه به مشتملان على معنى المرزوق في الدارين؛ يعني من أراد أن يعبر عن قوله: هذا الذي رزقنا في الآخرة مثل الذي رزقنا في الدنيا بلفظ جامع له أن يقول: المرزوق في الدنيا والآخرة، وهذا الطريق في البيان يسمى بالكناية الإيمائية، فالضمير المفرد راجع إلى المفهوم الواحد الذي تضمنه اللفظان، فلو رجع إلى الملفوظ وهو المشبه والمشبه به لقيل: وأتوا بهما، ونظيره في رجوع الضمير إلى المعنى دون اللفظ قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) [النساء: ١٣٥] إذ لو اعتبر اللفظ لقيل: "أولى به" على الأفراد؛ لأن الضمير في الشرط
[ ٢ / ٣٦٣ ]
بالمألوف آنس، وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد وتقدّم له معه ألف، ورأى فيه مزية ظاهرة، وفضيلة بينة، وتفاوتا بينه وبين ما عهد بليغًا، أفرط ابتهاجه واغتباطه، وطال استعجابه واستغرابه، وتبين كنه النعمة فيه، وتحقق مقدار الغبطة به. ولو كان جنسًا لم يعهده وإن كان فائقا، حسب أنّ ذلك الجنس لا يكون إلا كذلك، فلا يتبين موقع النعمة حق التبين. فحين أبصروا الرمانة من رمان الدنيا ومبلغها في الحجم، وأن الكبرى لا تفضل عن حدّ البطيخة الصغيرة، ثم يبصرون رمّانة الجنة تشبع السكن،
_________________
(١) وهو قوله: "إن يكن" راجع إلى المشهود عليه في قوله تعالى: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ) أى: المشهود عليه (غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) ليتطابق الشرط والجزاء، لكن لما كان المانع من الشهادة على الأقرباء غالبًا إما خوف الفقر عليهم إذا كانوا أغنياء، أو تضررهم بها إذا كانوا فقراء عم الصفتين بتثنية الضمير، أي: الله أولى بجنس المتصف بصفة الغني، وبجنس المتصف بصفة الفقر، سواء كان مشهودًا عليه أو غيره، وأعلم بمصالحه وبما ينفعه، فيدخل في هذا العالم المشهود عليه دخولًا أوليًا، وهذا أيضًا كناية إيمائية. يدل على العموم قوله: "بجنسي الغني والفقير". قوله: (مزية)، الجوهري: المزية الفضيلة ولا ينبني منها فعل. وفي "حاشية الصحاح": يقال: أمزيته عليه، أي: فضلته. الأساس: تميزت علينا: تفضلت، أي: رأيت لك الفضل علينا، ومزيت فلانا فضلته. قوله: (وتبين كنه النعمة فيه) فاعله الإنسان، الجوهري: تبين الشيء: ظهر، وتبينته أنا. قوله: (تشبع السكن)، النهاية: السكن بفتح السين وسكون الكاف: أهل البيت، جمع ساكن كصاحب وصحب.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
والنبقة من نبق الدنيا في حجم الفلكة، ثم يرون نبق الجنة كقلال هجر، كما رأوا ظل الشجرة من شجر الدنيا وقدر امتداده، ثم يرون الشجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه، كان ذلك أبين للفضل، وأظهر للمزية، وأجلب للسرور، وأزيد في التعجب من أن يفاجئوا ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق بجنسهما. وترديدهم هذا القول ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها، دليل على تناهى الأمر وتمادى الحال في ظهور المزية وتمام الفضيلة، وعلى أنّ ذلك التفاوت العظيم
_________________
(١) قوله: (والنبقة)، النهاية: النبق بفتح النون وكسر الباء، وقد يسكن: ثمر السدر، واحدته نبقة. أشبه شيء بالعناب قبل أن تشد حمرته. قوله: (حجم الفلكة)، الجوهري: الفلكة المغزل سميت لاستدارتها. قول: (كفلان هجر)، المغرب: القلة: حب عظيم، وهي معرفة بالحجاز والشام، وعن الأزهري: تأخذ القلة مزادة كبيرة، وتملأ الراوية قلتين، وأراها سميت قلالًا؛ لأنها تقل، أي: ترفع إذا ملئت. الجوهري: هجر: مذكر مصروف، اسم بلد. قوله: (يسير الراكب) عن أبي سعيد عن النبي ﷺ: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مئة عام لا يقطعها" أخرجه البخاري ومسلم. ولثبوت هذا المشبه به عن الأثبات الثقاب وكونه أعرف من المشبه أوقعه مشبها به في قوله: "كما رأوا" إذ التقدير: فحين أبصروا الرمانة والنبقة رؤية مثل رؤيتهم ظل الشجرة.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
هو الذي يستملي تعجبهم، ويستدعى تبجحهم في كل أوان. عن مسروق: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وأنهارها تجرى في غير أخدود، والعنقود اثنتا عشرة ذراعًا.
ويجوز أن يرجع الضمير في: (وأُتُوا بِهِ) إلى الرزق، كما أن هذا إشارة إليه، ويكون المعنى: أن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانسًا في نفسه، كما يحكى عن الحسن: يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بالأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل، فيقول الملك: كل، فاللون واحد والطعم مختلف. وعنه ﷺ: «والذي نفس محمد بيده» إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدّل اللَّه مكانها مثلها» فإذا أبصروها والهيئة هيئة الأولى قالوا ذلك. والتفسير الأوّل هو هو.
فإن قلت: كيف موقع قوله: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا) من نظم الكلام؟ قلت: هو كقولك: فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل. ورأى من الرأى كذا وكان صوابا. ومنه قوله تعالى: (وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل: ٣٤]، وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير.
_________________
(١) قوله: (يستملي)، الجوهري: يقال: استمليت الكتاب: سألته أن يملى علي. قوله: (تبجحهم) التبجح: الفرح، والصحفة. كالصعقة، والجمع صحاف. قواه: (متجانسًا في نفسه) أي: يجانس بعضه بعضًا، ولا يجانس ثمر الدنيا، فعلى هذا (مِنْ ثَمَرَةٍ) بيان "رزقًا". قوله: (هو هو) أي: هو الكامل المعلوم كقوله:
[ ٢ / ٣٦٦ ]
والمراد بتطهير الأزواج: أن طهرن مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة، وما لا يختص بهنّ من الأقذار والأدناس. ويجوز لمجيئه مطلقًا: أن يدخل تحته الطهر من دنس الطباع وطبع الأخلاق الذي عليه نساء الدنيا، مما يكتسبن بأنفسهنّ، ومما يأخذنه من أعراق السوء والمناصب الرديئة والمناشئ المفسدة، ومن سائر عيوبهنّ ومثالبهنّ وخبثهنّ وكيدهنّ. فإن قلت:
_________________
(١) أنا أبو النجم وشِعري شعري قال القاضي: والأول أظهر لمحافظته على عموم (كُلَّمَا)، فإنه يدل على ترديدهم هذا القول كل مرة رزقوا، فلا يصح في الوجه الثاني هذا القول إذا أتوا به أول مرة، ولأن الداعي لهم إلى ذلك فرط استغرابهم، وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ في الصورة. وقلت: ويفوت أيضًا على الثاني غرض الاستئناس وفائدة الاستئناف، وقد مر أن موقع "كلما" إما صفة جناتٍ، أو جملةٌ مستأنفة كما قدره: "أثمار الجنات أشباه ثمار الدنيا أم أجناس أخر"، ومن المقرر في علم المعاني حسن موقع الاستئناف في الكلام، وإنما يظهر حسنه على الوجه الأول لانقطاعه لفظًا. قوله: (أعراق السوء)، الأساس: فلان معرقٌ له في الكرم أو اللؤم وهو عريق فيه، وتداركته أعراق صدق أو سوء. قوله: (والمناصب)، الأساس: ومن المجاز: هو يرجع إلى منصب صدق ونصاب صدق، وهو أصله الذي نصب به وركب فيه، ومنه نصاب السكين؛ لأنها رُكِّبَت فيه.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
فهلا جاءت الصفة مجموعة كما في الموصوف؟ قلت: هما لغتان فصيحتان؛ يقال: النساء فعلن، وهنّ فاعلات وفواعل، والنساء فعلت، وهي فاعلة. ومنه بيت الحماسة:
وإذَا العَذَارَى بِالدُّخَانِ تَقَنَّعَتْ … واسْتَعْجَلَتْ نَصْبَ القُدُورِ فملَّتِ
والمعنى وجماعة أزواج مطهرة. وقرأ زيد بن على: (مطهرات) وقرأ عبيد بن عمير: مطهرة، بمعنى متطهرة. وفي كلام بعض العرب: ما أحوجنى إلى بيت اللَّه. فأطهر به أطهرة. أى فأتطهر به تطهرة. فإن قلت: هلا قيل طاهرة؟ قلت: في
_________________
(١) قوله: (كما الموصوف) أي كما الموصوف مجموعٌ، فـ"ما" كافةٌ مُهيئةٌ لدخول الكاف على الكافة. قوله: (وإذا العذارى بالدخان) البيت المرزوقي: العذارى جمع عذراء يقول: وإذا أبكار النساء صبرت على دخان النار صار كالقناع لوجهها، ولم تصبر على إدراك ما في القدور فشوت في الملة على قدر ما تعلل نفسها به من اللحم لدفع ضرر الجوع المفرط من اشتداد السنة. خصت العذارى بالذكر لفرط حيائهن ولتصونهن عن كثير مما يبتذل فيه غيرهن، وجعل نصب القدور مفعول "استعجلت"على السعة. وجواب إذا في البيت الذي يليه: دارت بأرزاق العفاة مغالق … بيدي من قمع العشار الجلة المغالق: القداح في الميسر. والقمع: جمع قمعه وهي القطعة من السنام، يقال: سنام قمع، أي: عظيم. والجلة-بكسر الجيم-من الإبل: المسان، وهو جمع جليل كصبي وصبية. يقول: إذا صار الزمان كذا دارت القداح في الميسر بيدي لإقامة أرزاق الطلاب من أسنمة النوق السمان الكبار الحوامل التي قرب عهدها بوضع الحمل. وسميت القداح مغالق لأن الجزور يغلق عندها ويهلك بها.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
(مطهرة) فخامة لصفتهنّ ليست في طاهرة، وهي الإشعار بأن مطهرًا طهرهنّ. وليس ذلك إلا اللَّه ﷿ المريد بعباده الصالحين أن يخوّلهم كلّ مزية فيما أعدّ لهم. والخلد: الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع. قال اللَّه تعالى: (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ، أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) [الأنبياء: ٣٤]. وقال امرؤ القيس:
ألَا انْعَمْ صَبَاحًا أيُّهَا الطَّلَلُ البَالِى … وهَلْ يَنْعَمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخَالى!
وهَلْ يَنْعَمَنْ إلّا سَعِيدٌ مُخَلّدٌ … قَلِيلُ الهُمُومِ مَا يَبِيتُ بأوْجَالِ!
_________________
(١) قوله: (والبقاء اللازم الذي لا ينقطع) هذا مذهبه، واستدل به على خلود أهل الكبائر في النار، ويقيده في قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) [النساء: ٩٣]. على أن ابن جني نقل عن أحمد بن يحيى: الخلد: داخل القلب، واستدل بقول امرئ القيس: وهل ينعمن إلا سعيد مخلد يعني به من يلبس الخلد: السوار والقرط. أي: الصبي والصبية يدل عليه قوله: قليل الهموم لا يبيت بأوجال وأنشد في معناه: تصفو الحياة لجاهل أو غافل … عما مضي منها وما يتوقع
[ ٢ / ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال القاضي: والخلد والخلود في الأصل: الثبات المديد دام أم لم يدم، ولذلك قيل للأثافي والأحجار: خوالد، ولو كان وضعه للدوام كان التقييد بالتأبيد في قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [النساء: ٥٧] لغوًا، واستعماله حيث لا دوام كقولهم: وقف مخلد، يوجب اشتراكًا أو مجازًا. فإن قيل: الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية للاستحالات المؤدية إلى الانفكاك والانحلال، فكيف يعقل خلودها؟ قلنا: إنه تعالى وتعظم يعيدها بحيث لا يعتورها الاستحالة، بل يجعل أجزاءها متفاوتة في الكيفية متساوية في القوة لا يقوى شيء منها على إحالة الآخر، متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن شيء كما يشاهد في بعض المعادن. هذا وإن قياس ذلك العالم على ما نجده ونشاهده، من نقص العقل وضعف البصيرة. وقد ذكر الراغب نحوًا من هذا، ثم قال: ليس لهذا القول وجه إلا التوقيف ولا مدخل للاجتهاد فيه، والذي يستبعده المتفلسفون هو أنهم يريدون أن يتصوروا أبدانًا متناولة لأطعمة لا استحالة فيها ولا تغير لها، ولا يكون منها فضولات، وتصور ذلك محال. وذلك أن التصور هو إدراك الوهم ما أدركه الحس، وما لا يدرك الحس جزءه ولا كله كيف يمكنه تصوره؟ ولو كان للإنسان سبيل إلى تصور ذلك لما قال تعالى: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة: ١٧]، وما قال رسول الله ﷺ مخبرًا عن الله تعالى: "أعددت
[ ٢ / ٣٧٠ ]
[(إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ)].
سيقت هذه الآية لبيان أنّ ما استنكره الجهلة والسفهاء
_________________
(١) لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر علي قلب بشر". والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وقلت: اعلم أن قوله: (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) تكميل في غاية من الحسن ونهاية من الكمال، وذلك أن النعم وإن جلت منزلتها، والترفه وإن عظمت رفعته لا يتم ولا يكمل إذا تصور انقطاعها وتوهم زوالها، وأما إذا علم أنها باقية دائمة يزيد بها الابتهاج ويتم الفرح فلا ينغص ذلك العيش، ولا يكدر ذلك الصفو، والى هذا المعنى ينظر قول امرئ القيس: "ألا انعم صباحًا" البيتين. انعم صباحًا: كلمة تحية من: أنعم ينعم؛ إذا طاب عيشه، أي: طاب عيشك في الصباح، وإنما خص الصباح به؛ لأن الغارات والمكاره تقع صباحا. الأوجال: جمع وجل وهو الخوف، والعصر: الدهر. يخاطب الطلل الدارس من ديار المحبوبة بالنعم والطيب ثم قال: وكيف ينعم من كان في زمن الفراق والخلو من الأهل والأحباب! وهل ينعمن إلا سعيد مخلد آمنًا من المخاوف والآفات! ولا يكون ذلك إلا في دار الخلد للمؤمنين، اللهم اجعلنا من زمرة الداخلين فيها. قوله: (سيقت هذه الآية) أي: قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي) قال الإمام: إنه تعالى لما بين
[ ٢ / ٣٧١ ]
وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروبا بها المثل- ليس بموضع للاستنكار والاستغراب، من قبل أنّ التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وإدناء المتوهم من المشاهد. فان كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله،
_________________
(١) أن القرآن معجزٌ أتى بشبهةٍ أوردها الكفار قدحًا في ذلك وأجاب عنها، وتقرير الشبهة: أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت، وهذه الأشياء لا تليق بكلام البلغاء فضلًا عن كلام الله المجيد. وأجاب: إن صغر هذه الأشياء لا يقدح في البلاغة إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة. والمؤلف وإن لم يصرح بهذا المعني لكن أومى إليه في كلامه، فعلى هذا نظم هذه الآية بما قبلها نظم قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) [البقرة: ٦] في كونها جملة مستطردة كما ذكره الإمام. وقلت: تلك في أحوالهم وهذه في أقوالهم. قوله: (أو أهل العناد) أي: المستنكرون طائفتان: طائفة لا يعلمون، وأخرى يعلمون ولكن يعاندون. قوله: (فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله) لم يرد به التشبيه التمثيلي أو الاستعارة التمثيلية بل أعم. وفيه. أن المشبه وإن كان فرعا في إلحاقه بالمشبه به لكنه أصل في إيراد المشبه به من كونه عظيما أو حقيرا أو غيرهما من الصفات. وإليه الإشارة بقوله: "فليس
[ ٢ / ٣٧٢ ]
وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك. فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذًا إلا أمرًا تستدعيه حال المتمثل له وتستجرّه إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية. ألا ترى إلى الحق لما كان واضحًا جليًا أبلج، كيف تمثل له بالضياء والنور؟ وإلى الباطل لما كان بضد صفته، كيف تمثل له بالظلمة؟ ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أندادًا للَّه تعالى لا حال أحقر منها وأقلّ، ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن، وجعلت أقلّ من الذباب وأخس قدرًا، وضربت لها البعوضة فالذي دونها مثلا لم يستنكر ولم يستبدع، ولم يقل للمتمثل: استحى من تمثيلها بالبعوضة، لأنه مصيب في تمثيله، محق في قوله، سائق للمثل على قضية مضربه، محتذ على مثال
_________________
(١) العظم والحقارة في المضروب به" إلى آخره، فإذا اقتضى وصف آلهتهم بأن تثبت لها صفة الحقارة فلا بد أن يجاء بالممثل به ما يشتمل على معنى الحقارة كما نحن بصدده. ولما اقتضى وصف التكليف العظمة والفخامة في قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الآية [الأحزاب: ٧٢] جاء بالمثل به كما ترى. قوله: (لم يستنكر) جواب "لما" أي: لم يستنكر ضرب البعوضة لها مثلًا. قوله: (قضية مضربه) أي: موضع ضرب المثل فيه. اعلم أن المستعار في التمثيل إذا كان قولًا سائرًا يشبه مضربه بمورده سمي مثلًا، وإن لم يكن للمضرب موردٌ سمي تمثيلا، وكلام الله وارد على الثاني دون الأول. قوله: (محتذ على مثال) هو افتعال من الحذو، وفيه معنى الاعتمال. الجوهري: حذوت النعل بالنعل إذا قدرت كل واحدة على صاحبتها. وضمن معنى قدر، وعدى بـ"على"
[ ٢ / ٣٧٣ ]
ما يحتكمه ويستدعيه، ولبيان أنّ المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والعمل على العدل والتسوية والنظر في الأمور بناظر العقل، إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذي لا تمرّ الشبهة بساحته، والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله،
_________________
(١) قوله: (ما يحتكمه) يقال: احتكمه الى الحاكم: ذهب به إليه واستصحبه معه واستجره. والضمير المستتر في "يحتكمه" عائد إلى الممثل له، أي: الذي ضرب لأجله المثل نحو حال الآلهة مثلًا، والبارز إلى ما. قوله: (ولبيان أن المؤمنين) عطف على قوله: "لبيان أن ما استنكره" على طريقة: أعجبني زيد وكرمه؛ لأنه تفصيله، بدليل عطف قوله: "وأن الكفار" على قوله: "أن المؤمنين" ثم قوله: "إن ذلك سبب زيادة الهدى وانهماك الفاسقين" كالنشر للمعطوفين. وتحريره: أن الآية من باب الجمع مع التقسيم والتفريق والتذييل، وتفسيره لها موافق لهذه الصنعة. أما الجمع فقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) [البقرة: ٢٦]، لأنها متضمنة لحقية المثل وباطلية مستنكريه، وإليه أومى بقوله: "لم يستنكر ولم يستبدع" وبقوله: لأنه مصيب في تمثيله محق في قوله". ولما كان أصل الكلام مسوقًا للكفار، وذكر المؤمنين فيه على التبعية، صرح بذكرهم ونسب إليهم الاستنكار، ولم يذكر المؤمنين، لكن أثبت فيه الحقية التي هي مما ينسب إلى المؤمنين. وأما التقسيم، فالجملتان المصدرتان بـ "إما" لأنهما تفصيلا ما اشتمل عليه الكلام السابق، فجعل الحق منسوبًا إلى صاحبه. والإنكار مضافًا إلى أهله، وإليه الإشارة بقوله: "وأن المؤمنين الذين عادتهم" وبقوله: "وأن الكفار الذين غلبهم الجهل".
[ ٢ / ٣٧٤ ]
وأنّ الكفار الذين غلبهم الجهل على عقولهم، وغصبهم على بصائرهم فلا يتفطنون ولا يلقون أذهانهم، أو عرفوا أنه الحق إلا أنّ حب الرياسة وهوى الألف والعادة لا يخليهم أن ينصفوا، فإذا سمعوه عاندوا. وكابروا وقضوا عليه بالبطلان، وقابلوه بالإنكار، وأنّ ذلك سبب زيادة هدى المؤمنين،
_________________
(١) وأما التفريق فقوله: تعالى: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) حيث بين لكل من الفريقين مآل أمره من الضلال والهدى، وهو المراد بقوله: "وأن ذلك سبب زيادة هدى للمؤمنين" وبقوله: "وانهماك الفاسقين في غيهم وضلالهم". وأما التذييل فقوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ) فخص الضلال بهم على الحصر ليختص الهداية بالمؤمنين لتقابلهما، والله أعلم. قوله: (على بصائرهم) بدل اشتمال من الضمير المنصوب في "غصبهم" كقولك: سلب زيد ثوبه، الأساس: غصب على عقله. الصحاح: الغصب: أخذ الشيء ظلمًا، تقول: غصبه منه وغصبه عليه. والفاء في قوله: "فلا يتفطنون" مسببة عن "غلبهم الجهل" وقوله: "أو عرفوا" متفرع على ما سبق أن المنكرين طائفتان: جاهل ومعاند المشار إليه بقوله: "إنما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراد من الكفار". والفاء في "فإذا سمعوه" مثلها في "فلا يتفطنون" مسببة عن قوله: "أو عرفوا أنه الحق" وهو عطف على "غلبهم الجهل" داخل في حيز صلة الموصول الذي هو صفة لاسم "إن"، وهما في الظاهر خبران لـ"إن"، والفاء تدخل في خبر الاسم الموصوف بالموصول المتضمن للشرط. وأن لا يمنع من ذلك على مذهب
[ ٢ / ٣٧٥ ]
وانهماك الفاسقين في غيهم وضلالهم. والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحناش الأرض والحشرات والهوام، وهذه أمثال العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم وبواديهم قد تمثلوا فيها بأحقر الأشياء فقالوا: "أجمع من ذرّة"، و"أجرأ من الذباب"،
_________________
(١) الأخفش. قال الخبيصي: والمفتوحة مثلها، أي: في جواز دخول الفاء على الخبر كقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) [الأنفال: ٤١]. قوله: (وانهماك)، الجوهري: انهمك الرجل في الأمر: إذا جد ولج. قوله: (وأحناش الأرض)، الجوهري: الحنش بالتحريك: كل ما يصاد من الطير والهوام، والجمع الأحناش. والحنش أيضًا: الحية، والحشرات: صغار دواب الأرض. قوله: (أجمع من ذرةٍ) قال الميداني: قال الشاعر في الذروة وجمعها: تجمع للوارث جمعًا كما … تجمع في قريتها الذرة يزعمون أنها تدخر ف يقراها قوت سبع سنين. قوله: (وأجرأ من الذباب) وذلك أن الذباب يقع على أنف الملك، وعلى جفن الأسد، فإذا ذيد يعود، قال الراجز:
[ ٢ / ٣٧٦ ]
و"أسمع من قراد"، و"أصرد من جرادة"، و"أضعف من فراشة"، و"آكل من السوس". وقالوا في البعوضة: "أضعف من بعوضة"، و"أعز من مخ البعوض". وكلفتنى مخ البعوض. ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة؛
_________________
(١) إنما سُمي الذباب ذبابًا … حيث يهوي وكلما ذُبَّ آبا قوله: (وأسمع من قراد) لأنه يسمع أصوات أخفاف الإبل من مسيرة يوم فيتحرك لها. قال أبو زياد الأعرابي: ربما رحل الناس عن دارهم بالبادية وتركوها قفارًا، والقردان منتشرةٌ في أعطان الإبل وأعقار الحياض، ثم يرجعون بعد عشرٍ أو عشرين سنة فيجدون القردان في تلك المواضع أحياءً وقد أحست بروائح الإبل. قال ذو الرمة: بأعقاره القردان هزلى كأنها … نوادر صيصاء الهبيد المحطم إذا سمعت وطء الركاب تنغشت … حشاشاتها في غير لحمٍ ولا دم الصيصاء: صغار الحنظل. والهبيد: حب الحنظل. قوله: (وأصرد من جرادة) وذلك أنها لا تُرى في الشتاء أبدًا لقلة صبرها على البرد، يقال: صرد الرجل يصرد صردًا فهو صردٌ ومصراد للذي يجد البرد سريعًا، كلها في "مجمع الأمثال".
[ ٢ / ٣٧٧ ]
كالزوان والنخالة. وحبة الخردل، والحصاة،
_________________
(١) قوله: (كالزوان)، الجوهري: الزوان: حَبٌّ مرٌ يُخالط البر، بفتح الزاء وضمها وقد يُهمز. قال الإمام: قال: مثل ملكوت السماء كمثل رجلٍ زرع في قريته حنطةً جيدةً نقيةً، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان، فقال عبيد الزارع: يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زُرعت في قريتك؟ قال: بلى، قالوا: فمن أين هذا الزوان؟ قال: لعلكم إن ذهبتم أن تلقطوا الزوان تقلعوا معه حنطةً، دعوهما يتربيان جميعًا حتى الحصاد، فأمر الحصادين أن يلقطوا الزوان من الحنطة إلى الجرائن وأن يربطوه حزمًا، ثم يحرق بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الجرائن. التفسير: الزارع أبو البشر، والقرية: العالم، والحنطة: الطاعة، وزارع الزوان: إبليس، والزوان: المعاصي، والحصادون: الملائكة الذين يتوفون بني آدم. قوله: (والنخالة) قال: لا تكونوا كمنخلٍ يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة، كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم. قوله: (وحبة الخردل) قال: أضرب لكم مثلًا آخر يشبه ملكوت السماء: لو أن رجلًا أخذ حبة خردلٍ وهي أصغر الحبوب فزرعها في قريته، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرةٍ من البقول، وجاء طير السماء فعشش في فروعها، وكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله أجره وعظمه ورفع ذكره، ونجى من اقتدى به. قوله: (والحصاة) قال: قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار، ولا يُلينها الماء، ولا تنسفها الرياح.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
والأرضة، والدود، والزنابير. والتمثيل بهذه الأشياء وبأحقر منها مما لا تغنى استقامته وصحته على من به أدنى مسكة، ولكن ديدن المحجوج المبهوت الذي لا يبقى له متمسك بدليل ولا متشبث بأمارة ولا إقناع، أن يرمى لفرط الحيرة والعجز عن إعمال الحيلة بدفع الواضح وإنكار المستقيم والتعويل على المكابرة والمغالطة إذا لم يجد سوى ذلك معوّلا.
وعن الحسن وقتادة: لما ذكر اللَّه الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام اللَّه. فأنزل اللَّه ﷿ هذه الآية. والحياء تغير وانكسار يعترى الإنسان من تخوّف ما يعاب به ويذم. واشتقاقه من الحياة. يقال: حيي الرجل، كما يقال: نسي
_________________
(١) قوله: (والأرضة) قال: لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها، ولا في البرية حيث اللصوص والسموم فيسرقها اللصوص وتحرقها السموم، ولكن ادخروا ذخائركم عند الله. قوله: (والزنابير) قال: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم، فكذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموني، كلها في "التفسير الكبير". قوله: (عن إعمال الحيلة) متعلق بقوله: "أن يرمي"، كما تقول: رميت عن القوس. قوله: (والتعويل) بالجر عطفٌ تفسيريٌ على قوله: "وإنكار المستقيم"، و"إذا لم يجد" ظرف "أن يرمي". قوله: (نسي) الرجل، فهو نسٍ على فَعِلٍ: إذا اشتكى نساه. الجوهري: قال الأصمعي: النسا بالفتح مقصور: عرقٌ يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ثم يمر بالعرقوب حتى يبلغ الحافر.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وحشي وشظي الفرس، إذا اعتلت هذه الأعضاء. جعل الحي لما يعتريه من الانكسار والتغير، منتكس القوّة منتقص الحياة، كما قالوا: هلك فلان حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدّة الحياء. وذاب حياء، وجمد في مكانه خجلا. فإن قلت: كيف جاز وصف القديم سبحانه به. ولا يجوز عليه التغير والخوف والذم، وذلك في حديث سلمان قال: قال رسول اللَّه ﷺ: (إن اللَّه حي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردّهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا). قلت: هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد وأنه لا يردّ يديه صفرا من عطائه لكرمه بترك من يترك ردّ المحتاج إليه حياء منه. وكذلك معنى قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يضرب مثلًا)
_________________
(١) قوله: (وحشي) الحشى: الربو. وقد حشي بالكسر: إذا اشتكى حشاه. قوله: (وشظي)، الجوهري: الشظي: عظمٌ مستدقٌ ملزقٌ بالذراع، فإذا تحرك من موضعه قيل: شظي الفرس. قال القاضي: الحياء انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم، وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح والخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقًا، فإذا وصف به الباري تعالى، فالمراد اللازم للانقباض. كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابةُ المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما. قوله: (في حديث سلمان) والحديث رواه أبو داود والترمذي. الانتصاف: تأويل الحديث به لازمٌ، وأما الآية فلا تحتاج إلى التأويل؛ لأن الحياء مسلوبٌ عنه تعالى، فهو كقولك: إنه تعالى ليس بجسمٍ ولا عرض.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
أي: لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيى أن يتمثل بها لحقارتها. ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: أما يستحيى رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال. وهو فنّ من كلامهم بديع، وطراز عجيب، منه قول أبي تمام:
_________________
(١) الإنصاف: وفي كلام الزمخشري ما يدل على أن التأويل إنما يحتاج إليه في الخبر لا في الآية فقف عليه. قلت: يرده إثباته الترك في تأويل الحديث بقوله: "مثل تركه" ونفيه في تأويل الآية بقوله: "أي: لا يُترك ضرب المثل" والفرق بين قولنا: إنه تعالى ليس بجسمٍ ولا عرضٍ وما في الآية واحلديث، هو: أن القصد في ذلك التنزيه وما لا يجوز أن يُنسب إليه تعالى، وفي الآية القصد إلى تجويز ضرب المثل وأن الحياء غيرُ مانعٍ منه. وفي الحديث القصد إلى تركه تخييب العبد، وأن الحياء مانعٌ من التخييب، فالمقاصد مختلفة والمقامات متباينة، فهما قريبان من ترتب الحكم على الوصف المناسب، فلا بد من اعتبار المجاز. قوله: (على سبيل المقابلة، وإطباق الجواب) اعلم أن ها هنا ألفاظًا يذكرها أرباب البديع، أحدها المقابلة: وهي الجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وبين ضديهما، وثانيها: المطابقة: وهي أن يجمع بين متضادين، وثالثها: المشاكلة وهي: أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، والآية من قبيل النوع الأخير وإن سماه المصنف باسم النوع الأول، لكن المشاكلة على التقدير إذ لولا قولهم: أما يستحيي رب محمدٍ أن يضرب مثلًا بالذباب والعنكبوت على سبيل الإنكار لم يحسن قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي) جوابًا عنه، وبيت أبي تمام من المشاكلة التي لم ترد على السؤال والجواب وإن تأخر فيه المصاحب عن المصاحب، ومثله قوله:
[ ٢ / ٣٨١ ]
مَنْ مُبْلِغٌ أَفْناءَ يَعْرُبَ كُلَّها … أَنِّى بَنَيْتُ الجَارَ قبْلَ المَنْزِلِ.
وشهد رجل عند شريح. فقال: إنك لسبط الشهادة. فقال الرجل: إنها لم تجعد عنى. فقال: للَّه بلادك، وقبل شهادته. فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة. ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار. وسبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها. وللَّه درّ أمر التنزيل وإحاطته بفنون البلاغة وشعبها، لا تكاد تستغرب منها فنا إلا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسدّ مدارجه. وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه:
_________________
(١) لا تسقني ماء الملام فإنني … صبٌّ قد استعذبت ماء بكائي فإن المرزوقي عده من المشاكلة. وقول الشاهد: "إنها لم تُجعد عني" جوابًا عن قول شريح: "إنك لسبط الشهادة" يحتمل أن يكون من المطابقة بالنظر إلى اللفظين؛ لأن السبط ضد الجعد، وأن يكون من المشاكلة، إذ لو قال شريحٌ: إنك لبديه الشهادة لم يحسن منه: لم تجعد عني. وموقع الاستشهاد هذا القسم، ولذلك قال: "لولا سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها". وأما قوله: "فجاءت على سبيل المقابلة" فلم يرد منه المعنى المصطلح عليه بل ما يصح أن يقابل به الكلام؛ لأن قوله: "وإطباق الجواب على السؤال" عطفٌ تفسيريٌ عليه، والمصنف سلك في هذا المقام طريق التشابه في الكلام، فهو مفتقرٌ إلى تقادح الآراء واستنباط الأساليب حتى يصرح المحض. قوله: (أفناء يعرب) فناء الدار ساحتها، والجمع أفنية. يقال: هو من أفناء الناس إذا لم يُعلم ممن هو، ويعرب هو ابن قحطان سمى به القبيلة. قوله: (وقد استعير الحياء) يتعلق بالجواب الأول وهو قوله: "هو جارٍ على سبيل التمثيل"
[ ٢ / ٣٨٢ ]
إذَا مَا اسْتَحَيْنَ المَاءَ يَعْرِضُ نفْسَهُ … كرَعْنَ بِسبْتٍ في إناءٍ مِنَ الوَرْدِ
وقرأ ابن كثير في رواية شبل (يستحى) بياء واحدة. وفيه لغتان: التعدي بالجارّ والتعدي بنفسه. يقولون: استحييت منه واستحييته، وهما محتملتان هاهنا. وضرب المثل: اعتماده وصنعه، من ضرب اللبن وضرب الخاتم،
_________________
(١) تعلق الجملة الحالية بعاملها، وقد مر مرارًا أن الاستعارة التبعية قد تقع على سبيل التمثيل، يعني: استعير الحياء للترك بعد التشبيه في كلام الله، وقد جاء مثله في كلامهم، واعترض بين الجواب ومتعلقه الجواب الثاني على سبيل الاستطراد؛ اهتمامًا بشأنه لما اشتمل على بديع المعاني، وقد نبه عليه بقوله: "ولله در أمر التنزيل، وإحاطته بفنون البلاغة! ". قوله: (إذا ما استحين) البيت للمتنبي. أي: تركن، والضمير للنوق. كرع الماء يكرع كروعًا: إذا تناوله بفيه من موضعه. السبت: بكسر السين المهملة: جلود البقر المدبوغة بالقرظ. شبه مشافر الإبل به. عنى بالإناء جلد البقرة فيها الماء، وبالورد الأزهار. يصف الإبل وكثرة مياه الأمطار المحفوفة بالأزهار، فكأن الماء يعرض نفسه عليها، والإبل تستحيي من رد الماء إذا كثر عرض نفسه عليها فتكرع فيه بمشافر كأنها السبت. قوله: (وقرأ ابن كثير) وهي شاذة: وإن نُسبت إلى الإمام. قوله: (وضرب المثل اعتماده وصنعه)، الراغب: الضرب إيقاع شيءٍ على شيءٍ، ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها كضرب الشيء باليد والعصا والسيف ونحوها،
[ ٢ / ٣٨٣ ]
وفي الحديث: اضطرب رسول اللَّه ﷺ خاتما من ذهب. و(ما) هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهامًا وزادته شياعا وعموما، كقولك: أعطنى كتابا مّا، تريد أى كتاب كان. أو ضلة للتأكيد، كالتي في قوله: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) كأنه قيل: لا يستحيى أن يضرب مثلا حقًا أو البتة، هذا إذا نصبت (بَعُوضَةً)،
_________________
(١) وضرب الدراهم اعتبارًا بضربه بالمطرقة، وقيل له: الطبع اعتبارًا بتأثير السكة فيه، وبذلك شبه السجية فقيل لها: الضريبة والطبيعة، والضرب في الأرض: الذهاب فيها، وهو ضربها بالأرجل، وضرب الخيمة لضرب أوتادها بالمطرقة، وتشبيهًا بضرب الخيمة، قال تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) [البقرة: ٦١] أي: التحفتهم الذلة التحاف الخيمة، ومنه استعير: (فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) [الكهف: ١١] وضرب المثل هو من ضرب الدراهم، وهو ذكر شيءٍ أثره يظهر في غيره، والاضطراب كثرة الذهاب في الجهات من الضرب في الأرض. قوله: (اضطرب رسول الله ﷺ خاتمًا من ذهب) الحديث من رواية الشيخين وأبي داود والترمذي والنسائي عن ابن عمر في رواية "أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتمًا من ذهب وجعل فصه مما يلي بطن كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله، واتخذ الناس مثله، فلما رآهم قد اتخذوا رمى به وقال: "لا ألبسه أبدًا" ثم اتخذخاتمًا من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة. قوله: (كأنه قيل: لا يستحيي) فذلكةٌ لما سبق وتلخيصٌ لما فُسِّر؛ وذلك أن قوله: "حقًا" يتعلق بالوجه الأول، أن الله لا يترك المثل الحق والتمثيل الذي يقع في موقعه كيف ما كان؛ حقيرًا كان أو عظيمًا؛ لأن المقصود البيان الجلي وكشف معنى الممثل له على وفق الحاجة،
[ ٢ / ٣٨٤ ]
فإن رفعتها فهي موصولة، صلتها الجملة لأن التقدير: هو بعوضة، فحذف صدر الجملة كما حذف في: (تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) [الأنعام: ١٥٤] ووجه آخر حسن جميل، وهو أن تكون التي فيها معنى الاستفهام لما استنكفوا من تمثيل اللَّه لأصنامهم بالمحقرات قال: إنّ اللَّه لا يستحي أن يضرب للأنداد ما شاء من الأشياء المحقرة مثلا، بله البعوضة فما فوقها، كما يقال: فلان لا يبالى بما وهب ما دينار وديناران.
_________________
(١) فالذين آمنوا يعلمون أنه الحق من ربهم، فعلى هذا انتصاب "حقًا" على أنه صفة "مثلًا" لا على المصدرية كما سبق إلى بعض الأوهام. وأن قوله: "ألبتة" يتعلق بالوجه الثاني، وهو أن تكون "ما" مزيدةً، يعني أن الله لا يترك ضرب المثل ألبتة، لما فيه من الفوائد الجليلة والمنافع الكثيرة، لأنه أوقع في القلب وأقلع للشبه، وذلك أن "ما" إذا كانت إبهاميةً تُعطي معنى التنكير في "مثلًا" وتزيد في شيوعه، ولهذا قلنا: أي مثلٍ كان، وأن "ما" المؤكدة تؤكد معنى مضمون الجملة، وإليه الإشارة بقوله: "ألبتة"، ويعضده ما جاء في "المفصل": قولك: ما إن رأيت زيدًا، الأصل: ما رأيت، ودخول "إن" صلةٌ أكدت معنى النفي. قال القاضي: تسمية "ما" مزيدةً لا يُعنى بها اللغو الضائع، فإن القرآن كله هدىً وبيان؛ بل "ما" لم توضع لمعنىً يراد منه، وإنما وضعت لأن تذكر مع غيره فتفيد له وثاقةً وقوةً، وهو زيادةٌ في الهدى. قوله: (بله)، النهاية: بله من أسماء الأفعال، كرويد ومه وصه، يقال: بله زيدًا، بمعنى: دعه واتركه، وقد يوضع موضع المصدر، فيقال: بله زيدٍ، كأنه قيل: ترك زيدٍ.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
والمعنى: أن للَّه أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شيء أصغر منه وأقل، كما لو تمثل بالجزء الذي لا يتجزأ وبما لا يدركه لتناهيه في صغره إلا هو وحده بلطفه، أو بالمعدوم، كما تقول العرب: فلان أقل من لا شيء في العدد. ولقد ألم به قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) [العنكبوت: ٤٢]
_________________
(١) قوله: (بالجزء الذي لا يتجزأ) هو في عبارة المتكلمين. وعندهم: أن الأجسام البسيطة من أجزاءٍ صغارٍ لا تنقسم أصلًا. قوله: (إلا هو وحده بلطفه) أي: بلطف إدراكه. قال في قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام: ١٠٣]: وهو للطف إدراكه يُدرك تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك. قوله: (أقل من لا شيء) قيل: "شيء" مجرورٌ بـ (من)، ولا زائدة. المعنى: فلانٌ في حسبان الناس كأقل شيء. أو لا تكون زائدةً أي: أقل من المعدوم، أو غيره ملتفتٍ إليه. قوله: (ألم به) أي: نزل بهذا المعنى، أي: بالحكم على الشيء بلا شيء، الأساس: ألم: نزل، ومن المجاز: ألم بالأمر، أي: لم يتعمق به، الجوهري: غلامٌ ملمٌ: قارب البلوغ. قوله: «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) [العنكبوت: ٤٢]) قال أبو البقاء: "ما" في (مَا يَدْعُونَ) استفهامٌ منصوبٌ بـ (يَدْعُونَ) لا بـ (يَعْلَمُ)، و(مِن شَيءٍ) تبينٌ، ويجوز أن تكون نافيةً، و(مِن) زائدةً، و(شيئًا) مفعول (يَدْعُونَ).
[ ٢ / ٣٨٦ ]
وهذه القراءة تُعزى إلى رؤبة بن العجاج، وهو أمضغ العرب للشيح والقيصوم، والمشهود له بالفصاحة، وكانوا يشبهون به الحسن، وما أظنه ذهب في هذه القراءة إلا إلى هذا الوجه، وهو المطابق لفصاحته. وانتصب (بَعُوضَةً) بأنها عطف بيان لـ (مثلًا). أو مفعول لـ (يضرب)، و(مَثَلًا): حال عن النكرة مقدمة عليه،
_________________
(١) وقيل: نفى أن يكون مدعوهم شيئًا، وما للنفي، والوقف على (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ)، ثم الابتداء بقوله: (مَا يَدْعُونَ) حسنٌ وهو موقع الاستشهاد. قوله: (رؤبة بن العجاج) قال القتبي في "طبقات الشعراء": هو رؤبة بن العجاج ابن رؤبة، من بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وأبوه لقي أبا هريرة ﵁ وسمع منه أحاديث. قال ابن جني: فروايةُ "بعوضةٌ" بالرفع حكاها أبو حاتمٍ عن أبي عبيدة عن رؤبة، المعنى: لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضةٌ مثلًا، فحذف العائد إلى الموصول وهو ضعيفٌ؛ لأن هو ليس بفضلةٍ كما في ضربت الذي كلمت، أي: كلمته.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
أو انتصبا مفعولين فجرى «ضرب» مجرى «جعل». واشتقاق البعوض من البعض وهو القطع كالبضع والعضب. يقال: بعضه البعوض. وأنشد:
لَنِعْمَ البَيْتُ بَيْتُ أَبى دِثارٍ … إذَا مَا خافَ بعضُ القَوْمِ بَعْضَا
ومنه: بعض الشيء لأنه قطعه منه. والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت، وكذلك الخموش.
(فَما فَوْقَها) فيه معنيان: أحدهما: فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا، وهو القلة والحقارة، نحو قولك لمن يقول:
_________________
(١) قوله: (أو انتصبا مفعولين) أي: (مَثَلًا) و(بَعُوضَةً). قيل: هذا أبعد الوجوه لندرة مجيء مفعولي جعل وأمثاله نكرتين لأنها من دواخل المبتدأ والخبر. قوله: (لنعم البيت بيت أبي دثار)، قيل: أبو دثار: كنية البعوض لدثوره، أي: دروسه بالنهار. قال ابن الأعرابي: أبو دثار: الكلة، أي: نعم البيت الكلة في ليالي الصيف إذا خاف بعض القوم من عض البعوض. قوله: (الخموش)، الجوهري: الخموش بفتح الخاء: البعوض لغة هذيل. والخموش: الخدوش وقد خمش وجهه.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
فلانٌ أسفل الناس وأنذلهم: هو فوق ذاك، تريد: هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة. والثاني: فما زاد عليها في الحجم، كأنه قصد بذلك ردّ ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، لأنهما أكبر من البعوضة. كما تقول لصاحبك - وقد ذمّ من عرفته يشح بأدنى شيء فقال فلان بخل بالدرهم والدرهمين -: هو لا يبالى أن يبخل بنصف درهم فما فوقه، تريد بما فوقه ما بخل فيه وهو الدرهم والدرهمان، كأنك قلت: فضلا عن الدرهم والدرهمين. ونحوه في الاحتمالين ما سمعناه
_________________
(١) قوله: (يشح)، الجوهري: شححت بالكسر تشح، وشححت أيضًا تشح. قيل: هو في موضع ثاني مفعولي "عرفته" داخل في صلة الموصول، والوجه أن يكون حالًا. قوله: (هو لا يبالي) مقولٌ لقوله: "تقول لصاحبك" هذا الوجه إنما يُذهب إليه إذا سمع كلامٌ ذكر فيه ما يحتمل أحقر وأصغر منه، فيؤتى بما يحتمله من الصغر، ليترقى منه إلى ما ذكره المخاطب، فإن الكفار لما استنكروا ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، فقيل لهم: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً) [البقرة: ٢٦] فضلًا عما يقولونه وهو المثل بالذباب والعنكبوت، وعليه مثال الدرهم والدرهمين. الانتصاف: لا يستقيم المعنى على ما أشار إليه الزمخشري؛ لأن هذا الاستفهام إنما يقع للإنكار تنبيهًا بالأدنى على الأعلى، كما تقول: فلانٌ يُعطي الأموال ما الدينار وما الديناران؟ وأما ههنا فهم أنكروا ضرب المثل بالذباب، فلا يستقيم أن تكون البعوضة فما فوقها في الصغر أو الكبر على اختلاف المذهبين تنبيهًا بالأقل على الأكثر؛ إذ هي وما فوقها الأكثر في الحقارة! ولا تجد لتصحيح المعنى وجهًا. وإنما أطلت لأنه موضعٌ ضيقٌ يبعد فهمه، وحسبك بمعنىً انعكس فيه فهم الزمخشري.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
في "صحيح" مسلم عن إبراهيم عن الأسود قال: دخل شباب من قريش على عائشة ﵂ وهي بمنى وهم يضحكون. فقالت: ما يضحككم؟ قالوا: فلان خرّ على طنب فسطاط فكادت عنقه - أو عينه- أن تذهب. فقالت: لا تضحكوا؛
_________________
(١) الإنصاف: لو تأمل كلامه لوجد جواب اعتراضه فيه؛ لأنه قال: أُجيبوا بأن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا من الأمثال ما شاء؛ فما البعوضة فما فوقها؟ وذلك أن المسلوب عن الله أن يضرب مثلًا وهو نكرةٌ في سياق النفي، فيعم كل مثلٍ على اختلاف أنواعه عن الله، فما البعوضة، أي: الكل في الجواز سواء، فما البعوضة فما دونها في الحقارة؟ إذ المبالغة في تقليله لا يخرج عن كونه مثلًا، والكل جائزٌ، ولا يلزم من الاستفهام بـ"ما" أن يكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وقد يكون للإنكار على من سمع قاعدةً قد تقررت فسأل شيئًا من جزئياتها وقال: لِمَ جاز هذا مع وضوح الدليل على جواز الكل؟ وأُشير إلى أن الجميع علةٌ واحدة، وليس بعجيبٍ ما وهم فيه من ضيق مجال هذا البحث. وقلت: كلام صاحب "الإنصاف" يُشعر بأن وقله تعالى: (مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) من باب التذييل، وأنه يؤكد معنى العموم في قوله: (أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا) وتكرير (بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) للاستيعاب والشمول كقوله تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: ٦٢] سواءٌ اعتبرت الصغر أو الكبر أفاد الاستيعاب. والذي يُفهم من كلام المصنف: أن الوجه الأول من باب الترقي كقوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى)، والثاني من باب الأولوية كقوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء: ٢٣]، وإلى الأول الإشارة بقوله: "تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به"، وإلى الثاني بقوله: "كأنك قلت: فضلًا عن الدرهم والدرهمين".
[ ٢ / ٣٩٠ ]
إني سمعت رسول اللَّه ﷺ قال «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت بها عنه خطيئة» يحتمل فما عدا الشوكة وتجاوزها في القلة وهي نحو نخبة النملة في قوله ﵊: «ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة وهي عضتها. ويحتمل ما هو أشد من الشوكة وأوجع كالخرور على طنب الفسطاط. فإن قلت: كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟ قلت: ليس كذلك، فإن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات، وقد ضربه رسول اللَّه ﷺ مثلا للدنيا، وفي خلق اللَّه حيوان أصغر منها ومن جناحها، ربما رأيت في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحادّ إلا تحركها، فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثم إذا لوحت لها بيدك حادت عنها وتجنبت مضرتها،
_________________
(١) قوله: (يُشاك شوكةً) عن بعضهم: أراد المعنى لا العين، وهي المرة من شاك، ولو أراد العين لقال: بشوكةٍ، وفيه نظر. النهاية: شيك الرجل فهو مشوكٌ: إذا دخل في جسمه شوكة. الحديث أخرجه البخاري ومسلمٌ ومالكٌ والترمذي. وأما قوله: "ما أصاب المؤمن من مكروهٍ" الحديث، فلم أقف له على رواية. قوله: (كالخرور على طُنُب الفسطاط)، الجوهري: الفسطاط بيت من شعر. قوله: (وقد ضربه رسول الله ﷺ مثلًا للدنيا) روينا عن الترمذي عن سهل بن سعد،
[ ٢ / ٣٩١ ]
فسبحان من يدرك صورة تلك وأعضاءها الظاهرة والباطنة وتفاصيل خلقتها ويبصر بصرها ويطلع على ضميرها، ولعل في خلقه ما هو أصغر منها وأصغر (سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) [يس: ٣٦]، وأنشدت لبعضهم:
يَا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَنَاحَها … في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البَهِيمِ الألْيَلِ
ويَرَى عُرُوقَ نِيَاطِها في نَحْرِها … والمُخَّ في تِلْكَ العِظَامِ النّحَّلِ
اغْفِرْ لِعبْدٍ تابَ مِنْ فَرَطاتِهِ … ما كانَ مِنْهُ في الزَّمانِ الأوَّلِ.
وفَأَمَّا حرف فيه معنى الشرط، ولذلك يجاب بالفاء. وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد. تقول: زيد ذاهب. فإذا قصدت توكيد ذاك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب وأنه منه عزيمة قلت: أمّا زيد فذاهب. ولذلك قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب. وهذا التفسير مدل بفائدتين: بيان كونه توكيدًا،
_________________
(١) عن رسول الله ﷺ: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربة ماء". قوله: (يا من يرى) الأبيات، الجوهري: النياط: عرقٌ عُلِّق به القلب من الوتين، فإذا قُطع مات صاحبه. قوله: (أما زيدٌ فذاهب) قال الزجاج: الفاء دخلت في قوله: (فَيَعْلَمُونَ) لأن "أمّا"
[ ٢ / ٣٩٢ ]
وأنه في معنى الشرط. ففي إيراد الجملتين مصدّرتين به - وإن لم يقل: فالذين آمنوا يعلمون، والذين كفروا يقولون- إحماد عظيم لأمر المؤمنين، واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعى على الكافرين إغفالهم حظهم وعنادهم ورميهم بالكلمة الحمقاء.
_________________
(١) تأتي بمعنى الشرط والجزاء كأنه إذا قال: أما زيدٌ فقد آمن وأما عمرو فقد كفر، قيل: مهما يكن من شيءٍ فقد آمن زيدٌ، ومهما يكن من شيءٍ فقد كفر عمرو. قلت: وتحريره: أي شيءٍ قُدر من الموانع والحوادث لا يمنع زيدًا من افيمان. ويلزم منه أن الإيمان منه عزيمةٌ، ولهذا كرر العبارة. وفي "الإقليد": عن عبد القاهر: حق زيدٍ أن يكون بعد الفاء، لأنه جوابٌ وجزاءٌ إلا أنه حذف فعل الشرط وقدم المبتدأ وهو زيدٌ على الفاء وجُعل التقديم عوضًا من الفعل المحذوف. قوله: (إحمادٌ عظيم) ليس من أحمدته، أي: صادفته محمودًا، وإنما هو من أحمدت صنيعه، وأحمدت الأرض: رضيت سكناها، وجاورته فأ؛ مدت جواره. قاله في "الأساس" في قسم المجاز. وقيل: حُكمٌ بكونه محمودًا، كالإكفار حكمٌ بكونه كافرًا. قوله: (ورميهم بالكلمة الحمقاء) وصف الكلمة بالحمقاء إذا لم تصدر عن فكرٍ ورويةٍ، بل يُرمى بها جزافًا. وقصد بها وصف صاحبها على الإسناد المجازي كما وصف القرآن في قوله: (وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ) [يس: ٢] بصفة من هو بسببه، لتكون كنايةً عن حُمق صاحب الكلمة؛ ليصح التقابل بين هذه القرينة وبين قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ) [البقرة: ٢٦]. قال القاضي: وكان من حق الكلام: وأما الذين كفروا فلا يعلمون؛ ليطابق قوله: "يعلمون"، لكن لما كان قولهم هذا دليلًا واضحًا على جهلهم عدل إليه على سبيل الكناية ليكون كالبرهان عليه.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
والْحَقُّ الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. يقال: حق الأمر، إذا ثبت ووجب. وحقت كلمة ربك، وثوب محقق: محكم النسج.
و(ماذا) فيه وجهان: أن يكون ذا اسمًا موصولا بمعنى الذي، فيكون كلمتين. وأن يكون (ذا) مركبة مع (ما) مجعولتين اسمًا واحدًا فيكون كلمة واحدة، فهو على الوجه الأوّل مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته. وعلى الثاني منصوب المحل في حكم (ما) وحده لو قلت: ما أراد اللَّه. والأصوب في جوابه أن يجيء على الأوّل مرفوعًا، وعلى الثاني منصوبًا، ليطابق الجواب السؤال. وقد جوّزوا عكس ذلك تقول - في جواب من قال: ما رأيت؟ - خير، أى المرئي خير. وفي جواب ما الذي رأيت؟ خيرًا، أى رأيت خيرًا. وقرئ قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) [البقرة: ٢١٩] بالرفع والنصب على التقديرين.
والإرادة نقيض الكراهة، وهي مصدر أردت الشيء إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك. وفي حدود المتكلمين: الإرادة معنى يوجب للحي حالًا …
_________________
(١) قوله: (والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره) قال القاضي: الحق يعم الأعيان الثابتة والأفعال الصائبة والأقوال الصادقة. قوله: (كما تقول في جواب من قال: ما رأيت؟ خيرٌ) استشهادٌ للتعكيس، وسيجيء إن شاء الله في "النحل" أن مدار المطابقة على موافقة السائل ومخالفته في قوله تعالى: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) [النحل: ٢٤]. قوله: (أردت الشيء؛ إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك) قال القاضي: الإرادة: نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع. والأول مع
[ ٢ / ٣٩٤ ]
لأجلها يقع منه الفعل على وجه دون وجه. وقد اختلفوا في إرادة اللَّه، فبعضهم على أنّ للباري مثل صفة المريد منا التي هي القصد، وهو أمر زائد على كونه عالما غير ساه. وبعضهم على أن معنى إرادته لأفعاله هو أنه فعلها وهو غير ساه ولا مكره. ومعنى إرادته لأفعال غيره أنه أمر بها. والضمير في (أَنَّهُ الْحَقُّ) للمثل، أو لـ (أن يضرب)
_________________
(١) الفعل والثاني قبله، وكلٌ من المعنيين غير متصورٍ اتصاف البارئ تعالى به، ولذلك اختلف في معنى إرادته، وقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل والوجه الأصلح، فإنه يدعو القادر إلى تحصيله. والحق أنها ترجيح أحد مقدوريه على الآخر، وتخصيصه بوجهٍ دون وجه. وقال الإمام: إنها صفةٌ تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر؛ لا في الوقوع بل في الإيقاع، واحترزنا بهذا القيد عن القدرة. قوله: (عالمًا غير ساهٍ) بيانٌ لقوله: "عالمًا"؛ يريد أن المراد من الإرادة مجرد القصد، وهو أمرٌ زائدٌ على معنى العلم المراد منه غير ساهٍ. والوجه الآتي بخلافه. قوله: (وبعضهم على أن معنى إرادته) قال المصنف في كتاب "المنهاج": وقيل: معنى قوله: الله مريدٌ لأفعاله: أنه فعلها غير ساهٍ ولا مكرهٍ. "ومريدٌ لأفعال غيره": أنه أمر بها وليس له مثل صفة المريد منا، وهي القصد والميل. ومن أثبت له صفة المريد منا فهو عنده مريدٌ بمعنى الحادث وهو الإرادة، ويلزمه إثبات عرضٍ لا في محل. وعند الأشعري: هو مريدٌ بمعنى
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وفي قولهم (ماذا أراد اللَّه بهذا) استرذال واستحقار كما قالت عائشة ﵂ في عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: يا عجبًا لابن عمروٍ هذا!
_________________
(١) القديم. وعند النجار: مريدٌ لذاته، ويلزمهما أن يريد المعاصي فيكون كارهًا مريدًا لشيءٍ واحدٍ في حالة واحدة. وقال الإمام في "نهاية العقول": القائلون بنفي الإرادة من المعتزلة أبو الهذيل والنظام والجاحظ والبلخي والخوارزمي قالوا: لا معنى للإرادة والكراهية شاهدًا وغائبًا إلا الداعي والصارف، وذلك في حقنا هو العالم باشتمال الفعل على المصلحة أو الاعتقاد أو الظن بذلك، والله ﷾ لما استحال في حقه الاعتقاد والظن فلا جرم أنه لا معنى للداعي والصارف في حقه إلا علمه باشتمال الفعل على المصلحة والمفسدة. وقال أصحابنا: إن الأمر قد ينفك عن الإرادة، وتمام الكلام مذكور في الأصول. قوله: (يا عجبًا لابن عمرو هذا) روينا عن عبيد بن عميرٍ قال: بلغ عائشة ﵂: أن عبد الله بن عمرٍ ويأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت: يا عجبًا لابن
[ ٢ / ٣٩٦ ]
(مَثَلًا) نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث:ماذا أردت بهذا جوابًا؟ ولمن حمل سلاحًا رديًا. كيف تنتفع بهذا سلاحًا؛ أو على الحال، كقوله: (هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) [الأعراف: ٧٣].
وقوله: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدّرتين بأما، وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة، وأنّ العلم بكونه حقًا من باب الهدى الذي ازداد به المؤمنون نورًا إلى نورهم، وأنّ الجهل بحسن مورده من باب الضلالة التي زادت الجهلة خبطا في ظلمائهم. فإن قلت: لم وصف المهديون بالكثرة - والقلة صفتهم (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: ١٣]، (وَقَلِيلٌ ما هُمْ) [ص: ٢٤]
_________________
(١) عمرو هذا. وفيه: "كنت أغتسل ورسول الله في إناءٍ واحدٍ وما أزيدُ أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات" أخرجه مسلم. قوله: (أو على الحال) قال أبو البقاء: "مثلًا" حالٌ من اسم الله، أو من "هذا" أي: متمثلًا أو متمثلًا به. والمصنف اختار الثاني لقوله: (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً) [الأعراف: ٧٣]. قوله: (جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين) لأن كلتا الجملتين مشتملةٌ على الكثرة وعلى معنى الضلالة والهدى وهو قوله: (فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ) [البقرة: ٢٦] و(فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ) فبين بقوله: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) ذلك وكشف المعنى، وكذا تفسيره هذا، فقوله: "وإن فريق العالمين" و"فريق الجاهلين" جارٍ مجرى التفسير لقوله: "جارٍ مجرى التفسير والبيان"، وكذا قوله: "وأن العلم بكونه حقًا" وقوله: "وأن الجهل بحسن مورده" تفسيرٌ للتفسير على طريقة: أعجبني زيدٌ وكرمه.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
"الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة، "وجدت الناس أخبر تقله"؟ … ..
_________________
(١) قوله: (الناس كإبلٍ مئة) الحديث أخرجه البخاري ومسلمٌ والترمذي عن ابن عمر. النهاية: أي: المرضي المنتجب من الناس كالنجيب من الإبل القوي على الأحمال الذي لا يوجد في كثيرٍ من الإبل. قال الأزهري: الراحلة هي البعير القوي على الأسفار والأحمال التام الخلق، يقع على الذكر والأنثى، والهاء فيه للمبالغة. قوله: (وجدت الناس أخبر تقله) قال الميداني: ويجوز: "وجدت الناس" بالرفع على الحكاية، أي: سمعت هذا القول، ومن نصب "الناس" نصبه بالأمر، أي: اخبر الناس. "ووجدت" بمعنى: عرفت، أي: عرفت هذا المثل، والهاء في "تقله" للسكت بعد حذف العائد أصله: اخبر الناس تقلهم ثم حذف الضمير، ثم أدخل هاء الوقف، والجملة في محل النصب بـ"وجدت" أي: وجدت الأمر كذلك. قال أبو عبيد: جاءنا الحديث عن أبي الدرداء، وقال: خرج الكلام على لفظ الأمر ومعناه الخبر، يريد أنك إذا خبرتهم قليتهم، يُضرب في ذم الناس وسوء معاشرتهم. وقالوا: اخبر تقله، مفعولٌ ثانٍ لوجدت، أي: وجدتهم مقولًا فيهم هذا القول. ومعناه: ما منهم من أحدٍ إلا وهو مسخوطٌ بالفعل عند الخبرة.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
قلت: أهل الهدى كثير في أنفسهم، وحين يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال. وأيضًا فإنّ القليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة، فسموا ذهابًا إلى الحقيقة كثيرًا:
إنَّ الكِرَامَ كثِيرٌ في البِلادِ وإنْ … قَلُّوا، كَمَا غَيْرُهُمْ قَلُّ وإنْ كَثُروا
وإسناد الإضلال إلى اللَّه تعالى إسناد الفعل إلى السبب؛ لأنه لما ضرب المثل فضل به قوم واهتدى به قوم، تسبب لضلالهم وهداهم. وعن مالك بن دينار ﵀ أنه دخل على محبوس قد أخذ بمال عليه وقيد، فقال: يا أبا يحيى، أما ترى ما نحن فيه من القيود؟ فرفع مالك رأسه فرأى سلة فقال: … .
_________________
(١) قوله: (قُلٌّ وإن كثروا)، الأساس: في ماله قلةٌ وقُلٌّ، والربا وإن كثر فهو إلى قُلٍّ، والحمد لله على القل والكثر. قوله: (إن الكرام) البيت، الانتصاف: والاستشهاد بالبيت غير مستقيمٍ لأن معناه: أنهم وإن كانوا قليلًا فالواحد منهم كالكثير، قال: وواحدٌ كالألف إن أمرٌ عنى الإنصاف: المهديون في الآية كثيرٌ في أنفسهم وقليلٌ بالنسبة إلى غيرهم، فليس البيت من معنى الآية في شيء.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقلت: كلاهما اتفقا على أن الجواب الأول هو المقصود في تفسير الآية، لأن المعنى: المهديون كثيرون في أنفسهم لأنهم كانوا جمًا غفيرًا، ولكن بالنسبة إلى الكافرين كانوا قليلين. وأما الجواب الثاني والبيت المستشهد به فليسا من المعنى في شيء، إذ لو أريد هذا المعنى لقيل: يُضل به قليلًا ويهدي به كثيرًا. ويمكن أن يقال: إن المعنى يُضل به الناقضين الذين إن عدوا كانوا كثيرن، ويهدي به الكاملين الذين إن اعتدوا كانوا كثيرين كقوله: قليلٌ إذا عُدوا كثيرٌ إذا شدوا. على أن سؤال المصنف المؤسس على قاعدته عن أصله مدفوع؛ لأنه إن أراد معنى العموم فقوله: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: ١٣] مع سائر الأمثلة لا يقابل الكافرين؛ لأن ذلك القليل لا يوجد إلا في الأنبياء وأفراد المؤمنين، بل المقابل عامة المؤمنين من أمة محمد صلوات الله عليه الذين علموا أن ما يقوله حقٌّ وصواب، سواءٌ كانوا مطيعين أو عاصين، فيدخل فيه من سيق له الكلام دخولًا أوليًا، وهو الذي يقتضيه النظم، وإن أراد خصوص السبب، فقد أبعد المرمى؛ لأن الكلام واقعٌ في الطاعنين في ضرب الأمثال، القائلين: أما يستحيي رب محمدٍ أن يضرب بالذباب والعنكبوت مثلًا؟ وماذا أراد الله بهذا مثلًا؟ وذلك أن الضمير في (أَنَّهُ الْحَقُّ) كما صرح به للمثل أو لـ"أن يضرب"، وفي "به" في "يضل به" "ويهدي به" كذلك، لما قال: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين والطاعنون في ضرب الأمثال ما بلغوا مبلغ المؤمنين الذين حازوا قصب السبق، وشهد الله تعالى به في قوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: ١٠٠] فضلًا عن أن يزيدوا عليهم.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
لمن هذه السلة؟ فقال: لي، فأمر بها تنزل، فإذا دجاج وأخبصة، فقال مالك: هذه وضعت القيود على رجلك. وقرأ زيد بن على: يَضل به كثير. وكذلك: وما يَضل به إلا الفاسقون. والفسق: الخروج عن القصد. قال رؤبة:
فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوَائرَا
والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر اللَّه بارتكاب الكبيرة، وهو النازل بين المنزلتين أى بين منزلة المؤمن والكافر، وقالوا إنّ أوّل من حدّ له هذا الحدّ: أبو حذيفة واصل بن عطاء ﵁ وعن أشياعه. وكونه بين بين أنّ حكمه
_________________
(١) قوله: (فأمر بها تنزل) بالرفع على حذف أن وهو بدلُ اشتمالٍ من الضمير في بها كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا) [الزمر: ١٧]. قوله: (فواسقًا عن قصدها جوائرا) أوله: يذهبن في نجدٍ وغورًا غائرا القصد: الطريق المستقيم، "غورًا": عطفٌ على محل الجار والمجرور، يصف نوقًا يمشين في المفاوز يذهبن عن استقامة الطريق. قوله: (النازل بين المنزلتين) قال القاضي: الفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وله درجاتٌ ثلاث: الأولى: التغابي وهو أن يرتكبها أحيانًا مستقبحًا إياها، والثانية: الانهماك وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبالٍ بها. والثالثة: الجحود وهو أن يرتكبها مستوصبًا إياها، فإذا شارف هذا المقام وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه ولابس الكفر. وما دام هو في
[ ٢ / ٤٠١ ]
حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين. وهو كالكافر في الذمّ واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته، وأن لا تقبل له شهادة. ومذهب مالك بن أنس والزيدية: أنّ الصلاة لا تجزئ خلفه. ويقال للخلفاء المردة من الكفار: الفسقة. وقد جاء الاستعمالان في كتاب اللَّه. (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ) [الحجرات: ١١]. يريد اللمز والتنابز (إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ) [التوبة: ٦٧]. النقض: الفسخ وفك التركيب. فإن قلت: من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد؟ قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة؛
_________________
(١) درجة التغابي والانهماك فلا يُسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمى الإيمان، والمعتزلة لما قالوا: الإيمان عبارةٌ عن مجموع التصديق والإقرار والعمل، والكفر تكذيب الحق وجحوده؛ جعلوه قسمًا ثالثًا نازلًا بين منزلتي المؤمن والكافر؛ لمشاكلته كل واحدٍ منهما في بعض الأحكام. قوله: (للخلعاء) هو جمع خليعٍ. الأساس: ومن المجاز: خلع فلانٌ رسنه وعذاره، فعدا على الناس بشره. وقيل لكل شاطرٍ: خليع. قوله: (وقد جاء الاستعمالان) أي: استعمال اسم الفاسق على المؤمن والكافر. قوله: (النقض: الفسخ)، الراغب: النقض فسخ المبرم، وأصله في طاقات الحبل، والنكث مثله. قوله: (من حيث تسميتهم العهد بالحبل) أي: لما سموا العهد بالحبل على سبيل الاستعارة كما في قوله: "إن بيننا بين القوم حبالًا" أي: عهدًا، جسروا أن يستعملوا النقض في إبطال
[ ٢ / ٤٠٢ ]
لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين. ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة: يا رسول اللَّه، إنّ بيننا وبين القوم حبالا ونحن قاطعوها، فنخشى إنّ اللَّه ﷿ أعزّك وأظهرك أن ترجع إلى قومك وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها؛
_________________
(١) العهد، وذلك أن شبه العهد بالحبل لما فيه من ثبات الوصلة تشبيهًا بليغًا حتى إنه حبلٌ من الحبال، ثم أخذ الوهم في تصويره بصورة الحبل، وتخييله بالحبل، واختراع ما يلازم الحبل من النقض، ثم إطلاق النقض المحقق على ذلك المخترع على سبيل الاستعارة التخييلية، ثم إضافته إلى العهد المتخيل ليكون قرينةً مانعةً عن إرادة العهد الحقيقي، ولو لم يُذكر النقض لم يُعلم أن العهد مكان الاستعارة، وإليه رمز المصنف بقوله: "أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار" أي: الحبل "ثم يرمزوا إليه بذكر شيءٍ من روادفه" أي: النقص، "فيُنبهوا بتلك الرمزة على مكانه" أي: الحبل المستعار، وعلى هذا المثالان. قوله: (التيهان) وفي "الحواشي": صح عن نسخة المصنف بفتح الياء، وبكسرها خطأٌ ذكره المرزوقي في "شرح الحماسة". قلت: بل هو أصوب لما في "جامع الأصول": ابن التيهان اسمه أبو الهيثم مالك بن التيهان الأنصاري صحابيٌ كبيرٌ شهد العقبة الأولى والثانية، وشهد بدرًا وأُحدًا والمشاهد كلها، التيهان: بفتح التاء فوقها نقطتان وبتشديد الياء تحتها نقطتان وكسرها. ذكره في موضعين من كتابه. قوله: (في بيعة العقبة) وهي العقبة الثانية في ثلاث عشرة من النبوة، والعقبة الأولى في سنة إحدى عشرة منها، كان رسول الله ﷺ يخرج في الموسم يعرض نفسه على القبائل، فبينا هو عند العقبة لقي رهطًا من الخزرج، فجلس معهم وعرض عليهم الإسلام، وتلا القرآن،
[ ٢ / ٤٠٣ ]
أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه، فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه. ونحوه قولك: شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس، وإذا تزوّجت امرأة فاستوثرها. لم تقل هذا إلا وقد نبهت على الشجاع والعالم
_________________
(١) فأجابوه وانصرفوا راجعين، وكانوا ستة نفرٍ، فلما كان العام المقبل قدم منهم اثنا عشر رجلًا منهم ابن التيهان، قال عبادة بن الصامت: بايعناه بيعة النساء على أن لا نُشرك بالله شيئًا، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتانٍ نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. قال ابن التيهان: بيننا وبين القوم حبالٌ إلى آخره، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنتم مني وأنا منكم". أورده ابن الجوزي في كتاب "الوفا في سيرة المصطفى". والحبال- في قول ابن التيهان- استعارةٌ مصرحة عن العهد والقرينة مقتضى المقام، و"قاطعوها" ترشيحٌ لها. "وأن يسكتوا" في الكتاب بدلٌ من قوله: "هذا" أي: سكوتهم "عن ذكر الشيء المستعار" إلى آخره "من أسرار البلاغة". قوله: (فاستوثرها)، الأساس: فراشٌ وثير: وطيءٌ، وقد وُثر وثارةً، ومن المجاز: وثرت وثارةً، إذا سمنت، قال القطامي: وكأنما اشتمل الضجيع بريطةٍ … لا بل تزيد وثارةً وليانا قوله: (لم تقل هذا) أي: "يفترس" مثلًا إلا وقد دللت به على أن المراد بقولك: شجاعٌ: أسدٌ، ولا يكون أسدًا إلا أن يكون استعارةً مكنيةً كما سبق، وذلك بأن يذكر اسم الشجاع
[ ٢ / ٤٠٤ ]
بأنهما أسد وبحر، وعلى المرأة بأنها فراش والعهد: الموثق. وعهد إليه في كذا: إذا وصاه به ووثقه عليه. واستعهد منه: إذا اشترط عليه واستوثق منه
_________________
(١) الذي هو المشبه، ويراد به اسم الأسد المشبه به أولًا، وهو الآن متخيلٌ، وإنما سميت مكنيةً لدلالة لازم المشبه به على مكانه، فتفطن لها، واحذه حذو ما نبه عليه المصنف، فإن غلط الناس فيها كثير، وحيث لم يفهموه خطؤوا صاحب "المفتاح". وأما قول صاحب "التقريب": إنها على الاستعارة المرشحة، فبعيد؛ لأن القرينة لا تكون ترشيحًا، بل الترشيح قوله: (مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) [البقرة: ٢٧]؛ لأن الترشيح تفريعٌ على الاستعارة وتتميمٌ لها، ولا يأتي إلا بعد تمامها. قوله: (وعلى المرأة بأنها فراش) وإنما أعاد الجار ليفرق بين الأمثلة، وقد فرقها في قوله: "وإذا تزوجت امرأة" حيث عدل إلى الشرطية، ولو قلت: شجاعٌ يفترس أقرانه، وعالمٌ يغترف منه الناس، وامرأةٌ وثيرة، لنسبت إلى ما تكره، ولجمعت بين الضرغام والنعام. قوله: (واستعهد) عطفٌ على قوله: "عهد إليه" أي: العهد مطلقًا: الموثق، فإذا استعمل بـ"إلى" كان بمعنى وصاه به، وإذا استعمل بـ"من"، كان بمعنى الاشتراط، والقدر المشترك الموثق، كما قال "العهد: الموثق" ولهذا قدر في المعنيين "وثقه عليه واستوثق منه"، ولابد من الأول من قبول من يُعهد إليه، وفي الثاني لزوم الوفاء من الطرفين، يدل عليه استشهاده بقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) [البقرة: ٤٠] والصريح فيه قوله تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) [البقرة: ٣٨] إلى قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) الآية [البقرة: ٣٩].
[ ٢ / ٤٠٥ ]
والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد اللَّه: أحبار اليهود المتعنتون، أو منافقوهم، أو الكفار جميعًا. فإن قلت: فما المراد بعهد اللَّه؟ قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) [الأعراف: ١٧٢]؛ أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث إليهم رسول - يصدقه اللَّه بمعجزاته - صدّقوه واتبعوه،
_________________
(١) الراغب: العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال. وعهد فلانٌ إلى فلان يعهد، أي: ألقى العهد إليه، وأوصاه بحفظه، وعهد الله تارةً يكون بما ركزه في عقولنا وتارةً بما أمرنا به بكتابه وسنة رسوله، وتارةً بما نلتزمه وليس بلازمٍ في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها، وعلى هذا قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ) [التوبة: ٧٥] والمعاهد في أصل الشرع يختص بمن دخل من الكفار في عهد المسلمين، وكذلك ذو العهد، ومنه الحديث: "لا يقتل المؤمن بكافرٍ ولا ذو عهدٍ في عهده" وباعتبار الحفظ قيل للوثيقة بين المتعاقدين عهدة، وقولهم: في هذا الأمر عهدةٌ لما أُمر به بأن يستوثق منه. ويقال: العهد للدار، لمراعاة الرجوع إليها. قوله: (ما ركز في عقولهم) مناسبٌ لقوله: "عهد إليه في كذا" فعلى هذا أخذ الميثاق تمثيلٌ بدليل قوله: "كأنه أمرٌ وصاهم به". فقوله: (وهو معنى قوله: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) [الأعراف: ١٧٢]) بيانٌ لقوله: "ما ركز في عقولهم من الحجة" وقوله: "أو أخذ الميثاق عليهم" مناسبٌ لقوله: "واستعهد منه: إذا اشترط عليه"، ويدل عليه تصريح الشرط بأنهم إذا بُعث إليهم رسولٌ صدقوه واتبعوه.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
ولم يكتموا ذكره فيما تقدّمه من الكتب المنزلة عليهم، كقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) [البقرة: ٤٠]. وقوله في الإنجيل لعيسى صلوات اللَّه عليه: «سأنزّل عليك كتابًا فيه نبأ بنى إسرائيل، وما أريته إياهم من الآيات، وما أنعمت عليهم وما نقضوا من ميثاقهم الذي واثقوا به، وما ضيعوا من عهده إليهم» وحسن صنعه للذين قاموا بميثاق اللَّه تعالى وأوفوا بعهده، ونصره إياهم، وكيف أنزل بأسه ونقمته بالذين غدروا ونقضوا ميثاقهم ولم يوفوا بعهده، لأنّ اليهود فعلوا باسم عيسى ما فعلوا باسم محمد صلى اللَّه عليهما وسلم من التحريف والجحود وكفروا به كما كفروا به، وقيل:
_________________
(١) ـ قوله: (فيما تقدمه) متعلقٌ بقوله: "ذكره" وقيل: متعلقٌ بقوله: "أخذ" وليس بذلك. قوله: (في الإنجيل) أي: في حق الإنجيل. والمراد بقوله: "كتابًا" هو الإنجيل، نحو قوله تعالى لرسولنا صلوات الله عليه: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) [المزمل: ٥] والقول الثقيل هو القرآن. قوله: (وما أريته) عطفٌ تفسيري لقوله: "بني إسرائيل"، على تقدير مضافٍ، أي: نبأ بني إسرائيل أريته إياهم. قوله: (لأن اليهود فعلوا باسم عيسى) قيل: إلى هاهنا تم كلام الله في الإنجيل. وفي قوله: "من عهده" التفاتٌ، وقوله: "لأن اليهود" كلام المصنف، وهو متعلقٌ بقوله: "في الإنجيل" والظاهر أنه تعليلٌ لانضمام قوله: "في الإنجيل" مع قوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) [البقرة: ٤٠] وكلاهما مثالان لقوله: "أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث" إلى آخره، أي: أن الله تعالى
[ ٢ / ٤٠٧ ]
هو أخذ اللَّه العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يبغى بعضهم على بعض، ولا يقطعوا أرحامهم. وقيل: عهد اللَّه إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الأوّل الذي أخذه على جميع ذرّية آدم، الإقرار بربوبيته وهو قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بني آدَمَ) [الأعراف: ١٧٢]؛ وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرّقوا فيه، وهو قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ) [الأحزاب: ٧]؛ وعهدٌ خصّ به العلماء وهو قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران: ١٨٧]. والضمير في (ميثاقه) للعهد،
_________________
(١) أخذ الميثاق عليهم بأنه إذا بُعث إليهم رسولٌ يصدقه بمعجزاته صدقوه، ولم يكتموا ذكره المثبت في الكتب المنزلة عليهم كما كتب في "التوراة"، واستعهد من اليهود فيها: أنه إذا جاءهم الرسول النبي الأمي ويصدقه الله بالمعجزة يؤمنوا به ويصدقوه، يدل عليه قوله: سأنزل إلى آخره؛ لأن فيه تسليةً للمسيح ﵇، وأنه من زُمرة من كذبته اليهود ونقضوا ميثاق الله فيه، ولم يوفوا بعهده. ووعد بأنه سينتقم له منهم البتة. قوله: (والضمير في (مِيثَاقِهِ) للعهد) أي: الضميرُ فيه: إما للعهد أو لله تعالى، وعلى التقديرين الميثاق: إما اسمٌ لما تقع به الوثاقة، أي: الاستحكام، وإما مصدر. فهذه وجوه أربعة: الوجه الأول مناسبٌ لقوله في الجواب "ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد"، لإيقاع قوله: طمن قبوله وإلزامه أنفسهم" بيانًا "لما وثقوا به"، ولا بد في هذا الوجه من القبول ممن يعهد إليه، لما سبق في قوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: ١٧٢]. والرابع منها مناسبٌ للوجه الثاني في الجواب وهو قوله: "أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بُعث إليهم رسولٌ صدقوه" لقوله: "من آياته وكتبه وإنذار رسله"، ولا يجب على هذا الوجه
[ ٢ / ٤٠٨ ]
وهو ما وثقوا به عهد اللَّه من قبوله وإلزامه أنفسهم. ويجوز أن يكون بمعنى توثيقه، كما أنّ الميعاد والميلاد، بمعنى الوعد والولادة. ويجوز أن يرجع الضمير إلى اللَّه تعالى، أى من بعد توثقته عليهم، أو من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه وإنذار رسله. ومعنى قطعهم ما أمر اللَّه به أن يوصل: قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين،
_________________
(١) القبول لما سبق في قوله تعالى: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) وقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ). والوجه الثاني والثالث عامّان، ولهذا ما قيدهما بشيء، أما تقدير الوجه الثاني: فالمعنى الذين ينقضون عهد الله من بعد توثقتهم العهد مع الله بالقبول والتزموه، أو من بعد توثقة الله العهد بالشرط الذي شرط، وعلى هذا الوجه الثالث. قوله: (قطعهم الأرحام) قال القاضي: ويحتمل كل قطيعةٍ لا يرضاها الله تعالى وسائر ما فيه رفض خيرٍ وتعاطي شر، فإنه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد المقصودة بالذات. وقلت: ذهب القاضي إلى العموم، وخصه المصنف بالوجهين، ولا منافاةً؛ لأن قوله: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ) متصلٌ بقوله: (إِلَّا الْفَاسِقِينَ)، وهو: إما مظهرٌ وضع موضع المضمر، وهم الطاعنون في التمثيلات الواردة في التنزيل. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا) [البقرة: ٢٦] ردٌّ عليهم، وحينئذٍ لا يخلو: إما أن يُراد بهم المشركون، فالمراد بقطع الأرحام عداوتهم مع رسول الله ﷺ، وإما أن يراد بهم أهل الكتاب، فالمراد قطعهم ما بين الأنبياء من الوُصلةِ والاتحاد حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعضٍ، وإما عامٌّ في جميع الفسقة، فحينئذٍ يُحمل على ما قاله القاضي، ويدخل فيه أحد الفريقين على البدل دخولًا أوليًّا بشهادة سياق الكلام، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
وقيل: قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق، في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض. فإن قلت: ما الأمر؟ قلت: طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه، وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور؛ لأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره به، فقيل له: أمر؛ تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به، كما قيل له شأن. والشأن: الطلب والقصد. يقال: شأنت شأنه، أي قصدت قصده.
_________________
(١) الراغب: أما ذمهم بقطع ما أمر الله به أن يوصف فذمٌ برفض الخيرات وتعاطي السيئات، وذلك أن التقاطع يحصل من رفض المحبة والعدالة، ورفضهما سبب كل فساد، فإن القوم إذا أحبوا وعدلوا تواصلوا، وإذا تواصلوا تعاونوا، وإذا تعاونوا عمروا، وإذا عمروا أمروا. وبالعكس: إذا تباغضوا وظلموا تدابروا وتخاذلوا، وإذا تخاذلوا لم يعمل بعضهم لبعضٍ فهلكوا. ولهذا قال ﷺ: "لا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم الله". ولذلك حثنا على الاجتماعات في الجمعات والجماعات؛ لكون ذلك سببًا إلى الألفة، بل لذلك عظَّم الله تعالى المنة على المؤمنين بقوله: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) [الأنفال: ٦٣]. قوله: (واحد الأمور) أي: القصد والشأن، لأن الأمر المصطلح عليه جمعه: الأوامر. قوله: (لأن الداعي الذي يدعو إليه) والضمير في "إليه" راجعٌ إلى الأمر بمعنى الشأن، وكذا المنصوب في "يتولاه"، لا إلى الفعل كما ظُنَّ؛ لأن التشبيه واقعٌ بين الأمر الذي هو بمعنى الشأن وبين الأمر الذي هو طلب الفعل، و"من يتولاه" مفعول يدعو، أي: شبه الداعي الذي
[ ٢ / ٤١٠ ]
(هُمُ الْخاسِرُونَ)؛ لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح وعقابها بثوابها.
[(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)].
معنى الهمزة التي في كَيْفَ مثله في قولك: أتكفرون باللَّه
_________________
(١) يدعو من يقصد أمرًا بآمر يأمر المتولي، أي: المأمور؛ لأن كل فعل لابد له من باعث وحامل، فشبه ذلك الباعث بالأمر، فصار ذلك الفعل كالمأمور به فسموه بالمصدر؛ كالصيد باسم المصيد. وفي كلامه إيماء إلى أنه منقول عرفي، والتشبيه بيان للعلاقة. قال صاحب "النهاية": الشأن: الخطب والأمر والحال، والجمع: شؤون. قوله: (استبدلوا النقض بالوفاء) يشير إلى أن تلك الاستعارة التي سبقت في قوله تعالى: (يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) [البقرة: ٢٧] متضمنة للاستبدال المستعار له البيع والشراء استعارة قوله تعالى: (اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: ١٦]، ولهذا ذيل بقوله: (أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ)، فإن الخسران لا يستعمل إلا في التجارة حقيقة، فيكون قرينة للاستعارة المقدرة، كما أن ثمة النسبة قرينة لها، و"فما ربحت" ترشيح، شبه استبدال النقض بالوفاء المستلزم للعقاب بالاشتراء المستلزم للخسران. قوله: (وعقابها) الضمير فيه راجع إلى النقض والقطع والفساد، وهي جماعة، كما أن في "بثوابها" راجع إلى نقائضها. قوله: (معنى الهمزة [التي] في (كَيْفَ) مثله في [قولك]: أتكفرون) يعني: "كيف"
[ ٢ / ٤١١ ]
ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان، وهو الإنكار والتعجب. ونظيره قولك: أتطير بغير جناح، وكيف تطير بغير جناح؟ فإن قلت: قولك: أتطير بغير جناح إنكار للطيران، لأنه مستحيل بغير جناح، وأما الكفر فغير مستحيل مع ما ذكر من الإماتة والإحياء. قلت: قد أخرج في صورة المستحيل لما قوى من الصارف عن الكفر والداعي إلى الإيمان. فإن قلت: فقد تبين أمر الهمزة وأنها لإنكار الفعل والإيذان باستحالته في نفسه، أو لقوة الصارف عنه، فما تقول في (كيف)؛
_________________
(١) سؤال عن الحال، فإذا قيل: كيف زيد؟ كأنه قيل: أصحيح أم سقيم؟ مشغول أم فارغ؟ لأنه إنما يجاب بمثل ذلك، فإذن "كيف" ها هنا متضمن للهمزة، ثم معنى الهمزة فيه الإنكار والتعجب؛ لأنه متفرع على قوله: أتكفرون كما سنبينه، والهمزة فيه للإنكار والتعجب فكذا في كيف. ونقل عن المصنف أنه قال في الفرق بين الهمزة و"كيف": إن "كيف" سؤال تفويض لإطلاقه، وكأن الله تعالى فوض الأمر إليهم في أن يجيبوا بأي شيء أجابوا، ولا كذلك الهمزة، فإنه سؤال حصر وتوقيت، فإنك تقول: أجاءك راكبًا أم ماشيًا؟ فتوقت وتحصر. ومعنى الإطلاق ما قاله صاحب "المفتاح": "كيف" سؤال عن الحال وهو ينتظم الأحوال كلها، والكفار حين صدور الكفر عنهم لابد من أن يكونوا على إحدى الحالتين: إما عالمين بالله وإما جاهلين به، فإذا قيل: كيف تكفرون بالله؟ أفاد: في حال العلم تكفرون بالله أم في حال الجهل؟ هذا هو معنى التفويض في الآية. قوله: (لما قوي من الصارف عن الكفر) والصارف هو العلم بكونه تعالى محييهم ثم مميتهم، ثم المرجع والمصير إليه لإيقاع قوله: (وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ) الآية قيدًا لقوله: (تَكْفُرُونَ). قوله: (فما تقول في (كَيْفَ» يعني: هلا أنكر عليهم ذات الكفر وذات الطيران وهما المنكران لا حالهما، و"كيف" للحال؟ وحاصل الجواب: أن إنكار الذات مستتبع لإنكار الحال،
[ ٢ / ٤١٢ ]
حيث كان إنكارًا للحال التي يقع عليها كفرهم؟ قلت: حال الشيء تابعة لذاته، فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال فكان إنكار حال الكفر لأنها تبيع ذات الكفر ورديفها إنكارًا لذات الكفر، وثباتها على طريق الكناية، وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ. وتحريره: أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها. وقد علم أنّ كل موجود لا ينفك عن حال وصفة عند وجوده. ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكارًا لوجوده على الطريق البرهاني. والواو في قوله (وَكُنْتُمْ أَمْواتًا) للحال. فإن قلت: فكيف صح أن يكون حالا وهو ماض، ولا يقال جئت وقام الأمير، ولكن وقد قام، لا أن يضمر قد؟ قلت: لم تدخل الواو على: (كُنْتُمْ أَمْواتًا) وحده، ولكن على جملة قوله: (كُنْتُمْ أَمْواتًا) إلى (تُرْجَعُونَ)، كأنه قيل: كيف تكفرون باللَّه وقصتكم هذه وحالكم أنكم كنتم أمواتا نطفا في أصلاب آبائكم؛
_________________
(١) لأن حال الشيء تابعة لذات الشيء، فلو أنكر الذات في هذا المقام [لم] يكن في المبالغة كما إذا أنكر الحال، فيتبعها امتناع الذات، لأن مقتضى الظاهر إنكار الذات. فإذا أنكر لم يكن من الكناية في شيء. وأما إذا أنكرت الحال لتنتفي الذات كان كناية، وكان أبلغ لما يلزم من نفيها نفيه بطريق برهاني؛ لأنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها وقد علم أن كل موجود لا ينفك عن حال، فإذا نفي اللازم ينتفي الملزوم، فكان كدعوى الشيء ببينة، وهي كناية إيمائية. قوله: (ولا يقال: جئت وقام الأمير ولكن: وقد قام) قال صاحب "المفتاح": إنما وجب ذلك ليقربه من زمانك حتى يصلح للحال. وقال السجاوندي: الفعل الماضي لا يصح أن يكون حالًا؛ لأن الحال مفعول فيها، وما مضى لا يصح أن يقع فيه شيء، فإذا صحبه "قد" وقع حالًا، وذلك أن "قد" حرف معنى، وحرف المعنى إذا دخل على الفعل غيره عما كان عليه من المعنى، فإذا قلت: جئت وقد كتب
[ ٢ / ٤١٣ ]
فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم بعد الموت، ثم يحاسبكم. فإن قلت: بعض القصة ماض وبعضها مستقبل، والماضي والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقعا حالا حتى يكون فعلا حاضرا وقت وجود ما هو حال عنه، فما الحاضر الذي وقع حالا؟ قلت: هو العلم بالقصة، كأنه قيل: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة بأولها وآخرها. فإن قلت: فقد آل المعنى إلى قولك: على أى حال تكفرون في حال علمكم بهذه القصة فما وجه صحته؟ قلت: قد ذكرنا أنّ معنى الاستفهام في:
_________________
(١) زيد، لا يجوز أن يكون حالًا إن كانت الكتابة قد انقضت، ويكون إذا شرع في الكتابة، وقد مضى منها جزء لا أنه ملتبس بها، فيفيد "قد" أن زيدًا قد شرع في الكتابة، وأنه قد مضى جزء منها، فلمضي ذلك الجزء جيء بالماضي، ولا يقع الماضي حالًا إلا على هذا المعنى، فلهذا لزم أن يكون معه "قد" ظاهرة أو مقدرة. وقال غيره: لابد في الماضي المثبت من "قد" ظاهرة أو مقدرة؛ لأنه إنما يصلح للحال ما يصح أن يقع فيه الآن أو الساعة، وهذا ممتنع في الماضي المثبت، فلا يكون حالًا، إلا إذا كان معه "قد"، فإنه قد يقرب الماضي من الحال، ولا يحتاج الماضي المنفي إلى ذلك لدلالة ما على نفي الحال، ولهذا يصح تقدير "الآن" أو "الساعة". قوله: (فقد آل المعنى) يعني رجع معنى قوله: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ) "على أي حال تكفرون" ومعنى قوله: (وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا) إلى آخره "في حال علمكم بهذه القصة" كأنه قيل: أجيبوا عن حال كفركم، والحال أنكم عالمون بهذه القصة، فما وجه استقامة هذا الكلام؟ وخلاصة الجواب وتحريره: أن كيف سؤال عن الحال، وتقرر أن حالة الكفر منحصرة في العلم بالصانع والجهل به، فإذا قيد السؤال بإحدى الحالتين فكيف يجاب عنه؟ وخلاصة الجواب: أنا قد دللنا على أن مرجع إنكار حال الكفر إلى إنكار ذاته لا حاله، وذكر الحال للمبالغة فقط، وأن الحال الثانية قيد للمنكر. المعنى: أتكفرون والحال حال العلم، فحصول
[ ٢ / ٤١٤ ]
(كَيْفَ): الإنكار، وأنّ إنكار الحال متضمن لإنكار الذات على سبيل الكناية، فكأنه قيل: ما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه! فإن قلت: إن اتصل علمهم بأنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم، فلم يتصل بالإحياء الثاني والرجوع؟ قلت: قد تمكنوا من العلم بهما بالدلائل الموصلة إليه، فكان ذلك بمنزلة حصول العلم. وكثير منهم علموا ثم عاندوا. والأموات: جمع ميت، كالأقوال في جمع قيل. فإن قلت: كيف قيل لهم أموات في حال كونهم جمادًا، وإنما يقال ميت فيما يصح فيه الحياة من البنى؟ قلت: بل يقال ذلك لعادم الحياة، كقوله: (بَلْدَةً مَيْتًا) [الفرقان: ٤٩]، (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ) [يس: ٣٣]، (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ) [النحل: ٢١]. ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس. فإن قلت: ما المراد بالإحياء الثاني؟ قلت: يجوز أن يراد به الإحياء في القبر، وبالرجوع: النشور. وأن يراد به النشور، وبالرجوع: المصير إلى الجزاء. فإن قلت: لم كان العطف الأوّل بالفاء والإعقاب بثم؟ قلت: لأنّ الإحياء الأوّل قد تعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد نراخى عن الإحياء، …
_________________
(١) الكفر من العاقل العالم في هذا المقام مظنة تعجب وتعجيب، وحاصلة أن "كيف" قد انسلخ عنه معنى السؤال وتولد معنى الإنكار. قوله: (جمع قيل)، الجوهري: القيل: ملك من ملوك حمير دون الملك الأعظم، وأصله قيل بالتشديد، كأنه الذي له قول، أي: ينفذ قوله، والجمع أقوال وأقيال أيضًا، ومن جمعه على أقيال لم يجعل الواحد منه مشددًا. قوله: (لاجتماعهما) أي: اجتماع الجماد وما تصح فيه الحياة في معنى "لا روح ولا إحساس"، يعني شبه الجماد بالميت لجامع أن لا روح ولا إحساس فيهما، ثم استعير اللفظ.
[ ٢ / ٤١٥ ]
والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخيًا ظاهرًا، وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن النشور. فإن قلت: من أين أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها اللَّه، ألأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر، أم على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر؟
_________________
(١) قوله: (فمنه يكتسب العلم) أي: يعلم من استعمال "ثم" في هذا الموضع أن الميت يحيى في القبر للسؤال بعد زمان متراخ. وما يشعر بذلك ما روينا عن مسلم عن عبد الرحمن قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياق الموت، فبكى بكاء طويلًا، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: ما يبكيك يا أبتاه؟ أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا وكذا؟ فأقبل بوجهه فقال … وساق الحديث إلى قوله: فإذا أنا مت فلا يصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسنوا علي القبر سنًا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها حتى استأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع رسل ربي. وعن أبي داود عن البراء عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدربين حين يقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ " الحديث. وفي "جامع الأصول": سياق الموت: وقت حضور الأجل، كأن روحه تساق لتخرج من جسده. وسننت التراب على الميت: إذا رميته فوقه برفق ولطف. قوله: (من أين أنكر اجتماع الكفر) "أين" سؤال عن تعميم الأمكنة والأحياز، فاستعير للتعليل، ولذلك فصله بقوله: "لأنها مشتملة على آيات" إلى آخره، ونحوه في التعليل "إذ"
[ ٢ / ٤١٦ ]
قلت: يحتمل الأمرين جميعًا؛ لأنّ ما عدّده آيات وهي مع كونها آيات من أعظم النعم.
_________________
(١) و"حيث"؛ قال المصنف: في "الأحقاف": لاستواء مؤدى التعليل والظرف في قولك: ضربته لإساءته، وضربته إذ أساء، لأنك إذا ضربته في وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه، أجريا مجرى التعليل. وقريب منه قول الأصوليين: شرط المجاز العلاقة المعتبر نوعها، نحو السببية القابلية، نحو: سال الوادي، فإن تمكين الوادي للماء من السيلان بمنزلة سبب السيلان، وكذلك موقع صدور المعنى من الآية وتمكينه للمنكر من السؤال بمنزلة السبب فيه. ثم في الآية مقامان: مقام كونهم كافرين بالله جاحدين لآياته العظام، ومقام كونهم غير شاكرين لنعمه الجسام. وقوله: (وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) يحتمل أن يكون موقعًا لكلا المعنيين؛ أما النعمة فلأن نعمة الحياة في الدنيا والآخرة مما يستوجب الشكر، وأما الآية فلأن تلك الأطوار آيات عظيمة، فعلى العالم بها الإقرار بعظمة منشئها وبارئها والإيمان به. فما المراد في الآية وما الذي يقتضيه المقام؟ وأجاب بقوله: "يحتمل الأمرين جميعًا" يعني لا منافاة بين المعنيين، فيجوز إرادتهما معًا لما يجمعهما معنى النعمة. وقلت: بل الواجب تنزلهما عليهما لما استؤنف بقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) الآيات [البقرة: ٢٩] على سبيل البيان، وهي متضمنة للنعمة والآيات جميعًا. وأما قول بعضهم: إن الكفر بمعنى الكفران لا يعدى بالباء، فجوابه: أن باب المجاز والتضمين غير
[ ٢ / ٤١٧ ]
(لَكُمْ) لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم. أما الانتفاع الدنيوي فظاهر. وأمّا الانتفاع الديني فالنظر فيه وما فيه من عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم، وما فيه من التذكير بالآخرة وبثوابها وعقابها، لاشتماله على أسباب …
_________________
(١) مسدود، واقتضاء المقام حاكم لا يخالف، على أنهما من واد واحد، أي: كلاهما يتعديان بالباء كقوله تعالى: (وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) [العنكبوت: ٦٧]. قال الراغب: الكفر عبارة عن الستر، وكفر النعمة: سترها، يقال كفر كفرًا وكفورًا نحو: شكر شكرًا وشكورًا. وحقيقة الكفر ستر نعمة الله، لما كانت نعمة الله إجمالًا ثلاثًا: خارجية كالمال والجاه، وبدنية كالصحة والقوة، ونفسية كالعقل والفطنة، صار الشكر والكفر ثلاثة أنواع. وأعظم الكفر ما كان مقابلًا لأعظم النعم، وهو ما يتوصل به إلى الإيمان واستحقاق الثواب، ومن قابل تلك النعمة بالكفران فهو الكافر المطلق، ولذلك صار الكفر في الإطلاق جحود الوحدانية والنبوة والتشريع. قال القاضي: الإماتة من النعم العظيمة المقتضية للشكر، لكونها وصلة إلى الحياة الثانية التي هي الحياة الحقيقية؛ كما قال: (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) [العنكبوت: ٦٤] مع أن المعدود عليهم نعمة هو المعنى المنتزع من القصة بأسرها وهو العلم. قوله: (فيه وما فيه) الضمير في الموضعين لـ (مَا فِي الأَرْضِ) كرر للتوطئة على موال: أعجبني زيد وكرمه، فـ "ما" فيه معطوف على الضمير المجرور ولا يحتاج إلى إعادة الجار لكونه كالبدل في مجرد التوطئة لا التنحية؛ لأن لذات زيد في المثال أيضًا مدخلًا في التعجب منه. المعنى: فالنظر في ما في الأرض وفي العجائب الكائنة فيه.
[ ٢ / ٤١٨ ]
الأنس واللذة من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية، وعلى أسباب الوحشة والمشقة من أنواع المكاره كالنيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم والمخاوف. وقد استدل بقوله: (خَلَقَ لَكُمْ) على أنّ الأشياء التي يصح أن ينتفع بها. ولم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقا لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها. فإن قلت: هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحةٍ؟ قلت: إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء وتراد الجهات العلوية؛
_________________
(١) قوله: (خلقت في الأصل مباحة مطلقًا)، الانتصاف: هذا مذهب فرقة من المعتزلة بنوه على التحسين والتقبيح. الإنصاف: قال بهذا جماعة من أهل السنة من الشافعية والحنفية، واختاره الإمام فخر الدين في "محصوله" وجعله من القواعد الكلية، فليس المذهب مختصًا بهم كما زعم. وقال القاضي: الآية تقتضي إباحة الأشياء النافعة ولا يمنع اختصاص بعضها لأسباب عارضة، فإنه يدل على أن الكل للكل، لا أن كل واحد لكل واحد، والتعيين إنما يستفاد من دليل منفصل. وكذا عن الإمام.
[ ٢ / ٤١٩ ]
جاز ذلك، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية. و(جَمِيعًا) نصب على الحال من الموصول الثاني. والاستواء: الاعتدال والاستقامة. يقال: استوى العود وغيره، إذا قام واعتدل، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدًا مستويًا، من غير أن يلوى على شيء. ومنه استعير قوله: (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ) أي: قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض، من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر. والمراد بالسماء: جهات العلو، كأنه قيل: ثم استوى إلى فوق
_________________
(١) قوله: (جاز ذلك) أي: قول من زعم أن المعنى بقوله: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) خلق الأرض وما فيها، إنما يصح إذا كنى بالأرض عن الجهات السفلية دون حقيقة الأرض التي هي الغبراء؛ لأن الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية، وأما إذا أجريت على الحقيقة فلا، فإن الشيء لا يحصل في نفسه ولا يكون طرفًا لها. وينصر الأول إفراد السماء والمراد جهات العلو في الوجه المختار. قوله: (ثم قيل: استوى إليه)، الأساس: ومن المجاز: استويت إليك: قصدتك قصدًا لا ألوي على شيء. ولما لم يكن في الاعتدال والاستقامة التواء سمي به القصد المستوي مجازًا، بقرينة التعدية "بإلى". الأساس: قصدته وقصدت إليه. ثم شبه بهذا القصد الذي يختص بالأجسام إرادته الخاصة تعالى عن صفات المخلوقين، ثم استعير لها ما كان مستعملًا في المشبه به استعارة مصرحة تبعية. قوله: (المراد بالسماء جهات العلو) إنما عدل إلى هذا التأويل لفقدان المطابقة بين ذكر السماء والضمير في "فسواهن" إفرادًا وجمعًا، فأصل الكلام حينئذ: ثم استوى إلى فوق فسوى سبع سموات، ألا ترى حين جعل "السماء في معنى الجنس" أو قال: السماء "جمع سماوة" كيف جعل الضمير للسماء لحصول المطابقة، فإذن المعنى على التقديرين الأخيرين: ثم أراد
[ ٢ / ٤٢٠ ]
والضمير في (فَسَوَّاهُنَّ) ضمير مبهم. وسَبْعَ سَماواتٍ تفسيره، كقولهم: ربه رجلًا. وقيل الضمير راجع إلى السماء. والسماء في معنى الجنس. وقيل جمع سماءة، والوجه العربي هو الأوّل. ومعنى تسويتهنّ: تعديل خلقهنّ، وتقديمه، وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فمن ثم خلقهنّ
_________________
(١) تسوية السماوات، فسواهن سبعًا، كقوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤] أي: فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم، لكن الأول أقضى لحق البلاغة ومقام إرادة تفضيل خلق السماوات على الأرض، بدليل إيثار "ثم" الدالة على التراخي في الرتبة وأدعى له، فإفراد السماء لإرادة جهة فوق مؤذن بالتفضيل، إذ التعبير عنها بها تعظيم لها، مع أن في تصوير الفوقية في هذا الجانب تصوير ضدها فيما يقابلها، ولرتبة هذه الفائدة أبهم ضمير السماوات ليشوق إلى ما يبينه، ثم جيء بها تفسيرًا له، فحصل من ذلك مزيد التفخيم لشأنها، وإن شئت فجرب ذوقك في قولك: ربه رجلًا، وقولك: رب رجل، لتعرف الفرق. وليس في إرادة الجنسية تلك الفوائد، ولا في الجمعية مع أن تلك لغة غير فصيحة، وإليه الإشارة بقوله: "والوجه العربي الأول". وأما الفرق بين النصين فإن الضمير في (فَسَوَّاهُنَّ) إذا رجع إلى السماء على المعنى كان (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) حالًا، أي: فسواهن كائنة سبع سماوات، أو سبع سماوات متعددة على أنها حال موطئة نحو: (أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [يوسف: ٢] وإذا كان الضمير مبهمًا كان (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) نصبًا على التمييز، والتفسير نحو: ربه رجلًا. نص على هذين النصبين في سورة "حم السجدة". قوله: (وقيل: جمع سماءة) قال الزجاج: والسماء لفظها واحد ومعناها الجمع، ويجوز أن تكون السماء جمعًا كأن واحدها سماءة.
[ ٢ / ٤٢١ ]
خلقًا مستويًا محكما من غير تفاوت، مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم. فإن قلت: ما فسرت به معنى الاستواء إلى السماء يناقضه (ثم) لإعطائه معنى التراخي والمهلة قلت: (ثم) هاهنا لما بين الخلقين من التفاوت وفضل خلق السماوات على خلق الأرض، لا للتراخي في الوقت كقوله: (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا). على أنه لو كان لمعنى التراخي في الوقت لم يلزم ما اعترضت به، لأن المعنى أنه حين قصد إلى السماء لم يحدث فيما بين ذلك - أى في تضاعيف القصد إليها - خلقًا آخر. فإن قلت: أما يناقض هذا قوله: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها)؟ قلت: لا لأنّ جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء. وأمّا دحوها فمتأخر. وعن الحسن: خلق اللَّه الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر، عليها دخان ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات، وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض، فذلك قوله: (كانَتا رَتْقًا) [الأنبياء: ٣٠]؛ وهو الالتزاق.
[(وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ* وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)]
_________________
(١) قوله: (يناقضه) يعني فسرت الاستواء بأنه تعالى قصد إلى السماء بعد خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر، هذا يقتضي أن لا يتخلل بينهما زمان، ومعنى "ثم" التراخي في الزمان. وأجاب عنه من وجهين، أحدهما: أن "ثم" ها هنا مستعارة للتراخي
[ ٢ / ٤٢٢ ]
(وَإِذْ) نصب بإضمار "اذكر"، ويجوز أن ينتصب بـ (قالوا). والملائكة:
_________________
(١) في الرتبة كما في قوله تعالى: (ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا) [البلد: ١٧]، فإن اسم "كان" ضمير يرجع إلى فاعل: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) [البلد: ١١] وهو الإنسان الكافر، وقوله: (فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) [البلد: ١٣ - ١٦] تفسير للعقبة، والترتيب الظاهري يوجب تقديم الإيمان عليهما، لكن "ثم" ها هنا للتراخي في الرتبة. وثانيهما: أن قولنا: إنه تعالى لم يحدث فيما بين ذلك شيئًا، لا يقتضي التعاقب. قال الإمام: "ثم" ها هنا من جهة تعديد النعم كما تقول لصاحبك: أليس قد منحتك هذا، ثم رفعت منزلتك، ثم دفعت الخصوم عنك! ولعل بعض ما أخره قد تقدم. فـ "ثم" على هذا مجاز لمجرد التعاقب. قوله: «وَإِذْ) نصب بإضمار "اذكر") قال القاضي: "إذ" ظرف وضع لزمان نسبة ماضية وقع فيه أخرى، كما وضع "إذا" لزمان نسبة مستقبلة وقع فيه أخرى، واستعملتا للتعليل والمجازاة، ولذلك يجب إضافتهما إلى الجمل كحيث في المكان، ومحلهما النصب على الظرفية أبدًا. وفيه نظر؛ لأن "إذا" قد تقع اسمًا كما تقول: إذا يقوم زيد، إذا يقعد عمرو. قوله: (ويجوز أن ينتصب بـ (قَالُوا» والأول أوجه؛ لأن تقدير "اذكر" يقتضي تذكيرًا متجددًا فيكون كقصة مستقلة، ولا كذلك العطف فيكون قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ) [البقرة: ٢٩] تذكيرًا لدلائل الآفاق، وهذه لدلائل الأنفس؛ إما على سبيل كونها نعمة من الله تعالى، أو هي بنفسها آيات. وقد سبق أن هذه الآية كالبيان لقوله: (وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ) من جهة النعمة والآية. ويحصل بالتفرقة الترقي من الأدنى إلى الأعلى، أما كونها
[ ٢ / ٤٢٣ ]
جمع (ملأك) على الأصل، كالشمائل في جمع شمأل. وإلحاق التاء لتأنيث الجمع. وجاعِلٌ من جعل الذي له مفعولان، دخل على المبتدأ والخبر وهما قوله:
_________________
(١) آيات فلأن الترقي من دلائل الآفاق إلى الأنفس باب عظيم في الاستدلال؛ ألا ترى إلى قوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) [فصلت: ٥٣] قال حجة الإسلام: الطبيعيون رأوا في تشريح الأعضاء من عجائب صنع الله وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم مطلع على غايات الأمور. وأما كونها نعمة فلا شك أن نعمة خلق الأنفس وتشريفها بالخلافة وتكريمها بسجود الملائكة أعظم من خلق ما في الأرض لهم جميعًا. قوله: (جمع "ملأك" على الأصل) أي: أصله: ملأك، بالهمز ثم ترك الهمز لكثرة الاستعمال، فملا جمعوه ردوه إلى الأصل، وقد استعمل المفرد أيضًا مع الهمزة كما أنشده الزجاج لبعضهم: فلست لإنسي، ولكن لملأك … تنزل من جو السماء يصوب وقال القاضي: ذهب أكثر المسلمين إلى أن الملائكة أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة مستدلين بأن الرسل كانوا يرونهم كذلك.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
(فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فكانا مفعوليه، ومعناه مُصير في الأرض خليفة. والخليفة: من يخلف غيره. والمعنى خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم وذرّيته. فإن قلت: فهلا قيل: خلائف، أو خلفاء؟ قلت: أريد بالخليفة آدم، واستغنى بذكره عن ذكر بنيه كا استغنى بذكر أبى القبيلة في قولك: مضر وهاشم. أو أريد من يخلفكم، أو خلفا يخلفكم فوحد لذلك. وقرئ: خليقة بالقاف ويجوز أن يريد: خليفة مني، لأنّ آدم كان خليفة اللَّه في أرضه وكذلك كل نبىّ (إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) [ص: ٢٦]. فإن قلت: لأى غرض أخبرهم بذلك؟
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يريد خليفة مني) عطف على قوله: "المعنى خليفة منكم" يعني لفظة "من" مقدرة في التنزيل، وهي صفة للخليفة، أي: كائنة منكم أو مني، وعلى الأول الخليفة بمعنى الخلف، الجوهري: الخلف: القرن بعد القرن. قال الله تعالى: (إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) [الأعراف: ٦٩]. وعلى الثاني: بمعنى السلطان فكان يرد على الوجه الأول أن يقال: كان المناسب أن يجاء بالخليفة جمعًا فلم جيء مفردًا؟ فأجاب بما ذكر، ثم أكد الجواب بالقراءة الشاذة لأنها مناسبة لأن يكون "خليفة" بمعنى الجمع. الجوهري: الخليقة: الخلائق، ويقال: هم خليقة الله، وهم خلق الله، وهو في الأصل مصدر، فعلل ذلك الوجه، ثم شرع في الوجه الثاني، فالخليفة على هذا غير محتاجة أن تفسر بالجمع. قوله: «إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ) [ص: ٢٦]) استشهاد لكون آدم خليفة من الله تعالى في أرضه؛ لأن المراد بالخليفة حينئذ من يجري في الأرض أحكام الله على سنن العدل ونهج الصواب، يدل عليه ترتب قوله: (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) على الوصف بجعله خليفة في الأرض، ولهذا لما فقد هذا المعنى بعد الخلفاء الراشدين، قال ﷺ: "الخلافة في أمتي ثلاثون
[ ٢ / ٤٢٥ ]
قلت: ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم. وقيل ليعلم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة. (أَتَجْعَلُ فِيها): تعجب من أن يستخلف مكان
_________________
(١) سنة، ثم ملك بعد ذلك" رواه الترمذي عن سفينة، وروى أبو داود عنه: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء". الراغب: إنما استخلف الله تعالى آدم لقصور المستخلف عليه أن يقبل التأثير من المستخلف وذلك ظاهر، فإن السلطان جعل الوزير بينه وبين رعيته إذ هم أقرب إلى قبولهم منه، وكذا الواعظ جعل بين العامة والعلماء الراسخين، فإن العامة أقبل منهم من العالم الراسخ، وليس ذلك لعجزه بل لعجز العامة عن القبول منه. قوله: (صيانة لهم عن اعتراض الشبهة) الضمير للملائكة، و"صيانة" مفعول له لقوله: "أخبرهم" المقدر بعد قوله: "قلت" الدال عليه أخبرهم في السؤال، ولا يجوز أن يكون الضمير لبني آدم لأن الصيانة غير مقارنة عند الإخبار. قوله: (وقيل ليعلم عباده) عطف على قوله: "قلت: ليسألوا". قوله: (تعجب من أن يستخلف) أي: ولدت الهمزة معنى التعجب، لأنه لا يجوز أن يحمل على الإنكار لئلا يلزم منه اعتراضهم على حكم الله تعالى، وهذا لا يليق بمرتبة الملائكة، قال الله تعالى: (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) [الأنبياء: ٢٧].
[ ٢ / ٤٢٦ ]
أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير ولا يريد إلا الخير. فإن قلت: من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه وإنما هو غيب؟ قلت: عرفوه بإخبار من اللَّه، أو من جهة اللوح، أو ثبت في علمهم أنّ الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم؛ أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر؛
_________________
(١) قوله: (عرفوه بإخبار من الله تعالى) قال السدي: لما قال الله لهم ذلك قالوا: وما يكون من ذلك الخليفة؟ قال: يكون ذرية يفسدون في الأرض ويقتل بعضهم بعضًا. قوله: (أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون) فيه مبالغات شتى: إحداها: إقامة المظهر موضع المضمر ليؤذن بالعلية، يعني: حقيقة الملائكة خليقة بأن توصف بالعصمة؛ لأن خليقتهم تقتضي ذلك، وثانيتها: تأكيدها، وثالثتها: نفي هذا الحكم عن الغير بالتصريح بقوله: "وحدهم" بعد أن نفاه بتعريف الخبر وبتوسيط ضمير الفصل، وأكد ذلك بقوله: "وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم"، وفيه تعصب لمذهبه. قوله: (أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر) قال المفسرون: خلق الله السماوات والأرض والملائكة والجن، وأسكن الملائكة السماء، والجن الأرض، فعبدوه، ثم ظهر فيهم الحسد
[ ٢ / ٤٢٧ ]
حيث أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة. وقرئ: (ويسفُك) بضم الفاء، و(يُسْفِك)، و(يُسَفَّك) من أسفك. وسفَّكَ. والواو في (وَنَحْنُ) للحال، كما تقول: أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان!
_________________
(١) والبغي، فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث الله إليهم جندًا من الملائكة، فطردوهم عنها، وألحقوهم بشعوب الجبال والجزائر. وقال القاضي: كأنهم علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره: شهوية وغضبية تؤديان به إلى الفساد وسفك الدماءن وعقلية تدعوه إلى المعرفة والطاعة، ونظروا إليها مفردة، وقالوا: ما الحكمة في استخلافه وهو باعتبار تينك القوتين لا تقتضي الحكمة إيجاده فضلًا عن استخلافه، وأما باعتبار القوة العقلية فنحن نقيم ما يتوقع منها سليمًا عن معارضة تلك المفاسد، وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت مهذبة مطواعة للعقل متمرنة على الخير كالعفة والشجاعة ومجاهدة الهوى والإنصاف، ولم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد كالإحاطة بالجزئيات واستنباط الصناعات، واستخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف، وإليه أشار تعالى إجمالًا بقوله: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ). قوله: (أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه) قال القاضي: هي حال مقررة لجهة الإشكال كقولك: أتحسن إلى أعدائك وأنا الصديق المحتاج، والمقصود: الاستفسار عما رجحهم- مع ما هو متوقع منهم- على الملائكة المعصومين في الاستخلاف، لا العجب والتفاخر.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
والتسبيح: تبعيد اللَّه عن السوء، وكذلك تقديسه، من سبح في الأرض والماء. وقدس في الأرض: إذا ذهب فيها وأبعد. و(بِحَمْدِكَ) في موضع الحال، أى نسبح حامدين لك وملتبسين بحمدك لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك
_________________
(١) قوله: (والتسبيح: تبعيد الله من السوء)، الراغب: التسبيح: أصله من السبح وهو سرعة الذهاب في الماء، واستعير لجري النجوم في الفلك، ولجري الفرس. وتسبيح الله تعالى: تنزيهه بالقول والحكم، وسبحان: مصدر ككفران، ومعنى (نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) أي: نسبحك والحمد لك أو نسبحك بأن نحمدك. وقال السيد ابن الشجري: إن شئت علقت الباء بالتسبيح، أي: نسبح بالثناء عليك، وإن شئت قدرت: نسبح متلبسين بحمدك. قوله: (لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق [واللطف] لم نتمكن من عبادتك) تعليل لتقييد التسبيح بالحمد، أي: تسبيحنا مقيد بشكرك وملتبس به، يعني لولا الحمد لم يصدر الفعل، إذ كل حمد من المكلف يستجلب نعمة متجددة، ويستصحب توفيقًا إلهيًا، ومنه قول داود ﵇: يا رب، كيف أقدر أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكر نعمتك إلا بنعمتك. وأنشد:
[ ٢ / ٤٢٩ ]
(أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ) أي أعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم. فإن قلت: هلا بين لهم تلك المصالح؟ قلت: كفى العباد أن يعلموا أن أفعال اللَّه كلها حسنة وحكمة، وإن خفى عليهم وجه الحسن والحكمة. على أنه قد بين لهم بعض ذلك فيما أتبعه من قوله (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) واشتقاقهم «آدم» من الأدمة، ومن أديم الأرض، نحو اشتقاقهم «يعقوب» من العقب، «إدريس» من الدرس، و«إبليس» من الإبلاس. وما آدم إلا اسم أعجمى: وأقرب أمره أن يكون على فاعل، كآزر، وعازر، وعابر وشالخ. وفالغ، وأشباه ذلك (الْأَسْماءَ كُلَّها) أي أسماء المسميات فحذف المضاف اليه لكونه معلوما مدلولا عليه بذكر الأسماء، لأن الاسم لا بدله من مسمى، وعوض منه اللام كقوله: (وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ) [مريم: ٤]. فإن قلت: هلا زعمت أنه حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه، وأن الأصل: وعلم آدم مسميات الأسماء؟ قلت: لأن التعليم وجب تعليقه بالأسماء لا بالمسميات كقوله:
_________________
(١) إذا كان شكري نعمة الله نعمة … علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله … وإن طالت الأيام واتسع العمر؟ ! وإن مس بالنعماء عم سرورها … وإن مس بالضراء أعقبها الأجر قوله: (على أنه قد بين لهم بعض ذلك) يعني أن "ما" في (مَا لا تَعْلَمُونَ) إن كان عامًا يشمل من المصالح ما لا يدخل تحت الحصر، لكن خص منها البعض بما أتبعه من قوله: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ) فإن اتصافه بعلم لا تعلمه الملائكة دليل على أنه جامع للكمالات التي بعضها هذا المذكور، فمن هذا الطريق يكون مبينًا مكشوفًا. قوله: (لأن التعليم وجب تعليقه بالأسماء لا بالمسميات) إلى آخره "الانتصاف": هو يفر
[ ٢ / ٤٣٠ ]
(أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ) [البقرة: ٣١]، (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ) [البقرة: ٣٣]، فكما علق الإنباء بالأسماء لا بالمسميات ولم يقل: أنبؤنى بهؤلاء، وأنبئهم بهم، وجب تعليق التعليم بها. فان قلت: فما معنى تعليمه أسماء المسميات؟ قلت: أراه الأجناس التي خلقها، وعلمه أن هذا اسمه فرس، وهذا اسمه بعير، وهذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، وعلمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية.
_________________
(١) من أن الاسم هو المسمى. وقوله (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) دليل عليه، فإن المعروض المسميات بالاتفاق، وأيضًا فإن معرفة الذوات وما أودع فيها من الخواص والأسرار أهم من معرفة أسمائها، وغاية ما في قوله: (بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء) الإضافة المقتضية للمغايرة، وهو عندنا مثل قولك: نفس زيد، وحقيقته، والمراد: أنبئوني بحقائق هؤلاء، فإن الحقائق والذوات أعم من أسماء هؤلاء المشار إليهم، وهذا هو المصحح للإضافة. وعلى الجملة، الخلاف في هذه المسالة لفظي. وقال القاضي: الاسم باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلًا يرفعه إلى الذهن من الأسماء والصفات والأفعال. واستعماله عرفًا في اللفظ الموضوع لمعنى سواء كان مركبًا أو مفردًا مخبرًا عنه أو خبرًا أو رابطة بينهما. واصطلاحًا: في المفرد الدال على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة. والمراد في الآية إما الأول، أو الثاني وهو يستلزم الأول؛ لأن العلم بالألفاظ من حيث الدلالة متوقف على العلم بالمعاني. المعنى: أنه تعالى خلق آدم، وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأسمائها وأصول العلوم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها. وقلت: هذا المعنى مفهوم من كلام المصنف من قوله: "أراه الأجناس التي خلقها وعلمه" إلى آخره. وقال القاضي: الاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمى؛ لأنه يتألف من أصوات مقطعة غير قارة، ويختلف باختلاف الأمم والأعصار، ويتعدد تارة ويتحد أخرى، والمسمى لا يكون
[ ٢ / ٤٣١ ]
(ثُمَّ عَرَضَهُمْ) أي: عرض المسميات. وإنما ذكر لأن في المسميات العقلاء فغلبهم. وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت.
(إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) يعني: في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين
_________________
(١) كذلك. وإن أريد به ذات الشيء، فهو المسمى لكنه لم يشتهر بهذا المعنى، وقوله تعالى: (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ) [الأعلى: ١] المراد به اللفظ؛ لأنه كما يجب تنزيه ذاته تعالى وصفاته عن النقائص، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن سوء الأدب. وإن أريد به الصفة كما هو رأي الشيخ أبي الحسن الأشعري، انقسم انقسام الصفة عنده: إلى ما هو نفس المسمى، وإلى ما هو غيره، وإلى ما ليس هو ولا غيره. وقلت: إن أريد به التحدي فبمجرد تعليم الأسماء يحصل المقصود، وإن أريد به إظهار الشرف والمزية كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: ١١] فلابد من تعليم الحقائق، وهو الظاهر. وفي "إيجاز البيان": "وقع التعليم بالوحي في أصول الأسماء والمصادر ومبادئ الأفعال والحروف عند حصول أول اللغة في الاصطلاح، ثم بزيادة الهداية في التصريف والاشتقاق، فأفادت هذه الآية أن علم اللغة فوق التحلي بالعبادة، فكيف علم الشريعة التي هي الحكمة! ". قوله: (على سبيل التبكيت)، الأساس: بكته بالحجة، وبكته: غلبه بالحجة وألزمه ما عي بالجواب عنه؛ لأن الملائكة إذا سئلوا بقوله: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء) لا محيد لهم إلا أن يقولوا: لا علم لنا. قوله: «إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) [يعني]: في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين). فإن
[ ٢ / ٤٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قلت: هذا يخالف قول الواحدي: إن تقديره: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم وأفضل منه. وأيضًا، إن الكلام في العلم والسؤال فيه، فلا يناسبه قول المصنف، وهو كما تقول: إن كنت نجارًا فخط قميصي. قلت: ما ذهب إليه المصنف أولى وأحرى بأن يتلقى بالقبول، لأنه كالقول بالموجب، وبيانه: أن الملائكة لما بنوا دعواهم على المبالغة في طرفي الإفراط والتفريط في نسبة الفساد على بني آدم، والصلاح إلى أنفسهم، حيث صدروا قولهم: "أتجعل فيها" بهمزة الاستبعاد، وكرروا الظرف، وعطفوا سفك الدماء على الفساد، وبنوا الخبر وهو "نسبح" على "نحن"، ليتقوى به الحكم، وقيدوا التسبيح بالتحميد، وعطفوا عليه التقديس؛ أي: نحن أولى بالاستخلاف منهم لما لا يصدر منا إلا محض الصلاح وهم بخلافه دونهم، قيل لهم: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) أي: إنكم نظرتم إلى ظاهر ما يقتضي القوة الشهوانية والغضبية من الفساد وسفك الدماء، وغفلتم عما أودعت فيهما من الصلاح، وفي هذا الوجود أسرار عجيبة لا يحصى عددها، ولا يكتنه كنه عظم نفعها، وبعض ذلك هذا المتحدى به وهو العلم بأسماء المسميات، فأنبئوني بها إن كنتم صادقين في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين، وأنتم أحقاء بالخلافة دونهم. أي: ليس المانع ما نفيتموه، ولا السبب ما أثبتموه، وإنما قلنا: بعض ذلك هذا المتحدى به؛ لأن الواو العاطفة التي تستوجب معطوفًا عليه، هو مع المعطوف بيان لقوله: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)، كالواو في قوله تعالى حكاية عن داود وسليمان: (وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: ١٥]، وإنما لم يذكر لئلا ينحصر عليه، ويفيد أكثر من ذلك، فوجب أن تقدر فوائد لا عدد لها بالنسبة إلى معلوم الله، وإليه الإشارة بقوله: "وبين لهم بعض ما أجمل من المصالح في قوله: (وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) " وهذا الأسلوب من الجواب نحو قوله تعالى: (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: ٢٣]. قال المصنف: إن رتبتم أن القرآن منزل
[ ٢ / ٤٣٣ ]
سفاكين للدماء؛ إرادة للرد عليهم،
_________________
(١) فهاتوا أنتم طائفة يسيرة من جنس ما أتى به. لكن أصحابه لا يرضون منه هذا التقدير، لما يلزم من فضل البشر على الملائكة. تنبيه: واعلم أن قوله: (وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) [البقرة: ٣٠] ينتظم في سلك جوامع الكلم التي هي من حلية التنزيل، فأتى بلفظ السفك الدال على الإراقة والإجراء كالمائع، وخص بالمضارع المنبئ في مثل هذا المقام عن الاستمرار، نحو: فلان يقري الضيف، ويحمي الحريم. وجمع الدماء وحلى بلام الاستغراق ليصور شناعة ذلك الفعل ويستوعب الأزمنة، ويتضمن جميع أنواع الدماء: المحظور كحروب الفساد والفتن والفتك وقتل النفس المحرمة، والواجب كالمجاهدة مع أعداء الدين، قال تعالى: (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) [التوبة: ١١١]، والمباح كسفح دماء الحيوان المأكول، والمصلحي الديني كأنواع القصاص، والسياسي كحفظ نظام المملكة. قال: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى … حتى يراق على جوانبه الدم فإذًا من لوازم هذا الخليفة وخواصه أن يكون سفاكًا للدماء، لينتظم أمر معاشه ومعاده، ونحن معاشر الملائكة أبرياء من جميع كل ذلك؛ لأن دأبنا التسبيح والتحميد، وعادتنا التقديس والتهليل، فنودوا من سرادقات الجلال: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ). والله أعلم. قوله: (إرادة للرد عليهم) قيل: هو مفعول له، لقوله: "استنبأهم" واعترض قوله: (إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) في لفظ "الكشاف" تقريرًا لكون الاستنباء على سبيل التبكيت. والوجه أن يكون مفعولًا له للقول المقدر عند قوله: (إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) أي: قال ذلك إرادة للرد عليهم. وقوله: "على سبيل التبكيت" متعلق باستنبأهم، ويتم به الكلام، وقوله: "وقد علم عجزهم عن الإنباء" اعتراض أو حال، وقوله: (إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) شروع في التفسير.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
وأن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها، ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا. فأراهم بذلك وبين لهم بعض ما أجمل من ذكر المصالح في استخلافهم في قوله (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ). وقوله: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) استحضار لقوله لهم: (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ)،
_________________
(١) قوله: (وأن فيمن يستخلفه) قيل: هو عطف على "الرد"، وقوله: "ما يستأهلون" اسم "أن" وفيمن يستخلفه خبره. قال الحريري في "درة الغواص في أوهام الخواص": يقولون: فلان يستأهل الإكرام وهو مستأهل للإنعام، ولم تسمع هاتان اللفظتان في كلام العرب، ولا صوب اللفظ بهما أحد من أعلام الأدب. ووجه الكلام أن يقال: فلان يستحق التكرمة، وهو أهل لإسداء المكرمة، فأما قول الشاعر: لا بل كلي يا مي واستأهلي … إن الذي أنفقت من ماليه فإنه عنى بلفظ "استأهلي": اتخذي الإهالة، وهي ما يؤتدم به من السمن والودك. وفي أمثال العرب: استأهلي إهالتي وأحسني إيالتي، أي: خذي صفو طعمتي وأحسني القيام بخدمتي. قوله: (من الفوائد) بيان "ما" و"فأراهم" عطف على جملة: إرادة إلى آخره، وذلك إشارة إلى المذكور كله، وفي قوله: "إني أعلم" ظرف لقوله: "أجمل" وقيل: قوله "فأراهم، وبين" متوجهان إلى "بعض ما أجمل"، ويجوز أن يكون "بين" عطفًا على "أراهم" على سبيل البيان.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
إلا أنه جاء به على وجه أبسط من ذلك وأشرح.
وقرئ: (وعُلّم آدمُ)، على البناء للمفعول. وقرأ عبد اللَّه: (عَرَضَهُن). وقرأ أُبىّ: (عَرَضَهَا). والمعنى عرض مسمياتهن أو مسمياتها: لأن العرض لا يصح في الأسماء. وقرئ: (أنبيِهِم)، بقلب الهمزة ياء (وأنبِهم)، بحذفها والهاء مكسورة فيهما.
[(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ* وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ* فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ*)].
السجود للَّه تعالى على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكرمة،
_________________
(١) قوله: (على وجه أبسط) لأنه قال أولًا: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) ثم قال: (إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) الآية [البقرة: ٣٣] وإنما قال: "أبسط من ذلك" ولم يقل: بيان له، لأن معلومات الله ﷾ لا نهاية لها، وغيب السماوات والأرض وما يبدونه وما يكتمونه لم يكن قطرة من تلك الأبحر، لكنه نوع بسط لذلك المجمل. قال القاضي: إنما أجري على وجه أبسط ليكون كالحجة عليهم، فإنه تعالى لما علم ما خفي عليهم من أمور السماوات والأرض وما ظهر لهم من أحوالهم الظاهرة والباطنة، علم ما لا يعلمون، وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى، وهو أن يتوقفوا مترصدين أن يبين لهم. قوله: (على وجه التكرمة). قال القاضي: هذا المسجود له بالحقيقة الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم تفخيمًا لشأنه، أو سببًا لوجوبه، وكأنه تعالى لما خلقه بحيث يكون المسجود
[ ٢ / ٤٣٦ ]
كما سجدت الملائكة لآدم، وأبو يوسف وإخوته له، ويجوز أن تختلف الأحوال والأوقات فيه. وقرأ أبو جعفر (للملائكةُ اسجدوا) بضم التاء للاتباع. ولا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الإتباع إلا في لغة ضعيفة، كقولهم: (الْحَمْدِ لِلَّهِ).
_________________
(١) [له] أنموذجًا للمبدعات كلها بل الموجودات بأسرها، ونسخة لما في العالم، وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدر لهم من الكمال، أمرهم بالسجود تذللًا لما رأوا فيه من عظيم قدرته وباهر آياته، وشكرًا لما أنعم عليهم بواسطته. واللام فيه كاللام في قول حسان: أليس أول من صلى لقبلتكم … وأعرف الناس بالقرآن والسنن أو في قوله: (أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) [الإسراء: ٧٨]. قوله: (أن تختلف الأحوال والأوقات) يعني: أحوال الأمم السالفة وأوقاتهم مخالفة لأحوال هذه الأمة وأوقاتها، أي: يجوز أن يقتضي التعظيم في وقت وحالة السجود دون وقت وحالة أخرى. قوله: (ولا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الإتباع) قال السجاوندي: "للملائكة
[ ٢ / ٤٣٧ ]
(إِلَّا إِبْلِيسَ) استثناء متصل، لأنه كان جنيًا واحدًا بين أظهر الألوف من الملائكة مغمورًا بهم، فغلبوا عليه في قوله: (فَسَجَدُوا)، ثم استثنى منهم استثناء واحد منهم. ويجوز أن يجعل منقطعًا.
_________________
(١) اسجدوا" بالضم في غاية الضعف؛ لأن حركة ألف الوصل غير لازمة فكيف تحذف لها حركة إعراب مستحقة لإعراب! وإتباع ضم الجيم إنما يجوز في الساكن نحو "قالت اخرج" [يوسف: ٣١] ولا تقول: للرجل اخرج فإنه لا يجوزه أحد، لكن لعل عجوزًا رأت بناتها مع رجل فقالت: أفي السوتنتنه؟ تريد: أفي السوءة أنتنه. ولا يحسن حمل القرآن على مثل هذا التعسف. وروى أبو الحسن الفارسي عن أبي بكر بن مهران: أن التاء عند أبي جعفر بين الضم والكسر، استثقل الخروج من الكسر إلى ضمات "اسجدوا" أي: الجيم والدال والهمزة في التقدير، بخلاف نون "للإنسان اكفر" فإنه قد تسكن هاء التأنيث على كل حال كقولهم:
[ ٢ / ٤٣٨ ]
(أَبى): امتنع مما أمر به (وَاسْتَكْبَرَ) عنه، (وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ): من جنس كفرة الجن وشياطينهم، فكذلك أبى واستكبر كقوله: (كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) [الكهف: ٥٠].
السكنى: من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار. و(أَنْتَ):
_________________
(١) لما رأى أن لادعه ولا شبع … مال إلى أرطاة حقف فاضطجع فكان مثل (وَقَالَتْ اخْرُجْ) ولا تسكن نون "الإنسان" في الأصل. قوله: (فلذلك أبى واستكبر) يشير إلى قوله: (وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ) [البقرة: ٣٤]، جملة مذيلة أو معترضة واردة على سبيل التعليل نحو قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: ٩٢] أي: أنتم قوم عادتكم الظلم، فلذلك اتخذتم العجل إلهًا. وقال القاضي: (وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ) أي: في علم الله، أو صار من الكافرين باستقباحه أمر الله إياه بالسجود لآدم اعتقادًا بأنه أفضل منه، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول. قوله: (كقوله تعالى: (كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) [الكهف: ٥٠]) يعني: هذا الترتيب من حيث المعنى كالترتيب من حيث اللفظ في قوله تعالى: (مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) بشهادة الفاء، يعني: إنما صدر منه الفسق؛ لأنه كان من الجن، فكونه من الجن ككونه من الكافرين في صدور الفسق والتكبر عنه، وفيها معنى قولهم: الغايات سابقة في التقدم، لاحقة في الوجود.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
تأكيد للمستكن في: (اسْكُنْ) ليصح العطف عليه. و(رَغَدًا) وصف للمصدر، أي أكلًا رغدًا واسعا رافها. و(حَيْثُ) للمكان المبهم، أي: أيّ مكان من الجنة (شِئْتُما) أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة
_________________
(١) قوله: (ليصح العطف عليه) فإن قيل: كيف يصح العطف "وزوجك" لا يرتفع باسكن، فإنك لا تقول: اسكن غلامك؛ لأن الغائب لا يؤمر بلفظ الحاضر فيقال: قد اندرج الغائب في حكم الحاضر لقضية العطف على سبيل التغليب فينسحب عليه حكمه. قال القاضي: إنما لم يخاطبها أولًا تنبيهًا على أنه المقصود بالحكم، والمعطوف تبع له. الراغب: إن قيل: ما الفرق بين أن يقال: افعل أنت وقومك كذا، وبين أن يقال: افعلوا كذا؟ قيل: الأول تنبيه على أن المقصود بالحكم هو المخاطب والباقون تبع له، وأنه لولاه لما كانوا مأمورين بذلك، وعلى نحوه: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى) [طه: ٤٩] وليس كذا إذا قال: افعلوا. قوله: (على وجه التوسعة) أي: بالغ في جانب الأمر ليكون مزيلًا للعذر في التناول، وبالغ أيضًا في النهي حيث قال: (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ) [البقرة: ٣٥] يعني لا تحوما حولها فضلًا عن أن تتناولا بالأكل، وميزها أكمل تمييز بقوله: "هذه"، وجعل القربان منها سببًا لأن يكونا من زمرة الظالمين، ومنخرطين في سلكهم. الراغب: القصد بالنهي عن قرب الشيء تأكيد للحظر ومبالغة في النهي، وذلك أن القرب من الشيء مقتض للألفة، والألفة داعية للمحبة، ومحبة الشيء كما قيل: حبك الشيء
[ ٢ / ٤٤٠ ]
المزيحة للعلة، حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة بين أشجارها الفائتة للحصر، وكانت الشجرة فيما قيل «الحنطة» أو «الكرمة» أو «التينة» وقرئ (ولا تِقربا) بكسر التاء. وهذى، والشجرة، بكسر الشين. والشيرة بكسر الشين والياء. وعن أبى عمرو أنه كرهها، وقال: يقرأ بها برابرة مكة وسودانها
_________________
(١) يعمي ويصم والعمى عن القبيح، والصمم عن المنهي عنه هما الموقعان فيه. والسبب الداعي إلى الشر منهي عنه، كما أن السبب الداعي إلى الخير مأمور به، وعلى ذلك ورد "ومن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه". قوله: (المزيحة للعلة)، النهاية: زاح عن الأمر يزيح: زال وذهب. أي: لا يتسببان في تناولهما بعلة من العلل. قوله: (من شجرة واحدة) متعلق بالتناول، تحتمل هذه الوحدة أن تكون شخصية، فاللام في "الشجرة" للعهد، وأن تكون نوعية، واللام للجنس، والأول أظهر لإزاحة العذر والمبالغة في التوسعة. قوله: (برابرة مكة) قوم بالمغرب جفاة كالأعراب في رقة الدين وقلة العلم. قال في
[ ٢ / ٤٤١ ]
(مِنَ الظَّالِمِينَ) من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية اللَّه (فَتَكُونا) جزم عطف على: (تَقْرَبا) أو نصب جواب للنهى. الضمير في: (عَنْها) للشجرة. أي فحملهما الشيطان على الزلة بسببها. وتحقيقه: فأصدر الشيطان زلتهما عنها. و«عن» هذه مثلها في قوله تعالى: (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) [الكهف: ٨٢]. وقوله:
يَنهَوْنَ عَنْ أَكْلٍ وعَنْ شُرْبِ.
_________________
(١) ـ "الفائق": البربرة: كثرة الكلام ويحكى أن إفريقيس أبا بلقيس غزا البربر فقال: ما أكثر بربرتهم، فسموا بذلك. قوله: (فحملهما الشيطان على الزلة بسببها) يشير أن "أزلهما"- على أن يكون الضمير في "عنها" للشجرة- متضمن لمعنى "أصدر"، و"عن" حينئذ للسببية، كما في قوله: "ينهون عن أكل وعن شرب" أي: إن الشيطان إنما قدر على إصدار الزلة عن الشجرة بسبب الوسوسة بأن يقول: هذه شجرة الخلد، فكلا لتخلدا، أو لأن أكلها سبب لصيرورتكما ملكين، هذا هو المراد بقوله: "فحملهما الشيطان على الزلة بسببها" أي: بسبب الشجرة. قوله: «وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي» أي: ما أصدرت ما فعلته عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله. قوله: (ينهون عن أكل وعن شرب) قبله: يمشون دسمًا حول قبته ينهون، أي: يتناهون في السمن. الأساس: انتهى الشيء: بلغ النهاية وتناهى البعير سمنًا، وجمل نهي، وناقة نهية. يقول: إن كون الأضياف متناهين صدر بسبب الأكل والشرب. يصف مضيافًا صدر عنه الأضياف شباعًا.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
وقيل: فأزلهما عن الجنة: بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما، كما تقول: زلّ عن مرتبته. وزل عني ذاك: إذا ذهب عنك وزل من الشهر كذا. وقرئ: (فأزالهما).
(مِمَّا كانا فِيه) من النعيم والكرامة، أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في (عَنها). وقرأ عبد اللَّه: (فوسوس لهما الشيطان عنها). وهذا دليل على أن الضمير للشجرة، لأن المعنى صدرت وسوسته عنها. فان قلت: كيف توصل إلى إزلالهما ووسوسته لهما بعد ما قيل له: اخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ؟ . قلت:
_________________
(١) قوله: (وقرئ: فأزالهما) قرأها حمزة. قال الزجاج: هو من: زلت وأزالني غيري، وأزلهما، من: زللت وأزلني غيري. وهذه القراءة تشد من عضد التفسير الأخير ولذلك عقبه بها. قوله: (أو من الجنة) معطوف على قوله: "من النعيم والكرامة" أي: "ما" في (مِمَّا كَانَا فِيهِ) إما عبارة عن النعيم والكرامة إن كان الضمير في "عنها" للجنة. أي: أذهبهما عن الجنة، فأخرجهما من نعيمها والكرامة فيها، أو عن الجنة إن كان الضمير في "عنها" للشجرة. أي: أصدر الشيطان زلتهما عن الشجرة فأخرجهما من الجنة. الانتصاف: يشهد للضمير أن يعود على الجنة قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٢٧]. الإنصاف: وهو سهو؛ لأن الذي أعاد الضمير إلى الشجرة قال: فأصدر الشيطان زلتهما عن الشجرة، وذلك لا ينافي إخراج الشيطان إياهما عن الجنة، ولا يمكن نسبة الإخراج إلى الشجرة. ولقد كان هذا الوجه قويًا وعن تأييده غنيًا.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
يجوز أن يمنع دخولها على جهة التقريب والتكرمة كدخول الملائكة، ولا يمنع أن يدخل على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء. وقيل: كان يدنو من السماء فيكلمهما. وقيل: قام عند الباب فنادى. وروى أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة، فدخل في فم الحية حتى دخلت به وهم لا يشعرون.
قيل: (اهْبِطُوا): خطاب لآدم وحواء وإبليس: وقيل والحية. والصحيح أنه لآدم وحواء والمراد هما وذريتهما، لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم. والدليل عليه قوله: (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) [طه: ١٢٣]، ويدل على ذلك قوله: (فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) [البقرة: ٣٨ - ٣٩]. وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم.
ومعنى (بعضكم لبعض عَدُوٌّ) ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض. والهبوط: النزول إلى الأرض
_________________
(١) قوله: (يجوز أن يمنع دخولها على جهة التقريب والتكرمة) يريد أن الأمر بالخروج معلل بقوله: (فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) [الحجر: ٣٤] فدل على أن الجنة دار المقربين فلا يسكنها اللعين، فإذا دخل لغير التكرمة لا تمنع منه. ويمكن أن يعبر بالأمر عن مطلق الطرد والإهانة، فلا يلزم على هذا وجوب الخروج. قوله: (ومعنى (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) [البقرة: ٣٦] ما عليه الناس من التعادي والتباغي). وقال القاضي: "بعضكم لبعض" حال استغني فيها عن الواو بالضمير. أي: متعادين.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
(مُسْتَقَرٌّ): موضع استقرار، أو استقرار ومَتاعٌ وتمتع بالعيش إِلى حِينٍ يريد إلى يوم القيامة. وقيل إلى الموت.
[(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)]. [٣٧ - ٣٩]
_________________
(١) وقلت: وقوله: (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (حال مقدرة أيضًا، ويجوز أن يكون قوله: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) جملة مستأنفة على تقدير السؤال. قوله: (يريد إلى يوم القيامة. وقيل: إلى الموت) والوجه الأول يشكل بمعنى قوله: "متاع" بمعنى "تمتع بالعيش" قال صاحب الكواشي: لكل إنسان مكان في الأرض يستقر فيه، ويتمتع بما قسم له فيه مدة حياته وبعد مماته. قلت: هذا معنى قوله تعالى في "الأعراف": (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ* قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) [الأعراف: ٢٤ - ٢٥] فالمتاع بمعنى التحقير في الاستمتاع والتقليل في المكث على نحو قوله تعالى: (إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) [غافر: ٣٩]. ويمكن أن يجعل المتاع بمعنى التمتع في العيش على تقدير حصول الثواب والعقاب للمؤمن والكافر في القبر. وأما تمتع الكافر فعلى التهكم والتغليب. والوجه الأول أظهر. وقوله: (إِلَى حِينٍ) متعلق بخبر المبتدأ وهو قوله: "لكم"، أي: مستقر ثبت لكم إلى حين، فإذا جعل (مُسْتَقَرٌّ) بمعنى المصدر، وكذا "متاع" يجوز تعلقه بهما، ولا يجوز إذا أريد موضع
[ ٢ / ٤٤٥ ]
معنى تلقي الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها. وقرئ بنصب آدم ورفع الكلمات: على أنها استقبلته بأن بلغته واتصلت به. فإن قلت: ما هنّ؟ قلت: قوله تعالى: (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) الآية [الأعراف: ٢٣]. وعن ابن مسعود ﵁: «إن أحب الكلام إلى اللَّه ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». وعن ابن عباس ﵄ قال: «يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تنفخ فىّ الروح من روحك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال:
_________________
(١) الاستقرار؛ لأن اسم المكان لا يعمل. قال أبو البقاء: يجوز (إِلَى حِينٍ) أن يكون صفة لمتاع، أي: متاع كائن إلى حين. قوله: (استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها) فعلى هذا هو مستعار من استقبال الناس بعض الأعزة إذا قدم بعد طول الغيبة؛ لأنهم حينئذ لا يدعون شيئًا من الإكرام إلا فعلوه، وإكرام الكلمات الواردة من الحضرة الإلهية العمل بها. قوله: (وقرئ بنصب آدم ورفع الكلمات) قراءة ابن كثير وعلى هذه القراءة أيضًا استعارة.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم واكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء، لأنها كانت تبعا له، كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك. وقد ذكرها في قوله: (قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا). فَتابَ عَلَيْهِ فرجع عليه بالرحمة والقبول. فإن قلت: لم كرر: (قُلْنَا اهْبِطُوا)؟ قلت: للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً)
_________________
(١) قوله: (أراجعي) صح من نسخة المصنف بالتخفيف، ومن نسخة زين المشايخ بالتشديد، وهو السماع، وتوجيهه مشكل إلا أن يجعل جمعًا، وهو مستبعد أيضًا. قوله: «فَتَابَ عَلَيْهِ) فرجع عليه بالرحمة والقبول) الراغب: التوب ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ ضروب الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو يقول: فعلت وأسأت وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة، والتوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة، فمتى اجتمع هذه الأربعة فقد كملت شرائط التوبة، وتاب إلى الله، فذكر "إلى الله" يقتضي الإنابة، وتاب الله عليه، أي: قبل توبته، والتائب يقال لباذل التوبة. ولقابل التوبة التواب، ويقال ذلك لله تعالى لكثرة قبوله التوبة من العباد. قوله: (ولما نيط به من زيادة قوله: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) [البقرة: ٣٨] يعني كرر "اهبطوا" ليعلق عليه معنى آخر غير الأول، اهتمامًا به، ويسمى هذا الأسلوب في البديع بالترديد، قال ابن هانئ:
[ ٢ / ٤٤٧ ]
فإن قلت: ما جواب الشرط الأول؟ قلت: الشرط الثاني مع جوابه كقولك: إن جئتني فان قدرت أحسنت إليك. والمعنى: فإما يأتينكم منى هدى برسول أبعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم بدليل قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا) في مقابلة قوله:
_________________
(١) صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها … لو مسها حجر مسته سراء اعلم أن قوله: "اهبطوا" في هذا المقام، يجوز أن يحمل على موضوعه الحقيقي وعلى غير موضوعه على سبيل الكناية؛ لأن الكناية لا تنافي إرادة معنى الحقيقة أيضًا، فينزل على انحطاط بعد الرفعة مكانًا ومرتبة، أما المكان فمن الجنة إلى الأرض، وأما المرتبة فمما كانا فيه من النعيم والكرامة، فعلق على "اهبطوا" أولًا النزول مما كانوا عليه من التحاب والتواد والتوافق التي هي من خواص أهل الجنة، قال الله تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) [الحجر: ٤٧] إلى التباغض والتعادي وما عليه الناس من الشر، وإليه الإشارة بقوله: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) ومن الخلود والدوام إلى الفناء والزوال، وإليه الإشارة بقوله: (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ). ولما أراد أن ينتقل من هذا النوع من الانحطاط إلى نوع آخر من البلاء والمشقة وهو الابتلاء بالتكليف، أعاد اللفظ وهو قوله: (قُلْنَا اهْبِطُوا) وعلق عليه قوله: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) الآيات. وأما قوله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ) فحقه من حيث الوقوع أن يذكر بعد ذكر الهبوطين؛ لأن التوبة إنما صدرت وهو على الأرض، لكن قدم وعقب بالفاء الفصيحة؛ ليدل على مزيد الاهتمام بشأن التوبة، وليؤذن به على أن الذنب مما يجب أن يحترز منه، وعلى تقدير صدوره يجب أن يعقب بالتوبة ولا يمهل، فالمعنى: قلنا ذلك، فهبط آدم، فتلقته الكلمات أو تلقاها آدم، ولهذا صرح باسمه، ولكرامته خصه دون غيره. قوله: (بدليل قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا» أي: يدل على تقييد "هدى" برسول أبعثه وكتاب
[ ٢ / ٤٤٨ ]
(فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ) فإن قلت: فلم جيء بكلمة الشك وإتيان الهدى كائن لا محالة لوجوبه؟ قلت: للإيذان بأنّ الإيمان باللَّه والتوحيد لا يشترط فيه بعثة الرسل
_________________
(١) أنزله، وقوع (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا) في مقابلة (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ)، فلما كان الجزاء الذي هو الجملة الشرطية مع ما عطف عليه، مقيدًا بالآيات والتكذيب، يقدر الشرط الأول كذلك؛ لأن متابعة الهدى وتكذيبه مسببان عن بعثة الرسل، وإنزال الكتب، فالتقدير: فإما يأتينكم مني الرسل والكتب، فمن صدقهما فلا خوف عليه، ومن كذبهما فهو من أصحاب النار. قوله: (لوجوبه) أي: رعاية الأصلح واجبة على الله تعالى بناءً على مذهبه، وتلخيص جوابه: أنها واجبة لكن هي عبارة عن منح العقل ونصب الأدلة. والهدى في الآية عبارة عن بعثة الرسل وإنزال الكتب، وهما ليسا واجبين على الله تعالى. قوله: (للإيذان بأن الإيمان بالله والتوحيد) إلى آخره يؤذن بأن الكلام باق على الشك. وقال الزجاج: إن الجزاء إذا جاء في الفعل معه النون الثقيلة أو الخفيفة لزمتها "ما"، ومعنى لزومها إياها معنى التوكيد، وكذلك معنى دخول النون في الشرط التوكيد. قال صاحب الكواشي: "ما" تؤكد أول الفعل والنون آخره. قال صاحب "المرشد": وإنما زيدت "ما" ها هنا لتأكيد الفعل الذي بعد حرف الشرط؛ شبهوها بلام القسم المؤكدة للفعل كقولك: والله لأعطين، وهي أكدت أول الفعل والنون المشددة آخره. كذلك ها هنا، ولئن سلم الشك، فإنها جارية على خلاف مقتضى الظاهر، وذلك أن الله تعالى لما أمر آدم ﵇ بما أمر، ونهاه عما نهى على المبالغة والتوكيد كما سبق وشوهد منه بعد ذلك عدم العزيمة، وعلم من حال أولاده أنهم مجبولون على العجلة وقلة
[ ٢ / ٤٤٩ ]
وإنزال الكتب، وأنه إن لم يبعث رسولًا ولم ينزل كتابًا كان الإيمان به وتوحيده واجبًا لما ركب فيهم من العقول ونصب لهم من الأدلة ومكنهم من النظر والاستدلال. فإن قلت: الخطيئة التي أهبط بها آدم إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، وإن كانت صغيرة، فلم جرى عليه ما جرى بسببها من نزع اللباس والإخراج من الجنة والإهباط من السماء، كما فعل بإبليس ونسبته إلى الغىّ والعصيان ونسيان العهد وعدم العزيمة والحاجة إلى التوبة؟ قلت: ما كانت إلا صغيرة مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأفكار الصالحة التي هي أجل الأعمال وأعظم الطاعات. وإنما جرى عليه ما جرى، تعظيما للخطيئة وتفظيعًا لشأنها وتهويلا، ليكون ذلك لطفًا له ولذرّيته في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، والتنبيه على أنه أخرج من الجنة بخطيئةٍ واحدة،
_________________
(١) الثبات، ومائلون إلى حب الشهوات، قال: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ) على الشك، إيذانًا بأنه من غير أولي العزم، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه: ١١٥] قال صاحب "المفتاح": إن استعملت "إن" في مقام الجزم لم يخل عن نكتة كتنزيل المخاطب منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم، كما يقول الأب لابن لا يراعي حقه: إن لم أكن لك أبًا فكيف تراعي حقي. فدل ذلك على أن لابد من إنزال الكتب وبعثة الرسل تفضلًا وإحسانًا، فلا يلزم ما ذكره من وجوب الإيمان باستقلال العقل. قال صاحب "التقريب": إنما كرر (قُلْنَا اهْبِطُوا) للتأكيد ولزيادة (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ)، وجواب الشرط الأول الشرط الثاني مع جوابه. وإنما جاء بالشك في (إِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ) للإيذان بأن الوجوب- وجوب العقاب- إنما يكون بعد البعثة، والدلالة على أنه لا يجب على الله رعاية الأصلح. وقال القاضي: إنما جيء بحرف الشك، وإتيان الهدى كائن لا محالة؛ لأنه محتمل في نفسه غير واجب عقلًا، وكرر لفظ الهدى ولم يضمر؛ لأنه أراد بالثاني أعم من الأول، وهو ما
[ ٢ / ٤٥٠ ]
فكيف يدخلها ذو خطايا جمة. وقرئ: (فمن تبع هُدَيَّ)، على لغة هذيل، (فلا خوفَ) بالفتح.
_________________
(١) أتى به الرسل واقتضاه العقل، أي: فمن تبع ما أتاه مراعيًا فيه ما يشهد به العقل، فلا يحل بهم مكروه للعلية فيخافوا، ولا يفوت عنهم محبوب فيحزنوا. وقلت: إتيان الهدى في الثانية من وضع المظهر موضع المضمر للعلية، فدل على أن الهدى بالنظر إلى ذاته واجب الإتباع. وبالنظر إلى أنه أضيف إلى الله تعالى إضافة تشريف أحرى وأحق أن يتبع، وهذا موافق لقول المصنف. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا) في مقابلة (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) فالمقابل له حكم المقابل. قوله: (هدي على لغة هذيل) حكى ابن جني: هي قراءة أبي الطفيل وعيسى بن عمر الثقفي، وهي لغة فاشية في هذيل وغيرهم؛ أن يقلبوا الألف من آخر المقصور إذا أضيف إلى ياء المتكلم [ياء]، وأنشد قطرب: يطوف بي عكب في معد … ويطعن بالصملة في قفيا قال أبو علي: إن وقوع ياء المتكلم بعد الألف موضع ينكسر فيه الصحيح نحو: هذا غلامي، ولما لم يتمكنوا من كسر الألف قلبوها ياء، وشبهوا ذلك بقولك: مررت بالزيدين، لما لم يتمكنوا ن كسر الألف للجر قلبوها ياء.
[ ٢ / ٤٥١ ]
[(يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ* وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ)].
إِسْرائِيلَ هو يعقوب ﵇ لقب له، ومعناه في لسانهم: صفوة اللَّه، وقيل عبد اللَّه. وهو بزنة إبراهيم وإسماعيل غير منصرف مثلهما لوجود العلمية والعجمة. وقرئ إسرائل، وإسرائلّ. وذِكرهم النعمة: أن لا يخلوا بشكرها، ويعتدّوا بها، ويستعظموها، ويطيعوا ماتحها. وأراد بها ما أنعم به على آبائهم مما عدّد عليهم: من الإنجاء من فرعون وعذابه ومن الغرق. ومن العفو عن اتخاذ العجل، والتوبة عليهم، وغير ذلك، وما أنعم به عليهم من إدراك زمن محمد ﵌ المبشر به في التوراة والإنجيل. والعهد يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد جميعا. يقال أوفيت بعهدي، أى بما عاهدت عليه كقوله: (وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) [التوبة: ١١١] وأوفيت بعهدك: أى بما عاهدتك عليه. ومعنى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بى والطاعة لي، كقوله: (وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ) [الفتح: ١٠]، (وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ) [التوبة: ٧٥]، (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [الأحزاب: ٢٣]، (أُوفِ بِعَهْدِكُمْ): بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) فلا تنقضوا عهدى. وهو من قولك: زيدًا رهبته،
_________________
(١) قوله: (مما عدد عليهم) بيان "ما أنعم"، و"من الإنجاء" بيان "ما عدد"، و"من العفو" عطف على "من الإنجاء". قوله: (وأوفوا بما عاهدتموني عليه) خبر قوله: "ومعنى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) ". قوله: (وهو من قولك: زيدًا رهبته) أي: من باب الإضمار على شريطة التفسير. قال الزجاج: إياي: نصب بالأمر كأنه قال: ارهبوني، ويكون الثاني مفسرًا لهذا الفعل.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
وهو أوكد في إفادة الاختصاص من (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) [الفاتحة: ٥]. وقرئ (وأُوَفِّ) بالتشديد: أي أبالغ في الوفاء بعهدكم، كقوله: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها) [النمل: ١٨٩]،
_________________
(١) قوله: (وهو أوكد في إفادة الاختصاص من (إِيَّاكَ نَعْبُدُ» قال القاضي: وإنما كان آكد لما فيه مع التقديم من تكرير المفعول، والفاء الجزائية الدالة على تضمن الكلام معنى الشرط، كأنه قيل: إن كنتم راهبين شيئًا فارهبون. وقلت: هذا على خلاف رأي المصنف؛ لأنه جعل التركيب من باب الإضمار على شريطة التفسير لقوله: "هو من قولك: زيدًا رهبته"، فإن هذا التركيب آكد في إفادة الاختصاص من "إياك نعبد" إذا قدرت المفسر بعد المنصوب لتكرير الجملة المفيدة للتخصيص، بخلاف "إياك نعبد"، فإن فيه تقديمًا فقط. قال صاحب "المفتاح": وأما زيدًا عرفته، فأنت بالخيار، إن شئت قدرت المفسر قبل المنصوب، وحملته على التأكيد، وإن شئت قدرته بعده، وحملته على باب التخصيص. والمقام يقتضي الثاني لسياق الكلام وسباقه. وأما إذا جعل من باب الشرط، فلا وجه أن يقابل بقوله: "إياك نعبد" إذ لا مناسبة بينهما. نعم لو قدر: إن كنتم تخصون أحدًا بألوهية، فخصوني بها أفاد التخصيص، لكن تقدير الشرط أحط وأضعف من "إياك"؛ لأن التقديم يستدعي وقوع الفعل جزمًا، والشرط على الفرض والتقدير. فإن قلت: كيف عطف الجملة المؤكدة على مؤكدها والعطف يقتضي المغايرة؟ قلت: المغايرة حاصلة، لأن المراد من التكرار الترقي من الأهون إلى الأغلظ، فإن في التعقيب اتصال الرهبة برهبة هي أعلى منها من غير تخلل شيء آخر، كقولهم: الأفضل فالأفضل، والأكرم
[ ٢ / ٤٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فالأكرم، لم يريدوا به أفضلين وأكرمين، بل الترقي إلى انتهاء الوسع والإمكان. قال المصنف في قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا) [القمر: ٩] أي: كذبوه تكذيبًا على عقب تكذيب. ففيه إشعار بمزيد الاختصاص. ثم قوله: "أوكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد" يقتضي أنه أوكد منه وحده، لكن إذا ضم معه (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: ٥] كان هذا أوكد لتصريح التكرير والتعميم في "نستعين" على ما سبق في الفاتحة. الراغب: إنما ذكر في الآية الأولى "فارهبون" وفي الأخرى "فاتقون"؛ لأن الرهبة دون التقوى، فحيثما خاطب الكافة عالمهم ومقلدهم وحثهم على [ذكر] النعمة التي يشتركون فيها، أمرهم بالرهبة التي هي مبادئ التقوى، وحيثما خاطب العلماء منهم، وحثهم على مراعاة آياته والتنبيه لما يأتي به أولو العزم من الرسل، أمرهم بالتقوى التي هي منتهى الطاعة. وقوله: "وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان والطاعة لي" أوف "بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم". اعلم أن المصنف قال فيما سبق: إن العهد الموثق، وعهد إليه في كذا: إذا وصاه ووثقه عليه، واستعهد منه: إذا اشترط عليه، واستوثق منه. واللائق بهذا المقام هذا الثاني. فيكون المراد بالعهد ما استعهد من آدم في قوله تعالى: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) [البقرة: ٣٨] إلى آخره لتنتظم الآيات، يؤكده عطف قوله: (وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) [البقرة: ٤١] على "أوفوا" على سبيل التفسير، وفي كلامه إشعار به.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
ويجوز أن يريد بقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) ما عاهدوا عليه ووعدوه من الإيمان بنبىّ الرحمة والكتاب المعجز. ويدل عليه قوله: (وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ) أوّل من كفر به، أو أول فريق أو فوج كافر به، أو: ولا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به، كقولك: كسانا حلة، أي كل واحدٍ منا
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يريد) عطف على قوله: "ومعنى وأوفوا بعهدي" وعلى الأول العهد عام كما في قوله تعالى: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى)، وعلى هذا خاص، والآيات الثلاث المستشهد بها لأجل أن العهد مع الله تعالى فحسب. ولما كان عطف قوله: (وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) [البقرة: ٤١] على سبيل البيان على هذا الوجه ظاهرًا، قال: "ويدل عليه قوله: وآمنوا" لما يفهم من الأمر بالإيمان بالمنزل أن المراد بالأمر السابق الأمر بالإيمان بالمنزل عليه، وأنه نبي الرحمة بناءً على أن عطف الخاص يخصص العام، وأما على الأول فهو من عطف الخاص على العام، وجعل الأول توطئة للثاني؛ تنبيهًا على علو مرتبة هذا المنزل ونباهة منزلة هذا المنزل عليه، وفضله على سائر المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين. قوله: (أو: أول فريق، أو فوج …، أو: ولا يكن كل واحد) إنما قدر هذه التقادير لما أن خبر كان مفرد لفظًا، والاسم جماعة. قال القاضي: أول: أفعل لا فعل له، وقيل: أصله "أوأل" من: وأل، فأبدلت همزته واوًا تخفيفًا غير قياسي، أو أأول من آل فقلبت همزته واوًا وأدغمت.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوّل من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته. ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه والمستفتحين على الذين كفروا به، وكانوا يعدون اتباعه أول الناس كلهم، فلما بعث كان أمرهم على العكس كقوله: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) إلى قوله: (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) [البينة: ١ - ٤]، (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) [البقرة: ٨٩]، ويجوز أن يراد: ولا تكونوا مثل أول كافر به، يعنى من أشرك به من أهل مكة. أى: ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكورا في التوراة موصوفًا،
_________________
(١) ـ قوله: (وهذا تعريض) أي: قوله: (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) تعريض بما يجب عليهم لمقتضى حالهم، ولما تكلموا به من الاستفتاح والبشارة، والتعريض أنواع منها: أن يكون الكلام مسوقًا لأجل موصوف غير مذكور كما تقول في عرض من يؤذي الناس: فلان رجل مؤمن يصلي ويزكي ولا يؤذي الناس. ويتوصل به على نفي الإيمان عن المؤذي. ومنها: أن يساق به لمقتضى الحال على طريقة قوله: أروح لتسليم عليك وأغتدي … وحسبك بالتسليم مني تقاضيا وما نحن بصدده من هذا القبيل. قوله: (والمستفتحين) الاستفتاح: الاستنصار. أي: كانوا يقولون: قد آن مبعث النبي الأمي الذي نجده في التوراة والإنجيل، فنحن نؤمن به ونقاتلكم معه.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له. وقيل: الضمير في (به) لما معكم، لأنهم إذا كفروا بما يصدّقه فقد كفروا به. والاشتراء استعارة للاستبدال كقوله تعالى: (اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى) [البقرة: ١٦]، وقوله:
كَمَا اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا
وقوله:
فإنِّى شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَك بالجَهْلِ
يعنى: ولا تستبدلوا بآياتي ثمنا وإلا فالثمن هو المشترى به.
_________________
(١) قوله: (لأنهم إذا كفروا بما يصدقه فقد كفروا به) يعني لا تكونوا أول من كفر بالتوراة، لأنه صلوات الله عليه مصدق في التوراة لما فيها من صفته ونعته، فإذا كفرتم بالمصدق لزم أن تكفروا بالمصدق. قوله: (كما اشترى المسلم إذ تنصرا) أي: كما استبدل المسلم بالإسلام الكفر حتى اختار النصرانية، مضى بيانه. قوله: (فإني شريت الحلم بعدك بالجهل) قبله: فإن تزعميني كنت أجهل فيكم "كنت أجهل" ثاني مفعولي "تزعميني" وقيل: الزعم بمعنى القول لوقوع الجملة بعده، أي: أن تقول كنت أجهل الناس فيمك، فإني بدلت حالي بعدك، واستبدلت الحلم بالجهل، والأناة بالطيش، والرفق بالخرق. قوله: (وإلا فالثمن هو المشترى به) وتقريره: أن الاشتراء استعارة للاستبدال، وإن لم يكن استعارة له لزم أن يكون الثمن في قوله تعالى: (ثَمَنًا قَلِيلًا) هو المشترى، والثمن المتعارف هو
[ ٢ / ٤٥٧ ]
والثمن القليل: الرياسة التي كانت لهم في قومهم، خافوا عليها الفوات لو أصبحوا أتباعا لرسول اللَّه ﷺ فاستبدلوها - وهي بدل قليل ومتاع يسير - بآيات اللَّه وبالحق الذي كل كثير إليه قليل، وكل كبير إليه حقير، فما بال القليل الحقير. وقيل كانت عامّتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم، ويهدون إليهم الهدايا، ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلم، وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع. وكان ملوكهم يدرّون عليهم الأموال ليكتموا أو يحرّفوا.
_________________
(١) المشترى به، وها هنا المشتري به الآيات، لأن الباء تدخل على الثمن، فلما دخل على "آياتي" صار هو المشترى به، وصار (ثَمَنًا قَلِيلًا) هو المبيع؛ يريد: أن هذه الاستعارة استعارة لفظية لا معنوية، فاستعير الشراء لمجرد الاستبدال من غير نظر إلى التشبيه كما يستعار لأنف الإنسان المرسن. قال المصنف في قوله تعالى: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) [الصافات: ٦٥] الطلع للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها؛ إما استعارة لفظية أو معنوية. وأما التشبيه بقوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: ١٦] فلمجرد استعارة الاشتراء للاستبدال، ويمكن أن يكون استعارة معنوية، بولغ أولًا بأن شبه هذا الاستبدال في كونه مرغوبًا فيه بالبيع والشراء، ثم زيد في المبالغة بأن قلبت القضية، وجعل الثمن مبيعًا، والمبيع ثمنًا، ونحوه في القلب قوله تعالى: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) [البقرة: ٢٧٥]. فجعلت الآيات في الابتذال والامتهان وكونها ذرائع إلى سائر مباغيهم كالدراهم المبذولة لقضاء الحوائج. ومقام التقريع والنعي على بني إسرائيل وسوء صنيعهم يقتضي هذه المبالغة، وإليه ينظر ما روينا عن الدارمي، قال أبو موسى: "إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن لكم وزرًا، وكائن لكم ذكرًا، اتبعوا القرآن ولا يتبعكم القرآن، فإن من يتبع القرآن يهبط به في رياض الجنة، ومن يتبعه القرآن يزج في قفاه فيقذفه في جهنم".
[ ٢ / ٤٥٨ ]
[(وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)].
الباء التي في (بِالْباطِلِ) إن كانت صلة مثلها في قولك: لبست الشيء بالشيء خلطته به، كأن المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم، حتى لا يميز بين حقها وباطلكم، وإن كانت باء الاستعانة كالتي في قولك: كتبت بالقلم، كان المعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبسا مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه وَتَكْتُمُوا جزم داخل تحت حكم النهى بمعنى: ولا تكتموا. أو منصوب بإضمار أن، والواو بمعنى الجمع، أى ولا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق، كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. فإن قلت: لبسهم وكتمانهم ليسا بفعلين
_________________
(١) قوله: (وإن كانت باء الاستعانة) والفرق: أن الخلط يستدعي مخلوطًا ومخلوطًا به. قال الجوهري: خلطت الشيء بغيره فاختلطا، فإذا جعلت صلة كان "بالباطل" مفعولًا مثل الأول، فخلطهم أن يكتبوا شيئًا آخر مثل المنزل، فإذا كتبوه اختلط مع الحق، فالمنهي الكتبة نفسها، لأنها مستلزمة للاختلاط، ومن ثم قال: "ولا تكتبوا فيختلط الحق بالباطل" وجعل "فيختلط" جوابًا للنهي، وإذا جعلت للاستعانة كان المنهي جعل مكتوبهم سببًا للاشتباه، ولهذا قال: "ولا تجعلوا الحق مشتبهًا بباطلكم" أي: بسبب باطلكم. وقال "الذي تكتبونه" أي: الذي أنتم مشتغلون به وهو دأبكم وعادتكم، فقوله: "ملتبسًا" ثاني مفعولي جعل. قوله: (والواو بمعنى الجمع) قال في "الإقليد": هذه الواو تسمى واو الصرف؛ لأنها تصرف المعطوف عن إعراب المعطوف عليه. قوله: (لبسهم وكتمانهم) تقريره: أن اللبس والكتمان متلازمان، فليست المسألة كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، ليصح دخول واو الجمع بينهما. وأجاب بما تلخيصه: أن لبس
[ ٢ / ٤٥٩ ]
متميزين حتى ينهوا عن الجمع بينهما، لأنهم إذا لبسوا الحق بالباطل فقد كتموا الحق؟ قلت: بل هما متميزان، لأن لبس الحق بالباطل ما ذكرنا من كتابتهم في التوراة ما ليس منها. وكتمانهم الحق أن يقولوا: لا نجد في التوراة صفة محمد ﵌، أو حكم كذا. أو يمحوا ذلك. أو يكتبوه على خلاف ما هو عليه. وفي مصحف عبد اللَّه: (وتكتمون)
_________________
(١) الحق بالباطل على ما بيناه في الوجهين، إظهار ما به يشتبه ما في التوراة، وكتمان الحق إخفاء ما في التوراة؛ إما بالقول بأن يقولوا: لا نجد فيها كذا، أو بالفعل بأن يمحوا ذلك، أو يكتبوه على خلاف ما هو عليه، فقوله: "أو حكم كذا" عطف على "صفة محمد" صلوات الله عليه، وهو حكم الزاني المحصن، ورجمه كما سيجيء حديثه. وقوله: "أو يمحوا" عطف على قوله: "أن يقولوا". فإن قلت: فعلى هذا يلزمك جواز فعلهم اللبس بدون الكتمان وعكسه، كما في مسألة السمكة. قلت: لا نسلم جواز فعل كل واحد منهما على الانفراد كما في مسألة السمكة، فإن نهي الجمع لا يدل على جواز البعض ولا على عدمه، وإنما يعلمان من دليل آخر، أما في مسألة السمكة فمن الطب، وأما في الآية فلاستبداد قبح كل منهما. وبقي أن يقال: إذا كان كذلك فما فائدة الجمع؟ والجواب: فائدته المبالغة في النعي عليهم وإظهار قبح أفعالهم من كونهم جامعين بين الفعلين اللذين إن انفرد كل منهما كان مستقلًا في القبح، وعلى قراءة الجزم وإن دل على المبالغة لكن تفوت فائدة النعي عليهم. قوله: (وفي مصحف عبد الله: وتكتمون) قال القاضي: هذه القراءة تعضد قول من
[ ٢ / ٤٦٠ ]
بمعنى كاتمين (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ): في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون، وهو أقبح لهم، لأنّ الجهل بالقبيح ربما عذر راكبه. (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وءَاتُوا الزَّكَاةَ): يعني صلاة المسلمين وزكاتهم. (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) منهم؛ لأنّ اليهود لا ركوع في صلاتهم. وقيل «الركوع» الخضوع والانقياد لما يلزمهم في دين اللَّه. ويجوز أن يراد بالركوع: الصلاة، كما يعبر عنها بالسجود، وأن يكون أمرا بأن يصلى مع المصلين، يعنى في الجماعة، كأنه قيل: وأقيموا الصلاة وصلوها مع المصلين، لا منفردين.
_________________
(١) قال: إن "الواو" للجمع، لأن المعنى: وأنتم تكتمون، وفيه إشعار بأن استقباح اللبس لما يصحبه من كتمان الحق. قوله: (يعني صلاة المسلمين وزكاتهم) قال القاضي: يعني أن غيرهما كلا صلاة ولا زكاة، أمرهم بفروع الإسلام بعدما أمرهم بأصولها، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بها. والزكاة: من زكا الزرع: إذا نما، فإن إخراجها يستجلب تزكية في المال، ويثمر للنفس فضيلة الكرم، أو من الزكاة بمعنى الطهارة؛ فإنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل. قوله: (لأن اليهود) تعليل لاختصاص الركوع بالذكر مع أنه داخل في الأمر بإقامة الصلاة.
[ ٢ / ٤٦١ ]
[(أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ* وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ)].
(أَتَامُرُونَ): الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم. والبرّ سعة الخير والمعروف. ومنه البر لسعته، ويتناول كل خير. ومنه قولهم: صدقت وبررت. وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد ﷺ ولا يتبعونه. وقيل كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدّقون، وإذا أتوا بصدقات ليفرّقوها خانوا فيها. وعن محمد بن واسع: بلغني أنّ ناسا من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة. قالوا كنا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) وتتركونها من البر كالمنسيات (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ): تبكيت، مثل قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: ٤٢] يعني: تتلون التوراة وفيها نعت محمد ﷺ، أو فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل
_________________
(١) ـ قوله: (صدقت وبررت) أي: بررت في صدقك، كما يقال: كذبت وفجرت، أي: فجرت في كذبك هذا. قوله: (وقيل: كانوا يأمرون بالصدقة) فعلى هذا البر بمعنى الإحسان، وعلى الأول بمعنى الإيمان. قوله: (كالمنسيات) أشار بالكاف إلى أن المراد بقوله: "تنسون": تتركون على الاستعارة التبعية؛ لأن أحدًا لا ينسى نفسه بل يحرمها من الخير، ويتركها كما يترك الشيء المنسي مبالغة لعدم المبالاة والغفلة فيما ينبغي أن يفعله. قوله: «وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) [البقرة: ٤٤] تبكيت مثل قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: ٢٢]) يعني: كما وقع (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) حالًا من فاعل "لا تلبسوا" على سبيل التبكيت
[ ٢ / ٤٦٢ ]
(أَفَلا تَعْقِلُونَ): توبيخ عظيم، بمعنى: أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول، لأن العقول تأباه وتدفعه،
_________________
(١) وإلزام الخصم، كذلك (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) حال من فاعل (أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) للتبكيت، وأيضًا كما اختلف تقدير متعلق "تعلمون" باختلاف تفسير "لا تلبسوا الحق بالباطل" في الوجهين على ما سبق، كذلك يختلف تقدير متعلق "يتلون" باختلاف تفسير "أتأمرون" في تلك الوجوه الثلاثة المذكورة من الأمر باتباع محمد صلوات الله عليه ولا يتبعونه، والأمر بالصدقة ولا يتصدقون، والأمر بالصدقة والخيانة فيها. فأتى بها في التقدير على طريقة النشر بلا ترتيب. ولما كان الوجهان الأخيران قولًا واحدًا كما سبق، جاء بـ "أو" وعطف عليه قوله: "ومخالفة" على "الخيانة" بالواو. فإن قلت: هل يحتمل قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ما احتمل في قوله: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: ٢٢] من جعله بمنزلة اللازم مبالغة، أي: أنتم من أهل العلم والمعرفة؟ قلت: لا، لأنه عقب بقوله: (أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) الآية وهو مثل قوله: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) [الجمعة: ٥] وقوله: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) تقريع بعد التبكيت، أي: كأنكم مسلوبو العقول وكالحمار يحمل أسفارًا، فكيف يثبت لهم العلم الفائق كما أثبت لدهاة العرب هناك! وفي هذا إيذان بأن فعل اليهود كان أفحش من فعل المشركين؛ لأن مخالفة النص الجلي مع اعتقاد وجوبه مخالفة لأمر الله وأمر العقل، ومخالفة أمر العقل مخالفة له فحسب. قوله: (مسلوبو العقول؛ لأن العقول تأباه وتدفعه) فيه إيماء إلى أن قوله: (أَفَلا تَعْقِلُونَ)
[ ٢ / ٤٦٣ ]
ونحوه: (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [الأنبياء: ٦٧]. (وَاسْتَعِينُوا) على حوائجكم إلى اللَّه (بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) أي: بالجمع بينهما، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة، محتملين لمشاقها وما يجب فيها - من إخلاص القلب، وحفظ النيات، ودفع الوساوس ومراعاة الآداب، والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات، ليسأل فك الرقاب عن سخطه وعذابه. ومنه قوله تعالى: (وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) [طه: ١٣٢] أو: واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها. وكان رسول اللَّه ﷺ
_________________
(١) مطلق يجري مجرى اللازم. قال القاضي: العقل في الأصل الحبس، سمي به إدراك الإنسان؛ لأنه يحبسه عما يقبح، ويعقله على ما يحسن، ثم القوة التي بها النفس تدرك هذا الإدراك. المعنى: فلا عقل لكم يحبسكم عما تعلمون وخامة عاقبته، أو: أفلا تعقلون قبح صنيعكم فيصدكم عنه. قوله: (وأن تصلوا صابرين) عطف تفسيري على قوله: "بالجمع بينهما" وكذا قوله: "وأن يستعان" عطف على قوله: "الدعاء"، والضمير في قوله: "بأنه انتصاب" راجع إلى الصلاة، والتذكير باعتبار الخبر لا إلى الجمع كما ظن؛ لأنه متعلق بقوله: "واستحضار العلم"، وهو عطف على "إخلاص القلب فيها"، و"ليسأل" تعليل "انتصاب"، وإنما قدم الصبر على الصلاة لأنه لا يمكن حصول الصلاة كاملة إلا بالصبر.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وعن ابن عباس: أنه نعى إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع وتنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشى إلى راحلته وهو يقول: (واستعينوا بالصبر والصلاة). وقيل: الصبر الصوم، لأنه حبس عن المفطرات. ومنه قيل لشهر رمضان: شهر الصبر. ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء، وأن يستعان على البلايا بالصبر، والالتجاء إلى الدعاء، والابتهال إلى اللَّه تعالى في دفعه (وَإِنَّها) الضمير للصلاة أو للاستعانة. ويجوز أن يكون لجميع الأمور
_________________
(١) ـ قوله: (إذا حزبه أمر) وفي رواية حذيفة: "إذا حزنه أمر صلى" أخرجه أبو داود. حزنه بالنون، وفي "الكشاف" بالباء الموحدة من تحت. وكذا في "النهاية": إذا حزبه أمر صلى، أي: إذا نزل به هم أو أصابه غم. قوله: (فزع إلى الصلاة)، النهاية: في حديث الكسوف "فافزعوا إلى الصلاة"، أي: الجؤوا إليها، واستعينوا بها على دفع الأمر الحادث. قوله: (فاسترجع) أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال صاحب "الجامع": قثم بضم القاف وفتح الثاء المثلثة. وكان واليًا لعلي ﵁ على مكة، واستشهد بسمرقند زمن معاوية. قوله: «وَإِنَّهَا) الضمير للصلاة)، الراغب: خصها برد الضمير؛ لأنها أرفع منزلة
[ ٢ / ٤٦٥ ]
التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) إلى (وَاسْتَعِينُوا). (لَكَبِيرَةٌ): لشاقة ثقيلة من قولك: كبر علىّ هذا الأمر، (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) [الشورى: ١٣]. فإن قلت: مالها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟ قلت: لأنهم يتوقعون ما ادّخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ)؟ أي: يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده، ويطمعون فيه. وفي مصحف عبد اللَّه: يعلمون. ومعناه: يعلمون أن لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك
_________________
(١) من الصبر، لأنها تجمع ضروبًا من الصبر، إذ هي حبس الحواس على العبادة، وحبس الخواطر والأفكار على الطاعة؛ ولهذا قال تعالى: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)، وأما الصلاة التي تخف على غير الخاشع فمسماة باسمها وليست في حكمها، بدلالة قوله ﷿: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: ٤٥] وقلما ترى صلاة غير الخاشعين تنهى عن الفحشاء والمنكر، ونظيره في رد الضمير: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا) [الجمعة: ١١] أعيد الضمير إلى التجارة دون اللهو لما كانت سببًا في الانفضاض. قوله: (لأنهم يتوقعون) معللة مقدر؛ لأن تقدير السؤال: ما للصلاة لم تثقل على الخاشعين، والحال أن الخشوع في الصلاة في نفسه ثقيل كما علم من قوله: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون: ٢]، وما يكون ثقيلًا في نفسه كيف يكون سببًا لخفة صلاتهم؟ وأجاب: إنما يكون سببًا لخفة صلاتهم "لأنهم يتوقعون" إلى آخره. قوله: (أي: يتوقعون لقاء ثوابه) مذهبه قال في "يونس" في قوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) [يونس: ١٥]: كيف جاز النظر على الله وفيه معنى المقابلة!
[ ٢ / ٤٦٦ ]
ولذلك فسر (يظنون) بـ: يتيقنون. وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب، كانت عليه مشقة خالصة فثقلت عليه كالمنافقين والمراءين بأعمالهم. ومثاله من وعد على بعض الأعمال والصنائع أجرة زائدة على مقدار عمله، فتراه يزاوله برغبة ونشاط وانشراح صدر ومضاحكة لحاضريه، كأنه يستلذ مزاولته بخلاف حال عامل يتسخره بعض الظلمة. ومن ثمّ قال رسول اللَّه ﵌ (وجعلت قرّة عيني في الصلاة)
_________________
(١) قوله: (ولذلك فسر (يَظُنُّونَ) بـ: يتيقنون) أي: ولأجل ما قرأ عبد الله: (يعلمون) - ومعناه ما ذكر- فسر يظنون بـ: يتيقنون، قال: الظن ها هنا بمعنى اليقين. ولو كانوا شاكين كانوا ضلالًا كافرين، والظن بمعنى اليقين موجود، قال دريد بن الصمة: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج … سراتهم في الفارسي المسرد قوله: (وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة) هذا يعلم من مفهوم قوله: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) [البقرة: ٤٥]، لأنه في معنى: لا يهون على أحد إلا على الخاشعين، فإنه استثناء مفرغ من كلام موجب فلابد من تأويل. قوله: (يتسخره بعض الظلمة)، الجوهري: تسخره: كلفه عملًا بغير أجرة. قوله: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) الحديث من رواية النسائي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "حبب إلي الطيب والنساء، وجعل قرة عيني في الصلاة".
[ ٢ / ٤٦٧ ]
وكان يقول «يا بلال روّحنا» والخشوع: الإخبات والتطامن. ومنه:
_________________
(١) قوله: (يا بلال روحنا) الحديث من رواية أبي داود عن سالم بن الجعد قال: قال رجل من خزاعة: ليتني صليت فاسترحت، فكأنهم عابوا ذلك عليه، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أقم الصلاة يا بلال أرحنا بها" أي: أذن بالصلاة نسترح بأدائها من شغل القلب بها، قيل: كان اشتغاله بالصلاة راحة له، فإنه كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعبًا، وكان يستريح بالصلاة لما فيها من مناجاة الله تعالى، ولهذا قال: "وقرة عيني في الصلاة"، وما أقرب الراحة من قرة العين، يقال: أراح الرجل واستراح إذا رجع نفسه إليه بعد الإعياء، كلها في "النهاية". الراغب: الصلاة جامعة للعبادات وزائدة عليها لأنها لا تصح إلا ببذل مال ما، جار مجرى الزكاة فيما يستر به العورة، ويطهر به البدن، وامتساك في مكان مخصوص يجري مجرى الاعتكاف، وتوجه إلى الكعبة يجري مجرى الحج، وذكر الله تعالى ورسوله يجري مجرى الشهادتين، ومجاهدة في مدافعة الشيطان جارية مجرى الجهاد، وإمساك عن الأطيبين جار مجرى الصوم، وفيها ما ليس في شيء من العبادات الأخرى من وجوب القراءة وإظهار الخشوع والركوع والسجود وغير ذلك. وقلت: وفيها ما قال صلوات الله عليه: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" الذي هو أصل ذلك كله. قوله: (الخشوع: الإخبات والتطامن) الراغب: الخشوع: الضراعة، وأكثر ما يستعمل فيما
[ ٢ / ٤٦٨ ]
الخشعة للرملة المتطامنة. وأما الخضوع فاللين والانقياد. ومنه: خضعت بقولها إذا لينته.
[(يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ* وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ)].
وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ نصب عطف على: (نِعْمَتِيَ) أى اذكروا نعمتي وتفضيلي عَلَى الْعالَمِينَ على الجم الغفير من الناس، كقوله تعالى: (بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء: ٧١] يقال: رأيت عالما من الناس يراد الكثرة يَوْمًا يريد يوم القيامة
_________________
(١) يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب، ولذلك قيل فيما روي: "إذا ضرع القلب خشعت الجوارح" (تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً) [فصلت: ٣٩] كناية. قوله: (خضعت بقولها: إذا لينته) مأخوذ من قوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) [الأحزاب: ٣٢]. قوله: (على الجم الغفير من الناس) ذهب الإمام: أن الآية بظاهرها تدل على أن يكونوا أفضل من الصحابة، وليس كذلك. وقلت- والله أعلم-: "العالمين" كما سبق: اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين، أو لكل ما علم به الخالق، وهو عام يقبل التخصيص بالعلم بالبعض من أربعة أوجه: أحدها: من حيث الأشخاص، وهو المراد بقوله: "على الجم الغفير من الناس" وهو مجاز من باب إطلاق الكل على الأكثر نحو قوله تعالى: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ١٦] (وَأُوتِيَتْ مِنْ
[ ٢ / ٤٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ٢٣] فعلى هذا يلزم تفضيلهم على غير الصحابة رضوان الله عليهم وهم الجم الغفير. وثانيها: من حيث المكان كما في الآية المستشهد بها (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: ٧١] أي: أهل الشام، كقوله تعالى: (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) [الإسراء: ١] ولا يجوز حمل الآية عليه. وثالثها: أن يختص بالبعض بحسب اختصاص أمر ما. قال الإمام: "العالمين" عام لكنه مطلق في الفضل، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة، فيلزم أن يكونوا أفضل من غيرهم في أمر واحد، وغيرهم أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر. وقلت: هذا بعيد؛ لأن سياق الكلام لبيان الامتنان عليهم وتعداد النعم الفائقة، وهذا إنما يمكن إذا حملنا التفضيل على غير الصحابة من الجم الغفير. ورابعها: خص به بحسب اعتبار الزمان. قال محيي السنة: "على العالمين" أي: عالمي زمانهم، وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء لكن يحصل به الشرف للأبناء. وقال القاضي: يريد به تفضيل آبائهم الذين كانوا في عصر موسى ﵇ وبعده قبل أن يغيروا، بما منحهم من العلم والإيمان، وجعلهم أنبياء وملوكًا مقسطين. وقلت: الحق هذا الوجه، وقضية النظم شاهدة بذلك، وبيانه أن المصنف كثيرًا ما يذهب إلى أن الكلام إذا كرر كان للتأكيد، ولما يناط به من زيادة ليست مع الأول، وها هنا كرر نداءهم بقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) [البقرة: ٤٠] فعلق بها:
[ ٢ / ٤٧٠ ]
(لا تَجْزِي) لا تقضي عنها شيئا من الحقوق. ومنه الحديث في جذعة بن نيار: «تجزى عنك ولا تجزى عن أحد بعدك». و(شَيْئًا) مفعول به،
_________________
(١) أولًا: النعمة التي اختصت بالذين شاهدوا حضرة الرسالة، وأنزل إليهم ما يصدق ما معهم، ومنحوا ما كانوا يتمنون من الاستفتاح على الكفار بنبي الرحمة. وثانيًا: النعمة التي أنعمها الله تعالى على آبائهم وأسلافهم من تفضيلهم على عالمي زمانهم بالعلم والحكمة والنبوة، وبإنجائهم من فرعون وعقابه، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وغير ذلك. فالواجب: حمل الكلام على هذا لا على ما ذهب إليه المصنف لئلا يختل النظم، ويؤيده ما ذكره الزجاج: أذكرهم الله ﷿ نعمته عليهم في أسلافهم، والدليل على ذلك قوله: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) [البقرة: ٤٩] والمخاطبون بالقرآن لم يروا فرعون ولا آله. ولكنه أذكرهم أنه لم يزل منعمًا عليهم؛ لأن إنعامه على أسلافهم إنعام عليهم، والدليل عليه: أن العرب تجعل ما كان لآبائها فخرًا لها، وما كان فيه ذم تعده عارًا عليها. ولعل مراد المصنف من تخصيص هذا العام وتفسير العالمين بالجم الغفير من الناس أن لا تدخل الملائكة في العالمين حتى لا يلزم أن يكون البشر أفضل منهم كما ذهب إليه في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) إلى قوله: (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء: ٧٠] لأن بعض الأصحاب استدل بهذه الآية التي نحن بصددها على فضل البشر. قوله: (ومنه الحديث في جذعة ابن نيار) روينا في "صحيح البخاري" قال أبو بردة بن نيار خال البراء: يا رسول الله، فإني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي، فذبحت شاتي، وتغديت قبل أن آتي الصلاة. قال: "شاتك شاة لحم"، قال: يا رسول الله، فإن عندنا عناقًا جذعة هي أحب إلي من شاتين،
[ ٢ / ٤٧١ ]
ويجوز أن يكون في موضع مصدر، أي قليلًا من الجزاء، كقوله تعالى: (وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) [مريم: ٦٠]، ومن قرأ (لا تجزئ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء. وقرأ أبو السرار الغنوي: لا تجزى نسمة عن نسمة شيئا. وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ليوما. فإن قلت: فأين العائد منها إلى الموصوف؟ قلت: هو محذوف تقديره: لا تجزى فيه. ونحوه ما أنشده أبو علي:
تَرَوَّحِى أَجْدَرُ أَنْ تَقِيلِي
_________________
(١) أفتجزي عني؟ قال: "نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك"، الحديث وفي "مسند أحمد بن حنبل" نحوه. الجذع من الشاة، ما دخل في السنة الثانية. ابن نيار بكسر النون وتخفيف الياء والراء. قوله: (أي: قليلًا من الجزاء) فعلى هذا نزل المتعدي منزلة اللازم للمبالغة، ومن ثم استشهد بقراءة من قرأ "لا تجزئ" من: أجزأ عنه. قوله: (فلا يكون في قراءته إلا بمعنى: شيئًا من الإجزاء) أي: بمعنى المصدر، لأنه لازم تعدى إلى المفعول به بـ "عن". قوله: (تقديره: لا تجزي فيه) قال الزجاج: وحذف "فيه" ها هنا جائز؛ لأن "في" مع الظروف محذوفة تقول: أتيتك اليوم، وأتيتك في اليوم. فإذا أضمرت قلت: أتيتك فيه، ويجوز أتيتكه، ولو قلت: الذي تكلمت فيه زيد، لم يجز: الذي تكلمت زيد بدله. قوله: (تروحي أجدر أن تقيلي) تمامه: غدًا بجنبي بارد ظليل
[ ٢ / ٤٧٢ ]
أي: ما أجدر بأن تقيلى فيه. ومنهم من ينزل فيقول: اتسع فيه، فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار ثم حذف الضمير كما حذف من قوله:
أو مال أصابوا.
_________________
(١) قوله: (أي: أجدر) وفي نسخة: "ما أجدر"، وصح "ما أجدر" في المتن عن المعزي. و"ما" موصوفة، صفتها "أجدر" منصوبة بـ "تروحي" على تأويل مكانًا أو مراحًا. و"أجدر" أفعل التفضيل، وفاعله ضمير مستكن للمراح، و"الباء" المقدر في "أن" صلة أجدر، والمفضل عليه محذوف يقول: جدي يا ناقة في السير واطلبي مراحًا أحق بأن تقيلي فيه من مكان أنت فيه. تروحي: من الرواح وهو السير فيما بعد الزوال، و"تقيلي" من القيلولة. وفي "محتسب ابن جني": أصله ائتي مكانًا أجدر بأن تقيلي فيه، فحذف ائتي لدلالة تروحي عليه، فصار: تروحي مكانًا أجدر بأن تقيلي فيه، ثم حذف الموصوف الذي هو مكانًا فصار أجدر بأن تقيلي فيه، ثم حذف الباء تخفيفًا فصار أن تقيلي فيه، ثم حذف "في" فصار أن تقيليه، ثم حذف العائد المنصوب فصار كما ترى، ففيه خمسة أعمال. هذا الذي عناه المصنف بقوله: "ومنهم من ينزل" أي: يحط به درجة فدرجة. قوله: (أو مال أصابوا) أوله: فما أدري أغيرهم تناء … وطول العهد أو مال أصابوا وقبله: ألا أبلغ معاتبتي وقولي … بني عمي فقد حسن العتاب
[ ٢ / ٤٧٣ ]
ومعنى التنكير: أن نفسا من الأنفس لا تجزى عن نفس منها شيئا من الأشياء، وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع.
وكذلك قوله: (وَلا تُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) أي فدية لأنها معادلة للمفدي. ومنه الحديث «لا يقبل منه صرف ولا عدل» أي توبة ولا فدية. وقرأ قتادة: (ولا يَقبل منها شفاعة)، على بناء الفعل للفاعل وهو اللَّه ﷿، ونصب الشفاعة. وقيل: كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا
_________________
(١) وسل هل كان لي ذنب إليهم … هم منه- فأعتبهم- غضاب كتبت إليهم كتبًا مرارًا … فلم يرجع إلي لها جواب وبعده: فمن يك لا يدوم له وفاء … وفيه حين يغترب انقلاب فعهدي دائم لهم وودي … على حال إذا شهدوا وغابوا قال السيد ابن الشجري في "الأمالي" قائلها: الحارث بن كلدة، وقد خرج إلى الشام وكتب بها إلى بني عمه، فلم يجيبوه. وإنما قال: أم مال أصابوا؛ لأن الغنى في أكثر الناس يغير الإخوان على إخوانهم، وهي من ألطف عتاب وأحسنه. قوله: (وكذلك قوله: "ولا تقبل منها شفاعة) أي: إقناط كلي. قوله: (ومنه الحديث) الحديث من رواية أبي داود عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال:
[ ٢ / ٤٧٤ ]
فإن قلت: هل فيه دليل على أنّ الشفاعة لا تقبل للعصاة؟ قلت: نعم؛
_________________
(١) "من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال- أو الناس- لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا". قال صاحب "الجامع": صرف الكلام: ما يتكلفه الإنسان من الزيادة فيه من وراء الحاجة، والاستباء: افتعال من السبي، كأنه ينهب بكلامه قلوب السامعين، العدل: الفرض، والصرف: النافلة، وقيل: الصرف: التوبة. والعدل: الفدية، سميت لأنها تصرف من الحال الذميمة إلى الحميدة. الراغب: تفسيرهم العدل والصرف بالفريضة والنافلة من حيث إن العدل هو المساواة وتعاطيه واجب، والصرف: الزيادة الحاصلة عن التصرف، وتعاطيه تبرعوهما كالعدل والإحسان. وقلت: في تخصيص السبي بالذكر في الحديث نكتة وهي أنه صلوات الله عليه استعار للميل إلى الباطل لفظ السبي الذي يختص بالغارة، ويفهم منه أنه إذا أميلت إلى الحق بسبب الكلمات المونقة في الترهيب والترغيب لم يدخل في هذا الوعيد. قوله: (هل فيه دليل على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة؟) ثم قوله: (نعم) فيه نظر؛ لأن سياق الآية على العموم كقوله تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ) [عبس: ٣٤ - ٣٧] فالسؤال إنما يحسن عن التخصيص؛ لأنها هل تدل على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة وغير العصاة. والتخصيص من وجهين: أحدهما: بحسب المكان والزمان، فإن مواقف القيامة ومقدار زمانها فيه سعة وطول، لعل هذه الحالة في ابتداء وقوعها وشدة أمره، ثم يأذن بالشفاعة.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقًا أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع فعلم أنها لا تقبل للعصاة. فإن قلت: الضمير في (وَلا يُقْبَلُ مِنْها) إلى أى النفسين يرجع؟ قلت: إلى الثانية العاصية غير المجزى عنها، وهي التي لا يؤخذ منها عدل. ومعنى لا يقبل منها شفاعة: إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها. ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزى عنها شيئا، ولو أعطت عدلا عنها لم يؤخذ منها وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعنى ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة والتذكير بمعنى العباد والأناسى، كما تقول: ثلاثة أنفس.
_________________
(١) وثانيهما: بحسب الأشخاص، إذ لابد لهم من التخصيص في غير العصاة لمزيد الدرجات، ونحن نخصص في العصاة بما روينا من الأحاديث الصحيحة المروية عن البخاري ومسلم وغيرهما من الأئمة الثقات ما يبلغ مبلغ التواتر منها في حديث طويل: "ثم أشفع فيحد لي حدًا، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة" قال: لا أدري أفي الثالثة أو في الرابعة قال: "فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن" أي: وجب الخلود. وقال القاضي: إن الآية مخصوصة بالكفار للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة، ويؤيده أن الخطاب معهم، والآية نزلت ردًا لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم. وهذا القول مذكور في "الكشاف". قوله: (ولو أعطت عدلًا عنها) الضمير المستتر المرفوع راجع إلى النفس الأولى في (لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا)، والمجرور عائد على النفس الثانية. قوله: (والتذكير بمعنى العباد) عطف على قوله: "يعني ما دلت عليه النفس المنكرة" أي: يعني الله تعالى بالضمير في "هم لا ينصرون" ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة،
[ ٢ / ٤٧٦ ]
[(وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)] ٤٩.
_________________
(١) ـ والتذكير بمعنى العباد، وحق الظاهر أن يقال: ولا هي تنصر، فخولف بأن جمع الضمير، والمرجوع إليه مفرد، وذكره وهو مؤنث، والجمع باعتبار أن النفس المنكرة في سياق النفي دلت على أن هناك نفوسًا كثيرة، وكل واحدة منها لا تجزي عن الأخرى شيئًا، والتذكير بتأويل: "تلك الأنفس عبيد مقهورون مذللون تحت سلطان الله وملكه". قال القاضي: وكأنه أريد بالآية نفي أن يدفع العذاب أحدٌ عن أحدٍ من كل وجه محتمل، فإنه إما أن يكون قهرًا أو غيره، والأول: النصرة، والثاني: إما أن يكون مجانًا أو غيره، والأول: أن يشفع له، والثاني: إما بأداء ما كان عليه وهو أن يجزي عنه، أو بغيره، وهو أن يعطي عدلًا. وقلت: هذا على التقسيم العقلي، وأما البياني فإن الآية من أسلوب الترقي، ولذلك اختار المصنف في تفسير "تجزي": تقضي، على "تغني"، كأنه قيل: النفس الأولى غير قادرة على استخلاص صاحبها من قضاء الواجبات، وتدارك التبعات؛ لأنها مشتغلة عنها بشأنها (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ) [عبس: ٣٤ - ٣٧] ثم إن قدرت على سعي ما مثل الشفاعة فلا يقبل منها، وإن زادت عليها بأن يضم معها الفداء فلا يؤخذ منها، وإن حاولت الخلاص بالقهر والغلبة- وأنى لها ذلك- فلا تتمكن منه، فالترقي من السعي إلى السعي. فإن قلت: لم خالف المفسرين مثل الزجاج ومحيي السنة وغيرهما؟ على أن صاحب
[ ٢ / ٤٧٧ ]
أصل (ءالِ) أهل، ولذلك يصغر بأهيل، فأبدلت هاؤه ألفًا. وخص استعماله بأولى الخطر والشأن كالملوك وأشباههم، فلا يقال آل الإسكاف والحجام
_________________
(١) "الإيجاز" قال: وقيل: "تجزي": تقضي وتغني. و"تغني" أبلغ؛ لأن "تغني" يكون نقصًا وبدفع ومنع. قلت: لا يخلو حينئذ من أن يكون عطف "لا يقبل" إلى آخره على (لا تَجْزِي) من باب عطف الخاص على العام، أو من باب عطف البيان على المبين، أو من باب فحوى الخطاب كقوله تعالى: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء: ٢٣] كأنه قيل: لا يغني عنها شيئًا قليلًا فكيف بالشفاعة ثم بالفداء ثم بالنصرة! والأول ضعيف؛ لأن المقصود من إفراد الذكر بعد الاشتراك الإيذان بأن ذلك الفرد قد خرج من ذلك الجنس لاكتسابه ما به تميز عنه من الفضائل، وها هنا أفراد المعطوف عليه مذكورة، وأما الثاني فلا يقبله من عنده أدنى مسكة من الذوق، والثالث غير مستبعد لاجتماع الترقي من قوله: (وَلا يُقْبَلُ) إلى آخره مع فحوى الخطاب، لكن أين هذا من ذاك، والقول ما قالت حذام، والله أعلم. قوله: (آل الإسكاف)، الأساس: وهو إسكاف من الأساكفة: هو الخراز، وقيل: كل صانع. قال الجوهري: الثاني غير معروف.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
و(فِرْعَوْنَ) علم لمن ملك العمالقة، كقيصر: لملك الروم، وكسرى: لملك الفرس. ولعتوّ الفراعنة اشتقوا: تفرعن فلان، إذا عتا وتجبر. وفي ملح بعضهم:
قَدْ جَاءَهُ الْمُوسَى الْكَلُومُ فَزَادَ فِى … أقْصَى تَفَرْعُنِهِ وَفَرْطِ عُرَامِهِ
وقرئ: (أنجيناكم)، (ونجيتكم). (يَسُومُونَكُمْ) من سامه خسفًا إذا أولاه ظلما. قال عمرو بن كلثوم:
إذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفًا … أَبَيْنَا أَنْ يَقِرَّ الْخَسْفُ فِينَا
_________________
(١) قوله: (العمالقة) أي: الجبابرة، وهم الذين كانوا بالشام من بقية قوم عاد، الواحد: عمليق وعملاق. قوله: (سامه خسفًا إذا أولاه ظلمًا)، الأساس: سامه خسفًا: أولاه ذلًا وهوانًا. يقال: رضي بالخسف وبات على الخسف: على الجوع. وشربوا على الخسف: على غير ثفل. الراغب: السوم: الذهاب في ابتغاء الشيء، فهو لفظ لمعنى مركب من الذهاب والابتغاء، فأجري مجرى الذهاب في قولهم: سامت الإبل، فهي سائمة. ومجرى الابتغاء في قولهم: سمته كذا، قال تعالى: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) [البقرة: ٤٩] وقيل: سيم فلان الخسف: الظلم والنقصان، ومنه السوم في البيع. قوله: (إذا ما الملك سام) البيت. قال ابن الأنباري: المَلْكُ والمَلِكُ لغتان. قيل: هو
[ ٢ / ٤٧٩ ]
وأصله من سام السلعة إذا طلبها. كأنه بمعنى يبغونكم سُوءَ الْعَذابِ ويريدونكم عليه. والسوء: مصدر السيئ: يقال أعوذ باللَّه من سوء الخلق وسوء الفعل، يراد قبحهما. ومعنى (سوء العذاب) والعذاب كله سيئ: أشدّه وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة لي سائره. (يُذَبِّحُونَ): بيان لقوله: (يسومونكم)؛ ولذلك ترك العاطف كقوله تعالى: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا وقرأ الزهري (يذبحون) بالتخفيف كقولك: قطعت الثياب وقطعتها. وقرأ عبد اللَّه: (يقتلون).
_________________
(١) تخفيف الملِك، الخسف: الظلم والنقصان. يقول: إذا حمل الملك الناس على الظلم أبينا أن نحمل ذلك ونقر به، وموضع "أن نقر" نصب بأبينا. قوله: (كأنه قبحه) أي: كأن أشد العذاب قبح العذاب بالنسبة إلى سائره. قال الزجاج: العذاب كله سوء فإنما نكر؛ لأنه أبلغ ما يعامل به من يجني، أي: من يبلغ الإساءة ما لا غاية بعده. قوله: «يُذَبِّحُونَ): بيان لقوله: (يَسُومُونَكُمْ»، كما أن "يضاهون" بيان لقوله: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ) [التوبة: ٣٠] الآية، كما ترك العاطف هناك ترك ها هنا. ولقائل أن يقول: هذا غير مستقيم، لأن "يضاهون" ليس بيانًا، والدليل عليه قوله هناك:
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وإنما فعلوا بهم ذلك لأنّ الكهنة أنذروا فرعون بأنه يولد مولود يكون على يده هلاكه، كما أنذر نمروذ. فلم يغن عنهما اجتهادهما في التحفظ، وكان ما شاء اللَّه.
والبلاء المحنة إن أشير بـ (ذلكم) إلى صنيع فرعون. والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء.
_________________
(١) المعنى: الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم. وليس فيه ما يشعر به أنه بيان. ويجاب بأن يقال: إنه بيان لقوله: (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ) وذلك التقدير لا ينافيه، فإنه تعالى لما حكم عليهم أن هذا القول قول باطل ولا معنى له، بينه بقوله: "يضاهي قولهم قول المشركين: الملائكة بنات الله" دفعًا لوهم من عسى أن يزعم أن هؤلاء أهل كتاب، لعل قولهم عن نص أو دليل عقلي، فقال: بل قولهم مثل قول المشركين في البطلان وعدم الحجة. قوله: (والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء)، الراغب: بلي الثوب بلى وبلاء، أي: خلق، ومنه بلو سفر وبلي سفر، أي: أبلاه السفر، وبلوته: أي: اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له، وسمي الغم بلاء؛ لأنه يبلي الجسم، وسمي التكليف بلاء من أوجه: الأول: أن التكاليف كلها مشاق. والثاني: أنها اختبارات، ولهذا قال: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) [محمد: ٣١] والثالث: أن اختبار الله للعباد تارة بالمسار ليشكروا، وتارة بالمضار ليصبروا، والقيام بحقوق الصر أيسر، ولهذا قال عمر ﵁: بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر، ولهذا قال علي ﵁: من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به، فهو مخدوع عن عقله. وقال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ) [الأنبياء: ٣٥].
[ ٢ / ٤٨١ ]
[(وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)].
(فَرَقْنا): فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم. وقرئ: فرّقنا، بمعنى فصلنا. يقال: فرق بين الشيئين، وفرّق بين الأشياء لأن المسالك كانت اثنى عشر على عدد الأسباط. فإن قلت: ما معنى بِكُمُ؟ قلت: فيه أوجه: أن يراد أنهم كانوا يسلكونه ويتفرّق الماء عند سلوكهم، فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، وأن يراد فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم، وأن يكون في موضع الحال، بمعنى فرقناه ملتبسا بكم كقوله:
تَدُوسُ بِنَا الْجَمَاجِمَ وَالتَّرِيبا
_________________
(١) وإذا قيل: ابتلى فلان فلانًا وأبلاه يتضمن أمرين: أحدهما: تعرف حاله والوقوف على ما يجهل من أمره، والثاني: ظهور جودته ورداءته وربما قصد الأمران أو أحدهما، وإذا قيل: بلاه الله وأبلاه فالمراد الثاني، لأنه تعالى علام الغيوب. قوله: (تدوس بنا) البيت للمتنبي وأوله: كأن خيولنا كانت قديمًا … تسقى في قحوفهم الحليبا فمرت غير نافرة عليهم … تدوس بنا الجماجم والتريبا التريب: جمع التربية وهي عظام الصدر. والعرب تسقي اللبن كرام خيولهم، يقول: إن خيلنا كانت تسقى اللبن في أقحاف رؤوس الأعداء وألفت بها، فلذلك وطئت رؤوسهم
[ ٢ / ٤٨٢ ]
أي تدوسها ونحن راكبوها. وروى أنّ بنى إسرائيل قالوا لموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟ قال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم. فقال: اللهم أعنى على أخلاقهم السيئة. فأوحى إليه: أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على الحيطان، فصارت فيها كوى. فتراموا وتسامعوا كلامهم (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) إلى ذلك وتشاهدونه لا تشكون فيه.
_________________
(١) وصدورهم، ونحن عليها ولم تنفر. فالظرف على هذا مستقر. وعلى الوجهين لغو. وفرق بين الباء السببية والاستعانة، فإن باء الاستعانة كالآلة، وأن البحر فرق بواسطتهم. والسببية آذنت بأن الله تعالى فرقه بسببهم ولأجل إنجائهم، لكن ليس فيه أنه فرق بواسطتهم أم بشيء آخر. وعلى الملابسة ليس فيها نصوصية الأمر، قال السلمي: أما الاستعانة فنحو: كتبت بالقلم، وهذا في كل موضع اتصلت بآلة متوسطة بين الفاعل والمفعول، وأما المصاحبة فنحو: خرج زيد بثيابه، وتكون سببية نحو: أخذت بذنبه، أي: بسببه، وأما التعدية فنحو: خرجت به. قوله: (أن قل بعصاك)، النهاية: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام، فتقول: قال بيده، أي: أخذ، وقال برجله، أي: مشى، وقال بثوبه، أي: رفعه، وقال بالماء على يده، أي: قلب، ويقال: قال بمعنى مال وأقبل وضرب وغير ذلك. قوله: «وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ) إلى ذلك وتشاهدونه لا تشكون فيه) جعل "تنظرون" من النظر بالبصر، والظاهر الإطلاق. الراغب: النظر نظران: نظر بصر، ونظر بصيرة، والأول كالخادم للثاني، والنظر أصله
[ ٢ / ٤٨٣ ]
[(وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ* ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)].
لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد اللَّه موسى أن ينزل عليه التوراة، وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذى الحجة. وقيل: (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)؛ لأنّ الشهور غررها بالليالي. وقرئ (واعَدْنا)؛ لأن اللَّه تعالى وعده الوحى ووعد المجيء للميقات إلى الطور (مِنْ بَعْدِهِ): من بعد مضيه إلى الطور. (وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) بإشراككم (ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ) حين تبتم
_________________
(١) للمناظر، كأنه ينظر كل واحد إلى صاحبه في المشاكلة كالنظرين. ولما احتملت الآية المعنيين قيل: معناها وأنتم تشاهدونه ولا تشكون فيه، وعلى ذل حمل قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) [يونس: ٩٢] وقيل: معناها وأنتم تعتبرون بذلك. قوله: (وقيل: (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» أي: في القرآن، لا أنه قول مفسر، وكذا قوله: "وقرئ (وَاعَدْنَا) ". قوله: (لأن الشهور) أي: شهور العرب، وهي إنما تبتدئ من الليالي برؤية الهلال، وسيجيء بعد هذا تحقيقه في قوله تعالى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤]. قوله: (لأن الله تعالى وعده الوحي ووعد المجيء إلى الطور للميقات) ومن فوائد صاحب "التقريب" ﵀: وعدته وعدًا وعدة وموعدًا، ويستعمل في الخير والشر، قال الله تعالى: (أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا) [طه: ٨٦] وقال: (النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الحج: ٧٢] ويتعدى إلى مفعولين.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
(مِنْ بَعْدِ ذلِكَ): من بعد ارتكابكم الأمر العظيم، وهو اتخاذكم العجل لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: إرادة أن تشكروا النعمة في العفو عنكم
_________________
(١) إن قيل: في قول أهل التفسير: وعد موسى المجيء إلى الطور، ووعد الله إليه الوحي، إشكال، ووجه تقريره: أن "أربعين" إما أن يكون منتصبًا على الظرفية، أو على المفعول به لظهور بعد غيرهما من المنصوبات أو امتناعه. والأول ممتنع؛ لأن المواعدة لم تكن في أربعين، وكذا الثاني، لأن المواعدة إنما تتعلق بالأحداث والمعاني لا بنفس الحدث والأزمنة، ولا جائز أن يقدر مضاف، لأنه لو قدر إما أن يقدر المذكوران، أي: الوحي والمجيء، وهو ممتنع؛ لأن تقدير مضافين، إلى شيء واحد حذفا من اللفظ غير معهود في العربية، بخلاف ما لو كانا ملفوظين نحو: بين ذراعي وجبهة الأسد، أو أن يقدر أمر واحد منهما أو غيره، والأول أيضًا ممنوع؛ لأن أحدهما غير مواعد من الطرفين بل كليهما، والثاني غير جائز؛ لأن المنقول ذلك الأمران، على أن المواعدة تقتضي شيئين. وأجاب باختيار الثالث، ونقدر أمرًا يتضمنهما لتصحيح المعنى واللفظ، نحو الملاقاة فإنها تستقيم من الجانبين، واللقاء الموعود من الله تعالى لأجل الوحي، ومن موسى ﵇ لأجل استماعه. وغرض المفسرين من ذلك التقدير بيان المعنى، وأن الموعود من كل جانب ماذا، لا بيان الإعراب، على أنه يجوز تفكيك "واعدنا" إلى فعلين لإضمار المعنيين باعتبارين، كأنه قيل: نحن وعدنا وحي أربعين، أي: الوحي بعد أربعين، ووعد هو مجيء أربعين، أي: المجيء بعد أربعين. فإن "واعدنا"، وإن كان واحدًا لفظًا فهو متعدد معنى، ونظيره قولك: بايع الزيدان عمرًا؛ لأن المعنى باع زيد من عمرو، وباع أيضًا صاحبه منه؛ لا أن المفاعلة صدرت منهما دفعة فوجب التفكيك. هذا تلخيص كلامه. قوله: (من بعد ارتكابكم الأمر العظيم) ودل على عظم الأمر إتيان "ذلك" للبعيد، والمشار إليه قريب. قوله: «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) إرادة أن تشكروا) فسر الرجاء بالإرادة، لأن الرجاء إرادة
[ ٢ / ٤٨٥ ]
[(وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)].
الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ يعنى الجامع بين كونه كتابًا منزلًا، وفرقانا يفرق بين الحق والباطل: يعنى التوراة، كقولك: رأيت الغيث والليث، تريد الرجل الجامع بين الجود والجرأة. ونحوه قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا) [الأنبياء: ٤٨]، يعني: الكتاب الجامع بين كونه فرقانا وضياء وذكرًا؛
_________________
(١) شيء حصوله غير معلوم، وهو على عالم الغيب والشهادة غير جائز، فجعله مجازًا عن مطلق الإرادة بناءً على مذهبه؛ لأن مراد الله قد يتخلف عن إرادته عندهم، وعلى مذهبنا استعمال "لعل" تمثيل. المعنى: نحن عاملناهم معاملة من يدر النعم على الغير متوالية، وهو غير ملتفت إليها، ولا يشكر المنعم، والمنعم لا يقطع خيره رجاء أن يقلع عن فعله، ثم استعمل هنا ما كان مستعملًا هناك نعيًا عليهم في التمادي في الغفلة، والتناهي في كفران النعم. قوله: (يعني الجامع بين كونه كتابًا منزلًا وفرقانًا) يريد أن الكتاب والفرقان عبارتان عن معبر واحد وهو التوراة بعد تأويلها بالصفتين، يدل عليه قوله آخرًا: "يعني التوراة"، هذا نحو قولك إذا أردت أن ترسم التوراة تقول: هي الكتاب المنزل على موسى ﵇، الفارق بين الحق والباطل، وهو من باب الكناية التي يطلب بها نفس الموصوف. نحو قولك في مستوي القامة: عريض الأظفار، وتريد به الإنسان. وأما "الواو" فهي الداخلة بين الصفات للإعلام باستقلال كل منها وهي الإشارة بقوله: "رأيت الغيث والليث"، وعليه قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا) [الأنبياء: ٤٨] يعني التوراة.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
أو التوراة. والبرهان: الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام، وقيل الفرقان: انفراق البحر. وقيل: النصر الذي فرّق بينه وبين عدوّه، كقوله تعالى: (يَوْمَ الْفُرْقانِ) [الأنفال: ٤١]، يريد به يوم بدر.
حُمل قوله (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) على الظاهر وهو البخع. وقيل: معناه قتل بعضهم بعضًا. وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة. وروى أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه، فلم يمكنهم المضي لأمر اللَّه تعالى،
_________________
(١) قوله: (أو التوراة والبرهان الفارق) وهو عطف على قوله: "الجامع بين كونه كتابًا" أي: المراد بمجموع اللفظين التوراة، أو يراد بالكتاب التوراة، وبالفرقان البرهان الفارق، وهو غير التوراة لبيانه بقوله: "من العصا واليد"، فتحصل المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه إذن. قوله: (أو الشرع) عطف على قوله: "البرهان الفارق" فإذن العطف إما من باب قوله: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) [البقرة: ٩٨] أو من باب التجريد؛ لأن التوراة مشتملة على الشرع الفارق بين الحلال والحرام، فجرد منها هذه الصفة لكمالها فيها، ثم عطف عليها وهي هي. قال الزجاج: يجوز أن يكون "الفرقان" الكتاب بعينه إلا أنه أعيد ذكره، وعنى به أنه يفرق بين الحق والباطل. قال المصنف في (ص): هو اسم السورة (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) السورة بعينها، كما تقول: مررت بالرجل الكريم وبالنسمة المباركة، ولا تريد بالنسمة غير الرجل. قوله: (البخع)، الأساس: بخع الشاة: بلغ بذبحها القفا، ومن المجاز: بخعه الوجد إذا بلغ منه المجهود. قوله: (فلم يمكنهم المضي لأمر الله تعالى). الراغب: وقد طعن بعض الملحدة وزعم أن قتل النفس مستقبح في العقل، وهذا الجاهل إنما استقبحه لكونه جاهلًا بأن لنفوسنا خالقًا،
[ ٢ / ٤٨٧ ]
فأرسل اللَّه ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها، وأمروا أن يحتبوا بأفنية بيوتهم، ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم، وقيل لهم: اصبروا، فلعن اللَّه من مدّ طرفه أو حل حبوته أو اتقى بيد أو رجل، فيقولون: آمين، فقتلوهم إلى المساء حتى دعا موسى وهرون وقالا: يا رب، هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشفت السحابة ونزلت التوبة. فسقطت الشفار من أيديهم، وكانت القتلى سبعين ألفا. فإن قلت: ما الفرق بين الفاءات؟ قلت: الأولى للتسبيب لا غير، لأن الظلم سبب التوبة. والثانية للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم، من قبل أن اللَّه تعالى
_________________
(١) بأمره يستبقيها وبأمره يفنيها، وأن لها بعد هذه الحياة التي هي لعب ولهو حياة سرمدية كما قال الله تعالى: (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) [العنكبوت: ٦٤] وأن قتلها بأمره يوصلها إلى حياة خير منها، ومن علم أن الإنسان في هذه الدنيا كمجاهد أقيم على ثغر يحرسه، ووال على بلد يسوسه، وأنه مهما استرده، فلا فرق بين أن يأمره بخروجه بنفسه، أو يأمر غيره بإخراجه، وهذا واضح لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة، وعرف قدر الحياتين والميتتين فيهما. قوله: (اصبروا، فلعن الله) الفاء للتعقيب داخلة على شرط مقدر، تقديره: اصبروا، فمن لم يصبر لعنه الله، فوضع "من مد طرفه" إلى آخره موضع الضمير إشعارًا بالعلية. قوله: (البقية البقية)! وهي منصوبة بفعل مضمر، أي: سلم البقية. قوله: (للتسبيب لا غير) يعني ليست للعطف، كقولهم: الذي يطير فيغضب زيد الذباب. قوله: (والثانية للتعقيب)، اعلم أن حمل الفاء على التعقيب يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قتل أنفسهم عين التوبة، فحينئذ يحتاج إلى تقدير "فاعزموا على التوبة فاقتلوا" لئلا يلزم عطف الشيء على نفسه، وإليه الإشارة بقوله: "من قبل أن الله جعل توبتهم قتل أنفسهم".
[ ٢ / ٤٨٨ ]
جعل توبتهم قتل أنفسهم. ويجوز أن يكون القتل تمام توبتهم. فيكون المعنى: فتوبوا، فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم، والثالثة متعلقة بمحذوف، ولا يخلو إما أن ينتظم في قول موسى لهم فتتعلق بشرط محذوف، كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب عليكم. وإمّا أن يكون خطابا من اللَّه تعالى لهم على طريقة الالتفات. فيكون التقدير: ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم. فإن قلت: من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟
_________________
(١) وثانيهما: أن يكون قتل أنفسهم تتمة للتوبة، فتكون التوبة مشتملة على القول المتعارف والفعل المخصوص، فيصح العطف بدون التقدير. قوله: (ففعلتم ما أمركم به موسى) والذي أمر به موسى هو قوله: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ) [البقرة: ٥٤] أي: قال لكم موسى: توبوا إلى بارئكم، فتبتم فتبنا عليكم، فالفاء إذن فصيحة؛ لأنها تفصح عن محذوف غير شرط هو سبب لما بعده. والأولى أن علة التسمية اختصاصها بكلام الفصحاء، كما سيجيء في قوله: (فَانفَجَرَتْ) [البقرة: ٦٠]، وأما الفاء في قول المصنف: "فيكون التقدير" فجواب شرط محذوف، يعني: التقدير على طريقة الشرط ما ذكر، وعلى طريقة الالتفات هذا المذكور، فيكون لفظ بارئكم في "الكشاف" في قوله: "فتاب عليكم بارئكم" مقصودًا بالذكر وإن لم يكن في التنزيل. فإن قلت: فما فائدة هذه الزيادة في الكتاب؟ قلت: فائدتها بيان موقع النكتة في الالتفات، وهي مزيد الاعتناء بلفظ البارئ الدال على المعنى الذي تضمنه جوابه عن السؤال الآتي، كأنه يشير به إلى أن الضمير في "فتاب" يعود إلى البارئ المذكور، فيكون لفظ "البارئ" مقصودًا، بخلافه إذا قيل: فتبنا لأنه لا دلالة له عليه، والمقام يقتضي مزيد التوبيخ والتقريع لا التعظيم، ومن ثم كرر لفظ البارئ ولا كذلك في
[ ٢ / ٤٨٩ ]
قلت: البارئ: هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت (ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) [الملك: ٣] ومتميزًا بعضه من بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة،
_________________
(١) الشرط؛ لأنه على ظاهره يقتضي العود إلى البارئ؛ لأنه من تتمة كلام موسى، ولهذا لم يصرح بـ "البارئ" في التقدير. فإن قلت: من أين نشأ الالتفات؟ وكيف موقعه؟ قلت: من قوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) [البقرة: ٥٤] يعني اذكروا يا بني إسرائيل وقت قول موسى لقومه: فتوبوا إلى بارئكم، فامتثلتم أمره، فتبتم، فتبنا عليكم، فرجع إلى الغيبة. قوله: (البارئ: هو الذي خلق الخلق بريئًا من التفاوت)، الراغب: أصل البرء: خلوص الشيء عن غيره، إما على سبيل التفصي منه، أو على سبيل الإنشاء عنه، فعلى التفصي قولهم: بريء فلان من مرضه، والبائع من عيوب مبيعه، وصاحب الدين من دينه، ومنه استبراء الجارية. وعلى سبيل الإنشاء قولهم: برأ الله الخلق، وقوله صلوات الله عليه: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة". فإن قلت: ما معنى قوله: "ومتميزًا بعضه من بعض بالأشكال المختلفة" بعد قوله: "بريئًا من التفاوت"؟ قلت: معنى التفاوت: عدم التناسب، فكأن بعضه يفوت بعضًا ولا يلائمه، ومعنى التميز: التفريق، فاليد متميزة عن الرجل لكن ملائمة لها من حيث الصغر والكبر والغلظ والدقة، كقوله تعالى: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) [طه: ٥٠] أي: أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يناسب المنفعة المنوطة به.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر، إلى عباد البقرة التي هي مثل في الغباوة والبلادة. - في أمثال العرب: أبلد من ثور - حتى عرضوا أنفسهم لسخط اللَّه ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها.
[(وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ* ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)] ٥٥ - ٥٧].
_________________
(١) واعلم أن هذه التوبة وهي قوله: (فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) مناسبة لذكر البارئ دون سائر الصفات في هذا المقام؛ لأن معناه كما قال: خلقهم "أبرياء من التفاوت" وهي نعمة جسيمة، وكان من حق الشكر أن يخصوا من له هذه الصفة بالعبادة دون غيره، فلما عكسوا هذه القضية، وكفروا هذه النعمة بأن عبدوا ما هو على ضده، أي: لا تميز له أصلًا، استرد منهم تلك النعمة بأن أمروا بالقتل وفك ذلك التركيب الأنيق. ما أحسن هذا البيان! قوله: (والتنافر) عطف على "التفاوت" على سبيل البيان لما فسر أن معنى التفاوت عدم التناسب، فعدم التناسب هو التنافر، أو على "ترك عبادة العالم"، وفيه تنافر. قوله: (حتى عرضوا) غاية قوله: "من ترك عبادة العالم" أي: تركوا عبادة العالم الحكيم مائلين إلى عبادة البقر حتى أورثهم التعرض لسخط الله. قوله: (وغمطوها)، الأساس: غمط النعمة: احتقرها ولم يشكرها.
[ ٢ / ٤٩١ ]
قيل: القائلون السبعون الذين صعقوا. وقيل قاله عشرة آلاف منهم (جَهْرَةً): عيانًا، وهي مصدر من قولك: جهر بالقراءة وبالدعاء، كأنّ الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب مخافت بها، وانتصابها على المصدر، لأنها نوع من الرؤية فنصبت بفعلها كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس، أو على الحال بمعنى:
_________________
(١) قوله: (السبعون الذين صعقوا) قال محيي السنة: إن الله تعالى أمر موسى ﵇ أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار السبعين وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، ففعلوا، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات ربه، فقالوا: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فلما دنا موسى إلى الطور وقع عليه عمود الغمام، فضرب دونه الحجاب، وسمعوه يكلم موسى، يأمره وينهاه، فلما انكشف الغمام، فقالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة، فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويقول: ماذا أقول لبني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم؟ فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم. قوله: (كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية) يعني: استعمال جهرة ها هنا على الاستعارة، لأنها مسبوقة بالتشبيه، أي: استعير الجهر للرؤية، وفائدتها كمال الرؤية بحيث لا يضام فيها. الأساس: جهر الشيء: إذا ظهر، وأجهرته أنا، وأجهر فلان ما في صدره، ورأيته جهرة، أيك عيانًا، وجهر بكذا، أي: أعلنه، وقد جهر بكلامه وبقراءته: رفع بهما صوته. الراغب: الجهر: يقال لظهور الشيء بإفراط إما لحاسة البصر نحو: رأيته جهارًا، قال تعالى: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [البقرة: ٥٥] ومنه: جهر البئر: إذا أظهر ماءها، وقيل: ما في القوم أحد يجهر عيني، والجوهر: فوعل منه، وهو ما إذا بطل بطل محموله، وسمي بذلك لظهوره للحاسة، وإما لحاسة السمع، قال تعالى: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ
[ ٢ / ٤٩٢ ]
ذوي جهرة. وقرئ «جهرة» بفتح الهاء، وهي إمّا مصدر كالغلبة. وإما جمع جاهر. وفي هذا الكلام دليل على أن موسى ﵊ رادّهم القول وعرّفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال؛ وأن من استجاز على اللَّه الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام والأعراض، فرادّوه بعد بيان الحجة ووضوح البرهان، ولجوا فكانوا في الكفر كعبدة العجل، فسلط اللَّه عليهم الصعقة كما سلط على أولئك القتل تسوية بين الكفرين ودلالة على عظمهما بعظم المحنة.
و(الصَّاعِقَةُ): ما صعقهم، أي: أماتهم. قيل: نار وقعت من السماء فأحرقتهم. وقيل: صيحة جاءت من السماء. وقيل: أرسل اللَّه جنودا سمعوا بحسِّها
_________________
(١) مِنْ الْقَوْلِ) [الأنبياء: ١١٠] وقيل: كلام جهوري وجهير يقال لرفيع الصوت ولمن يجهر بحسنه. قوله: (وفي هذا الكلام دليل على أن موسى ﵇ رادهم القول وعرفهم) قيل: الدليل تسليط الصعقة عليهم؛ لأنه لولا ذلك لما سلط عليهم الصعقة، لكونهم معذورين إذ لم يعلموا أنه تعالى ممتنع الرؤية، فثبت أن موسى ﵇ عرفهم ذلك وهم رادوه. وقلت: الوجه الذي لا محيد عنه أن ذلك الدليل هو قولهم: لن نؤمن لك، لأن (لن) في النفي بمنزلة (أن) في الإثبات في كونهما يقعان في صدر الجملة الإنكارية كما سبق في قوله: كما تقول لصاحبك: لا أقيم غدًا، وإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غدًا. وليس في الكلام أن من استجاز على الله الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام. نعم فيه إنكار مطلقًا، وأقصى ما يقال في ذلك أنه تعالى مما لا يجوز أن يرى في الجملة، وذلك لا يفيد عموم الأحوال والأوقات، وليس فيه ما يلزم منه تكفير القوم.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
فخرُّوا صعقين ميتين يوما وليلة. وموسى ﵇، لم تكن صعقته موتًا ولكن غشية، بدليل قوله: (فلما أفاق) [الأعراف: ١٤٣]. والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ).
وقرأ علىّ ﵁: (فأخذتكم الصاعقة).
(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمة البعث بعد الموت، أو نعمة اللَّه بعد ما كفرتموها إذا رأيتم بأس اللَّه في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت
_________________
(١) وتشبيههم بعبدة العجل إن كان بسبب طلب الرؤية لا يصح، فإن موسى ﵇ طلبها في المرة الأولى عند مجيئه إلى الطور، ولم يكن معه القوم كما بيناه في "الأعراف"، وإن كان للصعقة فهو كذلك، وإن كان بسبب قولهم: "لن نؤمن لك" فحق، وإنما سلط الله عليهم الصعقة لأنهم امتنعوا من الإيمان بموسى بعد إظهاره المعجزات، والإيمان بالأنبياء واجب بعد إثباتهم النبوة بإظهار المعجزة، ولا يجوز لهم بعد ذلك اقتراح المعجزات؛ لأنه باب من التعنت، ولهذا عاقبهم الله تعالى. قوله: (لم تكن صعقته موتًا ولكن غشية بدليل قوله: (فَلَمَّا أَفَاقَ) [الأعراف: ١٤٣]) هذا يوهم أن صعقته كانت في هذه المرة بل صعقته وإفاقته في المرة الأولى كما بيناه في "الأعراف". قوله: «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمة البعث) وكون البعث نعمة ما ذكره الزجاج: بعثكم بعد الموت، وأعلمكم أن قدرته عليكم هذه، وأن الإقالة بعد الموت، أي: الإعادة لا شيء بعدها، أي: لا نعمة أظهر منها، وهي كالمضطرة إلى عبادة الله. قوله: (أو نعمة الله بعدما كفرتموها) والنعمة على هذا إيمانهم قبل [ما] رادهم موسى،
[ ٢ / ٤٩٤ ]
(وَظَلَّلْنا): وجعلنا الغمام تظلكم. وذلك في التيه، سخر اللَّه لهم السحاب تسير بسيرهم تظلهم من الشمس وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه، وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى، وينزل عليهم الْمَنَّ -وهو الترنجبين- مثل الثلج. من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع، ويبعث اللَّه الجنوب فتحشر عليهم السَّلْوى - وهي السمانى- فيذبح الرجل منها ما يكفيه. (كُلُوا) على إرادة القول. (وَما ظَلَمُونا) يعنى: فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا، فاختصر الكلام بحذفه لدلالة (وما ظلمونا) عليه.
[(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ)].
(الْقَرْيَةَ): بيت المقدس. وقيل أريحاء من قرى الشام، أُمِروا
_________________
(١) وقولهم: لن نؤمن لك، أي: فأخذتكم الصاعقة لعلكم تشكرون نعمة الإيمان فلا تعودوا إلى طلب ما لا يجوز. وقوله: "إذا رأيتم" ظرف تشكرون. قوله: (يعني فظلموا بأن كفروا) يريد أن "الواو" في (وَمَا ظَلَمُونَا) [البقرة: ٥٣] تستدعي معطوفًا عليه هو مترتب على ما قبله، كقوله تعالى: (وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) بعد قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا) [النملك ١٥] والفاء في "فظلموا" مجاز لغير مترتب، على أسلوب قولك: أنعمت عليه فكفر، أي: ليشكر، فكفر، وضعوا الكفر موضع الشكر فظلموا، ونحوه قوله: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) أي شكر رزقكم (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢]. وإنما قال: "فظلموا بأن كفروا هذه النعم" ولم يقل: فظلموا بأن لم يمتثلوا الأمر؛ لأنهم امتثلوا الأمر لكن ما عملوا بمقتضاه، أي: الشكر. قوله: (أريحاء)، النهاية: أريحاء بفتح الهمزة وكسر الراء والحاء المهملة: اسم قرية بالغور قريبًا من بيت المقدس.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
بدخولها بعد التيه. الْبابَ: باب القرية. وقيل: هو باب القبة التي كانوا يصلون إليها - وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى ﵊- أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرًا للَّه وتواضعًا. وقيل: السجود: أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين؛ ليكون دخولهم بخشوع وإخبات. وقيل: طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤسهم فلم يخفضوها، ودخلوا متزحفين على أوراكهم. (حِطَّةٌ) فِعلة من الحط كالجِلسة والرِّكبة، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي مسألتنا حطة، أو أمرك حطة. والأصل النصب بمعنى: حطّ عنا ذنوبنا حطة. وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات، كقوله:
صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلَانَا مُبْتَلَى
_________________
(١) قوله: (طؤطئ لهم الباب) أي: خفض وحط، الأساس: طأطأت يدي بعنان الفرس: إذا خفضت يدك ولم ترفعها. ومن المجاز: طأطأت المرأة سترها: حطته. قوله: «حِطَّةٌ) فعلة من الحط) قال صاحب "الإقليد": فعلة في صرفها مذهبان: منهم من يعطيها حكم نفسها فيمنعهما من الصرف للعلمية والتأنيث، وهو مذهب المصنف ووجهه لما كانت علمًا باعتبار الجنس بقيت على علميتها، وإن أطلق على واحد، كأسامة إذا أطلقت على واحد من الآساد، ومنهم من يعطيها حكم موزونها فيقول: وزن ناصرة: فاعلة بالتنوين؛ لأن باب "أسامة" في جريه علمًا على كل واحد من المشكلات، لكونه في المعنى نكرة. قوله: (أو أمرك حطة) أي: شأنك حطة، أي: حط الذنوب. قوله: (صبر جميل فكلانا مبتلى) أوله: شكا إلي جملي طول السرى … يا جملي ليس إلي المشتكى
[ ٢ / ٤٩٦ ]
والأصل: صبرًا على اصبر صبرًا. وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب على الأصل. وقيل: معناه: أمرنا حِطة، أي: أن نحُط في هذه القرية ونستقرّ فيها. فإن قلتُ: هل يجوز أن تُنصب حطة في قراءة من نصبها بـ (قولوا)، على معنى: قولوا هذه الكلمة؟ قلت: لا يبعد. والأجود أن تنصب بإضمار فعلها، وينتصب محل ذلك المضمر بـ (قولوا). وقرئ (يُغفر لكم) على البناء للمفعول بالياء والتاء
_________________
(١) قوله: (وقيل: معناه: أمرنا حطة) قال الإمام: هذا قول أبي مسلم الأصفهاني معناه: أمرنا حطة، أي: نحط في هذه القرية ونستقر فيها، وزيف القاضي ذلك، قال: لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خطاياهم متعلقًا به، وقوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) [البقرة: ٥٨] يدل على أن غفران الخطايا كان لأجل قولهم حطة. وقال الإمام: ويمكن الجواب عنه: بأنهم لما حطوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجدًا مع التواضع، كان الغفران متعلقًا به. وقلت: يشكل بقوله تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) [البقرة: ٥٩] ويمكن أن يقال: إن الأمر بذلك القول كان لمحض التعبد، وحين لم يعرفوا وجه الحكمة بدلوه بما اتجه لهم من الرأي، فعذبوا لذلك. قوله: (وقرئ "يغفر لكم") بالياء التحتانية: نافع، وبالتاء: ابن عامر.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
(وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) أي: من كان محسنًا منكم كانت تلك الكلمة سببًا في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئا كانت له توبة ومغفرة. (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي: وضعوا مكان حطة (قَوْلًا) غيرها. يعنى: أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر اللَّه. وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة فجاؤوا بلفظ آخر. لأنهم لو جاؤوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به، لم يؤاخذوا به. كما لو قالوا مكان حطة: نستغفرك ونتوب إليك. أو اللهم اعف عنا وما أشبه ذلك. وقيل: قالوا مكان (حطة): حنطة
_________________
(١) قوله: (أي من كان محسنًا منكم كانت تلك الكلمة سببًا في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئًا كانت له توبة ومغفرة) أخرج المعطوف والمعطوف عليه، وهما نغفر وسنزيد مع متعلقهما مخرج الشرط والجزاء؛ إعلامًا أن كلًا منهما جواب للأمر وهو قوله: "قولوا"، وإن كان الثاني غير مجزوم، وأن اللام في (المحسنين) للعهد، يدل عليه قوله: "من كان محسنًا منكم". فظهر من هذا البيان أن في الكلام جمعًا مع التفريق، أما الجمع فإن قوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ) جمع الفريقين: المسيء والمحسن معًا في هذا القول المخصوص، وأما التفريق فقوله: (نَغْفِرْ) (وَسَنَزِيدُ). فإن قلت: كيف يكون "وسنزيد" عطفًا على "نغفر" وهو مجزوم؟ أجاب القاضي: إنما أخرجه عن صورة الجواب إلى الوعد إيهامًا بأن المحسن بصدد ذلك وإن لم يفعله، فكيف إذا فعله! وأنه تعالى يفعله لا محالة. قلت: أراد أن الاستزادة إذا كانت عن وعد الله كانت أقطع مما إذا كانت مسببة عن فعلهم. قوله: (وقيل: قالوا مكان (حِطَّةٌ): حنطة) هذا يشعر بأن القول الأول أقوى، وهو قوله: "ليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة" قال الزجاج: كأنه قيل لهم: قولوا:
[ ٢ / ٤٩٨ ]
وقيل: قالوا بالنبطية: (حِطًّا سُمَقَاثا) أي: حنطة حمراء، استهزاء منهم بما قيل لهم، وعدولا عن طلب ما عند اللَّه إلى طلب ما يشتهون من أغراض الدنيا. وفي تكرير (الَّذِينَ ظَلَمُوا) زيادة في تقبيح أمرهم. وإيذان بأنّ إنزال الرجز عليهم لظلمهم. وقد جاء في سورة الأعراف: (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ) [الأعراف: ١٣٣] على الإضمار. والرجز: العذاب. وقرئ بضم الراء. وروي أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفًا. وقيل: سبعون ألفًا
_________________
(١) احطط عنا ذنوبنا حطة، فحرفوا هذا القول وقالوا لفظة غير التي أمروا بها. ولذلك سماهم ظالمين بقوله: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) [البقرة: ٥٩]. قوله: (بالنبطية)، النهاية: النبط والنبيط: جيل معروف، كانوا ينزلون بالبطائح بين العراقين. ومنه قول ابن عباس: نحن قريش من النبط من أهل كوثى. قيل: إن إبراهيم ﵇ ولد بها، وكان النبط سكانها. قوله: (وفي تكرير (الَّذِينَ ظَلَمُوا» أي: في وضع المظهر موضع المضمر إشعار بالعلية، وهي أن إنزال الرجز عليهم كان بسبب ظلمهم، ولذلك علله بقوله: "لظلمهم" فقوله تعالى: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [البقرة: ٥٨] داخل في حيز الصلة، وسبب للظلم لا الإنزال، فيكون إنزال العذاب مسببًا عن الظلم المسبب عن الفسق، كما قيل: إن صغائر الذنوب تؤدي إلى كبائرها. ونحوه قوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) [البقرة: ٦١]. وموقع "كان" في هذا المكان من مجازه؛ قال الراغب: "كان" ما استعمل منه في جنس الشيء متعلقًا بوصف له: تنبيه على أن ذلك الوصف لازم له، قليل الانفكاك، كقوله تعالى: (وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا) [الإسراء: ٦٧].
[ ٢ / ٤٩٩ ]
[(وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)].
عطشوا في التيه فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له: (اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ)، واللام إمّا للعهد والإشارة إلى حجر معلوم، فقد روي أنه حجر طوري حمله معه، وكان حجرًا مربعًا له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين،
_________________
(١) قوله: (عطشوا في التيه) شروع في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ) [البقرة: ٦٠]. اعلم أن قوله هذا بعد قوله "أمروا بدخولها بعد التيه" في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ) [البقرة: ٥٨] ثم قوله: "وذلك في التيه" في تفسير قوله تعالى: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ) [البقرة: ٥٧] مؤذن بأن الآيات واردة على التقديم والتأخير، فيتجه لقائل أن يقول: ما بالها ما قصت على ترتيب الواقعة؟ والجواب عنه ما قاله المصنف في قوله تعالى: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَاتُمْ فِيهَا) [البقرة: ٧٢]: كل ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديدًا لما وجد منهم. فكذا ها هنا لو قصت متصلات مرتبات كانت كقصة واحدة، فالتفريق دل على أن القصد تعديد النعم، وتقريع لهم على كفرانها نعمة غب نعمة، فإنها وإن كانت قصة واحدة لكنها نعم متعددة، ومن ثم كرر فيها لفظة "إذ" أي: اذكروا وقت كذا نعمة كذا، وصرح في بعضها ذكر موسى ﵇، وأعاده مرة من بعد أخرى. قوله: (بالسقيا)، النهاية: السقيا بالضم: اسم من قولك: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم، وكانوا ست مئة ألف، وسعة المعسكر اثني عشر ميلا. وقيل أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه، حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا. وقيل هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة، ففرّ به، فقال له جبريل: يقول لك اللَّه تعالى: ارفع هذا الحجر، فإنّ لي فيه قدرة ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته. وإمّا للجنس، أي اضرب الشيء الذي يقال له: الحجر. وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجرًا بعينه وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة. وروي: أنهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة؟ فحمل حجرًا في مخلاته فحيثما نزلوا ألقاه. وقيل: كان يضربه بعصاه فينفجر، ويضربه بها فييبس. فقالوا: إن فقد موسى عصاه مُتنا عطشا، فأوحي إليه: لا تقرع الحجارة، وكلمها تطعك، لعلهم يعتبرون. وقيل: كان من رخام وكان ذراعا في ذراع. وقيل: مثل رأس الإنسان. وقيل:
_________________
(١) قوله: (هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة) روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى ﵇ يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر. قال: فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، قال: فجمح موسى بإثره يقول: ثوبي، حجر، ثوبي، حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى، فقالوا: والله ما بموسى من أدرة" الحديث. وليس فيه أنه هذا الحجر. النهاية: الأدرة بالضم: النفخة بالخصية، يقال: رجل آدر. جمح في إثره، أي: أسرع إسراعًا لا يرده شيء.
[ ٢ / ٥٠١ ]
كان من أسّ الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى، وله شعبتان تتقدان في الظلمة، وكان يحمل على حمار. (فَانْفَجَرَتْ) الفاء متعلقة بمحذوف، أي فضرب فانفجرت. أو فإن ضربت فقد انفجرت، كما ذكرنا في قوله: (فَتابَ عَلَيْكُمْ) [البقرة: ٥٤]، وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ. وقرئ: (عَشِرَة) بكسر الشين وبفتحها
_________________
(١) قوله: (من أس الجنة) قيل في هذه الرواية إشكال؛ لأن هذا مذكور في وصف العصا في عامة التفاسير، وأن عصاه كان من آس الجنة بالمد، طوله عشرة أذرع على طول موسى، وله شعبتان تتقدان في الظلمة نورًا، فلا أدري من أين عن له ذلك. قلت: لعله لما رأى قول المفسرين: اضرب بعصاك الحجر، وكانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورًا. واسمها عليق، حملها آدم ﵇ من الجنة، فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها موسى ﵇، قال مقاتل: اسم العصا نبعة. ذكرها بطولها محيي السنة. حسب أنهم وصفوا الحجر، فأخذ في وصفه بما وصفت العصا، ثم عن له أن الآس مصحف، والدليل أنه في وصف الحجر قوله: "وكان يحمل على حمار". قوله: (وهي على هذا فاء فصيحة) ظاهره يقتضي أن الفاء على التقدير الثاني فصيحة، وفي كلام صاحب "المفتاح" ما يشعر أن الفاء الفصيحة هي التي تقع في جزاء الشرط، ولهذا عرفت أنها هي الفاء التي دلت على محذوف غير شرط هو سبب عما بعد الفاء. فإذن الواجب حمله على الوجه الأول.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
وهما لغتان (كُلُّ أُناسٍ): كل سبط، (مَشْرَبَهُمْ): عينهم التي يشربون منها (كُلُوا): على إرادة القول (مِنْ رِزْقِ اللَّهِ): مما رزقكم من الطعام -وهو المنّ والسلوى- ومن ماء العيون. وقيل: الماء ينبت منه الزروع والثمار، فهو رزق يؤكل منه ويُشرب
_________________
(١) وقلت: ويعضد هذا قوله: "لا تقع إلا في كلام بليغ" وفاء النتيجة يكثر وقوعها في الكلام العامي. ولا يبعد أن يقال: إن المراد من قوله: "على هذا" أي: على أنها محتملة لهذين المعنيين، ووجه تسميتها بالفصيحة كونها مختصة بكلام الفصحاء لقوله: "لا تقع إلا في كلام بليغ" بالحصر، ووجد في الحاشية المنسوبة إليه: "الفاء" في "فتاب" تسمى فصيحة يستدل بها على فصاحة المتكلم، يقال: كلام فصيح، وكلمة فصيحة، وصفت الفاء بها على الإسناد المجازي كما وصف القرآن في قوله تعالى: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنْ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) [آل عمران: ٥٨] بصفة من هو بسببه، لأن الحكيم هو المتكلم، وإنما اختصت بكلام البلغاء، لأن المراد بالحذف الدلالة على أن المأمور لم يتوقف عن إتباع الأمر، فكان المطلوب من المأمور الانفجار لا الضرب، ومثل هذا المعنى الدقيق لا يذهب إليه إلا الفصيح، ونحوه مذكور في "الأعراف". قوله: «مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) مما رزقكم من الطعام- وهو المن والسلوى- ومن ماء العيون) يريد أن الرزق عام يطلق على جميع ما يختص بالعبد، يقال: رزق المال والولد والعلم وغير ذلك بحسب المقام، وخص ها هنا من المأكول بالمن والسلوى، ومن المشروب بالماء بقرينة قوله: (وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) [البقرة: ٥٧] وقوله: (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) [البقرة: ٦٠] ويجوز أن يخصص بالماء بقرينة حديث الاستسقاء، وعلق عليه (كلوا) لأن الماء ينبت منه الزرع والثمار، وهو المراد بقوله: "فهو رزق يؤكل منه ويشرب" فعلى هذا من حق الكلام أن يقال: كلوا واشربوا منه، أي: من المشروب بدل من رزق الله، ولما كان الماء مما لا يؤكل فلو حمل على المأكول والمشروب معًا، لزم استعمال اللفظ في مفهوميه: حقيقته ومجازه، فبدل بالرزق ليشملهما، ولا يلزم المحذور، فحينئذ (مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) ها هنا مظهر أقيم موضع المضمر من غير لفظه السابق. وهذا القول ضعيف؛ لأنه لو كان كذلك لما طلبوا ذلك بقولهم: (يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا
[ ٢ / ٥٠٣ ]
والعَثي: أشدّ الفساد، فقيل لهم: لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه.
[(وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) ٦١].
_________________
(١) تُنْبِتُ الأَرْضُ) [البقرة: ٦١] ولا يلتئم أيضًا قولهم: (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) إلا على أن يحمل (مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) على المن والسلوى. قوله: (والعثي: أشد الفساد، فقيل لهم: لا تتمادوا في الفساد) الفاء متعلق بمحذوف، المعنى: العثي أشد الفساد، لما أريد أن ينهى القوم عنه أكد الفعل المنهي بالحال فقيل لهم: لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم، لأن القوم كانوا متمادين فيه. فإن قلت: التقييد بالحال يوهم أن المنهي أشد الفساد لا الفساد مطلقًا. قلت: يختلف المعنى باختلاف المقام، فالقوم لما كانوا على التمادي في الفساد نهوا عما كانوا عليه، وتعليله بقوله: "لأنهم كانوا متمادين فيه" إشارة إلى هذا المعنى، ونحوه قوله تعالى: (لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) [آل عمران: ١٣٠] فالحال إذن مؤكدة ومن ثم قال في: "حال فسادكم" أي: الفساد الذي خص بكم، وهو التمادي فيه. نعم لو نهى من أراد ذلك الفساد يلزم من المفهوم أن لا يكون نفس الفساد منهيًا، فالحال حينئذ منتقلة. وإليه ذهب القاضي حيث قال: إنما قيده، لأنه وإن غلب في الفساد، فقد يكون منه ما ليس بفساد، كمقابلة الظالم المعتدي بفعله،
[ ٢ / ٥٠٤ ]
كانوا فلاّحة فنزعوا إلى عِكرهم فأَجِموا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم الشقاء. (عَلى طَعامٍ واحِدٍ): أرادوا ما رزقوا في التيه من المنّ والسلوى. فإن قلت: هما طعامان فما لهم قالوا: (على طعام واحد)؟ قلت: أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدّة يداوم عليها كل يوم لا يبدّلها، قيل: لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا يراد بالوحدة نفى التبدّل والاختلاف. ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد، لأنهما معًا من طعام أهل التلذذ والتترف، ونحن قوم فلاحة أهل
_________________
(١) ومنه ما يتضمن صلاحًا راجحًا، كقتل الخضر الغلام، وخرقه السفينة. وعليه قوله تعالى: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) [البقرة: ١٩٤] لكن المقام ناب عنه؛ لأن الآية واردة في قوم مخصوصين. قال أبو البقاء: مفسدين حال مؤكدة؛ لأن قوله: (لا تَعْثَوْا) لا تفسدوا. قوله: (فنزعوا إلى عكرهم) أي: اشتاقوا إلى أصلهم. النهاية: وفي حديث قتادة: ثم عادوا إلى عكرهم، عكر السوء، أي: أصل مذهبهم الرديء، قيل: العكر: العادة والديدن. قوله: (فأجموا) أبو زيد: أجمت الطعام بالكسر إذا كرهته. قوله: (أنهما ضرب واحد) أي: يجمعهما كونهما من طعام أهل التلذذ. وهذا أخص من الأول؛ لأنه بالنسبة غليه نسبة النوع على الجنس؛ لأن المراد من الطعام على الأول ما يؤكل ولا يختلف، وعلى الثاني: النوع من الطعام وهو كونه من طعام أهل التلذذ، فالأول يعم الفقراء والأغنياء، والثاني يخص الأغنياء. قوله: (ونحن قوم فلاحة) أي: أهل زراعات، وهذا طعام المترفين وأهل التنعم، وهو لا يليق بنا، ولهذا عقب الله الإنكار بقوله: ادخلوا مصر، أي: ادخلوا فيما فيه سبب تعبكم ومشقتكم، واشتغلوا بالزراعة والفلاحة، فأنتم أهل لذلك.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
زراعاتٍ فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول ونحو ذلك. ومعنى (يُخْرِجْ لَنا): يظهر لنا ويوجد. والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر. والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكرّاث وأشباهها. وقرئ (وقُثائها) بالضم. والفوم: الحنطة. ومنه فوّموا لنا، أي: اخبزوا. وقيل الثوم. ويدل عليه قراءة ابن مسعود: (وثومها) وهو للعدس والبصل أوفق. (الَّذِي هُوَ أَدْنى) الذي هو أقرب منزلة وأدون مقدارًا. والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار. فيقال: هو داني المحل. وقريب المنزلة، كما يعبر بالبعد عن عكس ذلك فيقال: هو بعيد المحل وبعيد الهمة يريدون الرفعة والعلو. وقرأ زهير الفرقبي: (أدنأ) بالهمزة من الدناءة.
_________________
(١) قوله: (وضرينا)، النهاية: يقال: ضري بالشيء يضرى ضراوة فهو ضار، إذا اعتاده. قوله: (والفوم: الحنطة) قال الزجاج: لا اختلاف عند أهل اللغة أن الفوم: الحنطة، وسائر الحبوب التي تختبز يلحقها اسم الفوم، وقال بعضهم: يجوز أن يكون الفوم الثوم، وهذا لا يعرف، ولأن ها هنا ما يمنعه، وهو أن يطلب القوم طعامًا لا بر فيه، والبر أصل هذا كله. قوله: (وهو للعدس والبصل أوفق) أي: حمل الفوم على الثوم أوفق من الحنطة، لما أتبع بقوله: (وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) لأن العدس يطبخ بالثوم والبصل. قوله: (الفرقبي)، النهاية: الفرقبية والثرقبية: ثياب مصرية بيض من كتان. وروي بقافين منسوب إلى قرقوب مع حذف الواو في النسب، كسابري في سابوري.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
(اهْبِطُوا مِصْرًا) وقرئ: (اهبطوا)، بالضم: أي: انحدروا إليه من التيه. يقال: هَبط الواديَ. إذا نزل به، وهبط منه، إذا خرج. وبلاد التيه: ما بين بيت المقدس إلى قنّسرين، وهي اثنا عشر فرسخا في ثمانية فراسخ.
ويحتمل أن يريد العلم وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث، لسكون وسطه كقوله: (ونوحا) [آل عمران: ٣٣]، (ولوطا) [الأنعام: ٨٦]. وفيهما العجمة والتعريف، وإن أريد به البلد فما فيه إلا سبب واحد، وأن يريد مصرًا من الأمصار. وفي مصحف عبد اللَّه وقرأ به الأعمش: (اهبطوا مصرَ) بغير تنوين كقوله: (ادخلوا مصر) [يوسف: ٩٩]. وقيل: هو مصرائيم فعرّب. (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ): جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم، فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه. أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب، كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه،
_________________
(١) قوله: (فهم فيها) مبتدأ وخبر، والكاف في "كما" صفة مصدر محذوف، و(ما) مصدرية. أي: فهم مستقرون فيها استقرار من ضربت عليه القبة في القبة. قوله: (أو ألصقت) معطوف على "جعلت" أي: الاستعارة إما أن تكون في الذلة بأن شبهت الذلة بالقبة المضروبة على شيء شاملة له من كل جانب، ثم بولغ في التشبيه، فحذف المشبه به وأقيم المشبه مقامه، فأثبت لها الضرب على طريق التخييلية، فتكون استعارة مكنية، وإما أن تكون في الفعل، وهو ضربت، فاستعير لمعنى "ألصقت" على سبيل التبعية، فتكون مصرحة، فإذن لا تكون "ضربت" في الآية على باب قوله: إن السماحة والمروءة والندى … في قبة ضربت على ابن الحشرج كما ظن.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة. إما على الحقيقة، وإما لتصاغرهم وتفاقرهم، خيفة أن تضاعف عليهم الجزية. (وَباءو بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) من قولك: باء فلان بفلان، إذا كان حقيقًا بأن يقتل به، لمساواته له ومكافأته، أي: صاروا أحقاء بغضبه. (ذلِكَ): إشارة إلى ما تقدّم من ضرب الذلة والمسكنة والخَلاقة بالغضب، أي: ذلك بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء وقد قتلت اليهود - لعنوا - شعيا وزكريا ويحيى وغيرهم: فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟ قلت: معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا. وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل عندهم. وقرأ علىّ ﵁: (ويقتّلون) بالتشديد.
_________________
(١) قال الراغب: الضرب: إيقاع شيء على شيء، ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها، كضرب الشيء باليد، والعصا، والسيف ونحوها، وضرب الدراهم اعتبارًا بضربه بالمطرقة، وقيل له: الطبع اعتبارًا بتأثير السكة فيه، وبذلك شبه السجية فقيل لها: الضريبة، والضرب في الأرض: الذهاب فيها، وهو ضربها بالأرجل، وضرب الخيمة بضرب أوتادها بالمطرقة، وتشبيهًا بضرب الخيمة قال تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) [البقرة: ٦١] أي: التحفتهم الذلة التحاف الخيمة، ومنه قوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) [الكهف: ١١] وضرب المثل وهو من ضرب الدراهم، وهو ذكر شيء أثره يظهر في غيره. والاضطراب كثرة الذهاب في الجهات من الضرب في الأرض. قوله: (ومدقعة)، الأساس: فقير مدقع ومدقع وقد أدقع ودقع: لصق بالدقعاء وهو التراب من شدة الفقر، وأدقعه الفقر.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
(ذلِكَ): تكرار للإشارة. (بِما عَصَوْا) بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود اللَّه في كل شيء، مع كفرهم بآيات اللَّه وقتلهم الأنبياء. وقيل: هو اعتداؤهم في السبت. ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم، لأنهم انهمكوا فيهما وغلوا حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتل الأنبياء، أو ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا.
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)].
(إن الذين آمنوا) بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون (وَالَّذِينَ هادُوا): والذين تهوّدوا. يقال: هاد يهود. وتهوّد إذا دخل في اليهودية،
_________________
(١) قوله: «ذَلِكَ) تكرار للإشارة) كرر ليناط به ما لم ينط به أولًا، واعلم أن فيما سلكه من التفسير دقة نظر، وفضل تأمل؛ وذلك أنه لما جعل ذلك تكريرًا، والمشار إليه ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة، جعل في كلامه الباء في قوله: (بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ) بمعنى مع، وحين لم يجعل اسم الإشارة تكريرًا جوز أن تكون الباء في (بِمَا عَصَوْا) سببية تارة، وبمعنى "مع" أخرى. والسبب في أن اسم الإشارة إذا جعل مكررًا يوجب اختصاص معنى المعية في الأول، والسببية في الثاني، هو أن مدخول الباء الثانية لا يخلو من أن يكون بدلًا من مدخول الباء الأولى بإعادة العامل، كقوله تعالى: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) [الأعراف: ٧٥] أو كررت لاستقلال كل من السببين على نحو قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) [البقرة: ٧]، والأول بعيد لتقاصر معنى الثاني عن الأول، ويلزم من الثاني توارد السببين المستقلين على مسبب واحد.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأما المعية فتقتضي اجتماع أشياء في معنى سبب واحد، كأنه قال: ضربت عليهم الذلة والمسكنة بسبب عصيانهم واعتدائهم المنضم معهما الكفر وقتل الأنبياء، ثم أقحم ذلك تأكيدًا للأول، ولا كذلك إذا لم يكن تكرارًا؛ لأن المشار إليه بذلك الأول هو ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة والخلاقة بالغضب. وبالثاني كفرهم بآيات الله وقتل الأنبياء، ثم الباء إن كانت سببية يكون ضرب الذلة والمسكنة واستحقاق الغضب مسببًا عن الكفر والقتل، وهما مسببان عن العصيان والاعتداء على وجه الترقي، فإن صغائر الذنوب سبب يؤدي إلى ارتكاب كبائرها، كما أن صغار الطاعات أسباب مؤدية إلى تحري كبارها، وإذا كانت بمعنى "مع" لا يكون كذلك. فإن قلت: لم جعل الباء في (بِمَا عَصَوْا) سببية، وقدمه، وفي التنزيل مؤخر، وفي (بِأَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ) بمعنى "مع" في الوجه الأول، وعكس في ثاني الوجهين من الثاني. قلت: لأن تقديم العصيان والاعتداء على وجه الترقي الكفر والقتل في الأول أولى من تأخيرهما، وإن كن تعليلًا واحدًا للترتيب في الوجود، وتأخيرهما في الثاني أحرى لإرادة تكرير الكفر والقتل تشديدًا عليهم، على أن لفظة "ذلك" على الأول لا تمنع من التقديم والتأخير، لكونها مزيدة مؤكدة، وعلى الثاني مانعة؛ لكونها مشيرة إلى الكفر والقتل، كأنه قيل: ضربت عليهم الذلة والمسكنة؛ لأنهم كفروا وقتلوا، وأنهم ما اكتفوا بهما، بل ضموا إليهما العصيان والاعتداء. وهو ينظر إلى قولها:
[ ٢ / ٥١٠ ]
وهو هائدٌ، والجمع هود. (وَالنَّصارى) وهو جمع نصران. يقال: رجل نصران، وامرأة نصرانة، قال:
… نصرانة لم تحنف.
والياء في نصرانىّ للمبالغة كالتي في أحمرىّ. سموا لأنهم نصروا المسيح. وَالصَّابِئِينَ وهو من صبأ إذا خرج من الدين وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة مَنْ آمَنَ من هؤلاء الكفرة إيمانا خالصا ودخل في ملة الإسلام دخولا أصيلا وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ الذي يستوجبونه بإيمانهم وعملهم.
_________________
(١) كأنه علم في رأسه نار انظر إلى هذه الرموز الدقيقة مع الإيجاز. قوله: «وَالنَّصَارَى) وهم جمع نصران) أي: وهو جمع نصران بدليل (وَالصَّابِئِينَ)، وهو من صبأ. وفي نسخة: "هو" بدل "هم". قوله: (نصرانة لم تحنف) أنشد الزجاج أوله: فكلتاهما خرت وأسجد رأسها … كما سجدت نصرانة لم تحنف أسجد رأسها، أي: طأطأ، تحنف الرجل: إذا أسلم، أي: عمِل عملَ الحنيفية، والضمير في "رأسها" راجع إلى لفظ "كلتاهما" وأنث لتأنيثها. قوله: «مَنْ آمَنَ) من هؤلاء الكفرة) جمع المنافقين واليهود والنصارى والصابئين في
[ ٢ / ٥١١ ]
فإن قلت: ما محل (من آمن)؟ قلت: الرفع إن جعلته مبتدأ خبره (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) والنصب إن جعلته بدلا من اسم إنّ والمعطوف عليه. فخبر إنّ في الوجه الأول الجملة كما هي وفي الثاني فلهم أجرهم. والفاء لتضمن «من» معنى الشرط.
[(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ* وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ* فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)].
(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ) بالعمل على ما في التوراة. (وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق. وذلك أن موسى ﵇ جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها
_________________
(١) قوله: "الكفرة" لأن الكفر يشملهم، وهذا العام بعد الكلام في قوم مخصوصين دليل على أن الكلام فيه استطراد، وما هو قبله من قوله: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ) مستطرد أيضًا، بيان ذلك: أنه تعالى لما حكى إنكار موسى ﵇ على اليهود استبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، بعد تعداد النعم عليهم، جاء بقوله: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) استطرادًا حاكيًا سوء صنيعهم بالأنبياء، وكفرهم واعتدائهم، يعني أنهم قوم بهت معكوسو الرأي في سائر الأمور، وليس هذا ببدع منهم، ألا ترى إلى أنه تعالى كيف ضرب عليهم الذلة والمسكنة، وغضب عليهم بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء، وعصيانهم بعد أخذ الميثاق، ورفع الطور وغير ذلك! فإنهم لما غلوا في التمادي في الطغيان أبدل الله مكان عزهم الذلة والمسكنة، ثم أراد الله أن يبين للعباد عظيم رحمته، وشمول كرمه ورأفته، فعم الكفرة، يعني ما بال هؤلاء إذا رجعوا إلى الله تعالى وتابوا وآمنوا بنبي الرحمة! بل غيرهم ممن هو أشد منهم كفرًا، إذا دخلوا في ملة الإسلام دخولًا أصيلًا، وعملوا صالحًا، فلهم أجرهم، والدليل على الاستطراد العود إلى خطاب اليهود بقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا) الآية [البقرة: ٦٣].
[ ٢ / ٥١٢ ]
من الآصار والتكاليف الشاقة، فكبرت عليهم وأبوا قبولها، فأمر جبريل فقلع الطور من أصله، ورفعه وظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا أُلقى عليكم، حتى قبلوا. خُذُوا على إرادة القول. (ما آتَيْناكُمْ) من الكتاب (بِقُوَّةٍ) بحدّ وعزيمة (وَاذْكُرُوا ما فِيهِ) واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا. (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به (فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) بتوفيقكم للتوبة لخسرتم. وقرئ: (خذوا ما آتيتكم) و(تذكروا)، و(اذّكروا). و(السَّبْتِ): مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت، وإن ناسًا منهم اعتدوا فيه أى جاوزوا ما حدّ لهم فيه من التجرّد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد. وذلك أن اللَّه ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت،
_________________
(١) قوله: (حتى قبلوا) فيه لطيفة، وهي: أن تظليل الطور ومقالة موسى معهم امتد زمانًا حتى قبلوا، وعلى عكسه قوله: (اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ) [البقرة: ٦٠]. قوله: (واذكروا إرادة أن تتقوا) قال القاضي: هذا عند المعتزلة، أي: قلنا: خذوا وذاكروا إرادة أن تتقوا. وقلت: والحاصل أن "لعلكم" إن جعل تعليلًا لقوله: خذوا وذاكروا، كان على حقيقته، لأنه راجع إليهم، وإذا علق بـ "قلنا" المقدر كان تعليلًا لفعل الله تعالى، فيجب تأويله بالإرادة على مذهبه. قوله: (فما كان يبقى حوت) "كان" زائدة كما في قوله: وجيران لنا كانوا كرام
[ ٢ / ٥١٣ ]
فإذا مضى تفرّقت، كما قال: (تَاتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَاتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ) [الأعراف: ١٦٣]، فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد. فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم: قِرَدَةً خاسِئِينَ خبر ان أى كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو الصغار والطرد فَجَعَلْناها يمنى المسخة (نَكالًا) عبرة تنكل من اعتبر بها أي: تمنعه، ومنه: النكل: القيد. (لِما بَيْنَ يَدَيْها) لما قبلها وَما خَلْفَها وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين: أو أريد بما بين يديها: ما بحضرتها من القرى والأمم. وقبل نكالًا: عقوبة منكلة (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا)
_________________
(١) قوله: «شُرَّعًا» أي: ظاهرة على وجه الماء، يقال: شرع علينا فلان: إذا دنا منا وأشرف علينا. قوله: «قِرَدَةً خَاسِئِينَ) خبران) أي: (خَاسِئِينَ) خبر بعد خبر، إذ لو لم يكن لكان وصفًا لقردة، فالواجب خاسئة، أو حالًا من اسم "كان" على بعد. قوله: (ما بحضرتها من القرى والأمم) ترك معنى "وما خلفها" في هذا الوجه لظهورها، أيك القرى التي ليست بحضرتها، فـ "ما" على الوجه الأول والثاني في "ما قبلها" و"ما خلفها" بمعنى "من" لقوله: "من الأمم" لاعتبار وصف المعتبرين تعظيمًا، لأن (ما) إذا وضع موضع "من" كقوله: سبحان ما سخركن لنا، تعتبر الوصفية فيه بحسب المقام.
[ ٢ / ٥١٤ ]
لأجل ما تقدّمها من ذنوبهم وما تأخر منها (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) للذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل متق سمعها.
[(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ* قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ* قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ* قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ* قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ* وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَاتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ* فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ٦٧ - ٧٣].
_________________
(١) وعلى الوجه الثاني: "ما" بمعنى ذوي العقول وغيرهم، وهو أبلغ من الأول لما انضم مع اعتبار الأمم اعتبار الآثار والأطلال. ومجاز نسبة الاعتبار إلى القرى راجع إلى الأهل، كأنه قيل: جعلنا خراب القرى ومسخة أهاليها عبرة تمنع من اعتبر في خراب القرى وإهلاك أهاليها من ارتكاب ما ارتكبوه من العدوان. وعلى الوجه الثالث- وهو أن يراد بالنكال العقوبة لا العبرة- "ما" الأولى على ظاهرها، والثانية بمعنى "من" لأن المسخة الحاضرة يصح جعلها نكالًا، أي: عذابًا بسبب الجناية الماضية، لكن لا يصح جعلها نكالًا لما بعدها من الجناية التي لم توجد، ولهذا قال الواحدي: إن "ما" الثانية بمعنى "من" أي: نكالا ًلمن بعدهم من بني إسرائيل؛ يعني إذا رضوا بها، كقوله: (وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) [آل عمران: ١١٢] وفي "الكواشي": أي: ما عملت من الجناية التي قبل المسخ، ولما عملت وقت المسخ، فالضمير المجرور في "خلفها" عائد إلى "ما" في
[ ٢ / ٥١٥ ]
كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه، وطرحوه على باب مدينة ثم جاءوا يطالبون بديته، فأمرهم اللَّه أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا أتجعلنا مكان هزو، أو أهل هزو، أو مهزوءًا بنا،
_________________
(١) (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) التي هي عبارة عن الجناية لا إلى المسخة. وتأويل ما ذهب إليه المصنف أقرب إلى أن يجعل الضمير في "خلفها" راجعًا إلى المسخة، أي: جعلناها منكلة لما بين يديها، أي: لأجل ما تقدمها من ذنوبهم، ولأجل اعتبار من تأخر من تلك المسخة. وحاصل كلام المصنف: أن "ما" في "ما قبلها" إما أن تجرى على العموم أو لا، والثاني: إما أن تجرى على ذوي العقول أو على وصفهم، فالوجه الأول محمول على الثاني لإيقاع قوله: "من الأمم والقرون" بيانًا له، والثاني على الأول بجعله "من الأمم والقرى" بيانًا لـ "ما بحضرتها" والثالث على الثالث لما بين ما بقوله: "من ذنوبهم". قوله: (فقتل ابنه بنو أخيه) قال المعزي: الصواب: فقتله بنو عمه، لقوله في آخر القصة: ولم يورث قاتل بعد ذلك؛ لأن المورث الأب لا ابنه المقتول، ولأن قاتل الابن لا يمنع الإرث من الأب بلا خلاف، وقيل في العذر: فقتل ابنه بنو أخيه بعد موت الشيخ، وفيه تعسف على أن المفسرين مثل محيي السنة، والواحدي وصاحب "المطلع": رووا أنه كان في بني إسرائيل رجل غني له ابن عمر فقير لا وارث له فلما طال عليه موته قتله ليرثه. قوله: (مكان هزء) أي: هزء مصدر لا يصلح أن يقع مفعولًا ثانيًا لأنه على تأويل خبر المبتدأ فيقدر المضاف، فهو إما على مكان هزء، أو أهل هزء، أو يجعل الهزء بمعنى المهزوء به؛ تسمية المفعول به بالمصدر، كقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) [المائدة: ٩٦] أي: مصيده،
[ ٢ / ٥١٦ ]
أو الهزو نفسه لفرط الاستهزاء مِنَ الْجاهِلِينَ لأن الهزو في مثل هذا من باب الجهل والسفه
_________________
(١) أو تجعل الذات نفس المعنى، نحو رجل عدل، ويرجع معنى "مكان هزو" كناية إلى المبالغة فيه. قوله: (لأن الهزء في مثل هذا من باب الجهل والسفه)، أي: هذا المقام لا يصلح للاستهزاء، فإنه مقام الإرشاد وتبيين الأحكام، وتعيين الإبهام، فالاستهزاء فيه يعد من السفه. ويعلم منه أن الهزء إذا وقع في موقعه نحو قوله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: ٢١] ليزيد غيظ المستهزأ به، فيرتدع عما هو عليه، عين العلم والإرشاد. فوضع الجاهل موضع الهازئ للدلالة على أن الهازئ جاهل، وفسر الجهل بالسفه، ليؤذن أن العالم حليم. قال الزجاج: فانتفى موسى ﵇ من الهزء، لأن الهازئ جاهل لاعب. قال القاضي: نفى ﵇ عن نفسه ما رمي به على طريقة البرهان، وأخرج ذلك في صورة الاستعاذة. وقلت: عنى بقوله: "طريقة البرهان" طريقة الكناية حيث نفى عن نفسه أن يكون داخلًا في زمرة الجاهلين، وواحدًا منهم، وتمم المبالغة بالاستعاذة، أي: إن الهزء في مقام الإرشاد كاد أن يكون كفرًا، فصحت الاستعاذة منه، فالمطابقة بين جواب موسى ﵇ وبين كلامهم من حيث المعنى. قال الراغب: الجهل على ثلاثة أضرب: الأول: خلو النفس من العلم، هذا هو الأصل، والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه، والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل،
[ ٢ / ٥١٧ ]
وقرئ «هزؤا» بضمتين. «وهزءًا» بسكون الزاي نحو (كفؤا) و(كفئا)، وقرأ حفص: (هزوا) بالضمتين والواو وكذلك «كفوا» [الإخلاص: ٤].
والعياذ واللياذ من واد واحد. في قراءة عبد اللَّه: (سل لنا ربك ما هي) سؤال عن حالها وصفتها. وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك البقرة المجيبة الشأن الخارجة عما عليه البقر. والفارض: المسنة، وقد فرضت فروضا فهي فارض. قال خفاف بن ندبة:
_________________
(١) سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا أو فاسدًا، كمن ترك الصلاة متعمدًا، وعلى ذلك قوله تعالى: (قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) فجعل فعل الهزء جهلًا، وقال ﷿: (فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ) [الحجرات: ٦]. قوله: (قرئ: هزؤًا، بضمتين) الجماعة سوى حمزة، فإنه قرأ بالسكون. قوله: (أنهم تعجبوا من بقرة ميتة) يعني ما هي؟ يسأل به عن الجنس وحقيقة الشيء، وحقيقة البقرة غير مسئول عنها؛ لأن الضمير راجع إلى البقرة المذكورة، وهي بقرة فذة مبهمة، فامتنع السؤال بما عن حقيقتها، فرجع إلى صفاتها، ثم إلى أقربها من الحقيقة وما بها تمتاز الحقيقة عن الحقائق وعن سائر أنواعها، كأنها صارت حقيقة أخرى، على منوال قوله:
[ ٢ / ٥١٨ ]
لَعَمْري لَقَدْ أَعْطَيْتُ ضَيْفَكَ فَارِضًا … تُسَاقُ إلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ
وكأنها سميت فارضا؛ لأنها فرضت سنها، أي: قطعتها، وبلغت آخرها. والبكر: الفتية. والعوان النصف. قال:
نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارٍ وَعُونِ
_________________
(١) وإن تفق الأنام وأنت منهم … فإن المسك بعض دم الغزال ألا ترى أنهم لما سمعوا بقوله: (لا شِيَةَ فِيهَا) [البقرة: ٧١] أمسكوا عن السؤال وقالوا: (الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) [البقرة: ٧١] وإليه الإشارة بقوله: "الخارجة عما عليه البقر"، قال الزجاج: إنما سألوا ما هي؛ لأنهم لا يعلمون أن بقرة يحيا بضرب بعضها ميت. وقال القاضي: ما هي، أي: ما حالها وصفتها؟ وكان حقهم أن يقولوا: أي بقرة هي؟ أو كيف هي؟ لأن "ما" يسأل به عن الجنس غالبًا، لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه، أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته ولم يروا مثله. قوله: (لعمري لقد أعطيت) البيت، يصف مضيفًا. قوله: (ما تقوم على رجل) أي: ما كانت تقدر القيام لشدة هزالها. قوله: (نواعم بين أبكار وعون) للطرماح، قبله قوله:
[ ٢ / ٥١٩ ]
وقد عوّنت. فإن قلت: (بين) يقتضى شيئين فصاعدًا، فمن أين جاز دخوله على (ذلك)؟ قلت: لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشارا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر. فإن قلت: كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وإنما هو للإشارة إلى واحد مذكر؟ قلت: جاز ذلك على تأويل ما ذكر وما تقدّم، للاختصار في الكلام،
_________________
(١) ـ ظعائن كنت أعهدهن قدمًا … وهن لذي الأمانة غير خون طوال متل أعناق الهوادي … نواعم بين أبكار وعون حسان مواضع النقب الأعالي … غراث الوشح صامتة البرين متل أعناق الهوادي، أي: طويلة العنق، غراث الوشح كناية عن دقة خصرها، كما أن صامتة البرين كناية عن غلظ ساقها، والبرين: الخلخال. قوله: (وقد عونت) أي: صارت عوانًا. قوله: (لأنه في معنى شيئين) قال القاضي: ذلك إشارة إلى ما ذكر من الفارض والبكر، فلذلك أضيف إليه "بين"، فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد. قال السجاوندي: وعندي أن المراد في وسط زمان الصلاح للعوان واعتداله. تقول: سافرت إلى الروم وطفت بين ذلك، فالمشار إليه عوان. وهذا أولى لئلا يفوت معنى (بَيْنَ ذَلِكَ) لأن "عوان" هي النصف كما قال. وقال الجوهري: العوان هو النصف في سنها من كل شيء، والجمع عون، وبقرة عوان: لا فارض ولا بكر. وفائدة قوله: "عوان" بعد ما نفى أن تكون بكرًا أو أن تكون فارضًا، هو أنه احتمل أن تكون عجلًا أو جنينًا، فقال: عوان، لإزالة اللبس ونفي الاحتمال.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
كما جعلوا «فعل» نائبًا عن أفعال جمة تذكر قبله: تقول للرجل: نعم ما فعلت، وقد ذكر لك أفعالا كثيرة وقصة طويلة، كما تقول له: ما أحسن ذلك! وقد يجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا. قال أبو عبيدة قلت لرؤبة في قوله:
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ
كَأَنَّهُ فِى الْجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما. فقال: أردت كأن ذاك، ويلك! والذي حسن منه أنّ أسماء الإشارة تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة وكذلك الموصولات. ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع
_________________
(١) قوله: (كما جعلوا "فعل" نائبًا عن أفعال جمة) أي: كما أن الفعل الواحد يجعل كناية عن أفعال شتى، وكيفيات متعددة، كما سبق في قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) [البقرة: ٢٤] كذلك يجعل اسم الإشارة كناية عن المذكور، ثم يتفرع على اسم الإشارة الضمير بأن يجعل كناية عن المذكورات توسعة في الكلام كما في شعر رؤبة. قوله: (فيها خطوط) الضمير للبقرة. و"التوليع": اختلاف الألوان، و"البهق": بياض وسواد يظهر في الجلد. قوله: (ويلك) أي: هذا سهل لا يسأل. قوله: (ليست على الحقيقة) قيل: لأنها ليست على شاكلتها في أسماء الأجناس، ألا ترى أن "ذا" موضوع للمفرد المذكر، و"الذي" في الموصول كذلك، و"اللذان" موضوع للمثنى، وليست تثنية "الذي"، و"الذين" هكذا موضوع للجمع.
[ ٢ / ٥٢١ ]
(ما تُؤْمَرُونَ) أي ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به من قوله أمرتك الخير أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول به بالمصدر، كضرب الأمير. الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه.
يقال في التوكيد: أصفر فاقع ووارس، كما يقال أسود حالك وحانك، وأبيض يقق ولهق. وأحمر قانى وذريخى. وأخضر ناضر ومدهامّ. وأورق خطبانىّ وأزمك ردانىّ. فإن قلت: فاقع هاهنا واقع خبرًا عن اللون، فلم يقع توكيدًا لصفراء
_________________
(١) قوله: (أمرتك الخير) تمامه: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به … فقد تركتك ذا مال وذا نشب قيل: قائله عباس بن مرداس، وقيل: خفاف بن ندبة، أي: أمرتك بالخير بدليل قوله: فافعل ما أمرت به، ولأن الأمر لا يستعمل إلا بالباء. "ذا مال" أي: ذا إبل وماشية. والنشب: المال الأصيل، وهو اسم يجمع الصامت والناطق. حذف من الآية الجار إيجازًا وأمنًا من الإلباس، وأوصل الفعل ثم حذف الضمير. قوله: (وأنصعه) الناصع: الخالص من كل شيء، ويقال: أبيض ناصع، وأصفر ناصع، وأصفر وارس، الورس: نبت أصفر تتخذ منه الغمرة للوجه، تقول منه: أورس الرمث، أي: اصفر ورقه، فهو وارس. والرمث: بالكسر مرعى من مراعي الإبل، وهو من الحمض. "أسود حالك" حلك الشيء يحلك حلوكة: اشتد سواده. وأسود حالك وحانك بمعنى. "وأبيض يقق"، أي: شديد البياض، واللهق بالتحريك: الأبيض، وشيء لهق إذا كان شديد البياض. "وأحمر قانئ"، قنأ الرجل لحيته بالخضاب، وقد قنأت هي من الخضاب إذا اشتدت حمرتها.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
قلت: لم يقع خبرا عن اللون إنما وقع توكيدًا لصفراء، إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون من سببها وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها. فإن قلت: فهلا قيل صفراء فاقعة؟ وأى فائدة في ذكر اللون؟ قلت: الفائدة فيه التوكيد، لأنّ اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل: شديدة الصفرة صفرتها، فهو من قولك: جدّ جدّه، وجنونك مجنون. وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه. وعن على ﵁: «من لبس نعلا صفراء قل همه لقوله تعالى: "تسرّ الناظرين»
_________________
(١) "ومدهام" ادهام الشيء: إذا اسود، قال تعالى: (مُدْهَامَّتَانِ) [الرحمن: ٦٤] أي: سوداوان من شدة الخضرة من الري، والعرب تقول لكل أخضر: أسود. "وأورق" من الحمام والإبل الذي له لون الرماد. و"خطباني" منسوب إلى الخطبان: وهو الحنظل إذا صارت فيه خطوط خضر. والرمكة من الإبل الذي اشتدت كمتته حتى يدخلها السواد، يقال: جمل أرمك. والرادن: الزعفران: يقال للشيء إذا خالط حمرته صفرة: أحمر رادني وناقة رادنية. قوله: (فلم يكن فرق بين: صفراء فاقعة، وصفراء فاقع لونها) أي: في كونهما مؤكدين للصفراء، وإلا فالثاني أوكد كما ذكر. قوله: (من قولك: جد جده) أي: من باب الإسناد المجازي. قال تأبط شرًا: إذا المرء لم يحتل وقد جد جده … أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
[ ٢ / ٥٢٣ ]
وعن الحسن البصري (صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها) سوداء شديدة السواد. ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها تعلوه صفرة. وبه فسر قوله تعالى: (جِمالَتٌ صُفْرٌ) [المرسلات: ٣٣]، قال الأعشى:
_________________
(١) ـ قال المرزوقي: جد جده إذا ازداد جده جدًا. ونحوه قولك: حتى استدق نحولها، أي: ازداد دقتها دقة، "وجنونك مجنون" من قوله: جنونك مجنون ولست بواجد … طبيبًا يداوي من جنون جنون قوله: (سوداء شديدة السواد) قال صاحب "المطلع": فيه نظر؛ لأن قوله: (فَاقِعٌ لَوْنُهَا) يرده. وقال القاضي: لأن الصفرة بهذا المعنى لا تؤكد بالفقوع. والجواب ما جاء عن الزجاج: فهذه كلها صفات مبالغة في الألوان، وقد قال بعضهم: صفراء ها هنا سوداء. قلت: لأن صفراء إذا أكد بالفقوع يدل على خلوص الصفرة فيها، ثم إذا روعي معنى الإسناد المجازي معها دل على أن المراد بذلك التأكيد المبالغة في الصفرة لا الخلوص فيها، فدلت هاتان المبالغتان على أنها بلغت الغاية في بابها، وكل لون إذا قوي واشتد أخذ بالعين كالسواد، ولهذا وصفت الخضرة إذا قويت بالإدهام. قوله: (ولعله مستعار) لأن الأصل في استعمال الأصفر وإرادة الأسود في الجمل، فنقل إلى البقر.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِى … هُنَّ صُفْرٌ أَوْلَادُهَا كَالزَّبِيبِ
(ما هِيَ) مرة ثانية تكرير للسؤال عن حالها وصفتها، واستشكاف زائد ليزدادوا بيانا لوصفها.
وعن النبي ﷺ «لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، ولكن شدّدوا فشدّد اللَّه عليهم» والاستقصاء شؤم. وعن بعض الخلفاء أنه كتب إلى عامله بأن يذهب إلى قوم فيقطع أشجارهم ويهدم دورهم، فكتب إليه: بأيهما أبدًا؟ فقال: إن قلت لك بقطع الشجر سألتنى: بأى نوع منها أبدأ؟ وعن عمر بن عبد العزيز: إذا أمرتك أن تعطى فلانا شاة سألتنى: أضائن أم ماعز؟ فإن بينت لك قلت: أذكر أم أنثى؟ فإن أخبرتك قلت: أسوداء أم بيضاء؟ فإذا أمرتك بشيء فلا تراجعني. وفي الحديث «أعظم الناس جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسألته»
_________________
(١) قوله: (تلك خيلي) البيت، يقول: خيلي وإبلي سود وأولادها سود. قوله: (لو اعترضوا أدنى بقرة)، الجوهري: عن محمد ابن الحنفية: كل الجبن عرضًا. قال الأصمعي: يعني اعترضه واشتره ممن وجدته، ولا تسأل عمن عمله، أمن عمل أهل الكتاب أم من عمل المجوس. قوله: (وفي الحديث: أعظم الناس جرمًا) الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن
[ ٢ / ٥٢٥ ]
(إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا): أي: إنّ البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح. وقرئ: تشابه، بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين. وتشابهت ومتشابهة ومتشابه. وقرأ محمد ذو الشامة: إن الباقر يشابه، بالياء والتشديد. جاء في الحديث «لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» أى: لو لم يقولوا إن شاء اللَّه. والمعنى: إنا لمهتدون إلى البقرة المراد ذبحها، أو إلى ما خفى علينا من أمر القاتل (لا ذَلُولٌ): صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول، يعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض،
_________________
(١) سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله ﷺ قال "إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم على الناس فحرم من أجل مسألته". قيل: ظاهر الحديث دل على أن اقتراح السؤال على الأنبياء غير جائز؛ لأنهم مأمورون بالتبليغ، وبيان ما يجب كشفه، ولا يقصرون في ذلك، فمن سألهم عن شيء من ذلك فكأنه ينسبهم إلى التقصير، فهو جريمة من السائل، فقد يعاقبه الله تعالى بما هو مناسب لجريمته، وذلك بأن يحرم عليه المسئول عنه، فإذا حرم عليه يسري ذلك التحريم إلى جميع المكلفين لعموم حكم الشرع، فيكون هو سببًا لتحريم ذلك على الناس، فيعظم جرمه. يؤيد هذا التأويل ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". قوله: (وقرأ محمد ذو الشامة) قيل: هو محمد الباقر. قال صاحب "الجامع": هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، وسمي الباقر؛ لأنه تبقر في العلم، أي:
[ ٢ / ٥٢٦ ]
ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقى الحروث، و«لا» الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى: لا ذلول تثير وتسقي،
_________________
(١) توسع. وفيه نكتة لطيفة حيث عدل من الباقر إلى "ذو الشامة" لدفع إيهام أن قراءته موافقة للبقية. الجوهري: الباقر: جماعة بقر مع رعاتها وهي موافقة للقراءة المشهورة (إِنَّ الْبَقَرَ) من حيث الشمول، لأن جنس، أي: اشتبه علينا تلك البقرة الخارجة من جنس البقر الداخلة في جنس آخر، وذلك البيان قاصر غير واف لعموم التناول، ألا ترى حين سمعوا بقوله: (مسلمة) أي: معفاة سلمها أهلها من العمل والركوب والذبح وغير ذلك مما يتعاناه أرباب البقر، قالوا: (الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) [البقرة: ٧١]! وأن هذا الوصف بعد الأوصاف السابقة يخرجها مما عليه البقر المتعارف، وإنما فسرت (مسلمة) بما ذكر؛ لأنها مطلقة، فيتناول جميع ما يدخل في المعنى، فعلى هذا هي تتميم لمعنى قوله: (لا ذَلُولٌ) إلى آخره، وقوله: (لا شِيَةَ) تتميم لقوله: (صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا). وهذا التقرير يوضح أن سؤالهم الأول بقولهم: "ما هي" كان عن الجنس كما مر، وأن تماديهم ومراجعتهم في السؤال كان تكشفًا لحقيقة البقرة المعينة المخصوصة. قوله: (النواضح) جمع الناضحة. والناضح: البعير الذي يستقى عليه، وهي السانية أيضًا. قوله: (لأن المعنى: لا ذلول تثير [الأرض] وتسقي) قال الزجاج: معناه: ليست بذلول ولا بمثيرة للأرض ولا تسقي الحرث.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
على أنّ الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى: (لا ذلول)، بمعنى لا ذلول هناك: أى حيث هي، وهو نفى لذلها ولأن توصف به فيقال: هي ذلول. ونحوه قولك: مررت بقوم لا بخيل ولا جبان. أى فيهم، أو حيث هم. وقرئ تسقى بضم التاء من أسقى (مُسَلَّمَةٌ) سلمها اللَّه من العيوب أو معفاة من العمل سلمها أهلها منها، كقوله:
_________________
(١) قلت: هذا التفسير على أسلوب قوله: على لا حب لا يهتدى بمناره نفيًا للأصل والفرع، وانتفاء الملزوم بانتفاء لازمه. قوله: (وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي) في "جامع الأصول": هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي الكوفي، وهو أحد أعلام التابعين وثقاتهم، صحب عليًا وسمع منه. قوله: (وهو نفي لذلها ولأن توصف به) وهو عطف تفسيري، أي: الذلول الذي هو ضد الصعب، لو كان في مكان البقرة كانت البقرة موصوفة به ضرورة؛ لأن الصفة تقتضي موصوفًا، فلما لم يكن في مكانها لم تكن موصوفة به، فهو من باب الكناية نحو قولهم: مجلس فلان مظنة الجود والكرم. قوله: (من أسقى) قيل: سقى وأسقى بمعنى واحد. قال لبيد: سقى قومي بني مجد وأسقى … نميرًا والقبائل من هلال
[ ٢ / ٥٢٨ ]
أَوْ مَعْبَرَ الظَّهْرِ يُنْبِى عَنْ وَلِيَّتِهِ … مَا حَجَّ رَبُهُ فِى الدُّنْيَا وَلَا اعْتَمَرَا
أو مخلصة اللون، من سلم له كذا إذا خلص له، لم يشب صفرتها شيء من الألوان (لا شِيَةَ فِيها): لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة، فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها. وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية، إذا خلط بلونه لونا آخر، ومنه ثور موشى القوائم (جِئْتَ بِالْحَقِّ) أى بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها. (فَذَبَحُوها) أي: فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها.
وقوله (وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) استثقال لاستقصائهم واستبطاءٌ لهم،
_________________
(١) قوله: (أو معبر الظهر) البيت (ربه) باختلاس الحركة من الهاء ليستقيم الوزن. استشهد به سيبويه لذلك ضرورة. والمعبر من الإبل: الذي يترك وبره لا يجز سنتين ليتوفر. و"ينبي" من: نبا الشيء عنه ينبو، أي: تجافى وتباعد. عن وليته: أي: برذعته، سميت بذلك، لأنها تلي الجلد، والجمع الولايا. أراد ينبي وليته فزاد "عن" وإذا كثر الوبر على سنامه نبت وليته وارتفعت. وما حج ربه: أي: صاحبه ما قصد سفر الحج حتى يحتاج إلى جز وبره. قوله: (لا لمعة في نقبتها) أي: لونها. قال ذو الرمة: ولاح أزهر مشهور بنقبته … كأنه حين يعلو عاقرًا لهب قوله: «بِالْحَقِّ) أي: بحقيقة وصف البقرة) أي: لم يتضمن قولهم: "بالحق" أن ما جئت به من قبل كان باطلًا، وإنما أرادوا الآن جئت بما تحققنا المراد منها.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها، وما كادت تنتهي سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم. وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها. وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل. وروى أنه كان في بنى إسرائيل شيخ صالح له عجِلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إنى أستودعكها لابنى حتى يكبر، وكان برًا بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمّه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبًا، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة. فإن قلت: كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مخصوصة، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات، فذبحوا المخصوصة، فما فعل الأمر الأوّل؟ قلت: رجع منسوخا لانتقال الحكم إلى البقرة المخصوصة، والنسخ قبل الفعل جائز. على أنّ الخطاب كان لإبهامه متناولا لهذه البقرة الموصوفة
_________________
(١) قوله: (ما كاد ينقطع خيط إسهابهم) خيط إسهابهم استعارة، وينقطع ترشيح لها. قال القاضي: "كاد" من أفعال المقاربة، وضع لدنو الخبر حصولًا، وإذا دخل عليه النفي فالصحيح أنه كسائر الأفعال، ولا ينافي قوله: (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) [البقرة: ٧١] قوله: (فَذَبَحُوهَا) لاختلاف وقتيهما، إذ المعنى ما قاربوا أن يفعلوا حتى انقطعت سؤالاتهم، وانتهت تعللاتهم، ففعلوا كالمضطر الملجأ. قلت: يدفعه فاء الفصيحة كما سيجيء. قوله: (وكان برًا بوالديه) والظاهر أن الابن بر بوالديه. قوله: (من شق البقر)، الأساس: خذ من شق الثياب: من عرضها ولا تختر. قوله: (على أن الخطاب) أي: أقول: إن الأمر الأول رجع منسوخًا مع جواز القول بأن الأمر الأول ثابت، وقضية النسخ المخالفة بين الناسخ والمنسوخ.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
كما تناول غيرها. ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالا له، فكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا) خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم (فَادَّارَاتُمْ) فاختلفتم واختصمتم في شأنها،
_________________
(١) وقلت: الفرق بين الوجهين هو: أنه لما نظر إلى نفس الحكم، وأنه ورد على السعة والتخيير، ثم انقلب إلى التعيين، جعل الثاني ناسخًا، ولما اعتبر اللفظ وإبهامه، أي: إطلاقه وشيوعه في جنسه، جعله كالعام المتناول لهذه البقرة الموصوفة ولغيرها ثم خصصه، والمخصص إذا تأخر عن العام لا يكون ناسخًا بالاتفاق. وإنما قلنا: كالعام لأن اسم الجنس إذا كان معرفًا باللام، أو بالإضافة، أو كان نكرة في سياق النفي، يفيد العموم، وهذه ليست كذلك. ونقل عن أبي منصور الماتريدي ﵀ أنه قال: الأمر بالذبح في الابتداء على مآل الأمر، ولكنهم أمروا بالسؤال عنها، والبحث عن أحوالها؛ ليصلوا إلى ما هو المراد بالأمر، لا أنه تعالى أحدث لهم ذلك بالسؤال الذي ذكروا. وقال القاضي: عود الكنايات في قوله تعالى: (إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) [البقرة: ٦٨] وإجراء تلك الصفات يدل على أن المراد بها معينة، ويلزمه تأخير البيان، ومن أنكر ذلك زعم أن المراد بها بقرة من شق البقر غير مخصوصة، ثم انقلبت مخصوصة بسؤالهم، ويلزمه النسخ قبل الفعل، فإن التخصيص إبطال للتخيير الثابت بالنص، والحق جوازهما، ويؤيد الرأي الثاني ظاهر اللفظ، وتقريعهم بالتمادي، وزجرهم على المراجعة بقوله: (فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) [البقرة: ٦٨].
[ ٢ / ٥٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقلت: المعنى يساعد القول بأن هذه القضية كانت من باب الحكم عقيب العلم بصفة المحكوم عليه عند القائل، كما تقتضيه قصة الشيخ، واستيداعه البقرة عند الله، وإن عارضه الحديث الضعيف: "لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم"؛ لأن عود الكنايات كما قال القاضي، لاسيما مرارًا ثلاثًا، وبناء اسم البقرة على المسند إليه بعد الوصف، مبني على أن الجواب عن البيان، كأنه قيل: المأمور بذبحها هذه البقرة الموصوفة، لما تقرر في علم البيان أن في إيقاع الخبر نفس المبتدأ إيذانًا بأن القصد في الكلام نفس المبتدأ، وأن الخبر لتعيينه، وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن، الخارجة عما عليه البقر، فأعيدت في الجواب وبني عليها الوصف، وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو منصور: أمروا بالسؤال عنها والبحث عن أحوالها؛ ليصلوا إلى ما هو المراد من الأمر. وقد سبق أن معنى الجنس في قراءة العامة (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا) [البقرة: ٧٠] وقراءة ذي الشامة "إن الباقر" دل على أن الأسئلة صدرت عن تكشف حال البقرة، وعند الكشف التام (قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ). وأيضًا إن الفاء في قوله: (فَذَبَحُوهَا) كما قدرها المصنف- فصيحة- آذنت بأنهم سارعوا في الذبح ولم يتوقف امتثالهم أمر الله عند التمييز التام لمحة كما نص عليه في الأعراف عند قوله: (أَنْ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ) [الأعراف: ١٦٠]. فإن قلت: هذا معارض بقوله: (فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) وقوله: (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) لما دل ذلك على تثاقلهم وتثبطهم في الامتثال.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
لأنّ المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضًا، أى يدفعه ويزحمه. أو تدافعتم، بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض، فدفع المطروح عليه الطارح. أو لأنّ الطرح في نفسه دفع. أو دفع بعضكم بعضًا عن البراءة واتهمه (وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) مظهر لا محالة
_________________
(١) ـ قلت: وجه الجمع أن يقال: سارعوا في امتثال أمر الله عند ظهور الحق، والحال أن بشريتهم، وهي خوف الفضيحة، دعت إلى أن يمتنعوا من ذلك، وتلخيصه: رجحوا جانب الله على جانبهم. ووجه آخر: (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) قبل تبين الحال، فاختلف الجهتان على التقديرين. قوله: (لأن المتخاصمين يدرأ) تعليل لوجه الكناية في قوله: (فَادَّارَاتُمْ) [البقرة: ٧٢] بمعنى اختصمتم؛ لأن الدرأ لازم الخصومة. قوله: (فدفع المطروح) الفاء مثلها في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤]، فهو كالتعليل للتفسير، ولهذا عطف عليه قوله: "أو لأن الطرح في نفسه دفع"، والفرق أن الطارح في الأول لا يصير دافعًا إلا بعد دفع المطروح عليه، بخلاف الثاني، فإنه دافع ابتداء لما يلزم من طرحه دفعه عن نفسه، وعلى الوجوه الثلاثة كناية. قوله: (أو دفع بعضكم بعضًا عن البراءة) عطف على "طرح قتلها" وذلك بأن يقول صاحبه: أنت متهم ولست ببريء، فالمدفوع البراءة من الجانبين. قوله: (مظهر لا محالة) يعني: دل بناء اسم الفاعل، وهو مخرج على المبتدأ، على الثبات وتوكيد الحكم، وهذا عندنا بحسب التفضل والكرم، وعند المعتزلة لرعاية الأصلح؛ لأن الاختلاف في باب القتل يؤدي إلى الفساد والفتنة، وهو خلاف إرادته تعالى، قال الله تعالى: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [البقرة: ٢٠٥].
[ ٢ / ٥٣٣ ]
ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتومًا. فإن قلت: كيف أعمل (مخرج) وهو في معنى المضىّ؟ قلت: وقد حكى ما كان مستقبلًا في وقت التدارؤ كما حكى الحاضر في قوله: (باسِطٌ ذِراعَيْهِ) [الكهف: ١٨]. وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما (فَادَّارَاتُمْ)، و(فَقُلْنا) والضمير في (اضْرِبُوهُ): إمّا أن يرجع إلى النفس والتذكير على تأويل الشخص والإنسان، وإمّا إلى القتيل لما دل عليه من قوله: (ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ). بِبَعْضِها ببعض البقرة. واختلف في البعض الذي ضرب به، فقيل: لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عجبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة بين الكتفين. والمعنى: فضربوه فحيى، فحذف ذلك لدلالة قوله: (كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى) وروى أنهم لما ضربوه قام بإذن اللَّه وأوداجه تشخب دمًا وقال: قتلني فلان وفلان لا بنى عمه، ثم سقط ميتًا، فأخذا وقتلا، ولم يورّث قاتل بعد ذلك. (كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى):
_________________
(١) ـ قوله: (كما حكي الحاضر) يعني أن كلًا من اسمي الفاعل عند نزول القرآن كان ماضيًا لكن (مُخْرِجُ) حكاية لما كان مستقبلًا في وقت التدارؤ، و(بَاسِطٌ) حكاية للحاضر عند بسط الكلب ذراعيه، فقد اشتركا في أن كلًا منهما حكاية عند النزول، وفائدتها: استحضار تينك الصورتين في مشاهدة السامع؛ تعجيبًا له. قوله: (وقيل: عجبها). العجب: أصل الذنب، وهو من كل دابة: ما ضمت عليه الورك من أصل الذنب. قيل: العجب أمره عجب، وهو أول ما يخلق وآخر ما يخلق. قوله: (العظم: الذي يلي الغضروف)، الجوهري: وهو ما لان من العظم، وهو الغضروف أيضًا. واعلم أن هذه الأقوال لا يدل عليها القرآن ولا خبر صحيح، فحسن السكوت عنها.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
إما أن يكون خطابا للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم: كذلك يحيى اللَّه الموتى يوم القيامة، (وَيُرِيكُمْ آياتِهِ)
ودلائله على أنه قادر على كل شيء؛ (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ): تعملون على قضية عقولكم. وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث. وإما أن يكون خطابا للمنكرين في زمن رسول اللَّه ﷺ. فإن قلت: هلا أحياه ابتداء؟ ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ببعضها؟ قلت: في الأسباب والشروط حكم وفوائد،
_________________
(١) ـ قوله: (وإما أن يكون خطابًا للمنكرين) فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير القول، وكاف الخطاب في قوله تعالى: (كَذَلِكَ) [البقرة: ٧٣] نحو الخطاب في قوله: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وذلك لأن أمر إحياء الموتى عظيم، يجب أن يخاطب كل من يصح أن يخاطب ويتأتى منه الاستماع، فيدخل هؤلاء فيه دخولًا أوليًا: يدل عليه قوله: (وَيُرِيكُمْ). قوله: (في الأسباب والشروط حكم وفوائد) تمهيد للجواب. والجواب: "وإنما شرط ذلك"، وقوله: "وما في التشديد عليهم" عطف على قوله: "ما في ذبح البقرة" بدون لام التعليل. وقوله: "وليعلم" عطف على قوله "لما في ذبح البقرة" مع اللام. وفي هذا الاختلاف من العطف إيذان بأن في الشرط فائدتين: إحداهما: عملية، وثانيتهما اعتقادية. والأولى: إما عامة في نفس الذبح فيهم وفي غيرهم، أو خاصة بتلك القصة، أي: ناشئة منها. أما الاعتقاد فهو المراد بقوله: "ليعلم بما أمر من مس الميتِ بالميتِ، وحصول الحياة عقيبه، أن المؤثر هو المسبب". أما الفائدة العامة فهي ما ذكره من "التقرب وأداء التكليف واكتساب الثواب"، وأما الخاصة بذلك الذبح فهي قوله: "من اللطف لهم ولآخرين في ترك التشديد والمسارعة" إلى آخره. وفي قول المصنف: "إن المؤثر هو المسبب لا الأسباب" إبطال لمذهبه في كثير من المواضع.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
وإنما شرط ذلك لما في ذبح البقرة من التقرّب وأداء التكاليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب، وما في التشديد عليهم لتشديدهم من اللطف لهم، ولآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر اللَّه تعالى وارتسامها على الفور، من غير تفتيش وتكثير سؤال، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البرّ بالوالدين، والشفقة على الأولاد، وتجهيل الهازئ بما لا يعلم كنهه ولا يطلع على حقيقته من كلام الحكماء، وبيان أنّ من حق المتقرّب إلى ربه أن يتنوّق في اختيار ما يتقرب به،
_________________
(١) ـ قوله: (المسارعة) عطف على قوله: "ترك التشديد". قوله: (والدلالة على بركة البر بالوالدين والشفقة على الأولاد). أما البر فقوله فيما سبق: "وكان برًا بوالديه"، وأما الشفقة فقوله: "اللهم إني أستودعكها لابني". قوله: (وتجهيل الهازئ) أي: لما في التشديد عليهم لأجل تشديدهم تجهيل للهازئ. يعني: لما شددوا على أنفسهم وقالوا: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا) [البقرة: ٦٧] أجيبوا بقوله: (أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) فعلم تجهيل الهازئ، وأن الهازئ: من لا يعلم كنه كلام الحكماء. فيه تعريض بأنه عالم بما يقول الحكماء وأنه حكيم. قوله: (أن يتنوق). تنوق في الأمر: تأنق فيه. وعمله بنيقة، أي: باشر فيه وأتمه بحذاقة. قال الحريري في "درة الغواص في أوهاهم الخواص": تنوق في الشيء، والأفصح تأنق كما روي للمنصور ﵀: تأنقت في الإحسان لم آل جاهدًا … إلى ابن أبي ليلى فصيره ذما فوالله ما آسى على فوت شكره … ولكن فوت الرأي أحدث لي هما واشتقاقه من الأنق وهو الإعجاب بالشيء.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وأن يختاره فتىّ السنّ غير قحم ولا ضرع، حسن اللون بريئًا من العيوب يونق من ينظر إليه، وأن يغالى بثمنه، كما يروى عن عمر ﵁ أنه ضحى بنجيبة بثلاثمائة دينار، وأنّ الزيادة في الخطاب نسخ له، وأن النسخ قبل الفعل جائز وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، لأن الموتين الحاصلين
_________________
(١) ـ وفي أمثالهم: ليس المتعلق كالمتأنق. أي: ليس القانع بالعلقة، وهي البلغة، كالذي يبلغ النقاوة والغاية. ويضرب أيضًا للجاهل الذي يدعي الحذق: خرقاء ذات نيقة. قوله: (غير قحم) أي: غير مسنة مهزولة، الجوهري: شيخ قحم، أي: هم. قوله: (ولا ضرع). الضرع بالتحريك: الضعيف. وقيل: الحديثة السن. قوله: (وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه) أي: يمكن المكلف من أدائه في ذلك الوقت. وصورته أن تقول: صل غدًا وقت الظهر، وقبل الظهر تقول: لا تصل وقت الظهر، والحال أن المكلف متمكن من الفعل في الظهر. قوله: (لأدائه إلى البداء) أي: البداية، من قولهم: بدا له في الرأي بداء بالمد والرفع. وأهل السنة قالوا: لا يلزم البداء؛ لأن هذا الأمر والنهي راجع إلى امتحان المكلف بإطاعته الآمر وعصيانه، وعزم قلبه، وعدم عزمه وابتلائه، كما إذا قال السيد لعبده: اذهب غدًا راجلًا إلى مواضع كذا، وقبل الغد يقول: اذهب راكبًا، وغرضه الابتلاء. واعلم أنه جمع بين التشديد عليهم لتشديدهم وبين نفع اليتيم، فيلزم من التشديد أن تكون البقرة غير معينة، ومن نفع اليتيم أن تكون معينة، وبينهما تناف كما سبق.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
في الجسمين لا يعقل أن تتولد منهما حياة. فإن قلت: فما للقصة لم تقص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدّم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن يقال: وإذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟ قلت: كل ما قص من قصص بنى إسرائيل إنما قص تعديدًا لما وجد منهم من الجنايات، وتقريعًا لهم عليها، ولما جدّد فيهم من الآيات العظام
_________________
(١) ـ قوله: (فما للقصة لم تقص) إلى آخره، قيل: فيه نظر، لأنه قال: "الأصل أن يقدم ذكر القتل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها"، وحقه أن يقال: أن يقدم ذكر القتيل والأمر بالذبح على الأمر بضرب بعضها، كما قدره آخرًا في السؤال. وأجيب: أن المراد أن هذه الآية التي ذكر فيها ذكر القتيل والضرب كان من حقها أن تقدم على الآية التي ذكر فيها الأمر بالذبح. فإن قلت: الإشكال باق؛ لأن القصة بجملتها لا يجوز تقديمها على تلك القصة، فإن فيها الأمر بالضرب، وهو متأخر عن الأمر بالذبح. قلت: بل القصة مستقلة في الدلالة ولابد من إضمار: "اذبحوا" سواء قدمتها أو أخرتها؛ لأنها محتوية إجمالًا على القصة بتمامها مع قرب طرفيها، ففتحت بذكر القتل، وختمت بإحياء القتيل، ووسطت بضرب المذبوح، ومع ذلك ما أجمل فيها من التنبيه على ما أضمر اعتراضًا واستطرادًا، فقوله: (وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) [البقرة: ٧٢] اعتراض بين المعطوفين، فدل به على التقريع ونبه به على تقدير ما يحصل به ذلك الإخراج من الأمر بالذبح، وقوله: (كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى) [البقرة: ٧٣] استطراد عبر به عن الاقتدار على البعث، ونبه به على حصول إحياء القتيل. وقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [البقرة: ٧٣] تذييل وتنبيه غب تنبيه، وتقريع بعد تقريع، فحينئذ تقرير الآية: وغذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها، فقلنا: اذبحوا بقرة، واضربوه ببعضها، فذبحتم وضربتم به فأحيا الله القتيل، فأخبركم بقاتله، وقلنا: كذلك يحيي الله الموتى.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى: لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك،
_________________
(١) ونظير هذه القصة قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا* فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا) [الفرقان: ٣٥ - ٣٦]. قال: أراد اختصار القصة، فذكر حاشيتها: أولها وآخرها؛ لأنهما المقصود من القصة، أعني إلزام الحجة ببعثه الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. فإذا قدمت القصة كان قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) [البقرة: ٦٧] إلى آخره كالتفصيل والبيان لكيفية الأمر بالذبح المطوي وما يتصل به، والبيان لا يكون مستقلًا بل تتمة للمبين، فيكون التقريع واحدًا، وإذا أخرتها كما هي عليه لم تكن بيانًا، وكان مستقلًا فيما قصد به من تنبيه التقريع، ولذلك غير السياق وقيل: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ) فانظر إلى هذه الرموز، وإلى ذلك الإيجاز والتعجيز، ولله در المصنف ودقيق إشاراته! قوله: (وما يتبع ذلك) عطف على "تقريعهم"، لا على "الاستهزاء"، إذ ليس في تلك القصة غير الاستهزاء. وترك المسارعة شيء يتوجه إليه التقريع، وكذا "ما يتبعه" عطف على "التقريع" لا على "قتل النفس"، إذ ليست "الآية العظيمة" مما يرد عليها التقريع، وفيه إشارة إلى صنعة الإدماج، يعني: سيقت القصتان للتقريع، وأدمج فيها هذه الفوائد، والإشارة "بذلك" إلى المذكور السابق، أي: يتبع التقريع وترك المسارعة من الفوائد المتكاثرة كما عددها في قوله: "لما في ذبح البقرة من التقرب" إلى قوله: "وأن النسخ قبل الفعل جائز"؛ لأن تلك الفوائد تابعة للأمر بذبح البقرة، وقوله: "وما يتبعه من الآية العظيمة" هو الذي عناه بقوله: "وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه" إلى آخره، وهو مستفاد من قوله تعالى: (كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى)، فظهر أن الجواب السابق كان منطويًا على هذين الاعتبارين.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
والثانية للتقريع على قتل النفس المحرّمة وما يتبعه من الآية العظيمة. وإنما قدّمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع. ولقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى، دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: (اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها)؛ حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة.
[(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) ٧٤].
_________________
(١) ـ قوله: (وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة) هو الجواب، والسابق كالمقدمة والتمهيد له لئلا يلزم التكرار. قوله: (ولقد روعيت) عطف على قوله "قدمت"، وقوله: "أن وصلت" بدل من "نكتة". وقوله: (بضمير البقرة) متعلق "بوصلت"، و"دلالة": مفعول له لقوله: "أن وصلت" قدم المفعول له على متعلق الفعل للاهتمام، وإنما جيء بقوله: "ولقد روعيت" بلام القسم ليؤكد به ما قصده في الجواب، يريد: الذي يؤكد ما ذهبنا إليه من جعل القصة الواحدة قصتين اعتبار العائد، وإليه الإشارة بقوله: "حتى يتبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع" إلى آخره. فإن قلت: اسم البقرة كالضمير في الاتصال، بل هو أشد اتصالًا منه إذا جيء به معرفًا باللام؛ لأن المعرف باللام إذا أعيد كان عين الأول. قلت: نعم، لكن الربط بالمضمر ألصق لاستقلال المظهر.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
معنى (ثُمَّ قَسَتْ): استبعاد القسوة من بعد ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها ونحوه: (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) [الأنعام: ٢].
وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار وأنّ المواعظ لا تؤثر فيها. وذلِكَ إشارة إلى إحياء القتيل، أو إلى جميع ما تقدّم من الآيات المعدودة (فَهِيَ كَالْحِجارَةِ): فهي في قسوتها مثل الحجارة (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) منها، و(أشد) معطوف على الكاف، إما على معنى أو مثل أشد قسوة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وتعضده قراءة الأعمش بنصب الدال عطفًا على الحجارة. وإما على: أو هي أنفسها أشدّ قسوة
_________________
(١) ـ قوله: (معنى (ثُمَّ قَسَتْ) استبعاد) يعني: ثم موضوعة للتراخي في الزمان، وهنا مجاز للاستبعاد؛ لأن قسوة قلوبهم لم تتجدد بعد زمان، فهو نحو قولك لصاحبك: وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها! يعني: يبعد من العاقل ارتكاب هذا المحذور بعد حصول ما ينافيه، ويقلعه من الآيات البينات المذكورة فيما سبق. قوله: (مثل لنبوها عن الاعتبار) أي: قست قلوبهم: استعارة تبعية واقعة على سبيل التمثيل، شبهت حالة قلوبهم، وهي نبوها عن الاعتبار، بحالة قسوة الحجارة في أنها لا يجدي فيها لطف العمل. قوله: (بنصب الدال) أي: بفتحها؛ لأنه مجرور، قال الزجاج: من قرأ (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) بالرفع فعلى: أو هي في نفسها أشد قسوة، ومن نصب فهو خفض في الأصل بمعنى الكاف، و"أشد" أفعل لا ينصرف، وهو نعت ففتح، وهو في موضع جر. قوله: (وإما على: أو هي في نفسها أشد) يعني: (أَشَدُّ) مرفوع، وهو عطف على
[ ٢ / ٥٤١ ]
والمعنى: أن من عرف حالها شبهها بالحجارة، أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلًا. أو من عرفها شبهها بالحجارة، أو قال: هي أقسى من الحجارة. فإن قلت: لم قيل: أشد قسوة، وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟ قلت: لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة. ووجه آخر، وهو أن لا يقصد معنى الأقسى،
_________________
(١) ـ الكاف، إما على تقدير مثل، ومعنى قراءة الأعمش سواء في أن المراد قلوبهم مشبهة بجواهر أقسى من الحجارة، أو لا يقدر الشيء، فيكون المعنى: هي أقسى من الحجارة فلا يكون تشبيهًا، ولذلك قال: "أو قال"، ففي الكلام لف ونشر. قوله: (والمعنى أن من عرف حالها شبهها) إلى آخره. وإنما أخرج الكلام مخرج الشرطية ليؤذن بأن مرجع الشك إلى الناس؛ لأن الله تعالى لا يشك، كقوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافات: ١٤٧]. ولو حمل "أو" على معنى "بل" نحو ما أنشده الجوهري: بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى … وصورتها أو أنت في العين أملح كان أحسن التئامًا مع قوله: (وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ) الآية [البقرة: ٧٤]، من التردد في التشبيه. وكيف وقد قال هو: "تقرير لقوله (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) "؟ قوله: (وهو أن لا يقصد معنى الأقسى)، اعلم أن الأصل في "أفعل" التفضيل أن يبنى من ثلاثي مجرد ليس بلون ولا عيب، وإذا قصد ذلك فيما ليس كذلك توصل بمثل أشد ضرورة، ولا ضرورة في الآية إلى التوصل به لاستقامة بيانه من القسوة. ولابد في هذا الإطناب في كلام الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه من فائدة، وهي: إما أن يجاء به لمزيد البيان والتوضيح، وإليه أشار بقوله: "لكونه أبين وأدل على فرط القسوة"،
[ ٢ / ٥٤٢ ]
ولكن قصد وصف القسوة بالشدة، كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشدّ قسوة. وقرئ: قساوة. وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس، كقولك: زيد كريم وعمرو أكرم.
وقوله (وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ): بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدّة القسوة، وتقرير لقوله: (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً). وقرئ «وإن» بالتخفيف، وهي «إن» المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة. ومنها قوله تعالى: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ) [يس: ٣٢]. والتفجر: التفتح بالسعة والكثرة. وقرأ مالك بن دينار (ينفجر) بالنون. يَشَّقَّقُ يتشقق. وبه قرأ الأعمش
_________________
(١) ـ وإما أن يقصد معنى الاشتراك في الشدة نفسها، والتأويل بما قال: "اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة"، فظهر أن إتيان "أشد" في قولك: ما أشد حمرته! لمجرد التوصل إلى البناء، فلا يكون مقصودًا بالذات، بخلافه في الآية، فإنه مقصود بذاته، ولذلك قال: "لا يقصد معنى الأقسى، لكن قصد وصف القسوة بالشد"، ويندفع بهذا إيراد صاحب "التقريب": في قوله: "اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة" نظر؛ لأن أشد لو كان محمولًا على القسوة أفاد هذا، ولكنه محمول على القلوب، فيفيد أن قلوبهم أشد قسوة لا أن قسوتها أشد قسوة، وإن أراد أنهما اشتركا في شدة القسوة، وهي أزيد في الشدة، فلا يفيده هذا اللفظ، لأن معناه: أن قسوتها أشد، لا أن شدة قسوتها أزيد، وإنما كان يفيده لو قال: فهي أزيد شدة قسوة. قوله: «وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ) بيان لفضل قلوبهم على الحجارة)، فالواو في قوله: (وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ) عطفت البيان على المبين، والأولى أنها استئنافية، والجملة كما هي مذيلة للتشبيه كقوله تعالى: (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) [النساء: ١٢٥]، والدليل على كونها مذيلة قوله: "وتقرير"؛ لأن المذيلة كالمعترضة مؤكدة، وسيجيء في "الأنعام" أن التأكيد أيضًا نوع بيان، ويجوز أن تكون الواو للحال من الحجارة في قوله: "كالحجارة"، أو من المقدرة في قوله: (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) وهو منها.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
والمعنى: إنّ من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير الغزير، ومنها ما ينشق انشقاقا بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضا يَهْبِطُ يتردّى من أعلى الجبل. وقرئ بضم الباء. والخشية مجاز عن انقيادها لأمر اللَّه تعالى، وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به. وقرئ (تَعْمَلُونَ) بالياء والتاء، وهو وعيدٌ.
_________________
(١) ـ قوله: (والمعنى: إن من الحجارة ما فيه خروق واسعة) إلى آخره، فيه على ما فسر معنى التتميم دون الترقي، ليكون على وزان قوله تعالى: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) [الفاتحة: ٣] إذ لو أريد الترقي لقيل: إن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وإن منها لما يتفجر منه الأنهار. وفائدته: استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعة هذا الجوهر، وهو أبلغ من الترقي. نعم، الترقي من قوله: (لَمَا يَتَفَجَّرُ) إلى آخره إلى قوله: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ) تتميم للتتميم. قوله: (وأنها لا تمتنع) إلى آخره: عطف على سبيل التفسير على قوله: "مجاز عن انقيادها لأمر الله، يعني: أثبت للحجارة الخشية على سبيل المجاز لفائدتين: إحداهما: التصريح في المبالغة في كونها منقادة لأمر الله، وثانيتهما: التعريض بأن قلوب هؤلاء لا تنقاد البتة. قوله: (من خشية الله يتعلق بالكل)، أي: كل ذلك من خشية الله. قوله: (وقرئ (تَعْمَلُونَ) بالياء والتاء). ابن كثير ونافع ويعقوب وأبو عمرو: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
[(أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ* أَوَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ)].
(أَفَتَطْمَعُونَ): الخطاب لرسول اللَّه ﷺ والمؤمنين أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم، كقوله: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) [العنكبوت: ٢٦]، يعنى اليهود، (وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ): طائفة فيمن سلف منهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ وهو ما يتلونه من التوراة (ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ) كما حرّفوا صفة رسول اللَّه ﷺ وآية الرّجم، وقيل كان قوم من السبعين المختارين سمعوا كلام اللَّه حين كلم
_________________
(١) ـ قوله: «أَفَتَطْمَعُونَ) الخطاب لرسول الله ﷺ). الراغب: الطمع: نزوع النفس إلى الشيء بشهوة له، يقال: طمعت طمعًا وطماعية فهو طمع وطامع، ولما كان أكثر الطمع من جهة الهوى، قيل: الطمع طبع، والطمع يدنس الإهاب. قوله: (وآية الرجم). روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والترمذي، عن ابن عمر: أتي النبي ﷺ برجل وامرأة من اليهود قد زنيا، فقال لليهود: "ما تصنعون بهما؟ " قالوا: نسخم وجوههما ونخزيهما، قال: "فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين" فجاؤوا بها، فقالوا لرجل ممن يرضون أعور: اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليه، قال ﷺ: "ارفع يدك" فرفع يده فإذا فيه آية الرجم، فقال: يا محمد، إن عليهما الرجم، ولكنا نكاتمه بيننا". الحديث. قوله: (وقيل: كان قوم) عطف من حيث المعنى على قوله: "طائفة"، وعلى الأول معنى
[ ٢ / ٥٤٥ ]
موسى بالطور وما أمر به ونهى، ثم قالوا: سمعنا اللَّه يقول في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس. وقرئ: كلم اللَّه، مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم ولم تبق لهم شبهة في صحته (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنهم كاذبون مفترون. والمعنى: إن كفر هؤلاء وحرّفوا فلهم سابقة في ذلك. وَإِذا لَقُوا يعنى اليهود (قالُوا): قال منافقوهم (آمَنَّا) بأنكم على الحق، وأنّ محمدا هو الرسول المبشر به (وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ): الذين لم ينافقوا إِلى بَعْضٍ الذين نافقوا قالُوا عاتبين عليهم (أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بما بين لكم في التوراة من صفة محمد. أو قال المنافقون لأعقابهم يرونهم التصلب في دينهم: (أتحدّثونهم)؛ إنكارا عليهم أن يفتحوا عليهم شيئا في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون اليهود
_________________
(١) ـ التحريف: التغيير والتبديل، وعلى الثاني: إثبات ما ليس في الكتاب وكتمان ما هو ثابت فيه كما قال في تفسير قوله: (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) [البقرة: ٤٢]. قوله: «وَإِذَا لَقُوا) يعني: اليهود) أي: جماعة اليهود، منافقيهم وغير منافقيهم، ثم خص بقوله: (قَالُوا آمَنَّا) المنافقين منهم بهذا القول، وعلم من المفهوم أن غير المنافقين كانوا ساكتين حينئذ، وإليه الإشارة بقوله: "قال منافقوهم: آمنا"، قال تعالى: (وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) [البقرة: ٧٦] يعني تلك الجماعة: المنافقين وغير المنافقين، ثم خص بقوله: (قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ) غير المنافقين منهم بهذا القول، أي: قال الذين لم ينافقوا عاتبين على الذين نافقوا: أتحدثونهم، فعلم أن المنافقين كانوا معاتبين ساكتين، ويجوز على هذا أن يراد بالمعاتبين المنافقون أنفسهم، فإنهم كانوا يعاتبون بقاياهم ينافقون المؤمنين وينافقون اليهود. قيل: قوله: "أو قال المنافقون" عطف على قوله: "قال منافقوهم"، والظاهر أنه عطف على "قالوا عاتبين"، والأوفق لتأليف النظم أن يحمل اليهود في قول المصنف: " (وَإِذَا لَقُوا)
[ ٢ / ٥٤٦ ]
(لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ): ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه،
_________________
(١) ـ يعني اليهود" على الفريق المحرفين منهم، فيكون الضمير في "لقوا" راجعًا إلى قوله تعالى: (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) [البقرة: ٧٥] لأنه قسيم لقوله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ) [البقرة: ٧٨] كما سيجيء، ولأن قولهم: (أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) لا يليق إلا بمن عقل الكتاب لا بالعامي، وينصره ما روى محيي السنة عن ابن عباس والحسن وقتادة: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا) يعني منافقي اليهود الذين آمنوا بألسنتهم، إذا لقوا المؤمنين المخلصين (قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا) رجع (بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) ككعب بن الأشرف وكعب بن أسيد ورؤساء اليهود، لاموهم على ذلك (قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ): بما قضى الله عليكم في كتابكم أن محمدًا حق وقوله صدق. الانتصاف: يوضح اختلاف الضميرين المذكورين قوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ) [البقرة: ٢٣٢]، الضمير الأول للأزواج، والثاني للأولياء لشمول الخطاب. قوله: (بما أنزل ربكم في كتابه). قيل: إن المصنف جعل (عِنْدَ رَبِّكُمْ) بدلًا من قوله: به؛ لأن ما فتح الله وما أنزل ربكم في كتابه بمعنى واحد. وقلت: بل قوله: "بما أنزل ربكم في كتابه" تفسير للآية وتلخيص معناها، فلا يكون بدلًا ولا متعلقًا بقوله: (لِيُحَاجُّوكُمْ). قال صاحب التقريب: "عند" حال من المجرور في "به"، أو
[ ٢ / ٥٤٧ ]
جعلوا محاجتهم به، وقولهم هو في كتابكم هكذا محاجة عند اللَّه. ألا تراك تقول: هو في كتاب اللَّه هكذا. وهو عند اللَّه هكذا، بمعنى واحد (يَعْلَمُ) جميع (ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ)، ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان.
[(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ* فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ)].
(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ) لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها (لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ): التوراة (إِلَّا أَمانِيَّ): إلا ما هم عليه من أمانيهم،
_________________
(١) ـ متعلق بـ "يحاجوكم" إن أريد بـ "عند ربكم" يوم القيامة. وقال القاضي: في الثاني نظر؛ لأن الإخفاء لا يدفعه. قوله: (جعلوا محاجتهم به) أي: جعل اليهود محاجة المسلمين بما فتح الله عليهم محاجة عند الله. يعني إذا قال المسلمون: "هو في كتابكم هكذا"، كأنهم قالوا: "هو عند الله كذا" وهما بمعنى واحد من حيث المؤدى لا المبالغة؛ لأن الثاني أبلغ لأنك فيه تصحح أن ما في الكتاب ثبت وصح، وأنه كلام الله ونازل من عنده، فالحكم به كالحكم بين يدي الله. وروي عن الأنباري أنه قال: (عِنْدَ رَبِّكُمْ) معناه: في حكم ربكم، كما تقول: هذا حلال عند أبي حنيفة، أي: في حكمه، والمعنى: ليكون لهم حجة عند الله في الدنيا والآخرة. قوله: «أُمِّيُّونَ) لا يحسنون الكتب)، قال الزجاج: أمي منسوب إلى ما عليه جبلة أمه، أي: لا يكتب، فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
وأن اللَّه يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أنّ النار لا تمسهم إلا أياما معدودة. وقيل: إلا أكاذيب مختلفة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد. قال أعرابى لابن دأب في شيء حدث به: أهذا شيء رويته، أم تمنيته، أم اختلقته وقيل: إلا ما يقرؤن من قوله:
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَهِ
_________________
(١) ـ قال صاحب "النهاية": وفي الحديث: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، أراد أنهم على أصل ولادة أمهم أنهم لم يتعلموا الكتابة والحساب. قوله: (وأن الله يعفو عنهم) إلى آخره: عطف تفسيري بيان لقوله: "من أمانيهم". قوله: (وقيل: إلا ما يقرؤون). فإن قلت: إلا ما يقرؤون كيف يناسب قوله: (أُمِّيُّونَ)؟ قلت: إن الأمي ربما قدر على قراءة ما، كما أنه يقدر على كتابة. وروينا عن البخاري ومسلم: أن رسول الله ﷺ يوم الصلح، أخذ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. وهذا القدر لا يقدح في التسمية بالأمي، ولهذا قال المصنف: "أميون لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها".
[ ٢ / ٥٤٩ ]
والاشتقاق من منى إذا قدّر، لأن المتمنى يقدّر في نفسه ويحزر ما يتمناه، وكذلك المختلق والقارئ يقدر أن كلمة كذا بعد كذا. و(إلا أمانىّ) من الاستثناء المنقطع. وقرئ: (أمانى) بالتخفيف. ذكر العلماء الذين عاندوا بالتحريف مع العلم والاستيقان، ثم العوامّ الذين قلدوهم، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن العالم عليه أن يعمل بعلمه، وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن وهو متمكن من العلم. (يَكْتُبُونَ الْكِتابَ) المحرّف (بِأَيْدِيهِمْ) تأكيد، وهو من محاز التأكيد، كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه: يا هذا كتبته بيمينك هذه. مِمَّا يَكْسِبُونَ من الرُّشا.
_________________
(١) ـ قوله: (من الاستثناء المنقطع). فإن قلت: لم لا يجوز أن يقدر ليعلمون مفعولًا ثانيًا، فيكون متصلًا؟ قلت: لا يجوز؛ لأن قوله: (لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ) بيان لقوله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ)، أي: أميون لا معرفة لهم بالكتاب. قوله: (العلماء الذين عاندوا) شروع في بيان نظم الآيات. يعني: أن الله تعالى أنكر على المسلمين طمعهم في إيمان اليهود بقوله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) [البقرة: ٧٥]، ثم قسمهم فرقتين بعثًا على رفع الطمع عنهم، لكونهما في الضلال سواء: الفرقة الأولى: العلماء الذين عاندوا وحرفوا مع العلم والاستيقان، وهو المراد بقوله تعالى: (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ) [البقرة: ٧٥]، والفرقة الأخرى: العوام الذين قلدوهم، وهو المراد بقوله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ) [البقرة: ٧٨]، ثم نبه على التعليل لرفع الطمع بقوله: (أَفَلا تَعْقِلُونَ). وقوله: (وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) يعني لا يطمع في أحد منهم، لأنهم في الضلال سواء، ويجوز أن يجعل الضمير في "يظنون" للفريقين، فنفى عن العلماء العلم في قوله: "أو لا يعلمون" على
[ ٢ / ٥٥٠ ]
[(وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ* بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)].
(إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً): أربعين يومًا عدد أيام عبادة العجل. وعن مجاهد: كانوا يقولون مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما. (فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ) متعلق بمحذوف تقديره: إن اتخذتم عند اللَّه عهدا فلن يخلف اللَّه عهده
_________________
(١) ـ سبيل الإنكار حيث لم يعملوا بموجبه، وعن المقلدين بقوله: (لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ)، ثم حكم أنهم في الظن المؤدي إلى الضلال سواء كقوله: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) [الأنعام: ١١٦]، وعليه ورد كلام القاضي: قد يطلق الظن بإزاء العلم على كل رأي واعتقاد من غير قاطع، وإن جزم به صاحبه، كاعتقاد المقلد والزائغ عن الحق لشبهة، فعلى هذا في الآيات جمع وتقسيم، ثم جمع: جمع الفريقين في قوله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) ثم قسمهم فريقين: علماء ومقلدين، ثم جمعهم في "يظنون". قوله: (متعلق بمحذوف تقديره: إن اتخذتم عند الله عهدًا) فاعلموا أن الله لن يخلف عهده، فالجملة الشرطية معترضة، والأصل: أأتخذتم عند الله عهدًا أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ ! ويمكن أن تكون الفاء سببية، ليكون اتخاذ العهد مرتبًا عليه عدم إخلاف الله عهده، فالمنكر إذن المجموع؛ لأنهم لما قالوا: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً) أنكر عليهم هذا القول، يعني: هذا الذي تقولونه لا يكون إلا بأن عاهدتم الله عليه، فهو لا يخلف وعده، ويؤيده إعادة "لن".
[ ٢ / ٥٥١ ]
(وأَمْ) إمّا أن تكون معادلة بمعنى أى الأمرين كائن على سبيل التقرير، لأن العلم واقع بكون أحدهما. ويجوز أن تكون منقطعة بَلى إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ) أى بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله: (هُمْ فِيها خالِدُونَ). (مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) من السيئات، يعنى كبيرة من الكبائر، (وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) تلك واستولت عليه، كما يحيط العدوّ ولم يتفص عنها بالتوبة. وقرئ: (خطاياه)،
_________________
(١) ـ قوله: (و(أَمْ) إما أن تكون معادلة بمعنى: أي الأمرين كائن)، وهي "أم" المتصلة، ومعنى الاتصال أن تكون معادلة للهمزة، وقرينة لها وتجريا مجرى "أي" فقولك: أزيد عندك أم عمرو؟ بمنزلة: أيهما عندك؟ والمنقطعة تكون بمعنى الهمزة وبل، كقولك: إنها لإبل أم شاء؟ فكأنه حين أخبر أنها لإبل، اعتراه شك، فأخذ يسأل، وأضرب عن الإخبار، فقال: بل هي شاء، فكأنه تعالى أضرب عن الإنكار السابق، واستأنف إنكارًا آخر أبلغ منه. قوله: (بكون آخرهما)، ويروى: أحدهما، والأول أصح في نسخة المعزي، و"آخرهما" هو قوله: (أَمْ تَقُولُونَ) لكون الاستفهام للتقرير، ولأن العلم تعليل للتقرير، وهذا القول كان مسموعًا منهم، وأما اتخاذهم عند الله عهدًا فلا. قوله: (ولم يتفص) أي: لم يتخلص بالتوبة. هذا مذهبه. قال القاضي: أي: الخطيئة استولت عليه وشملت جملة أحواله حتى صار كالمحاط بها لا يخلو عنها شيء من جوانبه، وهذا إنما يصح في شأن الكافر؛ لأن غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم تحط الخطيئة به، ولذلك فسرها السلف بالكفر. وتحقيق ذلك: أن من أذنب ذنبًا ولم يقلع عنه استجره إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه، حتى تستولي عليه الذنوب وتأخذ بمجامع قلبه، فيصير بطبعه مائلًا إلى المعاصي، مستحسنًا إياها، معتقدًا أن لا لذة سواها،
[ ٢ / ٥٥٢ ]
و(خطيئاته). وقيل في الإحاطة: كان ذنبه أغلب من طاعته. وسأل رجل الحسن عن الخطيئة قال: سبحان اللَّه: ألا أراك ذا لحية وما تدرى ما الخطيئة!
_________________
(١) ـ مبغضًا لمن يمنعه عنها، مكذبًا لمن ينصحه فيها، كما قال تعالى: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) [الروم: ١٠]. قلت: وما يعضد قول السلف الصالح أن الآية وردت لرد زعم اليهود بأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة وإثبات الوعيد بالخلود في النار، فجيء بها عامًا ليدخلوا فيه دخولًا أوليًا، ثم أردفت بما هي مقابلة لمعناها، وهي وصف المؤمنين، وختمت بذكر الخلود، وذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: ٨٢] وهو عطف على قوله: (مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) [البقرة: ٨١]، وغير معنى الشرطية فيها إلى الثبوت الصرف لترجيح جانب الرحمة. قال السجاوندي: تقول: من دخل داري فأكرمه، دخول الفاء يقتضي إكرام كل من دخل لكن على خطر أن لا يكرم، وفي الذي دخل مع الفاء يكرم حقيقة، فلذلك قال: (مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) و(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ … فَلَهُمْ) [البقرة: ٢٧٤] فيما لا يكون. قوله: (كان ذنبه أغلب من طاعته) هذا أيضًا مبني على مذهبه والقول بالموازنة والإحباط، وقد سبق إبطاله. قوله: (سبحان الله، ألا أراك ذا لحية)، تعجب منه ومن سؤاله، يعني: بلغت مبلغ الكمال وأنت ناقص لم تعلم ما وجب عليك تعلمه.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
انظر في المصحف فكل آية نهى فيها اللَّه عنها وأخبرك أنه من عمل بها أدخله النار فهي الخطيئة المحيطة.
[(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) ٨٣].
_________________
(١) ـ قوله: (فهي الخطيئة المحيطة)، الضمير راجع إلى ما يرجع الضمير في "عنها" غليها، وهي الخطيئة المقيدة، والضمير في "أنه" للشأن. والخطيئة والسيئة متقاربتان، غلا أن الخطيئة أكثر ما تستعمل فيما لا يكون مقصودًا إليه في نفسه، بل يكون القصد إلى شيء آخر لكن تولد منه ذلك الفعل، كمن يرمي صيدًا فأصاب إنسانًا، أو شرب مسكرًا فجنى جناية، وفي "الأساس": أخطأ في المسألة وفي الرأي، وخطئ خطأ عظيمًا؛ إذا تعمد الذنب، ويقال: لأن تخطئ في العلم خير من أن تخطئ في الدين، وقيل: هما واحد. الراغب: الخطيئة والسيئة يتقاربان، لكن الخطيئة أكثر ما تقال فيما لا يكون مقصودًا إليه في نفسه، بل يكون القصد سببًا لتولد ذلك الفعل كمن يرمي صيدًا وأصاب إنسانًا، أو شرب مسكرًا فجنى في سكره جناية. ثم السبب سببان: سبب محظور كشرب المسكر وما يتولد من الخطأ عنه غير متجاف عنه، قال تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) [الأحزاب: ٥]. فالخطيئة هنا هي التي لا تكون عن قصد إلى فعله، وقوله تعالى: (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) [البقرة: ٥٨] فهي المقصود إليها. والخاطئ هو القاصد للذنب وعلى قوله تعالى: (لا يَاكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ) [الحاقة: ٣٧]، وقد سمى الذنب خاطئة في قوله تعالى: (وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ) [الحاقة: ٩] أي: الذنب العظيم، نحو قولهم: شعر شاعر.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
(لا تَعْبُدُونَ): إخبار في معنى النهى، كما تقول: تذهب إلى فلان تقول له كذا، تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهى، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه وتنصره قراءة عبد اللَّه وأبىّ (لا تعبدوا) ولا بدّ من إرادة القول، ويدل عليه أيضًا قوله: (وَقُولُوا).
وقوله (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا) إما أن يقدّر: وتحسنون بالوالدين إحسانا. أو وأحسنوا. وقيل: هو جواب قوله: (أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) إجراء له مجرى القسم، كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون. وقيل: معناه أن لا تعبدوا، فلما حذفت «أن» رفع، كقوله:
_________________
(١) ـ قوله: (ويدل عليه أيضًا) أي: على أن الإخبار في معنى النهي، عطف قوله: "قولوا" عليه وهو أمر؛ لأن المناسب أن يعطف إنشائي على إنشائي أو ما في معناه. قوله: (وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون)، قال أبو البقاء: في إعراب (لا تَعْبُدُونَ) وجوه: أحدها: أنه جواب قسم دل عليه المعنى، أي: أحلفناهم أو قلنا لهم: بالله لا تعبدون، وثانيها: أن مراده أي: أخذنا ميثاق بني إسرائيل على أن لا تعبدوا إلا الله، فحذف حرف الجر ثم حذف "أن" فارتفع الفعل، وثالثها: نصب على الحال، أي: أخذنا ميثاقهم موحدين، وهي حال مصاحبة ومقدرة لأنهم كانوا وقت أخذ ميثاقهم موحدين، والتزموا الدوام على التوحيد، ولو جعلتها حالًا مصاحبة فقط- على أن يكون التقدير: أخذنا ميثاقهم ملتزمين الإقامة على التوحيد- جاز، ولو جعلتها حالًا مقدرة- على أن يكون التقدير: أخذنا ميثاقهم مقدرين التوحيد أبدًا ما عاشوا- جاز، ورابعها: لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
أَلَا أَيُّهذَا الزّاجِري أَحْضُرَ الوَغَى
ويدل عليه قراءة عبد اللَّه (أن لا تعبدوا)، ويحتمل (أن لا تعبدوا) أن تكون «إن» فيه مفسرة، وأن تكون أن مع الفعل بدلًا عن الميثاق، كأنه قيل: أخذنا ميثاق بنى إسرائيل توحيدهم وقرئ بالتاء حكاية لما خوطبوا به،
_________________
(١) ـ قوله: (ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى). قائله طرفة، وتمامه: وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي الوغى: الصوت. ومنه قيل للحرب: الوغى. والتقدير: أن أحضر الوغى، فلما حذف "أن" حذف أثره. يقولك أيها اللائمي على حضور الحرب وشهود اللذات هل تخلدني إن كففت عنهما؟ الوغى: يكتب بالياء؛ لأن الألف يؤذن أنه مقلوب عن الواو، وليس في الأسماء اسم أوله واو وآخره واو إلا الواو. قولهك (وأن تكون أن مع الفعل بدلًا عن الميثاق)، و"أن" على هذا: ناصبة، فتجعل الجملة كما هي عبارة عن معنى التوحيد؛ لأن معنى قوله: "ألا تعبدوا إلا الله" التوحيد، وهذا البدل ليس في حكم المنحى لقوله: "ميثاق بني إسرائيل توحيدهم". قوله: (وقرئ بالتاء)، قرأها ابن عامر، وأبو عمرو، ونافع، وعاصم، وابن كثير، وقرأ حمزة والكسائي بالياء؛ لأن بني إسرائيل اسم ظاهر، والأسماء الظاهرة كلها غيب.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
وبالياء لأنهم غيب. (حُسْنًا) قولًا هو حسن في نفسه؛ لإفراط حسنه. وقرئ (حسنا). و(حسنى) على المصدر كبشرى. (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) على طريقه الالتفات أى توليتم عن الميثاق ورفضتموه، (إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ):
_________________
(١) ـ قوله: (هو حسن في نفسه لإفراط حسنه) يريد أن "حسنا" مصدر وصف به للمبالغة نحو: رجل عدل. قال الواحدي: الحسن لغة في الحسن كالرَّشَدِ والرُّشد. قوله: (وقرئ حسنًا)، قرأ حمزة والكسائي "حسنًا" بالفتح، والباقون: بالضم، وأما "حسنى" فشاذة. قوله: (وحسنى على المصدر كبشرى) كأنه رد لقول الزجاج؛ لأنه قال: أما حسنى فخطأ لا ينبغي أن يقرأ به، ونحو باب الأفعل والفعلى لا يستعمل إلا بالألف واللام كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) [الأنبياء: ١٠١]. قال القاضي: والمراد بقوله: (حُسْنًا): ما فيه تخلق وإرشاد؛ لأن المتكلم إما أن يتكلم من جهة نفسه فينبغي أن لا يصدر منه إلا ما يدخل تحت مكارم الأخلاق، وإما من جهة مخاطبه فكذا ينبغي أن لا يتكلم إلا بما يرشده إلى طريق الحق والصراط المستقيم. قوله: «ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) على طريقة الالتفات)، وهو من الغيبة في قوله: (أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) إلى الخطاب، والفائدة التأنيب والتوبيخ، استحضرهم فوبخهم.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
قيل: هم الذين أسلموا منهم (وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ): وأنتم قومٌ عادتكم الإعراض عن المواثيق، والتولية.
_________________
(١) ـ قوله: (قيل: هم الذين أسلموا منهم). قال القاضي: لعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد الرسول ﷺ ومن قبلهم على التغليب. وقلت: فالأوفق أن يقال: إن أصل الكلام: "ثم تولوا وهم معرضون"، لقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، أي: اذكر وقت أخذنا ميثاق بني إسرائيل، وتوليهم وإعراضهم عن ذلك، فعدل إلى خطاب الموجودين منهم تغليبًا، وإشعارًا بأن التولي الذي حصل منهم في عهد النبي ﷺ ليس ببدع منهم؛ لأنه دأبهم ودأب أسلافهم، فلا يكون في الكلام التفات، ولا يصح أن يكون حالًا كما في قوله: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: ٩٢]. قوله: (وأنتم قوم عادتكم الإعراض)، يشير إلى أنه من الاعتراض والتذييل كما سيجيء في قوله: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: ٩٢]. وقيل: لا يجوز أن تكون الواو للحال، لأن التولي والإعراض واحد. ورد بما روى صاحب "التخمير" عن أبي علي: الحال مؤكدة في قوله تعالى: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥] لأن في "وليتم" دلالة على أنهم مدبرون. الراغب: (وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) حال مؤكدة إذا جعلا شيئًا واحدًا، وقيل: إن التولي والإعراض مثل مأخوذ من سلوك الطريق. وإذا اعتبرنا حال سالك المنهج في تركه سلوكًا، فله حالتان: إحداهما: أن يرجع عوده على بدئه، وذلك هو التولي، والثانية: أن يترك المنهج ويأخذ في عرض الطريق، والمتولي أقرب أمرًا من المعرض، لأنه متى ندم على رجوعه سهل
[ ٢ / ٥٥٨ ]
[(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ* ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَاتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ)].
(لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ): لا يفعل ذلك بعضكم ببعض. جعل غير الرجل نفسه. إذا اتصل به أصلا أو دينا. وقيل: إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه، لأنه يقتص منه (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ) بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) عليها،
_________________
(١) ـ عليه العود إلى سلوك المنهج، والمعرض- من حيث ترك المنهج وأخذ في عرض الطريق- يحتاج إلى طلب منهجه، فيعسر عليه العود إليه، وهذا غاية الذم؛ لأنهم جمعوا بين العود عن السلوك، والإعراض عن المسلك. وقيل: إن التولي قد يكون لحاجة تدعو إلى الانصراف مع ثبوت العقد، والإعراض هو الانصراف عن الشيء بالقلب. قوله: (جعل غير الرجل نفسه) أي: جعل غير الرجل إذا اتصل به من جهة الأصل أو الدين بمنزلة نفسه، ثم نسب إلى نفسه ما كان منسوبًا إلى الغير، فهو من باب المجاز بأدنى ملابسة، وقوله: "إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه" من باب إطلاق المسبب على السبب.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
كقولك: فلان مقرّ على نفسه بكذا شاهد عليها. وقيل: وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ): استبعاد لما أسند اليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم. والمعنى ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون، يعنى أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرّين؛
_________________
(١) ـ قوله: (كقولك: فلان مقر على نفسه [بكذا] شاهد عليها). قال القاضي: (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) [البقرة: ٨٤] توكيد، كقولك: أقر فلان شاهدًا على نفسه. وقلت: إنه لما قال: أقر فلان، احتمل أنه تكلم بما يلزم منه الإقرار، فأزيل الاحتمال بقوله: شاهدًا على نفسه، أي: أقر إقرارًا يشبه شهادة من يشهد على غيره بإثبات البينة له. قوله: (وقيل: وأنتم تشهدون) يعني: وأنتم تشهدون: إما جار على الالتفات السابق على رأي المصنف، والخطاب مع الحاضرين فحسب، وعلى رأي القاضي: هو جار على سنن الخطاب السابق مع اليهود الحاضرين لحضرة الرسالة على التغليب، لكن أخذ الميثاق والإقرار والشهادة من أسلافهم، فخوطبوا به، لكونهم أولادهم، ويجوز أن يخص قوله: (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) وحده بالحاضرين، وعلى الأول يجوز أن يكون (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) حالًا على سبيل التتميم، وعلى هذا عطف جملة على جملة للإلزام والتبكيت. قوله: (ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء). "ثم" للاستبعاد. يعني: أيها الحاضرون أنتم بعد أخذ الميثاق عليكم، وإقراركم به، وشهادتكم عليه، هؤلاء الناقضون. وكان من حق الظاهر: (ثُمَّ أَنْتُمْ) بعد ذلك التوكيد في الميثاق نقضتم العهد، فتقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، أي: صفتكم الآن غير الصفة التي كنتم عليها، فأدخل "هؤلاء" وأوقع خبرًا لـ "أنتم" وجعل قوله: (تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٨٥] جملة مبينة مستقلة لتفيد أن الذي تغير هو الذات نفسها، نعيًا عليهم بشدة وكادة أخذ الميثاق، ثم تساهلهم فيه وقلة المبالاة به.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
تنزيلًا، لتغير الصفة منزلة تغير الذات، كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به. وقوله (تَقْتُلُونَ) بيان لقوله (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ)، وقيل: هؤلاء موصول بمعنى الذين. وقرئ: (تظاهرون) بحذف التاء وإدغامها، و(تتظاهرون) بإثباتها،
_________________
(١) ـ قوله: (رجعت بغير الوجه الذي خرجت به)، يعني: ما أنت بالذي كنت من قبل، وكأنك أذهب بك، وجيء بغيرك، وفي الحديث: "دخل بوجه غادر، وخرج بوجه كافر". قوله: «تَقْتُلُونَ) بيان)، كأنه لما قيل: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء) قالوا: كيف نحن؟ فجيء بقوله: (تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ) تفسيرًا له. قوله: (وقيل: (هَؤُلاء) موصول بمعنى: الذين). قال أبو البقاء: ويضعف أن يكون (هَؤُلاء) خبرًا بمعنى "الذين" و(تَقْتُلُونَ) صفته؛ لأن مذهب البصريين أن "هؤلاء" لا يكون بمنزلة "الذين"، وأجازه الكوفيون. قوله: (وقرئ: (تَظَاهَرُونَ» بحذف التاء وتخفيف الظاء: قرأها عاصم وحمزة والكسائي، و"تظاهرون" بإدغام التاء: الباقون، و"تتظاهرون" و"تظهرون": شاذتان. قال القاضي: "تظاهرون": حال من فاعل "تخرجون"، أو من مفعوله، أو كليهما، والتظاهر: التعاون، من الظهر.
[ ٢ / ٥٦١ ]
و(تظهرون) بمعنى: تتظهرون، أي: تتعاونون عليهم. وقرئ: (تفدوهم)، و(تفادوهم)، و(أسرى)، و(أسارى).
(وَهُوَ): ضمير الشأن، ويجوز أن يكون مبهما تفسيره (إِخْراجُهُمْ)، (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ) أي: بالفداء (وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) أي: بالقتال والإجلاء. وذلك أنّ قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضير كانوا خلفاء الخزرج، …
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "تفدوهم" و(تُفَادُوهُمْ»، والثانية قراءة نافع وعاصم والكسائي، والأولى قراءة الباقين. و"أسرى" لحمزة وحده، و(أُسَارَى) للباقين. قوله: (ويجوز أن يكون مبهمًا، تفسيره: (إِخْرَاجُهُمْ» كما في قوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) [المؤمنون: ٣٧] هذا الضمير مبهم لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه من بيانه، كما تقول: هي العرب تقول ما شاءت. قال أبو البقاء: يجوز أن يكون هو ضمير الإخراج المدلول عليه بقوله: (وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ) [البقرة: ٨٥] ويكون: "محرم" الخبر، وإخراجهم: بدل من الضمير في "محرم"، أو من هو"، وأن يكون هو ضمير الشأن، و"محرم": خبره، وإخراجهم: مرفوع بـ "محرم"، ويجوز أن يكون إخراجهم مبتدأ، و"محرم" خبر مقدم، والجملة خبر "هو". قوله: (وذلك أن قريظة كانوا حلفاء)، اعلم أن الذين كانوا نازلين بيثرب فرقتان: اليهود وهما قبيلتان: بنو قريظة والنضير، والمشركون وهما أيضًا قبيلتان: الأوس والخزرج، وكان
[ ٢ / ٥٦٢ ]
فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه. فعيرتهم العرب وقالت كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم، فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، ولكنا نستحيى أن نذل حلفاءنا.
والخزي: قتل بنى قريظة وأسرهم وإجلاء بنى النضير. وقيل الجزية. وإنما ردّ من فعل منهم ذلك إلى أشد العذاب، لأن عصيانه أشدّ. وقرئ: (تردّون) و(تعملون) - بالياء والتاء - (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ) عذاب الدنيا بنقصان الجزية، ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم. وكذلك عذاب الآخرة.
[(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا
_________________
(١) ـ بينهم- أي: بين الأوس والخزرج- ثارات ومناصبات، فاستحلف الأوس قريظة، والخزرج النضير لنصرتهم على صاحبهم، ولم يكن بين اليهود مخالفة ولا قتال، وإنما كانوا يقاتلون لأجل حلفائهم. قوله: (وإذا أسر رجل من الفريقين) أي: من بني قريظة والنضير، "جمعوا" أي: كلا الفريقين "حتى يفدوه" من المشركين. قوله: (فيقولون: أمرنا أن نفديهم). روى محيي السنة عن السدي: أن الله أخذ على بني إسرائيل في "التوراة": أن لا يقتل بعضهم بعضًا، ولا يخرج بعضهم بعضًا من ديارهم، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه. قوله: (و(تَعْمَلُونَ»، بالياء: نافع وابن كثير وأبو بكر، وبالتاء الفوقانية: الباقون.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ* وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ* وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ)].
(الْكِتابَ): التوراة آتاه إياها جملة واحدة. ويقال: قفاه إذا أتبعه من القفا. نحو ذنبه، من الذنب. وقفاه به: أتبعه إياه، يعنى: وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل، كقوله تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا) [المؤمنون: ٤٤] وهم: يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيًا وأرميًا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم. وقيل (عِيسَى) بالسريانية أيشوع. و(مَرْيَمَ) بمعنى الخادم. وقيل: المريم بالعربية من النساء، كالزير من الرجال. وبه فسر قول رؤبة:
قُلْتُ لِزَيْرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ
_________________
(١) ـ قوله: (وأشمويل)، قيل: هو تعريب إسماعيل، وليس به؛ لأن قوله: (وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ) [البقرة: ٨٧] يأباه، اللهم إلا أن يراد أن هذا غير إسماعيل الذي هو ابن إبراهيم ﵉، وهو بعيد أيضًا، لأن أشمويل هذا على ما أورده أبو عبد الله محمد الكسائي في كتاب "المبتدأ": أشمويل بن يام بن حام من ولد هارون ﵇، وذكره الله تعالى في قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة: ٢٤٦] والنبي أشمويل، وقال لهم: (هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا) [البقرة: ٢٤٦]. قوله: (قلت لزير لم تصله مريمه)، بعده: ضليل أهواء الصبا تندمه
[ ٢ / ٥٦٤ ]
ووزن «مريم» عند النحويين «مفعل» لأن فعيلا بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو عثير وعليب. (الْبَيِّناتِ): المعجزات الواضحات والحجج، كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات.
وقرئ: وآيدناه. ومنه: آجده بالجيم إذا قوّاه. يقال:
_________________
(١) ـ القصيدة قالها رؤبة في أبي جعفر الدوانيقي. قال الجوهري: الزير من الرجال: الذي يحب محادثة النساء ومجالستهن. ومريم: مفعل بفتح الميم وسكون الراء من رامه يريمه ريمًا، أي: برحه وفارقه. ومن ثم قيل: مريم للمرأة التي تكثر زيارة الرجال، كأنها سميت بذلك تمليحًا كما يقال: كافور للأسود. وقال أبو البقاء: ومريم: علم أعجمي، ولو كان مشتقًا من رام يريم، كان مريمًا بفتح الميم وسكون الياء، وقد جاء في الأعلام بفتح الياء نحو مزيد، وهو على خلاف القياس. والضليل بتشديد اللام: مبالغة في الضلال، والتندم بمعنى: الندم، واللام في "لزير" بمعنى لأجل، نحو قوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا) [مريم: ٧٣] وضليل: مجرور صفة لزير، وفاعله تندمه على الإسناد المجازي على نحو: نهاره صائم. قوله: (نحو: عثير)، العثير: هو الغبار، ولا تفتح العين فيه، و"عليب": اسم واد لم يجيء على فعيل بضم الفاء وسكون العين غيره. ويجوز فيه الصرف ومنعه. قوله: (آجده، بالجيم: إذا قواه)، الأيد والآد: القوة، تقول منه: آيدته على أفعلته، وتقول من الأيد: أيده تأييدًا، أي: قواه.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
الحمد للَّه الذي آجدني بعد ضعف، وأوجدني بعد فقر. (بِرُوحِ الْقُدُسِ): بالروح المقدّسة، كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق. ووصفها بالقدس كما قال: (وَرُوحٌ مِنْهُ) فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة. وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب، ولا أرحام الطوامث. وقيل بجبريل. وقيل بالإنجيل كما قال في القرآن: (رُوحًا مِنْ أَمْرِنا) [الشورى: ٥٢]. وقيل: باسم اللَّه الأعظم الذي كان يحيى الموتى بذكره. والمعنى: ولقد آتينا يا بنى إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم َفَكُلَّما جاءَكُمْ
_________________
(١) ـ الجوهري: ناقة أجد: إذا كانت قوية موثقة الخلق، وآجدها الله، وهي موجدة القرا، أي: موثقة الظهر. قوله: (كما تقول: حاتم الجود)، والأصل حاتم الجواد، ثم حاتم الجود. فهو من باب إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة في الاختصاص، ففي الصفة القدس منسوب إليها، أي: روح مقدسة، وفي الإضافة بالعكس، نحو: مال زيد. قال المصنف في قوله: (عَذَابَ الْخِزْيِ) [فصلت: ١٦]: أضاف العذاب إلى الخزي على أنه وصف للعذاب كما تقول: فعل السوء، تريد الفعل السيئ. قوله: (كما قال: (وَرُوحٌ مِنْهُ) [النساء: ١٧١])، التشبيه واقع للمبالغة في الكرامة، أي: فوصفها بالقدس للكرامة، كما وصفه بالاختصاص للكرامة. الفاء في قوله: "فوصفه" تفسيرية، لأنه لا يجوز تشبيه الوصف بالقول ففسره بالوصف ليصح. قوله: (وقيل: لأنه لم تضمه) عطف من حيث المعنى على قوله: "ووصفها بالقدس"، أي: وصف روح عيسى بالقدس، لمطلق طهارته وبراءته عن الرذائل، وقيل: "لأنه لم تضمه الأصلاب".
[ ٢ / ٥٦٦ ]
رَسُولٌ منهم بالحق (اسْتَكْبَرْتُمْ) عن الإيمان به، فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم. ويجوز أن يريد: ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم. ثم وبخهم على ذلك. ودخول الفاء لعطفه على المقدّر. فإن قلت: هلا قيل وفريقا قتلتم؟ . قلت: هو على وجهين: أن تراد الحال الماضية، لأنّ الأمر فظيع
_________________
(١) ـ قوله: (فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ)، يعني: قوله تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ) مسبب عن قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) [البقرة: ٨٧]، ولهذا دخلت "الفاء" عليه على تقدير: نحن أنعمنا عليكم ببعثة موسى، وإيتائه الكتاب، ثم أتبعناه الرسل، وبإيتاء عيسى البينات، لتشكروا تلك النعم بالتلقي بالقبول، فعكستم بأن كذبتم فريقًا، وقصدتم قتل آخرين على نحو: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢]، ثم أدخل بين المسبب والسبب همزة التوبيخ والتعجيب لتعكيسهم فيما يجب عليهم. واعلم أن إدخال الهمزة في أثناء الكلام خلاف الأصل؛ لأن رتبتها صدر الكلام، لكنهم قد يقحمونها للتأكيد، قال أبو البقاء: دخلت "الفاء" ها هنا لتربط ما بعدها بما قبلها، والهمزة للتوبيخ. وقال الزجاج: الألف في قوله: "أفأنت" في قوله تعالى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) [الزمر: ١٩] جاءت مؤكدة معادة لما طال الكلام؛ لأنه لا يصلح أن تأتي بألف الاستفهام في الاسم وألف أخرى في الخبر. واعلم أن هذا أصل في العربية وقانون يرجع إليه سيما في هذا "الكتاب"، فإنه قد يكرر فيه هذا المعنى مرارًا. قوله: (ويجوز أن يريد: ولقد آتيناهم) فعلى هذا ما عقبوا الإتيان محذوف وهو قوله:
[ ٢ / ٥٦٧ ]
فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب، وأن يراد: وفريقًا تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد ﷺ لولا أنى أعصمه منكم. ولذلك سحرتموه،
_________________
(١) ـ "ففعلتم ما فعلتم" فهو كناية عن عين التكذيب والقتل وغير ذلك من قبائحهم وعنادهم. ثم استأنف الكلام موبخًا لهم على ذلك، مصدرًا الجملة بهمزة الإنكار قائلًا: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ) على تقدير: أكفرتم وخالفتم، فكلما جاءكم رسول. وهو المراد بقوله: "الفاء لعطفه على المقدر" وهو كفرتم. هذا تقدير صاحب "المفتاح". فالهمزة على الوجه الأول مقحمة، وعلى الثاني: لا. وتلخيصه: أن "الفاء" في قوله: "أفكلما" إما سببية أو عاطفة، فإذا كانت سببية يكون ما بعدها مسببًا عما قبلها على سبيل التعكيس، فلا يجب تقدير مسبب آخر، فتكون الهمزة مقحمة بين السبب والمسبب، وإذا كانت عاطفة فيجب تقدير مسبب عن الإيتاء قبل الهمزة، وتقدير المعطوف عليه بعدها، والوجه هو الأخير لما يحصل منه تنبيه التقريع والتوبيخ إجمالًا وتفصيلًا. وقيل: المقدر "ففعلتم ما فعلتم". وليس بذلك، ويدفعه "ثم" في قوله: "ثم وبخهم" لأنه يستدعي إنشاء كلام متراخ في المرتبة، والفاء العاطفة تنافيه، ولأن المشار إليه بقوله: "على ذلك" هو "فعلتم ما فعلتم". قال القاضي: الفاء في قوله: (فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ) للسببية أو التفصيل، يعني لقوله: (اسْتَكْبَرْتُمْ)، بمعنى: أنفتم أو تعظمتم من أن تكونوا أتباعًا، لأنهم كانوا متبوعين فآثروا الدنيا على الآخرة أيضًا.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
وسممتم له الشاة. وقال ﷺ عند موته «ما زالت أُكلة خيبر تعادّنى، فهذا أوان قطعت أبهرى» (غُلْفٌ): جمع أغلف،
_________________
(١) ـ قوله: (ما زالت أكلة خيبر تعادني) روينا عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم" أخرجه البخاري، وليس في الرواية "تعادني". وفي "النهاية": تعادني وتعاودني، أي: يراجعني أثر سمها في أوقات معدودة. الجوهري: العداد: اهتياج وجع اللديغ؛ وذلك إذا تمت له سنة مذ يوم لدغ اهتاج به الألم، يقال: عادته اللسعة إذا أتته لعداد، قال الشاعر: ألاقي من تذكر آل ليلى … كما يلقى السليم من العداد النهاية: الأبهر: عرق مستبطن القلب، فإذا انقطع لم تبق معه حياة، وقيل: هو عرق منشؤه من الرأس، ويمتد إلى القدم، وله شرايين تتصل بأكثر الأطراف والبدن، فالذي في الرأس منه يسمى النأمة، ويمتد إلى الحلق، فيسمى الوريد، وإلى الصدر، فيسمى الأبهر، وإلى الظهر، فيسمى الوتين، والفؤاد معلق به، وإلى الفخذ، فيسمى النسا، وإلى الساق فيسمى الصافن. وكان من حديث الشاة المسمومة على ما روينا عن أبي هريرة، أنه قال: لما فتحت خيبر، أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ: "إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم: "من أبوكم؟ " قالوا: فلان، قال: "كذبتم بل
[ ٢ / ٥٦٩ ]
أي: هي خلقة وجبلة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد ﷺ ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن، كقولهم: (قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) [فصلت: ٥]، ثم ردّ اللَّه أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، بأن اللَّه لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر الزائغ عن الفطرة وتسببوا بذلك لمنع الألطاف التي تكون
_________________
(١) ـ أبوكم فلان"، قالوا: صدقت وبررت، قال: "فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كما عرفته في أبينا، وساق الحديث إلى أن قال: "هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟ " قالوا: نعم. قال: "فما حملكم على ذلك؟ " قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت صادقًا لم يضرك" رويناه في "صحيح البخاري". قوله: (أي: هي خلقة وجبلة مغشاة) مغشاةٌ: خبر "هي"، و"خلقة" و"جبلة" منصوبتان: إما تمييزًا أو حالًا أو ظرفًا. قوله: (فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا) إلى آخره فيه إشعار بادعاء التخصيص على ما يقتضيه مذهبه، يعني هم الذين تسببوا بأن غلفوا قلوبهم، لا أنها مخلوقة لله، يدل عليه ادعاؤهم أن قلوبهم مجبولة على الكفر. ورد الله قولهم بقوله: (بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) [البقرة: ٨٨]. فقوله: "لعنهم الله" على هذا وضع موضع: غلف الله. والجواب ما ذكره صاحب "الانتصاف": إنما كذبهم في ادعائهم عدم الاستطاعة والتمكن، وإنما هم اختاروا الكفر على الإيمان، فوقع اختيارهم مقارنًا بخلق الله إياه في قلوبهم بعد ما أنشأهم على الفطرة إقامة للحجة عليهم.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
للمتوقع إيمانهم وللمؤمنين. (فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ): فإيمانًا قليلًا يؤمنون، و"ما" مزيدةٌ، وهو إيمانهم ببعض الكتاب. ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم
_________________
(١) ـ وقلت: في قوله: (بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) ترق إلى الأغلظ، ورد لقولهم مما ادعوه أبلغ رد، كأنهم قالوا: نحن من الذين ختم الله على قلوبهم، فردوا: بل أنتم مطرودون، وأكفر منهم حيث جعلتم ما هو سبب للإيمان سببًا للكفر قديمًا كما قال: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ) [البقرة: ٨٧] وحديثًا حيث جاءكم كتاب من عند الله مصدق لما معكم، ورسول كنتم تستفتحون بقدومه على الكفار، فكذبتم بالكتاب وكفرتم بالرسول، فلذلك كرر اللعنة، وجعله تتميمًا للآية بقوله: (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) وعقبه بقوله: (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) [البقرة: ٩٠]. قوله: (و"ما" مزيدة) قال أبو البقاء: "ما" مزيدة و"قليلًا" صفة مصدر محذوف أي: فإيمانًا قليلًا ما يؤمنون، وقيل: صفة لظرف، أي: فزمانًا قليلًا يؤمنون، ولا يجوز أن تكون "ما" مصدرية لأن "قليلًا" لا يبقى له ناصب. وقيل: نافية، وفيه ضعف لتقدم معمول "ما" في حيز "ما" النافية عليها. قوله: (بمعنى العدم)، النهاية: هذا اللفظ يستعمل في نفي أصل الشيء كما جاء في الحديث: "أنه كان يقل اللغو" أي: لا يلغو أصلًا. ومنه قول الحماسي: قليل التشكي أي: عديمه.
[ ٢ / ٥٧١ ]
وقيل: (غُلْفُ) تخفيف "غُلف" جمع "غِلاف"، أى قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره. وروى عن أبى عمرو: قلوبنا غلف، بضمتين.
(كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) هو القرآن (مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ) من كتابهم لا يخالفه. وقرئ: (مصدّقا) على الحال. فإن قلت: كيف جاز نصبها عن النكرة؟ قلت: إذا وصف النكرة تخصص فصح انتصاب الحال عنه، وقد وُصِفَ «كِتَابٌ» بقوله «من عند اللَّه». وجواب "لما" محذوفٌ؛ وهو نحو: كذبوا به، واستهانوا بمجيئه، وما أشبه ذلك يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا يستنصرون على المشركين،
_________________
(١) ـ قوله: (وروي عن أبي عمرو: "قلوبنا غلف" بضمتين) وهي شاذة وإن نسبت إلى الإمام. قوله: (وجواب "لما" محذوف، وهو نحو: كذبوا به واستهانوا بمجيئه وما أشبه ذلك) يعني حذف الجواب ليدل على الإبهام والشيوع. نقل الإمام عن المبرد: أن "لما" الثانية تكرار لطول الكلام، والجواب: كفروا به، كقوله تعالى: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) [المؤمنون: ٣٥] كرر أنكم، والجواب الجملة الشرطية، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. وقال أبو البقاء: هذا ضعيف، لأن "لما" لا تجاب بالفاء، إلا أن يذهبوا به مذهب الأخفش في أن الفاء زائدة.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
إذا قاتلوهم قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة، ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبىّ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم: وقيل معنى (يَسْتَفْتِحُونَ): يفتحون عليهم ويعرفونهم أنّ نبيا يبعث منهم قد قرب أوانه
_________________
(١) ـ وقلت: والمعنى أيضًا لا يساعد عليه؛ لأن الشرط كلام في شأن الكتاب، والجزاء في شان الرسول، فلا يتطابق الشرط والجزاء. فإن قلت: نظيره قوله تعالى بعد هذا: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ) [البقرة: ١٠١] لأن نبذ الكتاب هو الجزاء، وهو كلام في الكتاب، والشرط كلام في الرسول. قلت: الفرق ظاهر، لأن ذكر الرسول فيما نحن بصدده وهو قوله: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) تابع لذكر الكتاب، وقيد للفعل، وتتميم للمعنى، فلا يصح أن يمحض الجزاء بذكر الرسول، بخلافه في تلك الآية، فإن ذكر الرسول كالتمهيد لذكر الكتاب، فلذلك استقام "نبذ فريق" أن يكون جزاء، وأما المعنى الذي عليه كلام المصنف. فإن قوله: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ) جملة حالية مقررة لجهة الإشكال، "وقد" مقدرة، أي: انظروا إلى عناد هؤلاء، فإنهم لما جاء الكتاب المصدق لما معهم، والحال أنهم كانوا من قبل يستنصرون على الكفار بمن أنزل عليه الكتاب، كذبوا به واستهانوا، وقوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) [البقرة: ٨٩] جملة معطوفة على الجملة الأولى بعد تمامها، لتدل الأولى على سوء معاملتهم مع الكتاب الذي هو مصدق لما معهم، والثانية مع الرسول الذي كانوا يستفتحون به ويعرفونه حق معرفته. قوله: (أظل زمان نبي)، الجوهري: هو من قولك: أظلك فلان، إذا دنا منك كأنه ألقى عليك ظله، ثم قيل: أظلك أمر وأظلك شهر كذا.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
والسين للمبالغة، أى يسألون أنفسهم الفتح عليهم، كالسين في استعجب واستسخر، أو يسأل بعضهم بعضا أن يفتح عليهم (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا) من الحق (كَفَرُوا بِهِ) بغيًا وحسدًا وحرصًا على الرياسة. (عَلَى الْكافِرِينَ) أى عليهم وضعا للظاهر موضع المضمر؛
_________________
(١) ـ وقوله: (يَسْتَفْتِحُونَ) معناه: يستعملون خبره من الناس، وقيل: يطلبون من الله تعالى بذكره الظفر، وقيل: كانوا يقولون: إنا ننصر بمحمد صلوات الله عليه على عبدة الأوثان. قوله: (والسين للمبالغة) أي: هو من باب التجريد، جردوا من أنفسهم أشخاصًا، وسألوهم الفتح. المعنى: يا نفس عرفي الكافرين أن نبيًا يبعث إليهم وهو المراد بقوله: "أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم"، ومنه قولهم: مر مستعجلًا. أي: مر طالبًا للاستعجال من نفسك مكلفًا إياها التعجيل. قوله: (أو يسأل بعضهم بعضًا أن يفتح عليهم) يعني أن أهل الكتاب كان يقول بعضهم لبعض: انصرني على الكافرين نقاتل مع النبي المبعوث. هذا مثل الوجه الأول في أن السين مجرى على الحقيقة. وفي أن الفتح مضمن معنى النصرة بواسطة "على"، والوجه الثاني من قولهم: فتح عليه كذا، إذا أعلمه ووقفه عليه، كقولهم: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم. ويجوز أن يراد: أو يسأل بعضهم بعضًا أن يعلموا الكفار أن نبيًا يبعث. الراغب: الاستفتاح: طلب الفتح، والفتح ضربان: فتح إلهي، وهو النصرة بالوصول إلى العلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب والمقامات المحمودة، وفتح دنيوي، وهو النصرة في الوصول إلى اللذات البدنية.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
للدلالة على أنّ اللعنة لحقتهم لكفرهم. واللام للعهد. ويجوز أن تكون للجنس ويدخلوا فيه دخولا أوّليا.
[(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ* وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ٩٠ - ٩١].
_________________
(١) ـ قوله: (دخولًا أوليًا) أي: قصديًا؛ لأن لفظ الكافرين يعم اليهود وغيرهم من سائر المشركين، لكن اليهود داخلون في هذا العام دخولًا قصديًا؛ لأن الكلام سيق بالأصالة فيهم، وهو من الكناية؛ لأن اللعنة إذا شملت الكافرين أجمع- وهؤلاء منهم-، فيلزم أن تلحقهم على البت والقطع، وهو أقوى مما إذا قيل: فلعنة الله عليهم. فإن قلت: قولك: هو من الكناية ينافي تقريرك وهو أن اللعنة إذا شملت الكافرين إلى آخره لما تقرر أن الكناية هي الانتقال من لازم الشيء إلى ملزومه. قلت: لا منافاة؛ لأن هذه الكناية تسمى إيمائية، وإنما يصار إليها إذا كان الموصوف مبالغًا في ذلك الوصف، ومنهمكًا فيه، حيث إذا ذكر خطر ذلك الوصف بالبال نحو قولهم لمن يقتني رذيلة من الرذائل ويصر عليها: أنا إذا نظرتك خطر ببالي سبابك وسباب كل من هو بصددك وأبناء جنسك. فاليهود لما بالغوا في الكفر والعناد وكتمان أمر رسول الله ﷺ ونعى الله عليهم ذلك، صار الكفر كأنه صفة غير مفارقة لذكرهم، فكان هذا الكلام لازمًا لذكرهم ورديفه وأنهم أولى الناس دخولًا فيه، لكونهم تسببوا لاستجلاب هذا القول في غيرهم، وبذلوا أنفسهم فيه، وأنشد صاحب "المفتاح" في المعنى:
[ ٢ / ٥٧٥ ]
"ما": نكرةٌ منصوبةٌ مفسرة لفاعل "بئس"، بمعنى: بئس شيئًا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ. والمخصوص بالذم: (أَنْ يَكْفُرُوا). و(اشْتَروْا) بمعنى باعوا بَغْيًا حسدًا وطلبا لما ليس لهم،
_________________
(١) ـ إذا الله لم يسق إلا الكرام … فسقى وجوه بني حنبل وقال: إنه في إفادة كرم بني حنبل كما ترى، لا خفاء فيه. قوله: (ما نكرة منصوبة) قال أبو البقاء: "ما" نكرة موصوفة، و"اشتروا" صفتها، و"أن يكفروا" مخصوص بالذم. قوله: (و(اشْتَرَوْا) بمعنى: باعوا) وهو من الأضداد. فالأنفس بمنزلة المثمن والكفر بمنزلة الثمن؛ لأن أنفسهم لا تشترى بل تباع، فهو على الاستعارة. أي: إنهم اختاروا الكفر على الإيمان، وبذلوا أنفسهم فيه، وإنما وضع الأنفس موضع الإيمان، ليؤذن بأن الأنفس إنما خلقت للعلم والعمل به المعبر عنه بالإيمان، فلما بدلوا الإيمان بالكفر فكأنهم بدلوا الأنفس به. قوله: (بَغْيًا): حسدًا) قوله: حسدًا تفسير لقوله تعالى: (بَغْيًا) ثم قوله: "وطلبًا لما ليس لهم" تفسير للحسد؛ لأن البغي الذي هو الظلم. أعم من الحسد، ففسره بالحسد لاقتضاء الكلام.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
وهو علة (اشْتَرَوا). (أَنْ يُنَزِّلَ): لأن ينزل، أو: على أن ينزل، أي: حسدوه على أن ينزّل اللَّه مِنْ فَضْلِهِ الذي هو الوحى عَلى مَنْ يَشاءُ وتقتضي حكمته إرساله
_________________
(١) ـ ومعنى الحسد طلب ما ليس من حق العبد؛ لأن إزالة النعمة التي عرف الله موقعها في المحسود ليس لأحد توخي زواله، وقيل: "طلبًا" عطف على "حسدًا" وكلاهما تفسير لقوله: (بَغْيًا). وقيل: التقدير: اشتروا لبغيهم وبغوا لحسدهم، والأول هو الوجه لقوله: "أي: حسدوه على أن ينزل الله" وقد صرح الواحدي به حيث قال: (بَغْيًا)، أي: حسدًا. قال اللحياني: بغيت على أخيك بغيًا، أي: حسدته، فالبغي: أصله الحسد، ثم سمي الظلم بغيًا؛ لأن الحاسد يظلم المحسود جهده طلبًا لإزالة نعم الله عنه. وينصره قول الزجاج: كفروا بغيًا وعداوة للنبي ﷺ؛ لأنهم لم يشكوا في نبوته، وإنما حسدوه على ما أعطاه الله تعالى، فإنه لم يتجاوز عن معنى الحسد، وأي داء أدوى منه! قوله: (وهو علة (اشْتَرَوْا» قال القاضي: وهو علة (أَنْ يَكْفُرُوا) دون اشتروا، للفصل. وقلت: المعنى مع الأول؛ لأن فيه إبدال أنفسهم بالكفر كان لمجرد العناد الذي هو نتيجة الحسد، كأنه قيل: بئس الاستبدال! استبدال أنفسهم بالكفر لأجل محض الحسد، على أن قوله: "أن يكفروا" مخصوص بالذم فلا يكون فاصلًا.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
(فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ): فصاروا أحقاء بغضب مترادف، لأنهم كفروا بنبىّ الحق وبغوا عليه. وقيل كفروا بمحمد بعد عيسى. وقيل بعد قولهم: (عُزَيرٌ ابنُ اللَّهِ) [التوبة: ٣٠]، وقولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) [المائدة: ٦٤]، وغير ذلك من أنواع كفرهم. (بِما أَنْزَلَ اللَّهُ) مُطلقٌ فيما أنزل اللَّه من كل كتاب.
(قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا) مقيد بالتوراة، (وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ) أي: قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ منها،
_________________
(١) ـ قوله: (فصاروا أحقاء بغضب مترادف) دل على كونهم أحقاء به ترتب الحكم على الوصف بالفاء، والمعنى: فلذلك تمكنوا في الغضب تمكن الملاك في ملكهم ومبوئهم، ومنه الحديث: "فليتبوأ مقعده من النار" وإليه أومى الزجاج بقوله: معنى باؤوا: احتملوا، يقال: قد بؤت بهذا الذنب، أي: احتملته، أي: باؤوا بغضب على غضب. أي: بإثم استحقوا به النار على إثم تقدم استحقوا به النار. قوله: (والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة). قال القاضي: "يكفرون" حال من الضمير في "قالوا"، ووراء في الأصل مصدر جعل ظرفًا، ويضاف إلى الفاعل فيراد به ما يتوارى به وهو خلفه، وإلى المفعول ويراد به ما يواريه وهو قدامه، وهو من الأضداد. قوله: «لِمَا مَعَهُمْ) منها) "من" بيان "ما"، والضمير في "منها" للتوراة، وقيل: "من" للتبعيض، والضمير للكتاب، أي: الذي معهم وهو التوراة بعض الكتاب.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
غير مخالفٍ له. وفيه رَدّ لمقالتهم، لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها. ثم اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادّعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوّغ قتل الأنبياء.
[(وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ* وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَامُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)]
(وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) يجوز أن يكون حالًا، أي: عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها. وأن يكون اعتراضا بمعنى: وأنتم قوم عادتكم الظلم. وكرّر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأول مع ما فيه من التوكيد
_________________
(١) ـ قوله: (وفيه رد لمقالتهم) أي: أدمج في إيقاع "وتكفرون" حالًا من فاعل "تؤمن" هذا المعنى يعني: أنهم في هذه الدعوى شاهدون على أنفسهم بالكفر. قوله: (وأن يكون اعتراضًا) أي: تذييلًا؛ لأن المعترضة هي التي اعترضت بين كلام، أو بين كلامين متصلين معنى، والتذييل ما يؤكد به تمام الكلام. والفرق بين أن تكون حالًا وبينها أن تكون اعتراضًا، أن الحال لبيان هيئة المعمول، والاعتراض لتأكيد الجملة بتمامها، ومن ثم قال في الحال: "وأنتم واضعون العبادة غير موضعها"، وفي الاعتراض: "وأنتم قوم عادتكم الظلم" أي: دأب الظلم استمر منكم، وعبادة العجل نوع منه، وأيضًا الجملة الحالية مقيدة للمطلق، فتكون كالمخصص للعام، والمعترضة أعم مما اعترضت فيه، وإليه الإشارة بقوله: "وأنتم قوم عادتكم الظلم". قوله: (كرر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأولى) وذلك أنه ذكر في الأولى:
[ ٢ / ٥٧٩ ]
(وَاسْمَعُوا) ما أمرتم به في التوراة، (قالُوا سَمِعْنا) قولك (وَعَصَيْنا) أمرك. فإن قلت: كيف طابق قوله جوابهم؟ قلت: طابقه من حيث أنه قال لهم: (واسمعوا)، وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة، فقالوا: (سمعنا)، ولكن لا سماع طاعة
_________________
(١) ـ (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) وذكر ها هنا: (وَاسْمَعُوا)، والمراد بقوله: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) التلقي بالقبول والتمسك بما فيه مع وفور نشاط. وبقوله: (وَاسْمَعُوا) العمل بما فيه، والطاعة لأوامره، وحفظ ما فيه، وكذلك معنى: (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ)، وقال ثمة: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) وها هنا (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) وهو مثله؛ لأن من سمع وعصى، فقد تولى بعد الميثاق، وأما الزيادة فهي قوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) الآية والمراد بكفرهم ذلك العصيان والتولي فوضعه موضع المضمر ليدل على أن ذلك العصيان والتولي هو كفر منهم وجحود بالآيات وكفران بتلك النعم، وانه أدى إلى عبادة العجاجيل، وبأن يخاطبوا بقوله: (بِئْسَمَا يَامُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ) على سبيل التهكم والسخرية إلى غير ذلك، والله أعلم. قوله: (وليكن سماعكم سماع تقبل) ومرجعه إلى القول بالموجب. أمرهم بالسماع فأجابوه، ولكن على طريق العصيان، ونظيره قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ) [التوبة: ٦١]. الراغب: قوله: اسمعوا معناه: افهموا، وقيل: اعملوا به، ووجه ذلك: أن الشيء يسمع ثم يتخيل، ثم يفهم، ثم يعقل، ثم يعمل به إن كان ذلك المسموع مما يقتضي عملًا، ولما كان السماع مبدأ والعمل غاية، وما بينهما وسائط، صح أن يذكر ويراد به بعض الوسائط، وأن يعنى به الغاية وهي العمل.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
(وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) أي: تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبغ. وقوله (فِي قُلُوبِهِمُ) بيانٌ لمكان الإشراب كقوله: (إِنَّما يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا) [النساء: ١٠]
_________________
(١) ـ قوله: (أي: تداخلهم حبه … كما يتداخل الثوب الصبغ) قال الزجاج: معناه: سقوا حب العجل، فحذف الحب وأقيم العجل مقامه. النهاية: وفي الحديث: "وأشربته قلوبكم" أي: سقيته قلوبكم كما يسقى العطشان الماء: وأشرب قلبه كذا، أي: حل محل الشراب واختلط كما يختلط الصبغ بالثوب. الراغب: من عادتهم إذا أرادوا مخامرة حب أو بغض في القلب أن يستعيروا لها اسم الشراب إذ هو أبلغ منجاع في البدن، ولذلك قالت الأطباء: الماء مطية الأغذية والأدوية، وبركوبها يبلغ أقاصي الأمكنة، قال: تغلغل حيث لم يبلغ شراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور وقيل: الأصل حب العجل، فحذف المضاف، وليس في إثباته من المبالغة [ما] في حذفه، لأنه نبه أن فرط شغفهم به أثبت صورة العجل في قلوبهم راسخة. قوله: «فِي قُلُوبِهِمْ) بيان لمكان الإشراب)؛ وذلك أن قوله: وأشربوا حب العجل مبهم كقوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) [طه: ٢٥] كما أن "صدري" بيان لقوله: "لي"
[ ٢ / ٥٨١ ]
(بِكُفْرِهِمْ): بسبب كفرهم. (بِئْسَما يَامُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ): بالتوراة؛ لأنه ليس في التوراة عبادة العجاجيل.
وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم، كما قال قوم شعيب (أَصَلاتُكَ تَامُرُكَ) [هو: ٨٧]، وكذلك إضافة الإيمان إليهم.
وقوله (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) تشكيك في إيمانهم، وقدح في صحة دعواهم له.
[(قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ* وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ)].
(خالِصَةً) نصب على الحال من (الدَّارُ الآَخِرَةُ) والمراد الجنة،
_________________
(١) ـ لأنه أفاد أن شيئًا ما عنده محتاج إلى الشرح، فبين بقوله: صدري ذلك المبهم، كذلك قوله: (وَأُشْرِبُوا) مبهم. لا يعلم منه أي مكان من أمكنة جسدهم تداخل فيها الحب. فبين أن المكان هو قلوبهم، وهذا من المبالغات والإيذان بأن المقام يقتضي مزيد التقرير. قوله: «خَالِصَةً) نصب على الحال من (الدَّارُ الآخِرَةُ» قيل: الوجه أن تكون حالًا من الضمير المستتر في الخبر العائد إلى الدار الآخرة، لأن اسم كان لا يقع عنه الحال. قال الحديثي: إن الأفعال الناقصة لا تعمل في الحال؛ لأنه لم يؤت بها لنسبة حدث محقق إلى فاعلها حتى يقتضي متعلقات، يعني إذا قلت: كان زيد قائمًا، لم ترد به أن زيدًا ثبت، بل تريد به أن القيام المنسوب إليه ثبت لا غير، وذلك حاصل لزيد وإن لم تذكر "كان"، ولذا توهم كثير أنه لا دلالة لها على الحدث، بل وضعها للدلالة على مجرد الزمان، فلذا لم تعمل إلا في الاسم والخبر.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وفي كلام صاحب "المفتاح" ما يشعر بهذا المعنى، قال: إن الخبر هناك هو نفس المسند لا بقيد للمسند إنما تقييده هو كان؛ ويمكن أن يجاب عنه بأن يقال: إن كونها لثبوت القيام المنسوب إلى المسند إليه لا يمنع عملها في الحال، فالحال حينئذ قيد للمقيد. وقالوا: دليل كون اسم "كان" فاعلًا: أن المصنف وابن الحاجب لم يذكرا اسم "كان" في المرفوعات، على أنهما أوردا خبرهما في المنصوبات. وذكر ابن الحاجب في شرح خبري "كان" و"أن" ما يشعر باختياره كونه فاعلًا. قال أبو البقاء: خبر "كان" لكم و"عند الله" ظرف و"خالصة" حال. والعامل "كان" أو الاستقرار، أو الخبر "عند الله" و"خالصة" حال، فالعامل فيها إما "عند الله" أو ما يتعلق به أو كان أو لكم. وقال ابن جني في "الدمشقيات": يدل على جواز نصب "كان" وأخواتها الأحوال قول الشاعر: فكونوا أنتم وبني أبيكم تمامه: مكان الكليتين من الطحال وقوله:
[ ٢ / ٥٨٣ ]
أي: سالمةً لكم خاصةً بكم ليسَ لأحدٍ سواكم فيها حق. يعنى إن صحّ قولكم:
_________________
(١) ـ فكان وإياها كحران وأنشد: صخب كأن دعاء عبد منافه … في رأسه، عقب الصباح الجافل جوز أن يكون "في رأسه" حالًا من الدعاء، و"عقب الصباح" خبرًا، وأن يكون "في رأسه" متعلقًا بنفس الدعاء. وقال السيد ابن الشجري في "الأمالي": ومن منع إعمال "كان" في الأحوال فغير مأخوذ بقوله؛ لأن الحال فضلة في الخبر منكورة، فرائحة الفعل تعمل فيها، فما ظنك بـ "كان" وهي فعل متصرف تعمل الرفع والنصب في الاسم الظاهر والمضمر، وليست "كان" في نصبها الحال بأسوأ حالًا من حرف التنبيه واسم الإشارة. وحكى أبو زكريا في "شرح المتنبي" عن أبي العلاء المعري أنه قال: زعم بعض النحويين أن "كان" لا تعمل في الحال. قوله: (خاصة بكم)، الراغب: الخالص كالصافي لكن الصافي يقال فيما لم يكن فيه قبل شوب، دون خالص، فإنه لا يقال إلا فيما كان فيه شوب فزال منه.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
(لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودا) ً. و(النَّاسِ) للجنس، وقيل: للعهد وهم المسلمون. (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ)؛ لأنّ من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الشوائب، كما روى عن المبشرين بالجنة ما روى. كان على ﵁ يطوف بين الصفين في غلالة، فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزي المحاربين: فقال: يا بنىّ لا يبالى أبوك على الموت سقط، أم عليه سقط الموت. وعن حذيفة ﵁ أنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال: حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم. يعني على التمني. وقال عمار بصفين: الآن ألاقى الأحبة محمدًا وحزبه،
_________________
(١) ـ قوله: (بين الصفين) أي: بين صف العدو وصف المسلمين. قوله: (جاء على فاقة) أي: تمنيت الموت وجاءني وقت حاجتي إليه، ثم قال: "لا أفلح من ندم" يريد: تمنيت فلما جاء ما ندمت، فعم وقال: لا أفلح، وهو يحتمل الدعاء أيضًا، والله أعلم. قوله: (بصفين) قال الصغاني: صفين: موضع قرب الرقة على شاطئ الفرات على الجانب الغربي بين الرقة وبالس. وكانت وقعة صفين سنة سبع وثلاثين غرة صفر، وهي وقعة بين علي ومعاوية ﵄. صفين: بكسر الصاد المهملة وكسر الفاء.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحنّ إليه. وعن النبي ﷺ: «لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهودى».
(بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) بما أسلفوا من موجبات النار من الكفر بمحمد
_________________
(١) ـ قوله: (كل واحد من العشرة) وهم العشرة المبشرة. روينا عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد ابن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" أخرجه الترمذي، ولأبي داود نحوه. وتخصيص العشرة بعد ذكر المبشرين بالجنة يدل أن المراد بالمبشرين أعم من العشرة، ومن ثم ذكر عمارًا وحذيفة. قوله: (يحب الموت)، الراغب: لأن المحبة داعية إلى الشوق، والشوق داع إلى محبة لقاء المحبوب، ومحبة لقائه داعية إلى تأتي سهول السبيل إليه، ولا سبيل إلى الطريق إليه إلا بالموت، فيجب أن يكون الموت متمنى. وقيل: سرور المؤمن بموته كسرور القادم إذا ورد على أهله. وفي الحديث: "من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه". قوله: (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) بما أسلفوا من موجبات النار). قال القاضي: ولما كانت اليد
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وبما جاء به، وتحريف كتاب اللَّه، وسائر أنواع الكفر والعصيان. وقوله (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) من المعجزات، لأنه إخبار بالغيب، وكان كما أخبر به، كقوله: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) [البقرة: ٢٤] فإن قلت: ما أدراك أنهم لم يتمنوا؟ قلت: لأنهم لو تمنوا لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن في الإسلام أكثر من الذرّ، وليس أحد منهم نقل ذلك. فإن قلت: التمني من أعمال القلوب وهو سرّ لا يطلع عليه أحد، فمن أين علمت أنهم لم يتمنوا؟ قلت: ليس التمني من أعمال القلوب، إنما هو قول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا، فإذا قاله قالوا: تمنى، وليت: كلمة التمني، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب ولو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا: قد تمنينا الموت في قلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوا ذلك
_________________
(١) ـ العاملة مختصة بالإنسان وآلة لقدرته، بها عامة صنائعه، ومنها أكثر منافعه، عبر بها عن النفس تارة، وعن القدرة أخرى. وقلت: الظاهر أن قوله: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) [البقرة: ٩٥] الآية جملة معترضة كقوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا) [البقرة: ٢٤] وينصره قول الزجاج: "ولتجدنهم" حال من فاعل "قل": المعنى: أنك لتجدنهم في حال دعائهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة. فالآية معترضة بين الحال وعاملها. قوله: ("ليت" كلمة التمني) يعني إذا قال الرجل بلسانه كذا، قال أهل اللغة: إنه تمنى، فعبروا عن القول بالتمني، وقالوا أيضًا: إن كلمة "ليت" للتمني. قوله: (ومحال أن يقع التحدي)، وذلك أن قوله: (فَتَمَنَّوْا) طلب للتمني على سبيل التحدي، وإنما يظهر العجز إذا لم يصدر منهم ما طلب منهم. وقوله: "ولو كان التمني" تنزل
[ ٢ / ٥٨٧ ]
فإن قلت: لم يقولوه لأنهم علموا أنهم لا يصدّقون. قلت: كم حكى عنهم من أشياء قاولوا بها المسلمين من الافتراء على اللَّه وتحريف كتابه وغير ذلك مما علموا أنهم غير مصدقين فيه ولا محمل له إلا الكذب البحت ولم يبالوا، فكيف يمتنعون من أن يقولوا إنّ التمني من أفعال القلوب وقد فعلناه، مع احتمال أن يكونوا صادقين في قولهم وإخبارهم عن ضمائرهم، وكان الرجل يخبر عن نفسه بالإيمان فيصدّق مع احتمال أن يكون كاذبا لأنه أمر خافٍ لا سبيل إلى الاطلاع عليه. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) تهديد لهم. (وَلَتَجِدَنَّهُمْ) هو من وجد بمعنى: علم؛ المتعدي إلى مفعولين في قولهم: وجدت زيدًا ذا الحفاظ ومفعولاه "هم" (أَحْرَصَ). فإن قلت: لم قال: (عَلى حَياةٍ) بالتنكير؟ قلت: لأنه أراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبىّ (على الحياة). (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) محمول على المعنى لأن معنى أحرص الناس: أحرص من الناس. فإن قلت: ألم يُدخلِ (الذين أَشْرَكُوا) تحت الناس؟ قلت: بلى، ولكنهم أفردوا بالذكر؛
_________________
(١) ـ في الجواب. أي: ولئن سلم أن التمني بالقلوب، فلابد من الإظهار بالقول بأن يقولوا: تمنينًا بقلوبنا ردًا منهم لقوله: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) ولكن ما نقل أنهم قالوه. فعلم أنهم ما تمنوا. قوله: (لم يقولوه) وارد على الجواب الثاني، يعني إذا قدر أن التمني من أعمال القلوب، لا يجب أن يقولوا بألسنتهم: تمنينًا، ليدفعوا قوله تعالى: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ) لقيام المانع، وهو عدم تصديق المؤمنين إياهم، فالتمني واقع فلا يكون معجزة، وأجاب: أن عدم تصديق المؤمنين ليس بمانع لأن يقولوا: تمنينًا؛ لأنه تعالى كم حكى عنهم من أشياء لم يصدقهم المؤمنون فيها، فهذا من ذلك. قوله: (محمول على المعنى) قال صاحب "الإقليد": تقول: زيد أفضل من القوم، ثم تحذف "من" وتضيفه. والمعنى على إثبات "من".
[ ٢ / ٥٨٨ ]
لأن حرصهم شديد. ويجوز أن يراد: وأحرص من الذين أشركوا، فحذف لدلالة (أَحْرَصَ النَّاسِ) عليه. وفيه توبيخ عظيم: لأنّ الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم، فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقرّ بالجزاء كان حقيقًا بأعظم التوبيخ
_________________
(١) ـ قال صاحب "المرشد": فإن قلت: فلم جيء بـ "من" في الثاني دون الأول؟ قلت: لأن "أفعل" إذا أضفته إلى جملة هو بعضها لم يحتج إلى ذكر من، فهو إما إضافة الواحد إلى جنسه، أو إضافة البعض إلى الكل فتقول: زيد أفضل الناس، وعبدك خير العبيد. فلو قلت: عبدك خير الأحرار، وزيد أفضل إخوته، لم يجز، لأن إخوة زيد غير زيد، وهو خارج من جملتهم، ولو قلت: زيد أفضل الإخوة، جاز، لأنه أحد الإخوة، فعلى هذا قوله: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ) يعني: علماء اليهود أحرص الناس، أضافهم إلى ما بعدهم؛ لأنهم من جملة الناس، ثم قال: (وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) والمراد بالمشركين المجوس في أصح الأقاويل، للتحية التي كانت لهم إذا عطس العاطس قالوا: عش ألف سنة، وهم غير اليهود، فهو مثل: زيد أفضل من إخوته. ولا يبعد أن يحمل على هذا قول المصنف: "وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس" وقوله: "ويجوز أن يراد: وأحرص "من الذين أشركوا" عطف على قوله: "محمول على المعنى" وهذا قول مقاتل فيكون "من الذين أشركوا" عطفًا على ثاني مفعولي "لتجدنهم" على حذف "أحرص" لدلالة الأول عليه. فإن قلت: ما الفرق بين الوجهين، وعائدتهما راجعة إلى شدة حرصهم، وأنهما من باب عطف الخاص على العام كقوله: "وملائكته وجبريل"؟
[ ٢ / ٥٨٩ ]
فإن قلت: لم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلت: لأنهم علموا - لعلمهم بحالهم - أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك.
وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس، لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان. وعن ابن عباس ﵁: هو قول الأعاجم: زى هزار سال. وقيل (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) كلامٌ مبتدأ، أى ومنهم ناس (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ)، على حذف الموصوف كقوله: (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) [الصافات: ١٦٤]. و(الذين أشركوا) على هذا: مشارٌ به إلى اليهود؛ لأنهم قالوا: (عُزَيْرٌ ابنُ اللَّهِ) [التوبة: ٣٠]. والضمير في (وَما هُوَ) لـ (أَحَدُهُمْ). و(أَنْ يُعَمَّرَ) فاعلٌ (بمزحزحه)،
_________________
(١) ـ قلت: الثاني أبلغ لإرادة تكرير "أحرص". قوله: (وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس) قال الواحدي: هو قول أبي العالية والربيع، وإنما وصفوا بالإشراك لأنهم يقولون بالنور والظلمة، ويزدان وإهرمن، وهم موصوفون بالحرص على الحياة، ولهذا تحيتهم: زي هزار سال. قوله: (و(الَّذِينَ أَشْرَكُوا) على هذا مشار به إلى اليهود) يعني: أقيم المظهر مقام المضمر، ولهذا قدر "ومنهم ناس" ليؤذن أن الموحد يحب لقاء الله كما أن المشرك يكره لقاء الله، ولهذا قال المعري: هذا الوجه أحسن وأعرب.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
أي: وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره. وقيل: الضمير لما دل عليه (يُعَمَّرَ) من مصدره، و(أَن يُعَمَّرَ) بدل منه، ويجوز أن يكون (هُوَ) مبهمًا، و(أَن يُعَمَّرَ) مُوضِّحه. والزحزحة: التبعيد والإنحاء. فإن قلت: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) ما موقعه؟ قلت: هو بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف. فإن قلت: كيف اتصل لو يعمر بيودّ أحدهم؟ قلت: هو حكاية لودادتهم. و«لو» في معنى التمني، وكان القياس: لو أعمر، إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) كقولك: حلف باللَّه ليفعلنّ.
_________________
(١) ـ قوله: (أي: وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره) أي: ليس أحد منهم يخلصه من النار طول عمره بسبب أعماله الصالحة. المعنى ينظر إلى قوله ﷺ حين سئل: أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله"، وقيل: فأي الناس شر؟ قال: "من طال عمره وساء عمله". أخرجه أحمد بن حنبل عن أبي بكرة. قوله: (دل عليه (يُعَمَّرُ) من مصدره) كأنه قيل: وما التعمير بمزحزحه من العذاب تعميره. قوله: (و(أَن يُعَمَّرُ) موضحه). قال أبو البقاء: هو ضمير التعمير، وقد دل عليه قوله: (لَوْ يُعَمَّرُ) و(أَن يُعَمَّرُ) بدل من "هو"، ولا يجوز أن يكون هو ضمير الشأن؛ لأن المفسر لضمير الشأن مبتدأ وخبر، ودخول الباء في "بمزحزحه" يمنع من ذلك، وكذا عن الزجاج، وهذا غير وارد على المصنف، لأنه لم يجعله ضمير الشأن بل على نحو: (فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) [البقرة: ٢٩]. قوله: (وكان القياس لو أعمر) لأن الذي صدر منهم من القول هو على حكاية النفس، لكن نظر إلى ظاهر "يود" فأجري مجراه، فهو قريب من المشاكلة.
[ ٢ / ٥٩١ ]
[(قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ* مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) ٩٧ - ٩٨].
روي: أن عبد الله بن صوريا من أحبار فدك حاج رسول الله، وسأله عمن يهبط عليه بالوحي، فقال: "جبرئل"، فقال: ذاك عدونا، ولو كان غيره لآمنا بك، وقد عادانا مرارًا، وأشدها: أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر، فبعثنا من يقتله، فلقيه ببابل غلامًا مسكينًا، فدفع عنه جبرئل، وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه، وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه؟ وقيل: أمره الله أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا. وروي: أنه كان لعمر ﵁ أرض أعلى المدينة، وكان ممره على مدراس اليهود، فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم، فقالوا: يا عمر، قد أحببناك، وإنا لنطمع فيك. فقال: والله ما أجيئكم لحبكم، ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد، وارى آثاره في كتابكم. ثم سألهم عن جبرئيل، فقالوا: ذاك عدونا، يطلع محمدًا على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلام. فقال لهم: وما منزلتهما من الله؟
_________________
(١) قوله: (فلقيه ببابل)، النهاية: بابل: الصقع المعروف بالعراق وألفه غير مهموزة. قوله: (غلامًا) هو توطئة للحال التي هي "مسكينًا" كقوله تعالى: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا). قوله: (مدراس اليهود)، النهاية: المدراس: صاحب كتب اليهود، مفعل ومفعال من أبنية المبالغة. والمدراس أيضًا: البيت الذي يدرسون فيه، ومفعال غريب في المكان.
[ ٣ / ٥ ]
قالوا: أقرب منزلة جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدو لجبرئيل. فقال عمر: لئن كانا كما تقولون فما هما بعدوين، ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدوًا لأحدهما كان عدوًا للآخر، ومن كان عدوًا لهما كان عدوًا لله. ثم رجع عمر فوجد جبرئيل قد سبقه بالوحي، فقال النبي ﷺ: "لقد وافقك ربك يا عمر"، فقال عمر: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر. وقرئ: (جبرئيل) بوزن: قفشليل، و(جبرئل) بحذف الياء، و(جبريل) بحذف الهمزة، و(جبريل) بوزن: قنديل، و(جبرال) بلام شيدة، و(جبرائيل) بوزن: جبراعيل، و(جبرائل) بوزن: جبراعل.
ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة. وقيل: معناه: عبد الله
_________________
(١) قوله: (ولأنتم أكفر من الحمير) قال الميداني: قولهم: هو أكفر من حمار. وهو رجل من عاد يقال له: حمار بن مويلع، قال الشرقي: هو حمار بن مالك بن [نصر] الأزدي. كان مسلمًا، وكان له واد طوله مسيرة يوم في عرض أربعة فراسخ لم يكن ببلاد العرب أخصب منه، فخرج بنوه يتصيدون فأصابتهم صاعقة فهلكوا، فكفر وقال: لا أعبد من فعل هذا، ودعا قومه إلى الكفر. فمن عصاه قتله، فأهلكه الله وأخرب واديه، فضرب به المثل في الكفر، قال الشاعر: ألم تر أن حارثة بن بدر … يصلي وهو أكفر من حمار وقيل: لأن الكفر من الجهل، ولا شيء أبلد وأجهل من الحمار، كأن هذا أنسب لعدم الطباق بين الجمع في "الكتاب"، والإفراد في "المثل". قوله: ("جبرئيل" بوزن: قفشليل) حمزة والكسائي، و"جبريل" بفتح الجيم وكسر الراء من
[ ٣ / ٦ ]
الضمير في (نَزَّلَهُ) للقرآن، ونحو هذا الإضمار- أعني إضمار ما لم يسبق ذكره- فيه فخامة لشأن صاحبه؛ حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه، ويكتفى عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته. (عَلَى قَلْبِكَ) أي: حفظه إياك وفهمكه. (بِإِذْنِ اللَّهِ) بتيسيره وتسهيله. فإن قلت: كان حق الكلام أن يقال: على قلبي. قلت: جاءت على حكاية كلام الله كما تكلم به، كأنه قيل: قل: ما تكلمت به من قولي: من كان عدوًا لجبريل فإنه نزَّله على قلبك. فإن قلت:
_________________
(١) غير همزة: ابن كثير، و"جبريل" بوزن: قنديل: نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص، و"جبرئل" بحذف الياء: أبو بكر عن عاصم، والبواقي: شواذ. قوله: (أي: حفظكه) ويروى: "حفظه إياك وفهمكه"، هذا تفسير لجملة قوله: (نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ) [البقرة: ٩٧] لمح فيه معنى الاستعلاء والاستيلاء، يعني: إذا نزل جبريل بالقرآن على قلبه استولى على القلب، وجعل مجامعه مغمورة به، وتمكن فيه، فلا يشذ منه شيء، ولهذا قال في "الشعراء": حفظكه وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى) [الأعلى: ٦] وفي عكسه: نزلت عن الأمر. قال صاحب "النهاية": كأنك كنت مستعليًا عليه، ومستوليًا فنزلت.
[ ٣ / ٧ ]
كيف استقام قوله: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ) جزاءً للشرط؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: إن عادى جبرئيل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته؛ حيث نزل كتابًا مصدقًا للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم. والثاني: إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك الكتابة مصدقًا
_________________
(١) ـ قوله: (كيف استقام قوله: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ) جزاءً للشرط؟) أي: من حق الجزاء أن يكون مسببًا عن الشرط، وقوله: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ) لا يستقيم أن يكون مسببًا عن قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ) وخلاصة الجواب: أن الجزاء هنا ما دل بالإخبار والإعلام إنكارًا على اليهود، وبيانه من وجهين: أحدهما: قوله: (فلا وجه لمعاداته) يعني: من كان من هؤلاء اليهود عدوًا لجبريل، فإني أعلمكم أنه معاند مكابر، لا إنصاف له، فلا وجه لمعاداته لأنه نزله كتابًا مصدقًا لكتابه، وكان الواجب أن يتلقاه بالقبول، لكن ما أنصف، وهو المراد بقوله: "فلو أنصفوا لأحبوه"، ونظيره ما قرره ابن الحاجب في قوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) [النحل: ٥٣]. وثانيهما: قوله: (إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه) نزله على قلبك، وهو نحو قولك: إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك أمس، يعني: عداوته سبب لما أخبركم به، وهو أنه نزل على قلبك ما يكرهونه، يدل عليه قوله: "إن عاداك فلان، فقد آذيته" قالوا: في هذا الكلام وصف السبب في الجزاء؛ ألا ترى أنك تقول: من شكرني فأنا جواد سخي؟ فلا تأتي بالضمير، بل تشتغل بالسبب، وفيه ضمير معنى، كأنه قال: من كان عدوًا لجبريل فله عذر من هذا السبب، ونظيره قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) [فاطر: ١٠] فلا ضمير في اللفظ، ولكنه ثابت معنى، أي: فليطلبها عندي، أو فليعتزز بالله، أو في مظانها.
[ ٣ / ٨ ]
لكتابهم وموافقًا له وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم؛ ولذلك كانوا يحرفونه ويجحدون موافقته له، كقولك: إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه.
أفرد الملكان بالذكر؛ لفضلهما، كأنهما من جنس آخر، وهو مما ذكر أن التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات. وقرئ: (ميكال) بوزن قنطار، و(ميكائيل) كميكاعيل، و(ميكائل) كميكاعل، و(ميكئل) كميكعل، و(ميكئيل) كميكعيل. قال ابن جني: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه. (عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) أراد: عدو لهم، فجاء بالظاهر؛ ليدل على أن الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر، وإذا كانت عداوة الأنبياء كفرًا فما بال الملائكة وهم أشراف! والمعنى: من عاداهم عاداه الله
_________________
(١) قوله: (أفرد الملكان بالذكر) يعني: ذكر جنس الملائكة، ثم أفرد جبرئيل وميكائيل منهم، وعطفهما عليهم، ليدل على فضلهما، كأنهما ليسا من جنس الملائكة لاختصاصهما بمزايا وفضائل؛ لأن التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات. قال أبو الطيب: وإن تفق الأنام وأنت منهم … فإن المسك بعض دم الغزال أي: المسك لا يعد من الدماء لما فيه من الخصلة التي لا توجد في الدم. قوله: (وقرئ: ميكال) أي: بغير همز ولا ياء: أبو عمرو وحفص، و"ميكائل" بهمزة مكسورة بغير ياء: نافع، والباقون: بياء بعد الهمزة، والبواقي: شاذة. قوله: (والمعنى: من عاداهم عاداه الله) تلخيص معنى الشرط والجزاء، ولو قال: من عادى جبريل عاداه الله كان أظهر، لأن القوم إنما أظهروا عداوة جبريل فحسب، فذكر الله والملائكة والرسل للتوطئة نحو قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [الأحزاب: ٥٧].
[ ٣ / ٩ ]
وعاقبه أشد العقاب.
[(وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ* أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ٩٩ - ١٠١].
(إِلاَّ الْفَاسِقُونَ) إلا المتمردون من الكفرة. وعن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي؛ وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره. وعن ابن عباس:
_________________
(١) قوله: (عاقبه أشد العقاب) لزم المعاقبة من معنى العداوة؛ لأن معنى عداوة الله، إنزال النكال، ولزم شدة العقاب من إعادة ذكر اسم الله تعالى في الجزاء، وتخصيص اسم الذات الجامع المفيد في هذا المقام معنى القهارية، وتصريح ذكر الكافرين حيث لم يقل: عدو لهم، أي: فما بال العداوة التي يتولاها الله تعالى بنفسه، فإنه لجلاله يعاقب من عاداه بما لا يدخل تحت الوصف. الراغب: العدو: التجاوز ومنافاة الالتئام، فتارة يعتبر بالقلوب، فيقال له: العداوة، وتارة في المشي فيقال له: العدو، وتارة في الإخلال بالعدالة في المعاملة فيقال له: العدوان. وحقيقة معاداة الإنسان له ﷿: البعد عنه، ومخالفته في تحري الصدق في المقال، والحق في الفعال، وأن لا يستحق أن يوصف بشيء من أوصافه نحو العادل والجواد والكريم، والقريب منه والمحب له هو أن لا يخالفه في ذلك، وأن يصح أن يوصف بتلك الصفات. وتلك المعاني هي المقتضية لمعاداة الله وأوليائه والداعية إلى ارتكاب المعاصي.
[ ٣ / ١٠ ]
قال ابن صوريا لرسول الله ﷺ: ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية فنتبعك لها. فنزلت. واللام في (الْفَاسِقُونَ) للجنس، والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب. (أَوَكُلَّمَا) الواو للعطف على محذوف معناه: أكفروا بالآيات البينات؟ ! وكلما عاهدوا. وقرأ أبو السمال بسكون الواو على أن (الْفَاسِقُونَ) بمعنى: الذين فسقوا، فكأنه قيل: وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهد الله مرارًا كثيرة. وقرئ: (عوهدوا)، و(عهدوا). واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود،
_________________
(١) ـ قوله: (والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب) يعني أن اللام في (الْفَاسِقُونَ) مع أنها جائز أن تكون للجنس، ويدخل فيه اليهود دخولًا أوليًا على سبيل المبالغة، لكن الأحسن الحمل على العهد، ووجه حسنه إفادة التخصيص المستفاد من "ما" و"لا" ليسجل عليهم خاصة بالتمرد والفسق. المعنى: لا يصدر مثل هذا الفسق إلا من هؤلاء، والترقي من الأهون إلى الأغلظ في الإنكار، وهو الكفر بآيات الله، لاسيما على قراءة أبي السمال في الإضراب؛ أثبت أولًا أنهم مبالغون في الفسق ثم أضرب عنه بقوله: (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) [البقرة: ١٠٠] أي: ليس هذا أول فسقهم وكفرهم بآيات الله يا محمد، بل كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم من الذين مضوا، ثم أضرب عن هذا إلى ما هو أعلى منه بقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) أي: ما صدر النبذ من فريق منهم فقط بل أكثرهم كافرون. قوله: (وقرأ أبو السمال)، وأبو السمال باللام، وابن السماك بالكاف. فعلى هذا يكون قوله: "أوكلما" معطوف من حيث المعنى على صلة الموصول، وعلى الأول: اللام حرف تعريف.
[ ٣ / ١١ ]
وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا! وكم عاهدهم رسول الله فلم يفوا! (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) [الأنفال: ٥٦]. والنبذ: الرمي بالذمام ورفضه. وقرأ عبد الله: (نقضه فريق منهم). وقال: (فَرِيقٍ مِنْهُمْ)؛ لأن منهم من لم ينقض. (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) بالتوراة، وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدون نقض المواثيق ذنبًا، ولا يبالون به. (كِتَابَ اللَّهِ): يعني: التوراة؛ لأنهم بكفرهم برسول الله ﷺ المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها
_________________
(١) قال ابن الحاجب في قوله تعالى: (إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: ٢١] "لكما" متعلق بالناصحين؛ لأن المعنى عليه؛ لأن الألف واللام لما كانت صورته صورة الحرف المنزل جزءًا من الكلمة، صارت كغيرها من الأجزاء التي لا تمنع التقديم. وقال المرزوقي وأبو البقاء في قول الحماسي: فتى ليس بالراضي بأدنى معيشة … ولا في بيوت الحي بالمتولج "في" متعلق بالمتولج. على أن تحمل اللام على التعريف، ويجوز أن تحملها بمعنى "الذي" وتعلق "في" بمحذوف و"أو" بمعنى "بل" لا للشك. قال ابن جني: "أو" هذه هي التي بمعنى "أم" المنقطعة؛ وكلتاهما بمعنى "بل" موجودة في الكلام كثيرًا، يقول الرجل لمن يهدده: والله لأفعلن بك كذا، فيقول صاحبه: أو يحسن الله رأيك، أو يغير الله ما في نفسك، وأنشد الفراء لذي الرمة: بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى … وصورتها، أو أنت في العين أملح
[ ٣ / ١٢ ]
وقيل: كتاب الله: القرآن نبذوه بعدما لزمهم تلقيه بالقبول. (كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) أنه كتاب الله لا يدخلهم فيه شك، يعني: أن علمهم بذلك رصين، ولكنهم كابروا وعاندوا. ونبذه وراء ظهورهم مثل لتركهم وإعراضهم عنه،
_________________
(١) وكذا قال في قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافات: ١٤٧] أي: بل يزيدون، وقال ابن جني: لا يجوز أن يكون سكون الواو على أنها حرف عطف كقراءة الكافة، لأن حرف العطف لم يسكن، وإنما يسكن ما بعدها في نحو: (وَهُوَ اللَّهُ) [الأنعام: ٣]. قوله: (وقيل: كتاب الله: القرآن) يعني: كتاب الله مظهر أقيم مقام المضمر الدال عليه (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) فإن أريد المصدق كان القرآن، وإن أريد لما معهم كان التوراة. قوله: (لا يدخلهم فيه شك) قيل: هو خبر بعد خبر لأن، أي: كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، ولا يعلمون أنه بريء من أن يحوم الشك حوله، أو في تأويل مصدر، أي: كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله علم تحقيق، أو حال من فاعل "لا يعلمون"، أي: كأنهم لا يعلمون في حال يقينهم. قوله: (أن علمهم بذلك رصين) فإن قلت: من أين استفاد هذا التوكيد ورصانة العلم؟ قلت: من وضع "الذين أوتوا الكتاب" موضع الضمير، يعني عرفوه حق معرفته لما قرؤوا في كتابهم نعته، ودارسوه حتى استحكم بذلك علمهم. وكذا في اختصاص كتاب الله ووضعه موضع ضمير ما دل عليه (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) للدلالة على عظم ما ارتكبوه، وأن المنبوذ كتاب الله المجيد. قوله: (مثل لتركهم وإعراضهم) يعني شبه تركهم كتاب الله وإعراضهم عنه بحالة شيء يرمى به وراء الظهر. والجامع عدم الالتفات وقلة المبالاة، ثم استعمل هنا ما كان مستعملًا
[ ٣ / ١٣ ]
مثل بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه. وعن الشعبي: هو بين أيديهم يقرؤونه، ولكنهم نبذوا العمل به. وعن سفيان: أدرجوه في الديباج والحرير، وحلوه بالذهب، ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه.
[(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ١٠٢].
(وَاتَّبَعُوا): أي: نبذوا كتاب الله واتبعوا (مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ) يعني: واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ)
_________________
(١) ـ هناك، وهو النبذ وراء الظهر. والضمير في قوله: "نبذوه وراء ظهورهم" للكتاب المذكور في التنزيل، وهو محتمل لأن يراد به التوراة، وأن يراد به القرآن، فإذا حمل على التوراة كان كناية عن قلة مبالاة بها فقط؛ لأن النبذ الحقيقي لم يكن منهم، ولهذا قال: "وهو بين أيديهم يقرؤونه" وقال أيضًا: "وأدرجوه في الديباج والحرير"، والحمل على القرآن لا ينافي إرادة حقيقة النبذ فهو كقولك: فلان طويل النجاد؛ يحتمل أن لا يكون له نجاد ويحتمل أن يكون. قوله: (كتب السحر والشعوذة) في نسخة الصمصام بنصب الشعوذة. قال الإمام: الشعوذة إظهار الرجل الحاذق عمل شيء يشغل به أذهان الناظرين وأعينهم لعمل شيء آخر على سبيل السرعة، ليخفى الأمر على الناظر.
[ ٣ / ١٤ ]
أي: على عهد ملكه وفي زمانه؛ وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دونوها في كتب يقرؤونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب. وكانوا يقولون: هذا علم سليمان، وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم، وبه تسخر الإنس والجن والريح التي تجري بأمره. (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ): تكذيب للشياطين، ودفع لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به، وسماه كفرًا
_________________
(١) ـ قوله: (أي: على عهد ملكه وفي زمانه) هذا يؤذن أن لابد من تقدير مضاف وجعل "على" بمعنى "في"؛ لأن الملك لا يصلح أن يكون مقروءًا عليه، ولا العهد المقدر ممن يقرأ عليه شيء فيجعل "على" بمعنى "في" ليستقيم المعنى، أي: يقرؤونه في زمانه وعهده. قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يكون "تتلوا" مضمنًا معنى الإملاء، فلذلك عدي بـ "على". وقلت: فعلى هذا أيضًا، لابد من تقدير المضاف. المعنى: واتبعوا ما أملى الشياطين على رجال عهد ملك سليمان. قوله: (يلفقونها)، الجوهري: أحاديث ملفقة، أي: أكاذيب مزخرفة. قوله: (تسخر) أي: اتخذ الجن سخرة لنفسه. الجوهري: سخره تسخيرًا، أي: كلفه عملًا بلا أجرة، وكذلك تسخره. قوله: (بهتت به) أي: قالوا عليه ما لم يفعله، فقوله: "ودفع لما بهتت به" تفسير لقوله: "تكذيب للشياطين" وقوله: "وسماه كفرًا" حال بتقدير "قد" من المجرور في "ما بهتت به" ويجوز أن يكون عطفًا على "دفع لما بهتت به" من حيث المعنى، أي: دفع ما بهتت به وسماه كفرًا.
[ ٣ / ١٥ ]
(وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ) هم الذين (كَفَرُوا) باستعمال السحر وتدوينه، (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ): يقصدون به إغواءهم وإضلالهم. (وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ): عطف على (السِّحْرَ)، أي: ويعلمونهم ما أنزل على الملكين. وقيل: هو عطف على (مَا تَتْلُوا)، أي: واتبعوا ما أنزل. و(هَارُوتَ وَمَارُوتَ): عطف بيان للملكين علمان لهما، والذي أنزل عليهما هو علم السحر؛ ابتلاء من الله للناس؛ من تعلمه منهم وعمل به كان كافرًا، ومن تجنبه أو تعلمه لئلا يعمل به ولكن ليتوقاه، ولئلا يغتر به؛ كان مؤمنًا:
_________________
(١) قوله: (يقصدون به إغواءهم) تفسير لـ "يعلمون الناس"، وإنما أوله به لأنه استئناف على سبيل التعليل لقوله: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) ومجرد تعليم السحر لا يوجب التكفير، فلابد من التأويل كما نص عليه، ودل عليه قوله تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ). وقال أبو البقاء: "يعلمون" في موضع نصب على الحال من الضمير في "كفروا"، وقيل: هو حال من الشياطين، وليس بشيء؛ لأن "لكن" لا يعمل فيها. قوله: «وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) عطف على (السِّحْرَ» وهو من باب عطف البيان على المبين، فكذلك إذا كان معطوفًا على (مَا تَتْلُوا). قوله: (أو تعلمه لئلا يعمل به) إلى قوله: (كان مؤمنًا) فيه إشعار بأن تعلمه واجب لإيقاع قوله: "كان مؤمنًا" مسببًا عما قبله لكونه جزاء للشرط المقيد، ولاستشهاده بقوله: عرفت الشر لا للشر … لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر … من الناس يقع فيه
[ ٣ / ١٦ ]
عرفت الشر لا للشر … لكن لتوقيه
كما ابتلي قوم طالوت بالنهر: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) [البقرة: ٢٤٩]. وقرأ الحسن: (على الملكين) بكسر اللام على أن المنزل عليهما علم السحر كانا ملكين ببابل. وما يعلم الملكان أحدًا حتى ينبهاه وينصحاه ويقولا له:
_________________
(١) ـ وصرح بوجوبه الإمام، وجعله مقدمة للواجب. وأما قوله: "إن اجتنابه أصلح" فمستنبط من الآية بحسب الإدماج، ومؤذن بعدم الوجوب، فيتناقض كلامه، اللهم إلا أن يقال: إن المراد بقوله: "كان مؤمنًا" لم يكفر. قال القاضي: المراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس، فإن التناسب شرط في التضام والتعاون، وبهذا تميز الساحر عن النبي والولي، وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية، أو يريه صاحب خفة اليد فغير حرام، وتسميته سحرًا على التجوز لما فيه من الدقة، لأنه في الأصل لما خفي سببه. وبهذا ظهر أن تعلمه لئلا يعمل به ولكن ليتوقاه حرام أيضًا، وقال صاحب "الروضة": ويحرم فعل السحر بالإجماع، وأما تعلمه وتعليمه ففيه ثلاثة أوجه: الصحيح الذي قطع به الجمهور أنهما حرامان، والثاني: مكروهان، والثالث: مباحان.
[ ٣ / ١٧ ]
(إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ) أي: ابتلاء واختبار من الله (فَلا تَكْفُرْ): فلا تتعلم معتقدًا أنه حق فتكفر. (فَيَتَعَلَّمُونَ) الضمير لما دل عليه (مِنْ أَحَدٍ)
_________________
(١) ـ وقال أيضًا: اعلم أن التكهن وإتيان الكهان والتنجيم والضرب بالرمل وبالشعير والحصى والشعبذة وتعليمها حرام، وأخذ العوض عليها حرام بالنص الصحيح في حلوان الكاهن، والباقي: بمعناه، وأما الحديث الصحيح: "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك" فمعناه: من علمتم موافقته له فلا بأس، ونحن لا نعلم الموافقة، فلا يجوز. قال الإمام: وفي الآية ما يدل على أن الشياطين إنما كفروا لأنهم كانوا يعلمون السحر، لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية. وقلت: يريد أنه تعالى قطع قوله: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ) عن قوله: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) لأنها جملة استئنافية واردة على بيان العلية، ولما كان تعليم الملكين الناس للابتلاء، صرح بقوله: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ)، قال الواحدي: امتحن الناس
[ ٣ / ١٨ ]
أي: فيتعلم الناس من الملكين (مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) أي: علم السحر الذي يكون سببًا في التفريق بين الزوجين؛ من حيلة وتمويه، كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز والخلاف ابتلاء منه، لا أن السحر له أثر في نفسه، بدليل قوله: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ)؛
_________________
(١) بالملكين، وجعل المحنة في الكفر والإيمان، بأن يقبل القابل تعلم السحر فيكفر، ويؤمن بترك تعلمه، ولله أن يمتحن عباده بما شاء. قوله: (أي: فيتعلم الناس من الملكين) جعل أحدًا بمعنى الناس. قيل: الفرق بين الواحد والأحد بعد اشتراكهما في معنى التوحيد، أن الأحد في موضع النفي يعم القليل والكثير بصفة الاجتماع والافتراق، يقال: ما في الدار أحد ولا اثنان ولا ثلاثة، ولا مجتمعون ولا متفرقون، بخلاف الواحد فإنه يصح أن يقال: ما في الدار واحد بل اثنان. قال الزجاج: قيل (فَيَتَعَلَّمُونَ) عطف على ما يوجبه معنى الكلام، أي: إنما نحن فتنة فلا تكفر، ولا تتعلم، ولا تعمل السحر، فيأبون فيتعلمون، والأجود أنه عطف على يعلمان المقدر، أي: يعلمان فيتعلمون. قوله: (الفرك)، الجوهري: الفرك بالكسر: البغض، ولم يسمع هذا في غير الزوجين. قوله: (لا أن السحر له أثر في نفسه) قال صاحب "الروضة": روي عن أبي جعفر
[ ٣ / ١٩ ]
لأنه ربما أحدث الله عنده فعلًا من أفعاله وربما لم يحدث. (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ)؛ لأنهم يقصدون به الشر. وفيه: أن اجتنابه أصلح، كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية،
_________________
(١) ـ الأستراباذي من أصحابنا أنه قال: لا حقيقة للسحر، وإنما هو تخييل. والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة. وقال الإمام: الخلاف فيما أن الساحر هل يبلغ بسحره إلى حيث يخلق الله تعالى عقيب أفعاله على سبيل العادة الأجسام والحياة وتغيير البنية والشكل، أم لا؟ فالمعتزلة اتفقوا على تكفير من يجوز ذلك، لأنه لا يعرف حينئذ صدق الأنبياء. وأجيب: أن من ادعى النبوة، وكان كاذبًا فيه، [فإنه] لا يجوز من الله تعالى إظهار هذه الأشياء، لئلا يحصل التلبيس. قوله: (كتعلم الفلسفة) قال صاحب "الروضة": ووراء العلوم الشرعية أشياء تسمى علومًا، منها محرم ومكروه ومباح، فالمحرم كالفلسفة والشعوذة والتنجيم والرمل وعلوم الطبيعيين، وكذا السحر على الصحيح، وتتفاوت درجات تحريمه، والمكروه كأشعار المولدين المشتملة على الغزل والبطالة، والمباح كأشعارهم التي ليس فيها سخف، ولا ما ينشط إلى الشر ويثبط عن الخير.
[ ٣ / ٢٠ ]
ولقد علم هؤلاء اليهود أن من اشتراه- أي: استبدل ما تتلو الشياطين على كتاب الله- (مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ): من نصيب
_________________
(١) ـ وقال الشيخ شهاب الدين التوربشتي في وصية أوصى بها بعض من أخذ منه: أوصيه أن يسد سمعه عن أباطيل الفلاسفة فضلًا عن الإصغاء إليها، والتعلم منها، فإنها لم تزل مشؤومة على أهلها، ولو مزجت كلمة منها بالبحر لمزجته، ثم إنها لا تثمر إلا الهوان في الدنيا والخزي في الآخرة، ونعوذ بالله من ذلك. وللإمام حجة الإسلام كتاب "التهافت" وكتاب "المنقذ من الضلال"، ولشيخنا إمام الموحدين أبي حفص السهروردي كتاب مسمى بـ "الرشف في نصائح الإيمانية، والكشف عن فضائح اليونانية". والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (ولقد علم هؤلاء اليهود) بيان لضمير علموا، للتنبيه على أنه راجع إلى من سيق له الكلام أولًا، وأن قصة السحر مستطردة. بيانه: أن قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ* وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ) [البقرة: ١٠١ - ١٠٢] الآيات، بيان لجهلهم وتركهم الحق الواضح إلى الباطل الظاهر بطلانه، وإليه الإشارة بقوله: "أي: استبدل ما تتلوا الشياطين من كتاب الله" وكان من الظاهر أن يكتفي عن قوله: (مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) بقوله: واتبعوا السحر، لكن كنى به عنه حتى يحسن استطراد (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) وما اتصل به، تصويرًا لقبح ما ارتكبوه، حيث بدلوا علوم الدين بعلوم الشياطين، ومن هذا القبيل وضع "من اشتراه" في قوله: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ) الآية موضع
[ ٣ / ٢١ ]
(وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ) أي: باعوها. وقرأ الحسن: (الشياطون)، وعن بعض العرب: بستان فلان حوله بساتون، وقد ذكر وجهه فيما بعد. وقرأ الزهري: (هاروت وماروت) بالرفع على: هما هاروت وماروت
ـ
_________________
(١) ـ "لقد علموا أن ذلك الاشتراء خسران"، ليثبت لهم العلم بخسران أنفسهم بالطريق البرهاني وعلى البت والقطع. وفي لفظة: (تَتْلُو الشَّيَاطِينُ) إشارة إلى هذا المعنى: إما على سبيل المشاكلة التقديرية يشعر به قوله: "هو بين أيديهم يقرؤونه" كأنه قيل: تركوا قراءة كتاب الله، واشتغلوا بقراءة كتاب الشياطين، أو الاستعارة التهكمية؛ لأن التلاوة عرفًا خصت بقراءة القرآن. الراغب: تلاه: تبعه متابعة ليس بينهما ما ليس منهما، وذلك تارة يكون بالجسم وتارة بالاقتداء في الحكم، وتارة بالقراءة، وتختص بإتباع كتب الله المنزلة بالقراءة، وقوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ) فاستعمل فيه لفظ التلاوة لما كان يزعم الشياطين أن ما يتلونه من كتب الله. قوله: (وقد ذكر وجهه فيما بعد) أي: يذكر. ووجهه أنه رأى آخره كآخر يبرين وفلسطين، فتخير بين أن يجري الإعراب على النون وبين أن يجريه على ما قبله فيقول: الشياطين والشياطون، كما تخيرت العرب بين أن يقولوا: هذه يبرون ويبرين، وفلسطين وفلسطون، وحقه أن تشتقه من الشيطوطة، وهي الهلاك كما قيل له الباطل، هذا ما ذكره المصنف في "سورة الشعراء".
[ ٣ / ٢٢ ]
وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، ولو كانا من الهرت والمرت، وهو الكسر- كما زعم بعضهم- لانصرفا. وقرأ طلحة: (وما يعلمان) من أعلم. وقرئ: (بين المُرْءِ) بضم الميم وكسرها مع الهمز، و(المَرِّ) بالتشديد على تقدير التخفيف والوقف، كقولهم: فرج، وإجراء الوصل مجرى الوقف. وقرأ الأعمش: (وما هم بضاري) بطرح النون والإضافة إلى (أَحَدٍ) والفصل بينهما بالظرف. فإن قلت: كيف يضاف إلى (أَحَدٍ) وهو مجرور بـ (مِنْ)؟ قلت: جعل الجار جزءًا من المجرور
_________________
(١) ـ وقال غيره: الشيطان يحتمل أن يكون من شطن، وأن يكون من شاط، فجمعه على حال الرفع جمع السلامة بعد رده إلى المصدر، وهو الشياط، كما قيل: خاط خياطًا، فأقامه مقام الاسم، وفي غير حال الرفع جمعه على فياعيل، نحو شياطينهم، فعلى هذا فالشيطان فيعال من: شطن، وعلى الوجه الآخر فعلان من: شاط. قوله: (وقرئ: بين المُرء) قال ابن جني: "المُرء" بضم الميم وسكون الراء والهمز: قراءة ابن أبي إسحاق، و"المرء"بكسر الميم والهمز: قراءة الأشهب، وهما لغتان، و"المَرِّ" بالتشديد: قراءة الزهري، ووجهه أنه أراد التخفيف، ووقف فصار "المَر" بسكون الراء، ثم ثقل للوقف على قول من قال: هذا خالد، وهو يجعل، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، فأقر التثقيل بحاله. قوله: ("وما هم بضاري" بطرح النون) قال ابن جني: هذا من أبعد الشواذ، وأمثل ما يقال فيه: أن يكون "وما هم بضاري أحد به، ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف، وفيه شيء آخر وهو أن هناك أيضًا "من" في (مِنْ أَحَدٍ) غير أنه أجرى الجار مجرى جزء من
[ ٣ / ٢٣ ]
فإن قلت: كيف أثبت لهم العلم أولًا في قوله: (وَلَقَدْ عَلِمُوا) على سبيل التوكيد القسمي، ثم نفاه عنهم في قوله: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)؟ قلت: معناه: لو كانوا يعملون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه.
[(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ* مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ١٠٣ - ١٠٥].
(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا) برسول الله والقرآن (وَاتَّقَوْا) الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين (لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ)، وقرئ: "لمثوبة" كمشورة ومشورة،
_________________
(١) المجرور، فكأنه قيل: وما هم بضاري به أحد. قيل: يقرب هذا من قول سيبويه في: لا أبا لك على الإضافة، واللام لتأكيد الإضافة ولا يجوز أن يكون طرح النون من "بضاري" نحو طرحها في قول الشاعر: الحافظو عورة العشيرة لأن طرحها على هذا الحد إنما يجوز في المعرف باللام. قوله: (وقرئ: لمثوبة) أي: بفتح الواو، قرأ بها قتادة وابن بريدة وأبو السمال.
[ ٣ / ٢٤ ]
(لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أن ثواب الله خير مما هم فيه، وقد علموا، ولكنه جهلهم لترك العمل بالعلم.
فإن قلت: كيف أوثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب "لو"؟ قلت: لما في ذلك من الدلالة على إثبات المثوبة واستقرارها، كما عدل عن النصب إلى الرفع في (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) [الرعد: ٢٤] لذلك. فإن قلت: فهلا قيل: لمثوبة الله خير؟ قلت: لأن المعنى: لشيء من الثواب خير لهم. ويجوز أن يكون قوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا)
_________________
(١) ـ قوله: (كيف أوثرت الجملة الاسمية على الفعلية؟) قال الزجاج: لمثوبة في موضع جواب "لو" لأنها تنبئ عن قولك: لأثيبوا. المعنى: ثواب الله خير لهم من كسبهم بالسحر والكفر. وقال القاضي: وحذف المفضل عليه إجلالًا للمفضل من أن ينسب إليه. قوله: (لأن المعنى: لشيء من الثواب خير لهم) يعني: المقام يقتضي الترغيب في الثواب، والزجر عن المعاصي، والمعنى: لشيء قليل من ثواب الله خير مما شروا به أنفسهم من إتباع ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان. قلت: إنما جمع بين معنى الدوام والقلة ليؤذن أن قدرًا يسيرًا من الثواب في الآخرة مع الدوام، خير من كثير ثواب الدنيا مع الزوال، فكيف وثواب الله كثير دائم! قوله: (ويجوز أن يكون قوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا» عطف على قوله: "ولو أنهم آمنوا برسول الله والقرآن" على أن "لو" للتمني، و"لمثوبة" جملة مبتدأة، وعلى الأول "لو" لامتناع الشيء لامتناع غيره، وجوابه "لمثوبة" وإنما خص رسول الله والقرآن بالذكر ليؤذن باتصال الآية بقوله: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) [البقرة: ١٠١]، وأتى
[ ٣ / ٢٥ ]
تمنيًا لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم واختيارهم له، كأنه قيل: وليتهم آمنوا، ثم ابتدئ: (لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ).
كان المسلمون يقولون لرسول الله إذا ألقى عليهم شيئًا من العلم: راعنا يا رسول الله! أي: راقبنا وانتظرنا وتأن بنا حتى نفهمه ونحفظه، وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية؛ وهي (راعينا)، فلما سمعوا بقول المؤمنين:
_________________
(١) ـ بقوله: "فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين" لينبه أيضًا على اتصاله بقوله: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ) [البقرة: ١٠٢]. قوله: (تمنيًا لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم واختيارهم له) إشارة إلى مذهبه، وارتكب فيه أمرًا عظيمًا؛ لأن التمني أصله أن يستعمل فيما لا يتوقع حصوله، ولا يصح حمل هذا على إرادة الله إيمانهم، لا حقيقة ولا مجازًا؛ لأن الله تعالى إذا أراد شيئًا أن يقول كن فيكون. فإن قلت: التمني مجاز عن بلوغ تماديهم في الطغيان إلى حد لا يمكن تصور الإيمان منهم. يقال: فإذن يلزم أن يكون مراد الله مغلوبًا بمرادهم. والحق أن يكون التمني من جهة العباد تنبيهًا من الله تعالى على إرادة الكفر منهم على معنى: أن من عرف حالهم قال ذلك على منوال: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافات: ١٤٧] كما عليه مذهب أهل السنة. المعنى: حصول إيمانهم غير ممكن؛ لأن الله تعالى يريد الكفر منهم، وإذ لا يمكن حصول الإيمان فيطلب كما تطلب المحالات بأن يقال في حقهم: ليتهم آمنوا! قوله: (ثم ابتدئ: (لَمَثُوبَةٌ) أي: استؤنف. كأنهم لما تمنوا لهم ذلك، قيل لهم: ما هذا التحسر والتمني؟ فأجابوا: لأنا نعلم أن هؤلاء المجازفين حرموا ما شيء قليل منه خير من الدنيا وما فيها، وهم لا يعلمون ذلك، فـ "لو" الثانية أيضًا للتمني. قوله: (وكانت لليهود كلمة يتسابون بها، عبرانية أو سريانية وهي: "راعينا" يعني: قولة
[ ٣ / ٢٦ ]
راعنا افترضوه وخاطبوا به الرسول ﷺ، وهم يعنون به تلك المسبة؛ فنهي المؤمنون عنها، وأمروا بما هو في معناها؛ وهو: (انظُرْنَا) من نظره؛ إذا انتظره. وقرأ أبي: (أنظرنا) من النظرة، أي: أمهلنا حتى نحفظ. وقرأ عبد الله بن مسعود: (راعونا) على أنهم كانوا يخاطبونه بلفظ الجمع؛ للتوقير. وقرأ الحسن: (راعنًا) بالتنوين من الرعن؛ وهو الهوج، أي: لا تقولوا قولًا راعنًا، منسوبًا إلى الرعن بمعنى رعنيًا، كدارع ولابن؛ لأنه لما أشبه قولهم: (راعينا)، وكان سببًا في السب؛ اتصف بالرعن
_________________
(١) "راعينا" كلمة ذات وجهين تحتمل المدح والذم، أما المدح فباعتبار العربية، والسب بالعبرانية، فجعلوا كلمة الحق باطلًا، والمدح ذمًا، فهذا أيضًا من تعاكيسهم كاستبدال كلام الشياطين بكلام الله. قوله: (راعنا) من راعيت الأمر، نظرت إلام يصير، وأنا أراعي فلانًا، أنظر ماذا يفعل. الجوهري: راعيت الأمر: نظرت إلى أين يصير. وراعيته: لاحظته. الراغب: الرعي: حفظ الغير في أمر يعود بمصلحته، ومنه رعي الغنم، ورعي الوالي الرعية، وعنه نقل: أرعيته سمعي، وتشبيهًا برعي الغنم، قيل: رعيت النجوم، إذا راقبتها. قوله: (من الرعن وهو الهوج) الأهوج: الطويل الأحمق. وصف الكلام به مبالغة كما يقال: كلمة حمقاء. قال الزجاج: معنى قراءة الحسن راعنًا بالتنوين، لا تقولوا حمقًا من الرعونة. قوله: (لأنه لما أشبه) تعليل لتسمية قولهم: راعنًا بالرعن ووصفه بالرعونة. يعني: لم يكن قصدهم فيه هذا المعنى، لكن لما أشبه قولهم قولهم، فكانت المشابهة سببًا لافتراضهم السب سمي بالرعن؛ إطلاقًا لاسم السبب على المسبب، والفرق بين القراءتين: أن تعليل النهي في قراءة الحسن منصوص عليه، وفي الأولى مطلق.
[ ٣ / ٢٧ ]
(وَاسْمَعُوا): وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الهل ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة؛ حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة؛ أو: اسمعوا سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود حيث قالوا: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) [البقرة: ٩٣]؛ أو: واسمعوا ما أمرتم به بجد؛ حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه؛ تأكيدًا عليهم ترك تلك الكلمة. وروي: أن سعد بن معاذ سمعها منهم، فقال: يا أعداء الله! عليكم لعنة الله! والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها
_________________
(١) ـ قوله: «وَاسْمَعُوا): وأحسنوا سماع ما يكلمكم) أي: أجيدوا. قال في قوله تعالى: (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) [السجدة: ٧] حقيقته: يحسن معرفته. أي: يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإتقان. وإنما فسر "واسمعوا" بما فسر من الوجوه الثلاثة لينبه على أن المسلمين كانوا يسمعون كلام رسول الله ﷺ لكن سماع مقصر غير واع، فأمروا بأن يسمعوا حق السماع. أولها: فسره بمعنى إلقاء الذهن وإحضار القلب، يعني: أنكم إنما احتجتم إلى قولكم "راعنا" لأنكم لم تكونوا تحسنون السماع، وكان ذلك مستلزمًا لذلك المحذور، فأحسنوا السماع لئلا يلزم ذلك. وثانيها: أن يراد بقوله: "واسمعوا" القبول والطاعة، نهاهم أولًا بقوله: "لا تقولوا راعنا" على إرادة: تأن بنا حتى نحفظه عن مجرد جعل الحفظ غاية للتأني كما قدره، ثم أمرهم بقوله: (وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا) [البقرة: ١٠٤] إعلامًا بأن السماع المعتبر أن يجمعوا بين الفهم والعمل حتى تكون غاية الفهم العمل تعريضًا باليهود حيث سمعوا ولم يعملوا وعصوا. وثالثها: أن يكون "اسمعوا" تكريرًا للتأكيد كما تقول: لا تضرب زيدًا واسمع أمري، فهو تأكيد للكلام المسموع. يعني: إذا تلقيتم من رسول الله ﷺ قولًا تلقوه بجد وعزيمة حتى لا تحتاجوا إلى أن تقولوا: راعنا.
[ ٣ / ٢٨ ]
لرسول الله ﷺ، لأضربن عنقه. فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت. (وَلِلْكَافِرِينَ): ولليهود الذين تهاونوا برسول الله ﷺ وسبوه (عَذَابٌ أَلِيمٌ).
"من" الأولى للبيان؛ لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون، كقوله تعالى: (لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ) [البينة: ١]؛ والثانية مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة لابتداء الغاية
_________________
(١) ـ قوله: «وَلِلْكَافِرِينَ): ولليهود الذين تهاونوا برسول الله ﷺ) إشارة إلى أن قوله: للكافرين مظهر وضع موضع ضمير اليهود؛ للإشعار بأن قولهم ذلك كان تهاونًا بالرسول، ومن أهان نبي الله وحبيبه كان غاليًا في الكفر، كاملًا فيه مستحقًا لأن يعذب بعذاب أليم، أي: مبالغ في الإيلام نحو جد جده. فإن قلت: لِمَ لَمْ يجعل التعريف للجنس ليدخل اليهود فيه دخولًا أوليًا؟ قلت: ليس بظاهر؛ لأن الكلام مع المؤمنين فلا يصح قوله: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة: ١٠٤] أن يكون تذييلًا، بخلافه في قوله: (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [البقرة: ٨٩] وإذا جعل التعريف للعهد اختص باليهود بقرينة السياق، وكان تعريضًا بالمؤمنين وتغليظًا للوصف. قوله: ("من" الأولى للبيان) أي: في قوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ) [البقرة: ١٠٥]، "والثانية مزيدة" أي: في قوله: (مِنْ خَيْرٍ) لأنها واقعة في سياق النفي، فتفيد النكرة العموم، وهو المراد من قوله: "لاستغراق الخير" أي: لتأكيد استغراق الخير، "والثالثة لابتداء الغاية" أي: في قوله: (مِنْ رَبِّكُمْ). المعنى: أن الكفر في الفريقين يقتضي عدم ودادتهم إنزال الخير من الله، وفي تخصيص أهل الكتاب وإيقاع الكفر صلة للموصول وبيانه بقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) وإقامة المظهر مقام المضمر، الإشعار بأن كتابهم يدعوهم إلى متابعة الحق، لكن كفرهم يمنعهم.
[ ٣ / ٢٩ ]
والخير: الوحي وكذلك الرحمة، كقوله: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ) [الزخرف: ٣٢]، والمعنى: أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم؛ فيحسدونكم، وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ) بالنبوة (مَنْ يَشَاءُ)، ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة، (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ): إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم، كقوله تعالى: (إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا) [الإسراء: ٨٧].
[(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ* أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ*
_________________
(١) ـ وفيه: أن الكفر شر كله؛ لأنه هو الذي يورث الحسد، ويحمل صاحبه على أن يبغض الخير ولا يحبه البتة، وأن الإيمان خير كله؛ لأنه يحمل صاحبه على تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى. قوله: (والخير: الوحي، وكذلك الرحمة) فعلى هذا قد أقيم المظهر، وهو الرحمة، مقام المضمر، وهو ضمير الوحي من غير لفظه السابق؛ ليؤذن بأن الوحي هو عين الرحمة، كما أن إرساله ﷺ محض الرحمة لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: ١٠٧] وكذلك لفظة "الله" في قوله: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) [البقرة: ١٠٥] أقيم مقام ضمير "ربكم" لينبه به على أن تخصيص بعض الناس بالخير دون بعض ملائم للألوهية، كما أن إنزال الخير على العموم مناسب للربوبية. قوله: (إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم) جعل إيتاء النبوة بعضًا من الفضل العظيم؛ لأن الفضل العظيم يعم جميع الأفضال، فقوله تعالى: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) تذييل، أو لكون الكلام في النبوة دخلت فيه دخولًا أوليًا.
[ ٣ / ٣٠ ]
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ١٠٦ - ١١٠].
روي أنهم طعنوا في النسخ، فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولًا ويرجع عنه غدًا! فنزلت. وقرئ: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ) و(ما ننسخ) بضم النون من أنسخ (أو ننسأها) وقرئ: (نُنسِهَا)، و(نُنَسِّها) بالتشديد، و(تَنْسَها)، و(تُنْسَها) على خطاب الرسول، وقرأ عبد الله: (ما ننسك من آية أو ننسخها)، وقرأ حذيفة: (ما ننسخ من آية أو ننسكها). ونسخ الآية: إزالتها بإبدال أخرى مكانها،
_________________
(١) ـ قوله: ("ما ننسخ" بضم النون) ابن عامر، وبالفتح الباقون، "أو ننسأها" بالهمز: ابن كثير وأبو عمرو، والباقون: بغير همز، والبواقي: شواذ. والمصنف جمع المعنيين، أي: النساء والإنساء في الإذهاب بالكلية. قال القاضي: نسخ الآية: بيان انتهاء التعبد بقراءتها، أو الحكم المستفاد منها، أو بهما جميعًا. قوله: (ونسخ الآية: إزالتها بإبدال أخرى) أي: آية أخرى مكانها، ولابد من هذا التقدير؛ لأن "خيرًا منها" صفة موصوف محذوف، ولابد من القرينة الدالة على خصوصيته،
[ ٣ / ٣١ ]
_________________
(١) وهي قوله: (مِنْ آيَةٍ) كما قدرها المصنف، ولو قدرت غيرها لركبت شططًا، ونظيره قوله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) [آل عمران: ٧]، أي: آيات أخر؛ هذا مشعر بأن الناسخ للكتاب ينبغي أن يكون الكتاب لا شيئًا غيره، وهو موافق لما ذهب إليه الإمام الشافعي؛ لأنه منع نسخ القرآن بالخبر المتواتر، وهو موافق لما ورد عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "كلامي لا ينسخ كلام الله، وكلام الله ينسخ بعضه بعضًا"، رواه الدارقطني، وكيف يخفى على الإمام ما خفي على غيره وهو من أعلام المختصين وقد قال ابن الصلاح: أعيى الفقهاء وأعجزهم معرفة ناسخ حديث رسول الله ﷺ من منسوخه. وكان للشافعي ﵁ اليد الطولى والسابقة الأولى. وقال أحمد بن حنبل ﵁: ما عرفنا المجمل من المفسر، ولا الناسخ في الحديث من منسوخه حتى جالسنا الشافعي. والآيات التنزيلية شواهد صدق؛ ذلك لأن الناسخ لابد أن يكون خيرًا من المنسوخ أو مثله قوله تعالى: (نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: ١٠٦] والسنة ليست بخير من القرآن ولا مثله، وأيضًا قال: (نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) والضمير في "نأت" لله تعالى فيكون الآتي بالناسخ هو الله تعالى. وأجاب الجمهور عن الأول: أن المراد بالنسخ، هو نسخ الحكم لا اللفظ؛ لأن القرآن
[ ٣ / ٣٢ ]
وإنساخها: الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها. ونسؤها: تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل. وإنساؤها: أن يذهب بحفظها عن القلوب. والمعنى: أن كل آية نذهب بها على ما توجبه
_________________
(١) لا تفاضل فيه، ويجوز أن يكون حكم السنة خيرًا من حكم القرآن، أو مثلًا له؛ لأنه يجوز أن يكون حكم السنة أصلح للمكلف من حكم القرآن. وعن الثاني: أنه يصح إطلاق "نأت" على ما أتى به الرسول ﷺ؛ لأن ما أتى به الرسول ﵇ أيضًا من عند الله لقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: ٣ - ٤]. قلت: أما قولهم: إن المراد بالنسخ هو نسخ الحكم لا اللفظ، فهو تخصيص من غير مخصص، على أن الآية ورودها في شأن أهل الكتاب ورد ودادتهم أن لا ينزل الله تعالى على رسوله صلوات الله عليه هذا الكتاب الشريف فينسخ به كتابهم لفظًا وحكمًا. ورد أنه ﷺ اختص به دونهم، وأنه ﷺ هو الذي يبدله من تلقاء نفسه بشهادة سبب النزول، ويدل عليه قوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ) [البقرة: ١٠٥] إلى قوله تعالى: (مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة: ١٠٧]، فإذن كيف يتصور خلاف هذه المعاني! وعن قولهم: أن يكون حكم السنة أصلح، فإنه قريب من القول بالاعتزال مع أن قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [البقرة: ١٠٧] يقلع هذا الزعم؛ لأن معناه أن الله تعالى إنما يحسن منه النسخ، لكونه مالكًا للخلق، ومستوليًا عليهم، لا لثواب يحصل ولا لعقاب يدفع، ولا لغرض من الأغراض، لأن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية.
[ ٣ / ٣٣ ]
_________________
(١) وأما قولهم: "إنه يصح إطلاق "نأت" على ما أتى به الرسول ﷺ فمردود جدًا، لما يلزم منه فك التركيب، وارتكاب المحذور، أما فك التركيب، فإن الضمائر في "ننسخ" و"ننسها" و"نأت" دالة على تعظيم الفاعل، ومنادية على جلالته واستبداده بما فعله، فإذا دخل الغير يفوت الغرض المطلوب، ولاشك أنه لا مدخل لرسول الله ﷺ في "ننسها"، فإذا فرق الضمائر، ينخرم النظم، وأن ضمير الخطاب في قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ) - إذا خص بالنبي ﷺ أو عم- والاستفهام المفيد للتقرير ينافي اشتراكه ﷺ في تلك الضمائر، وكذا وضع المظهر موضع المضمر، وتخصيصه بذكر اسم الذات في قوله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ) مكررًا. وأما ارتكاب المحذور، فهو إذا جعل الفاعل في قوله: "ننسخ" و"نأت" الله، والغير؛ فلا يخلو، إما أن يكون حقيقة فيه دون الله ﷾، أو مجازًا، أو مشتركًا بينهما، فالكل باطل؛ أما بطلان الأول والثاني فظاهر، لأنه يستلزم اجتماع إرادة الحقيقة والمجاز معًا. وأما الثالث، فيستلزم تعدد الفاعل، وحينئذ يفوت التعظيم المطلوب. وأما استدلالهم بقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: ٣ - ٤] فضعيف أيضًا؛ لأن الكلام هناك في المنزل؛ لأن الكفار كانوا ينسبونه إلى الجن، ويسمون قائله مجنونًا بشهادة الآيات المناسبة لها كقوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) إلى قوله: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) [التكوير: ٢٢] وقوله: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) وقوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ) [الحاقة: ٤٠ - ٤١] ولهذا عقبة بقوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) [النجم: ٣ - ٥]، فإذن لا تدخل في المعنى الأحاديث الواردة منه ﷺ.
[ ٣ / ٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأما نقل ابن الحاجب عنهم: أن قوله ﷺ: "لا وصية لوارث" نسخ الوصية بالوالدين والأقربين، والرجم للمحصن نسخ الجلد، فضعيف أيضًا، لما روى الإمام عن الشافعي ﵁: أن الوصية للأقربين منسوخة بآيات المواريث، وأن آية الجلد مخصوصة بما روى عمر ﵁: أن قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها" كان قرآنًا، فلعل النسخ إنما وقع به. وقلت: رواه البخاري ومسلم ومالك والترمذي وابو داود وابن ماجة عن ابن عباس قال: سمعت عمر ﵁، وهو على منبر رسول الله ﷺ يخطب ويقول: إن الله بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله تعالى آية الرجم، فقرأناها ووعيناها. ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمن أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى في كتابه، فإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، وايم الله لولا أن يقول الناس: زاد [عمر] في كتاب الله لكتبتها"، وفي رواية مالك وابن ماجة: وقد قرأ بها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما". وقال مالك: الشيخ والشيخة: الثيب والثيبة. وأما حديث: "لا وصية لوارث" فلا يتم استدلالهم به، لأنهم شرطوا التواتر في الحديث الناسخ، وهذا لم يبلغ إلى الدرجة القصوى في الصحة، فكيف بالتواتر؛ لأن أئمة الحديث
[ ٣ / ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأساطين النقل مثل: البخاري ومسلم ومالك والنسائي، ما أوردوه في كتبهم، بل ذكره الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ في خطبته عام حجة الوداع [يقول]: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" أو على تقدير تواتره، فقوله: أعطى كل ذي حق حقه، إشارة إلى آية المواريث، فالحديث موضح لدلالة نسخ آية المواريث لهذه الآية. والحمد لله الذي هدانا لنصرة الحق، وترجيح مذهب الإمام المطلبي ﵁. والعجب أن الأصحاب خالفوا أصولهم في القول بالأصلح، وأبوا متابعة إمامهم، وأولوا ظاهر النص القاطع، وأن المصنف خالف أصحابه ووافقنا، فإن شئت فجرب ذوقك في المتلو من قوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) [البقرة: ١٠٥] إلى آخر قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة: ١٠٧]، ثم انظر: هل تجد مجالًا أن تقحم فيه فعل الغير أو كلامه. فائدة في معرفة التواتر من "كتاب ابن صلاح" و"مختصره" لمحيي الدين النواوي
[ ٣ / ٣٦ ]
المصلحة من إزالة لفظها وحكمها معًا، أو من إزالة أحدهما إلى بدل أو غير بدل
_________________
(١) رحمهما الله: التواتر عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولابد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه، ومن سئل عن إبراز مثال لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه، وحديث: "إنما الأعمال بالنيات" ليس من ذلك بسبيل، وإن نقله عدد التواتر وزيادة؛ لأن ذلك طرأ عليه في وسط إسناده، ولم يوجد في أوائله، نعم حديث "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" نراه مثالًا لذلك، فإنه نقله من الصحابة العدد الجم، وهو في "الصحيحين" مروي عن جماعة منهم، روى بعض الحفاظ: أنه رواه عن رسول الله ﷺ اثنان وستون من الصحابة، وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وقيل: أكثر من ذلك، وقيل: لا يعرف حديث اجتمع عليه العشرة إلا هذا، وقال الشيخ ابن صلاح: ثم لم يزل عدد رواته في ازدياد، وهلم جرًا على التوالي والاستمرار، والله أعلم. قوله: (من إزالة لفظها وحكمها معًا) عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن" أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود. قوله: (أو من إزالة أحدهما إلى بدل، أو غير بدل) هذا مبني على قوله أولًا: "نسخ الآية: إزالتها بإبدال أخرى مكانها" ونسؤها: تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل". فإن قلت: كيف يستقيم قوله: وإذهابها لا إلى بدل مع قوله تعالى: (نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: ١٠٦]؟ قلت: لابد في كلامه من تقدير محذوف وتعسف ليستقيم. فقوله: "إلى بدل" يتعلق بقوله:
[ ٣ / ٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ "إزالة لفظها وحكمها معًا أو من إزالة أحدهما" وهو معنى النسخ، وقوله: "أو غير بدل" لا يتعلق بالمذكور، بل بالإنساء. المعنى: ما ننسخ من آية نأت بخير منها أو مثلها، وما ننس من آية لم نأت بدلها، فحذف في الجزاء أحد ما يقابل به "ما" في الشرط. وقلت وبالله التوفيق: الحق أن الآية دالة على شيئين: على النسخ وعلى الإنساء، وعلى أن لكل واحد منهما بدلًا، فالمناسب للنسخ أن يؤتى بآية أخرى، سواء أثبت بها حكم آخر مع إزالة الآية الأولى، أو أزيل بها الحكم الثابت، والمناسب للإنساء أن يؤتى بأخرى لكن لا على طريق النسخ. والحاصل: أن ما اعتبر فيه إزالة الحكم هو النسخ، وما لا يعتبر فيه ذلك هو الإنساء. ويعضده ما روينا عن مسلم، عن أبي موسى: "إنا كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة بـ "براءة" فأنسيتها غير أني حفظت منها: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)، وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة) "، فتنزيله على هذه القاعدة أن يقال: إنه يمكن أن الله تعالى أنزل بعد هاتين السورتين المنسيتين سورًا وآيات غير مشتملة على إبطالهما وإزالتهما. روينا عن البخاري عن ابن عباس قال: "آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا". وعن مسلم عن عبيد الله بن عبد الله قال: قال لي ابن عباس: "أتدري آخر سورة نزلت من القرآن جميعًا؟ " قلت: نعم، "إذا جاء نصر الله والفتح"، قال: "صدقت".
[ ٣ / ٣٨ ]
(نأتِ بـ) آية (خَيْرٍ مِنْهَا) للعباد، أي: بآية العمل بها أكثر للثواب (أَوْ مِثْلِهَا)
_________________
(١) ويمكن تنزيل قول المصنف على هذا التقرير، فإن قوله: "إلى بدل أو غير بدل" مشير إلى النسخ والإنساء في الشرط، وقوله: "نأت بخير منها للعباد" إلى معنى الجزاء، أي: بخير منها، إما على طريقة النسخ والإبدال، أو على غير هذه الطريقة. والمقام يساعد هذا التقرير؛ لأن الكلام جار في أمر المنزل على رسول الله ﷺ وإبطاله كتب اليهود والنصارى، والكتب المنسوخة مشتملة على أحكام وغيرها، والناسخ كذلك، فقوله: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) تفصيل لكيفية إبدال المنزل عن الكتب السابقة على سبيل العموم، لأن تلك الأحكام، بعضها منسوخة، وبعضها مقررة، وغير الأحكام مثل القصص والتوحيد ومكارم الأخلاق منسي، ومتروك التلاوة مأمور بالإنساء عنها. وأما نسخ القرآن بالقرآن، فمستفاد من عموم الآية على طريقة إشارة النص وأسلوب الإدماج، فإذن لابد في النسخ بالإتيان بآية أخرى، ولا يرد قولهم: قد جاء النسخ بلا بدل كما في قوله تعالى: (إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) [المجادلة: ١٢] لمجيء البدل وهو قوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الدال بمفهومه على إباحة الصدقة. قوله: «بـ) آية (خَيْرٍ مِنْهَا) للعباد، أي: بآية العمل بها أكثر للثواب) يشير إلى أن الخيرية في الآية من حيث الثواب، لا اللفظ؛ لأن القرآن لا تفاضل فيه بحسب اللفظ، وفيه بحث. فإن قلت: إذا كان جواز النسخ معللًا بكون الناسخ خيرًا منه من حيث كون العمل بها أكثر ثوابًا، لزم جواز ذلك بالحديث بهذه العلة. قلت: لا يلزم؛ لأن الخيرية من هذه الحيثية ليست علة مستقلة، بل مع قيد عدم التفاضل في اللفظ، فإن الثواب الحاصل من نفس قراءة القرآن لا يوازيه قراءة الحديث.
[ ٣ / ٣٩ ]
في ذلك (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو يقدر على الخير وما هو خير منه. وعلى مثله في الخير.
(لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) فهو يملك أموركم ويدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم، وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ
لما بين لهم أنه مالك أمورهم ومدبرها على حسب مصالحهم من نسخ الآيات وغيره وقررهم على ذلك بقوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ)، أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم مما يتعبدهم به وينزل عليهم، وان لا يقترحوا على رسولهم
_________________
(١) قوله: (فهو يملك أموركم ويدبرها) الفاء سببية. يعني: إنما رتب حكم النسخ على هذه الصفة، وهي أنه مالك السماوات والأرض ليؤذن أنه تعالى يدبر مصالحكم في النسخ والإنساء؛ لأن من دبر أمرًا هو أعظم لا يمتنع عليه الأهون، وعندنا من هو مالك للأمور كلها، له التصرف في ملكه ما يشاء. قوله: (لما بين لهم أنه مالك أمورهم) إلى قوله: "أراد أن يوصيهم بالثقة به" بيان لربط قوله: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ) [البقرة: ١٠٨] الآية مع الآيات السابقة، يعني لما رد على اليهود قولهم في النسخ والطعن فيه، وعم الخطاب للكل في قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ) [البقرة: ١٠٦] إلى قوله: (لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [البقرة: ١٠٧] لأنه من أسلوب قوله ﷺ: "بشر المشائين" رجع إلى المسلمين بخطابهم فيما يشبه حالهم حال اليهود من سؤالهم لما يضرهم ويرديهم، توصية لهم بالثقة بالله، وبما ينزل عليهم من القرآن، وأن لا يكونوا كاليهود في اقتراحهم على نبيهم، ثم لما أراد أن يؤكد النهي عن اقتفائهم آثار اليهود ذكر بعض ما صدر منهم من الحسد وتمني الكفر لهم قال: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) [البقرة: ١٠٩].
[ ٣ / ٤٠ ]
ما اقترحته آباء اليهود على موسى من الأشياء التي كانت عاقبتها وبالًا عليهم، كقولهم:
_________________
(١) فإن قلت: فسر المصنف تبدل الكفر بالإيمان بترك الثقة بالآيات المنزلة على العموم، فلم خصت الآيات بالقرآن في قولك: وبما ينزل عليهم من القرآن؟ قلت: لا ارتياب أن قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ) الآية، تذييل للكلام السابق على سبيل التهديد والوعيد، والتذييل ما يؤتى في آخر الكلام بما يشتمل على المعنى السابق؛ توكيدًا له، فبالنظر على كونه تذييلًا فسر المفسر بالعموم، وبالنظر إلى ما سيق له الكلام وأنه وارد في أصحاب رسول الله ﷺ واقتراحهم ما اقترحوه؛ خصصناه بالقرآن. قوله: (ما اقترحه آباء اليهود على موسى) جاء في بعض الروايات في "التفسير الكبير": أن المراد بهذا السؤال اقتراحهم على النبي ﷺ أن يجعل لهم ذات أنواط. على ما رويناه عن أبي واقد أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى غزوة حنين، مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها: "ذات أنواط"، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: "سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا غلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم" أخرجه الترمذي، وزاد رزين: "حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، إن كان فيهم من أتى أمه يكون فيكم، فلا أدري أتعبدون العجل أم لا". هذا، وأما استشهاده بقوله: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) [النساء: ١٥٣] فمحض تعصب.
[ ٣ / ٤١ ]
(اجْعَل لَنَا إِلَهًا) [الأعراف: ١٣٨]، (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) [النساء: ١٥٣] وغير ذلك. (وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ): ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة وشك فيها واقترح غيرها (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ). روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرًا من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلًا. فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا شديد، قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت. فقالت اليهود أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله ربًا، وبمحمد نبيًا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا. ثم أتيا رسول الله ﷺ وأخبراه فقال: "أصبتما خيرًا وأفلحتما"؛ فنزلت. فإن قلت: بم تعلق قوله: (مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ)؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما:
_________________
(١) قال صاحب "النهاية": ذات أنواط: اسم سمرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم، أي: يعلقونها ويعكفون حولها. قوله: (وشك فيها) عطف تفسيري على "ترك الثقة بالآيات". قوله: (فيه وجهان): أحدهما: أن يتعلق بـ "ود" على معنى وتمنيهم ذلك من عند أنفسهم" وثانيهما: "أن يتعلق بـ "حسدًا" أي: منبعثًا من أنفسهم" جعل "من" ابتدائية، وتصور معنى الظرفية في "عند" و"من" ثم قال: "من قبل أنفسهم": منبعثًا من أنفسهم. قال السيد ابن الشجري في "الأمالي" ردًا على مكي بن أبي طالب المغربي في الوجهين:
[ ٣ / ٤٢ ]
أن يتعلق بـ (وَدَّ) على معنى أنهم تمنوا أن ترتدوا عن دينكم، وتمنيهم ذلك من عند أنفسهم، ومن قبل شهوتهم، لا من قبل التدين والميل مع الحق؛ لأنهم ودوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق، فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق؟ وإما أن يتعلق بـ (حَسَدًا) أي: حسدًا متبالغًا منبعثًا من أصل نفوسهم
_________________
(١) إن قول النحويين: هذا الجار متعلق بهذا الفعل يريدون أن العرب وصلته به، واستمر سماع ذلك منهم، فقالوا: رضيت عن جعفر، ورغبت في زيد، كذلك قالوا: حسدت زيدًا على علمه، ولم يقولوا: حسدته من ابني. وكذلك وددت لم يعلقوا به "من" فثبت بهذا أن قوله: (مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ) لا يتعلق بـ (حَسَدًا) ولا بـ (وَدَّ)، لكنه متعلق بمحذوف يكون وصفًا لـ (حَسَدًا) أو وصفًا لمصدر (وَدَّ)، أي: حسدًا كائنًا من عند أنفسهم أو ودًا كائنًا من عند أنفسهم. والجواب: أن القول بإفضاء عمل الفعل إلى معمولِ معمولِه سائغ وقد قرره في قوله تعالى: (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِمًا) [يونس: ٢٧] وأيضًا باب التضمين والمجاز واسع. قوله: (حسدًا متبالغًا) أي: متناهيًا يقال: ابتلغ فيه الحسد وتبالغ متناهيًا من قولهم: تبالغ فيه المرض والهم. الأساس: تبلغت به العلة، إذا اشتدت. وإنما كان متناهيًا، لأنه انبعث من عند أنفسهم، وكان ذاتيًا كقوله تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) [الحشر: ٩] قال: وقد أضيف الشح إلى النفس لأنه غريزة فيها، ونفس الرجل كزة حريصة على المنع. قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس سره: إن النفوس مجبولة على
[ ٣ / ٤٣ ]
(فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة (حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) الذي هو قتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم. (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو يقدر على الانتقام منهم. (مِنْ خَيْرٍ) من حسنة: صلاة أو صدقة أو غيرهما
_________________
(١) ـ غرائز وطبائع هي من لوازمها وضرورتها خلقت من تراب وصلصال من حمأ مسنون، ولها بحسب تلك الأصول التي هي مبادئ تكونها، صفات من البهيمية والسبعية والشيطنة. وقلت: من الشيطنة نشأ الحسد، ولهذا قال المارد: خلقتني من نار، وخلقته من طين، والنارية في الإنسان من قوله تعالى: (كَالْفَخَّارِ) [الرحمن: ١٤]. قال أبو البقاء: حسدًا مصدر وهو مفعول له، والعامل (وَدَّ) أو (يَرُدُّونَكُمْ)، (مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ) "من" متعلقة بـ (حَسَدًا) أي: ابتداء الحسد من عند أنفسهم. قوله: (فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح) العفو: ترك عقوبة المذنب. والصفح: ترك تثريبه، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح، يقال: صفحت عنه، أي: أوليته مني صفحة جميلة معرضًا عنه، أو تجاوزت الصفحة التي أثبت فيها ذنبه. والعفو عنهم لا يكون على وجه الرضا بما فعلوا، بل دفعًا لاشتعال نائرتهم وزيادة إيذائهم، ولهذا علق بقوله: (حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) [البقرة: ١٠٩] وإنما أوثر العفو على الصبر على أذاهم والإعراض عنهم، ليؤذن بتمكين المؤمنين ترهيبًا للكافرين.
[ ٣ / ٤٤ ]
(تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ) تجدوا ثوابه عند الله. (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) عالم لا يضيع عنده عمل عامل.
[(وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ* بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) ١١١ - ١١٢].
الضمير في: (وَقَالُوا) لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والمعنى: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، والنصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فلف بين القولين؛ ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله،
_________________
(١) قال القاضي: روي عن ابن عباس ﵄: أنه منسوخ بآية السيف، وفيه نظر؛ إذ الأمر غير مطلق يعني: أن (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) مقيدان بقوله: (حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ). وأورد الإمام هذه الشبهة حيث قال: كيف يكون منسوخًا وهو متعلق بغاية كقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] وإذا لم يكن ورود الليل ناسخًا لم يكن ورود إتيان الأمر ناسخًا. وأجاب: أن الغاية التي يتعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعًا، لم يخرج ذلك الوارد عن أن يكون ناسخًا، ويحل محل (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) إلى أن أنسخه لكم. وقلت: ويؤيده حكم التوراة والإنجيل لأنه ذكر فيهما أن انتهاء مدة الحكم بهما إرسال النبي الأمي بنحو قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ) [الأعراف: ١٥٧] فكان ظهوره صلوات الله عليه نسخًا، والله أعلم.
[ ٣ / ٤٥ ]
وأمنًا من الإلباس؛ لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما لصاحبه، ونحوه: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا) [البقرة: ١٣٥] والهود: جمع هائد، كعائذ وعوذ، وبازل وبزل. فإن قلت: كيف قيل: (كَانَ هُودًا) على توحيد الاسم وجمع الخبر؟ قلت: حمل الاسم على لفظ (مَن)، والخبر على معناه، كقراءة الحسن: (إلا من هو صالو الجحيم). وقوله: (فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) [الجن: ٢٣]. وقرأ أبي بن كعب: (إلا من كان يهوديًا أو نصرانيًا). فإن قلت: لم قيل: (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ)، وقوله: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) أمنية واحدة؟ قلت: أشير بها إلى الأماني المذكورة وهو أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفارًا، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي: تلك الأماني الباطلة أمانيهم، وقوله: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) متصل بقولهم: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى). و(تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) اعتراض،
_________________
(١) ـ قوله: (كعائذ)، الجوهري: العوذ: الحديثات النتاج من الظباء والإبل والخيل، واحدتها عائذ، ويجمع أيضًا على عوذان. قوله: (و(تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) اعتراض) فإن قلت: من حق الاعتراض أن يكون مؤكدًا للمعترض فيه، فأين مقتضاه ها هنا؟ قلت: قوله: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) حكاية دعواهم الباطلة، وقد أكدوها بلفظة "لن" على سبيل الحصر، وقوله: (قُلْ هَاتُوا)، أي: بيانكم إن كنتم صادقين، بيان لبطلانها، وأن تلك الدعوى بمجرد القول لا برهان لهم فيها، وقوله: "تلك" إشارة لبعدها عن التحقيق وتحقير شأنها، ومن ثم سماها أماني، والأماني لا ثبوت لها، وأما على تقدير حذف المضاف فهي أبلغ في باب الاعتراض، يعني أن هذه الأمنية ليست ببدع منهم، بل كان أمانيهم مثل هذه.
[ ٣ / ٤٦ ]
أو أريد أمثال تلك الأمنية أمانيهم، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه يريد: إن أمانيهم جميعًا في البطلان مثل أمنيتهم هذه. والأمنية أفعولة من التمني، مثل الأضحوكة والأعجوبة. (هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) هلموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة: (إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) في دعواكم، وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين. وأن كل قول لا دليل عليه فهو باطل غير ثابت.
و"هات" صوت بمنزلة هاء بمعنى: أحضر. (بَلَى) إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة. (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ): من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره
_________________
(١) ـ قوله: (أو أريد أمثال تلك الأمنية أمانيهم) فعلى هذا المشار إليه بـ "تلك": هذه المقالة، وإنما بعدها لعظم شأنها وتفخيمها. الانتصاف: أو الأمنية الواحدة جمعت إشعارًا بأنها بلغت منهم كل مبلغ، كما قالوا: معي جياعًا، جمعت لزيادة تأكيد الواحد وإبانة زيادته على نظرائه. الإنصاف: وإنما جمع ليدل على تردد الأمنية في نفوسهم، وتكررها، فتصير أماني حقيقة، أو أن الأماني هي الأباطيل والأقاويل كما نقله المهدوي، وهذه الجملة أقاويل؛ لأنها نفت دخول غيرهم الجنة، وأثبتت دخول النصارى الجنة ودخول اليهود الجنة، وهي أقاويل وأباطيل حقيقة. قوله: (من أخلص نفسه له)، الراغب: أصل الوجه: العضو المقابل، فاستعير للمقابل من كل شيء حتى قيل: واجهته ووجهته، وقيل للقصد: وجه، وللمقصد: وجهة، وعلى ذلك:
[ ٣ / ٤٧ ]
(وَهُوَ مُحْسِنٌ) في عمله (فَلَهُ أَجْرُهُ) الذي يستوجبه. فإن قلت: (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ) كيف موقعه؟ قلت: يجوز أن يكون (بَلَى) ردًا لقولهم، ثم يقع (مَنْ أَسْلَمَ) كلامًا مبتدأ، ويكون (مَنْ) متضمنًا لمعنى الشرط، وجوابه: (فَلَهُ أَجْرُهُ)، وأن يكون (مَنْ أَسْلَمَ) فاعلًا لفعل محذوف أي: بلى يدخلها من أسلم، ويكون قوله: (فَلَهُ أَجْرُهُ) كلامًا معطوفًا على "يدخلها من أسلم"
_________________
(١) (أَسْلَمَ وَجْهَهُ) [البقرة: ١١٢] و(وَجَّهْتُ وَجْهِي) [الأنعام: ٧٩] وقيل: الوجه في هذه المواضع اسم للعضو مستعار للذات، وقوله: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ) أي: نفسه. قوله: «وَهُوَ مُحْسِنٌ) في عمله) وهو ينظر إلى الألفاظ النبوية صلوات الله على قائلها بعد ما أجاب عن الإيمان والإسلام والإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وقد فسر بالإخلاص في العمل. قوله: (كلامًا مبتدأ) أي: مستأنفًا جوابًا عن سؤال مقدر، فإنهم لما نفوا دخول الجنة عن غيرهم، وأثبتوا لأنفسهم، رد عليهم هذا التحكم الباطل بـ "بلى"، أي: ليس الأمر كما تزعمون، ثم اتجه لسائل أن يقول: فما الحكم الحق والقضاء العدل؟ فقيل: (وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ) الآية [البقرة: ١١٢]، فظهر أن السؤال على هذا عن الحكم، وعلى الوجه الثاني لا يكون استئنافًا، ويجوز أن يكون استئنافًا كأنه لما قيل: بلى يدخلها، قيل: مَن؟ قيل: من أسلم، هذا هو الوجه؛ لأن الكلام وقع في الفاعل لا في الحكم، على أنه ذلك الوجه أيضًا مستتبع للحكم، وبيانه: أن اليهود والنصارى لما ادعوا أنهم وحدهم يدخلون الجنة، وأن
[ ٣ / ٤٨ ]
[(وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ* وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ١١٣ - ١١٤].
(عَلَى شَيْءٍ): على شيء يصح ويعتد به، وهذه مبالغة عظيمة؛ لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء، فإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه فقد بولغ
_________________
(١) ـ غيرهم لا نصيب لهم، حيث بنوا كلامهم على النفي والإثبات المفيد للقصر، أي: نحن ندخل لا غيرنا، فقيل لهم: بل يدخل غيركم. ولما أراد أن يوقفهم على خطيئتهم في تلك المقالة على وجه يبعثهم على التفكر وتوخي الصواب، ويرشد غيرهم إلى تحري ما به يفوزون بالفلاح عاجلًا وآجلًا، قال: (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي: يدخل الجنة من اجتنب الشرك الجلي والخفي، عقيدة وعملًا، وتواطأ ظاهره مع باطنه إخلاصًا وإحسانًا كائنًا من كان، فإذا نظر الزاعمون في هذا الكلام الذي سلك فيه طرائق الإنصاف، وتفكروا في حال أنفسهم، وما هم فيه من مساوئ الأعمال والاعتقاد الباطل والقول الكاذب وحال المؤمنين وإخلاصهم لله ظاهرًا وباطنًا، وصدقهم في المقال أذعنوا للحق. ثم إنه تعالى ما اكتفى بهذا القدر من الجواب، بل ضم إليه على وجه التتميم قوله: (فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) وأطلق الأجر، ليشمل ما لا يدخل تحت الوصف، وجعله من عند مالكه ومدبر أمره، الرب الرؤوف الرحيم، وأردفه بما ينبئ عن حصول الأمن التام عاجلًا وآجلًا، فقال: (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ). ولما فرغ من بيان قدحهم في غيرهم، أتبعه بما كان يختص بهم، وبما بينهم من القدح وقال: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ) الآية [البقرة: ١١٣]. والله أعلم. قوله: (وهذه مبالغة عظيمة، لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء)، الانتصاف: لا
[ ٣ / ٤٩ ]
في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده، وهذا كقولهم: أقل من لا شيء. (وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) الواو للحال، والكتاب للجنس، أي: قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب الله وآمن به أن لا يكفر بالباقي؛ لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني، شاهد بصحته، وكذلك كتب الله جميعًا متواردة في تصديق بعضها بعضًا. (كَذَلِكَ) أي: مثل ذلك الذي سمعت به على ذلك المنهاج
_________________
(١) يصح قوله على مذهب أهل السنة ولا المعتزلة؛ لأن الأباطيل التي يستحيل وجودها لا تسمى شيئًا اتفاقًا. قوله: (أي: مثل ذلك الذي سمعت به) قال أبو البقاء: الكاف في موضع نصب نعتًا لمصدر محذوف منصوب بـ "قال"، وهو مصدر مقدم على الفعل. والتقدير: قولًا مثل قول اليهود والنصارى قال الذين لا يعلمون، فعلى هذا (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) منصوب بـ "يعلمون" على أنه مفعول به، ويجوز أن يكون "الكاف" في موضع رفع بالابتداء، والجملة بعده خبر عنه، والعائد إلى المبتدأ محذوف. أي: قاله. (مِثْلَ قَوْلِهِمْ): صفة مصدر محذوف، أو مفعول ليعلمون، والمعنى: مثل قول اليهود والنصارى قال الذين لا يعلمون اعتقاد اليهود والنصارى. وقلت: وعلى أن يكون "مثل قولهم" صفة مصدر محذوف يمكن أن يجرى القول مجرى العلم، أي: مثل ذلك القول قال الذين لا يعلمون علمًا يشبه علمهم؛ لأنهم أهل كتاب، وهم مشركون ومعطلة، وعليه ظاهر كلام المصنف. قال في "النهاية": سمع علي ﵁ امرأة تندب عمر ﵁، فقال: أما والله ما قالته ولكن قولته. أي: لقنته وعلمته.
[ ٣ / ٥٠ ]
(قَالَ) الجهلة (الَّذِينَ) لا علم عندهم، ولا كتاب، كعبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم؛ قالوا لأهل كل دين: ليسوا على شيء. وهذا توبيخ عظيم لهم؛ حيث نظموا أنفسهم- مع علمهم- في سلك من لا يعلم. وروي: أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله ﷺ أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى والتوراة. (فَاللَّهُ يَحْكُمُ) بين اليهود والنصارى (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه. وعن الحسن: حكم الله بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار
_________________
(١) وفي الحديث: "قولوا بقولكم" أي: بقول أهل دينكم وملتكم. وفي التشبيه مبالغة على نحو قوله تعالى: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) [البقرة: ٢٧٥]، وتخصيص من جهة التقديم. قوله: «يَحْكُمُ) بين اليهود والنصارى) فإن قلت: لم خصهما بالذكر بعد قوله: (قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) فهذا أعم، فيدخل اليهود والنصارى دخولًا أوليًا؟ قلت: المراد توبيخ اليهود والنصارى حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم شيئًا، فالواجب تهديد هؤلاء خاصة. والدليل عليه الفاء في قوله تعالى: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ)، وإيقاع "لا يعلمون" على "مثل قولهم". قوله: (بما يقسم لكل فريق) يعني "يحكم" يستدعي جارين: الباء "وفي" كما يقال: حكم الحاكم في هذه الدعوى بكذا، فحذف في التنزيل المتعلق بالباء، ليعم المقدر، ولذلك قال "بما يقسم" أولًا و"أن يكذبهم" ثانيًا.
[ ٣ / ٥١ ]
(أَنْ يُذْكَرَ) ثاني مفعولي (مَّنَعَ)؛ لأنك تقول: منعته كذا، ومثله: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ) [الإسراء: ٥٩]، (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا) [الإسراء: ٩٤]، ويجوز أن يحذف حرف الجر مع "أن"، ولك أن تنصبه مفعولًا له بمعنى: منعها كراهة أن يذكر، وهو حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم. والسبب فيه:
_________________
(١) ـ قوله: (أَنْ يُذْكَرَ) ثاني مفعولي (مَّنَعَ) يعني تعدى "منع" إلى المفعولين بنفسه، واستدل بقوله: "منعته كذا" وبالآيتين، وقال في "مقدمة الأدب": منعته عن الأمر ومنعته الأمر، ثم قال: "ويجوز أن يحذف حرف الجر" ويوصل بالفعل، وعلى التقديرين، لابد لقوله: (مَسَاجِدَ اللَّهِ) من تقدير مضاف، أي: أهل مساجد الله بدليل قوله: "يمنعون الناس" وقوله: منع المشركين رسول الله". وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون "أن يذكر" في موضع نصب على البدل من "مساجد" بدل الاشتمال، المعنى: ومن أظلم ممن منع أن يذكر في مساجد الله اسمه، أو على أنه مفعول له، أو التقدير: من أن يذكر، فحذف "من" ونصب. وفي "الصحاح" منعت الرجل عن الشيء، ومن هذا قيل: إن قوله: "ويجوز أن يحذف" جواب سؤال، أي: كيف يكون أن يذكر ثاني مفعولي "منع"، ولا يجوز لـ "منع" مفعول ثان إلا بواسطة حرف الجر؟ فقال في جوابه: "ويجوز أن يحذف" إلى آخره. ويقال: الواو في "ويجوز" مانع للحمل على الاستئناف على تقدير السؤال والجواب. قوله: (والسبب فيه) أي: في نزول الآية. وقوله: "وقيل: منع المشركين" عطف على قوله: "والسبب فيه" وكذا قوله: "وينبغي أن يراد بـ "من منع" العموم" عطف عليه، وقوله: "ولا يراد الذين" بيان على سبيل التأكيد لقوله: "أن يراد بـ "من منع" العموم"، فالوجوه ثلاثة: الأول خاص، وأن المراد بـ "من منع": النصارى، وبالمساجد: بيت المقدس.
[ ٣ / ٥٢ ]
أن النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه، وان الروم غزوًا أهله فخربوه وأحرقوا التوراة وقتلوا وسبوا. وقيل: منع المشركين رسول الله ﷺ أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية. فإن قلت: كيف قيل (مَسَاجِدَ اللَّهِ) وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد هو بيت المقدس أو المسجد الحرام؟ قلت لا بأس أن يجيء الحكم عامًا وإن كان السبب خاصًا، كما تقول لمن آذى صالحًا واحدًا: ومن أظلم ممن آذى الصالحين، وكما قال الله ﷿: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) [الهمزة: ١]، والمنزول فيه الأخنس بن شريق. (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) بانقطاع الذكر أو بتخريب البنيان، وينبغي أن يراد بـ "من منع" العموم كما أريد بمساجد الله، ولا يراد الذين منعوا بأعيانهم من أولئك النصارى أو المشركين. (أُوْلَئِكَ) المانعون (مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا) أي: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله (إِلاَّ خَائِفِينَ)، على حال التهيب وارتعاد الفرائض من المؤمنين
_________________
(١) والثاني: خاص بالمشركين وبالمسجد الحرام، والسؤال: "كيف قيل: مساجد الله؟ " وارد على هذين الوجهين. والثالث: عام وهو أوفق لتأليف النظم لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [البقرة: ١١٥]، ولهذا قال: "إنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس، فقد جعلت لكم الأرض مسجدًا". قوله: (لا بأس أن يجيء الحكم عامًا، وإن كان السبب خاصًا ٩ فعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله: (مِمَّنْ مَنَعَ) على العموم، كما أن "مساجد الله" عام، فإن الجمع إذا أضيف صار عامًا ليتطابقا، ويلزم العمل بالدليلين، فظهر أن الوجه الثالث أرجح الوجوه، وأظهر، وللتأليف أوفق كما سبق. قوله: (وارتعاد الفرائص)، الجوهري: الفريصة: اللحمة بين الجنب والكتف التي لا تزال
[ ٣ / ٥٣ ]
أن يبطشوا بهم، فضلًا أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها، والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم. وقيل: ما كان لهم في حكم الله يعني أن الله قد حكم وكتب في اللوح أنه ينصر المؤمنين ويقويهم، حتى لا يدخلوها إلا خائفين. روي: أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكرًا مسارقة
_________________
(١) ترعد من الدابة، وجمعها: فرائص، وفرائص العنق: أوداجها الواحدة فريصة، وهو كناية عن شدة الخوف. قوله: (أن يبطشوا) هو مفعول "خائفين" نحو قولك: هذا زيد ضاربًا عمرًا الآن أو غدًا، و"فضلًا" متعلق بقوله: "أن يدخلوا". قوله: (ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة)، فإن قلت: لولا لامتناع الشيء لوجود غيره، فيلزم من وجود الظلم انتفاء الوجوب، وليس كذلك، وأما وجود الظلم، فكما روي أن بيت المقدس بقي أكثر من مئة سنة في أيدي النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفًا إلى أن استخلصه الملك الناصر صلاح الدين. قلت: المعنى ما أوجب على أولئك المانعين ولا ألزم عليهم بحيث لا يسعهم تركه إلا أن يدخلوها خائفين، لكنهم لعتوهم وعنادهم غيروا الواجب، وتمردوا كما أن من وجبت عليه الصلاة إذا تركها لم يسقط عنه الواجب، لكنه لعصيانه تركه. ويؤيده ما قال الإمام: ما فرض الله ولا أوجب إلا ذلك. أو المعنى: ما حكم الله بشيء إلا بأن ينصر المؤمنين حتى لا يدخل النصارى إلا خائفين، فقد حصل الحكم فلا يجب في عموم الأوقات، وهو المراد بقوله: "إن الله قد حكم وكتب [في اللوح] أنه ينصر المؤمنين ويقويهم، حتى لا يدخلوها إلا خائفين".
[ ٣ / ٥٤ ]
وقال قتادة: لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا أنهك ضربًا وأبلغ إليه في العقوبة. وقيل: نادى رسول الله ﷺ: "ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان" وقرأ أبو عبد الله
_________________
(١) ـ قوله: (أنهك ضربًا) أي: بولغ في ضربه، الجوهري: نهكه السلطان عقوبة ينهكه نهكًا ونهكة: بالغ في عقوبته. قوله: (وابلغ إليه في العقوبة)، الأساس: أبلغت إلى فلان: فعلت به ما بلغ به الأذى والمكروه البليغ، ففيه تضمين معنى الإفضاء. قوله: (وقيل: نادى رسول الله ﷺ) عطف على قوله: (روي أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى" وفيه تقسيم لقوله: "أولئك المانعون" المراد بهم النصارى والمشركون مطلقًا، لقوله: "ولا يراد الذين منعوا بأعيانهم من أولئك النصارى والمشركين". قوله: (ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك) الحديث رويناه في "صحيح" البخاري ومسلم و"سنن أبي داود" والدارمي والنسائي عن أبي هريرة: "أن أبا بكر ﵁ بعثه في الحجة التي أمره [عليها] رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان". قال الإمام: وفي الآية بشارة للمسلمين بأن الله سيظهرهم على المسجد الحرام، وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام منهم أحد إلا خائفًا، وقد أنجز الله هذا الوعد بمنعهم من دخول المسجد الحرام، فيحمل هذا الخوف على ظهور أمر رسول الله ﷺ وغلبته عليهم بحيث يصيرون خائفين منه ومن أمته أبدًا.
[ ٣ / ٥٥ ]
(إلا خيفًا) وهو مثل صيم. وقد اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد: فجوزه أبو حنيفة، ولم يجوزه مالك، وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره.
وقيل: معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه، كقوله: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) [الأحزاب: ٥٣]. (خِزْيٌ): قتل وسبي، أو ذلة بضرب الجزية، وقيل: فتح مدائنهم قسطنطينية ورومية وعمورية
_________________
(١) قوله: "إلا خيفًا" [وهو] مثل صيم) أي: في قلب الواو ياء. روي عن المصنف: القياس خوف وصوم، ولكن لقربه من الطرف اجترئ على إعلاله، وقبح "صيام" في "صوام" لبعده من الطرف. قوله: (وفرق الشافعي) روى الإمام عن الشافعي ﵁ أنه يمنع من دخول المسجد الحرام لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ) [التوبة: ٢٨] والمراد الحرام لقوله تعالى: (مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) [الإسراء: ١] وأسرى من بيت أم هانئ. واحتج أبو حنيفة ﵁ بما روي أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فأنزلهم المسجد، ولأن للكافر الدخول في سائر المساجد وفاقًا، وكذلك المسجد الحرام. وأجاب بالفرق للتعظيم، وان الحديث مختص ببدء الإسلام. قوله: (وقيل: معناه النهي عن تمكينهم من الدخول) عطف على قوله: "ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله" وعلى الأول إخبار وعلى الثاني نهي. نهي المؤمنون عن تمكينهم الكفار من الدخول وهو أبلغ من صريح النهي، لأن الكناية أبلغ، فإنك إذا قلت لصاحبك: لا ينبغي لعبدك أن يفعل كذا على إرادة النهي للسيد، كان أبلغ من النهي له ابتداء، فعلى هذا لا يجب المصير إلى تخصيص العام الذي وقع خلافه، ومن ثم أخر هذا البحث.
[ ٣ / ٥٦ ]
[(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ١١٥].
(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي: بلاد المشرق والمغرب. والأرض كلها لله هو مالكها ومتوليها. (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا) ففي أي مكان فعلتم التولية؛ يعني تولية وجوهكم شطر القبلة، بدليل قوله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ). (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أي: جهته التي أمر بها ورضيها والمعنى: أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام وفي بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجدًا فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها، وافعلوا التولية فيها، فإن التولية ممكنة في كل مكان، لا يختص إمكانها في مسجد دون مسجد، ولا في مكان دون مكان. (إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ) الرحمة، يريد التوسعة على عباده، والتيسير عليهم. (عَلِيمٌ) بمصالحهم. وعن ابن عمر: نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت. وعن عطاء: عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا. وقيل معناه:
_________________
(١) قوله: (فعلتم التولية) يعني: أجرى "تولوا" مجرى اللازم؛ لأن مفعوله الأول وهو "وجوهكم" منسي غير منوي نحو: فلان يعطي ويمنع، وقوله: "يعني تولية وجوهكم شطر القبلة" بيان لأصل المعنى لا تفسير لقوله: "فعلتم التولية". قوله: (أي: جهته التي أمر بها ورضيها) اعلم أنه جيء بالوجه إما: مجازًا عند المعتزلة، أو كناية عندنا عن رضا الله؛ لأن من رضي عنه مخدومه، لا يمنعه أن يستقبل بوجهه إليه، بل يستبشر له ويرضى عنه، وسيجيء نحو هذا البحث في قوله تعالى: (وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) في آل عمران [٧٧]. قوله: (فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا) قال القاضي: وفي قول ضعيف: لو اجتهد المجتهد وأخطأ، ثم تبين له أنه أخطأ، لم يلزمه التدارك، تمسكًا بهذه الآية.
[ ٣ / ٥٧ ]
فأينما تولوا للدعاء والذكر، ولم يرد الصلاة. وقرأ الحسن: (فأينما تولوا) بفتح التاء من التولي يريد فأينما توجهوا القبلة.
[(وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) ١١٦].
(وَقَالُوا) وقرئ بغير واو، يريد الذين قالوا: المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، والملائكة بنات الله. (سُبْحَانَهُ): تنزيه له عن ذلك وتبعيد. (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) هو خالقه ومالكه، ومن جملته الملائكة وعزير والمسيح
_________________
(١) ـ قوله: «وَقَالُوا): وقرئ بغير واو) قرأها ابن عامر وعلى الأول: الجملة عطف على قوله: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ) [البقرة: ١١٣] وعلى الثاني استئناف، كأن سائلًا سأل: هل انقطع حبل افترائهم على الله، أو امتد ولم ينقطع؟ فقيل: بل قالوا أعظم من ذلك، وهو نسبة الولد إلى الله ﷾: (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ) الآية [الشورى: ٥]. قوله: (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) هو خالقه ومالكه ومن جملته الملائكة وعزير والمسيح) وتقرير هذا المعنى هو: أنه تعالى عم أولًا في قوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [البقرة: ١١٦] مع أن سوق الكلام فيمن عبد من دون الله من العقلاء لقوله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) إتباعًا لأولي العلم غير أولي العلم للإعلام بأنهم في غاية من القصور عن معنى الربوبية، وفي نهاية من النزول إلى معنى العبودية، إهانة لهم وتنبيهًا على إثبات مجانستهم بالمخلوقات المنافية للألوهية، ثم ثنى بتغليب العقلاء على غيرهم في قوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) إيذانًا بأن الأشياء كلها في التسخير والانقياد بمنزلة المطيع المنقاد الذي يؤمر فيمتثل، لا يتوقف
[ ٣ / ٥٨ ]
(كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) منقادون لا يمتنع شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته، ومن كان بهذه الصفة لم يجانس، ومن حق الولد أن يكون من جنس الوالد. والتنوين في (كل) عوض من المضاف إليه أي: كل ما في السموات والأرض، ويجوز أن يراد كل من جعلوه لله ولدًا. (لَهُ قَانِتُونَ): مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا إليهم. فإن قلت: كيف جاء بـ: "ما" التي لغير أولي العلم مع قوله: (قَانِتُونَ)؟
_________________
(١) عن الأمر ولا يمتنع عن الإرادة. ولما كان القصد في الإيراد إلى من عبد من دون الله من العقلاء انخرطوا في هذا السلك انخراطًا أوليًا، واتصفوا بصفة العجز والتسخير أولويًا، فحينئذ يقال ما قال المصنف: "من كان بهذه الصفة لم يجانس، ومن حق الولد أن يكون من جنس الوالد" وفيه إشارة إلى أن العقلاء إذا نسبوا إلى الألوهية كانوا بمنزلة الجمادات، والجمادات إذا نسبت إلى العبودية كانت بمنزلة العقلاء. قوله: (ويجوز أن يراد كل من جعلوه): عطف على قوله: "كل ما في السماوات والأرض"، ويجوز أن يعطف على قوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) وهو خالقه"، فعلى هذا (مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) لم يكن عامًا، بل مجرى على العقلاء لإرادة الوصفية، فحينئذ يتوجه عليه: كيف قرن "ما" الذي لغير أولي العلم مع قوله: (قَانِتُونَ) وهو لأولي العلم؟ ويكون الجواب: أن حاله كحال قولك: سبحان ما سخركن لنا، هذا توطئة للجواب، ولهذا عطف عليه قوله: فكأنه جاء بـ "ما" دون من، تحقيرًا على سبيل البيان، أي: الظاهر أن يقال: له من في السماوات والأرض، أي: ممن عبد دون الله من الملائكة والمسيح وعزير، فوضع "ما"، وهي لغير أولي العلم، موضع "من" إرادة للوصفية، وهي المملوكية، تحقيرًا لشأنهم، حيث نسبوا إلى الله ﷾ بالوالدية، كما حقر شأن الملائكة في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) [الصافات: ١٥٨]، لهذه العلة سماهم جنة، وهم ملائكة مكرمون؛ لأنهم نسبوا إلى الله تعالى.
[ ٣ / ٥٩ ]
قلت: هو كقوله: سبحان ما سخركن لنا، وكأنه جاء بـ "ما" دون "من"؛ تحقيرًا لهم وتصغيرًا لشأنهم، كقوله: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) [الصافات: ١٥٨]
_________________
(١) وأما الفرق بين الوجهين فهو: أن التحقير على الأول يعلم من قوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ) بطريق المفهوم، والتسخير من قوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) كذلك، وعلى الثاني بطريق التصريح، وكم بين الدلالتين! وذلك أن الدعوى مع الكناية كدعوى الشيء للبينة، وكذلك قررنا التفسير بطريق أدى إلى المقصود بالطريق الأولى. الراغب: قيل: إنما وقع لهم الشبهة في نسبة الولد إلى الله تعالى؛ لأن في الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون على البارئ تعالى اسم الأب، وعلى الكبير منهم اسم الإله، حتى إنهم قالوا: إن الأب هو الرب الأصغر وإن الله تعالى هو الأب الأكبر، وكانوا يريدون بذلك أنه تعالى هو السبب الأول في وجود الإنسان، وأن الأب هو السبب الأخير في وجوده، وأن الأب هو معبود الابن من وجه، أي: مخدومه، يقصدون معنى صحيحًا كما يقصد علماؤنا بقولهم: الله تعالى محب ومحبوب ومريد ومراد، ونحو ذلك من الألفاظ، وقولهم: رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، وكان عيسى يقول: أنا ذاهب إلى أبي، ثم تصور الجهلة منهم معنى الولادة الطبيعية. قوله: (سبحان ما سخركن لنا)، يخاطب النساء، وفيه معنى التعجب، يتعجب من كونهن- مع الدهاء والحيلة- مسخرات للرجال. وفي "الإقليد": كأنه قيل: ليس من شأنكن أن تكن مسخرات لنا، فسبحان الملك القادر الذي سخركن لنا بكمال ملكوته وتمام قدرته وعظمته.
[ ٣ / ٦٠ ]
[(بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ١١٧].
يقال: بدع الشيء فهو بديع، كقولك بزع الشيء فهو بزيع. و(بَدِيعُ السَّمَوَاتِ) من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، أي: بديع سماواته وأرضه. وقيل: البديع بمعنى المبدع كما أن السميع في قول عمرو:
أمن ريحانة الداعي السميع
بمعنى المسمع، وفيه نظر. و(كُنْ فَيَكُونُ) من كان التامة، أي:
_________________
(١) ـ قوله: (بزع الشيء) بالزاي والعين المهملة، الأساس: غلام بزيع ظريف: ذكي، وقد تبزع الغلام: تظرف. قوله: (في قول عمرو)، قال الزجاج: هو عمرو بن معدي كرب: أمن ريحانة الداعي السميع … يؤرقني وأصحابي هجوع معنى السميع: المسمع. تم كلامه. قيل: ريحانة: اسم امرأة. وقيل: اسم موضع. يؤرقني: يوقظني، هجوع: نيام، الداعي: دواعي الشوق الذي يدعوه ويسمعه الصوت، يؤرقني: حال من الضمير الذي تحول من الفعل إلى الظرف، وهو قوله: "من ريحانة"، إن قلنا: "الداعي": مبتدأ والمقدم خبره، وإن قلنا: "الداعي": فاعل، فالجملة حال منه، والأولى أن يكون "يؤرقني": جملة مستأنفة. الجوهري: السميع: السامع، والسميع: المسمع، واستشهد بالبيت.
[ ٣ / ٦١ ]
احدث فيحدث، وهذا مجاز من الكلام وتمثيل، ولا قول ثم، كما لا قول في قوله:
إذ قالت الأنساع للبطن الحق
_________________
(١) قال المصنف: "في كون السميع بمعنى المسمع نظر"، لجواز أن يكون بمعنى السامع؛ لأن داعي الشوق لما دعا الشاعر صار سامعًا للقول الذي أجيب به، أو لقول نفسه، فإيراد السميع ترشيح للاستعارة. سلمنا لكنه شاذ. قوله: (وهذا مجاز من الكلام)، "من": بيان مجاز، أي: هذا يسمى في أساليب كلام البلغاء بالمجاز، وقوله: "وتمثيل": عطف تفسيري، أي: وارد على سبيل الاستعارة التمثيلية، شبهت الحالة التي تتصور من تعلق إرادته جل وعز بشيء من المكونات، ودخوله تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف بحالة أمر الآمر النافذ تصرفه في المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل، ولا يتوقف، ولا يكون منه الإباء، فيقول: افعل كذا فيمتثل، ثم استعير لهذه الحالة ما كان مستعملًا في تلك الحالة، فإذن لا قول ثمة، وعليه قول الزجاج والإمام القاضي. قال البزدوي: أريد ذكر الأمر، والتكلم بها على الحقيقة لا المجاز عن الإيجاد، بل كلام بحقيقته من غير تشبيه ولا تعطيل، وقد أجرى سنته في الإيجاد بعبارة الأمر. وقال صاحب "المطلع": (كُنْ فَيَكُونُ) ليس هو قولًا من الله بالكاف والنون، ولكنه عبارة عن أوجز كلام يؤدي المعنى التام المفهوم. قوله: (إذ قالت الأنساع للبطن الحق). تمامه: قدمًا فآضت كالفنيق المحنق النسعة هي: التي تنسج عريضًا للتقدير والجمع نسع ونسع وأنساع، الفنيق: فحل
[ ٣ / ٦٢ ]
وإنما المعنى أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه، فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء. أكد بهذا استبعاد الولادة؛ لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها. وقرئ: (بديع السماوات) مجرورًا على أنه بدل من الضمير في "له". وقرأ المنصور بالنصب على المدح
_________________
(١) مكرم، والمحنق: من الحنق وهو الحقد، والقول من الأنساع تمثيل، إذ لا قول ثمة، قدمًا: القدم بضم القاف، الجوهري: مضى قدمًا: لم يعرج ولم ينثن، يعني سريعًا، الحق: أمر من: لحق- بالكسر- لحوقًا، أي: ضمر. قوله: (أكد بهذا استبعاد الولادة)، يعني: علم من قوله تعالى: (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) إلى قوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) استبعاد الولادة، فأكد ذلك المعنى بقوله: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ) إلى قوله: (فَيَكُونُ)، وذلك أنه تعالى لما حكى قولهم: (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) وأضرب بقوله: (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) دل بمنطوقه على كونه مالكًا للكل، لا يخرج شيء من ملكه وملكوته، وقوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) دل على كونه تعالى قهارًا، وأن الأشياء كلها مقهورة تحت تصرفه، لا يمتنع شيء منها على تكوينه وتقديره، ولو فرض شيء لوجب دخوله تحت ملكه وقهره بدلالة هذا العموم، فكيف يتصور له ولد؟ ! لأنه لا يجانسه في المالكية والقهارية. وغليه الإشارة بقوله: "ومن كان بهذه الصفة لم يجانس" إلى آخره. هذا، وإن معنى قوله: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) أنه مخترعهما وموجدهما من غير مثال ولا احتذاء، فدل بمفهومه على كونه تعالى مالكًا لها، فيكون مؤكدًا لقوله: (لَهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) وقوله: (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا) الآية، معط معنى القهارية الذي يعطيه معنى قوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) كما سبق، وفي كلامه سابقًا ولاحقًا إشارة إلى هذا المعنى. قوله: (وقرأ المنصور) وهو أبو جعفر، الثاني من خلفاء بني العباس.
[ ٣ / ٦٣ ]
[(وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَاتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ١١٨].
(وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ): وقال الجهلة من المشركين. وقيل: من أهل الكتاب. ونفى عنهم العلم؛ لأنهم لم يعملوا به، (لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ): هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة وكلم موسى؛ استكبارًا منهم وعتوًا، (أَوْ تَاتِينَا آيَةٌ)؛ جحودًا لأن يكون ما أتاهم من آيات الله آيات، واستهانة بها. (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) أي: قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى، كقوله: (أَتَوَاصَوْا بِهِ) [الذاريات: ٥٣]
_________________
(١) قوله: (استكبارًا): مفعول له، أي: وقال الجهلة: فهلا يكلمنا الله، استكبارًا، يعني: نحن عظماء كالملائكة والنبيين، فلم اختصوا به دوننا! قال صاحب "المطلع": فإن قيل: أليس في قولك: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) مقنع في التشبيه حتى كرر ذلك بقوله: (مِثْلَ قَوْلِهِمْ)؟ قلنا: ليس التكرير في تشبيه واحد، بل هما تشبيهان، الأول: في نفس الاقتراح، والثاني: في المقترح. قلت: ويجوز أن يكون التشبيه الأول توطئة للثاني، فقوله: (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) مفعول مطلق لقوله: (قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) و(كَذَلِكَ): خبر مبتدأ محذوف، أي: الشأن والأمر مثل ذلك، أي: جرت عادة الناس على ما شوهد من هؤلاء، ثم استؤنف بقوله: (قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) بيانًا وتفسيرًا للشأن والأمر. قوله: (واستهانة بها) عطف على قوله: "جحودًا"، أي: قالوا: إنها ليست بآيات الله جحودًا واستهانة بها، والعجب أنهم عظموا أنفسهم وهي أحقر الأشياء، واستهانوا بآيات الله وهي أعظمها. قوله: «أَتَوَاصَوْا بِهِ» أولها: (مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ*
[ ٣ / ٦٤ ]
(قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ) ينصفون فـ (يُوقِنُونَ) أنها آيات يجب الاعتراف بها، والإذعان لها، والاكتفاء بها عن غيرها.
[(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) ١١٩].
(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ) لأن تبشر وتنذر لا لتجبر على الإيمان، وهذه تسلية
_________________
(١) ـ أَتَوَاصَوْا بِهِ) [الذاريات: ٥٢ - ٥٣]، الضمير في (بِهِ) للقول، أي: أتواصى الأولون والآخرون بهذا القول حتى قالوا جميعًا متفقين عليه، والهمزة في (أَتَوَاصَوْا) لتعجيب اتفاق القولين. قوله: (قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ) ينصفون فـ (يُوقِنُونَ) أنها آيات). هذا التقدير يؤذن أن قوله: (يُوقِنُونَ) مجاز من إطلاق المسبب على السبب، ولهذا قدر "ينصفون فيوقنون" بالفاء، يعني: إنما تنفع الآيات لمن يؤدي إنصافه إلى الإيقان، وهذه الخاتمة كالتخلص من عد قبائح الكفار إلى تسلية الرسول ﷺ لما اشتملت على التعريض بهؤلاء، يعني: هؤلاء قوم ديدنهم الجحد والتكبر، فلا تجدي فيهم الآيات والنذر، وإنما تنفع الآيات لمن فيه الإنصاف، فلا تحرص على هداهم ولا تتساقط حسرات على توليهم؛ لأنك لست عليهم بمسيطر، إن أنت إلا نذير وبشير، فلذلك علل بقوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)، فالجملة مصدرة بـ "إن" من غير عاطف، وفيه معنى إقامة غير المنكر منكرًا لما استشعر منه من ملابسة ما ينكر عليه، ولهذا فسره بقوله: "إنا أرسلناك لأن تبشر وتنذر لا لتجبر على الإيمان"، فهو قصر إفرادي.
[ ٣ / ٦٥ ]
لرسول الله، وتسرية عنه؛ لأنه كان يغتم ويضيق صدره لإصرارهم وتصميمهم على الكفر. ولا نسألك (عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلَّغْتَ وَبلَغْتَ جهدك في دعوتهم؟ كقوله: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) [الرعد: ٤٠]. وقرئ: (ولا تسأل) على النهي
_________________
(١) قوله: (وتسرية عنه)، النهاية: هو من قولهم: سري عنه الهم، أي: انكشف عنه، يقال: سروت الثوب وسريته: إذا خلعته. قوله: (ولا تسأل) أي: لا تسأل أنت يا محمد، بضم التاء والرفع، وهي قراءة الجماعة سوى نافع، فإنه تفرد بقراءة: "ولا تسأل" بفتح التاء وجزم اللام على النهي. قال الزجاج: أما الرفع فعلى وجهين: أحدهما: أنه استئناف، كأنه قيل: ولست تسأل عن أصحاب الجحيم، كأنه قال: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) [الرعد: ٤٠]. وثانيهما: أنه حال، أي: أرسلناك غير سائل عن أصحاب الجحيم. وقلت: المعنى على القراءة الأولى: إذا كان حالًا كان قيدًا للفعل، وعلى أن يكون استئنافًا يكون تذييلًا، ومرجعهما إلى معنى: إنا أرسلناك؛ لأن تبشر وتنذر لا لتسأل عن أصحاب الجحيم، يعني: ما كلفناك بأن تجبرهم على الإيمان، وفيه فائدتان: إحداهما: الإيذان بانشراح الصدر، وأنه في فسحة منهم إن لم يؤمنوا، وهو المراد بقوله: "وهذه تسلية لرسول الله ﷺ وتسرية عنه". وثانيتهما: إظهار أن الحجة قد لزمت الكفار، وأنه ﷺ بلغ ما كان عليه؛ لأن هذا القيد إنما يصار إليه إذا تجاوز رسول الله ﷺ من البشارة والنذارة إلى ما يوهم منه الإجبار، وإليه الإشارة بقوله: "ما لهم لم يؤمنوا".
[ ٣ / ٦٦ ]
روي أنه قال: "ليت شعري ما فعل أبواي؟ ! " فنهي عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله. وقيل: معناه: تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب، كما تقول: كيف فلان؟ سائلًا عن الواقع في بلية، فيقال لك: لا تسأل عنه. ووجه التعظيم: أن المستخبر يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه؛ لفظاعته، فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره. أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره؛ لإيحاشه السامع وإضجاره، فلا تسأل. وتعضد القراءة الأولى قراءة عبد الله: (ولن تسأل)، وقراءة أبي: (وما تسأل)
_________________
(١) وأما القراءة بالجزم فالنهي: إما مجرى على ظاهره والمخاطب رسول الله ﷺ وحده، وهو المراد بقوله: "نهي عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله" أو عبارة عن تعظيم الأمر وتهويله والمخاطب كل من يتأتى منه السؤال، ثم التهويل إما عائد إلى المستخبر بفتح الباء، وهو المراد من قوله: "إن المستخبر يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته"، أو إلى المستخبر، بكسر الباء، وإليه الإشارة بقوله: "أو: أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره". قوله: (ما فعل أبواي؟ !)، أي: ما فعل بهما، وفي الحديث "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ "، أي: إلى أي شيء انتهى عاقبة أمره، فلو قيل: يا أبا عمير: ما فعلت بالنغير، لم يكن في الاهتمام بذلك. قوله: (وتعضد القراءة الأولى) أي: (تُسْئَلُ) بضم التاء والرفع لكونهما إخبارين لا إنشاءين، كما أنها إخبار، بخلاف القراءة الثانية لأنها إنشاء، أي: نهي.
[ ٣ / ٦٧ ]
[(وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) ١٢٠].
كأنهم قالوا: لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا؛ إقناطًا منهم لرسول الله عن دخولهم في الإسلام، فحكى الله ﷿ كلامهم؛ ولذلك قال: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) على طريقة إجابتهم عن قولهم، يعني: إن هدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى بالحق والذي يصح أن يسمى هدى،
_________________
(١) قوله: (وإن أبلغت في طلب رضانا). هذه المبالغة مستفادة من قوله: (وَلَنْ تَرْضَى) لما مر أن "لن": رد لجواب منكر مبالغ. قوله: (إقناطًا منهم) يعني: محال منك أن تتبع ملتهم، فإذن لا يتبعون ملتك. قوله: (ولذلك قال) تعليل لقوله: "كأنهم قالوا"؛ لأن قوله: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ) حكاية لمعنى كلامهم، وأن كلامهم هو: لن نرضى عنك ولا نتبع ملتك حتى تتبع ملتنا، وإلا فقوله: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) بظاهره غير مطابق لقوله: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) ووجه المطابقة مع المقدر هو انهم ما قالوا: لا نتبع ملتك حتى تتبع ملتنا إلا وزعموا أن دينهم حق، ودين الإسلام باطل، فأجيبوا بقوله: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) على القصر القلبي، يعني: أن دين الله هو الدين الحق وأن دينكم هو الباطل، وإليه الإشارة بقوله: "إن هدى الله، الذي هو الإسلام، هو الهدى …، وما تدعون إلى اتباعه ما هو بهدى، وإنما هو هوى". وفي الآية مبالغات، منها: إضافة "الهدى" إلى الله تعالى، ومقارنته بـ "إن"، وإعادة "الهدى" في الخبر على نحو: أنا أبو النجم وشعري شعري
[ ٣ / ٦٨ ]
وهو الهدى كله ليس وراءه هدى، وما تدعون إلى اتباعه ما هو بهدى، إنما هو هوى، ألا ترى إلى قوله: (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ)؟ أي: أقوالهم التي هي أهواء وبدع (بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ) أي: من الدين المعلوم صحته بالبراهين الصحيحة.
[(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ* يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ* وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ) ١٢١ - ١٢٣].
(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ): هم مؤمنو أهل الكتاب
_________________
(١) وتسمية الدين بالهدى لمجيئه جوابًا عن قولهم: "ملتنا"، وجعله مصدرًا، وتوسيط ضمير الفعل، وتعريف الخبر بلام الجنس، ولهذا أكد كلامه بقوله: "والذي يصح أن يسمى هدى، وهو الهدى كله". هذا في جانب الإثبات، وأما في جانب النفي فقال: "ليس وراءه هدى وما تدعون إلى اتباعه ما هو بهدى، إنما هو هوى". قوله: (أَهْوَاءَهُمْ) أي: أقوالهم). قال القاضي: الأهواء: الآراء الزائفة، والهوى: رأي يتبع الشهوة. وقلت: في كلام المصنف إشعار بأن أهواءهم مظهر وضع موضع المضمر من غير لفظه السابق، وذلك أن قوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) حكاية حكاها الله تعالى عن قولهم، وأن قولهم هو: لن نتبع ملتك حتى تتبع ملتنا، فيكون الأصل: ولئن اتبعتها، ليرجع الضمير إلى مقالتهم تلك، ثم في الدرجة الثانية: ولئن اتبعت أقوالهم، وإنما جمعها باعتبار القائلين بها، ولما لم يكن هذا القول عن هدى ورشد، بل عن ضلالة وزيغ، وضع موضعه أهواءهم في الدرجة الثالثة.
[ ٣ / ٦٩ ]
(يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ): لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله، (أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ) بكتابهم دون المحرفين (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) من المحرفين (فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ) حيث اشتروا الضلالة بالهدى.
[(وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ* وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) ١٢٤ - ١٢٥].
(ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ): اختبره بأوامر ونواه، واختبار الله عبده مجاز عن تمكينه من اختيار أحد الأمرين: ما يريد الله، وما يشتهيه العبد،
_________________
(١) ـ قوله: (لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه) يريد أن قوله: (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ) دل على أن الكلام تعريض بمن يتلونه على غير هذه الحالة، وهم الذين عرف منهم واشتهر التحريف والتغيير، ولما أتى باسم الإشارة وعقب بقوله: (يُؤْمِنُونَ بِهِ) وفهم تعريضًا أيضًا بأن أولئك لا يؤمنون به، بنى عليه قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ) تذييلًا، فقوله: "حيث اشتروا الضلالة بالهدى" إشارة إلى أن قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ) مؤذن بأن قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) كفر خاص، وأنه مفسر بالاستبدال، وفيه إدماج أنهم إنما حرفوا وبدلوا وما تلوه حق تلاوته؛ لأنهم أخذوا الرشى على ذلك، كقوله تعالى: (وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) [البقرة: ٤١]. قوله: (ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) اختبره)، الراغب: الابتلاء: الاختبار، لكن الابتلاء: طلب إظهار الفعل، والاختبار: طلب الخبر، وهما يتلازمان. قوله: (واختبار الله عبده: مجاز عن تمكينه من اختيار أحد الأمرين)، أي: الطاعة والمعصية، يعني مكن الله تعالى إبراهيم على الفعل والترك وأن يختار أيهما شاء، وفي قوله: "ما يريد الله وما يشتهيه العبد" اعتزال خفي، وإنما كان اختبار الله العبد مجازًا؛ لأن الابتلاء والامتحان في
[ ٣ / ٧٠ ]
كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك. وقرأ أبو حنيفة ﵀، وهي قراءة ابن عباس: (إبراهيم ربه) رفع "إبراهيم" ونصب "ربه"، والمعنى: أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهن أم لا. فإن قلت: الفاعل في القراءة المشهورة يلي الفعل في التقدير، فتعليق الضمير به إضمار قبل الذكر. قلت: الإضمار قبل الذكر أن يقال: ابتلى ربه إبراهيم، فأما "ابتلى إبراهيم ربه" أو "ابتلى ربه إبراهيم" فليس واحد منهما بإضمار قبل الذكر؛ أما الأول: فقد ذكر فيه صاحب الضمير قبل الضمير ذكرًا ظاهرًا؛ واما الثاني: فإبراهيم فيه مقدم في المعنى، وليس كذلك "ابتلى ربه إبراهيم"؛ فإن الضمير فيه قد تقدم لفظًا ومعنى؛ فلا سبيل إلى صحته. والمستكن في (فَأَتَمَّهُنَّ) في إحدى القراءتين لإبراهيم، بمعنى: فقام بهن حق القيام، وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوان. ونحوه: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) [النجم: ٣٧]،
_________________
(١) الشاهد لاستفادة علم خفي على الممتحن من الممتحن، وذلك غير جائز في حق الله ﷾؛ لأنه تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها من الأزل إلى الأبد، فهو استعارة تبعية واقعة على طريق التمثيل كما سبق في قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ودل على سبق التشبيه قوله: "فعل المختبر … " حيث نصب "فعل" على المصدر، أي: فعل معه فعلًا مثل فعل المختبر. قوله: (والمستكن في (فَأَتَمَّهُنَّ) في إحدى القراءتين)، أي: المشهورة، وفي الأخرى، أي: قراءة أبي حنيفة.
[ ٣ / ٧١ ]
وفي الأخرى لله تعالى بمعنى: فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئًا. ويعضده ما روي عن مقاتل: انه فسر الكلمات بما سأل إبراهيم ربه في قوله: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) [البقرة: ١٢٦]، (وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) [البقرة: ١٢٨]، (وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ) [البقرة: ١٢٩]، (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) [البقرة: ١٢٧]. فإن قلت: ما العامل في "إذ"؟ قلت: إما مضمر، نحو: واذكر إذ ابتلى، أو: إذ ابتلاه كان كيت وكيت؛ وإما (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ). فإن قلت: فما موقع (قَالَ)؟ قلت: هو على الأول استئناف، كأنه قيل: فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟ فقيل: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)
_________________
(١) قوله: (ويعضده)، أي: يعضد أن يكون الضمير في "أتمهن" لله تعالى، على قراءة أبي حنيفة: الرواية عن مقاتل؛ لأن الابتلاء حينئذ من إبراهيم ﵇ والإتمام من الله، أما الابتلاء فقوله: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) ونحوه، والإتمام: إجابة دعائه على سبيل توفية مطلوبه، أي: اختبر إبراهيم ﵇ ربه بدعائه أنه تعالى: هل يجيبه إليه ويسعف مطلوبه وينجح مآربه أم لا؟ قوله: (هو على الأول)، أي: على إضمار عامل "إذ"، وإن كان هذا الوجه في التقدير وجهين لكن يجمعهما معنى إضمار العامل، ومن ثم قال: "إما مضمر … وإما (قَالَ) " وعلى الثاني، أي: على أن يكون العامل (قَالَ) فيكون (قَالَ) في التقدير مقدمًا على "إذ" رتبة؛ لأنه عامله، ومؤخرًا عن حرف العطف، والجملة معطوفة على جملة قبلها، وهو قوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) [البقرة: ١٢٢] عطف قصة على قصة، وما أعني بالمعطوف عليه هذه القربى، بل القصياء وأولاهن به؛ لأن هذه معادة خاتمة تقريرًا للامتنان على بني إسرائيل وعودًا إلى بدء، وتخلصًا إلى قصة جدهم وبيان ما أنعم الله عليه من نعمة كل نعمة دونها،
[ ٣ / ٧٢ ]
وعلى الثاني جملة معطوفة على ما قبلها، ويجوز أن يكون بيانًا لقوله: (ابْتَلَى)، وتفسيرًا له؛ فيراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والإسلام قبل ذلك في قوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ)
_________________
(١) ـ وكيف لا وقد اشتمل على بيانه أكرم البقاع، ودعائه لأفضل الخلق بتلاوة أشرف الكتب، وهو قوله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ) [البقرة: ١٢٩]، ونحوه قوله تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا) إلى قوله: (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ) [النمل: ٩١ - ٩٢]، فعلى هذا أولى الوجوه في الآية: تقدير: اذكر، وجعل "قال" بيانًا وإن أخره. قوله: (ويجوز أن يكون بيانًا لقوله: (ابْتَلَى»، والعامل في "إذ": اذكر، والضمير في "أتمهن" لإبراهيم ﵇، ويراد بالكلمات: ما ذكره من الإمام وغيرها إلى آخر الآيات، وإنما استقام أن يكون بيانًا لأن ما بعد (قَالَ) إلى آخر (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) كالشرح والتفصيل لما أجمله في قوله: (بِكَلِمَاتٍ)، وصح أن يبتلى بها لما يتضمن كل واحد منها المشقة، قال القاضي: الابتلاء في الأصل التكليف بالأمر الشاق من البلاء. تم كلامه. وسميت كلمات لأنها أوامر أو في تأويلها، كما سمي قوله: (كُنْ فَيَكُونُ) كلمة، وقد سمى الله تعالى قوله: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ* إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي) كلمة بقوله: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ) [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]. الراغب: الكلمات قد تقع على الألفاظ المنظومة وعلى المعاني التي تحتها، فقوله: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) [الأنعام: ١١٥] أي: قضيته وحكمه، وقال: (لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي) [الكهف: ١٠٩] للمعاني التي يبرزها بالكلمات، ولم يرد
[ ٣ / ٧٣ ]
_________________
(١) اللفظ، فإن ما يحصره اللفظ يحصره الخط، ولما لم يكن يؤثر ﵇ على اختبار الله في شيء مما ابتلاه من الكلمات قيل فيهن: (فَأَتَمَّهُنَّ)، وقال: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) [النجم: ٣٧]، ويعلم منه أن الكلمات، إذا لم تفسر بالمذكورات جاز أن تفسر بالعشر إلى آخره، وحينئذ لم يكن بيانًا، بل كان استئنافًا على بيان الموجب، يعني: لما قام إبراهيم ﵇ بما كلف به من الكلمات قيل: ما فعل الله به جزاء لما فعل، فقيل: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) أي: وعده بما يتلوه من الإكرام والإفضال، وأما تقرير التفضيل وتطبيق المبين على المجمل فإن يقال: إنه تعالى أمره: أولًا: بقوله: (أَسْلِمْ)، وأتمه إبراهيم ﵇ بما ينبئ عنه قوله: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [البقرة: ١٣١] وإن كان هذا متأخرًا تلاوة لكنه متقدم معنى، ومن ثم قال المصنف: "والإسلام قبل ذلك". وثانيًا: ابتلاه بقوله: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) أي: استعد للإمامة وهيئ أهبتها، فإني جاعلك للناس إمامًا، فأتمه بما دل عليه قوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)، فإن الجواب مبني على الأسلوب الحكيم، أي: إن نفسي منقادة مطواعة لا تتأبى عن أمرك لما تفضلت علي وجعلتني أهلًا لذلك، لكن اجعل بعض ذريتي أهلًا لها. وثالثًا: ابتلاه بقوله: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ) فأتمه بما دل عليه قوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [البقرة: ١٢٥]، وأن الأمر باتخاذ الناس مقامه مصلى يقتضي أن يكون مقامه ذلك صالحًا لأن يثوب الناس إليه ويصلى فيه، وإنما كان كذلك إذا كان مأمورًا من عند الله بجعل مقامه صالحًا لذلك. والذي يدل على وجود ذلك الأمر قوله: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ)، فعبر عن الأمر الوارد على المثابة بالإخبار للدلالة على سرعة امتثاله.
[ ٣ / ٧٤ ]
_________________
(١) ـ يعني: لما أردنا أن نجعل البيت مثابة للناس أمرنا إبراهيم بذلك فامتثل الأمر وحصل المأمور به وقلنا للناس: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى). والذي عليه ظاهر كلام المصنف من قوله: "ما ذكره من الإمامة وتطهير البيت" أن قوله: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ) كالمقدمة للأمر بتطهير البيت، وقوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) جاء مستطردًا معترضًا للاهتمام. ورابعًا: ابتلاه بقوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ)، فالأمر هو (طَهِّرَا)، على أن (عَهِدْنَا) أيضًا فيه معنى الأمر، فأتمه بما دل عليه قوله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ)، أي: قبلت يا رب ما أمرتني به، وتوسلت إليك قبل الشروع بهذا الدعاء؛ لأن هؤلاء إنما يمكنهم الطواف والعكوف والصلاة إذا كان البلد آمنًا ذا رزق، ثم بعد الدعاء شرعًا في المأمور به. وأنت- أيها السامع- استحضر ذهنك لتلك الحالة العجيبة الشأن، وهي: إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل داعيين لله متضرعين إليه، إلى أن ختما الدعاء بالمطلوب السني، وهو قوله: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ)، وإلى هذه المعاني أشار مجملًا بقوله: "فيراد بالكلمات: ما ذكره من الإمامة، وتطهير البيت، ورفع قواعده والإسلام قبل ذلك". والحاصل أن قوله تعالى: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) صريح في المطلوب، فيلزم منه ومن ذلك الإجمال حمل البواقي على هذا المعنى ليصح التفصيل واستنباط معنى الأمر من الله، والامتثال من إبراهيم ﵇، والله أعلم. وهذا وجه متين قوي، وهو اختيار الإمام.
[ ٣ / ٧٥ ]
وقيل في الكلمات: هن: خمس في الرأس: الفرق، وقص الشارب، والسواك، والمضمضة والاستنشاق. وخمس في البدن: الختان، والاستحداد، والاستنجاء، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط. وقيل: ابتلاه من شرائع الإسلام بثلاثين سهمًا: عشر في براءة: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ) [التوبة: ١١٢]، وعشر في "الأحزاب": (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) [الأحزاب: ٣٥]، وعشر في "المؤمنون" [١ - ٩]، و(سَأَلَ سَائِلٌ) إلى قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) [المعارج: ١ - ٣٤]. وقيل: هي مناسك الحج؛ كالطواف، والسعي، والرمي، والإحرام، والتعريف، وغيرهن. وقيل: ابتلاه بالكوكب، والقمر، والشمس، والختان، وذبح ابنه، والنار، والهجرة.
والإمام: اسم من يؤتم به، على زنة الإله، كالإزار لما يؤتزر به، أي: يأتمون بك في دينهم. (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي): عطف على الكاف، كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي، كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيدًا. (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) وقرئ: (الظالمون)
_________________
(١) ـ ونقل محيي السنة عن مجاهد: هن الآيات التي بعدها في قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا …) إلى آخر القصة. وقال الواحدي: وأكثر المفسرين أنها تلك العشرة المذكورة، وهن: الفرق وقص الشارب إلى آخرها، وكذا في "شرح السنة" عن ابن عباس. قوله: (الفرق)، الجوهري: رجل أفرق: الذي ناصيته [كأنها] مفروقة بين الفرق. قوله: (والاستحداد)، أي: استعمال الحديد من حلق العانة. "والتعريف": الوقوف بعرفة. قوله: (كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيدًا)، وفي "المطلع": أي: قل: وزيدًا. وقيل: يقال لمثل ذلك العطف عطف تلقين، كأن إبراهيم ﵇ يلقن ويقول، قل: وبعض ذريتي.
[ ٣ / ٧٦ ]
أي: من كان ظالمًا من ذريتك لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال من كان عادلًا بريئًا من الظلم. وقالوا: في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة، وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته، ولا يجب طاعته، ولا يقبل خبره، ولا يقدم للصلاة؟ ! وكان أبو حنيفة ﵀، يفتي سرًا بوجوب نصرة زيد بن علي ﵁، وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المتسمي بالإمام والخليفة،
_________________
(١) ـ وهكذا قدر صاحب "المطلع" أيضًا في قوله: (وَمَنْ كَفَرَ)، أي: قل: ومن كفر. وهذا الاسم مناسب للمعنى. قلت: وفيه نظر؛ لأن الخليل ﵇ إنما عطف قوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) على تقدير: وجاعل من ذريتي إمامًا، على جملة كلام الله تعالى، على تقدير العامل لا الانسحاب؛ فإذًا ليس من عطف التلقين في شيء، نعم إذا ذهب إلى الانسحاب، لكن المصنف لم يذهب إليه، وعلى هذا المنوال جاء الحديث على ما رويناه عن البخاري ومسلم، عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم ارحم المحلقين"، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "اللهم ارحم المحلقين"، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصرين". قوله: (زيد بن علي) أي: زيد بن علي بن الحسين بن علي ﵃. قوله: (على اللص المتغلب)، اللام: للجنس، وفي جعل اللام للجنس ووصفه باللص وإيقاع "كالدوانيقي" مثالًا له والتلقيب به من المبالغة في تحقير شأنه ما لا يخفى، وقيل: سمي دوانيقيًا لأنه زاد في الخراج دانقًا، ومثل هذا التحقير لا يليق بمنصب من انتصب
[ ٣ / ٧٧ ]
كالدوانيقي وأشباهه، وقالت له امرأة: أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن حتى قتل، فقال: ليتني مكان ابنك. وكان يقول في
_________________
(١) ـ لإمامة المسلمين. وذكر صاحب "كامل التاريخ"، أن اسمه: عبد الله وكنيته أبو جعفر ولقبه المنصور: هو ثاني خلفاء بني العباس، وكان كريمًا وسيمًا، جم العطاء، أعلم الناس بالحديث، ذا رأي وتدبير، وكان من رأيه أنه لما عزم أن يفتك بأبي مسلم فزع من ذلك عيسى بن موسى، فكتب إليه: إذا كنت ذا رأي فكن ذا تدبر … فإن فساد الرأي أن تتعجلا فوقع المنصور: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة … فإن فساد الرأي أن تترددا ولا تمهل الأعداء يومًا بقدرة … وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا قال الإمام: قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين: الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، واختلفوا في أن الفسق الطارئ: هل يبطل الإمامة أم لا؟
[ ٣ / ٧٨ ]
المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت. وعن ابن عيينة: لا يكون الظالم إمامًا قط، وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة، فإذا نصب من كان ظالمًا في نفسه فقد جاء المثل السائر: "من استرعى الذئب ظلم". و"البيت: " اسم غالب للكعبة، كالنجم للثريا. (مَثَابَةً لِلنَّاسِ): مباءة ومرجعًا للحجاج والعمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه، أي: يثوب إليه أعيان الذين يزورونه أو أمثالهم، (وَأَمْنًا): وموضع أمن، كقوله: (حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [العنكبوت: ٦٧]؛
_________________
(١) قوله: (وأرادوني على عد آجره لما فعلت)، ذكر في "جامع الأصول": ولما أشخص المنصور أبا حنيفة ﵀ إلى العراق، أراده على القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلن، وحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، وتكررت الأيمان بينهما، فحبسه المنصور، ومات في الحبس، وقيل: إنه افتدى نفسه بأن يولى عد اللبن، ولم يصح. قوله: (مَثَابَةً لِلنَّاسِ): مباءة)، الجوهري: المثابة: الموضع الذي يرجع إليه مرة بعد أخرى، وإنما قيل للمنزل: مثابة لأن أهله يتفرقون في أمورهم ثم يثوبون إليه، وهو المراد بقوله: "يتفرقون عنه ثم يثوبون"، ثم التفرق والإثابة: إما حقيقي، وهو المراد بقوله: "أعيان الذين يزورونه"، أي: أنفس الذين يزورونه، أو أمثالهم من غيرهم، أو ينصرف عنه أشراف الذين يزورونه ثم يرجعون هم إليه دون سائر الناس، قال في "الأساس": ومن المجاز: هم من أعيان الناس: من أشرافهم. يعني: من له قدم صدق في الدين إذا حج البيت رأى فيه مهابط الرحمة ومنازل البركات، فلا يهم بشيء سوى العود إليه. روى الإمام، عن ابن عباس: "لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه". فالتعريف في الناس: للجنس، والجنس إذا حمل على البعض في مقام المدح أريد به الكمال
[ ٣ / ٧٩ ]
ولأن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج. وقرئ: (مثابات)؛
_________________
(١) ـ والفضل، قال الله تعالى: (هُدًى لِلنَّاسِ) [البقرة: ١٨٥]، وقال: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢]. ومن ثم فسره بقوله: "أعيان الذين يزورونه"، وإما مجازي، وهو المراد بقوله: "أو أمثالهم". أي: أمثال الذين يزورونه، أي: من هم على صفتهم في كونهم وفد الله وزوار بيته. فالثابت إذًا: من هو متصف بصفة الوفادة لا عين الشخص، والتعريف أيضًا للجنس، كقولهم: دخلت السوق في بلد كذا، يريد سوقًا من الأسواق. يعني: جعلنا البيت مثابة للزائرين زوارًا إثر زوار. قوله: (ولأن الجاني) عطف على قوله: "كقوله: (حَرَمًا آمِنًا ) "، يريد أن معنى (آمِنًا): "ذا أمن"، وموضع أمن كقوله تعالى: (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) [إبراهيم: ٣٧]؛ لأن من سكن فيه آمنًا إلى الحرم أمن من خطف الناس، فالحرم إذًا موضع أمن على الحقيقة، أو لأن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له، فيأمن حتى يخرج. فعلى هذا إسناد (آمنًا) إلى الحرم على سبيل المجاز؛ لأن المقصود: أمن الملتجئ إليه، فأسند إليه مبالغة، وهذا مذهب أبي حنيفة ﵁، واستدل بظاهر الآية. وروى الإمام، عن الشافعي ﵁: من دخل البيت ممن وجب عليه الحد يؤمر بالتضييق عليه حتى يخرج، وإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز، وأول الأمن بأن يكون آمنًا من القحط وعن نصب الحروب فيه، وعن إقامة الحدود، وليس اللفظ من العام حتى يحمل على الكل، أما حمله على الأمن كما ذكرنا فأولى، لأنا لا نحتاج حينئذ إلى حمل لفظ الخبر على الأمر، ونحتاج على ذلك إليه. قال القاضي: (أَمْنًا)، أي: يأمن حاجه من عذاب الآخرة من حيث إن الحج يجب ما قبله.
[ ٣ / ٨٠ ]
لأنه مثابة لكل من الناس لا يختص به واحد منهم. (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) [الحج: ٢٥]. (وَاتَّخَذُوا) على إرادة القول، أي: وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه، وهي على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب.
وعن النبي ﷺ: "أنه أخذ بيد عمر ﵁ فقال: "هذا مقام إبراهيم" فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى؟ يريد: أفلا نؤثره لفضله بالصلاة فيه؛ تبركًا به وتيمنًا بموطئ قدم إبراهيم؟ فقال: "لم أؤمر بذلك"، فلم تغب الشمس حتى نزلت.
وعن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ استلم الحجر ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ:
_________________
(١) وقلت: إذا فسرت الكلمات بالأمر، على ما سبق، مذهب أبي حنيفة ﵁ راجح. قوله: (لأنه مثابة لكل من الناس): تعليل لقراءة الجمع، يريد أن البيت وإن كان مثابة في نفسه لكنه مثابات باعتبار القاصدين؛ لكل منهم مثابة تختص به، فإذن لا يختص به واحد منهم، والمراد بالناس: الذين يقصدونه من كل جانب، فلا يحتاج إلى التكرار بالمرات. روى محيي السنة، عن مجاهد وسعيد بن جبير: يثوبون إليه من كل جانب: يحجون به، فالتعريف في "الناس" استغراق عرفي. قوله: (أنه أخذ بيد عمر ﵁)، الحديث من رواية البخاري ومسلم وابن ماجة والدارمي، عن أنس وابن عمر ﵄، أن عمر ﵁ قال: وافقت ربي في ثلاث:
[ ٣ / ٨١ ]
(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى). وقيل: (مُصَلًّى): مدعى. ومقام إبراهيم: الحجر الذي فيه أثر قدميه، والموضع الذي كان فيه الحجر حين وضع عليه قدميه، وهو الموضع الذي يسمى مقام إبراهيم. وعن عمر ﵁: أنه سأل المطلب بن أبي وداعة: هل تدري أين كان موضعه الأول؟ قال: نعم، فأراه موضعه اليوم. وعن عطاء: (مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ): عرفة والمزدلفة والجمار؛ لأنه قام في هذه المواضع ودعا فيها. وعن النخعي: الحرم كله مقام إبراهيم. وقرئ: (واتخذوا) بلفظ الماضي عطفًا على (جَعَلْنَا)، أي: واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها. (عَهِدْنَا): أمرناهما (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي) بأن طهرا، أو: أي: طهرا. والمعنى: طهراه من الأوثان، والأنجاس، وطواف الجنب ولحائض، والخبائث كلها. أو: أخلصاه لهؤلاء لا يغشاه غيرهم، (وَالْعَاكِفِينَ): المجاورين الذين عكفوا عنده، أي: أقاموا لا يبرحون أو المعتكفين
_________________
(١) ـ قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)، وقلت: يا رسول الله، يدخل على نسائك البر والفاجر، فلو أمرتهن يتحجبن! فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة، فقلت: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، فنزلت كذلك. قوله: (واتخذوا، بلفظ الماضي): نافع وابن عامر، والباقون بلفظ الأمر. وقد مضت فائدة العدول في قوله: (فَأَتَمَّهُنَّ).
[ ٣ / ٨٢ ]
ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين، بمعنى: القائمين في الصلاة، كما قال: (لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج: ٢٦]، والمعنى: للطائفين والمصلين؛ لأن القيام والركوع والسجود هيآت المصلي.
[(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ١٢٦].
أي: اجعل هذا البلد، أو هذا المكان (بَلَدًا آمِنًا): ذا أمن، كقوله: (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) [الحاقة: ٢١]، أو: آمنًا من فيه، كقولك: ليل نائم. و(مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) بدل من (أَهْلَهُ)، يعني: وارزق المؤمنين من أهله خاصة، (وَمَنْ كَفَرَ) عطف على (مَنْ آمَنَ)، كما عطف (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) على الكاف في (جَاعِلُكَ) [البقرة: ١٢٤]
_________________
(١) ـ قوله: (كما قال: (لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ» أي: وضع في سورة "الحج" مكان العاكفين: القائمين، فيجعل ها هنا "العاكفين" بمعنى القائمين حتى يتطابقا، والمعنى على هذا: للطائفين والمصلين، فجعل جملة القيام والركوع والسجود مجازًا عن الصلاة. وعلى الوجه الأول يقدر للطائفين والعاكفين والمصلين؛ لأن العكوف بمعنى المجاورة لا يجعل مجازًا عن الصلاة لفقدان العلاقة المعتبرة، بخلاف القيام. قوله: (أو آمنًا من فيه) أي: هو من باب الإسناد المجازي. قوله: (وارزق المؤمنين) بضم القاف في نسخة المعزي، للإتباع. قوله: (كما عطف (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) على الكاف) يعني هو مثله في الاعتبار، وقد سمي بعطف التلقين، ذكر في الحواشي: إنما قلنا ها هنا: هو عطف التلقين، وفيما سبق: كأنه عطف التلقين، رعاية للأدب، وذلك أن يكون الملقن هو الله تعالى لإبراهيم ﵇ أولى من العكس.
[ ٣ / ٨٣ ]
فإن قلت: لم خص إبراهيم صلوات الله عليه المؤمنين حتى رد عليه؟ قلت: قاس الرزق على الإمامة فعرف الفرق بينهما؛ لأن الاستخلاف استرعاء يختص بمن ينصح للمرعي، وأبعد الناس عن النصيحة الظالم، بخلاف الرزق فإنه قد يكون استدراجًا للمرزوق وإلزامًا للحجة له، والمعنى: وأرزق من كفر فأمتعه.
ويجوز أن يكون (وَمَنْ كَفَرَ) مبتدأ متضمنًا ومعنى الشرط، وقوله: (فَأُمَتِعُهُ) جوابًا للشرط، أي: ومن كفر فأنا أمتعه. وقرئ: (فأمتعه)،
_________________
(١) ـ قلت: وفيه نظر؛ لأنه من عطف جملة كلام الله على جملة كلام خليله؛ ولذلك كرر المصنف العامل؛ ليكون من عطف التقدير لا الانسحاب قطعًا كما سبق في قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ). قوله: (وإلزامًا للحجة له)، والظاهر أن يقال: للحجة عليه، أي: رزقهم ليزيح عللهم، ويقيم الحجة عليهم، لكن اللام الأولى صلة الإلزام، والثانية للتعليل، والضمير لله تعالى، أي: قد يكون إعطاء الرزق استدراجًا للمرزوق وإلزامًا للحجة للرازق عليهم. ومعنى الاستدراج ما في قوله: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) أي: سنستدنيهم قليلًا قليلًا إلى ما يهلكهم. قوله: (والمعنى: وأرزق من كفر فأمتعه)، أي: قل: ارزق من كفر، أي: ادع، فأنا أستجيب، وأرزق من كفر فأمتعه: عطف على هذا المقدر. قوله: (فأمتعه) على الحكاية، فالتخفيف: ابن عامر، والتثقيل: الباقون.
[ ٣ / ٨٤ ]
(فأضطره): فألزه إلى عذاب النار لز المضطر الذي لا يملك الامتناع مما اضطر إليه. وقرأ أبي: (فنمتعه قليلًا ثم نضطره)، وقرأ يحيى بن وثاب: (فإضطره) بكسر الهمزة. وقرأ ابن عباس: (فأمتعه قليلًا ثم نضطره)، وقرأ يحيى بن وثاب: (فإضطره) بكسر الهمزة. وقرأ ابن عباس: (فأمتعه قليلًا ثم اضطره) على لفظ الأمر، والمراد الدعاء من إبراهيم، دعا ربه بذلك. فإن قلت: فكيف تقدير الكلام على هذه القراءة؟ قلت: في (قَالَ) ضمير إبراهيم، أي: قال إبراهيم بعد مسألته اختصاص المؤمنين بالرزق: ومن كفر فأمتعه قليلًا ثم اضطره
_________________
(١) ـ قوله: (فألزه)، الجوهري: لزَّه يلزُّه لزًّا ولززًا، أي: شدَّه وألصقه. قوله: (لزَّ المضطرِّ): مفعول مطلق فيه معنى الاستعارة، شبَّه حالة الكافر الذي درَّ الله تعالى عليه النعمة التي استدناه بها قليلًا قليلًا إلى ما يهلكه، بحالة من لا يملك الامتناع مما اضطر إليه، فاستعمل في المشبَّه ما كان مستعملًا في المشبَّه به. قوله: (وقرأ ابن عباس: فأمتعه قليلًا) وهي شاذة. قال ابن جني: "هذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: وهو الظاهر: أن يكون الفاعل في (قَالَ) ضمير إبراهيم ﵇، وحسن إعادة "قال" لأمرين: أحدهما: طول الكلام، والآخر: أنه انتقل من دعاء قوم إلى دعاء آخرين، كأنه أخذ في كلام آخر". والوجه الثاني: أن يكون الفاعل هو الله تعالى، أي: وأمتعه يا خالق يا قادر، يخاطب بذلك نفسه، كقول الأعشى: وهل تطيق وداعًا أيها الرجل
[ ٣ / ٨٥ ]
وقرأ ابن محيصن: (فأطره) بإدغام الضاد في الطاء، كما قالوا اطجع، وهي لغة مرذولة؛ لأن الضاد من الحروف الخمسة التي يدغم فيها ما يجاورها ولا تدغم هي فيما يجاورها، وهي حروف: ضم شفر.
[(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ١٢٧ - ١٢٩].
(يَرْفَعُ) حكاية حال ماضية. و(الْقَوَاعِدَ) جمع قاعدة، وهي الأساس والأصل لما فوقه، وهي صفة غالبة، ومعناها: الثابتة، ومنه: قعدك الله، أي: اسأل الله أن يقعدك، أي: يثبتك. ورفع الأساس البناء عليها؛ لأنها إذا بني عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر. ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء؛ لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه
_________________
(١) ـ وهذا يتصل بباب غريب لطيف، وهو باب التجريد، كأنه يجرد نفسه منها يخاطبها، هذا خلاصة كلامه. وعلى هذين الوجهين لا يكون العطف للتلقين. قوله: (ضم شفر)، الجوهري: الشفر، بالضم: واحد أشفار العين، وهي حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر، وهو الهدب. قوله: (وهي الأساس والأصل لما فوقه)، والأصل: عطف تفسيري لقوله: "الأساس"، فالضمير في "فوقه": عائد إلى الأساس، والمستتر في الظرف: عائد إلى "ما"، وانتصاب "قعدك" على المصدر، والأصل: اسأل الله أن يقعدك تقعيدًا.
[ ٣ / ٨٦ ]
ومعنى رفع القواعد: رفعها بالبناء؛ لأنه إذا وضع سافًا فوق ساف فقد رفع السافات، ويجوز أن يكون المعنى: وإذ يرفع إبراهيم ما قعد من البيت أي: استوطأ يعني: جعل هيئته القاعدة المستوطئة مرتفعة عالية بالبناء. وروي: أنه كان مؤسسًا قبل إبراهيم فبنى على الأساس. وروي: أن الله تعالى أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة، له بابان من زمرد شرقي وغربي، وقال لآدم ﵇: أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول عرشي، فتوجه آدم من أرض الهند إليه ماشيًا وتلقته الملائكة فقالوا بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. وحج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه، فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة فهو البيت المعمور، ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم ببنائه وعرفه جبريل مكانه.
وقيل: بعث الله سحابة أظلته، ونودي أن ابن على ظلها لا تزد ولا تنقص. وقيل: بناه من خمسة أجبل: طور سيناء وطور زيتا، ولبنان، والجودي، وأسسه من حراء،
_________________
(١) ـ الجوهري: الساف: كل عرق من الحائط. المغرب: الساف: الصف من اللبن والطين. الأساس: بنى سافًا وسافين وثلاث سافات. قوله: (ما قعد من البيت)، فعلى هذا الألف واللام في القواعد بمعنى الذي، أي: الذي قعد من البيت. قوله: (إلى السماء الرابعة، فهو البيت المعمور)، والرواية الصحيحة عن البخاري في حديث المعراج أنه في السماء السابعة. الفاء في قول المصنف: "فهو البيت المعمور" لتعقيب الإعلام والإخبار حالًا بعد حال. قوله: (من حراء)، حراء، يصرف ولا يصرف، والثاني أكثر. "تمخض"، أي: تحرك وأخذه المخاض.
[ ٣ / ٨٧ ]
وجاءه جبريل بالحجر الأسود من السماء. وقيل: تمخض أبو قبيس فانشق عنه، وقد خبئ فيه في أيام الطوفان، وكان ياقوتة بيضاء من الجنة، فلما لمسته الحيض في الجاهلية اسود. وقيل: كان إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة. (رَبَّنَا)، أي: يقولان: ربنا، وهذا الفعل في محل النصب على الحال، وقد أظهره عبد الله في قراءته، ومعناه: يرفعانها قائلين: ربنا، (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ) لدعائنا، (الْعَلِيمُ) بضمائرنا ونياتنا
_________________
(١) ـ وقوله: (فانشق عنه)، أي: انشق أبو قبيس عن الحجر. وأبو قبيس: جبل مشرف على مكة، واستعير له ما للمرأة من الطلق عند الولادة. قوله: (فلما لمسته الحيض في الجاهلية اسود). والرواية الصحيحة عن الترمذي والنسائي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم". قوله: (وقيل: كان إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة)، وفي الآية دلالة على هذا القول، حيث أخر إسماعيل عن إبراهيم ووسط بينهما المفعول المؤخر مرتبته من الفاعل، وهو: إسماعيل. قوله: (رَبَّنَا)، أي: يقولان: ربَّنا، وهذا الفعل في محل النصب على الحال)، والعامل: (يَرْفَعُ)، و(رَبَّنَا): تكرار للاستعطاف، (وَاجْعَلْنَا): معطوف على (تَقَبَّلْ)، وكذا قوله: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ).
[ ٣ / ٨٨ ]
فإن قلت: هلا قيل: قواعد البيت! وأي فرق بين العبارتين؟ قلت: في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام ما ليس في إضافتها؛ لما في الإيضاح بعد الإبهام من تفخيم لشأن المبين.
(مُسْلِمَيْنِ لَكَ): مخلصين لك أوجهنا، من قوله: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) [البقرة: ١١٢]، أو: مستسلمين، يقال: أسلم له وسلم واستسلم؛ إذا خضع وأذعن، والمعنى: زدنا إخلاصًا وإذعانًا لك. وقرئ: (مسلمين) على الجمع، كأنهما أرادا أنفسهما وهاجر، أو أجريا التثنية على حكم الجمع، لأنها منه. (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا): واجعل من ذريتنا (أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)، و"من" للتبعيض أو للتبيين، كقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) [النور: ٥٥] فإن قلت: لم خصا ذريتهما بالدعاء؟ قلت: لأنهم أحق بالشفقة والنصيحة (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التحريم: ٦]؛ ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم وشايعوهم على الخير، ألا ترى أن المقدمين من العلماء والكبراء إذا كانوا
_________________
(١) قوله: (مسلمين، على الجمع) إلى قوله: (لأنها منه)، أي: التثنية من الجمع. أعني: من مراتب الجمع؛ لأن أقل الجمع اثنان على رأي، وقد اختاره في تفسير قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [البقرة: ٢٥]. قوله: (واجعل من ذريتنا (أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)، و"من" للتبعيض أو للتبيين). قال القاضي: أي: بعض ذريتنا، وخصا بعضهم لما علما أن في ذريتهما ظلمة، وعلما أن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتفاق على الإخلاص والإقبال الكلي على الله، فإنه مما يشوش المعاش، ولذلك قيل: لولا الحمقى لخربت الدنيا.
[ ٣ / ٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقلت: ويمكن أن يقال: إنه ﵇ عَلِمَ بالنص أن بعض ذريته ظلمة، وذلك من قوله تعالى: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) حين قال: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)، وكان في هذا الدعاء متبوعًا وإسماعيل تابعه، كما في البناء، ألا ترى إلى قوله ﷺ: "أنا دعوة أبي إبراهيم"؟ الراغب: إنما قيل: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) ولم يعمم؛ لأن هذه منزلة شريفة لا يكاد يتخصص بها إلا الواحد فالواحد، في برهة بعد برهة، وأن الحكمة الإلهية لا تقتضي ذلك، فإنه لو جعل الناس كلهم كذلك لما تمشي أمر العالم، إذ كان العالم يفتقر إلى كون الأفاضل فيها والأوساط والأراذل، تتولى عمارته والقيام بتمشية أمر العالم، فقد قيل: عمارة الدنيا بثلاثة أشياء: الزراعة والحرث والحماية والحرب، وجلب الأشياء من مصر إلى مصر، وأنبياء الله لا يصلحون لذلك، إذ كانوا لغرض آخر أشرف من ذلك. تم كلامه. ويجوز أن تكون (مِن) للتبيين، قدم على المبين وفصل به بين العاطف والعطوف، كقوله تعالى: (خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) [الطلاق: ١٢] يعني: فصل بين (أُمَّةً مُسْلِمَةً) والمعطوف عليه وهو الضمير المنصوب في (وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ).
[ ٣ / ٩٠ ]
على السداد كيف يتسببون لسداد من وراءهم؟ وقيل: أراد بالأمة أمة محمد ﷺ. (وَأَرِنَا) منقول من "رأى" بمعنى: أبصر أو عرف؛ ولذلك لم يتجاوز مفعولين، أي: وبصرنا متعبداتنا في الحج أو عرفناها وقيل: مذابحنا. وقرئ: (وأرنا) بسكون الراء قياسًا على فَخْذ في فخِذ، وقد استرذلت؛
_________________
(١) قال أبو البقاء: والواو داخلة في الأصل على أمة، (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا) نعت الأمة مقدم عليها، وانتصب على الحال. قوله: (متعبداتنا في الحج .. وقيل: مذابحنا)، قال القاضي: والنسك في الأصل: غاية العبادة، وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة. وقال الراغب: النسك: غاية العبادة، والناسك: الآخذ نفسه ببلوغ قاصيتها حسب طاقته. وسمى أعمال الحج بالمناسك، ثم خص الذبيحة بالنسك، وتعورف فيه حتى قيل: نسك فلان، أي: ذبيحته. وقال الزجاج: كل متعبد فهو مَنْسَك ومَنْسِك، ومنه قيل للعابد: الناسك، ويقال للذبيحة المتقرب بها إلى الله تعالى: نسيكة. قوله: (وقرئ: "وارنا"، بسكون الراء)، التيسير: ابن كثير وأبو شعيب: "وأرنا"
[ ٣ / ٩١ ]
لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها فإسقاطها إجحاف. وقرأ أبو عمرو بإشمام الكسرة، وقرأ عبد الله: (وأرهم مناسكهم). (وَتُبْ عَلَيْنَا) ما فرط منا من الصغائر، أو استتابًا لذريتهما
_________________
(١) ـ و"أرني" بسكون الراء حيث وقعا. وأبو عمر عن اليزيدي: باختلاس كسرتها، والباقون بإشباعها. قال الزجاج: (أَرِنَا) يقرأ بكسر الراء وإسكانها، والأجود الكسر، ومن أسكن جعله بمنزلة: فخذ وعضد، وليس بمنزلتهما؛ لأن الكسرة في (أَرِنَا) كسرة همزة ألقيت حركتها على الراء، والكسرة دليل الهمزة، فحذفها بعيد، وهو على بعده جائز؛ لأن الكسرة والضم تحذفان للاستثقال. قوله: (لأن الكسرة منقولة)، روي منصوبة: حالًا من الضمير في قوله: "دليل عليها"، ومرفوعة: خبرًا لـ "أن"، ودليل: خبر بعد خبر. قوله: «وَتُبْ عَلَيْنَا) ما فرط منا من الصغائر)، أي: فيما فرط. قال الإمام: المعتزلة يجوزون الصغائر على الأنبياء، وفيه نظر؛ لأن الصغيرة إذا كانت مكفرة بثواب فاعلها فالتوبة عنها محال،
[ ٣ / ٩٢ ]
(وَابْعَثْ فِيهِمْ) في الأمة المسلمة (رَسُولًا مِنْهُمْ) من أنفسهم. وروي أنه قيل له: قد استجيب لك، وهو في آخر الزمان فبعث الله فيهم محمدًا ﷺ قال ﷺ: "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي". (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ): يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى إليه من دلائل وحدانيتك وصدق أنبيائك. (وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ) القرآن (وَالْحِكْمَةَ) الشريعة وبيان الأحكام، (وَيُزَكِّيهِمْ): ويطهرهم من الشرك وسائر الأرجاس، كقوله: (وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧].
[(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ١٣٠ - ١٣١]
_________________
(١) ـ وعند أهل السنة: هذه التوبة لترك الأولى والأفضل، وأنها من باب التشديد والتغليظ ليرتدع مرتكب الكبائر ولا يغفل عن التوبة. وقال القاضي: قوله: (وَتُبْ عَلَيْنَا) استتابه لذريتهما أو عما فرط منهما سهوًا، أو لعلهما قالا هضمًا لأنفسهما وإرشادًا لذريتهما. قوله: (أنا دعوة أبي إبراهيم)، روينا عن العرباض بن سارية ﵁، عن رسول الله ﷺ: "سأخبركم بأول أمري: دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها نور أضاءت له قصور الشام"، أخرجه الإمام أحمد بن حنبل، وصاحب "شرح السنة"، وقد أخرج حديث الرؤيا الدارمي. قوله: "دعوة أبي"، أي: إثر دعوته، أو: الدعوة نفسها.
[ ٣ / ٩٣ ]
(وَمَنْ يَرْغَبُ) إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم. و(مَنْ سَفِهَ) في محل الرفع على البدل من الضمير في (يَرْغَبُ)، وصح البدل؛ لأن (وَمَنْ يَرْغَبُ) غير موجب، كقولك: هل جاءك أحد إلا زيد؟ (سَفِهَ نَفْسَهُ): امتهنها واستخف بها، وأصل السفه الخفة، ومنه: زمام سفيه. وقيل: انتصاب النفس على التمييز نحو:
_________________
(١) قوله: (وقيل: انتصاب النفس على التمييز)، وهو عطف على قوله: " (سَفِهَ نَفْسَهُ) امتهنها"؛ لأن على هذا التقدير، نصبه على أنه مفعول به، وعلى الثاني: سفه لازم، ونفسه: تمييز. قال الزجاج: قال الفراء: التمييز في النكرات أكثر، وزعم أن هذه المميزات المعارف أصل الفعل لها ثم نقل إلى الفاعل، نحو: وجع زيد رأسه، وزعم أن أصل الفعل للرأس وما أشبهه، وجعل (سَفِهَ نَفْسَهُ) من هذا الباب. قال القاضي: قال المبرد وثعلب: سفه بالكسر: متعد، وبالضم: لازم، ويشهد له ما جاء في الحديث: "الكبر أن تسفه الحق". وقال صاحب "الفرائد": الوجه أن (سَفِهَ) ضمن معنى "جهل" وعدي تعديته، كأنه
[ ٣ / ٩٤ ]
غبن رأيه وألم رأسه، ويجوز أن يكون في شذوذ تعريف المميز نحو قوله:
ولا بفزارة الشعر الرقابا
أجب الظهر ليس له سنام
_________________
(١) قيل: جهل نفسه لخفة عقله، أي: لم يعرفها بالتفكر فيها، يدل عليه قول ابن عباس، (إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ): والسفه: غلبة الجهل وركوب الهوى، وهذا القول اختيار الزجاج. الراغب: سفه نفسه أبلغ من جهلها، وذلك أن الجهل ضربان: جهل بسيط، وهو أن لا يكون للإنسان اعتقاد في الشيء، وجهل مركب، وهو أن يعتقد في الحق أنه باطل وفي الباطل أنه حق، والسفه: أن يعتقد ذلك ويتحرى بالفعل مقتضى ما اعتقده، فبين تعالى أن من رغب عن ملة إبراهيم فإن ذلك لسفهه نفسه، فإذًا هو مبدأ كل نقيصة، وذلك أن من جهل نفسه جهل أنه مصنوع، وإذا جهل ذلك جهل صانعه، وإذا جهله فكيف يعرف أمره ونهيه؟ ولكون معرفتها ذريعة إلى معرفة الخالق قال جل ثناؤه: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) [الذاريات: ٢١]. قوله: (غبن)، الجوهري: الغبن بالتسكين: في البيع والشراء، وبالتحريك: في الرأي. قوله: (ولا بفزارة الشعر الرقابا)، أوله: فما قومي بثعلبة بن بكر ثعلبة وفزارة: قبيلتان، أي: ليس قومي بثعلبة ولا بفزارة الكثير الشعر بالرقبة. الشعر: جمع أشعر. قوله: (أجب الظهر)، أوله:
[ ٣ / ٩٥ ]
وقيل: معناه سفه في نفسه، فحذف الجار، كقولهم: زيد ظني مقيم، أي: في ظني، والوجه هو الأول، وكفى شاهدًا له بما جاء في الحديث: "الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس"،
_________________
(١) ـ وإن يهلك أبو قابوس يهلك … ربيع الناس والشهر الحرام ونمسك بعده بذناب عيش … أجب الظهر ليس له سنام الشعر للنابغة يمدح النعمان بن المنذر، وذناب الوادي: منتهاه، وذناب الشيء بالكسر: عقبه. ربيع الناس، أي: سبب طيب عيشهم، وأريد بالشهر الحرام: الأمن، أي: نبقى بعد الممدوح في طرف عيش قد مضى صدره وخيره وبقي ذنبه وما لا خير فيه، الأجب: الجمل المقطوع السنام. واستشهد بأنه نصب الظهر بالأجب على التمييز، قيل: يجوز النصب في البيتين على التشبيه بالمفعول، لا على التمييز، كقولك: الحسن الوجه، وهو الوجه. قوله: (والوجه هو الأول) أي: أن يكون "سفه" متعديًا كما في الحديث، فإن "سفه" فيه متعد بلا ارتياب. والحديث من رواية ابن مسعود: "الكبر بطر الحق وغمط الناس"، أخرجه مسلم والترمذي. قال صاحب "النهاية": وفي الحديث: "إنما ذلك من سفه الحق وغمط الناس"، يقول: غمض الناس يغمصهم غمصًا، وكذلك غمط، أي: حقرهم ولم يرهم شيئًا، بطر الحق وهو: أن يجعل ما جعله الله حقًا من توحيده وعبادته، باطلًا، وقيل: هو أن يتجبر عن الحق فلا يراه حقًا، وقيل: أن يتكبر عن الحق فلا يقبله.
[ ٣ / ٩٦ ]
وذلك: أنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه وتعجيزها؛ حيث خالف بها كل نفس عاقلة. (وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ) بيان لخطأ رأي من رغب عن ملته؛ لأن من جمع الكرامة عند الله في الدارين؛ بأن كان صفوته وخيرته في الدنيا، وكان مشهودًا له بالاستقامة على الخير في الآخرة؛
_________________
(١) قوله: (وذلك أنه إذا رغب): تعليل لقوله: "والوجه هو الأول"؛ لأن المقصود من الآية أن من له رأي سديد، وعقل هاد، ورأى الناس مجتمعين على أمر خطير وخطب جليل، وهو مع ذلك يخالف الناس فيه ويكابر عقله في اتباع ذلك الأمر الخطير فلا يكون ذلك إلا من تجهيله عقله الهادي، وغمص الناس وتحقيرهم، وهذا المعنى لا ينطبق على الوجهين الأخيرين ولا على قول صاحب "الفرائد" إلا مع التعسف. قوله: (وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ): بيان لخطأ رأي من يرغب عن ملته)، وهو حال مقررة لجهة الإشكال، والمعنى: أيرغب عن ملته ومعه ما يوجب الترغيب فيها، وأنه جمع خير الدارين وفاز بالمنقبتين؟ قوله: (وخيرته)، في "المغرب": الخيرة: الاختيار في قوله تعالى: (مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ) [القصص: ٦٨]، وفي قولهم: محمد خيرة الله، بمعنى المختار، وسكون الياء لغة فيهما. قوله: (وكان مشهودًا له بالاستقامة)، أي: أثبتت له إثباتًا ببينة وطريق برهاني، وذلك بأن جمع الصلاح المفسر باستقامة الشيء، وحكم أنه ﵇ من زمرة من اتصف بصفته وأنه داخل في أعدادهم، فإذا ثبتت له صفة الاستقامة على الكناية، وإنما فسر الصلاح بالاستقامة لأنه مقابل للفساد الذي هو خروج الشيء عن حال استقامته، وبأن جعلت الجملة اسمية مؤكدة بـ (إن) واللام. فإن قلت: لم خصت الكرامة الدنيوية بالاصطفاء والأخروية بالصلاح؟
[ ٣ / ٩٧ ]
لم يكن أحد أولى بالرغبة في طريقته منه. (إِذْ قَالَ) ظرف لـ (اصْطَفَيْنَاهُ)، أي: اخترناه في ذلك الوقت، أو انتصب بإضمار "اذكر" استشهادًا على ما ذكر من حاله، كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت؛ لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله، ومعنى (قَالَ لَهُ أَسْلِمْ): أخطر بباله النظر في الدلائل المؤدية إلى المعرفة والإسلام، فقال: أسلمت، أي: فنظر وعرف. وقيل: (أَسْلِمْ) أي: أذعن وأطع، وروي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرًا إلى الإسلام فقال لهما: قد علمنا أن الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيًا اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى
_________________
(١) ـ قلت: أما الاصطفاء بالنبوة فهو أقصى شرف الإنسان ومنتهى درجات العباد في الدنيا، وأما الصلاح في الآخرة فكذلك؛ لأن الصلاح كما قال هو: "الاستقامة على الخير"، ولا ارتياب أن الأحوال العاجلة وإن وصفت بالصلاح في بعض الأوقات لكن لا تخلو من شائبة فساد وخلل، ولا يصفو ذلك إلا في الآخرة، خصوصًا لزمرة الأنبياء؛ لأن الاستقامة لا تكون إلا لمن فاز بالقدح المعلى ونال المقام الأسنى، وهم الأنبياء، ومن ثم كانت هذه المرتبة مطلوب للأنبياء والمرسلين، قال ﵇: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [الشعراء: ٨٣] وغيرها من الآيات. قوله: (أو انتصب بإضمار "اذكر" استشهادًا على ما ذكر)، يعني: تكون جملة مقطوعة مستأنفة مشتملة على بيان الموجب لكونه مصطفى. قوله: (ومعنى: (قَالَ لَهُ … أَسْلِمْ): أخطر بباله النظر) يريد أن "أسلم" أمر جار على المجاز على نحو قوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ) [البقرة: ١١٧]، إذ ليس ثمة أمر ولا جوابه، فإن هذه الواقعة في بدء حاله فلا يكون إلا الإلهام، وفي كلام المصنف إشعار به وهو قوله: "والإسلام قبل ذلك"، هذا إذا أريد بالإسلام الإيمان والتصديق، وأما إذا أريد به الإذعان والطاعة فالأمر على الحقيقة، وإليه الإشارة بقوله: "وقيل: أسلم، أي: أذعن".
[ ٣ / ٩٨ ]
ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم، فنزلت.
[(وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ١٣٢].
قرئ: (وأوصى) وهي في مصاحف أهل الحجاز والشام، والضمير في (بِهَا) لقوله: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) على تأويل الكلمة والجملة، ونحوه رجوع الضمير في قوله: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ) [الزخرف: ٢٨] إلى قوله: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ* إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي) [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]. وقوله: (كَلِمَةً بَاقِيَةً) دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة:
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: وأوصى)، وهي قراءة نافع وابن عامر، والباقون: ووصى. قال الزجاج: و"وصى" أبلغ من "أوصى"؛ لأن الثاني جائز أن يكون قال لهم مرة واحدة، و"وصى" لا يكون إلا لمرات كثيرة. وقال القاضي: التوصية هو التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة، وأصلها الوصل، يقال: وصاه: إذا وصله، وفصاه إذا فصله، كأن الموصي يصل فعله بفعل الموصى. قوله: (والضمير في (بِهَا) لقوله: (أَسْلَمْتُ»، قال الزجاج: الهاء ترجع إلى الملة؛ لأن إسلامه هو إظهار طريقته وسنته، يدل عليه قوله: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ).
[ ٣ / ٩٩ ]
(وَيَعْقُوبُ) عطف على إبراهيم داخل في حكمه، والمعنى: ووصى بها يعقوب بنيه أيضًا. وقرئ (ويعقوب) بالنصب عطفًا على (بَنِيهِ)، ومعناه: ووصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب. (يَا بَنِيَّ) على إضمار القول عند البصريين، وعند الكوفيين يتعلق بـ (وَصَّى)؛ لأنه في معنى القول، ونحوه قول القائل:
رجلان من ضبة أخبرانا … إنا رأينا رجلًا عريانا
بكسر الهمزة، فهو بتقدير القول عندنا، وعندهم يتعلق بفعل الإخبار. وفي قراءة أبي وابن مسعود: (أن يا بني)
_________________
(١) وقلت: هذا هو الحق؛ لأن قوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) كما قال المصنف: "استشهادًا على ما ذكر"، يعني يستبعد من العاقل المميز أن يرغب عن ملة إبراهيم، والحال أنه مصطفى في الدنيا صالح في الآخرة. وإن شئت فاذكر ذلك الوقت الذي أظهر الملة الواضحة، وحين قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين، ليظهر لك إنابته وإخباته وينصره، عطف قوله: (وَوَصَّى) على (قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، أي: اذكر إذ قال الله له: أسلم، فامتثل أمره وأسلم، وما اكتفى به، بل ضم معه توصية بنيه بالإسلام، والذي يدل عليه قوله: (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٢]؛ لأنه الموصى به، وهو مطابق لقوله: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، وإنما ضم الوصية إلى امتثال الأمر لحنوه وحدبه على ذريته فلم يخص نفسه بما ناله من الفضل والكرامة، بل شارك ذريته معه، ومثله قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) [البقرة: ١٢٤]. قوله: (من ضبة): اسم قبيلة، الجوهري: وضبة بن أد عم تميم بن مر. قوله: (فهو في تقدير القول عندنا)؛ لأنه لو تعلق بـ "أخبرانا" لكان "إن" مفتوحة.
[ ٣ / ١٠٠ ]
(اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ): أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان، وهو دين الإسلام، ووفقكم للأخذ به.
(فَلا تَمُوتُنَّ) معناه: فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام؛ فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا كقولك: لا تصل إلا وأنت خاشع، فلا تنهاه عن الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في حال صلاته
_________________
(١) ـ قوله: (فَلا تَمُوتُنَّ) معناه: فلا يكن موتكم)، أي: (لَا تَمُوتُنَّ) لا يستقيم إجراؤه على ظاهره؛ لأنهم نهوا عن الموت، وذلك ليس بمقدورهم، وإنما ينهى المكلف عما له تركه، لكن معناه: فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام، وهذا أيضًا لا يستقيم على ظاهره؛ لأن المنهي الموت، والموت مما لا ينهى، فرجع حاصله إلى أن ينهى الإنسان عن أن يوجد على حالة يدركه الموت وهو على غير الإسلام، وهذا معنى قوله: "فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا". قال الزجاج: هذا على سعة الكلام نحو قولهم: لا أرينك ها هنا، فلفظ النهي للمتكلم، وهو في الحقيقة للمخاطب، أي: لا تكونن ها هنا، فإن كنت هاهنا رأيتك، المعنى: الزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم مسلمين. وقلت: الآية مثل المثال، وفيه ترق بلازم آخر لقوله: "فلا تموتن: معناه: فلا يكن موتكم". قوله: (كقولك: لا تصل إلا وأنت خاشع) نهى عن فعل الصلاة، ومطلق الصلاة لا ينهى عنها، لكن معناه: لا تكن صلاتك إلا على الخشوع، فيرجع معناه إلى أن يكون المنهي الإنسان عن حالة هي غير حالة الخشوع، فيكون في الآية كناية تلويحية.
[ ٣ / ١٠١ ]
فإن قلت: فأي نكتة في إدخال حرف النهي على الصلاة، وليس بمنهي عنها؟ قلت: النكتة فيه: إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة، فكأنه قال: أنهاك عنها إذا لم تصلها على هذه الحالة، ألا ترى إلى قوله ﷺ: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"؟ فإنه كالتصريح بقولك لجار المسجد: لا تصل إلا في المسجد، وكذلك المعنى في الآية إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه، وأنه ليس بموت السعداء، وأن من حق هذا الموت أن لا يحل فيهم
_________________
(١) ـ قوله: (فإن قلت: وأي نكتة في إدخال حرف النهي؟) حاصل السؤال: إذا كان المنهي عنه الحالة التي هي على غير الخشوع في الصلاة، والحالة التي يدركهم الموت عليها وهم على غير الإسلام، فلم نهى عن الصلاة وعن الموت، وما الفائدة فيه؟ وخلاصة الجواب: أن الصلاة أو الموت إذا قصد بالنهي عنهما نهي حالة يقعان فيها إرادة للفضيلة والخيرية، كان أبلغ مما إذا قصدت نفي الفضيلة والخيرية ابتداء. فإن قلت: هذا يناقض ما سبق في تفسير قوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا) [البقرة: ٢٨] أن إنكار الحال ليتبعها إنكار الذات أبلغ من العكس. قلت: الأبلغية وعدمها باعتبار العدول عن مقتضى الظاهر، فإن المقتضى هنالك إنكار ذات الكفر، فعدل إلى إنكار الحال، فيلزم منه إنكار الذات على طريق الكناية. وها هنا المقتضي نفي الفضيلة، فعدل إلى نفي الذات ليلزم منه نفي الفضيلة على سبيل الكناية. والحاصل أن في العدول عن الظاهر مبالغة ليست في ارتكاب الظاهر، ولهذا قال صاحب "المفتاح": ولأمر ما تجد أرباب البلاغة وفرسان الطراد يستكثرون من هذا الفن، وإنه في علم البيان يسمى بالكناية. فقوله أيضًا: "أن لا يحل فيهم" كناية إيمائية على نحو قوله:
[ ٣ / ١٠٢ ]
وتقول في الأمر أيضًا: مت وأنت شهيد، وليس مرادك الأمر بالموت، ولكن بالكون على صفة الشهداء إذا مات، وإنما أمرته بالموت اعتدادًا منك بميتته، وإظهارًا لفضلها على غيرها وأنها حقيقة بأن يحث عليها.
[(أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ١٣٣].
(أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ) "أم" هي المنقطعة، ومعنى الهمزة فيها: الإنكار. والشهداء: جمع شهيد، بمعنى الحاضر، أي: ما كنتم حاضرين يعقوب ﵇ إذ حضره الموت، أي: حين احتضر، والخطاب للمؤمنين بمعنى: ما شاهدتم ذلك
_________________
(١) ـ فما جازه جود ولا حل دونه قوله: (وأنها حقيقة بأن يحث عليها)، هذا غاية المبالغة، فأكرم بفضيلة يرام لإدراكها الموت، وحسب المنايا أن يكن أمانيا. قوله: ("أم" هي المنقطعة، ومعنى الهمزة فيها: الإنكار). قالوا: هذه "أم" الكائنة بمعنى بل والهمزة، كأنه قيل: بل أكنتم شهداء، أذنت بالإضراب عما قبلها وبالإضراب عما بعدها، أي: ما كنتم شهداء، والإضراب: الإعراض عن الشيء بعد الإقبال عليه. وقالوا: وهي "أم" المنقطعة الواقعة في الخبر، فإنه تعالى لما أخبر أولًا أن إبراهيم ويعقوب وصيًا بنيهما بالإسلام، ثم أعرض عن هذا الخبر، وأقبل على الاستفهام تنبيهًا على أن الاستفهام على سبيل الإنكار ها هنا أهم، فقال: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ)، يعني ما كنتم حاضرين بل حصل لكم العلم بهذا المعنى
[ ٣ / ١٠٣ ]
وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي. وقيل: الخطاب لليهود؛ لأنهم كانوا يقولون: ما مات نبي إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه؛ لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام، ولما ادعوا عليه اليهودية، فالآية منافية لقولهم فكيف يقال لهم: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ)؟
_________________
(١) من طريق الوحي امتنانًا منه؛ لأن المؤمنين كانوا يقولون: إن إبراهيم حرض بنيه على التوحيد وملة الإسلام يفتخرون بذلك. وقوله: (وقيل: الخطاب لليهود)، على هذا القول أيضًا وقعت "أم" في الخبر؛ لأنه لما أخبر عن الوصية أعرض عن الإخبار وأقبل على الاستفهام على سبيل الإنكار؛ لأنه أهم؛ لأنهم كانوا يقولون لرسول الله ﷺ: "ألست تعلم أن يعقوب ﵇ يوم مات أوصى بنيه باليهودية"، فقال تعالى: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ) إنكار، أي: ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت وقال لبنيه ما قال، لكن جار الله رد هذا القول وقال: إنهم لو شهدوا يعقوب وسمعوا قوله لبنيه حين احتضر لعلموا حرصه على الإسلام ولم يقولوا: إنه وصى بنيه باليهودية، فالآية منافية لقولهم، لما ذكر فيها من قوله: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ) إلى آخره، فيمتنع أن يقال لهم: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ) إنكارًا عليهم، فإن الإنكار عليهم إنما يصح أن لو كان مضمون هذه الآية موافقًا لقولهم بأن يقال مثلًا بدل قوله: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ) يكون يهوديًا، ثم قال: "ولكن الوجه أن توجد أم متصلة"، ولما لم يجز أن تقع المتصلة إلا في الاستفهام يقدر محذوف مثل: أتدعون أن الأنبياء كانوا هودًا، ثم يعطف عليه بأم المتصلة فيقال: أم كنتم شهداء، على سبيل التقرير للمشاهدة، والإنكار للدعوى كما في قوله تعالى: (قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) [البقرة: ٨٠]، وقوله: (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ) [البقرة: ١٤٠].
[ ٣ / ١٠٤ ]
ولكن الوجه أن تكون "أم" متصلة على أن يقدر قبلها محذوف؛ كأنه قيل: أتدعون على
_________________
(١) قوله: (ولكن الوجه أن تكون "أم" متصلة) يعني أن الخطاب إذا كان مع اليهود والإنكار وارد على قولهم: ما مات نبي إلا على اليهودية، الوجه أن تجعل "أم" متصلة وعليه النظم؛ لأنه تعالى لما قرر أن إبراهيم ﵇ وصى بنيه ويعقوب بالتمسك بالتوحيد والإسلام والعض عليه بالنواجذ، وبخ اليهود على قولهم: ما مات نبي إلا على اليهودية بقوله: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ)، قال بعض فضلاء العصر: وفيه إشكال؛ لأن "أم" المتصلة تقتضي السؤال عن تعيين أحد الأمرين، وها هنا كل واحد من دعوى اليهودية على الأنبياء وحضور أوائلهم حين احتضر يعقوب ووصى بنيه بالتوحيد، معلوم عند المتكلم. وأجاب عنه: أنه لما كان الأمران متساويين في كون كل واحد منهما مما لا يصدر عن العقلاء لكون أحدهما ادعاء لشيء من غير علم، والثاني: ادعاء له مع العلم بخلافه لكون هذا القول يقتضي عدم حضورهم، فإذا سئلوا عن ذلك فلا شك أنهم لا يجيبون بتعيين الأمر الأول، فيتعين أن يجيبوا بتعيين الأمر الثاني، فحينئذ يندرج في ذلك إلزامهم وتقريعهم. يعني: إذا عرفتم بأن أوائلكم كانوا مشاهدين له إذ حرض بنيه على التوحيد، ودعاهم إلى الإسلام، وعلمتم ذلك، فما بالكم تدعون على الأنبياء ما هم عنه براء. وقلت: تلخيصه أن السؤال تبكيت وإلزام، سئلوا عن أمرين أيهما اختاروا لزمتهم الحجة، كأنه قيل: أيها المعاندون، أتدعون على الأنبياء اليهودية دعوى مجردة غير مسندة إلى دليل، أم تدعون حضور أوائلكم حين وصى يعقوب بنيه؟ فلابد أن يختاروا الثاني، فيقولوا: إن أوائلنا كانوا مشاهدين له، إذا أراد بنيه، فيقال لهم: أنتم قد علمتم حضور أوائلكم عند الوصية بالتوحيد، فما لكم تعاندون وتدعون على الأنبياء ما هم عنه براء؟ والله أعلم.
[ ٣ / ١٠٥ ]
الأنبياء اليهودية، (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) يعني: أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام، وقد علمتم ذلك فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه برآء؟ ! وقرئ: (حضر) بكسر الضاد وهي لغة. (مَا تَعْبُدُونَ): أي شيء تعبدون
_________________
(١) وقيل: وتمام تقريره أن تقول: إذا كان المراد بالهمزة و"أم" حقيقة الاستفهام يدل على ثبوت أحدهما، ويكون السؤال عن التعيين، والمراد هنا ليس حقيقة الاستفهام بل التقرير، أي: ثبوت أحدهما وتقريره من غير معنى استفهام، ويكون إشارة إلى أن أحدهما، وهو كونهم شهداء حاصل، ويلزم منه إنكار ادعاء اليهود؛ لأن شهودهم ينافي ذلك الادعاء، ثم اعلم أن الإنكار هنا بمعنى: لم كان، لا بمعنى: لم يكن. وقوله: (وقد علمتم ذلك) بعد بيان أن أوائلهم كانوا المشاهدين، إذ أراد بنيه على الإسلام، أي: وقد علمتم ذلك، فكأنكم شاهدتموه إذ ذاك، فما لكم تدعون عليهم ما هم منه براء؟ وقلت وبالله التوفيق: إن هذا الأسلوب من باب التقسيم الحاصر، نحوه قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) [يوسف: ١٠٢]، قال المصنف: "هذا تهكم بقريش وبمن كذبه؛ لأنه لم يخف على أحد من المكذبين أنه لم يكن من حملة هذا الحديث وأشباهه، ولا لقي فيها أحدًا ولا سمع منه، ولم يكن من علم قومه، فإذا أخبر به وقصه هذا القصص العجيب الذي أعجز حملته ورواته، لم يقع شبهة في أنه ليس منه وأنه من جهة الوحي"، وقوله تعالى: (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ) إلى قوله: (وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) [القصص: ٤٤ - ٤٥].
[ ٣ / ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ومن التقسيم قول الزجاج في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) [البقرة: ٢٥٨] "هذا حجة على أهل الكتاب؛ لأنه نبأ لا يجوز أن يعلمه إلا من وقف عليه بقراءة كتاب، أو تعليم معلم، أو بوحي من الله تعالى، وقد علموا أنه ﷺ أمي، وأنه لم يعلم التوراة والإنجيل، فلم يبق وجه يعلم أن هذا الإخبار منه إلا الوحي". وتنزيل هذا التقرير على هذا المقام أن يقال: إنكم أيها المؤمنون تقولون: إن يعقوب حين احتضر وصى بنيه بالتوحيد والإسلام، وهو حق وصدق، ولكن ما علمتم ذلك من طريق استدلال، ولا قراءة كتاب، ولا تعليم معلم، ولا كنتم حاضرين حين احتضر ووصى بالتوحيد، فلم يبق إلا طريق الوحي، هذا إشارة إلى معنى الحصر في قول المصنف: "إنما حصل لكم العلم من طريق الوحي". فإن قلت: فلم خص الإنكار بطريق المشاهدة دون الطرق الأخرى على أن طريق التعليم أولى بالإنكار كما قال في قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) [آل عمران: ٤٤]، فإن قلت: لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة، وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟ قلت: "كان معلومًا عندهم علمًا يقينًا أنه ليس من أهل السماع والقراءة، وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة، وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة". كذا ها هنا بقي ما هو مستبعد مستحيل ليثبت ما هو المقصود بالطريق البرهاني امتنانًا نه تعالى عليهم، وإليه الإشارة بقوله: "أي: ما شاهدتم ذلك، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي". وهذا التقرير لا يستقيم إذا كان الخطاب مع اليهود؛ لأن القول الذي وقع الإنكار في
[ ٣ / ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ طريقه ينبغي أن يكون مقررًا في نفسه مذكورًا بعد ذكر طرقه المنفية حتى يصح، فلو أريد الإنكار على طريق قولهم، لوجب أن يذكر بعد إنكار طريق المشاهدة، وأن يقال: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تتبعون من بعدي من الملل؟ قالوا: نتبع ملتك وملة آبائك وهي اليهودية، وحين ذكر ما يخالفه من قوله: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ) إلى قوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) لا يصح الإنكار عليهم على ما مر؛ لأنه لو تقرر عندهم هذه المقاولة لظهر لهم حرصه على التوحيد، ولما ادعوا عليه اليهودية. والحاصل: أن الإضراب عن الكلام السابق وإنكار اللاحق يأبى أن يكون الخطاب مع اليهود، ولهذا قال: "فالآية منافية لقولهم"، فكيف يقال لهم: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ)؟ ألا ترى أنه حين جعل "أم" متصلة ولم يكن لها تعلق بالآية السابقة، قال: "ولكن الوجه أن تكون أم متصلة إلى آخره"، ويفهم من تقرير كلامه: أن "أم" إذا كانت منقطعة، والهمزة فيها للتقرير على سبيل التقريع، جاز أن يكون الخطاب مع اليهود، وذلك أنهم لما قالوا: ما مات نبي إلا على اليهودية، قيل لهم: أتقولون هذا القول مع أنكم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، أي: أوائلكم كانوا شاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام، والنظم لا يأباه، وذلك أن قصة إبراهيم ﵇ بجملتها كما ذكرنا معطوفة على قصة بني إسرائيل، والجامع: الامتنان عليهم بالنعمة التي أنعم الله على آبائهم، وكان من حق الظاهر أن يذكر قوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) بعد قوله: (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) كما قال: "والإسلام قبل ذلك" في قوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ)، وإنما أخره ليكون ذريعة إلى هذا التقرير وتخلصًا إلى هذا التفريع، وذلك أنه تعالى لما قال له: (أَسْلِمْ)، وامتثل أمره وقال: (أَسْلَمْتُ)، ووصى بالإسلام بنيه، وأراد أن يوبخ اليهود على ما قالوه، قال: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ)، أي: دعوا إخبارنا عن وصية إبراهيم بنيه بالتوحيد والإسلام، ألستم حضرتم
[ ٣ / ١٠٨ ]
و(مَا) عام في كل شيء، فإذا علم فرق بـ "ما" و"من"، وكفاك دليلًا قول العلماء: "من" لما يعقل. ولو قيل: من تعبدون؟ لم يعم إلا أولي العلم وحدهم، ويجوز أن يقال: (مَا تَعْبُدُونَ) سؤال عن صفة المعبود كما تقول: ما زيد؟ تريد أفقية أم طبيب أم غير ذلك من الصفات. و(إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ) عطف بيان لـ (آبَائِكَ)
_________________
(١) ـ يعقوب حين وصى بنيه بما وصاه جده إبراهيم من التوحيد والإسلام؟ فلم تقولون مع ذلك: ما مات نبي إلا على اليهودية؟ ولا مانع على هذا التقرير أن نجعل الهمزة المقدرة في (أَمْ) للإنكار كما في "المعالم": فإنهم لما قالوا: ألست تعلم أن يعقوب وصى بنيه باليهودية، وكان ذلك كذبًا ومينًا، وإخبارًا بما يخالف اعتقادهم، نزلوا منزلة أنهم ما كانوا شهداء، وقيل لهم: كأنكم ما شهدتم حين وصى بنيه بالتوحيد والإسلام وما اعتقدتم ذلك، ولذلك قلتم ما قلتم. والله أعلم. قوله: (مَا): عام في كل شيء)، أي: يسأل بها عن كل مبهم، فإذا عرف أنه عاقل خص بمن أو غير عاقل خص بما، فهي مشترك في العموم وفي غير العقلاء، فلا يتعين أحد مفهوميها إلا بانتصاب قرينة مبينة. قوله: (ولو قيل: من تعبدون؟ لم يعم إلا أولي العلم وحدهم)، الراغب: لم يعن بقوله: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي) العبادة المشروعة فقط، وإنما عنى جميع الأعمال، وكأنه دعاهم أن لا يتحروا في أعمالهم غير وجه الله ﷿، ولم يخف عليهم الاشتغال بعبادة الأصنام، وإنما خاف أن تشغلهم دنياهم، ولهذا قيل: ما قطعك عن الله فهو طاغوت، وهذا المعنى تحراه الشاعر بالعبادة في قوله:
[ ٣ / ١٠٩ ]
وجعل إسماعيل- وهو عمه- من جملة آبائه؛ لأن العم أب، والخالة أم؛ لانخراطهما في سلك واحد وهو الأخوة، لا تفاوت بينهما، ومنه قوله ﷺ: "عم الرجل صنو أبيه"، أي: لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة، وقال في العباس: "هذا بقية آبائي"، وقال: "ردوا علي أبي فإني أخشى أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود
_________________
(١) ـ فتى ملك اللذات أن يعتبدنه … وما كل ذي ملك لهن بمالك وقلت: ويعضده تقييد الفعل بقوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي: مخلصون. قوله: (عم الرجل: صنو أبيه) من قول النبي ﷺ لعمر في العباس ﵄: "إن عم الرجل صنو أبيه"، أخرجه الترمذي عن علي ﵁. الصنو: المثل، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد، أي: أصل العباس وأصل أبي واحد. الراغب: قد استدل بالآية من منع مقاسمة الجد مع الإخوة، وأسقط الإخوة مع الجد كما يسقطون مع الأب، واستدل بها أيضًا على أن العم يجري مجرى الأب في الولاية على مال الصغيرة وتزويجها، وفي الجملة أن تسميتهما أبوين ليس بمنكر؛ لأن الأعمام والأجداد مع الأب أقرب من تسمية الشمس مع القمر القمرين. قوله: (ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود)، روى صاحب "جامع الأصول": أن عروة بن
[ ٣ / ١١٠ ]
وقرأ أبي: (وإله إبراهيم) بطرح (آبَآئِكَ). وقرئ: (أبيك) وفيه وجهان: أن يكون واحدًا، وإبراهيم وحده عطف بيان له؛ وأن يكون جمعًا بالواو والنون، قال:
وفديننا بالأبينا
_________________
(١) مسعود قدم على النبي ﷺ وأسلم، واستأذنه بالرجوع، فرجع فدعا قومه إلى الإسلام فأبوا، فلما كان عند الفجر قام على غرفة له فأذن للصلاة وتشهد، فرماه رجل من ثقيف فقتله، فقال رسول الله ﷺ لما بلغه خبره: "مثل عروة مثل صاحب يس: دعا قومه إلى الله فقتلوه"، وأما حديث عباس فما وجدته في "الأصول" ولا في "التاريخ"، سوى أن ذكر في بعض الحواشي عن زين الأئمة الفردوسي في "المستقصى"، عن الواقدي: أنه ﷺ: بعث عمه العباس إلى مكة قبل عام الفتح ليدعوهم إلى الله تعالى، فأبطأ عليه، فقال ﷺ: "ردوا علي أبي"، وفي رواية أخرى أنه قال: "لعلهم يصنعون به ما صنعت ثقيف بعروة بن مسعود: دعاهم إلى الله فقتلوه، والله إذًا لا أستبقي منهم أحدًا"، ثم جاء العباس ففرح به رسول الله ﷺ. والله أعلم بصحته. قوله: (وفديننا بالأبينا) أوله: فلما تبين أصواتنا … بكين أي: قلن: جعل الله آباءنا فداكم، والألف في "الأبينا": للإشباع، والضمير في "تبين" عائد إلى النساء اللاتي أسرن، فلما رأيننا بكين وقلن هذا الكلام، والشاعر سعى في خلاصهن من الأسر.
[ ٣ / ١١١ ]
(إِلَهًا وَاحِدًا) بدل من (إِلَهَ آبَائِكَ)، كقوله: (بِالنَّاصِيَةِ* نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ) [العلق: ١٥ - ١٦]، أو على الاختصاص أي: نريد بإله آبائك إلهًا واحدًا.
(وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) حال من فاعل (نَعْبُدُ)، أو من مفعوله؛ لرجوع الهاء إليه في (لَهُ) ويجوز أن تكون جملة معطوفة على (نَعْبُدُ) وأن تكون جملة اعتراضية مؤكدة، أي: ومن حالنا أنا له مسلمون مخلصون التوحيد، أو مذعنون.
[(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ١٣٤].
إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون، والمعنى: أن أحدًا لا ينفعه كسب غيره متقدمًا كان أو متأخرًا، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم؛
_________________
(١) ـ قوله: «إِلَهًا وَاحِدًا): بدل من (إِلَهَ آبَائِكَ). قال القاضي: وفائدته: التصريح بالتوحيد ونفي التوهم الناشئ من تكرير المضاف والتأكيد. قوله: (أي: ومن حالنا أنا له مسلمون) بيان لتقرير أن تكون الجملة معترضة لا حالًا، أي: من عادتنا وشأننا، إذ لو أريد تقرير الحال لقيل: والحال أنا له مخلصون، وقوله: "أو: مذعنون" عطف على (مُخْلِصُونَ). قوله: (إشارة إلى الأمة المذكورة)، الراغب: الأمة في الأصل: المقصود، كالعمدة والعدة في كونهما معمودًا ومعدًا، وسمى الجماعة أمة من حيث تؤمها الفرق، وقيل للحين: أمة لكونه متضمنًا لأمة ما، وسمي الدين أمة لكون الجماعة عليه، وقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) [النحل: ١٢٠] أي: جمع في نفسه من الفضيلة ما لا يجتمع إلا في الأمة.
[ ٣ / ١١٢ ]
وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم. ونحوه قول رسول الله ﷺ: "يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم". (وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ): ولا تؤاخذون بسيئاتهم كمالا ينفعكم حسناتهم
_________________
(١) ـ قوله: (وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم) تعليل لقوله: "تلك إشارة إلى الأمة المذكورة"، والمعنى راجع إلى أن أحدًا لا ينفعه كسب غيره، وفيه إشارة إلى بيان النظم، فكأن اليهود لما ادعوا تلك الدعوى الباطلة، وهي أنه ما مات نبي إلا على اليهودية، وألقمهم الله الحجر بقوله: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ) على ما تقرر في وجه الاتصال، قالوا: هب أن الأمر كذلك، أليسوا بآبائنا وإليهم ينتهي نسبنا؟ مفتخرين، فأجيبوا بقوله: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ). قوله: (لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم)، قيل: هذا نفي في معنى النهي، ولهذا أكد بالنون، والحاصل أنه نهي عن أن يأتي الناس بالعمل وهم بالنسب، والأولى أن يقال: إن الواو للجمع، والمعنى على قوله: لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم قوله: (كما لا ينفعكم حسناتهم) قاس عدم مؤاخذتهم بسيئات الأمة السابقة بعدم انتفاعهم بحسناتهم، وذلك إنما يحسن إذا تقرر المقيس عليه، وتقرره إنما يعلم من مفهوم قوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ)، وعلم منه أن قوله: (وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وضع موضع عليهم ما كسبوا وعليكم ما كسبتم، وإنما عدل إلى نفي السؤال عنهم ليؤذن بأنهم لا يسألون عما
[ ٣ / ١١٣ ]
[(وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ١٣٥).
(بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) بل نكون ملة إبراهيم، أي: أهل ملته كقول عدي بن حاتم: إني من دين. يريد: من أهل دين. وقيل: بل نتبع ملة إبراهيم. وقرئ: (ملة إبراهيم) بالرفع، أي: ملته ملتنا، أو: أمرنا ملته، أو نحن ملته، بمعنى: أهل ملته
_________________
(١) عملوا فضلًا عن أن يؤخذوا بما كسبوا، وإلى اختصاص النفي بهم للتعريض بأن الأنبياء يسألون عنهم سؤال توبيخ وإهانة، كقوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ) [المائدة: ١٠٩]، أشار بقوله: هو سؤال توبيخ لقومهم، كما كان سؤال الموءودة توبيخًا للوائد، ومنه قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [المائدة: ١١٦]، وللاعتناء بشأن هذا المعنى كررت الآية، وختمت بها القصة وجعلت ذريعة إلى الشروع في مشرع آخر من الكلام، والله أعلم. قوله: (أي: ملته ملتنا، أو: أمرنا ملته) فإن قلت: إذا قدر "ملتنا"، حكم بأن "ملته": مبتدأ، وإذا قدر "أمرنا" حكم بأن "ملته": خبر، فلم لا يجوز العكس فيهما. قلت: لا يقدم فيما نحن فيه ما يقدم بسلامة الأمر، لأن الجملة مثبتة للحكم بعد الإضراب عما يخالفها، فإنهم قالوا للمسلمين: (كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا)، فإنك إذا قدرت: ملته. ملتنا، تصورت أنهم زعموا أن إبراهيم كان يهوديًا أو نصرانيًا، وقالوا: اتبعوا ملتنا حتى تكونوا على ملة إبراهيم، ويدل عليه تعقيبه بقوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران: ٦٧]، وإذا قدرت: أمرنا ملته، تصورت أنهم زعموا أن دين الحق دين اليهودية أو النصرانية، وقالوا:
[ ٣ / ١١٤ ]
و(حَنِيفًا) حال من المضاف إليه، كقولك: رأيت وجه هند قائمة. والحنيف: المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق
_________________
(١) ـ اتبعوا ملتنا حتى تكونوا على الحق، فجئت بالرد على الوجه المطلوب، أي: ليس أمرنا على الإشراك كما أنتم عليه، بل أمرنا ملة إبراهيم حنيفًا مسلمًا ونظيره تقدير أمركم أو الذي يطلب منكم بحسب تفسير "المعروفة" في قوله: (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) [النور: ٥٣]. والحاصل أن الذي أجري له الكلام أولًا: أن ملة إبراهيم ملتهم، فوجب تقديمها، وعلى الثاني: ادعوا أنهم على الحق ودعوا المسلمين إلى اليهودية أو النصرانية، فوجب تقديم ما عليه المسلمون، وأنما أوثر أمرنا على "ملتنا" للتفادي عن أن يسمى ما هم عليه بالملة، أي: ليس أمرنا أمركم، بل أمرنا ملة إبراهيم، ولو قدر "ملتنا" كان التقدير: ليس ملتنا ملتكم، بل ملة إبراهيم، والله أعلم. قوله: (حال من المضاف إليه)، نحو قوله تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا) [الحجر: ٤٧]، قيل: وانتصاب الحال من المضاف إليه لا يحسن حتى يكون المضاف والمضاف إليه متصلين أو ملتبسين، فالملة متصلة وملتبسة بإبراهيم ﵇، ألا ترى إلى قول عدي: "إني من دين"، كأنه قال: أنا مجسم منه أو متصل به، كقوله: "ما أنا من دد ولا الدد مني"، ولهذا جاز: رأيت وجه هند قائمة، ولا يجوز: غلام هند قائمة. وقال أبو البقاء: والحال من المضاف إليه قليل؛ لأن عامل الحال هو عامل صاحبها، ولا يصح أن يعمل المضاف في مثل هذا في الحال، ومن جعله حالًا قدر العامل: معنى اللام أو
[ ٣ / ١١٥ ]
والحنف: الميل في القدمين، وتحنف؛ إذا مال. وأنشد:
ولكنا خلقنا إذ خلقنا … حنيفًا ديننا عن كل دين
(وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) تعريض بأهل الكتاب وغيرهم؛ لأن كلًا منهم يدعي اتباع إبراهيم وهو على الشرك.
[(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ١٣٦ - ١٣٧].
(قُولُوا) خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون خطابًا للكافرين، أي: قولوا لتكونوا على الحق، وإلا فأنتم على الباطل،
_________________
(١) ـ معنى الإضافة، وهي المصاحبة والملاصقة، وقيل: حسن جعل (حَنِيفًا) حالًا لأن المعنى: نتبع إبراهيم حنيفًا، وهذا جيد؛ لأن الملة هي الدين، والمتبع إبراهيم ﵇. وهذا مأخوذ من قول الزجاج، فإنه قال: ينتصب (حَنِيفًا) على الحال، أي: نتبع ملة إبراهيم في حال حنيفيته. قوله: (والحنف: الميل في القدمين). الميل: بفتح الميم والياء، الجوهري: الميل، بالتحريك: ما كان خلقة، يقال منه: رجل أميل العاتق، وفي عنقه ميل، وقال الزجاج: وإنما أخذ الحنف من قولهم: رجل أحنف: للذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها، والمعنى: أن إبراهيم حنف إلى دين الإسلام، فلم يبعث نبي إلا به وإن اختلفت شرائعهم.
[ ٣ / ١١٦ ]
وكذلك قوله: (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) يجوز أن يكون على: بل اتبعوا أنتم ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته
_________________
(١) ـ الراغب: الحنف هو: ميل عن الضلال إلى الاستقامة، والجنف: الميل عن الاستقامة إلى الضلال، والحنيف هو المائل إلى ذلك، وتحنف فلان، أي: تحرى طريق الاستقامة، وسمت العرب كل من اختتن أو حج حنيفًا، تنبيهًا على أنه على دين إبراهيم ﵇، والأحنف: من في رجله ميل، قيل: سمي بذلك على التفاؤل، وقيل: بل استعير للميل المجرد. قوله: (وكذلك قوله: (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)، أي: قوله: (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)، يجوز أن يكون على هذين الوجهين، أما كونه خطابًا للمؤمنين فكما سبق تقريره: بل نكون ملة إبراهيم، أي: أهل ملته، أو: بل نتبع ملة إبراهيم، أما كونه خطابًا للكافرين فكما قدره: بل اتبعوا أنتم ملة إبراهيم، أو: كونوا أهل ملته، فنظم الآيات على هذين التقديرين أن يقال: إن اليهود والنصارى لما قالوا: (كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا)، وفي "قالوا" ضمير الفريقين على سبيل اللف، بدليل النشر، وهو قوله: (كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى). وقدر الزجاج: قالت اليهود: كونوا هودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى، فـ "أو": للتنويع، أمر الله ﷾ نبيه صلوات الله عليه أن يرد على الفريقين مقالهم ويضرب عن محالهم بقوله: (قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)، فحينئذ إما أن يسوق الكلام معهم مخاطبًا إياهم: لا تكونوا هودًا أو نصارى، بل كونوا أهل ملة إبراهيم، أو: لا تتبعوا اليهودية والنصرانية، بل اتبعوا ملة إبراهيم. ويؤيد ذلك بما عقبه من قوله: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا) الآيتين، وإما أن يضرب عنهم صفحًا، ويلتفت إلى المؤمنين قائلًا: قولوا: ما نكون منكم بل نكون أهل
[ ٣ / ١١٧ ]
والسبط: الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله ﷺ. (وَالأَسْبَاطِ): حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر. (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، كما فعلت اليهود والنصارى. و"أحد" في معنى الجماعة، ولذلك صح دخول "بين" عليه (بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ) من باب التبكيت؛ لأن دين الحق واحد لا مثل له، وهو دين الإسلام
_________________
(١) ـ ملة إبراهيم أو لا نتبع ملتكم بل نتبع ملة إبراهيم، وأنتم أيها المؤمنون لا تهتموا بهم وقولا: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ)، وصبغنا الله بالإيمان صبغة ولم نصبغ صبغتكم، فقوله: (قُولُوا) تفسير لقوله: (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) على التقديرين، أي: على أن يكون الخطاب للكافرين: أي: قولوا: لتكونوا على الحق، وإلا فأنتم على الباطل، أو للمؤمنين، يعني: لا تهتموا بهم وقولوا: (آمَنَّا). قوله: (و"أحد" في معنى الجماعة)، الجوهري: الأحد بمعنى الواحد، وهو أول العدد، وأما قولهم: ما في الدار أحد فهو: اسم لمن يصلح أن يخاطب، يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث، قال تعالى: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ) [الأحزاب: ٣٢]، وقال: (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) [الحاقة: ٤٧]. قال المصنف في "سورة الأحزاب": "منى (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ): لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء، أي: إذا تقصيت أمة النساء جماعةً جماعةً لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة"، فيكون المعنى في هذا المقام: إذا تقصيت جماعة الأنبياء جماعةً جماعةً فلا نفرق نحن بين جمع من جموعهم. قوله: (من باب التبكيت)، أي: إلزام الخصم، وهو الاستدراج وإرخاء العنان معه ليعثر حيث يراد تبكيته، وهو من مخادعات الأقوال حيث يسمع الحق على وجه لا يزيد غضب
[ ٣ / ١١٨ ]
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) [آل عمران: ٨٥] فلا يوجد إذن دين آخر يماثل دين الإسلام في كونه حقًا، حتى إن آمنوا بذلك الدين المماثل له كانوا مهتدين فقيل: (فَإِنْ آمَنُوا) بكلمة الشك على سبيل الفرض والتقدير، أي: فإن حصلوا دينًا آخر مثل دينكم مساويًا له في الصحة والسداد فقد اهتدوا. وفيه: أن دينهم الذي هم عليه وكل دين سواه مغاير له غير مماثل؛ لأنه حق وهدى، وما سواه باطل وضلال.
ونحو هذا: قولك للرجل الذي تشير عليه: هذا هو الرأي الصواب، فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به، وقد علمت أن لا أصوب من رأيك ولكنك تريد تبكيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه، ويجوز أن لا تكون الباء صلة
_________________
(١) ـ المخاطب: كقوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [سبأ: ٢٤]، أي: تفكروا في حالكم وما أنتم عليه من العبث والفساد وحال المؤمنين وما هم عليه من الصلاح والسداد، فإذا رجعوا إلى أنفسهم وتفكروا، علموا أن المسلمين على هدى وهم على ضلال، كذلك ها هنا: جيء بكلمة "إن"، وهي للشك، وفرض دين آخر مثل دين الإسلام في الاستقامة، أي: نحن لا نقول: إننا على الحق وأنتم على الباطل، ولكن إن حصلتم دينًا آخر مساويًا لهذا الدين في الصحة والسداد فقد اهتديتم، ومقصودنا هدايتكم كيف ما كانت، والخصم إن نظر في هذا الكلام بعين الإنصاف تفكر فيه وعلم أن دين الحق هو دين الإسلام لا غير. قوله: (وفيه)، أي: أدمج في هذا الكلام- تعريضًا كما ذكرنا- أن الدين: الذي هم عليه، وكل دين سواه: باطل وضلال، فعلى هذا أصل الكلام: إن كل دين سوى دين الإسلام باطل، فأقحم قوله: "دينهم الذي هم عليه" وعطف عليه العام ليؤذن بأن الكلام معهم أصالة، وقيل: الضمير في سواه، لدينهم. قوله: (ويجوز أن لا تكون الباء صلة)، يعني على ما فسرنا كانت صلة، و(آمَنُوا): مضمنًا معنى دخلوا، أي: فإن دخلوا في الإيمان بشهادة، أي: باستعانة شهادة مثل شهادتكم،
[ ٣ / ١١٩ ]
وتكون باء الاستعانة، كقولك: كتبت بالقلم، وعملت بالقدوم، أي: فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم التي آمنتم بها. وقرأ ابن عباس وابن مسعود: (بما آمنتم به) وقرأ أبي: (بالذي آمنتم به). (وَإِنْ تَوَلَّوْا) عما تقولون لهم، ولم ينصفوا فما هم إلا (فِي شِقَاقٍ) أي: في مناوأة ومعاندة لا غير، وليسوا من طلب الحق في شيء، أو: وإن تولوا عن الشهادة والدخول في الإيمان بها
_________________
(١) وهي كلمة الشهادتين، قال القاضي: المعنى: إن تحروا الإيمان بطريق يهدي إلى الحق مثل طريقكم، فإن وحدة المقصد لا تأبى تعدد الطرق. قوله: (بما آمنتم به) وقوله: (بالذي آمنتم به) في القراءتين دلالة على أن "مثل": مقحم، قال القاضي: يجوز أن تكون الباء مزيدة للتأكيد، كقوله تعالى: (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا) [يونس: ٢٧]، أي: إن آمنوا إيمانًا مثل إيمانكم به، أو المثل مقحم، كقوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) [الأحقاف: ١٠] أي: عليه، يدل عليه قوله: "تولوا عن الشهادة والدخول في الإيمان" ففي الكلام لف ونشر. قوله: «وَإِنْ تَوَلَّوْا): عما تقولون لهم ولم ينصفوا)، هذا بناءً على أن الباء في (بِمِثْلِ) صلة (آمَنُوا)، يدل عليه قوله: "ولم ينصفوا"؛ لأن الوجه الأول مبني على الكلام المنصف والاستدراج، وقوله: "فإن تولوا عن الشهادة" على أن الباء للاستعانة، يدل عليه قوله: "والدخول في الإيمان"، ففي الكلام لف ونشر. وينصر الوجه الأول قوله: " (فِي شِقَاقٍ) في مناوأة ومعاندة"؛ لأنه مناسب للإنصاف، وكذا قوله: (فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ).
[ ٣ / ١٢٠ ]
(فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ) ضمان من الله لإظهار رسول الله ﷺ عليهم، وقد أنجز وعده بقتل قريظة وسبيهم، وإجلاء بني النضير، ومعنى السين: أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين. (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): وعيد لهم، أي: يسمع ما ينطقون به ويعلم ما يضمرون من الحسد والغل، وهو معاقبهم عليه. أو: وعد لرسول الله ﷺ بمعنى: يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك، وما تريده من إظهار دين الحق وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك.
[(صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) ١٣٨].
(صِبْغَةَ اللَّهِ) مصدر مؤكد منتصب عن قوله: (آمَنَّا بِاللَّهِ) كما انتصب (وَعَدَ اللَّهُ) [الروم: ٦] عما تقدمه، وهي فعلة من: صبغ، كالجلسة من: جلس، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ، والمعنى: تطهير الله؛ لأن الإيمان يطهر النفوس.
والأصل فيه: أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون: هو تطهير لهم، وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال:
_________________
(١) ـ قوله: (ومعنى السين) في (فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ)، قال المصنف: الأصل في السين التوكيد؛ لأنها في مقابلة لن، قال سيبويه: لن أفعل: نفي سأفعل. قوله: (أو وعد لرسول الله ﷺ) أو: للتنويع لا للترديد؛ لأنه لا مانع من حمل الكلام على الوعد والوعيد معًا. قوله: (مصدر مؤكد) أي: مؤكد لنفسه؛ لأن ما قبله وهو قوله تعالى: (آمَنَّا بِاللَّهِ) إلى آخر الآية دال على ما يدل عليه "صبغة الله". قوله: (كما انتصب (وَعَدَ اللَّهُ) عما تقدمه)، وهو قوله: (يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الروم: ٤ - ٥].
[ ٣ / ١٢١ ]
الآن صار نصرانيًا حقًا، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ)، وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا، وطهرنا به تطهيرًا لا مثل تطهيرنا؛ أو يقول المسلمون: صبغنا الله بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم، وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلًا يصطنع الكرام
_________________
(١) ـ قوله: (فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم)، هذا على تقدير أن يكون (قُولُوا) خطابًا للكافرين. قوله: (أو يقول المسلمون) هذا على تقدير أن يكون (قُولُوا) خطابًا للمؤمنين. قوله: (يصطنع الكرام)، الجوهري: اصطنعت فلانًا لنفسي، وهو صنيعي: إذا اصطنعته وخرجته، وقال: خرجه في الأدب فتخرج، وهو خريج فلان. وقيل: معناه: يصطنع فعل الكرام أو يصطنع نفس الكرام على المبالغة، والمشاكلة واقعة بين فعل الغارس وقول القائل: اغرس، فإن المراد بقوله: "اغرس غرس الكريم" أي: أحسن إحسانه. فلولا فعل الغارس لم يحسن منه كما يغرس فلان، كما أن قوله: (صِبْغَةَ اللَّهِ) مشاكل لفعل النصارى وإن لم يوجد منهم قول، وقال الزجاج: يجوز أن يكون (صِبْغَةَ اللَّهِ) بمعنى: خلقة الله الخلق، أي: أن الله تعالى ابتدأ الخلقة على الإسلام لقوله تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: ٣٠]، وقول الناس: صبغ الثوب إنما هو تغيير لونه وخلقته. وقال القاضي: أي: صبغنا الله صبغته، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ، أو: هدانا هدايته وأرشدنا حجته، أو: طهر قلوبنا بالإيمان تطهيره وسماه صبغة؛ لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ، وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب.
[ ٣ / ١٢٢ ]
(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً)، يعني: أنه يصبغ عباده بالإيمان ويطهرهم به من أوضار الكفر فلا صبغة أحسن من صبغة الله. وقوله: (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) عطف على (آمَنَّا بِاللَّهِ)، وهذا العطف يرد قول من زعم أن (صِبْغَةَ اللَّهِ) بدل من (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)، أو نصب على الإغراء بمعنى: عليكم صبغة الله؛ لما فيه من فك النظم
_________________
(١) ـ وقلت: فعلى هذا القول لا يكون مشاكلة، بل يكون استعارة مصرحة تحقيقية، والقرينة إضافتها إلى الله تعالى، والجامع على الأول- أي: على أن يراد بالصبغة: الحلية- التأثر والظهور على السيما، وعلى الوجوه الثلاثة الجامع الظهور والبيان، وهذا التأويل أظهر وأنسب من المشاكلة؛ لأن الكلام عام في اليهود والنصارى كما سبق تقديره، وتخصيصه بصبغ النصارى لا وجه له، ولأن قوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) [البقرة: ٩٣] عبارة عن حب عبادة غير الله. قال المصنف: "معناه: تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبغ"، فكذا ينبغي في عبادة الملك العلام، وأنشد السجاوندي: وصبغة همدان خير الصبغ أي: مكارمهم ظاهرة في روائهم. قوله: (يرد قول من زعم أن (صِبْغَةَ اللَّهِ) بدل من (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) أو نصب على الإغراء … لما فيه من فك النظم)، قال الواحدي: صبغة الله: نصب على الإغراء.
[ ٣ / ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ونقل محيي السنة عن الأخفش: هي بدل من قوله: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)، وقال أبو البقاء: انتصابه بفعل محذوف، أي: اتبعوا دين الله. وقال الزجاج: صبغة الله: منصوبة على قوله: "بل نتبع ملة إبراهيم"، أي: نتبع صبغة الله، أو على: بل نكون أهل صبغة الله. وقال القاضي: قوله: (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) عطف على (آمَنَّا)، وذلك يقتضي دخول قوله: (صِبْغَةَ اللَّهِ) في مفعول (قُولُوا آمَنَّا)، ولمن نصبها على الإغراء أو البدل أن يضمر (قُولُوا) معطوفًا على "الزموا" أو "اتبعوا" (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)، و(قُولُوا آمَنَّا): بدل "اتبعوا" حتى لا يلزم فك النظم وسوء الترتيب. وقلت: المراد أن العطف مانع من جعل (صِبْغَةَ اللَّهِ) نصبًا على الإغراء. فنقدر: الزموا صبغة الله وقولوا: نحن له عابدون، ليصح، وكذا يقدر: اتبعوا ملة إبراهيم، أي: صبغة الله وقولوا: نحن له عابدون، والحق أن كلًا من قوله تعالى: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)، (وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ): اعتراض وتذييل للكلام الذي عقب به، مقول على ألسنة العباد بتعليم الله تعالى، لا عطف، وتحريره: أن قوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) مناسب (لآمَنّا"، أي: نؤمن بالله وبما أنزل على الأنبياء ونستسلم له وننقاد لأوامره ونواهيه، وقوله: (وَنَحْنُ لَهُ
[ ٣ / ١٢٤ ]
وإخراج الكلام عن التئامه واتساقه، وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حذام.
[(قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ* أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ١٣٩ - ١٤١]
_________________
(١) ـ عَابِدُونَ) ملائم لقوله: (صِبْغَةَ اللَّهِ)؛ لأنها دين الله، فالمصدر كالفذلكة لما سبق من الإيمان والإسلام، وقوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) موافق لقوله: (وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ)، وفي ذكر هذا المعنى بعد ذلك ترتيب أنيق؛ لأن الإخلاص شرط في العبادة، وفيه لمحة من حديث جبريل ﵇ حين سأل عن الإحسان بعد سؤاله عن الإيمان والإسلام، ومثل هذا النظم يفوت مع تقدير الإغراء والبدل، ويجوز على هذا أن تقع كل واحدة من هذه الجمل الثلاث حالًا عما قبلها، ونظيره قوله في قوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) في قوله: (قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ)، وأن تكون جملة اعتراضية مؤكدة، والله أعلم. قوله: (والقول ما قالت حذام)، أوله: إذا قالت حذام فصدقوها … فإن القول ما قالت حذام حذام: امرأة حذرت قومها من غارة فأنكروا، فلما نزلت بهم الغارة قالوا: صدقت حذام، فضرب به مثلًا.
[ ٣ / ١٢٥ ]
قرأ زيد بن ثابت: (أتحاجونا) بإدغام النون، والمعنى: أتجادلوننا في شان الله واصطفائه النبي من العرب دونكم، وتقولون: لو أنزل الله على واحد لأنزل علينا وترونكم أحق بالنبوة منا، (وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) نشترك جميعًا في أننا عباده، وهو ربنا، وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده، هم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي إذا كان أهلًا للكرامة. (وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) يعني أن العمل هو أساس الأمر، وبه العبرة، وكما أن لكم أعمالًا يعتبرها الله في إعطاء الكرامة ومنعها فنحن كذلك، ثم قال:
_________________
(١) قوله: (والمعنى: أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب؟)، فإن قلت: كيف قيد المطلق، وهو (فِي اللَّهِ) بقيد النبوة وليست ثم قرينة التقييد؟ قلت: القرينة قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ) والكلام تعريض باليهود وأنهم كتموا ما في التوراة من دلائل النبوة وما عهد إليهم أن يظهروها ولا يكتموها، وهم ما اكتفوا بالكتمان، بل حاولوا المجادلة في كونهم أحق بالنبوة من رسول الله ﷺ. فإن قلت: فأين قرينة تخصيص أنهم أحق بها منه؟ قلت: قوله: (رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) الآية؛ لأن هذا إنما يستقيم جوابًا إذا كانوا قد ادعوا النبوة بالأحقية، وتقرير الجواب: نحن وأنتم مستوون في كوننا عبيد الله وفي أن لكم أعمالًا ولنا أعمالًا، ولنا مزية عليكم بالإخلاص من حيث التوحيد الصرف والأعمال الخالصة، وإليه الإشارة بقوله: "فجاء بما هو سبب الكرامة". قوله: (هم فوضى في ذلك)، الأساس: ما لهم فوضى بينهم: مختلط، من أراد منهم شيئًا أخذ، وبنو فلان فوضى: مختلطون لا أمير عليهم، قال: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم … ولا سراة إذا جهالهم سادوا
[ ٣ / ١٢٦ ]
(وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) فجاء بما هو سبب الكرامة، أي: نحن له موحدون نخلصه بالإيمان، فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوة، وكانوا يقولون: نحن أحق بأن تكون النبوة فينا؛ لأنا أهل كتاب، والعرب عبدة أوثان. (أَمْ تَقُولُونَ) يحتمل فيمن قرأ بالتاء أن تكون "أم" معادلة للهمزة في (أَتُحَاجُّونَنَا) بمعنى: أي الأمرين تأتون؛ المحاجة في حكم الله، أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء؟ ! والمراد بالاستفهام عنهما إنكارهما معًا؛ وأن تكون منقطعة بمعنى: بل أتقولون، والهمزة للإنكار أيضًا، وفيمن قرأ بالياء لا تكون إلا منقطعة بمعنى: بل أتقولون، والهمزة للإنكار أيضًا، وفيمن قرأ بالياء لا تكون إلا منقطعة. (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ): يعني: أن الله شهد لهم بملة الإسلام في قوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) [آل عمران: ٦٧]
_________________
(١) ـ قوله: (فيمن قرأ بالتاء) أي الفوقاني: ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي، والباقون: بالياء. قوله: (لا تكون إلا منقطعة)، وذلك أن المتصلة تقتضي المساواة بين ما يلي الهمزة وأم، والمنقطعة لا تقتضيها، وها هنا أن أهل الكتاب لما خوطبوا بقوله: (أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ) ثم جعلوا غائبين بقوله: (أَمْ يَقُولُونَ) انتفت المساواة؛ لأن المخاطبين حينئذ غيرهم، لأنه تعالى- بسبب تلك المجادلة الفظيعة، وهي قولهم: "نحن أحق بالنبوة من محمد صلوات الله عليه"- انتقل من خطابهم إلى النعي عليهم بخطاب غيرهم كالمخبر لهم ويستدعي منهم الإنكار عليهم، كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [يونس: ٢٢]، ولا يحسن في المتصلة أن يختلف الخطاب من مخاطب إلى غيره كما يحسن في المنقطعة.
[ ٣ / ١٢٧ ]
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ) أي: كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد بها وهي شهادته لإبراهيم بالحنيفية. ويحتمل معنيين أحدهما: أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم؛ لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها. والثاني: أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها. وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد بالنبوة في كتبهم وسائر شهاداته. و(مِنَ) في قوله: (شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ) مثلها في قولك: هذه شهادة مني لفلان؛ إذا شهدت له، ومثله (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [التوبة: ١]
_________________
(١) ـ قوله: (ويحتمل معنيين)، أي: قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً). أحدهما: أن يراد بـ "من كتم": أهل الكتاب وأنهم لما كانوا ظالمين ثابتين عليه، صدرت الجملة بـ "إن" المؤكدة وأتي بالخبر مقرونًا بـ "لا" الاستقرائية، فقيل: إن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم. وثانيهما: أن يراد به المسلمون، فمعناه: إنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا، فإنهم حين برئت ساحتهم عن نزول الظلم فيها جيء بـ "لو" المفيدة للشك، يعني: لو فرضنا الظلم كما تفرض المحالات، كان كَيْتَ وكَيْت، واعتبار النفي في المثالين مستفاد من الاستفهام المولد للتعجب، وذلك أن قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً) الآية، كالتذييل للكلام السابق، فإذا أريد بها شهادة أهل الكتاب كان تأكيدًا لمضمون قوله: (أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا) إلى آخره؛ وأنه في معنى كتمان الشهادة، وإن عنى بها شهادة المسلمين كان تقريرًا لما اشتمل عليه (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ) إلى قوله: (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) لأنه في معنى إظهار الشهادة منهم. قوله: (وفيه تعريض) أي: في المعنى الثاني دون الأول لأنه تصريح. قوله: (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ)، قال المصنف: "ومن: لابتداء الغاية متعلق بمحذوف وليس
[ ٣ / ١٢٨ ]
[(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) ١٤٢ - ١٤٣]
(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ): الخفاف الأحلام، وهم اليهود؛ لكراهتهم التوجه إلى الكعبة، وأنهم لا يرون النسخ. وقيل: المنافقون؛ لحرصهم على الطعن والاستهزاء. وقيل: المشركون؛ قالوا: رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها، والله ليرجعن إلى دينهم. فإن قلت: أي فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت: فائدته: أن مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع؛
_________________
(١) بصلة كما في قولك: برئت من الدين، والمعنى: هذه براءة واصلة من الله وروسله إلى الذين عاهدتم، كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان، فعلى هذا تقدير الكلام: شهادة كائنة من الله تعالى لمحمد صلوات الله عليه بالنبوة. قوله: «السُّفَهَاءُ): الخفاف الأحلام) قال صاحب "الفرائد": السفيه: الذي يعمل بغير دليل، إما أن لا يلتفت إلى دليل ولا يتوقف إلى أن لاح له، بل يتبع هواه، أو أن يرى غير الدليل دليلًا. وقلت: المناسب أن يجعل تعليل تسمية اليهود بالسفهاء كراهتهم التوجه للكعبة بناءً على أنهم لا يلتفتون على الدليل، وهو حال النبي ذي القبلتين على ما في التوراة، ويتبعون أهواءهم بأخذ الرشى على الكتمان، وتسمية المشركين بالسفهاء لأجل أنهم لا يرون الدليل دليلًا لقولهم: رغب عن ملة آبائه، وما يدرون ما توجبه الحكمة والمصلحة من الفوائد.
[ ٣ / ١٢٩ ]
لما يتقدمه من توطين النفس، وان الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وأرد لشغبه، وقبل الرمي يراش السهم. (مَا وَلاَّهُمْ): ما صرفهم (عَنْ قِبْلَتِهِمْ)؛ وهي بيت المقدس. (لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)، أي: بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها. (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) من أهلها (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وهو ما توجبه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس، وأخرى إلى الكعبة.
_________________
(١) ـ قوله: (وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم)، الانتصاف: ولهذا أدرج النظار في أثناء مناظرتهم العمل بالمقتضى الذي هو كذا، السالم عن معارضة كذا، فيسلفون ذكر المعارض قبل ذكر الخصم له، وهذه الآية من أحسن ما يستدل به عليه. قوله: (قبل الرمي يراش السهم) قال الميداني: يضرب في تهيئة الآلة قبل الحاجة إليها. قوله: (وهو ما توجبه الحكمة): بيان لقوله: (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) والضمير يعود إلى الهداية التي يدل عليها (يَهْدِي)، وذكر باعتبار الخبر وذلك "ما"، ويدل على كونه بيانًا إيقاع "من توجيههم" بيانًا لقوله: "ما توجبه"، أي: الهداية على صراط مستقيم، توجههم تارة إلى بيت المقدس، وأخرى إلى الكعبة. قال القاضي: القبلة في الأصل للحالة التي عليها الإنسان من الاستقبال، فصارت عرفًا للمكان المتوجه نحوه للصلاة، وهذا المكان لا يختص به مكان دون مكان لخاصية ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وغنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان.
[ ٣ / ١٣٠ ]
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ) ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم (أُمَّةً وَسَطًا): خيارًا، وهي صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء؛ ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ونحوه: قوله ﷺ: "وأنطوا الثبجة" يريد الوسيطة بين السمينة والعجفاء؛
_________________
(١) قوله: (ومثل ذلك الجعل العجيب)، يريد أن الكاف منصوب المحل على المصدر، وأن معنى المثل الذي يعطيه الكاف هو الصفة والحالة لا النظير والشبيه، والمشار إليه ما يفهم من مضمون قوله تعالى: (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وهو الأمر العجيب الشأن، وذلك أنهم لما طعنوا بقوله: (مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ) جيء بقوله: (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) جوابًا له، وجعل (لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) توطئة للجواب، قالوا: أي شيء ولاهم عن قبلتهم؟ فأجيبوا: هداية الله اختصتهم بهذه التولية ومنحتهم الصراط المستقيم، وهو نظير قوله: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) [النور: ٣٥]، فعلم من قوله: (مَنْ يَشَاءُ) تعظيم المسلمين، وأنهم المختصون بهذا الفضل دون سائر الناس، ومن قوله: (صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) تعظيم التوجيه إلى القِبلة وأنه هو النور، وهو الصراط المستقيم، يعني: كما جعلناكم في الدنيا أفضل الأمم وقبلتكم أفضل القبل جعلناكم في الآخرة شهداء على الناس تشهدون كما تشهد الأنبياء على أممهم، هذا هو الجعل العجيب الشأن، ويجوز أن يكون قوله: (قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) جوابًا و(يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) استئنافًا لبيان الموجب، وذلك أن الإضافة في قولهم: (مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ) بمعنى اللام، ولهذا طابقه اللام في قوله: (لِلَّهِ)، أي: أي داعية دعتهم على التولي عن القِبلة التي استقبلوها من تلقاء أنفسهم، ومتابعة أهوائهم؟ فأجيب بأن ليس ذلك اختصاصًا من قِبل أنفسهم، بل كل الجهات لله ﷿، فهو يهدي من يشاء إلى الجهة التي أرادها تعالى. قوله: (وأنطوا الثبجة)، النهاية: الإنطاء: الإعطاء بلغة اليمن، أي: أعطوا الوسط في الصدقة لا من خيار المال ولا من رذالته، ولحقها تاء التأنيث لانتقالها من الاسمية إلى الوصفية.
[ ٣ / ١٣١ ]
وصفًا بالثبج؛ وهو وسط الظهر إلا أنه ألحق تاء التأنيث؛ مراعاة لحق الوصف. وقيل للخيار: وسط؛ لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والإعوار، والأوساط محمية محوطة، ومنه قول الطائي:
كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت … بها الحوادث حتى أصبحت طرفا
وقد اكتريت بمكة جمل أعرابي للحج، فقال: أعطني من سطاتهنه: أراد: من خيار الدنانير؛ أو: عدولًا؛ لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض
_________________
(١) ـ قوله: (والإعوار)، الأساس: أعور الفارس: إذا بدا فيه عورة، أي: خلل، وقد أعور لك الصيد وأعورك: أمكنك للضرب. قوله: (قول الطائي)؛ أي: أبي تمام، وهو: حبيب بن أوس الطائي، يمدح المعتصم في فتح عمورية. قوله: (ليس إلى بعضها أقرب من بعض)، المغرب: الوسط، بتحريك العين: ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة، وبالسكون: اسم مبهم لداخل الدائرة مثلًا، ولذلك كان ظرفًا، فالأول يجعل مبتدأ وفاعلًا ومفعولًا به، وداخلًا عليه حرف الجر، ولا يصح شيء من هذا في الثاني، ويوصف بالأول مستويًا فيه: المذكر والمؤنث والاثنان والجمع، قال تعالى: (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، وقد يبنى منه أفعل التفضيل، قال تعالى: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ) [المائدة: ٨٩]، (وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى) [البقرة: ٢٣٨]. وقول المصنف: "عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض" إشارة إلى أنه كالمركز للدائرة.
[ ٣ / ١٣٢ ]
(لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) روي: أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا، وهو أعلم، فيؤتى بأمة محمد ﷺ، فيشهدون، فتقول الأمم: من أين عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد ﷺ، فيسأل عن حال أمته، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم، وذلك قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) [النساء: ٤١]. فإن قلت: هلا قيل: لكم شهيدًا، وشهادته لهم لا عليهم! قلت: لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له؛ جيء بكلمة الاستعلاء، ومنه قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المجادلة: ٦]، (كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة: ١١٧]. وقيل: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار،
_________________
(١) قال القاضي: (وَسَطًا) في الأصل: اسم المكان الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، ثم أطلق على المتصف بها، واستدل به على أن الإجماع حجة، إذ لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لا نثلمت به عدالتهم. وقال الزجاج: يقال: هو من أوسط قومه، أي: من خيارهم، والعرب تصف الفاضل النسب بأنه من أوسط قومه، على التمثيل، فتمثل القبيلة بالوادي والقاع، فخير الوادي وسطه، فيقال: هذا من وسط قومه، ومن وسط الوادي، أي: من خير مكان فيه. قوله: (فهلا قيل: لكم شهيدًا). هذا السؤال وارد على تأويله، وهو قوله: "فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم"، يعني أن "شهد عليه" أكثر ما تستعمل فيما فيه مضرة، كما أن
[ ٣ / ١٣٣ ]
(وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) يزكيكم ويعلم بعدالتكم. فإن قلت: لم أخرت صلة الشهادة أولًا وقدمت آخرًا؟ قلت: لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر
_________________
(١) "شهد له" فيما فيه منفعة، ولو أريد ما ذهبت إليه لقيل: ويكون الرسول لكم شهيدًا، وأجاب: أن الشهيد هنا ضمن معنى الرقيب، فعدي تعديته بـ "على"، وإنما أوجب ذلك مقام المدح، وهو قوله: (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، روينا عن البخاري والترمذي وابن ماجة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "يجيء نوح وأمته، فيقول الله: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نذير، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهد أنه قد بلغ، وهو قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) الآية". قال صاحب "الانتصاف": من عليهم بثبوت كونهم شهداء على الناس أولًا، وثانيًا: بثبوت كونهم مشهودًا لهم بالتزكية، خصوصًا من هذا الرسول المعظم، وقال أيضًا: وصف عيسى الرب ﷿ بالرقيب أولًا وبالشهيد ثانيًا في قوله: (كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة: ١١٧] مع اتحاد معناهما، كما تقول: كنت محسنًا إلينا وأنت محسن إلى كل واحد، خص ثم عم، فبذلك تم استدلال الزمخشري. وقلت: التحقيق فيه ما قررناه أن شهد عليه إنما تستعمل فيما فيه مضرة المشهود عليه، وأوجب ها هنا مقام المدح الحكم بالعكس، وأن يضمن الشهيد معنى الرقيب والمهيمن ليفيد معنى التزكية؛ لأن المزكي لابد أن يكون مراقبًا على أحوال المزكى، فإذا شاهد منه ما اقتضى الصلاح والرشد والهداية لا يشهد إلا بعدالته ولا يصدر منه إلا تزكيته، ففي الكلام تضمين ثم كناية، والله أعلم.
[ ٣ / ١٣٤ ]
اختصاصهم بكون الرسول شهيدًا عليهم. (الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا) ليست بصفة للقِبلة، إنما هي ثاني مفعولي "جعل"، يريد: وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها، وهي الكعبة؛ لأن رسول الله ﷺ كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة؛ تألفًا لليهود، ثم حول إلى الكعبة، فيقول: وما جعلنا القبلة التي يجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولًا بمكة، يعني وما رددناك إليها؛ إلا امتحانًا للناس وابتلاء؛ (لِنَعْلَمَ) الثابت على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص (عَلَى عَقِبَيْهِ)؛ لقلقه فيرتد، كقوله: (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) الآية [المدثر: ٣١]،
_________________
(١) قوله: (اختصاصهم بكون الرسول شهيدًا عليهم) وهو من باب قصر الفاعل على المفعول، أي: لا تتجاوز تزكية الرسول ﷺ والشهادة بعدالة أحد سواهم. قوله: (التي يجب) بالجيم، وفي نسخة: بالحاء المهملة، وهي صفة القِبلة. قوله: (الثابت على الإسلام). معناه: الثابت على الصراط المستقيم الذي هو وسط بين طرفي الإفراط والتفريط، دل عليه قوله: "ممن هو على حرف" أي: على طرف من طرفي العدل، وليس في الوسط، فيزل بأدنى شيء. قوله: (ينكص (عَلَى عَقِبَيْهِ». ينكص: خبر بعد خبر، والنكوص: الإحجام عن الشيء، الراغب: إن قيل: كيف يتصور حقيقة انقلاب الإنسان على عقبيه؟ الجواب من وجهين: أحدهما: أن الإنسان متدرج في الفضيلة واكتساب المعرفة درجةً درجةً إلى حين الكمال، فإن حكمه في بطن أمه حكم النبات، ثم يصير في حكم الحيوان، ثم بعد الولادة يصير في حكم الإنسان باكتساب العلم والعمل حتى يرقى إلى أعلى المدارج، ومتى اخل بمرتبة وصل إليها ورجع عنها فقد انقلب على عقبيه. وثانيهما: أن الله تعالى أنشأ الأديان، فما زال يتمها شيئًا فشيئًا حتى كملها بنبينا صلوات الله عليه كما قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة: ٣]، فمن أنعم عليه بأن أوجده بعد
[ ٣ / ١٣٥ ]
ويجوز أن يكون بيانًا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلته يعني: أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرًا عارضًا لغرض، وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس لنمتحن الناس، وننظر من يتبع الرسول منهم ومن لا يتبعه وينفر عنه. وعن ابن عباس ﵁: كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه. فإن قلت: كيف قال: (لِنَعْلَمَ) ولم يزل عالمًا بذلك؟ قلت: معناه: لنعلمه علمًا يتعلق به الجزاء؛ وهو أن يعلمه موجودًا حاصلًا، ونحوه: (وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: ١٤٢]. وقيل: ليعلم رسول الله والمؤمنون، وإنما أسند علمهم إلى ذاته؛ لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده. وقيل: معناه: لنميز التابع من الناكص، كما قال الله تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ) [الأنفال: ٣٧]،
_________________
(١) ـ بعثته وأدرك تلك السعادة، ثم رغب عنه مائلًا إلى ما قبله من الشرائع المنسوخة فقد انقلب على عقبيه. قوله: (ويجوز أن يكون بيانًا) أي: قوله: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ) إلى آخره، وهو عطف على قوله: " (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ): الجهة التي كنت عليها"، وعلى الأول كان بيانًا للحكمة في جعل الكعبة قبلة، تقريره: أنه ﷺ كان مأمورًا بأن يصلي إلى الكعبة ثم أمر بالتحويل إلى بيت المقدس، ثم أعيد إلى ما كان أولًا وهي الكعبة، فالمخبر به الجعل الناسخ، وهي الجهة التي كان عليها، يعني: ما رددناك إلى ما كنت عليه إلا لابتلاء الناس، وعلى الثاني: كان ﷺ مأمورًا بأن يصلي إلى بيت المقدس، ثم أمر بأن يتحول إلى الكعبة، فالمخبر به الجعل المنسوخ، يعني أنت الآن على ما ينبغي أن تكون عليه، وما كنت عليه قبل هذا كان أمرًا عارضًا. قوله: (لنعلمه علمًا يتعلق به الجزاء)، وهو أن نعلمه موجودًا حاصلًا.
[ ٣ / ١٣٦ ]
فوضع العلم موضع التمييز؛ لأن العلم به يقع التمييز. (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً)
_________________
(١) قال القاضي: هذا العلم وأشباهه باعتبار التعلق الحالي الذي هو مناط الجزاء، والمعنى: يتعلق علمنا به موجودًا. وتحقيقه ما ذكره الزجاج: أن الله ﷿ يعلم من يتبع الرسول ممن لا يتبع قبل وقوعه، وذلك العلم لا يوجب مجازاة في ثواب ولا عقاب، ولكن المعنى: ليعلم ذلك منهم شهادة، فيقع عليهم بذلك العلم اسم المطيعين واسم العاصين، فيتعين ثوابهم على قدر عملهم، وتكون معلومة في حال وقوع الفعل منهم شهادة، كقوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) [التغابن: ١٨]، فعلمه به قبل وقوعه غيب، وعلمه به حال وقوعه شهادة، وهذا يبين كل ما في القرآن مثله. وقال الإمام: المسلمون اتفقوا على أنه تعالى عالم بالجزئيات كلها قبل وقوعها، ثم قال أبو الحسين البصري من المعتزلة: العلم يتغير عند تغير المعلوم؛ لأن العلم بكون العالم غير موجود وأنه سيوجد لو بقي حال وجود العالم لكان جهلًا، وإلا لوجب التغير، وقال أهل السنة: لا يلزم التغير؛ لأن عند إيجاد العالم انقلب ذلك العلم علمًا بأنه قد حدث ولم يلزم حدوث علم الله تعالى، ونظيره الإخبار بقوله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) [الفتح: ٢٧]، فلما دخلوه انقلب ذلك الخبر إلى هذا من غير أن يتغير الخبر الأول. قوله: (لأن العلم به يقع التمييز)، هذا موافق لقول من قال: العلم صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض، فهو من باب إطلاق السبب على المسبب.
[ ٣ / ١٣٧ ]
هي "إن" المخففة التي تلزمها اللام الفارقة، والضمير في (كَانَتْ) لما دل عليه قوله: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا) من الردة أو التحويلة أو الجعلة، ويجوز أن يكون للقبلة. (لَكَبِيرَةً): لثقيلة شاقة (إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ): إلا على الثابتين الصادقين في إتباع الرسول، الذين لطف الله بهم وكانوا أهلًا للطفه.
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: ثباتكم على الإيمان، وأنكم لم تزلوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم، وأعد لكم الثواب العظيم. ويجوز أن يراد: وما كان الله ليترك تحويلكم؛ لعلمه أن تركه مفسدة وإضاعة لإيمانكم. وقيل: من كان صلى إلى بيت المقدس قبل التحويل فصلاته غير ضائعة. عن ابن عباس ﵁: لما وجه رسول الله إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا؟ فنزلت. (لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ): لا يضيع أجورهم ولا يترك ما يصلحهم. ويحكى عن الحجاج: أنه قال للحسن: ما رأيك في أبي تراب؟
_________________
(١) ـ قوله: (إلا على الثابتين الصادقين)، وإنما فسر (الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) بالثابتين؛ لأنه مقابل لقوله تعالى: (مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)، ويعلم من المفهوم أنها كبيرة على المتزلزلين المرادين من قوله تعالى: (مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ). قوله: (عن ابن عباس ﵁: لما وجه)، عن الترمذي وأبي داود والدارمي، عن ابن عباس: لما وجه النبي ﷺ إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ). قوله: (ما رأيك في أبي تراب؟)، عنى به عليًا رضوان الله عليه، منقصة له وحطًا لمنزلته، روى ابن عبد البر في "الاستيعاب"، أنه قيل لسهل بن سعد: إن أمير المؤمنين يريد أن يبعث
[ ٣ / ١٣٨ ]
فقرأ قوله: (إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ)، ثم قال: وعلي منهم، وهو ابن عم رسول الله ﷺ، وختنه على ابنته، وأقرب الناس إليه، وأحبهم. وقرئ: (إلا ليعلم) على البناء للمفعول. ومعنى العلم: المعرفة.
ويجوز أن تكون (مَن) متضمنة لمعنى الاستفهام معلقًا عنها العلم، كقولك: علمت أزيد في الدار أم عمرو؟ وقرأ ابن أبي إسحاق: (على عقبيه) بسكون القاف، وقرأ اليزيدي: (لكبيرة) بالرفع، ووجهها: أن يكون "كان" مزيدة، كما في قوله:
_________________
(١) إليك تسب عليًا عند المنبر، فقال: أقول ماذا؟ قال: تقول: أبا تراب، فقال: والله ما سماه بذلك إلا رسول الله ﷺ، دخل رسول الله ﷺ ذات يوم على فاطمة ﵂، فقال: "أين ابن عمك؟ " فقالت: هو ذاك مضطجع في صحن المسجد، فوجده قد سقط رداؤه عن ظهره، وخلص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول: "اجلس أبا تراب"، فوالله ما سماه إلا رسول الله ﷺ، والله ما كان اسم أحب إليه منه"، وأخرجه البخاري أيضًا مع تغيير يسير. قوله: (وعلي منهم)، أي: هو من جملتهم وداخل تحت امتحان الله تعالى بقوله: (إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)، وهو من الذين اتبع الرسول وممن هداه الله، أي: الثابتين على الإيمان؛ لأن الناس عند نزول هذه الآيات بين التابع والناكص، ولا ارتياب أنه من التابع. قوله: (ويجوز أن تكون (مَنْ) متضمنة لمعنى الاستفهام)، قيل: هو معطوف على قوله: "ومعنى العلم المعرفة" أي: لا يكون من أفعال القلوب، بل تكون (مَن): موصولة و(يَتَّبِعُ): صلته، يدل عليه قوله فيما سبق: "ليعلم الثابت على الإسلام الصادق فيه".
[ ٣ / ١٣٩ ]
وجيران لنا كانوا كرام
_________________
(١) قال أبو البقاء: لا يجوز أن تكون (مَن) استفهامية؛ لأن ذلك يوجب أن يعلق "نعلم" عن العمل، وإذا علقت عنه لم يبق لقوله: (مِمَّنْ يَنقَلِبُ) ما يتعلق به؛ لأن ما بعد كلمة الاستفهام لا يتعلق بما قبله، ولا يصح تعلقها بـ (يَتَّبِعُ)؛ لأنها في المعنى متعلقة بـ "نعلم"، وليس المعنى: أي فريق يتبع (مِمَّنْ يَنقَلِبُ)، بل (مَن يَتَّبِعُ): موصولة منصوبة بـ "نعلم"، والمعنى: ليفصل المتبع من المنقلب، وهو الذي عناه المصنف قبيل هذا: "لنميز التابع من الناكص"، ويمكن أن يعلق بـ (يَتَّبِعُ) على أنه حال من فاعله، أي: لنعلم أي فريق يتبع الرسول مميزًا ممن ينقلب على عقبيه. قوله: (وجيران لنا كانوا كرام). أوله: فكيف إذا مررت بدار قوم قال سعدان: قال الأصمعي: أنشد الفرزدق القصيدة التي مستهلها: قفا يا صاحبي بنا لعنا … نرى العرصات أو أثر الخيام فلما بلغ: كانوا كرام، قال الحسن البصري: يا أبا فرسا، كرامًا، قال الفرزدق: ما ولدتني إذًا إلا ميسانية إن جاز ما قلت يا أبا سعيد، وفي "المغرب": ميسان: قرية من قرى العراق.
[ ٣ / ١٤٠ ]
والأصل: وإن هي لكبيرة، كقولك: إن زيد لمنطلق. ثم وإن كانت لكبيرة، وقرئ: (ليضيع) بالتشديد.
[(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ) ١٤٤ - ١٤٥].
(قَدْ نَرَى) ربما نرى، ومعناه: كثرة الرؤية، كقوله:
قد أترك القرن مصفرًا أنامله
_________________
(١) أراد: أني لم أكن إذًا من العرب، بل أكون من المولدين. قوله: «قَدْ نَرَى) معناه: ربما نرى)، اعلم أن لفظة "قد" قد يعنى بها ضدها لمجانسة بين الضدين، ومثله "رب" للتقليل، ثم تستعار للتكثير، قال: فإن تمس مهجور الفناء فربما … أقام به بعد الوفود وفود قوله: (قد أترك القرن مصفرًا أنامله)، تمامه: كأن اثوابه مجت بفرصاد القرن: من هو مثلك في الشجاعة، مصفرًا أنامله، أي: مقتولًا خرجت روحه فاصفرت أصابعه، مجت: من مج الرجل الماء من فيه، أي: رمى، والفرصاد: التوت، أي: مجت بماء فرصاد، أي: صب عليها كما يصب الماء من الفم.
[ ٣ / ١٤١ ]
(تَقَلُّبَ وَجْهِكَ): تردد وجهك، وتصرف نظرك في جهة السماء، وكان رسول الله ﷺ يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة؛ لأنها قِبلة أبيه إبراهيم، وأدعى للعرب إلى الإيمان؛ لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم؛ ولمخالفة اليهود، فكان يراعي نزول جبريل ﵇ والوحي بالتحويل. (فَلَنُوَلِيَنَّكَ): فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها، من قولك: وليته كذا؛ إذا جعلته واليًا له؛ أو: فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس
_________________
(١) قوله: (ولمخالفة اليهود): عطف على: (لأنها قبلة أبيه). قوله: (فكان يراعي نزول جبريل [﵇] والوحي بالتحويل)، قال القاضي: وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل. قوله: (أو: فلنجعلنك تلي سمتها)، الأساس: السمت: النحو والطريق، وسامته مسامتة وتسمته: تعهده وقصد نحوه. هذا الوجه وإن كان موافقًا لقوله: (فَوَلِّ) لكن الأول أقضى لحق ما يستدعيه قوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) ليؤذن أن الله تعالى يسارع في رضاه ويملكه ما يتمناه، كما قالت عائشة ﵂: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك، الحديث، أخرجه الشيخان وغيرهما. قال القاضي: خص الرسول ﷺ بالخطاب تعظيمًا له وإيجابًا لرغبته، ثم عم تصريحًا بعموم الحكم وتأكيدًا لأمر القبلة، وتحضيضًا للأمة على المتابعة.
[ ٣ / ١٤٢ ]
(تَرْضَاهَا): تحبها وتميل إليها؛ لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها،
_________________
(١) قوله: (تَرْضَاهَا): تحبها). أي: الرضا مجاز عن المحبة، الراغب: قيل: لم يقصد بقوله: (تَرْضَاهَا) أنك ساخط للقبلة التي كنت عليها، بل إنه ﷺ ألقي في روعه أن الله تعالى يريد تغيير القبلة، وكان يتشوقه ويحبه، وقيل: تحبها؛ لأن مرادك لم يخالف مرادي، وهذه المنزلة يشير إليها أولو الحقائق، ويذكرون أنها فوق التوكل؛ لأن قضية المتوكل: الاستسلام لما يجري عليه من القضاء كأعمى يقوده بصير، وهذه المنزلة هي أن يحرك الحق سره بما يريد فعله، وعن ابن عباس أنه أحبها اقتداء بإبراهيم ﵇. وعن الزجاج: أحبها لاستدعاء العرب لها. فكل هذه الإرادات صحيحة، وفي تطلعه الوحي المنزل دون الطلب تنبيه على حسن أدبه صلوات الله عليه حيث انتظر ولم يسأل، فالولي الذي قد حصلت له قربة قد تنقص قربته بالمسألة، كما جاء في الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين". قال أمية بن أبي الصلت: إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضك الثناء
[ ٣ / ١٤٣ ]
ووافقت مشيئة الله وحكمته. (شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ): نحوه، قال:
وأطعن بالقوم شطر الملوك
وقرأ أبي: (تلقاء المسجد الحرام) وعن البراء بن عازب: قدم رسول الله ﷺ المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا ثم وجه إلى الكعبة. وقيل: كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين ورسول الله ﷺ
_________________
(١) ـ قوله: (شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ): نحوه)، قال الزجاج: يقال: هؤلاء القوم مشاطرونا، أي: دورهم تتصل بدورنا. وقال القاضي: الشطر في الأصل: لما انفصل عن الشيء، من: شطر: إذا انفصل، ودار شطور: منفصلة عن الدور، ثم استعمل لجانب الشيء وإن لم ينفصل كالقطر. قوله: (وأطعن بالقوم شطر الملوك)، تمامه: حتى إذا خفق المجدح المجدح: الدبران؛ لأنه يطلع آخرًا، ويسمى حادي النجوم، وتزعم العرب أنه يمطر بها، ومجاديح السماء: أنواؤها، وطعن في المفازة يطعن ويطعن: ذهب، والباء في "بالقوم": للتعدية. أي: أذهب بالقوم في زمن الجدب إلى الملوك حتى تغيب الدبران ويزول القحط فيرجعوا إلى وطنهم. قوله: (فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة والنسائي، عن البراء: أن رسول الله ﷺ كان أول ما قدم المدينة صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه
[ ٣ / ١٤٤ ]
في مسجد بني سلمة، وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال؛ فسمي المسجد مسجد القبلتين. و(شَطْرَ الْمَسْجِدِ) نصب على الظرف، أي: اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد، أي: في جهته وسمته؛ لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد.
وذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين. (لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ): أن التحويل إلى الكعبة هو الحق؛ لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله ﷺ أنه يصلي إلى القبلتين
_________________
(١) ـ صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله، لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل الكعبة، فداروا كما هم قبل البيت. وفي رواية عن مسلم وأبي داود، عن أنس: وهم ركوع في صلاة الفجر قد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة حولت، فمالوا كما هم نحو القبلة. قوله: (لأن استقبال عين القِبلة فيه حرج عظيم)، الانتصاف: من قال بأن الواجب على البعيد عين الكعبة يرد عليه صحة صلاة الصف المستطيل زيادة عن سمت الكعبة، ومن قال بالجهة يلزمه أن من كان في الشمال مثلًا له أن يصلي إلى الجهات الثلاث لأنها جهات الكعبة، والسمت غير مرعي على هذا، والمختار في الفتوى أن الواجب في البعد: الجهة.
[ ٣ / ١٤٥ ]
(يَعْمَلُونَ) قرئ بالتاء والياء. (مَا تَبِعُوا) جواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط. (بِكُلِّ آيَةٍ) بكل برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق. (مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)؛ لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة، إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق. (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) حسم لأطماعهم؛ إذ كانوا ماجوا في ذلك وقالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم. وقرئ: (بتابع قبلتهم) على الإضافة
_________________
(١) ـ قوله: (يَعْمَلُونَ)، قرئ بالتاء): ابن عامر وحمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء، وعلى القراءة بالتاء تذييل لقوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) إلى قوله: (وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) ووعد للمؤمنين، يعني: أن الله لا يضيع عملكم وما عقدتم به نياتكم، وعلى القراءة بالياء: وعيد لأهل الكتاب. قوله: (سد مسد جواب الشرط)، يريد أن اللام في قوله: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ) موطئة للقسم. قوله: «وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) حسم لأطماعهم)، الراغب: أي: لا يكون منك، ومحال أن يكون؛ لأن من عرف الله حق المعرفة محال أن يرتد، وقد قيل: ما رجَعَ من رَجَعَ إلا من الطريق، أي: ما أخل بالإيمان إلا من لم يصل إلى الله حق الوصول، ولم يعن بهذه المعرفة ما جعل الله للإنسان بالفطرة، فإن ذلك كشررة تهمد إذا لم تتقد. قوله: (إذ كانوا ماجوا في ذلك)، الأساس: ومن المجاز: ماج الناس في الفتنة: اضطربوا، وهم يموجون فيها.
[ ٣ / ١٤٦ ]
(وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة، لا يرجى اتفاقهم كما لا يرجى موافقتهم لك؛ وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس.
أخبر ﷿ عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه؛ فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه؛ لتمسكه بالبرهان، والمبطل لا يقلع عن باطله؛ لشدة شكيمته في عناده. وقوله: (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ)
_________________
(١) قوله: (عن تصلب كل حزب)، الأساس: ومن المجاز: فلان صلب في دينه، وقد تصلب لذلك: تشدد له. قوله: (شكيمته)، الأساس: عض الفرس على الشكيمة والشكيم، ومن المجاز: إن فلانًا لشديد الشكيمة: إذا كان ذا حد وعارضة. قوله: (وقوله: (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ»: مبتدأ، والخبر: "كلام وارد"، والضمير في "حاله" لرسول الله ﷺ، وفي "عنده" لله تعالى، وقوله: (في قوله) ظرف للإفصاح، يعني: مجيء قوله: (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ) بعد ما أفصح بقوله: (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) يدل على أن الكلام وارد على سبيل الفرض والتقدير: إلهابًا أو تعريضًا، لئلا يلزم التنافي بين ذلك التصريح بالنفي البليغ وهذا التعليق، وإنما كان النفي بليغًا لمجيء "الباء" في الخبر، وإن "أنت" نحو مثل في قولك: مثلك لا يبخل، وجدت نحوه في تضاعيف كلامه، وإفادة ذلك من أن قوله: (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) عطف على جواب القسم، على أن القسم منصب على المعطوفين معًا، وتحرير المعنى: والله ما مثلك في صدد الرسالة ومتبع الآيات البينات بتابع قبلة هؤلاء الجهلة الذين لا يجدي عليهم كل برهان قاطع، وإلى معنى العطف على جواب القسم ينظر.
[ ٣ / ١٤٧ ]
- بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله: (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) - كلام وارد على سبيل الفرض والتقدير، بمعنى: ولئن اتبعتهم مثلًا بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمر؛ (إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ) المرتكبين الظلم الفاحش.
وفي ذلك لطف للسامعين، وزيادة تحذير واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى،
_________________
(١) قوله: (الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده)، يعني أنه تعالى أقسم على أن رسول الله ﷺ ليس بتابع قبلتهم لما علم من حقيقة حاله ذلك. قوله: (وفي ذلك لطف للسامعين)، والمشار إليه بقوله: "ذلك" مفهوم هذه الآية وما تضمنت من التعريض والتهييج، أما التعريض فهو: أما بالنسبة إلى المؤمنين فيكون لطفًا لهم؛ لأن من بلغت منزلته إلى أقصى نهايات الكمال إذا خوطب بذلك الخطاب الهائل فالمؤمنون أحرى بأن يحذروا من متابعة ما نهى عنه، وبالنسبة إلى الكافرين يكون استفظاعًا لحالهم؛ لأن المؤمنين مع جلالتهم إذا حذروا متابعة أهوائهم أشد التحذير فكيف بالكافر الذي ركب هواه وكان خليعًا فيه؟ الراغب: حذر الله ﷾ نبيه ﷺ من اتباع أهوائهم، وقد أكثر الله تحذيره من الجنوح إلى الهوى، وكرر ذلك في عدة مواضع، وقول من قال: الخطاب للنبي ﷺ والمعني به الأمة فلا معنى له؛ لأن من قدر له المنزلة الرفيعة أحوج حفظًا لمنزلته وصيانة لمكانته من الغير، وقد قيل: إن حق المرآة المجلوة أن يكون تعهدها أكثر، إذ قليل من الصدأ عليها أظهر. وهو واقع على سبيل الكناية. قال صاحب "المفتاح": التعريض تارة يكون على سبيل الكناية، وأخرى على سبيل المجاز، فإذا قلت: آذيتني فستعرف، وأردت المخاطب، ومع المخاطب إنسانًا آخر، كان من
[ ٣ / ١٤٨ ]
وتهييج وإلهاب للثبات على الحق. فإن قلت: كيف قال: (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) ولهم قبلتان؛ لليهود قبلة، وللنصارى قبلة؟ قلت: كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق، فكانتا بحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة.
[(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ* وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَاتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ١٤٦ - ١٤٨].
(يَعْرِفُونَهُ): يعرفون رسول الله ﷺ معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين المشخص. (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم. وعن عمر ﵁:
_________________
(١) ـ قبيل الأول، وإن لم ترد المخاطب كان من قبيل الثاني، وأما التهييج فلأنه جل منصب الرسالة من ركوب الشنعاء فيكون سببًا لمزيد الثبات على الطريق المستقيم، كقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥]. قال القاضي: أكد الله تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه، وقيل: الوجوه: لام القسم، و"إن" واللام في خبرها، والجملة الاسمية، والتعبير بـ "إذًا"، ونسبة الظلم إليه، وجمعه، واستغراقه. قوله: (وتهييج وإلهاب)، الأساس: ألهبته الأمر: أردت بذلك تهييجه وإلهابه، الجوهري: هاج هائجه، أي: ثار غضبه. قوله: (كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق، فكانتا بحكم الاتحاد)، الانتصاف: مثله (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) [البقرة: ٦١] مع أنه منٌّ وسلوى؛ لأنهما من طعام المترفه. قوله: (المعين المشخص). يروى بكسر الياء والخاء عن الأصل.
[ ٣ / ١٤٩ ]
أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله ﷺ فقال: أنا أعلم به مني بابني. قال: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته خانت. فقبل عمر رأسه. وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر، لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع، ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته وكونه علمًا معلومًا بغير إعلام. وقيل: الضمير للعلم، أو القرآن، أو تحويل القبلة …
_________________
(١) قوله: (وقيل: الضمير للعلم أو القرآن أو التحويل). روى الإمام عن ابن عباس والمفسرين أن الضمير راجع إلى أمر القبلة، يعني: علماء أهل الكتاب يعرفون أمر القبلة التي تقلبك إليها كما يعرفون أبناءهم، وقال الإمام: "الأصل في الضمير أن يرجع إلى أقرب المذكورات وهو العلم في قوله: (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ)، والمراد بالعلم: النبوة، كأنه قيل: يعرفون أمر النبوة كما يعرفون أبناءهم، وأما أمر القبلة فهو ما تقدم". وقيل: لو كان الضمير للقرآن لوجب أن يقال: يعرفونه كما يعرفون التوراة، رعاية للمناسبة، فلما قيل: كما يعرفون أبناءهم عرف أن الضمير للرسول ﷺ، وإليه الإشارة بقوله: " (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) يشهد للأول"، قالوا: في قوله: "جاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر" نظر؛ لأن من ابتداء قوله: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ) إلى هنا قد تكرر الخطاب مع النبي ﷺ نحو: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ)، (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ)، (مَا جَاءَكَ)، و(إِنَّكَ) نعم، فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، فكيف يقال: "وإن لم يسبق له ذكر؟ " فيقال: لم يسبق له ذكر يعني: في كلام ورد في شأنه صلوات الله عليه وسلامه؛ لأن الخطاب معه صلوات الله عليه تابع لأمر القبلة، فإن الآيات السالفة وردت في شأن القبلة، وهذه في شأن نفسه صلوات الله عليه، فليس بينهما مناسبة، ومن ثم ابتدأ بقوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ) من غير عاطف، فلو رجع الضمير إلى المذكور السابق لأوهم نوع اتصال ولم يحسن ذلك الحسن.
[ ٣ / ١٥٠ ]
وقوله: (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) يشهد للأول وينصره الحديث عن عبد الله بن سلام. فإن قلت: لم اختص الأبناء؟ قلت: لأن الذكور أشهر وأعرف وهم لصحبة الآباء ألزم، وبقلوبهم ألصق.
وقال: (فَرِيقًا مِنْهُمْ) استثناء لمن آمن منهم، أو لجهالهم الذين قال الله تعالى فيهم: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ) [البقرة: ٧٨]. (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) يحتمل أن يكون الحق خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحق، أو: مبتدأ خبره (مِنْ رَبِّكَ)
_________________
(١) وتقرير النظم: أنه تعالى لما ذكر أمر القبلة وذكر قول السفهاء من أهل الكتاب وطعنهم فيه مع أنهم يعلمون أن التحويل هو الحق؛ لأنه كان مذكورًا عندهم أن رسول الله ﷺ يصلي إلى القبلتين، جاء بهذه الآية على سبيل الاستطراد بجامع المعرفة الجلية مع الطعن فيه، والدليل على أن الآية مستطردة: قوله تعالى بعد ذلك: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا)، ولناصر من ذهب إلى أن الضمير لأمر القبلة أن نظم الآي السابقة والآتية يستدعي اتحاد الضمائر؛ لأن الكلام فيها في أمر القبلة. قوله: (لأن الذكور أشهر وأعرف)، الراغب: إنما قال (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) ولم يقل: أنفسهم؛ لأن الإنسان لا يعرف نفسه إلا بعد انقضاء برهة من دهره، ويعرف ولده من حين وجوده، ثم في ذكر الابن ما ليس في ذكر النفس؛ لأن ابن الإنسان عصارة ذاته ونسخة صورته. قوله: (استثناء لمن آمن منهم أو لجهالهم الذين قال الله تعالى فيهم: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ»، هذا الاستثناء معنوي لا اصطلاحي، وهو بمعنى الإخراج، وقد صرح به صاحب "المطلع" حيث قال: (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ): إخراج لمن آمن منهم أو لجهالهم.
[ ٣ / ١٥١ ]
وفيه وجهان: أن تكون اللام للعهد والإشارة على الحق الذي عليه رسول الله ﷺ،
_________________
(١) وقال القاضي: (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ) تخصيص لمن عاند، واستثناء لمن آمن، وقيل: معنى قول القاضي: أن قوله: (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ) يدل من حيث المفهوم أن غير ذلك الفريق لا يكتمون الحق. وقلت: معناه: أن أهل الكتاب كانوا فرقًا ثلاثًا: فرقة يعلمون ويكتمون كابن صوريًا وكعب بن الأشرف، وأخرى يعلمون ولا يكتمون كعبد الله بن سلام، وفرقة أميون، فخص الله تعالى بالذكر من الفرق الثلاث فرقة كتموا الحق، ليبقى في ذلك العام من آمن منهم أو الأميون، والحاصل أن هذا من باب عطف الخاص على العام، وتخصيصه بالحكم كقوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) [البقرة: ٢٢٨]، والترديد بـ "أو" في كلامه بناءً على معنى الذين آتيناهم الكتاب، فإذا اعتبر مطلق اليهود كان متناولًا للجهال أيضًا، وإذا اعتبر العارفون بالكتاب كان متناولًا لمن آمن منهم، فإن قلت: كيف يعتبر العموم وقد قيد بالمعرفة؟ فالجواب عنه ما ذكره في قوله: (وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) [مريم: ٦٦]، فلينظر هناك. قوله: (وفيه وجهان). ذكر الوجهين بعد ذكر الاحتمالين يوجب أن تكون الأقسام أربعة، لكن ذكر المصنف منها وجهين فخص كلًا من التقديرين بكل من الاحتمالين، فحين جعل اللام للعهد قدر خبر مبتدأ محذوف، وحين جعلها جنسًا جعل (مِنْ رَبِّكَ) الخبر، وذلك أن اللام إذا كان للعهد والمشار إليه ما سبق، وهو: إما ما عليه الرسول ﵊
[ ٣ / ١٥٢ ]
أو إلى الحق الذي في قوله: (لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ) أي: هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك؛ وأن تكون للجنس على معنى: الحق من الله لا من غيره، يعني
_________________
(١) الدال عليه قوله: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)، وإما الحق الذي اشتمل عليه قوله: (لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ)، فالضمير المقدر مبتدأ راجع إلى اسم الإشارة، والخبر معرف باللام فيفيد الحصر الذي نبه عليه بقوله: "هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك"، وإذا كان للجنس فالمشار إليه ما في ذهن أهل الحق من الحق الذي هم فيه. وذكر القاضي وجهًا آخر، وقال: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ): كلام مستأنف مبتدأ وخبر، واللام للعهد، والإشارة على ما عليه الرسول ﷺ أو الحق الذي يكتمونه. بقي وجه آخر وهو أن تكون اللام للجنس "ويكتمون" خبر مبتدأ محذوف، فهو ممتنع، لأنه لا معنى لقولك: المذكور جنس الحق الكائن من ربك، اللهم إلا على الادعاء كما في قولك: حاتم الجواد. وعلى التقديرين الحصر لازم، أما على العهد فكما سبق، وأما على الجنس فلأن حقيقة الحق وماهيته إذا كانت صادرة من الله تعالى لا يكون فرد من أفرادها لغيره، وإليه الإشارة بقوله: "الحق من الله لا من غيره". قوله: (أو إلى الحق الذي في قوله: (لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ»، فيه إشكال لما يؤدي إلى اتحاد الخبر والمخبز عنه، وأن التقدير: هذا الذي يكتمونه هو الذي يكتمونه، فيقال: لا ارتياب أن الحق الأول مظهر وضع موضع ضمير هو عبارة عما في "يعرفونه"، للإشعار بأن الذي يعرفونه ويكتمونه حق مبين، وهم في كتمانه على ضلال وباطل، فالمبتدأ المقدر عبارة عن المعنى، وهو شأن الرسول ﷺ أو القرآن أو التحويل، فالإشارة باللام إلى اللفظ وهو مطلق الحق، وإليه يلمح قوله: "هذا الذي يكتمونه هو الحق"، ونظيره قوله تعالى: (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوْ افْتَدَى بِهِ) [آل عمران: ٩١].
[ ٣ / ١٥٣ ]
أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه، وما لم يثبت أنه من الله- كالذي عليه أهل الكتاب- فهو الباطل. فإن قلت: إذا جعلت الحق خبر مبتدأ فما محل (مِنْ رَبِّكَ)؟ قلت: يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون حالًا. وقرأ علي ﵁: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) على الإبدال من الأول، أي: يكتمون الحق من ربك
_________________
(١) قال المصنف: "هو كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا"، فجعل ملء الأرض ذهبًا في معنى الفدية، بدلالة (وَلَوْ افْتَدَى بِهِ)، وجعل الضمير في (بِهِ) راجعًا إلى لفظه لا معناه، ومرجع قوله: "الحق الذي عليه رسول الله ﷺ" إلى الحق المطلق أيضًا لقوله تعالى: (إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ) [النمل: ٧٨]، وقوله: (إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ* عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [يس: ٣ - ٤]، ومنه الحديث: "ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، حين قال رسول الله ﷺ: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة"، وسألوا: من هي يا رسول الله؟ رواه الترمذي عن ابن عمر. يعني: هذا الذي يكتمونه هو الحق المبين، فالمثال وارد على وجهي العهد، ويقال: يجوز أن يراد ما عليه رسول الله ﷺ من النعت والوصف الثابت في الكتابين، المعنى: هذا الذي كتموه من النعت والوصف ثابت من الله تعالى في التوراة والإنجيل، والأول أظهر لدلالة قوله: "الحق الذي عليه"، إذ لو أريد الثاني لقال: الذي فيه، يعضده قول المصنف: "يعني أن الحق: ما ثبت أنه من الله، كالذي أنت عليه" إلى آخره والله أعلم. قوله: (وأن يكون حالًا)، فعلى هذا، المبتدأ المقدر "هذا" ليصح قوله: "الحق من ربك، على الإبدال".
[ ٣ / ١٥٤ ]
(فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ): الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم، أو في أنه من ربك. (وَلِكُلٍّ) من أهل الأديان المختلفة (وِجْهَةٌ): قبلة، وفي قراءة أبي: (ولكل قبلة).
(هُوَ مُوَلِّيهَا) وجهه، فحذف أحد المفعولين. وقيل: (هُوَ) لله تعالى،
_________________
(١) ـ قال المصنف: هذه القراءة تؤكد كون (مِنْ رَبِّكَ) حالًا، وتدل على أن اللام للعهد. قوله: (أو في أنه من ربك). أي: لا تكونن من الشاكين في أنه من ربك. قال القاضي: وليس المراد نهي رسول الله ﷺ عن الشك فيه؛ لأنه غير متوقع منه، بل إما: تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه ناظر، أو: أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ. قلت: الأول من باب قوله: "بشر المشائين"، والثاني: من قوله: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ) [الطلاق: ١]، لكن المعنى على الأول أبلغ؛ لأن الخطب من العظم بحيث لا يختص بالخطاب أحد دون أحد، وعلى الثاني: تعظيم الرسول ﷺ؛ لأنه إمام أمته وقدوتهم اعتبارًا لتقدمه وإظهارًا لمرتبته. قوله: «وِجْهَةٌ): قبلة). قال أبو البقاء: وجهة جاء على الأصل، والقياس جهة، والوجهة: مصدر في معنى المتوجه إليه كالخلق بمعنى المخلوق، وقال الزجاج: يقال: هذه جهة ووجهةٌ ووِجْهَةٌ. قوله: «هُوَ مُوَلِّيهَا) وجهه). قال الزجاج: "هو" لكل، المعنى: كل أهل وجهة هم الذين
[ ٣ / ١٥٥ ]
أي: الله موليها إياه وقرئ: (ولكل وجهة) على الإضافة، والمعنى: وكل وجهة الله موليها، فزيدت اللام؛ لتقدم المفعول، كقولك: لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضاربه
_________________
(١) ولوا وجوههم إلى تلك الجهة، وقيل: هو موليها، أي: الله تعالى يولي أهل كل ملة القبلة التي يريد، فعلى التقديرين أحد مفعوليه محذوف. قوله: (وقرئ: "ولكل وجهة" على الإضافة)، وتوجيهه: أن يقدر مضاف مثل: ولكل صاحب وجهة، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والضمير في (مُوَلِّيهَا) راجع إلى الوجهة، أي: الله مولي الوجهة كل صاحب وجهة، "وكل": مفعول "مول"، فملا قدم أدخل اللام لضعف العامل. قال أبو البقاء والقاضي: المعنى: وكل وجهة الله موليها أهلها، واللام مزيدة للتأكيد، أو: الضمير راجع إلى المصدر. قال السجاوندي: المعنى: الله مولي لكل وجهة تولية، و"ها": تعود على التولية المفهومة من موليها، واللام كقوله: (لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف: ٤٣]؛ تم كلامه. مثاله قول الشاعر: هذا سراقة للقرآن يدرسه … والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب الضمير في "يدرسه" لمصدره لا للقرآن، لأنه لو كان للقرآن لا يكون لإدخال اللام وجه؛
[ ٣ / ١٥٦ ]
وقرأ ابن عامر: (هو مولاها) أي: هو مولى تلك الجهة، وقد وليها، والمعنى: لكل أمة قبلة تتوجه إليها منكم ومن غيركم. (فَاسْتَبَقُوا) أنتم (الْخَيْرَاتِ) واسبقوا إليها غيركم من أمر القبلة وغيره. ومعنى آخر؛ وهو أن يراد:
_________________
(١) لأن الفعل قد أخذ مفعوله، وإذا كان الضمير للمصدر يستقيم ذلك، وكذا الضمير في ضاربه للمصدر، "ولزيد": مفعوله، أي: لزيد أبوه ضارب الضرب، وإنما أورد المصنف المثالين ليشير إلى أنه يجوز أن يكون الضمير في (مُوَلِّيهَا) للوجهة، وأن يكون للمصدر الذي هو التولية. قوله: (وقرأ ابن عامر: "هو مولاها")، قال أبو البقاء: "وهو" على هذا: ضمير الفريق، و"مولى" لما لم يسم فاعله، والمفعول الأول: الضمير المرفوع فيه، و"ها": ضمير المفعول الثاني الراجع إلى الوجهة، ولا يجوز على هذه القراءة أن يكون "هو" ضمير اسم الله تعالى لاستحالة ذلك المعنى، والجملة صفة لـ "وجهة". قوله: (ومعنى آخر): عطف على قوله: "والمعنى: لكل أمة"، يعني: يجوز أن تكون الآية عامة في كل أهل الأديان المختلفة لقوله: "منكم ومن غيركم"، وفي كل أعمال صالحة لقوله: "من أمر القبلة وغيره"، وفي كل ما يتصل بالأعمال من الجزاء إلى الموافق والمخالف، فيكون تذييلًا لقوله: (مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ)، أي: اعلموا أن لكل حزب من اليهود والنصارى جهة يستقبلونها وهم يصلون فيها، فاستقبلوا أنتم- يا أمة محمد- الخيرات واستبقوا إليها غيركم، ويجوز أن تكون مختصة بأمة محمد صلوات الله عليه وسلامه، وهو لوجهين، أحدهما: أن يراد بالوجهة: استقبال القبلة والسبق، وثانيهما: أن يختص كل من ألفاظ الآية إلى آخرها بأمر القِبلة وما يتصل به، وحينئذ تكون الآيات التالية كعطف تفسيري لهذه الآية.
[ ٣ / ١٥٧ ]
ولكل منكم- يا أمة محمد- وجهة، أي: جهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية. (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ). (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَاتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا) للجزاء، من موافق ومخالف، لا تعجزونه. ويجوز أن يكون المعنى: فاستبقوا الفاضلات من الجهات، وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت. (أَيْنَ مَا تَكُونُوا) من الجهات المختلفة (يَاتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا) يجمعكم ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة، وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام.
_________________
(١) ـ قال القاضي: أينما تكونوا مجتمع الأجزاء ومفترقها يأت بكم الله جميعًا، أي: يحشركم الله تعالى للجزاء. قلت: وفي تركيب "الكشاف" لف ونشر واستطراد بين، إذ لو لم يرد النشر لكان مكان قوله: " (يَاتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا) للجزاء من موافق ومخالف" قبل قوله: "ومعنى آخر" ليكون الشروع في الوجه الخاص بعد الفراغ من العام ظاهرًا، ولو لم يذهب إلى الاستطراد لكان الظاهر أن يذكر الوجهان المختصان بالمؤمنين على سنن واحد، ثم يتبع لكل من العام والخاص بما يناسبهما من غير تخلل أجنبي، فلما أخر أحد وجهي الخاص عما يتعلق بالوجه العام والأول من وجهي الخاص؛ وهو (يَاتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا) للجزاء؛ علم أن المصنف أورد هذا الوجه استطرادًا، والله أعلم. الراغب: وفي الآية قول آخر، وهو أنه تعالى قيض الناس في أمور دنياهم وآخرتهم في أحوال متفاوتة، وجعل بعضهم أعوان بعض فيها، فواحد يزرع، وواحد يطحن، وواحد يخبز، وكذلك في أمر الدين: واحد يجمع الحديث، وآخر يطلب الفقه، والثالث يطلب الأصول، وهم في الظاهر مختارون وفي الباطن مسخرون، وإليه أشار بقوله ﷺ: "كل ميسر لما
[ ٣ / ١٥٨ ]
[(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ* فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ* وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) ١٤٩ - ١٥٤].
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ): ومن أي بلد خرجت للسفر (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) إذا صليت (وَإِنَّهُ) وإن هذا المأمور به
_________________
(١) خلق له". ولهذا سئل بعض الصالحين عن تفاوت الناس في أفعالهم فقال: كل ذلك طرق إلى الله تعالى، أراد أن يعمرها بعباده، فبين تعالى أن لكل طريقًا إذا تحرى فيه وجه الله تعالى. قوله: «وَإِنَّهُ) وإن هذا المأمور به). وفيه أن قوله: (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ) تذييل لقوله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ) نحو قولك: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، وقوله: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وعد وتذييل للمجموع، يعني من حقيقة هذا المأمور به وثباته أنه تعالى لا يهمل عامله ويعطيه أجره كاملًا ثابتًا دينًا ودنيا، وهذا نوع من التوكيد المعنوي، ومن ثم لما فرغ منه أتى بتوكيد لفظي حيث قال: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ).
[ ٣ / ١٥٩ ]
وقرئ: (يعملون) بالياء والتاء، وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده؛ لأن النسخ من مظان الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان، والحاجة على التفصلة بينه وبين البداء، فكرر عليهم؛ ليثبتوا ويعزموا ويجدوا؛ ولأنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر؛ فاختلفت فوائدها. (إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا) استثناء من "الناس"، ومعناه: لئلا تكون حجة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم القائلين: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه وحبًا لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء. فإن قلت: أي حجة كانت تكون للمنصفين منهم لو لم تحول حتى احترز من تلك الحجة ولم يبال بحجة المعاندين؟
_________________
(١) قوله: (وقرئ: (يعملون)، بالياء والتاء)، بالياء التحتانية: أبو عمرو، والباقون: بالتاء. قوله: (والحاجة إلى التفصلة) يجوز أن يكون عطفًا على مدخول لام التعليل، أي: كرر لتأكيد أمر القبلة للحاجة إلى التفصلة، وأن يكون عطفًا على "الفتنة"، أي: النسخ من مظان الحاجة إلى التفصلة. قوله: (ولأنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر)، أما أولًا: فقوله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) علق به قوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ)، يعني: ما كنت تحبه وتتمناه حق وصدق مكتوب في زبر الأولين، يعلمه علماؤهم وأنه من أمارة نبوتك، وأما ثانيًا: فقوله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ) علق به قوله: (لِئَلاَّ يَكُونَ)، وقوله: (وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي) بين في الأولين حقية التولية، وفي الأخير فائدتها وجدواها. قوله: (أي حجة كانت تكون للمنصفين)، توجيه السؤال: فلما حولت القِبلة إلى الكعبة
[ ٣ / ١٦٠ ]
قلت: كانوا يقولون: ما له لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة؟ فإن قلتك كيف أطلق اسم الحجة على قول المعاندين؟ قلت: لأنهم يسوقونه سياق الحجة، ويجوز أن يكون المعنى: لئلا يكون للعرب عليكم حجة واعتراض في ترككم التوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم وإسماعيل أبي العرب. (إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) على أن "ألا" للتنبيه، وقف على (حُجَّةٌ) ثم استأنف منبهًا. (فَلا تَخْشَوْهُمْ): فلا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم؛ فإنهم لا يضرونكم (وَاخْشَوْنِي) ولا تخالفوا أمري وما رأيته مصلحة لكم. ومتعلق اللام محذوف، معناه: ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك، أو يعطف على علة مقدرة، كأنه قيل: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم
_________________
(١) ـ لم يبق لليهود حجة إلا لهؤلاء المعاندين، وحجتهم داحضة، ويفهم منه أنه لو لم يحول كانت حجة المنصفين لازمة، وما تلك الحجة؟ وأجاب بما أجاب، ويجوز أن يكون من باب قوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب قال الزجاج: المعنى: لئلا يكون للناس حجة إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له، كما تقول: ما لك علي حجة إلا الظلم، أي: ما لك علي حجة البتة ولكنك تظلمني، وإنما سمي ظلمه حجة لأن المحتج بها سماه حجة. قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: لئلا يكون): عطف على قوله: "ومعناه: لئلا يكون حجة لأحد من اليهود"، والمراد بالناس على الأول: اليهود، واعتراضهم بترك ما هو مذكور في نعته صلوات الله عليه، وعلى الثاني: العرب واعتراضهم بترك قبلة أبي العرب.
[ ٣ / ١٦١ ]
وقيل: هو معطوف على (لِئَلاَّ يَكُونَ)، وفي الحديث: "تمام النعمة دخول الجنة"، وعن علي ﵁: تمام النعمة الموت على الإسلام. (كَمَا أَرْسَلْنَا): إما أن يتعلق بما قبله، أي: ولأتم نعمتي عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول؛ أو بما بعده، أي: كما ذكرتكم بإرسال الرسول (فَاذْكُرُونِي) بالطاعة (أَذْكُرْكُمْ) بالثواب، (وَاشْكُرُوا لِي) ما أنعمت به عليكم،
_________________
(١) قوله: (وقيل: هو معطوف على (لِئَلاَّ يَكُونَ). فعلى هذا، المعلل مذكور، وكذا المعطوف عليه، كأنه قيل: (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا) ولأتم نعمتي عليكم، أي: أمرتكم بذلك لأجمع لكم خير الدارين، أما دنيا فليظهر سلطانكم على المخالفين، وأما عقبى فلنثيبنكم به الجزاء الأوفى. قوله: (أو بما بعده). أي: (كَمَا أَرْسَلْنَا): إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده، والأول أوفق لتأليف النظم، على أن يكون (وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي) معطوفًا على قوله: (لِئَلاَّ يَكُونَ)، فترتبط الآيات على النسق الأنيق، أي: حولنا القبلة إلى الكعبة لئلا يكون لليهود حجة، ولأتم نعمتي عليكم، غذ حولتكم إلى قبلة بناها إبراهيم وإسماعيل وهما أبواكم، كما أتممت النعمة بإرسال الرسول من أنفسكم ومن ضئضئ إسماعيل، وإذا كان كذلك فاذكروني بالطاعات واشكروا هذه النعم الجليلة، وفيه تلويح إلى معنى قولهما: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ) الآية، وتنبيه أن النعمة في بعثته ودعائه العالم إلى دين الحق أعظم من نعمة تغيير القبلة إلى الكعبة لإيقاعه مشبهًا به. وقال الراغب: قيل: عنى بقوله: (مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) العلوم التي لا طريق على تحصيلها إلا بالوحي على السنة الأنبياء، وقال لبني إسرائيل: (اذْكُرُوا نِعْمَتِي)، ولهذه الأمة: (فَاذْكُرُونِي)،
[ ٣ / ١٦٢ ]
(وَلا تَكْفُرُونِ): ولا تجحدوا نعمائي. (أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ): هم أموات بل هم أحياء، (وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) كيف حالهم في حياتهم. وعن الحسن: أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح والفرح،
_________________
(١) ـ ثم إن النعمة في الدنيا مشوبة بالمكاره والمصائب، فإذا نالكم شيء منها فاصبروا لتكونوا شاكرين لنعمائي صابرين على بلوائي، وذلك قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ) الآية [البقرة: ١٥٣]، ولو تعلق (كَمَا أَرْسَلْنَا) بقوله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) لم يكن النظم بهذا الحسن. قوله: «وَلا تَكْفُرُونِ) ولا تجحدوا نعمائي)، الراغب: إن قيل: لم أتبع (وَاشْكُرُوا لِي) قوله: (وَلا تَكْفُرُونِ) ولم يقتصر على إحدى اللفظتين؟ قيل: لما كان الإنسان قد يكون شاكرًا في شيء ما، وكافرًا في غيره، فلو اقتصر على (وَاشْكُرُوا لِي لكان يجوز أن يتوهم أن من شكر مرة أو على نعمة ما فقد امتثل، ولو اقتصر على قوله: (وَلا تَكْفُرُونِ) لكان يجوز أن يتوهم أن ذلك نهي عن تعاطي قبيح دون حث على الفعل الجميل، فجمع بينهما لإزالة هذه الشبهة، ولأن في قوله: (وَلا تَكْفُرُونِ) نهيًا عن الكفر المطلق، وذلك معنى زائد على (وَاشْكُرُوا لِي). فإن قيل: لِمَ لم يقل: ولا تكفروا لي ليطابق (وَاشْكُرُوا لِي)؟ قيل: لأنه يقتصر من العبد على شكل نعمه ولا يقتصر على أن لا يكفر نعمه، بل النهي عن الكفر به أكثر من النهي عن كفر نعمه، إذ قد يعفو عن كفر بعض النعم ولا يعفو عن الكفر المطلقز قوله: «وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) كيف حالهم في حياتهم). قال القاضي: هذا تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك إلا بالكشف أو الوحي، وفيها دلالة على أن الأرواح: جواهر قائمة بنفسها وأنها تبقى بعد
[ ٣ / ١٦٣ ]
كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشيًا، فيصل إليهم الوجع. وعن مجاهد: يرزقون ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. وقالوا: يجوز أن يجمع الله من أجزاء الشهيد جملة فيحييها ويوصل إليها النعيم وإن كانت في حجم الذرة. وقيل: نزلت في شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر.
[(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) ١٥٥ - ١٥٧]
_________________
(١) ـ الموت دراكة، وعليه جمهور الصحابة والتابعين، وبه نطقت الآيات والسنن، وعلى هذا فتخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله تعالى ومزيد البهجة والكرامة. الراغب: ذهب بعض المعتزلة إلى أن إثبات الحياة ونفي الموت في الآية: في يوم الحساب، لا في الحال، وقال: لا اختصاص لهم به، بل إنما علق الحكم بهم لأنه في ذكرهم، ولو ذكر معهم غيرهم لذكرهم، وفرع هذا على الحس، وقال: إنما نعلم أنهم في قبورهم لا يأكلون ولا يشربون، وهذا التأويل قد نفاه الله تعالى بقوله: (وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) أي: لا تحسون ولا تدركون ذلك بالمشاعر، أي: بالحواس، تنبيهًا على أن ذلك مما السبيل إليه أمر آخر وهو أن الإنسان متى كان محسنًا كان روحه منعمًا إلى يوم القيامة، وإن كان مسيئًا كان به معذبًا، وإلى هذا ذهب جماعة الصحابة والتابعين وأصحاب الحديث. ويؤيده آيات وأحاديث، منها: قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الأعراف: ١٧٢]، وقوله: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، لقوله بعده: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) [غافر: ٤٦]، ومنها:
[ ٣ / ١٦٤ ]
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ): ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم: هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من الطاعة وتسلمون لأمر الله وحكمه أم لا؟ (بِشَيْءٍ): بقليل من كل واحد من هذه البلايا وطرف منه. (وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ) المسترجعين عند البلاء؛ لأن الاسترجاع تسليم وإذعان
_________________
(١) ـ قوله ﷺ: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف"، وقوله: في أصحاب قليب بدر: "ما أنتم بأسمع منهم لما أقول، ولكنهم لا يقدرون على الجواب"، والمخالف إنما وهم في ذلك لأنه جعل الأرواح أعراضًا لا قوام لها إلا بالأجساد، وأنها مهما فارقت الأجسام بطلت، وهو قول باطل. قوله: «وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ) المسترجعين عند البلاء)، الراغب: أمر تعالى ببشارة من اكتسب العلوم الحقيقية وتصور بها المقصد ووطن نفسه به؛ لأن الصابر على الحقيقة: من عرف فضيلة مطلوبه، ولم يرد بقوله: (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) اللفظ فقط، فإن التلفظ بذلك مع الجزع قبيح وسخط للقضاء، وإنما يريد تصوير ما خلق الإنسان لأجله والقصد له ليتعرض لطريق الوصول. قوله: (لأن الاسترجاع تسليم وإذعان) تنبيه على أن الصفة، وهي قوله: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ) الآية، كاشفة في هذا المقام، وفيه أن معنى الصبر التسليم والإذعان. وقال القاضي: وليس الصبر بالاسترجاع باللسان، بل بالقلب، بأن يتصور ما خلق لأجله وانه راجع إلى ربه، ويتذكر نعم الله ليرى أن ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه فيهون على نفسه ويستسلم له.
[ ٣ / ١٦٥ ]
وعن النبي ﷺ: "من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفًا صالحًا يرضاه" وروي: أنه طفئ سراج رسول الله ﷺ، فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون" فقيل: أمصيبة هي؟ قال: "نعم، كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة". وإنما قلل في قوله: (بِشَيْءٍ)؛ ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل إليه؛ وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم. وإنما وعدهم ذلك قبل كونه؛ ليوطنوا عليه نفوسهم. (وَنَقْصٍ) عطف على "شيء"، أو على
_________________
(١) ـ قوله: (من استرجع عند المصيبة)، الحديث ما وجدته في الكتب المعتبرة، وأما معناه فهو ما روينا عن مالك ومسلم والترمذي وأبي داود، عن أم سلمة: قال رسول الله ﷺ: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها" الحديث، وأما حديث بيت الحمد وموت الولد، فأخرجه الترمذي بتمامه، عن أبي موسى، لكن بحذف همزة الاستفهام في "أقبضتم؟ ". قوله: (ففوقه ما يقل إليه) أي: البلاء الذي أصاب الإنسان يقل بالنسبة إلى البلاء الذي هو فوقه. الراغب: الإنسان لا ينفك في الدنيا من شيء من المحن، بل في حال المسار يساق به إلى محنة، ولهذا قيل: كفى بالسلامة داء، وقال الشاعر:
[ ٣ / ١٦٦ ]
(الْخَوْفِ) بمعنى: وشيء من نقص الأموال. والخطاب في (وَبَشِّرْ) لرسول الله ﷺ، أو لكل من يتأتى منه البشارة. وعن الشافعي ﵀: الخوف: خوف الله، والجوع: صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال: الزكوات والصدقات،
_________________
(١) إذا كان الشباب يعود شيبًا … وهمًا فالحياة هي الحمام فالعاقل بفكره يعلم أن ماله وبدنه وذويه عارية مستردة، فإذا عرض له نائبة كان له من الصبر مطية لا تكبو، ومن الرضا بقضاء الله سيف لا ينبو، والله تعالى لما أجرى العادة أن لا تنفك الدنيا من هذه الآفات المذكورة، فإنها قد تنال الأخيار كما تنال الأشرار، جعلها ابتلاء لأوليائه، لكن إذا تلقوها بالصبر حط بها وزرهم وأعظم بها أجرهم. قوله: (وعن الشافعي ﵁: الخوف: خوف الله، والجوع: صيام شهر رمضان) إلخ، الانتصاف: وفيه نظر؛ لأن الابتلاء موعود به في المستقبل وكل قد تقدم لهم من قبل، والخوف كان ملء قلوبهم، ويبعد تسمية الصدقة نقصًا مع أن الله تعالى سماها بالزيادة وهي الزكاة، وأجاب بنفسه عن هذا بأن الزكاة نقص حقيقة، وزيادة باعتبار ما تؤول إليه مجازًا، فعند الابتلاء سماها بالنقص إذ به الابتلاء، وعند الأمر بالإخراج سماها زكاة ليسهل إخراجها.
[ ٣ / ١٦٧ ]
ومن الأنفس: الأمراض، ومن الثمرات: موت الأولاد. وعن النبي ﷺ: "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؛ فيقولون: نعم فيقول: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد". والصلاة: الحنو والتعطف، فوضعت موضع الرأفة،
_________________
(١) الإنصاف: الجواب عما ذكره أيضًا بأنا لا نسلم أن الزكاة فرضت قبل نزول هذه الآية، والابتلاء بوجوبها أتم من الابتلاء بوقوعها، ويقوى به السؤال فإن الخوف يتضاعف بنزول آيات الوعيد وبيان المخوف منه، ولذلك قال: (بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ)، وكذلك الصيام لا نسلم وجوبه قبل نزول هذه الآية، وسؤاله متوجه في المرض وفقد الولد. وقلت: لا نسلم صحة الرواية عن الإمام، وعلى تقدير الصحة: الجواب عن المرض وفقد الولد، كأنه قيل: ولنبلونكم بهما لنعلم هل أنتم على ما كنتم عليه في الجاهلية من الضجر والجزع أم أحدثتم الصبر والالتجاء إلى الله تعالى والاسترجاع إليه؟ يدل عليه تقييد الصابرين بقوله: (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). قوله: (والصلاة: الحنو والتعطف) بناءً على ما قال إن الصلاة مشتقة من تحريك الصلوين، قال: "حقيقة صلى: حرك الصلوين؛ لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، وقيل للداعي: مصل تشبيهًا في تخشعه بالراكع والساجد". ثم الخشوع والخضوع يدل على الحنو والعطف، وهو على الرأفة والرحمة، وهو المراد بقوله: "فوضعت موضع الرأفة"، وهي كناية تلويحية، وذلك أن العطف والحنو على الله محال، فيكنى بها عن الرأفة. الراغب: والصلاة وإن كانت في الأصل: الدعاء، فهي من الله: التزكية على وجه، والمغفرة
[ ٣ / ١٦٨ ]
وجمع بينها وبين الرحمة، كقوله تعالى: (رَافَةً وَرَحْمَةً) [الحديد: ٢٧]، (رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: ١١٧]، والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة. (وَرَحْمَةً) أي رحمة، (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) لطريق الصواب حيث استرجعوا وسلموا الأمر لله
_________________
(١) ـ على وجه، وهي الرحمة، وإن كانتا متلازمتين فهما مفترقتان في الحقيقة، وإنما قال: (صَلَوَاتٌ) على الجمع، تنبيهًا على كثرتها منه. قوله: (وجمع بينها) أي: وجمع بين الصلاة والرحمة كما جمع بين الرأفة والرحمة، لكن اختلف المعنى في هذا المقام لاختلاف الصيغتين جمعًا وإفرادًا، وعطف أحدهما على الآخر، لأن القصد في عطف المفرد على المجموع إرادة التكرير في الجمع والتعظيم في المفرد بحسب تنكيره، وإلى الأول الإشارة بقوله: "رأفة بعد رأفة"؛ لأنه على منوال: لبيك وسعديك، وإلى الثاني بقوله: "رحمة أي رحمة". والنكتة في تكرير (أُوْلَئِكَ): التنبيه على إناطة كل بما يناسبه، وأن ما بعده جدير بمن قبله لاكتسابه الخلال المرضية، فقوله: (أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) مترتب على قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) إلى آخر الآيتين، وقوله: (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) على قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) إلى قوله: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) يدل عليه قوله: " (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) لطريق الصواب حيث استرجعوا وسلموا لأمر الله"، فمن استعان بالله بالصبر والصلاة والجهاد كفاه الله أمور دنياه ما عاش، بأن يؤويه إلى ظلال رأفته رأفة بعد رأفة، ويمنحه مناه في عقباه ليطير فوق منتهى بسطته رحمة أي رحمة. قال الجوهري: الرأفة: أشد الرحمة، وقيل: الرأفة: أن يدفع عنك المضار، والرحمة: أن يوصل إليك المسار.
[ ٣ / ١٦٩ ]
[(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) ١٥٨].
الصفا والمروة: علمان للجبلين كالصمان والمقطم. والشعائر: جمع شعيرة؛ وهي العلامة، أي: من أعلام مناسكه ومتعبداته. والحج: القصد، والاعتمار: الزيارة، فغلبا على قصد البيت وزيارته للنسكين المعروفين، وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان.
وأصل (يَطَّوَّفَ) يتطوف، فأدغم وقرئ: (أن يطوف) من: طاف. فإن قلت: كيف قيل: إنهما من شعائر الله، ثم قيل: لا جناح عليه أن يطوف بهما؟ قلت: كان على الصفا إساف وعلى المروة نائلة، وهما صنمان، يروى: أنهما كانا رجلًا وامرأة زنيا في الكعبة، فمسخا حجرين فوضعا عليهما؛ ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما، فملا جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل فعل الجاهلية، وأن يكون عليهم جناح في ذلك؛ فرفع عنهم الجناح
_________________
(١) قوله: (كالصمان والمقطم). قال المصنف: الصمان والمقطم: علمان مع الألف واللام، كالصفا والمروة، فلذلك اختارهما، والصمان: موضع إلى جنب رمل عالج، والمقطم: جبل بمصر في "الصحاح". قوله: (والشعائر: جمع شعيرة، وهي: العلامة). قال الزجاج: الشعائر: كل ما كان من موضع أو مسعى أو مذبح، وإنما قيل: شعائر لكل علم مما تعبد به من قولهم: شعرت به: علمته.
[ ٣ / ١٧٠ ]
واختلف في السعي؛ فمن قائل: هو تطوع بدليل رفع الجناح، وما فيه من التخيير بين الفعل والترك، كقوله: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا) [البقرة: ٢٣٠]، وغير ذلك؛ ولقوله: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا)، كقوله: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) [البقرة: ١٨٤].
ويروى ذلك عن أنس، وابن عباس، وابن الزبير، وتنصره قراءة ابن مسعود: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما). وعن أبي حنيفة ﵀:
_________________
(١) قوله: (واختلف في السعي) إلى آخره، قال الإمام الرافعي في "الكبير": السعي ركن في الحج والعمرة، ولا يحصل التحلل دونه ولا ينجبر بالدم، وبه قال مالك، وأصح الروايتين عن أحمد؛ وعند أبي حنيفة: ينجبر بالدم. قال الإمام: ظاهر الآية لا يدل على الوجوب ولا على عدمه، فإن قوله: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ)، أي: لا إثم عليه، يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، فإذن لابد في تعيين أحدهما من الرجوع إلى الدليل. وقلت: ويؤيده ما روينا عن عروة: سألت عائشة ﵂، فقلت: أرأيت قول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)؟ فوالله ما على أحد من جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، وقالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت على ما أولتها كانت: لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها نزلت في الأنصار، وكانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي ﷺ عن ذلك فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى:
[ ٣ / ١٧١ ]
أنه واجب وليس بركن، وعلى تاركه دم. وعند الأولين: لا شيء عليه. وعند مالك والشافعي: هو ركن لقوله ﵊:
_________________
(١) (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الآية، قالت عائشة: وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. أخرجه البخاري ومسلم ومالك والترمذي وأبو داود، وقول الإمام موافق لهذا الحديث، ويؤيد دليل الوجوب ما رواه المصنف: "اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي" الحديث مخرج في "مسند أحمد بن حنبل"، وعن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع بعد ما طاف وسعى ورمى: "لتأخذوا مناسككم، وإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه"، فثبت من هذا دليل الوجوب، لكن بقي الخلاف في أنه ركن أم لا؟ والركن: ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان داخلًا فيه، ولاشك أن السعي داخل في مناسك الحج كالإحرام والطواف والوقوف وغيرها، لقوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ) [البقرة: ٢٠٠] وقوله: (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ)، ولقوله ﷺ: "لتأخذوا مناسككم"، وإذا ثبت أنه من الواجبات الداخلة ثبت أنه ركن، فقيل: يجوز السعي بعد الإحلال وفاقًا، ولو كان ركنًا لما أدي بعده، وأجيب: كونه داخلًا تحت أعمال الحج لا يوجب دخوله تحت الإحرام، قيل: قراءة ابن مسعود: "فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما"، وقول ابن عباس
[ ٣ / ١٧٢ ]
"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي". وقرئ: (ومن يطوع) بمعنى: ومن يتطوع، فأدغم؛ وفي قراءة عبد الله: (ومن يتطوع بخير).
[(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ) ١٥٩].
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ) من أحبار اليهود (مَا أَنزَلْنَا) في التوراة (مِنْ الْبَيِّنَاتِ): من الآيات الشاهدة على أمر محمد ﷺ، (وَالْهُدَى): والهداية بوصفه إلى اتباعه والإيمان به، (مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ) ولخصناه (لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ): في التوراة لم ندع فيه موضع إشكال ولا اشتباه على أحد منهم،
_________________
(١) ـ وأنس وابن الزبير، يدل على أنه تطوع، وأجاب الإمام: أن القراءة الشاذة لا يمكن اعتبارها مع المشهورة، وأن قول عائشة أولى بالقبول من قول غيرها بناءً على النص الذي هو قولها: سن رسول الله ﷺ إلى آخره، وقولهم على الاجتهاد. قوله: (وقرئ: "ومن يطوع"): حمزة والكسائي، وقراءة الباقين: (تَطَوَّعَ) على: تفعل، ماضيًا. قوله: (لم ندع فيه موضع إشكال) مع ما بعده مبين للكلام السابق، يعني: أنزلنا في التوراة من العلامات الدالة على أمر محمد صلوات الله عليه ثم شرحنا فيها من العلامات الدالة على صحته، ثم هدينا الطريق فيها إلى متابعته بوصف أمره، وأنه الذي يصلي إلى القبلتين كما سبق،
[ ٣ / ١٧٣ ]
فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس؛ (أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ) الذين يتأتى منهم اللعن عليهم؛ وهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين.
[(إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ١٦٠].
(وَأَصْلَحُوا) ما أفسدوا من أحوالهم، وتداركوا ما فرط منهم، (وَبَيَّنُوا) ما بينه الله في كتابهم فكتموه، وبينوا للناس ما أحدثوه من توبتهم؛ ليمحوا سمة الكفر عنهم، ويعرفوا بضد ما كانوا يعرفون به، ويقتدي بهم غيرهم من المفسدين.
[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ* خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ) ١٦١ - ١٦٢]
_________________
(١) ـ وأنهم كانوا يقولون: ما باله لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة؟ وأنه (الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ) الآيات [الأعراف: ١٥٧]، فكتموه ولبسوا على الناس، فالفاء في قوله: "فعمدوا" للترتيب على العكس، أي: بينا لهم بيانًا شافيًا ليظهروه فعمدوا .. إلى آخره، وكذلك الفاء في قوله: "ما بينه الله في كتابهم فكتموه". قوله: (الذين يتأتى منهم اللعن) أي: للعنهم تأثير، لعطفه على (يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ) وتعقيبه لأولئك. قال الزجاج: (اللاَّعِنُونَ) هم المؤمنون وكل من آمن بالله من الجن والإنس والملائكة. عن ابن عباس: اللاعنون: كل شيء في الأرض، وعن ابن مسعود: "الاثنان إذا تلاعنا لحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود"، والأول أولى لقوله بعد ذلك: (أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).
[ ٣ / ١٧٤ ]
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) يعني: الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين ولم يتوبوا، ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتًا. وقرأ الحسن: (والملائكة والناس أجمعون) بالرفع عطفًا على محل اسم الله؛ لأنه فاعل في التقدير، كقولك: عجبت من ضرب زيد وعمرو؛ تريد من أن ضرب زيد وعمرو، كأنه قيل: أولئك عليهم أن لعنهم الله والملائكة. فإن قلت: ما معنى قوله (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وفي الناس المسلم والكافر؟ قلت: أراد بالناس من يعتد بلعنه؛ وهم المؤمنون. وقيل: يوم القيامة يلعن بعضهم بعضًا.
(خَالِدِينَ فِيهَا): في اللعنة. وقيل: في النار إلا أنها أضمرت؛ تفخيمًا لشأنها
_________________
(١) قوله: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) يعني: الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين)، قال الإمام: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) عام، فلا وجه لتخصيصه، قال أبو مسلم: يجب حمله على المقدم ذكرهم؛ لأن الكاتمين إما أن يتوبوا، فهو قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا)، أو يموتوا من غير توبة فهو قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)، فإن الكاتمين ملعونون في الحياة والممات، وأجاب الإمام: إن هذا إنما يصح إذا لم يدخل الذين يموتون تحت الآية الأولى، يعني: (أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ)، ولما دخلوا فيها استغني عن ذكرهم فيجب حمل الكلام على أمر مستأنف. قلت: هذا أحسن؛ لأن الآية حينئذ من باب التذييل، فيدخل هؤلاء فيها دخولًا أوليًا، فالتعريف في قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) على هذا: للجنس، وعلى الأول: للعهد. قوله: (أراد بالناس: من يعتد بلعنه) يعني: التعريف فيه للعهد، والمعهود: ما يعلم من قوله: (وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ). قوله: (أضمرت؛ تفخيمًا لشأنها)، يعني: لما اشتهر وتعورف أن خلود الكفار لا يكون إلا فيها ترك التصريح بذكرها تهويلًا.
[ ٣ / ١٧٥ ]
وتهويلًا. (وَلا هُمْ يُنظَرُونَ) من الإنظار، أي: لا يمهلون ولا يؤجلون، أو لا ينتظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة.
[(وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ* إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ١٦٣ - ١٦٤].
(إِلَهٌ وَاحِدٌ): فرد في الإلهية لا شريك له فيها، ولا يصح أن يسمى غيره إلهًا
_________________
(١) ـ قوله: «إِلَهٌ وَاحِدٌ): فرد في الإلهية)، قال الإمام: ورود لفظ الواحد بعد لفظ الإله يدل على أن تلك الوحدة معتبرة في الإلهية لا في غيرها، فهو بمنزلة وصفهم الرجل بأنه سيد واحد، وبأنه عالم واحد. وقلت: هذا المعنى إنما يعطيه إعادة الإله في الخبر ووصفه بالواحد، فلو لم تكن الوحدة معتبرة في الإلهية لكان يكفي أن يقال: إلهكم واحد، وإليه ينظر قوله تعالى: (لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [النحل: ٥١]، قال صاحب "المفتاح": لفظ إله يحتمل الجنسية والوحدة، والذي له الكلام مسوق الوحدة. ففسر بالواحد بيانًا لما هو الأصل في الغرض، ولهذا أكد المصنف تفسير (إِلَهٌ وَاحِدٌ) بقوله: "لا شريك له، ولا يصح أن يسمى غيره إلهًا". وقال أبو البقاء: (إِلَهٌ): خبر المبتدأ، و(وَاحِدٌ): صفة له، والغرض ها هنا الصفة، إذ لو قال: وإلهكم واحد، لكان هو المقصود إلا أن في ذكره زيادة تأكيد، وهذا يشبه الحال الموطئة، كقولك: مررت بزيد رجلًا صالحًا، والخبر: زيد شخص صالح.
[ ٣ / ١٧٦ ]
و(لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته. (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، المولي لجميع النعم أصولها وفروعها، ولا شيء سواه بهذه الصفة؛ فإن كل ما سواه إما نعمة وإما منعم عليه. وقيل: كان للمشركين حول الكعبة ثلاث مئة وستون صنمًا، فملا سمعوا بهذه الآية تعجبوا، وقالوا: إن كنت صادقًا فأت بآية نعرف بها صدقك؛ فنزلت: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)
_________________
(١) ـ قوله: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ): تقرير للوحدانية)، قال الإمام: وذلك أنه تعالى لما قال: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) أمكن أن يخطر ببال أحد: هب أن إلهنا واحد، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا، فأزال هذا الوهم ببيان التوحيد المطلق. وقال القاضي: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ): تقرير للوحدانية وإزاحة أن يتوهم أن في الوجود إلهًا يستحق العبادة. وقال السجاوندي: (هُوَ) بدل عن موضع (لا إِلَهَ)، أي: لا إله في الوجود غلا الله، ولا اعتماد إلا على الله، فلم يجز النصب؛ لأن مساق الكلام لإثبات الصانع، ونفي الشريك تبع، وفي النصب على الاستثناء الاعتماد على الأول. قوله: (المولي لجميع النعم أصولها وفروعها)، قال القاضي: وذكر هاتين الصفتين كالحجة على التوحيد، فإنه لما كان مولي النعم كلها وما سواه إما نعمة أو منعم عليه، لم يستحق العبادة واحد غيره، وهما خبران آخران لقوله: (وَإِلَهُكُمْ)، أو لمبتدأ محذوف.
[ ٣ / ١٧٧ ]
واختلاف الليل والنهار: اعتقابهما؛ لأن كل واحد منهما يعقب الآخر، كقوله: (جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً) [الفرقان: ٦٢]. (بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ) بالذي ينفعهم مما يحمل فيها أو ينفع الناس. فإن قلت: قوله: (وَبَثَّ فِيهَا) عطف على (أَنزَلَ) أو "أحيا"؟ قلت: الظاهر أنه عطف على (أَنزَلَ) داخل تحت حكم الصلة؛ لأن قوله: (فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ) عطف على (أَنزَلَ) فاتصل به وصارا جميعًا كالشيء الواحد، فكأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة
_________________
(١) قوله: (لأن كل واحد منهما): تعليل لتفسير الاختلاف بالاعتقاب، وهو أن يخلف أحدهما صاحبه بعده، لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً) [الفرقان: ٦٢]. قوله: (أو ينفع الناس)، يريد أن "ما" مصدرية، وحين جعلها موصولة قدر فيها الراجع، قال القاضي: وذكر الفلك للقصد به إلى الاستدلال بالبحر وأحواله، فهو متبوع والفلك تابع، وإنما خصص الفلك بالذكر دون البحر لأنه سبب الخوض فيه والإطلاع على عجائبه. قوله: (لأن قوله: (فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) عطف على (أَنزَلَ»، تعليل لظهور هذا العطف، وذلك أن قوله: (فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ) ليس مستقلًا بنفسه فيصح عطفه على صلة الموصول ليكون آية أخرى مثل أنزل الماء من السماء لأجل الفاء السببية، فهما كالسبب والمسبب فصارا جميعًا كالصلة الواحدة، بخلاف قوله: (وَبَثَّ فِيهَا)، إذ يصح جعله صلة معطوفة على الصلة لاستقلاله واشتماله على ما يبين الموصول من قوله: (مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ)، كقوله: (مِنْ مَاءٍ) بيانًا لقوله: (مَا أَنزَلَ)، والعائد المنصوب محذوف، أي: ما بثه الله من كل دابة، فيكون آية أخرى، مثل: (أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ)، ألا ترى كيف صرح بالبيانين في قوله: "وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة"! والمطلوب تكثير الآيات، فكان هذا العطف ظاهرًا.
[ ٣ / ١٧٨ ]
ويجوز عطفه على "أحيا" على معنى: فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابة؛ لأنهم ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا.
(وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) في مهابها قبولًا ودبورًا وجنوبًا وشمالًا، وفي أحوالها حارة وباردة وعاصفة ولينة وعقمًا ولواقح،
_________________
(١) ـ قال الزجاج: هذه الأشياء وجميع ما بث الله في الأرض دالة على أنه واحد كما قال: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ). انتهى كلامه. وأما إذا عطف على (فَأَحْيَا)، وكان من تتمة الصلة مسببًا عما هو المعطوف عليه مسبب عنه، فيحتاج إلى تقدير حرف التسبب وإظهار السبب الذي هو الماء، وجعل (مِن) في قوله: (مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) زائدة، فكأن التقدير: وبث فيها من كل دابة بسبب الماء؛ لأن تعيشها به، ولاشك أن هذا التقدير أدق معنى وأخفى من الأول؛ لأن الآية حينئذ على وزان قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا* لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) [الفرقان: ٤٨ - ٤٩]. قوله: «وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) في مهابها قبولًا ودبورًا وجنوبًا وشمالًا)، الجوهري: الصبا: مهبها المستوي، أن تهب من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، وتسمى قبولًا، ويقابلها الدبور، والشمال: التي تهب من ناحية القطب، ويقابلها الجنوب. وقال الثعالبي: النكباء: هي التي تهب بين الريحين، والنماوحة: هي التي تهب من جهات مختلفة، والعاصف هي: الشديدة الهجوم، وهي التي تقلع الخيام، والزعزع هي: التي
[ ٣ / ١٧٩ ]
وقيل: تارة بالرحمة وتارة بالعذاب. (وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ) سخر للرياح تقلبه في الجو بمشيئة الله يمطر حيث شاء. (لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون؛ لأنها دلائل على عظيم القدرة وباهر الحكمة. وعن النبي ﷺ: "ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها" أي: لم يتفكر فيها،
_________________
(١) ـ تقلع الأشجار، والإعصار هي: التي تهب من الأرض نحو السماء كالعمود، والنسيم هي: التي تجيء بنفس ضعيف وروح، والعقيم هي: التي لم تلقح شجرًا ولم تحمل مطرًا، واللواقح هي: التي تلقح الأشجار، والمعصرات هي: التي تأتي بالأمطار، والمبشرات هي: التي تأتي بالسحاب الممطر الذي يروي التراب، والهيف هي: الحارة التي تأتي من قبل اليمن، والصرصر: الباردة. قوله: (وقيل: تارة بالرحمة وتارة بالعذاب) عطف على قوله: "في أحوالها"، وهو وجه آخر في تفسير تصريفها. قوله: (سخر للرياح تقلبه في الجو)، قال القاضي: لا ينزل ولا ينقشع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما، قيل: لأنه لو كان خفيفًا لطيفًا ينبغي أن يصعد، وإن كان كثيفًا يقتضي أن ينزل، واشتقاق السحاب من السحب، لأن بعضه يجر بعضًا. قوله: (فمج بها)، أي: "لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها"، والمج في الأصل: قذف اللعاب من الفم، في "النهاية": وفي الحديث: "أخذ حثوة من ماء فمجها في بئر ففاضت بالماء الرواء"، أي: صبها، فاستعير في جميع المدركات. قال الحسن: الأذن مجاجة، أي: لا تعي شيئًا، فاستعمل ها هنا في القلب، ومجه: عدم الاعتبار فميا يرد عليه من الآيات.
[ ٣ / ١٨٠ ]
ولم يعتبر بها وقرئ: (والفلك) بضمتين،
_________________
(١) قال الزجاج: هذه العلامات تدل على أنه تعالى واحد كما قال: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)؛ لأنه لا يأتي بمثل هذه الآيات إلا هو. وقال القاضي: دلالة هذه الآيات على وجود الإله ووحدته من وجوه كثيرة يطول شرحها مفصلًا، والكلام المجمل أنها أمور ممكنة وجد كل منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة وأنحاء مختلفة، فلابد لها من قادر حكيم يوجدها على ما تستدعيه حكمته وتقتضيه مشيئته، متعاليًا عن معارضة غيره، قال الله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا). وقلت: وإنما لم يورد الآثار العلوية على الترتيب، بل أخر الرياح والسحاب عن الكل وأقحم الفلك والبحر بين خلق السماوات والأرض وإنزال الماء منها، وأدرج بث الدواب بين الأمطار والسحاب، ليشير إلى استقلال كل من الآيات في القصد، واستبداده، وهذا يعضد قول من يعطف "بث" على "أنزل"، وعن صاحب "المفتاح": ترك الإيجاز إلى الإطناب لينبه على أن في ترجح وقوع أي ممكن كان على لا وقوعه لآيات للعقلاء، ولما فيهم من مرتكبي التقصير في باب النظر والعلم بالصانع من طوائف الغواة المختلفة، أطنب الكلام ليعين لكل أناس مسارح أفكارهم. قوله: (وقرئ: "والفلك"، بضمتين)، قال القاضي: هي على الأصل أو الجمع، وضمة الجمع غير ضمة الواحد عند المحققين.
[ ٣ / ١٨١ ]
(وتصريف الريح) على الإفراد.
[(وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ* إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ* وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ) ١٦٥ - ١٦٧].
(أَندَادًا): أمثالًا من الأصنام، وقيل: من الرؤساء الذين كانوا يتبعونهم ويطيعونهم وينزلون على أوامرهم ونواهيهم. واستدل بقوله: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا). ومعنى (يُحِبُّونَهُمْ): يعظمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب، (كَحُبِّ اللَّهِ): كتعظيم الله والخضوع له، أي: كما يحب الله تعالى على أنه مصدر من المبني للمفعول، وإنما استغني عن ذكر من يحبه؛ لأنه غير ملتبس
_________________
(١) قوله: ("وتصريف الريح"، على الإفراد) قرأها حمزة والكسائي، والباقون بالجمع. قوله: (واستدل بقوله)، أي: استدل على أن المراد بالأنداد: الرؤساء، بقوله: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا). قوله: (استغني عن ذكر من يحبه) وهم المؤمنون، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ). وأما على قوله: "كحبهم لله" فالمعني بمن يحب الله: الكافرون، ووجه الشبه على الأول: التعظيم، وعلى الثاني: التقرب والتشبيه من باب بيان حال المشبه في الوصف من
[ ٣ / ١٨٢ ]
وقيل: كحبهم الله، أي: يسوون بينه وبينهم في محبتهم؛ لأنهم كانوا يقرون بالله ويتقربون إليه، فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين. (أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)؛ لأنهم لا يعدلون عنه على غيره بخلاف المشركين؛ فإنهم يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد، فيفزعون غليه ويخضعون له ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيقولون: (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) [يونس: ١٨]، ويعبدون الصنم زمانًا ثم يرفضونه إلى غيره، أو يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس عام المجاعة. (الَّذِينَ ظَلَمُوا): إشارة إلى متخذي الأنداد، ز
_________________
(١) القوة والضعف والتسوية، وها هنا المراد التسوية لقوله: "يسوون بينه وبينهم" لينطبق عليه قوله تعالى: (أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ). قال القاضي: المحبة: ميل القلب، من الحب، استعير لحبة القلب ثم اشتق منه الحب لأنه أصابها ورسخ فيها، ومحبة العباد لله تعالى: إرادة طاعته والاعتناء بتحصيل مراضيه، ومحبة الله للعبد: إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه عن المعاصي. قوله: (باهلة إلهها من حيس)، الجوهري: باهلة: قبيلة من قيس عيلان، والحيس: تمر يخلط بسمن وأقط، قال الراجز: التمر والسمن معًا ثم الأقط … الحيس إلا أنه لم يختلط
[ ٣ / ١٨٣ ]
أي: ولو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أن القدرة كلها لله. على كل شيء من الثواب والعقاب دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة؛ لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم، فحذف الجواب كما في قوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا) [الأنعام: ٢٧، ٣٠]، وقولهم: لو رأيت فلانًا والسياط تأخذه. وقرئ: (ولو ترى) بالتاء على خطاب الرسول [ﷺ]، أو: كل مخاطب، أي: ولو ترى ذلك لرأيت أمرًا عظيمًا
_________________
(١) قوله: (أي: ولو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم) يريد أن في وضع المظهر موضع المضمر في قوله: (الَّذِينَ ظَلَمُوا) دلالة على أن ذلك الفعل، وهو اتخاذ الأنداد، ظلم عظيم؛ لأن أصل الكلام: ولو يرون إذ يرون، ثم: ولو ترى الذين اتخذوا من دون الله أندادًا، فهو على أسلوب قوله: إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم … إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد قوله: (إذا عاينوا العذاب)، وقوله: "ولو يعلم هؤلاء" يؤذن بأن لارؤية في قوله: (وَلَوْ يَرَى) بمعنى العلم، وفي قوله: (إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ) بمعنى النظر، وبأن قوله: (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) ساد مسد المفعولين، وجواب (لَوْ) محذوف ليدل على العموم والتهويل بحسب اقتضاء المقام، وإليه الإشارة بقوله: "لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف". قوله: (وقرئ: (ولو ترى) [بالتاء]، على خطاب الرسول ﷺ): نافع وابن عامر. قوله: (على خطاب الرسول أو كل مخاطب)، فإن كان خطاب الرسول ﷺ، كان مثل قوله تعالى: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ) [الطلاق: ١]، وإذا كان لكل مخاطب، كان نحو قوله ﷺ: "بشر المشائين إلى المساجد"، وعلى هذا يجوز أن يكون قوله: (أَنَّ الْقُوَّةَ) معمول
[ ٣ / ١٨٤ ]
وقرئ: (إذ يرون) على البناء للمفعول. و"إذ" في المستقبل، كقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٤٤]. (إِذْ تَبَرَّأَ) بدل من (إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ) أي: تبرأ المتبوعون- وهم الرؤساء- من الأتباع.
وقرأ مجاهد الأول على البناء للفاعل، والثاني على البناء للمفعول، أي: تبرأ الأتباع من الرؤساء. (وَرَأَوْا الْعَذَابَ): الواو للحال، أي: تبرؤوا في حال رؤيتهم العذاب، (وَتَقَطَّعَتْ) عطف على (تَبَرَّأَ)، و(الأَسْبَابُ): الوصل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد، ومن الأنساب والمحاب والاتباع والاستتباع، كقوله: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) [الأنعام: ٩٤]. (لَوْ) في معنى التمني؛ ولذلك أجيب بالفاء الذي يجاب به التمني، كأنه قيل: ليت لنا كرة فنتبرأ منهم
_________________
(١) جواب لو، أي: لو ترى ذلك لرأيت أن القوة لله جميعًا، فوضع المصنف قوله: "أمرًا عظيمًا" مقام (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا). قوله: (وقرئ: "إذ يرون" على البناء للمفعول)، وهو من الإراءة، لا من الرؤية لمجيء المفعول الثاني. قوله: (و"إذ" في المستقبل، كقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٤٤]) يعني: كما أن "نادى" وضع للماضي واستعمل في المستقبل، كذا (إِذْ) في قوله: (إِذْ يَرَوْنَ)، وإنما جاء على لفظ "إذ" الذي هو للماضي دون "إذا" لأن وقوع الساعة قريب، وقريب الوقوع يجري مجرى ما وقع، وعلى هذا قال: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٤٤]. قوله: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ» هذا على قراءة الرفع، والبين من الأضداد، ومن قرأ (بَيْنَكُمْ) بالنصب جعله ظرفًا، أي: فيما بينكم، ومن قرأ بالرفع كان بمعنى: الوصل والسبب.
[ ٣ / ١٨٥ ]
(كَذَلِكَ): مثل ذلك الإرآء الفظيع. (يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ) أي: ندامات، و(حَسَرَاتٍ) ثالث مفاعيل "أري"، ومعناه: أن أعمالهم تنقلب حسرات عليهم؛ فلا يرون غلا حسرات مكان أعمالهم.
(وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ) "هم" بمنزلته في قوله:
هم يفرشون اللبد كل طمرة
_________________
(١) وقال أبو البقاء: الباء في (بِهِمُ) للسببية، أي: تقطعت بسبب كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون بها النجاة، وقيل: للحال، أي: تقطعت موصولة بهم الأسباب، وقيل: هي بمعنى "عن"، وقيل: للتعدية، أي: قطعتهم الأسباب كما تقول: فرقت بهم الطريق. قوله: (مثل ذلك الإرآء)، قال المصنف: ذكر سيبويه أن العرب تحذف التاء من الإراءة، ولذلك وقعت الإشارة بكذلك إلى مذكر، وعليه قوله تعالى: (وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) [النور: ٣٧]. قوله: (هم يفرشون اللبد كل طمرة) تمامه: وأجرد سباق يبذ المغاليا يفرشون اللبد: بضم الياء رواية المرزوقي، أي: يجعلون اللبد فراشًا لظهر كل طمرة، أي: رمكة وثابة، وكل فحل كريم سباح في عدوه غلاب لمباريه سباق في الرهان يحوز قصب التقدم. "يبذ المغاليا"، إن ضممت الميم جاز أن يراد به السهم نفسه، أو فرس يغاليه، وجاز أن يراد به الرافع يده بالسهم يريد به أقصى الغاية، يقال: بيني وبينه غلوة سهم، كما يقال: قيد رمح وقاب قوس، وإن فتحت الميم يكون جمعًا للمغلاة، وهي السهم يتخذ
[ ٣ / ١٨٦ ]
في دلالته على قوة أمرهم فيما أسند إليهم
_________________
(١) للمغالاة، والمعنى: يسبق السهم في غلوته، والمراد أن سعيهم مقصور على تعهد الخيل وخدمتها، والتفرس على ظهورها. ورواية "الكتاب": يفرشون بفتح الياء، أي: يفرش اللبد على كل طمرة، فحذف الجار، يقال: فرشت ساحتي الآجر وبالآجر. قوله: (على قوة أمرهم فيما أسند إليهم) يعني دلالة التركيب على تقوي الحكم، بمعنى: أنهم لا يخرجون البتة، لا أن غيرهم يخرجون منها، وكذا معنى البيت: أنهم يفرشون اللبد على التحقيق، لا أن غيرهم لا يفرشون. وقال القاضي: أصله: وما يخرجون، فعدل به إلى هذه العبارة للمبالغة في الخلود والإقناط عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا، وقال صاحب "التقريب": "هم" ليست للفصل، فلا يدل على الاختصاص، بل على قوة أمرهم فيما أسند، فهو قفى أثر المصنف، والجواب: أن قوله: (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ) ليس نظير البيت لتسليط حرف النفي على الفاعل المعنوي، مع أن البيت لا يصح للاستشهاد لاحتماله التخصيص أيضًا بالادعاء، وغليه أومأ المرزوقي في قوله: "سعيهم مقصور على تعهد الخيل"، بل هو نظير قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) [هود: ٩١]، وقد قال فيه ما قال. واتفق علماء هذا الفن: أن مثل هذا التركيب مقطوع به في إفادة الاختصاص، وقد سبق فيه كلام مشبع عند قوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: ٨].
[ ٣ / ١٨٧ ]
_________________
(١) ثم إني عثرت بعد هذا التقرير على ما ذكر صاحب "الانتصاف" فيه، قال: دلالتها على الاختصاص هو الحق، فإن العصاة من المسلمين يخرجون من النار، وقد احتج الزمخشري في قوله: (أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ) [الأنبياء: ٢١]، (وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) [البقرة: ٤]. لكن هذا الاختصاص لا يوافق مذهبه، فأعمل الحيلة في صرف الكلام عنه فجعلها مقيدة للأحقية، فإن العصاة وإن خلدوا عنده فالكفار أحق منهم بالخلود، فسبحان من بلاه بالمحنة مع حذقه وفطنته! . الإنصاف: الآية فيمن اتخذ أندادًا من الكفار، والكفر أعم من ذلك، وجميع أهله ليسوا بخارجين من النار فلا اختصاص لهؤلاء بالخلود دون غيرهم من الكفار، والذي قاله الزمخشري صحيح. وقلت: مما ذكرت مع إيلاء النفي ضمير الفاعل لابد من القول بالاختصاص، والآية عامة في جميع من يخالف المؤمنين من أهل الملل المختلفة، ويتخذ من دون الله أندادًا، أي: رؤساء يتبعونهم ويطيعونهم كما نص عليه المصنف، ثم قال: واستدل بقوله: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا)، ويؤيده أيضًا قوله: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) وإبدال (إِذْ تَبَرَّأَ) من (إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ)؛ لأن الكلام في التابع والمتبوع سواء كان مشركًا أو غيره، وإلى معنى الآية ينظر ما روينا عن البخاري ومسلم والنسائي، عن أبي سعيد في حديث طويل: "إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر غير أهل الكتاب، ثم يدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن الله، فيقال لهم: كذبتم! ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد"، إلى قوله: "فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد
[ ٣ / ١٨٨ ]
لا على الاختصاص.
[(يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* إِنَّمَا يَامُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) ١٦٨ - ١٦٩].
(حَلالًا) مفعول (كُلُوا)، أو حال (مِمَّا فِي الأَرْضِ). (طَيِّبًا): طاهرًا من كل شبهة، (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) فتدخلوا في حرام أو شبهة أو تحريم حلال أو تحليل حرام. و"من" للتبعيض؛ لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول
_________________
(١) ـ المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم! ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد" الحديث، وعلى تقدير أن تكون مخصوصة بعبدة الأصنام فهي مقابلة للمؤمنين، بدليل قوله تعالى: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) أي: يعظمون الأصنام كما يعظم المؤمنون الله تعالى، والمؤمنون أشد تعظيمًا له، فيكون الكلام للمؤمنين وفي هؤلاء القوم فلا يدخل في الحصر غيرهم، وسنبين هذا المعنى بعيد هذا في قوله: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ). والتركيب من باب القصر القلبي، فإذا انتفى الحكم من أحد المتقابلين يثبت للآخر، فإذا قيل في حق غير المؤمنين: (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ) علم أن المؤمنين خارجون منها. قوله: (لا على الاختصاص)، إشارة إلى مذهبه، وذلك أن صاحب الكبيرة عندهم مخلد في النار إذا لم يتب، فلو حمل الآية على الاختصاص لزم منه خروجه عنها. قوله: (طَيِّبًا): طاهرًا من كل شبهة)، قال القاضي: طيبًا: ما يستطيبه الشرع أو الشهوة المستقيمة، إذ الحلال دل على الأول، يعني: ينبغي أن يفسر (طيبًا) بما تستطيبه الشهوة المستقيمة، إذ الحلال في قوله: (حلالًا) دل على ما يستطيبه الشرع.
[ ٣ / ١٨٩ ]
وقرئ: (خُطُوات) بضمتين، و(خُطْوات) بضمة وسكون، و(خُطؤات) بضمتين وهمزة جعلت الضمة على الطاء كأنها على الواو و(خَطَوَات) بفتحتين، و(خَطْوات) بفتحة وسكون. والخَطوة: المرة من الخطو. والخُطوة: ما بين قدمي الخاطي. وهما كالغَرفة والغُرفة، والقَبضة والقُبضة. يقال: اتبع خَطَواته، ووطئ على عقبه. إذا اقتدى به واستن بسنته (مُبِينٌ): ظاهر العداوة لا خفاء به.
(إِنَّما يَامُرُكُمْ) بيان لوجوب الانتهاء عن اتباعه وظهور عداوته. أي:
_________________
(١) قوله: ("خطوات" بضمتين): قنبل عن ابن كثير، وحفص وابن عامر والكسائي، والباقون بضمة وسكون الطاء. قوله: (كأنها على الواو) والأصل أن الضمة إذا كانت على الواو يجوز قلبها همزة، وها هنا وإن لم تكن الضمة عليها إلا أنها على جارها، فجعلت كأنها على الواو. قال الزجاج: هذا جائز في العربية. قوله: (كالغرفة والغرفة)، الجوهري: الغرفة: المرة الواحدة، والغرفة، بالضم: اسم المفعول منه؛ لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غرفة، والجمع غراف.
[ ٣ / ١٩٠ ]
لا يأمركم بخير قط، (إنما يأمركم بِالسُّوءِ): بالقبيح، (وَالْفَحْشاءِ): وما يتجاوز الحدّ في القبح من العظائم. وقيل: السوء: ما لا حدّ فيه، والفحشاء: ما يجب فيه الحدّ، (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) وهو قولكم: هذا حلال وهذا حرام بغير علم. ويدخل فيه كل ما يضاف إلى اللَّه تعالى مما لا يجوز عليه. فإن قلت: كيف كان الشيطان آمرًا مع قوله: (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) [الحجر: ٤٢]؟ قلت: شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر، كما تقول: أمرتنى نفسي بكذا، وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين؛ لطاعتكم له وقبولكم وساوسه؛ ولذلك قال: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) [النساء: ١١٩]، وقال اللَّه تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) [يوسف: ٥٣] لما كان الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت.
[(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ)].
(لَهُمُ) الضمير للناس، وعدل بالخطاب عنهم على طريقة الالتفات للنداء على ضلالهم؛ لأنه لا ضال أضل من المقلد، كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون. قيل: هم المشركون. وقيل: هم طائفة من اليهود دعاهم رسول اللَّه ﷺ إلى الإسلام فقالوا: (بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا) فإنهم كانوا خيرا منا وأعلم
_________________
(١) ـ قوله: (كيف كان الشيطان آمرًا) أي: الآمر مستعل على المأمور ومتسلط فوقه، فكيف يستقيم هذا مع قوله: (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر: ٤٢]. وخلاصة الجواب: أن الكلام فيه استعارة، وفي الاستعارة كناية رمزية؛ نعى على سوء صنيعهم وتسفيه رأيهم وتحقير شأنهم، وذلك بأخذ الزبدة والخلاصة من الجملة. قوله: (قيل: هم المشركون، وقيل: هم طائفة من اليهود) يعني: التعريف في الناس للعهد، والمعهود: إما ما يفهم من قوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا) إذا أريد بالأنداد:
[ ٣ / ١٩١ ]
و(ألفينا) بمعنى: وجدنا، بدليل قوله: (بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا).
(أَوَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ)، الواو للحال، والهمزة بمعنى الردّ والتعجيب، معناه: أيتبعونهم ولو كان آباؤهم (لا يعقلون) شيئًا من الدين (ولا يهتدون) للصواب؟ !
_________________
(١) الأصنام، أو من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ) [البقرة: ١٥٩]، ويجوز أن يكون التعريف للجنس والخطاب عامًا في الكفرة، وعليه النظم، وبيانه إنما يتبين بتمهيد مقدمة، وذلك أن قولهم: شكر المنعم واجب، معناه: أنه تعالى خلق المكلفين ورزقهم ما به يعيشون ويتمتعون ويرتفقون، وأوجب عليهم الطاعة شكرًا لتلك النعم، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الآيات [البقرة: ٢١]، وأرسل إليهم الرسل لينبههم على مكان تلك النعمة، ويعلمهم كيفية شكرها من الطاعة والعبادة، ثم إن الشياطين اجتالتهم حتى كفروا نعمة الله، وتقدموا على تكذيب من دعاهم إلى الشكر ولبسوا ذلك الحق المبين، فإذا قال لهم الأنبياء: اتبعوا من يرشدكم إلى الهدى، ولا تتبعوا من يضلكم عن السبيل، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فلذلك نودي على ضلالهم بالالتفات من الخطاب إلى الغيبة قائلًا للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون! هذا هو التحقيق، لأن السورة في بيان إثبات التوحيد والنبوات، ووضع الأحكام والتنبيه على خطأ الناس في الضلالات، وإرشادهم إلى الحق، فإنه تعالى كما ذكر نبذًا من أحوال الأمم وقصصهم، كر إلى ذلك المعنى. قوله: (والهمزة بمعنى الرد والتعجب)، أي: دخلت همزة التعجب على الجملة الحالية
[ ٣ / ١٩٢ ]
[(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ)].
لا بدّ من مضاف محذوف تقديره. ومثل داعى الذين كفروا (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ)، أو: ومثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق. والمعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان
_________________
(١) للرد عليهم، قال القاضي: جواب "لو" محذوف، أي: لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين إذ علم بدليل، ولا يهتدون إلى الحق، لاتبعوهم، وهو دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر والاجتهاد، وأما اتباع الغير في الدين إذا علم بدليل ما أنه محق، كالأنبياء والمجتهدين في الأحكام، فهو في الحقيقة ليس بتقليد، بل اتباع ما أنزل الله. وكلام المصنف ينبئ عن أن جواب "لو" غير منوي، وكلام القاضي بخلافه، وسيجيء في الممتحنة تقريره. قوله: (لابد من مضاف محذوف) إما عند المشبه وإما عند المشبه به؛ لأن تشبيه الكفار بالداعي إذا قدر أنه تشبيه مفرق لا يستقيم بدون التقدير. قوله: (والمعنى: ومثل داعيهم)، قيل: أشار به إلى التقديرين المذكورين، وقيل: فيه لف، فقوله: "ومثل داعيهم" إلى آخره مبني على الوجه الأول، وقوله: "وقيل: معناه: ومثلهم في اتباعهم" مبني على الوجه الثاني. وقلت: التحقيق فيه أن المذكورات وجوه مختلفة المقاصد: أولها: قوله: (ومثل داعي الذين كفروا (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ» مبني على أن التشبيه من التشبيهات المفرقة، فالداعي بمنزلة الراعي، والكفرة بمنزلة الغنم المنعوق بها، ودعاؤه الكفرة بمنزلة دعاء الناعق البهائم. وثانيها: قوله: (ومثل الذين كفروا كبهائم الذين ينعق) أي: بهائم الشخص الذي ينعق
[ ٣ / ١٩٣ ]
في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوى الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار، كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها، وزجر لها، ولا تفقه شيئا آخر ولا تعى كما يفهم العقلاء ويعون. ويجوز أن يراد بما لا يسمع: الأصم الأصلخ الذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه إلا النداء والتصويت لا غير، من غير فهم للحروف. وقيل معناه: ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت، ولا تفهم ما تحته، فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم لا يفقهون أهم على حق أم باطل. وقيل معناه: ومثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع،
_________________
(١) بما لا يسمع، والمراد بما لا يسمع: البهائم، وضع موضع المضمر، أي: كمثل بهائم الذي ينعق بها، المعنى: ومثل الذين كفروا مع داعيهم في أنهم لا يرفعون رؤوسهم إلى ما يدعوهم إليه كمثل البهائم مع داعيها ينعق بها وهي لا تعقل سوى أن تسمع الصوت، ومآل المعنيين يعود على ما ذكره من قوله: "ومثل داعيهم إلى الإيمان في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلى جرس النغمة" إلى آخره، فصح قول من قال: إن قوله: "المعنى … " إشارة على التقديرين. وثالثها: قوله: (ويجوز أن يراد بما لا يسمع: الأصم)، هذا مثل الأول، لكن الاختلاف بين البهائم والرجل الأصم. ورابعها: قوله: (ومثلهم في اتباعهم آباءهم) مبني على أن التشبيه مركب تمثيلي، وهو أن يكون الوجه منتزعًا من عدة أمور متوهمة، فلا يحتاج حينئذ إلى تقدير مضاف، ولهذا قال: "ومثلهم في اتباعهم آباءهم" وكَيْتَ وكَيْت، وهذا الوجه أوجه وأشد ملاءمة بالآية السابقة، وهي قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا) إلى قوله: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ). وخامسها: قوله: (ومثلهم في دعائهم الأصنام)، قال القاضي: لا يساعده قوله: (إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً)؛ لأن الأصنام لا تسمع، إلا أن يجعل ذلك من باب التمثيل المركب.
[ ٣ / ١٩٤ ]
إلا أنّ قوله: (إِلَّا دُعاءً وَنِداءً) لا يساعد عليه، لأنّ الأصنام لا تسمع شيئًا ..
_________________
(١) وقلت: مراده أن هذا الوجه فيه احتمالات: أن يكون تشبيهًا مفرقًا والآخر تمثيلًا، والاحتمال الأول مردود لفقدان التقابل بين المشبه والمشبه به، والثاني مقبول؛ لأنه غير مشروط بذلك. وقلت: إذا أريد المركب التمثيلي لابد من ذلك؛ لأن المراد أن داعي الأصنام لا يرجع من دعائها إلى شيء ما، وأنها أدون حالًا من البهائم لأنها تسمع دعاء ونداء وهي لا تسمع شيئًا قط، كقوله تعالى: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ) [فاطر: ١٤]، فإذا لم يوجد في الممثل ما للممثل به تفوت هذه الدقيقة؛ لأن الواجب في التمثيلي أن يقدر للممثل ما للمثل به من الحالة المتوهمة المنتزعة من أمور، ولو احتمل منها شيء احتمل التمثيل، اللهم غلا أن يجعل التشبيه مركبًا عقليًا كما اعتبر المصنف في قوله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) الآية [البقرة: ٢٦٥]، حيث قال: "ومثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله"، المعنى على كونه مركبًا عقليًا: ومثلهم في دعائهم الأصنام فيما لا جدوى فيه كمثل الناعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، وهذا أحسن الوجوه المذكورة في "الكتاب"، وأوفق لتأليف النظم، وذلك أن العاطف في قوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) يستدعي معطوفًا عليه، ولا يحسن أن يعطف على جملة قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا) الآية، حسنة إذا عطف على قوله: (لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ) على سبيل البيان، فيكون المراد بالذين كفروا آباءهم، وضعًا للمظهر موضع المضمر للإشعار
[ ٣ / ١٩٥ ]
والنعيق: التصويت، يقال: نعق المؤذن ونعق الراعي بالضأن. قال الأخطل:
فَانْعِقْ بِضَانِكَ يَا جَرِيرُ فَإنّمَا … مَنَّتْكَ نَفْسُكَ فِي الخَلَاءِ ضَلَالا
وأما (نغق الغراب)؛ فبالغين المعجمة. (صُمٌّ): هم صم، وهو رفع على الذمّ.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)].
(مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ): من مستلذاته؛ لأنّ كل ما رزقه اللَّه لا يكون إلا حلالا. (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ) الذي رزقكموها (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ): إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرّون أنه مولى النعم، وعن النبي ﷺ: "يقول اللَّه تعالى: إنى والجنّ والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويُعبد غيرى، وأرزق ويُشكر غيري".
_________________
(١) بعلية عدم الاهتداء وسلب العقول نعيًا على المخاطبين وتسجيلًا على ضلالهم، وفي عطف الجملة الاسمية على الفعلية الإيذان بأن المراد بالمضارع في قوله: (لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ) الاستمرار. قوله: (فانعق بضأنك) البيت؛ منتك: من تمنيت الشيء ومنيت غيري، يقول: إنك من رعاء الشاء لا من الأشراف، وما منتك نفسك في الخلاء أنك من العظماء فضلال باطل. قوله: (لأن كل ما رزقه الله) تعليل لتفسير الطيبات بالمستلذات، يعني: أن المراد بالطيبات: المستلذات؛ لأن قوله: (مَا رَزَقْنَاكُمْ) محمول على الحلال؛ لأن الرزق عندهم لا يكون إلا حلالًا، وعند أهل السنة، وإن جاز حمل الطيبات على الحلال والحرام؛ لأن قوله: (مَا رَزَقْنَاكُمْ) مطلق يتناول الحلال والحرام، لكن مقام الامتنان على قوم مخصوصين والأمر بالتناول يأبى الحمل إلا على ما تستطيبه النفس كما سيجيء.
[ ٣ / ١٩٦ ]
[(إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
قرئ: (حَرّم) على البناء للفاعل، و(حُرِّم) على البناء للمفعول، و(حَرُم) بوزن كرم
_________________
(١) قوله: (قرئ: (حَرَّمَ)، على البناء للفاعل) وهي المشهورة، وعلى بناء المفعول شاذ، قال الزجاج: ويجوز: (إنما حرم عليكم الميتة) على أن: الذي حرم عليكم الميتة. والمختار أن "ما": كافة لاتباع سنة الكتابة، المعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة؛ لأن "إنما" تأتي إثباتًا لما يذكر بعدها ونفيًا لما سواه. وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون (ما) بمعنى: الذي، والميتة: خبر إن، ويجوز أن تكون: كافة، والميتة: أقيم مقام الفاعل. قال القاضي: [فإن قيل]: "إنما" تفيد قصر الحكم على ما ذكر، وكم من حرام لم يذكر، وأجاب: المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه، لا مطلقًا، أو قصر حرمته على حال الاختيار، كأنه قيل: إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها. وقلت: الوجه الأول هو الوجه، والثاني ضعيف؛ لأن الحصر في باب "إنما" إنما يأتي في القيد الأخير، قال صاحب "المفتاح": نزل القيد الأخير من الكلام الواقع بعد "إنما" منزلة مستثنى ولا تصنع شيئًا غير ما أذكره. والقيد الأخير هنا المفعول به، والمعنى: ما حرم عليكم شيئًا من المأكولات إلا الميتة والدم ولحم الخنزير، فالكلام في المأكولات لا في الحال،
[ ٣ / ١٩٧ ]
_________________
(١) ويمكن أن يقال: إن عطف (فَمَنْ اضْطُرَّ) يفيد تقييد ما تقدمه بالحال، فصح قوله: إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها. وإنما تقرير هذا الوجه القصر، فاعلم أن القصر لابد فيه من سبق خطأ من المخاطب مشوب بصواب، وأنت تريد تحقيق صوابه ونفي خطئه، فقوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ) معناه: ما حرم عليكم إلا الميتة، وهو قصر الحكم على المذكورات، فيفيد أن المحرم ليس إلا المذكورات، وليس كذلك، وهو المراد بقوله: "وكم من حرام لم يذكر"، وإنما يمكن التفصي منه إذا عينا اقتضاء المقام، فإن القائل إذا قال: زيد شاعر ومنجم، فإذا قلت في جوابه: ما زيد إلا شاعر، أفاد القصر، وليس المراد أن ليس لزيد صفة سوى الشاعرية، بل القصر على أحد الوصفين المتنازع فيهما، كذلك في هذا المقام، أنه تعالى لما عم الخطاب بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا) [البقرة: ١٦٨] وخصه بالمؤمنين في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثم عقبهما بقوله: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ) الآية، وجب أن يقدر لكل من المخاطبين ما يناسبه ليصح الرد، وذلك بأن يرد على المشركين تحريمهم ما أحله الله وهو السائبة والحام والوصيلة وأمثالها، وتحليلهم ما حرمه الله من هذه المذكورات، كأنهم قالوا: تلك حرمت علينا وهذه أحلت، فقيل لهم: ما حرمت إلا هذه، وإليه ينظر قول القاضي: قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه، لا مطلقًا، وأن يرد على المؤمنين تحريمهم على أنفسهم لذيذ الأطعمة ورفيع الملابس، وهذه الأشياء المذكورة، فقيل لهم: ما حرمت عليكم إلا هذه، ويؤيده ما روينا عن
[ ٣ / ١٩٨ ]
(أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) أي: رفع به الصوت للصنم؛ وذلك قول أهل الجاهلية: باسم اللات والعزى (غَيْرَ باغٍ) على مضطرّ آخر بالاستئثار عليه، (وَلا عادٍ) سدّ الجوعة. فإن قلت: في الميتات ما يحل؛ وهو السمك والجراد، قال رسول اللَّه ﷺ: «أحلت لنا ميتتان ودمان». قلت: قُصِد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة؛ ألا ترى أنّ القائل إذا قال: أكل فلان ميتة لم يسبق الوهم إلى السمك والجراد، كما لو قال: أكل دمًا، لم يسبق الوهم إلى الكبد والطحال، ولاعتبار العادة والتعارف قالوا:
_________________
(١) البخاري ومسلم، عن أنس، عن النبي ﷺ: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"، قاله حين سمع أن نفرًا من أصحابه قال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، ذكر في "مشارق الأنوار"، وأمثال هذا الحديث واردة كثيرًا، وفيه نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) [المائدة: ٨٧]، فالتركيب بالنسبة إلى المشركين: قصر قلب، وإلى المؤمنين: قصر إفراد، والفاء في قوله: (فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ) تفصيلية؛ لأنها تدل على تقدير محذوف يبين الحكم السابق. المعنى: ما حرم عليكم إلا هذه، فمن استحلها وتناولها فقد ارتكب إثمًا عظيمًا، ومن اضطر إليها وتناول شيئًا منها من غير بغي وعدوان فإن الله يغفر له ويرحمه ويحط عنه ذلك الإثم؛ لأن الله غفور رحيم، وظهر ضعف الوجه الثاني للقاضي، والله أعلم. قوله: (أي: رفع به الصوت للصنم). قال القاضي: الإهلال أصله: رؤية الهلال، يقال: أهل الهلال وأهللته، لكن لما جرت العادة أن يرفع الصوت بالتكبير إذا رؤي سمي ذلك إهلالًا، ثم قيل لرفع الصوت: إهلال وإن كان لغيره.
[ ٣ / ١٩٩ ]
من حلف لا يأكل لحمًا فأكل سمكا لم يحنث، وإن أكل لحمًا في الحقيقة. قال اللَّه تعالى: (لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) [النحل: ١٤]، وشبهوه بمن حلف لا يركب دابة فركب كافرًا لم يحنث، وإن سماه اللَّه تعالى دابة في قوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الأنفال: ٥٥]. فإن قلت: فما له ذكر لحم الخنزير دون شحمه؟ قلت: لأنّ الشحم داخل في ذكر اللحم، لكونه تابعا له وصفةً فيه؛ بدليل قولهم: لحم سمين، يريدون أنه شحيم.
[(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ* ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ)].
(فِي بُطُونِهِمْ): ملء بطونهم، يقال: أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه (إِلَّا النَّارَ)، لأنه إذا أكل ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار، ومنه قولهم: أكل فلان الدم، إذا أكل الدية التي هي بدل منه. قال:
أَكَلْتُ دَمًا إنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ.
_________________
(١) قوله: «فِي بُطُونِهِمْ): ملء بطونهم). قال أبو البقاء: والجيد أن يكون (فِي بُطُونِهِمْ): ظرفًا لـ (يَاكُلُونَ)، فعلى هذا هو مبالغة في الأكل، كأنهم كانوا متمكنين على البطون عند الأكل فملؤوها. قوله: (أكلت دمًا إن لم أرعك بضرة). تمامه: بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
[ ٣ / ٢٠٠ ]
وقال:
يأكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافَا
أراد ثمن الإكاف، فسماه إكافًا؛ لتلبسه بكونه ثمنًا له. (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) تعريضٌ بحرمانهم حال أهل الجنة في تكرمة اللَّه إياهم بكلامه، وتزكيتهم بالثناء عليهم. وقيل: نفي الكلام عبارة عن غضبه عليهم، كمن غضب على صاحبه
_________________
(١) أي: كنت آكلًا دمًا إن لم أتزوج عليك، أي: بدل الدم، وهي الدية، فإنهم يستنكفون من أخذ الدية، وقيل: أراد العلهز، وهو الدم والصوف يؤكل في الجدب، أي: وقعت في الجدوبة، أرعك: أفزعك، وإنما سميت الامرأتان للرجل ضرتين لأن كل واحدة منهما تريد ضر صاحبتها، "بعيدة مهوى القرط": كناية عن طول العنق. قوله: (يأكلن كل ليلة إكافا)، أوله: إن لنا أحمرة عجافا الإكاف: البرذعة، أي: نعلفها كل ليلة ثمن الإكاف. قوله: (تعريض بحرمانهم)، يعني: لا يكلمهم ولا يزكيهم: تعريض بأنهم لا يكرمون ولا يزكون بالثناء عليهم؛ لأن أهل الجنة مكرمون بتكليم الله إياهم ومزكون بثناء الله عليهم، إنما خصا بالذكر إظهارًا لغيظهم وإبداء لتحسرهم؛ لأن الإحسان إلى العدو سبب لاغتمام العدو، وفيه أنهم فوتوا على أنفسهم بسبب الكفر هاتين الكرامتين. قوله: (نفي الكلام عبارة عن غضبه عليهم) مشعر بأنه من باب الكناية، وكذلك قوله: "تعريض بحرمانهم"؛ لأن التعريض نوع من أنواع الكناية، وأبى في "آل عمران" عند قوله: (وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آل عمران: ٧٧] أن يكون (وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ)
[ ٣ / ٢٠١ ]
فصرمه وقطع كلامه وقيل: لا يكلمهم بما يحبون، ولكن بنحو قوله: (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون: ١٠٨]. (فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، كما تقول لمن يتعرّض لما يوجب غضب السلطان: ما أصبرك على القيد والسجن! تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب. وقيل: (فما أصبرهم): فأي: شيء صبرهم! يقال: أصبره على كذا وصبره بمعنى وهذا أصل معنى فعل التعجب. والذي روي عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضى اليمن بمكة: اختصم إليّ رجلان من العرب فحلف أحدهما
_________________
(١) كناية عن عدم الالتفات بل مجازًا عنه، حيث قال: "أصله فيمن يجوز عليه النظر كناية، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجردًا لمعنى الإحسان"، كأنه فرق بين إثبات النظر إلى الله تعالى ونفيه عنه وبين إثبات الكلام ونفيه. وفيه بحث. قوله: (فأي شيء صبرهم)، إلى قوله: "وهذا أصل معنى فعل التعجب"، فرق بين الأصل والفرع، وهو كذلك؛ لأن الأصل الاستفهام فيه يحتمل الإنكار والتوبيخ والتعجب وغير ذلك، والفرع منصوص في إنشاء التعجب. الراغب: قال أبو عبيدة: إن ذلك لغة بمعنى الجرأة، واحتج بقول الأعرابي لخصمه: ما أصبرك على الله، وهذا تصور مجاز بصورة حقيقة؛ لأن ذلك معناه: ما أصبرك على عذاب الله في تقديرك إذا اجترأت على ارتكاب ذلك، وإلى هذا يعود قول من قال: ما أبقاهم على النار! وقول من قال: ما أعملهم بعمل أهل النار! وذلك أنه قد يوصف بالصبر من لا صبر له في الحقيقة اعتبارًا بالناظر إليه، واستعمال التعجب في مثله اعتبار بالخلق لا بالخالق.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
على حق صاحبه فقال له: ما أصبرك على اللَّه! فمعناه: ما أصبرك على عذاب اللَّه! (ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ) أي: ذلك العذاب بسبب أنّ اللَّه نزل ما نزل من الكتب بالحق (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا) في كتب اللَّه فقالوا في بعضها: حق، وفي بعضها: باطل، وهم أهل الكتاب. (لَفِي شِقاقٍ): لفي خلاف (بَعِيدٍ) عن الحق. والكتاب للجنس، أو كفرهم ذلك، بسبب أنّ اللَّه نزّل القرآن بالحق كما يعلمون. (وإن الذين اختلفوا) فيه من المشركين، فقال بعضهم: سِحر، وبعضهم: شعر، وبعضهم: أساطير (لفي شقاق بعيد)، يعني: أنّ أولئك لو لم يختلفوا ولم يشاقوا لما جسر هؤلاء أن يكفروا.
_________________
(١) قوله: (أو كفرهم ذلك) هو معطوف على قوله: "ذلك العذاب بسبب أن الله نزل"؛ لأن المشار إليه السابق، إما ما دل عليه قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أو قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) فعلى الأول: الكلام مع اليهود خاصة، والتعريف في الكتاب للجنس، وقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ) الآية كالتأكيد والتذييل للجملة السابقة، يدل عليه وضع قوله: (الَّذِينَ اخْتَلَفُوا) موضع الضمير. المعنى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) إنما يثبت لهم العذاب؛ لأنه تعالى نزل جنس الكتاب بالحق وهم اختلفوا فيها وكتموا الحق وقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل؛ ثم نعى عليهم هذا المعنى على سبيل التذييل بقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)، ففي الكلام حذف، والمحذوف ما قدرناه لدلالة التذييل عليه، وقدر القاضي اللام للعهد فقال: ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق فرفضوه بالتكذيب والكتمان. وعلى الثاني: الكلام مع اليهود والمشركين، والتعريف للعهد، والمراد بالكتاب: القرآن، وبالذين "اختلفوا": المشركون، وقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ) الآية: حال من الكتاب، وقد أقيم مقام الراجع المظهر. المعنى: إنما كفر اليهود لأن الله تعالى نزل القرآن بالحق،
[ ٣ / ٢٠٣ ]
[(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)].
الْبِرَّ: اسم للخير ولكل فعل مرضيّ. (أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) الخطاب لأهل الكتاب؛ لأن اليهود تصلى قِبل المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قِبل المشرق؛ وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حُوّل رسول اللَّه ﷺ إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين أنّ البرّ التوجه إلى قبلته، فردّ عليهم. وقيل: ليس البرّ فيما أنتم عليه فإنه منسوخ خارج من البرّ، ولكن البرّ ما نبينه. وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة
_________________
(١) والحال: أن المشركين كانوا فيه على شقاق قوي واختلاف شديد ولم تتفق كلمتهم مع كلمة المسلمين حتى جسرت اليهود على أن طعنوا فيه وكفروا به بعد ما عرفوا أنه الحق فاشتروا الضلالة بالهدى، ولا امتناع في أن تصدر الجملة الحالية بأن كما ورد في قوله: (وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ) [الفرقان: ٢٠]، قال أبو البقاء: كسرت (إن) لأجل اللام، وقيل: لو لم تكن اللام كسرت أيضًا؛ لأن الجملة حالية، إذ المعنى: إلا وهم يأكلون، واستشهد دار الحديثي بهذه الآية في "شرحه" لهذا المعنى. قوله: (لأن اليهود تصلي قبل المغرب؛ إلى بيت المقدس)، أراد بحسب أفق مكة. وذلك جار مجرى سبب النزول والتعليل في كون الخطاب مع أهل الكتاب. قوله: (وقيل: كثر خوض المسلمين) معطوف على قوله: "الخطاب لأهل الكتاب" فعلى
[ ٣ / ٢٠٤ ]
فقيل: ليس البرّ العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ أمر القبلة، ولكن البرّ الذي يجب الاهتمام به، وصرف الهمة برّ من آمن وقام بهذه الأعمال. وقرئ: (وليس البرّ) بالنصب على أنه خبر مقدم. وقرأ عبد اللَّه: (بأن تولوا) على إدخال الباء على الخبر للتأكيد كقولك: ليس المنطلق بزيد. (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) على تأويل حذف المضاف، أي: برّ من آمن، أو يتأول البرّ بمعنى ذى البرّ، أو كما قالت:
فَإنَّمَا هِىَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ
وعن المبرّد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت: ولكنّ البرّ، بفتح الباء. وقرئ: (ولكن البارّ). وقرأ ابن عامر ونافع: ولكنّ (البر) بالتخفيف
_________________
(١) هذا: الخطاب عام في أهل الكتاب والمسلمين، فينبغي أن يكون ما خاض فيه المليون جميعًا أمرًا عظيمًا، وذلك أن اجتماعهم وكثرة خوضهم في شيء يوهم أن ذلك الشيء أمر عظيم، ولهذا قال: "ليس البر العظيم". وأما اختصاص المشرق والمغرب فللتعميم لا تعيين السمتين كما في الوجه الأول. قوله: (أو كما قالت) أي الخنساء، ترثي أخاها صخرًا، أول البيت: ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت جعلت الناقة كأنها تجسدت من الإقبال والإدبار، يعني: هذه الناقة ترتع زمانًا، فلما ذكرت صاحبها تترك الرتع وتقبل وتدبر بالغة حدها. قوله: (لو كنت ممن يقرأ) أي: لو أجيز لي بأن أقرأ بعدما ورد المنع بإجماع الصحابة أن يقرأ كل أحد من غير سماع لقراءته. الانتصاف: هذا القول من المبرد خطأ، فإن القراءة لا توكل إلى الاختيار والاجتهاد، بل معتمدها النقل، والمتواترة أفصح؛ لأن أول الكلام (لَيْسَ الْبِرَّ)
[ ٣ / ٢٠٥ ]
(وَالْكِتابِ) جنس كتب اللَّه، أو القرآن (عَلى حُبِّه) مع حب المال والشح به، كما قال ابن مسعود ﵁: «أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا. وقيل: على حب اللَّه. وقيل: على حب الإيتاء؛ يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه. وقدم ذوى القربى؛ لأنهم أحق. قال النبي ﷺ:
_________________
(١) ـ وهو مصدر قولًا واحدًا، فلو استدرك البر انقلبت المطابقة، ولذلك حذف المضاف وتقديره: "بر من آمن" أصح وأشد مناسبة للسياق. قوله: «وَالْكِتَابِ) جنس كتب الله أو القرآن)، فقد أومى بهذا إلى بيان النظم، وان هذا الكتاب هو: ذلك الكتاب المذكور في قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، فإن أريد به الجنس كان هذا مثله، وإن أريد العهد فكذلك؛ لأن المعرف إذا أعيد كان الثاني عين الأول، وبيان النظم أنه تعالى لما ذكر اختلاف أهل الكتاب في جنس كتب الله أو القرآن، ذكر اختلافًا آخر لهم في شأن القبلة مستطردًا، وجعله تخلصًا وذريعة إلى ذكر أقسام البر وأصنافه، وأراد أنهم عن سائر الخيرات معزولون، ولا يختص اختلافهم في الكتاب وحده أو القبلة وحدها. قوله: (كما قال ابن مسعود)، والحديث من رواية البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا وقد كان". قوله: (وقيل: على حب الإيتاء) اعلم أن الضمير إذا كان للمال أو الإيتاء كان من باب التتميم والمبالغة، وإذا كان لله تعالى كان من التكميل لانضمام الإخلاص مع الكرم.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
"صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي رحمك اثنتان؛ لأنها صدقة وصلة" وقال ﵊: «أفضل الصدقة على ذى الرحم الكاشح». وأطلق (ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى) والمراد الفقراء منهم؛ لعدم الإلباس. و"المسكين": الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له، كالمسكير: للدائم السكر. (وَابْنَ السَّبِيلِ) المسافر المنقطع. وجُعل ابنا للسبيل؛ لملازمته له، كما يقال للص القاطع: ابن الطريق. وقيل: هو الضيف؛
_________________
(١) قوله: (صدقتك على المسكين صدقة) الحديث من رواية الترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي، عن سلمان بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة". قوله: (ذي الرحم الكاشح)، الأساس: هو طاوي الكشحين، ومنه عدو كاشح، وكشح له بالعداوة، أي: أضمرها في كشحه. قوله: (و"المسكين": الدائم السكون إلى الناس)؛ لأنه لا شيء له، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀، لقوله تعالى: (أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) [البلد: ١٦]، ومذهب الشافعي ﵀: هو الذي يملك ما يقع موقعًا ن كفايته ولا يكفيه، لقوله تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ) [الكهف: ٧٩].
[ ٣ / ٢٠٧ ]
لأنّ السبيل ترعف به. (وَالسَّائِلِينَ) المستطعمين. قال رسول اللَّه ﷺ: "للسائل حق وإن جاء على ظهر فرسه". (وَفِي الرِّقابِ) وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم. وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها. وقيل: في فك الأسارى. فإن قلت: قد ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه، ثم قفاه بإيتاء الزكاة فهل دلّ ذلك على أنّ في المال حقا سوى الزكاة؟ قلت: يحتمل ذلك. وعن الشعبي: أنّ في المال حقًا سوى الزكاة، وتلا هذه الآية. ويحتمل أن يكون ذلك بيان مصارف الزكاة، أو يكون حثًا على نوافل الصدقات والمبارّ. وفي الحديث: «نسخت الزكاة كلَّ صدقة» يعني وجوبها. وروي
_________________
(١) قوله: (لأن السبيل ترعف به). الأساس: ومن المجاز: رعف فلان بين يدي القوم، واسترعف: تقدم، ورعف به صاحبه: قدمه. قوله: (للسائل حق ولو جاء على ظهر فرسه)، أخرجه أبو داود ولم يذكر فيه الظهر، والراوي علي ﵁. قوله: (ويحتمل أن يكون ذلك بيان مصارف الزكاة)، فإنه تعالى لما ذكر إقامة الصلاة ذكر شقيقتها مجملًا بعدما ذكرها مفصلًا، وذلك أن مفهوم (وَآتَى الزَّكَاةَ) ومفهوم (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى) إلى آخره، متقاربان إجمالًا وتفصيلًا، وإنما قدم بيان المصرف على ذكر الزكاة، لأنه هو المهتم بشأنه، ألا ترى على قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ)؟ [البقرة: ٢١٥] وسيجيء بيانه، وإنما أوقع الصلاة واسطة للعقد بين المفصل والمجمل ليؤذن بأن التعظيم لأمر الله إنما يحسن كل الحسن إذا كان مكتنفًا بالشفقة على خلق الله.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
«ليس في المال حق سوى الزكاة». (وَالْمُوفُونَ) عطف على (من آمن). وأخرج (الصَّابِرِينَ) منصوبًا على الاختصاص والمدح؛ إظهارًا الفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال. وقرئ: (والصابرون)، وقرئ: (والموفين والصابرين). و(الْبَاساءِ): الفقر والشدّة، (وَالضَّرَّاءِ): المرض والزمانة. (صَدَقُوا): كانوا صادقين جادّين في الدين.
[يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ* وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)].
عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري، وعطاءٍ، وعكرمة، وهو مذهب مالك والشافعي ﵃: أنّ الحر لا يقتل بالعبد، والذكر لا يقتل بالأنثى،
_________________
(١) قوله: (على الاختصاص والمدح إظهارًا لفضل الصبر). نقل الإمام عن أبي علي الفارسي: إذا ذكرت صفات في معرض المدح أو الذم، فالأحسن أن يخالف بإعرابها؛ لأن المقام يقتضي الإظناب، فإذا خولف في الإعراب كان المقصود أكمل؛ لأن المعاني عند الاختلاف تتنوع وتتفنن، وعند الاتحاد تكون نوعًا واحدًا. قوله: (وهو مذهب مالك والشافعي: أن الحر لا يقتل بالعبد، والذكر لا يقتل بالأنثى)، وفيه نظر، إذ مذهبه أن الذكر يقتل بالأنثى؛ قال الإمام: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ)
[ ٣ / ٢٠٩ ]
أخذًا بهذه الآية. ويقولون: هي مفسرة لما أبهم في قوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة: ٤٥]؛ ولأن تلك واردة لحكاية ما كتب في التوراة على أهلها،
_________________
(١) أخرج مخرج التفسير لقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ) فدل على أن رعاية التسوية في الحرية والعبدية معتبرة، وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية، وقال: إن الآية دلت على أن لا يقتل العبد بالحر والأنثى بالذكر، إلا أنا خالفنا هذا الظاهر بالقياس والإجماع، أما القياس فهو أنه لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر أولى، وكذلك القول في قتل الأنثى، وأما الإجماع فهو أن يقتل الذكر بالأنثى، وقال القاضي: والآية لا تدل على أن لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى، كما لا تدل على عكسه، فإن المفهوم إنما يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم، وقد بين الغرض من بيان الواقعة في الجاهلية، وإنما منع مالك والشافعي قتل الحر بالعبد، سواء كان عبده أو عبد غيره لما روى علي ﵁: أن رجلًا قتل عبده، فجلده رسول الله ﷺ ونفاه سنة ولم يقده به، ولأن أبا بكر وعمر ﵄ كانا لا يقتلان الحر بالعبد بين أظهر الصحابة من غير نكير، وللقياس على الأطراف. الانتصاف: وهم على الإمامين في مسألة قتل الذكر بالأنثى. قوله: (ولأن تلك واردة لحكاية ما كتب في التوراة): عطف على قوله: "ويقولون"؛ لأنه
[ ٣ / ٢١٠ ]
وهذه خوطب بها المسلمون وكتب عليهم ما فيها. وعن سعيد ابن المسيب، والشعبي والنخعي، وقتادة، والثوري، وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه: أنها منسوخة بقوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة: ٤٥]، والقصاص ثابت بين العبد والحرّ، والذكر والأنثى. ويستدلون بقوله ﷺ: (المسلمون تتكافأ دماؤهم)، وبأنّ التفاضل غير معتبر في الأنفس، بدليل أنّ جماعة لو قتلوا واحدًا قتلوا به. وروي: «أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية، وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا: لنقتلنّ الحرّ منكم بالعبد، والذكر بالأنثى، والاثنين بالواحد، فتحاكموا إلى رسول اللَّه ﷺ
_________________
(١) استدلال على أن الآية ليست بمنسوخة، فهو عطف معنوي، قال القاضي: إن الآية لا ينسخها قوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)؛ لأنه حكاية ما في التوراة، فلا ينسخ ما في القرآن؛ لأن من شرط الناسخ تأخره عن المنسوخ. قوله: (المسلمون تتكافأ دماؤهم) تمامه: عن علي ﵁: "ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده"، أخرجه النسائي من رواية أبي جحيفة، وأخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب، مع زيادات. النهاية: تتكافأ دماؤهم، أي: تتساوى في القصاص والديات، والكفء: النظير والمساوي، ومنه الكفاءة في النكاح. ويسعى بذمتهم أدناهم، أي: إذا أعطى أحد الجيش العدو أمانًا، جاز ذلك على جميع المسلمين، وليس لهم أن يخفروه، ولا أن ينقضوا عليه عهده.
[ ٣ / ٢١١ ]
حين جاء اللَّه بالإسلام؛ فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا" (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) معناه: فمن عفي له من جهة أخيه شيء، من العفو، على أنه كقولك: سير بزيد بعض السير، وطائفة من السير، ولا يصح أن يكون شيء في معنى المفعول به؛ لأن «عفا» لا يتعدّى إلى مفعول به إلا بواسطة. وأخوه: هو وليّ المقتول
_________________
(١) قوله: (أن يتباوءوا)، النهاية: عن أبي عبيد: يتباءوا، الصواب: يتباوءوا، بوزن: يتقاتلوا، من البواء وهو المساواة، يقال: باوأت بين القتلى، أي: ساويت، وقال غيره: يتباءوا صحيح، يقال: باء به: إذا كان كفؤًا له، وهم بواء أي: أكفاء، معناه: ذوو بواء. قوله: (فمن عفي له من [جهة] أخيه شيء)، أي: عفو قليل، وهو مفعول مطلق، والفعل مسند إلى المصدر، كما في قولك: سير بزيد بعض السير. قوله: (ولا يصح أن يكون شيء في معنى المفعول به)، روى صاحب "الكشف"، عن عثمان، أنه قال: قد يمكن أن يكون تقديره: فمن عفي له من أخيه عن شيء، فملا حذف الجار ارتفع "شيء" لوقوعه موقع الفاعل، كما أنك لو قلت: سير بزيد وحذفت الباء وقلت: سير زيد. ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن يكون شيء مرتفعًا بفعل محذوف يدل عليه قوله: عفي له؛ لأن معناه: ترك له شيء. قوله: (وأخوه: [هو] ولي المقتول)، (فَمَنْ) عبارة عن القاتل، و(مِنْ): لابتداء الغاية، و(شَيْءٌ) عبارة عن العفو.
[ ٣ / ٢١٢ ]
وقيل له: أخوه؛ لأنه لابسه من قِبَل أنه ولى الدم ومطالبه به، كما تقول للرجل: قل لصاحبك كذا، لمن بينه وبينه أدنى ملابسة، أو ذكره بلفظ الأخوة؛ ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام. فإن قلت: إن "عفى" يتعدّى بـ"عن" لا باللام، فما وجه قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ)؟ قلت: يتعدى بـ"عن" إلى الجاني وإلى الذنب، فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه. قال اللَّه تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) [التوبة: ٤٣]، وقال: (عَفَا اللَّهُ عَنْها) [المائدة: ١٠١]، فإذا تعدّى إلى الذنب والجاني معًا قيل: عفوت لفلان عما جنى، كما تقول: غفرت له ذنبه، وتجاوزت له عنه، وعلى هذا ما في الآية كأنه قيل: فمن عُفيَ له عن جنايته، فاستغنى عن ذكر الجناية
_________________
(١) قال الواحدي: العفو عبارة عن ترك الواجب من أرش جناية أو عقوبة ذنب أو ما استوجبه الإنسان بما ارتكبه من جناية، فصفح عنه وترك من الواجب شيء. قوله: (بلفظ الأخوة، ليعطف) أي: للاستعطاف، نحو قول هارون ﵇: (يَبْنَؤُمَّ) [طه: ٩٤]. قال الواحدي: أراد من دم أخيه فحذف المضاف للعلم به، واراد بالأخ: المقتول، سماه أخًا للقاتل فدل على أن أخوة الإسلام بينهما لا تنقطع وأن القاتل لم يخرج من الإيمان بقتله، والكنايتان. في قوله: (لَهُ) و(أَخِيهِ) يرجعان إلى "من" وهو القاتل. قوله: (وعلى هذا ما في الآية) أي: على الاستعمال الثاني، وهو تعدي "عفا" إلى الذنب، وقولهم: عفوت لفلان عما جنى، ورد (عُفِيَ) في الآية وحذف "عن جنايته" لأن العفو استدعى ذلك.
[ ٣ / ٢١٣ ]
فإن قلت: هلا فسرت "عُفيَ" بـ"ترك" حتى يكون شيءٌ في معنى المفعول به؟ قلت: لأن "عفا الشيء" بمعنى تركه، ليس بثبتٍ، ولكن أعفاه، ومنه قوله ﷺ: «وأعفوا اللحى». فإن قلت: فقد ثبت قولهم: عفا أثره؛ إذا محاه وأزاله فهلا جعلت معناه: فمن محى له من أخيه شيء. قلت: عبارة قلقة في مكانها، والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس، فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها. وترى كثيرًا ممن يتعاطى هذا العلم يجترئ إذا أعضل عليه تخريج وجهٍ للمشكل من كلام اللَّه على اختراع لغة وادعاء على العرب ما لا تعرفه، وهذه جرأة يستعاذ باللَّه منها.
فإن قلت: لم قيل: شيء من العفو؟ قلت: للإشعار بأنه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم، أو عفا عنه بعض الورثة؛ تم العفو؛
_________________
(١) قوله: (وأعفوا اللحى) الحديث من رواية البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى". أنهكوا، أي: بالغوا في قصها. قوله: (عبارة قلقة)، أي: غير قارة في مكانها، فإن الكلام الفصيح هو الذي يستعمل فيه ما هو على ألسنة الفصحاء أدور، واستعمالهم له أكثر، وكلام الله أفصح الكلام لا يجوز فيه أمثال هذه العبارة. نعم، فيه ما لو اقتضاه المقام كما في قول الشاعر: وما عفت الديار له محلًا … عفاه من حدا بهم وساقا لأن الكلام في محو أثر ديار المحبوبة فهو مكان استعماله، والآية مسوقة في شأن العفو عن الجنايات، فهو بمعزل عن استعماله فيه، وهو المراد من قوله: "نابية عن مكانها". قوله: (وبعض منه) تفسير لقوله: "طرف من العفو"، والبعضية إنما تتصور بأحد شيئين: بأن يعفو الورثة كلهم بعض الدم، أو بأن يعفو بعض الورثة حقه بتمامه.
[ ٣ / ٢١٤ ]
وسقط القصاص، ولم تجب إلا الدية (فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ): فليكن اتباع، أو فالأمر اتباع. وهذه توصية للمعفو عنه والعافي جميعًا، يعنى: فليتبع الولي القاتل بالمعروف بأن لا يعنف به ولا يطالبه إلا مطالبة جميلة، وليؤدّ إليه القاتل بدل الدم أداء بإحسان، بأن لا يمطله ولا يبخسه. (ذلِكَ) الحكم المذكور من العفو والدية (تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ)؛ لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرّم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرّم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمّة بين الثلاث: القصاص والدية والعفو، توسعة عليهم وتيسيرًا (فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ) التخفيف فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل، أو القتل بعد أخذ الدية؛ فقد كان الولي في الجاهلية
_________________
(١) قوله: (لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرم العفو وأخذ الدية)، قلت: أما تحريم أخذ الدية فصحيح، لما روينا عن البخاري والنسائي عن ابن عباس: "كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) الآية"، وأما تحريم العفو فمنظور فيه لقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) إلى قوله: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) [المائدة: ٤٥]، وقوله في "الأعراف" في تفسير قوله: (وَامُرْ قَوْمَكَ يَاخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) [الأعراف: ١٤٥] "أي: فيها ما هو حسن وأحسن، كالاقتصاص والعفو". قوله: (من قتل غير القاتل) "من" بمعنى "أجل"، أي: تجاوز ما شرع له من جهة قتل غير القاتل، ويجوز أن يكون بيانًا لجملة قوله: "فتجاوز ما شرع له" ولا يجوز أن يكون بيانًا لـ "ما" لفساد المعنى. قوله: (فقد كان الولي في الجاهلية): جملة مستطردة لبيان سبب النزول، استطرد بين تفسير الجزاء والشرط للاهتمام، والفاء لشدة الاتصال.
[ ٣ / ٢١٥ ]
يؤمّن القاتل بقبوله الدية، ثم يظفر به فيقتله (فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة. وعن قتادة: العذاب الأليم: أن يقتل لا محالة، ولا يقبل منه دية، لقوله ﷺ: «لا أعافى أحدًا قتل بعد أخذه الدية». (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) كلام فصيح؛ لما فيه من الغرابة؛ وهو أنّ القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكانًا وظرفًا للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة؛
_________________
(١) قوله: (لا أعافي أحدًا قتل بعد أخذه الدية) في رواية أبي داود عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: "لا أعفي من قتل بعد الدية". قوله: (ومن إصابة) عطف على قوله: (من الغرابة)، أما الغرابة فهي حمل الشيء على ضده، ولم يكتف بهذا القدر، بل صرح بالظرفية بأن جعل القصاص مدخولًا لحرف (في)، وفائدته: أن المظروف إذا حواه الظرف لا يصيبه ما يفوته ولا هو بنفسه يتفرق ويتلاشى، كذلك بالقصاص، يحمي الحياة من الآفات، ومعناه: أن الحياة الحاصلة بالارتداع، والحياة العظيمة، إنما تحصل بشرعية القصاص لا غير. وأما البلاغة فهي أن هذا الكلام مع وجازته دل على معان كثيرة؛ لأن لام الجنس الداخلة في القصاص تدل على حقيقة هذا الحكم، وهو مشتمل على الضرب والجرح والقتل وما يجري مجراها، ولو قيل كما قالوا: "القتل أنفى للقتل"، لم يفد هذه الفوائد، ثم إذا نظر إلى تنكير الحياة من حيث كونها مطلقة غير مقيدة وقد حمل عليها قوله: (فِي الْقِصَاصِ) أفاد التعظيم، وإذا قيدت بقرائن الأحوال بالارتداع، أفاد التخصيص، فعلى هذا قوله: "أو نوع من الحياة" عطف على قوله: "حياة عظيمة".
[ ٣ / ٢١٦ ]
لأنّ المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة؛ وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليبٍ حتى كاد يفنى بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي: حياة، أو نوع من الحياة،
_________________
(١) قوله: (وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل)، وكان من حديثه على ما رواه ابن الأثير في "الكامل": أن وائل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غانم بن تغلب بن وائل، كان من عزه إذا سار أخذ معه جرو كلب، فإذا مر بروضة تعجبه، ضربه وألقاه في ذلك المكان وهو يعوي، فلا يسمع عواءه أحد إلا تجنبه، فسمي بذلك كليب وائل، ثم إن كليبًا تزوج جليلة بنت مرة بن شيبان أخت جساس، وحمى أرضًا من العالية، ثم إن رجلًا يسمى بسعد الجرمي نزل بالبسوس، خالة جساس، وكان للجرمي ناقة ترعى مع نوق جساس وهي مختلطة مع إبل كليب، واسم الناقة سراب، وهي التي ضربت العرب بها المثل فقالوا: أشأم من سراب، وأشأم من البسوس، فنظر كليب إلى سراب فأنكرها، فقال لجساس: لا تعد هذه الناقة إلى هذه الحمى، فإن عادت لأضعن سهمي في ضرعها، فقال جساس: إذن لأضعن سناني في لبتك، ثم تفرقا، فرأى كليب ناقة الجرمي في حماه فرمى ضرعها فأنفذه، فولت ولها عجيج، فصرخ صاحبها بالذل، ووضعت البسوس يدها على رأسها فصاحت: واذلاه! فقال جساس: لا تراعي، إني سأقتل جملًا أعظم من هذه،
[ ٣ / ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وعنى به كليبًا، فلم يزل يطلب غرة كليب حتى قتله، فبلغ الخبر مهلهلًا أخا كليب، واسمه عدي وسمي مهلهلًا لأنه أول من هلهل الشعر، أي: رققه، من قولهم: ثوب هلهل: سخيف النسج، وهو خال امرئ القيس بن حجر الكندي، فجز شعره، وقصر ثوبه، وهجر نساءه، وترك الغزل وحرم القمار والشرب، فجمع إليه قومه فأقدم على حرب بكر، وكان من الفريقين ما كان، ثم إن جليلة زوجة كليب عادت إلى أبيها وهي حامل، فولدت غلامًا فسمته هجرسًا، ورباه خاله جساس، فخرجا ذات يوم وعليهما اللأمة، فأخذ هجرس بوسط رمحه وقال: وفرسي وأذنيه، ورمحي ونصليه، وسيفي وغراريه، لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه، ثم طعن جساسًا فقتله ولحق بقوم أبيه، فأرسل مرة أبو جساس إلى مهلهل: إنك قد أدركت ثأرك وقتلت جساسًا فاكفف عن الحرب ودع اللجاج والإسراف، وقد أرسلت ابني إليك، يعني: بجير بن الحارث بن عباد، فإما أن تقتله بأخيك وتصلح بين الحيين، وإما أن تطلقه وترفع ذات البين، فقد مضى من الحيين في هذه الحروب من كان بقاؤه أصلح لنا ولكم، فلما وقف على كتابه أخذ بجيرًا فقتله وقال: بؤ بشسع نعل كليب، فلما سمع أبوه بقتله قال: نعم القتيل قتيلًا إن أصلح بين ابني وائل: بكر وتغلب، فقيل له ما قال، فغضب عند ذلك وولي أمر بكر وشهد حربهم، ودامت الحروب بين الحيين أربعين سنة، ثم إن مهلهلًا قال لقومه: قد رأيت أن تبقوا على قومكم، فإنهم يحبون صلاحكم وقد أتت على حربكم أربعون سنة وما لمتكم على ما كان من طلبكم بوتركم، فلو مرت هذه السنون في رفاهية عيش لكانت
[ ٣ / ٢١٨ ]
وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنه إذا همّ بالقتل فعلم أنه يقتصّ فارتدع منه سلم صاحبه من القتل، وسلم هو من القود، فكان القصاص سبب حياة نفسين.
وقرأ أبو الجوزاء: (ولكم في القصاص حياة) أي: فيما قص عليكم من حكم القتل. والقصاص. وقيل: القصص: القرآن، أي: ولكم في القرآن حياة للقلوب، كقوله تعالى: (رُوحًا مِنْ أَمْرِنا) [الشورى: ٥٢]، (وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) [الأنفال: ٤٢]. (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي: أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ): تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به. وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة.
[(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ* فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
_________________
(١) تمل من طولها، فكيف وقد فني الحيان وثكلت الأمهات ويتم الأولاد، ونائحة لا تزال تصرخ في النواحي ودموع لا ترقأ، وأجساد لا تدفن، وسيوف مشهورة، ورماح مشرعة؟ وإن القوم سيرجعون إليكم غدًا بمودتهم ومواصلتهم، وتتعطف الأرحام، أما أنا فلا تطيب نفسي أن أقيم فيكم، ولا أستطيع أن أنظر إلى قاتل كليب، وأخاف أن أحملكم على الاستئصال، وأنا سائر إلى اليمن، ففارقهم، فكان كما قال. قوله: (لوقوع العلم) تعليل للارتداع، وقوله: (لأنه إذا هم) تعليل للحياة الحاصلة بالارتداع. قول: (وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة) يعني: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) خطاب عام لجميع الأمة، وتعليله بقوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) يخصصه بالأئمة وهو المراد بقوله: "تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به".
[ ٣ / ٢١٩ ]
(إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ): إذا دنا منه وظهرت أماراته. (خَيْرًا): مالًا كثيرًا. عن عائشة ﵂: أنّ رجلًا أراد الوصية وله عيال وأربع مئة دينار، فقالت: ما أرى فيه فضلًا، وأراد آخر أن يوصى فسألته: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة. قالت: إنما قال اللَّه (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) وإنّ هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك. وعن علىّ ﵁: أنّ مولى له أراد أن يوصى وله سبعمائة فمنعه. وقال: قال اللَّه تعالى: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) والخير: هو المال، وليس لك مال
_________________
(١) قوله: «خَيْرًا): مالًا كثيرًا)، الراغب: الخير: ما يرغب فيه الكل، كالعقل مثلًا والعدل والفضل والشيء النافع، والشر: ضده، وقيل: الخير ضربان: مطلق، وهو أن يكون مرغوبًا فيه بكل حال، كالجنة، ومقيد، وهو أن يكون خيرًا لواحد، وشرًا لآخر، كالمال، ولهذا وصفه الله تعالى بالأمرين فقال في موضع: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) [البقرة: ١٨٠]، وفي آخر: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ* نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]، وقال بعض العلماء: لا يقال للمال: خير حتى يكون كثيرًا، قال تعالى: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) [العاديات: ٨]، والخير والشر يكونان اسمين كما مر ووصفين، وتقديرهما تقدير أفعل منه، كقوله تعالى: (نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) [البقرة: ١٠٦]، قال بعض العلماء: إنما سمي المال هنا خيرًا تنبيهًا على معنى لطيف، وهو أن الذي تحسن الوصية به ما كان مجموعًا من المال من وجه محمود، وعلى ذلك قوله تعالى: (قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) [البقرة: ٢١٥] وقيل في قوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) [النور: ٣٣] أي: مالًا من جهتهم، وقيل: إن علمتم أن عتقهم يعود عليكم وعليهم بنفع، أي: بثواب. قوله: (وعن علي ﵁) الحديث رواه الدارمي، عن هشام، عن أبيه، أن عليًا
[ ٣ / ٢٢٠ ]
و(الوصية) فاعل (كتب)، وذكر فعلها للفاصل؛ أو لأنها بمعنى أن يوصى، ولذلك ذكر الراجع في قوله: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ). والوصية للوارث كانت في بدء الإسلام، فنسخت بآية المواريث، وبقوله ﷺ: «إنّ اللَّه أعطى كلّ ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث. وبتلقى الأمّة إياه بالقبول حتى لحق بالمتواتر
_________________
(١) دخل على مريض فذكر له الوصية، فقال علي ﵁: قال الله تعالى: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) ولا أراه ترك خيرًا، قال حماد: فحفظت أنه ترك أكثر من سبع مئة. قوله: (فنسخت بآية المواريث وبقوله ﷺ)، وظاهر كلامه أن الآية مع الحديث نسخًا آية الوصية، والحق أن آية المواريث ناسخة لآية الوصية، والحديث مبين لكونها ناسخة؛ لأن الحديث لا ينسخ الكتاب، وقد مر في قوله تعالى: (مَا نَنسَخْ).
[ ٣ / ٢٢١ ]
_________________
(١) وبيانه: أنه ﷺ خطب عام حجة الوداع وقال: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث"، يعني أن الوصية إنما كانت لأن حقوق الأقرباء لم تكن منقسمة، فالآن قسمها الله تعالى وأعطى لكل منهم ما يستحقه، فبطل الحكم الأول، قيل: كون الآية منسوخة بآية المواريث بعيد؛ لأنه لا يمتنع الجمع بين حكم الآيتين. نعم، يجوز أن تكون آية المواريث مخصصة لهذه، وذلك بأنها توجب الوصية للأقربين، وآية المواريث تخرج القريب الوارث وتبقي غير الوارث بسبب اختلاف الدين أو الرق أو القتل، ومن يحجب لوجود الحاجب، ومن لم يكن وارثًا كذوي الأرحام فيوصى لهؤلاء صلة للرحم، ولو قيل: كيف الجمع فيمن لا يخلف إلا الوالدين فيصير كل المال حقًا لهما فلا يبقى للوصية شيء؟ فيقال: هذا لمانع. وقال الإمام: وكونها منسوخة بالحديث بعيد أيضًا، ودعوى تلقي الأمة إما على الظن أو على القطع، والأول مسلم، إلا أن ذلك إجماع منهم على أنه خبر واحد، فلا يجوز نسخ القرآن به، والثاني ممنوع لأنهم لو قطعوا بصحته مع أنه من الآحاد لأجمعوا على الخطأ وأنه غير جائز، ولو قيل: إنها منسوخة بالإجماع بعد وجود دليل الناسخ واكتفوا بالإجماع عن ذكر ذلك الدليل، فيقال: لا يصح ذلك؛ لأن في الأمة من أنكر وقوع النسخ، فكيف يدعي انعقاد الإجماع؟
[ ٣ / ٢٢٢ ]
وإن كان من الآحاد؛
_________________
(١) قوله: (وإن كان من الآحاد) يريد أن السلف وإن قبلته على طريقة الآحاد لكن الخلف ألحقته بالتواتر لتلقيهم إياه بالقبول، أي: أجمعوا على صحته ونسخوا القرآن به، والجواب عنه ما ذكره الإمام. واعلم أن الحديث المتواتر المعتبر في الدين هو: أن يرويه جماعة لا يتوهم تواطؤهم على الكذب لكثرتهم وعدالتهم، ويدوم هذا الحد فيكون أوله كآخره، ووسطه كطرفيه، نحو القرآن والصلوات الخمس، وأعداد الركعات ومقادير الزكوات وما أشبه ذلك، ذكره البزدوي في "أصوله". وهذا الحديث لم يتفق له هذا المعنى لا سلفًا ولا خلفًا، أما الخلف فإن البخاري ومسلمًا والنسائي ما أوردوه في "صحاحهم"، وأما السلف فإن مالكًا لم يذكره في "موطئه" والله أعلم.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
لأنهم لا يتلقون بالقبول إلا الثبت الذي صحت روايته.
وقيل: لم تنسخ، والوارث يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين. وقيل: ما هي بمخالفة لآية المواريث.
ومعناها: كتب عليكم ما أوصى به اللَّه من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) [النساء: ١١]؛ أو: كتب على المحتضر أن يوصى للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به اللَّه لهم عليهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم (بِالْمَعْرُوفِ): بالعدل، وهو أن لا يوصى للغنى ويدع الفقير، ولا يتجاوز الثلث. (حَقًّا) مصدر مؤكد، أي: حق ذلك حقًا (فَمَنْ بَدَّلَهُ): فمن غير الإيصاء عن وجهه إن كان موافقًا للشرع من الأوصياء والشهود (بَعْدَ ما سَمِعَهُ) وتحققه (فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) فما إثم الإيصاء المغير أو التبديل إلا على مبدّليه دون غيرهم من الموصى والموصى له، لأنهما بريئان من الحيف.
(إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وعيدٌ للمبدّل. (فَمَنْ خافَ): فمن توقع وعلم، وهذا في كلامهم شائع يقولون: أخاف أن ترسل السماء، يريدون التوقع والظنّ
_________________
(١) قوله: (إلا الثبت)، الثبت، بالفتحتين: الحجة، وأما قولهم: فلان ثبت من الأثبات: مجاز منه، لقولهم: فلان حجة: إذا كان ثقة في روايته. قوله: (أو: كتب على المحتضر أن يوصي) عطف على: "كتب عليكم ما أوصى به الله"، لأن المراد: كتب على الحكام أو على الأولياء أو على المحتضر، أي: الذي حضرته الوفاة. قوله: (فمن توقع وعلم)، قال الواحدي: الخوف يستعمل بمعنى العلم؛ لأن في الخوف طرفًا من العلم، وذلك أن القائل إذا قال: أخاف أن يقع أمر كذا، كأنه يقول: أعلم، وإنما يخاف لعلمه بوقوعه، فاستعمل الخوف في العلم. قال تعالى: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ) [الأنعام: ٥١]، وقال تعالى: (إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: ٢٢٩].
[ ٣ / ٢٢٤ ]
الغالب الجاري مجرى العلم. (جَنَفًا): ميلًا عن الحق بالخطإ في الوصية، (أَوْ إِثْمًا): أو تعمدًا للحيف (فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ) بين الموصى لهم؛ وهم الوالدان والأقربون؛ بإجرائهم على طريق الشرع (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) حينئذ، لأنّ تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدّل بالباطل ثم من يبدّل بالحق ليعلم أنّ كل تبديل لا يؤثم.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)].
(كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم. قال علىّ ﵁: أوّلهم آدم، يعنى أنّ الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى اللَّه أمّة من افتراضها عليهم، لم يفرضها عليكم وحدكم. (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) بالمحافظة عليها وتعظيمها؛ لأصالتها وقدمها، أو: لعلكم تتقون المعاصي، لأنّ الصائم أظلف لنفسه وأردع لها من مواقعة السوء
_________________
(١) قوله: (الصوم عبادة قديمة أصلية)، قال القاضي: الصوم في اللغة: الإمساك عما تنازع إليه النفس، وفي الشرع: الإمساك عن المفطرات، فإنها معظم ما تشتهيه النفس. قوله: (أظلف لنفسه)، الأساس: ظلف نفسه: كفها عما لا يجمل، قال ربيعة بن مقروم: وظلفت نفسي عن لئيم المأكل
[ ٣ / ٢٢٥ ]
قال ﷺ: «فعليه بالصوم فإنّ الصوم له وجاء» أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين، لأنّ الصوم شعارهم
_________________
(١) قوله: (فعليه بالصوم)، الحديث على ما روينا عن البخاري ومسلم، عن عبد الله قال: قال لنا رسول الله ﷺ: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء". الوجاء: نوع من الخصاء. وهو أن ترض عروق الأنثيين وتترك الخصيتان كما هما، أي: أنه يقطع شهوة الجماع كما يقطعها الخصاء. النهاية: الباءة: النكاح والتزويج، وهو من المباءة: المنزل؛ لأن من تزوج امرأة بوأها منزلًا، وقيل: لأن الرجل يتبوأ من أهله، أي: يتمكن منها كما يتبوأ من منزله. قوله: (لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين). اعلم أن التقوى من الوقاية، وهي: فرط الصيانة، والمتقي شرعًا على ما قال هو: الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك. وقد فسر (يَتَّقُونَ) هنا بوجوه، أحدها: أنه مجاز باعتبار ما يؤول إليه، أي: كتب عليكم شرعية الصيام لعلكم تصيرون متقين ببركة المحافظة عليه وتعظيمه، فإن تعظيم شعائر الله له تأثير عظيم في النفوس، (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: ٣٢]، وتعليله بقوله: "لأصالتها وقدمها" إشارة إلى هذا المعنى.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
وقيل: معناه: أنه كصومهم في عدد الأيام، وهو شهر رمضان، كتب على أهل الإنجيل فأصابهم موتان؛ فزادوا عشرًا قبله وعشرًا بعده؛ فجعلوه خمسين يومًا. وقيل: كان وقوعه في البرد الشديد والحرّ الشديد، فشقّ عليهم في أسفارهم ومعايشهم
_________________
(١) وثانيها: أنه حقيقة لغوية على ما قلنا: إن الوقاية: فرط الصيانة، وذلك أن الصوم أردع شيء للنفس عن ارتكاب المعاصي على ما ورد في الحديث النبوي. وثالثها: أنه كناية إيمائية، وتقريره: أن الصوم لما كان عبادة قديمة ودرج عليها الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، يكون من شعار المتقين، ومن اقتفى أثرهم يوشك أن لا يعدم من بركتهم فيعد منهم وينتظم في زمرتهم، وإنما قلنا: إنها كناية إيمائية لأنه تعالى سماهم متقين لأنهم اكتسبوا لباسهم وتزيوا بزيهم، ومن تزيا بزي قوم فهو منهم. قوله: (وقيل: معناه أنه كصومهم): عطف على قوله: "على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم" من حيث المعنى، وكذا قوله: "وقيل: كتب عليكم كما كتب عليهم أن يتقوا المفطر"، ووجه التشبيه على الأول: افتراض الصوم مطلقًا، وعلى الثاني: عدد الأيام، والقرينة قوله: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)، ومن ثم بحث عن معناها في هذا الوجه، وعلى الثالث: اتقاء المفطر بعد العشاء والنوم. وفائدة التشبيه على الأول: التسلي بالتأسي، يعني: لا ينبغي أن تشق عليكم شرعية الصوم، لأنكم لستم بمخصوصين فيها؛ لأنها سنة الأنبياء السالفة والأمم الخالية كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١]، وأما قوله: "وقيل: الأيام المعدودات: عاشوراء" فمعطوف على قوله: "وهو شهر رمضان"، وقوله: "وقيل: كان وقوعه في البرد الشديد" على قوله: "فأصابهم موتان". قوله: (فأصابهم موتان)، النهاية: في الحديث: "يكون في الناس موتان كقعاص
[ ٣ / ٢٢٧ ]
فجعلوه بين الشتاء والربيع، وزادوا عشرين يوما كفارة لتحويله عن وقته. وقيل: الأيام المعدودات: عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر. كتب على رسول اللَّه ﷺ صيامها حين هاجر. ثم نسخت بشهر رمضان. وقيل: كتب عليكم كما كتب عليهم أن يتقوا المفطر بعد أن يصلوا العشاء وبعد أن يناموا، ثم نسخ ذلك بقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ) الآية [البقرة: ١٨٧]. ومعنى (مَعْدُوداتٍ): مؤقتاتٍ بعددٍ معلوم، أو قلائل، كقوله: (دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) [يوسف: ٢٠]،
_________________
(١) الغنم". الموتان بوزن البطلان: الموت الكثير الوقوع، والموتان، بفتح الواو: ضد الحيوان، وفي الحديث: "موتان الأرض لله ولرسوله" يعني: مواتها الذي ليس ملكًا لأحد. الأساس: قد وقع في الناس مُوْتانٌ ومَوْتانٌ بالفتح والضم مع سكون الواو، ومن المجاز: اشتر الموتان ولا تشتر الحيوان. الراغب: قيل: كان قد أوجب الصوم على من كان قبلنا رمضان، فغيروا فزادوا ونقصوا، وهذا قول عهدته على قائله.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
وأصله أنّ المال القليل يقدّر بالعدد ويتحكر فيه، والكثير يهال هيلا ويحثى حثيًا. وانتصاب (أيامًا) بالصيام، كقولك: نويت الخروج يوم الجمعة. (أَوْ عَلى سَفَرٍ) أو راكب سفر (فَعِدَّةٌ): فعليه عدّة
_________________
(١) قوله: (ويتحكر فيه). النهاية: أصل الحكر: الجمع والإمساك، والحكر، بالتحريك: الماء القليل المجتمع، وكذلك: القليل من الطعام واللبن، فهو فعل بمعنى مفعول، أي: مجموع. قوله: (يهال هيلًا). الجوهري: هلت الدقيق في الجراب، أي: صببته من غير كيل. قوله: (وانتصاب (أَيَّامًا) بالصيام). قال الزجاج: الأجود أن يكون العامل في (أَيَّامًا): الصيام، كأن المعنى: كتب عليكم أن تصوموا أيامًا معدودات. وقال القاضي: نصبها ليس بالصيام لوقوع الفصل بينهما، بل بإضمار "صوموا". قال صاحب "الكشف": (كَمَا كُتِبَ): صفة مصدر محذوف، والتقدير: كتب عليكم الصيام كتابة مثل ما كتب. قال أبو البقاء: إنما لم يجز لأنه مصدر، وقد فرق بينه وبين أيام بقوله: (كَمَا كُتِبَ)، وما يعمل فيه المصدر: كالصلة، ولا يفرق بين الصلة والموصول بأجنبين وقال صاحب "اللباب": ويجوز أن ينتصب بالصيام إذا جعلت (كَمَا) حالًا، فإن جعلت مصدرًا فلا. قال السجاوندي: لأن (كَمَا) أجنبي عن العامل والمعمول، إلا أن يجعل حالًا للصيام. قوله: «فعدة) أي: فعليه عدة)، أبو البقاء: "فعدة": مبتدأ، والخبر محذوف، أي: فعليه صوم عدة من أيام أخر، وعدة: بمعنى المعدود.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
وقرئ بالنصب بمعنى: فليصم عدّة، وهذا على سبيل الرخصة. وقيل: مكتوب عليهما أن يفطرا ويصوما عدّة (مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) واختلف في المرض المبيح للإفطار، فمن قائل: كل مرض، لأنّ اللَّه تعالى لم يخص مرضًا دون مرض، كما لم يخص سفرًا دون سفر، فكما أنّ لكل مسافر أن يفطر، فكذلك كل مريض. وعن ابن سيرين أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتلّ بوجع أصبعه. وسئل مالك عن الرجل يصيبه الرمد الشديد أو الصداع المضر وليس به مرض يضجعه، فقال: إنه في سعة من الإفطار. وقائل: هو المرض الذي يعسر معه الصوم ويزيد فيه، لقوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) [البقرة: ١٨٥]. وعن الشافعي: لا يفطر حتى يجهده الجهد غير المحتمل. واختلف أيضًا في القضاء فعامّة العلماء على التخيير. وعن أبى عبيدة بن الجرّاح ﵁: «إنّ اللَّه لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، إن شئت فواتر، وإن شئت ففرّق» وعن علىّ وابن عمر والشعبي وغيرهم أنه يقضى كما فات متتابعًا
_________________
(١) قوله: (فواتر)، المواترة: المتابعة. اللحياني: لا تكون مواترة إلا إذا وقعت بينها فترة، وإلا فهي مداركة. النهاية: ومنه حديث أبي هريرة: "لا بأس أن يواتر قضاء رمضان"، أي: يفرقه فيصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يلزمه التتابع فيه فيقضيه وترًا، وعن مالك: أن أبا هريرة، وابن عباس اختلفا في قضاء رمضان، فقال أحدهما: يفرق، وقال الآخر: يتابع. وفي "الصحاح": مواترة الصوم: أن تصوم يومًا وتفطر يومًا أو يومين، وتأتي به وِتْرًا وِتْرًا، ولا يراد به المواصلة لأن أصله من الوتر. فعلى هذا يكون المراد بقوله: "واتِرْ" أي: صم يومًا وأفطر يومًا أو يومين، وبقوله: "ففرق" أن يكون المتخلل بين الصومين أكثر من يومين، والأقرب أن معنى "واتر": صم يومًا وأفطر يومًا، ومعنى "ففرق": أن تصوم في أيام شتى كيف تشاء.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
وفي قراءة أبي: (فعدّة من أيام أخر متتابعات). فإن قلت: فكيف قيل (فَعِدَّةٌ) على التنكير ولم يقل: فعدّتها، أي: فعدة الأيام المعدودات؟ قلت: لما قيل: (فعدّة)، والعدّة بمعنى المعدود فأمر بأن يصوم أياما معدودة مكانها، علم أنه لا يؤثر عدد على عددها، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة. (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ): وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم إن أفطروا (فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ)؛ نصف صاع من برّ أو صاع من غيره عند أهل العراق، وعند أهل الحجاز مدّ، وكان ذلك في بدء الإسلام: فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتدّ عليهم، فرخص لهم في الإفطار والفدية. وقرأ ابن عباس: (يطوّقونه) تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة، أي: يكلفونه أو يقلدونه ويقال لهم صوموا. وعنه: (يتطوّقونه) بمعنى يتكلفونه، أو يتقلدونه؛ و(يطوقونه) بإدغام التاء في الطاء، و(يطيقونه). و(يطيقونه) بمعنى: يتطيقونه، وأصلهما: يُطيوقونه ويتطيوقونه، على أنهما من فيعل وتفعيل من الطوق، فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياءً، كقولهم: تدير المكان، وما بها ديار
_________________
(١) قوله: (قيل: (فَعِدَّةٌ)، على التنكير، ولم يقل: فعدتها)، يريد أن مقتضى الظاهر أن يقال: فعدتها؛ لأن قوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا) مرتب على فرضية صوم الأيام المعدودات، أي: وجب عليكم صوم الأيام المعدودات، فمن كان غير معذور فليصمها كاملات، ومن كان معذورًا فأفطر فليصم عدتها فلم نكرها؟ وأجاب: أن مجيئها في أثر ذلك الحكم وأن العدة بمعنى المعدود لا يلبس أن المراد: فعدة الأيام المعدودات، فاستغنى ذلك عن تعريف الإضافة، أي: تعيينها بالإضافة، والفاء في "فأمر بأن يصوم"، مثلها في قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) [النحل: ٩٨]، والضمير في "مكانها وعددها": للمعدودات. قوله: (و"يطيقونه" بمعنى: يتطيقونه)، فيه لف، وقوله: "يُطَيْوَقُونَهُ ويَتَطَيْوَقُونَهُ" نشره، قال ابن جني: عين الطاقة واو لقولهم: لا طاقة لي به ولا طوق لي، وعليه قراءة يطوقونه، وهو يفعلونه منه، كقولك: يجشمونه ويكلفونه، وقال: يطوقونه: يتفعلونه، من الطوق، كقولك:
[ ٣ / ٢٣١ ]
وفيه وجهان: أحدهما نحو معنى يطيقونه. والثاني يكلفونه أو يتكلفونه على جهد منهم وعسر وهم الشيوخ والعجائز، وحكم هؤلاء الإفطار والفدية، وهو على هذا الوجه ثابت غير منسوخ. ويجوز أن يكون هذا معنى (يطيقونه) أي: يصومونه جهدهم وطاقتهم ومبلغ وسعهم. (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) فزاد
_________________
(١) يتكلفونه ويتجشمونه، وأصله: يتطوقونه، وأبدلت التاء طاء، فأدغمت في الطاء بعدها، نحو: اطير يطير، أي: يتطير. قوله: (وفيه وجهان)، أي: فيما قرأ ابن عباس، فإن جميع ما ذكر بعده مروي عنه، وحاصل المعنى يرجع إلى يكلفونه أو يقلدونه، وهو يحتمل وجهين، أحدهما: أن من أمر بالصوم- ولا خفاء في كونه شاقًا على النفس- كأنه كلف عليه وألزم في عنقه ذلك، وإليه الإشارة بقوله: "يقال لهم: صوموا". وثانيهما: أن المكلف إذا داوم عليه وتمرن وصار دأبه الصيام، لم يكن شاقًا عليه، لكن إذا مرض أو هرم فربما شق عليه، وإلى الأول الإشارة بقوله: "يطيقونه"، وإلى الثاني "على جهد منهم وعسر". قوله: (وحكم هؤلاء الإفطار والفدية). قال صاحب "الروضة": الشيخ الهرم الذي لا يطيق الصوم أو تلحقه مشقة شديدة، لا صوم عليه، وفي وجوب الفدية عليه قولان أظهرهما: الوجوب، ويجري الوجهان في المريض الذي لا يرجى برؤه. قوله: (ويجوز أن يكون هذا معنى (يُطِيقُونَهُ» أي: القراءة المشهورة يجوز أن تحمل على هذا المعنى، فلا تكون الآية منسوخة.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
على مقدار الفدية (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ)، فالتطوع أخير له، أو الخير. وقرئ: (فمن يطوّع)، بمعنى: يتطوّع. (وَأَنْ تَصُومُوا) أيها المطيقون أو المطوقون وحملتم على أنفسكم وجهدتم طاقتكم (خَيْرٌ لَكُمْ) من الفدية وتطوّع الخير. ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضًا. وفي قراءة أبىّ: (والصيام خير لكم).
[(شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)].
_________________
(١) قوله: (أو الخير) أي: الضمير المرفوع، وهو "هو" للتطوع أو للخير، وعلى التقديرين الشرط مكرر في الجزاء، وفائدته تعظيم الخبر، كقولهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك. قوله: (أيها المطيقون) على القراءة المشهورة، أو: المطيقون على قراءة ابن عباس، والمشهورة على تأويل النسخ. قوله: (وجهدتم طاقتكم) نصب على أنه مفعول مطلق، الجوهري: قال الفراء: الجهد، بالضم: الطاقة، وبالفتح، من قولك: اجهد جهدك في هذا الأمر، أي ابلغ غايتك، والجهد: المشقة. قوله: (ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر)، وذلك أنه تعالى لما حكم على المريض والمسافر بالترخص بقوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) وعلى المطيقين والمطوقين بقوله: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) عم الخطاب، فقال: (وَأَنْ تَصُومُوا) أيها المرخصون (خَيْرٌ لَكُمْ)، ليندرج تحته المطيقون أو المطوقون والمريض والمسافر، فعلى هذا معناه: خير لكم من الفدية وتطوع الخير، أي: الزيادة على مقدار الفدية أو منهما ومن التأخير للقضاء.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
الرمضان: مصدر رمض؛ إذا احترق من الرمضاء، فأضيف إليه الشهر وجعل علمًا، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون، كما قيل: «ابن دأية» للغراب، بإضافة الابن إلى دأية البعير، لكثرة وقوعه عليها إذا دبرت. فإن قلت: لم سمي شَهْرُ رَمَضانَ؟ قلت: الصوم فيه عبادة قديمة، فكأنهم سموه بذلك لارتماضهم فيه من حرّ الجوع ومقاساة شدّته، كما سموه ناتقًا؛ لأنه كان ينتقهم، أي: يزعجهم إضجارًا بشدّته عليهم. وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر. فإن قلت: فإذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعًا، فما وجه ما جاء في الأحاديث من نحو قوله ﷺ:
_________________
(١) قوله: (كما قيل "ابن دأية" للغراب) أي: رمضان: مصدر رمض، من الرمضاء، أضيف إليه الشهر، وجعل لامركب علمًا للشهر المعلوم، ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون، كما أن دأية في ابن دأية أخذ من دأية البعير، وهو موضع القتب، وأضيف إليه الابن وجعل علمًا للغراب، ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث. والتسمية وإن وقعت مع المضاف لكن قد تحذف لعدم الإلباس. قوله: (لارتماضهم)، الجوهري: الرمض: شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، وأرمضتني الرمضاء، أي: أحرقتني. قوله: (ناتقًا)، الجوهري: النتق: الزعزعة والنقض. قوله: (فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر)، قال القاضي: وغنما سموه بذلك إما لوقوعه أيام رمض الحر حين ما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، أو لارتماضهم فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه. قال السجاوندي: سمي المحرم لتحريم القتال فيه،
[ ٣ / ٢٣٤ ]
«من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، «من أدرك رمضان فلم يغفر له»؟ قلت: هو من باب الحذف لأمن الإلباس كما قال:
_________________
(١) ورجب لترجيب العرب إياه أي: تعظيمه، أو لقطع القتال فيه، والأرجب: الأقطع، وذو القعدة: للقعود عن الحرب، وصفر: لخلو مكة عن أهلها إلى الحروب، وذو الحجة: للحجة، والربيعان: لارتباع الناس فيهما، أي: إقامتهم، وجمادان: لجمود الماء، وشعبان: لتشعب القبائل، ورمضان: لرمض الفصال، وشوال لشول أذناب اللقاح. ذكر نحوه المرزوقي في كتاب "الأزمنة والأمكنة" وأبسط نمه، وقال أيضًا: معنى الشهر: أن الناس ينظرون إلى الهلال فيشهرونه. قوله: (من صام رمضان)، والحديث من رواية البخاري ومسلم، عن أبي هريرة: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". النهاية: احتسابًا، أي: طلبًا لوجه الله تعالى وثوابه، والاحتساب من الحسب، كالاعتداد من العد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن يعتد عمله. قوله: (من أدرك رمضان فلم يغفر له). روي في "المصابيح": "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة".
[ ٣ / ٢٣٥ ]
بمَا أعْيَا النِّطَاسِي حِذْيَمَا
أراد: ابن حذيم، وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره: (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) أو على أنه بدل من (الصيام) في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) [البقرة: ١٨٣] أو على أنه خبر مبتدإٍ محذوفٍ. وقرئ بالنصب على: صوموا شهر رمضان، أو على الإبدال من (أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ)، أو على أنه مفعول (وَأَنْ تَصُومُوا) [البقرة: ١٨٤]. ومعنى (أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) ابتدئ فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر
_________________
(١) قوله: (بما أعيا النطاسي حذيما)، أوله: فهل لكم فيها إلي فإنني … طبيب ويروى خبير، قال صدر الأفاضل: الواقع في نسخة "المفصل": "كما أعيا"، والصواب: بما، بدليل أول البيت، وفي أمثالهم: "أطب من ابن حذيم"، أي: فهل لكم رغبة فيما نسب إلي، كذا رواه الميداني في "مجمع الأمثال". حذيم: بكسر الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح الياء، التنطس: دقة النظر في الأمور، يقال منه: رجل نَطْسٌ ونَطَسٌ، ومنه قيل للطبيب نطيس ونطاسي. قوله: (على أنه مفعول (وَأَنْ تَصُومُوا»، قال رشيد الدين الوطواط: وفي جعل شهر رمضان مفعول (وَأَنْ تَصُومُوا) نظر؛ لأن شهر رمضان حينئذ على تقدير المضاف إليه لـ "أن تصوموا"، وهما بمنزلة المبتدأ، أي: صوم شهر رمضان، والخبر: (خَيْرٌ لَكُمْ)، وعلى ما قدره
[ ٣ / ٢٣٦ ]
وقيل: أنزل جملة إلى سماء الدنيا ثم نزل إلى الأرض نجومًا. وقيل: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) [البقرة: ١٨٣] كما تقول: أنزل في عمر كذا، وفي علىّ كذا. وعن النبي ﷺ: "نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين مضين"
_________________
(١) يكون الخبر فاصلًا بين أجزاء المبتدأ، وذلك غير سائغ. هذا تلخيص كلامه. ثم قال: فعرضت هذا البحث عليه فأذعن له، وقيل في العذر: إن الفصل جائز ها هنا؛ لأن المفعول فضلة لا جزء كالفاعل، والإضافة هنا إلى الفاعل لا المفعول، أي: صومكم شهر رمضان خير لكم، فيقال: هذا وأمثاله لا يليق بمنصب التنزيل؛ لأن المقرر أن مفعول المصدر كالصلة، فلا يجوز الفصل بالأجنبي، وأقصى ما يقال فيه: أن قوله: (وَأَنْ تَصُومُوا) وإن كان مصدرًا في المعنى، لكن صورته صورة الفعل، فبالنظر إلى الصورة، جاز الفصل وإن لم يجز في المصدر المحض، وفرق بينهما صاحب "الإقليد" في بحث لام كي، وقال: إن امتناع وقوع المصدر خبرًا عن الجثة لعدم كونه دالًا بصيغته على فاعل وعلى زمان، والفعل المصدر بأن يدل عليهما، فيجوز الإخبار به عن الجثة، وإن لم يجز بالمصدر. فإن قلت: فإذا جعل شهر رمضان مفعول (وَأَنْ تَصُومُوا) يلزم أن لا يكون صوم شهر رمضان واجبًا؛ لأن الواجب لا يقال فيه: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)؟ قلت: بل يقال، وغايته: أن يلزم منه الإبهام بين الندب والوجوب، والمبين للوجوب، تفصيله: وهو قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، يؤيده قول الزجاج: الأمر بالفرض فيه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).
[ ٣ / ٢٣٧ ]
(هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ) نصب على الحال، أي: أنزل وهو هداية للناس إلى الحق، وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدى إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل. فإن قلت: ما معنى قوله: (وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى) بعد قوله: (هُدىً لِلنَّاسِ)؟ قلت: ذكر أوّلا أنه هدى، ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به اللَّه، وفرق به بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ): فمن كان شاهدًا، أي: حاضرًا مقيما غير مسافر في الشهر، فليصم فيه ولا يفطر. والشهر: منصوب على الظرف،
_________________
(١) قوله: (ما معنى قوله: (وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى) بعد قوله: (هُدًى لِلنَّاسِ)؟). حاصل السؤال: أن النكرة إذا أعيدت معرفة كان الثاني عين الأول، فما معنى التكرير؟ وأجاب: أن المعرف هنا أعم من المنكر، إذ اللام فيه للجنس لا للعهد الخارجي، والدليل على كونه جنسًا قوله: "من جملة ما هدى به الله"، وأن معنى الجنس هو ما قال: "من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة"؛ لأن شأن الكتب السماوية كلها الهداية والفرقان بين الحق والباطل، حكم أنه "هدى"، أي: هدى لا يقادر قدره، ومع ذلك بينات من جملة الهدى، فكرر تنويهًا بشأنه وتعظيمًا لأمره، وتأكيدًا لمعنى الهداية فيه، كما تقول: فلان عالم نحرير، وإنه من زمرة العلماء المتبحرين. قوله: (و(الشهر): منصوب على الظرف). قال القاضي: التقدير: فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافرًا فليصم فيه، والأصل: فمن شهد فيه فليصم فيه، لكن وضع [المظهر] موضع المضمر [الأول] للتعظيم، ونصب على الظرف وحذف الجار ونصب الضمير الثاني على الاتساع. الراغب: فإن قيل: فلم قال: فليصمه، ولم يقل: فليصم فيه؟ قيل: قد قال بعض النحويين: اليوم ضربته، إنما يقال إذا استوعب اليوم لضربه، وإذا قيل: ضربت فيه فهو أن يضرب فيه في
[ ٣ / ٢٣٨ ]
وكذلك الهاء في: (فَلْيَصُمْهُ)، ولا يكون مفعولًا به كقولك: شهدت الجمعة؛ لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر.
_________________
(١) بعض أوقاته، فنبه بقوله: (فَلْيَصُمْهُ) على الاستيعاب. وقيل: في قوله: "ولا يكون مفعولًا به" نظر، والتعليل وهو قوله: "لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر" غير تام، إذ مراده أنه إن جعل مفعولًا به لزم التساوي بين المقيم والمسافر، وكذا إذا جعل مفعولًا فيه لزم التساوي بين المقيمين من المريض والحائض وغيرهما من المعذورين وغير المعذورين، والأولى أن يقال: هو مفعول به وعام فيمن أدرك الشهر ثم خصص بقوله: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ). قال القاضي: قيل: فمن شهد منكم هلال الشهر فليصمه، كقولك: شهدت الجمعة، أي: صلاتها، فيكون مفعولًا به لا ظرفًا، ويكون قوله: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) مخصصًا له؛ لأن المريض والمسافر ممن شهد الشهر. وقال الإمام: قيل: إن الشهر لو كان مفعولًا به يلزم المسافر أن يصوم في الشهر؛ لأن المقيم والمسافر حاضران للشهر، وإذا كان ظرفًا لا يلزم المسافر الصوم لأنه ليس شاهدًا في الشهر، فيكون على هذا مفعول شهد محذوفًا، أي: شهد البلد أو بيته في الشهر. وأقول: مفعول شهد هو الشهر، تقديره: من شاهد الشهر، أي: أدركه مع وجود شرائطه وزوال موانعه فليصمه، كما يقال: شهدت عصر فلان، وأدركت زمان فلان، فعلى الأول يلزم الإضمار، وعلى الثاني التخصيص، والتخصيص أولى من الإضمار، على أنه يلزم على الأول التخصيص أيضًا؛ لأن الصبي والمجنون والمريض والحائض كل واحد منهم شهد البلد، مع أنه لا يجب عليهم الصوم، ثم قال الإمام: هذا ما عندي فيه، مع أن الواحدي والزمخشري ذهبا إلى الأول.
[ ٣ / ٢٣٩ ]
(يُرِيدُ اللَّهُ) أن ييسر عليكم ولا يعسر، وقد نفى عنكم الحرج في الدين، وأمركم بالحنيفية السمحة التي لا إصر فيها، وجملة ذلك ما رخص لكم فيه من إباحة الفطر في السفر والمرض. ومن الناس من فرض الفطر على المريض والمسافر، حتى زعم أنّ من صام منهما فعليه الإعادة. وقرئ: (اليسر) و(العسر) بضمتين
_________________
(١) وقلت على ما ذهب إليه المصنف: الفاء في (فَمَنْ شَهِدَ) جاءت مفصلة لما أجمل في قوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ) من وجوب التعظيم، وذلك أن غجراء الصفة عليه أوجب تعظيمه على من أدركهن ومدركه إما حاضر أو مسافر، فمن كان حاضرًا فيه فحكمه كذا، ومن كان مسافرًا فيه فكذا، ولا يحسن أن يقال: من أدرك الشهر فليصم، ومن كان مريضًا أو على سفر فليقض؛ لأن المقيم والمسافر شاهدان للشهر، وعطف الشرط على الشرط- على سبيل التفصيل- يقتضي المغايرة، ويؤيده قول الزجاج: من كان شاهدًا غير مسافر ولا مريض فليصم، ومن كان مسافرًا أو مريضًا فقد جعل له أن يصوم عدة أيام السفر والمرض من أيام أُخر. وقلت: إنما قرن المريض بالمسافر دون سائر المعذورين ليؤذن أن المسافر لما كان يتضرر بالصوم تضرر المرضى أدخله في حكمه مبالغة في التيسير عليه كما في قوله تعالى: (مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا* إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) [النساء: ٩٧ - ٩٨]. قال المصنف: أخرج الولدان من الوعيد وإن لم يكونوا داخلين فيه، لبيان أن الرجال والنساء في انتفاء الذنب عنهم كالولدان، والأظهر اختيار الإمام، فإن التركيب من باب ترتب الحكم على الوصف المناسب؛ لأن الشهر في قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ) هو الشهر الموصوف الذي أنزل فيه القرآن الذي هو ببينات من الهدى؛ لأن المعرف إذا أعيد كان الثاني عين الأول، أي: الزمان الذي شرف بهذا التعظيم، وحقيق على من أدركه أن يتقرب إلينا فيه
[ ٣ / ٢٤٠ ]
الفعل المعلل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره. (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) شرع ذلك يعنى جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخص له بمراعاة عدة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله: (وَلِتُكْمِلُوا) علة الأمر بمراعاة العدّة (وَلِتُكَبِّرُوا) علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر، (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) علة الترخيص والتيسير، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك لا يكاد يهتدي
_________________
(١) بالصيام، ثم خص من العام المعذورين، واختص منهم بالذكر المسافر والمريض لغلبة السفر والمرض على سائر الأعذار. وقال الواحدي: إنما أعاد تخيير المريض والمسافر وترخيصهما في الإفطار؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المقيم الصحيح والمسافر والمريض، فلو اقتصر على هذا احتمل أن يعود النسخ إلى تخيير الجميع، فأعاد بعد النسخ ترخيص المسافر والمريض ليعلم أنه باق على ما كان. وقال أبو البقاء: إن قوله: (فَمَنْ شَهِدَ): خبر (شَهْرُ رَمَضَانَ)، وإنما دخلت الفاء لأن الشهر موصوف بالذي، ومثله قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) [الجمعة: ١٨] وقد وضع في الجزاء موضع العائد الظاهر تفخيمًا، أي: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ). قوله: (وهذا نوع من اللف) وتقريره: أن الفعل المعلل المقدر، وهو قوله: "شرع لكم" مع العلل الثلاث، معطوف على الجملة السابقة بالواو على طريقة النشر، وفيه اسم الإشارة، ولابد له من المشار إليه بحسب كل واحد من العلل المذكورة، أولها: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)، وهي علة للأمر بمراعاة العدة، والمشار إليه قوله: (فَعِدَّةٌ)، أي: فعليه صوم عدة أيام العذر
[ ٣ / ٢٤١ ]
إلى تبينه إلا النقاب المحدث من علماء البيان. وإنما عدّى فعل التكبير
_________________
(١) من غير نقصان، وثانيها: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) علة لقوله وهو "علة ما علم من كيفية القضاء" وهدى إليه، والمشار إليه مفهوم قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي: اقضوا الصيام في غير رمضان كيف شئتم متواترة أو تفريقًا، وثالثها: (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وهو علة الترخيص والتيسير، والمشار إليه: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ). وقلت: لو جعل (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) علة لقوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ) إلى قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) كان أحسن؛ لأنه سبق أن شرعية الصوم معللة بنزول القرآن المشتمل على هدى لا يكتنه كنهه في هذا الشهر، والهداية إلى مثل هذا التقرب الذي ليس فوقه، يوجب تعظيم الهادي وأن نكبر اسمه المبارك ونسبح ونقدس، وكان أسلم للنظم من ركوب المتعسف، وهو جعله قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) معللًا باعتبارين: لتكملوا تارة، ولتكبروا أخرى، وفي تقديره أولًا حمله ما ذكره من أمر الشاهد شاهد صدق لهذا المعنى، وأما لطف مسلكه أن اللف هو الذي يستدعي ما يرد عليه ما في النشر من المعاني المناسبة، وهذا بالعكس، وتكون تلك المعاني مبنية عليه على ترتيبه السابق، وهذا ليس كذلك، وفيه أن الواو في قوله: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) ليست كالواوين في (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ) وفي (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ) وفي (وَلَعَلَّكُمْ) لما سبق، فالتقدير: وشرع ذلك، للمذكورات. قوله: (النقاب المحدث)، قال صاحب "النهاية": النقاب: الرجل العلامة، وفي حديث الحجاج وذكر ابن عباس: "إن كان لنقابًا"، وفي رواية: "وإن كان لمنقبًا"، النقاب والمنقب- بالكسر والتخفيف-: الرجل العالم بالأشياء الكثير البحث عنها والتنقيب، أي: ما كان إلا نقابًا، وفي "النهاية" أيضًا: "وقد كان في الأمة محدثون، فإن كان في أمتي أحد فعمر بن الخطاب"، تفسيره: إنهم لملهمون، والملهم: الذي يلقى في نفسه الشيء فيخبر به حدسًا وفراسة، وهو نوع يختص به الله من يشاء من عباده الذين اصطفى، ومقصود المصنف مدح نفسه تعريضًا.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
بحرف الاستعلاء؛ لكونه مضمنًا معنى الحمد، كأنه قيل: ولتكبروا اللَّه حامدين على ما هداكم. ومعنى (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وإرادة أن تشكروا. وقرئ: (ولُتكَمِّلوا) بالتشديد. فإن قلت: هل يصح أن يكون (وَلِتُكْمِلُوا) معطوفًا على علة مقدرة، كأنه قيل: لتعملوا ما تعلمون، ولتكملوا العدة. أو على اليسر، كأنه قيل: يريد اللَّه بكم اليسر، ويريد بكم لتكملوا، كقوله: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا) [الصف: ٨]؟ قلت: لا يبعد ذلك والأوّل أوجه. فإن قلت: ما المراد بالتكبير؟ قلت: تعظيم اللَّه والثناء عليه. وقيل: هو تكبير يوم الفطر. وقيل: هو التكبير عند الإهلال.
[(وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)].
_________________
(١) قوله: (ولتكبروا الله حامدين) ليس بتضمين، والتضمين: لتحمدوا الله مكبرين؛ لأن تصريحه بقوله: "لتكبروا" دافع له؛ لأن التضمين اصطلاحًا: إما: إعطاء الفعل المذكور معنى المقدر بواسطة الاستعمال كما في قوله تعالى: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: ٣]، وقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: ٢]، أو: إعطاؤه مع إرادة المضمر معهما كما ذكره في قوله تعالى: (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [الكهف: ٢٨]، وهذا ليس منهما في شيء، فالحق أن الجار والمجرور على تقديره: حال، أو يرتكب القلب في الكلام. قوله: (والأول أوجه)، وهو أن يكون الفعل المعلل محذوفًا لما فيه من صنعة اللف والنشر، ويحتمل أن يراد بالأول: أن يكون (لِتُكْمِلُوا) معطوفًا على علة مقدرة؛ لأن اللام حينئذ للعلة، وهي أظهر من أن تكون صلة كقوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا) [الصف: ٨]، والأول أوجه لاشتماله على العلم والعمل مع اللف والنشر. قوله: (عند الإهلال)، النهاية: الإهلال: رفع الصوت بالتلبية، ومنه: إهلال الهلال واستهلاله: إذا رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
(فَإِنِّي قَرِيبٌ): تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه، فإذا دعى أسرعت تلبيته، ونحوه: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق: ١٦]، وقوله ﷺ: «هو بينكم وبين أعناق رواحلكم». وروي: أنّ أعرابيًا قال لرسول اللَّه ﷺ: أقريب ربنا فنناجيه أو بعيد فنناديه؟ فنزلت. (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أنى أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم. وقرئ (يرشدون) و(يرشدون) بفتح الشين وكسرها.
[(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)].
كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلى العشاء الآخرة أو يرقد، فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه
_________________
(١) قوله: (هو بينكم وبين أعناق رواحلكم)، الحديث عن الشيخين، عن أبي موسى، سبق عند قوله تعالى: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [البقرة: ٢٣]. قوله: (أقريب ربنا) الحديث في "جامع الأصول" مروي عن رزين، فقال أصحابه: "أقريب … " الحديث. الراغب: وقد روي أن موسى ﵇ قال: إلهي، أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ فقال: لو حددت لك البعد لما انتهيت إليه، ولو حددت لك القرب لما اقتدرت عليه.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
الطعام والشراب والنساء إلى القابلة، ثم إنّ عمر ﵁ واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكى ويلوم نفسه، فأتى النبي ﷺ وقال: يا رسول اللَّه، إني أعتذر إلى اللَّه وإليك من نفسي هذه الخاطئة. وأخبره بما فعل، فقال ﷺ: "ما كنت جديرًا بذلك يا عمر". فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء؛ فنزلت. وقرئ: أحل لكم ليلة الصيام الرفث، أي: أحل اللَّه. وقرأ عبد اللَّه: الرفوث، وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، كلفظ النيك، وقد أرفث الرجل. وعن ابن عباس ﵁ أنه أنشد وهو محرم:
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا … إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا
فقيل له: أرفثت! فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء. وقال اللَّه تعالى:
_________________
(١) قوله: (كلفظ النيك)، الأساس: رفث في كلامه، وأرفث وترفث: أفحش وأفصح بما يجب أن يكني عنه من ذكر النكاح. وليس بين الرفث والنيك مماثلة من حيث المؤدى في المعنى، بل من حيث إنهما ممن يجب أن لا يصرح بهما، لأنهما مما يوحش السامع، يدل عليه اعتراضهم على ابن عباس، فإنهم ظنوا أن النيك مثل الرفث، فلا يجوز أن يتكلم به المحرم، وجوابه: أن الرفث ما كان عند النساء، أي: ليس النيك في البيت من الرفث في التنزيل في شيء، وفي "النهاية": كان ابن عباس يرى بقوله هذا أن الرفث المنهي: ما خوطب به المرأة، فأما ما يقوله ولم تسمعه امرأة فغير داخل فيه، قال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكذا عن الأزهري. قوله: (وهن يمشين)، الضمير للعيس، هميسًا: مشيًا خفيًا إن تصدق الطير في العيافة بها، ولميس: اسم صاحبته.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
(فلا رفث ولا فسوق) [البقرة: ١٩٧] فكنى به عن الجماع، لأنه لا يكاد يخلو من شيءٍ من ذلك. فإن قلت: لم كني عنه هاهنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله: (وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) [النساء: ٢١]، (فَلَمَّا تَغَشَّاها) [الأعراف: ١٨٩]، (بَاشِرُوهُنَّ) (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) [النساء: ٤٣]، (دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) [النساء: ٢٣]، (فَاتُوا حَرْثَكُمْ) [البقرة: ٢٢٣]، (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) [البقرة: ٢٣٧]، (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) [البقرة: ٢٢٣]، (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ) [البقرة: ٢٢٢]؟ قلت: استهجانًا لما وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختيانا لأنفسهم. فإن قلت: لم عدي الرفث بـ"إلى"؟ قلت: لتضمينه معنى الإفضاء. لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه؛ شبه باللباس المشتمل عليه. قال الجعدي:
إذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهَا … تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَليْهِ لِبَاسَا
فإن قلت: ما موقع قوله: (هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ)؟ قلت: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال؛ وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة قلّ صبركم عنهنّ وصعب عليكم اجتنابهنّ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهنّ
_________________
(١) قوله: (فكنى به عن الجماع) رتب على قوله: "الرفث وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه"، يعني: كنى ها هنا بالرفث عن الجماع، وكان من حق الظاهر أن يكنى عن الرفث، لا به، وإنما عدل إليه ليرتدع من ارتكبه، يدل عليه قوله: "استهجانًا لما وجد منهم قبل الإباحة". الانتصاف: ويؤيد قول الزمخشري أنه تعالى لما أباحه قال: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ)، فعاد إلى الكنايات المألوفة، ويشكل بقوله: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: ١٩٧] ولم يسبق منهم فيه فعل؟ وجوابه: أنه في آية الحج منهي عنه، فشنعه وهجنه لينفرهم عن التورط فيه، ولذلك قرنه بالفسوق.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
(تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ): تظلمونها وتنقصونها حظها من الخير. والاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة.
(فَتابَ عَلَيْكُمْ) حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور. (وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ): واطلبوا ما قسم اللَّه لكم، وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة، أي: لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها، ولكن لابتغاء ما وضع اللَّه له النكاح من التناسل. وقيل: هو نهى عن العزل لأنه في الحرائر. وقيل: وابتغوا المحل الذي كتبه اللَّه لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرّم. وعن قتادة: (وابتغوا ما كتب اللَّه لكم) من الإباحة بعد الحظر. وقرأ ابن عباس (واتبعوا) وقرأ الأعمش (وأتوا) وقيل معناه: واطلبوا ليلة القدر وما كتب اللَّه لكم من الثواب إن أصبتموها وقمتموها،
_________________
(١) قوله: (لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل)، الراغب: قوله: (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) إشارة في تحري النكاح إلى لطيفة، وهي أن الله تعالى جعل لنا شهوة النكاح لبقاء نوعنا إلى غاية، كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية، فحق الإنسان أن يتحرى بالنكاح حفظ النسل وحصن النفس على الوجه المشروع، وإلى هذا أشار من قال: عنى به الولد. قوله: (لأنه في الحرائر) أي: قوله: (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) نزلت في شأن الحرائر؛ لأنه متصل بقوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)؛ لأن في عرف التنزيل إطلاق النساء على الحرائر، وإطلاق ما ملكت أيمانكم على الإماء. والمراد بابتغاء ما كتب الله الولد، ومن عزل، أي: الماء عن النساء؛ حذر الحمل، فهو بمعزل عن ابتغاء ما كتب الله له، ولا يجوز العزل عن الحرائر إلا بإذنهن، بخلاف الإماء.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
وهو قريب من بدع التفاسير. (الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ): هو أوّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود. والْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ما يمتدّ معه من غبش الليل، شبها بخيطين أبيض وأسود. قال أبو داود:
فَلَمَّا أضَاءَتْ لَنَا سَدْفَةٌ … وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أنَارَا.
وقوله: (مِنَ الْفَجْرِ) بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود. لأنّ بيان أحدهما بيان للثاني …
_________________
(١) قوله: (وهو قريب من بدع التفاسير). قال الإمام: وهو قول معاذ بن جبل وابن عباس، وجمهور المحققين استبعدوه؛ وعندي أنه جائز، وذلك أن الإنسان إذا قضى وطره من المباشرة ويصير فارغًا من داعية الشهوة المانعة عن التفرغ للطاعة، يمكنه أن يتفرغ لها، أي: إذا تخلصتم من تلك الخواطر المانعة عن الإخلاص فابتغوا ما كتب لكم من الإخلاص في العبودية من الصلاة والذكر وطلب ليلة القدر. قوله: (من غبش الليل)، الجوهري: الغبش، بالتحريك: البقية من الليل، وقيل: ظلمة آخر الليل. قوله: (فلما أضاءت) البيت، الأصمعي: السدفة في لغة نجد: الظلمة، وفي لغة غيرهم: الضوء، وهو من الأضداد، وقال أبو عبيد: وبعضهم يجعل السدفة اختلاط الضوء والظلمة معًا كوقت ما بين طلوع الفجر إلى الإسفار، وقوله: "أنارا" جواب "لما". قوله: (واكتفي به) يريد: قد مر آنفًا المراد بالخيط الأبيض ما هو وبالأسود ما هو، وكان
[ ٣ / ٢٤٨ ]
ويجوز أن تكون «من» للتبعيض؛ لأنه بعض الفجر وأوّله. فإن قلت: أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه؟ قلت: قوله: (مِنَ الْفَجْرِ) أخرجه من باب الاستعارة، كما أن قولك: رأيت أسدًا مجاز. فإذا زدت «من فلان» رجع تشبيها. فإن قلت: فلم زيد (مِنَ الْفَجْرِ) حتى كان تشبيها؟ وهلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه
_________________
(١) ينبغي أن يذكر بعد بيان الخيط الأبيض بقوله: (مِنْ الْفَجْرِ) بيان الخيط الأسود بقوله: "من غبش الليل"، فاكتفى بأحدهما؛ لما يلزم من بيان أحد المختلطين بيان الآخر. قوله: (ويجوز أن تكون (مِنَ) للتبعيض)، والضمير في "لأنه" راجع إلى قوله: "أول ما يبدو"، فعلى هذا يكون (مِنْ الْفَجْرِ) بدلًا من الخيطين، أي: يتبين لكم بعض الفجر، وهو أول ما يبدو. قوله: (أخرجه من باب الاستعارة)؛ لأن الاستعارة هي: أن يذكر أحد طرفي التشبيه ويراد به الطرف الآخر. وههنا الفجر هو المشبه، والخيط الأبيض المشبه به، وهما مذكوران فلا يكون استعارة. فإن قلت: هب أن ذكر (مِنْ الْفَجْرِ) أخرجه من الاستعارة لذكر المشبه، لكن بقي الخيط الأسود على الاستعارة لترك المشبه، كقولك: رأيت أسدًا يرمي؟ قلت: لما كان في الكلام ما دل عليه، فكأنه ملفوظ كقولها: أسد علي وفي الحروب نعامة وإليه الإشارة بقوله: "لأن بيان أحدهما بيان للثاني". قوله: (هي أبلغ من التشبيه)، وذلك أن في التشبيه اعترافًا بكون المشبه به أكمل من المشبه في الوجه، وفي الاستعارة ادعاء أنهما جنس واحد.
[ ٣ / ٢٤٩ ]
وأدخل في الفصاحة! قلت: لأن من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام، ولو لم يذكر (مِنَ الْفَجْرِ) لم يعلم أن الخيطين مستعاران، فزيد (مِنَ الْفَجْرِ) فكان تشبيها بليغا وخرج من أن يكون استعارة. فإن قلت: فكيف التبس على عدىّ بن حاتم مع هذا البيان حتى قال: عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبرته،
_________________
(١) قوله: (أن يدل عليه) أي: على كونه مستعارًا. قوله: (ولو لم يذكر (مِنْ الْفَجْرِ) لم يعلم أن الخيطين مستعاران) جواب، لكنه غير تام لكون العدول من الاستعارة التي هي أبلغ إلى التشبيه، الذي هو أدنى لفقدان القرينة، لا يمهد العذر، على أن القرائن كثيرة، نحو أن يقال: حتى يتفلق لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أو يشرق أو يطلع، ونحوهما، لكن الجواب الكافي أن يقال: إن العدول إليه وإن كان تشبيهًا لكنه بليغ لا يقصر عن مرتبة الاستعارة؛ لأنه واقع على طريق التجريد، كأنه جرد من الفجر نفس الخيط، كقولك: رأيت أسدًا منك، وهو المراد بقوله: "فكان تشبيهًا بليغًا". قوله: (عمدت على عقالين أبيض وأسود) الحديث من رواية البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، عن عدي بن حاتم: لما نزل (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر من الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له، فقال: "إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار" وفي رواية البخاري: قال: "إن وسادتك إذًا لعريض، أن كان الخيط الأبيض والخيط الأسود تحت وسادتك"، وفي رواية أخرى أنه قال: "إنك إذًا لعريض القفا".
[ ٣ / ٢٥٠ ]
فضحك وقال: «إن كان وسادك لعريضًا»، وروى: «إنك لعريض القفا! إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل»؟ قلت: غفل عن البيان، ولذلك عرّض رسول اللَّه ﷺ قفاه، لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته. وأنشدتنى بعض البدويات لبدوى:
عَرِيضُ القَفَا مِيزَانُهُ فِى شِمَالِهِ … قَدِ انْحَصَّ مِنْ حَسْبِ القَرَارِيِط شَارِبُهْ
فإن قلت: فما تقول فيما روي عن سهل بن سعد الساعدي: أنها نزلت ولم ينزل (مِنَ الْفَجْرِ)، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له، فنزل بعد ذلك (مِنَ الْفَجْرِ)؛ فعلموا أنه إنما يعنى بذلك الليل والنهار؟ وكيف جاز تأخير البيان وهو يشبه العبث، حيث لا يفهم منه المراد، إذ ليس باستعارة لفقد الدلالة، ولا بتشبيه قبل ذكر الفجر،
_________________
(١) قوله: "عريض الوسادة" كناية تلويحية، فإن عريض الوسادة مشعر بعريض القفا، وعريض القفا مشعر بالبلاهة، وعريض القفا: كناية رمزية. قوله: (بعض البدويات)، قيل: هي أم كردس خادم المصنف. قوله: (ميزانه في شماله) كناية عن الحمق، انحص شعره وشاربه: إذا تجرد وانحسر، والحاسب إذا أمعن في الحساب وتفكر فيه عض على شفتيه وشاربه. قوله: (فيما روي عن سهل) الحديث رواه البخاري مع تغيير يسير.
[ ٣ / ٢٥١ ]
فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة وهي غير مرادة؟ قلت: أما من لم يجوّز تأخير البيان - وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو مذهب أبى علىّ وأبى هاشم - فلم يصح عندهم هذا الحديث، وأما من يجوّزه فيقول: ليس بعبث؛ لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به. (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) قالوا: فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان،
_________________
(١) قوله: (فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة)، هذا يؤذن أن التشبيه ليس بحقيقة، وقد قيل: إن ألفاظ التشبيه كلها مستعملة فيما وضع لها، نحو: زيد كالأسد في الشجاعة، لكن مفهوم المشبه به، وهو الخيط الأبيض والخيط الأسود، غير مراد فيما أجرى الكلام له، ولذلك قال: "وهي غير مرادة". قوله: (فلم يصح عندهم هذا الحديث) والحديث رواه البخاري ومسلم، فكيف يقال: لم يصح. قوله: (لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب)، قيل: وفيه نظر؛ لأن من يجوز تأخير البيان يحمله على ظاهره لعدم القرينة الصارفة حينئذ، وأجيب: أنك إذا أردت بالقرينة: القرينة التفصيلية، فمسلم، ولكن لا يلزم من عدمها جواز الحمل على الظاهر، وإن أردت الإجمالية فلا نسلم انتفاءها، فإن البليغ لا يرضى بمثل هذا التركيب، ألا ترى كيف عنف رسول الله ﷺ عديًا حين حمله على الظاهر! على أن سياق الكلام ومساقه حديث في شأن الصوم وبيان ابتدائه وانتهائه من قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ) إلى قوله: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ). قوله: (فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان)، ووجهه أن معنى قوله: (ثُمَّ
[ ٣ / ٢٥٢ ]
وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفى صوم الوصال. (عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) معتكفون فيها.
_________________
(١) أَتِمُّوا الصِّيَامَ) بعد قوله: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ): ائتوا بالصوم تامًا، فيكون إتيان الصوم مأمورًا به بعد الفجر والنية مع الفعل، فيلزم إيقاع النية بعد الفجر، قال صاحب "التقريب": الإتمام مأمور به بعد الفجر، وهو مسبوق بالأمر بالشروع، وهو إما بترك المفطر، وهو لا يلزم قبل الفجر، وإما بالنية وهو المطلوب، ومعنى أتموا الصيام على هذا: ابتدئوه وأتموه، ولقائل أن يقول: إن أردت بقولك: بعد الفجر: عقيبه متصلًا به، فهو ممنوع، إذ ثم للتراخي، وإن أردت التراخي فيجوز أن يسبق الشروع بالنية أو الإمساك بالجزء الأول على الإتمام، وهو مع ذلك يقع بعد الفجر. والجواب الصحيح: أنه ليس في الآية ما يوجب النية ولا تعيين الزمان ولا ينافيه، وليس فيها إلا الأمر بالإتمام، وما يوجب النية يستفاد من الحديث، وكذا تعيينها بزمان، أما أولًا فقوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات"، أخرجه الشيخان وغيرهما عن عمر ﵁، وأما ثانيًا فقوله ﷺ: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له"، أخرجه أبو داود والترمذي، عن أم المؤمنين حفصة، وفي رواية النسائي: "فلا يصوم"، فالحديثان مبينان للآية. النهاية: الإجماع: إحكام النية والعزيمة، أجمعت الرأي وأزمعته وعزمت عليه: بمعنى. قوله: (وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر)؛ لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلى الانفجار لم يمكنه الاغتسال إلا بعد الصبح. قوله: (وعلى نفي صوم الوصال)؛ لأنه تعالى جعل غاية الصوم الليل، وغاية الشيء: منقطعه ومنتهاه، وما بعد الغاية يخالف ما قبله، وإنما يكون كذلك إذا لم يبق بعد ذلك صوم،
[ ٣ / ٢٥٣ ]
والاعتكاف أن يحبس نفسه في المسجد يتعبد فيه. والمراد بالمباشرة الجماع لما تقدم من قوله (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ … فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ). وقيل: معناه: ولا تلامسوهنّ بشهوة. والجماع يفسد الاعتكاف، وكذلك إذا لمس أو قبل فأنزل. وعن قتادة: كان الرجل إذا اعتكف خرج فباشر امرأته ثم رجع إلى المسجد، فنهاهم اللَّه عن ذلك. وقالوا: فيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد، وأنه لا يختص به
_________________
(١) ويمكن أن يقال: إنه تعالى بين الغاية، والبيان لا يفيد حرمة الوصال، وإنما حرم بالسنة، روينا عن عائشة ﵂: نهاهم رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم، قالوا: إنك تواصل، قال: "إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني"، أخرجه البخاري ومسلم، ولأبي داود نحوه. الهيئة: صورة الشيء وشكله وحالته. قال الإمام: الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن صوم النفل يجب إتمامه، وقالت الشافعية: الآية واردة لبيان صوم الفرض فتختص به. قوله: (أن يحبس نفسه في المسجد يتعبد فيه). "يتعبد" بالنصب في بعض النسخ على حذف لام التعليل يعني أن يتعبد، ثم حذف "أن" وبقي أثره. قوله: (لما تقدم من قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ) وذلك أن قوله: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ) عطف على الأمر من قوله: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ)، ولا يستراب أن المراد منه الجماع؛ لما سبق من قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ)، فقوله: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ) رخصة فيها بعدما كانت منهية، فيجب العمل على الجماع فقط؛ ليتجاوب النظم. قوله: (قالوا: فيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد)، قال صاحب "التقريب": ليس فيه ما يدل على ذلك.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
مسجد دون مسجد. وقيل: لا يجوز إلا في مسجد نبىّ وهو أحد المساجد الثلاثة. وقيل: في مسجد جامع. والعامة على أنه في مسجد جماعة. وقرأ مجاهد: (في المسجد). (تِلْكَ) الأحكام التي ذكرت (حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها): فلا تغشوها. فإن قلت: كيف قيل: (فَلا تَقْرَبُوها) مع قوله: (فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: ٢٩]؟ قلت: من كان في طاعة اللَّه والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق، فنهى أن يتعداه؛ لأن من تعداه وقع في حيز الباطل؛ ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزى الحق والباطل؛ لئلا يدانى الباطل، وأن يكون في الواسطة متباعدًا عن الطرف، فضلًا عن أن يتخطاه، كما قال رسول اللَّه ﷺ «إنّ لكل ملك حمى، وحمى اللَّه محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه»، فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد. ويجوز أن يريد بحدود اللَّه محارمه ومناهيه
_________________
(١) قوله: (المساجد الثلاثة) وهي: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجد النبي ﷺ. قوله: (كيف قيل: (فَلا تَقْرَبُوهَا»، يعني: قال في هذه الآية: (فَلا تَقْرَبُوهَا) أي: الحدود، وقال في الأخرى: (فَلا تَعْتَدُوهَا) [البقرة: ٢٢٩] وذلك لا يمنع من القربان، وأجاب: بأن هذه الآية كالترقي بالنسبة على تلك الآية. قوله: (وأن يكون في الواسطة): عطف على "أن لا يداني"، ويجوز أن يكون عطفًا على "نهي أن يقرب الحد"، وأمر بأن يكون في الواسطة على سبيل التوكيد. قوله: (متباعدًا): حال من الضمير في خبر "كان"، أو: خبر بعد خبر، "وفضلًا": يجوز أن يكون متعلقًا بيقرب أو بيداني. قوله: (ويجوز أن يريد بحدود الله: محارمه): عطف على قوله: "تلك الأحكام التي ذكرت: حدود الله". قال الزجاج: معنى الحدود: ما منع الله تعالى من مخالفتها، فإن الحداد في اللغة: الحاجب، وكل من منع شيئًا فهو حداد، والحديد إنما سمي حديدًا لأنه يمتنع به من الأعداء،
[ ٣ / ٢٥٥ ]
خصوصًا؛ لقوله: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ)، وهي حدود لا تقرب.
[(وَلا تَاكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَاكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)].
ولا يأكل بعضكم مال بعض (بِالْباطِلِ): بالوجه الذي لم يبحه اللَّه ولم يشرعه
_________________
(١) وحد الدار: ما يمنع غيرها أن يدخل فيها. تم كلامه. فتسمية محارم الله بالحدود ظاهر، وأما تسمية الأوامر والنواهي بها فلأنه تعالى منع الناس عن مخالفتها كما قال الزجاج، ومعنى القربان على هذا: الغشيان، كقوله: "فلا تغشوها"، فالمعنى: تلك الأوامر والنواهي السابقة مما منع الله الناس عن مخالفتها فلا تجاوزوها والتزموها، كقولك: كن وسط الحق ولا تتجاوز إلى أطرافه، على أن أطراف الحق حق، وإليه الإشارة بقوله: "أن يكون في الواسطة متباعدًا عن الطرف"، أما الأوامر فقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، وقوله: (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)، وأما النواهي فقوله: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ)، ثم إذا اعتبر أن الأمر بالشيء نهي عن ضده صح القول بأن ما سبق كلها محارمه. قوله: (وهي حدود لا تقرب) مشعر بأن الوجه الأول فيه تكلف، والحديث يناسب الوجه الثاني، وهو أن المراد بالحدود: محارمه، وراوي الحديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ولكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه"، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
(و) لا (تُدْلُوا بِها): ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام؛ (لِتَاكُلُوا) بالتحاكم (فَرِيقًا): طائفة (مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ): بشهادة الزور، أو باليمين الكاذبة، أو بالصلح، مع العلم بأن المقضى له ظالم.
وعن النبي ﷺ أنه: قال للخصمين: «إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليَّّ، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضى له على نحو ما أسمع منه،
_________________
(١) قوله: «و) لا (تُدلُوا بِهَا): ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام)، الراغب: الإدلاء: إرسال الدلو في البئر، واستعير للتوصل إلى الشيء، وعلى هذا قول الشاعر: فليس الرزق عن طلب حثيث … ولكن ألق دلوك في الدلاء قوله: (قال للخصمين: إنما أنا بشر) الحديث مع تغيير يسير أخرجه البخاري ومسلم وابو داود والترمذي والنسائي، وانفرد الترمذي بقوله: "فبكى الرجلان، إلى آخره". قال صاحب "الجامع": قوله: "ألحن بحجته" أي: أقوم بها من صاحبه وأقدر عليها، من اللحن، بفتح الحاء: الفطنة، وأما لحن الكلام فهو ساكن، قاله الخطابي، التوخي: قصد الحق واعتماده، والاستهام: الاقتراع، ولم يقنع بالتوخي فضم القرعة إليه؛ لأن القرعة أقوى من التوخي، ثم أمرهما بالتحليل ليكون انفصالهما عن يقين، لأن التحالل إنما يكون فيما هو في الذمة.
[ ٣ / ٢٥٧ ]
فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنّ منه شيئًا، فإنما أقضي له قطعةً من نار»، فبكيا وقال كل واحد منهما: حقي لصاحبي. فقال «اذهبا فتوخيا، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه». وقيل: (وَتُدْلُوا بِها): وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة. و(تدلوا) مجزوم داخل في حكم النهي، أو منصوب بإضمار "أن"، كقوله: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: ٤٢]. (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنكم على الباطل، وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح، وصاحبه أحق بالتوبيخ.
[(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)].
روي أن معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنم الأنصارى قالا: يا رسول اللَّه، ما بال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ؛ لا يكون على حالة واحدة؟ فنزلت (مَواقِيتُ) معالم يوقت بها الناس مزارعهم، ومتاجرهم، ومحال ديونهم، وصومهم، وفطرهم، وعدد نسائهم، وأيام حيضهنّ، ومدد حملهنّ، وغير ذلك؛ ومعالم للحج يعرف بها وقته. كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطًا ولا دارًا ولا فسطاطًا من باب،
_________________
(١) وقال القاضي: الآية فيها دليل على أن حكم القاضي لا ينفذ باطنًا. قوله: «مَوَاقِيتُ) معالم يوقت الناس بها مزارعهم)، قال القاضي: المواقيت: جمع ميقات، من الوقت، والفرق بينه وبين المدة والزمان: أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها، والزمان: مدة مقسومة، والوقت: الزمان المفروض لأمر.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
فإذا كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلما يصعد فيه وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فقيل لهم: (لَيْسَ الْبِرُّ) بتحرّجكم من دخول الباب (وَلكِنَّ الْبِرَّ) برّ (مَنِ اتَّقى) ما حرّم اللَّه. فإن قلت: ما وجه اتصاله بما قبله؟ قلت: كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة، وعن الحكمة في نقصانها وتمامها: معلوم أنّ كل ما يفعله اللَّه ﷿ لا يكون إلا حكمة بالغة، ومصلحةً لعباده، فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدةٍ تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها برّا
_________________
(١) قوله: (كأنه قيل) إلى قوله: "معلوم أن كل ما يفعله [الله] تعالى لا يكون إلا حكمة بالغة"، هذا الجواب من باب الأسلوب الحكيم، وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب، بتنزيل سؤاله منزلة غير السؤال لينبهه على تعديه من موضع سؤال هو أليق بحاله وأهم له إذا تأمل، وإليه الإشارة بقوله: "فدعوا السؤال عنه وانظروا في هيئة واحدة تفعلونها". والجواب الثاني من باب الاستطراد، وذلك أن السؤال لما كان عن الأهلة، وأجيبوا عن الميقات، وبعض المواقيت ميقات الحج، أورد بعض أفعالهم التي كانوا يفعلونها فيه. والجواب الثالث: من باب السؤال مما لا يستحق الجواب؛ لأن الواجب عليكم أن تسألوا عما يهمكم من منافع الأهلة وفوائدها لتعملوا بمقتضاها، فعكستم وسألتم عن أحوالها، أي: مثلكم في العدول عن الطريق المستقيم كمن لا يدخل من باب بيته ويدخله من ظهره، ويمكن أن يجعل هذا الجواب أيضًا من باب الأسلوب الحكيم. والجواب الثاني أوفق لتأليف النظم؛ لأنه تعالى لما استطرد عملًا من أعمالهم في الحج، وقبح فعلهم وبين أن التقوى في عكس ذلك، عم التقوى بقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، فاندرج فيها جميع ما يجب أن يعتبر فيها من الأفعال والتروك فعطف على (وَاتَّقُوا) بعض ما كان مشتملًا عليه، وهو القتال ليشير إلى أنه مهتم بشأنه بحسب اقتضاء الوقت، فالعطف من باب قوله تعالى: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) [الرحمن: ٦٨].
[ ٣ / ٢٥٩ ]
ويجوز أن يجرى ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج؛ لأنه كان من أفعالهم في الحج، ويحتمل أن يكون هذا لتعكيسهم في سؤالهم، وأن مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره. والمعنى: ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم، ولكن البرّ برّ من اتقى ذلك وتجنبه ولم يحسر على مثله، ثم قال: (وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها) أي: وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها، ولا تعكسوا. والمراد وجوب توطين النفوس وربط القلوب على أن جميع أفعال اللَّه حكمة وصواب من غير اختلاج شبهة، ولا اعتراض شك في ذلك، حتى لا يسأل عنه؛ لما في السؤال من الابهام بمقارفة الشك؛ (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) [الأنبياء: ٢٣].
_________________
(١) الراغب: العلوم ضربان: دنيوي يتعلق بأمر المعاش، كمعرفة الصنائع ومعرفة الأجرام السماوية والمعادن والنبات وطبائع الحيوان، وقد جعل الله لنا سبيلًا إلى معرفته على غير لسان النبي ﷺ، وشرعي، وهو البر، ولا سبيل إلى أخذه إلا من النبي، فلما سألوا عما أمكنهم معرفته أجابهم بما أجاب، ثم قال: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا) أي: بأن تطلبوا الشيء من غير بابه، يقال: فلان أتى البيت من بابه: إذا طلب الشيء من وجهه. قال الشاعر: أتيت المروءة من بابها فجعل ذلك مثلًا لسؤالهم النبي ﷺ عما ليس من العلم المختص بالنبوة؛ لأن ذلك عدول عن المنهج. قوله: (بمقارفة الشك)، الجوهري: هو من: قارف فلان الخطيئة، أي: خالطها.
[ ٣ / ٢٦٠ ]
[(وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ* فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)].
المقاتلة في سبيل اللَّه: هو الجهاد لإعلاء كلمة اللَّه وإعزاز الدين (الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ): الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين، وعلى هذا يكون منسوخا بقوله: (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) [التوبة: ٣٦]، وعن الربيع بن أنس ﵁: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة فكان رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وعلى آله وسلم يقاتل من قاتل ويكف عمن كف؛ أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ
_________________
(١) قوله: «الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ): الذين يناجزونكم) فسر المقاتلين بوجوه ثلاثة: أحدها: بالذين يبارزون المسلمين دون المحاجزين. وثانيها: بمن يصح منهم المقاتلة دون من لا يصح، وهو المراد بقوله: "أو الذين يناصبونكم القتال". وثالثها: بالكفرة كلهم مجازًا، والمراد بالمقاتلة: المضادة، الأول أخص من الثاني والثالث أعم منهما. قوله: (يناجزونكم)، الجوهري: المناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة، والمحاجزة: الممانعة، وفي المثل: المحاجزة قبل المناجزة. قوله: (يناصبونكم)، الجوهري: نصبت لفلان نصبًا: إذا عاديته، وناصبته الحرب مناصبة.
[ ٣ / ٢٦١ ]
والصبيان والرهبان والنساء؛ أو الكفرة كلهم؛ لأنهم جميعًا مضادّون للمسلمين، قاصدون لمقاتلتهم، فهم في حكمٍ المقاتلة، قاتلوا أو لم يقاتلوا. وقيل: لما صدّ المشركون رسول اللَّه ﷺ عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام، فرجع لعمرة القضاء؛ خاف المسلمون أن لا يفي لهم قريش ويصدّوهم ويقاتلوهم في الحرم وفي الشهر الحرام، وكرهوا ذلك، نزلت، وأطلق لهم قتال الذين يقاتلونهم منهم في الحرم والشهر الحرام، ورفع عنهم الجناح في ذلك. (وَلا تَعْتَدُوا) بابتداء القتال، أو بقتال من نهيتم عن قتاله من النساء والشيوخ والصبيان، والذين بينكم وبينهم عهد أو بالمثلة، أو بالمفاجأة من غير دعوة، (حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) حيث وجدتموهم في حل أو حرم. والثقف: وجود على وجه الأخذ والغلبة. ومنه: رجل ثقف، سريع الأخذ لأقرانه. قال:
فَإمَّا تَثْقَفُونِى فَاقْتُلُونِى … فَمَنْ أثْقَفْ فَلَيْسَ إلَى خُلُودِ
(مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) أي: من مكة وقد فعل رسول اللَّه ﷺ بمن لم يسلم منهم يوم
_________________
(١) قوله: (لعمرة القضاء) أي: العمرة التي أحرم بها عام الحديبية وتحلل عنها بسبب الإحصار، وهو من إضافة العام إلى الخاص؛ لأن العمرة أعم من أن تكون قضاء أو أداء. قوله: (نزلت)، وفي بعض النسخ: فنزلت، فعلى هذا جواب "لما" قوله: "خاف"، وإذا كان جواب "لما نزلت"، فالصواب أن يكون خاف بالواو، وهو لم يرو. قوله: (والثقف: وجود على وجه الأخذ والغلبة)، وفي الكواشي: الثقف: الحذق في إدراك الشيء وفعله. قال القاضي: الثقف: الحذق في إدراك الشيء، علمًا كان أو عملًا، فهو يتضمن الغلبة، ولذلك استعمل في الغلبة في قول الشاعر: فإما تثقفوني فاقتلوني البيت.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
الفتح. (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)، أي: المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان يتعذب به؛ أشد عليه من القتل. وقيل لبعض الحكماء: ما أشد من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت. جُعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت. ومنه قول القائل:
لَقَتْلٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أَهْوَنُ مَوْقِعًا … عَلى النَّفْسِ مِنْ قَتْلٍ بحَدِّ فِرَاقِ
وقيل: (الْفِتْنَةُ): عذاب الآخرة؛ (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ) [الذاريات: ١٤]، وقيل: الشرك أعظم من القتل في الحرم؛ وذلك أنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم، ويعيبون به المسلمين، فقيل: والشرك الذي هم عليه أشد وأعظم مما يستعظمونه. ويجوز أن يراد: وفتنتهم إياكم بصدّكم عن المسجد الحرام أشد من قتلكم إياهم في الحرم، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم
_________________
(١) اسم "ليس" في قوله: "ليس إلى خلود" ضمير يرجع إلى "من"، يقول: إن تدركوني أيها الأعداء وقدرتم على قتلي فاقتلوني، فإن من أدركته منكم فليس له طريق إلى الخلود، أي: لا بقاء له ولا أخليه، بل أقتله. قوله: ٠ جعل الإخراج من الوطن من الفتن)، فعلى هذا قوله: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ) يحتمل أن يكون تذييلًا لقوله: (وَأَخْرِجُوهُمْ) أو لقوله: (مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ)، ويجوز أن يكون تكميلًا لقوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) إلى قوله: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) إذا أريد بالفتنة عذاب الآخرة، كما قال: "لتجتمع لهم فتنة الدنيا والآخرة"، كقوله تعالى: (وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) [التوبة: ٧٤]، وقوله: (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ) [طه: ١٢٧]. قوله: (ويجوز أن يراد: وفتنتهم إياكم) عطف على قوله: "والشرك أعظم من القتل"، وأما قوله تعالى: (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فتخصيص لقوله تعالى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ)، وقوله: "إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم" ترخيص بعد تخصيص، يعني: إنما أمرتم
[ ٣ / ٢٦٣ ]
وقرئ: (ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم) جُعل وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم. يقال: قتلتنا بنو فلان. وقال:
فإن تقتلونا نقتلكم
(فَإِنِ انْتَهَوْا) عن الشرك والقتال، كقوله: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: ٣٨]. (حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي: شرك (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) خالصًا ليس للشيطان فيه نصيب (فَإِنِ انْتَهَوْا) عن الشرك
_________________
(١) بالإمساك عن مقاتلتهم تعظيمًا لهتك حرمة الحرم، فإذًا لا تعزموا مقاتلتهم حتى يعزموا على مقاتلتكم، فإذا شرعوا فيها فلا تبالوا بقتالهم؛ لأنهم بدؤوا بهتك حرمة الحرم وسنوا سنة العدوان. قوله: (وقرئ: ولا تقتلوهم): حمزة والكسائي قرآ: ٠ ولا تقتلوهم … حتى يقتلوكم … فإن قتلوكم) بغير ألف، من القتل، والباقون بالألف، من القتال. قال الزجاج: وجاز: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، وإن وقع القتل على بعض دون بعض، فإنه يقال: قتلت القوم، وإنما قتل بعضهم إذا كان في الكلام دليل على إرادة المتكلم. قوله: «وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) خالصًا ليس للشيطان فيه نصيب)، هذا الاختصاص يعلم من اللام في (لِلهِ)، ولهذا فسر الفتنة بالشرك حيث قال: "فتنة، أي: شرك"؛ لأنه وقع مقابلًا له. قلت: والذي يقتضيه حسن النظم وإيقاع النكرة في سياق النفي أن تجرى (فِتْنَةٌ) على حقيقتها، لتستوعب جميع ما سمي فتنة، فيدخل فيها الشرك والقتال والحرب وجميع ما عليه مخالفو دين الإسلام، فيطابقه قوله: (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)؛ لأن معناه: ويكون الدين كله لله كما جاء، فيكون تعميمًا بعد تخصيص؛ لأن الفتنة حملت أولًا على الشرك، ولو أريد بها عين الفتنة السابقة لكان الواجب أن يجاء بها معرفة؛ لأن الشيء إذا أعيد أضمر أو كرر بعينه، وضعًا للمظهر
[ ٣ / ٢٦٤ ]
(فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) فلا تعدوا على المنتهين؛ لأنّ مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فوضع قوله: (إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) موضع: على المنتهين؛ أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين؛ سمى جزاء الظالمين ظلما للمشاكلة، كقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ)،
_________________
(١) موضع المضمر، وإن النكرة إذا أعيدت ولم يرد بها التكرار كانت غير الأول، بخلاف المعرفة، ولأن قوله: (فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ) يقتضي مفعولًا أعم مما اقتضاه قوله: (فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)؛ لأن الشيء إذا كرر وجيء بالثاني أعم من الأول كان أحسن من العكس، لئلا يجيء الكلام مبتورًا. قوله: (فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) فلا تعدوا على المنتهين) يريد أن قوله: (فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) كناية إيمائية عن قولنا: "فلا تعدوا على المنتهين"، وذلك أن إثبات العدوان على الظالمين على سبيل الحصر في هذا المقام مفيد لنفي العدوان عن النمتهين. فقوله: "لأن مقاتلة المنتهين عدوان" تعليل لوضع (إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) موضع "المنتهين"، يعني: مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، ومقاتلة الظالمين، أي: غير المنتهين، حق وصواب، وأصل الكلام: فإن انتهوا عن الفتنة فلا تقاتلوهم، ثم فلا عدوان عليهم، ثم فلا عدوان على المنتهين، ثم كنى عن هذا المعنى بقوله: (فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)، فقول المصنف: "فوضع قوله: (إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) موضع على المنتهين" معناه: أن ماله يرجع إليه. قوله: (أو: فلا تظلموا) معطوف على قوله: "لا تعدوا" فعلى هذا: (إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) قار في موضعه، لكن (فَلا عُدْوَانَ) وضع موضع "لا تقاتلوا، ولا تتعرضوا" على سبيل المشاكلة بحسب المعنى، ولهذا قال: "ولا تظلموا إلا الظالمين"، ومعنى الحصر على هذا: فإن انتهوا فلا تقاتلوهم، وقاتلوا غيرهم من المشركين الذين ليسوا بمنتهين، يعني: لابد لكم من
[ ٣ / ٢٦٥ ]
أو أريد أنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيسلط عليكم من يعدو عليكم.
[(الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)].
قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال؛ وذلك في ذى القعدة: (الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ)، أي: هذا الشهر بذلك الشهر وهتكه بهتكه؛ يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم.
_________________
(١) المقاتلة مع مخالفيكم، فإذا انتهى هؤلاء من المخالفة فاتركوهم وقاتلوا غيرهم، فوضع "لا تظلموا" موضع لا تقاتلوا للمشاكلة. والفرق بين هذا الوجه الأول هو أن قوله: "فلا عدوان" على الأول: كناية عن قوله: "فلا تقاتلوهم" على سبيل المبالغة، وعلى الثاني لمجرد التحسين في الكلام، وأن النهي عن العدوان على المنتهين على الأول مقصود دون ما يعطيه اللفظ من معنى العدوان على الغير بالحصر؛ لأن الكناية لا توجب إثبات التصريح كما تقول: فلان طويل النجاد، فإنه لا يوجب إثبات نجاد وطوله، وعلى الثاني نهي المقاتلة عنهم وإثباتها للغير مقصودان. قوله: (أو أريد: إنكم) وجه آخر، على تقدير أن الفاء في قوله: (فَلا عُدْوَانَ) جزاء شرط مقدر لا لهذا المذكور، يعني: قاتلوهم حتى لا تكون فتنة، فإن انتهوا عن الفتنة فلا تتعرضوا لهم، فإنكم إن تعرضتم لهم كنتم ظالمين فإذا كنتم ظالمين فلا عدوان إلا عليكم، فوضع الظالمين موضع المضمر إشعارًا بالعلية، وقول المصنف: "فيسلط عليكم من يعدو عليكم" حاصل المعنى. قوله: (قاتلهم المشركون عام الحديبية). في هذه الرواية نظر؛ لأن عام الحديبية لم يكن فيه قتال، بل كان صد على ما روينا عن البخاري ومسلم. وقال محيي السنة: الآية نزلت في عمرة القضاء، وذلك أن النبي ﷺ خرج معتمرًا في ذي القعدة فصده المشركون عن البيت بالحديبية،
[ ٣ / ٢٦٦ ]
(وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ) أي: وكل حرمةٍ يجري فيها القصاص من هتك حرمة أي: حرمة كانت- اقتص منه؛ بأن تهتك له حرمة، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك ولا تبالوا، وأكد ذلك بقوله: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ)، (وَاتَّقُوا اللَّهَ) في حال كونكم منتصرين ممن اعتدى عليكم، فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم.
[(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)].
الباء في (بِأَيْدِيكُمْ): مزيدة، مثلها في: أعطى بيده؛ للمنقاد، والمعنى: ولا تقبضوا التهلكة أيديكم، أي: لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكةً، وقيل: (بأيديكم) بأنفسكم. وقيل: تقديره: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم،
_________________
(١) فصالحهم على أن ينصرف ويرجع في العام القابل فيقضي عمرته، فرجع ﷺ في العام القابل وقضى عمرته، فذلك معنى قوله: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ) يعني ذا القعدة الذي دخلتم مكة وقضيتم عمرتكم بالشهر الحرام، أي: ذا القعدة الذي صددتم فيه عن البيت، والصد كان في سنة ست من الهجرة، والقضاء في سنة سبع، فعلى هذا، معنى قوله: (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ): أنهم لما هتكوا حرمة شهركم بالصد فافعلوا بهم مثله وادخلوا عليهم في القابل، فإن منعوكم فاقتلوهم، لقوله تعالى: (فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) لأنه نتيجة لقوله: (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ). قوله: (أعطى بيده؛ للمنقاد) أي: يقال لمن انقاد لأحد وأطاعه: أعطى بيده، كما يقال في ضده: نزع يده عن الطاعة. قوله: (والمعنى: ولا تقبضوا التهلكة أيديكم) بيان لطريق المجاز، أي: لا تجعلوا التهلكة مسلطًا عليكم فتأخذكم كما يأخذ المالك القاهر يد مملوكه، فسبيل هذا المجاز سبيل الاستعارة المكنية.
[ ٣ / ٢٦٧ ]
كما يقال: أهلك فلان نفسه بيده، إذا تسبب لهلاكها، والمعنى: النهى عن ترك الإنفاق في سبيل اللَّه لأنه سبب الهلاك، أو عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه ويضيع عياله، أو عن الاستقتال والإخطار بالنفس، أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية للعدوّ،
_________________
(١) قوله: (والمعنى: النهي عن ترك الإنفاق … أو عن الإسراف في النفقة)، فالآية على هذا تذييل لقوله: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وقوله: (وَأَنفِقُوا) تكميل لقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا)، وإنما احتملت الآية الضدين؛ لأن اليد تستعمل في الإعطاء والمنع بسطًا وقبضًا، قال الله تعالى: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) [الإسراء: ٢٩]. والإنفاق طرفان: الإفراط، وهو التبذير، والتفريط، وهو الإمساك، والقصد هو السخاء، فقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) يحتمل النهي عن الطرفين المذمومين، ومن ثم فسرها بهما. قوله: (أو عن الاستقتال والإخطار بالنفس، أو عن ترك الغزو)، فعلى هذا الآية تذييل لقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)، فكذا تحتمل الآية الضدين، فإن اليد تستعمل في القدرة قوة وضعفًا، ومن ثم فسر قوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: ٢٩] بهما، أي: يعطوها إياكم صادرة عن يد استيلاء وقدرة وقوة لكم عليهم، أو: يعطوها إياكم صادرة عن انقياد وطاعة منكم. وللجراءة أيضًا طرفان: الإفراط وهو التهور، والتفريط وهو الجبن، والقصد هو الشجاعة والنهي في الآية يحتمل الطرفين المذمومين. ولله در المصنف ولطيف إشارته، والتفسير الأول أحسن وأولى لقوله تعالى بعده: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، ولما ورد في "صحيح" البخاري عن حذيفة ﵁: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ): نزلت في النفقة.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
وروي: أن رجلًا من المهاجرين حمل على صف العدوّ فصاح به الناس: ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب الأنصارى: نحن أعلم بهذه الآية، وإنما أنزلت فينا، صحبنا رسول اللَّه ﷺ فنصرناه وشهدنا معه المشاهد، وآثرناه على أهالينا وأموالنا وأولادنا، فلما فشا الإسلام وكثر أهله، ووضعت الحرب أوزارها، رجعنا إلى أهالينا وأولادنا وأموالنا نصلحها ونقيم فيها؛ فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. وحكى أبو علي في "الحلبيات" عن أبي عبيدة: التهلكة والهلاك والهلك واحد. قال: فدلّ هذا من قول أبى عبيدة على أن التهلكة مصدر، ومثله ما حكاه سيبويه من قولهم: التضرة والتسرة ونحوها في الأعيان: التنضبة والتنفلة. ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة، كالتجربة والتبصرة ونحوهما؛
_________________
(١) قوله: (عن الاستقتال)، الأساس: استقتل فلان: استسلم للقتل، كما يقال: استمات. قوله: (فقال أبو أيوب الأنصاري)، الحديث رواه الترمذي وأبو داود، عن أسلم أبي عمران مع اختلاف في ألفاظه. قوله: (في الحلبيات)، وهو كتاب صنفه أبو علي الفارسي في حلب. قوله: (التضرة)، يقال: لا ضرر ولا ضارورة ولا تضرة، والتنضبة: شجرة، والتنفلة: ولد الثعلب. وقال الزجاج: التهلكة: معناه الهلاك، يقال: هلك الرجل يهلك هلاكًا وهلكة وتهلكة.
[ ٣ / ٢٦٩ ]
على أنها مصدر من هلك فأبدلت من الكسرة ضمة، كما جاء الجوار في الجوار.
[(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)].
(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) ائتوا بهما تامّين كاملين بمناسكهما وشرائطهما لوجه اللَّه من غير توان ولا نقصان يقع منكم فيهما. قال:
_________________
(١) قوله: (كما جاء الجوار في الجوار)، الجوهري: جاورته مجاورة وجُوارًا وجِوارًا، والكسر أفصح. قوله: (تأمين كاملين بمناسكهما). اعلم أن إتمام العبادات إما أن يكون من حيث الصورة، وهي أن يجاء بها على وجه يسقط عن مؤديها قضاؤها ظاهرًا، وإما أن يكون من حيث الحقيقة، وهي أن تؤدى بحيث تكون مقبولة عند الله، بأن تكون تامة كاملة بأركانها وشرائطها وهيئتها وسننها، وتكون غير مشوبة بشيء من الرياء، وهذا الذي عناه سيدنا صلوات الله عليه بقوله: "الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، بعد بيانه الإيمان والإسلام، وغليه أومى المصنف بقوله: "لوجه الله من غير توان ولا نقصان"، فالإحسان في العبادات والمعاملات هو الفضل والإفضال في جميع الأحوال، وهو الزيادة على العدل، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) [النحل: ٩٠]، فالعدل هو أداء الواجب، والإحسان: الإتمام والإفضال، ويؤيد هذا التأويل قوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)، أي: لوجه الله، ثم عطفه على قوله: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) عطف الخاص على العام على سبيل الاستطراد.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
تَمَامُ الْحَجِّ أَنْ تَقِفَ الْمَطَايَا … عَلى خَرْقَاءَ وَاضِعَةِ اللِّثَامِ
جعل الوقوف عليها كبعض مناسك الحج الذي لا يتم إلا به. وقيل: إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك. روي ذلك عن عليّ وابن عباس وابن مسعود ﵃. وقيل: أن تفرد لكل واحد منها سفرًا، كما قال محمد ﵀: حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل. وقيل: أن تكون النفقة حلالًا. وقيل: أن تخلصوهما للعبادة، ولا تشوبوهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيوية. فإن قلت: هل فيه دليل على وجوب العمرة؟ قلت: ما هو إلا أمر بإتمامهما، ولا دليل في ذلك على كونهما واجبين أو تطوّعين؛ فقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوع جميعًا،
_________________
(١) قوله: (تمام الحج) البيت، خرقاء: محبوبة ذي الرمة، واضعة اللثام، أي: مسفرة نقل عن بعض السلف الصالحين أنه حج، فلما قضى نسكه قال لصاحبه: هلم نتمم حجنا، ألم تسمع قول ذي الرمة: تمام الحج أن تقف المطايا؟ البيت، وحقيقة ما قال هو أنه لما قطع البوادي حتى وصل إلى حرم الله، ينبغي أن يقطع أهواء النفس ويخرق حجب القلب حتى يصل إلى مقام المشاهدة ويبصر آثار كرمه قبل الرجوع عن حرمه. قوله: (أن تحرم بهما من دويرة أهلك)، هذا إنما يصح إذا أمكن المسير من الدار في أشهر الحج، لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، وأما إذا لم يمكن ذلك فلا؛ لأن من بعدت داره من مكة بحيث يحتاج إلى الخروج في رمضان مثلًا كيف يحرم منها؟ قوله: (فقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوع جميعًا)، قال صاحب "الفرائد": الإتمام لوجه الله
[ ٣ / ٢٧١ ]
إلا أن تقول: الأمر بإتمامهما أمر بأدائهما؛ بدليل قراءة من قرأ: (وأقيموا الحج والعمرة) والأمر للوجوب في أصله، إلا أن يدلّ دليل على خلاف الوجوب، كما دلّ في قوله: (فَاصْطادُوا) [المائدة: ٢]، (فَانْتَشِرُوا) [الأحزاب: ٥٣]، ونحو ذلك، فيقال لك: فقد دلّ الدليل على نفي الوجوب، وهو ما روي أنه قيل: يا رسول اللَّه، العمرة واجبة مثل الحج؟ قال: «لا، ولكن أن تعتمر خير لك»، وعنه: «الحج جهاد والعمرة تطوّع».
فإن قلت: فقد روي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: إن العمرة لقرينة الحج. وعن عمر ﵁: أنّ رجلا قال له: إني وجدت الحجّ والعمرة مكتوبين
_________________
(١) واجب في الفرض والتطوع؛ لأن الإخلاص واجب في كل عبادة، سواء كانت فرضًا أو تطوعًا، ولا يلزم من ذلك وجوب الأداء، فعلى هذا من شرع في الحج والعمرة وجب عليه إتمامهما. قوله: (الأمر بإتمامهما أمر بأدائهما) بناءً على أن مقدمة الواجب واجب، قال الإمام: هذا الاحتمال أولى من الأول لما يلزم منه الإجمال، وهو خلاف الأصل مع أن وجوب الإتمام مسبوق بالشروع، وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورًا فهو واجب. قال محيي السنة: المعنى: وابتدئوه فأتموه. وقال الإمام: والقول بإيجاب العمرة أقرب إلى الاحتياط، وقلت: أما الحديث المروي عن أحمد بن حنبل والترمذي، عن جابر، أن النبي ﷺ سئل: العمرة واجبة هي؟ قال: "لا، وان تعتمروا هو أفضل"، فمعارض بروايته أيضًا عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ٣ / ٢٧٢ ]
عليّ أهللت بهما جميعًا. فقال: هديت لسنة نبيك. وقد نظمت مع الحج في الأمر بالإتمام، فكانت واجبة مثل الحج؟ قلت: كونها قرينةً للحج أنّ القارن يقرن بينهما، وأنهما يقترنان في الذكر، فيقال: حجّ فلان واعتمر، والحجاج والعمار، ولأنها الحجّ الأصغر، ولا دليل في ذلك على كونها قرينة له في الوجوب، وأمّا حديث عمر ﵁، فقد فسر الرجل
_________________
(١) "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد"، رواه أحمد ابن حنبل وابن ماجة، عن عمر ﵁، أما حديث ابن عباس ﵁، فالصحيح ما روى البخاري تعليقًا، عن ابن عباس: "إنها لقرينتها في كتاب الله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) "، ومذهبهما أنها واجبة، وما رواه أيضًا عن ابن عمر: "ما من أحد إلا وعليه حجة وعمرة".
[ ٣ / ٢٧٣ ]
كونهما مكتوبين عليه بقوله: أهللت بهما، وإذا أهلّ بالعمرة وجبت عليه، كما إذا كبر بالتطوّع من الصلاة. والدليل الذي ذكرناه أخرج العمرة من صفة الوجوب؛ فبقي الحجّ وحده فيها، فهما بمنزلة قولك: صم شهر رمضان وستة من شوّال، في أنك تأمره بفرض وتطوّع. وقرأ عليّ وابن مسعود والشعبي ﵃:
_________________
(١) قوله: (وأما حديث عمر ﵁ فقد فسر الرجل كونهما مكتوبين عليه بقوله: أهللت بهما)، يعني قوله: اهللت بهما جميعًا استئناف لبيان الموجب. المعنى وجدتهما مكتوبين لأني أهللت بهما جميعًا، فسبب كونهما مكتوبين علي إهلالي بهما، فالوجوب إنما يكون للشروع فيهما لا للأمر. وقال القاضي: إنه رتب الإهلال على الوجدان، وذلك يدل على أنه سبب الإهلال دون العكس، يعني: إنما أهللت بهما لأني وجدتهما مكتوبين علي. وقلت: فعلى هذا الفاء مقدرة، ويوافقه جواب عمر ﵁: هديت لسنة نبيك، أي: طريقته، لأن كون الشروع في الشيء موجبًا للإتمام لا يقال فيه: إنها طريقة النبي ﷺ، بل يقال ذلك في أداء المناسك والعبادات. قوله: (والدليل الذي ذكرناه) يعني: ما روي: أنه قيل: يا رسول الله، العمرة واجبة مثل الحج؟ قال: "لا"، يعني: استدلالك بأنها قرينة للحج بحديث ابن عباس، وبأنها نظمت في الآية مع الحج لا يجديك مع ذلك النص، على أن الاقتران لا يدل على الوجوب، ودليلنا يلزه إلى التأويل ويوجب أن يقال: هو مثل قولك: صم شهر رمضان وستة من شوال، ويمكن أن
[ ٣ / ٢٧٤ ]
(والعمرة للَّه) بالرفع، كأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحجّ وهو الوجوب. (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) يقال: أُحصر فلانٌ، إذا منعه أمر من خوف أو مرضٍ أو عجز. قال اللَّه تعالى: (الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة: ٢٧٣].
_________________
(١) يقال: إن دليله معارض بما رويناه عن ابن مسعود كما سبق، والتأويل خلاف الظاهر، على أنه إنما يستقيم إذا قيل: إن صيغة افعل موضوعة للقدر المشترك، وهو ضعيف، لما ثبت أنها حقيقة في الوجوب مجاز في الباقي. قوله: (كأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحج)، يعني قطعوا العمرة عن حكم اشتراكها الحج في الإتمام وجعلوها مع الظرف جملة أخرى إخبارية مستقلة ليؤذن على اختلاف حكميهما. قوله: (كأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحج)، يعني قطعوا العمرة عن حكم اشتراكها الحج في الإتمام وجعلوها مع الظرف جملة أخرى إخبارية مستقلة ليؤذن على اختلاف حكميهما. وقلت: هذا القطع يشعر بشدة الاهتمام بشأنها؛ لأنهم غنما يعدلون من الإنشائية إلى الإخبارية للمبالغة، لاسيما وقد أتى بالجملة الاسمية وبلام الاختصاص، كأنه قيل: إذا شرعتم في الحج فأتموه، وأما العمرة فهي المختصة بالله ولا كلام في أدائها، ونحوه قولُه في قولِه تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: ١٩٧]، قرأ أبو عمرو وابن كثير الأولين بالرفع والآخر بالنصب، حملا الأولين على معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، والثالث على معنى الإخبار، كأنه قيل: ولاشك ولا خلاف في الحج، ونحوه من حيث المعنى ما روينا عن الشيخين وغيرهما، عن أبي هريرة: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به"، هذه المبالغة لدفع ما عسى يظن ظان التهاون فيه وتوهم عدم الوجوب.
[ ٣ / ٢٧٥ ]
وقال ابن ميادة:
وَمَا هجْرُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ تَبَاعَدَتْ … عَليْكَ وَلَا أَنْ أحْصَرَتْكَ شَغُولُ
وحُصر؛ إذا حبسه عدوّ عن المضيّ أو سجن، ومنه قيل للمحبس: الحصير، وللملك: الحصير؛ لأنه محجوب. هذا هو الأكثر في كلامهم، وهما بمعنى المنع في كل شيء،
_________________
(١) قوله: (وما هجر ليلى) البيت، يقول: ليس الهجر هو صدود الحبيبة وتباعدها لحاجة من جانبها أو منع وحبس من جانبك، وإنما الهجر: صدودها عن اختيار منها. قوله: (وللملك: الحصير)، وأنشد الراغب قول لبيد: ومقامة غلب الرقاب كأنهم … جن لدى باب الحصير قيام أي: لدى باب سلطان، وتسميته بذلك إما لكونه محصورًا، أو محجوبًا، وإما لكونه حاصرًا، أي: مانعًا لمن أراد الوصول إليه، وإن الحصير سمي بذلك لحصر بعض طاقاته على بعض، والإحصار يقال في المنع الظاهر كالعدو، والمنع الباطن كالمرض، والحصر لا يقال إلا في المنع الباطن، فقوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) محمول على الأمرين. قوله: (هذا هو الأكثر في كلامهم) والمشار إليه بلفظة "هذا" هو المذكور، يعني: ما ذكرت من الفرق أكثر استعمالًا من أن يكونا بمعنى واحد، ثم قال: "وهما- أي: أحصر وحصر- بمعنى المنع في كل شيء"، يعني: هما بمعنى واحد من غير تفرقة، "كقولهم: صده وأصده، وعليه قول الفراء وأبي عمرو وابي حنيفة ﵏"، ويدل على هذا التأويل قول الزجاج:
[ ٣ / ٢٧٦ ]
مثل: صدّه وأصدّه، وكذلك قال الفرّاء وأبو عمرو الشيباني، وعليه قول أبى حنيفة رحمهم اللَّه تعالى: كل منع عنده من عدوّ كان أو مرض أو غيرهما معتبر في إثبات حكم الإحصار، وعند مالك والشافعي: منع العدوّ وحده.
وعن النبىّ ﷺ: «من كسر أو عرج فقد حلّ وعليه الحج من قابل». (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) فما تيسر منه يقال: يسر الأمر واستيسر، كما يقال: صعب واستصعب والهدي: جمع هدية،
_________________
(١) الرواية عن أهل اللغة أنه يقال للرجل الذي يمنعه الخوف أو المرض من التصرف: قد أحصر فهو محصر، ويقال للذي حبس: قد حصر فهو محصور، وقال الفراء: لو قيل للذي منعه المرض والخوف: قد حصر، لأنه بمنزلة الذي حبس: لجاز، ولو قيل للذي حبس: أحصر، لجاز، كأنه يجعل حابسه بمنزلة المرض والخوف الذي منعه من التصرف، والحق في هذا ما عليه أهل اللغة من أنه يقال للذي يمنعه الخوف أو المرض: أحصر، وللمحبوس: حصر. قوله: (وعن النبي ﷺ: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل")، الحديث رواه أبو داود والترمذي عن الحجاج بن عمرو، وضعفه محيي السنة في "المصابيح". في "النهاية": يقال: عرج يعرج عرجًا: إذا غمز من شيء أصابه، وعرج بالكسر، يعرج عرجًا: إذا صار أعرج أو كان خلقة فيه. وفي "المستظهري": يعني: من حدث له بعد
[ ٣ / ٢٧٧ ]
_________________
(١) الإحرام مانع غير إحصار العدو، وعجز عن إتمام الحج كالمرض وغيره، يجوز له أن يترك الإحرام ويرجع إلى وطنه ليجيء في سنة أخرى بعد زوال العذر، ويقضي حجه، كالمحصر، هذا قول أبي حنيفة، وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا يجوز الخروج من الإحرام بغير عذر الإحصار، بل يصبر على الإحرام، فإن زال العذر قبل فوات الحج فهو المراد، وإن زال بعد فواته لزمه أن يخرج من الإحرام بأفعال العمرة، وظاهر قول القاضي أن له أن يخرج من الإحرام إذا اشترط الإحلال، واستدل بقول النبي ﷺ حين دخل على ضباعة بنت الزبير: "لعلك أردت الحج؟ "، قالت: والله ما أجدني إلا وجعة، فقال لها: "حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني"، رواه البخاري ومسلم والنسائي، عن عائشة، وفي رواية الترمذي وأبي داود، عن ابن عباس: أنها أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، أريد الحج، أفأشترط؟ قال: "نعم"، قالت: كيف أقول؟ قال: "قولي: لبيك اللهم لبيك، محلي من الأرض حيث تحبسني". قال في "المستظهري": الحديث يدل على أنه يجوز لكل محرم أن يشترط الخروج من الإحرام بعذر يعترضه، وهو قول أحمد وأحد قولي الشافعي، وقال غيرهما: لا يجوز له أن
[ ٣ / ٢٧٨ ]
كما يقال في جدية السرج: جدي. وقرئ (من الهديّ) بالتشديد، جمع هدية، كمطية ومطيّ، يعني: فإن منعتم من المضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرةٍ فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدي؛ من بعيرٍ أو بقرةٍ أو شاة. فإن قلت: أين ومتى ينحر هدي المحصر؟ قلت: إن كان حاجًا فبالحرم متى شاء عند أبى حنيفة؛ يبعث به ويجعل للمبعوث على يده يوم أمارٍ،
_________________
(١) يخرج، روى الترمذي: أن ابن عمر كان ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم؟ وزاد النسائي: إنه لم يشترط، فإن حبس أحدكم حابس فليأت البيت فليطف به وبين الصفا والمروة ثم ليحلق أو ليقصر ثم يحلل، وعليه الحج من قابل. قوله: (جدية السرج) هو بالدال المهملة، الجوهري: الجدية بتسكين الدال: شيء محشو تحت دفتي السرج والرحل، وهما جديتان، والجمع جدىً. قوله: (للمبعوث على يده)، الضمير في يده: راجع إلى اللام في المبعوث؛ لأنها موصولة، والجار والمجرور: مفعول للمبعوث أقيم مقام الفاعل. قوله: (يوم أمار) أي: يقول للمبعوث على يده: انحر يوم كذا، فإذا جاء ذلك اليوم وغلب على ظنه أنه نحر يتحلل، النهاية: وفي حديث ابن مسعود: "ابعثوا بالهدي واجعلوا بينكم وبينه يوم أمار"، الأمار والأمارة: العلامة، وقيل: الأمار: جمع الأمارة، المعنى: أن من أحصر لمرض أو عذر فعليه أن يبعث بهدي ويواعد الحامل يومًا بعينه يذبحها فيه، فإذا ذبحت تحلل.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
وعندهما في أيام النحر، وإن كان معتمرًا فبالحرم في كل وقتٍ عندهم جميعًا، «ما استيسر» رفع بالابتداء، أي: فعليه ما استيسر، أو نُصب على: فاهدوا ما استيسر. (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ) الخطاب للمحصرين، أي: لا تحلوا حتى تعلموا أنّ الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ (مَحِلَّهُ)، أي: مكانه الذي يجب نحره فيه. ومحل الدين: وقت وجوب قضائه، وهو ظاهر على مذهب أبى حنيفة ﵀. فإن قلت: فإنّ النبىّ ﷺ نحر هديه حيث أحصر. قلت: كان محصره طرف الحديبية
_________________
(١) قوله: (وعندهما) أي: عند مالك والشافعي، وقيل: عند محمد وأبي يوسف، فهما لم يخالفا في المكان وخالفا في الزمان، يعني: مع أبي حنيفة ﵁، وفي "صحيح البخاري": قال مالك ﵁ وغيره: ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان ولا قضاء عليه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شيء قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت، ثم لم يذكر أن النبي ﷺ أمر أحدًا أن يقضوا شيئًا ولا يعودوا له، والحديبية خارج من الحرم. قوله: (ومحل الدين وقت وجوب قضائه) يعني: لفظ الحل مشترك يطلق على المكان والزمان، والذي عليه الكلام ها هنا المكان، لأن المراد: لا تحلقوا حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب نحره فيه، وهو المراد من قوله: "وهو ظاهر مذهب أبي حنيفة ﵀". قال الإمام: قالت الحنفية: إن المحل، بالكسر هنا: عبارة عن المكان؛ لأن قوله: (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) يدل على أنه الآن غير بالغ إلى مكان حله، ولو جعل للزمان لكان بالغًا محله في الحال، وهو أن يذبح متى أحصر، ثم قال: هب أن المحل يحتمل المكان والزمان، إلا أنه تعالى أزال الاحتمال بقوله: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: ٣٣]، وبقوله:
[ ٣ / ٢٨٠ ]
_________________
(١) (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) [المائدة: ٩٥]، والمراد به الحرم؛ لأن البيت عينه لا تراق فيه الدماء، وأما حجة الشافعي ﵀ فهي أن النبي ﷺ أحصر بالحديبية ونحر بها وهي ليست من الحرم، ولأن المحصر سواء كان في الحل أو الحرم مأمور بنحر الهدي، وأول درجات المكلف أن يكون له التمكن من الفعل المأمور به، ولأنه تعالى إنما شرع التحلل للمحصر ليتخلص من الخوف في الحال، ولو فرض ضرب يوم أمار لطالت عليه المدة، لاسيما إذا أحصر بعيدًا من الحرم، وفات المقصود من شرعية هذا الحكم، ولأن الموصل إلى الحرم هو الخائف، فكيف يؤمر بهذا الفعل مع قيام الخوف وربما لم يجد الغير ليبعثه فيتأثم لذلك. وقلت: والذي يقوى به مذهب الإمام قوله تعالى: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ) أي: تيسر، كما تقول: استعظم واستصعب، في: تعظم وتصعب، فإذا كان الله ﷿ بنى أمر الهدي نفسه على السهولة والتيسير، كيف يشدد في محله وموضع نحره؟ ولا ارتياب أن أمر المرض وأذى الرأس أيسر من الإحصار، وقد بني الأمر فيهما على التخيير والسعة، حيث قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) إيذانًا بأن الأمر على التساهل وعدم الحرج. والحاصل: أن المحل في قوله تعالى: (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) مجمل؛ لأنه مشترك في الزمان والمكان، والقرينة المبينة للمكان: بلوغ الهدي، باعتبار قوله: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) وللزمان: فعل النبي ﷺ والأمر بالتيسير، والثاني أولى؛ لأن قوله: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) نازل في أمر غير الإحصار، وأما تأويل الآية فهو أن قوله: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) حكم مستقل، والجملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء، المعنى: شرعية الإحصار: وجوب ما استيسر من الهدي، وشرعية الحلق: بلوغ الهدي محله، أي: وقت حله أو مكان حله، وهو ما عينه الرسول ﷺ وقد علم أنه حلق حيث أحصر.
[ ٣ / ٢٨١ ]
الذي إلى أسفل مكة، وهو من الحرم، وعن الزهري: أنّ رسول اللَّه ﷺ نحر هديه في الحرم. وقال الواقدي: الحديبية هي: طرف الحرم على تسعة أميال من مكة. (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا) فمن كان به مرض يحوجه إلى الحلق، (أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَاسِهِ) وهو القمل أو الجراحة، فعليه إذا احتلق فدية مِنْ صِيامٍ ثلاثة أيام، (أَوْ صَدَقَةٍ) على ستة مساكين، لكل مسكينٍ نصف صاعٍ من برّ، (أَوْ نُسُكٍ) وهو شاة. وعن كعب بن عجرة أنّ رسول اللَّه ﷺ قال له: «لعلك أذاك هوامّك». قال: نعم يا رسول اللَّه. قال: «احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة». وكان كعبٌ يقول: فيّ نزلت هذه الآية. وروي: أنه مرّ به وقد قرح رأسه فقال: «كفى بهذا أذى»، وأمره أن يحلق ويطعم، أو يصوم. والنسك مصدر، وقيل: جمع نسيكة. وقرأ الحسن: أو نسك بالتخفيف. (فَإِذا أَمِنْتُمْ) الإحصار، يعني: فإذا لم تحصروا وكنتم في أمن وسعة،
_________________
(١) قوله: (وهو من الحرم)، وفي النهاية: الحديبية: قرية قريبة من مكة، سميت ببئر هناك، وهي مخففة الياء، وكثير من المحدثين يشددونها. وقد روينا في "صحيح البخاري" أن الحديبية خارجة من الحرم. قوله: (وعن كعب بن عجرة)، الحديث رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مغفل مع تغيير يسير. قوله: (وكنتم في حال أمن وسعة) بيان لقوله: "لم تحصروا"، هذا مبني على أن المراد بالإحصار: المنع من خوف أو مرض أو عجز. قال القاضي: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) المراد منه حصر
[ ٣ / ٢٨٢ ]
_________________
(١) العدو عند مالك والشافعي، لقوله: (فَإِذَا أَمِنتُمْ)، ولنزوله في الحديبية. قلت: لأن لفظ الأمن أكثر ما يستعمل حقيقة فيما يقابل الخوف. الأساس: هؤلاء قوم مستأمنة، ويقول الأمير للخائف: لك الأمان، إني قد أمنتك، ويقال: ويأمنه الناس ولا يخافون غائلته. وأما قضية النظم، فإنه تعالى ابتدأ بإتمام الحج والعمرة، ثم جاء بقوله: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) وقوله: (فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ) تفصيلًا لبيان المانع من الإتمام، ورتب على كل منهما ما يجبر به النقصان من قوله: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ)، والمعنى: وأتموا الحج والعمرة، أي: ائتوا بهما تامين كاملين بمناسكهما وشرائطهما، فإن منعكم العدو بأن لم تتمكنوا على شيء من ذلك، فجبرانه ما استيسر من الهدي، وإن لم يمنعكم وأنتم في حال أمن منهم ولكن أردتم تمتع ميقات فجبرانه ما استيسر من الهدي، وإنما أوثر "إذا" في جانب الأمن على "إن" ليؤذن أن ذلك الإحصار، أعني يوم الحديبية، لا اعتبار له، وأن أغلب أحوالكم بعد ذلك الأمن والغلبة والتمتع كيف شئتم، هذا هو النظم السري، وقد ظهر من هذا التقرير أن خوف العدو من الإحصار والأمن منه، الغالب أن يختص بالآفاقي، وأن المشار إليه بقوله: (ذَلِكَ) في قوله: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) إذا كان هو الحكم الذي هو وجوب الهدي، والصيام كان أولى مما إذا قيل: المشار إليه هو التمتع، لما يعلم من الأول مسألة زائدة، ومن الثاني يلزم التكرار، فعلم من هذه الإشارة مسألة عدم لزوم الهدي وبذله على أهل الحرم إذا كان متمتعًا على سبيل الإدماج، كما علم من قوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا) مسألة لزوم الكفارة على المريض والمتأذي من الرأس على سبيل الاستطراد، ليجتمع في الآية عدة مسائل في كفارة الحج.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
(فَمَنْ تَمَتَّعَ) أي: استمتع (بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)، واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج: انتفاعه بالتقرّب بها إلى اللَّه تعالى قبل الانتفاع بتقرّبه بالحج. وقيل: إذا حلّ من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرّمًا عليه إلى أن يحرم بالحج. (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ): هو هدي المتعة، وهو نسك عند أبي حنيفة، ويأكل منه، وعند الشافعي يجرى مجرى الجنايات، ولا يأكل منه، ويذبحه يوم النحر عندنا، وعنده يجوز ذبحه إذا أحرم بحجته. (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) الهدي فعليه: صِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، أي: في وقته؛ وهو أشهره ما بين الإحرامين: إحرام العمرة وإحرام الحج، وهو مذهب أبى حنيفة ﵀، والأفضل أن يصوم يوم التروية وعرفة ويومًا قبلهما، وإن مضى هذا الوقت لم يجزئه إلا الدم، وعند الشافعي: لا يصام إلا بعد الإحرام بالحج؛ تمسكًا بظاهر قوله: (فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ)
_________________
(١) قوله: (بحجته) بكسر الحاء. الجوهري: والحج بالكسر: الاسم والحجة بالكسر: المرة الواحدة، وهو من الشواذ، لأن القياس بالفتح. قوله: (يوم التروية)، النهاية: هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي به لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعده، أي: يستقون ويسقون. وفي المغرب: روأت في الأمر تروية: فكرت فيه ونظرت، ومنه: يوم التروية للثامن من عشر ذي الحجة، وأصلها الهمز، وأخذها من الرؤية خطأ، ومن الري منظور فيه، وعن محيي السنة: سمي به لأن إبراهيم ﵇ تفكر فيه في الرؤيا التي رآها، وفي التاسع عرف فسمي لذلك عرفة. قوله: (تمسكًا بظاهر قوله: (فِي الحَجِّ»، أي: في حال أنكم مشتغلون بأعمال الحج؛ لأن الحج في الأصل: القصد، ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك، قاله الجوهري.
[ ٣ / ٢٨٤ ]
بمعنى: إذا نفرتم وفرغتم من أفعال الحج عند أبى حنيفة، وعند الشافعي: هو الرجوع إلى أهاليهم. وقرأ ابن أبى عبلة: (وسبعة) بالنصب عطفًا على محل (ثلاثة أيام)، وكأنه قيل: فصيام ثلاثة أيام، كقوله: (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا) [البلد: ١٤ - ١٥]. فإن قلت: فما فائدة الفذلكة؟ قلت: الواو قد تجيء للإباحة في نحو قولك: جالس الحسن وابن سيرين، ألا ترى أنه لو جالسهما جميعًا، أو واحدًا منهما كان ممتثلًا؟ ففذلكت؛ نفيًا لتوهم الإباحة، وأيضًا: ففائدة الفذلكة في كل حساب أن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلًا؛ ليحاط به، ومن جهتين، فيتأكد العلم. وفي أمثال العرب: علمان خيرٌ من علم. وكذلك (كامِلَةٌ) تأكيد آخر، وفيه زيادة
_________________
(١) قوله: (الفذلكة) قيل: الفذلكة في الحساب: الإجمال بعد التفصيل، وذلك بأن يذكر تفاصيله ثم يجمل ويكتب في مؤخره: فذلك كذا وكذا، ومنه قول حاتم: فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه … وإن عاش لم يقعد ضعيفًا مذمما قوله: (لتوهم الإباحة) كما توهم في قوله: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) [النساء: ٢]، قال: ثلاث واثنتان فهي خمس ويحتمل أنه لإزالة أن السبعة مع الثلاثة كقوله: (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) [فصلت: ٩]، أي: مع اللذين تقدما فيه في قوله: (خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ). قوله: (علمان خير من علم). قال الميداني: وأصله أن رجلًا وابنه سلكا طريقًا، فقال الرجل: يا بني استبحث لنا عن الطريق، قال: إني عالم، قال: يا بني، علمان خير من علم، يضرب في مدح المشاورة والبحث.
[ ٣ / ٢٨٥ ]
توصية بصيامها، وأن لا يتهاون بها ولا ينقص من عددها، كما تقول للرجل إذا كان لك اهتمام بأمر تأمره به وكان منك بمنزلٍ: اللَّه اللَّه لا تقصر! وقيل: (كاملة) في وقوعها بدلًا من الهدي. وفي قراءة أبىّ: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات). (ذلِكَ) إشارة إلى التمتع، عند أبى حنيفة وأصحابه؛ لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندهم، ومن تمتع منهم أو قرن كان عليه دم، وهو دم جناية لا يأكل منه، وأما القارن والمتمتع من أهل الآفاق فدمهما دم نسك يأكلان منه. وعند الشافعي: إشارة إلى الحكم الذي هو وجوب الهدي أو الصيام،
_________________
(١) قوله: (وقيل: (كَامِلَةٌ) في وقوعها) عطف على قوله: (كَامِلَةٌ): تأكيد آخر"، قال القاضي: (كَامِلَةٌ): صفة مؤكدة تفيد المبالغة في محافظة العدة، أو مبينة كمال العشرة، فإنه أول عدد كامل، إذ به ينتهي الآحاد وتتم مراتبها، أو مقيدة تفيد كمال بدليتها من الهدي، المعنى: لا تفاوت في الثواب بكل واحد منهما من البدل والمبدل منه. الراغب: كمال الشيء: حصول ما فيه الغرض منه، قال تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) [البقرة: ٢٣٣] تنبيهًا أن ذلك غاية ما يتعلق به صلاح الولد، وقوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، قيل: إنما وصف العشرة بالكاملة لا ليعلمنا أن السبعة والثلاثة عشرة، بل ليبين أن بحصول صيام العشرة يحصل كما الصوم القائم مقام الهدي. قوله: (لا متعة) جملة مستأنفة مبينة لقوله: " (ذَلِكَ) إشارة على التمتع عند أبي حنيفة"، كأن قائلًا قال: إذا كان إشارة إلى ذلك فما حكم حاضري المسجد؟ قيل: لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عملًا بالمفهوم.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
ولم يوجب عليهم شيئًا. وحاضرو المسجد الحرام: أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة عند أبى حنيفة، وعنده أهل الحرم ومن كان من الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) في المحافظة على حدوده، وما أمركم به ونهاكم عنه في الحج وغيره. (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) لمن خالف؛ ليكون علمكم بشدّة عقابه لطفًا لكم في التقوى.
[(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ)].
_________________
(١) قوله: (ولم يوجب عليهم شيئًا)، أي: على حاضري المسجد الحرام إذا قرنوا أو تمتعوا. قال الشافعي: (ذَلِكَ) إشارة إلى الأقرب وهو لزوم الهدي وبدله على المتمتع، وإنما يلزم ذلك إذا كان المتمتع آفاقيًا؛ لأن الواجب عليه أن يحرم عن الحج من الميقات، فلما أحرم من الميقات عن العمرة ثم أحرم عن الحج لا عن الميقات، فقد حصل هناك الخلل، فجعل مجبورًا بهذا الدم، والمكي لا يجب إحرامه عن الميقات، فإقدامه على التمتع لا يوقع خللًا في حجه فلا يجب عليه الهدي ولا بدله، قاله الإمام. قوله: (لا تقصر فيها) في نسخة المعزي، و"تقصر" بغير "لا" في نسخة الصمصام، والأول موافق لمذهب الشافعي؛ لأن كل من مسكنه دون مسافة القصر حوالي مكة فهو من الحاضرين. قوله: (لطفًا لكم في التقوى). كل ما يزجر عن المعصية أو يدعو إلى الطاعة هو لطف في مذهبه.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
أي: وقت الحج (أَشْهُرٌ)، كقولك: البرد شهران. والأشهر المعلومات: شوالٌ وذو القعدة وعشر ذى الحجة عند أبى حنيفة، وعند الشافعي: تسع ذى الحجة وليلة يوم النحر، وعند مالكٍ ذى الحجة كله. فإن قلت: ما فائدة توقيت الحج بهذه الأشهر؟ قلت: فائدته أن شيئًا من أفعال الحج لا يصح إلا فيها، والإحرام بالحج لا ينعقد أيضًا عند الشافعي في غيرها، وعند أبى حنيفة ينعقد إلا أنه مكروه. فإن قلت: فكيف كان الشهران وبعض الثالث أشهرًا؟ قلت: اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد. بدليل قوله تعالى: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) [التحريم: ٤]، فلا سؤال فيه إذن وإنما كان يكون
_________________
(١) قوله: (إلا أنه مكروه)؛ لأنه يمتد مكثه، فربما يضطر إلى محظورات الإحرام، قال الزجاج: لا ينبغي لأحد أن يبتدئ بعمل من أعمال الحج قبل هذا الوقت؛ لأنه يتضرر به، لأنها أقصر الأوقات التي ينبغي للإنسان أن لا يتقدمها في عقد فرض الحج. قوله: (اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد)، أي: الاسم الذي هو جمع، لئلا يدخل فيه نحو: القوم، قال صاحب "الفرائد": جعل الجمع مشتركًا على خلاف النقل والعقل، ولو كان كما قال لما توقف إطلاق الجمع في نحو هذا على كون المضاف متصلًا، ولجاز غلمانهما كما جاز قلوبكما، والجواب عن قوله: خلاف النقل والعقل، أن محيي السنة ذكر في "تفسيره": قيل: الاثنان فما فوقهما جماعة، لأن معنى الجمع: ضم شيء إلى شيء، فإذا جاز أن يسمى الاثنان جماعة جاز أن يسمى الاثنان وبعض الثالث بلفظ الجمع. وقال ابن الحاجب: واختلف العلماء في أقل ما يطلق على أبنية الجمع على مذاهب، أحدها: اثنان بطريق الحقيقة، وثانيها: الثلاثة بالحقيقة والاثنان بالمجاز قطعًا، وثالثها: الثلاثة بالحقيقة ويصح إطلاقه على الاثنين مجازًا فيقال: من قال: إن أقل الجمع اثنان أو ثلاثة حقيقة يلزمه القول بالاشتراك ضرورة، وأما توقف إطلاق الجمع على كون المضاف متصلًا بشرط
[ ٣ / ٢٨٨ ]
موضعًا للسؤال لو قيل: ثلاثة أشهر معلومات. وقيل: نزّل بعض الشهر منزلة كله، كما يقال: رأيتك سنة كذا، أو على عهد فلان، ولعل العهد عشرون سنة أو أكثر، وإنما رآه في ساعةٍ منها. فإن قلت: ما وجه مذهب مالك وهو مرويّ عن عروة بن الزبير؟ قلت: قالوا: وجهه أنّ العمرة غير مستحبة فيها عند عمر وابن عمر فكأنها مخلصة للحج
_________________
(١) القائلين إن أقل الجمع ثلاثة، على أن المصنف ترك الآية على المذهبين على سبيل الحكاية، لأن قوله: "وقيل: نزل بعض الشهر منزلة كله"، مبني على أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة وما دونها مجاز، وهذا هو الجواب أيضًا عما لو قيل: ثلاثة أشهر معلومات، لأن هذا محصور بالعدد فلا يكون الاثنان وبعض الثالث ثلاثة إلا بالمجاز. قوله: (ما وجه مذهب مالك؟) أي: إن أشهر الحج عنده إلى آخر ذي الحجة، وفائدة التسمية بأشهر الحج أن شيئًا من أفعال الحج لا يصح إلا فيها، وقد فرغ من أعمال الحج إلى العشر من ذي الحجة، فلم سمي به؟ والجواب من وجهين: أحدهما: فائدة التسمية اختصاصها بأعمال الحج دون العمرة، فيكون علة التسمية الاختصاص لا الأعمال وإن وقعت فيها، وثانيهما: قوله: "وقالوا: لعل من مذهب عروة" إلى آخره، أي: لا نسلم أن أفعال الحج لا تصح بعد العشر، فإن مذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر، وقيل: إن أيام النحر يفعل فيها بعض ما يتصل بالحج وهو رمي الجمار، والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لابد منه إلى انقضاء أيام العشر، وضعفهما الإمام بأن الرمي يقع فيها بعد التحلل وهو الخروج بالحلق والطواف والنحر، فكأنه ليس من أعمال الحج، والحائض تطوف قضاءً لا أداء. وقال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن التحلل هو: الخروج عن محظور الإحرام لا عن الحج، فالرمي نسك من أعمال الحج وإن وقع بعد التحلل، بل يضعفه من حيث إن الرمي وإن
[ ٣ / ٢٨٩ ]
لا مجال فيها للعمرة. وعن عمر ﵁: أنه كان يخفق الناس بالدّرة، وينهاهم عن الاعتمار فيهنّ. وعن عمر ﵁ قال لرجل: إن أطعتنى انتظرت حتى إذا أهللت المحرم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة. وقالوا: لعل من مذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر. (مَعْلُوماتٌ): معروفات عند الناس لا يشكلن عليهم. وفيه: أنّ الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه وإنما جاء مقرّرا له. (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ): فمن ألزمه نفسه بالتلبية أو بتقليد الهدي وسوقه عند أبى حنيفة، وعند الشافعي - ﵄- بالنية.
_________________
(١) وقع في أيام النحر فلا يتجاوزها، فلا يكون كل الشهر حينئذ للحج وإنه المطلوب في هذا التوجيه، ولقائل أن يقول: فإذن لا يصح قولهم: إن شيئًا من أفعال الحج لا يصح إلا فيها مع قولك بأن الرمي من أفعال الحج ويقع في أيام النحر، فالقول ما قاله الإمام، لأن الرمي يجبر بالدم فلا يكون كسائر الأركان. الانتصاف: هذا الذي ذكره الزمخشري أحد قولي مالك، وليس بالمشهور عنه، والحجة له حمل لفظ الشهر على الحقيقة، وأما احتجاج الزمخشري له بكراهة عمر ﵁ وابنه الاعتمار إلى أن يهل المحرم، فلا وجه له؛ لأنه يقول: لا تنعقد العمرة في أيام منى لمن حج ما لم يتم الرمي ويحل بالإفاضة، ولا تظهر فائدة الخلاف عند مالك إلا في سقوط الدم عن مؤخر طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة كما هو مذهب عروة. قوله: (يخفق … بالدرة)، أي: يضرب. النهاية: المخفقة: الدرة، من الخفق: الضرب. قوله: (وعند الشافعي: بالنية)، قال القاضي: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) فمن أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن، وهو ما ذهب إليه الشافعي وأن من احرم بالحج لزمه الإتمام.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
(فَلا رَفَثَ): فلا جماع؛ لأنه يفسده، أو: فلا فحش من الكلام، (وَلا فُسُوقَ): ولا خروج عن حدود الشريعة. وقيل: هو السباب والتنابز بالألقاب، (وَلا جِدالَ): ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين. وإنما أمر باجتناب ذلك وهو واجب الاجتناب في كل حال؛ لأنه مع الحج أسمج؛ كلبس الحرير في الصلاة، والتطريب في قراءة القرآن.
_________________
(١) قوله: (فلا جماع، أو: فلا فحش)، الأول: كناية، والثاني: حقيقة، في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: ١٨٧]، وأما حمل الفسوق على السباب والتنابز فمن قوله تعالى: (وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ) [الحجرات: ١١]. قوله: (والتطريب في قراءة القرآن)، يعني: مثل ما يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ في المجالس من الألحان الأعجمية، قاله صاحب "جامع الأصول"، وأما تحسين القراءة ومدها فهو مندوب إليه، روينا عن أبي داود، والدارمي، والنسائي، وابن ماجة، عن البراء، أن رسول الله ﷺ قال: "زينوا القرآن بأصواتكم"، وفي رواية للدارمي: "حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا"، وعن أبي داود، عن أبي لبابة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع.
[ ٣ / ٢٩١ ]
والمراد بالنفي: وجوب انتفائها، وأنها حقيقةً بأن لا تكون. وقرئ المنفيات الثلاث بالنصب وبالرفع، وقرأ أبو عمرو وابن كثير الأوّلين بالرفع والآخر بالنصب لأنهما حملا الأوّلين على معنى النهى؛ كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق؛ والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج؛ وذلك أنّ قريشًا كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة،
_________________
(١) قوله: (وقرئ المنفيات الثلاث بالنصب)، أي: بالفتح. قوله: (وقرأ أبو عمرو وابن كثير الأولين بالرفع) إلى آخره، وقرأ غيرهما بالفتح فيهن. قوله: (كأنه قيل: ولاشك ولا خلاف في الحج)، قال الإمام: فائدة العدول من النهي إلى النفي هو أن النفي يدل على نفي الماهية، وانتفاء الماهية يوجب انتفاء جميع أفرادها قطعًا، وهو أدل على عموم النفي من الرفع، فدل على أن الاهتمام بنفي الجدال أشد من الاهتمام بنفي أخويه، وذلك أن المجادل لا ينقاد للحق فيؤدي إلى الإيذاء المؤدي إلى العداوة فيقع في كل فسق وباطل، ثم نقل ما ذكره المصنف وقال: ليس فيه بيان أنه لم خص الأولين بالنهي والثالث بالنفي؟ . وقلت: كفى بقوله: "فلا يكونن رفث ولا فسوق"، وقوله: "ولا شك ولا خلاف في الحج" بيانًا، وتقريره: أن قوله: "فلا يكونن رفث ولا فسوق" مبني على الكناية، نحو قولك: لا أرينك ها هنا، فيدل على شدة الاهتمام بشأن المنهيين، أي: ينبغي أن لا يوجدا ولا ينشآ،
[ ٣ / ٢٩٢ ]
وكانوا يقدّمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرّد إلى وقتٍ واحد، وردّ الوقوف إلى عرفة، فأخبر اللَّه تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج
_________________
(١) فإنهما ينافيان النسك ويضادانه، وأن قوله: "قد أخبر الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف" إخبار عن الكائن، يعني: كانوا ينسئون في الحج، وبسببه يقع الشك والخلاف في الحج، والآن قد ارتفع الخلاف بظهور الحق، فوافقه معنى ما روينا عن الشيخين، عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا … " الحديث، فاقتضى الأمران الأولان لذلك النهي، والأخير الإخبار. قوله: (وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء). الجوهري: النسيء: فعيل بمعنى مفعول، من قولك: نسأت الشيء فهو منسوء: إذا أخرته، ثم يحول منسوء إلى نسيء كما يحول مقتول إلى قتيل، وذلك أنهم كانوا إذا صدروا من منى يقوم رجل من كنانة فيقول: أنا الذي لا يرد لي قضاء، فيقولون: أنسئنا شهرًا، أي: أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر، لأنهم كانوا يكرهون أن تتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا يغيرون فيها؛ لأن معاشهم كان من الغارة، فيحل لهم المحرم. وقال غيره: كان أهل الجاهلية ينسئون الحج في كل عامين من شهر إلى آخر، ويجعلون الشهر الذي أنسئوا فيه ملغى، فتكون تلك السنة ثلاثة عشر شهرًا، ويتركون العام الثاني على ما كان عليه الأول سوى أن الشهر الملغى في الأول لا يكون في العام الثاني، ثم يصنعون في العام الثالث صنيعهم في الأول، ويتركون الرابع على ما تركوا عليه العام الثاني، وعلى هذا تمام الدورن فيستدير حجهم في كل خمس وعشرين سنة إلى الشهر الذي بدأ منه، ولهذا تخبط عليهم حساب السنة، وكانت السنة التي حج بها رسول الله ﷺ حجة الوداع هي السنة التي كان الحج فيها في ذي الحجة، ذكره التوربشتي في "شرحه"، وسيجيء رواية "شرح السنة" في "براءة". وقول المصنف: "يقدمون الحج سنة ويؤخرون سنة" محمول على ما ذكرنا، لأن في بعض هذه الأحوال يقع قبل ذي الحجة، وفي بعضها بعدها.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
واستدلّ على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله ﷺ: «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه»، وأنه لم يذكر الجدال. (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) حث على الخير عقيب النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن، ومكان الفسوق البرّ والتقوى ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة، أو جُعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد منهم ما نهوا عنه،
_________________
(١) قوله: (من حج فلم يرفث ولم يفسق) الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم، وغيرهما. ونقل محيي السنة، عن ابن عباس وابن مسعود: الجدال أن يماري صاحبه ويخاصمه حتى يغضبه، وهو قول جمع كثير من المفسرين، وقيل: هو ما كان عليه أهل الجاهلية، وكان بعضهم يحج في ذي القعدة وبعضهم في ذي الحجة، وكل يقول: ما فعلته هو الصواب، فقال جل ذكره: (وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) أي: استقر أمر الحج على ما فعله الرسول ﷺ فلا اختلاف فيه من بعد، وذلك معنى قول النبي ﷺ: "ألا إن الزمان .. " الحديث، وقال مجاهد: معناه: ولاشك في الحج أنه في ذي الحجة، فأبطل النسيء. قوله: (وأن يستعملوا) عطف على قوله: "الخير عقيب النهي" على سبيل البيان، وقوله: (أو جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم): عطف على قوله: "حث على الخير" يريد أن "خيرًا" في قوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) مطلق يتناول كل ما سمي خيرًا، وعلى الأول بعيد لقرينة الكلام السابق بما يضاد المذكورات، وإليه الإشارة بقوله: "وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن" إلى آخره، وعلى الثاني مقيد بقرينة الكلام اللاحق بما ينبئ عن التقوى، وهو ضبط النفس عن كل ما نهوا عنه، وموقعه- على الأول إذا حمل (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) على معنى النهي، وقوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) على معنى الأمر- موقع التأكيد على الطرد والعكس؛ لأنهما متقابلان بناءً على أن النهي عن الشيء أمر بضده وعكسه،
[ ٣ / ٢٩٤ ]
وينصره قوله تعالى: " وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى أي: اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإنّ خير الزاد اتقاؤها. وقيل: كان أهل اليمن لا يتزوّدون ويقولون: نحن متوكلون، ونحن نحج بيت اللَّه أفلا يطعمنا فيكونون كلًّا على الناس، فنزلت فيهم. ومعناه: وتزوّدوا واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم، فإن خير الزاد التقوى. (وَاتَّقُونِ): وخافوا عقابي. (يا أُولِي الْأَلْبابِ) يعني: أن قضية اللب تقوى اللَّه ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له.
_________________
(١) وعلى الثاني موقع التذييل، وموقع (وَتَزَوَّدُوا) على الثاني- مع قوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) - موقع التفسير. قوله: (وقيل: كان أهل اليمن) عطف على قوله: "وينصره"، والحديث من رواية البخاري وأبي داود، عن ابن عباس: "كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى (وَتَزَوَّدُوا). قوله: (يعني: أن قضية اللب تقوى الله)، هذا المعنى يفيده توجيه الخطاب بتخصيص ذكر اللب، وإلا كان يكفي (وَاتَّقُونِ). الراغب: اللب أشرف أوصاف العقل، وهو اسم الجزء الذي بإضافته إلى سائر أجزاء الإنسان، كلب الشيء إلى القشور، وباعتباره قيل لضعيف العقل: يراعة، وقصبة، ومنخوب، وخاوي الصدر. قال القاضي: حثهم على التقوى مطلقًا ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو الله تعالى فيتبرأ عن كل شيء سواه، وهو مقتضى العقل المعرى عن شوائب الهوى، فلذلك خص أولي الألباب
[ ٣ / ٢٩٥ ]
[(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ* ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ* وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ* أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ)].
(فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) عطاء منه وتفضلًا، وهو النفع والربح بالتجارة. وكان ناس من العرب يتأثمون أن يتجروا أيام الحج، وإذا دخل العشر كفوا عن البيع والشراء، فلم تقم لهم سوق، ويسمون من يخرج بالتجارة: الداجّ، ويقولون: هؤلاء الداج
_________________
(١) بالخطاب. الراغب: قال أبو مطيع البلخي لحاتم الأصم: بلغني أنك تجوب البادية بلا زاد، فقال: بل أجوبها بالزاد، وزادي أربعة أشياء: أرى الدنيا بحذافيرها لله، والخلق كلهم عبيدًا له، وأرى الأشياء كلها بيده، وأرى قضاءه نافذًا في الأرض، فقال: نعم الزاد زادك يا حاتم، تجوب به مفاوز الآخرة. قوله: (هؤلاء الداج)، النهاية: في حديث ابن عمر: "أنه رأى قومًا في الحج لهم هيئة أنكرها،
[ ٣ / ٢٩٦ ]
وليسوا بالحاج. وقيل: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا، فرفع عنهم الجناح في ذلك وأبيح لهم، وإنما يباح ما لم يشغل عن العبادة. وعن ابن عمر ﵁: أن رجلًا قال له: إنا قوم نكري في هذا الوجه وإن قومًا يزعمون أن لا حج لنا. فقال: سأل رجل رسول اللَّه ﷺ عما سألت، فلم يردّ عليه حتى نزل: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ)، فدعا به فقال: "أنتم حجاج". وعن عمر ﵁: أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟ فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج؟ ! وقرأ ابن عباس ﵄: (فضلًا من ربكم في مواسم الحج). (إن تبتغوا): في أن تبتغوا. (أَفَضْتُمْ): دفعتم بكثرة، وهو من إفاضة الماء، وهو صبه بكثرة، وأصله: أفضتم أنفسكم، فترك ذكر المفعول كما ترك في: دفعوا من موضع كذا وصبوا. وفي حديث أبي بكر ﵁: صب في دقران وهو يخرش بعيره بمحجنه.
_________________
(١) فقال: هؤلاء الداج وليسوا بالحاج". الداج: أتباع الحاج كالخدام والأجراء والجمالين؛ لأنهم يدجون على الأرض أي: يدبون ويسعون في الأرض في السير، وهذان اللفظان وإن كانا مفردين فالمراد بهما الجمع، كقوله تعالى: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ) [المؤمنون: ٦٧]. قوله: (دفعوا من موضع كذا)، النهاية: دفع من عرفات، أي: ابتدأ السير ودفع نفسه منها ونحاها، أو: دفع ناقته: حملها على السير. قوله: (صب في دقران)، النهاية: ذلك عند مسيره ﷺ إلى بدر صب في دقران، مضى فيه منحدرًا ودافعًا، وهو موضع عند بدر، ومنه حديث الطواف: "حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي"، أي: انحدرت في المسعى. المغرب: فلما انصبت قدماه في الوادي، أي: استقرتا،
[ ٣ / ٢٩٧ ]
ويقال: أفاضوا في الحديث وهضبوا فيه. وعَرَفاتٌ: علم للموقف سمى بجمع كأذرعات. فإن قلت: هلا مُنعت الصرف وفيها السبيان: التعريف والتأنيث! قلت: لا يخلو من التأنيث إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدرةٍ كما في: سعاد، فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث ولا يصح تقدير التاء فيها؛ لأنّ هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها، كما لا يقدر تاء التأنيث في "بنت"؛ لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث؛ فأبت تقديرها. وقالوا: سميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم ﵇، فلما أبصرها عرفها. وقيل: إن جبريل حين كان يدور به في المشاعر
_________________
(١) مستعار من انصباب الماء. النهاية: وفي حديث أبي بكر ﵁: "أنه أفاض وهو يحرش بعيره بمحجنه"، أي: يضربه ثم يجذبه إليه، يريد تحريكه للإسراع وهي شبيهة بالخدش، والمحجن: عصًا معقفة الرأس كالصولجان، والميم زائدة. قوله: (وهضبوا فيه)، الأساس: ومن المجاز: هضبوا في الأحاديث وأفاضوا: خاضوا فيها، وهو يهضب بالشعر والخطب: يسح سحًا. قوله: (وعرفات: علم للموقف) سمي بجمع كأذرعات. قال الجوهري: وهو اسم في لفظ الجمع فلا يجمع، قال الأخفش: إنما صرفت لأن التاء بمنزلة الياء والواو في مسلمين ومسلمون؛ لأنه تذكيره، وصار التنوين بمنزلة النون، فلما سمي به ترك على حاله كما يترك مسلمون إذا سمي به على حاله، وكذلك القول في أذرعات. الانتصاف: يلزم الزمخشري إذا سمى امرأة بمسلمات أن لا يصرفه، وهو قول رديء، والأفصح تنوينه، والزمخشري يرى أن تنوين عرفات للتمكين لا للمقابلة، ولم يعد تنوين المقابلة
[ ٣ / ٢٩٨ ]
أراه إياها، فقال: قد عرفت. وقيل: التقى فيها آدم وحوّاء فتعارفا. وقيل: لأنّ الناس يتعارفون فيها واللَّه أعلم بحقيقة ذلك. وهي من الأسماء المرتجلة؛ لأنّ العرفة لا تعرف في أسماء الأجناس إلا أن تكون جمع عارف. وقيل: فيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة؛ لأنّ الإفاضة لا تكون إلا بعده.
_________________
(١) في "مفصله"، بناءً منه على أنه راجع إلى تنوين التمكين. ونقل الزجاج فيها وجهين: الصرف وعدمه، إلا أنه قال: لا يكون إلا مكسورًا وإن سقط التنوين. وقال القاضي: وإنما نون وكسر مع العلمية والتأنيث؛ لأن تنوين الجمع تنوين المقابلة لا تنوين التمكن، أي: قابل التنوين نون الجمع المذكر. قوله: (إلا أن تكون جمع عارف)، قيل: يضعف أن يقال: هو مستثنى من قوله: "فهو من الأسماء المرتجلة"، إذ يصير التقدير: عرفات من الأسماء المرتجلة، إلا أن يكون عرفات جمع عارف، فإنها حينئذ تكون من الأسماء المنقولة، وهذا ليس بسديد؛ لأن عرفات ليست جمع عارف بل جمع عرفة، وعرفةٌ: جمع عارف، بل هو مستثنى من قوله: "العرفة لا تعرف في أسماء الأجناس"، إذ لو عرف لجاز أن يكون من الأسماء المنقولة، اللهم إلا أن يقال: إن عرفة جمع عارف، كطلبة وطالب، وعرفات: جمع الجمع، فحينئذ يكون من الأسماء المنقولة، وقال ابن الحاجب: وقد يجمع الجمع لا على أنه يطرد قياسًا، لكنه كثر في جمع القلة وقل في الكثرة إلا بالألف والتاء. قوله: (وقيل: فيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة)، وهو قول الزجاج، قال صاحب "التقريب": دليل الوجوب أن الذكر عند الإفاضة من عرفات واجب، وهو يتوقف على الإفاضة،
[ ٣ / ٢٩٩ ]
وعن النبي ﷺ: «الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج». (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات. وقيل: بصلاة المغرب والعشاء
_________________
(١) وهي على الوقوف، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالوقوف واجب، وفيه نظر؛ لأنه إنما يستقيم لو كان الأمر بالذكر مطلقًا، وهو ها هنا مقيد مشروط بالإفاضة، وقولك: إذا حصل لك مال فزك، لا يقتضي وجوب تحصيل المال، وأن توقف عليه الزكاة، لكون الأمر غير مطلق. فإن قلت: المأمور به ذكر مقيد بالحصول عند الإفاضة، فهو مركب، ووجوب المركب يستلزم وجوب أجزائه، قلنا: لا نسلم أن المأمور به ذكر مقيد بالحصول عند الإفاضة، وإنما كان كذلك لو تعلق الظرف، وهو "إذا" بـ "اذكروا"، وليس كذلك، فإنه ظرف متضمن لمعنى الشرط، ولذلك جيء بالفاء في جوابه، فإذًا ليس الواجب ذكرًا مقيدًا بالإضافة، بل إذا حصلت الإفاضة وجب الذكر، فالإفاضة قيد للأمر لا للمأمور به، وفيه دقة فليتأمل. وقلت: لو أنهم استدلوا بقوله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) كان أقرب. قوله: (الحج عرفة)، روينا عن الترمذي وأبي داود والنسائي، عن عبد الرحمن الديلي: أن النبي ﷺ أمر مناديًا ينادي: "الحج عرفة"، وفي رواية أبي داود "من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج"، وفي رواية أخرى للنسائي: "الحج عرفة، فمن أدرك عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع، فقد تم حجه"، والمصنف أردف الاستدلال بالنص ليشد بعضده.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
و"الْمَشْعَرِ الْحَرامِ": قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة. وقيل: المشعر الحرام: ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.
والصحيح أنه الجبل؛ لما روى جابر ﵁: أن النبي ﷺ لما صلى الفجر - يعني بالمزدلفة- بغلسٍ ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر- أو هلل- ولم يزل واقفا حتى أسفر. وقوله تعالى: (عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ) معناه: مما يلي المشعر الحرام قريبًا منه، وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة، وإلا فالمزدلفة كلها موقفٌ إلا وادي محسر. أو جعلت أعقاب المزدلفة؛ لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر. والمشعر: المعلم؛ لأنه معلم العبادة، ووصف بالحرم لحرمته. وعن ابن عباس ﵁: أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون. وقيل: سميت المزدلفة وجمعًا؛ لأنّ آدم صلوات اللَّه عليه اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها، أي: دنا منها. وعن قتادة: لأنه يجمع فيها بين الصلاتين.
_________________
(١) قوله: (الميقدة)، المغرب: هي بالمشعر الحرام على قزح، كان أهل الجاهلية يوقدون عليها النار. قوله: (مأزمي عرفة)، الجوهري: المأزم: كل طريق ضيق بين جبلين، ومنه سمي الموضع الذي بين المشعر وبين عرفة مأزمين. النهاية: كأنه من الأزم: القوة والشدة، والميم زائدة. قوله: (أو جعلت أعقاب المزدلفة) عطف على قوله: "معناه: مما يلي المشعر الحرام"، و"عند المشعر": مفعول ثان لـ "جعلت"، يريد أن المشعر الحرام موضع مخصوص، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام، وقد شرط أن يذكر الله عنده، وليس كذلك؛ لأن المزدلفة كلها موضع للذكر وموقف للناس، واوله بتأويلين، أحدهما: أن تخصيص ذكره مع الجواز في كل المواضع لشرفه،
[ ٣ / ٣٠١ ]
ويجوز أن يقال: وصفت بفعل أهلها؛ لأنهم يزدلفون إلى اللَّه، أي: يتقرّبون بالوقوف فيها. (كَما هَداكُمْ) "ما" مصدرية أو كافة. والمعنى: واذكروه ذكرًا حسنًا كما هداكم هداية حسنة، واذكروه كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه، (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ) من قبل الهدى (لَمِنَ الضَّالِّينَ) الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه
_________________
(١) وإليه الإشارة بقوله: "وذلك للفضل، كالقرب من جبل الرحمة"، وثانيهما: أنه سمى كل المزدلفة ببعضه، ويرجع حاصله إلى شرفه أيضًا؛ لأن الشرط في إطلاق الجزء على الكل أن يكون الجزء أشرفه، ومما يدل على أن المزدلفة كلها موقف: ما روينا عن أبي داود عن علي ﵁، قال: لما أصبح رسول الله ﷺ ووقف على قزح فقال: "هذا قزح، وهو الموقف، وجمع كلها موقف". قوله: (أو اذكروه كما علمكم)، "أو": ليس لترديد معنى "ما" في كونها مصدرية أو كافة على طريقة اللف والنشر؛ لأنه لا يتغير معناها في الوجهين، بل لترديد معنى (هَدَاكُمْ)، أي: الهداية: إما دلالة موصلة إلى البغية، أو بمعنى الدلالة المطلقة، ولهذا قال: "هداية حسنة"، وقال: "كما علمكم كيف تذكرونه"، والذكر الحسن: مشاهدة الذاكر المذكور وإخلاصه له في العبادة، لقوله ﷺ: "الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه"، ومن ثم قال: "لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه"، حيث فسر الهداية بالعبادة. قوله: (لا تعدلوا عنه) تفسير لقوله: "كيف تذكرون÷"، أي: علمكم كيف توحدونه بكلمة التوحيد فلا بعدلوا عن تعليمه إلى غيره، تلخيصه: ذلكم سبيل التوحيد فلا تعدلوا عنه لتهتدوا، وقوله: (وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ) تذييل لما سبق، وتقرير لمعناه. قال الزجاج: ومعنى: (وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ): التوكيد للأمر، كأنه قيل: وما كنتم من قبله إلا الضالين.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
وتعبدونه. و"إن" هي مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة. (ثُمَّ أَفِيضُوا): ثم لتكن إفاضتكم (مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) ولا تكن من المزدلفة؛ وذلك لما كان عليه الخمس من الترفع على الناس، والتعالي عليهم، وتعظمهم عن أن يساووهم في الموقف، وقولهم: نحن أهل اللَّه وقطان حرمه فلا نخرج منه، فيقفون بجمعٍ وسائر الناس بعرفات. فإن قلت: فكيف موقع "ثم"؟ قلت: نحو موقعها في قولك: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، تأتي بـ"ثم" لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، وبعد ما بينهما؛ فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات قال: (ثم أفيضوا) لتفاوت ما بين الإفاضتين وأن إحداهما صواب والثانية خطأ
_________________
(١) قوله: (لما كان عليه الحمس)، النهاية: الحمس: جمع الأحمس، وهم: قريش ومن ولدت قريش، وكنانة، وجديلة قيس، سموا حمسًا لأنهم تحمسوا في دينهم، أي: تشددوا، والحماسة: الشجاعة، كانوا يقفون بمزدلفة ولا يقفون بعرفة، ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من الحرم، وكانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون. قوله: (وأن إحداهما صواب): عطف تفسيري على قوله: "لتفاوت ما بين الإفاضتين"، يعني: أن الإفاضة من عرفات صواب ومن مزدلفة خطأ، وفي قوله نظر؛ لأن التفاوت إذا اعتبر بين الإفاضة من عرفات الدال عليه قوله: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ) وبين هذه الإفاضة وهي: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، فكلاهما صوابان، وإذا اعتبر بين الإفاضة من عرفات وبين الإفاضة من مزدلفة فهي غير مذكورة في التنزيل، فلا يصح العطف عليها بـ "ثم". وأيضًا، لا يقال بين الصواب والخطأ: إنهما متفاوتان في الرتبة؛ لأنهما متباينان. والجواب: أن التفاوت هنا ليس في الرتبة، بل في مجرد أن إحداهما صواب والأخرى خطأ، ولما كان قوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) مرادًا به التعريض، فكأنه قيل: لا تفيضوا من مزدلفة فإنه خطأ، فينطبق عليه مثال: "ولا تحسن إلى غير كريم"؛ لأن الإحسان إليه خطأ، وصح قوله: "وأن إحداهما صواب" أي: الإفاضة من عرفات، والثانية
[ ٣ / ٣٠٣ ]
وقيل: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) وهم الحُمس، أي: من المزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفات. وقرئ: (من حيث أفاض الناس) بكسر السين أي: الناسي؛ وهو آدم، من قوله: (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ) [طه: ١١٥] يعني: أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تخالفوا عنه. (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ) من مخالفتكم في الموقف، ونحو ذلك من جاهليتكم. (فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ): فإذا فرغتم من عباداتكم الحجية ونفرتم، (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ): فأكثروا ذكر اللَّه وبالغوا فيه، كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم؛ وكانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل، فيعدّدون فضائل آبائهم ويذكرون محاسن أيامهم. (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) في موضع جرّ؛ عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله: (كَذِكْرِكُمْ) كما تقول: كذكر قريشٍ آباءهم، أو قوم أشدّ منهم ذكرًا، أو في موضع نصب؛
_________________
(١) خطأ، أي: الإفاضة من مزدلفة، وأما تطبيق الآية مع المثال فإن قوله: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) في تأويل: أفيضوا من عرفات، يدل عليه قوله: "فيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة"، وقوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) في تأويل: لا تفيضوا من مزدلفة على سبيل التعريض؛ وإنما قلنا بالتعريض لأن التعريف في الناس: للجنس، والمراد به: المؤمنون، فدل على الكمال، فيكون تعريضًا بالحمس، وإليه الإشارة بقوله: "لتكن إفاضتكم من عرفات ولا تكن من المزدلفة". قوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، وهم الحمس)، فعلى هذا، اللام: للعهد، وثم: على ظاهره. قال محيي السنة: قال بعضهم: (أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) أي: ثم أفيضوا من جمع، وكيف يسوغ إذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله، ثم أفيضوا من عرفات؟ ! وقيل: "ثم" فيه كما في قوله: (ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا) [البلد: ١٧].
[ ٣ / ٣٠٤ ]
عطفٌ على (آباءكم) بمعنى: أو أشدّ ذكرًا من آبائكم، على أن (ذِكرًا) من فعل المذكور. (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ) معناه: أكثروا ذكر اللَّه ودعاءه،
_________________
(١) وقال الإمام: ثم ها هنا كما في قولك: قد أعطيتك اليوم كذا ثم أعطيتك أمس كذا، وفائدتها: تأخير أحد الخبرين عن الآخر، لا تأخير هذا المخبر عنه عن ذلك. وقلت: أما بيان أن "ثم" ها هنا كما في قوله تعالى: (ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا) [البلد: ١٧] للتفاوت في المرتبة كما نص عليه المصنف في موضعه، فهو أن الأمر بالإفاضة أعلى من الأول، كأنه قيل: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ)، ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الكملة من الناس، ومثاله الصريح: أحسن إلى الناس ثم ليكن إحسانك إلى الكريم منهم، ويؤيده ما روى الإمام، أن المراد بالناس: إبراهيم وإسماعيل ﵉، وإيقاع اسم الجنس على الواحد إذا كان رئيسًا يقتدى به جائز. قوله: (على أن (ذِكْرًا) من فعل المذكور) أي: يكون المصدر من ذكر المجهول لا من ذكر المعروف، قال المصنف: "المصدر يأتي من فعل كما يأتي من فعل، كقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) [الروم: ٣]، أي: من بعد كونهم مغلوبين"، فكذلك قوله: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) معناه: أو قومًا أبلغ في كونهم مذكورين، وقدر القاضي: أو كذكركم أشد مذكورًا من آبائكم. قال المالكي: جعل الزمخشري (أَشَدَّ) معطوفًا على الكاف والميم، ولم يجز عطفه على "الذكر"، وهو الصحيح؛ لأنه لو عطف على "الذكر" لكان "أشد" صفة كـ "ذكر"، وامتنع نصب
[ ٣ / ٣٠٥ ]
_________________
(١) "الذكر" بعده؛ لأنك لا تقول: ذكري أشد ذكرًا، وإنما تقول: أشد ذكر، وتقول: أنت أشد ذكرًا، ولا تقول: أنت أشد ذكر؛ لأن الذي يلي أفعل التفضيل من النكرات إن جر فهو كل لأفعل، وأفعل بعض له، وإن نصب فهو فاعل في المعنى للفعل الذي صيغ منه أفعل؛ ولذلك تقول: أنت أكبر رجل وأكثر مالًا، فالأكثر بعض ما جر به، و"أكثر" بمنزلة فعل، وما انتصب بمنزلة فاعل؛ كأنك قلت: كثر مالك. وقال ابن الحاجب في "الأمالي": في قوله: " (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا): في موضع جر عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله: (كَذِكْرِكُمْ) " نظر، لما يلزم منه العطف على المضمر المخفوض، وذلك لا يجوز عنده، ورد قراءة حمزة أقبح رد، أي: في (تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ) [النساء: ١] بالجر، وكذا في قوله: "إن ذكرًا من فعل المذكور" لما يؤدي إلى أن يكون أفعل للمفعول، وهو شاذ لا يرجع إليه إلا بثبت، وأفعل لا يكون إلا للفاعل، كقولهم: هو أضرب الناس، على أنه فاعل الضرب، سواء أضفته أو نصبت عنه تمييزًا، والوجه: أن يقدر جملتين، أي: فاذكروا الله ذكرًا مثل ذكركم آباءكم، أو: اذكروا الله في حال كونكم أشد ذكرًا من ذكر آبائكم، فتكون الكاف: نعتًا لمصدر محذوف، وأشد: حالًا، وهذا أولى؛ لأنه جرت الكاف على ظاهرها، ولا يلزم ما ذكروه من أن المعطوف يشارك المعطوف عليه في العامل؛ لأن ذلك في المفردات. وقلت: نظر المصنف إلى التوافق بين المعطوف والمعطوف عليه، وإلى جعلهما من عطف المفرد على المفرد، لا من عطف الجملة على الجملة؛ لأن جعل أحدهما مصدرًا والآخر حالًا له
[ ٣ / ٣٠٦ ]
فإنّ الناس من بين مقل لا يطلب بذكر اللَّه إلا أعراض الدنيا، ومكثر يطلب خير الدارين، فكونوا من المكثرين. (آتِنا فِي الدُّنْيا):
_________________
(١) عامل آخر مما يؤدي إلى تنافر النظم، وذكر مثله في قوله تعالى: (يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) [النساء: ٧٧]، وأما الجواب عن الأول فإنه رد في "النساء" العطف على المضمر المجرور لعلة شدة الاتصال، وصحح نحو: مررت بزيد وعمرو، لضعف الاتصال، وهنا إضافة المصدر إلى الفاعل، وهو في حكم الانفصال، على أن من الجائز أن يكون الفاصل بين المعطوفين هو المصحح للعطف كما في العطف على المرفوع المتصل. وذكر ابن الحاجب في "شرح المفصل": أن بعض النحويين يجوزون في المجرور بالإضافة دون المجرور بحرف الجر؛ لأن اتصال المجرور بالمضاف ليس كاتصاله بالجار لاستقلال كل منهما بمعناه، ثم استشهد بالآية. وعن الثاني: أنه إنما يلزم ذلك أن لو كان أفعل من الذكر وبني منه، بل إنما بني مما يصح بناؤه منه للفاعل، وهو أشد، وجعل (ذِكْرًا)، الذي بمعنى المذكور تمييزًا، كأنه قيل: أشد مذكورًا، وهو إذن مثل سائر ما يمتنع منه بناؤه نحو: أقبح عورًا وأكثر شغلًا وفيه بحث. قوله: (فإن الناس من بين مقل)، يريد أن الفاء في قوله: (فَمِنْ النَّاسِ) تفصيلية، والمجمل: ما عليه الناس في نفس الأمر، يعلم من سياق الآيات وبيان النظم، وذلك أنه ﷿ لما فرغ من الإرشاد إلى هذا النسك العظيم الشأن، قال: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ)، أي: إذا فرغتم من عباداتكم الحجية ونفرتم إلى أوطانكم، لا تقولوا: قضينا ما علينا، بل اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبحوه بكرة وأصيلًا، ثم قسم الناس أربع فرق،
[ ٣ / ٣٠٧ ]
اجعل إيتاءنا، أي: إعطاءنا في الدنيا خاصة، (وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) أي: من طلب خلاقٍ، وهو النصيب. أو ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب؛ لأنّ همه مقصور على الدنيا
_________________
(١) أحدهم: الكافرون الذين جل همهم أعراض الدنيا والإعراض عن المولى، وهم المرادون بقوله: (فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا)، وثانيهم: المقتصدون الذين يقولون: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً)، وثالثهم: المنافقون الذين كانت تحلولى ألسنتهم، وقلوبهم أمر من الصبر، وهم المرادون بقوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ)، ورابعهم: السابقون البذالون أنفسهم في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وهم المعنيون بقوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) إرشادًا لهم إلى اختيار ما هو الأصوب وإيثار ما يزلفهم إلى الله تعالى والاجتناب عما يبعدهم عن رضوانه. ولما فرغ من ذلك وأراد أن يشرع في قصة بني إسرائيل، أتى بما يتخلص منه إليها، قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً). قوله: (اجعل إيتاءنا) ذهب إلى أن (آتِنَا) يجري مجرى اللازم، ثم عدي بـ "في" مبالغة، كقوله تعالى: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) وأما إفادة خصوصية الإيتاء في الدنيا فمستفاد من التقابل في قوله: (وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)، ولهذا قدر المضاف في المقابل وهو لفظ الطلب، والحاصل أنه قدر الطلب في القرينة الثانية بواسطة لفظ: "آتنا" في القرينة الأولى، وقدر "خاصة" في الأولى باقتضاء القرينة الثانية. قوله: «مِنْ خَلاقٍ) أي: من طلب خلاق) وهو النصيب، الراغب: الخلاق: نصيب الإنسان من أفعاله المحمودة التي تكون خلقًا له، وذلك أن الفعل قد يحصل من الإنسان تخلقًا، وقد يحصل خلقًا، وهو المحمود. وفي قوله: (وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) تنبيه أن
[ ٣ / ٣٠٨ ]
والحسنتان: ما هو طِلْبةُ الصالحين في الدنيا من الصحة والكفاف والتوفيق في الخير، وطِلْبتُهم في الآخرة من الثواب. وعن علي ﵁: الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء،
_________________
(١) لا رغبة لهم صادقة صادرة عن أخلاقهم، روي أنهم كانوا يقولون: اللهم أكثر أموالنا وأولادنا وأنزل الغيث علينا وأنبت مرعانا، ولا يسألون شيئًا من أمور الآخرة، وذلك أنهم عرفوا الدنيا ولم يعتقدوا الآخرة، وكيف يسأل الآخرة من لا يعرفها، وكيف يعرفها من لم يتحقق كونها، وكيف يتحقق كونها من لم يبصرها؟ أي: لم يدركها ببصيرته، وليس يعني بقوله تعالى: (يَقُولُ رَبَّنَا) التفوه بذلك فقط، بل صرف العناية إليها والاهتمام بها. قوله: (والحسنتان ما هو طلبة الصالحين)، الراغب: لما أجرى الله تعالى العادة أن لابد للإنسان من أخيارهم وأشرارهم من بلغة في الدنيا، صار المؤمن يطلبها كما يطلبها الكافر، ولكن طلب المؤمن لها على سبيل العرض قدر ما يحسن وفي وقت ما يحسن، ولأجل الحاجة إليها قال بعض الصالحين: اللهم وسع الدنيا علي وزهدني فيها، ولا تضيقها علي فترغبني فيها. قوله: (الحسنة في الدنيا: المرأة الصالحة) وعن مسلم والنسائي وابن ماجة، عن عبد الله ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة"، وتفسيره: ما روينا عن أبي داود وابن ماجة، عن ابن عباس في حديث طويل، قال رسول الله ﷺ لعمر ﵁: "ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة؛ إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته".
[ ٣ / ٣٠٩ ]
وعذاب النار: امرأة السوء. (أُولئِكَ) الداعون بالحسنتين (لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا) أي: نصيب من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة، وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة، أو من أجل ما كسبوا، كقوله: (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا) [نوح: ٢٥]، أو لهم نصيبٌ مما دعوا به؛ نعطيهم ما يستوجبونه بحسب مصالحهم في الدنيا، واستحقاقهم في الآخرة. وسمي الدعاء كسبا؛ لأنه من الأعمال، والأعمال موصوفة بالكسب؛ (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم) [الشورى: ٣٠] ويجوز أن يكون (أُولئِكَ) للفريقين جميعًا، وأن لكل فريقٍ نصيبًا من جنس ما كسبوا
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يكون (أُوْلَئِكَ) للفريقين) عطف على قوله: "أولئك الداعون". اعلم أن المشار إليه بقوله: "أولئك" إما الفريق الثاني، وهو القائل: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)، أو مجموع الفريقين، فعلى الأول قوله: (مِمَّا كَسَبُوا) إما مجرى على حقيقته أو مجاز عن الدعاء بقرينة قولهم: (رَبَّنَا)، فعلى الحقيقة "من": إما بيان نصيب، وهو المراد من قوله: "أي: نصيب من جنس ما كسبوا من الأعمال"، وقوله: "وهو الثواب": بيان لجنس ما كسبوا، والجنسية بحسب الحسنة، ولذلك وصف كلًا من الأعمال والمنافع بالحسنة، أو ابتداء، وهو المراد من قوله: "من أجل ما كسبوا"، وعلى أن يراد بما كسبوا الدعاء، فهو من وضع المظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق؛ لأن المفهوم من قوله: (رَبَّنَا آتِنَا) الدعاء والكسب، وسمي كسبًا؛ لأنه من الأعمال والأعمالُ موصوفة بالكسب، وعلى الثاني: الأسلوب من باب الجمع مع التقسيم التقديري؛ لأن التقدير: أولئك الفريقان اللذان اختص كل واحد بنوع من الدعاء، لهم نصيب مما دعوا، من اقتصر على طلب الدنيا فله نصيب منها فحسب، ومن طلب الدنيا والآخرة جميعًا فله ذلك، والأول أقرب إلى النظم؛ لأن قوله: (أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ) في مقابلة قوله: (وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)، ثم إن قوله: (وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) تذييل للكلام السابق من قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ) إلى آخره،
[ ٣ / ٣١٠ ]
(وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ) يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد؛ فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة، أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه. روي: أنه يحاسب الخلق في قدر حلب شاة: وروي: في مقدار فواق نافة. وروى في مقدار لمحة.
[(وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ٢٠٣].
_________________
(١) وهو إما أن يكون تحريضًا على إكثار الذكر وطلب الآخرة وانتهاز الفرصة في ذلك قبل حلول الأجل؛ لأن سرعة الحساب من الله تعالى إنما تقع في يوم القيامة، فأطلق ما يقع في يوم القيامة على القيامة مجازًا، نظيره في ظرف المكان قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ) [آل عمران: ١٠٧] أي: في الجنة، وإليه أشار بقوله: "فبادروا" إلى آخره، وإما وعيدًا على التقصير في ذلك، وتحذيرًا عن التفريط فيه، فكنى بسرعة الحساب عن القدرة الكاملة؛ لأن من حاسب الأولين والآخرين في مقدار الفواق كان كامل القدرة باهر السلطان، فيقدر على الانتقام منهم إن قصروا فيه، وإليه أشار بقوله: "ليدل على كمال قدرته ووجوب الحذر منه". قوله: (فواق ناقة)، النهاية: هو: قدر ما بين الحلبتين من الوقت، تضم فاؤه وتفتح، ومنه الحديث: "عيادة المريض قدر فواق ناقة"، وهذا تمثيل في السرعة لا تعيين المقدار، وكقوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢].
[ ٣ / ٣١١ ]
الأيام المعدودات. أيام التشريق، وذكر اللَّه فيها: التكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار. وعن عمر ﵁: أنه كان يكبر في فسطاطه بمنى، فيكبر من حوله حتى يكبر الناس في الطريق وفي الطواف. (فَمَنْ تَعَجَّلَ): فمن عجل في النفر أو استعجل النفر. وتعجل واستعجل: يجيئان مطاوعين، بمعنى عجل، يقال: تعجل في الأمر واستعجل؛ ومتعديين، يقال: تعجل الذهاب واستعجله، والمطاوعة أوفق؛ لقوله: (وَمَنْ تَأَخَّرَ)، كما هي كذلك في قوله:
قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّى بَعْضَ حَاجَتِهِ … وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعجِلِ الزَّلَلُ
لأجل المتأني. (فِي يَوْمَيْنِ): بعد يوم النحر يوم القرّ، وهو اليوم الذي يسميه أهل مكة يوم الرؤوس، واليوم بعده ينفر إذا فرغ من رمي الجمار كما يفعل الناس اليوم، وهو مذهب الشافعي ويروى عن قتادة.
وعند أبي حنيفة وأصحابه: ينفر قبل طلوع الفجر، (وَمَنْ تَأَخَّرَ) حتى رمى في اليوم الثالث، والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه على الزوال عند أبي حنيفة،
_________________
(١) قوله: (والمطاوعة أوفق) أي: لنظم الآية، فإن "تأخر" لازم، فيجعل "تعجل" كذلك، كما أن المطاوعة في البيت أوفق للتناسب لأجل المتأني، يعني: قابل المستعجل بالمتأني، فكما أن المتأني لازم فكذا المستعجل. قوله: «فِي يَوْمَيْنِ»، قال المصنف: معناه: في آخر يومين، إلا أنه أورد مجملًا، كقوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) وهو في بعض الأشهر لا في كلها. قوله: (يوم القر)، النهاية: يوم القر هو الغد من يوم النحر؛ لأن الناس يقرون فيه، أي يسكنون ويقيمون.
[ ٣ / ٣١٢ ]
وعند الشافعي لا يجوز. فإن قلت: كيف قال: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) عند التعجل والتأخر جميعًا؟ قلت: دلالة على أنّ التعجل والتأخر مخير فيهما، كأنه قيل: فتعجلوا أو تأخروا.
فإن قلت: أليس التأخر بأفضل؟ قلت: بلى، ويجوز أن يقع التخيير بين الفاضل والأفضل، كما خير المسافر بين الصوم والإفطار، وإن كان الصوم أفضل. وقيل: إنّ أهل الجاهلية كانوا فريقين؛ منهم من جعل المتعجل آثما، ومنهم من جعل المتأخر آثما، فورد القرآن بنفي المآثم عنهما جميعًا.
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يقع التخيير بين الفاضل)، الانتصاف: التخيير بين الفاضل والمفضول يوجب التساوي وينافي طلب أحد الطرفين، وكيف يستقيم اجتماع ما طلب ورجح وجوده وما ليس كذلك؟ إنما الزمخشري أخل في التفسير فلزمه السؤال وهو غير لازم، فإن نفي الحرج عن الأمرين لا يلزم منه التخيير، وغايته: إشراكهما في رفع الحرج، لكن أحدهما مطلوب دون الآخر فلا يحتاج إلى الجواب، لاندفاع السؤال. وقلت: ما نظر صاحب "الانتصاف" إلى المقام، فإن نفي الحرج إنما لا يوجب التخيير ابتداء، نظرًا إلى اللفظ، وأما إذا كان مسبوقًا بخلاف فلا، ألا ترى كيف عطف على سبيل البيان قوله: "وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا فريقين" على قوله: "دلالة على أن التعجل والتأخر مخير فيهما"! ومما يواخي هذا المقام ما رويناه عن الشيخين وغيرهما، عن عروة: سألت عائشة: أرأيت قول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) [البقرة: ١٥٨]، فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، قالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت على ما أولتها كانت: لا جناح
[ ٣ / ٣١٣ ]
(لِمَنِ اتَّقى) أي: ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي؛ لئلا يتخالج في قلبه شيء منهما فيحسب أنّ أحدهما يرهق صاحبه آثام في الإقدام عليه، لأنّ ذا التقوى حذر متحرّز من كل ما يريبه، ولأنه هو الحاج على الحقيقة عند اللَّه، ثم قال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) ليعبأ بكم، ويجوز أن يراد: ذلك الذي مرّ ذكره من أحكام الحج وغيره (لمن اتقى)؛ لأنه هو المنتفع به دون من سواه، كقوله: (ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ).
_________________
(١) عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، وكانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، وكان من أهل لها تحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي ﷺ عن ذلك التحرج فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ..) الآية. قالت عائشة ﵂: "وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما". وقلت: كلاهما مصيبان؛ لأن عروة فهم من الآية معنى الإباحة ابتداء، والصديقة ﵂ بينت الاختلاف والسبب، كذلك ها هنا، أما قوله: "كيف يستقيم اجتماع ما طلب ورجح وجوده وما ليس كذلك؟ " فجوابه: أنه كيف لا يستقيم اجتماع ما طلب ورجح وجوده وما ليس كذلك في نفي الحرج، والكلام في ذلك؟ ! قوله: (أي: ذلك التخيير)، يعني قوله: (لِمَنْ اتَّقَى): خبر مبتدأ محذوف، وهو اسم الإشارة، والمشار إليه ما سبق، واللام: متعلق بمحذوف وهو: إما بمعنى الاختصاص نحو قولك: "المال لزيد" ومن ثم قال: "دون من سواه"، واستشهد بقوله تعالى: (ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ) [الروم: ٣٨]، أو للتعليل نحو قولك: خروجه لمخالفة الشر وضربه للتأديب، ولذلك اعتبر وصف التقوى في التعليل حيث قال: "لأجل الحاج المتقي". قوله: (يرهق صاحبه)، الجوهري: رهقه بالكسر، يرهقه رهقًا، أي: غشيه، يقال: أرهقني
[ ٣ / ٣١٤ ]
[(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ* وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ* وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ)].
(مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ) أي: يروقك ويعظم في قلبك. ومنه: الشيء العجيب الذي يعظم في النفس. وهو الأخنس بن شريق كان رجلًا حلو المنطق، إذا لقي رسول اللَّه ﷺ ألان له القول، وادعى أنه يحبه، وأنه مسلم، وقال: يعلم اللَّه أني صادق. وقيل: هو عامّ في المنافقين، كانت تحلولى ألسنتهم، وقلوبهم أمرّ من الصبر. فإن قلت: بم يتعلق قوله:
_________________
(١) فلان إثمًا حتى رهقته، أي: حملني إثمًا حتى حملته له. قوله: «يُعْجِبُكَ) أي: يروقك)، الراغب: التعجب: حيرة تعترض الإنسان عند جهل سبب الشيء، وليس هو بشيء في ذاته بل هو بحسب الإضافة إلى من يعرف السبب وإلى من لا يعرفه، ولهذا قال قوم: كل شيء عجب، وقال قوم: لا شيء عجب، وحقيقة: أعجبني كذا: ظهر لي ظهورًا لم أعرف سببه. قوله: (تحلولى ألسنتهم)، الجوهري: يقال: حلا الشيء يحلو حلاوة، واحلولى: مثله، وقد عداه حميد بن ثور بقوله: فلما أتى عامان بعد انفصاله … عن الضرع، واحلولى دماثًا يرودها ولم يجيء افعوعل متعديًا إلا هذا، واعرورى الفرس. الدمث: الأرض اللينة، ورياد الإبل: اختلافها في المرعى.
[ ٣ / ٣١٥ ]
(فِي الْحَياةِ الدُّنْيا)؟ قلت: بالقول، أي: يعجبك ما يقوله في معنى الدنيا؛ لأنّ ادّعاءه المحبة بالباطل يطلب به حظًا من حظوظ الدنيا ولا يريد به الآخرة، كما تراد بالإيمان الحقيقي والمحبة الصادقة للرسول، فكلامه إذن في الدنيا لا في الآخرة، ويجوز أن يتعلق بـ (يعجبك)، أي: قوله حلو فصيح في الدنيا فهو يعجبك ولا يعجبك في الآخرة؛ لما يرهقه في الموقف من الحبسة واللكنة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام فلا يتكلم حتى يعجبك كلامه. (وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ) أي: يحلف ويقول: اللَّه شاهد على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام. وقرئ: (ويشهد اللَّه). وفي مصحف أبىّ: (ويستشهد اللَّه). (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ):
_________________
(١) قوله: (فلا يتكلم حتى يعجبك كلامه)، من باب قوله: على لاحب لا يهتدى بمناره قوله: «أَلَدُّ الْخِصَامِ): وهو شديد الجدال)، قال الزجاج: اشتقاق ألد من لديدي العنق، وهما: صفحتاه، أي: أن خصمه في أي وجه أخذ من يمين وشمال غلبه في ذلك، وقد لددته أنا ألده: إذا جادلته فغلبته. السجاوندي: ألد: أشد من اللدود ومعوج الخصومة، من لديدي الوادي، وأصل الخصام: التعمق، والخصوم: زوايا الأوعية، وهو مصدر، قال أبو علي: وهو جمع، إذ لا يكون الشخص بعض الحدث، وأفعل لا يضاف إلا إلى بعضه، ووجه تصحيحه تقديرًا: ألد في الخصومة، ولهذا شبهته بقوله: "ثبت الغدر". الجوهري: فلان ثبت الغدر: إذا كان لا يزل لسانه عند الخصومات.
[ ٣ / ٣١٦ ]
وهو شديد الجدال والعداوة للمسلمين. وقيل: كان بينه وبين ثقيف خصومة، فبيتهم ليلًا وأهلك مواشيهم، وأحرق زروعهم. والخصام: المخاصمة. وإضافة الألدّ بمعنى "في"، كقولهم: ثبت الغدر، أو جعل الخصام ألدّ على المبالغة. وقيل الخصام: جمع خصم، كصعب وصعاب بمعنى: وهو أشد الخصوم خصومة. (وَإِذا تَوَلَّى) وإذا تولى عنك وذهب بعد إلانة القول، وإحلاء المنطق (سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها)، كما فعل بثقيف. وقيل: (وَإِذا تَوَلَّى): وإذا كان واليًا فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض؛
_________________
(١) الميداني: يقال: رجل ثبت، أي: ثابت، والغدر: اللخاقيق في الأرض مثل جحرة اليرابيع وأشباهها، ومعناه: ثبت في الغدر، أي: ثابت في قتال وكلام لا يزل في موضع الزلل. قوله: (وهو شديد الجدال والعداوة للمسلمين)، جعل الخصام مشتركًا وحمله على المعنيين: الجدال والعداوة، وفرع عليه قوله: "وقيل: كان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم"، ويجوز أن يكون "والعداوة": عطفًا على الجدال على سبيل البيان. قوله: (أو جعل الخصام ألد، على المبالغة) كقولك: جد جده، فالإضافة لفظية. قوله: (وقيل: الخصام: جمع خصم). قال الزجاج: لأن فعلًا يجمع إذا كان صفة على فعال، نحو صعب وصعاب، وكذلك إن جعلت خصمًا صفة يجمع على أقل العدد، وأكثره على فعال وفعول، يقال: خصم وخصام وخصوم. قوله: (كما فعل بتثقيف) أي: الأخنس بن شريق. قوله: (فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض)، إنما قيده بولاة السوء، لأن ولاة الصدق بخلاف ذلك.
[ ٣ / ٣١٧ ]
بإهلاك الحرث والنسل. وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع اللَّه بشؤم ظلمه القطر؛ فيهلك الحرث والنسل. وقرئ: (ويهلك الحرث والنسل) على أن الفعل لـ"الحرث والنسل"، والرفع للعطف على (سعى). وقرأ الحسن بفتح اللام، وهي لغةٌ، نحو: أبى يأبى. وروي عنه: (ويهلك)، على البناء للمفعول. (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) من قولك: أخذته بكذا؛ إذا حملته عليه وألزمته إياه أي: حملته العزة التي فيه، وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه، وأن لا يخلي عنه ضرارًا ولجاجًا؛ أو على ردّ قول الواعظ.
[(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) ٢٠٧].
_________________
(١) الراغب: الإفساد في الحقيقة: إخراج الشيء من حالة محمودة لا لغرض صحيح، وذلك غير موجود في فعل الله تعالى، ولا بخلاف هو آمر به ولا لحب له، وما تراه من فعله إفسادًا، فهو بالإضافة إلينا وباعتبارنا، وأما بالنظر الإلهي فكله إصلاح، ولهذا قيل: يا من إفساده إصلاح، أي: ما نعده إفسادًا، فهو لقصور نظرنا، والمقصد من الإنسان سوقه إلى كماله الذي رشح له، فإذن إهلاك ما أمر بإهلاكه فلإصلاح الإنسان، وأما إماتته فأحد أسباب حياته الأبدية. قوله: (أي: حملته العزة التي فيه) أراد أنه استعارة تبعية واقعة على التمثيل، استعير الأخذ للحمل بعد أن شبه حالة إغراء حمية الجاهلية وحملها إياه على الإثم بحالة شخص له حق على غريمه فيأخذه به ويلزمه على أداء حقه ويلزه، والإثم إما أن يراد به حقيقته، وإليه الإشارة بقوله: "على الإثم الذي ينهى عنه"، وإما ترك الاتعاظ فيها أمر بقوله: (اتَّقِ اللَّهَ).
[ ٣ / ٣١٨ ]
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ): يبيعها، أي: يبذلها في الجهاد. وقيل: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل
_________________
(١) قوله: (يَشْرِي نَفْسَهُ): يبيعها، أي: يبذلها في الجهاد)، الراغب: يشري: يبيع ويشتري، والناس على أضرب: ضرب باع نفسه من الشيطان بالشهوات فصار غلقًا في يده لا سبيل إلى الانفكاك منه، وهم المعنيون بقوله: (فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ) [النحل: ٦٣] وقوله: (أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) [الجاثية: ٢٣]، وضرب وقع أسر الشيطان عليه فاجتهد في تخليص نفسه منه، وهو المعني بقوله ﷺ: "الناس غاديان: فبائع نفسه فموبقها، ومبتاع نفسه فمعتقها"، وضرب لم يقع عليه أسر الشيطان، وقد باع نفسه من الله ﷿، وهو المعني بقوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ) الآية، فقوله: (يَشْرِي نَفْسَهُ) يتناول الضربين: المخلص نفسه من أسر الشيطان، ومن باع نفسه من الله ﷿، فإذن يشري نفسه للأمرين، والشرى والبيع في مثل هذا الموضع كالرمز والإشارة، وحقيقتهما وقف الإنسان نفسه على مرضاة الله تعالى والتحري في مصالح عباده. وقلت: لما حمل اللفظ المشترك على كلا مفهوميه المخالف، وذلك لا يستتب إلا بجعل الشرى مجازًا عن أمر يجمع المعنيين، قال: "وحقيقتهما وقف الإنسان نفسه على مرضاة الله تعالى" إلى آخره، ومقتضى النظم حمل الشرى على تخليص النفس من أسر الهوى والشيطان؛ لأن قوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ) قسيم لقوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إلى قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ)، وهو الأسير بيد الهوى، وقرين
[ ٣ / ٣١٩ ]
وقيل: نزلت في صهيب بن سنان؛ أراده المشركون على ترك الإسلام، وقتلوا نفرا كانوا معه فقال لهم: أنا شيخ كبير إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضرّكم، فخلوني وما أنا عليه، وخذوا مالى. فقبلوا منه ماله، وأتى المدينة. (وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) حيث كلفهم الجهاد فعرضهم لثواب الشهداء.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)].
(السلم) بكسر السين وفتحها، وقرأ الأعمش بفتح السين واللام؛ وهو الاستسلام والطاعة، أي: استسلموا للَّه وأطيعوه
_________________
(١) لقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)، وفيه إيماء إلى التخليص من أسر الشيطان لقوله: (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ)، فالمناسب أن يحمل الشرى على الاشتراء، والله أعلم. قوله: (وقيل: نزلت في صهيب)، عطف على "يبيعها"، ويشري على هذا بمعنى يشتري، وقوله: (فعرضهم) من التعريض للأمر، أي: النصب له، وهذا المعنى مناسب للوجه الأول، وهو أن يكون الشرى بمعنى البيع. قوله: (السِّلْمِ) بكسر السين)، نافع وابن كثير والكسائي بفتحها، والباقون بكسرها. الراغب: عنى بالسلم: سلم العبد لله ﷿؛ لأن الإنسان في كفره وكفران نعمة الله كالمحارب له، وهو على ثلاثة أضرب: ضرب يتقدم الإيمان، وهو الإسلام الذي به سلم أن يراق دمه ويسلب ماله، وهو المعني بقوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم"، واثنان بعد الإيمان، أحدهما: أن يسلم من
[ ٣ / ٣٢٠ ]
(كَافَّةً) لا يخرج أحد منكم يده عن طاعته. وقيل: هو الإسلام. والخطاب لأهل الكتاب؛ لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم، أو للمنافقين؛ لأنهم آمنوا بألسنتهم، ويجوز أن يكون (كافة) حالًا من (السلم)؛ لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب، قال:
_________________
(١) سخطه بارتسام أوامره وزواجره طوعًا أو كرهًا. والثاني: أن يكون سلمًا من الشيطان وأوليائه وسلمًا فيما يجري عليه من قضائه، وبه تحصل دار السلام المذكورة في قوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) [يونس: ٢٥]، وهذا غاية ما ينتهي إليه العبد من المنازل الثلاث وإن كانت لكل منزلة منها درجات، وهذا السلم المعني بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: ١٠٢]، وإلى هذا المعنى أشار يوسف ﵇ بقوله: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [يوسف: ١٠١] وبه رمز المصنف بقوله: "أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها". قوله: (وقيل: هو الإسلام)، الجوهري: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) يذهب بمعناها إلى الإسلام، وأسلم: إذا دخل في السلم، وهو الاستسلام. وقلت: هذا يشعر بأن السلم إذا كان بمعنى الإسلام كان مجازًا. وقال الزجاج: (كَافَّةً) بمعنى الجميع: الإحاطة، فيجوز: ادخلوا جميعًا أو ادخلوا في السلم كله، أي: جميع شرائعه، والسلم بالكسر والفتح معناهما: الإسلام والصلح، ومعنى (كَافَّةً) في اشتقاق اللغة: ما يكف الشيء إلى آخره ومن ذلك كفة القميص لحاشيته، وكفة الميزان؛ لأنها تمنعه أن ينتشر، وأصل الكف: المنع، ولهذا قيل للراحة: الكف؛ لأنها تكف سائر البدن. قوله: (ويجوز أن يكون (كَافَّةً) حالًا من (السِّلْمِ): عطف على قوله: "لا يخرج أحد منكم يده عن طاعته" هذا العطف مؤذن بأن السلم إذا أريد به الاستسلام يجوز أن
[ ٣ / ٣٢١ ]
_________________
(١) تكون (كَافَّةً) حالًا من الواو في (ادْخُلُوا) أي: جماعة كافة، وأن تكون حالًا من السلم، أي: ادخلوا في الطاعات كلها، وعلى هذا المخاطبون هم المؤمنون، وإذا أريد به الإسلام فهي حال من الضمير، والمخاطبون: إما أهل الكتاب أو المنافقون، ويمكن أن تستنبط وجوه غير ما ذكر بحسب هذه الاعتبارات. وكون الكفار مخاطبين بالفروع أيضًا، فنقول- والله أعلم بمراده من كلامه-: الخطاب في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) لا يخلو: إما أن يكون مع المؤمنين أو أهل الكتاب أو المنافقين، فهذه احتمالات ثلاثة، أما حمله على المؤمنين فظاهر، وحمله على أهل الكتاب لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم، وعلى المنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم كما أشار إليه المصنف، ثم السلم إما أن يفسر بالاستسلام أو الإسلام، وكافة: إما أن يجعل حالًا من الضمير في (ادْخُلُوا) أو من السلم نفسها فهذه وجوه أربعة، فيرتفع من ضرب الثلاثة في الأربعة اثنا عشر وجهًا. أما الاحتمال الأول ففيه وجوه أربعة: أحدها: أن يراد بالسلم: الاستسلام، "وكافة": حال من الضمير، فالمعنى: أيها المؤمنون، استسلموا لله وأطيعوه كافة لا يخرج أحد منكم عن طاعته، كما ذكره. وثانيها: أن يراد بالسلم الإسلام، فالمعنى: أيها المؤمنون، اثبتوا ودوموا على ما أنتم عليه، هذا وإن لم يذكره المصنف، لكن الزجاج ذكره قال: أمر المؤمنون بأن يدخلوا في الإيمان، أي: أن يقيموا عليه ويكونوا فيما يستقبلون عليه كما قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [النساء: ١٣٦]. وثالثها: أن تكون (كَافَّةً): حالًا من السلم، والسلم بمعنى الطاعة، فالمعنى ما أومى إليه بقوله: "إن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة". ورابعها: السلم بمعنى الإسلام، والمعنى ما ذكره: "أمروا بأن يدخلوا في شعب الإسلام
[ ٣ / ٣٢٢ ]
_________________
(١) كلها وأن لا يخلوا بشيء منها"، والشعب هي التي وردت في كلام سيدنا صلوات الله عليه وسلامه على ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن أنس: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان"، وزاد في رواية: "أفضلها قول لا إله غلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". وأما الاحتمال الثاني ففيه الوجوه: أحدها: السلم بمعنى الاستسلام، وكافة: حال من الضمير، المعنى: يا أهل الكتاب ادخلوا كلكم في طاعة الله وطاعة رسوله والمؤمنين مما التزمتموها صغارًا وذلة، قال تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ). وثانيها: السلم بمعنى الإسلام، فالمعنى: يا أهل الكتاب ادخلوا في دين الإسلام كلكم لا يبقى أحد منكم خارجًا منه، هذا الذي يدل عليه سياق كلام المصنف، أو: ادخلوا في الإسلام بكليتكم بحيث لا يبقى لكم ميل إلى اليهودية، ولا يبعد أن يحمل قول المصنف: "إن عبد الله ابن سلام استأذن أن يقيم على السبت وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل" على هذا. وثالثها: السلم بمعنى الطاعة، و(كَافَّةً): حال منها، فالمعنى: يا أيها الذين آمنتم بكتاب واحد وبشريعة واحدة، ادخلوا في طاعة الله كلها وآمنوا بجميع الشرائع وصدقوا جميع الرسل والكتب. ورابعها: ادخلوا في شعب الإيمان كلها على ما سبق. وأما الاحتمال الثالث ففيه الوجوه أيضًا: أحدها: أيها المنافقون، ادخلوا كلكم في الطاعة الحقيقية، وعليه قوله تعالى: (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) [النور: ٥٣] على إرادة: الذي يطلب منكم طاعة معروفة عند المؤمنين. وثانيها: أيها المنافقون، ادخلوا كلكم في الإسلام، لا يخرج أحد منكم عنه، روي أن ناسًا
[ ٣ / ٣٢٣ ]
السِّلْمُ تَأخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ … وَالْحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ
على أنّ المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها، وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة. أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها، وأن لا يُخلوا بشيء منها. وعن عبد اللَّه بن سلام أنه استأذن رسول اللَّه ﷺ أن يقيم على السبت، وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل. و(كافة) من الكف؛ كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم
_________________
(١) منهم أسلموا وحسن إسلامهم، وعليه ظاهر كلام المصنف، يدل عليه قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ) [النساء: ١٤٥] إلى قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا) [النساء: ١٤٦]. ثالثها: ادخلوا في طاعة الله جميعًا، يعني: تظهرون الصلاة والصيام ونحوهما ثم إذا دعيتم إلى الغزو واستنفرتم اثاقلتم، كما قال تعالى: (مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ) [التوبة: ٣٨]. ورابعها: يا أيها الذين آمنتم بألسنتكم، آمنوا بقلوبكم؛ لأن كمال الإيمان: مواطأة القلب اللسان، وإقامة شعبه كلها، ويمكن أن يجعل الخطاب عامًا وإن كان فيه بعد، والله أعلم. قوله: (السلم تأخذ منها) البيت، الجرعة من الماء: حسوة منه، يقول: الصلح له مجال واسع ومنافع ما ترضى ببعض منها، والحرب لها مضار لا تقاسى وقليل منها يهلك، يحرضه على الصلح ويثبطه عن الحرب. قوله: (باجتماعهم) أي: بسبب اجتماعهم، أي: اجتماعهم يمنعهم من أن يخرج منهم أحد. قال القاضي: (كَافَّةً): اسم للجملة؛ لأنها تكف الأجزاء من التفرق. وحقيقتها ما سبق من قول الزجاج.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
(فَإِنْ زَلَلْتُمْ) عن الدخول في السلم (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ) أي: الحجج والشواهد على أنّ ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب لا يعجزه الانتقام منكم، (حَكِيمٌ) لا ينتقم إلا بحق. وروي: أنّ قارئًا قرأ غفور رحيم، فسمعه أعرابى فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال: إن كان هذا كلام اللَّه فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه. وقرأ أبو السمال (زللتم) بكسر اللام، وهما لغتان، نحو: ظللت وظللت.
[(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)].
إتيان اللَّه إتيان أمره وبأسه كقوله: (أَوْ يَاتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) [الأنعام: ١٥٨]
_________________
(١) ـ قوله: (فَإِنْ زَلَلْتُمْ): عن الدخول في السلم)، قال الزجاج: يقال: زل يزل زلًا وزللًا ومزلة، وزل في الطين زليلًا، أي: تنحيتم عن القصد والشرائع. قوله: (فلا يقول كذا الحكيم)، أوقع طفلا يقول" جزاء للشرط على تأويل الإخبار، يعني: إن فرض وقدر أن هذا الذي قرأه القارئ كلام الله فأنا أرده وأخبركم بأن لا يقول كذا الحكيم، يعني: من كانت أقواله وأفعاله محكمة متقنة لا يقع فيهما خلل ولا زيغ، فحمله الناس على المعاصي بعيد؛ لأنه زيغ وإضلال، فقوله: "لا يذكر الغفران": استئناف على سبيل التعليل. ونحوه ما حكي عن الأصمعي أنه قال: كنت أقرأ " (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ) [المائدة: ٣٨] والله غفور رحيم"، وبجنبي أعرابي فقال: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله، قال: أعد، فأعدت، قال: ليس هذا كلام الله، فانتبهت، فقرأت: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فقال: أصبت، هذا كلام الله، فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قلت: من أي شيء علمت؟ قال: يا هذا، عز فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
(جاءَهُمْ بأسُنا) [الأنعام: ٤٣]، ويجوز أن يكون المأتي به محذوفًا، بمعنى أن يأتيهم اللَّه ببأسه أو بنقمته؛ للدلالة عليه بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ). (فِي ظُلَلٍ): جمع ظلة؛ وهي ما أظلك. وقرئ (ظلال) وهي جمع ظلةٍ، كقلة وقلال، أو جمع ظل. وقرئ: (وَالْمَلائِكَةُ) بالرفع كقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ) [الأنعام: ١٥٨]، وبالجر عطفًا على (ظللٍ)، أو على (الغمام). فإن قلت: لِمَ يأتيهم العذاب في الغمام؟ قلت: لأنّ الغمام مظنة الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول؛ لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسرّ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير؟
_________________
(١) قوله: (للدلالة عليه بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ» أي: دل على هذا المقدر في الوجهين قوله تعالى في الفاصلة السابقة: (أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ)؛ لأن صفة قهر وغلبة أوقع العلم عليها، ففي لفظ "الكشاف" تساهل حيث قال: "فإن الله"، والصواب: (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ) [البقرة: ٢٠٩]، المعنى: إن تنحيتم عن القصد وامتنعتم عن الدخول في الإسلام بعد مجيء الدلائل الدالة على حقيقته فاعلموا أن الله عزيز غالب لا يعجزه الانتقام منكم كما قال، ثم استبطأ إسلامهم ونعى عليهم التثبط، وقال: ما ينتظرون إلا مجيء بأسه ونقمته، وحينئذ لا ينفعهم الإسلام، قال تعالى: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا) [غافر: ٨٥]. قوله: (وقرئ: (وَالْمَلائِكَةِ) بالرفع) كلهم بالرفع، والجر شاذ. قال الزجاج: ومن قرأ بالخفض فالمعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وظلل من الملائكة، والرفع هو المختار. وقال القاضي: إنما إتيان الملائكة فإنهم الواسطة في إتيان أمره أو الآتون على الحقيقة ببأسه.
[ ٣ / ٣٢٦ ]
ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع؛ لمجيئها من حيث يتوقع الغيث، ومن ثم اشتد على المتفكرين في كتاب اللَّه قوله تعالى: (وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر: ٤٧]. (وَقُضِيَ الْأَمْرُ): وأتم أمر إهلاكهم وتدميرهم وفرغ منه.
وقرأ معاذ بن جبل ﵁: (وقضاء الأمر) على المصدر المرفوع عطفًا على (الملائكة) وقرئ: (ترجِع) و(ترجَع) على البناء للفاعل والمفعول بالتأنيث والتذكير فيهما.
_________________
(١) وقلت: على هذا ذكر الله تمهيد لذكر الملائكة كما في قوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: ٩] في وجه، والمعنى على العطف على ظلل: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ببأسه في الملائكة؟ قوله: (ومن ثم اشتد على المتفكرين) أي: من جهة أن الشر يجيء من حيث يحتسب الخير، اشتد على الذين يتفكرون في كتاب الله، يعني قوله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر: ٤٧]. قال في تفسيره: "عملوا أعمالًا حسبوها حسنات، فإذا هي سيئات"، فقوله: "قوله: (وَبَدَا لَهُمْ) ": فاعل اشتد، يعني: لما علموا ذلك المعنى أي: الاستدراج، ونزلوا عليه هذه الآية، صعب عليهم الأمر وكاد أن يقضي عليهم فزعًا وخيفة. وروي أن محمد بن واسع قرأ هذه الآية فقال: آه آه! إلى أن فارق الدنيا. والله أعلم بصحته. قوله: (وقرئ: "ترجع" … على البناء للفاعل): حمزة والكسائي وابن عامر، والباقون: على
[ ٣ / ٣٢٧ ]
[(سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)].
(سَلْ) أمر للرسول، أو لكل أحد وهذا السؤال سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة. (كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) على أيدى أنبيائهم؛ وهي معجزاتهم، أو من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام. و(نِعْمَةَ اللَّهِ) آياته، وهي أجل نعمةٍ من اللَّه؛ لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة. وتبديلهم إياها: أن اللَّه أظهرها؛ لتكون أسباب هداهم، فجعلوها أسباب ضلالتهم، كقوله: (فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: ١٢٥]؛ أو حرفوا آيات الكتب
_________________
(١) البناء للمفعول، وكلتا القراءتين بالتأنيث، والتذكير شاذ، قال القاضي: بناء الفاعل من الرجوع، والمفعول من الرجع. الراغب: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ) أي: ما قد ملكه عباده في الدنيا من الملك، والملك والتصرف مسترد منهم يوم القيامة وراجع إليه، ويقال: رجع الأمر إلى الأمير، أي: استرد ما كان فوضه إلى الغير. قوله: (و(نِعْمَةَ اللَّهِ): آياته وهي أجل نعمة من الله) يريد أن ذكر نعمة الله هاهنا من وضع المظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق، للإشعار بتعظيم الآيات وتعليل قبح فعلهم بكفران تلك النعمة العظمى، وهو تبديلهم إياها. قوله: (أو حرفوا آيات الكتب) عطف على قوله: "أن الله أظهرها" أو على قوله: "فجعلوها"؛
[ ٣ / ٣٢٨ ]
الدالة على دين محمد ﷺ. فإن قلت: "كم" استفهامية أو خبرية؟ قلت: تحتمل الأمرين،
_________________
(١) لأن التبديل على ما قال في آخر سورة إبراهيم في التغيير، وذلك قد يكون في الذات، نحو: بدلت الدراهم دنانير، وفي الأوصاف نحو: بدلت الحلقة خاتمًا، فالوجه الأول منزل على المعنى الثاني، والثاني على الأول، ثم الأول مفرع على قوله قبل هذا: " (مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) على أيدي أنبيائهم، وهي معجزاتهم"، والثاني مفرع على قوله: "من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام"، وذلك أن (آيَةٍ) في قوله تعالى: (كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) يحتمل أن تجري على المعجزات وأن يراد آيات الكتب المنزلة، فاعتبرهما المصنف في بيانه، وكذلك يختلف معنى التبديل باختلاف المعنيين في الآية. قوله: (تحتمل الأمرين) أي: يجوز أن تكون خبرية وأن تكون استفهامية، قال القاضي: محلها النصب على المفعولية أو الرفع بالابتداء على حذف العائد من الخبر، و(آيَةٍ): مميزها، و(مِنْ): للفصل. قال أبو البقاء: والأحسن إذا فصل بين "كم" وبين مميزها أن يؤتى بـ "من"، وقال مكي: كم في موضع المفعول الثاني لآتيناهم، وإن شئت جعلتها في موضع رفع على إضمار العائد، أي: كم آيتناهموه، وفيه ضعف لحذف الضمير، وعن بعضهم أن محل: (كَمْ آتَيْنَاهُمْ): نصب على المصدر، أي: سل بني إسرائيل هذا السؤال، ومثله قول صدر الأفاضل في قول الحريري: "سألناه: أنى اهتديت إلينا"، أي: سألناه هذا السؤال.
[ ٣ / ٣٢٩ ]
ومعنى الاستفهام فيها للتقرير. فإن قلت: ما معنى (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ)؟ قلت: معناه: من بعد ما تمكن من معرفتها أو عرفها، كقوله: (ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) [البقرة: ٧٥]؛ لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها فكأنها غائبة عنه. وقرئ: (وَمَنْ يُبَدِّلْ) بالتخفيف.
_________________
(١) قوله: (ما معنى (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ)؟) يعني: لا يصح تبديل الآيات إلا بعد مجيئها، فلم صرح به؟ وما فائدة تصريحه؟ والجواب: ربما يوجد التبديل عن غير خبرة بالمبدل أو عن جهل به فيعذر فاعله، وهؤلاء على خلاف ذلك، والفائدة: مزيد التقريع والتشنيع، وإثبات المجيء للآيات من الاستعارة، ويحتمل أنواعًا منها، قال القاضي: وفيه تعريض بأنهم بدلوها بعد ما عقلوها، ولذلك قيل: تقديره: فبدلوها ومن يبدل. وقلت: (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ) الآية، واردة على سبيل التذييل، وهي مع ذلك مشتملة على التتميم مقررة لقوله: (كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) لتضمن الاستفهام في (كَمْ) معنى التقريع والتوبيخ، وفيها مبالغات شتى: إحداها: العموم في (مِنْ) ليدخل هؤلاء الذين بدلوا فيه دخولًا أوليًا. وثانيتها: إقامة المظهر موضع المضمر كما سبق. وثالثتها: إضافتها إلى اسم الله تعالى. ورابعتها: التتميم في قوله: (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ). وخامستها: نسبة المجيء إلى الآيات على سبيل الاستعارة. وسادستها: إيقاع (فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) جزاء للشرط على تأويل الإخبار، يعني: تبديل الناس نعمة الله سبب لإخبار الله بكونه شديد العقاب، وهذا لا يصار إليه إلا عند فظاعة الشأن.
[ ٣ / ٣٣٠ ]
[(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ)].
المزين هو الشيطان؛ زين لهم الدنيا وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم فلا يريدون غيرها. ويجوز أن يكون اللَّه قد زينها لهم؛ بأن خذلهم حتى استحسنوها وأحبوها، أو جعل إمهال المزين له تزيينا وتدل عليه قراءة من قرأ: (زين الذين كفروا الحياة الدنيا) على البناء للفاعل. (وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) كانت الكفرة يسخرون من المؤمنين الذين لا حظ لهم من الدنيا، كابن مسعودٍ وعمارٍ وصهيب وغيرهم، أي: لا يريدون غيرها
_________________
(١) وسابعتها: إقامة المظهر موضع المضمر في الجزاء. وثامنتها: تصدره بأداة التأكيد. وتاسعتها: إضافة الشديد إلى العقاب. وعاشرتها: التعميم في الجزاء. قوله: (ويجوز أن يكون الله قد زينها لهم؛ بأن خذلهم)، فهو من إطلاق المسبب على السبب، أو جعل إمهال المزين تزيينًا، فالإسناد على هذا مجاز، نحو: بنى الأمير المدينة، وهزم الأمير الجند، وقال القاضي: والمزين على الحقيقة هو الله تعالى، إذ ما من شيء إلا هو فاعله، ويدل عليه قراءة "زين" على البناء للفاعل، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية وما خلق الله فيها من الأمور البهية والأشياء الشهية، مزين بالعرض. الراغب: التزيين المدرك بالحس دون المدرك بالعقل، ولهذا جاء في أوصاف الدنيا دون أوصاف الآخرة نحو: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ) الآية [آل عمران: ١٤]. قوله: (أي: لا يريدون غيرها) تفسير لقوله: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) وكناية إيمائية،
[ ٣ / ٣٣١ ]
وهم يسخرون ممن لا حظ له فيها، أو ممن يطلب غيرها. ﴿والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة﴾؛ لأنهم في عليين من السماء، وهم في سجين من الأرض؛ أو حالهم عالية لحالهم؛ لأنهم في كرامة، وهم في هوان، أو هم عالون عليهم، متطاولون يضحكون منهم كما يتطاول هؤلاء عليهم في الدنيا ويرون الفضل لهم عليهم، ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾. ﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾: بغير تقدير، يعني: أنه يوسع على من توجب الحكمة التوسعة عليه، كما وسع على قارون وغيره، فهذه التوسعة عليكم
_________________
(١) والذي يصحح هذا التفسير إيقاع قوله: (وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا) حالًا من "الذين كفروا"، وذلك أنهم إن أرادوا شيئًا من غير الحياة الدنيوية لم يصح تسخرهم بمن لا يريد إلا الحياة الأخروية، والذي يدل على أن قوله: (وَيَسْخَرُونَ): حال تقدير لفظة "هم" في قوله: "وهم يسخرون" ليستقيم وقوع المضارع مع الواو حالًا، ويحتمل العطف على (زُيِّنَ) فيفيد معنى الاستمرار، وقال صاحب "الكشف": تم الكلام عند قوله: (وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا) ثم ابتدأ فقال: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا): مبتدأ، و(فَوْقَهُمْ): الخبر، أي: فوقهم في الحجة والقهر والغلبة. انتهى كلامه. ثم المؤمنون على قسمين: المعرض عن الدنيا بكليته كالزهاد، وهو المشار إليه بقوله: "ممن لا حظ له فيها" والطالب معها الآخرة كالمقتصد، وهو المراد بقوله: "ممن يطلب غيرها". قوله: «وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ» قال القاضي: قال: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا) بعد قوله: (مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا) ليدل على أن استعلاءهم للتقوى. وهذا يشعر أن العطف في قوله: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا) تفسيري، والتفرقة بين الوجوه في معنى العلو هي: أن الفوقية على الأول: مكانية، وعلى الثاني: رتبية، وعلى الثالث: استعلائية وقهرية. قوله: (فهذه التوسعة عليكم)، "فهذه": مبتدأ، و"من جهة الله": خبره، أو: "مِن": متعلقة بالتوسعة، والخبر قوله: "لما فيها"، والأولى أحسن طباقًا للتنزيل.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
من جهة اللَّه؛ لما فيها من الحكمة، وهي استدراجكم بالنعمة، ولو كانت كرامةً لكان أولياؤه المؤمنون أحق بها منكم. فإن قلت: لم قال: (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) ثم قال: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا)؟ قلت: ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن المتقي؛ وليكون بعثًا للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك.
_________________
(١) الراغب: (بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: كفاء ما يستحق بلا إفراط ولا تفريط، وأعطاه بلا حساب إذا أعطاه أكثر مما يستحق أو أقل، والأول هو المقصود هاهنا، وقيل: يعطي أولياءه بلا تبعة ولا حساب عليهم فيما يعطون، وذلك أن المؤمن لا يأخذ من عرض الدنيا إلا من حيث يجب وفي وقت ما يجب، وعلى الوجه الذي يجب، ولا ينفقه إلا على ذلك، فهو يحاسب نفسه فلا يحاسب، ولهذا ما روي أن "من حاسب نفسه في الدنيا أمن الحساب في القيامة". قوله: (ليريك أنه لا يسعد). خلاصة الجوابين: أن هذا الأسلوب من باب إقامة المظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق للعلية، وفائدة التعليل: إما تعظيم من اتصف بالتقوى، أو تفخيم هذه الصفة، والجواب الأول مبني على الأول، والثاني على الثاني، وهذه النكتة توقفك على أن تفسيره الثاني لقوله تعالى: (فَوْقَهُمْ) أولى، لأن المتقي كريم مكرم، وقال الله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ) [الدخان: ٥١]، وقال: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: ٢٣]. قال صاحب "الانتصاف": وفي كلامه إشارة إلى مذهبه في وجوب وعيد العصاة بقوله: "لا يسعد عنده إلا المؤمن المتقي"؛ لأن فيه إشارة إلى أن المصر على الكبيرة شقي حتمًا كالساخرين من الذين آمنوا، ويتوجه إليه الرد من كلامه، فإن العمل عندهم والتقوى
[ ٣ / ٣٣٣ ]
[(كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)].
_________________
(١) داخل في حقيقة الإيمان، ومن أخل بذلك فهو فاسق عندهم ليس بمؤمن ولا كافر، وكلامه يناقضه، فإنه قال عقيبه: "ليبعث المؤمن على التقوى". قلت: قد علم من مضمون كلام المصنف في فاتحة السورة المخالفة بين المؤمن والمتقي، وأن المتقي أرفع منزلة من المؤمن، فإذا القصد فيه ترغيب المؤمنين في الترقي، ولئن سلمت الموافقة فالقصد في إيراد الوصف الإيذان بشرف التقوى ورفعة شأنها، ليكون بعثًا للمؤمنين على الثبات على التقوى كما وصف الله تعالى الملائكة بالإيمان في قوله: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) [غافر: ٧]، وحملة العرش ليسوا ممن لا يؤمنون، لكن هو بعث للمؤمنين على الاتصاف بصفتهم، وتنبيه على شرف الإيمان ورفعة شأنه، لكن الذي يقتضيه النظم أن تفسر التقوى بما عرف في اللغة، وهو: التجنب والاحتراز مطلقًا، ويكون مفعوله مقدرًا لدلالة الكلام عليه، فيكون المعنى: إن الكافرين إنما يسخرون من المؤمنين لأنهم أصحاب ثروة ونعمة، قصروا السعادة على جمع الدنيا والتنعم فيها، ومن زهد فيها عدوه من الأراذل وسخروا منه، كما ترى أصحاب هذا الزمان، فأخبر الله أن الذين اتقوا، أي: احترزوا من جمع الدنيا وزهدوا فيها، حالهم في الآخرة عالية كحال الأغنياء في الدنيا، روينا في "مسند أحمد بن حنبل"، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "هلك المكثرون، إن المكثرين الأقلون يوم القيامة … " الحديث.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
(كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً) متفقين على دين الإسلام، (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ) يريد: فاختلفوا، فبعث اللَّه، وإنما حذف لدلالة قوله: (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) عليه، وفي قراءة عبد اللَّه: (كان الناس أمّة واحدة فاختلفوا فبعث اللَّه)، والدليل عليه قوله عز وعلا (وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا) [يونس: ١٩]. وقيل: كان الناس أمة واحدة كفارًا، فبعث اللَّه النبيين فاختلفوا عليهم، والأوّل الوجه. فإن قلت: متى كان الناس أمة واحدة متفقين على الحق؟ قلت: عن ابن عباس ﵄: أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة من الحق فاختلفوا. وقيل: هم نوح
_________________
(١) قوله: (يريد: فاختلفوا فبعث الله)، يريد أن الفاء في (فَبَعَثَ اللَّهُ) فصيحة ليؤذن أن البعثة لم تتخلف عن الاختلاف، بل كما حصل الاختلاف لم تتوقف البعثة. قوله: (والدليل عليه) بعد قوله: "لدلالة قوله" ليس بتكرار؛ لأن الدليل الأول قرينة لتقدير المقدر من جنس ما يدل عليه المذكور، والثاني دليل آخر منصوص عليه، وارد للتوافق بين الآيتين، وقالوا: المراد بقوله: "والدليل عليه" إثبات قراءة ابن مسعود، وهي شاذة بما تواترت فيه الرواية، وفيه إشكال. فإن قلت: قوله: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ) يقتضي أنه لم يسبق اختلاف. قلت: يحمل هذا على الشدة فيه، وإليه الإشارة بقوله: "جعلوا نزول الكتاب سببًا في شدة الاختلاف". قوله: (والأول الوجه) أي: المراد بقوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) متفقين على ملة الإسلام هو الوجه القوي. وقلت، والله أعلم: لابد من تفصيل الأقوال هاهنا، روى محيي السنة، عن ابن عباس: "كان الناس على عهد إبراهيم أمة واحدة كفارًا فبعث الله النبيين"، وعن الحسن وعطاء: "كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح ﵈ على ملة الكفر، فبعث الله نوحًا وغيره من النبيين".
[ ٣ / ٣٣٥ ]
_________________
(١) وقال الإمام: ورواه ابن عباس، وقال: واحتجوا بالآية فقوله تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ)، وأما الخبر فهو "إن الله نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فمقتهم إلا بقايا من أهل الكتاب"، وقال: جوابه أن هذا لا يليق إلا بضده، إذ لو كان الاتفاق السابق اتفاقًا على الكفر لكانت البعثة في ذلك الوقت أولى، وحيث لم تحصل البعثة هناك علمنا أن ذلك الاتفاق كان على الحق. وروى محيي السنة عن مجاهد: "كان آدم وحده أمة واحدة؛ لأنه أصل البشر، فلما كثر نسله اختلفوا، فبعث الله النبيين". وعن قتادة وعكرمة: "كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح على شريعة واحدة من الحق والهدى، ثم اختلفوا فبعث الله إليهم نوحًا". وعن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: "كان الناس، حين عرضوا على آدم وأخرجوا من ظهره وأقروا بالعبودية، أمة واحدة مسلمين ولم يكونوا أمة واحدة قط غير ذلك اليوم، ثم اختلفوا بعد آدم، ونظيره في يونس: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ..) ". وقال الإمام: قيل: إن المراد بالناس ها هنا أهل الكتاب لأن الآية متعلقة بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)، وهي في قول أكثر المفسرين نازلة في اليهود، أي: كان الذين آمنوا بموسى أمة واحدة على دين واحد، ثم اختلفوا بغيًا وحسدًا، فبعث الله النبيين الذين جاؤوا بعد موسى على بعثة محمد صلوات الله عليه، وقال: هذا القول مطابق لما
[ ٣ / ٣٣٦ ]
_________________
(١) قبل الآية وما بعدها، وليس فيها إشكال. وقلت: والذي هو أقرب إلى التحقيق ما رواه أبو العالية، عن أبي بن كعب، ويوافقه قول مجاهد وقتادة وعكرمة، وقول المصنف: "والأول الوجه" يدل عليه وجهان، أحدهما: ما في يونس: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [يونس: ١٩]، حيث جاء بأداة الحصر وعقب الاختلاف بالفاء، والأصل عدم التقدير، قال المصنف: "وذلك في عهد آدم إلى أن قتل قابيل وهابيل". وثانيهما: ما روينا عن مسلم، عن عياض المجاشعي، أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبة: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال، وغني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرق قريشًا، فقلت: رب إذًا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسينفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك"، الحديث. قوله: "أحرق قريشًا"، أي: أقتلهم وأهلكهم. وأما بيان النظم: فهو أنه تعالى لما عد الفرق الأربع كما سبق في قوله: (فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا) ثم خص اليهود بالذكر في قوله:
[ ٣ / ٣٣٧ ]
ومن كان معه في السفينة (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ) يريد الجنس، أو مع كل واحدٍ منهم كتابه
_________________
(١) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)، وكان صلوات الله عليه يرجو رفع الاختلاف عند بعثته، فلما اختلفوا أشتاتًا بأن نجم قرن النفاق، واختلف اليهود في التحريف والتبديل، ودخل في خلده من ذلك الاضطراب، سلي بقوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) يعني: هون على نفسك فإن مثل هذا الاختلاف غير مختص بزمانك، فإن الأمم المتقادمة من لدن آدم إلى عهدك، هذا كان دأبهم وعاداتهم مع الأنبياء، فعليك بأصحابك المهديين وقل لهم أن يتأسوا بك فيما أنت والأمم المؤمنة السالفة عليه من الصبر على البلاء والمحن كما قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) [البقرة: ٢١٤] الآية، وإليه الإشارة بقوله: (ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف) إلى آخره، انظر كيف طابق هذا المعنى ما رويناه من الحديث من أوله إلى آخره، ثم الفاء التعقيبية في قوله: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) آذنت بأن المؤمنين أيضًا كانوا داخلين في حكم الاختلاف، لكن الله تداركهم بلطفه الشامل واستخلصهم لنفسه وترك أولئك الضلال في عنادهم، يدل عليه قوله: (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وإليه ينظر قوله صلوات الله عليه: "وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم؛ عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب"، والمراد بأهل الكتاب: أهل الحق منهم. قوله: «الْكِتَابِ)، يريد الجنس، أو مع كل واحد منهم كتابه)، قال القاضي: "الكتاب" يريد به الجنس ولا يريد به أنه أنزل مع كل واحد كتابه، فإن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصهم، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم. وقلت: هذا الثاني أيضًا صحيح؛ لأن قوله: (النَّبِيِّينَ) عام، فخص لتقييده بقوله: (وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ) بالمشهورين الذين أنزل معهم الكتاب، كقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨].
[ ٣ / ٣٣٨ ]
(لِيَحْكُمَ) اللَّه، أو الكتاب، أو النبىّ المنزل عليه (فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق، (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ): في الحق (إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ): إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف، أي: ازدادوا في الاختلاف لما أنزل عليهم الكتاب، وجعلوا نزول الكتاب سببًا في شدّة الاختلاف واستحكامه. (بَغْيًا بَيْنَهُمْ): حسدًا بينهم، وظلما لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم. و(مِنَ الْحَقِّ) بيان لما اختلفوا فيه، أي: فهدى اللَّه الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف.
[(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَاساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)].
(أَمْ) منقطعة، ومعنى الهمزة فيها للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده. ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين
_________________
(١) الانتصاف: قال في سورة مريم: يحتمل أن يكون التعريف جنسًا فيتناول العموم، والمراد الخصوص، ويحتمل أن يكون عهدًا، فهو في أول وهلة: خاص. قوله: «لِيَحْكُمَ) الله، أو الكتاب، أو النبي)، إسناد الحكم إلى الله تعالى وإلى النبي حقيقة، وإلى الكتاب، كقوله تعالى: (وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) [آل عمران: ٥٨]: على الاستعارة. قوله: (ومعنى الهمزة فيها التقرير وإنكار الحسبان واستبعاده)، يعني: "المخاطبون" بقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ) أصحاب النبي ﷺ، فيجب وجود هذا الحسبان منهم؛ لأن التقرير والإنكار والاستبعاد يقتضي ذلك، وكان كذلك، لما روينا عن البخاري وأبي داود والنسائي، عن الخباب ابن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده
[ ٣ / ٣٣٩ ]
بعد مجيء البينات؛ تشجيعًا لرسول اللَّه ﷺ والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب، وإنكارهم لآياته وعداوتهم له - قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ: (أم حسبتم)
_________________
(١) ذلك عن دينه"، قال القاضي: وفيه إشارة على أن الوصول إلى الله والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات، وأنشد: دببت للمجد والساعون قد بلغوا … جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله … لا تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا قوله: (على طريقة الالتفات التي هي أبلغ) فإن قلت: أين الالتفات ها هنا، فإن الالتفات هو: الانتقال من إحدى الصيغ الثلاث إلى الأخرى لمفهوم واحد، وهذا المعنى ها هنا مفقود؟ قلت: قوله: "ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف"، معناه: أن قوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ) الآية، كان كلامًا مشتملًا بظاهره على ذكر اختلاف الأمم السالفة والقرون الخالية، وعلى ذكر من بعث إليهم من الأنبياء، وما لقوا منهم من الشدائد بعد إظهار المعجزات، ومدمجًا لتشجيع الرسول ﷺ والمؤمنين على الثبات والصبر مع المشركين، قال الله تعالى: (وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) [هود: ١٢٠]، فمن هذا الوجه كان الرسول ﷺ وأصحابه مرادين في هذا الكلام غائبين، يؤيده قوله: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا)، فإذا قيل لهم بعد ذلك: (أَمْ حَسِبْتُمْ) كان نقلًا من الغيبة إلى الخطاب، والكلام الأول تعريض للمؤمنين بعدم التثبت والتصبر لأذى المشركين، فكأنه وضع ذلك
[ ٣ / ٣٤٠ ]
و"لَمَّا" فيها معنى التوقع، وهي في النفي نظيرة «قد» في الإثبات، والمعنى: أن إتيان ذلك متوقع منتظر. (مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا) حالهم التي هي مثل في الشدّة. و(مَسَّتْهُمُ) بيان للمثل، وهو استئناف؛ كأن قائلًا قال:
كيف كان ذلك المثل؟ فقيل: مستهم البأساء، (وَزُلْزِلُوا): وأزعجوا إزعاجًا شديدًا شبيهًا بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال والأفزاع؛ (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه فيها: (مَتى نَصْرُ اللَّهِ)، أي: بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك، ومعناه: طلب الصبر وتمنيه، واستطالة زمان الشهدة. وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر
_________________
(١) موضع: كان من حق المؤمنين التشجع والتصبر على مكابدة المشاق من المخالفين وأعداء الدين تأسيًا بمن قبلهم لجامع الإيمان، كما صرح به الحديث النبوي، وهو المضرب عنه "ببل" التي تضمنها (أَمْ)، أي: دع ذلك، أحسبوا أن يدخلوا الجنة ولما يأتهم مثل الذين خلوا من قبلهم، كقوله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) [العنكبوت: ٢]، فترك ذلك إلى الخطاب مريدًا للإنكار والاستبعاد. قوله: (و"لما" فيها معنى التوقع)، قال في "الإقليد": إنماتضمن معنى التوقع لأنها جعلت نقيضة قد، وفي "قد" معنى التوقع، تقول: قد ركب الأمير، لقوم ينتظرون ركوبه ويتوقعون، وكذلك لما يركب، ومعنى التوقع: طلب وقوع الفعل مع تكلف واضطراب، ولذلك قيل: الانتظار موت أحمر، وقولك: "لما يركب" معناه: ما وجد بعد وقوع ما كنت تتوقعه أي: في الحال. قوله: (ومعناه: طلب النصر وتمنيه)، فإن المتمني يطلب ما لا يرجى حصوله، يعني: ليت الله ينصرنا وهو دليل على تناهي الأمر في الشدة، قال أبو البقاء: موضع (مَتَى): رفع؛ لأنه خبر المصدر، وعند الأخفش: ظرف، و(نَصْرُ): مرفوع به.
[ ٣ / ٣٤١ ]
في الشدة وتماديه في العظم؛ لأنّ الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمح وراءها. (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) على إرادة القول، يعني: فقيل لهم ذلك إجابة لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر. وقرئ: (حتى يقول) بالنصب على إضمار "أن" ومعنى الاستقبال؛ لأنّ «أن» علم له، وبالرفع على أنه في معنى الحال كقولك: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجرّ بطنه، إلا أنها حال ماضية محكية.
[(يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) ٢١٥].
_________________
(١) قوله: (لا مطمح وراءها)، الجوهري: طمح فلان بصره: رفعه، وقال بعضهم: طمح أي: أبعد في الطلب. قوله: (من عاجل النصر) بيان لـ "طلبتهم". قوله: (وقرئ: (حَتَّى يَقُولَ)، بالنصب) قرأ نافع بالرفع، والباقون بالنصب. قال الزجاج: فالنصب على معنى سرت حتى أدخلها، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون الدخول غاية السير، والسير والدخول قد مضيا جميعًا، والمعنى: وزلزلوا إلى أن يقول الرسول … وثانيهما: أن يكون السير قد وقع، والدخول لم يقع، أي: سرت كي أدخلها، وليس هذا وجه الآية، والرفع على وجهين: أحدهما: أن يكون السير قد مضى، والدخول واقع الآن، تقول: سرت حتى أدخلها الآن ما امتنع.
[ ٣ / ٣٤٢ ]
فإن قلت: كيف طابق الجواب السؤال في قوله: (قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ) وهم قد سألوا عن بيان ما ينفقون وأجيبوا ببيان المصرف؟ قلت: قد تضمن قوله: (قُلْ مَا أَنَفْقتُم مِنْ خَيْرٍ) بيان ما ينفقونه؛ وهو كل خير، وبني الكلام على ما هو أهم،
_________________
(١) وثانيهما: سرت حتى أدخلها، وقد مضى السير والدخول، نحو قولك: سرت فأدخلها، أي: فدخلتها، وحتى لم تعمل في الفعل، وعلى هذا وجه الآية. وقلت: وهذا الذي عناه المصنف بقوله: "على أنه في معنى الحال لكن على أنها حكاية حال ماضية"، وفائدته: تصوير تلك الحالة العجيبة الشأن، واستحضار صورتها في مشاهدة السامع ليتعجب منها، وعليه قوله: "حتى يجيء البعير يجر بطنه". قوله: (وهو كل خير)، الراغب: (مِنْ خَيْرٍ) أي: من مال، سمي المال خيرًا تنبيهًا على أن الذي يجوز إنفاقه هو المال الذي تناوله اسم الخير، كما قال: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا) [البقرة: ١٨٠]. قوله: (وبني الكلام على ما هو أهم). قال صاحب "المفتاح": سألوا عن بيان ما ينفقون فأجيبوا ببيان المصرف، نزل سؤال السائل منزلة سؤال غير سؤاله، لتوخي التنبيه له بألطف وجه على تعديه عن موضع سؤال هو أليق بحاله أو أهم له إذا تأمل. قلت: وأما ما عليه كلام المصنف فخلاف ذلك؛ لأن الجواب مطابق من حيث الإشارة، فإنه بظاهره مسوق لبيان المصرف ومدمج فيها معنى ما ينفق، وهو الخير، تقديره: قل: ما يعتد به من إنفاق الخير مكانه ومصرفه الأقربون، ومع هذا لا يخرج من باب الأسلوب الحكيم، وبهذا ظهر الفرق بينه وبين قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ) [البقرة: ١٨٩]، وذلك أن معرفة بدو الأهلة وتزايدها وكمالها ومحاقها لما لم يكن من الأمور المعتبرة في الدين
[ ٣ / ٣٤٣ ]
وهو بيان المصرف؛ لأنّ النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها، قال
إنَّ الصَّنِيعَةَ لَا تَكُونُ صَنِيعَةً … حَتَّى يُصَابَ بهَا طَرِيقُ الْمصنَعِ
_________________
(١) لم يلتفت إليها رأسًا بل ردها ضمنًا، وأن إنفاق كرائم الأموال من الدين لكن اعتداده بحسب المصرف، وأنه المطلوب الأولى، جعله أصلًا والمسئول عنه تابعًا، وفيه إبطال علم النجوم وما لا جدوا له في الدين من علم الفضول. الراغب: قيل: في مطابقة الجواب السؤال وجهان: أحدهما: أنهم سألوا عنهما وقالوا: ما ننفق وعلى من ننفق؟ لكن حذف في حكاية السؤال أحدهما إيجازًا، ودل عليه الجواب بقوله: (مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ)، كأنه قيل: المنفق هو الخير، والمنفق عليهم هؤلاء، فلف أحدهما في الآخر، وهذا طريق معروف في البلاغة. والوجه الثاني: أن السؤال ضربان: سؤال جدل، وحقه أن يطابقه جوابه لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه، وسؤال تعلم، وحق المعلم أني صير فيه كطبيب رفيق يتحرى شفاء سقيم، فيطلب ما يشفيه، طلبه المريض أو لم يطلبه، فلما كان حاجتهم إلى من ينفق عليهم كحاجتهم إلى ما ينفق بين لهم الأمران. وقلت: مثاله: من غلب عليه مرة السوداء إذا طلب من الطبيب تناول الجبن فيقول: عليك بمائه، كما أجيب عن قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ) بقوله: (قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ)، وإذا طلب من غلب عليه مرة الصفراء العسل فيقول: مع الخل، وعليه الآية التي نحن بصددها. قوله: (إن الصنيعة) البيت، بعده: وإذا صنعت صنيعة فاعمد بها … لله أو لذوي القرابة أو دع وهو يوضح البيت الأول.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
وعن ابن عباس ﵄: أنه جاء عمرو بن الجموح وهو شيخ هِمّ وله مال عظيم فقال:
ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت. وعن السدي: هي منسوخة بفرض الزكاة. وعن الحسن: هي في التطوّع.
[(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)].
(وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) من الكراهة بدليل قوله: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا). ثم إما أن يكون بمعنى الكراهة على وضع المصدر موضع الوصف مبالغة، كقولها:
فَإنَّمَا هِىَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ
_________________
(١) الصنيعة: ما اصطنعت لأحد من خير، والمصنع: محل الصنيعة، أو: مصدر ميمي. قوله: (وعن ابن عباس): جواب آخر مطابق لظاهر الجواب في الآية، لكن السؤال متضمن لذكر المنفق مع المنفق عليه، تقديره: ماذا ينفقون؟ وأين يضعونه، وإليه ينظر الوجه الأول من قول الراغب. قوله: (شيخ هم)، الجوهري: الهم بالكسر: الشيخ الفاني. قوله: (هي منسوخة بفرض الزكاة)، قال القاضي: ليس في الآية ما ينافيه فرض الزكاة لينسخ به. قوله: «وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ): من الكراهة)، أي: لا من الإكراه. قال في "الأساس": وقد كره كراهة، وكرهته، فهو مكروه، وتكره الشيء: تسخطه. وقال الزجاج: كرهت الشيء كرهًا وكرهًا وكراهةً، بالفتح والضم، وكل ما في كتاب الله من الكره جائز فيه الوجهان لكن هنا الناس مجمعون على الضمة.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
كأنه في نفسه لفرط كراهتهم له؛ وإما أن يكون فعلًا بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز، أي: وهو مكروهٌ لكم. وقرأ السلمي بالفتح على أن يكون بمعنى المضموم، كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على طريق المجاز، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له ومشقته عليهم. ومنه قوله تعالى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) [الأحقاف: ١٥]،
_________________
(١) الجوهري: الكره، بالضم: المشقة، يقال: أقمت على كره، أي: مشقة، ويقال: أقامني فلان على كره، بالفتح: إذا أكرهك عليه، قال: وكان الكسائي يقول: الكَرْهُ والكُرْه لغتان. الراغب: قيل: هما واحد، وقيل: الكَرْهُ، بالفتح: المشقة التي تنال الإنسان من خارج مما يحمل عليه بإكراه، وبالضم: ما يناله من ذاته وهو ما يعافه إما طبعًا أو عقلًا أو شرعًا ولهذا يصح أن يقول الإنسان في الشيء الواحد: إني أريده وأكرهه، بمعنى إني أريده من حيث الطبع وأكرهه من حيث الشرع، كقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) الآية. وذهب المصنف إلى أن الكره من الكراهة لا من الإكراه، بناءً على انه لا يجوز أن يكرههم ويجبرهم على القتال، بل إنه تعالى أوجب عليهم القتال، والحال أن في القتال كراهة عندهم، بدليل قوله: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، فإنه أسند الفعل إليهم، ولو كان بمعنى الإكراه لم يطابق الكلام، ويجوز أن يكون إسناد الإكراه إلى الله على سبيل المجاز، بمعنى أنهم لشدة كراهتهم للقتال بحيث لا طريق إلى أن يؤمروا به إلا على طريق الإجبار والإكراه كما مر بيانه في قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [البقرة: ٧] في الوجه الرابع منه، ثم مطابقته لقوله: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا) على سبيل التذييل. قوله: «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا» [الأحقاف: ١٥]. قال المصنف: وكرهًا بالفتح والضم، وهما لغتان في معنى المشقة.
[ ٣ / ٣٤٦ ]
وعلى قوله تعالى: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا) جميع ما كلفوه؛ فإن النفوس تكرهه وتنفر عنه وتحب خلافه. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) ما يصلحكم وما هو خير لكم (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) ذلك.
[(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
بعث رسول اللَّه ﷺ عبد اللَّه بن جحش على سرية في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين؛ ليترصد عيرًا لقريش فيها عمرو بن عبد اللَّه الحضرمي وثلاثة معه،
_________________
(١) قوله: (وعلى قوله)، أي: جميع ما كلفوه على نسق قوله: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا). قوله: (وتحب خلافه) أي: النفس تحب خلاف ما كلفت به، وهو شر لها؛ لأنه يفضي بها إلى الردى. قال القاضي: إنما ذكر (عَسى) لأن النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها فلا يكون كرهًا عليها بل تستلذ له، وفي قوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) دليل على أن الأحكام تتبع المصالح الراجحة، وإن لم يعرف عينها. وقال الزجاج: ومعنى كراهيتهم القتال أنه من جنس غلظه عليهم ومشقته، لا أن المؤمن يكره فرض الله، لأن الله تعالى لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والصلاح. قوله: (عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة)، روي أنهم الحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ونوفل بن عبد الله.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
فقتلوه وأسروا اثنين، واستاقوا العير وفيها من تجارة الطائف، وكان ذلك أول يوم من رجب، وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام شهرًا يأمن فيه الخائف ويبذعرّ فيه الناس إلى معايشهم، فوقف رسول اللَّه ﷺ العير وعظم ذلك على أصحاب السرية وقالوا: ما نبرح حتى تنزل توبتنا، وردّ رسول اللَّه ﷺ العير والأسارى. وعن ابن عباس ﵁: لما نزلت أخذ رسول اللَّه ﷺ الغنيمة. والمعنى: يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام. و(قِتالٍ فِيهِ) بدل الاشتمال من (الشهر)، وفي قراءة عبد اللَّه: (عن قتال فيه) على تكرير العامل، كقوله: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) [الأعراف: ٧٥]، وقرأ عكرمة: (قتل فيه قل: قتل فيه كبير) أي: إثم كبير. وعن عطاء: أنه سئل عن القتال في الشهر الحرام فحلف باللَّه ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه، وما نسخت.
وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥] …
_________________
(١) قوله: (ويبذعر) أي: يتفرق، الجوهري: ابذعروا: تفرقوا، قال أبو السميدع: ابذعرت الخيل: إذا ركضت تبادر شيئًا تطلبه. قوله: (وما نسخت) تتمة قول عطاء وتفسير لقوله: "ما يحل للناس" إلى آخره، أي: فحلف بالله: ما نسخت، وأكثر الأقاويل أنها منسوخة بقوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥]، قال القاضي: وهو نسخ للخاص بالعام وفيه خلاف، والأولى منع دلالة الآية على حرمة القتال في الشهر الحرام مطلقًا، فإن (قِتَالٍ فِيهِ) نكرة في حيز مثبت فلا تعم.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
(وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ): مبتدأ، و(أكبر): خبره، يعني: وكبائر قريشٍ من صدّهم عن سبيل اللَّه وعن المسجد الحرام وكفرهم باللَّه وإخراج أهل المسجد الحرام، وهم رسول اللَّه والمؤمنون (أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ) مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظن. (وَالْفِتْنَةُ): الإخراج أو الشرك. (والمسجد الحرام) عطف
_________________
(١) قوله: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ): عطف على (سَبِيلِ اللَّهِ»، قال صاحب "الفرائد": فالتقدير حينئذ: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكان (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) من صلة الصد؛ لأن المعطوف على الصلة في حكم الصلة، فكيف صح عطف (وَكُفْرٌ بِهِ) على قوله: (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) قبل الفراغ منه؟ هذا معنى قول المصنف في الحاشية: "كيف صح العطف قبل الفراغ من المعطوف عليه وقد منعوا من ذلك؟ "، وأجاب عنه من وجهين أحدهما: أن قوله: (وَكُفْرٌ بِهِ) في معنى الصد عن سبيل الله، فاتحادهما هو الذي سوغ ذلك، كأنه قال: "وصد عن سبيل الله والمسجد الحرام"، وقلت: يريد أن قوله: (وَكُفْرٌ بِهِ) عطف على (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) على سبيل التفسير، كأنه قيل: وصد عن سبيل الله، أي: كفر بالله والمسجد الحرام، فاعترض بين المعطوف والمعطوف عليه التفسير. وذكر صاحب "الكشف" عن أبي علي: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ): عطف على (سَبِيلِ اللَّهِ)، أي: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، ألا ترى على قوله: (هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الفتح: ٢٥]. وثانيهما: أن موضع (وَكُفْرٌ بِهِ) عقيب قوله: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) إلا أنه قدم لفرط العناية عليه كما في قوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: ٤]، كان من حق الكلام أن يقال: ولم يكن أحد كفوًا له، إلا أنه قيل: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ) فقدم قوله: (لَهُ) لفرط العناية، قال أبو البقاء: والجيد أن يكون متعلقًا بفعل محذوف دل عليه الصد،
[ ٣ / ٣٤٩ ]
على (سبيل اللَّه)، ولا يجوز أن يعطف على الهاء في (بِهِ). (وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ) إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين، وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردّوهم عن دينهم، و"حتى" معناها: التعليل، كقولك: فلان يعبد اللَّه حتى يدخل الجنة، أي: يقاتلونكم كى يردّوكم.
و(إِنِ اسْتَطاعُوا) استبعاد لاستطاعتهم، كقول الرجل لعدوّه: إن ظفرت بي
_________________
(١) أي: ويصدون عن المسجد الحرام، كقوله تعالى: (هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الفتح: ٢٥]. وقال السجاوندي: هو عطف على الشهر، فقد عظموا القتل في الشهر والمسجد، فسألوا عنهما. وقال الزجاج: (قِتَالٌ): مرتفع بالابتداء، و(كَبِيرٌ): خبره، ورفع (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَإِخْرَاجُ) أهل المسجد الحرام (مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ)، على الابتداء والخبر، أي: هذه الأشياء أكبر عند الله، أي: أعظم إثمًا، والفتنة أكبر من القتل، أي: هذه الأشياء فتنة، والفتنة كفر، والكفر أكبر من القتل. قوله: (ولا يجوز أن يعطف على الهاء في (بِهِ» يعني عند البصريين؛ لأنهم لا يجيزون العطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الجار ولأنه يفسد المعنى، إذ لا معنى لقولنا: وكفر بالمسجد الحرام. قوله: (و(إِنْ اسْتَطَاعُوا): استبعاد)، أي: لا يكون استطاعة، وبعيد أن تكون استطاعة،
[ ٣ / ٣٥٠ ]
فلا تبقُ عليَّ، وهو واثق بأنه لا يظفر به. (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ): ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ويطاوعهم على ردّه إليه (فَيَمُتْ) على الردّة، (فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ)؛ لما يفوتهم بإحداث الردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام، وباستدامتها والموت عليها من ثواب الآخرة، وبها احتج الشافعي على أن الردّة
_________________
(١) فتفرض كما تفرض المحالات، لدلالة استعمال "إن" في مقام التحقيق، وهذا التقدير يستدعي أن يجري (حَتَّى) على التعليل دون الغاية. قوله: (على رده إليه) هذا من حذف الفاعل وإضافة الرد إلى مفعوله، أي: يطاوعهم على ردهم إياه. قوله: (من ثمرات الإسلام وباستدامتها) نشر لقوله: (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)، أي: يفوتهم ثمرات الإسلام بإحداث الردة، وثواب الآخرة باستدامة الردة والموت عليها، ويريد بقوله: "ثمرات الإسلام" هي: أن لا يستحق من المسلمين موالاة ولا نصرًا ولا غنيمة ولا ثناء حسنًا، وتبين زوجته، ولا يستحق الميراث من المسلمين، ولا يكون آمنًا؛ لأنه يقتل عند الظفر به. قوله: (وبها احتج الشافعي)، ووجهه: أن الآية دلت على أن الردة إنما توجب الحبوط بشرط الموت على الردة، فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط. فإن قيل: هذا معارض بقوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ)، فالجواب أن هذا من باب حمل المطلق على المقيد، لأنا لو جعلنا مجرد الردة مؤثرًا في الحبوط لم يبق للموت على الردة أثر في الحبوط أصلًا، ولو حملنا المطلق على المقيد لعملنا بمقتضى الدليلين، وفائدة الخلاف إنما تظهر فيما إذا صلى المسلم، ثم ارتد ثم أسلم، قال الشافعي: لا قضاء عليه لما أدى
[ ٣ / ٣٥١ ]
لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها، وعند أبي حنيفة أنها تحبطها وإن رجع مسلمًا. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا): روي أن عبد اللَّه بن جحش وأصحابه حين قتلوا الحضرمي ظنّ قوم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر؛ فنزلت، (أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ). عن قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمّة، ثم جعلهم اللَّه أهل رجاءٍ كما تسمعون، وإنه من رجا طلب، ومن خاف هرب.
[(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ* فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ٢١٩ - ٢٢٠].
_________________
(١) قبل الردة، وقال أبو حنيفة: يلزم قضاء ما أدى، والذي يشد من عضد الحمل على التقييد: إيقاع (وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) حالًا من المجرور في (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ)، وهو مطلق وشائع في الخسران، وعطف (وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) على (فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)، وهو تقييد لذلك المطلق وبيان لذلك المبهم. قوله: (ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون)، قال القاضي: أثبت لهم الرجاء إشعارًا بأن العمل غير موجب ولا قاطع في الدلالة، لاسيما والعبرة بالخواتيم. الراغب: وهذه المنازل الثلاثة التي هي الإيمان والمهاجرة والجهاد هي المعنية بقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) [المائدة: ٣٥]، ولا سبيل إلى المهاجرة
[ ٣ / ٣٥٢ ]
نزلت في الخمر أربع آياتٍ؛ نزلت بمكة: (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا) [النحل: ٦٧]، وكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال. ثم إن عمر ومعاذًا ونفرًا من الصحابة قالوا: يا رسول اللَّه، أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال. فنزلت: (فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) فشربها قوم وتركها آخرون
_________________
(١) إلا بعد الإيمان، ولا إلى جهاد الهوى في سبيله إلا بعد هجران الشهوات، ومن وصل إلى ذلك فحق له أن يرجو رحمته. قوله: (نزلت في الخمر أربع آيات)، إلى آخره، قال القفال: الحكم في وقوع التحريم على هذا الترتيب؛ أنه تعالى علم أن القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم به كثيرًا، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج وهذا الرفق. وقلت: ومصداقه ما روينا عن البخاري، عن يوسف بن ماهك أنه قال: قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ لعراقي: "إنما نزل أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا قالوا: لا ندع الزنا" الحديث. ويدل على هذا التدرج قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) [المائدة: ٩١]؛ لأنه كما قال: أبلغ من
[ ٣ / ٣٥٣ ]
ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسًا منهم فشربوا وسكروا فأمّ بعضهم فقرأ: "قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون"؛ فنزلت: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) [النساء: ٤٣]، فقل من يشربها، ثم دعا عتبان بن مالك قوما فيهم سعد بن أبى وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعرًا فيه هجاء الأنصار فضربه أنصاري بلحي بعيرٍ فشجه موضحة، فشكا إلى رسول اللَّه ﷺ فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) إلى قوله (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: ٩٠ - ٩١]، فقال عمر ﵁: انتهينا يا رب. وعن عليّ ﵁: لو وقعت قطرةٌ في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها، ولو وقعت في بحرٍ ثم جفت ونبت فيه الكلأ لم أرعه. وعن ابن عمر ﵄: لو أدخلت أصبعى فيه لم تتبعني
_________________
(١) صريح النهي. كما أنه ذكر عقيب الصوارف. ولاستعمال (هَلْ) في غير مقتضاها قال الزجاج: معناه التحضيض على الانتهاء والتهديد على ترك الانتهاء. قوله: (فشجه موضحة) نصب على أنه مفعول مطلق من "شجه"، والموضحة: الشجة التي توضح العظم. قوله: (ونبت فيه الكلأ لم أرعه)، الأساس: رعت الماشية الكلأ، وارتعت، ورعاها صاحبها، وهو راعي الإبل، وهو يحتمل وجهين، أحدهما: أنه مجاز عن الأكل على التوسعة، قال في قوله تعالى: (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) [يوسف: ١٢] يريد يتسع في أكل الفواكه وغيرها.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
وهذا هو الإيمان حقًا وهم الذين اتقوا اللَّه حق تقاته. والخمر: ما غلا واشتدّ وقذف بالزبد من عصير العنب، وهو حرام، وكذلك نقيع الزبيب أو التمر الذي لم يطبخ، فإن طبخ حتى ذهب ثلثاه، ثم غلا واشتدّ ذهب خبثه ونصيب الشيطان، وحلّ شربه ما دون السكر إذا لم يقصد بشربه اللهو والطرب عند أبي حنيفة، وعن بعض أصحابه: لأن أقول مرارًا: هو حلال أحبّ إليّ من أن أقول مرةً: هو حرام، ولأن أخرّ من السماء فأتقطع قطعًا أحبّ إليّ من أن أتناول منه قطرة. وعند أكثر العلماء؛ هو حرام؛ كالخمر، وكذلك كل ما أسكر من كل شراب. وسميت خمرًا؛ لتغطيتها العقل والتمييز، كما سميت سكرًا؛ لأنها تسكرهما، أي: تحجزهما، وكأنها سميت بالمصدر من خمره خمرًا؛ إذا ستره للمبالغة. والميسر: القمار: مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما،
_________________
(١) وثانيهما: الأصل: لم ترعه ماشيتي، فحذف المضاف- أي: ماشية- وأقيم المضاف إليه- أي: ضمير المتكلم- مقامه، فانقلب الفعل من لفظ الغائب إلى المتكلم، كذا قدر محيي السنة في (يَرْتَعْ)، والمصنف في قوله: (لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) [الكهف: ٦٠]، وهذا أبلغ، ومقام الإغراق في الوصف له أدعى. قوله: (والخمر: ما غلا واشتد)، الراغب: الخمر: ستر الشيء، ويقال لما يستر به، لكن الخمار صار في التعارف لما تغطي به المرأة رأسها، وخمرت الإناء: غطيته، وكذلك خمرت العجين، وسميت الخميرة لكونها مخمورة، والخمار: الموروث من الخمر، جعل بناؤه بناء الأدواء نحو: الكباد والصداع، وخامره الحزن: إذا استولى عليه حتى ستر فهمه وبنحوه حتى سمي غمًا، وأصله من الستر.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
يقال: يسرته؛ إذا قمرته، واشتقاقه من اليسر؛ لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولةٍ من غير كد ولا تعب، أو من اليسار؛ لأنه سلب يساره. وعن ابن عباس ﵄: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله قال:
أقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِى
أي: يفعلون بي ما يفعل الياسرون بالميسور. فإن قلت: كيف صفة الميسر؟ قلت: كانت لهم عشرة أقداح؛ وهي: الأزلام والأقلام والفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح والوغد، لكل واحدٍ منها نصيب معلوم من جزورٍ ينحرونها ويجزئونها عشرة أجزاء، وقيل ثمانية وعشرين إلا لثلاثة، وهي: المنيح والسفيح والوغد، ولبعضهم:
لِيَ فِى الدُّنْيَا سِهَامٌ … لَيْسَ فِيهِنَّ رَبِيحُ
وَأسَامِيهِنَّ وَغْدٌ … وَسَفِيحٌ وَمنِيحُ
_________________
(١) قوله: (قمرته)، أي: غلبته في القمار، "يخاطر" أي: يراهن ويقامر. قوله: (أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني) تمامه: ألم تعلموا أني ابن فارس زهدم "ييسرونني" أي: يقتسمونني كما تقتسم أعضاء الجزور في الميسر. قال الزجاج: الميسر إنما كان قمارًا في الجزور خاصة، وجعل كل القمار قياسًا عليه.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
_________________
(١) يقول الشاعر: إنهم أخذوا فداه فاقتسموا، فكأنهم اقتسموا نفسه، والشعب: موضع، وزهدم: اسم فرس، وفي رواية صاحب "المطلع": ألم تيأسوا موضع "ألم تعلموا"، وهو في لغة النخع: "ألم تعلموا"، ومنه قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا) [الرعد: ٣١]، أي: أفلم يعلم. وقال صاحب "المطلع": كانت لهم عشرة أقداح تسمى الأزلام ذوات الأنصباء منها سبعة: الفذ، وله سهم وفيه في اليسر فرض، والتوأم وله سهمان وفيه فرضان، وعلى هذا: الرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل والمعلى، يزداد في كل واحد منها سهم وفرض، والتي لا حظوظ لها: المنيح والسفيح والوغد، وهي الثلاثة تسمى أغفالًا لخلوها عن السهام، وإنما تخلط بذوات السهام في الربابة وهي خريطتها ليكثر عددها، ويؤمر الحرضة الإجالة، وهو الضارب، ولهذا تشد عيناه عند الضرب، وإذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزورًا نسيئة ويضرب للسبعة الياسرين ليعلم من يجب عليه الثمن، ثم ينحرونه قبل أن ييسروا ويقسمونه عشرة أقسام، وهو قول أكثر الأئمة، وقال الأصمعي: ثمانية وعشرين سهمًا، ولو كان كما قال لا يظهر الفوز والغرم، وإذا ضرب القداح وخرج الفذ وله نصيب واحد، أخذ صاحبه عشر أعشار الجزور، وسلم من غرم الثمن واعتزل القوم، وإن كان الذي خرج أولًا التوأم أخذ صاحبه عشرين من أعشار الجزور وسلم واعتزل، وكذلك كل خارج منها إلى المعلى، فإن صاحبه يأخذ من أعشار قدحه ويعتزل، ثم يعيد الحرضة الإجالة ثانية، ثم يخرج سهمًا، فإن خرج بعد الفذ التوأم أخذ صاحبه السهمين وسلم واعتزل، وإن كان الرقيب أخذ ثلاثة أسهم على هذا، يجيلها مرة بعد أخرى ويخرج في كل مرة سهمًا إلى أن يستغرق الأجزاء العشرة من الجزور ويظهر الفوز والغرم، فإن فضلت حصص السهام على أعشار الجزور، كما إذا خرج أولًا المعلى ثم المسبل، فهذه ثلاثة عشر نصيبًا، أخذ صاحب المعلى سبعة من الأعشار، وصاحب المسبل ثلاثة، وغرم له الذين لم تخرج سهامهم قيمة ثلاثة أعشار مع ثمن الجزور بعد سهامهم، فقس على هذا. تم كلام صاحب "المطلع".
[ ٣ / ٣٥٧ ]
للفذ سهم؛ وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة؛ يجعلونها في الربابة وهي خريطة، ويضعونها على يدي عدلٍ ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجلٍ رجلٍ قدحًا منها، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئًا وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه، ويسمونه البرم. وفي حكم الميسر: أنواع القمار، من النرد والشطرنج وغيرهما. وعن النبي ﷺ: «إياكم وهاتين اللعبتين المشئومتين فإنهما من ميسر العجم». وعن عليّ ﵁: أنّ النرد والشطرنج من الميسر. وعن ابن سيرين: كل شيءٍ فيه خطر فهو من الميسر. والمعنى: يسألونك عما في تعاطيهما، بدليل قوله تعالى: (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ)
_________________
(١) قوله: (ويسمونه البرم)، الجوهري: هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. النهاية: الأبرام: اللئام، واحده برم، بفتح الراء. قوله: (إياكم وهاتين الكعبتين المشؤومتين)، روينا عن مسلم وأبي داود، عن بريدة: أن رسول الله ﷺ قال: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في دم خنزير"، وفي رواية أبي داود:
[ ٣ / ٣٥٨ ]
(وَإِثْمُهُما) وعقاب الإثم في تعاطيهما (أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) وهو الالتذاذ بشرب الخمر والقمار، والطرب فيهما، والتوصل بهما إلى مصادقات الفتيان ومعاشراتهم، والنيل من مطاعمهم ومشاربهم وأعطياتهم وسلب الأموال بالقمار، والافتخار على الأبرام. وقرئ: (إثم كثير) بالثاء، وفي قراءة أبيّ: (وإثمهما أقرب). ومعنى الكثرة: أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة. (الْعَفْوَ) نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع، قال:
خُذِى الْعَفْوَ مِنِّى تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي
_________________
(١) "غمس يده في لحم خنزير ودمه"، وعن مالك وأبي داود: "من لعب بنرد أو نردشير فقد عصى الله ورسوله". قوله: (وقرئ: "إثم كثير")، بالثاء المثلثة: حمزة والكسائي. قوله: (الجهد)، النهاية: الجهد، بالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة، وأما المشقة والغاية فالفتح لا غير. قوله: (خذي العفو مني تستديمي مودتي). الشعر لأبي الأسود الدؤلي يخاطب به امرأته، وتمامه قوله: ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
[ ٣ / ٣٥٩ ]
ويقال للأرض السهلة: العفو. وقرئ بالرفع والنصب. وعن النبي ﷺ: أنّ رجلًا أتاه ببيضةٍ من ذهب أصابها في بعض المغازي، فقال: خذها مني صدقة فأعرض عنه رسول اللَّه ﷺ فأتاه من الجانب الأيمن، فقال: مثله، فأعرض عنه ثم أتاه من الجانب الأيسر فأعرض عنه، فقال: "هاتها" مغضبًا
_________________
(١) سورة الغضب: شدته وحدته. وبعده قوله: وإني رأيت الحب في الصدر والأذى … إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب المعنى: إن أردت دوام المودة وبقاء المحبة فخذي السهل، وهو: أن لا تنطقي في حال حدة غضبي، فإن الحب والأذى إذا دخلا في الصدر لا يلبث الحب معه، فهما ضدان لا يجتمعان. قوله: (وقرئ بالرفع والنصب)، أبو عمرو: "قل العفو" بالرفع، والباقون: بالنصب. قوله: (أن رجلًا أتاه ببيضة)، الحديث من رواية أبي داود عن جابر، قال: كنا عند رسول الله ﷺ، إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله، أصبت هذه من معدن، فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، فأتاه من قبل ركنه الأيمن، فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر، فأعرض عنه، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله ﷺ فخذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته، فقال رسول الله ﷺ: "يأتي أحدكم بجميع ما يملك فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى". النهاية: "عن ظهر غنى" أي: ما كان عفوًا قد فضل عن غنى، وقيل: أراد: ما فضل عن العيال، والظهر قد يراد في مثله هذا إشباعًا للكلام وتمكينًا، كأن صدقته مسندة إلى ظهر قوي من المال.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
فأخذها فخذفه بها خذفًا لو أصابه لشجه أو عقره، ثم قال: «يجيء أحدكم بماله كله يتصدّق به ويجلس يتكفف الناس! إنما الصدقة عن ظهر غنى» (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) إمّا أن يتعلق بـ (تتفكرون) فيكون المعنى: لعلكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما هو أصلح لكم، كما بينت لكم أنّ العفو أصلح من الجهد في النفقة، أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع. ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله: (وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب العظيم؛ وإمّا أن يتعلق بـ (يُبَيْنُ)
_________________
(١) قوله: (فخذفه) بالخاء المعجمة، وعلى ما روينا: بالحاء المهملة، النهاية: الخذف: رميك حصاة أو نواة تأخذها بين إبهامك وسبابتك وترمي بها، أو ترمي بها بالخشب. قوله: ٠ يتكفف) أي: يمد كفه يسأل الناس. قوله: (وإما أن يتعلق بـ (يُبَيِّنَ»: عطف على قوله: "إما أن يتعلق بـ (تَتَفَكَّرُونَ) "، فعلى أن يتعلق بـ (تَتَفَكَّرُونَ): المشار إليه بقوله: (كَذَلِكَ) إما جواب السؤال الثاني، وهو قوله: (قُلْ الْعَفْوَ)، وهو لكونه إرشادًا إلى الأصلح في النفقة، وقد وقع مشبهًا به لبيان الآيات، يدخل فيه سائر الأحكام الشرعية مما له مدخل في تحري الأصلح، وإليه الإشارة بقوله: "فتأخذون بما هو أصلح لكم"، هذا بالنظر إلى العفو في الإنفاق نفسه، وأما بالنظر إلى أن يقع الإنفاق راجعًا إلى السائل، ووقع مشبهًا به، فيدخل فيه الكلام في تحري إيثار ما فيه النفع من الدارين؛ لأن الإنفاق على الفضل من غير تقتير ولا تبذير، أبقى لمال المنفق، وأنفع له من الإسراف، وفيه تنبيه على أن إيثار الآخرة على الدنيا لكونها أبقى وأكثر نفعًا من شيمة العارف بالأمور المتفكر فيها، وإليه الإشارة بقوله: "أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع". وأما إذا كان المشار إليه متعلق جواب السؤال الأول، وهو قوله: (وَإِثْمُهُمَا)،
[ ٣ / ٣٦١ ]
على معنى: يبين لكم الآيات في أمر الدارين، وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون. لما نزلت (إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا) [النساء: ١٠] اعتزلوا اليتامى وتحاموهم، وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم والاهتمام بمصالحهم، فشق ذلك عليهم، وكاد يوقعهم في الحرج، فقيل: (إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم. (وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ) وتعاشروهم ولم تجانبوهم فهم فَإِخْوانُكُمْ في الدين ومن حق الأخ أن يخالط أخاه. وقد حملت المخالطة على المصاهرة. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) أي: لا يخفى على اللَّه من داخلهم بإفساد وإصلاح فيجازيه على حسب مداخلته فاحذروه، ولا تتحروا غير الإصلاح
_________________
(١) فالمعنى ما قال: "لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا" إلى آخره، وعلى أن يتعلق بقوله: (يُبَيِّنَ) يكون قوله: (تَتَفَكَّرُونَ) عامًا فيما يتفكر فيه أو مطلقًا، ويكون المشار إليه بـ (كَذَلِكَ) جميع ما سبق من أول السورة، أو جميع ما بين في التنزيل، والمعنى: مثل هذا البيان المذكور في كل ما تأتون وتذرون يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة، لعلكم تتفكرون في جميع ذلك، أو تكونون من أهلا لتفكر ومن زمرة المتدبرين. وقال صاحب "المرشد": واختلفوا في ناصب (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)، منهم من قال: إنه منتصب بـ (تَتَفَكَّرُونَ)، ومنهم من قال: منتصب بـ (يُبَيِّنُ اللَّهُ)، والوجهان بعيدان، فلا يوقف على قوله (تَتَفَكَّرُونَ) لئلا يلزم الفصل بين العامل والمعمول، والوقف التام عند قوله: (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ). قوله: (وقد حملت المخالطة على المصاهرة)، النهاية: الصهر: ما كان من خلطة تشبه القرابة يحدثها التزويج. قال الزجاج: كانوا يظلمون اليتامى فيتزوجون منهم العشر، ويأكلون أموالَهم مع أموالِهم، فشدد عليهم في أمر اليتامى تشديدًا خافوا معه التزوج بنساء اليتامى ومخالطتهم،
[ ٣ / ٣٦٢ ]
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ) لحملكم على العنت - وهو المشقة- وأحرجكم فلم يطلق لكم مداخلتهم. وقرأ طاووس: (قل إصلاح إليهم) ومعناه: إيصال الصلاح وقرئ (لاعنتكم)، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، وكذلك (فَلا إِثْمَ) [البقرة: ١٧٣].
(إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم، ولكنه (حَكِيمٌ) لا يكلف إلا ما تتسع فيه طاقتهم.
[(وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)].
_________________
(١) فأعلم الله تعالى أن الإصلاح لهم هو خير الأشياء، وأن مخالطتهم في التزويج مع تحري الإصلاح جائزة، ويجيء تفسير الآية في "النساء" إن شاء الله. قوله: (لحملكم على العنت)، الراغب: المعانتة: كالمعاندة، لكن المعانتة أبلغ؛ لأنها معاندة فيها خوف وهلاك، ولهذا يقال: عنت فلان: إذا وقع في أمر يخاف منه التلف، يعنت عنتًا، ويقال: عنته غيره، قال تعالى: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) [التوبة: ١٢٨]. قوله: ("لاعنتكم"، بطرح الهمزة)، قرأ البزي من رواية أبي ربيعة عنه بتليين الهمزة، والباقون: بتحقيق الهمزة، قيل: أسقط في الكتابة ما أسقط في القراءة من الهمزة.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
(وَلا تَنْكِحُوا) وقرئ بضم التاء، أي: لا تتزوّجوهنّ، أو: لا تزوّجوهن. والْمُشْرِكاتِ: الحربيات. والآية ثابتة. وقيل: المشركات: الكتابيات والحربيات جميعًا؛ لأن أهل الكتاب من أهل الشرك؛ لقوله تعالى: (وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) إلى قوله تعالى: (سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة: ٣٠ - ٣١]، وهي منسوخة بقوله تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥]، وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط، وهو قول ابن عباس، والأوزاعى. وروي: أنّ رسول اللَّه ﷺ بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين، وكان يهوى امرأةً في الجاهلية اسمها عناق، فأتته وقالت: ألا نخلو؟ فقال: ويحك! إن الإسلام قد حال بيننا. فقالت: فهل لك أن تتزوّج بي؟ قال: نعم، ولكن أرجع إلى رسول اللَّه ﷺ فاستأمره. فاستأمره؛ فنزلت. (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ): ولامرأة مؤمنة حرّة كانت أو مملوكةً، وكذلك (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ)؛ لأنّ الناس كلهم عبيد اللَّه وإماؤه. (وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ): ولو كان الحال أنّ المشركة تعجبكم وتحبونها،
_________________
(١) قوله: (وَلا تَنكِحُوا) قرئ بضم التاء)، قال الزجاج: هذا وجه، ولا أعلم أحدًا قرأ به. قوله: (وكذلك: (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ» أي: ولعبد مؤمن حرًا كان أو عبدًا، الراغب: فيه إشارة مجملة إلى فضل العبد المؤمن على الحر المشرك، وبيان فضيلته يحتاج إلى مقدمة، وهي: أن الشيئين إذا تشككت أيهما أفضل أخذت كل واحد منهما مع ضد الآخر، فأيهما هو المؤثر حكمت له، مثاله: إن شك في العلم والغنى أيهما أفضل، تقول: انظر: هل الغنى مع الجهل أفضل أم الفقر مع العلم؟ فإذا علمت أن الفقر مع العلم أفضل من الجهل مع الغنى علمت
[ ٣ / ٣٦٤ ]
فإنّ المؤمنة خير منها مع ذلك، (أُولئِكَ) إشارة إلى المشركات والمشركين، أي: يدعون إلى الكفر، فحقهم أن لا يوالوا، ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا المناصبة والقتال، (وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ) يعني: وأولياء اللَّه- وهم المؤمنون- يدعون إلى الجنة، (وَالْمَغْفِرَةِ)، وما يوصل إليهما؛ فهم الذين تجب موالاتهم ومصاهرتهم، وأن يؤثروا على غيرهم. (بِإِذْنِهِ): بتيسير اللَّه وتوفيقه للعمل الذي تستحق به الجنة والمغفرة.
وقرأ الحسن: (والمغفرة بإذنه) بالرفع، أي: والمغفرة حاصلة بتيسيره
_________________
(١) أن العلم أفضل من الغنى، فإذا ثبت ذلك، والعبد هو الذي ملك منافعه مدة، والحر هو الذي لم تملك منافعه، والمؤمن هو المستحق للثواب الدائم، والمشرك هو المستحق للعقاب الدائم، فينظر: هل من ملك منافعه مدة ثم أثيب دائمًا أفضل؟ أم من لم تستحق منافعه مدة ويعاقب دائمًا؛ فإذا علمنا أن الأول خير علمنا أن العبد المؤمن خير من الحر المشرك. قوله: (أي: يدعون على الكفر) تفسير لقوله: (يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)، أي: الكفر المؤدي إلى النار. قوله: (يعني: وأولياء الله) أي: حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه تفخيمًا لشأنهم، وإنما قدر المضاف لأن قوله: (بِإِذْنِهِ) لا يستقيم من غير تقدير إذ لا يقول: الله يدعو بإذنه، ولأنه واقع في مقابل (أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)، وهم أعداء الله، قوبل بأولياء الله. قوله: (وأن يؤثروا على غيرهم) صح بغير "لا" من نسخة المعزي، وفي نسخة الصمصام: "وأن لا يؤثروا على غيرهم"، مع "لا" وقال المطرزي: الصواب: وأن لا يؤثر عليهم غيرهم. قوله: «بِإِذْنِهِ): بتيسير الله وبتوفيقه للعمل)، قال المصنف: هو مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب، وذلك ما يمنحهم من اللطف والتوفيق.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
[(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ* نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)].
الْمَحِيضِ: مصدر، يقال: حاضت محيضًا، كقولك: جاء مجيئًا، وبات مبيتا. (قُلْ هُوَ أَذىً) أي: الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرةً منه وكراهة له، (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ): فاجتنبوهنّ، يعني: فاجتنبوا مجامعتهنّ. روي: أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجالسوها على فرش، ولم يساكنوها في بيت، كفعل اليهود والمجوس، فلما نزلت أخذ المسلمون بظاهر اعتزالهنّ؛ فأخرجوهنّ من بيوتهم، فقال ناس من الأعراب: يا رسول اللَّه، البرد شديد، والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض. فقال ﷺ: "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهنّ من البيوت كفعل الأعاجم".
وقيل: إنّ النصارى كانوا يجامعونهنّ ولا يبالون بالحيض، واليهود كانوا يعتزلونهنّ في كل شيء، فأمر اللَّه بالاقتصاد بين الأمرين
_________________
(١) ـ قوله: (المحيض: مصدر). قال الزجاج: يقال: حاضت المرأة، تحيض حيضًا ومحاضًا ومحيضًا، وعند النحويين: أن المصدر في هذا الباب بابه "المَفْعِل" لكن "المَفْعَل" جيد بالغ. قوله: (فاجتنبوهن، يعني: فاجتنبوا مجامعتهن)، وهو كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ) [النساء: ٢٣]، أي: نكاحهن، وفيه مبالغة، ولذلك وصف المحيض بالأذى، ورتب عليه الحكم بالفاء.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
وبين الفقهاء خلاف في الاعتزال: فأبو حنيفة وأبو يوسف يوجبان اعتزال ما اشتمل عليه الإزار، ومحمد بن الحسن لا يوجب إلا اعتزال الفرج. وروى محمد حديث عائشة ﵂: أنّ عبد اللَّه بن عمر سألها: هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: تشدّ إزارها على سفلتها، ثم ليباشرها إن شاء، وما روى زيد بن أسلم: أنّ رجلًا سأل النبي ﷺ: ما يحلّ لي من امرأتى وهي حائض؟ قال: لتشدّ عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة، وقد جاء ما هو أرخص من هذا
_________________
(١) ـ قوله: (وروى محمد حديث عائشة ﵂)، وحديثها مذكور في "الموطأ" وفيه بدل "سفلتها": "أسفلها"، السافلة: المقعد والدبر، والسفلة، بكسر الفاء: قوائم البعير، من "الصحاح"، وحديث زيد بن أسلم أيضًا في "الموطأ". قوله: (ثم شأنك بأعلاها)، النهاية: أي: استمتع بها فوق فرجها، فإنه غير مضيق عليك، "وشأنك": منصوب بإضمار "فعل"، ويجوز رفعه على الابتداء. قوله: (وهذا قول أبي حنيفة)، يعني: روى محمد بن الحسن الحديث الثاني، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة، ثم ذكر محمد بن الحسن الحديث الثالث تقوية لمذهبه، ويجوز أن يكون "وقد جاء … " من كلام المصنف.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
عن عائشة ﵂: أنها قالت: يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك. وقرئ: (يطهرن) بالتشديد، أي: يتطهرن، بدليل قوله: (فَإِذا تَطَهَّرْنَ)، وقرأ عبد اللَّه: (حتى يتطهرن) و(يطهرن) بالتخفيف، والتطهر: الاغتسال، والطهر: انقطاع دم الحيض، وكلتا القراءتين مما يجب العمل به، فذهب أبو حنيفة إلى أن له أن يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل، وفي أقل الحيض لا يقربها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاةٍ كامل. وذهب الشافعي ﵁ إلى أنه لا يقربها حتى تطهر وتتطهر فتجمع بين الأمرين. وهو قول واضح، ويعضده قوله: (فَإِذا تَطَهَّرْنَ)
_________________
(١) ـ قوله: (شعار الدم)، المغرب: الشعار: العلامة، وشعار الدم: أي: الخرقة، أو: الفرج، على الكناية؛ لأن كلًا منهما علم للدم. وفيه أريد بشعار الدم: الخرقة والإزار، فعلى هذا إن أريد بالشعار الإزار فهو قول أبي حنيفة، وإن أريد به الفرج والكرسف فهو قول محمد، وفي قول محمد: "قد جاء ما هو أرخص من هذا" إشعار بأن المراد منا لشعار الكرسف والفرج. قوله: (وقرئ: "يطهرن" بالتشديد) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص: بالتخفيف، والباقون: بالتشديد، وقراءة عبد الله: شاذة. قوله: (وهو قول واضح)، أي: ظاهر الآية يدل عليه، فإن قوله: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) حكم مرتب على الوصف المناسب، فعلم أن الموجب كونه أذى، فإذا انتفى الأذى
[ ٣ / ٣٦٨ ]
(مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ): من المأتى الذي أمركم اللَّه به وحلله لكم؛ وهو القبل. (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) مما عسى يندر منهم من ارتكاب ما نهوا عنه من ذلك، (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) المتنزهين عن الفواحش، أو إنّ اللَّه يحبّ التوّابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب المتطهرين من جميع الأقذار، كمجامعة الحائض والطاهر قبل الغسل، وإتيان ما ليس بمباح، وغير ذلك. (حَرْثٌ لَكُمْ): مواضع حرثٍ لكم. وهذا مجاز،
_________________
(١) ـ يجوز قربانهن، ثم قوله: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) لابد له من فائدة زائدة على ذلك، فإذا أريد بالطهارة انقطاع الدم، كان تكريرًا والمقام لا يقتضيه. فيجب حمله على الاغتسال، ويعضده قوله: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) فإنه بناءُ مبالغة يقتضي التطهر التام، والفاء نتيجة، أي: إذا حصل الطهارتان فلا تفعلوا ما هو أقذر من ذلك من الإتيان في أدبارهن، بل (فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) مما عسى يبدر منكم من القربان في المحيض، (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ): المجتنبين عن تلك الفاحشة المتنزهين عن الإتيان في الأدبار؛ لأنه فاحشة فيكون المشار إليه بقوله: "من ذلك" ما يفهم من قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)، والمراد بالمتطهرين: المجتنبون عن تلك الفاحشة، ويجوز العكس، ويجوز أن يكون المشار إليه النهيين المذكورين في الآية، ومعنى النهي في الثاني بناءً على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وعلى الوجه الآتي القرينتان، أعني التوابين والمتطهرين، علامتان كقوله أولًا: "التوبة من كل ذنب"، وثانيًا: "المطهرين من جميع الأقذار" وهذا الوجه أنسب بالاعتراض الواقع بين البيان والمبين، وأدعى للمقام، ولذلك صرح بمجامعة الحائض والطاهر قبل الغسل وإتيان ما ليس بمباح. قوله: (مما عسى يبدر منهم) بالياء والباء، وفي نسخة الصمصام: بالياء والنون. الجوهري: بدرت منه بوادر غضب، أي: خطأ وسقطات عندما احتد، والبادرة: البديهة، بدرت إلى الشيء، أبدر إليه بدورًا، شرعت، وكذلك: بادرت إليه. قوله: (مواضع حرث لكم، وهذا مجاز)، فإن قلت: هذا يوهم أن التشبيه مجاز وأن قوله
[ ٣ / ٣٦٩ ]
شبهن بالمحارث تشبيهًا لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور. وقوله: (فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) تمثيل، أي: فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي: جهةٍ شئتم، لا يحظر عليكم جهة دون جهة …
_________________
(١) ـ تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ): استعارة وليس به لورود المشبه والمشبه به في الكلام، فإن قوله: (نِسَاؤُكُمْ): مشبه، و(حَرْثٌ لَكُمْ): مشبه به، أي: نساؤكم كمواضع حرث لكم، والتشبيه حقيقة من الحقائق، فما القول فيه؟ قلت: أما على مذهب ابن الأثير فظاهر؛ لأن التشبيه عنده مجاز، وذلك أن إلحاق الناقص بالكامل لأجل المبالغة في قولك: زيد أسد، بدل: شجاع، تعدى اللفظ من مكانه الأصلي. أما عند المحققين فهو تشبيه بليغ كما مر، فإذن المراد بقوله: "هذا مجاز" أي: وضع (حَرْثٌ) موضع "مواضع حرث لكم" مجاز، نحو قوله تعالى: (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢]. وقوله: "شبهن بالمحارث": جملة مستأنفة، بيان للتركيب وصحة تشبيه النساء بمواضع الحرث؛ لأن قوله: "تشبيهًا لما يلقى في أرحامهن": مفعول مطلق، نحو: ضربت ضرب الأمير، يعني: شبهت النساء بالأراضي مثل ما شبهت النطف بالبذور، والظاهر أن يكون مفعولًا له؛ لأن الغرض من التشبيه ذلك. فإن قلت: ما قولك في قوله: (فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) تمثيل، ثم قوله: "من الكنايات"؟ قلت: أما التمثيل فباعتبار المعاني المنتزعة من إتيان المرأة من أي جهة شاء بعد توخي موضع الحرث وتحري رضاء الله تعالى، مثل هذه الحالة بحالة الزارع الذي له أن يأتي أراضيه المملوكة للحرث من أي جهة شاء لا يمنعه مانع، فالوجه منتزع من عدة أمور متوهمة، وهو عدم الحرج والتضييق في الإتيان بعد أن يكون المقصد واحدًا، وأما الكناية فباعتبار أخذ الزبدة والخلاصة من هذا المجموع. قوله: (وقوله): مبتدأ، والمذكورات بعده مفعوله، وقوله: "من الكنايات": الخبر، أي:
[ ٣ / ٣٧٠ ]
والمعنى: جامعوهن من أي: شق أدرتم بعد أن يكون المأتى واحدًا؛ وهو موضع الحرث. وقوله: (هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ)، (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ)، (فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة، وهذه وأشباهها في كلام اللَّه آداب حسنة على المؤمنين أن يتعلموها، ويتأدّبوا بها، ويتكلفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم. وروي: أن اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته وهي مجبية من دبرها في قبلها؛
_________________
(١) ـ المذكورات الأربع كل واحد منها من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة، والتعريضات: عطف على الكنايات على سبيل البيان. يعني أنها تعريضات واقعة على طريق الكناية، أما قوله: (هُوَ أَذًى) فكناية عن قوله: "شيء مستقذر" كما قدره؛ لأن المستقذرات مستلزمة للأذى، ووجه حسنها: أن المراد الاجتناب عنه، فيجب أن يكني بلفظ [لا] يوحش السامع كما سبق في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: ١٨٧]، وأما قوله: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ) فهو كناية عن اجتناب قربانهن ومجامعتهن، ووجه حسنها: لفظ الاعتزال، فإنه يدل على التبعيد منهن لتناسب الأذى وإظهار لفظ النساء وتصريح المحيض، ورتب هذا الحكم على تلك الصفة، وأما قوله: (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ) فكناية عن إتيانهن في قبلهن، ووجه حسنها: الإشعار بأن في المأمور به فوائد غير ما ورد الكلام له من طلب النسل، والتحصن وغير ذلك، قال الزجاج: أي: ولا تقربوهن وهن طامثات، ولا معتكفات، ولا صائمات، ولا محرمات. وفي تخصيص اسمه الأعظم في هذا المقام معان وحكم لا تحصى، وأما قوله: (فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) فعلى ما سبق. قوله: (وهي مجبية)، النهاية: في حديث جابر: كانت اليهود تقول: إذا نكح الرجل امرأته مجبية جاء الولد أحول، أي: منكبة على وجهها تشبيهًا بهيئة السجود، والرواية عن البخاري،
[ ٣ / ٣٧١ ]
كان ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ، فقال: "كذبت اليهود" ونزلت. (وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ) ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة، وما هو خلاف ما نهيتكم عنه. وقيل: هو طلب الولد. وقيل: التسمية على الوطء. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) فلا تجترئوا على المناهي، (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ)؛ فتزوّدوا ما لا تفتضحون به، (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) المستوجبين للمدح والتعظيم بترك القبائح وفعل الحسنات. فإن قلت: ما موقع قوله: (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) مما قبله؟ قلت: موقعه موقع البيان والتوضيح لقوله: (فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ)، يعني: أنّ المأتى الذي أمركم اللَّه به هو مكان الحرث؛ ترجمة له وتفسيرًا، أو إزالة للشبهة، ودلالةً على أنّ الغرض الأصيل في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة، فلا تأتوهنّ إلا من المأتى الذي يتعلق به هذا الغرض.
_________________
(١) ـ ومسلم، وأبي داود، والترمذي، عن جابر: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت (نِسَاؤُكُمْ). قوله: (فتزودوا ما لا تفتضحون به)، يريد أن ذكر الملاقاة بعد ذكر التقوى مؤذن بأن المراد بقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) التقوى الذي ذكر في قوله: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة: ١٩٧]، ثم الوافد يحتاج في سفره إلى تقديم الوسيلة إلى من يقصد إليه، وإليه الإشارة بقوله: (وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ). قوله: (ترجمة له وتفسيرًا وإزالة للشبهة)، وفي أكثر النسخ: "أو إزالة"، وفي نسخة بولغ في تصحيحها بالواو، وهي منصوبة على أنها مفعول له لقوله: "يعني"، أو لقوله: "موقع البيان"، ويجوز أن تكون مفعولًا مطلقًا أو حالًا. اعلم أن قوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) لما ورد بغير العاطف صلح أن يكون بيانًا لقوله تعالى: (فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ)؛ لأنها تدل بمنطوقها على الموضع المبهم، ومن حيث
[ ٣ / ٣٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ مفهومها على شيئين آخرين لأن الأمر أن أحدهما: أن الأمر بإتيانهن قد يتوهم منه أن يكون لمجرد الشهوة، أو لطلب الولد، فبين بقوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) الموضع الذي ينبغي أن يؤتى فيه، فأزيل طلب مجرد الشهوة، فإن الحرث مختص بالمكان الذي يتأتى فيه البذر والزرع، والحاصل أن من حق الظاهر أن توضح الكناية بالتصريح ليتبين المقصود ظاهرًا، فبينت هذه الكناية بكناية أخرى، لتلك النكتة السرية، وليناط بها مسألتان على سبيل الإدماج، إحداهما: أن النساء كالأراضي، مملوكات للرجال. وثانيتهما: رفع الجناح عما كان يجتنبه اليهود من التجبية، ثم السر في جعل (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) اعتراضًا بين البيان والمبين، وتوكيدًا لمضمونهما، وإيثار بناء الفعل في (الْمُتَطَهِّرِينَ) من التفعل، وإيقاع المحبة عليه، وتخصيص اسم الله الجامع بعد سبق ذكر الأذى والمحيض: للإعلام بتوخي تكلف الطهارة وتحري العروج من حضيض السفالة إلى يفاع مدارج قدس تجلي المحبة. وفي "اللطائف القشيرية": إن الله يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين من العيوب، ويحب التوابين من الزلة المتطهرين من العلة. انظر أيها الناظر في كلام الله المجيد، المتأمل في دقيق إشاراته ولطيف لمحاته إلى هذه الرموز والتلويحات، لتعرف أن الحديث في الأذى والمحيض إذا اشتمل على هذه النكات، فما الظن في النبوات والإلهيات، والله أعلم. هذا على تقدير الواو، وأما على تقدير "أو" فلا ينبغي أن يجمع بين هذه المعاني، اللهم إلا أن يقال: إن "أو" للإباحة، كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
فإن قلت: ما بال (يَسْئَلُونَكَ) جاء بغير واو ثلاث مرات، ثم مع الواو ثلاثًا؟ قلت: كان سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرّقة، فلم يؤت بحرف العطف؛ لأنّ كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الحوادث الأخر في وقت واحد؛ فجيء بحرف الجمع لذلك؛ كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر، والسؤال عن الإنفاق، والسؤال عن كذا وكذا.
[(وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ)].
العرضة: فعلة بمعنى مفعول، كالقبضة والغرفة، وهي اسم ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء فيعترض دونه ويصير حاجزًا ومانعًا منه. تقول: فلان عرضة دون الخير. والعرضة أيضًا: المعرض للأمر. قال:
فَلَا تَجْعَلُونِى عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ
_________________
(١) ـ قوله: (بغير واو ثلاث مرات)، وهي: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ) [البقرة: ٢١٩]، (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى) [البقرة: ٢١٥]، (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ) [البقرة: ٢١٧]، (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ) [البقرة: ٢١٩]. قوله: (ثم مع الواو ثلاثًا)، وهي: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ) [البقرة: ٢١٩]، (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى) [البقرة: ٢٢٠]، (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ) [البقرة: ٢٢٢]، فالثلاثة الأخيرة التي فيها الواو مع الأخير ما ليس فيه الواو، أعني قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) كأنها جمعت، فلذلك قال: "يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر" إلى آخره. قوله: (فيعترض) هو مطاوع: تعرضه. قوله: (المعرض للأمر) أي: المنصوب له. قوله: (فلا تجعلوني عرضة للوائم) أوله:
[ ٣ / ٣٧٤ ]
ومعنى الآية على الأولى: أنّ الرجل كان يحلف على بعض الخيرات؛ من صلة رحم أو إصلاح ذات بين أو إحسان إلى أحدٍ أو عبادة، ثم يقول: أخاف اللَّه أن أحنث في يمينى؛ فيترك البرّ إرادة البرّ في يمينه،
_________________
(١) ـ دعوني أنح وجدًا كنوح الحمائم يقال: فلان عرضة للناس: لا يزالون يقعون فيه، وجعلت فلانًا عرضة لكذا: إذا نصبته له. الراغب: العرض: خلاف الطول، وأصله أن يقال في الأجسام ثم يستعمل في غيرها كما قال تعالى: (فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) والعرض: خص بالجانب، وأعرض الشيء بدا عرضه، ومنه: عرضت العود على الإناء، واعترض الشيء في حلقه: وقف فيه بالعرض، والعرضة: ما يجعل معرضًا للشيء، قال: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ)، وبعير عرضة للسفر، أي: يجعل معرضًا له. قوله: (ومعنى الآية على الأولى)، أي: على اللغة الأولى، وهي: أن يكون عرضة اسم ما تعرضه دون الشيء. قوله: "إذا حلفت على يمين"، الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. جعل المصنف قوله: "على يمين" بمعنى المحلوف عليه مجازًا، وقيل: "على يمين" معناه: ما يتعلق به اليمين، وهو من إقامة المصدر مقام المفعول، سمي المحلوف عليه يمينًا، لأنها بمعنى الحلف، تقول: حلفت يمينًا، كما تقول: حلفت حلفًا، يدل عليه قوله: "فرأيت غيرها خيرًا"، أي: غير المحلوف عليه.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقال صاحب "النهاية": الحلف: هو اليمين، كما تقول: حلف يحلف حلفًا، وأصلها العقد بالعزم والنية، فخالف بين اللفظين، أي: حلف. "وعلى يمين" تأكيدًا لعقده وإعلامًا أن لغو اليمين لا ينعقد، وعن النسائي، عن أبي موسى، قال: قال النبي ﷺ: "ما على الأرض يمين أحلف عليها فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيته"، فإنه لا يدل إلا على التأكيد؛ لأن "أحلف عليها": صفة مؤكدة "ليمين"، نحو: أمس الدابر لا يعود، أي: من حلف على حلف، كقول المتنبي: أرق على أرقٍ ومثلي يأرق والمعنى: من حلف يمينًا جزمًا لا لغوًا، ثم بدا له أمر آخر إمضاؤه أفضل من إبرار يمينه، فليأت ذلك الأمر، ويكفر عن يمينه، وهو الذي عناه بقوله: "فيترك البر إرادة البر في يمينه"، صورته: ما روينا عن مسلم ومالك والترمذي، عن أبي هريرة: أن رجلًا حلف أن لا يأكل طعامًا قدم بين يديه، ثم بدا له فأكل، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال ﷺ: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها فليأتها، وليكفر عن يمينه".
[ ٣ / ٣٧٦ ]
فقيل لهم: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ)، أي: حاجزًا لما حلفتم عليه. وسمي المحلوف عليه يمينًا؛ لتلبسه باليمين، كما قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك» أي: على شيءٍ مما يحلف عليه. وقوله: (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا) عطف بيانٍ لـ"أيمانكم"، أي: للأمور المحلوف عليها التي هي: البر والتقوى والإصلاح بين الناس. فإن قلت: بم تعلقت اللام في (لأيمانكم)؟ قلت: بالفعل، أي: ولا تجعلوا اللَّه لأيمانكم برزخًا وحجازًا، ويجوز أن يتعلق بـ (عُرْضَةً)؛ لما فيها من معنى الاعتراض،
_________________
(١) ـ قوله: «أَنْ تَبَرُّوا): عطف بيان لـ "أيمانكم") بناءً على أن "أيمانكم" بمعنى المحلوف عليه، فإذن (أَنْ تَبَرُّوا) بمعنى: لأن تبروا. قال الزجاج: المعنى: لا تعترضوا باليمين بالله في أن تبروا [ومعنى الآية]: أنهم كانوا يعتلون في البر بأنهم قد حلفوا، أي: الإثم في الإقامة على ترك البر والتقوى، واليمين إذا كفرت فالذنب مغفور. وقال الإمام: المعنى: لا تجعلوا ذكر الله مانعًا بسبب هذه الأيمان عن فعل البر والتقوى، هذا أجود ما ذكره المفسرون. قوله: (قلت: بالفعل): تقرير الجواب من وجهين، أحدهما: أن تكون اللام صلة، إما لقوله: (وَلا تَجْعَلُوا) أو لـ (عُرْضَةً)، فعلى الأول: (وَلا تَجْعَلُوا) متعد إلى ثلاثة مفاعيل لكن أحدها بالواسطة، وعلى الثاني إلى مفعولين، و"أيمانكم" على التقديرين بمعنى المحلوف عليه، و(أَنْ تَبَرُّوا): بيان له. وثانيهما: أن تكون اللام للتعليل، والأيمان على حقيقتها، ويؤيده قوله: "لأجل أيمانكم به"، ويرجع معنى (أَنْ تَبَرُّوا) إلى كونه إما مفعولًا ثالثًا لتجعلوا، أو متعلق أحد مفعولي جعلوا، وهو: "عرضة"، وإليه الإشارة بقوله: "شيئًا يعترض البر".
[ ٣ / ٣٧٧ ]
بمعنى: لا تجعلوه شيئًا يعترض البر، من: اعترضني كذا؛ ويجوز أن يكون اللام للتعليل، ويتعلق (أن تبروا) بالفعل، أو بالعرضة، أي: ولا تجعلوا اللَّه لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا. ومعناها على الأخرى: ولا تجعلوا اللَّه معرضًا لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به؛ ولذلك ذم من أنزل فيه (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ) [القلم: ١٠] بأشنع المذامّ، وجعل "الحلاف" مقدّمتها- و(أن تبروا) علة للنهى، أي: إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا- لأن الحلاف مجترئ على اللَّه غير معظم له؛ فلا يكون برًا متقيًا، ولا يثق به الناس؛ فلا يدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم. اللغو:
الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره؛ ولذلك قيل لما لا يعتد به في الدية من أولاد الإبل: لغو. واللغو من اليمين: الساقط الذي لا يعتدّ به في الأيمان، وهو الذي لا عقد معه،
_________________
(١) ـ قوله: (أي: إرادة أن تبروا) قيل: إنما قدر "إرادة" ليتحقق شرط حذف اللام، وهو المقارنة؛ لأن البر والتقوى والإصلاح لم تكن مقارنة للنهي، والأولى أن تقدر الإرادة لتكون فعلًا لفاعل الفعل المعلل، وقيل: لا يحتاج إلى تقديرها، فإن حذف اللام على القياس المستمر، قال صاحب "المفتاح": الأصل في المفعول له اللام، فإذا لم يجتمع ما ذكرنا، أي: من الشروط، التزم الأصل إلا في نحو: زرتك أن تكرمني، وأن تحسن إلي. قوله: (لأن الحلاف مجترئ على الله) علة لجعل الحلاف مقدمة المذام. وقوله: «أَنْ تَبَرُّوا): علة للنهي) إلى آخره: معترض بين العلة والمعلول، وقوله: "ولذلك ذم": علة معلل محذوف، المعنى: ولا تجعلوا الله معرضًا لأيمانكم فتبتذلوه؛ لأن تبروا وتتقوا، يعني: لأجل أن تكونوا أبرارًا أتقياء يثق بكم الناس ويدخلونكم في وساطتهم، تبتذلون الله بكثرة الحلف به، وهذا من أشنع الأفعال، ولذلك ذم من أنزل فيه (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ) [القلم: ١٠]، وجعل الحلاف مقدمة المذام؛ لأن الحلاف مجترئ على الله تعالى، إلى آخره.
[ ٣ / ٣٧٨ ]
والدليل عليه: (وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) [المائدة: ٨٩]، (بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)، واختلف الفقهاء فيه: فعند أبي حنيفة وأصحابه: هو أن يحلف على الشيء يظنه على ما حلف عليه ثم يظهر خلافه، وعند الشافعي: هو قول العرب: لا واللَّه، وبلى واللَّه، مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف. ولو قيل لواحد منهم:
سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لأنكر ذلك، ولعله قال: "لا واللَّه" ألف مرة. وفيه معنيان: أحدهما: (لا يُؤاخِذُكُمُ الله) أي: لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم،
_________________
(١) ـ قوله: (بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ) في المائدة [٨٩]، وقلت: وفي قوله: (بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) ذلك المعنى أيضًا، وذلك أن الكسب يستعمل فيما يزاول باليد، كقوله تعالى: (كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) [الشورى: ٣٠]، فاستعماله في القلب استعارة، فيفيد المبالغة. الراغب: قوله: (بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) أعم من قوله: (بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ)، وذلك أن القلب لما كان يعبر به عن الجسد الذي به المعرفة والفكر، ويجري من سائر أجزائه مجرى الراعي من المرعي، نبه بقوله: (بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) أن الاعتداد به دون غيره من الجوارح، حتى إن كل فعل لا يكون عنه وبه سهو أو خطأ متجاوز عنه، ولهذا ورد أن في الإنسان مضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد. قوله: (في المسجد الحرام) فيه نكتة، يعني: الحلف مع انضمام ما يعد مغلظة لاعتبار المقام يعد في العرف لغوًا. قوله: (ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم)، يفهم من كلامه عدم المعاقبة على لغو اليمين،
[ ٣ / ٣٧٩ ]
أي: اقترفته من إثم القصد إلى الكذب في اليمين، وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله، وهي اليمين الغموس
_________________
(١) ـ والمعاقبة على عقدها، ولا يفهم منه ثبوت الكفارة، قال في "البداية": الأيمان على ثلاثة أضرب: يمين الغموس، ويمين منعقدة، ويمين لغو، فاليمين الغموس: هو الحلف على أمر ماض يتعمد الكذب فيه، فهذه اليمين يأثم فيها صاحبها ولا كفارة فيها إلا التوبة، وقال الشافعي ﵁: فيها الكفارة، والمنعقدة: فالحلف على أمر في المستقبل أني فعله أو لا يفعله، وإذا حنث فيها لزمته الكفارة لقوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ) [المائدة: ٨٩]، ويمين اللغو: أن يحلف على أمر ماض وهو يظن أنه كما قال والأمر بخلافه، فهذه اليمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها، قال في "حاشيتها": تجب الكفارة في الغموس عند الشافعي، وكذلك تجب الكفارة عندنا في اللغو المفسر بالتفسير الذي عند الشافعي، ويفهم من ذلك أنه لا تجب الكفارة عندهم في اللغو المفسر بتفسيرهم، وان عقد اليمين ليس على ما فسره المصنف من اليمين الغموس. قوله: (وهي اليمين الغموس)، النهاية: وهي اليمين الكاذبة الفاجرة، كالتي يقتطع بها الحالف مال غيره، سميت غموسًا لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو في النار، وفعول: للمبالغة، وفي الحديث: "اليمين الغموس تذر الديار بلاقع".
[ ٣ / ٣٨٠ ]
والثاني: (لا يُؤاخِذُكُمُ) أي: لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما كسبت قلوبكم، أي: بما نوت قلوبكم وقصدت من الأيمان ولم يكن كسب اللسان وحده. (وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم.
[(لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)].
قرأ عبد اللَّه: (آلوا من نسائهم)، وقرأ ابن عباس ﵄: (يقسمون من نسائهم). فإن قلت: كيف عدي بـ"من"، وهو معدى بـ"على"؟ قلت: قد ضمن في هذا القسم المخصوص معنى البعد فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مؤلين أو مقسمين، ويجوز أن يراد:
_________________
(١) ـ قوله: (ولكن يلزمكم الكفارة بما كسبت قلوبكم) أي: قصدت من الأيمان، هذا المعنى هو الذي عناه صاحب "النهاية" في قوله: "من حلف على يمين"، أي: عقد بالعزم والنية، ويؤيده قوله في الحديث: "وكفر عن يمينك". قوله: (آلوا من نسائهم)، فسر (يُؤْلُونَ) بالماضي لينبه على أن المراد بالمضارع هنا الاستمرار الشامل للأزمنة الثلاثة، بدليل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) [فاطر: ٢٩].
[ ٣ / ٣٨١ ]
لهم (مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، كقولك: لي منك كذا. والإيلاء من المرأة: أن يقول: واللَّه لا أقربك أربعة أشهر، فصاعدًا، على التقليد بالأشهر، أو: لا أقربك على الإطلاق، ولا يكون في مادون أربعة أشهرٍ، إلا ما يحكى عن إبراهيم النخعي. وحكم ذلك: أنه إذا فاء إليها في المدة بالوطء إن أمكنه، أو بالقول إن عجز؛ صح الفيء وحنث القادر ولزمته كفارة اليمين، ولا كفارة على العاجز، وإن مضت الأربعة بانت بتطليقة عند أبي حنيفة،
_________________
(١) ـ قوله: (لهم (من نسائهم تربص» من: لابتداء الغاية، قال أبو البقاء: اللام في (لِلَّذِينَ) متعلق بمحذوف وهو: الاستقرار، وهو خبر والمبتدأ: (تَرَبُّصُ)، وعلى قول الأخفش هو فعل وفاعل، وأما (مِن) فقيل: يتعلق بـ (يُؤْلُونَ)، يقال: آلى من امرأته وعلى امرأته، وقيل: الأصل: على، ولا يجوز أن يقام "من" مقام "على"، فعند ذلك تتعلق "من" بمعنى الاستقرار، وإضافة التربص إلى الأشهر إضافة المصدر إلى المفعول فيه في المعنى وهو مفعول به على السعة. وضع المصنف الضمير في "لهم" موضع الموصول مع صلتها في التنزيل ليظهر تعلق "من" بالجار والمجرور لا بالصلة. قوله: (والإيلاء من المرأة: أن يقول)، الراغب: الإيلاء: الحلف المقتضي للتقصير في الأمر الذي يحلف عليه من قوله: (لا يَالُونَكُمْ خَبَالًا) [آل عمران: ١١٨] (وَلا يَاتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ) [النور: ٢٢] وصار في الشرع: الحلف المانع من جماع المرأة. قوله: (بانت بتطليقة عند أبي حنيفة) ﵁، في "الهداية": ولنا أنه ظلمها بمنع حقها فجازاه الشرع بزوال نعمة النكاح عند مضي هذه المدة.
[ ٣ / ٣٨٢ ]
وعند الشافعي: لا يصح الإيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر، ثم يوقف المولي فإما أن يفيء وإما أن يطلق، وإن أبى طلق عليه الحاكم. ومعنى قوله: (فَإِنْ فاؤُ): فإن فاؤوا في الأشهر، بدليل قراءة عبد اللَّه: (فإن فاؤوا فيهن) (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب ضرار النساء بالإيلاء، وهو الغالب، وإن كان يجوز أن يكون على رضا منهن إشفاقًا منهن على الولد من الغيل، أو ببعض الأسباب لأجل الفيئة التي هي مثل التوبة. (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ) فتربصوا إلى مُضيِّ المدة. (فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة. وعلى قول الشافعي ﵀، معناه: (فإن فاءو)، (وإن عزموا) بعد مضي المدة. فإن قلت: كيف موقع الفاء إذا كانت الفيئة قبل انتهاء مدّة التربص؟ قلت: موقع صحيح؛ لأن قوله: (فَإِنْ فاءُو)،
_________________
(١) ـ قوله: (وعند الشافعي: لا يصح الإيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر). قال القاضي: المعنى: للمولي حق التلبث في هذه المدة فلا يطالب بفيء ولا طلاق، ويؤيده قوله: (فَإِنْ فَاءُوا) أي: رجعوا في اليمين بالحنث. وقال المصنف: "فإن فاءوا في الأشهر" ليكون موافقًا لمذهب أبي حنيفة، وأما قراءة عبد الله فمن الشواذ التي لم يذكرها ابن جني ولا الزجاج. قوله: (من الغيل)، النهاية: الغيل: أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضع، وكذلك إذا حملت وهي مرضع، وقد أغال الرجل وأغيل، والولد مغال ومغيل، واللبن الذي يشربه الولد يقال له: الغيل أيضًا. قوله: (لأجل الفيئة) متعلق بقوله: "يغفر". قوله: (وعلى قول الشافعي) عطف على قوله: "ومعنى قوله: (فَإِنْ فَاءُوا) ". قوله: (كيف موقع الفاء؟) أي: الفاء تقتضي التعقيب والترتيب، فكيف يصح مذهب
[ ٣ / ٣٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ أبي حنيفة، فإن الفيء وعزم الطلاق يصح عنده قبل مضي الأشهر الأربعة لا بعده؟ وأجاب: إن عطف قوله: (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ) على قوله: (فَإِنْ فَاءُوا) يدل على أن كليهما كالتفصيل لما أجمل في قوله: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، والمفصل عن المجمل يتعقبه في الذكر لا الوجود، وأجاب الإمام: أن الفيء وعزم الطلاق مشروعان عقيب الإيلاء وعقيب حصول التربص، فلابد أن يكون مدخول الفاء واقعًا بعد هذين الأمرين، والمثال المذكور ليس منه؛ لأن الفاء مذكورة عقيب شيء واحد. وقلت: المثال المذكور ليس منه؛ لأن الفاء مذكورة عقيب شيء واحد؛ لأن النزيل عند القوم لا يخلو حاله من هذين المعنيين، إما أنهم يراعون حقه أو يتركونه ولا يلتفتون إليه، ولا ثالث فيصح التفصيل، وأما في الآية فللمولي حالة ثالثة غير الفيء والطلاق، وهو التربص، فلا يكون التفصيل حاصرًا، على أن التربص يدفعهما؛ لأن معناه: الانتظار والتوقف، كما في قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨]، فالواجب حمل الفاء على التعقيب مطلقًا. قال صاحب "الانتصاف": ما قاله صاحب "الكشاف" في الفاء التفصيلية تفريع على مذهب أبي حنيفة، والسؤال لازم له، ويجوز أن يجاب عنه على مذهبه، فإن التربص هو: الانتظار، وذلك يصدق بالشروع فيه، فتقول لمن أمهلته: قد أجلتك أربعة أشهر، وتربصت بك أربعة أشهر، وإن لم يمض منها إلا دقيقة، فتكون الفاء واقعة في محلها حقيقة ولا يحتاج إلى حملها على المجاز. وقلت: هو وإن أجرى الفاء على حقيقتها لكن جعل مدة تربص أربعة أشهر مجازًا من الشروع فيها، وعلى ما قررنا لا يلزم من ذلك شيء.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
(وَإِنْ عَزَمُوا) تفصيل لقوله: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ)، والتفصيل يعقب المفصل، كما تقول: أنا نزيلكم هذا الشهر، فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره، وإلا لم أقم إلا ريثما أتحوّل. فإن قلت: ما تقول في قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وعزمهم الطلاق بما يعلم ولا يسمع؟ قلت: الغالب أن العازم للطلاق وترك الفيئة والضرار لا يخلو من مقاولة ودمدمة، ولا بد له من أن يحدّث نفسه ويناجيها بذلك، وذلك حديث لا يسمعه إلا اللَّه كما يسمع وسوسة الشيطان. (وَالْمُطَلَّقاتُ): أراد المدخول بهن من ذوات الأقراء.
_________________
(١) ـ قوله: (نزيلكم)، الجوهري: النزيل: الضيف، قال: نزيل القوم أعظمهم حقوقًا … وحق الله في حق النزيل قوله: (فإن أحمدتكم) أي: وجدتكم محمودين. قوله: (ريثما أتحول)، النهاية: وفي الحديث: "فلم يلبث إلا ريثما قلت" أي: قدر ما قلت. قوله: (ودمدمة). في الحواشي: الدمدمة: الكلام الخفي، وكذا الدندنة، ولم نجد في كتب اللغة الدمدمة في الميم، وفي "الصحاح": الدندنة: هي: أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمته ولا يفهم، وزاد صاحب "النهاية": وهو أرفع من الهينمة قليلًا. وكذا في "الفائق". الراغب: "دمدم عليهم ربهم" أي: أهلكهم وأزعجهم، وقيل: الدمدمة: حكاية صوت الهرة، ومنه دمدم فلان في كلامه.
[ ٣ / ٣٨٥ ]
فإن قلت: كيف جازت إرادتهن خاصة واللفظ يقتضى العموم؟ قلت: بل اللفظ مطلق في تناول الجنس
_________________
(١) ـ قوله: (بل اللفظ مطلق في تناول الجنس) أي: اللفظ شائع في جنسه مقيد ها هنا بقيدين. اعلم أن الجمع المحلى باللام يفيد العموم؛ لأن العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بوضع واحد، والمطلقات كذلك، لكن منع هنا مانع من الحمل عليه. قال الإمام: إنما يحسن تخصيص العام إذا كان الباقي بعد التخصيص أكثر، فإن العادة جارية في أن الثوب إذا كان الغالب عليه السواد يقال: إنه أسود، ولا يقال فيما إذا كان الغالب عليه البياض: إنه أسود، وهذه الآية من القسم الثاني، فإن "المطلقات" صالحة للمطلقات المدخولات ولغير المدخولات، ولذوات الأقراء ولذوات الأشهر وللحوامل، فأنتم أخرجتم عن عمومها أكثر الأقسام وتركتم الأقل، فإطلاق لفظ العام عليه غير لائق، وقال الأرموي في "الحاصل": مثال التقييد بالحكم قوله: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ). هذا وإن عند الحنفية على ما نقله البزدوي في "أصوله": دليل الخصوص مستقل بنفسه ومقارن للعموم، فيشبه الناسخ بصيغته؛ لأنه نص قائم بنفسه، ويشبه الاستثناء بمقارنته، حتى لو تراخى كان ناسخًا. وأيضًا، إن المطلق يوجب العمل بإطلاقه، فإذا صار مقيدًا صار شيئًا آخر؛ لأن القيد والإطلاق ضدان لا يجتمعان، وإن التخصيص تصرف في النظم ببيان أن بعض الجملة غير مراد بالنظم مما يتناوله النظم، فالمخصص يتناول بعض العموم، والقيد لا يتناوله المطلق مطلقًا، فعلى هذا لا يجوز أن يكون (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) وقوله: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) تخصيصًا للمطلقات، لأنهما ليستا جملتين مستقلتين، فتعين أن تكونا قيدين.
[ ٣ / ٣٨٦ ]
صالح لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك. فإن قلت: فما معنى الإخبار عنهن بالتربص؟ قلت: هو خبر في معنى الأمر. وأصل الكلام: وليتربص المطلقات، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجودًا، ونحوه قولهم في الدعاء: رحمك اللَّه! أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة، كأنما وجدت الرحمة، فهو يخبر عنها. وبناؤه على المبتدأ، مما زاده أيضًا فضل تأكيد، ولو قيل: ويتربص المطلقات، لم يكن بتلك الوكادة. فإن قلت: هلا قيل: يتربصن ثلاثة قروء، كما قيل: (تربص أربعة أشهر)؟ وما معنى ذكر الأنفس؟ قلت: في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث؛ لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن؛ وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال،
_________________
(١) ـ قوله: (صالح لكله وبعضه)، هذا هو الذي عناه صاحب "المفتاح": أن الحقيقة من حيث هي هي صالحة للتوحد والتكثر، والحكم بأحدهما يعرف بالقرينة، كاللفظ المشترك، وها هنا قامت القرينة على أنها المطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء. قوله: (وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضًا فضل تأكيد). قال صاحب "المفتاح": سببه أن المبتدأ يستدعي أن يسند إليه شيء، فإذا جاء بعده ما يصلح أن يسند إليه صرفه المبتدأ إلى نفسه، فينعقد بينهما حكم، ثم إذا كان متضمنًا لضميره صرفه إلى المبتدأ ثانيًا فيكتسي الحكم قوة. قوله: (فيحملهن على أن يتربصن)، الراغب: التربص: الانتظار بالشيء، سلعة يقصد بها الغلاء أو رخصًا، أو أمرًا ينتظر زواله أو حصوله، يقال: لي ربصة بكذا أو تربص.
[ ٣ / ٣٨٧ ]
فأمرن أن يقمعن أنفسهن، ويغلبنها على الطموح، ويجبرنها على التربص. والقروء: جمع قرء أو قرء، وهو الحيض؛ بدليل قوله ﷺ: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، وقوله: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان»، ولم يقل: طهران،
_________________
(١) ـ قوله: (ويغلبنها على الطموح)، الأساس: غلبته على الشيء: أخذته منه، وهو مغلوب عليه. قوله: (بدليل قوله: "دعي الصلاة أيام أقرائك"، وقوله للأمة: "وعدتها حيضتان")، ما وجدتهما في "الأصول"، ومع هذا فهما معارضان بحديث ابن عمر ﵄ كما سيجيء، ويؤيده أيضًا ما روينا عن مالك، عن عائشة ﵂: "أتدرون ما الأقراء؟ هي الأطهار"، وقال مالك: قال ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلا هو يقول ما قالت عائشة، وأما الآية فلا تصح للدليل.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
وقوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ) [الطلاق: ٤]، فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار؛ ولأن الغرض الأصيل في العدة استبراء الرحم، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر؛ ولذلك كان الاستبراء من الأمة بالحيضة. ويقال: أقرأت المرأة؛ إذا حاضت، وامرأة مقرئ. وقال أبو عمرو بن العلاء: دفع فلان جاريته إلى فلانة تقرئها، أي: تمسكها عندها حتى تحيض للاستبراء. فإن قلت: فما تقول: في قوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: ١]
_________________
(١) ـ قوله: (مقام الحيض دون الأطهار)، وذلك أن قوله: (إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ) [الطلاق: ٤] إرشاد إلى إزالة الارتياب الحاصل بسبب اليأس من الحيض، فيجب حمل (فَعِدَّتُهُنَّ) على ما يزيل الارتياب، وهو وجود الحيض دون الطهر، يدل عليه قوله في تفسيرها: "فمعنى (إِنْ ارْتَبْتُمْ): إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن، فهذا حكمهن". وجوابه: أنا وإن كنا قائلين بأن العدة بالأطهار، لكنا لا نقول: إن الحيض ليس بأمارة لمعرفة الأطهار، فاللبس ها هنا في العدة لرفع علامتها. وقوله: (والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر)، قال القاضي: إن القرء يطلق للحيض وللطهر الفاصل بين الحيضتين، وأصله الانتقال من الطهر إلى الحيض، وهو المراد به في الآية؛ لأنه هو الدال على براءة الرحم، لا الحيض كما قالت الحنفية. قوله: «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ»، وتوجيهه: أن اللام للوقت، أي: في وقت عدتهن، قال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) [الأنبياء: ٤٧]، أي: في وقت القيامة، و(أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) [الإسراء: ٧٨] أي: وقد دلوكها، وهذا الوقت لا ينبغي أن يكون وقت الحيض؛ لأن الطلاق فيه منهي عنه لما روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" و"الموطأ"
[ ٣ / ٣٨٩ ]
والطلاق الشرعي إنما هو في الطهر؟ قلت: معناه: مستقبلات لعدتهن،
_________________
(١) ـ و"سنن أبي داود" و"الترمذي" و"النسائي" و"الدارمي" و"ابن ماجة"، عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر لرسول الله ﷺ فتغيظ منه ثم قال: "ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله". قوله: (معناه: مستقبلات لعدتهن)، فإن أيد بما روينا بالإسناد المذكور في حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قرأ (وطلقوهن) في قبل عدتهن، قلنا: هذا عليه لا له، قال الإمام: معناه: فطلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه والإذن بالتطليق في جميع زمان الطهر، فوجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة. تقريره: أن العدة عبارة عن: الزمان الذي تتربص فيه المرأة بعد الفراق، وله مبتدأ ومنتهى، ومبدأه عقيب حصول الفراق، سواء كان طهرًا أو حيضًا، وتعيينه بدليل خارجي، بدليل أن ابن عمر ﵄ لم يفهم من معنى الآية المراد حتى بينه رسول الله ﷺ بقوله: "فتلك العدة كما أمر الله". وقال محيي السنة: فائدة الخلاف تظهر في أن المعتدة إذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها عند من يجعل القرء طهرًا، وعند من يجعله حيضًا لا تنقضي العدة حتى تنقضي الحيضة الثالثة، قالت عائشة ﵂: إذا طعنت المعتدة في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه
[ ٣ / ٣٩٠ ]
كما تقول: لقيته لثلاث بقين من الشهر، تريد مستقبلا لثلاث، وعدتهنّ الحيض الثلاث
_________________
(١) ـ وبرئ منها. ومن يجعلها حيضًا يقول: لا تنقضي عدتها ما لم تطهر من الحيضة الثالثة. قال الزجاج: في هذا مذهب آخر، قال أبو عبيدة: القرء يصلح للحيض وللطهر، وقال: أظنه من أقرأت النجوم: إذا غابت، وكذا عن يونس، وقال الزجاج: والذي عندي: أن القرء في اللغة: الجمع، يقال: قريت الماء في الحوض، وقرأت القرآن، أي: لفظت به مجموعًا، فالقرء: اجتماع الدم في البدن، فيكون في الطهر، ويجوز اجتماعه في الرحم، فعلى هذا القرء مشترك معنوي. قوله: (لثلاث بقين من الشهر). قال الحريري في "درة الغواص": ومن أوهامهم في باب التاريخ أنهم يؤرخون لعشرين ليلة خلت ولخمس وعشرين خلون، ولاختيار أن يقال: من أول الشهر إلى منتصفه: خلت وخلون، وأن يستعمل في النصف الثاني: بقيت وبقين، على أن العرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء للكثير، فيقولون: لأربع خلون، وإحدى عشرة خلت، ولهم اختيار آخر أيضًا، وهو أن يجعل ضمير الجمع الكثير الهاء والألف، وضمير الجمع القليل الهاء والنون المشددة، كما نطق به القرآن في قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة: ٣٦]، فجعل ضمير الأشهر الحرم الهاء والنون لقلتهن، وضمير شهور السنة الهاء والألف لكثرتها.
[ ٣ / ٣٩١ ]
فإن قلت: فما تقول في قول الأعشى:
لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا؟
_________________
(١) ـ قوله: (فما تقول في قول الأعشى)، توجيهه أن يقال: لزمك من تفسيرك لقوله تعالى: (لِعِدَّتِهِنَّ) بقولك: "مستقبلات لعدتهن" أن تقول في قول الأعشى: أفي كل عام أنت جاشم غزوة مستقبلًا للذي ضاع من حيض نسائك، والحيض لا توصف بالضياع؛ لأنهن لا يجامعن فيها، وإنما يوصف بها الطهر؟ وأجاب: "بأن القرء في البيت مستعار لطول المدة"، لكن بمرتبتين، ففي المرتبة الأولى هو مجاز من العدة لقوله: "من عدة نسائك"، ثم المراد من العدة لازمها، وهو طول المدة، يدل عليه إيقاع قوله: "أي: من مدة طويلة" تفسيرًا له، ولما شرط في المجاز- الذي هو في المرتبة الأولى- أن يكون مشهورًا بالغًا مبلغ الحقيقة في التبادر إلى الذهن، قال: "لشهرة القروء عندهم في الاعتداد بهن"، وفيه تعسف، إذ العدول إلى المجاز إنما يصار إليه إذا انتهض الصارف، وقد تقرر أن اللفظ مشترك يحتاج في إرادة أحد معنييه إلى القرينة، وها هنا قامت القرينة على إرادة الطهر، فلا يجوز العدول عنه، وأما جوابه الثاني فهو أقرب من الأول. قال الزجاج: ذكر أبو عمرو بن العلاء أن القرء: الوقت، وهو يصلح للحيض والطهر، يقال: هذا قارئ الرياح: لوقت هبوبها، وأنشدوا: شنئت العقر، عقر بني شليل … إذا هبت لقارئها الرياح
[ ٣ / ٣٩٢ ]
قلت: أراد: لما ضاع فيها من عدّة نسائك لشهرة القروء عندهم في الاعتداد بهن، أي: من مدّةٍ طويلةٍ كالمدة التي تعتد فيها النساء؛ استطال مدة غيبته عن أهله كل عام؛
_________________
(١) ـ أي: لوقت هبوبها وشدة بردها، لكن لابد من التخصيص ها هنا بالأطهار؛ لأن الشاعر يخاطب غازيًا لا يبرح في تقحم الأهوال وتجشم الأفزاع والشدائد، يطلب المال والجاه ويترك مغازلة النساء ومعاشرتهن والتلذذ بغشيانهن، وذلك لا يستقيم في سائر الأوقات، فيلزم تخصيص الأوقات بزمان الطهر، وأنشد في مبدأ المعنى، وقيل: إنه لجاهلي: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم … دون النساء ولو باتت بأطهار قوله: (لما ضاع فيها) أوله في "معالم التنزيل": أفي كل عام أنت جاشم غزوة … تشد لأقصاها عزيم عزائكا مؤثلة مالًا، وفي الحي رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا ويروى: مورثة، جشمت الأمر أجشمه جشمًا، وتجشمته: إذا تكلفته، يقال: عزمت على كذا عزمًا وعزيمة وعزيمًا: إذا أردت فعله، والعزاء: الصبر، يقال: عزيته تعزية فتعزى. هو يقول: أتكلف نفسك كل عام غزوة تشد لأبعدها وأشقها عزيمة الصبر لتكثر المال وتزيد الرفعة في الحي لما يضيع في تلك الغزوة من أطهار نسائك، واللام في "لما" كما في قوله تعالى: (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) [القصص: ٨]. فإن قلت: الهمزة في البيت للإنكار، ثم تصريح الخطاب "بأنت" والمواجهة بقوله: "نسائكا" بعيد عن مقام المدح؟ قلت: بل الشاعر ما اكتفى من المبالغات بما ذكرت، بل قدم الظرف والفاعل المعنوي على عاملهما ليدل على تخصيص عموم الأحوال، وقصره على المخاطب، ثم بالغ في الغزوة حيث أتبعها بقوله: "لأقصاها" تتميمًا لها، واستعار حرف الترتب،
[ ٣ / ٣٩٣ ]
لاقتحامه في الحروب والغارات، وأنه يمرّ على نسائه مدة كمدة العدة ضائعة لا يضاجعن فيها، أو أراد: من أوقات نسائك، فإنّ القرء والقارئ جاء في معنى الوقت، ولم يرد لا حيضًا ولا طهرًا. فإن قلت: فعلام انتصب (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)؟ قلت: على أنه مفعول به، كقولك: المحتكر يتربص الغلاء، أي: يتربصن مضيّ ثلاثة قروء، أو على أنه ظرف، أي: يتربصن مدة ثلاثة قروء. فإن قلت: لم جاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء؟ قلت: يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر؛
_________________
(١) ـ وهو اللام في قوله: "لما ضاع" لما لا ترتب له، كل هذه المبالغات؛ إعلامًا بأن المدح بلغ نهايته وغايته، ورجع المعنى إلى قولك للشجاع: قاتلك الله ما أشجعك! وقول عروة: رمى الله في عيني بثينة بالقذى … وفي الغر من أنيابها بالقوادح قال القتيبي في "طبقات الشعراء": اسم أعشى: ميمون بن قيس، جاهلي أدرك زمن النبي ﷺ وخرج إليه يريد الإسلام، فلقيه أبو سفيان فأخبره أنه يحرم عليك ثلاثًا كلها موافق لك: الزنا والخمر والقمار، فقال: أما الزنا فهو الذي تركني، وأما الخمر فتركتها، وأما القمار فلعلي أصيب منه خلفًا، قال: أو خير من هذا؟ نجمع لك مئة ناقة حمراء فتنصرف بها إلى أهلك، فقال لقريش: هذا الأعشى قد تعرفون شعره، والله لئن صبأ لتصبون العرب قاطبة، فلما قبض الإبل ورجع رماه في طريقه بعيره فقتله. قوله: (يتسعون في ذلك). قال الحريري في "الدرة": المعنى: لتتربص كل واحدة من المطلقات ثلاثة أقراء، فلما أسند على جماعتهن (ثَلَاثَةَ)، فالواجب على كل واحدة منهن ثلاثة،
[ ٣ / ٣٩٤ ]
لاشتراكهما في الجمعية، ألا ترى إلى قوله: (بِأَنْفُسِهِنَّ)؟ وما هي إلا نفوس كثيرة، ولعل القروء كانت أكثر استعمالًا في جمع قرء من الأقراء فأوثر عليه؛ تنزيلًا للقليل الاستعمال منزلة المهمل، فيكون مثل قولهم: ثلاثة شسوع. وقرأ الزهري: (ثلاثة قرو) بغير همزة. (ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ) من الولد، أو من دم الحيض؛ وذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع؛ ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها، أو كتمت حيضها وقالت وهي حائض: قد طهرت؛ استعجالًا للطلاق.
_________________
(١) ـ أتى بلفظة (قُرُوءٍ) لتدل على الكثرة المرادة والمعنى الملموح. وقال القاضي: ولعل الحكم لما عم المطلقات ذوات الأقراء تضمن معنى الكثرة، فحسن بناؤها، وقلت: ومثل هذا المعنى ذكر المصنف في تفسير قوله: (لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) [الأنفال: ٥١]. قوله: (ينتظر بطلاقها)، قيل: الباء في "بطلاقها" للتعدية، وموضع "أن تضع": جر بالخافض من المضمر، أي: يؤخر طلاقها للوضع، أو: إلى الوضع، والظاهر أن تكون الباء سببية، "وأن تضع": مفعول ينتظر. قوله: (أو كتمت): عطف على "فكتمت"، وهما نشر لقوله: "من الولد، أو: من دم الحيض"، قال الزجاج: قوله تعالى: (أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) بالولد أشبه؛ لأن ذكر الأرحام مؤذن به لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ) [آل عمران: ٦]، قال الإمام: الحيض خارج من الرحم لا مخلوق في الرحم.
[ ٣ / ٣٩٥ ]
ويجوز أن يراد اللاتي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة، فلا يعترفن به ويجحدنه لذلك، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه. (إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) تعظيم لفعلهن، وأن من آمن باللَّه وبعقابه لا يجترئ على مثله من العظائم. والبعول: جمع بعل، والتاء لاحقة لتأنيث الجمع، كما في الحزونة والسهولة، ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر، من قولك: بعل حسن البعولة، يعني: وأهل بعولتهن (أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ): برجعتهن.
_________________
(١) ـ قوله: (ويجحدنه لذلك)، أي: للإسقاط، قال الإمام: قوله: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) كلام مستأنف مستقل بنفسه من غير أن يرد إلى ما تقدم، فيجب حمله على كل ما يخلق في الرحم، وعنى بقوله: "مستأنف مستقل" أنه تذييل للكلام السابق. قوله: (وأن من آمن بالله): عطف تفسيري على قوله: ""تعظيم لفعلهن" يعني: ارتكبن أمرًا عظيمًا، وإنما نشأ التعظيم من لفظة (إِن)، حيث شكك الناس في إيمانهن، وأدخلهن في زمرة الذين لا يرجح إيمانهم على كفرهم تغليظًا، وإليه الإشارة بقوله: "من آمن لا يجترئ على مثله"، كقوله تعالى: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: ٩٧] أي: لا يترك الحج وله استطاعة بعد هذا البيان إلا من قرب إلى الكفر. قوله: (والتاء لاحقة لتأنيث الجمع)، الراغب: البعل: النخل الشارب بعروقه، وعبر به عن الزوج لإقامته على الزوجة للمعنى المخصوص، وقيل: باعلها، كقولك: جامعها، وبعل الرجل: إذا دهش فأقام مكانه كالنخل الذي لا يبرح، وبهذا النظر قيل لمن لا يحول عن مكانه: ما هو إلا شجر أو حجر.
[ ٣ / ٣٩٦ ]
وفي قراءة أبٌيّ: (بردّتهن) (فِي ذلِكَ): في مدة ذلك التربص. فإن قلت: كيف جُعلوا أحق بالرجعة، كأن للنساء حقًا فيها؟ قلت: المعنى أنّ الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها، وكان هو أحق منها، لا أن لها حقًا في الرجعة. (إِنْ أَرادُوا) بالرجعة (إِصْلاحًا) لما بينهم وبينهن وإحسانًا إليهن، ولم يريدوا مضارّتهنّ. (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ) ويجب لهنّ من الحق على الرجال مثل الذي يجب لهم عليهنّ، (بِالْمَعْرُوفِ) بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس، فلا يكلفنهم ما ليس لهنّ، ولا يكلفونهنّ ما ليس لهم، ولا يعنف أحد الزوجين صاحبه. والمراد بالمماثلة مماثلة الواجبِ الواجبَ في كونه حسنةً، لا في جنس الفعل، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل نحو ذلك، ولكن يقابله بما يليق بالرجال. (دَرَجَةٌ) زيادة في الحق وفضيلة. قيل المرأة تنال من اللذة ما ينال الرجل، وله الفضيلة بقيامه عليها وإنفاقه في مصالحها.
_________________
(١) ـ قوله: وقال الزجاج: بعوله: جمع بعل، كذكر وذكورة وعم وعمومة، والهاء: زيادة مؤكدة لمعنى تأنيث الجماعة، وهذه الأمثلة سماعية لا قياسية، فلا نقول في كعب: كعوبة. قوله: (لا أن لها حقًا في الرجعة) يشير إلى أن تسمية إباء المرأة بالرجعة للتأييس، إما للتغليب أو المشاكلة، أو من باب: الصيف أحر من الشتاء، وذلك أن الشارع أبغض المفارقة وأحب الموافقة، فكان طلب الرجعة من البعولة أبلغ في بابه من طلب الفرقة من المرأة، روينا عن أبي داود، عن محارب بن دثار، أن رسول الله ﷺ قال: "ما أحل الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق"، وفي رواية قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". وعن الترمذي وأبي داود، عن
[ ٣ / ٣٩٧ ]
[(الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَاخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ* فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)].
(الطَّلاقُ) بمعنى التطليق، كالسلام بمعنى التسليم، أي: التطليق الشرعي تطليقةٌ بعد تطليقةٍ
_________________
(١) ـ ثوبان، أن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة"، فعلى هذا يمكن أن يحمل أفعل على مطلق الزيادة، رومًا للمبالغة، فلا يتصور من جانب المرأة شيء من الطلب، كأنه قيل: حقيق على البعولة ردهن واي حقيق؛ لأن الله تعالى يبغض المفارقة، كقولك: الله أكبر في أحد وجهيه، وسيجيء تقريره في سورة "الزمر" مستوفى إن شاء الله تعالى. قال القاضي: الضمير في (بُعُولَتُهُنَّ) أخص من المرجوع إليه ولا امتناع فيه، كما لو كرر الظاهر، أي: كما أن إعادة الظاهر لا تخصص العام المقدم لكونها شيئًا واحدًا، كذا الضمير لأنه بمنزلة الظاهر. قوله: «الطَّلاقَ) بمعنى التطليق)، ولذلك قوبل بقوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، الراغب: التسريح كالتطليق في أنه من: سرحت الماشية، كما أن الطلاق من أطلقت البعير، والمعروف ما لا تنكره العقول الصحيحة، وسمي الجود معروفًا لمعرفة العقول كلها حسنة، وعلى هذا قول الشاعر:
[ ٣ / ٣٩٨ ]
على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدةً، ولم يرد بالمرتين التثنية، ولكن التكرير، كقوله: (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) [الملك: ٤] أي: كرّةً بعد كرّةٍ، لا كرّتين اثنتين، ونحو ذلك من التثاني التي يراد بها التكرير: قولهم: لبيك، وسعديك، وحنانيك، وهذاذيك، ودواليك. وقوله تعالى: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) تخيير لهم
_________________
(١) ـ ولم أر كالمعروف أما مذاقه … فحلو، وأما وجهه فجميل فإن قيل: كيف علق التسريح بالإحسان، وهل بينه وبين المعروف فرق؟ قيل: الإحسان أعم معنى من المعروف؛ لأن الشيء قد يكون معروفًا غير منكر ولا يكون مستحسنًا، فكل إحسان معروف، وليس كل معروف إحسانًا، وبين أن من حق المسرح أن يبذل ما يزيد على الإنصاف تبرعًا، وذلك على حسب ما كانوا يراعون في بذل فضل المعروف لمن يرتحل عنهم. قوله: (على التفريق)، أي: يطلق في قرء طلقة ثم في آخر أخرى إلى الثالثة، لا أن يطلق في قرء واحد ثلاثًا. قوله: (من التثاني)، الجوهري: ثنيت الشيء ثنيًا: عطفته، وثنيته تثنية، أي: جعلته اثنين. قوله: (لبيك)، قال ابن السكيت: هو من الب بالمكان: أقام به ولزمه، قال الجوهري: وكان من حقه أن يقال: لبًا لك، لكنه ثني على معنى التأكيد، أي: إقامة على طاعتك بعد إقامة، و"سعديك" أي: إسعادًا لك بعد إسعاد، وحنانيك أي: رحمةَ بعد رحمة، يعني كلما كنت في رحمة اتصلت برحمة أخرى، وهذاذيك، أي: قطعًا بعد قطع، ودواليك: مداولة بعد مُداولة، أو: دال لك الأمر دوالًا بعد دوال، من: دالت لك الدولة.
[ ٣ / ٣٩٩ ]
بعد أن علمهم كيف يطلقون بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة والقيام بمواجبهنّ، وبين أن يسرحوهنّ السراح الجميل الذي علمهم. وقيل: معناه الطلاق الرجعى مرّتان؛ لأنه لا رجعة بعد الثلاث. (فإمساك بمعروف) أي: برجعة، (أو تسريح بإحسان)، أي: بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدّة، أو بأن لا يراجعها مراجعة يريد بها تطويل العدة عليها. وقيل: بأن يطلقها الثالثة في الطهر الثالث. وروي: أنّ سائلًا سأل رسول اللَّه ﷺ: أين الثالثة؟ فقال ﵊: (أو تسريح بإحسان). وعند أبي حنيفة وأصحابه: الجمع بين التطليقتين والثلاث بدعة، والسنة أن لا يوقع عليها إلا واحدة في طهرٍ لم يجامعها فيه؛ لما روي في حديث ابن عمر: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال له: «إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالًا فتطلقها لكل قرء تطليقة»، وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث؛ لحديث العجلاني الذي لاعن امرأته فطلقها ثلاثًا بين يدي رسول اللَّه ﷺ فلم ينكر عليه.
_________________
(١) ـ قوله: (بعد أن علمهم) فيه تقديم وتأخير؛ لأن الأصل تخيير لهم بين أن يمسكوا النساء بعد أن علمهم وبعد أن يسرحوهن السراح الجميل الذي علمهم، ومعنى "بعد" مستفاد من الفاء في قوله: (فَإمْسَاكٌ). قوله: (وقيل: معناه الطلاق الرجعي) عطف على قوله: "أي: التطليق الشرعي". فاللام على الأول: للجنس، والمراد بقوله: (مَرَّتَانِ) التكرير، وعلى هذا: للعهد، والمعهود: ما علم من قوله: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) أي: برجعتهن. قوله: (لحديث العجلاني)، ذكر الحميدي عن الشيخين، عن سهل بن سعد الساعدي، "أن عويمرًا العجلاني قال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ: "قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها"، قال
[ ٣ / ٤٠٠ ]
وروي: أنّ جميلة بنت عبد اللَّه بن أبيّ كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها، فأتت رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه، لا أنا ولا ثابت، لا يجمع رأسي ورأسه شيء، واللَّه ما أعيب عليه في دينٍ ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام، ما أطيقه بغضًا إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة؛ فإذا هو أشدهم سوادًا،
_________________
(١) ـ سهل: فتلاعنا، فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ. قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين، وفي رواية ابن جريج: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد، وقال بعد قوله: فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: "ذاكم التفريق بين كل متلاعنين" ورواه صاحب "الجامع"، عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والنسائي، مع اختلافات فيه. وأما حديث ثابت فقد ذكره الأئمة بروايات شتى وليس فيها: "إني رفعت جانب الخباء" إلى قوله: "وأقبحهم وجهًا"، بل فيه الحديث: "إن ثابتًا ضربها فكسر يدها". قوله: (لا أنا ولا ثابت) أي: لا أجمع أنا وثابت، وفي رواية البخاري والنسائي: "ما أعتب" بالتاء المنقوطة من فوق. قوله: (أكره الكفر) أي: كفر العشير، أي الزوج، النهاية: في الحديث: "أكثر أهلها
[ ٣ / ٤٠١ ]
وأقصرهم قامةً، وأقبحهم وجهًاَ فنزلت. وكان قد أصدقها حديقةً فاختلعت منه بها. وهو أوّل خلع كان في الإسلام. فإن قلت: لمن الخطاب في قوله: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَاخُذُوا)؟ إن قلت: للأزواج لم يطابقه قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ)، وإن قلت: للأئمة والحكام؛ فهؤلاء ليسوا بآخذين منهن ولا بمؤتيهن. قلت: يجوز الأمران جميعًا؛ أن يكون أوّل الخطاب للأزواج، وآخره للأئمة والحكام، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره، وأن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام؛ لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم، فكأنهم الآخذون والمؤتون. (مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ): مما أعطيتموهنّ من الصدقات، (إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ): إلا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود اللَّه فيما يلزمهما من مواجب الزوجية؛ لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها. (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما): على الرجل فيما أخذ، ولا عليها فيما أعطت، (فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر. والخلع بالزيادة على المهر مكروه؛ وهو جائز في الحكم. وروي: أن امرأة نشزت على زوجها فرفعت إلى عمر ﵁، فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليالٍ ثم دعاها، فقال: كيف وجدت مبيتك؟ قالت: ما بت منذ كنت عنده أقرّ لعيني منهن. فقال لزوجها: اخلعها ولو بقرطها. قال قتادة: يعني بمالها كله
_________________
(١) ـ النساء لكفرهن"، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "لا، ولكن يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير" أي يجحدن إحسان أزواجهن. قوله: (لم يطابقه قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ)؛ لأن الخطاب فيه للأئمة والحكام. قوله: (ولو بقرطها)، فيه تلميح، وقال الميداني: أصل المثل: خذه ولو بقرطي مارية، وهي مارية بنت ظالم، وأختها هند الهنود امرأة حجر آكل المرار الكندي، قال أبو عبيد: هي أم ولد جفنة، يقال: إنها أهدت إلى الكعبة قرطيها وعليهما درتان كبيضتي حمام لم ير الناس مثلهما، يضرب في الشيء الثمين، أي: لا يفوتنك بأي ثمن يكون.
[ ٣ / ٤٠٢ ]
هذا إذا كان النشوز منها، فإن كان منه كره له أن يأخذ منها شيئًا. وقرئ: (إلا أن يخافا) على البناء للمفعول وإبدال (ألا يقيما) من ألف الضمير، وهو من بدل الاشتمال، كقولك: خيف زيد تركه إقامة حدود اللَّه، ونحوه: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنبياء: ٣]، ويعضده قراءة عبد اللَّه: (إلا أن تخافوا)، وفي قراءة أبىّ (إلا أن يظنا)، ويجوز أن يكون الخوف بمعنى الظن، يقولون: أخاف أن يكون كذا، وأفرق أن يكون، يريدون أظن. (فَإِنْ طَلَّقَها) الطلاق المذكور الموصوف بالتكرار في قوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ)، واستوفى نصابه؛ أو فإن طلقها مرةً ثالثةً بعد المرّتين (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ) من بعد ذلك التطليق (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ): حتى تتزوّج غيره. والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل، كما التزوج. ويقال: فلانة ناكح في بنى فلان. وقد تعلق من اقتصر على العقد في التحليل بظاهره، وهو سعيد ابن المسيب، والذي عليه الجمهور أنه لا بد من الإصابة؛ لما روى عروة عن عائشة ﵂: أنّ امرأة رفاعة جاءت إلى النبي ﷺ
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "إلا أن يخافا"، على البناء للمفعول)، قرأها حمزة وأبو جعفر ويعقوب، أي: يعلم ذلك منهما إما القاضي أو الوالي، يؤيده قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ). قوله: (أو: فإن طلقها مرة ثالثة) هذا إشارة على الوجه الثاني، وقوله: "فإن طلقها الطلاق المذكور" إلى الوجه الأول في تفسير قوله: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ). قال القاضي: (فَإِنْ طَلَّقَهَا): متعلق بقوله: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ)، وتفسير لقوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) اعترض بينهما ذكر الخلع دلالة على أن الطلاق يقع مجانًا تارة وبعوض أخرى، والمعنى: فإن طلقها بعد الثنتين (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ). قوله: (أن امرأة رفاعة) الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما مع اختلاف فيه، وعبد الرحمن ابن الزبير بفتح الزاي وكسر الباء.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
فقالت: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوّجني، وإنما معه مثل هُدبة الثوب، فقال رسول اللَّه ﷺ: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ ! لا حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عُسيلتك". وروي: أنها لبثت ما شاء اللَّه ثم رجعت فقالت: إنه كان قد مسني. فقال لها: "كذبت في قولك الأوّل فلن أصدّقك في الآخر"، فلبثت حتى قبض رسول اللَّه ﷺ، فأتت أبا بكر ﵁ فقالت: أرجع إلى زوجي الأوّل؟ فقال: قد عهدت رسول اللَّه ﷺ حين قال لك ما قال، فلا ترجعي إليه. فلما قبض أبو بكر ﵁ قالت مثله لعمر ﵁ فقال: إن أتيتينى بعد مرّتك هذه لأرجمنك، فمنعها. فإن قلت: فما تقول في النكاح المعقود بشرط التحليل؟ قلت: ذهب سفيان والأوزاعي وأبو عبيدٍ ومالكٌ وغيرهم إلى أنه غير جائز، وهو جائزٌ عند أبى حنيفة مع الكراهة.
وعنه: أنهما إن أضمرا التحليل ولم يصرحا به فلا كراهة، وعن النبي ﷺ: أنه لعن المحلل والمحلل له. وعن عمر ﵁: لا أوتى بمحللٍ ولا محلل له إلا رجمتهما. وعن عثمان ﵁: لا، إلا نكاح رغبةٍ غير مدالسة
_________________
(١) ـ قوله: (عسيلته)، النهاية: شبه لذة الجماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقًا، وإنما أنث لأنه أراد "قطعة" من العسل، وقيل: على إعطائها معنى النطفة، وقيل: العسل في الأصل يذكر ويؤنث، وإنما صغره لأنه أشار إلى القدر القليل الذي يحصل به الحل. قال الزجاج: إنما فعل الله ذلك لعلمه بصعوبة تزوج المرأة على الرجل، فحرم عليهم التزوج بعد الثلاث لئلا يعجلوا بالطلاق وأن يتثبتوا. قوله: (لا إلا نكاح رغبة) أي: لا أجور. قوله: (غير مدالسة) أي: مخادعة.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
(فَإِنْ طَلَّقَها) الزوج الثاني (أَنْ يَتَراجَعا): أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج (إِنْ ظَنَّا): إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية. ولم يقل: إن علما أنهما يقيمان؛ لأنّ اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا اللَّه ﷿، ومن فسر الظن هاهنا بالعلم فقد وهم من طريق اللفظ والمعنى؛ لأنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد، ولكن: علمت أنه يقوم؛ ولأنّ الإنسان لا يعلم ما في الغد، وإنما يظن ظنًا.
_________________
(١) ـ قوله: (ومن فسر الظن ها هنا بالعلم فقد وهم). قال الواحدي: (إن ظَنَّا) أي: علما وايقنا، قال محيي السنة: (ظَنَّا) أي: علما، وقيل: رجوا؛ لأن أحدًا لا يعلم ما هو كائن إلا الله. قوله: (وَهِمَ) أي: غلط، الجوهري: يقال: وهمت في الحساب- بالكسر- أوهم وهمًا: إذا غلطت فيه وسهوت، ووهمت في الشيء، بالفتح أهم وهمًا: إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره. قوله: (لأنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد) إشارة إلى بيان الخطأ من طريق اللفظ، وإنما لم يجز هذا لأن "أن" الناصبة للفعل المستقبل تنافي التحقيق، وعلمت: للتحقيق. قوله: (ولكن علمت أن يقوم)، وإنما جاز هذا لأن "علمت" للتحقيق ناسب أن يليها "أن" التي هي للتحقيق ليدل على أن اسمها وخبرها واقعان، فلو لم يكن الفعل الذي قبلها محققًا يحصل تضاد، وجاز: ظننت أن تقوم، على أن تكون غير ناصبة، ليتناسبا في عدم التحقيق، في "الإقليد". وقال صاحب "الكشف": هذه الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يكونل ليقين والثبات، نحو: علمت وتيقنت، وفعل يكون في الاستقبال وقوع ما بعده، نحو: طمعت ورجوت وخفت وخشيت، وفعل يتردد بين العلم والخشية، وما هو من القسم الأول يقع بعدها أن المشددة،
[ ٣ / ٤٠٥ ]
[(وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)].
(فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: آخر عدتهن، وشارفن منتهاها. والأجل يقع على المدّة كلها، وعلى آخرها، يقال لعمر الإنسان: أجل، وللموت الذي ينتهى به: أجل، وكذلك الغاية والأمد، يقول النحويون: «من» لابتداء الغاية، و«إلى» لانتهاء الغاية. وقال:
_________________
(١) ـ نحو: علمت أنك تقوم، وغن وقع بعدها أن كان بمعنى "أنه"، نحو: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى) [المزمل: ٢٠]، ولهذا ارتفع يكون، وما هو من القسم الثاني جاءت بعدها أن الناصبة للفعل، نحو: خفت أن يقول، ومنه قوله تعالى: (إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: ٢٢٩]، وما هو من القسم الثالث: جاز وقوع أن الناصبة للفعل وأن المخففة من الثقيلة نحو قوله تعالى: (وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ) [المائدة: ٧١] بالرفع والنصب، فالرفع على أنه: لا يكون، والنصب على أنه: شك ليس بيقين. قوله: «فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: آخر عدتهن)، اعلم أن البلوغ حقيقة يطلق على الوصول إلى الشيء، ويتسع مجازًا في المشارفة والدنو، وكذا الأجل، موضوع للمدة كلها، يقال لعمر الإنسان: أجل، ويتسع مجازًا على آخر المدة فيقال للموت الذي ينتهي عمر الإنسان إليه: أجل، وكذلك الغاية والأمد، أي: الغاية والأمد يقعان على المدة كلها وعلى آخرها، أما أنهما يقعان على آخر المدة فظاهر، وأما أنهما يقعان على المدة كلها فكقول النحويين: "مِنْ": لابتداء الغاية، و"إلى" لانتهائها، فلو لم يرد بالغاية المدة كلها لا يصح منهم هذان الكلامان، قال المصنف في
[ ٣ / ٤٠٦ ]
كُلُّ حَيٍ مُسْتَكْمِلٌ مُدَّةَ الْعُمْـ … ـرِ وَمُودٍ إذَا انْتَهَى أمَدُهْ
ويتسع في البلوغ أيضًا، فيقال: بلغ البلد؛ إذا شارفه وداناه، ويقال: قد وصلت، ولم يصل وإنما شارف؛ ولأنه قد علم أنّ الإمساك بعد تقضي الأجل لا وجه له؛ لأنها بعد تقضيه غير زوجةٍ له في غير عدّة منه؛ فلا سبيل له عليها. (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) فإما أن يراجعها من غير طلب ضرار بالمراجعة؛
_________________
(١) ـ تفسير قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا) [الأحقاف: ١٥]: لما كان الرضاع يليه الفصال لأنه ينتهي به ويتم سمي فصالًا كما سمى المدة بالأمد من قال: كل حي مستكمل مدة العمـ … ـر ومود إذا انتهى أمده يعني سمي الرضاع فصالًا تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه، كما سمي المدة، وهي: طول الإمهال بالأمد، وهو الانتهاء مجازًا. قوله: (مود) أي: هالك، من: أودى: إذا هلك، يقول: كل حي يستكمل مدة عمره ويهلك إذا انتهى عمره. قوله: (ولأنه قد عُلم) عطف من حيث المعنى على قوله: "والأجل يقع على المدة كلها"؛ لأنه في معنى التقييد والتعليل، يعني: إنما قلنا: إن معنى قوله تعالى: (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) شارفن منتهى الأجل؛ لأن الاستعمال وارد عليه، ولأن المقام يقتضيه، إذ لا يمكن حمل الأجل على جميع المدة، والبلوغ على الوصول؛ لأنه لا يمكن الإمساك بعد تقضي الأجل، فيتعين الحمل على ما ذكرنا، وهو مشارفة منتهى الأجل. الراغب: (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) مشكل؛ لأن المراجعة ثابتة قبل انقضاء العدة، وظاهره يقتضي أن المراجعة بعد انقضاء العدة، ووجه ذلك: أن الأجل ها هنا: زمان العدة، لا تمام العدة، وأيضًا، فإنه يقال: إذا فعلت كذا، ويعني: إذا خضت، لا إذا فرغت منه، نحو: (وَإِذَا قُلْتُمْ
[ ٣ / ٤٠٧ ]
(أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) وإما أن يخليها حتى تنقضي عدّتها وتبين من غير ضرار. (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا): كان الرجل يطلق المرأة ويتركها حتى يقرب انقضاء عدتها ثم يراجعها لا عن حاجةٍ، ولكن ليطوّل العدة عليها، فهو الإمساك ضرارًا. (لِتَعْتَدُوا): لتظلموهنّ، وقيل: لتلجئوهن إلى الافتداء. (فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) بتعريضها لعقاب اللَّه. (وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا) أي: جدّوا في الأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها، وإلا فقد اتخذتموها هزوًا ولعبًا. ويقال لمن لم يجدّ في الأمر: إنما أنت لاعب وهازئ
_________________
(١) ـ فَاعْدِلُوا) [الأنعام: ١٥٢]، فقوله: (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: خضن في زمان بلوغ الأجل. وأيضًا، فقولهم: بلغ، يقال لما شارف وإن لم ينته، وإنما خصت المشارفة؛ لأنهم كانوا يطلقون المرأة فيتركونها حتى تشارف انقضاء العدة ثم يراجعونها إضرارًا بها، وهذه الآية ظاهرها إعادة حكم ما تقدم، فإنه يجوز مراجعتها بعد انقضاء العدة، وقد فسرت تفسيرين: أحدهما: أن الأولى فيها حكم جواز الرجعة بعد التطليقة والتطليقتين، وتحريم الرجعة بعد الثالثة، وهذه تقتضي جواز رجعتها ما دامت في العدة، لا عن الطلاق الثلاث، وفيها زيادة حكم وإن كانت تفيد بعض ما أفادت الأولى، وهي ما ذكر بعدها من الأحكام. قوله: «أَوْ سَرِّحُوهُنَّ) بإحسان في نسخة، ولفظ القرآن: (بِمَعْرُوفٍ)، وضع المفسر موضع المفسر، لأنه فسر المعروف بعيد هذا بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط، ولما سبق في تلك الآية: (فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: ٢٢٩]. الراغب: لم تعلق التسريح ها هنا بمعروف، وفي الأولى بإحسان؟ قيل: نبه به على أنه إن لم تراعوا في تسريحها الإحسان فراعوا فيه المعروف، كما قال بعضهم لسلطان: إن لم تحسن فعدلًا. قوله: (أي جدوا في الأخذ بها والعمل بما فيها). قال القاضي: كأنه نهي عن الهزؤ، واراد به الأمر بضده.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
ويقال: كن يهوديًا وإلا فلا تلعب بالتوراة. وقيل: كان الرجل يطلق ويعتق ويتزوّج ويقول: كنت لاعبًا. وعن النبي ﷺ: «ثلاث جدّهن جدّ، وهزلهن جدّ: الطلاق والنكاح والرجعة». (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) بالإسلام وبنبوّة محمد ﷺ (وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ) من القرآن والسنة. وذكرها: مقابلتها بالشكر والقيام بحقها. (يَعِظُكُمْ بِهِ) بما أنزل عليكم. (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ): إما أن يخاطب به
_________________
(١) ـ قوله: (كن يهوديًا)، كانوا يقولون لليهودي الذي لا يعمل بالتوراة حق العمل هذا المثل. قوله: (نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ): بالإسلام وبنبوة محمد ﷺ)، وإنما خص نعمة الله بما ذكر ليدل على أن ذلك الفعل، وهو إمساك النساء للضرار، كان من فعل الجاهلية، وكان مقتًا وكفرًا، فبدله الله تعالى بنعمة الإسلام وببعثة محمد صلوات الله عليه، كقوله تعالى: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) [آل عمران: ١٠٣]، وقوله: (وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ) يجوز أن يكون مجرورًا؛ عطفًا على مقدر وهو: "بالإسلم وبنبوة محمد" ليشمل جميع نعمة الدين، أي: اذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام وبنبوة محمد وبالكتاب والسنة، وأن يكون منصوبًا؛ عطفًا على (نِعْمَةَ اللَّهِ) عطف الخاص على الخاص، وعليه ظاهر كلام المصنف، وأن يكون عطف الخاص على العام، وعليه كلام القاضي، حيث قال: أفردهما بالذكر إظهارًا لشرفهما، فعلى هذا هو من باب (وَمَلائِكَتِهِ … وَجِبْرِيلُ) [البقرة: ٩٨]، والأول أقرب إلى النظم؛ لأن الأمر بالذكر بعد النهي المعقب به التوضيح بقوله: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) مشعر به تعالى يمن على المؤمنين بإنقاذهم من الظلم الذي كانوا عليه في الجاهلية، فيجب أن تختص النعمة بنعمة متجددة من الإسلام وبنبوة محمد صلوات الله عليه، وبإنزال هذا الكتاب الكريم، وإنما صرح به دونهما لأن الكلام فيه، بدليل قوله تعالى: (وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا). قوله: «يَعِظُكُمْ بِهِ) بما أنزل عليكم)، يحتمل قوله: (يَعِظُكُمْ بِهِ) أن تكون جملة
[ ٣ / ٤٠٩ ]
الأزواج الذين يعضلون نساءهم بعد انقضاء العدة؛ ظلمًا وقسرًا، ولحمية الجاهلية لا يتركونهنّ يتزوّجن من شئن من الأزواج. والمعنى: أن ينكحن أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهنّ؛ وإما أن يخاطب به الأولياء في عضلهنّ أن يرجعن إلى أزواجهنّ. روي: أنها نزلت في معقل بن يسارٍ حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأوّل. وقيل: في جابر بن عبد اللَّه حين عضل بنت عم له
_________________
(١) ـ مستأنفة لبيان موجب الإنزال، والأوجه أن الضمير في (بِهِ) راجع إلى المذكور كله، وتكون الجملة معترضة مؤكدة للمعاني السابقة واللاحقة؛ لأن المأمورات والمنهيات كلها وعظ من الله وتذكير، والذي سيق له الكلام إمساك المطلقات وتسريحهن، فيدخل فيه دخولًا أوليًا. قوله: (وإما أن يخاطب به الأولياء)، قال القاضي: فعلى هذا يكون دليلًا على أن المرأة لا تزوج نفسها، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الولي معنى، ولا يعارض بإسناد النكاح إليهن لأنه بسبب توقفه على إذنهن. قوله: (روي أنها نزلت في معقل بن يسار)، روينا عن البخاري والترمذي وأبي داود، عن معقل بن يسار، قال: كانت لي أخت تخطب إلي وأمنعها من الناس، فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه، فاصطحبا ما شاء الله، ثم طلقها طلاقًا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها، فملا خطبت إلي أتاني يخطبها مع الخطاب، فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس وآثرتك بها فزوجتك، ثم طلقتها طلاقًا لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب؟ والله لا أنكحتها أبدًا، قال: ففي نزلت هذه الآية، فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه.
[ ٣ / ٤١٠ ]
والوجه أن يكون خطابًا للناس، أي: لا يوجد فيما بينكم عضل؛ لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين. والعضل: الحبس والتضييق، ومنه: عضلت الدجاجة؛ إذا نشب بيضها فلم نخرج. وأنشد لابن هرمة:
وَإنَّ قَصَائِدِى لَكَ فَاصْطَنِعْنِى … عَقَائِلُ قَدْ عَضُلْنَ عَنِ النِّكَاحِ
وبلوغ الأجل على الحقيقة. وعن الشافعي ﵀: دلّ سياق الكلامين على افتراق البلوغين. (إِذا تَراضَوْا): إذا تراضى الخطاب والنساء،
_________________
(١) ـ قوله: (والوجه أن يكون خطابًا للناس) لما يلزم من الأول المجاز باعتبار ما يؤول إليه في إضافة قوله: (أَزْوَاجَهُنَّ)؛ لأن التقدير: من شيئين من الأزواج غيركم، ومن الثاني يلزم تسمية الأزواج أزواجًا باعتبار ما كان، وإسناد الطلاق إلى الأولياء على المجاز أيضًا، ولأن قوله: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) إلى آخر الآية كالتعليل لشرعية هذا الحكم والامتنان على الأمة، وفيه أن لكل أن ينكر هذا العضل إذا وجد فيما بينهم. قوله: (أي: لا يوجد فيما بينكم عضل)، تفسير للخطاب العام؛ لأن النهي إنما يتوجه إلى من يباشر الفعل أو عزم عليه، فإذا توجه إلى المجموع كانوا في حكم شخص واحد، فإذا انتهوا بأسرهم لم يوجد عضل قط. قوله: (وإن قصائدي لك)، البيت، عقيلة كل شيء: أكرمه، والعقيلة من النساء: التي عقلت في بيتها أي خدرت وجلست، يقول: إن قصائدي مثل عقائل النساء وقد عضلن عن النكاح، فلا أمدح بها غيرك، فاصطنعني بمدحي إياك بها. قوله: (وبلوغ الأجل على الحقيقة) يعني: في قوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ) محمول على انتهاء الغاية لا على المجاز، وهو المشارفة والمداناة كما في الآية
[ ٣ / ٤١١ ]
(بِالْمَعْرُوفِ) بما يحسن بالدين والمروءة من الشرائط وقيل: بمهر المثل. ومن مذهب أبي حنيفة ﵀: أنها إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فللأولياء أن يعترضوا. فإن قلت: لمن الخطاب في قوله: (ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ)؟ قلت: يجوز أن يكون لرسول اللَّه ﷺ ولكل أحدٍ،
_________________
(١) ـ السابقة، وهي قوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ)؛ لأن الإمساك بعد مضي الأجل لا وجه له، فيحمل على المجاز، بخلافه هاهنا. قوله: «بِالْمَعْرُوفِ): بما يحسن في الدين)، قال القاضي: (بِالْمَعْرُوفِ): حال من الضمير المرفوع، أو: صفة مصدر محذوف، أي: تراخيًا كائنًا بالمعروف، وفيه دلالة على أن العضل عن التزوج من غير كفؤ غير منهي عنه. قوله: (يجزو أن يكون لرسول الله ﷺ ولكل أحد)، قال القاضي: إذا كان الخطاب لرسول الله ﷺ فهو كقوله تعالى: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: ١] للدلالة على أن حقيقة المشار إليه لا يكاد يتصورها كل أحد. وقلت: يعني: لا يدركه إلا النبي ﷺ، وهو تنبيه لهم. قال المصنف: خص النبي ﷺ بالنداء وعم الخطاب، إظهارًا لترؤسه وأنه مدره قومه ولسانهم والذي يصدرون عن رأيه، وكان وحده في حكم كلهم. وقال القاضي: أو الكفاف لمجرد الخطاب دون تعيين المخاطبين، والفرق بين الحاضر والمنقضي، وقال الزجاج: (ذَلِكَ): مخاطبة الجميع، والجميع لفظه لفظ واحد، المعنى: ذلك أيها القبيل يوعظ به من كان منكم، وقوله بعد ذلك: (ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ) يدلك على أن لفظة "ذلك" و"ذلكم": مخاطبة للجماعة.
[ ٣ / ٤١٢ ]
ونحوه: (ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) [المجادلة: ١٢]. (أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ) من أدناس الآثام، وقيل: (أَزْكى) (وَأَطْهَرُ): أفضل وأطيب. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) ما في ذلك من الزكاء والطهر، وأنتم لا تعلمونه. أو: واللَّهُ يعلم ما تستصلحون به من الأحكام والشرائع وأنتم تجهلونه.
[(وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)].
_________________
(١) ـ وقلت: وكيف ما كان في الكلام تلوين الخطاب؛ لأنه تعالى خاطبهم أولًا بقوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ) ثم رجع إلى مخاطبة النبي ﷺ تعليلًا لهم وتعظيمًا له، أو إلى مخاطبة كل أحد للدلالة على تعظيم الأمر، فلا يختص بهؤلاء، أو جعلهم في حكم القبيل والفوج تقليلًا لهم وتعظيمًا للمتكلم، ثم عاد على مخاطبتهم بقوله: (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ)، والأول أوجه لأنه أوفق لما في سورة الطلاق. قوله: () ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ»، والتلاوة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). قوله: (وقيل: (أَزْكَى) (وَأَطْهَرُ): أفضل وأطيب)، فعلى الأول "وأطهر": عطف تفسيري على "أزكى"؛ لأنه بمعنى الطهارة، وعلى هذا بمعنى النمو والزيادة. الراغبك زكاء الإنسان وطهارته في الحقيقة: كونه بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة عظيم المثوبة، وأن يصلح لمجاورة الملأ الأعلى بل لمجاورة المولى، ولذلك عقبه بقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).
[ ٣ / ٤١٣ ]
(يُرْضِعْنَ) مثل (يَتَرَبَّصْنَ) في أنه خبرٌ في معنى الأمر المؤكد. (كامِلَيْنِ) توكيد، كقوله: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) [البقرة: ١٩٦]؛ لأنه مما يتسامح فيه فتقول: أقمت عند فلان حولين، ولم تستكملهما. وقرأ ابن عباس ﵄: (أن يكمل الرضاعة)،
_________________
(١) ـ قوله: (في أنه خبر في معنى الأمر). قال الزجاج: اللفظ خبر والمعنى أمر، كما تقول: حسبك درهم، أي اكتف بدرهم، ومعنى الآية: لترضع الوالدات. الراغب: ذكر جماعة من الفقهاء أن (يُرْضِعْنَ) أمر وإن كان لفظه خبرًا؛ لأنه لو جعل خبرًا لم يقع مخبر بخلافه، وهذه قضية إنما تصح في كل خبر لفظه لا يحتمل التخصيص، فأما إذا كان عامًا يمكن أن يخصص على وجه يخرج من كونه كذبًا فإن ادعاء ذلك فيه ليس بواجب، وهذه الآية مما يمكن فيه ذلك، أخبر تعالى أن حكم الله في ذلك أن الوالدات احق بإرضاع أولادهن، سواء كانت في حبالة الزوج أو لم تكن، فإن الإرضاع من خصائص الولادة، لا من خصائص الزوجية، ولهذا ورد في الحديث: "إنها أحق بالولد ما لم تتزوج". وقلت: أشار بقوله: "إن الإرضاع من خصائص الولادة" أن في تخصيص ذكر الوالدات دون الأمهارت إشعارًا بالعلية، نظيره قوله تعالى: (الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً) [النور: ٣]، قال المصنف: المرفوع، أي قوله: (لا يَنكِحُ) فيه معنى النهي، ويجوز أن خبرًا محضًا، على أن عادتهم جارية على ذلك، وكما قال: الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والتقحب لا يرغب في نكاح الصوالح.
[ ٣ / ٤١٤ ]
وقرئ: (الرِّضاعة) بكسر الراء. و(الرضعة)، و(أن تتم الرضاعة) و(أن يتم الرضاعة) برفع الفعل تشبيهًا لـ «أن» بـ «ما»؛ لتآخيهما في التأويل. فإن قلت: كيف اتصل قوله: (لِمَنْ أَرادَ) بما قبله؟ قلت: هو بيان لمن توجه إليه الحكم، كقوله تعالى: (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣]، "لك" بيان للمهيت به، أي: هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاع. وعن قتادة: (حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) ثم أنزل اللَّه اليسر والتخفيف، فقال: (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ)، أراد: أنه يجوز النقصان. وعن الحسن: ليس ذلك بوقتٍ لا ينقص منه بعد أن لا يكون في الفطام ضرر. وقيل: اللام متعلقة بـ (يرضعن)، كما تقول: أرضعت فلانة لفلانٍ ولده،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "الرضاعة" بكسر الراء)، قال الزجاج: والفتح أكثر، وعليه القراء، وروى الأخفش بالكسر. قوله: (تشبيهًا لـ "أن")، أي: شبه "أن" المصدرية بـ "ما" التي لها، لجامع المصدرية. قوله: «هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣])، هيت به وهوت به، أي: صاح به ودعاه، وقولهم: هيت لك، أي: هلم لك، وهو: اسم الفعل، وفيه ضمير المخاطب، كأنه قيل: هيت أنت، ولك: تبيين للمخاطب وتأكيد جيء به بعد استكمال الكلام كما في سقيًا لك، وكذا الكاف في رويدك: تبيين للمخاطب، فإن معناه: رويدًا أنت، كأنه لما قيل: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ) فقيل: لمن هذا الحكم؟ قيل: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ). قوله: (ليس ذلك بوقت) أي: بحد، "الأساس": شيء موقوت ومؤقت: محدود، والآخرة ميقات الخلق. الراغب: قال الفقهاء: لما جعل الرضاع حولين، وقال في موضع آخر: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا) [الأحقاف: ١٥]، علم أن الولد قد يولد لستة اشهر. وفيه تنبيه على لطيفة
[ ٣ / ٤١٥ ]
أي: يرضعن حولين (لمن أراد أن يتمّ الرضاعة) من الآباء؛ لأنّ الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم، وعليه أن يتخذ له ظئرًا إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه. ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة ﵀، ما دامت زوجةً أو معتدة من نكاح. وعند الشافعي يجوز، فإذا انقضت عدّتها جاز بالاتفاق. فان قلت: فما بال الوالدات مأموراتٍ بأن يرضعن أولادهنّ؟ قلت: إما أن يكون أمرًا على وجه الندب، وإما على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزًا عن الاستئجار. وقيل: أراد: الوالدات المطلقات. وإيجاب النفقة والكسوة لأجل الرضاع. (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ): وعلى الذي يولد له، وهو الوالد، و(لَهُ) في محل الرفعِ على الفاعلية، نحو: (عَلَيْهِمْ) في (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧]. فإن قلت: لم قيل: (الْمَوْلُودِ لَهُ) دون الوالد؟ قلت: ليعلم أنّ الوالدات إنما ولدن لهم؛ لأن الأولاد للآباء؛ ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات؛ وأنشد للمأمون بن الرشيد:
فَإنَما أُمَّهَاتُ النَّاسِ أوْعِيَةٌ … مُسْتَوْدَعَاتٌ وَلِلآبَاءِ أبْنَاءُ
_________________
(١) ـ وهي أن الولد لما كان زمان حمله وفصاله أقل من ثلاثين شهرًا أضر ذلك به، فإذا ولد لسبعة أشهر لم يضره أن ينقص رضاعه عن الحولين. قوله: (وقيل: أراد الوالدات المطلقات)، فعلى هذا، التعريف في (وَالْوَالِدَاتُ): للعهد، والمشار إليه: ما يفهم من قوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ)، والمراد من إيجاب النفقة والكسوة: ما يعطيه قوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) من معنى الوجوب، وهذا الوجه أحسن في الالتئام وأظهر في معنى الوجوب في قوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ) لأن على الأزواج رزق الزوجات وكسوتهن، سواء أرضعن أو لم يرضعن. قوله: (فإنما أمهات الناس) البيت، ويروى فيه: "وللآباء أبناء"، وقيل: الرواية: "وللأنساب أبناء". قبله:
[ ٣ / ٤١٦ ]
فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالأظآر، ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى،
_________________
(١) ـ لا تزرين بفتى من أن يكون له … أم من الروم أو سوداء دعجاء زرى به: إذا عابه، والدعج: شدة سواد الحدقة وشدة بياضها. وكانت أمه أم ولد، يقال لها: مراجل. وقيل: عاب هشام زيد بن علي رحمهما الله وقال: بلغني أنك تريد الخلافة، وكيف تصلح لها وأنت ابن أمة؟ فقال: كان إسماعيل ابن أمة، وإسحاق ابن حرة، فأخرج الله تعالى من صلب إسماعيل خير ولد آدم صلوات الله عليه، وهذه الصنعة تسمى في البديع بالإدماج، وفي أصول الحنفية: بإشارة النص، وهو: أن يضمن في كلام سيق لمعنى معنى آخر، سيقت الآيات لإثبات النفقة للمرضع وضمنت معنى أن النسب ينتهي إلى الآباء، وفيه أيضًا معنى قوله صلوات الله عليه حين أتاه رجل وقال: إن لي مالًا وولدًا، وإن أبي يحتاج إلى مالي، فقال: "أنت ومالك لوالدك"، أخرجه أبو داود عن عبد الله ابن عمرو ابن العاص. قوله: (فكان عليهم أن يرزقوهن) الفاء تدل على أن إيثار المولود له، وتقديم الخبر وحمله على (رِزْقُهُنَّ) وصف مناسب لهذا الحكم، وهو إيجاب الرزق والكسوة عليهم. قوله: (أنه ذكره باسم الوالد) يعني: إنما لم يعدل عن الظاهر في تلك الآية حيث لم يكن
[ ٣ / ٤١٧ ]
وهو قوله تعالى: (وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا) [لقمان: ٣٣]؟ (بِالْمَعْرُوفِ) تفسيره ما يعقبه، وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضارّا. وقرئ: (لا تكلف) بفتح التاء، و(لا نكلف) بالنون. وقرئ: (لا تُضَارَّ) بالرفع على الإخبار، وهو يحتمل البناء للفاعل والمفعول، وأن يكون الأصل: تضارر؛ بكسر الراء، وتضارر؛ بفتحها. وقرأ: (لا تُضَارَّ) بالفتح أكثر القراء، وقرأ الحسن بالكسر على النهي، وهو محتمل للبناءين أيضًا، ويبين ذلك أنه قرئ: (لا تضارَرْ)، و(لا تضارِرْ) بالجزم وفتح الراء الأولى وكسرها، وقرأ أبو جعفر: (لا تضارّ) بالسكون مع التشديد على نية الوقف، وعن الأعرج: (لا تضارْ) بالسكون والتخفيف، وهو من: ضاره يصيره، ونوى الوقف كما نواه أبو جعفر، أو اختلس الضمة فظنه الراوي سكونًا. وعن كاتب عمر بن الخطاب: (لا تضرر). والمعنى: لا تضارّ والدة زوجها بسبب ولدها، وهو أن تعنف به، وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبي: اطلب له ظئرًا،
_________________
(١) ـ على الوالد إيجاب شيء. وقلت: وإن لم يعدل في الوالد فيها، عدل عن الولد إلى المولود لنكتة أخرى وهي ما ذكره هناك. قوله: (وقرئ: "لا تضار" بالرفع) ابن كثير وأبو عمرو، والباقون بفتح الراء، والبواقي شواذ. قال الزجاج: الرفع على معنى: لا تكلف نفس على الخبر الذي فيه معنى النهي، وفتح الراء على النهي أيضًا، والموضع موضع جزم، والأصل: لا تضارر فأدغمت الراء الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين، وهذا الاختيار في التضعيف إذا كان قبله فتح أو ألف، ويجوز: لا تضار، بالكسر، ولا أعلم أحدًا قرأ به، وإنما جاز الكسر لالتقاء الساكنين لأنه الأصل، ومعنى (لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) أي: لا تترك إرضاع ولدها غيظًا على أبيه فتضرَّ به.
[ ٣ / ٤١٨ ]
وما أشبه ذلك، ولا يضارّ مولود له امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئًا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، ولا يأخذه منها وهي تريد إرضاعه، ولا يكرهها على الإرضاع، وكذلك إذا كان مبنيًا للمفعول فهو نهي عن أن يلحق بها الضرار من قبل الزوج، وعن أن يلحق بها الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد. ويجوز أن يكون (تُضَارَّ) بمعنى تضر، وأن تكون الباء من صلته، أي: لا تضرّ والدة بولدها، فلا تسيء غذاءه وتعهده، ولا تفرط فيما ينبغي له، ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها، ولا يضرّ الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يقصر في حقها فتقصر هي في حق الولد.
فان قلت: كيف قيل: (بولدها) و(بولده)؟ قلت: لما نهيت المرأة عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافًا لها عليه، وأنه ليس بأجنبيّ منها، فمن حقها أن تشفق عليه، وكذلك الوالد. (وَعَلَى الْوارِثِ) عطف على قوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ)، وما بينهما تفسير للمعروف، معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، فكان المعنى: وعلى وارث المولود له مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة، أي: إن مات المولود له لزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشريطة التي ذكرت من المعروف، وتجنب الضرار. وقيل: هو وارث الصبي الذي لو مات الصبي ورثه. واختلفوا؛ فعند ابن أبي ليلى: كل من ورثه، وعند أبي حنيفة: من كان ذا رحمٍ محرمٍ منه. وعند الشافعي: لا نفقة فيما عدا الولاد
_________________
(١) ـ قوله: (لا نفقة فيما عدا الولاد) أي: الأصول والفروع. الجوهري: ولدت المرأة تلد ولادًا وولادة، وحان ولادها. قال محيي السنة: ذهب جماعة إلى أن المراد بالوارث هو الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى، تكون أجرة رضاعه ونفقته في ماله، فإن لم يكن له مال فعلى الأم، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو قول مالك والشافعي، وقيل: هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر، عليه مثل ما كان على الأب من أجرة الرضاع والنفقة والكسوة، وقال بعضهم: من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود ممن ليس بمحرم، مثل ابن العم والمولى، فغير
[ ٣ / ٤١٩ ]
وقيل: من ورثه من عصبته؛ مثل: الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العمّ. وقيل: المراد وارث الأب، وهو الصبي نفسه، وأنه إن مات أبوه وورثه وجبت عليه أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبرت الأم على إرضاعه. وقيل: (عَلَى الْوارِثِ): على الباقي من الأبوين، من قوله: «واجعله الوارث منا». (فَإِنْ أَرادا فِصالًا) صادرًا (عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما) في ذلك زادا على الحولين أو نقصا، وهذه توسعة بعد التحديد. وقيل: هو في غاية الحولين لا يتجاوز، وإنما اعتبر تراضيهما في الفصال وتشاورهما: أمّا الأب فلا كلام فيه، وأمّا الأمّ؛
_________________
(١) ـ مراد بالآية، وهو قول أبي حنيفة، وقيل: ليس المراد منه النفقة، بل معناه: وعلى الوارث ترك المضارة، وبه قال الشعبي والزهري. وفي بعض الحواشي: روي بإضافة الرحم إلى المحرم، وفي "المغرب": وذو رحم محرم بالجر، صفة للرحم، وبالرفع: لذو، وعلى ما ذكر في "المغرب" يكون الرحم منونًا لا مضافًا. قوله: (واجعله الوارث منا). أوله: اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، أخرجه الترمذي ورزين، النهاية: ومن أسماء الله تعالى: الوارث: وهو الذي يرث الخلائق ويبقى بعد فنائهم، ومعنى: "اجعله الوارث منا"، أي: أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت، وقيل: أراد بقاءهما عند الكبر وانحلال القوى النفسانية، فيكون السمع والبصر وارثي سائر القوى والباقيين بعدها. قوله: (وهذه توسعة بعد التحديد)، فإن قلت: هذا مخالف لما سبق من قوله: "أراد أنه يجوز
[ ٣ / ٤٢٠ ]
فلأنها أحق بالتربية وهي أعلم بحال الصبي. وقرئ (فإن أراد). "استرضع" منقول من "أرضع"، يقال: أرضعت المرأة الصبي، واسترضعتها الصبي، لتعديه إلى مفعولين، كما تقول: أنجح الحاجة، واستنجحته الحاجة. والمعنى:
أن تسترضعوا المراضع أولادكم، فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه، كما تقول: استنجحت الحاجة ولا تذكر من استنجحته، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن أحدهما عبارة عن الأوّل إِذا سَلَّمْتُمْ إلى المراضع ما آتَيْتُمْ ما أردتم إيتاءه، كقوله تعالى: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [المائدة: ٦]، وقرئ: (ما أتيتم) من أتى إليه إحسانًا إذا فعله. ومنه قوله تعالى: (إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَاتِيًّا) [مريم: ٦١] أي: مفعولًا. وروى شيبان عن عاصم: (ما أوتيتم) أي: ما آتاكم اللَّه وأقدركم عليه من الأجرة، ونحوه (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) [الحديد: ٧]. وليس التسليم بشرط للجواز والصحة، وإنما هو ندب إلى الأولى، ويجوز أن يكون بعثًا على أن يكون الشيء الذي تعطاه المرضع من أهنى ما يكون، لتكون طيبة النفس راضية، فيعود ذلك إصلاحًا لشأن الصبي واحتياطًا في أمره، فأمرنا بإيتائه ناجزًا يدًا بيد؛ كأنه قيل: إذا أدّيتم إليهن يدًا بيد ما أعطيتموهن
_________________
(١) ـ النقصان" تفسيرًا لقول قتادة: "ثم أنزل الله اليسر والتخفيف وقال: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) "، وقول الحسن: "ليس ذلك بوقت لا ينقص". قلت: المراد أنه من التحديد الوقت المضروب، فما وقت نقص دون ما زاد، وقصر الإرادة على الآباء في قوله: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) دون الأمهات، فالحاصل: أن الأول دل على جواز النقصان للآباء دون الأمهات، والثاني على جواز النقصان والزيادة للآباء والأمهات، وأما قوله: "قيل: هو في غاية الحولين لا يتجاوز"، فمعناه: أن التشاور ينتهي إلى غاية الحولين فلا يتجاوز، فالغاية بمعنى: جميع المدة لا آخرها. قوله: (ويجوز أن يكون بعثًا) قيل: هو عطف على قوله: "ما أردتم إيتاءه" فلا يحتاج إلى تقدير الإرادة، ولهذا قال: "إذا أديتم إليهن يدًا بيد" كذا ذكروا، وقلت: الأولى أن يكون عطفًا
[ ٣ / ٤٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ على جملة قوله: "وليس التسليم" إلى قوله: "وإنما هو ندب إلى الأولى"، وعن بعضهم: ويجوز أن يكون "نعتًا": بيانًا لوجه الندب ولحكمته. وقلت: الظاهر المغايرة، وتحرير المعنى: أن ظاهر التركيب يوجب أن يكون التسليم شرطًا لصحة حكم الاسترضاع؛ لأن قوله: (إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ) شرط، وجزاؤه ما دل عليه الشرط المتقدم مع جزائه، كذا قدره أبو البقاء، فالمعنى: إذا سلمتم إليهن ما أردتم إيتاءه، فلا جناح عليكم إن أردتم أن تسترضعوا، فجعل رفع الجناح عن إرادة حكم الاسترضاع مشروطًا بتسليم الأجرة، وليس بشرط باتفاق العلماء، فيكون محمولًا على الندب إلى الأولى، ويجوز أن يكون شرطًا ويجري على الوجوب، مبالغة، ليكون بعثًا على أن يكون المعطى منجزًا، فقوله: "إذا أديتم إليهن يدًا بيد ما أعطيتموهن" حاصل المعنى لا التقدير كما ظنوا؛ لأن الذي حمله على تقدير الإرادة تصحيح إيقاع "سلمتم" على "ما آتيتموهن" لاستحالة أن يكون الإيتاء قبل التسليم، وهذا المعنى أيضًا قائم مع "أديتم، أي: إذا أديتم إليهن ما أردتم إعطاءه، وإنما فسر التسليم بالأداء في هذا الوجه مراعاة للمطابقة بين معنى الوجوب والأداء، ونحو هذا الأسلوب قول الأصوليين في قوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"
[ ٣ / ٤٢٢ ]
(بِالْمَعْرُوفِ) متعلق بـ (سلمتم) أمروا أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن حتى يؤمن تفريطهن بقطع معاذيرهن.
[(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ* وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)].
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) على تقدير حذف المضاف، أراد: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن. وقيل: معناه يتربصن بعدهم، كقولهم: السمن منوان بدرهم
_________________
(١) ـ الظاهر نفي لماهية الصلاة في غير المسجد وصحتها، واتفقوا على صحتها، فتحمل على ما يقرب إلى الحقيقة من نفي الكمال، وإلى هذا المعنى أشار بقوله: "أن يكون الذي تعطاه المرضع من أهنأ ما يكون"، وهو أن يكون منجزًا يدًا بيد. قوله: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ): على تقدير حذف المضاف) لأن الخبر (يَتَرَبَّصْنَ) وليس فيه ضمير يرجع إلى المبتدأ، فوجب أن يقدر ما يرجع إليه الضمير في الخبر. عن أبي البقاء: وقال سيبويه: إن (الَّذِينَ): مبتدأ والخبر محذوف تقديره: وفيما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم، وقوله: (يَتَرَبَّصْنَ): بيان الحكم المتلو. وقال الزجاج: قال الأخفش:
[ ٣ / ٤٢٣ ]
وقرئ: (يَتوفون) بفتح الياء، أي: يستوفون آجالهم، وهي قراءة علي ﵁. والذي يحكى: أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشى خلف جنازة، فقال له رجل: من المتوفي؟ بكسر الفاء. فقال: اللَّه، وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي ﵁ على أن أمره بأن يضع كتابًا في النحو، تناقضه هذه القراءة. (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا):
_________________
(١) ـ يتربصن بعدهم، وقال غيره من البصريين: أزواجهم يتربصن، وحذف أزواجهم لأن في الكلام دليلًا عليه، وهو صواب، وقال الفراء: إن الأسماء إذا كانت مضافة إلى شيء، وكان الاعتماد في الخبر على الثاني، أي: المضاف إليه، أخبر عن الثاني وترك الأول، المعنى: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن. قوله: (وقرئ: "يتوفون" بفتح الياء)، قال ابن جني: روى هذه القراءة أبو عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁، قال ابن مجاهد: ولا يقرأ بها، قال ابن جني: هذا عندي مستقيم؛ لأنه على حذف المفعول، أي: والذين يتوفون أيامهم أو أعمارهم أو آجالهم، وحذف المفعول كثير في القرآن، وفصيح من الكلام. قلت: هذا معنى قول الشاعر: كل حي مستكمل مدة العمـ … ـر ومود إذا انتهى أمده قوله: (تناقضه هذه القراءة) لأن الآية تقتضي صحة السؤال عن الميت بالمتوفي، بالكسر، والحكاية تنافيها، فدلت قراءته على أن الرواية غير ثابتة لموافقتها إياها. نعم، هي موافقة لقراءة العامة، وموجبة للأمر بوضع ما تتقوم به ألسنة الناس من علم النحو. والجواب ما قال صاحب "المفتاح": لم يقل: فلان، بل قال: الله، ردًا لكلامه مخطئًا إياه، منبهًا له بذلك على انه كان يجب أن يقول: من المتوفى؟ بلفظ اسم المفعول، يريد أن السائل لم يكن من مرتبته في
[ ٣ / ٤٢٤ ]
يعتددن هذه المدّة، وهي أربعة أشهر وعشرة أيام. وقيل: عشرٌ؛ ذهابًا إلى الليالي، والأيام داخلة معها. ولا تراهم قط يستعملون التذكير فيه؛ ذاهبين إلى الأيام، تقول: صمت عشرًا، ولو ذكرت خرجت من كلامهم
_________________
(١) ـ البلاغة أن يبلغ إلى إدراك هذا المعنى الدقيق من هذا اللفظ، فما استحق الجواب المطابق لذلك. وقريب من ذلك ذكره صاحب "الانتصاف". قوله: (يعتددن هذه المدة)، الراغب: إن قيل: ما وجه التخصيص بهذه المدة؟ قيل: قد ذكر الأطباء أن الولد في الأكثر إذا كان ذكرًا يتحرك بعد ثلاثة اشهر، وإذا كان أنثى فبعد أربعة أشهر، فجعل ذلك عدتها وزيد عشرة استظهارًا، وتخصيص العشرة بالزيادة لكونها أكمل الأعداد وأشرفها. قوله: (ولو ذكرت خرجت من كلامهم)، يعني: لا ترى العرب يستعملون العدد بالتاء ذاهبين إلى الأيام، بل يستعملونه بغيرها ذاهبين إلى الليالي، والأصل فيه أن التاريخ هو: ضبط جزء معين من الزمان بالعدد، والعرب أرخت بالليالي، لأن الشهر قمري، ومبدأ ظهوره من الليالي، والليل سابق النهار، فخصوها بالذكر. قال الزجاج: حكى الفراء: صمنا عشرًا من شهر رمضان، فالصوم إنما يكون في الأيام ولكن التأنيث مغلب في هذه الأيام والليالي بإجماع أهل اللغة، يقولون: سرنا خمسًا بين يوم وليلة، وقال سيبويه: هذا باب المؤنث الذي استعمل في التأنيث والتذكير، والتأنيث أصله، وليس بين البصريين والكوفيين خلاف في الباب، وذكر المرزوقي في "الأزمنة والأمكنة": إنما غلبت العرب الليالي على الأيام في التاريخ فقيل: كتبت إليك لخمس بقين وأنت في اليوم؛ لأن ليلة الشهر
[ ٣ / ٤٢٥ ]
ومن البين فيه قوله تعالى: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا) [طه: ١٠٣]، ثم: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) [طه: ١٠٤].
(فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ): فإذا انقضت عدّتهن (فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) أيها الأئمة وجماعة المسلمين (فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ) من التعرّض للخطاب (بِالْمَعْرُوفِ): بالوجه الذي لا ينكره الشرع. والمعنى: أنهن لو فعلن ما هو منكر كان على الأئمة أن يكفوهنّ، وإن فرّطوا كان عليهم الجناح. (فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ) هو أن يقول لها: إنك لجميلة أو صالحة أو نافقة، ومن غرضي أن أتزوّج، وعسى اللَّه أن ييسر لي امرأةً صالحة، ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرح بالنكاح؛ فلا يقول: إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك أو أخطبك. وروى ابن المبارك عن عبد اللَّه بن سليمان عن خالته قالت: دخل عليَّ أبو جعفر محمد بن على وأنا في عدتي، فقال: قد علمت قرابتي من رسول اللَّه ﷺ، وحق جدّي عليّ، وقدمي في الإسلام،
_________________
(١) ـ سبقت يومه، ولم يلدها وولدته، ولأن الأهلة لليالي دون الأيام. قوله: (ومن البين فيه) أي: ومن الدليل البين في استعمال العدد بغير التاء في الأيام ذهابًا إلى معنى الليالي قوله تعالى: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا) [طه: ١٠٣]، فإن المراد به الأيام، وإنما أنث فيه ذهابًا إلى الليالي بدليل قوله تعالى: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا)، والتلاوة (يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا* نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا) [طه: ١٠٣ - ١٠٤]. قوله: (أو صالحة أو نافقة) أو: للتخيير والإباحة، عطف الأولين بأو، والآخرين بالواو؛ لأن المعنى أن يذكر أحد المذكورات أولًا مع أحد الآخرين بأن يقول: إنك لجميلة ومن غرضي أن أتزوج، مثلًا. قوله: (وقدمي في الإسلام) في نسخة المعزي: بفتح القاف، أي: ثباتي، وفي نسخة الصمصام: بكسرها.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
فقلت: غفر اللَّه لك، أتخطبني في عدّتي وأنت يؤخذ عنك! فقال: أوقد فعلت؟ إنما أخبرتك بقرابتي من رسول اللَّه ﷺ، وموضعي، قد دخل رسول اللَّه ﷺ على أم سلمة، وكانت عند ابن عمها أبي سلمة، فتوفي عنها، فلم يزل يذكر لها منزلته من اللَّه وهو متحامل على يده، حتى أثر الحصير في يده من شدّة تحامله عليها، فما كانت تلك خطبة. فإن قلت: أي: فرق بين الكناية والتعريض؟ قلت: الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له؛ كقولك: طويل النجاد والحمائل؛ لطول القامة، وكثير الرماد؛ للمضياف، والتعريض أن تذكر شيئًا تدل به على شيء لم تذكره؛ كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم؛ ولذلك قالوا:
_________________
(١) ـ قوله: (أوقد فعلت؟) يروى بضم التاء وبكسرها، والهمزة للإنكار، وتعريض النبي ﷺ مع ذكر منزلته بيان شرعية التعريض، وإلا لما كان محتاجًا إلى ذكر منزلته عندها. قوله: (وهو متحامل)، النهاية: تحاملت الشيء: تكلفته على مشقة. "الأساس": والشيخ يتحامل في مشيته، وتحاملت الشيء: حملته على مشقة، وتحامل علي فلان: لم يعدل. قوله: (الكناية: أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له)، ليس هذا تعريف الكناية، لدخول المجاز فيه، ولو قال: مع قرينة غير مانعة لإرادة الموضوع له لصح، وكذلك تعريف التعريض هو: اللفظ المشار به على جانب بحيث يوهم أن الغرض جانب آخر، وبين الكناية والتعريض عموم وخصوص من وجه، فقد يكون كناية ولا يكون تعريضًا كقولك: فلان طويل النجاد، وبالعكس، كقولك في عرض من يؤذيك لغير المؤذي: آذيتني فستعرف، وعليه قوله تعالى لعيسى ﵇: (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [المائدة: ١١٦]، وقد يجتمع التعريض والكناية معًا، كقولك في عرض من يؤذي المؤمنين: المؤمن هو الذي يصلي ويزكي ولا يؤذي أخاه المؤمن، ويتوصل بذلك إلى نفي الإيمان عن المؤذي ومن هو بصدده، والتلويح: أن تشير إلى مطلوبك من بعد، كقولك: "فلان كثير الرماد"، فإنه يدلُّ على
[ ٣ / ٤٢٧ ]
وَحَسْبُكَ بِالتَّسلِيمِ مِنِّى تَقَاضِيَا
وكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض، ويسمى التلويح، لأنه يلوح منه ما يريده. (أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ): أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرّضين ولا مصرحين
_________________
(١) ـ كثرة إحراق الحطب ثم على كثرة الطبخ ثم على كثرة تردد الضيفان ثم على أنه مضياف، وفي كلام المصنف تسامح. الراغب: التعريض كالكناية، إلا أن التعريض: أن يذكر ما يفهم المقصود من غرضه، وليس بموضع للمفهوم عنه لا أصلًا ولا نقلًا، والكناية: العدول عن لفظ إلى لفظ هو يخلف الأول ويقوم مقامه، ولهذا سمي الأسماء المضمرات في النحو: الكنايات. وقلت: هذا قريب إلى ما ذهب إليه المصنف. قوله: (وحسبك بالتسليم مني تقاضيا) أوله: أروح بتسليم عليك وأغتدي قوله: (وكأنه: إمالة الكلام) أي: التعريض: إمالة الكلام، يريد أن الكلام له دلالة ظاهرة على معنى معين، فتميله إلى جانب آخر بقرينة اقتضاء المقام؛ لأنك حين سلمت على من تستجديه أشرت بالتسليم إلى غرضك، ولا دلالة للتسليم على الاستعطاء لا حقيقة ولا مجازًا، لكن في التسليم استرقاق واستعطاف، وهما يؤديان إلى استرضاء المسلم إما بالعطاء أو غير ذلك، ومآل هذا إلى الكناية، ولذلك قال القاضي: التعريض: إيهام المقصود بما لم يوضع له، لا حقيقة ولا مجازًا.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
(عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ) لا محالة، ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهنّ، ولا تصبرون عنه، وفيه طرف من التوبيخ كقوله: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ) [البقرة: ١٨٧]. فإن قلت: أين المستدرك بقوله: (وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ)؟ قلت: هو محذوف؛ لدلالة (ستذكرونهنّ) عليه، تقديره: علم اللَّه أنكم ستذكرونهنّ، فاذكروهنّ ولكن لا تواعدوهنّ سرًا، والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء؛ لأنه مما يسرّ، قال الأعشى:
وَلَا تَقْرَبَنْ مِنْ جَارَةٍ إنَّ سِرَّهَا … عَلَيْكَ حَرَامٌ فَانْكِحَنْ أوْ تَأَبَّدَا
ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه، كما فعل بالنكاح. (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا) وهو أن تعرّضوا ولا تصرحوا
_________________
(١) ـ قوله: (ولا تنفكون)، وفي بعض النسخ: "ولا ينفكون"، الجوهري: فككت الشيء: خلصته، وكل مشتبكين فصلتهما فقد فككتهما. قوله: (ولا تقربن جارة) البيت، تأبد: من الأبود، وهو النفار، أي: اعتزل عنهن ما لم يكن حلالًا، كأنك وحشي لا تدري ما النكاح، وأصله: "تأبدن" أبدل نون التأكيد بالألف في الوقف. قوله: (ثم عبر به) أي: ثم عبر بالسر ها هنا عن العقد بعدما جعل كناية عن الوطء؛ لأن العقد سبب للوطء، فيكون مجازًا عن العقد من إطلاق لفظ المسبب على السبب. قوله: (كما فعل بالنكاح) أي: كما عبر بالنكاح الذي هو الوطء عن العقد؛ لأنه سبب فيه، ولو جعل السر كناية عن النكاح الذي هو الوطء ثم جعل عبارة عن العقد ليكون كناية تلويحية: لجاز، فالضمير في "أنه" راجع إلى الوطء حينئذ.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
فإن قلت: بم يتعلق حرف الاستثناء؟ قلت: بـ (لا تواعدوهنّ)، أي: لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة، أي: لا تواعدوهنّ إلا بأن تقولوا، أي: لا تواعدوهنّ إلا بالتعريض، ولا يجوز أن يكون استثناء منقطعًا من (سِرًّا)؛ لأدائه إلى قولك: لا تواعدوهنّ إلا التعريض. وقيل: معناه: لا تواعدوهن جماعًا، وهو أن يقول لها: إن نكحتك كان كيت وكيت؛ يريد ما يجرى بينهما تحت اللحاف.
_________________
(١) ـ قوله: (بم يتعلق حرف الاستثناء؟) هذا يؤذن أن تعلق حرف الاستثناء بـ (لا تُوَاعِدُوهُنَّ) من حيث كونه عاملًا بوساطتها فيما بعدها كسائر الحروف التي يوصل بها الفعل إلى المعمول، هذا هو المختار في "شرح المفصل" لابن الحاجب، وروى الأنباري في "النزهة": أن أبا علي اجتمع مع عضد الدولة في الميدان، فسأله عضد الدولة: بماذا انتصب الاسم المستثنى في نحو: قام القوم إلا زيدًا؟ فقال: بتقدير: أستثني زيدًا، فقال: هلا قدرت امتنع زيد فرفعت؟ فقال أبو علي: هذا جواب ميداني فذكر في "الإيضاح" أنه انتصب بالفعل المقدم بتقوية إلا. قوله: (وقيل: معناه: لا تواعدوهن جماعًا). اعلم أنه فسر السر هنا تارة بعقد النكاح وما
[ ٣ / ٤٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ يتعلق به كناية تلويحية، وأخرى بالجماع كناية رمزية، ومرة مع ما يتصل به كناية إيمائية عما يستهجن منه. أما الأول فعلى وجهين، أحدهما: قوله: "لا تواعدوهن مواعدة قط" أي: لا تواعدوهن مواعدة فيها ألفاظ تستعمل في عقد النكاح إلا مواعدة فيها لفظ التعريض، والمستثنى منه أعم عام المصدر. وثانيهما: قوله: "إلا بأن تقولوا"، المعنى: لا تواعدوهن بشيء من الأقوال التي تتعلق بعقد النكاح، إلا بالقول المعروف، وهو التعريض، والمستثنى منه أعم عام المفعول به على حذف الجار واتصال الفعل، وعلى هذا القول، وهو أن يراد بالسر: عقد النكاح، لا يجوز الاستثناء أن يكون منقطعًا، قال القاضي: لأنه يؤدي إلى قولك: لا تواعدوهن إلا التعريض، وهو غير موعود، أي: التعريض واقع في الحال، فلا يكون موعودًا. وقلت: الفرق بين أن يكون الاستثناء متصلًا وأن يكون منقطعًا هو أن المتصل يستدعي أن يكون التعريض داخلًا تحت جنس المستثنى منه، وهو: (سِرًّا)، وتحت حكم المواعدة ايضًا، فيصير التعريض من جنس الألفاظ التي تتعلق بعقد النكاح، فيرجع المعنى إلى قولك: لا تواعدوهن إلا مواعدة فيها التعريض، والمنقطع يوجب أن لا يدخل التعريض تحت جنس معنى السر على ما فسرناه، فلا يكون من الألفاظ التي تستعمل في عقد النكاح بالتعريض، إذ لو كان لكان الاستثناء متصلًا، والمقدر خلافه، لكن يدخل تحت المواعدة؛ لأنه استدراك من عدم المواعدة، فإذن يلزم أن يكون مطلق التعريض موعودًا به كما قال القاضي. وأما الثاني- وهو أن يراد بالسر: الجماع- فالمراد بالمواعدة هو أن يقول لها: إن نكحتك كان كَيْتَ وكَيْتَ، إلى قوله: "من غير رفث وإفحاش في الكلام".
[ ٣ / ٤٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وأما الثالث- وهو أن يعبر بالسر وبما يتصل به عما يستهجن منه- فهو الذي أشار إليه بقوله: "إن المواعدة في السر عبارة عن المواعدة بما يستهجن"، وقوله: "لأن مسارتهن، إلى آخره": بيان لوجه الكناية، ويفهم من ظاهر كلامه أن الاستثناء على هذين الوجهين متصل أيضًا، أما أولًا: فقوله: "من غير رفث وإفحاش" معناه: لا تواعدوهن بما يستعمل تحت اللحاف سوى ألفاظ لا توحش نحو: اللمس والغشيان، وأما ثانيًا: فإن التقدير: لا تواعدوهن في الخفية بما يجري بين الرجل والمرأة سوى ألفاظ معلومة لا يستحيى منها في المجاهرة، وعلى هذا التأويل ينبغي أن لا يفسر قوله: (إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا) بالتعريض في الخطبة كما في الأول؛ لأن المنهي في الخطبة استعمال ألفاظ تصرح في النكاح كما قال، فلا تقول: إني أريد أن أنكحك أو: أتزوجك أو: أخطبك، فضلًا عن ألفاظ توهم الجماع. ثم الأحسن أن يعبر بالسر عن الجماع كما اختاره الزجاج، وأن يجعل الاستثناء منقطعًا كما عليه كلام مكي وأبي البقاء وصاحب الكواشي، وأن يراد بالمواعدة ما قد يجري بين الزوجين بعد الخطبة من المعاهدة بحسن المعاشرة، كما قال الإمام: لما أذن في أول الآية بالتعريض ثم نهى عن المسارة معها دفعًا للريبة، استثنى عنه أن يسارها بالقول المعروف، وذلك أن يعدها بالسر بالإحسان إليها والاهتمام بشأنها والتكفل بمصالحها حتى يصير هذا مؤكدًا لذلك التعريض، كأنه قيل: لا تواعدوهن بما يستهجن منه، ولكن بما يؤذن بحسن المعاشرة، والنظم يساعد عليه أيضًا؛ لأن أحوال الناكح لا تخلو من ثلاث، فإنه إذا شرع في
[ ٣ / ٤٣٢ ]
(إلا أن تقولوا قولًا معروفًا) يعني: من غير رفثٍ ولا إفحاش في الكلام. وقيل: لا تواعدوهن سرًا، أي: في السر على أنّ المواعدة في السرّ عبارة عن المواعدة بما يستهجن؛ لأن مسارّتهنّ في الغالب بما يستحيا من المجاهرة به. وعن ابن عباس ﵄: (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا): هو أن يتواثقا أن لا تتزوّج غيره. (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ) من عزم الأمر وعزم عليه، وذكر العزم مبالغة في النهى عن عقدة النكاح في العدّة؛ لأن العزم على الفعل يتقدّمه، فإذا نهى عنه كان عن الفعل أنهى، ومعناه: ولا تعزموا عَقد عُقدة النكاح. وقيل: معناه: ولا تقطعوا عقدة النكاح،
_________________
(١) ـ الطلب فالأدب أن لا يصرح في الخطبة بألفاظ العقد والنكاح، بل يعرض بها، ثم بعد ذلك إن جرت بينهما معاهدة ينبغي أن يحترز عما يشعر به مجرد الشهوة، وإذا تم ذلك، فالواجب أن لا يستعجل في عقد النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله لئلا يفوت حق الغير، ومن ثمة أكد التوصية بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ) وكرره. ويمكن أن يحمل كلام المصنف على الاستثناء المنقطع، بأن تخصص (ما) في: "مما يجري بينهما تحت اللحاف" بالألفاظ الدالة على الجماع بالتصريح بدليل قوله: (سِرًّا) أي: جماعًا، وأن يقال في قوله: "لا تواعدوهن في السر": أنه على حذف المفعول، أي: لا تواعدوهن في الخفية بما يستهجن ويستحيى منه لكن بأن تقولوا قولًا معروفًا، وهو أن يتواثقا أن لا تتزوج غيره. قوله: (على أن المواعدة في السر) أي: بناءً على أن المواعدة في السر. قوله: «وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ» أي: لا تعزموا على النية على عقد النكاح؛ لأن النية هي: عقد القلب على فعل الشيء، فإذا نهى عنه كان عن الفعل أنهى، يعني: لابد لكل فعل من مقدمة عقد القلب عليه، فإذا نفيت المقدمة اللازمة له نفي الملزوم على طريق برهاني.
[ ٣ / ٤٣٣ ]
وحقيقة العزم: القطع؛ بدليل قوله ﷺ: «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل» وروي: «لمن لم يبيت الصيام». (حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ) يعني: ما كتب وما فرض من العدّة.
(يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ) من العزم على ما لا يجوز (فَاحْذَرُوهُ)، ولا تعزموا عليه. (غَفُورٌ حَلِيمٌ) لا يعاجلكم بالعقوبة.
[(لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ* وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ٢٣٦ - ٢٣٧].
_________________
(١) ـ قوله: (وحقيقة العزم: القطع). الراغب: دواعي الإنسان إلى الفعل على مراتب: السانح ثم الخاطر ثم التفكر فيه ثم الإرادة ثم الهمة ثم العزم، فالهمة: إجماع من النفس على الأمر وإزماع عليه، والعزم هو: العقد على إمضائه، ولهذا قال تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [آل عمران: ١٥٩]. قوله: (لا صيام لمن لم يعزم الصيام) رواية الحديث عن أبي داود والترمذي: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له". قوله: «غَفُورٌ حَلِيمٌ) لا يعاجلكم بالعقوبة). اعلم أن قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) عطف على قوله: (وَاعْلَمُوا) مع ما ترتب عليه، وكلاهما تذييل لما سبق، وفيه إيذان بوكادة المنهي عنه وأنه مما يجب أن يجتنب منه، وذلك نهي عن العزم دون الفعل، وتنبيه
[ ٣ / ٤٣٤ ]
(لا جُناحَ عَلَيْكُمْ): لا تبعة عليكم من إيجاب مهر، (إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ): ما لم تجامعوهنّ، (أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة تسمية المهر؛ وذلك أن المطلقة غير المدخول بها إن سمي لها مهر فلها نصف المسمى، وإن لم يسم لها فليس لها نصف مهر المثل ولكن المتعة؛
_________________
(١) ـ على أن من ارتكبه ولم يعاجل بالعقوبة فإنه تعالى يمهله فيأخذه أخذ عزيز مقتدر، ونحوه قوله تعالى: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) [الفرقان: ٦]، قال: هذا تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبًا، ولكن صرف ذلك لأنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل. قوله: (من إيجاب مهر) بيان تبعة لقوله بعد الجناح: "تبعة المهر" أي: لا يجب المهر على من طلق قبل المسيس، ولم يسم المهر، عبر عن عدم وجوب المهر بعدم لزوم الجناح، فيلزم أن يكون المهر جناحًا لما فيه من الثقل، يقال: جنحت السفينة: إذا مالت بثقلها، والدين سمي جناحًا لما فيه من الثقل. قوله: (إلا أن تفرضوا لهن) جعل "أو" في (أَوْ تَفْرِضُوا) تقديره: أولم تفرضوا، فهو معطوف على قوله: (تَمَسُّوهُنَّ) و"أو" في النحو تارة بمعنى: إلا أن؛ لأنها في معنى قولهم: هو قاتلي أو أفتدي منه، وقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي، أي: إلا أن تعطيني حقي، وأخرى بمعنى حتى؛ لأنه فسر قوله: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) بلا تبعة مهر عليكم، وهو دال على جواب الشرط، أي: ما لم تمسوهن، فالمعنى: ما لم تمسوهن لا مهر عليكم، إلا أن تفرضوا لهن، أو: حتى تفرضوا لهن فريضةن فحينئذ يجب المهر، ومن أجرى الجناح على موضوعه فـ "أو" عنده
[ ٣ / ٤٣٥ ]
والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ) إلى قوله: (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ)، فقوله: (فنصف ما فرضتم) إثبات للجناح المنفي ثمة، والمتعة درع وملحفة وخمار على حسب الحال عند أبى حنيفة إلا أن يكون مهر مثلها أقل من ذلك، فلها الأقل من نصف مهر المثل ومن المتعة، ولا ينقص من خمسة دراهم؛ لأن أقل المهر عشرة دراهم، فلا ينقص من نصفها.
_________________
(١) ـ بمعنى الواو، وعليه كلام الراغب، قال: قوله: (أَوْ تَفْرِضُوا) تقديره: أولم تفرضوا، فهو معطوف على قوله: (تَمَسُّوهُنَّ)، و(أَوْ) في نحو هذا الموضع تفيد ما يفيد الواو على وجه، وذلك أنه إذا قيل: افعل كذا إن جاءك زيد أو عمرو، يقتضي أن تفعله إذا جاء أحدهما، ولا شك أنه يحتاج أن يفعله إذا جاءا جميعًا؛ لأنه قد جاء أحدهما وزيادة، وعلى هذا قال النحويون: جالس الحسن أو ابن سيرين يقتضي أنه إذا جالسهما فقد امتثل، وعلى هذا قوله: (وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ) [النساء: ٤٣] فظاهر الآية يقتضي أنه إن لم يكن لها مسيس أو لم يكن لها فرض أو لم يكن الأمران فلها المتعة، فكأنه قيل: إذا طلقتموهن ولم يحصل الأمران: المسيس والفرض، أو حصل المسيس ولم يحصل الفرض، فمتعوهن. إن قيل: "ما" في قوله: (مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ) يقتضي الشرط، وذلك يوجب أن رفع الجناح عن المطلق بشرط عدم المماسة وعدم الفرض، ومعلوم أن الجناح مرفوع عن المطلق مسها أو لم يمسها، فرض أو لم يفرض، فما وجه ذلك؟ قيل: القصد بالآية: أن الجناح مرفوع بإعطاء المتعة، فكأنه قيل: لا جناح في طلاقها إذا متعها، ودل على ذلك بقوله: (وَمَتِّعُوهُنَّ)، وقد علم أن الجناح غير مرفوع عمن لم يمتع إذا طلقها قبل الفرض والمسيس. قوله: (والدليل على أن الجناح تبعة) يعني: قوله تعالى: (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) إثبات لوجوب المهر ها هنا، وهو موجب لأن يكون المنهي المنفي هناك إيجاب المهر؛ لأن المقابل إنما
[ ٣ / ٤٣٦ ]
و(الْمُوسِعِ): الذي له سعة، و(الْمُقْتِرِ): الضيق الحال، وَ(قَدَّرَهُ): مقداره الذي يطيقه، لأنّ ما يطيقه هو الذي يختص به. وقرئ بفتح الدال، والقدْر والقدَر لغتان.
_________________
(١) ـ يعطى نقيض حكم ما يقابله، وإنما كان جناحًا لما في لزوم نصف المهر على الزوج، وهو لم يدخل بها من تبعة وثقل من غير استنفاع، وثبوت المتعة لجبر إيحاش الطلاق، فقوله: "والدليل على أن الجناح تبعة" استدلال على قول من قال: إن نفي الجناح محمول على نفي الوزر عن المطلق؛ لأن الطلاق: قطع سبب الوصلة، قال محيي السنة: جاء في الحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، فنفي الجناح عنه إذا كان الفراق أروح من الإمساك، وقال القاضي: الفريضة: نصب على المفعول به، فعيلة بمعنى مفعول، فالتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، ويحتمل المصدر، والمعنى أنه لا تبعة على المطلق من مطالبة المهر إذا كانت المطلقة غير ممسوسة ولم يسم لها مهرًا، إذ لو كانت ممسوسة فعليه المسمى أو مهر المثل، ولو كانت غير ممسوسة ولكن سمى لها فلها نصف المسمى، فمنطوق الآية ينفي الوجوب في الصورة الأولى، ومفهومها يقتضي الوجوب على الجملة في الأخيرتين. قوله: «الْمُقْتِرِ) الضيق الحال)، الراغب: المقتر: الفقير، وأصله من نال القتر، كما أن المترب والمزمل: من نال التراب والرمل، والقتار: ما تحمله الريح من رائحة القدر. ولما أفاد تقديم الخبر على المبتدأ الاختصاص قال: لأن ما يطيقه هو الذي يختص به. قوله: (وقرئ بفتح الدال): حفص وحمزة والكسائي.
[ ٣ / ٤٣٧ ]
وعن النبي ﷺ أنه قال لرجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها مهرًا ثم طلقها قبل أنّ يمسها: «أمتعتها»؟، قال: لم يكن عندي شيء. قال: «متعها بقلنسوتك». وعند أصحابنا لا تجب المتعة إلا لهذه وحدها، وتستحب لسائر المطلقات ولا تجب. (مَتاعًا) تأكيد لـ"متعوهن"، بمعنى تمتيعًا. (بِالْمَعْرُوفِ): بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة. (حَقًّا) صفةٌ لـ (متاعًا)، أي: متاعا واجبا عليهم،
_________________
(١) ـ قوله: (لا تجب المتعة إلا لهذه)، وهي المطلقة غير الممسوسة التي لم يسم لها مهرًا، قال القاضي: ومفهوم الآية يقتضي تخصيص إيجاب المتعة للمفوضة التي لم يمسها الزوج، وألحق الشافعي بها في أحد قوليه: الممسوسة المفوضة وغيرها قياسًا، وهو مقدم على المفهوم. قوله: (مَتَاعًا) تأكيد لـ "متعوهن")، الراغب: المتعة: اسم لكل ما فيه تمتع، أي: انتفاع قدرًا من الزمان، وعلى ذلك قوله: (وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) [النحل: ٨٠]. قوله: وقول الشاعر: إنما نعمة قوم متعة … وحياة المرء ثوب مستعار لكن صار المتعة في تعارف الشرع: لما تختص به المطلقة.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
أو حق ذلك حقًا، (عَلَى الْمُحْسِنِينَ): على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتيع. وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال ﷺ: «من قتل قتيلًا فله سلبه». (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) يريد المطلقات.
فإن قلت: أي: فرق بين قولك: الرجال يعفون، والنساء يعفون؟ قلت: الواو في الأوّل ضمير "هم"، والنون علم الرفع، والواو في الثاني لام الفعل، والنون ضمير "هنّ"، والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل، وهو في محل النصب، «ويعفو» عطف على محله. و(الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ): الولىّ، يعني: إلا أن تعفو المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما رآني، ولا خدمته، ولا استمتع بي، فكيف آخذ منه شيئًا! أو يعفو الوليّ الذي يلي عقد نكاحهن، وهو مذهب الشافعي.
_________________
(١) ـ قوله: (عَلَى الْمُحْسِنِينَ) على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتع)، الراغب: إن قيل: ما وجه تخصيص المحسنين في هذه الآية والمتقين في قوله: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢٤١]، وهلا دل ذلك على أنه غير واجب إذا كانت الواجبات من المشروعات لا يختلف فيها المتقي والمحسن وغيرهما؟ قيل: قد نظر بعض الناس هذا النظر، وقال: لما كان الإحسان قد يكون لما يزيد على الواجب، وقد خص بذلك المحسنين، دل على أن ذلك حث على المعروف لا إيجاب، وقال أكثرهم: إن ذكر المحسنين والمتقين لا لتخصيص الإيجاب، بل للتأكيد، وإنه من تمام الإحسان والتقوى، كما أن قوله: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢] ليس بتخصيص أنه لا يهتدي به إلا المتقون، لكن تنبيه على أن الاهتداء به من تمام التقوى. وقلت: المحسنين من وضع المظهر موضع المضمر إشعارًا بالعلية، أي: حقًا عليكم، بدليل قوله: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) أي: من شأنكم أيها المخاطبون وجوب شرعية المتعة لكونكم محسنين. قوله: (وهو مذهب الشافعي) أي: المراد بالذي يعفو: الولي، "الانتصاف": هذا الذي عزاه إلى الشافعي ليس بصحيح، بل مذهبه كمذهب أبي حنيفة، إنما المنسوب إلى الشافعي هو
[ ٣ / ٤٣٩ ]
وقيل: هو الزوج، وعفوه: أن يسوق إليها المهر كاملًا، وهو مذهب أبي حنيفة، والأوّل ظاهر الصحة. وتسمية الزيادة على الحق عفوًا فيها نظر، إلا أن يقال: كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوّج، فإذا طلقها استحقّ أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها، أو سماه عفوًا على طريق المشاكلة. عن جبير بن مطعم: أنه تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها، فأكمل لها الصداق، وقال: أنا أحق بالعفو. وعنه: أنه دخل على سعد بن أبى وقاص فعرض عليه بنتًا له، فتزوّجها، فلما خرج طلقها، وبعث إليها بالصداق كاملًا. فقيل له: لم تزوّجتها؟ قال: عرضها علىّ فكرهت ردّه. قيل: فلم بعثت بالصداق؟ قال: فأين الفضل؟ و(الْفَضْلَ): التفضل،
_________________
(١) ـ مذهب مالك ﵃. الإنصاف: عند الشافعي قولان: فالزمخشري نقل أحد قوليه، وقال القاضي: وذلك إذا كانت المرأة صغيرة، وهو قول قديم. قوله: (وقيل: هو الزوج)، وهو أوفق للنظم؛ لأن الزوج هو المالك لعقد النكاح وحله، كأنه قال: (إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ) أي: المطلقات، أو يعفو الأزواج، فأقيم المظهر موضع المضمر، لكن في تسمية سوق المهر إليها كاملًا بالعفو- والحق نصف المهر- بعد، وإليه الإشارة بقوله: "فيها نظر"، قال صاحب "الإيجاز": وعفوه إذا سلم كل المهر أن لا يرتجع النصف بالطلاق، أو إن لم يسلم وفاه كاملًا، كأنه من: عفوت الشيء: إذا وفرته وتركته حتى يكثر، وفي الحديث "ويرعون عفاها" والعفا: ما ليس لأحد فيه ملك. قوله: (والأول ظاهر الصحة) يعني: تفسير قوله: (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) بالولي على الصغيرة إذا كان أبًا ظاهر الصحة؛ لأن العفو مجرى على ظاهره.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
أي: ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض وتتمرؤوا ولا تستقصوا. وقرأ الحسن (أو يعفو الذي) بسكون الواو. وإسكان الواو والياء في موضع النصب تشبيه لهما بالألف، لأنهما أختاها. وقرأ أبو نهيك: (وأن يعفو) بالياء. وقرئ: (ولا تنسوا الفضل) بكسر الواو.
[(حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ* فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)].
(الصَّلاةِ الْوُسْطى) أي: الوسطى بين الصلوات، أو الفضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط. وأنما أفردت وعطفت على (الصلاة) لانفرادها بالفضل، وهي صلاة العصر
_________________
(١) ـ قوله: (وتتمرؤوا) أي: تصيروا أصحاب مروءة. قوله: (وإنما أفردت وعطفت على (الصَّلَوَاتِ) لانفرادها بالفضل). قال الزجاج: إن الله ﷿ قد أمر بالمحافظة على جميع الصلوات، إلا أن هذه الواو إذا جاءت مخصصة فهي دالة على المعنى الذي تخصصه كقوله تعالى: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) [البقرة: ٩٨] فذكرا مخصوصين لفضلهما على الملائكة. وقلت: معنى قوله هو: أن الثاني إن كان في الظاهر كالتخصيص للأول، لكن الأول جيء به توطئة، فيكون الثاني بيانًا لإرادة ما استجملت له الأول، فإن بني إسرائيل ما تكلموا إلا في جبريل، فذكر الملائكة ﵈ توطئة لشرفه عليهم كما سبق في موضعه، ولولا الثاني لم يعلم المراد من ذكر الأول، وهو المراد بقوله: "فهي دالة على المعنى الذي تخصِّصُّه".
[ ٣ / ٤٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقال القاضي: لعل الأمر بها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها، هذا أحد الوجوه المذكورة في "التفسير الكبير". وقلت: إنه ﷾ لما ذكر شرعية أحكام الأولاد والأزواج ووصيتهم بالتقوى وعم النهي عن نسيان الحقوق والفضل فيما بينهم بقوله: (وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) وعلله بأنه عليم بما في ضمائرهم بصير بأحوالهم، أردفه بالأمر بالمحافظة على حقوق الله لاسيما أفضلها نفعًا وأعلاها قدرًا، ولهذا عطف عليه (وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى)، وفيه إشعار بأن مراعاة حق العباد مقدمة على حق الله، ومن ثم شرط في التوبة رد المظالم أولًا، أو ليجمع بين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، ويدل على أن الآية مستطردة: العود إلى ذكر ما يتعلق بالحكم بين الأزواج، وهو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ). الراغب: إن آيات القرآن منزلة حسب الحاجات، ولهذا قال الكفار: (لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) الآية، أعلمهم أنه تعالى فعل ذلك ليقوى ﵊ على تلقينه وتلقيه، وقال: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ) [الإسراء: ١٠٦] ثم إن الله تعالى لا يخلي شيئًا يذكره مما يتعلق بالأحكام الدنيوية إلا ويقرنه بحكم أخروي لينبههم على مراعاة الآخرة في جميع أحوالهم وأعمالهم وأنها هي المقصودة بالقصد الأولى، وأما سائر ما يتحرى فلأجلها، على أن ما تراه موجودًا ها هنا ومحفوظًا لدينا أبلغ وأحسن مما راعاه أصحاب القوانين؛ لأنه تعالى لما حثهم على العفو ورغبهم في المحافظة على الفضل عرفهم أن السلوك إلى التخصيص بذلك هو المحافظة على الصلوات بكل حال، فإن الصلاة هي الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، ثم صرف الكلام إلى ذكر ما كان بصدده فتممه.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
وعن النبيّ ﷺ: أنه قال يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ اللَّه بيوتهم نارًا»، وقال ﷺ: «إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب»، وعن حفصة: أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول اللَّه ﷺ يقرؤها. فأملت عليه: والصلاة الوسطى صلاة العصر. وروي عن عائشة وابن عباس ﵃: (والصلاة الوسطى وصلاة العصر) بالواو، فعلى هذه القراءة يكون التخصيص لصلاتين، إحداهما: الصلاة الوسطى، إمّا الظهر، وإمّا الفجر، وإمّا المغرب على اختلاف الروايات فيها؛ والثانية: العصر. وقيل: فضلها لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم
_________________
(١) ـ قوله: (إنه قال يوم الأحزاب)، وهو اليوم الذي أحاط فيه الكافرون بالمدينة، والحديث رواه الشيخان وغيرهما، عن علي ﵁ مع التفاوت، وحديث حفصة رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي، وعن عائشة ﵂ مع الاختلاف، وأما كاتب حفصة فهو: رافع مولى عمر ﵄، كذا ذكره في الحاشية. وقولها: كما سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها، وهذه الزيادة يجوز أن تكون صادرة عن النبي ﷺ على سبيل البيان
[ ٣ / ٤٤٣ ]
وعن ابن عمر ﵄: هي صلاة الظهر؛ لأنها في وسط النهار، وكان رسول اللَّه ﷺ يصليها بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشدّ على أصحابه منها. وعن مجاهدٍ: هي الفجر؛ لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل
_________________
(١) ـ فحسبت أنها من القرآن، وأنها قراءة شاذة، وحديث ابن عمر رواه الترمذي وأبو داود، عن زيد بن ثابت، مع التفاوت. قوله: (وعن مجاهد: هي الفجر). روي عن علي وابن عباس كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الصبح. رواه الترمذي عن ابن عباس وابن عمر تعليقًا، وفي "شرح السنة": سأل عبيدة عليًا عن صلاة الوسطى، قال: كنا نرى أنها صلاة الفجر، حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وبيوتهم
[ ٣ / ٤٤٤ ]
وعن قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب، لأنها وتر النهار، ولا تنقص في السفر من ثلاث. وقرأ عبد اللَّه: (وعلى الصلاة الوسطى)، وقرأت عائشة:
_________________
(١) ـ نارًا"، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن عبيدة، عن علي ﵁. قوله: (وتر النهار). في الحاشية: سمي المغرب بوتر النهار لأنه آخر جزء من النهار، وفي "المغرب": يقال: وترته، أي: قتلت حميمه وأفردته منه، يقال: وتره حقه: إذا نقصه، ومنه: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" بالنصب. قوله: (ولا تنقص في السفر) من تتمة التعليل، ووجهه: أن المغرب هي الوسطى؛ لأنها فصل بين النهار والليل، وأنها لا تنقص في السفر، وإنما قلنا: إنه من تتمة التعليل لأن الصبح أيضًا فصل واقع بين الليل والنهار، ولكن ليس فيه المعنى المذكور، قال القاضي: وقيل: الوسطى: المغرب؛ لأنها المتوسط بالعدد ووتر النهار.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
(والصلاة الوسطى) بالنصب على المدح والاختصاص. وقرأ نافع: (الوصطى).
(وَقُومُوا لِلَّهِ) في الصلاة (قانِتِينَ): ذاكرين للَّه في قيامكم. والقنوت: أن تذكر اللَّه قائمًا. وعن عكرمة: كانوا يتكلمون في الصلاة، فنهوا. وعن مجاهدٍ: هو الركود وكف الأيدى والبصر. وروي: أنهم كانوا إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمدّ بصره، أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يحدّث نفسه بشيء من أمور الدنيا. (فَإِنْ خِفْتُمْ): فإن كان بكم خوف من عدوّ أو غيره،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرأ نافع: الوصطى)، وهي شاذة وإن نسبت للإمام. قوله: (هاب الرحمن)، فإن قيل: صفة الرحمن مما لا يهاب منها، يقال: إن الله تعالى إذا تجلى للعبد بما يحتوي على جلائل النعم ربما يضيق منها نطاق بشريته، وفي معناه أنشد: أشتاقه، فإذا بدا … أطرقت من إجلاله لا خيفة بل هيبة … وصبابة لجماله ومن ثمة أردف بالرحيم عند الإفضال، وضم إليه الاستواء على العرش عند العظمة والكبرياء، وكلما ذكر مجردًا عن الرحيم أشعر بمعنى الهيبة. قوله: (فإن كان بكم خوف). قال الزجاج: (فَإِنْ خِفْتُمْ) أي: إن لم يمكنكم أن تقوموا قانتين، أي: عابدين موفين الصلاة حقها لخوف ينالكم فصلوا ركبانًا، فإذا أمنتم فقوموا قانتين، أي: مؤدين الفرض، هذا ظاهر على مذهب الشافعي ﵁، وحجةُ أبي حنيفة
[ ٣ / ٤٤٦ ]
(فَرِجالًا): فصلوا راجلين، وهو جمع راجل كقائم وقيام؛ أو رجلٍ، يقال: رجل رجل، أي: راجل. وقرئ: (فرجالًا) بضم الراء، و(رجالًا) بالتشديد، و(رجلًا). وعند أبي حنيفة ﵀: لا يصلون في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف، وعند الشافعي ﵀: يصلون في كل حال، والراكب يومئ، ويسقط عنه التوجه إلى القبلة (فَإِذا أَمِنْتُمْ): فإذا زال خوفكم (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) من صلاة الأمن، أو: فإذا أمنتم فاشكروا اللَّه على الأمن، واذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع، وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن.
_________________
(١) ـ ﵁ أنه ﷺ أخر الصلاة يوم الخندق، واجيب بأنه منسوخ بهذه الآية، مع أن قوله ﷺ: "شغلونا عن صلاة الوسطى" يحتمل النسيان. قوله: (و"رجالًا") كجاهل وجهال، "أو رجلًا" كصاحب وصحب. قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) فالذكر ها هنا إما الصلاة أو الذكر نفسه، فعلى الأول يحمل قوله: (فَإِذَا أَمِنتُمْ) على إزالة الخوف، يعني: فإذا زال خوفكم، فأدوا الصلاة أو اقضوها؛ على الخلاف، وعلى الثاني يحمل: "إذا أمنتم" على ظاهره، يعني: إذا خولكم نعمة الأمن بعد الخوف فقابلوها بالشكر، وهي العبادة، كأنه لمح بقوله: "كما أحسن إليكم" إلى مذهبه؛ لأن عندهم تعليم الشرائع إحسان من الله؛ لأنه إن لم يبعث رسولًا ولم ينزل كتابًا كان الإيمان به واجبًا لما ركب فيهم من العقول، هذا لفظه في أول السورة.
[ ٣ / ٤٤٧ ]
[(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)].
تقديره فيمن قرأ: (وصية) بالرفع: ووصية الذين يتوفون، أو: وحكم الذين يتوفون وصية لأزواجهم، أو: والذين يتوفون أهل وصية لأزواجهم؛ وفيمن قرأ بالنصب: والذين يتوفون يوصون وصية، كقولك: إنما أنت سير البريد، بإضمار تسير؛ أو والزم الذين يتوفون وصية. وتدل عليه قراءة عبد اللَّه (كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعا إلى الحول) مكان قوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ)، وقرأ أبيّ: (متاع لأزواجهم متاعًا)، وروي عنه: (فمتاع لأزواجهم)، و(متاعًا) نضب بالوصية، إلا إذا أضمرت "يوصون"؛ فإنه نصب بالفعل. وعلى قراءة أبيّ متاعًا نصب بـ"متاع"، لأنه في معنى التمتيع كقولك: الحمد للَّه حمد الشاكرين، وأعجبني ضرب لك زيدًا ضربًا شديدًا. و(غَيْرَ إِخْراجٍ) مصدر مؤكد كقولك: هذا القول غير ما تقول؛ أو بدل من (متاعًا) أو حال من "الأزواج"، أي: غير مخرجات،
_________________
(١) ـ قوله: (فيمن قرأ: "وصية"، بالرفع) الحرميان وأبو بكر والكسائي: بالرفع، والباقون: بالنصب. قوله: (أو ألزم الذين يتوفون) فعلى هذا (وَصِيَّةً): ثاني مفعولي "ألزم". قوله: (وقرأ أبي: "متاع") أي: مكان (وَصِيَّةً)، وروي عنه: "فمتاع"؛ لأن "الذين" متضمن لمعنى الشرط، فجاز إدخال الفاء في الخبر.
[ ٣ / ٤٤٨ ]
والمعنى: أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولًا كاملًا، أي: ينفق عليهنّ من تركته ولا يخرجن من مساكنهن، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخت المدة بقوله: (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٤٣]. وقيل: نسخ ما زاد منه على هذا المقدار، ونسخت النفقة بالإرث الذي هو الربع والثمن. واختلف في السكنى، فعند أبى حنيفة وأصحابه: لا سكنى لهن. (فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ) من التزين والتعرض للخطاب (مِنْ مَعْرُوفٍ): مما ليس بمنكر شرعًا. فإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة؟
_________________
(١) ـ قوله: (والمعنى: أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم) إلخ، هذا على تقدير الحال ظاهر، ومن ثمة قدر ولا يخرجن عن مساكنهن"، وأما على تقدير المصدر فالمعنى: يمسكن في البيوت إمساكًا غير إخراج، فإنه لما ذكر أنهم يوصون لأزواجهم ما تمتع به حولًا دل على أنهم لا يخرجون، فأكد ذلك بقوله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ)، وعلى تقدير البدل: فحق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا لأزواجهم، أن: لا يخرجن من مساكنهن حولًا كاملًا، وعلى التقديرين لا يكون في الآية ما يدل على إيجاب النفقة، قال القاضي: سقطت النفقة بتوريثها الربع أو الثمن، والسكنى لها بعد ثابتة عندنا، خلافًا لأبي حنيفة، وقوله تعالى: (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) هذا يدل على أنه لم يكن يجب عليها ملازمة مسكن الزوج والحداد عليه، وإنما كانت مخيرة بين الملازمة وأخذ النفقة وبين الخروج وتركها. قوله: (كيف نسخت الآية المتقدمة؟) توجيه السؤال أن قوله تعالى: (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤] متقدم على هذه الآية في التلاوة، وهي ناسخة لها، ومن شرط الناسخ أن يكون متأخرًا.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
قلت: قد تكون الآية متقدّمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل، كقوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ) [البقرة: ١٤٢]، مع قوله: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ) [البقرة: ١٤٤].
[(وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ* كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ٢٤١ - ٢٤٢].
_________________
(١) ـ قوله: (قد تكون الآية متقدمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل) يعني: ليس ترتيب المصحف على ترتيب التنزيل، وإنما ترتيب التلاوة هو ترتيب الرسول ﷺ. قوله: (كقوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ) [البقرة: ١٤٢] مع قوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ) [البقرة: ١٤٤])، وذلك أن تقلب وجهه في السماء مؤذن بأنه ﷺ كان طالبًا من الله الإذن بالتحويل؛ لأنها قبلة آبائه، والدليل عليه قوله: "وكان رسول الله ﷺ يتوقع من الله أن يحوله إلى الكعبة لأنها قبلة إبراهيم ﵇ وأدعى للعرب إلى الإيمان"، وهذا التوقع إنما يحسن إذا لم يسبق بقوله: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) ويمكن أن يقال: إن قوله: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ) إخبار عن الكائن ووعد لحبيبه صلوات الله عليه أن يحوله إلى قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل، يعني لابد أن يحول القبلة إلى الكعبة ولابد أن يقول السفهاء: (مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا)، وقل أنت: (لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)، وكان صلوات الله عليه يتوقع من ربه إنجاز وعده زمانًا غب زمان، ويراعي نزول جبريل ﵇ والوحي بالتحويل، فقيل له: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) انتظارًا لما وعدناك، ننجز الوعد ونعطيك قبلة ترضاها.
[ ٣ / ٤٥٠ ]
(وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ) عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعد ما أوجبها لواحدة منهن وهي المطلقة غير المدخول بها، وقال: (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) كما قال ثمة: (حقًا على المحسنين) [البقرة: ٢٣٦]. وعن سعيد بن جبير وأبى العاليه والزهري: أنها واجبة لكل مطلقة. وقيل قد تناولت التمتيع الواجب والمستحب جميعًا. وقيل: المراد بالمتاع نفقة العدة.
[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ* وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ٢٤٣ - ٢٤٤].
_________________
(١) ـ قوله: (عَمَّ المطلقات بإيجاب المتعة) ينافي مذهبه في تفسير الآية السابقة، وهو قوله: "عند أصحابنا: لا تجب المتعة إلا لهذه" أي: المطلقة غير المدخول بها ويستحب لسائر المطلقات؛ لأنه أوجب ها هنا لكلهن، ثم أكد هذا الوجه بقول سعيد بن جبير وغيره، والتفصي منه لا يحصل إلا بتخصيص المنطوق بالمفهوم، كما قال القاضي: إفراد بعض العام بالحكم لا يخصصه إلا إذا جوزنا تخصيص المنطوق بالمفهوم، ولهذا أوجبها ابن جبير لكل مطلقة، وأول غيره بما يعم التمتع الواجب والمستحب. وقلت: لكن الحنفية لا يقولون بالمفهوم وعلى تقدير جوازه كما هو مذهب المصنف في هذا الباب، ينبغي أن يكون المخصص متأخرًا عن المخصص، وقد قال: ما أوجبها لواحدة منهن. قوله: (وقد تناولت التمتيع الواجب والمستحب)، هذا مبني على أن مطلق الأمر يتناول الواجب والمستحب جميعًا، فلا تنافي الآية السابقة. وقال القاضي: ويجوز أن تكون اللام للعهد، والتكرير للتأكيد أو لتكرير القضية.
[ ٣ / ٤٥١ ]
(أَلَمْ تَرَ) تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأوّلين، وتعجيب من شأنهم. ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع، لأنّ هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجيب.
_________________
(١) ـ قوله: (أَلَمْ تَرَ) تقرير لمن سمع بقصتهم)، الراغب: "رأيت" يتعدى بنفسه دون الجار، لكن لما استعير قولهم: "ألم تر" لمعنى: ألم تنظر؟ عدي تعديته، وفائدة استعارته أن النظر قد يتعدى عن الرؤية، فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة للرؤية استعيرت له، وقلما استعمل ذلك في غير التقدير، ولا يقال: رأيت إلى كذا. قوله: (ويجوز أن يخاطب) عطف على قوله: "تقرير لمن سمع بقصتهم"، وهو أوفق من الأول لتأليف النظم، لأن الكلام مع المؤمنين في شأن الأزواج والأولاد، وقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، كالتخلص من الأحكام إلى القصص لاشتمال معنى الآيات عليها، يؤيده قوله بعد هذا: "وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد"، وذكر الجهاد ها هنا كذكر الصلاة قبل ذلك تدرجًا من الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر. قال الزجاج: وفي ذكرها للنبي ﷺ احتجاج على مشركي العرب وأهل الكتاب؛ لأنه أنبأ أهل الكتاب بما لا يدفعون صحته وهو ﷺ لم يقرأ كتابًا ولا تعلم من أحد، وهم يعلمون أنه كذلك، فلا تكون هذه الأقاصيص إلا بوحي من الله تعالى. قوله: (لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل) تعليل لجواز استعمال (أَلَمْ تَرَ) في غير من سمع على تقدير سؤال، وذلك أن (أَلَمْ تَرَ) إذا خوطب به من نظر إلى حال أو سمع قصة تولد منه معنى التعجب كما في الوجه الأول، وأما إذا خوطب به من لم ينظر ولم يسمع افاد الحث على النظر والاستماع، فكيف يفيد معنى التعجب؟ والجواب: أنه مزال عن الأصل نظرًا
[ ٣ / ٤٥٢ ]
روي: أنّ أهل داوردان قرية قبل واسط -وقع فيهم الطاعون، فخرجوا هاربين فأماتهم اللَّه ثم أحياهم؛ ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفرّ من حكم اللَّه وقضائه. وقيل: مرّ عليهم حزقيل بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم وتفرّقت أوصالهم فلوى شدقه وأصابعه تعجبًا مما رأى، فأوحي إليه: ناد فيهم أن قوموا بإذن اللَّه. فنادى فنظر إليهم قيامًا يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت. وقيل: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذرًا من الموت، فأماتهم اللَّه ثمانية أيام ثم أحياهم. (وَهُمْ أُلُوفٌ) فيه دليل على الألوف الكثيرة، واختلف في ذلك؛ فقيل: عشرة، وقيل: ثلاثون، وقيل: سبعون. ومن بدع التفاسير: (أُلُوفٌ): متآلفون جمع آلف، كقاعد وقعود.
_________________
(١) ـ إلى الاستعمال السابق وجار مجرى المثل بعده، قال الزجاج: (أَلَمْ تَرَ) كلمة يوقف بها المخاطب على أمر يتعجب منه، تقول: ألم تر إلى فلان كيف صنع كذا. قوله: (مر عليهم) أي: اجتاز، "الأساس": مررت به وعليه مرارًا ومرورًا وممرًا. كذا في "الصحاح". قوله: (فنظر إليهم)، الفاء فيه فصيحة، أي: فنادى فحيوا وقاموا ونظر إليهم قيامًا. قوله: (فقيل: عشرة، وقيل: ثلاثون، وقيل: سبعون) قال الإمام: للوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم أزيد من عشرة آلاف، لأن الألوف جمع الكثير. قوله: (ومن بدع التفاسير) أي: ليس يثبت أن الألوف جمع آلف، قال القاضي عبد الجبار: الوجه الأول أولى؛ لأن ورود الموت عليهم وهم كثيرون يفيد مزيد اعتناء
[ ٣ / ٤٥٣ ]
فإن قلت: ما معنى قوله: (فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا)؟ قلت: معناه فأماتهم، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر اللَّه ومشيئته، وتلك ميتة خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا توقف، كقوله تعالى: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]، وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأنّ الموت إذا لم يكن منه بدٌّ ولم ينفع منه مفر، فأولى أن يكون في سبيل اللَّه (لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ)؛ حيث يبصرهم ما يعتبرون به ويستبصرون، كما بصر أولئك، وكما بصركم باقتصاص خبرهم. أو لذو فضل على الناس حيث أحيى أولئك ليعتبروا فيفوزوا، ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم البعث. والدليل على أنه ساق هذه القصة بعثًا على الجهاد: ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل اللَّه. (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون
_________________
(١) ـ بشأنهم، وأجاب الإمام: أن كونهم مؤتلفين أيضًا كذلك، لأن كونهم مؤتلفين يقتضي الاهتمام أيضًا، بمعنى أنهم مع غاية المحبة والألف أماتهم الله تعالى. قوله: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا» هذا مبني على أن ليس ثمة أمر ولا قول، بل هو تمثيل شبه حال تعلق إرادة [الله] تعالى بموتهم دفعة واحدة، وكما تعلقت إراداته حصل المراد بلا مهلة- بحالة أمر مطاع برد أمره على ما هو مطيع، فلم يتوقف عن الامتثال، ثم أخرجه مخرج الاستعارة فإذا تخلف رجل منهم لم يحصل الامتثال، وهو المراد من قوله: "ماتوا ميتة رجل واحد". قوله: (ما يقوله المتخلفون والسابقون) أي: من تنفير الغير عن الجهاد وترغيب الغير في الجهاد.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
(عَلِيمٌ) بما يضمرونه وهو من وراء الجزاء.
[(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)].
إقراض اللَّه مثل لتقديم العمل الذي يطلب به ثوابه
_________________
(١) ـ قوله: (بما يضمرونه) أي: من البواعث والأغراض، وأن ذلك الجهاد لغرض الدين أو لعاجل الدنيا. قوله: (وهو من وراء الجزاء) مثل، يريد أنه تعالى لابد أن يجازي المتخلف والسابق كما أن سائق الشيء من ورائه لابد أن يوصله على ما يريده، والمعنى مستفاد من قوله: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وهو كما تقول لمن تهدده وتوعده: أنا أعلم بحالك، أي: لا أنساها وأجازيك عليها. قوله: (إقراض الله مثل)؛ لأن حقيقة الإقراض هو: إعطاء عين على وجه طلب البدل، قال الزجاج: القرض في اللغة: أصله ما يعطيه الرجل ليجازى عليه، والله ﷿ لا يستقرض عن عوز، ولكنه يبلو الأخيار، قال أمية بن أبي الصلت: كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنًا … وسيئًا ومدينًا كالذي دانا والقرض هنا: اسم لكل ما يلتمس عليه في الحقيقة الجزاء. وقال الراغب: إقراض الله عبارة عن: كل إنفاق محمود أوجبه أو ندب إليه، وسمى ذلك قرضًا تلطفًا لعباده، وإنما يطلبه منهم مع كونه في الحقيقة ملكًا له تعالى يأخذه ليرد عوضه إليهم خيرًا منه. وقال أبو البقاء: القرض: اسم للمصدر، والمصدر على الحقيقة الإقراض، ويجوز أن يكون القرض ها هنا بمعنى المقروض فيكون مفعولًا به، و(حَسَنًا) - على هذا-
[ ٣ / ٤٥٥ ]
والقرض الحسن: إما المجاهدة في نفسها، وإما النفقة في سبيل اللَّه.
(أَضْعافًا كَثِيرَةً): قيل: الواحد بسبع مائة. وعن السدي: كثيرة لا يعلم كنهها إلا اللَّه. (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ): يوسع على عباده ويقتر فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيقة بالسعة، (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فيجازيكم على ما قدّمتم.
_________________
(١) ـ يجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: يقرض الله مالًا إقراضًا حسنًا، ويجوز أن يكون صفة للمال، ويكون بمعنى الطيب أو الكثير، وقوله: (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ) تتميم للتحريض على الإنفاق، وإيذان بأن الإنفاق والإمساك لا ينقص من المال ولا يزيد، بل الله هو الموسع والمقتر، هذا على تأويل الإقراض بالإنفاق في سبيل الله كالتجريد للاستعارة، وعلى تأويل المجاهدة في نفسها وإما بمعنى المفعول كالترشيح لها. قوله: (والقرض الحسن إما: المجاهدة في نفسها) يعني: قد تقرر أن الإقراض ها هنا تمثيل لتقديم العمل المطلوب ثوابه، وأن المراد بالعمل: المجاهدة، لقرينة قوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، ثم قوله (قَرْضًا حَسَنًا) إما بمعنى المصدر فيكون تأكيدًا وهو المجاهدة نفسها، وإما بمعنى المفعول به مكا سبق، وهو: يقرض الله مالًا إقراضًا حسنًا، فيكون كما قال، وإنما النفقة في سبيل الله، ويجمعهما قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ) [التوبة: ١١١]. قوله: (فلا تبخلوا عليه) حكم ترتب على الوصف المناسب، وهو القبض والبسط، يعني: إذا علمتم أن الله هو القابض والباسط، وأن ما عندكم من بسطه وإعطائه فلا تبخلوا لئلا يعاملكم بالقبض، قوله: (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ): تذييل للتحريض على الإنفاق والمنع من البخل، ولهذا قال: "فيجازيكم على ما قدمتم، بالفاء".
[ ٣ / ٤٥٦ ]
[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)].
(لِنَبِيٍّ لَهُمُ) هو يوشع، أو شمعون، أو اشمويل. (ابْعَثْ لَنا مَلِكًا): أنهض للقتال معنا أميرًا نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره. طلبوا من نبيهم نحو ما كان يفعل رسول اللَّه ﷺ من التأمير على الجيوش التي كان يجهزها، ومن أمرهم بطاعته وامتثال أوامره. وروي: أنه أمر الناس إذا سافروا أن يجعلوا أحدهم أميرًا عليهم. (نُقاتِلْ) قرئ بالنون والجزم على الجواب، وبالنون والرفع على أنه حال،
_________________
(١) ـ قوله: (أنهض للقتال معنا أميرًا). قال القاضي: أقم لنا أميرًا ننهض معه للقتال يدبر أمره ونصدر عن رأيه. وفي "المغرب": البعث: الإثارة، يقال: بعث الناقة، أي: أثارها، وبعثه: أرسله. الراغب: البعث: إرسال المبعوث عن المكان الذي فيه لكن فرق بين تفاسيره بحسب اختلاف المتعلق به، فقيل: بعثت البعير من مبركه، أي: ثورته، وبعثته في السير، أي: هيجته، وبعث الله الميت: أحياه، وضرب البعث على الجند: إذا أمروا بالارتحال. قوله: (والرفع على أنه: حال)، قال الزجاج: والرفع بعيد، ويجوز على معنى "فإنا نقاتل"، وكثير من النحويين لا يجيزونه، قال أبو البقاء: الجمهور على النون والجزم على جواب الأمر، والبواقي شواذ.
[ ٣ / ٤٥٧ ]
أي: ابعثه لنا مقدّرين القتال؛ أو استئناف، كأنه قال لهم: ما تصنعون بالملك؟ فقالوا: نقاتل. وقرئ: (يقاتل) بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لـ (ملكًا) وخبر (عسيتم): (أَلَّا تُقاتِلُوا)، والشرط فاصل بينهما. والمعنى: هل قاربتم أن لا تقاتلوا؟ يعني: هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون؟ أراد أن يقول: عسيتم أن لا تقاتلوا، بمعنى: أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل "هل" مستفهمًا عما هو متوقع عنده ومظنون.
وأراد بالاستفهام التقرير، وتثبيت أنّ المتوقع كائن، وأنه صائب في توقعه، كقوله تعالى: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ) [الإنسان: ١]، معناه التقرير. وقرئ (عسيتم) بكسر السين، وهي ضعيفة. (وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ): وأي: داعٍ لنا إلى ترك القتال؟ وأي: غرض لنا فيه (وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا)؟ ! وذلك أنّ قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين،
_________________
(١) ـ قوله: (أراد أن يقول: عسيتم أن لا تقاتلوا)، يعني: أن نبي الله كان يظن ويتوقع أنهم لا يقاتلون بما شاهد منهم من أمارات التثاقل والتثبط، ثم لما قويت تلك الأمارات وعلم أن متوقعه كائن أدخل "هل" على سبيل التقرير، ولما كان "هل" في الأصل سؤالًا عن النسبة، فإذا وجدت النسبة أفادت التقرير والتثبيت قال: "إن المتوقع كائن، وإنه صائب في توقعه … وقرئ بكسر السين، وهي ضعيفة"، قرأها نافع، قال في "الكواشي": يقال: عسي كعمي، واسم الفاعل: عس كعم، عن ابن الأعرابي. فإن قيل: أليس موضع قوله: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا) بعد قوله: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا)؟ قلت: لا؛ لأن ورود قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) للتعجب من قبائح
[ ٣ / ٤٥٨ ]
فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين. (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ): قيل: كان القليل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، على عدد أهل بدر. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ): وعيد لهم على ظلمهم في القعود عن القتال وترك الجهاد.
[(وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) ٢٤٧].
_________________
(١) ـ اليهود ولبيان نقص ما أعطوا من العهود بأن يجاهدوا أعداء الدين بعد ما كانوا هم الطالبين له على الإجمال، وقوله: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ) إلى آخر الآيات، كالتفصيل لذلك المجمل بتكرير التعيير والتوبيخ، يدل عليه قوله تعالى في التفصيل: (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا) للكثير الذين انخزلوا، و(الَّذِينَ يَظُنُّونَ) هم القليل الذين ثبتوا معه. قوله: (فأسروا من أبناء ملوكهم)، قال محيي السنة: قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم، وهم العمالقة، فظهروا على بني إسرائيل، وغلبوا على كثير من أرضهم وسبوا كثيرًا من ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعين وأربع مئة غلام وضربوا عليهم الجزية. قوله: (على عدد أهل بدر)، روينا عن البخاري والترمذي، عن البراء قال: "كنا أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاث مئة".
[ ٣ / ٤٥٩ ]
طالُوتَ: اسم أعجمي كجالوت وداود. وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته، وزعموا أنه من الطوال لما وصف به من البسطة في الجسم. ووزنه إن كان من الطول «فعلوت» منه، أصله طولوت، إلا أنّ امتناع صرفه يدفع أن يكون منه، إلا أن يقال: هو اسم عبراني وافق عربيا، كما وافق حنطا حنطة، و"بشما لاها رخمانا رخيما": بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فهو من الطول كما لو كان عربيًا، وكان أحد سببيه العجمة؛ لكونه عبرانيًا.
_________________
(١) ـ قوله: (فهو من الطول) الفاء ناتجة من قوله: "إلا أن يقال: هو اسم عبراني وافق عربيًا"، وفيه إشكال؛ لأنه يلزم منه أن يكون غير العربي مشتقًا أيضًا، فيقال: لا يبعد ذلك، ذكر ابن الأثير في "المثل السائر": أن يهوديًا حضر عندي وكان معتقدًا فيه بين اليهود لمكان علمه في دينهم وغيره، وكان لعمري كذلك، فجرى ذكر اللغات، قال: لغة العرب أشرفها مكانًا وأحسنها وضعًا، فقال اليهودي: وكيف لا، وقد جاءت متأخرة فنفت القبيح من اللغات وأخذت الحسن! ثم إن واضعها تصرف في جميع اللغات السالفة، واختصر ما اختصر وخفف ما خفف، فمن ذلك "الجمل"، فإنه في اللسان العبراني كويمل ممالًا على وزن فويعل، فجاء واضع اللغة العربية وحذف الثقل المستبشع وقال: جمل، فصار خفيفًا حسنًا، وكذلك فعل في كذا وكذا، وذكر أشياء كثيرة، ولقد صدق في الذي ذكره، وإليه أشار المصنف: "كما وافق حنطًا حنطة، وبشمالا رخمانا رخيما: بسم الله الرحمن الرحيم"، فكما أن الفرع وهو الرحمن الرحيم مشتق من الرحمة، فكذا الأصل.
[ ٣ / ٤٦٠ ]
(أَنَّى): كيف، ومن أين، وهو إنكار لتملكه عليهم، واستبعاد له. فإن قلت: ما الفرق بين الواوين في: (وَنَحْنُ أَحَقُّ)، (وَلَمْ يُؤْتَ)؟ قلت: الأولى للحال، والثانية لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالًا، قد انتظمتهما معًا في حكم واو الحال. والمعنى: كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك؛ لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير ولا بدّ للملك من مال يعتضد به. وإنما قالوا ذلك؛ لأنّ النبوّة كانت في سبط لاوي بن يعقوب، والملك في سبط يهوذا، ولم يكن طالوت من أحد السبطين؛ ولأنه كان رجلًا سقاءً أو دباغًا فقيرًا. وروي: أنّ نبيهم دعا اللَّه تعالى حين طلبوا منه ملكًا فأتي بعصًا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت.
(قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ): يريد أنّ اللَّه هو الذي اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم، ولا اعتراض على حكم اللَّه، ثم ذكر مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب والمال وهما العلم المبسوط والجسامة
_________________
(١) ـ قوله: (الأولى: للحال، والثانية: لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالًا)، الانتصاف: هذا من السهل الممتنع. الإنصاف: لا أدري ما وعر هذا السهل. قلت: سهل ما وعره عدم السلوك وقلة توغله فيه، فالحال الأولى هي المقررة لجهة الإشكال، كقوله تعالى: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) [البقرة: ٣٠]، والثانية لتتميم معناها والمبالغة فيها. قوله: (من أحد السبطين) قيل: كان من سبط بنيامين، وهو أدون الأسباط. قوله: (ثم ذكر مصلحتين) يريد أن قوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ) وقع جوابًا عن قولهم: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا) الآية، على طريقة الاستئناف والرد عليهم، وأن قوله: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) على آخره شروع في تفصيله على ما بنوا عليه كلامهم، قال القاضي: لما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه، رد عليهم ذلك أولًا بأن العمدة فيه
[ ٣ / ٤٦١ ]
والظاهر أنّ المراد بالعلم المعرفة بما طلبوه لأجله من أمر الحرب. ويجوز أن يكون عالما بالديانات وبغيرها. وقيل: قد أوحي إليه ونبئ؛ وذلك أنّ الملك لا بدّ أن يكون من أهل العلم، فإنّ الجاهل مزدرى غير منتفع به وأن يكون جسيمًا يملأ العين جهارة؛ لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب. والبسطة: السعة والامتداد. وروي: أن الرجل القائم كان يمدّ يده فينال رأسه. (يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ) أي: الملك له غير منازع فيه، فهو يؤتيه من يشاء من يستصلحه للملك. وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل والعطاء، يوسع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر، (عَلِيمٌ) بمن يصطفيه للملك.
_________________
(١) ـ اصطفاء الله، وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، وثانيًا بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة، وجسامة البدن ليكون أعظم خطرًا في القلوب وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، لا ما ذكرتم، وثالثًا: أنه مالك الملك، فله أن يؤتيه من يشاء، ورابعًا: أنه واسع الفضل يوسع على الفقير ويغنيه، عليم بما يليق بالملك بالنسب وغيره. وقلت، والله أعلم: قوله: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) تكميل لقوله: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ)، لأن المراد بالأول: إثبات المالكية والقدرة الكاملة على جميع الكائنات، وبالثاني: إثبات علمه الشامل على جميع المعلومات، وهما كالتذييل لما سبق، ومن ثمة عم الحكمين، ووضع المظهر، وهو لفظة "الله"، موضع المضمر، وكرره، فالمراد بقوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ) إثبات العلم الخاص، وهو العلم بمصالح العباد كما قال المصنف: "يريد أن الله تعالى هو الذي اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم"، وبالزيادة في العلم والجسم: القدرة المخصوصة، والله أعلم بمراده من كلامه. قوله: (يملأ العين جهارة) قال في "الأساس": جهرني فلان: راعني بجماله وهيئته، وجهرت الجيش واجتهرتهم: كثروا في عيني.
[ ٣ / ٤٦٢ ]
[(وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَاتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)].
(التَّابُوتُ): صندوق التوراة، وكان موسى ﵇ إذا قاتل قدّمه، فكانت تسكن نفوس بنى إسرائيل ولا يفرّون. والسكينة: السكون والطمأنينة، وقيل: هي صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت، لها رأس كرأس الهرّ وذنب كذنبه وجناحان، فتئن فيزف التابوت نحو العدوّ وهم يمضون معه، فإذا استقرّ ثبتوا وسكنوا ونزل النصر، وعن علىّ ﵁: كان لها وجه كوجه الإنسان وفيها ريح هفافة. (وَبَقِيَّةٌ) هي: رضاض الألواح، وعصا موسى، وثيابه، وشيء من التوراة، وكان رفعه اللَّه تعالى بعد موسى ﵇ فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه، فكان ذلك آية لاصطفاء اللَّه طالوت.
وقيل: كان مع موسى ومع أنبياء بنى إسرائيل بعده يستفتحون به، فلما غيرت بنو إسرائيل غلبهم عليه الكفار فكان في أرض جالوت، فلما أراد اللَّه أن يملك طالوت أصابهم ببلاء حتى هلكت خمس مدائن، فقالوا: هذا بسبب التابوت بين أظهرنا، فوضعوه على ثورين، فساقهما الملائكة إلى طالوت. وقيل كان من خشب الشمشار مموّها بالذهب. نحوًا من ثلاثة أذرع في ذراعين. وقرأ أبىّ وزيد بن ثابت: (التابوه) بالهاء وهي لغة الأنصار. فإن قلت:
ما وزن التابوت؟ قلت: لا يخلو من أن يكون فعلوتا أو فاعولا، فلا يكون فاعولا،
_________________
(١) ـ قوله: (فتئن فيزف التابوت)، الجوهري: الزفيف: السير السريع مثل الذفيف، يقال: زف الظليم والبعير يزف، بالكسر، أي: يسمع منها أنين فيسرع التابوت. قوله: (ريح هفافة). والريح الهفافة: الساكنة الطيبة، والرض: دق الجريش، وقد رضضت الشيء فهو رضيض ومرضوض.
[ ٣ / ٤٦٣ ]
لقلةٍ، نحو: سلس وقلق، ولأنه تركيب غير معروف فلا يجوز ترك المعروف إليه، فهو إذًا «فعلوت» من التوب، وهو الرجوع لأنه ظرف توضع فيه الأشياء وتودعه، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه، وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته. وأمّا من قرأ بالهاء فهو «فاعول» عنده، إلا فيمن جعل هاءه بدلًا من التاء، لاجتماعهما في الهمس، وأنهما من حروف الزيادة، ولذلك أبدلت من تاء التأنيث. وقرأ أبو السمال: (سكينة) بفتح السين والتشديد وهو غريب. وقرئ: (يحمله) بالياء. فإن قلت: مَن (آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ)؟ قلت: الأنبياء من بنى يعقوب بعدهما؛ لأن عمران هو ابن قاهث بن لاوي بن يعقوب،
_________________
(١) ـ قوله: (لقلة نحو: سلس) أي: قل في كلام العرب لفظ فاؤه ولامه من جنس واحد، فلا يجوز القياس على هذا، وغذا لم يجز فلا يقال: تابوت من تبت، وأما من قرأ بالهاء فهو فاعول؛ لأن فعلوة غير موجود، قال الجوهري: التابوت: أصله تابوة كترقوة، وهو فعلوة، فلما سكنت الواو انقلبت هاء التأنيث تاء. روى صاحب "جامع الأصول"، عن رزين، عن علي قال: أرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص ﵃ فقال: ليكتب أحدكم آي القرآن وليمل الآخر، فإذا اختلفتم فارفعاه إلي، فاختلفا في هذا الحرف، قال سعيد: التابوت، وقال زيد: التابوه، فرفعاه إلى عثمان، قال: اكتبوه التابوت. قال علي: لو وليت الذي ولي عثمان لصنعت مثل الذي صنع. قوله: (وهو ابن قاهث) صوابه: عمران بن يصهر بن قاهث، يدل عليه ما سنذكره في آل عمران.
[ ٣ / ٤٦٤ ]
فكان أولاد يعقوب آلهما. ويجوز أن يراد: مما تركه موسى وهرون. والآل مقحم لتفخيم شأنهما.
[(فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)].
(فَصَلَ) عن موضع كذا، إذا انفصل عنه وجاوزه، وأصله: فصل نفسه، ثم كثر محذوف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كانفصل. وقيل: فصل عن البلد فصولا. ويجوز أن يكون فصله فصلًا وفصل فصولًا كوقف وصدّ ونحوهما والمعنى: انفصل عن بلده (بِالْجُنُودِ) روى أنه قال لقومه: لا يخرج معى رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا رجل متزوّج بامرأة لم يبن عليها،
_________________
(١) ـ قوله: (مقحم)، قال المصنف: إقحام الآل للتفخيم، كقول الواحد المطاع: أمرنا ونهينا، قلت: مثله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) [النحل: ١٢٠]. قوله: (وقيل: فصل عن البلد فصولًا) معطوف على قوله: "صار" أي: حتى صار في حكم اللازم واستعمل استعماله فجيء بمصدره على طريقة مصدر اللازم وقيل: فصل فصولًا. قوله: (ويجوز أن يكون) معطوفًا على جملة قوله: "وأصله: فصل نفسه" أي: أصله التعدي ثم جعل لازمًا، ويجوز أن يكون في أصله لازمًا ومتعديًا كوقف، يقال: وقفت الدابة وقوفًا ووقفتها أنا؛ يتعدى ولا يتعدى، وصد عنه يصد صدودًا: أعرض، وصده عن الأمر صدًا: منعه. قوله: (لم يبن عليها)، قال المصنف: يجوز: بنى بها، وعليها أفصح؛ لأنه كان من عادتهم أن الواحد منهم إذا زفت إليه امرأته بنى قبة عليها.
[ ٣ / ٤٦٥ ]
ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ. فاجتمع إليه مما اختاره ثمانون ألفًا، وكان الوقت قيظًا وسلكوا مفازة، فسألوا أن يجرى اللَّه لهم نهرًا، فـ (قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ) بما اقترحتموه من النهر، (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ): فمن ابتدأ شربه من النهر بأن كرع فيه (فَلَيْسَ مِنِّي): فليس بمتصل بي ومتحد معي؛ من قولهم: فلان مني كأنه بعضه؛ لاختلاطهما واتحادهما، ويجوز أن يراد: فليس من جملتي وأشياعى. (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ): ومن لم يذقه؛ من طعم الشيء، إذا ذاقه. ومنه طعم الشيء؛ لمذاقه. قال:
_________________
(١) ـ قوله: (قيظًا) بالظاء المعجمة، الجوهري: قاظ يومنا أي: اشتد حره. قوله: (فليس بمتصل بي) يريد أن من في (مِنّيِ) للاتصال، كقوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، وقول النابغة: إذا حاولت في أسد فجورًا … فإني لست منك ولست مني ويجوز أن تكون "من" للتبعيض، والمعنى: فليس من جملتي. قوله: (من طعم الشيء: إذا ذاقه)، الراغب: الطعم: تناول الغذاء، ويسمى ما يتناول منه طعمًا وطعامًا، وقيل: قد يستعمل "طعمت" في الشراب، قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ)، وقال بعضهم: إمنا قال: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ) تنبيهًا أنه محظور عليه أن يتناوله إلا غرفة مع طعام، كما أنه محظور أن يشربه إلا غرفة، فإن الماء قد يطعم إذا كان مع شيء يمضغ، ولو قال: ومن لم يشربه لكان يقتضي أن يجوز تناوله أكثر من غرفة إذا كان في طعام، فلما قال: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ) بين أنه لا يجوز تناوله على كل حال، غلا على قدر المستثنى، وهو الغرفة.
[ ٣ / ٤٦٦ ]
وَإنْ شِئْتَ لَمْ أَطْعَمْ نَقَاخًا وَلَا بَرْدَا
ألا ترى كيف عطف عليه البرد وهو النوم! ويقال: ما ذقت غماضًا ونحوه من الابتلاء ما ابتلي اللَّه به أهل أيلة من ترك الصيد مع إتيان الحيتان شرَّعًا، بل هو أشد منه وأصعب، وإنما عرف ذلك طالوت بإخبار من النبي، وإن كان نبيًا - كما يروى عن بعضهم - فبالوحي. وقرئ: (بنهر) بالسكون. فإن قلت: ممَّ استثنى قوله: (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ)؟ قلت: من قوله: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي)، والجملة الثانية في حكم المتأخرة، إلا أنها قدّمت للعناية كما قدم (وَالصَّابِئُونَ) في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ) [المائدة: ٦٩]،
_________________
(١) ـ قوله: (وإن شئت لم أطعم)، صدره: وإن شئت حرمت النساء سواكم النقاخ: الماء العذب الذي ينقخ الفؤاد ببرده، أي: يكسر العطش، ولو لم يكن الطعم في البيت بمعنى الذوق لما جاز العطف، لصيرورة المعنى: لم آكل النوم، وأما إن كان بمعنى الذوق فجاز لما ذكر من أنه يقال: "ما ذقت غماضًا"، قال في مخاطبة: النساء سواكم، إرادة لتعظيمهن كما يجاء بالجمع لواحد المذكر. قوله: (بل هو أشد منه وأصعب) أي: الابتلاء بالنهر أشد من ابتلاء أهل أيلة لما حصل لهم من مشقة السفر مع بعد المفازة والوقت قيظ، بخلاف أهل أيلة لقلة احتياجهم إلى الحيتان مع أنهم حاضرون ولهم أطعمة سواها. قوله: (والجملة الثانية في حكم المتأخرة)، إذ التقدير: "فمن شرب منه فليس مني إلا من اغترف غرفة بيده ومن لم يطعمه فهو مني"، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى) إلى قوله: (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) [المائدة: ٦٩]، والتقدير: إن الذين آمنوا
[ ٣ / ٤٦٧ ]
ومعناه: الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع، والدليل عليه قوله: (فَشَرِبُوا مِنْهُ) أي: فكرعوا فيه (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)
_________________
(١) ـ والذين هادوا والنصارى فلا خوف عليهم، والصابئون كذلك، قدم و"الصابئون" للعناية تنبيهًا به على أن الصابئين يتاب عليهم أيضًا وإن كان كفرهم أغلظ، هكذا ها هنا، المطلوب: أن لا يذاق من الماء رأسًا، والاغتراف بالغرفة رخصة، فقدم (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) للعناية؛ لأنه عزيمة، وهو المطلوب أوليًا. قوله: (دون الكروع)، النهاية: كرع في الماء يكرع: إذا تناوله بفيه من غير أن يشرب بكف ولا بإناء كما تشرب البهائم؛ لأنها تدخل فيه أكارعها، والمصنف إنما عدل من الشرب إلى الكروع ليؤذن أنهم بالغوا في مخالفة المأمور، يعني: لم يغترفوا بل كرعوا، أي: أفرطوا في الشرب كالبهائم. الراغب: في القصة إيماء ومثال للدنيا وأبنائها وأن من يتناول قدر ما يتبلغ به اكتفى واستغنى وسلم منها ونجا، ومن تناول منها فوق ذلك ازداد عطشًا، وعليه قيل: الدنيا كالماء المالح: من ازداد منها شربًا ازداد عطشًا، وإلى هذا أشير في الخبر المروي أن الله ﷿ إذا سأله عبد شيئًا من عروض الدنيا أعطاه وقال له: خذه حرصًا، وإياه عنى النبي ﷺ بقوله: "لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى غليهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب". قوله: (والدليل عليه) أي: على الاستثناء من قوله: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ) لا من قوله: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ)؛ لأنه لو كان منه لقيل: فطعموه، وفيه أن من ذهب إليه تعسف، قال أبو البقاء: (إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً) استثناء من الجنس وموضعه نصب، وأنت بالخيار؛ إن شئت جعلته استثناء من "مِن" الأولى، وإن شئت من "مِن" الثانية.
[ ٣ / ٤٦٨ ]
وقرئ: (غرفة) بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف. وقرأ أبيّ والأعمش: (إلا قليل) بالرفع؛ وهذا من ميلهم مع المعنى والإعراض عن اللفظ جانبًا، وهو باب جليل من علم العربية، فلما كان معنى (فَشَرِبُوا مِنْهُ) في معنى: فلم يطيعوه؛ حمل عليه، كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم، ونحوه قول الفرزدق:
لمْ يَدَعْ … مِنَ الْمَالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ
كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف. وقيل: لم يبق مع طالوت إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا. (وَالَّذِينَ آمَنُوا) يعني: القليل
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "غرفة" بالفتح) الكوفيون وابن عامر: بضم الغين، والباقون: بفتحها، قال الزجاج: معنى الفتح: المرة الواحدة باليد، والفتح مقدار ملء اليد، قال صاحب "الكشف": كان أبو عمرو يطلب شاهدًا على قراءته غرفة بالفتح، فلما هرب من الحجاج إلى اليمن وخرج ذات يوم، فإذا هو براكب ينشد لأمية بن أبي الصلت: ربما تكره النفوس من الأمر … ما له فرجة كحل العقال قال فقلت له: ما الخبر؟ قال: مات الحجاج، قال أبو عمرو: فلا أدري بأي الأمرين كان فرحي، أبموت الحجاج أم بقوله: له فرجة. قوله: (وقرأ أبي والأعمش: "إلا قليل")، قال الزجاج: لا أعرف هذه القراءة ولا لها عندي وجه؛ لأن المصحف على النصب، والنحو يوجبها؛ لأن الاستثناء من الكلام الموجب ليس فيه إلا النصب، كأن قول المصنف: "وهذا من ميلهم" جواب عن هذا. قوله: (لم يدع من المال إلا مسحت أو مجلف) صدره:
[ ٣ / ٤٦٩ ]
(قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ) يعني: الخلص منهم، الذين نصبوا بين أعينهم لقاء اللَّه وأيقنوه، أو الذين تيقنوا أنهم يستشهدون عما قريب ويلقون اللَّه. والمؤمنون مختلفون في قوة اليقين ونصوع البصيرة. وقيل: الضمير في (قالُوا لا طاقَةَ لَنَا اليوم) للكثير
_________________
(١) ـ وعض زمان يا ابن مروان لم يدع أوله: إليك أمير المؤمنين رمت بنا … شعوب النوى والهوجل المتعسف الهوجل: المفازة، والمتعسف: الذ يميل عن الطريق المستقيم، والمسحت: المذهب والمستأصل، يقال: مسحوت، والمجلف: الذي أخذ من جوانبه فذهب بعضه وبقي منه شيء، وروى المصنف البيت في سورة طه: "إلا مسحتًا أو مجلف"، وقال: بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه، فمن روى: إلا مسحت أو مجلف كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف، ومن روى: إلا مسحتا أو مجلف، فإنه يرفع "مجلف" بالعطف على المعنى؛ لأن المعنى: لا يدع إلا مسحتًا وبقي مجلف، فكأنه قال: وبقي مجلف. قوله: «قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ» يعني: افترق هؤلاء القليلون فرقتين: فرقة قالوا: (لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ)، وفرقة ردوا عليهم وقالوا: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً)، ومن ثم وجب أن يفسر (يَظُنُّونَ) بيوقنون لتحصل التفرقة بين الفريقين؛ لأن هؤلاء أعلى رتبة من أولئك المؤمنين، وإليه الإشارة بقوله: "والمؤمنون مختلفون في قوة اليقين". قوله: (وقيل: الضمير في (قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا) للكثير)، هذا معطوف من حيث المعنى على قوله: " (وَالَّذِينَ آمَنُوا) يعني: القليل"، كأنه قال: الضمير في "قالوا" للذين آمنوا وهم الأقلون، وقيل: الضمير للذين انخزلوا وهم الأكثرون، ولعل هذا الوجه أقرب؛ لأنه
[ ٣ / ٤٧٠ ]
الذين انخذلوا، و(الذين يظنون) هم القليل الذين ثبتوا معه، كأنهم تقاولوا بذلك والنهر بينهما، يظهر أولئك عذرهم في الانخزال ويرد عليهم هؤلاء ما يعتذرون به
_________________
(١) ـ كيف يقال فيهم: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) ويوضع المظهر موضع المضمر القليل المشعر بالتعظيم؟ والحال أنهم يقولون: (لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) فإن قلت: فسر (الَّذِينَ يَظُنُّونَ) على أن القائلين هم القليلون بوجهين، فما تفسيره على أنهم الكثيرون؟ قلت: تركه اعتمادًا على السابق، والأنسب أن يفسر (الَّذِينَ يَظُنُّونَ) على إرادة الكثيرين بقوله: "المخلصين الذين تيقنوا لقاء الله" ليكون تعريضًا بأولئك المنخزلين وأنهم غير مخلصين ومندرجون تحت قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا …) [يونس: ٧] ويعضد التعريض تكرير وضع الظاهر واختلافه، وعلى إرادة القليلين أن يؤول بقوله: "الذين تيقنوا أنهم يستشهدون عما قريب ويلقون الله"، فإنهم لما سمعوا ذلك من إخوانهم المؤمنين وشاهدوا استكانتهم وجبنهم تشجعوا وقالوا: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ)، ونظيره قوله تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) [آل عمران: ١٢٢] قال: الطائفتان حيان من الأنصار، وانخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس، فهم الحيان باتباع عبد الله فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله ﷺ. هذا وإن الوجه القوي هو القول بالتعريض كما سبق، وأما اختصاص الوصفين- أعني الإيمان والإيقان- بلقاء الله في هذا التعريض والقوم يهود فكاختصاصهما في "ما" قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) [البقرة: ٤] من التعريض. قوله: (وأيقنوه)، قال الزجاج: "ظننت" جاء بمعنى: أيقنت، قال دريد بن الصمة: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج … سوادهم في الفارسي المسرد
[ ٣ / ٤٧١ ]
وروي: أنّ الغرفة كانت تكفى الرجل لشربه وإداوته والذين شربوا منه اسودّت شفاههم وغلبهم العطش.
[(وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ* فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ)].
وجالُوتَ: جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عادٍ، وكانت بيضته فيها ثلاثمائة رطل
_________________
(١) ـ والمدجج: تام السلاح، وأراد بالفارسي المسرد: الدروع، الراغب: ظن ها هنا هو المفسر باليقين عند أهل اللغة، وهو المعرفة الحاصلة عن أمارة قوية، يدل على ذلك استعمال أن المشددة، لأن الظن إذا أريد به العلم استعمل معه أن: المشددة أو المخففة، منها: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى) [المزمل: ٢٠]، وإذا أريد الشك استعمل "أن" الناصبة للفعل. قوله: (أن الغرفة كانت تكفي الرجل لشربه وإداوته)، هذا مثال قاصدي الآخرة الذين اقتنعوا بالبلغة وجعلوا الدنيا زادًا للآخرة، والذين شربوا منه اسودت شفاههم وغلبهم العطش. هذا مثال عابدي الدنيا وطالبيها لم يقتنعوا بالقليل ولم يشبعوا بالكثير، فأفضى بهم الحرص إلى السعير. قوله: (بيضته فيها ثلاث مئة رطل) من باب التجريد، أي: هي في نفسها هذا المبلغ، كقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١]، جرد منه صلوات الله عليه شيء يسمى قدوة، وهو في نفسه هي.
[ ٣ / ٤٧٢ ]
(وَثَبِّتْ أَقْدامَنا): وهب لنا ما نثبت به في مداحض الحر من قوّة القلوب وإلقاء الرعب في قلب العدو، ونحو ذلك من الأسباب. كان إيشى أبو داود في عسكر طالوت مع ستة من بنيه، وكان داود سابعهم، وهو صغير يرعى الغنم، فأوحي إلى أشمويل: أنّ داود بن إيشى هو الذي يقتل جالوت، فطلبه من أبيه فجاء وقد مرّ في طريقه بثلاثة أحجارٍ دعاه كل واحدٍ منها أن يحمله، وقالت له: إنك تقتل بنا جالوت، فحملها في مِخلاته ورمى بها جالوت فقتله، وزوّجه طالوت بنته
_________________
(١) ـ قوله: (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا): وهب لنا ما نثبت فيه في مداحض الحرب من قوة القلوب وإلقاء الرعب في قلب العدو ونحو ذلك) وفي قوله: "في مداحض الحرب" إشارة إلى أن قوله: (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) ترشيح لاستعارة "أفرغ" لـ "هب"؛ لأن المقام الدحض ملائم لإفراغ الماء. الراغب: الفرغ: خلو المكان مما كان فيه، وخلو ذي الشغل من شغله، وسمي فرغ الدلو فرغًا باعتبار انصباب الماء منه، فقوله: (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) كلام جامع يشتمل في ذلك المقام على جميع ما يحصل به الظفر على العدو، وقال القاضي: في هذا الدعاء ترتيب بليغ، إذ سألوا أولًا إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب منه، ثم النصر على العدو المترتب عليهما غالبًا. وقلت: فعلى هذا الواجب أن يؤتى بالفاء دون الواو؟ والواجب ما قال صاحب "المفتاح": الواو أبلغ؛ لأن تعويل الترتيب حينئذ إلى ذهن السامع دون اللفظ، وكم بين الشهادتين، ويمكن أن تجرى الواو على ظاهرها، فإنهم طلبوا أولًا إفراغ الصبر على قلوبهم عند اللقاء، ثم
[ ٣ / ٤٧٣ ]
وروي: أنه حسده وأراد قتله ثم تاب. (وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) في مشارق الأرض المقدّسة ومغاربها، وما اجتمعت بنو إسرائيل على ملك قط قبل داود، (وَالْحِكْمَةَ): النبوّة (وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ) من صنعة الدروع وكلام الطير والدواب وغير ذلك، (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ): ولولا أن اللَّه يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم، لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها،
_________________
(١) ـ طلبوا ثانيًا ثبات القدم، أي: تحمل المكاوحة والمقاومة مع العدو؛ لأن الصبر على القتل قد يحصل لغير المحارب، ثم طلبوا العمدة والمقصود من المحاربة، وهي النصرة والدبرة على الخصم؛ لأن الشجاعة دون نصرة الله لا تنفع، والفاء في (فَهَزَمُوهُمْ) فاء فصيحة، أي: استجاب الله دعاءهم وفهم مناهم فصبروا وثبتوا ونصرهم الله فهزموهم. قوله: (ولولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم لغلب المفسدون). الراغب: فيه تنبيه على فضيلة الملك وانه لولاه لما استتب أمر العالم، ولهذا قيل: الدين والملك توأمان، ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر؛ لأن الدين أس والملك حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، وعلى ذلك قوله: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ) [الحج: ٤٠]. إن قيل: على أي وجه دفع الله الناس ببعضهم؟ قيل: على وجهين، أحدهما: دفع ظاهر، والثاني: خفي، فالظاهر: ما كان بالسواس الأربعة: الأنبياء، والملوك، والحكماء المعنيون بقوله: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة: ٢٦٩] والوعاظ، فسلطان الأنبياء على الكافة خاصهم وعامهم ظاهرهم وباطنهم، وسلطان الملوك على ظواهر الكافة دون الباطن، كما قيل: نحن ملوك أبدانهم لا ملوك أديانهم، وسلطان الحكماء على الخاصة دون العامة، وسلطان الوعاظ على بواطن العامة، وأما الدفع الخفي فبسلطان العقل، فالعقل يدفع عن كثير من القبائح، وهو السبب في التزام حكم سلطان الظاهر.
[ ٣ / ٤٧٤ ]
وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض. وقيل: ولولا أن اللَّه ينصر المسلمين على الكفار لفسدت الأرض بعيث الكفار فيها وقتل المسلمين. أو لو لم يدفعهم بهم لعمّ الكفر ونزلت السخطة فاستؤصل أهل الأرض.
[(تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)].
(تِلْكَ آياتُ اللَّهِ) يعني: القصص التي اقتصها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم، وتمليك طالوت، وإظهاره بالآية التي هي نزول التابوت من السماء، وغلبة الجبابرة على يد صبي. (بِالْحَقِّ) باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك.
(وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة كتاب ولا سماع أخبار.
_________________
(١) ـ قوله: (ولولا أن الله ينصر المسلمين)، هذا على أن التعريف في الناس: للعهد، وهم المؤمنون والكفار، وعلى الأول كان للجنس. قوله: «تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ) يعني: القصص التي اقتصها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت)، إلى قوله: " (وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ) حيث تخبر بها من غير أن تعرف"، خص الآيات بحديث الألوف وقصة طالوت، وأما أبو إسحاق الزجاج فقد ذهب إلى أعم من ذلك، حيث قال: (وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ) أي: أنت من هؤلاء الذين قصصت آياتهم؛ لأنك قد أعطيت من الآيات مثل الذي أعطوا وزدت على ما أعطوا، وقال: نحن نبين ذلك في الآية التي تتلوها إن شاء الله، أراد في قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، وبين فيها بقوله: (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) أنه صلوات الله عليه أفضلهم بكثرة المعجزات.
[ ٣ / ٤٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقلت: النظم يقتضي أعم من ذلك، وأن يجعل التعريف في المرسلين وفي الرسل: للجنس، وأن يراد بالآيات جميع الآيات المذكورة من لدن مفتتح السورة، وتقريره: أنه ﷾ لما بين بقوله: (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا) [البقرة: ٢٣ - ٢٤] الآية، أنه صلوات الله عليه نبي صادق ومعجزته هذا القرآن الذي بذ بفصاحته فصاحة كل ناطق، وشق ببلاغته غبار كل سابق، وما اكتفى بذلك، بل أتى بكل ما يتعلق بأمور الدين من التوحيد والأخلاق والديانات وأحوال الآخرة وقصص الأنبياء السالفة والأمم الدارجة وشيء صالح من الأحكام التي يناط بها أكثر أمور الأمة، وأطنب فيها كل الإطناب، ليؤذن به أن الكتاب كما أنه معجزة في نفسه، مشتمل على حكم وعلوم وأحكام يتوقف عليها أمر الرسالة، ولما أراد أن يرجع إلى ما بدأ به من إثبات نبوته ورسالته قال: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ) ليكون كالفذلكة لسائر ما ذكر، وكالتخلص إلى حديثه صلوات الله عليه، وأنه صلوات الله عليه نبي مرسل، وأنه أفضل الرسل على سبيل الترقي، كأنه قيل: تلك المذكورات كلها آيات الله ملتبسة بالحق الهادي إلى صراط مستقيم ليقرر بها أمر نبوتك الذي ثبت بالمعجزة القاهرة، وليعلم بها إنك لمن المرسلين الجامعين بين المعجزة والوحي وإنك من أفضلهم وواسطتهم؛ لأنك أعطيت ما أعطوا، وزدت على ما أعطوا، وهو هذا الكتاب الكريم. فعلى هذا، التعريف في الرسل كما في المرسلين، وهو للجنس، والمشار إليه بقوله: (تِلْكَ الرُّسُلُ) هو الرسل على منوال قوله تعالى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨] في أحد وجهيه، قال المصنف: قد تصور فراق بينهما عند حلول ميعاده، وأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه كما تقول: هذا أخوك، وهو المراد من قوله في الوجه الثاني: "أو التي ثبت علمها عند رسول الله ﷺ"، أو المشار إليه ما يعلم من المرسلين وإن كانوا غائبين تفخيمًا وتعظيمًا لهم، و(الرُّسُلَ): صفة، و(فَضَّلْنَا): الخبر، وأما بيان كونه صلوات الله عليه أفضل المرسلين فهو
[ ٣ / ٤٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ أنه تعالى لما أدخله في زمرة المرسلين أجمعهم؛ لأنه جمع محلى باللام مفيد للشمول، اتجه لسائل أن يسأل: أن تلك الرسل هل تتفاوت حالهم في علو الرفعة ومراتب الرسالة أم هم سواء؟ فقيل: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، ثم أخذ يشرع في بيان التفضيل في التفصيل: منهم من كلم الله، ومنهم من رفع درجات، ومنهم من أوتي من المعجزات، ومنهم من حاله كَيْتَ وكَيْت، وإنما فرق أحد من الأقسام بقوله: "بعضهم وبالدرجات"، ليشير إلى أن هذا القسم مباين للأقسام، ومغايرته بحسب ما خص به؛ لأن رفع الدرجات ليس من قبيل ما أوتوا ولا هو داخل في حكم ما أعطوا، ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه تعالى إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة". وروى محيي السنة في هذه الآية: وما أوتي نبي آية إلا أوتي نبينا مثل تلك الآية، وفضل على غيره بآيات مثل: انشقاق القمر بإشارته وحنين الجذع بمفارقته وتسليم الحجر والشجر عليه وكلام البهائم والشهادة برسالته ونبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك من المعجزات والآيات التي لا تحصى، وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السماء والأرض عن الإتيان بمثله، وكذا عن الزجاج، وضم القاضي إليه المعجزات المتعاقبة بتعاقب الدهر والفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر. ونظيره في أسلوب التقسيم بيت الحماسة: ومن الرجال أسنة مذروبة … ومزندون شهودهم كالغائب منهم ليوث ما ترام وبعضهم … مما قمشت وضم حبل الحاطب قال المرزوقي: يقول: من الرجال رجال يمضون في الأمور نفاذ الأسنة، ومنهم مزندون،
[ ٣ / ٤٧٧ ]
[(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)].
(تِلْكَ الرُّسُلُ) إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو التي ثبت علمها عند رسول اللَّه ﷺ (فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) لما أوجب ذلك من تفاضلهم في الحسنات. (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ): منهم من فضله اللَّه بأن كلمه من غير سفير، وهو موسى ﵇. وقرئ: (كلم اللَّه) بالنصب، وقرأ اليماني: (كالم اللَّه) من المكالمة، ويدل عليه قولهم: كليم اللَّه بمعنى مكالمه. (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) أي: ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة، والظاهر أنه أراد محمدًا ﷺ، لأنه هو المفضل عليهم؛ حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آيةٍ أو أكثر. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلًا منفيًا على سائر ما أوتي الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات.
_________________
(١) ـ والمزند: المبخل المقلل، وكان من حق التقسيم أن يقول: ومنهم مزندون، لكنه اكتفى بـ "من" الأول، ومثله. قوله تعالى: (مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) [هود: ١٠٠]، وسمعت أبا علي الفارسي يقول: كل صفتين تتنافيان وتتدافعان فلا يصح اجتماعهما لموصوف، لابد من إضمار "من" معهما إذا فصل جملة بهما متى لم يجيء ظاهرًا، وقال المرزوقي: ومن الرجال رجال كالأسود عزة وأنفة لا يطلب اقتسارهم، ومنهم متقاربون كالقماش واللفائف جمعوا على ما اتفق من شيء إلى شيء، كأنه لم يقنعه ذلك التشبيه وتلك القسمة فاستأنفها على وجه آخر، يعني: بين الصنفين تفاوت عظيم وتباين شديد، وذكر البعض بدلًا عن قوله: "ومنهم"؛ لأن من
[ ٣ / ٤٧٨ ]
وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى؛ لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس. ويقال للرجل: من فعل هذا؟ فيقول: أحدكم، أو: بعضكم، يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس. فذكر زهيرًا والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه، ولو قال. ولو شئت لذكرت نفسي، لم يفخم أمره. ويجوز أن يريد: إبراهيم ومحمدًا وغيرهما من أولي العزم من الرسل صلوات الله عليهم. وعن ابن عباس ﵁: كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء، فذكرنا نوحًا بطول عبادته، وإبراهيم بخُلته، وموسى بتكليم اللَّه إياه، وعيسى برفعه إلى السماء، وقلنا: رسول اللَّه ﷺ أفضل منهم، بعث إلى الناس كافة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وهو خاتم الأنبياء. فدخل ﵇ فقال: "فيم أنتم؟ " فذكرنا له، فقال: "لا ينبغي لأحد أن يكون خيرًا من يحيى بن زكريا"، فذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهمَّ بها.
_________________
(١) ـ للتبعيض فاستغنى به، و"ضم حبل الحاطب" معناه: أن الحاطب يجمع في حبله الجيد والرديء واليابس والرطب على تدان بينهما. قوله: (ولو شئت لذكرت الثالث)، مثله ما روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن علي ﵁، قال: خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر وعمر، ولو شئت لحدثتكم بالثالث. والأسلوب من باب التعريض على سبيل التفخيم. قوله: "وعن ابن عباس: كنا في المسجد نتذاكر .. "، الحديث رواه الترمذي والدارمي أبسط وأبلغ مما ذكره المصنف، لكن ليس فيه ذكر يحيى.
[ ٣ / ٤٧٩ ]
فإن قلت: فلمَ خصّ موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ قلت: لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة، ولقد بين اللَّه وجه التفضيل؛ حيث جعل التكليم من الفضل، وهو آية من الآيات، فلما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات خُصا بالذكر في باب التفضيل، وهذا دليل بين أنّ من زيد تفضيلًا بالآيات منهم فقد فضل على غيره، ولما كان نبينا ﷺ هو الذي أوتي منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها؛ كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع. اللهمّ ارزقنا شفاعته يوم الدين (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ) مشيئة إلجاء وقسر، (مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ) من بعد الرسل؛ لاختلافهم في الدين وتشعب مذاهبهم، وتكفير بعضهم بعضًا، (وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ) لالتزامه دين الأنبياء، (وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ) لإعراضه عنه، (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) كرّره للتأكيد، (وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) من الخذلان والعصمة.
_________________
(١) ـ قوله: (لما أوتيا من الآيات العظيمة)، قال صاحب "الفرائد": الأولى فيما أرى والله أعلم، أن يقالك خصا بالذكر لأن الكلام فيما مر مع أهل الكتاب، واليهود ينكرون عيسى، والنصارى ينكرون موسى، وقال الإمام: إنما خصا بالذكر لأن أمتهما موجودون وأمم سائر الأنبياء ليسوا كذلك، وقال القاضي: خص عيسى بالذكر لإفراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، والوجه ما ذكره المصنف، أن ذكرهما لبيان وجه التفضيل، يعني: أن فضل رسول على رسول مثله إنما يظهر بسبب اختصاصه بما أوتي من الفضل والكرامة ورفعة الدرجة، وبحسب هدايته وإرشاده وكثرة متبعيه، ولاشك في أن أولئك الثلاث هم المخصوصون من بين سائر الأنبياء بذلك، وأن لنبينا قصبات السبق عليهم، ومن ثم اكتفى بهم عنهم، وبهذا يتبين المقصود، وهو فضل نبينا على سائر الأنبياء. وعلى ما ذكروه يفوت المراد ويخرم النظم. قوله: «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) كرره للتأكيد). أصل الكلام: نحن فضلنا بعض النبيين
[ ٣ / ٤٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ على بعض وآتينا كلًا منهم ما يدعو به أمته إلى دين الحق، فلما درجوا تشعبت مذاهب أمتهم محقين ومبطلين، فاقتتلوا، ولو شاء الله اتفاقهم ما اختلفوا وما اقتتلوا ولكن شاء الله ذلك، اختلفوا واقتتلوا، فكرر، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا)؛ لئلا يظن ظان أن المشيئة ليست على إطلاقها وأنها مقيدة بقيد القسر والإلجاء، روى الإمام عن الواحدي: إنما كرر تأكيدًا للكلام وتكذيبًا لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم ولم يجر به قضاء ولا قدر من الله تعالى، ويؤيده قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود: ١١٨ - ١١٩]، ألا ترى كيف عقب الآية بقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)؟ قال الإمام: الآية دالة على مسألة خلق الأعمال وأن الكائنات كلها بقضاء الله وقدره فيوفق من يشاء ويخذل من يشاء، ولا اعتراض لأحد عليه في فعله، وقال القاضي: (يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ): يوفق من يشاء فضلًا ويخذل من يشاء عدلًا، وفي الآية دليل على أن الأنبياء متفاوتة الأقدام، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض، لكن بقاطع، وأن الحوادث بيد الله تابعة لمشيئته خيرًا كان أو شرًا. الراغب: إن قيل: ما الفرق بين المشيئة والإرادة؟ قيل: أكثر المتكلمين لم يفرقوا بينهما وإن كانتا في أصل اللغة مختلفتين، وذلك أن المشيئة من شيء، والشيء: اسم للموجود، وأما الإرادة فمصدر أراد، أي: طلب، وأصله أن يتعدى إلى مفعولين، لكن اقتصر على أحدهما في التصرف، وفي الأصل لا يقال إلا لأن يطلب ممن يصح منه الطلب، فإن ترك منه هذا الاعتبار في التعارف صار لطلب الشيء والحكم بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل، وإذا استعمل في الله فهو
[ ٣ / ٤٨١ ]
(أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ) أراد الإنفاق الواجب؛ لاتصال الوعيد به (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ) لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق، لأنه لا بَيْعٌ فِيهِ حتى تبتاعوا
_________________
(١) ـ للحكم دون الطلب، إذ هو تعالى منزه عن الوصف بذلك، وقلت: ظاهر الآية مع المتكلمين، لأن المعنى: ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله شاء ذلك فاقتتلوا، والله يفعل ما يشاء، فوضع موضعه ما يريد مراعاة للفواصل. قوله: (لاتصال الوعيد به) هو قوله: (يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ) [البقرة: ٢٥٤] الآية، لأن الواجب هو: الذي يستحق تاركه العقاب، قال الإمام: اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال والمال في الإنفاق، فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه الأمر بالإنفاق، وأنه تعالى لما أمر بالقتال فيما سبق بقوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ثم أعقبه بقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ)، والمقصود منه الإنفاق في الجهاد، ثم أكده ثانيًا وذكر فيه قصة طالوت، أعقبه مرة أخرى. وقلت: قد دل على أن الآيات واردة في الجهاد وفي الإنفاق سابقها ولاحقها، أما السابق فقوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا)، وأما اللاحق فقوله: (يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ) لما فيه لمحة من معنى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ) [التوبة: ١١١]، وكذا قوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [البقرة: ٢٥٦]، كأنه ﷾ يقول: أنتم أيها المؤمنون من الذين يقاتلون من خالف الأنبياء وبدلوا بعدهم الشرك بالتوحيد والباطل بالحق، فجاهدوا المخالفين بأموالكم وأنفسكم ولا تخافوا ضياع سعيكم، فإن الذي تعاملونه حي قيوم لا يعتريه سهو ولا غفلة، يعلم ما تفعلون، قادر مالك كامل القدرة شامل العلم، فيجازيكم به ويزيدكم من فضله، ثم إذا جاهدتم الكفار حق جهاده بعد ما دعوتموهم إلى الدين الحق باللين والرفق وبذلتم وسعكم وجهدكم وفعلتم ما وجب عليكم، لا عليكم ألا يؤمنوا؛ لأنه لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.
[ ٣ / ٤٨٢ ]
ما تنفقونه، وَلا خُلَّةٌ حتى يسامحكم أخلاؤكم به، وإن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمّتكم من الواجب لم تجدوا شفيعًا يشفع لكم في حط الواجبات، لأنّ الشفاعة ثمة في زيادة الفضل لا غير. (وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أراد: والتاركون الزكاة هم الظالمون
_________________
(١) ـ قوله: (لأن الشفاعة ثم في زيادة الفضل لا غير) يريد أنه لا يتصور في حق هؤلاء الشفاعة؛ لأن الشفاعة في زيادة الفضل، وهم أهل النقصان يعوزهم ما به يسدون خللهم، فإذن لا شفيع لهم، قال الإمام: هذا باطل، وإلا لكنا شافعين للرسول ﷺ إذا طلبنا من الله أن يزيد من فضله، والذي يدل على أن الشفاعة لأهل الكبائر: ما روينا عن الترمذي وأبي داود، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، وعن الترمذي، عن جابر: "من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة"، والأحاديث فيها كثيرة، وأما نفي الشفاعة في الآية فهو من الكفار. قال الراغب: حث الله تعالى المؤمنين على الإنفاق مما رزقهم من النعماء: النفسية والبدنية، والخارجية، وإن كان الظاهر في التعارف إنفاق المال، ولكن قد يراد به بذل النفس والبدن في مجاهدة العدو والهوى، وسائر العبادات، ولما كانت الدنيا دار اكتساب وابتلاء، والآخرة دار ثواب وجزاء، بين أن لا سبيل للإنسان إلى تحصيل ما ينفعه به في الآخرة ابتداء، وذكر هذه الثلاثة لأنها أسباب اجتلاب المنافع المقصود إليها، أحدها: المعاوضة، وأعظمها المبايعة، والثاني: ما يناله بالمودة وهو المسمى بالصلات والهدايا، والثالث: ما يصل إليه بمعاونة الغير، وذلك هو الشفاعة، وعلى هذا قال: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا
[ ٣ / ٤٨٣ ]
فقال: (وَالْكافِرُونَ) للتغليظ، كما قال في آخر آية الحج: (ومَنْ كَفَرَ) [آل عمران: ٩٧] مكان ومن لم يحج؛ ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ) [فصلت: ٦]. وقرئ: (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) بالرفع.
_________________
(١) ـ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ) [البقرة: ١٢٣]، ولما كانت العدالة بالقول المجمل ثلاثًا: عدالة بين الإنسان ونفسه، وعدالة بينه وبين الناس، وعدالة بينه وبين الله تعالى، فكذلك للظلم مراتب ثلاثة، وأعظم العدالة ما بين الإنسان وبين الله تعالى، وهو: الإيمان، وأعظم الكفر ما يقابله، ولذلك قال: (وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ)، أي: هم المستحقون لإطلاق هذا الوصف عليهم بلا مثنوية، ولما نفى أن يكون للكفار شيء مما ذكره في الآخرة، بين أن ذلك ليس لظلم منه لهم، لكن هم الظالمون، ليس مجازًا كما قيل بل كناية أنهم الذين خسروا أنفسهم. قوله: (ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار): عطف على قوله: "للتغليظ"، فعلى هذا (وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ) ليس مجازًا كما قيل، بل كناية وتعريض بالمؤمنين وبعث لهم على أداء الزكاة وتخويف شديد من منعها، أي: الكافرون هم المتصفون بترك الزكاة، فاجتنبوا أيها المؤمنون من أن تتصفوا به، وعليه قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) [فصلت: ٧ - ٨]، والمشرك لا يوصف بمنع الزكاة، لكن حث المؤمنين على الأداء، وتخويف من المنع حيث جعله من أوصاف المشركين، وعلى التغليظ ورد قوله: (وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ)، أي: التاركون الزكاة هم الظالمون، فهو مجاز باعتبار ما يؤول؛ سمى المؤمنين عند مشارفتهم لاكتساء لباس الكفر الذي هو منع الزكاة: كفارًا للتغليظ، وعليه قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: ٩٧]، أي: ومن لم يحج، وليس أن من ترك الحج من غير جحد صار كافرًا لكن سمي كافرًا للتغليظ. قوله: (وقرئ: (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ» ابن كثير وأبو عمرو: بالفتح، على الأصل، والباقون: بالرفع والتنوين.
[ ٣ / ٤٨٤ ]
[(اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)].
(الْحَيُّ): الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء، وهو على اصطلاح المتكلمين: الذي يصح أن يعلم ويقدر. و(الْقَيُّومُ) الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه. وقرئ: (القيام) و(القيم). والسنة: ما يتقدّم النوم من الفتور الذي يسمى النعاس
_________________
(١) ـ قوله: (الذي يصح أن يعلم ويقدر). قال الإمام: قال المتكلمون: الحي ذات يصح أن يعلم ويقدر، واختلفوا أن هذا المفهوم صفة موجودة أم لا؟ قال المحققون: إنها صفة موجودة، ووصف الله تعالى بها يفيد أنه كامل على الإطلاق غير قابل للعدم لا في ذاته ولا في صفاته النسبية والإضافية. قوله: (الْقَيُّومُ) الدائم القيام بتدبير الخلق)، الراغب: يقال: قام كذا، أي: دام، وقام بكذا، أي: حفظه، والقيوم: القائم الحافظ لكل شيء والمعطي له ما به قوامه، وذلك هو المعنى المذكور في قوله: (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: ٥٠]، وفي قوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد: ٣٣]. قوله: (والسنة: ما يتقدم النور من الفتور)، قال القاضي: النوم: حال تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسًا، وتقديم السنة عليه وقياس المبالغة عكسه على ترتيب الوجود، والجملة نفي للتشبيه وتأكيد لكونه حيًا قيومًا، فإن من أخذه نعاس أو نوم كان موؤف الحياة قاصرًا في
[ ٣ / ٤٨٥ ]
قال ابن الرقاع العاملي:
وَسْنَانُ أقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ … فِى عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ
_________________
(١) ـ الحفظ والتدبير، ولذلك ترك العاطف فيه وفي الجمل التي بعده. وقلت: المذكور أبلغ من عكسه، وهو من باب فحوى الخطاب والتتميم، وذلك أن قوله تعالى: (لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ) يفيد انتفاء السنة، واندرج تحته انتفاء النوم بالطريق الأولى على باب قوله: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء: ٢٣] ثم جيء بقوله: (وَلا نَوْمٌ) تأكيدًا للنوم المنفي ضمنًا، ولو عكس لكان من باب الترقي على معنى: لا تأخذه سنة فكيف بالنوم؟ كما قال المصنف في قوله تعالى: (لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) [النساء: ١٧٢]، كأنه قيل: لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية، فكيف بالمسيح. وقد نبهت في "الرحمن الرحيم" على أن التتميم أبلغ من الترقي، فأحسن تدبره فإنه لطيف جدًا، ومنه قوله تعالى: (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا) [الكهف: ٤٩]، قال صاحب "المثل السائر": إن وجود المؤاخذة على الصغيرة يلزم منه وجود المؤاخذة على الكبيرة، وعلى القياس: ينبغي أن يكون لا يغادر كبيرة ولا صغيرة؛ لأنه إذا لم يغادر صغيرة فمن الأولى أن لا يغادر كبيرة، وأما إذا لم يغادر كبيرة فإنه يجوز أن يغادر صغيرة؛ لأنه إذا لم يعف عن الصغيرة اقتضى القياس أنه لا يعفو عن الكبيرة، وإذا لم يعف عن الكبيرة فيجوز أن يعفو عن الصغيرة، وكذلك ورد قوله تعالى: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء: ٢٣]. قوله: (وسنان أقصده النعاس) البيت، الوسن: اختلاط النوم بالعين قبل استحكامه، ورجل وسنان وامرأة وسنانة، والسنة: ما يتقدم النوم من الفتور، والنوم: ريح تقوم من أغشية
[ ٣ / ٤٨٦ ]
أي: لا يأخذه نعاس ولا نوم. وهو تأكيد لـ (القيوم)؛ لأنّ من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيومًا،
ومنه حديث موسى: أنه سأل الملائكة- وكان ذلك من قومه كطلب الرؤية-: أينام ربنا؟ فأوحى اللَّه إليهم أن يوقظوه ثلاثًا ولا يتركوه ينام، ثم قال: خذ بيدك قارورتين مملوءتين. فأخذهما، وألقى اللَّه عليه النعاس، فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا، ثم أوحى إليه: قل لهؤلاء: إني أمسك السموات والأرض بقدرتي، فلو أخذنى نومٌ أو نعاس لزالتا. (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ) بيان لملكوته وكبريائه، وأن أحدًا لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام، كقوله تعالى: (لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ) [النبأ: ٣٨]. (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ): ما كان قبلهم وما يكون بعدهم
_________________
(١) ـ الدماغ فإذا وصلت إلى العين نامت وهي السنة، وإذا وصلت إلى القلب نام وهو النوم، قبله: وكأنها وسط النساء أعارها … عينيه أحور من جآذر جاسم جاسم: قرية بالشام، أقصده، من أقصدت الرجل: إذا أصبته بالسهم فلم يخط مقاتله، ورنق الطائر: رفرف حول الشيء، أي: دار حوله ليقع عليه، وقيل: رنق الطائر: إذا خفق بجناحيه في الهواء وثبت ولم يطر. قوله: (وكان ذلك من قومه كطلب الرؤية) جملة معترضة صيانة للمكروه؛ لأن نسبة ذلك إلى موسى ﵇ يؤدي إلى أنه ما كان عالمًا بأن الله تعالى منزه عن النوم، أو شاكًا فيه، ثم قوله: (كطلب الرؤية) كالتذييل للاعتراض لتعصب مذهبه. قوله: (بيان لملكوته وكبريائه). قال القاضي: هو بيان لكبرياء شأنه، وأنه لا أحد يساويه ويدانيه يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة، فضلًا أن يعاوقه عنادًا ومناصبة.
[ ٣ / ٤٨٧ ]
والضمير لما في السموات والأرض؛ لأنّ فيهم العقلاء، أو لما دل عليه (مَنْ ذَا) من الملائكة والأنبياء
_________________
(١) ـ قوله: (والضمير لما في السماوات والأرض، أو: لما دل عليه (مَن ذَا) من الملائكة والأنبياء) يعني: في قوله: (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)، فإن كان الأول فالمعنى هو: أنه لما قيل: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) بمعنى: أنه مالك ما في السماوات وما في الأرض وكل منقاد مقهور تحت ملكوته وقهره يتصرف فيها كيف يشاء، جيء بقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) مقررًا لبيان كبريائه وقهره وأن أحدًا لا يتمالك أن يشفع لأحد إلا بإذنه، فكيف يسعه أن يتصرف في ملكوته؟ وبقوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) كشفًا للتصرف التام والحكمة البالغة، وإن كان الضمير لما دل عليه (مَن ذَا) فهو: استئناف لبيان سبب نفي الشفاعة عن الغير، ويحتمل أن يكون حالًا من الضمير المرفوع في (يَشْفَعُ) أو من المجرور في (بِإِذْنِهِ) أو من المتحول إليه، فيكون حالًا متداخلة؛ لأن قوله: (إِلاَّ بِإِذْنِهِ) في موضع الحال، قال أبو البقاء: والتقدير: لا أحد يشفع عنده إلا مأذونًا له، أو: في حال الإذن، والحال رافعة لجهة الإشكال، أي: كيف يتمكن أحد من الشفاعة بغير الإذن والحال أنه تعالى عالم بجميع ما صدر من المشفوع له مما تقدم من ذنبه وما تأخر، وما أسر به وما أعلن، ولا يحيط الشافع من معلومه ذلك إلا بما أحاطه الله به من ظاهر الحال، وربما يتقدم الشافع في الشفاعة نظرًا إلى الظاهر ويشفع وهو ذاهل عن باطنها وأن المشفوع له لا يستحق الشفاعة، فيتحرج منه. فإنق يل: كيف أثبت إحاطة العلم للمخلوق في قوله: (بِمَا شَاءَ) وأضاف مطلق العلم إلى ذاته ﷿؟ فالجواب: أن قوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) وما عطف عليه من قوله: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ) بمجموعه: بيان للموجب في قوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) كما سبق تقريره، وقد تقرر أن مصحح الشفاعة كون الشافع
[ ٣ / ٤٨٨ ]
(مِنْ عِلْمِهِ): من معلوماته. (إِلَّا بِما شاءَ): إلا بما علم. الكرسي: ما يجلس عليه، ولا يفضل عن مقعد القاعد. وفي قوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ) أربعة أوجه؛ أحدها: أنّ كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته، وما هو إلا تصوير لعظمته وتخييل فقط، ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد،
_________________
(١) ـ محيطًا بأحوال المشفوع له، فقوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) عبارة عن إثبات العلم مع الإحاطة من جميع الجوانب مفهومًا، فإن هذا التكرير كتكرير قوله تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: ٦٢]، فنفى عن الغير منطوقًا بعد ذلك بقوله: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ). قال القاضي: (وَلا يُحِيطُونَ): عطف على ما قبله، والمجموع يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام الدال على وحدانيته. قوله: «مِنْ عِلْمِهِ)، أي: من معلوماته)، الراغب: (مِنْ عِلْمِهِ) على وجهين، أحدهما: مما يعلمه فيكون العلم مضافًا إلى الفاعل، والثاني أن يعلمه الخلق، فيكون مضافًا إلى المفعول به لينبه على أن معرفته على الحقيقة متعذرة، بل لا سبيل إليها، وإنما غايتها أن يعرف الموجودات ثم يتحقق أنه ليس إياها ولا شيئًا منها ولا شبيهًا بها، بل هو سبب وجود جميعها وأنه يصح ارتفاع كل ما عداه مع بقائه، وبهذا النظر قال أبو بكر ﵁: سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلًا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته، وقال بعض الأولياء: غاية معرفة الله أن تعلم أنه يعرفك لا أنك تعرفه، ولهذا قيل: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) [الحديد: ٣]. قوله: ٠ إن كرسيه لم يضق عن السماوات) إلخ، فإن قلت: أثبت أولًا الكرسي وأنه لم يضق عن السماوات ثم نفاه ثانيًا بقوله: "لا كرسي ثمة"، هل هذا إلا تناقض؟ قلت: إثبات الكرسي أولًا بحسب مؤدى اللغة وتفسير اللفظ من غير النظر إلى استقامة إطلاقه على صفات الله تعالى، وأما نفيه فبالنظر إلى نسبته إلى الله، وأنه يجب حمله على العظمة والكبرياء على سبيل الكناية وأخذ الزبدة من مجموع الكلام.
[ ٣ / ٤٨٩ ]
كقوله: (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر: ٦٧]، من غير تصوّر قبضة وطيّ ويمين، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسيّ ألا ترى إلى قوله: (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ). والثاني: وسع علمه وسمي العلم كرسيًا؛ تسميةً بمكانه الذي هو كرسي العالم والثالث: وسع ملكه؛ تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك. والرابع: ما روي: أنه خلق كرسيًا هو بين يدي العرش دونه السموات والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء.
_________________
(١) ـ قوله: (ألا ترى إلى قوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) [الزمر: ٦٧]؟) أي: ألا ترى كيف دل هذا القول على العظمة، ثم جيء بقوله: (وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ) [الزمر: ٦٧] إلى آخره بيانًا وتفسيرًا له على طريقة: أعجبني زيد وكرمه! وسيجيء تقريره مستوفى في تفسير هذه الآية، قال الإمام: هذا القول منقول عن القفال. قوله: (أنه خلق كرسيًا)، الراغب: الكرسي في تعارف العامة: اسم لما يقعد عليه، وهو في الأصل منسوب إلى الكرس، أي: التلبد، والكراسة: المتكرسة من الأوراق، والمكروس المتراكب بعض أجزاء رأسه على بعض، وما روي أن الكرسي: موضع القدمين، وأن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد فصحيح، ومعناه لا يخفى على من عرف الله تعالى وعرف الأجرام السماوية ومجازات اللغة، ونظر من المعنى إلى اللفظ لا من اللفظ إلى المعنى، ومن لم يعرف ذلك فحقه أن يسلم ويترك الخوض فيما لا يعلم اتباعًا لقوله: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) وليس فيه إثبات الجسمية كما أنه ليس في إثبات البيت له كونه ساكنًا فيه.
[ ٣ / ٤٩٠ ]
وعن الحسن: الكرسي هو العرش. (وَلا يَؤُدُهُ): ولا يثقله ولا يشق عليه (حِفْظُهُما): حفظ السموات والأرض.
(وَهُوَ الْعَلِيُّ) الشأن، (الْعَظِيمُ) الملك والقدرة. فإن قلت: كيف ترتبت الجمل في آية الكرسي من غير حرف عطف؟ قلت: ما منها جملة إلا وهي واردة على سبيل البيان لما ترتبت عليه، والبيان متحد بالمبين،
_________________
(١) ـ قوله: (وعن الحسن) هذا ليس وجهًا خامسًا، بل هو كالتتمة للوجه الرابع، وحاصله: أن الكرسي جسم عظيم، إما بين يدي العرش أو العرش نفسه، ويمكن أن يقال: إنه أراد بالوجوه: الأربعة المختارة، ثم ذكر عن الحسن وجهًا ضعيفًا. قوله: (على سبيل البيان لما ترتبت عليه)، وهو الذات المتميزة، واسمه الجامع للنعوت الكاملة، يعني: الجمل الآتية من قوله: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) إلى قوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ) مترتبة عليه على سبيل البيان والكشف، قال الإمام: إن ذاته ﷾ من حيث هي هي مستلزمة لصفات الكمال، فتكون هذه الصفات مترتبة على الذات على سبيل البيان، يؤيده تكرار ضمير الله في قوله: "لقيامه بتدبير الخلق، وكونه مالكًا، ولكبرياء شأنه، ولإحاطته، ولسعة علمه، أو لجلاله وعظيم قدره"، ونحوه سبق في تفسير البسملة، وهو أن صفاته تعالى لابد لها من موصوف تجري عليه، فالجملة الأولى قوله: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) مع قوله: (لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) لكونها متممة لها مؤكدة لبعض ما اشتملت عليه، ومن ثم قال: "غير ساه عنه" بعد قوله: "لبيان قيامه بتدبير الخلق"، كما قال أولًا: (لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) هو تأكيد للقيوم، والثانية: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، والثالثة: (مَنْ ذَا الَّذِي)، والرابعة: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)، والخامسة: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ)، هذا التقرير يقتضي أن يجعل قوله: (لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) حالًا مؤكدة من (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) الواقعين بدلين من الضمير، كما أن (قَائِمًا بِالْقِسْطِ): حال من الضمير في (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) [آل عمران: ١٨]، وقوله: (وَلا يُحِيطُونَ)، (وَلا يَئُودُهُ): حالان مما يتصل بهما في تينك الجملتين، وقد أسلفنا عن
[ ٣ / ٤٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ أبي الهيثم: أن الإله المعبود يجب أن يكون خالقًا رازقًا مدبرًا، ولعابده مثيبًا ومعاقبًا، ولو اختل من هذه الأوصاف وصف لاختل معنى الألوهية، هذا معنى ترتب الأوصاف على اسم الذات في آية الكرسي على سبيل الأخبار المترادفة، ولو دخل العاطف بينها لتوهم استقلال كل وصف في مصحح الألوهية، فإذًا، معنى امتزاج الأوصاف بعضها مع بعض كامتزاج حلو حامض في قولك: هذا حلو حامض، فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب: بين العصا ولحائها، ونظيره في الكناية عن الإنسان قولهم: حي مستوي القامة عريض الأظفار، فلفقوا لوازم مجموعة مانعة عن دخول ما عدا المقصود. وأما قوله تعالى: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)، فلما كان تذييلًا لمعنى الكبرياء والعظمة والعلا الذي اشتملت عليه الآية، أتى توكيدًا وتقريرًا لما سبق، فالواو للاستئناف، والله أعلم. وجه آخر، وهو أن يقال: إن الجملة الثانية هي قوله: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) على أن يكون خبر المبتدأ محذوفًا، و(لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ): حالًا مؤكدة، كقولك: هو الحق بينًا، والجملة استئنافية مبينة للموجب، وذلك أنه تعالى لما أثبت لنفسه الفردانية في الألوهية الموجبة للعبودية، استلزم ذلك أن يكون حيًا قائمًا بتدبير عباده، وكونه مهيمنًا عليه غير ساه عنه، فبينه بقوله: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ)، والمدبر المثيب المعاقب، إنما يتمشى له التدبير إذا كان مالكًا على الإطلاق لا ينازعه منازع في ملكه وملكوته، كما قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: ٢٢]، فكان قوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، المفيد للاختصاص بتقديم الخبر، بيانًا لذلك، واستلزم ذلك كبرياء شأنه وعظمة سلطانه، فبينه بقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)، واقتضى ذلك إحاطته بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب بالشفاعة وغير المرتضى فأردفه بقوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)، وأوجب ذلك سعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، فأوضحه بقوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)، الراغب: هو تأكيد لقوله: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ)، أي: إذا كان علمه ومملكته
[ ٣ / ٤٩٢ ]
فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب: بين العصا ولحائها، فالأولى: بيان لقيامه بتدبير الخلق، وكونه مهيمنًا عليه غير ساهٍ عنه. والثانية: لكونه مالكًا لما يدبره. والثالثة: لكبرياء شأنه. والرابعة: لإحاطته بأحوال الخلق، وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة، وغير المرتضى. والخامسة: لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، أو لجلاله وعظم قدره. قلت: لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها
_________________
(١) ـ وقدرته محيطًا بهذه الأشياء، والإنسان بعض هذه الأشياء، فكيف يصح إحاطته بمن هو محيط به وبهذه الأشياء؟ وقال القاضي: إن هذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الإلهية، فإنها دالة على أنه تعالى واحد في الإلهية، متصف بالحياة، قائم بنفسه، مقوم لغيره، منزه عن التحيز والحلول، مبرأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح، ولا يعتريه ما يعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، مبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد، الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له، العالم وحده بالأشياء كلها: جليها وخفيها، كليها وجزئيها، واسع الملك والقدرة، ولا يؤوده شاق، ولا يشغله شأن، متعال عما يدركه، وهو عظيم لا يحيط به فهم. قوله: (بين العصا ولحائها)، اللحاء، ممدود: قشر الشجر، يضرب لمن يدخل بين متخالين شقيقين، وهو ليس أهلًا لذلك، وأنشد: سقيًا لها ولطيبها … ولحسنها وبهائها أيام لم يلج النوى … بين العصا ولحائها قوله: (وتعلقه بالمعلومات كلها)، هذا إذا كان الكرسي مؤولًا بالعلم. وقوله: (أو لجلاله وعظم قدره)، هذا إذا كان مؤولًا بالملك وبتصور العظمة.
[ ٣ / ٤٩٣ ]
ما ورد؛ منه: قوله ﷺ: "ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يومًا، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة. يا عليّ علمها ولدك وأهلك وجيرانك فما نزلت آية أعظم منها"، وعن عليّ ﵁: سمعت نبيكم ﷺ على أعواد المنبر وهو يقول: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدِّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمَّنه اللَّه على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله». وتذاكر الصحابة رضوان اللَّه عليهم أفضل ما في القرآن، فقال لهم عليّ ﵁: أين أنتم عن آية الكرسي؟ ! ثم قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ: «يا عليّ، سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي». قلت: لما فضلت له سورة الإخلاص؛ لاشتمالها على توحيد اللَّه وتعظيمه وتمجيده،
_________________
(١) ـ قوله: (إلا اهتجرتها الشياطين)، عن بعضهم: الفاعل إذا اتحد يقال: هجروا، وإذا تعدد يقال: اهتجر فلان واهتجره الناس. قوله: (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة)، نحوه رواه البيهقي في كتاب "اليوم والليلة"، ونحو معنى قوله: "ومن قرأها إذا أخذ مضجعه" رواه الترمذي والدارمي عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: "من قرأ (حم) المؤمن إلى (إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهام حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح"، ونحو معنى قوله: "سيد البقرة آية الكرسي" رواه الترمذي، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:
[ ٣ / ٤٩٤ ]
وصفاته العظمى، ولا مذكور أعظم من رب العزة؛ فما كان ذكرًا له كان أفضل من سائر الأذكار، وبهذا يعلم أنّ أشرف العلوم. وأعلاها منزلةً عند اللَّه علم أهل العدل والتوحيد، ولا يغرّنك عنه كثرة أعدائه؛ فـ:
إنَّ الْعَرَانِينَ تَلْقَاهَا مُحَسَّدَةً وَلَا تَرَى لِلِئَامِ النَّاسِ حُسَّادَا
[(لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)].
(لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ)، أي: لم يجر اللَّه أمر الإيمان على الإجبار والقسر، ولكن على التمكين والاختيار، ونحوه قوله تعالى: (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس: ٩٩]، أي: لو شاء لقسرهم على الإيمان، ولكنه لم يفعل، وبني الأمر على الاختيار.
_________________
(١) ـ "لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإن فيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي". قوله: (إن العرانين تلقاها محسدة) آخره: ولن ترى للئام الناس حسادا الفاء في قوله: "فإن العرانين" فاء الكاشفية، والعرنين: طرف الأنف، والجمع العرانين،
[ ٣ / ٤٩٥ ]
(قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ): قد تميز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة. (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام والإيمان باللَّه (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى) من الحبل الوثيق المحكم المأمون انفصامها، أي: انقطاعها، وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصوّره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده والتيقن به. وقيل: هو إخبار في معنى النهى، أي: لا تتكرهوا في الدين، ثم قال بعضهم: هو منسوخ بقوله: (جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ٧٣]. وقيل: هو في أهل الكتاب خاصة لأنهم حصنوا أنفسهم بأداء الجزية
_________________
(١) ـ وعرانين الناس: ساداتهم، روي أن المنصور الدوانيقي قال لسفيان بن معاوية المهلبي: ما أسرع الناس إلى قومك؟ فأنشد البيت. وهذا تعصب بمجرد التشهي. قوله: (قد تميز الإيمان من الكفر) فسر الرشد والغي بهما لتقدم ذكر الدين، الراغب: الغي: كالجهل، إلا أن الجهل يقال اعتبارًا بالاعتقاد، والغي اعتبارًا بالأفعال، ولهذا قيل: زوال الجهل بالعلم وزوال الغي بالرشد، ويقال لمن أصاب: رشد، ولمن أخطأ: غوي، وعلى هذا قال: ومن يغو لم يعدم على الغي لائما قوله: (وقيل: هو إخبار في معنى النهي): معطوف على قوله: "لم يجر الله أمر الإيمان". قوله: (وقيل: هو في أهل الكتاب خاصة): معطوف من حيث المعنى على قوله: "قال بعضهم"، أي: هو عام في جميع الكفار، فيكون منسوخًا؛ لأنه وجد الإكراه بقوله: (جَاهِدْ الْكُفَّارَ) [التوبة: ٧٣] (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ٥]، أو هو خاص في أهل الكتاب فلم يكن منسوخًا لأنه لم يوجد القتال؛ لأنهم حصنوا أنفسهم بأداء الجزية.
[ ٣ / ٤٩٦ ]
وروي: أنه كان لأنصاريّ من بني سالم بن عوف ابنان فتنصرا قبل أن يبعث رسول اللَّه ﷺ، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: واللَّه لا أدعكما حتى تسلما، فأبيا، فاختصموا إلى رسول اللَّه ﷺ فقال الأنصارى: يا رسول اللَّه أيدخل بعضى النار وأنا أنظر؟ فنزلت، فخلاهما.
[(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)].
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)، أي: أرادوا أن يؤمنوا، يلطف بهم حتى يخرجهم بلطفه وتأييده من الكفر إلى الإيمان. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا)، أي: صمموا على الكفر أمرهم على عكس ذلك. أو: اللَّه ولىّ المؤمنين، يخرجهم من الشبه في الدين
_________________
(١) ـ قوله: (وروي أنه كان لأنصاري) متفرع على القول الثاني. قوله: (أو: الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبه في الدين) يريد أن النور والظلمات يجوز أن يكونا مستعارين للإيمان والكفر، شبه الدين في ظهور آياته وسطوع بيناته بإشراق النور، والكفر بالعكس، أو شبه اليقين وماي حصل به في القلب من انشراح الصدر والخلاص من ورطة ضيق الشك بالنور، قال تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) [الزمر: ٢٢]. والوجه الثاني أوجه ولتأليف النظم أوفق، بيانه: أن في تقدير الإرادة في قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) خروجًا عن السداد، مع أن الفطرة الأصلية بمقتضى قوله صلوات الله عليه: "كل مولود يولد على الفطرة" توجب استواءهما في النور،
[ ٣ / ٤٩٧ ]
إن وقعت لهم بما يهديهم ويوفقهم له من حلها، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ) الشياطين، (يُخْرِجُونَهُمْ) من نور البينات التي تظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة.
[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَاتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَاتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ
_________________
(١) ـ ويلزم منه فك التركيب، وأما تأليف النظم فهو أنا بينا في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ) [البقرة: ٢٥٤] أن قوله: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) متصل بما قبل الآيات وأنه في قوم مخصوصين؛ لأن نفي الإكراه لتبين الرشد من الغي لابد أن يكون بظهور الآيات البينات الشاهدة على صحة الدين، وبإزاحة الشبهات المتشبث بها، ثم قوله: (يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) الآية، مترتب عليه، فلا مناسبة، إذ الحديث النور الأصلي، والظلمات العارضي، فصح قوله: "يخرجهم من الشبه في الدين إلى نور اليقين" إلى آخره، فعلى هذا الآيات من باب الجمع مع التفريق غب التقسيم؛ جمع الله تعالى الرشاد والغواية في حكم التبيين بقوله: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ)، ثم قسم فجعل الرشاد للمؤمنين والغواية للكافرين؛ لأن الفاء في قوله: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) تفصيلية، وقد أضمر أحد قسميه لدلالة الجمع عليه، ولأن قوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) الآية، وارد على سبيل الاستئناف لبيان الفرق بين الولي الهادي والولي المضل، وبين الطريق والطريق، فلابد من أن يقال: فقد ظهر الحق من الباطل، فمن سلك طريق الحق فقد رشد وهدي، ومن خبط في ظلمات الباطل فقد ضل وغوى؛ لأن من يكون هاديه الله يخرجه من الظلمات إلى النور، ومن يكون مضله الطاغوت فالحكم بالعكس. قوله: (يخرجهم من الشبه في الدين): متعلق "بالشبه"، ويروى: "إلى الدين" فيكون متعلقًا بـ (يُخْرِجُهُمْ)، وقوله: "يهديهم ويوفقهم" تنازعا في لفظ "له".
[ ٣ / ٤٩٨ ]
عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].
(أَلَمْ تَرَ) تعجيب من محاجة نمروذ في اللَّه وكفره به. (أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) متعلق بـ (حاج) على وجهين:
أحدهما حاجّ لأن آتاه اللَّه الملك، على معنى: أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتوّ؛ فحاجّ لذلك؛ أو على أنه وضع المحاجة في ربه موضع ما وجب عليه من الشكر على أن آتاه اللَّه الملك، فكأن المحاجة كانت لذلك، كما تقول: عاداني فلان؛ لأنى أحسنت إليه، تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ونحوه قوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢]. والثاني: حاجّ وقت أن آتاه اللَّه الملك. فإن قلت: كيف جاز أن يؤتى اللَّه الملك الكافر؟ قلت: فيه قولان: آتاه ما غلب به وتسلط من المال والخدم والأتباع، وأما التغليب والتسليط فلا.
_________________
(١) ـ قوله: (تريد أنه عكس ما كان يجب عليه) فاللام كما في قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا) [القصص: ٨]. قوله: «وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ» أي: شكر رزقكم. قوله: (وقت أن آتاه الله) أي: وقت إيتاء الملك، نحو قولهم: كان ذلك مقدم الحاج، وخفوق النجم. وعلى الوجهين أن: مصدرية. قوله: (وأما التغليب والتسليط فلا)، والدليل عليه قوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) [النساء: ١٤١]. الانتصاف: هذا بناءً على قاعدتهم في وجوب رعاية المصالح.
[ ٣ / ٤٩٩ ]
وقيل: ملكه امتحانًا لعباده. و(إِذْ قالَ) نصب بـ (حاج)، أو بدل من (آتاه) إذ جعل بمعنى الوقت (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ): يريد: أعفو عن القتل، وأقتل. وكان الاعتراض عتيدًا، ولكن إبراهيم صلوات الله عليه، لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه، ولكن انتقل إلى ما لا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب؛ ليبهته أول شيء، وهذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة.
_________________
(١) ـ قوله: (و(إِذْ قَالَ): نصب ب (حَاجَّ) هذا على تقدير حذف اللام في (أَنْ آتَاهُ اللَّهُ) أو: بدل من (أَنْ آتَاهُ) على تقدير حذف المضاف. قوله: (وكان الاعتراض عتيدًا) أي: اعتراض إبراهيم ﵇ أجاب عن سؤال فرعون على ما قال "نمرود" حاضرًا مهيئًا سهلًا لا يخفى على من عنده مسكة. قوله: (جوابه الأحمق) هذا مقابل لما قيل: إن موسى ﵇ أجاب عن سؤال فرعون بقوله: (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [الشعراء: ٢٤]، جوابه الحكيم؛ لأنه ﵇ نبه به على النظر المؤدي إلى العلم، وكان جواب نمرود يؤدي إلى عكس ذلك، وإسناد الأحمق إلى ضمير الجواب من الإسناد المجازي وصف بصفة من هو بسببه. قوله: (إلى ما لا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب)، الراغب: وقد كان إبراهيم يمكنه أن يقول: الذي ادعيته لربي ليس من جنس الذي ادعيته، لكن عدل إلى فعل ليس في طوق البشر، هو ولا قريب منه، ولا ما يشاركه اسمًا، أي: قد ثبت باتفاقنا أن الله يحرك الشمس من المشرق، فحرك أنت من المغرب فلم يجد شيئًا يدعيه كما ادعى في الإحياء والإماتة، فبهت حينئذ فظهر عجزه. قوله: (وهذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حُجَّة إلى حُجّة). قال صاحب "الفرائد": لا يلزم أن يكون هذا انتقالًا من حجة إلى حجة أخرى، بل يمكن أن يكون انتقالًا
[ ٣ / ٥٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ من مثال إلى مثال آخر للإيضاح، فقول إبراهيم ﵇: (رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) في المحاجة ينبئ أن يكون استدلالًا له على وجود الصانع تعالى وتقدس بحدوث أشياء لا يقدر الخلق على إحداثه في الظاهر ولا يسعه أن يدعي إحداثه، فجاء بالإحياء والإماتة للمثال، فنازع نمرود في المثال، فانتقل إلى ما لا يمكنه المنازعة فيه ولا بحث في النظير. وذكر القاضي وصاحب "الانتصاف" ما يقرب منه، وتمام تقريره ما ذكره الإمام، قال: للناس في هذا المقام طريقان، أحدهما: قول أكثر المفسرين، وهو أن إبراهيم ﵇ لما سمع من نمرود تلك الشبهة عدل عن ذلك إلى دليل آخر أوضح منه، وزعموا أن الانتقال من دليل إلى دليل آخر أوضح منه جائز للمستدل؛ والطريق الثاني: أن هذا ما كان انتقالًا من دليل إلى آخر، والذي فعله إبراهيم ﵇ من باب ما يكون الدليل واحدًا، إلا أن الانتقال لإيضاحه من مثال إلى مثال آخر، وذلك أنه ﷺ لما احتج بالإحياء والإماتة، قال المنكر: أتدعي الإحياء والإماتة من الله تعالى ابتداء أم بواسطة الأسباب السماوية والأرضية؟ أما الأول فلا سبيل إليه، وأما الثاني فأنا أيضًا قادر عليه، وهو المراد بقوله: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، فلما أجاب نمرود بذلك قال إبراهيم: هب أن الإحياء والإماتة حصلا من الله بواسطة الأسباب، إلا أنه لابد لتلك الأسباب من مسبب فاعل مختار يوجد ويعدم وهو الله تعالى، وليس الإحياء والإماتة الصادران من البشر بتلك الحيثية، ثم قال: والإشكال على الأول من وجوه، أحدها: أن صاحب الشبهة إذا ذكر الشبهة ووقعت في الأسماع وجب على المحق أنه يجيبه في الحال إزالة للتلبيس، فكيف ترك النبي المعصوم الجواب؟ وثانيها: أن الانتقال إنما يجوز إذا كان المنتقل إليه أوضح، وها هنا بالعكس، وثالثها: أن نمرود لما لم يستحي من المعارضة الأولى بالقتل والتخلية، فكيف يؤمن منه أن يقول هذا مني؟ .
[ ٣ / ٥٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقلت: مراد المصنف من قوله: "جواز الانتقال من حجة" أي: بعد إتمامها وإلزام الخصم بها إلى حجة أخرى تأكيدًا وتقريرًا لها، يدل عليه قوله: "لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه"؛ لأنه لم يكن يستحق الجواب وظهر إفحامه به، وأما أن الثاني أوضح، فلأن اللعين إن قدر على أن يدعي الإحياء والإماتة على ذلك الطريق لكن ليس له البتة أن يدعي مثله في الثاني؛ لأن غير المعطلة مجمعون على أن خالق السماوات والأرض ومدبرها هو الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان: ٢٥]، فكان هذا أوضح من حيث التعجيز والتبكيت، وهذا أيضًا جواب عن الإشكال الثالث للإمام، ثم إني وقفت على نقل من جانب الإمام البزدوي ما يوافق ما ذهبت إليه، قال: إن قصة إبراهيم ﵇ ليست من قبيل الانتقال من علة إلى علة أخرى لإثبات الحكم الأول؛ لأن الحجة الأولى كانت لازمة، ألا ترى أنه عارض بأمر باطل وهو قوله: (قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، وإن كان كذلك كان اللعين منقطعًا، إلا أن إبراهيم ﵇ لما خاف الاشتباه والتلبيس على القوم انتقل دفعًا للاشتباه إلى ما هو خال عما يوجب لبسًا، وذلك حسن عند قيام الحجة وخوف الاشتباه. وقال محيي السنة: انتقل إبراهيم ﵇ إلى حجة أخرى لا عجزًا، فإن حجته كانت لازمة؛ لأنه أراد بالإحياء: إحياء الميت، فكان له أن يقول: فأحي من أمته إن كنت صادقًا، فانتقل إلى حجة أوضح من الأولى، وإليه أومى المصنف في "الشعراء": ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستو من أظهر ما استدل به، ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الله عن الاحتجاج بالإحياء والإماتة على نمرود بن كنعان، فبهت الذي كفر، وعلم منه أنه إذا لم تكن الحجة لازمة وشرع في الثانية كان منقطعًا.
[ ٣ / ٥٠٢ ]
وقرئ: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) أي: فغلب إبراهيم الكافر. وقرأ أبو حيوة: (فبهت) بوزن قرب. وقيل: كانت هذه المحاجة حين كسر الأصنام وسجنه نمروذ ثم أخرجه من السجن ليحرقه، فقال له: من ربك الذي تدعو إليه؟ فقال: ربي الذي يحيى ويميت.
(أَوْ كَالَّذِي): معناه: أو أرأيت مثل الذي مرَّ، فحذف؛ لدلالة (أَلَمْ تَرَ) عليه؛ لأنّ كلتيهما كلمة تعجيب
_________________
(١) ـ قوله: ("فبهت الذي كفر" أي: فغلب)، قال الزجاج: بهت: انقطع وسكت متحيرًا، يقال: بهت الرجل يبهت بهتًا: إذا انقطع وتحير. قوله: (كلتيهما كلمة تعجيب)، وذلك أن "أرأيت" استخبار، قال المصنف: لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقًا إلى الإحاطة بها علمًا وصحة الخبر عنها، استعملوا أرأيت بمعنى أخبر. ومعنى التعجيب فيها: أن إجراءه على ظاهره لا يجوز؛ لأن الاستخبار على عالم الغيب والشهادة محال، فهو تنبيه للمخاطب على ما شاهده وأحاط به علمًا، إظهارًا لمعنى الغرابة فيه وإيجابًا عليه إبداء ما لا يجوز إخفاؤه، وأما معنى (أَلَمْ تَرَ) ففيه تنبيه للمخاطب على التعجيب فيما يشاهده. قال الزجاج: (أَلَمْ تَرَ): كلمة يوقف بها المخاطب على أمر يعجب منه، تقول: ألم تر إلى فلان كيف صنع كذا؟ فمعنى الرؤية: النظر، قال الواحدي: معنى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ): هل انتهت رؤيتك يا محمد إلى من هذه صفته؟ . وقال الزجاج: معنى قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا): احتجاج على مشركي العرب وعلى احتجاج
[ ٣ / ٥٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ أهل الكتاب، يعني أنه صلى الله عليه وسمل لم يتعلم ولم يقرأ الكتب ولم ينظر أيضًا، وقد اخبر عنها إخبار من شاهدها، فصح أن حصولها ليس إلا بطريق الوحي. واعلم أن في عطف قوله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ) على قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي) إشكالًا، وطريق التفضي من وجهين، أحدهما: أن يعطف الجملة على الجملة من غير اعتبار مفرداتها، فيقدر ها هنا: أرأيت مثل الذي، لدلالة (أَلَمْ تَرَ)؛ لأن كلتيهما كلمة تعجيب كما مر، وإنما أوثر أن يعطف (أَرَءَيْتَ) على (أَلَمْ تَرَ) لأن الأول يعدى بنفسه والثاني بإلى، كما ذكره صاحب "التقريب"، فتقديره أسهل، لا كما قيل: إن تقدير (أَلَمْ تَرَ) ينافي التعجيب. وثانيهما: أن يجعل من عطف المفرد على المفرد ويوضع "أرأيت" مكان (أَلَمْ تَرَ) وتجعل الكاف اسمًا، فيعطف المثل على المثل، قال مكي: الكاف في موضع نصب معطوفة على معنى الكلام، تقديره عند الفراء والكسائي: هل رأيت كالذي حاج إبراهيم، أو: كالذي مر على قرية؟ . وقال الإمام: قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ) بمعنى: أرأيت كالذي، وهو قول الكسائي والفراء وأبي علي وأكثر النحويين، قالوا: ونظيره في القرآن: (قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥]، ثم قال: (مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) [المؤمنون: ٨٦ - ٨٧]، فهذا حمل على المعنى؛ لأن معناه لمن السماوات؟ فقيل: لله. وقال القاضي: وتخصيص الثاني بحرف التشبيه لأن المنكر للإحياء كثير والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحسى، بخلاف مدعي الربوبية. الراغب: الوجه أن الكاف ها هنا ليس للتشبيه المجرد، بل هو للتحديد والتحقيق كما هو
[ ٣ / ٥٠٤ ]
ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ، كأنه قيل: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مرّ على قرية. والمارّ كان كافرًا بالبعث، وهو الظاهر لانتظامه مع نمروذ في سلك؛ ولكلمة الاستبعاد التي هي: (أنى يحيى)، وقيل: هو عزيز، أو الخضر، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم ﵇.
_________________
(١) ـ في قولك: الاسم كزيد وعمرو، وعلى أنه إن جعل للتشبيه فعلى سبيل المثل والمشبه غير مذكور، وقيل: الكاف زائدة، وليس بشيء. وقلت: لعل مراد القائل أنه حينئذ على باب: مثلك يجود، أي: أنت تجود، أي: ألم تر إلى من هذه صفته لأنها عجيبة الشأن. قوله: (والمار كان كافرًا) لانتظامه مع نمروذ. الانتصاف: استدلاله على أن المار كان كافرًا لانتظامه مع نمروذ معارض بانتظامه مع إبراهيم. فإن قلت: انتظامه مع كافر أقوى، فإن قصة المار عطفت على قصة نمروذ وعطف لشريك في الفعل منطوقًا به في الأول محذوفًا في الثانية مدلولًا عليه بذكره أولًا، وقصة إبراهيم ﵇ مصدرة بالواو التي لتحسين النظم، فتتوسط بين جمل متقاطعة للتحسين، بخلاف "أو" فإنها لا تستعمل إلا مشركة، عارضناه بما بين قصة المار وبين قصة إبراهيم من التناسب المعنوي، فإن كليهما طلبا معاينة الإحياء، واعتبار المعنى أولى، ويؤكد إيمان المار تحرزه في قوله: (يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) حذرًا من الكذب، ولا يصدر حذر من معطل، فإن قال: إنما قال ذلك بعد أن آمن! قلنا: على القول بكفره ما آمن إلا بعد تبين الآيات لقوله تعالى: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وعلى الحكاية التي أوردها الزمخشري من أن المار أماته الله ضحى، فلما رأى بقية من الشمس قال: "أو بعض يوم" إشكال، إذ كان يجب أن يقول: بل بعض يوم، مضربًا عما اعتقده أولًا بالجزم الذي حصل ثانيًا، والظاهر أن المار كان جازمًا أولًا ثم شك لا غير، واتباع ظاهر الآية أولى من اتباع حكاية لا تثبت.
[ ٣ / ٥٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ قال صاحب "الإنصاف": كلام صاحب "الانتصاف" حسن إلا قوله: "مثل هذا التحرز، ولا يصدر من معطل"، فإنهل يس كذلك، فإن الغرض إذا انتفى ترجح الصدق عند كل أحد، لاسيما من سئل عند ظهور آية باهرة وإن لم يؤمن بعد، لاسيما إذا أريد إرشاد داهش متحير فسئل ليعلم، فإنه لا يكذب غالبًا. وقلت: ويمكن أن يرجح هذا القول بأن يقال: إنما عطفت قصة إبراهيم ﵇ على قصة المار لأنهما اشتركا في أن وفقا لقمع ما قد يختلج في خلد ذلك المحق من الشبهة، فقول المار: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) قريب من قول إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى)، وأما معنى الاستبعاد فهو ما ذكره الإمام: أنه ما كان عن شك في قدرة الله، بل بسبب اطراد العادات في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصير معمورًا، ثم القصتان عطفتا على قصة نمروذ واشتركتا في أن يتعجب من كل منهما، ومما يشد من عضد هذا التأويل النظم والنقل، أما النظم فإنه تعالى لما ذكر قوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) والوجه المتصور على ما سبق: الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبه في الدين إن وقعت لهم بما يهديهم ويوفقهم له من حلها حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين، والذين كفروا أولياؤهم الشياطين يخرجونهم من نور البينات التي تظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة، عقبه بما يعجب به رسول الله ﷺ أو كل أحد، فذكر أولًا: قصة اللعين الذي أخرجه الشيطان من نور البينات التي أظهرها له الخليل ﵇ إلى ظلمات الكفر والضلال، فقيل في حقه: (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، وثانيًا: قصتي النبيين حيث وقفا فأخرجا من مضيق ظلمات الشك إلى فضاء نور اليقين حتى قال أحدهما: (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقيل للآخر: (أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، نبه بالأول على كمال قدرته، وبالثاني على شمول علمه وغاية عزته، فتم فيها وجوب القول بإعادة الخلق بعد تلاشي أجزائهم.
[ ٣ / ٥٠٦ ]
وقوله: (أَنَّى يُحْيِي) اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء، واستعظام لقدرة المحيي. والقرية: بيت المقدس حين خربه بختنصر. وقيل: هي التي خرج منها الألوف. (وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) تفسيره فيما بعد. (يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) بناء على الظن. وروي: أنه مات ضحى، وبعث بعد مئة سنة، قبل غيبوبة الشمس، فقال قبل النظر إلى الشمس: يومًا، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم. وروي: أن طعامه كان تينًا وعنبًا، وشرابه عصيرًا أو لبنًا، فوجد التين والعنب كما جنيا، والشراب على حاله
_________________
(١) ـ وأما النقل فقد قال الإمام: اختلفوا في الذي مر بالقرية، فقال قوم: كان رجلًا شاكًا في البعث، وهو قول مجاهد وأكثر المعتزلة، وقال الباقون: كان مسلمًا، ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي: هو عزير، وقال عطاء عن ابن عباس: هو أرمياء، فقال محمد بن إسحاق: إن أرمياء هو الخضر، وهو من سبط هارون ﵇، ورواية "معالم التنزيل" موافقة لهذا، والله أعلم. قوله: (والقرية: بيت المقدس) يعني: أهل بيت المقدس، لقوله تعالى: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ). قوله: (تفسيره فميا بعد) أي: في سورة الحج، وهي خاوية، أي: ساقطة، والعرش: السقف، والسقوف إذا تهدمت ثم انقلعت الحيطان فتساقطت على السقوف فقد خوت على سقوفها. قال الزجاج: خاوية: خالية (عَلَى عُرُوشِهَا): خيامها: وهي بيوت الأعراب.
[ ٣ / ٥٠٧ ]
(لَمْ يَتَسَنَّهْ): لم يتغير، والهاء أصلية، أو هاء سكت، واشتقاقه من السنة على الوجهين؛ لأن لامها هاءٌ أو واو، وذلك أن الشيء يتغير بمرور الزمان. وقيل: أصله يتسنن من الحمأ المسنون، فقلبت نونه حرف علة كـ"تقضي البازي"؛
_________________
(١) ـ الراغب: الخواء: خلو الوعاء، ويقال: خوت الدار تخوي، خواء، وخوى النجم، وأخوى: إذا لم يكن منه عند سقوطه مطر تشبيهًا بذلك، وأخوى أبلغ من خوى. قوله: (لَمْ يَتَسَنَّهْ): لم يتغير) بمرور الزمان، قال الزجاج: (لَمْ يَتَسَنَّهْ) يجوز بإثبات الهاء وإسقاطها، ومعناه: لم تغيره السنون، فمن قال: السنة من سانهت فالهاء من أصل الكلمة، ومن قال: سانيت فهي لبيان الحركة، ووجه القراءة على كل حال إثباتها والوقف عليها بغير وصل فيمن جعله من سانيت، ووصلها إن شاء أو وقفها على من جعله من سانهت. قال القاضي: إنما أفرد الضمير في (لَمْ يَتَسَنَّهْ) لأن الطعام والشراب كالجنس الواحد، وقيل لكونهما مما لم يتغيرا معًا كأنهما واحد. قوله: (وأصله يتسنن)، قال أبو البقاء: هو من قوله: (حَمَأٍ مَسْنُونٍ) [الحجر: ٢٦] فلما اجتمعت ثلاث نونات قلبت الأخيرة ياء، كما قلبت في "تظنيت" ثم أبدلت الياء ألفًا ثم حذفت للجزم. قوله: (كـ "تقضي البازي") من قول العجاج: تقضي البازي إذا البازي كسر أوله: آنس خربان فضاء فانكدر
[ ٣ / ٥٠٨ ]
ويجوز أن يكون معنى (لَمْ يَتَسَنَّهْ): لم تمرّ عليه السنون التي مرت عليه، يعني: هو بحاله كما كانت، كأنه لم يلبث مائة سنة. وفي قراءة عبد اللَّه: (فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسن)، وقرأ أبُيّ: (لم يسنه) بإدغام التاء في السين. (وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ) كيف تفرّقت عظامه ونخرت، وكان له حمار قد ربطه. ويجوز أن يراد: وانظر إليه سالمًا في مكانه كما ربطته، وذلك من أعظم الآيات: أن يعيشه مائة عام من غير علف ولا ماء، كما حفظ طعامه وشرابه من التغير.
(وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) فعلنا ذلك، يريد: إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه. وقيل: أتى قومه راكب حماره وقال: أنا عزير فكذبوه،
_________________
(١) ـ الخربان: جمع الخرب، وهو ذكر الحبارى، وانكدر، أي: أسرع وانقض. الجوهري: انقض الطائر: هوى في طيرانه، ونمه انقضاض الكواكب، ولم يستعملوا منه تفعل إلا مبدلًا، قالوا: تقضي فاستثقلوا ثلاث ضادات فأبدلوا من إحداهن ياء، كسر الطائر: إذا ضم جناحيه حتى ينقض. قوله: (ويجوز أن يكون معنى (لَمْ يَتَسَنَّهْ» وجه آخر في تفسير (لَمْ يَتَسَنَّهْ)، يعني: لم يتغير، فعلى هذا، لم يتسنه، اشتقاقه من السنة، كاشتقاق استنوق من الناقة، لكنه مجاز من التغير من إطلاق السبب على المسبب، وعلى الأول: حقيقة، واشتقاقه كاشتقاق الصلاة من تحريك الصلوين، ولذلك علل الاشتقاق بقوله: "إن الشيء يتغير بمرور الزمان". قوله: «لَمْ يَتَسَنَّهْ): لم تمر عليه السنون) حمزة والكسائي: لم يتسن، بحذف الهاء في الوصل خاصة، والباقون بإثباتها في الحالين، أبو البقاء: أصل الألف واو، من قولك: أسنى يسني: إذا مضت عليه السنون وأصل سنة سنوة لقولهم: سنوات.
[ ٣ / ٥٠٩ ]
فقال: هاتوا التوراة، فأخذ يهذها هذًّا عن ظهر قلبه وهم ينظرون في الكتاب، فما خرم حرفًا، فقالوا: هو ابن اللَّه! ولم يقرأ التوراة ظاهرًا أحد قبل عزير؛ فذلك كونه آية. وقيل: رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخًا وهو شاب، فإذا حدّثهم بحديثٍ قالوا: حديث مئة سنة. (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ): هي عظام الحمار، أو عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم، (كَيْفَ نُنْشِزُها): كيف نحييها. وقرأ الحسن: (ننشرها) من نشر اللَّه الموتى بمعنى: أنشرهم، فنشروا، وقرئ بالزاي بمعنى: نحرّكها ونرفع بعضها إلى بعضٍ للتركيب. وفاعل (تَبَيَّنَ) مضمر، تقديره: فلما تبين له أن اللَّه على كل شيء قدير
_________________
(١) ـ قوله: (يهذها)، الجوهري: يهذ الحديث هذًا، أي: يسرده، والهذ: الإسراع في القطع. قوله: (فذلك كونه آية)، "فذلك": إشارة إلى قراءته التوراة عن ظهر قلبه، والضمير في "كونه": لعزير، وعلى الأول الآية هي إحياؤه بعد الموت وحفظ ما معه كما قال. قوله: (وقرئ بالزاي): الكوفيون وابن عامر، والباقون: بالراء، قال القاضي: (كَيْفَ) منصوب بـ "ننشز"، والجملة حال من العظام، أي: انظر إليها محياة. قوله: (وفاعل (تَبَيَّنَ) مضمر)، أي: هو من باب تنازع الفعلين، قال الإمام: وفيه تعسف، بل الوجه القوي: لما تبين له أمر الإماتة والإحياء على سبيل المشاهدة قال: (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). قلت: ومما يشد عضد هذا التأويل: أن قول القائل: (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
[ ٣ / ٥١٠ ]
(قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فحذف الأول؛ لدلالة الثاني عليه، كما في قولهم: ضربني وضربت زيدًا. ويجوز: فلما تبين له ما أشكل عليه، يعنى أمر إحياء الموتى. وقرأ ابن عباس ﵄: (فلما تبين له) على البناء للمفعول. وقرئ: قال اعلم، على لفظ الأمر: وقرأ عبد اللَّه: (قيل اعلم) فإن قلت: فإن كان المارّ كافرًا فكيف يسوغ أن يكلمه اللَّه؟ قلت: كان الكلام بعد البعث، ولم يكن إذ ذاك كافرًا.
_________________
(١) ـ رجوع منه من قوله أولًا: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) وترق من حضيض التردد والشك إلى مدرج علم اليقين، أي: فلما ظهر له آثار قدرة الله في إحيائه بعد إماتته، وعدم تغير طعامه وشرابه بعد مضي السنين المتطاولة ونشر عظام حماره، وزال ذلك الشك والاستبعاد، قال: أتيقن الآن أن الله على كل شيء قدير، استدلالًا بالأمر الخاص على العام، وما أحسن موقع التجريد في قراءة الأمر، جرد من نفسه شخصًا بعد مشاهدة تلك الآيات البينات، كأنه غيره ووبخه على استبعاده ذلك، وهذا التقرير مما يقوي أن المار كان مؤمنًا، كما أن الأول ظاهر في أنه كان كافرًا. قوله: (وقرئ: "قال اعلم") حمزة والكسائي: "قال اعلم"، بوصل الألف وجزم الميم في الوصل، ويبتدئان بكسر الألف على الأمر، والباقون: بقطع الألف في الحالين ورفع الميم على الإخبار، قال الزجاج: من قرأ: "اعلم"، كأنه يقبل على نفسه فيقول: اعلم أيها الإنسان أن الله على كل شيء قدير، والرفع على الإخبار. قال القاضي: الأمر مخاطبة النفس على التبكيت، وقلت: على التجريد والتوبيخ، وهذا ظاهر في أن المار كان مؤمنًا. قوله: (كان الكلام بعد البعث ولم يكن إذ ذاك كافرًا)، الانتصاف: لا نسلم امتناع ما ذكر، فإن الله خاطب إبليس بقوله: (فَأَخْرُجْ مِنْهَا) [الحجر: ٣٤]، والكافرين بقوله: (اخْسَئُوا فِيهَا
[ ٣ / ٥١١ ]
[(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَاتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)].
(أَرِنِي): بصرني. فإن قلت: كيف قال له: (أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ) وقد علم أنه أثبت الناس إيمانًا؟ قلت: ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين. و(بَلى): إيجاب لما بعد النفي، ومعناه: بلى آمنت. (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي): ليزيد سكونًا
_________________
(١) ـ وَلا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون: ١٠٨]، وكذا قوله: (وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ) [البقرة: ١٧٤]، أي: بما يسرهم. وجوابه أعجب؛ لأن الإيمان إنما حصل بعد ما تبين له أمر الإماتة والإحياء، وكان قبل ذلك مكلمًا بقوله: (كَمْ لَبِثْتَ) وكيت وكيت، وكان إذ ذاك كافرًا. قوله: (كيف قال له: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)؟)، يعني: أن قوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) بمعنى ما آمنت؟ لأن "لم" متى دخل على المضارع انقلب ماضيًا. قوله: (من الفائدة الجليلة)، ويروى: الجلية، قيل: وهي أن يعلموا أنه إنما طلب ذلك للطمأنينة لا لأنه لم يؤمن، وقلت: الفائدة الجليلة هي أن يعلم أن في جبلة الإنسان الاختلاج والشك، وأن مزيله طلب الدلائل ومنح التوفيق من الله تعالى كقوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة: ٢٥٧]، وما روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) ".
[ ٣ / ٥١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الانتصاف: سؤال الخليل ليس عن شك في القدرة على الإحياء، ولكن عن كيفيتها، ومعرفة كيفيتها لا يشترط في الإيمان، والسؤال بصيغة "كيف" الدالة على الحال هو كما لو علمت أن زيدًا يحكم في الناس، فسألت عن تفاصيل حمكه، فقلت: كيف يحكم؟ فسؤالك لم يقع عن كونه حاكمًا، ولكن عن أحوال حكمه، ولذلك قطع النبي ﷺ ما يقع في الأوهام من نسبة الشك إليه بقوله: "نحن أحق بالشك"، أي: نحن لم نشك، فإبراهيم أولى، فإن قيل: فعلى هذا كيف قيل له: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)؟ قلنا: هذه الصيغة في الاستفهام بكيف قد تستعمل أيضًا عند الشك في القدرة، كما تقول لمن ادعى أمرًا تستعجزه عنه: أرني كيف تصنعه؟ فجاء قوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)، والرد ببلى لزوال الاحتمال اللفظي في العبارة ويحصل النص الذي لا يرتاب فيه. فإن قيل: قول إبراهيم: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) يشعر ظاهره بفقد الطمأنينة عند السؤال؟ قلنا: معناه: ليزول عن قلبي الفكر في كيفية الإحياء بتصويرها مشاهدة فتزول الكيفيات المحتملة، وقلت: هذا تكلف، والقول ما سبق أن هذا رحمة من الله للعباد، وظاهر الحديث عليه، ولأن إزالة الشبهات ودفع الخواطر من صريح الإيمان، روينا عن مسلم وأبي داود، عن أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: "وقد وجدتموه؟ "، قالوا: نعم، قال: "ذلك صريح الإيمان". وفي أخرى: "الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة". وعن مسلم، عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة فقالوا: إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه أن يتكلم به، قال: "ذلك محض الإيمان".
[ ٣ / ٥١٣ ]
وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال. وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين، ولأن علم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف العلم الضروري، فأراد بطمأنينة القلب العلم الذي لا مجال فيه للتشكيك. فإن قلت: بم تعلقت اللام في (لِيَطْمَئِنَّ)؟ قلت: بمحذوفٍ، تقديره: ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب. (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ): قيل طاؤوسًا وديكًا وغرابًا وحمامة، (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) بضم الصاد وكسرها، بمعنى: فأملهنّ واضممهنّ إليك قال:
وَلَكِنَّ أطْرَافَ الرِّماحِ تَصُورُهَا
وقال:
وَفَرْعٍ يَصيرُ الْجِيدَ وَحْفٍ كَأنَّهُ … عَلَى اللَّيْتِ قِنْوَانُ الْكُرُومِ الدَّوَالِحِ
_________________
(١) ـ قوله: (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ): بضم الصاد وكسرها)، قرأ حمزة بالكسر، والباقون بالضم. قوله: (ولكن أطراف الرماح تصورها)، أوله: وما صيد الأعناق فيهم جبلة الجوهري: الصيد، بالتحريك: مصدر الأصيد، وهو الذي يرفع رأسه كبرًا، ومنه قيل للملك: أصيد، وأصله في البعير يكون به داء في راسه فيرفعه. والصور: الميل، والرجل يصور عنقه إلى شيء: إذا مال نحوه. قوله: (وفرع يصير الجيد) البيت، الفرع: الشعر، والوحف بالحاء المهملة: الشعر الكثير الأسود، والوحف: الجناح الكثير الريش، والليت، بالكسر والتاء فوقها نقطتان: صفحة
[ ٣ / ٥١٤ ]
وقرأ ابن عباس ﵁: (فصرّهن) بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء، من صره يصره ويصره؛ إذا جمعه، نحو ضره ويضره ويضره؛ وعنه: (فَصُرْهُنَّ) من التصرية؛ وهي الجمع أيضًا. (ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا): يريد: ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال. والمعنى: على كل جبل من الجبال التي بحضرتك وفي أرضك. وقيل: كانت أربعة أجبل. وعن السدّي: سبعة؛ (ثُمَّ ادْعُهُنَّ) وقل لهن: تعالين بإذن اللَّه (يَاتِينَكَ سَعْيًا) ساعياتٍ مسرعاتٍ في طيرانهن، أو في مشيهن على أرجلهن. فإن قلت: ما معنى أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها؟ قلت:
ليتأملها ويعرف أشكالها وهيئاتها وحلاها؛ لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك؛ ولذلك قال: (يأتينك سعيًا). وروي: أنه أمر بأن يذبحها، وينتف ريشها، ويقطعها، ويفرّق أجزاءها، ويخلط ريشها ودماءها ولحومها، وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن يجعل بأجزائها على الجبال على كل جبل ربعًا من كل طائر، ثم يصيح بها: تعالين بإذن اللَّه. فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثًا، ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن
_________________
(١) ـ العنق، وقنوان: جمع قنو وهو العنقود، والدوالح: المثقلات، وكل من حمل ثقيلًا فقد دلح به. قوله: (من التصرية) يقال: صريت الشاة تصرية: إذا لم تحلبها أيامًا حتى يجتمع اللبن في ضرعها. قوله: (ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال) يعني دل ثم على التراخي من حيث الزمان؛ لأن بين جمع الطيور وضمها إليه وذبحها ونتف ريشها وتفريق أجزائها وتخليط بعضها مع بعض وقسمتها أربعة أقسام ثم تفريقها على الجبال زمانًا ممتدًا، أو (ثُمَّ) ها هنا كالفاء في قوله: (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ) [البقرة: ٦٠]، وكذا لفظ كل ها هنا كما في قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ٢٣]، أي: من كل شيء يليق بحالها، وإليه الإشارة بقوله: "من الجبال التي بحضرتك".
[ ٣ / ٥١٥ ]
كل جثة إلى رأسها. وقرئ (جزؤًا) بضمتين و(جُزًّا) بالتشديد، ووجهه: أنه خفف بطرح همزته، ثم شدد كما يشدد في الوقف إجراء للوصل مجرى الوقف.
[(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) ٢٦١].
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "جزؤًا" بضمتين): عاصم في رواية أبي بكر، و"جزًا"، بالتشديد: حمزة عند الوقف خاصة. قوله: (إجراء للوصل مجرى الوقف)، ونحوه: مثل الحريق وافق القصبا وإنما قلنا: إنه حال الوصل لأن القوافي إذا حركت فإنما تحرك على نية وصلها. قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) الآيات، اعلم أن للبلغاء فنًا يذهبون إليه دقيق المسلك لطيف المغزى، وهو أنهم إذا شرعوا في حديث ذي شجون له شعب وفنون شتى ولهم اعتناء بنوع منها أكثر من الآخر، فإذا اندفعوا وتعمقوا فيها لا يتسع لهم ولا يتمالكون أن يهملوا ذلك الأمر المعني بشأنه، فحيث وجدوا له مجالًا كيف ما كان أوردوه، ولامصنف أومى إلى هذا المعنى في آخر الشعراء حيث قال: ومثاله: أن يحدث الرجل بحديث وفي صدره اهتمام بشيء منه وفضل عناية، فتراه يعيد ذكره ولا ينفك عن الرجوع إليه، والله جل سلطانه حين فرغ من بيان الأحكام وشرع في القصص تحريضًا على الجهاد وحثًا على الإنفاق في سبيله إشادة للدين وقمعًا للملحدين، قال: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا …) [البقرة: ٢٤٤ - ٢٤٥] الآية، ولما أن الإنفاق هو العمدة في الجهاد، ومنه فتح باب سائر العبادات،
[ ٣ / ٥١٦ ]
(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ): لا بد من حذف مضافٍ، أي: مثل نفقتهم كمثل حبةً، أو: مثلهم كمثل باذر حبة. والمنبت هو اللَّه، ولكن الحبة لما كانت سببًا أُسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء. ومعنى إنباتها سبع سنابل: أن تخرج ساقًا يتشعب منها سبع شعبٍ لكل واحدةٍ سنبلةٌ. وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عينى الناظر. فإن قلت: كيف صحّ هذا التمثيل والممثل به غير موجود؟ قلت: بل هو موجود في الدخن والذرة وغيرهما، وربما فرخت ساق البرة في الأراضي القوية المُغلة فيبلغ حبها هذا المبلغ، ولو لم يوجد لكان صحيحًا على سبيل الفرض والتقدير. فإن قلت: هلا قيل: سبع سنبلاتٍ على حقه من التمييز بجمع القلة كما قال: (وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ) [يوسف: ٤٣]؟ قلت: هذا لما قدمت عند قوله تعالى: (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨] من وقوع أمثلة الجمع متعاورةً مواقعها. (وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ): أي: يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء، لا لكل منفق، لتفاوت أحوال المنفقين، أو يضاعف سَبع المائة ويزيد عليها أضعافها لمن يستوجب ذلك.
_________________
(١) ـ وهو رأس الخيرات وأس المبرات، كرر ذكره مرارًا، وذلك أنه لما قص حديث طالوت وجالوت ونبذًا من أحوال الأنبياء تقريرًا للجهاد تأسيًا بهم، رجع إلى حديث الإنفاق بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ) [البقرة: ٢٥٤]، ثم أتى بوصف ذاته الأقدس بالمطالب العالية الشريفة وبقصة خليله ﵇، فكر راجعًا إلى قضية الإنفاق قائلًا: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ) الآية، ثم لما استوفى حقه من البيان ختم السورة بخاتمة سنية، وما ذلك إلا أن للإنفاق عند الله خطبًا جليلًا وخطرًا عظيمًا، والله أعلم. قوله: (أن تخرج ساقًا)، الراغب: النبت: لما له نمو في أصل الخلقة، يقال: نبت الصبي والشعر والسن، ويستعمل النبات فيما له ساق وما ليس له ساق، وإن كان في التعارف قد يختص بما لا ساق له، وأنبت الغلام: إذا رهق كأنه صار ذا نبتة، وفلان في منبت خير، كناية عن الأصل، وقال: هذه الآية متعلقة بقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا)، وما بينهما
[ ٣ / ٥١٧ ]
[(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)].
المنّ: أن يعتدّ على من أحسن إليه بإحسانه، ويريد أنه اصطنعه وأوجب عليه حقا له: وكانوا يقولون: إذا صنعتم صنيعة فانسوها. ولبعضهم:
وَإنّ امْرَأً أَسْدَى إلَيَّ صَنِيعَةً … وَذَكّرَنِيهَا مَرَّةً لَلئِيمُ
وفي "نوابغ الكلم": صنوان من منح سائله ومنّ، ومن منع نائله وضنّ. وفيها: طعم الآلاء أحلى من المنّ، وهي أمرّ من الآلاء مع المنّ. والأذى: أن يتطاول عليه بسبب ما أزل إليه.
_________________
(١) ـ اعتراضات مرغبة في قرضه، وحث على قناعة هي أس الجود، وإرشاد لمن يستقرض من الناس، وبين في هذه الآية أن قرضه هو: الإنفاق في سبيله. قوله: (المن: أن يعتد على من أحسن إليه)، الراغب: المن على ضربين، أحدهما: ما يوزن به والأكثر منًا بالتخفيف، والثاني: قدر الشيء ووزنه، ومنه المنة، وهو على ضربين أيضًا، أحدهما: اسم للعطية، لكونها ذات قدر بالإضافة إلى سائر الأفعال، لأن الجود أشرف فضيلة، وثانيهما: اسم لقدر العطية عند معطيها واعتداده بها، وهو المنهي عنه، فإنه مما يبطل الشكر ويمحق الأجر، وقيل: تعداد المنة من ضعف المنة. قوله: (أسدى). أسدى فلان فلانًا، أي: أعطاه عطية، والصنيعة: ما اصطنعت إلى أحد من خير. قوله: (طعم الآلاء). والآلاء: النعم، واحدها: إلي، والألاء- بفتح الهمزة على وزن فعال-: شجر حسن المنظر مر الطعم، أي: العطاء مع المن أمر من طعم الألاء، و"نوابغ الكلام" كتاب صنفه جار الله. قوله: (ما أزل إليه) من قولهم: أزللت إليه نعمة، أي: أعطيته.
[ ٣ / ٥١٨ ]
ومعنى (ثم): إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى، وأنّ تركهما خير من نفس الإنفاق، كما جعل الاستقامة على الإيمان خيرًا من الدخول فيه بقوله: (ثُمَّ اسْتَقامُوا) [فصلت: ٣٠]. فإن قلت: أي فرقٍ بين قوله: (لَهُمْ أَجْرُهُمْ) وقوله فيما بعد (فلَهُمْ أَجْرُهُمْ) [البقرة: ٢٧٤]؟ قلت: الموصول لم يضمن هاهنا معنى الشرط، وضمنه ثمة، والفرق بينهما من جهة المعنى: أنّ الفاء فيها دلالة على أنّ الإنفاق به استحق الأجر، وطرحها عار عن تلك الدلالة.
_________________
(١) ـ قوله: (ومعنى (ثُمَّ): إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن)، الانتصاف: وعندي فيه وجه آخر، وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف به، وإرخاء الطول في استصحابه، فلا يخرج بذلك عن الإشعار ببعد الزمن، ومعناه في الأصل: تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه، ومعناه المستعار: دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه، ومثله: (ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت: ٣٠]، أي: داموا على الاستقامة دوامًا متراخيًا، وتلك الاستقامة هي المعتبرة، كذا ها هنا، أي: يدومون على تناسي الإحسان وترك الامتنان، وقريب منه أو مثله السين تصحب الفعل لتنفيس زمان وقوعه، (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الصافات: ٩٩]، وقد قال: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) فليس لتأخير الهداية سبيل، فتعين حمله على تنفيس دوام الهداية وتمادي أمدها، ولعل الزمخشري أشار إلى هذا في موضعه، وما ذكرته ها هنا في (ثُمَّ) أقرب من ذلك الموضع. قوله: (وطرحها عار عن تلك الدلالة)، يعني بالدلالة: أن الثاني مع الفاء مسبب عن الأول. وقلت: مجيء الجملة بدون الشرائط وفيها ما يصح للسببية إيذان بأن الرابط معنوي، فيكون أبلغ، قال القاضي: لعله لم يدخل الفاء إيهامًا بأنهم أهل لذلك وإن لم يفعلوا، وكيف بهم إذا فعلوا! وتحقيقه أن في تضمين الكلام معنى الشرط تعليقًا للكلام، وفي عرائه عن ذلك تحقيق للخبر، على منوال قوله:
[ ٣ / ٥١٩ ]
([قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ)].
(قَوْلٌ مَعْرُوفٌ): ردّ جميل، (وَمَغْفِرَةٌ): وعفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول، أو: نيل مغفرة من اللَّه بسبب الرد الجميل، أو: وعفو من جهة السائل؛ لأنه إذا ردّه ردّا جميلا عذره. (خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً)، وصح الإخبار عن المبتدأ النكرة؛ لاختصاصه بالصفة. (وَاللَّهُ غَنِيٌّ) لا حاجة به إلى منفق يمنّ ويؤذي، (حَلِيمٌ) عن معاجلته بالعقوبة، وهذا سخطٌ منه ووعيدٌ له، ثم بالغ في ذلك بما أتبعه (كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ) أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كإبطال المنافق
_________________
(١) ـ إن التي ضربت بيتًا مهاجرة … بكوفة الجند غالت ودها غول وإنما بنيت الجملة على التحقيق لأن هذه الآية واردة في البعث على الإنفاق في سبيل الله لرفع منار المسلمين وإشادة الدين القويم، ومن ثم خص بذكر سبيل الله وكررها وضعًا للمظهر موضع المضمر إشعارًا بالعلية، بخلافه في تلك الآية. قوله: (وصح الإخبار عن المبتدأ النكرة لاختصاصه بالصفة)، هذا يصح في المعطوف عليه، لكن لا يصح في المعطوف، وهو (وَمَغْفِرَةٌ)؛ لأنه غير موصوف، ولكونه مخصصًا في نفسه؛ لأن استعمال المغفرة مسبوق بوجدان ما يثقل على المسئول من السائل، جعل كأنه موصوف، ولهذا حين قدره خصصه بما يليق به المقام، أو لأنه معطوف على المخصص، ثم إن العفو إما أن يكون من الله تعالى، وهو إذا رد المسئول السائل ردًا جميلًا، وإما من السائل وهو لأمرين: إما لأن المسئول عنه عنفه وزجره فيعفو عنه، أو رده ردًا جميلًا فعذره، ولا يستقيم على
[ ٣ / ٥٢٠ ]
الذي ينفق ماله (رِئاءَ النَّاسِ) لا يريد بإنفاقه رضاء اللَّه ولا ثواب الآخرة، (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ) مثله ونفقته التي لا ينتفع بها البتة بصفوان: بحجرٍ أملس عليه تراب. وقرأ سعيد بن المسيب: (صفوان) بوزن كروان. (فَأَصابَهُ وابِلٌ): مطر عظيم القطر. (فَتَرَكَهُ صَلْدًا): أجرد نقيًا من التراب الذي كان عليه، ومنه: صلد جبين الأصلع؛ إذا برق. (لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا) كقوله: (فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا) [الفرقان: ٢٣]، ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال، أي: لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق. فإن قلت: كيف قال: (لا يَقْدِرُونَ) بعد قوله: (كَالَّذِي يُنْفِقُ)؟ قلت: أراد بالذي ينفق الجنس، أو الفريق الذي ينفق، ولأن «من» و«الذي» يتعاقبان، فكأنه قيل: كمن ينفق.
[(وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ٢٦٥].
_________________
(١) ـ الثاني لسياق الآيات، لأنه تعالى لما قال: (لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى) أتبعه قوله: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ)، أي: خير للمصدق، والعفو الصادر عن السائل على المسئول بسبب عنفه وزجره كيف يكون خيرًا للمسئول؟ والأولى أن يسند العفو أيضًا إلى المسئول؛ لأن الكلام سيق له، المعنى: إذا صدر عن السائل بسبب الرد ما يثقل عليه يعفو عنه ولا يزجره، ويؤيده قول الإمام: إن الفقير إذا رد بغير مقصوده شق عليه ذلك، فربما حمله ذلك على بذاء اللسان، فأمر بالعفو عن ذلك والصفح عنه. وعلى هذا يصح جعل "مغفرة" مبتدأ لتخصيصه، أي: مغفرة منه. قوله: (ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال): عطف على قوله: "كإبطال
[ ٣ / ٥٢١ ]
(وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ): وليثبتوا منها ببذل المال الذي هو شقيق الروح، وبذله أشق شيء على النفس على سائر العبادات الشاقة وعلى الإيمان لأن النفس إذا ريضت بالتحامل عليها وتكليفها ما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها، وقل طمعها في اتباعه لشهواتها وبالعكس، فكان إنفاق المال تثبيتًا لها على الإيمان واليقين. ويجوز أن يراد: وتصديقًا للإسلام، وتحقيقًا للجزاء من أصل أنفسهم؛ لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل اللَّه، علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه، ومن إخلاص قلبه
_________________
(١) ـ المنافق الذي ينفق ماله"، فإن الكاف حينئذ في محل النصب على المصدر، قال القاضي: (رِئَاءَ): مفعول له، أو: حال بمعنى مرائيًا، أو: مصدر، أي: إنفاق رياء. قوله: (علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه)، وقوله: (وَتَثْبِيتًا) على هذا كالتقرير بمعنى: ابتغاء مرضات الله. الراغب: بين الله تعالى أن المنفق ماله في سبيل الله ينبغي أن يكون قاصدًا فيما أوجبه الله على الناس من الزكاة والإنفاق ابتغاء مرضاة الله، وطلب التوجه للوصول إليه، وتثبيت النفس ورياضتها لأداء الأمانات وبذل المعونات والتسمح لأبواب المصالح، فإن النفوس ما لم ترض لم تسمح، إذ هي مجبولة على الشح والكسل، وبذل الصدقة وفعل الخير يطهره ويزكيه، وهذان المعنيان، أعني: ابتغاء وجه الله وتثبيت النفس، وإن اختلفا في العبارة فهما واحد، وحق الإنسان أن يقصد ذلك في جميع ما يفعله من العبادات، فأما أن يطلب شكر مخلوق، ومباراة نظير، وطلب نفع دنيوي، وقضاء شهوة، واتقاء معرة، فليس ذلك بمرتضى، وجمع (أَنْفُسِهِمْ) جمع قلة للتنبيه على أن ذلك الفعل لا يكاد يوجد إلا في قليل من الناس، كقوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي
[ ٣ / ٥٢٢ ]
و(من) على التفسير الأوّل للتبعيض، مثلها في قولهم: هز من عطفه، وحرك من نشاطه، وعلى الثاني؛ لابتداء الغاية، كقوله تعالى: (حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) [البقرة: ١٠٩]. ويحتمل أن يكون المعنى: وتثبيتًا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه، وتعضده قراءة مجاهد: (وتبيينًا من أنفسهم). فإن قلت: فما معنى التبعيض؟ قلت: معناه: أن من بذل ماله لوجه اللَّه فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معًا فهو الذي ثبتها كلها؛ (وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) [الصف: ١١].
_________________
(١) ـ الشَّكُورُ) [سبأ: ١٣]، وعلى أنه قل ما ينفك عمل من رياء وإن قل، ولذلك جعل الفاصلة قوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أي: لا يخفى عليه شيء من أسرار العباد. قوله: (و(مِنْ)، على التفسير الأول: للتبعيض)، فيكون مفعولًا به للمصدر، أي: إذا تحمل هذا البعض من النفس خلاف ما هي مجبولة عليه يتأتى من سائرها سائر العبادات على سهولة ويسر، وإليه الإشارة بقوله: "فقد ثبت بعض نفسه"، إلى قوله: "ثبتها كلها"، وفيه أيضًا أن الواجب على النفس التثبت في كل ما كلفت به من مشاق، فإذا ثبتت على بذل المال، الذي هو أشق التكاليف، سهل عليها التثبت في سائرها، كما ينبئ عنه أول كلامه، قال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: ٩]، وقوله: "على سائر العبادات" متعلق بقوله: "وليثبتوا" على معنى التضمين، ضمن التثبيت معنى التمكن والاستعلاء، أي: ليتمكنوا تثبيت بعضها على سائر العبادات. قوله: (ويحتمل أن يكون المعنى): عطف على قوله: "ويجوز أن يراد"، ومن: للابتداء أيضًا، يعني: يحملون أنفسهم على الإنفاق لأجل الثبات في الإسلام حتى يثابوا عند الله، أو يظهر ثباتهم فيه عند المسلمين، فالتثبيت بمعنى التصديق للإسلام على سبيل الكناية، لأن من أنفق بعد إسلامه صدق بإنفاقه إسلامه، فإن الاستقامة بعد قول المؤمن (رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت: ٣٠] مصدق لما قاله.
[ ٣ / ٥٢٣ ]
والمعنى: ومثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند اللَّه (كَمَثَلِ جَنَّةٍ)؛ وهي البستان، (بِرَبْوَةٍ): بمكانٍ مرتفع، وخصها؛ لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمرًا (أَصابَها وابِلٌ): مطر عظيم القطر (فَآتَتْ أُكُلَها) ثمرتها (ضِعْفَيْنِ) مثلي ما كانت تثمر؛
_________________
(١) ـ قوله: (والمعنى: ومثل نفقة هؤلاء) ذكر في هذا التشبيه طريقين وقد رفيهما مضافًا محذوفًا؛ لأن ذوات المنفقين لا يحسن أن يوقع فيها التشبيه لأنه لا مناسبة بينهما وبين الجنة، فيقدر في طريق الأول النفقة ليكون الأمر الذي يشترك فيه الطريقان الزكاء، وهو عقلي، وفي التشبيه الثاني الحال، ليكون الوجه منتزعًا من عدة أمور متوهمة، فيكون تشبيهًا تمثيليًا، ولابد في هذا الوجه من بيان تلك الأمور لئلا يشبه العقلي بالوهمي، ومن ثم قال: "أو مثل حالهم عند الله بالجنة … " إلخ، ويجوز أن يكون التشبيه على منوال قول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا … لدى وكرها العناب والحشف البالي ومن هذين التشبيهين "كأن قلوب الطير" يعثر على الفرق بين التمثيلي والعقلي، قال صاحب "المفتاح": والذي نحن بصدده من الوصف غير الحقيقي أحوج منظور فيه إلى التأمل لالتباسه في كثير من المواضع بالعقلي الحقيقي لاسيما المعاني التي ينتزع منها، فذكر المصنف المعاني ليتميز التمثيلي من العقلي، فالعقلي هو: أخذ الزبدة والخلاصة من المجموع، والتمثيلي: انتزاع الحالة المتوهمة من الأمور المتعددة. قوله: «ضِعْفَيْنِ) مثلي ما كانت تثمر)، أي: تثمره، "وبسبب" متعلق بقوله: (فَأَتَتْ)؛ لأنه مسبب عن قوله تعالى: (أَصَابَهَا وَابِلٌ).
[ ٣ / ٥٢٤ ]
بسبب الوابل، (فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ) فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها. أو مثل حالهم عند اللَّه بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطلّ، وكما أن كل واحدٍ من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم كثيرةً كانت أو قليلة، بعد أن يطلب بها وجه اللَّه، ويبذل فيها الوسع؛ زاكية عند اللَّه، زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده. وقرئ: (كمثل حبة)، و(بربوةٍ) بالحركات الثلاث، و(أكلها) بضمتين.
[(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)].
الهمزة في (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ) للإنكار. وقرئ: (له جنات)، و(ذريةٌ ضعاف).
_________________
(١) ـ قال القاضي: المراد بالضعف: المثل كما أريد بالزوج الواحد في قوله: (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) [المؤمنون: ٢٧]، وقيل: أربعة أمثاله، ونصبه على الحال، أي: مضاعفًا. قوله: «فَطَلٌّ) فمطر ضعيف)، قال القاضي: أي: فيصيبها طل، أو: فالذي يصيبها أو فطل يكفيها. قوله: (وقرئ: كمثل حبة) بالحاء والباء الموحدة، وهي شاذة. قوله: (و(بِرَبْوَةٍ» أي: وقرئ: (كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ) بالحركات الثلاث؛ عاصم وابن عامر: بالفتح، والباقون: بضم الراء، والكسر: شاذ. قوله: (و(أُكُلَهَا)، بضمتين). الجماعة إلا نافعًا وابن كثير وأبا عمرو.
[ ٣ / ٥٢٥ ]
والإعصار: الريح التي تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود، وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي بها وجه اللَّه، فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطةً فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهى الجنان وأجمعها للثمار، فبلغ الكبر وله أولاد ضعاف، والجنة معاشهم ومنتعشهم؛ فهلكت بالصاعقة.
وعن عمر ﵁: أنه سأل عنها الصحابة فقالوا: اللَّه أعلم. فغضب وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس ﵁: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. قال: قل يا ابن أخى ولا تحقر نفسك. قال: ضرب مثلًا لعملٍ. قال: لأي عمل؟ قال: لرجل عُنى بعمل الحسنات،
_________________
(١) ـ قوله: (الإعصار: الريح التي تستدير)، الراغب: الإعصار أصله مصدر أعصر سمي به الريح، والعصر مصدر عصرت العنب، وسمي آخر النهار ومدة من الزمان عصرًا كأنه مدة عصرت فجمعت، والمعصر: سحاب ذات عصر للمطر، والمرأة فوق الكاعب: معصر، لكونها ذات عصر، أي: زمان التمتع بها، قال: مطيات السرور فويق عشر … إلى عشرين ثم قف المطايا قوله: (وعن عمر ﵁، أنه سأل عنها الصحابة). الحديث مخرج في "صحيح البخاري". قوله: (لعمل) أي: لصاحب عمل. قوله: (عني) أي: اهتم وصرفت عنايته إليها، "أغرق أعماله": أضاعها بما ارتكب من المعاصي. قوله: (هذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي بها وجه الله) لا يبتغي: حال من فاعل
[ ٣ / ٥٢٦ ]
ثم بعث اللَّه له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها. وعن الحسن ﵁: هذا مثلٌ قلّ واللَّه من يعقله من الناس؛ شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم واللَّه أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.
_________________
(١) ـ "يعمل" أو مفعوله، قال القاضي: وأشبههم به من جال بسره في عالم الملكوت وترقى بفكره إلى جناب الجبروت ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور والتفت إلى ما سوى الحق، فجعل سعيه هباءً منثورًا. وقلت: جعل المشبه حال المنفق أوفق لتأليف النظم؛ لأن هذه الآية مقابلة لقوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ)، وله أن يقول: دلالته عليه على سبيل الإدماج لا ينافي ذلك لكن قوله: أشبههم، ينافيه. قوله: (شيخ كبير، ضعف جسمه، وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته)، روي "افقر"، منصوبًا ومرفوعًا، فالنصب: على أن يكون ظرفًا لقوله: "ضعف جسمه"، و"ما": مصدرية، والوقت مقدر والمضاف محذوف، أي: ضعف جسمه زمان أفقر أزمنته إلى جنته، على أن إسناد أفقر إلى الزمان نحو إسناد "صائم" في قوله: "نهاره صائم" إلى النهار. والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة صفة لموصوف محذوف، المعنى: ضعف جسمه زمانًا هو أفقر أزمنته إلى جنته، والإسناد أيضًا مجازي، وقيل: "أفقر": خبر "شيخ"، والجملة التي ساقها بيان لقوله: "مثل"، وفي الجملة في كلام الحسن ما يعقب به الكلام مقدر؛ لأن التقدير: شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه وحصل في زمان هو أفقر ما كان إلى جنته فهلكت بالصاعقة تلك الجنة، فبقي متحيرًا، وكذا التقدير: "أن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا، فإذا كان يوم القيامة وجد تلك الأعمال محبطة فيتحسر عند ذلك" يدل عليه قوله تعالى: (فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ).
[ ٣ / ٥٢٧ ]
فإن قلت: كيف قال: (جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ) ثم قال: (لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ)؟ قلت: النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع خصهما بالذكر، وجعل الجنة منهما وإن كانت محتوية على سائر الأشجار؛ تغليبًا لهما على غيرهما، ثم أردفهما ذكر كل الثمرات، ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها، كقوله: (وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ) [الكهف: ٣٤] بعد قوله: (جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ) [الكهف: ٣٢]. فإن قلت: علام عطف قوله: (وَأَصابَهُ الْكِبَرُ)؟ قلت: الواو للحال لا للعطف، ومعناه: أن تكون له جنة وقد أصابه الكبر
_________________
(١) ـ قوله: (فإن قلت: كيف قال: (جَنَّةٌ)؟)، وجه السؤال أن النخيل والأعناب نوعنا من أنواع الأشجار المثمرة وداخلان تحت قوله: (لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) فما وجه اختصاصهما بالذكر ثم إتباعهما بقوله: (مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)؟ أجاب عنه بجوابين، أحدهما: أنه من باب التتميم على منوال الرحمن الرحيم، ذكر أولًا: ما هما أفضلا الجنس وأكملاه نفعًا، وأراد بهما جميع الجنس بالتغليب، ثم أردفهما بما يشتمل على الجنس ليكون كالتتمة والرديف لهما، ألا ترى كيف قال في (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): لما قال: الرحمن تناول جلائل النعم وعظائمها، أردفه بالرحيم ليتناول ما دق منها، وقال ها هنا: "ثم أردفهما" ذكر كل الثمرات صيانة للكلام عن توهم غير الشمول. وثانيهما: أنه من باب التكميل، فيكون ذكرهما من إطلاق أعظم الشيء على الشيء كله، فعلم من هذا: أن له جنة كثيرة الأشجار والأثمار ولم يعلم أن له فيها منافع أخر غيرهما فقيل له: (فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) ليعلم أن له غيرهما، يدل عليه تنظيره بقوله: (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ) [الكهف: ٣٤]، وفسره بقوله: "أي: كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الدثرة من الذهب والفضة وغيرهما" والله أعلم. قوله: (علام عطف قوله: (وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ)؟) يعني: أن الواو تستدعي معطوفًا عليه (أَنْ تَكُونَ) لا يصح أن يعطف عليه لكونه مضارعًا، وهذا ماض، وأجاب: أن الواو
[ ٣ / ٥٢٨ ]
وقيل يقال: وددت أن يكون كذا ووددت لو كان كذا، فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل: أيودّ أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)].
(مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ): من جياد مكسوباتكم، (وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ) من الحب والثمر والمعادن وغيرها. فإن قلت: فهلا قيل: وما أخرجنا لكم؛ عطفًا على (ما كَسَبْتُمْ) حتى يشتمل الطيب على المكسوب والمخرج من الأرض؟ قلت: معناه: ومن طيبات ما أخرجنا لكم، إلا أنه حذف؛ لذكر الطيبات
_________________
(١) ـ ليست للعطف، بل للحال، وصاحبها: (أَحَدَكُمْ)، وقد: مقدرة، ويجوز أن تكون عاطفة على (أَنْ تَكُونَ) على تأويل الماضي؛ لأن التمني هو: طلب حصول ما لا يمكن حصوله، والماضي والمضارع سيان في ذلك، فكأنه قيل: لو كانت له جنة وأصابه الكبر، ونحوه في التقدير: قوله تعالى: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ) [المنافقون: ١٠]، كأنه قيل: "تصدقت وكنت". قوله: (من جياد مكسوباتكم)، الراغب: الطيب يقال تارة باعتبار الحاسة، وباعتبار العقل أيضًا، والخبيث نقيضه، والأظهر أن المعني به ها هنا المعقول الذي ها هنا هو الحلال، والحقيقة: الطيب من الكسب: ما ليس فيه ارتكاب محظور واكتساب محجور، وتخصيص المكسوب لأن الإنسان بما يكسبه أضن به مما يرثه، وتخصيص (لَكُمُ) تنبيه أن المقصود بإيجاد هذه الأشياء نفع الإنسان ليبلغه إلى سعادة الدارين، ويجوز أن يتضمن مع ذلك: أن الذي تجب فيه الزكاة هو ما قصد به قوام الإنسان. قوله: (فهلا قيل: وما أخرجنا لكم؟) يعني: لو لم يترك لفظة "من" في (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا) ليكون عطفًا على ما كسبتم فيدخل المخرج من الأرض في حكم الطيبات؛ لأن المطلوب من
[ ٣ / ٥٢٩ ]
(وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ): ولا تقصدوا المال الرديء (مِنْهُ تُنْفِقُونَ): تخصونه بالإنفاق، وهو في محل الحال. وقرأ عبد اللَّه: (ولا تأمموا)، وقرأ ابن عباس: (ولا تيمموا) بضم التاء، ويممه وتيممه وتأممه سواء في معنى قصده. (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ): وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم (إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ): إلا أن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه، من قولك: أغمض فلان عن بعض حقه؛ إذا غضّ بصره. ويقال للبائع: أغمض أي: لا تستقص كأنك لا تبصر، وقال الطرمّاح:
لَمْ يَفُتْنَا بِالْوِتْرِ قَوْمٌ وَلِلضَّيْـ … ـمِ رِجَالٌ يَرْضَوْنَ بِالإِغْمَاضِ
_________________
(١) ـ النفقة الطيبات، لقوله: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ)، والآن هو عطف على (مِنْ طَيِّبَاتِ)، فلا يدخل في حكمها؟ وأجاب: أن المضاف مقدر وهو الطيبات لوقوعه مقابلًا لقوله: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ) فاستغنى ذلك عن ذكره، وفائدته الإيجاز مع التنبيه على استقلال كل من إنفاق طيبات مكسوبهم ومن إنفاق طيبات المخرج لهم في القصد. قوله: (وهو في محل الحال)، قال القاضي: ينفقون: حال مقدرة من فاعل (تَيَمَّمُوا)، والضمير في (مِنْهُ) للمال، أي: ولا تقصدوا الرديء من المال، ويجوز أن يتعلق (مِنْهُ) بـ (تُنْفِقُون)، ويكون الضمير للخبيث، والجملة: حال منه. قوله: (كأنك لا تبصر): إشارة إلى أن قوله: (إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا) استعارة تبعية واقعة على سبيل التمثيل، شبه حالة من تسامح في بيعه، ولا يستقصي في أخذ العوض، بحالة من رأى شيئًا يكرهه فيغمض عنه عينه. قوله: (لم يفتنا بالوتر) البيت. يقال: فاتني فلان بكذا، أي: سبقني، الجوهري: الموتور: الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه: وتره يتره وترًا وترة، وكذلك وتره حقه، أي:
[ ٣ / ٥٣٠ ]
وقرأ الزهريّ: (تغمضوا)، وأغمض وغمض بمعنى، وعنه: (تغمضوا) بضم الميم وكسرها من غمض يغمض ويغمض. وقرأ قتادة: (تغمضوا) على البناء للمفعول بمعنى: إلا أن تدخلوا فيه وتجذبوا إليه. وقيل: إلا أن توجدوا مغمضين. وعن الحسن: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه. وعن ابن عباس ﵄: كانوا يتصدّقون بحشف التمر وشراره؛ فنهوا عنه.
[(الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ)].
أي: يعدكم في الإنفاق الْفَقْرَ ويقول لكم إنّ عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا. وقرئ: (الفقر) بالضم، و(الفقر) بفتحتين. والوعد يستعمل في الخير والشر. قال اللَّه تعالى: (النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الحج: ٧٢]. (وَيَأمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ)
_________________
(١) ـ نقصه، يقول: لم يفتنا قوم عند طلب الثأر، بل ندركهم وننتقم منهم، والحال أن بعض الرجال يرضون بالإغماض عن بعض حقهم لضعفهم. قوله: (يعدكم في الإنفاق الفقر)، الراغب: المشهور عند العامة أن الفقر: الحاجة، وأصله: كسر الفقار، من قولهم: فقرته، نحو كبدته، وبهذا النظر سمي الحاجة والداهية فاقرة، والفقر أربعة: فقد الحسنات في الآخرة، وفقد القناعة في الدنيا، وفقد المقتنى، وفقدها جميعًا، والغنى بحسبه، فمن فقد القناعة والمقتنى فهو الفقير المطلق على سبيل الذم، ومن فقد القناعة دون القنية فهو الغني بالمجاز الفقير في الحقيقة، ومن فقد القنية دون القناعة فإنه يقال له: فقير وغني وقد ورد: "ليس الغنى بكثرة العرض، وإنما الغنى غنى القلب"، فقوله: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ) قيل: فقر الآخرة، وهو أن يخيل إليه أن لا جزاء ولا نشور فلا ينفق. قوله: (الوعد يستعمل في الخير والشر)، قال الفراء: يقال: وعدته خيرًا، ووعدته شرًا،
[ ٣ / ٥٣١ ]
ويغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور. والفاحش عند العرب: البخيل. (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ) في الإنفاق (مَغْفِرَةً) لذنوبكم، وكفارة لها، (وَفَضْلًا): وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم، أو: وثوابًا عليه في الآخرة.
[(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ)].
_________________
(١) ـ فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير: الوعد، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، فإن أدخلوا الباء في الشر جاؤوا بالألف. قوله: «وَفَضْلًا): وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم). واعلم أن الآية فيها متقابلان: أحدهما جلي والآخر خفي، والجلي قوله: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا)، ومن ثم فسر الأول بقوله: "يعدكم في الإنفاق الفقر"، والثاني بقوله: "وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم"، وأما الخفي فقوله: (وَيَامُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ)، وقوله: (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً)، وكما أن الأمر بالفحشاء إغراء برذيلة البخل، كذلك الوعد بالمغفرة حث على التمحيص عن الرذائل، ولهذا فسر الأول بقوله: "ويغريكم على البخل"، والثاني بقوله: "مغفرة لذنوبكم"، والذنب في هذا المقام هو: البخل، كما أن الفحشاء كذلك؛ لأن الكلام في الحث على الإنفاق والردع عن الإمساك، وأي رذيلة في المرء أردى من البخل! وإليه أومى صلوات الله عليه بقوله: "السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة، بعيد من الناس قريب من النار" أخرجه الترمذي عن أبي هريرة، ويؤيده تذييل الكلام بقوله: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
[ ٣ / ٥٣٢ ]
(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ): يوفق للعلم والعمل به. والحكيم عند اللَّه: هو العالم العامل. وقرئ: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ) بمعنى: ومن يؤته اللَّه الحكمة، وهكذا قرأ الأعمش. و(خَيْرًا كَثِيرًا) تنكير تعظيم، كأنه قال: فقد أوتي أي خير كثير. (وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) يريد الحكماء العلام العمال. والمراد به الحثّ على العمل بما تضمنت الآي: في معنى الإنفاق.
_________________
(١) ـ قوله: (والحكيم عند الله هو: العالم العامل)، كذا عن القاضي، قال الإمام: الحكمة لا يمكن خروجها عن هذين المعنيين، وذلك أن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، فقول إبراهيم ﵇: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا) [الشعراء: ٨٣] إشارة على العلم، ثم قوله: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [الشعراء: ٨٣] إشارة إلى العمل، وقول عيسى ﵇: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ) [مريم: ٣٠] إشارة إلى العلم، ثم قوله: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ) [مريم: ٣١] إلى العمل، وقال تعالى لموسى ﵇: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا) [طه: ١٤] مشيرًا إلى العلم، ثم قال: (فَاعْبُدْنِي) مشيرًا إلى العمل، ثم عم جميع الأنبياء بقوله: (أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا) [النحل: ٢] مريدًا به العلم، وبقوله: (فَاتَّقُونِ) [النحل: ٢] العمل، قال أبو مسلم: الحكمة فعلة من الحكم، ورجل حكيم: إذا كان ذا حجى ولب وصلابة رأي، فعيل بمعنى فاعل، ويقال: أمر حكيم، أي: محكم، فعيل بمعنى مفعول، فالحكمة لا تحصل إلا بموهبة الله ومتابعة الأنبياء والاستقامة عليها، إذ هي مأخوذة من مشكاة النبوة المقتبسة من أنوار القدس، وأن التفكر والعلم لا يفيد النفس استعداد قبولها ابتداء بل إن الله عز شأنه بفيضه الأقدس يجود بالاستعداد لأنفس الأنبياء وخواص متابعيهم فيفيض الحكمة عليهم، وفي قول المصنف: "الحكماء: العلام العمال" على المبالغة، بعد قوله: "والحكيم
[ ٣ / ٥٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ عند الله هو: العالم العامل"، تنبيه على أن قوله: (أُوْلُوا الأَلْبَابِ) مظهر وضع موضع المضمر، وأن العاقل الكامل المتناهي هو الذي بالغ واجتهد في الجمع بين العلم والعمل وأتقن فيهما ورسخ بهما قدمه، وأما قوله: "والمراد به الحث على العمل بما تضمنت الآي في معنى الإنفاق" إشارة إلى بيان التوفيق والنظم بين الآي، وأن المنفق في سبيل الله هو العالم الرباني والحكيم المحق، ومن فقد ذلك فقد حرم أن يسمى حكيمًا، وبيانه- والعلم عند الله-: أن الله عز شأنه لما بالغ في أمر الإنفاق حين شرع في بيانه بضرب الأمثال والرجوع إليه مرة بعد أخرى كما سبق، أتى بعد ذلك بما عسى أن يمنع المكلف من الإنفاق من تسويل الشيطان وإغوائه النفس الأمارة خوف الفقر والإعدام، وتزيينه المعاصي والفواحش، فقال: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ)، وقابل الخصلتين بما يقابلهما من الحسنتين بقوله: (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا)، ثم كمله بما هو العمدة فيه وهو قوله: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) المشتملة على سعة الإفضال ووفور العلم ليكون تمهيدًا لذكر ما هو أجل المواهب وأسنى المطالب، وهو الحكمة، ليكون حثًا على ما تضمنت الآي من معنى الإنفاق، فعند ذلك تنبه الطالب لأمر خطير فاضطر إلى السؤال بلسان الحال: ليت شعري، هل أحد يتصدى لهذه المنقبة الشريفة والمنزلة الرفيعة؟ فنودي من سرادقات الجلال: من خصه الله تعالى بالحكمة ووفقه للعلم والعمل، ثم ذيل ذلك بقوله: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) تعريضًا لمن لا يتعظ بهذا البيان الشافي، المعنى: لا يذكر ذلك إلا من عرف الحكمة ورسخت قدماه فيها، لا من لا يرفع لها رأسًا، فإنه في عداد الأنعام بل هم أضل سبيلًا، وفي قوله: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) إيماء إلى معنى قوله صلوات الله عليه: "مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثدييهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت بمكانها"، أخرجه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة.
[ ٣ / ٥٣٤ ]
[(وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ)].
(وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ) في سبيل اللَّه أو في سبيل الشيطان، (أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ) في طاعة اللَّه أو في معصيته (فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) لا يخفى عليه، وهو مجازيكم عليه (وَما لِلظَّالِمِينَ) الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو لا يفون بالنذور، أو ينذرون في المعاصي، (مِنْ أَنْصارٍ): ممن ينصرهم من اللَّه ويمنعهم من عقابه.
[(إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)].
"ما" في "نعما" نكرة غير موصولةٍ ولا موصوفة. ومعنى (فَنِعِمَّا هِيَ): فنعم شيئًا إبداؤها. وقرئ بكسر النون وفتحها
_________________
(١) ـ قوله: (فنعم شيئًا إبداؤها) قال ابن جني في "الدمشقيات": قوله تعالى: (فَنِعِمَّا هِيَ) منصوبة لا غير لأنها ليست موصولة، والتقدير: نعم شيئًا إبداؤها، فحذف الإبداء وأقيم المضاف إليه مقامه، ألا ترى إلى قوله: وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم والتذكير يدل على ما ذكرنا، واستعملت ما هنا غير موصولة ولا موصوفة لما فيها من الشياع. قوله: (وقرئ بكسر النون وفتحها)، أي: قرأ: "نعما" بالكسر مع إسكان العين: أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وقالون عن نافع. ومع كسرها: ابن كثير، ونافع برواية ورش، وعاصم في رواية حفص. وبالفتح مع كسر العين: الباقون. قال أبو البقاء: إسكان العين والميم مع الإدغام بعيد لما فيه من الجمع بين الساكنين، وقيل: إن الراوي لم يضبط القراءة؛ لأن القارئ اختلس كسر العين فظنه إسكانًا.
[ ٣ / ٥٣٥ ]
(وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ): وتصيبوا بها مصارفها مع الإخفاء (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ): فالإخفاء خير لكم. والمراد الصدقات المتطوّع بها، فإنّ الأفضل في الفرائض أن يجاهر بها. وعن ابن عباس ﵄: صدقات السر في التطوّع تفضل علانيتها سبعين ضعفًا، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفًا. وإنما كانت المجاهرة بالفرائض أفضل؛ لنفي التهمة حتى إذا كان المزكي ممن لا يعرف باليسار كان إخفاؤه أفضل، والمتطوّع إن أراد أن يقتدى به كان إظهاره أفضل. (ونكَفِّر) قرئ بالنون مرفوعًا، عطفًا على محل ما بعد الفاء، أو على أنه خبر مبتدأٍ محذوف، أي: ونحن نكفر، أو على أنه جملة من فعل وفاعل مبتدأة؛ ومجزومًا عطفًا على محل الفاء وما بعده؛ لأنه جواب الشرط. وقرئ: (ويكفر) بالياء مرفوعًا والفعل للَّه؛ أو للإخفاء، و(تُكفر) بالتاء مرفوعًا ومجزومًا،
_________________
(١) ـ قوله: (وتصيبوا بها مصارفها مع الإخفاء): عطف تفسيري لقوله: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ). قوله: (حتى إذا كان)، غاية العلة مع المعلول، وهي المجاهرة لنفي التهمة، وقوله: "والمتطوع": عطف على المزكي، ومعناه مقدر، وتقديره: وإنما كانت المسارة بالتطوع أفضل لعدم الرياء، حتى إذا كان المراد الاقتداء به كان إظهاره أفضل، فيكون من باب: علفتها تبنًا وماء باردًا. قوله: ("ونكفر" قرئ بالنون مرفوعًا)، نافع وأبو عمرو وابن كثير، وبالياء: ابن عامر وحفص. قوله: (أي: ونحن نكفر)، فالجملة معطوفة على جملة قوله: (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، وهو مثل الأول، ويجوز أن يكون (وَيُكَفِّرُ) جملة من فعل وفاعل مبتدأة، أي: منقطعة منفصلة
[ ٣ / ٥٣٦ ]
والفعل للصدقات، وقرأ الحسن ﵁ بالياء والنصب بإضمار "أن"، ومعناه: إن تخفوها يكن خيرًا لكم، وأن يكفر عنكم.
[(لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ)].
(لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ): لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المنّ والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب، (وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ): يلطف بمن يعلم أنّ اللطف ينفع فيه، فينتهى عما نُهي عنه. (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ): من مال (فَلِأَنْفُسِكُمْ): فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم، فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم. (وَما تُنْفِقُونَ): وليست نفقتكم إلا لابتغاء وجه اللَّه ولطلب ما عنده، فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى اللَّه. (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ)
_________________
(١) ـ من خبر الجزاء، فتكون معطوفة على جملة الشرط والجزاء، المعنى: ليحصل منكم إبداء الصدقات وإخفاؤها، ومنا تكفير ذنوبكم. قوله: (والفعل للصدقات) أي: الإسناد يكون مجازيًا. قوله: (يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه)، مذهبه، وأهل السنة على أن الهداية من الله وبمشيئته فيختص بها قومًا دون قوم. قوله: (وليست نفقتكم إلا لابتغاء وجه الله تعالى). (وَمَا تُنفِقُونَ): معطوف على قوله: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ) أو: حال، قال القاضي: يجوز أن يكون حالًا، كأنه قال: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ) غير منفقين إلا لابتغاء وجه الله، قلت:
[ ٣ / ٥٣٧ ]
ثوابه أضعافًا مضاعفة، فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه، وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها. وقيل:
حجت أسماء بنت أبى بكر ﵄ فأتتها أمها تسألها وهي مشركة فأبت أن تعطيها، فنزلت. وعن سعيد بن جبير: كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من المشركين. وروي: أنّ ناسًا من المسلمين كانت لهم أصهارٌ في اليهود ورضاع، وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام، فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم. وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق اللَّه لكان لك ثواب نفقتك. واختلف في الواجب: فجوز أبو حنيفة رحمة الله عليه، صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة، وأباه غيره.
[(لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) ٢٧٣].
_________________
(١) ـ الأوجه هذا؛ لأن قوله: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) عطف على الجملة الشرطية مع الحال، وهي "ما تنفقوا"، يعني: النفقة الراجع نفعها إلى المنفق حين كانت خالصة لوجه الله هي التي توفى إلى صاحبها بالتمام والكمال من غير ظلم ونقص، وأما قوله: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) فهو عطف على (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ)، وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) اعتراض. قوله: (وأن يكون على أحسن الوجوه) عطف على قوله: "إنفاقه" لا على "أن ترغبوا". قوله: (أن يرضخوا). الرضخ: العطاء القليل، الجوهري: الرضخ مثل الرضح، رضخت الحصى والنوى: كسرته، ورضخت له رضخًا وهو العطاء ليس بالكثير، وفي الحديث: "أمرت له برضخ". كانوا يكسرون النوى ويأخذون عليه الأجرة ويصرفونها في النفقة.
[ ٣ / ٥٣٨ ]
الجار متعلق بمحذوف، والمعنى: اعمدوا الفقراء، واجعلوا ما تنفقون للفقراء كقوله تعالى: (فِي تِسْعِ آياتٍ) [النمل: ١٢]، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: صدقاتكم للفقراء، (والَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هم الذين أحصرهم الجهاد، (لا يَسْتَطِيعُونَ)؛ لاشتغالهم به (ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ)؛ للكسب. وقيل: هم أصحاب الصفة؛ وهم نحو من أربع مئة رجل من مهاجري قريش لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته- يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول اللَّه ﷺ، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى. وعن ابن عباس ﵄: وقف رسول اللَّه ﷺ يومًا على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم، فقال: «أبشروا يا أصحاب الصفة، فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضيًا بما فيه فإنه من رفقائي في الجنة».
(يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ) بحالهم (أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ): مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة. (تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ) من صفرة الوجه ورثاثة الحال. والإلحاف: الإلحاح وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه، من قولهم: لحفني من
_________________
(١) ـ قوله: (الجار متعلق بمحذوف)، الراغب: قيل: هو بدل البعض من قوله: (فَلأَنفُسِكُمْ) أي: أهل دينكم، فصار الفقراء بعضهم، وقيل: متعلق بقوله: (وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) أي: ما تنفقون لهم إلا تقربًا إلى الله، فمعلوم أن من خص بنفقته هؤلاء فلم يقصد به إلا وجه الله. قوله: (مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة)، الراغب: العفة: حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف: المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر، وأصله
[ ٣ / ٥٣٩ ]
فضل لحافه، أي: أعطاني من فضل ما عنده. وعن النبي ﷺ: «إنّ اللَّه تعالى يحبّ الحيىّ الحليم المتعفف، ويبغض البذىّ السآل الملحف»، ومعناه: أنهم إن سألوا سألوا بتلطفٍ ولم يلحوا. وقيل: هو نفي للسؤال والإلحاف جميعًا، كقوله:
عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ
يريد نفى المنار والاهتداء به.
_________________
(١) الاقتصار على تناول الشيء القليل الجاري مجرى العفاف، والعفة، أي: البقية من الشيء، أو: مجرى العفف، وهو ثمر الأراك. قوله: (ويبغض البذيء). البذيء: البذاء بالمد: الفحش، فلان بذيء اللسان، والمرأة: بذيئة. قوله: (سألوا بتلطف ولم يلحوا) يحتمل أن يراد أن (إِلْحَافًا): منصوب على المصدر؛ لأن السؤال بالتلطف نوع منه أو على الحال. قوله: (على لاحب لا يهتدى بمناره)، تمامه من رواية الزجاج: إذا سافه العود الديافي جرجرا قال الزجاج: المعنى: ليس لها منار فيهتدى بها، وكذلك ليس من هؤلاء السؤال فيقع منه إلحاف. تم كلامه. اللاحب: الطريق الواضح، والسوف: الشم، والعود: الجمل المسن، والدياف: قرية يسكنها النبط، وهو زارع العرب، جرجرا، أي: صوت، وقيل: أوله: سدى بيديه ثم أج بسيره
[ ٣ / ٥٤٠ ]
[(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)].
(بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً) يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة؛ لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه، ولم يتعللوا بوقتٍ ولا حال. وقيل: نزلت في أبي بكر الصدّيق ﵁ حين تصدّق بأربعين ألف دينارٍ: عشرةً بالليل، وعشرةً بالنهار، وعشرةً في السرّ، وعشرة في العلانية. وعن ابن عباس ﵄: نزلت في علىّ ﵁ لم يملك إلا أربعة دراهم، فتصدّق بدرهم ليلًا، وبدرهم نهارًا، وبدرهم سرًا، وبدرهم علانية.
_________________
(١) ـ السدو: مد اليد نحو الشيء، والمراد: تذرع الناقة بيديها واتساع خطوها، وأج الظليم يأج أجًا: عدا، قال الإمام: القول الأول وهو: أن يسألوا بتلطف ولم يلحوا ضعيف؛ لأن الله تعالى وصفهم بالتعفف عن السؤال بقوله: (يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ)، ثم قال: (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ)، وذلك ينافي صدور السؤال عنهم. يريد أنه من باب التقسيم الحاصر؛ لأن الناس من بين عارف بأحوالهم وجاهل بها، فإذا انتفى شعورهما انتفى السؤال بالكلية. وقلت: هذا مقام يفتقر إلى فضل بسط ومزيد بيان. واعلم أن الشيء الذي يراد نفيه: إما أن ينفى مطلقًا أو مع التأكيد، بأن ينفى مع وصفه، كما تقول: ما عندي كتاب يباع، فهو محتمل نفي البيع وحده وأن عنده كتابًا إلا أنه لا يبيعه، أو نفيهما جميعًا وأن لا كتاب عنده ولا كونه مبيعًا، ذكره في حم المؤمن، وما نحن بصدده من القبيل الثاني، لوجود عدم السؤال من القرينة السابقة؛ لأنها دافعة لدليل الخطاب، كما أن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) [آل عمران: ١٣٠] دافع دليل خطابه خصوص السبب، إذ
[ ٣ / ٥٤١ ]
وقيل: نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل اللَّه. وعن أبى هريرة ﵁، كان إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية.
[(الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) ٢٧٥ - ٢٧٦].
_________________
(١) ـ لو ذهبنا إلى دليل الخطاب لزم التناقض بين السابق واللاحق، وهو نوع من أنواع الكنايات، وفائدة انضمام هذه القرينة مع الأولى ومجيء الإلحاف المنفي فيها: المبالغة والتوكيد في نفي السؤال، فهي كالتذييل أو التتميم، ولها طريقان، أحدهما: جيء بها مشتملة على نفي التابع بالمتبوع ليؤذن بأن المتبوع بلغ في الانتفاء إلى درجة يصح جعله دليلًا على نفي الغير، فيلزم بذلك نفيه على سبيل القطع والبت، قال المصنف في قوله تعالى: (وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ): الفائدة في ذكر الصفة ونفيها هي أن تضم الصفة مع الموصوف ليقام انتفاء الموصوف في مقام الشاهد على انتفاء الصفة، فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود الموصوف. وثانيهما: أتى بالقرينة الثانية متضمنة للتابع والمتبوع ليكون انتفاء التابع ذريعة إلى انتفاء المتبوع بالطريق الأولى، وهذا إنما يتأتى فيما فيه الوصف في الدرجة القصياء في بابه كالإلحاح فيما نحن فيه، فنقول: ليس لهم سؤال في حالة الاضطرار، وانتفاؤه في غيرها بالطريق الأولى، أي: لو وجد منهم سؤال لم يكن إلا على ذلك التقدير؛ لأن المضطر له ذلك، وأولئك لا يسألون أيضًا هذا السؤال عند الاضطرار، فأفاد أنهم يشرفون على الهلاك ولا يسألون، فظهر من هذا قوة إيراد الإمام، اللهم إلا أن يقال: إن المراد إثبات السؤال على الفرض والتقدير ومن ثم جاء بـ "إن"، التي للشك، وليس بقوي أيضًا، وقال أبو البقاء: (لا يَسْأَلُونَ): حال، ويجوز أن يكون مستأنفًا، و(إِلْحَافًا): مفعول من أجله، ويجوز أن يكون مصدرًا لفعل محذوف دل عليه (يَسْأَلُونَ)، فكأنه قال: لا يلحفون، ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال، تقديره: لا يسألون ملحفين.
[ ٣ / ٥٤٢ ]
(الربا) كتب بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها؛ تشبيهًا بواو الجمع. (لا يَقُومُونَ) إذا بعثوا من قبورهم (إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ)، أي: المصروع. وتخبط الشيطان من زعمات العرب؛ يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع. والخبط: الضرب على غير استواءٍ كخبط العشواء، فورد على ما كانوا يعتقدون. والمس: الجنون، ورجل ممسوس. وهذا أيضًا من زعماتهم، وأن الجنيَّ يمسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل، معناه: ضربته الجنّ، ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات. فإن قلت: بم يتعلق قوله: (مِنَ الْمَسِّ)؟ قلت: بـ (لا يقومون)، أي: لا يقومون من المسّ الذي بهم إلا كما يقوم المصروع، ويجوز أن يتعلق بـ (يقوم)،
_________________
(١) ـ قوله: (من زعمات العرب). قال الجبائي: لأن حقيقة المس والصرع من الشيطان باطل؛ لأن قدرته ضعيفة لا يقدر على مثل ذلك، ولقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ) [إبراهيم: ٢٢ ي، وقال القفال: الناس يضيفون الصرع إلى الشيطان فخوطبوا على ما تعارفوا. الانتصاف: هذا من تخبيط الشيطان لمن ينكر، لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من وجود الجن وتعرضهم للإنسان. قوله: (ورأيتهم لهم في الجن قصص). قصص: مبتدأ، و"لهم": خبره، والجملة: حال إن كان "رأى" بمعنى: أبصر، ومفعول ثان إن كان بمعنى: علم.
[ ٣ / ٥٤٣ ]
أي: كما يقوم المصروع من جنونه، والمعنى: أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف. وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون إلا أكلة الربا، فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين؛ لأنهم أكلوا الربا فأرباه اللَّه في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض. (ذلِكَ) العقاب بسبب قولهم: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا). فإن قلت: هلا قيل: إنما الربا مثل البيع؛ لأنّ الكلام في الربا لا في البيع؛ فوجب أن يقال: إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه، وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوي إلا درهمًا بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهمًا بدرهمين! قلت: جيء به على طريق المبالغة؛ وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلًا وقانونًا في الحل حتى شبهوا به البيع، وقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) إنكار لتسويتهم بينهما، ودلالة على أنّ القياس يهدمه النص؛ لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال اللَّه وتحريمه.
(فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ) فمن بلغه وعظ من اللَّه وزجر بالنهي عن الربا (فَانْتَهى): فتبع النهى وامتنع، (فَلَهُ ما سَلَفَ) فلا يؤخذ بما مضى منه؛ لأنه أخذ قبل نزول التحريم (وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ) يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به. (وَمَنْ عادَ) إلى الربا (فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)،
_________________
(١) ـ قوله: (مخبلين)، النهاية: الخبل، بسكون الباء: فساد الأعضاء، يقال: خبل الحب قلبه: إذا أفسده. قوله: (يوفضون)، الجوهري: ألوفض: العجلة، وأوفض واستوفض: أسرع. قوله: (على طريق المبالغة). هذا يسميه ابن الأثير في البيان بالطرد والعكس؛ لأن حق المشبه به أن يكون أعرف بجهة التشبيه وأقوى، فإذا عكس صار المشبه أقوى من المشبه به. وهو المراد بقوله: "إنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلًا وقانونًا في الحل".
[ ٣ / ٥٤٤ ]
وهذا دليل بين على تخليد الفساق. وذكر فعل الموعظة لأنّ تأنيثها غير حقيقى، أو لأنها في معنى الوعظ. وقرأ أبيٌّ والحسن: (فمن جاءته). (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا): يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. وعن ابن مسعودٍ ﵁: الربا وإن كثر إلى قلّ.
_________________
(١) قوله: (هذا دليل بين على تخليد الفساق) يعني: أن قوله: (الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا) عام في الكفار والفساق، وكذا قوله: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، وكذا (وَمَنْ عَادَ)، وأن قوله: (فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وَمَنْ عَادَ) مترتب عليه، فوجب أن يدخلوا في حكم هذا الوعيد. الانتصاف: مفعول (وَمَنْ عَادَ) محذوف، ولا نسلم أن المراد العود إلى الربا، بل عاد إلى ما سلف ذكره، وهو فعل الربا واعتقاد حله والاحتجاج عليه بقياس في معرض النص، ومن فعل ذلك كفر. قال الإمام: المراد: ومن عاد إلى استحلال الربا حتى يصير كافرًا، فعلى هذا قوله: (فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) مخصوص بهؤلاء، أقصى ما في الباب أنا خالفنا هذا الظاهر وأدخلنا سائر الكفار فيه، وهذا التقدير مشترك الإلزام؛ لأن تخصيص الخلود لهؤلاء على ما ذهبتم يفيد أن حكم غير هؤلاء من الفساق غير هذا فيلزمكم خلاف الظاهر أيضًا. وقلت: ويقوي قول صاحب "الانتصاف": أن الضمير في (فَانتَهَى) و(عَادَ) راجع إلى مجموع آكلي الربا والقائل باستحلاله، ولأن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا) إلى قوله: (وَلا تُظْلَمُونَ) وارد في المؤمنين، وهو مقابل لهذه الآيات، فوجب حملها على الكفار ليصح التضاد والتقابل، فيكون قوله: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) مجرى على ظاهره، فلا يحمل على التغليظ كما ذهب إليه المصنف، ويؤيده وضع المظهر، وهو (كَفَّارٍ) موضع ضمير (وَمَنْ عَادَ) إشعارًا بأن العائد إلى الاستحلال مبالغ في الكفر عامة، ولذلك أوثر صيغة "فعال". قوله: (وعن ابن مسعود: الربا وإن كثر إلى قل)، والمذكور في "مسند الإمام أحمد بن حنبل":
[ ٣ / ٥٤٥ ]
(وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ) ما يتصدّق به بأن يضاعف عليه الثواب ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة، ويبارك فيه. وفي الحديث: «ما نقصت زكاة من مال قط». (كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) تغليظ في أمر الربا، وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين.
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ* وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)].
أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها. وروي: أنها نزلت في ثقيف، وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا. وقرأ الحسن: (ما بقي) بقلب الياء ألفًا على لغة طيئ، وعنه: (ما بقي) بياءٍ ساكنة، ومنه قول جرير:
_________________
(١) ـ "فإن عاقبته تصير إلى قل"، وفي الحديث: "ما نقصت زكاة من مال قط"، روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، إن كنت لحالفًا عليهن: لا ينقص مال من صدقة، ولا يعفو عبد عن مظلمة إلا رفعه الله بها عزًا، ولا يفتح عند باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر".
[ ٣ / ٥٤٦ ]
هُوَ الْخَلِيفَةُ فَارْضَوْا مَا رَضِي لَكُمُ … مَاضِى الْعَزِيمَةِ مَا فِى حُكْمِهِ جَنَفُ
(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): إن صح إيمانكم، يعني: أنّ دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك
_________________
(١) ـ قوله: (هو الخليفة فارضوا) البيت، قوله: "ما رضي" بياء ساكنة، ماضي العزيمة: أي: مجد في الأمور، والجنف: الميل. قوله: (يعني أن دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به)، يريد أن قوله: (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) شرط جزاؤه ما دل عليه، قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا) جيء به مؤكدًا للأمر بالتقوى، ثم الظاهر أنه إن قدر: يا أيها الذين ادعوا الإيمان بألسنتهم، يكون المعنى: اعلموا أن دليل ثباتكم على إيمانكم امتثال ما أمر الله به، وترك الربا من ذلك، وإن قدر: يا أيها الذين آمنوا حقيقة، يكون المعنى: اعلموا أن دليل ثباتكم على الإيمان امتثال ما أمرتم به من ذلك، ويؤيد الثاني أن هذه الآية واردة في المؤمنين الخلص لأنها مقابلة لقوله: (الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا)، وهي في الكفار كما سبق، وأما قوله تعالى: (فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) فمن باب التغليظ. قوله: (من ذلك) هو بيان "ما أمرتم به"، والمشار إليه بقوله: "ذلك" الأمران، أعني: (اتَّقُوا)، و"ذروا"، المعنى: يا أيها الذين آمنوا إن كنتم صادقين في الإيمان فاعلموا أن دليل صدقكم وثباتكم امتثال ما أمرتم به من التقوى وترك الربا. الراغب: سماهم مؤمنين في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) لإقرارهم بالإيمان، ثم بين بقوله: "إن كنتم مؤمنين" أن من شرط الإيمان التزام أحكامه، أي: إن كنتم مؤمنين فلابد من التزام ذلك، وقال مقاتل: معنى (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ): إذ كنتم مؤمنين، ووجهه أن "إن" مترددة فيما يتحقق وقوعه وفيما لا يتحقق، وإذ قال فيما كان معلومًا وقوعه فبين أن "إن" ها هنا لم تكن لوقوع شبهة في إيمانهم. وقلت: وسيجيء تمام تقريره في سورة الممتحنة.
[ ٣ / ٥٤٧ ]
(فأذَنُوا بِحَرْبٍ): فاعلموا بها، من أذن بالشيء؛ إذا علم به. وقرئ: (فآذنوا): فأعلموا بها غيركم، وهو من الأذن وهو الاستماع؛ لأنه من طرق العلم. وقرأ الحسن: (فأيقنوا) وهو دليل لقراءة العامّة. فإن قلت: هلا قيل: بحرب اللَّه ورسوله! قلت: كان هذا أبلغ؛ لأن المعنى: فأذنوا بنوعٍ من الحرب عظيم عند اللَّه ورسوله. وروي: أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا يديْ لنا بحرب اللَّه ورسوله. (وَإِنْ تُبْتُمْ)، من الارتباء. (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ) المديونين بطلب الزيادة عليها، (وَلا تُظْلَمُونَ) بالنقصان منها. فإن قلت: هذا حكمهم إن تابوا فما حكمهم لو لم يتوبوا؟ قلت: قالوا: يكون مالهم فيئًا للمسلمين. وروى المفضل عن عاصمٍ: (لا تُظْلَمون ولا تَظْلِمون).
_________________
(١) ـ قوله: (فَاذَنُوا بِحَرْبٍ» ساكنة الهمزة مفتوحة الذال قراءة العامة سوى حمزة وأبي بكر فإنهما قرآ ممدودة مكسورة الذال، أي: فأعلموا بها غيركم. قوله: (لا يدي لنا)، أي: لا طاقة لنا، النهاية: ما لي بهذا الأمر يد ولا يدان، أي: لا طاقة لي به؛ لأن المباشرة والدفاع إنما يكون باليد، فكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه. قوله: (يكون مالهم فيئًا للمسلمين)، هذا إنما يصح إذا كان الخطاب مع الكفار المستحلين للربا، وهم الذين قالوا: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)، وليس كذلك؛ لأن الخطاب مع المؤمنين لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا) كما سبق، فحكمهم إن كانوا ذوي الشوكة حكم الفئة الباغية في أن مالهم لا يكون فيئًا، كما فعل علي ﵁، وإن لم يكونوا كذلك عزروا إلى أن يتوبوا.
[ ٣ / ٥٤٨ ]
(وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ): وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار. وقرأ عثمان ﵁: (ذا عسرة) على: وإن كان الغريم ذا عسرة، وقرئ: (ومن كان ذا عسرة). (فَنَظِرَةٌ): فالحكم، أو: فالأمر نظرة؛ وهي الإنظار. وقرئ: (فنظرة) بسكون الظاء. وقرأ عطاء: (فناظره) بمعنى: فصاحب الحق ناظره، أي: منتظره، أو صاحب نظرته، على طريقة النسب، كقولهم: مكان عاشب وباقل، أي: ذو عشب وذو بقل؛ وعنه: (فناظره)؛ على الأمر بمعنى: فسامحه بالنظرة وياسره بها. (إِلى مَيْسَرَةٍ) إلى يسار
_________________
(١) ـ قوله: (وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة). قال الإمام: الفرق بين كان إذا كانت تامة وبينها أن تكون ناقصة، أن التامة بمعنى حدث ووجد الشيء، والناقصة بمعنى وجد موصوفية الشيء بالشيء، فإذا قلت: كان زيد عالمًا فمعناه: حدث موصوفية زيد بالعلم في الزمان الماضي. الراغب: قيل: هي ناقصة، أي: "وإن كان ذو عسرة غريمًا لكم"، فحذف لدلالة الكلام عليه، وهذا أجود؛ لأن كان التامة أكثر ما يتعلق بها الأحداث دون الأشخاص نحو: كان الخروج، كقولك: اتفق الخروج، ولا تقول: كان زيد واتفق زيد. قوله: (على طريق النسب)، أي: يجعل النظر حرفة لنفسه وعادته حثًا عليها، روينا عن مسلم والدارمي، عن أبي قتادة، أن رسول الله ﷺ قال: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أنجاه الله من كرب يوم القيامة".
[ ٣ / ٥٤٩ ]
وقرئ بضم السين، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة. وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله:
وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِى وَعَدُوا
وقوله تعالى: (وَأَقامَ الصَّلاةَ) [النور: ٣٧]. (وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ) ندب إلى أن يتصدقوا برءوس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كقوله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) [البقرة: ٢٣٧]. وقيل: أريد بالتصدق الإنظار؛ كقوله ﷺ: «لا يحل دين رجلٍ مسلمٍ فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة». (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنه خيرٌ لكم فتعملوا به، جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ بضم السين)، أي: ميسرة: نافع، والباقون بالفتح. قوله: (وأخلفوك عدى الأمر الذي وعدوا)، أوله: بان الخليط بسحرة فتبددوا الخليط: الذي يخالطك في ماله وذات يده، وهو بمعنى الجمع عد الأمر، أي: عدة الأمر، فحذف الهاء عند الإضافة، قيل: ليس هذا المصراع منه لأنه من وزن آخر، وقيل: أوله: إن الخليط أجدوا البين فانجردوا، انجرد السير: إذا امتد وطال. قوله: (وقيل: أريد بالتصدق: الإنظار)، قال الإمام: هذا القول ضعيف؛ لأن الإنظار قد علم مما قبل، فلابد من حمله على فائدة جديدة. ويؤيده ما روينا في حديث أبي قتادة عن مسلم: "أو وضع عنه". قوله: (فيؤخره) روي نمصوبًا، قيل: بالرفع أجود للمبالغة أي: فإنه يؤخره.
[ ٣ / ٥٥٠ ]
وقرئ: (تصدّقوا) بتخفيف الصاد على حذف التاء. (تُرْجَعُونَ) قرئ على البناء للفاعل والمفعول، وقرئ: (يرجعون) بالياء على طريقة الالتفات، وقرأ عبد اللَّه: (تردّون)، وقرأ أبيّ: (تصيرون إلى الله). وعن ابن عباس: أنها آخر آيةٍ نزل بها جبريل ﵇ وقال: ضعها في رأس المئتين والثمانين من البقرة. وعاش رسول اللَّه ﷺ بعدها أحدًا وعشرين يومًا، وقيل: أحدًا وثمانين، وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاث ساعات.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَابَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَابَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: (تَصَدَّقُوا)، بتخفيف الصاد): عاصم، والباقون: بتشديدها. قوله: ("ترجعون"، على البناء للفاعل): أبو عمرو، والباقون: على البناء للمفعول، و"يرجعون" بالياء: شاذ. قوله: (أنها آخر آية نزلت) عن البخاري، عن ابن عبا: آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ آية الربا، وعن الدارمي وابن ماجة، عن عمر بن الخطاب ﵁: إن آخر آية نزلت آية الربا، وإن رسول الله ﷺ قبض ولم يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة.
[ ٣ / ٥٥١ ]
أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)].
(إِذا تَدايَنْتُمْ): إذا داين بعضكم بعضًا. يقال: داينت الرجل؛ عاملته (بِدَيْنٍ) معطيًا أو آخذًا، كما تقول: بايعته؛ إذا بعته أو باعك. قال رؤبة:
دَايَنْتُ أرْوَى وَالدُّيُونُ تُقْضَى … فَمَطَلَتْ بَعْضًا وَأَدَّتْ بَعْضَا
والمعنى: إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه. فإن قلت: هلا قيل: إذا تداينتم إلى أجل مسمى! وأي حاجةٍ إلى ذكر الدين كما قال: "داينت أروى"، ولم يقل: بدين؟ قلت: ذكر ليرجع الضمير إليه في قوله (فَاكْتُبُوهُ)؛ إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين؛
_________________
(١) ـ قوله: (داينت أروى) البيت، أروى: اسم المحبوبة، والمطل: مدافعة الدين. قوله: (لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين)، وفيه إشكال، إذ من الجائز أن يقال: فاكتبوها، والضمير لمصدر المداينة، وأجاب الإمام: أن المداينة مفاعلة، وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين، وذلك هو بيع الدين بالدين، وهو باطل بالاتفاق، فجيء بالدين ليصير المعنى: إذا تعاملتم بدين كما قدره المصنف، فلو رجع الضمير إلى مصدر تداينتم لزم المحذورات.
[ ٣ / ٥٥٢ ]
فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحالّ. فإن قلت: ما فائدة قوله: (مُسَمًّى)؟ قلت: ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلومًا،
_________________
(١) ـ الراغب: أنه لما عقب تداينتم بقوله: (فَاكْتُبُوهُ) ذكر لفظ الدين ليبين أنه الذي حث على كتبه، وكتبته واجبة عند الربيع وبعضهم، وقيل: هو في السلم خاصة، وحقيقة الأمر حث على غاية ما يكون في ذلك من الاحتياط، فإن الكتاب خليفة اللسان، واللسان خليفة القلب، قال أيضًا: جمع في قوله: (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) بين اللفظين، وقدم لفظة "الله" ليؤذن بأن مراقبة ذاته أشرف من اعتبار التربية والإنعام، كأنه قيل: إن لم تلاحظوه فلاحظوا نعمه اللازمة. وقال القاضي: وفائدة ذكر الدين أن لا يتوهم من التداين المجازاة. وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: إن التداين يمكن أن يستعمل في المجازي كما في بيت رؤبة، فذكر دفعًا لتوهم المجاز، فيكون ذكره تحقيقًا لأن يكون ذلك في التعامل بالدين، وقلت: معنى كلامه على أن المقصود من ذكر الدين التأكيد، ليكون على وزان قولك: قبضته بيدي ورأيته بعيني لئلا يتوهم المعنى المجازي. قوله: (فلم يكن النظم بذلك الحسن)، وذلك أن المراد بالتداين إما: بيع الدين بالدين، فحينئذ لم يتجاوب آخر الكلام أوله، أو أن أصل الكلام كما قدره: "إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه"، فإذا حذف (بِدَيْنٍ) لم يكتب مؤدى تداينتم: تعاملتم إلا بالتكلف، فلا يحسن ذلك الحسن، ولأنه يفوت غرض التكرير بعود الضمير. وقال صاحب "الفرائد": إنما ذكر (بِدَيْنٍ) ليعلم أن الكتابة مندوبة بأي دين كان، قليلًا أو كثيرًا. قوله: (أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال)، وذلك أن التنكير فيه يدل على الشيوع، فجيء بالاسم الحامل له ليدل على العموم ولو لم يذكر لم يفد هذا المعنى.
[ ٣ / ٥٥٣ ]
كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام، ولو قال: إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج؛ لم يجز لعدم التسمية.
وإنما أمر بكتبة الدين؛ لأنّ ذلك أوثق وآمن من النسيان، وأبعد من الجحود، والأمر للندب. وعن ابن عباس أن المراد به السلم، وقال: لما حرم اللَّه الرّبا أباح السلف. وعنه: أشهد أن اللَّه أباح السلم المضمون إلى أجلٍ معلومٍ في كتابه، وأنزل فيه أطول آية. (بِالْعَدْلِ) متعلق بـ (كاتب) صفة له، أي: كاتب مأمون على ما يكتب، يكتب بالسوية والاحتياط، لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص، وفيه: أن يكون الكاتب فقيها عالمًا بالشروط، حتى يجيء مكتوبه معدلًا بالشرع وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب، وأن لا يستكتبوا إلا فقيها دينًا.
_________________
(١) ـ قوله: (لعدم التسمية) أي: التعيين؛ لأن مفهوم (إِلَى أَجَلٍ) شامل للأشهر والسنين والحصاد والدياس، فجيء بالمسمى ليدل على المعين، فلو دخل فيه مثل الدياس لبقي على ما كان ولم يفد المسمى شيئًا، يقال: داس يدوس، وهو أن يدق الطعام ليخلص البر من التبن. الانتصاف: الحصاد مضبوط بالعرف، وأجاز مالك البيع إلى الحصاد، والمعتبر زمن وقوع ذلك لا وقوعه. الإنصاف: هذا بعيد؛ لأن زمن الحصاد لا يتحقق بيوم معين وإن تحقق في فصل وشهر. قوله: «بِالْعَدْلِ) متعلق بـ (كَاتِبٌ»، المراد بالتعلق: أن يكون متممًا لما تتعلق به صفة، قال أبو البقاء: هو متعلق (وَلْيَكْتُبْ)، أي: ليكتب بالحق، ويجوز أن يكون: وليكتب عادلًا، وقيل: هو متعلق بـ (كَاتِبٌ) أي: كاتب موصوف بالعدل أو مختار. قوله: (وفيه) يشير إلى أن الكلام مسوق لمعنى ومدمج فيه معنى آخر، يعني: دل إشارة
[ ٣ / ٥٥٤ ]
(وَلا يَأبَ كاتِبٌ) ولا يمتنع أحد من الكتاب، وهو معنى تنكير (كاتب)، (أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ): مثل ما علمه اللَّه كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير. وقيل هو قوله تعالى (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [القصص: ٧٧]، أي: ينفع الناس بكتابته كما نفعه اللَّه بتعليمها. وعن الشعبي: هي فرض كفاية. و(كما علمه اللَّه) يجوز أن يتعلق بـ (أن يكتب)، وبقوله: (فليكتب) فإن قلت: أي: فرق بين الوجهين؟ قلت: إن علقته بـ (أن يكتب)؛ فقد نهى عن الامتناع من الكتابة المقيدة، ثم قيل له: (فَلْيَكْتُبْ)، يعنى فليكتب تلك الكتابة
_________________
(١) ـ النص وتقييد الكاتب بالعدل على إدماج معنى الفقاهة؛ لأن مراعاة العدل والسوية من الأمور الخطيرة فلا يتمكن منها إلا الفقيه الكامل العالم بكتابة الشروط والصكوك. قوله: (وقيل: هو كقوله تعالى: (وَأَحْسَنُ»: عطف على قوله: "مثل ما علمه الله كتابة الوثائق"، ويجوز على هذا التفسير أن يحمل الكاتب الثاني على الأول، على أن كرر "كاتب" ليناط به من زيادة لم تنط به أولًا، وهو معنى الاستحماد على ما أولى من نعمة التعليم، وهو المراد من قوله: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ)، وفيه إشعار بتعظيم أمر الكتابة، وعلى الأول يحمل على غيره، وهو الأصل لأن النكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى فيحمل الكاتب الثاني على الجنس؛ لأن الأول نوع منه مقيد بصفة العدالة، وإلى الجنس إلإشارة بقوله: (ولا يمتنع أحد من الكتاب). قوله: (هي فرض كفاية). قال الزجاج: هذا أدب من الله تعالى وليس بأمر حتم كما قال: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: ٢]. وقال القاضي: (فَاكْتُبُوهُ) ظاهر في الوجوب؛ لأنه أوثق وأدفع للنزاع، والجمهور على أنه استحباب.
[ ٣ / ٥٥٥ ]
لا يعدل عنها؛ للتوكيد. وإن علقته بقوله (فليكتب)؛ فقد نُهي عن الامتناع من الكتابة على سبيل الإطلاق، ثم أمر بها مقيدة. (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ): ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق، لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به.
والإملاء والإملال: لغتان قد نطق بهما القرآن: (فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ) [الفرقان: ٥]. (وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ): من الحق (شَيْئًا). والبخس: النقص
_________________
(١) ـ قوله: (للتوكيد) يتعلق بقوله: "ثم قيل له: (فَلْيَكْتُبْ) " يعني: نهى أولًا عن الإباء عن الكتابة المتصفة، ثم أمر بالكتابة المطلقة بقوله: (فَلْيَكْتُبْ)، فيحمل على المقيد تأكيدًا. قوله: (ثم أمر بها مقيدة). قيل: إنما لم يقل في هذا الوجه: للتوكيد؛ لأن النهي عن امتناع مطلق الكتابة لا يدل على الأمر بالكتابة المخصوصة، فخصص بالكتابة الشرعية حيث لم يدل عليه النهي فلا يكون للتأكيد، ويمكن أن يقال: إن التأكيد إنما يحصل من التكرير، فإذا نهى عن امتناع مطلق الكتابة دخل في النهي امتناع الكتابة الشرعية ضمنًا، ثم أمر بها صريحًا، كان أقوى مما أمر أولًا مقيدًا؛ لأن الشيء بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب. قوله: (وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ): ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق). الحصر مستفاد من تعليق الحكم بأحد وصفي الذات لأنه عدول عن المديون إلى الذي عليه الحق؛ لأن المديون هو الأصل لقوله تعالى: (إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ)، وليست الفائدة إلا ما ذكره، ونحوه: "مطل الغني ظلم"، ولأن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية، والأصل نفي علة أخرى، ومن ثم علل الحصر بقوله: "لأنه هو المشهور على ثباته في ذمته"، ومعنى الاختصاص الذي يعطيه ضمير الفصل في هذه العلة نحو معنى تقديم الخبر على المبتدأ في تلك العلة، وهو (عَلَيْهِ الْحَقُّ)، والحاصل: أن العدول من المديون إلى الذي عليه الحق للحصر، وتقديم الخبر علة الحصر، هذا على أصولنا ظاهر، والمصنف كثيرًا يميل إلى العمل
[ ٣ / ٥٥٦ ]
وقرئ (شيا)، بطرح الهمزة: وشيا، بالتشديد سَفِيهًا محجورا عليه لتبذيره وجهله بالتصرف، (أَوْ ضَعِيفًا): صبيًا، أو شيخًا مختلًا. _أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ): أو غير مستطيع للإملاء بنفسه؛ لعيّ به أو خرس، (فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ) الذي يلي أمره من وصىّ إن كان سفيهًا أو صبيًا، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أو ترجمانٍ يمل عنه وهو يصدقه. وقوله تعالى: (أَنْ يُمِلَّ هُوَ) فيه أنه غير مستطيع بنفسه، ولكن بغيره، وهو الذي يترجم عنه. (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ): واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدين (مِنْ رِجالِكُمْ): من رجال المؤمنين، والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام عند عامة العلماء.
_________________
(١) ـ بالمفهوم في كتابه هذا، وعلى هذا تقع الفاء في قوله: (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا) في حجره، وفي تكرير (الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) ووضعه موضع المضمر إشعار بمزيد اعتبار الوصف. قوله: (و"شيًا" بالتشديد): حمزة وهشام عند الوقف. قوله: (مختلًا)، الجوهري: الخل: الرجل النحيف المختل الجسم. قوله: (أو ترجمان): عطف على "وكيل لا وصي"، ولقائل أن يقول: فسر السفيه بالمحجور عليه، والضعيف بالصبي والشيخ المختل وغير المستطيع بمن له العي والخرس، ثم خص الوصي بالسفيه والصبي، والوكيل والترجمان بغير المستطيع، وترك الشيخ المختل مهملًا، والجواب: أن الضعيف لما اشتمل على الصبي والشيخ، وأدخل القسم الأول منه في حكم الوصي، ينبغي أن يدخل الثاني منه في حكم الوكيل، وإنما لم يذكره لظهوره. قوله: (فيه أنه غير مستطيع بنفسه) يعني: أدمج في سياق الكلام معنى التأكيد بأن أكد الضمير الفاعل المستكن بالمرفوع لرفع التجوز. قوله: «مِنْ رِجَالِكُمْ) من رجال المؤمنين)، الراغب: قال بعضهم: تقتضي هذه الإضافة الإيمان والحرية والبلوغ والذكورة، وتقتضي (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ) العدالة.
[ ٣ / ٥٥٧ ]
وعن علي ﵁: لا تجوز شهادة العبد في شيء. وعند شريح وابن سيرين وعثمان البتىّ أنها جائزة. ويجوز عند أبي حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعضٍ على اختلاف الملل. (فَإِنْ لَمْ يَكُونا): فإن لم يكن الشهيدان (رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ): فليشهد رجل وامرأتان. وشهادة النساء مع الرجال مقبولة عند أبي حنيفة فيما عدا الحدود والقصاص. (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ): ممن تعرفون عدالتهم. (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما): أن لا تهتدي إحداهما للشهادة بأن تنساها، من ضل الطريق، إذا لم يهتد له، وانتصابه على أنه مفعول له، أي: إرادة أن تضل. فإن قلت: كيف يكون ضلالها مرادًا للَّه تعالى؟ قلت: لما كان الضلال سببًا للإذكار، والإذكار مسببًا عنه، وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما، كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار، فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، ونظيره قولهم: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح أن يجيء عدوٌّ فأدفعه. وقرئ: (فَتُذَكِّرَ) بالتخفيف والتشديد، وهما لغتان. و(فتذاكر).
وقرأ حمزة: (إن تضل إحداهما) على الشرط (فتذكر) بالرفع والتشديد،
_________________
(١) ـ قوله: (وشهادة النساء)، أي: شهادة النساء مقبولة عند الشافعي ﵁ في الأموال فقط، وعند أبي حنيفة ﵁ فيما عدا الحدود والقصاص. قوله: (وقرأ حمزة: "إن تضل") أي: بكسر الهمزة، والباقون: بفتحها، "فتذكر" برفع الراء: حمزة مشددًا، وابن كثير وأبو عمرو: بنصبها مخففًا، والباقون: بالنصب على التشديد، قال
[ ٣ / ٥٥٨ ]
كقوله: (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) [المائدة: ٩٥]، وقرئ: (أن تضل إحداهما) على البناء للمفعول والتأنيث. ومن بدع التفاسير: (فتذكر) فتجعل إحداهما الأخرى ذكرًا يعنى أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر. (إِذا ما دُعُوا) ليقيموا الشهادة
_________________
(١) ـ الزجاج: فمن كسر فالكلام على الجزاء، والمعنى: إن تنس إحداهما تذكرها الذاكرة فتذكر، وقال: وزعم سيبويه والخليل والمحققون: أن المعنى: استشهدوا امرأتين لأن تذكر إحداهما الأخرى، ومن أجل أن تذكر إحداهما الأخرى، قال سيبويه: فإن قيل: فلم جاز (أَنْ تَضِلَّ) وإنما أعد هذا للإذكار؟ فالجواب عنه: أن الإذكار لما كان سببه الإضلال جاز أن يذكر (أَنْ تَضِلَّ)؛ لأن الإضلال هو السبب الذي به وجب الإذكار، قال: ومثله: أعددت هذا أن يميل الحائط فأدعمه، وإنما أعددته للدعم لا للميل، ذكر الميل لأنه سبب الدعم، كما ذكر الإضلال لأنه سبب الإذكار، وهذا هو البين. تم كلامه. قال أبو البقاء: معنى المثال: لأدعم بالخشبة الحائط إذا مال، فكذلك الآية، معناها: لأن تذكر إحداهما الأخرى إذا ضلت. قوله: «وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ»، أي: من عاد فهو ينتقم، المعنى: فهي تذكر إحداهما، والضمير المحذوف: للشهادة، أي: فالشهادة تذكر تذكرها إحداهما الأخرى والأولى أن الضمير للذاكرة و(إِحْدَاهُمَا): مظهر وضع موضع المضمر، وهذا مطرد في جميع المواضع التي يذكر فيها الشرط فيرفع جزاؤه مع الفاء.
[ ٣ / ٥٥٩ ]
وقيل: ليستشهدوا. وقيل لهم: شهداء قبل التحمل، تنزيلًا لما يشارف منزلة الكائن. وعن قتادة: كان الرجل يطوف الحواء العظيم فيه القوم فلا يتبعه منهم أحد، فنزلت. كني بالسأم عن الكسل، لأنّ الكسل صفة المنافق. ومنه الحديث: "لا يقول المؤمن كسلت"، ويجوز أن يراد: من كثرت مدايناته فاحتاج أن يكسب لكل دين صغير أو كبير كتابًا، فربما مل كثرة الكتب. والضمير في (تَكْتُبُوهُ) للدين، أو الحق، (صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا) على أي حالٍ كان الحق من صغرٍ أو كبر. ويجوز أن يكون الضمير للكتاب، و(أن يكتبوه) مختصرًا أو مشبعًا لا يخلوا بكتابته.
(إِلى أَجَلِهِ): إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته (ذلِكُمْ) إشارة إلى) أن تكتبوه)؛ لأنه في معنى المصدر، أي: ذلكم الكتب (أَقْسَطُ): أعدل، من القسط، (وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ): وأعون على إقامة الشهادة (وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا): وأقرب من انتفاء الريب
_________________
(١) ـ قوله: (في الحواء العظيم)، الجوهري: الحواء: جماعة بيوت من الناس مجتمعة، والجمع الأحوية. قوله: (كني بالسأم عن الكسل)، يعني: أراد أن يقول: لا تكسلوا أن تكتبوا صغيرًا أو كبيرًا، فقال: لا تسأموا؛ لأن من لا يشرع في الشيء لا يقال له: مل، بل يقال: كسل، وإنما عدل لأن لفظ الكسل مما يوحش لأنه من صفات النمافقين، ويجوز أن يحمل الملال على حقيقته لكن إذا كثرت مدايناته. قوله: (من القسط)، الجوهري: القسط، بالكسر: العدل، تقول منه: أقسط الرجل فهو مقسط، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [المائدة: ٤٢]، والقسوط: الجور، والعدول
[ ٣ / ٥٦٠ ]
فإن قلت: مِمَّ بني أفعلا التفضيل؟ أعني: أقسط وأقوم. قلت: يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام، وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة النسب بمعنى ذي قسط، وأقوم من قويم. وقرئ: (ولا يسأموا أن يكتبوه) بالياء فيهما. فإن قلت: ما معنى (تِجارَةً حاضِرَةً)؟ وسواء أكانت المبايعة بدينٍ أو بعينٍ فالتجارة حاضرة، وما معنى إدارتها بينهم؟ قلت: أريد بالتجارة ما يتجر فيه من الأبدال. ومعنى إدارتها بينهم: تعاطيهم إياها يدًا بيد،
والمعنى: إلا أن تتبايعوا بيعًا ناجزًا يدًا بيد، فلا بأس أن لا تكتبوه، لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين. وقرئ: (تجارة حاضرة) بالرفع على "كان" التامّة. وقيل: هي الناقصة على أنّ الاسم (تجارة حاضرة)، والخبر (تديرونها)؛ وبالنصب على: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب:
بَنِى أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بلَاءَنَا … إذَا كانَ يَوْمًا ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا!
_________________
(١) ـ عن الحق، وقد قسط يقسط قسوطًا، قال الله تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) [الجن: ١٥]. النهاية: المقسط العادل، يقال: أقسط يقسط فهو مقسط، إذا عدل، وقسط يقسط فهو قاسط: إذا جار، فكأن الهمزة في أقسط للسلب. قوله: (على طريقة النسب) قيده به لئلا يتوهم أنه اسم فاعل من القسوط. قوله: (وقرئ: "تجارة حاضرة"، بالرفع): عاصم قرأ بالنصب، والباقون بالرفع. قوله: (بني أسد)، البيت. البلاء بالفتح: القتال، يقال: أبلى فلان بلاء حسنًا: إذا قاتل
[ ٣ / ٥٦١ ]
أي: إذا كان اليوم يومًا. (وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ) أمر بالإشهاد على التبايع مطلقًا، ناجزًا أو كالئًا؛ لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف. ويجوز أن يراد: وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع، يعني: التجارة الحاضرة، على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة. وعن الحسن: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد. وعن الضحاك: هي عزيمة من اللَّه ولو على باقة بقل. (وَلا يُضَارَّ) يحتمل البناء للفاعل والمفعول،
_________________
(١) ـ مقاتلة محمودة، واليوم الأشنع: اليوم الذي ارتفع شره، ويقال لليوم الشديد: ذو الكواكب، يقال في التهديد: لأرينك الكواكب ظهرًا، يقول: هل تعلمون مقاتلتنا يوم الحرب إذا كان يومًا مظلمًا ترى الكواكب فيها ظهرًا لانسداد عين الشمس بغبار الحرب؟ قوله: (وعن الضحاك: هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل)، الجوهري: الباقة من البقل: حزمة منه. قال القاضي: الأوامر التي في هذه الآية للاستحباب عند أكثر الأئمة، وقيل: إنها للوجوب، ثم اختلف في إحكامها ونسخها، وكرر لفظة الله في الجمل الثلاث، يعني: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) لاستقلالها، فإن الأولى حث على التقوى، والثانية وعد بإنعامه، والثالثة: لتعظيم شأنه، ولأنه أدخل في التعظيم من الكناية. وقلت: إن الأول على ظاهره؛ لأنه مذكور بعد قوله: (وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) أي: لا تفعلوا واتقوا الله واحذروا عقابه، والثاني: من وضع المظهر موضع المضمر للتفخيم، يعني: كيف لا يتقونه والحال أنه بجلالته وعظمته يعلمكم ولم يكل على الغير، ثم قال: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي: من شأنه أن يعلم المعلومات كلها فيعلم تقواكم وفسقكم وشكركم لأداء نعمة التعليم، وكفرانكم فيجازيكم بها، فهذا تذييل للتهديد.
[ ٣ / ٥٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الراغب: إن قيل: كيف قال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) كرر لفظة الله ثلاث مرات متواليات، وقد استكرهوا ذلك لولا شرف لفظ الله، كقول الشاعر: فما للنوى جذ النوى قطع النوى حتى قيل: سلط على هذا البيت شاة ترعى منه النوى، وقول الآخر: بجهل كجهل السيف والسيف منتضى … وحكم كحكم السيف والسيف مغمد واعلم أن التكرير المستحسن هو: كل تكرير يقع على طريق تعظيم الأمر أو تحقيره في جمل متواليات، كل جملة منها مستقلة بنفسها، والمستقبح هو أن يكون التكرير في جملة واحدة أو في جمل في معنى واحد ولم يكن فيه التعظيم والتحقير، وهذا ظاهر في الآية والبيتين، فإن قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) حث على التقوى، (وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ): تذكير بنعمته، (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ): تعظيم له ﷿ ومتضمن للوعد والوعيد، فلما قصد تعظيم كل واحد من هذه الأحكام أعيد لفظة الله، وأما البيت الثاني فهو جملة واحدة؛ لأن قوله: "كجهل السيف" نعت لقوله: "بجهل"، وكذا: والسيف مغمد: حال من قوله: كحكم السيف،
[ ٣ / ٥٦٣ ]
والدليل عليه قراءة عمر ﵁: (ولا يضارر) بالإظهار والكسر، وقراءة ابن عباس ﵁: (ولا يضارر) بالإظهار والفتح، والمعنى: نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما، وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم ويُلزا، أو لا يعطى الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد. وقرأ الحسن: (ولا يضار) بالكسر. (وَإِنْ تَفْعَلُوا) وإن تضارّوا (فَإِنَّهُ) فإنّ الضرار (فُسُوقٌ بِكُمْ)، وقيل: وإن تفعلوا شيئًا مما نهيتم عنه (عَلى سَفَرٍ): مسافرين.
_________________
(١) ـ والبيت الأول كرر "جذ النوى" و"قطع النوى" وهما في معنى واحد. قوله: (أو النهي عن الضرار بهما) عطف على قوله: "نهى الكاتب والشهيد" يعني: النهي فيقوله: (وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) يحمل: إما على نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة، وعن التحريف، أو على نهي المشهود له عن تعجيل الكاتب والمنع من مؤونة الشاهد إذا دعي من بلد آخر، قال الزجاج: والأول أبين، لقوله: (فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)، فإن الفسق أشبه بالتحريف وبالكذب من تعجيل الكاتب أو منع مؤونة الشاهد. قوله: (وقيل: وإن تفعلوا شيئًا مما نهيتم عنه): عطف على "وإن تضاروا"، والثاني أبلغ؛ لأن مثل هذا الفعل غالبًا يجيء كناية عن أفعال شتى وكيفيات متعددة كما سبق في قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) [البقرة: ٢٤] أن الفائدة فيه أنه جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصارًا ووجازة، ألا ترى أن الرجل يقول: ضربت زيدًا وشتمته ونكلت به، ويعد كيفيات وأفعالًا، فتقول: بئس ما فعلت.
[ ٣ / ٥٦٤ ]
وقرأ ابن عباس وأبيّ ﵄: (كتابًا)، وقال ابن عباس: أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة؟ . وقرأ أبو العالية: (كتبًا). وقرأ الحسن: كتابًا، جمع كاتب (فرهان) فالذي يستوثق به رهن. وقرئ: (فرُهن) بضم الهاء وسكونها، وهو جمع رهن، كسقف وسقف، و(فرهانٌ). فإن قلت: لم شرط السفر في الارتهان ولا يختص به سفر دون حضر، وقد رهن رسول اللَّه ﷺ درعه في غير سفر؟ قلت: ليس الغرض تجويز الارتهان في السفر خاصة، ولكن السفر لما كان مظنة لإعواز الكتب والإشهاد، أمر على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر بأن يقيم التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتب والإشهاد. وعن مجاهد والضحاك: أنهما لم يجوّزاه إلا في حال السفر أخذًا بظاهر الآية، وأما القبض فلا بدّ من اعتباره، وعند مالكٍ: يصح الارتهان بالإيجاب والقبول بدون القبض. (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا): فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به.
_________________
(١) ـ قوله: (أرأيت؟) أي: أخبرني إن وجدت الكاتب، أي: إذا وجدت الكاتب ولم تجد ما به تتم الكتابة من الدواة والصحيفة وغيرهما هل تجوز المداينة بلا رهن! وأما إذا لم تجد كتابًا يلزم الارتهان بأي شيء فقد من هذه الأشياء، أراد بهذا أن قراءته أرجح لأن كتابًا: مصدر كتب، يقال: قد كتبت كتبًا وكتابًا وكتابة، وهو لا يحصل إلا بعد استجماع الشرائط. قوله: (و(فَرِهَانٌ» أي: قرئ: (فَرِهَانٌ)، قرأ بها الجماعة إلا ابن كثير وأبا عمرو فإنهما قرآ "فرهن" بضم الراء والهاء بغير ألف، ورهان: جمع رهن، نحو حبل وحبال، قال القاضي: المعنى: فالذي يستوثق به رهان، أو: فعليكم رهان، أو فليؤخذ رهان. قوله: (وأما القبض فلابد من اعتباره، وعند مالك: يصح الارتهان بالإيجاب والقبول بدون القبض)، الانتصاف: لا خلاف بين مالك والشافعي في صحة الرهن بالإيجاب والقبول،
[ ٣ / ٥٦٥ ]
وقرأ أبٌيّ: (فإن أومن) أي: آمنه الناس. ووصفوا المديون بالأمانة والوفاء والاستغناء عن الارتهان من مثله. (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ) حث للمديون على أن يكون عند ظن الدائن به وأمنه منه وائتمانه له، وأن يؤدّي إليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه. وسمي الدين أمانة وهو مضمون؛ لائتمانه عليه بترك الارتهان منه. والقراءة أن تنطق بهمزة ساكنة بعد الذال أو ياءٍ، فتقول: "الذئتمن"، أو "الذيتمن". وعن عاصم أنه قرأ: (الذتمن) بإدغام الياء في التاء قياسًا على اتسر في الافتعال من اليسر، وليس بصحيح،
_________________
(١) ـ وإنما مالك يرى لزومه بالعقد، وعند الشافعي: لا يلزم إلا به، لكن للقبض عند مالك اعتبار في الابتداء والدوام، فلو عري عن القبض وأنكر الغرماء لم يختص به عند الشافعي، ولم ينتفع بذلك عند مالك، بل له أسوة الغرماء للتهمة، ويشترط مالك بقاء الرهن مقبوضًا بيد المرتهن طوعًا، لو عاد على يد الراهن بعارية أو إجارة أو وديعة خرج من الرهن، دليله أن الرهن في اللغة هو: الدوام، وأنشد أبو علي: فالخبز والدهن لهم راهن … وقهوة راووقها ساكب قوله: (وسمي الدين أمانة، وهو مضمون) يعني: إنما سمي الدين أمانة والحال أن الدين مضمون، والأمانة غير مضمونة، لما بين هذا الدين الخاص وبين الأمانة مشابهة من حيث إن ائتمان الدائن المديون بترك الارتهان منه كائتمان المودِعِ المودَع بترك طلب الوثيقة منه. قوله: (وعن عاصم أنه قرأ: الذتمن)، وهي شاذة، ومعنى قوله: "ليس بصحيح" أن المنسوب إليه من إدغام الياء في التاء ليس بصحيح، لأنه ليس بصحيح على قانون التعدية.
[ ٣ / ٥٦٦ ]
لأنّ الياء منقلبة عن الهمزة، فهي في حكم الهمزة و«اتزر» عاميٌّ، وكذلك "ريا" في "رؤيا". (آثِمٌ) خبر "إن". و(قَلْبُهُ) رفع بـ (آثم) على الفاعلية، كأنه قيل: فإنه يأثم قلبه. ويجوز أن يرتفع (قلبه) بالابتداء. و(آثم) خبر مقدّم، والجملة خبر "إن". فإن قلت: هلا اقتصر على قوله: (فَإِنَّهُ آثِمٌ)! وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؟ قلت: كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان إثما مقترفا بالقلب أسند إليه، لأنّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عيني، ومما سمعته أذني، ومما عرفه قلبي؟ ولأنّ القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكانٍ فيه؛ ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط،
_________________
(١) ـ قوله: (فلما كان إثمًا مقترفًا بالقلب أسند إليه) يعني: أسند الفعل إلى القلب لدفع توهم المجاز، فصرح بالجارحة التي هي سببه، وهو المراد بقوله: "إذا أردت التوكيد تقول: هذا مما أبصرته عيني"، ونحوه قوله تعالى: (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) [الأنعام: ٣٨]. قوله: (ولأن القلب هو رئيس الأعضاء)، هذا المجاز من باب إطلاق بعض الشيء على كله، ولما كان الشرط في صحة المجاز أن يكون هذا البعض أصل الشيء قال: "فقد تمكن الإثم من أصل نفسه وملك أشرف مكان فيه". قوله: (والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد) مقتبس من قوله ﷺ: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". أخرجه الشيخان، عن النعمان بن بشير. قوله: (ولئلا يظن)، هذا جواب آخر بحسب المتعارف بين الناس، فإن الكاتم وإن كان
[ ٣ / ٥٦٧ ]
وليعلم أنّ القلب أصل متعلقه، ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه؛ ولأنّ أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب منها. ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، وهما من أفعال القلوب! فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب.
وعن ابن عباس ﵁: أكبر الكبائر: الإشراك باللَّه لقوله تعالى: (فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) [المائدة: ٧٢]، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة. وقرئ: (قلبه)، بالنصب، كقوله: (سَفِهَ نَفْسَهُ) [البقرة: ١٣٠]، وقرأ ابن أبى عبلة: (أثم قلبه) أي: جعله آثمًا.
[(لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ٢٨٤].
_________________
(١) ـ الشخص بجملته لكن اشتهر وتعورف بين الناس أن الكتمان من فعل اللسان وحده، وإن من أمسك لسانه عن الشهادة قيل في حقه: إنه كتم الشهادة، تعلق الإثم به فأريد دفع هذا الظن البين خطؤه فقيل: (آثِمٌ قَلْبُهُ)، ويدل على الإنكار إيقاع قوله: (فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) جزاء للشرط، كأنه قال: ظن الناس أن اختصاص الذنوب باللسان سبب للإخبار بأن يقال: إنه آثم قلبه. قوله: (وليعلم) يحتمل أن لا يكون وجهًا آخر، بل هو تأكيد لقوله: (لئلا يظن) على آخره، وهو من باب قوله: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: ٦]. قوله: (ولأن أفعال القلوب) هذا وجه آخر في الجواب، ومبناه على الكناية، وتقريره أن عظم الذنب بحسب المحل الصادر منه، فلما كان القلب أعظم خطرًا في الإنسان كان الذنب الصادر منه أعظم، وعلى هذا الطاعة الصادرة منه كالإيمان والمحبة وغيرهما،
[ ٣ / ٥٦٨ ]
(وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) يعني: من السوء (يحاسبكم به اللَّه فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ): لمن استوجب المغفرة بالتوبة مما أظهر منه أو أضمر، (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) ممن استوجب العقوبة بالإصرار. ولا يدخل فيما يخفيه الإنسان: الوساوس وحديث النفس؛ لأنّ ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه، ولكن ما اعتقده وعزم عليه. وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄: أنه تلاها، فقال: لئن آخذنا اللَّه بهذا لنهلكنّ. ثم بكى حتى سمع نشيجه، فذكر لابن عباس، فقال: يغفر اللَّه لأبى عبد الرحمن، قد وجد المسلمون منها مثل ما وجد فنزل: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ) [البقرة: ٢٨٦]
_________________
(١) ـ ويشهد لهذه الكناية قوله: "فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب". قوله: (مما أظهر منه)، قيل: الضمير المستتر عائد إلى "من" في "من استوجب"، والمحذوف: إلى "ما"، وفي "منه": إلى "السوء"، ومنه: بيان لما أظهر، وقلت: من في "مما أظهر" متعلق بقوله: (فَيَغْفِرُ)، "وما" فيه: موصولة، أي: فيغفر لمن يشاء من الذي أظهره المكلف من السوء أو أضمر منه، ويجوز أن يتعلق "من" بالتوبة، وقوله: "لمن استوجب المغفرة بالتوبة" مبني على مذهبه. قوله: (حتى سمع نشيجه)، الجوهري: نشج الباكي ينشج نشيجًا: إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب. قوله: (قد وجد المسلمون منها- أي: من الآية- مثل ما وجد)، فنزلت: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)، روينا عن مسلم، عن أبي هريرة قال: لما نزلت: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ) الآية، اشتد ذلك على الصحابة، فأتوا رسول الله، ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من العمل ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله ﷺ: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا)؟ بل قولوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، فلما
[ ٣ / ٥٦٩ ]
وقرئ: (فيغفر … ويعذب) مجزومين؛ عطفًا على جواب الشرط، ومرفوعين على: فهو يغفر ويعذب. فإن قلت:
كيف يقرأ الجازم؟ قلت: يظهر الراء ويدغم الباء. ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأ فاحشًا، وراويه عن أبي عمرو مخطئ مرّتين، لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم، والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية،
_________________
(١) ـ أقرأها القوم وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله تعالى في أثرها: (آمَنَ الرَّسُولُ) إلى قوله: (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) إلى آخرها. وقد أخرجه الأئمة عن علي وابن عباس وابن عمر بنحو من هذا، ورواية أبي هريرة أكمل وأطول. وقوله: (وقرئك "فيغفر … ويعذب"): عاصم وابن عامر: برفعهما، والباقون: بجزمهما. قوله: (لاحن مخطئ) يعني أن الراء في حكم حرفين، فإنك إذا وقفت عليها يعثر لسانك بما فيه من التكرير والقوة وبما في اللام من الضعف، وإدغامها فيها يبطل التكرير. قال الزجاج: إن أبا عمرو أدغم الراء في اللام، وما أظنه قرأها إلا بعد ما سمعها، وقال صاحب "الكواشي": لا يجوز تخطئة الرواة أصلًا، لأنه إذا حكم بتخطئتهم في هذا الحرف جاز خطؤهم في غيره، فإذن لا اعتماد عليهم، وكيف يجوز أخذ القرآن من غير ضابط! ولو نقل شعر آحاد العرب من غير ضابط لاستقبح، وجاز إدغام الراء مع ما فيها من القوة والتكرار في اللام مع ما فيها من الضعف؛ لأن الراء لما سكنت ضعفت فصارت كالميت الذي لا اعتداد به، والدليل
[ ٣ / ٥٧٠ ]
ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو. وقرأ الأعمش: يغفر، بغير فاء مجزوما على البدل من يحاسبكم، كقوله:
مَتَى تَاتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِى دِيَارِنَا … تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأجَّجَا
ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب، لأنّ التفصيل
_________________
(١) ـ عليه إتباعهم ضمة الذال ضمة الميم في "منذ" فصارت اللام المتحركة بالنسبة إلى الراء الساكنة قوية. وأيضًا، فإن المدغم لا يدغم حتى يبدل ما قبل المدغم فيه، فعلى هذا إنما أدغم لام في لام. قوله: (متى تأتنا تلمم بنا) البيت: تلمم، أي: تنزل، وهو بدل من "تأتنا"، والحطب الجزل: القوي الغليظ، تأجج، أي: اشتعل، قيل في "تأججًا" ثلاثة أوجه: أن يجعل الألف للتثنية وهي ضمير الحطب والنار، وغلب الحطب، وأن يكون للحطب، وأن يكون للنار في تأويل الشهاب، يقول: إنهم يوقدون غلاظ الحطب لتقوى نارهم، فينظر الضيفان من بعد فيقصدونها. قوله: (ومعنى هذا البدل: التفصيل) إلى آخره، نقل المصنف أكثر عبارة ابن جني من "المحتسب" في هذا الموضع، ونحن نحكي خلاصة كلامه، قال: "جزم هذا على البدل من (يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) على وجه التفصيل لجملة الحساب، ولا محالة أن التفصيل أوضح من المفصل فجرى مجرى بدل البعض أو الاشتمال، والبعض كضربت زيدًا رأسه، والاشتمال كأحب زيدًا عقله، ونحو هذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان، فمن ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ
[ ٣ / ٥٧١ ]
أوضح من المفصل، فهو جار مجرى بدل البعض من الكل، أو بدل الاشتمال، كقولك: ضربت زيدًا رأسه، وأحب زيدًا عقله، وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان.
_________________
(١) ـ فِيهِ مُهَانًا) [الفرقان: ٦٨ - ٦٩] "؛ لأن مضاعفة العذاب هي لقي الآثام، وعليه قول القائل: رويدًا بني شيبان بعض وعيدكم … تلاقوا غدًا خيلي على سفوان تلاقوا جيادًا لا تحيد عن الوغى … إذا ما غدت في المأزق المتداني تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم … على ما جنت فيهم يدا الحدثان فأبدل "تلاقوا جيادًا" مع ما اتصل به من قوله: "تلاقوا غدًا خيلي"، ثم جعل هذا البدل بتمامه مبدلًا منه لقوله: "تلاقوهم" مع المعطوف عليه، وهو قوله: "فتعرفوا" إلى آخره، وقال: "إذا حصلت فائدة البيان لم يبال أمن نفس البدل كانت أم مما اتصل به، فضلة أم معطوفًا عليه، فإن أكثر الفوائد إنما يجتنى من الألحاق والفضلات، نعم، وما أكثر ما تصلح الجمل وتتممها، ولولا مكانها لوهت فلم تستمسك، ألا تراك لو قلت: زيد قامت هند لم تتم الجملة؟ فلو وصلت بها فضلة ما، لتمت، وذلك كأن تقول: زيد قامت هند في داره أو: معه أو: بسببه أو: لتكرمه أو: فأكرمته أو نحو ذلك، فصحت المسألة بعود الضمير على المبتدأ من الجملة". تم كلام ابن جني. قوله: (أوضح من المفصل). هذا لفظ ابن جني، قيل: وكان من حق الظاهر أن يقول: أوضح من المجمل أو الإجمال، لكن جعل ما وقع فيه ولأجله التفصيل مفصلًا. قوله: (فهو جار مجرى بدل البعض من الكل). قيل: إن أريد بقوله: (يُحَاسِبْكُمْ) معناه
[ ٣ / ٥٧٢ ]
[(آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)].
(وَالْمُؤْمِنُونَ) إن عطف على (الرسول)؛ كان الضمير الذي التنوين نائب عنه في (كل) راجعًا إلى الرسول والمؤمنين، أي: كلهم آمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله من المذكورين ووقف عليه؛ وإن كان مبتدأ؛ كان الضمير للمؤمنين
_________________
(١) ـ الحقيقي فيكون قوله: "يغفر" بدل الاشتمال، كقولك: أحب زيدًا علمه، وإن أريد به المجازاة فيكون قوله: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) بدل البعض، كقولك: ضربت زيدًا رأسه، وقلت: إن الضمير المجرور في (يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) يعود على (مَا فِي أَنفُسِكُمْ)، وهو مشتمل كما ذكر على الخاطر السوء وعلى ما يخفيه الإنسان من الوساوس، وحديث النفس. والغفران والعذاب إنما يردان على ما اعتقده وعزم عليه من السوء لا على حديث النفس، فبهذا الاعتبار هو بدل البعض من الكل، وهذا معنى قول ابن جني: وإذا حصلت فائدة البيان لم يبال أمن نفس المبدل كانت أم مما اتصل به، إلى آخره، وإن محاسبتهم مستتبعة إما الغفران أو العذاب وملتبسة بهما، فبهذا الوجه هو بدل الاشتمال. قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ)، قال الزجاج في نظم هذه الآية بما قبلها: لما ذكر الله ﷿ فرض الصلاة والزكاة، والطلاق والحيض والإيلاء، والجهاد، وأقاصيص الأنبياء ﵈، والدين، والربا، ختم السورة بذكر تعظيمه وتصديق نبيه ﵇ والمؤمنين لجميع ذلك، أي: صدق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها، وكذا المؤمنون، يريد أنها كالخاتمة للسورة، والفذلكة لها للتأكيد. قوله: (وإن كان مبتدأ؛ كان الضمير للمؤمنين). قال أبو البقاء: "المؤمنون" معطوف على (الرَّسُولُ)، فيكون الكلام تامًا، وقيل: "المؤمنون" مبتدأ، و(كُلٌّ) مبتدأ ثان، والتقدير: كل
[ ٣ / ٥٧٣ ]
ووحد ضمير (كل) في (آمن) على معنى: كل واحدٍ منهم آمن، وكان يجوز أن يجمع، كقوله: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ) [النمل: ٨٧]، وقرأ ابن عباس: وكتابه، يريد القرآن أو الجنس، وعنه: الكتاب أكثر من الكتب. فإن قلت: كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟ قلت: لأنه إذا أريد بالواحد الجنس، والجنسية قائمة في وحدان الجنس كلها؛ لم يخرج منه شيء. وأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع. (لا نُفَرِّقُ) يقولون: (لا نفرق)، وعن أبي عمروٍ: (يفرق) بالياء على أن الفعل لـ (كل)، وقرأ عبد اللَّه: (لا يفرقون). و"أَحَدٍ" في معنى الجمع،
_________________
(١) ـ منهم، و(آمَنَ) خبر المبتدأ الثاني والجملة: خبر الأول. وقال السجاوندي: (كُلٌّ): ابتداء، ولو كان توكيدًا لقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ) لقيل: كلهم، وقلت: الوجه الأول أقضى لحق البلاغة وأولى في التلقي بالقبول؛ لأن الرسول حينئذ يكون أصلًا في حكم الإيمان بما أنزل إليه، والمؤمنون تابعون كما مر في قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) [البقرة: ١٢٧]، ويلزم على الوجه الثاني أن حكم المؤمنين أقوى من حكم الرسول لكون الجملة اسمية ومؤكدة، وعلى أسلوب التقوي مع إفادة الاستقلال في الحكم، قال القاضي: إفراد الرسول بالحكم إما لتعظيمه أو لأن إيمانه عن مشاهدة وعيان، وإيمانهم عن نظر واستدلال. قوله: (وقرأ ابن عباس: "وكتابه")، وهي قراءة حمزة والكسائي، قال الزجاج: قيل لابن عباس في قراءته، فقال: "كتابه" أكثر من "كتبه"، ذهب به إلى اسم الجنس نحو: كثر الدرهم في أيدي الناس. قال صاحب "التقريب" حاكيًا عن مراد المصنف: إن الجنس يطلق على جميع أفراد الجمع ولا ينعكس، فذاك أكثر، ثم قال: وفيه نظر، وقلت: مراد المصنف من كلامه أن تناول الواحد حين يراد به الجنس أكثر من تناول الجمع إذا أريد به الجنس؛ لأن "كتابه" يدل على
[ ٣ / ٥٧٤ ]
كقوله تعالى: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) [الحاقة: ٤٧]؛ ولذلك دخل عليه "بين". (سَمِعْنا): أجبنا. (غُفْرانَكَ) منصوب بإضمار فعله. يقال: غفرانك لا كفرانك، أي: نستغفرك ولا نكفرك. وقرئ: (وكتبه ورسله) بالسكون.
[(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَانا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) ٢٨٦].
_________________
(١) ـ ما يعلمه كل أحد أنه كتابه ومسمى به، فلا يخرج منه شيء يسمى كتابه، وأن "كتبه" تدل على ما يعلمه كل أحد أنه كتبه على سبيل الجمعية ومسمى به، ويمكن أن يخرج منه كتاب أو كتابان، وهذا هو المراد من قول صاحب "المفتاح": استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع، وتبين ذلك بأن ليس يصدق: لا رجل في الدار، لنفي الجنس إذا كان فيها رجل أو رجلان، ويصدق: لا رجال في الدار، فإن قلت: ليس كذلك؛ لأنا إذا سمعنا قوله تعالى: (وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) لم يتبادر إلى الذهن سوى الاستغراق والشمول، قلت: قد بينا أن الاستغراق الداخل على الجمع: إرادة الجموع حقيقة، وإرادة الأفراد مجاز، يؤيده ما روى صاحب "الانتصاف" عن إمام الحرمين: التمر أحرى باستغراق الجنس من التمور، فإن التمر يسترسل على الجنس لا بصيغة لفظه، والتمور يرده إلى تخيل الوحدان، ثم الاستغراق بعده بصيغة الجمع، وفي صيغة الجمع مضطرب. قوله: «فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) [الحاقة: ٤٧]) فإن قوله: (مِنْ أَحَدٍ) لو لم يكن في معنى الجمع لقيل: حاجز دون (حَاجِزِينَ)، كما يقال: ما من رجل عالم، ولا يقال: ما من رجل عالمين.
[ ٣ / ٥٧٥ ]
والوسع: ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، أي: لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود. وهذا إخبار عن عدله ورحمته، كقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) [البقرة: ١٨٥]؛ لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة. وقرأ ابن أبي عبلة: (وسعها) بالفتح. (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ): ينفعها ما كسبت من خير، ويضرها ما اكتسبت من شر، لا يؤاخذ بذنبها غيرها ولا يثاب غيرها بطاعتها. فإن قلت: لم خص الخير بالكسب والشر بالاكتساب؟ قلت: في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمّارة به؛ كانت في تحصيله أعمل وأجدّ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم تكن كذلك في باب الخير؛ وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال. أي: لا تؤاخذنا بالنسيان أو الخطأ إن فرط منا.
_________________
(١) ـ قوله: (دون مدى الطاقة) أي: لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويسهل عليه ويكون أدون وأدنى مما له القدرة عليه، كما إذا كان في قدرته أن يصلي ستًا فأوجب خمسًا، فالواجب دون مدى طاقته، فقوله: "لأنه كان" تعليل لقوله: "ويتيسر عليه دون مدى الطاقة"، وهو تفسير لقوله: "يتسع فيه طوقه". قوله: (في الاكتساب اعتمال)، قال في "الأساس": الرجل يعتمل لنفسه ويستعمل غيره ويعمل رأيه ويتعمل في حاجات الناس، أي: يتعنى ويجتهد، أنشد سيبويه: إن الكريم وأبيك يعتمل … إذ لم يجد يومًا على من يتكل أي: إن لم يعلم. الراغب: الكسب مما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع وتحصيل حظ، والاكتساب
[ ٣ / ٥٧٦ ]
فإن قلت: النسيان والخطأ متجاوز عنهما، فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟ قلت: ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال،
_________________
(١) ـ يستعمل فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعة ثم استجلب به مضرة، والكسب يقال فيما أخذه لنفسه ولغيره، ولهذا قد يتعدى إلى مفعولين فيقال: كسبت فلانًا كذا، والاكتساب لا يقال إلا فيما استفاده لنفسه، وكل الاكتساب كسب وليس كل كسب اكتسابًا، نحو: خبز واختبز، وشوى واشتوى. قال السجاوندي: اكتسبت من شر، والافتعال للالتزام أو للانكماش، والنفس تنكمش في الشر وتتكلف في الخير، وقال في الحسنة: (كَسَبَتْ) ليحقرها العامل في عينيه، وفي السيئة: (اكْتَسَبَتْ) تهويلًا للتنفير. وقال صاحب "الفرائد": خص الكسب بالخير والاكتساب بالشر تنبيهًا على أن الكسب: ما يفعله الإنسان ويجوز أن يتعدى إلى غيره، والاكتساب: ما يفعله لنفسه كالاتخاذ والاقتطاع فلا يتعدى إلى غيره، أي: خيره متجاوز عنه وشره مقصور عليه، وهو موافق لقول السجاوندي: والافتعال للالتزام، وقول ابن الحاجب: كسبت معناه: أصبت، واكتسبت معناه: التصرف في تحصيل ذلك الفعل وظهور ما يقتضيه، ومن ثم قال الله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) تنبيهًا على أن الثواب بأدنى ملابسة للمثاب عليه، والعقاب إنما يكون بعد تبين المعاقب عليه وظهوره أحسن طباقًا، لقوله تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ)؛ لأن قوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) رافعة لحكمها ومسهلة لمشقتها، وفيها أن التكليف ليس على الطاقة بل دون مداها رحمة ورأفة بالعباد، ثم قوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) امتنان آخر وتنبيه على أن جانب الرحمة أرجح من جانب العذاب، ولا يستقيم هذا إلا على هذا القول، وعليه كلام المصنف. قوله: (النسيان والخطأ متجاوز عنهما، فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟)، أي: متجاوز
[ ٣ / ٥٧٧ ]
ألا ترى إلى قوله: (وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ) [الكهف: ٦٣]، والشيطان لا يقدر على فعل النسيان، وإنما يوسوس فتكون وسوسته سببًا للتفريط الذي منه النسيان؟ ولأنهم كانوا متقين اللَّه حق تقاته، فما كانت تفرط منهم فرطة إلا على وجه النسيان والخطأ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذانًا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به، كأنه قيل: إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به، فما فيهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ والنسيان. ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل اللَّه لاستدامته
_________________
(١) ـ عنهما عقلًا بناءً على مذهبه، وأجاب من وجوه، الأول: أنه مجاز من باب إطلاق المسبب على السبب، والثاني أنه من وادي قول: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب وإليه أشار بقوله: "كأنه قيل: إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به فما فيهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ والنسيان"، والثالث: أنه على أسلوب قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: ٦] كما صرح به. قوله: (حق تقاته)، الجوهري: التقاة: التقية، يقال: اتقى تقية وتقاة. قوله: (لاستدامته) ولعمري هذا تكلف، وقد مر في حديث مسلم عن أبي هريرة: أن هذه الآية ناسخة لقوله: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ)، فكما أن الخطرات والوساوس محلها النفس، كذلك معدن النسيان والخطأ النفس، فلم يكن النسيان والخطأ متجاوزًا عنهما عقلًا بل نقلًا. الانتصاف: لا يرد السؤال؛ لأن رفع المؤاخذة عن الخطأ والنسيان
[ ٣ / ٥٧٨ ]
والاعتداد بالنعمة فيه
_________________
(١) ـ عرف بالسمع لقوله ﷺ: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، فلعل رفعهما كان إجابة لهذه الدعوة، وقد جاء أنه قال عند كل دعوة: قد فعلت، وإنما المعتزلة يذهبون إلى استحالة المؤاخذة بذلك عقلًا؛ تفريعًا على التحسين والتقبيح، والسؤال وارد عليهم. الراغب: الخطأ على ضروب، أحدها: ما لا يحسن إرادته ويفعله، وهذا هو الخطأ التام من كل وجه المأخوذ به الإنسان، والثاني: أن يريد ما يجوز فعله ولكن وقع منه خلاف ما أراد، فيقال: أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، وهو المعني بقوله ﷺ: "رفع عن أمتي الخطأ"، وقوله: "من اجتهد فأخطأ فله أجر"، والثالث: أنه يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه، فهذا مذموم لقصده محمود على فعله، وجملة الأمر أنه يقال لمن أراد شيئًا فاتفق منه خلافه: إنه أخطأ، وإذا وقع منه كما أراده: أنه أصاب، ويقال لمن فعل فعلًا لا يحسن أو أراده إرادة لا تحسن: أخطأ، ولهذا يقال: أصاب الخطأ فأخطأ الصواب وأصاب الصواب وأخطأ الخطأ، فإذا هذه اللفظة مشتركة كما ترى مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق تأمله، وهي مشكلة جدًا. قوله: (والاعتداد بالنعمة فيه) يعني: إذا كانت النعمة الحاصلة خطيرة ربما يذكرها ويردد ذكرها اعتدادًا بها واعتناء بشأنها، كقوله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)، روينا عن أحمد بن حنبل، عن أبي رجاء، قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خز، وقال إن
[ ٣ / ٥٧٩ ]
والإصر: العبء الذي يأصر حامله، أي: يحبسه مكانه لا يستقل به لثقله، استعير للتكليف الشاقّ؛ من نحو قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب، وغير ذلك. وقرئ: (آصارًا) على الجمع. وفي قراءة أبيّ: (ولا تحمل علينا) بالتشديد. فإن قلت: أي: فرق بين هذه التشديدة والتي في (وَلا تُحَمِّلْنا)؟ قلت: هذه للمبالغة في "حمل عليه"، وتلك لنقل "حمله" من مفعول واحد إلى مفعولين. (وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) من العقوبات النازلة بمن قبلنا،
_________________
(١) ـ رسول الله ﷺ قال: "من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده". قوله: (وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب) أي: من جلد الخف والفروة. قوله: (هذه للمبالغة في "حمل عليه"، وتلك لنقل "حمله" من مفعول واحد إلى مفعولين)، يريد أن التضعيف إذا كان لنقل باب إلى باب آخر ليفيد فائدته لم يكن فيه مبالغة، وأما إذا لم يرد تلك الفائدة كانت مبالغة، وقريب منه ما ذهب إليه صاحب "المثل السائر": أن المعنى إنما يزيد إذا كان هناك نقل كما في قتل وقتل، وأما إذا لم يكن نقلًا، كما في قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [النساء: ١٦٤] لم يزد، إذ ليس في "كلم" نقل، فدل على حصول الكلام معه لا للتكثير منه.
[ ٣ / ٥٨٠ ]
طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها. وقيل: المراد به الشاقّ الذي لا يكاد يستطاع من التكليف، وهذا تكرير لقوله: (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا)
_________________
(١) ـ قوله: (طلبوا الإعفاء)، الجوهري: يقال: أعفني من الخروج معك، أي: دعني منه، واستعفاه من الخروج معه وسأله الإعفاء، يعني: طلبوا من الله تعالى بقولهم: (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا) أن لا يكلفهم بالتكاليف الشاقة، ثم طلبوا الإعفاء بقوله: (وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) عما نزل بالأولين من العقوبات على تفريطهم، وإنما حمله على العقوبات كي لا يلزم التكرار؛ لأن معناهما واحد، والذي يدل على المقدر قوله: (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا)؛ لأن التفريط فيه سبب للمعاقبة. وقوله: (وقيل: المراد به الشاق الذي لا يكاد يستطاع) عطف على قوله: "ما نزل عليهم". فإن قلت: هل هذا إلا تكرير لقوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)؟ قلت: لا؛ لأن قوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) خاص لما سبق أنه ناسخ لقوله: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ) الآية؛ كرامة لهذه الأمة المرحومة، ورفعًا لما كان شاقًا عليهم من المؤاخذة بحديث النفس، ثم أرشدهم إلى أن طلبوا منه ما كان شاقًا على الأمم السالفة من نحو قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب، وغير ذلك بقوله: (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا)، ثم أرشدهم إلى طلب رفع الشاق الذي لا يكاد يستطاع من التكاليف على سبيل العموم، فالتشديد في (وَلا تُحَمِّلْنَا) للتكثير؛ ليناسب العموم كرامة إلى كرامة، فعلى هذا يكون تكريرًا، وفائدته تعليق الزيادة عليه من قوله وقيل: المراد به الشاق الذي لا يكاد يستطاع: (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا) الآية.
[ ٣ / ٥٨١ ]
(مَوْلانا): سيدنا ونحن عبيدك، أو ناصرنا، أو متولي أمورنا. (فَانْصُرْنا) فمن حق المولى أن ينصر عبيده، أو: فإنّ ذلك عادتك، أو: فإنّ ذلك من أمورنا التي عليك توليها. وعن ابن عباس: أنّ رسول اللَّه ﷺ لما دعا بهذه الدعوات قيل له عند كل كلمة: قد فعلت
_________________
(١) ـ الراغب: فإن قيل: ما الفرق بين العفو والغفران والرحمة؟ وما وجه هذا الترتيب؟ قيل: العفو: إزالة الذنب بترك عقوبته، والغفران: ستر الذنوب وكشف الإحسان الذي يعطى به، والرحمة: إفاضة الإحسان عليه، وقد علم أن الثاني أبلغ من الأول، والثالث من الثاني. قوله: «مَوْلانَا) سيدنا) أي: أنت سيدنا ونحن عبيدك فانصرنا، فمن حق المولى أن ينصر عبيده ولا يخذلهم، أو: أنت ناصرنا فانصرنا، فإن ذلك عادتك، أو: أنت متولي أمورنا فانصرنا فإن ذلك من أمورنا التي عليك توليها بسبب الوعد، فهو من باب القول بترتب الحكم على الوصف المناسب لكن بالفرق بين هذه الاعتبارات؛ لأن النسبة بين السيد والعبد قوية، فكما أن السيد عليه رعاية العبد كذلك العبد يحتاج إلى رعاية سيده، فالنسبة بين الجانبين قوية، ولهذا قال: "ونحن عبيدك"، فمن حق المولى أن ينصر عبيده، وإن النسبة بين الناصر والمنصور ليست مثل الأولى، لكن من اتصف بصفة النصرة فعليه أن ينصر المظلومين، لكن لا يجب عليه أن ينصر كلهم، فقوة النسبة بين الناصر والمنصور ليست مثل الأولى لكن من جانب الناصر، وغليه الإشارة بقوله: "فإن ذلك عادتك"، يعني: هذه الصفة ذاتية منك وأن النسبة بين من يحتاج إلى قيم يقوم بأحواله ويفتقر إلى متول يتولى أموره وبين مولاه قوتها من جانب العبد، ولهذا قال: "فإن ذلك من أمورنا التي عليك توليها".
[ ٣ / ٥٨٢ ]
وعنه ﷺ: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه"، وعنه ﷺ: «أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهنّ نبيٌّ قبلي»، وعنه ﷺ: «أنزل اللَّه آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة، من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل». فإن قلت: هل يجوز أن يقال: قرأت سورة البقرة أو قرأت البقرة؟ قلت: لا بأس بذلك، وقد جاء في حديث النبي ﷺ: «من آخر سورة البقرة»، و«خواتيم سورة البقرة»، و«خواتيم البقرة». وعن عليّ ﵁: خواتيم سورة البقرة من كنزٍ تحت العرش. وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵄ أنه رمى الجمرة ثم قال: من هاهنا- والذي لا إله غيره- رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة». ولا فرق بين هذا وبين قولك: سورة الزخرف، وسورة الممتحنة، وسورة المجادلة
_________________
(١) ـ قوله: (أوتيت خواتيم سورة البقرة)، الحديث مخرج في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن أبي ذر. قوله: (من قرأ الآيتين)، الحديث أخرجه الشيخان، عن أبي مسعود البدري. قوله: (أنزل الله آيتين)، الحديث أخرجه الدارمي، عن جبير بن نفير مع تغيير في الألفاظ. قوله: (وعن عبد الله بن مسعود)، الحديث مخرج في "الصحيحين".
[ ٣ / ٥٨٣ ]
وإذا قيل: قرأت البقرة لم يشكل أنّ المراد سورة البقرة كقوله: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢]، وعن بعضهم: أنه كره ذلك، وقال: يقال: قرأت السورة التي تذكر فيها البقرة. عن رسول اللَّه ﷺ: "السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإنّ تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة"، قيل: وما البطلة؟ قال: السحرة».
_________________
(١) ـ قوله: (ولن تستطيعها البطلة)، الحديث مخرج في "صحيح مسلم"، عن أبي أمامة الباهلي، كذلك قوله: "اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة"، ورواه الدارمي عن بريدة. قال مولاي الإمام المغفور [له] بهاء الدين القاشي ﵀: البطلة: جمع باطل، إما بمعنى صاحب البطالة، أي: لا يستطيع قراءة ألفاظها وتدبر معانيها والعمل بأوامرها ونواهيها أصحاب البطالة والكسالة، أو: البطلة: السحرة، أي: لا يقدر السحرة على الإتيان بمثلها، فمن أتى به لا يكون ساحرًا، أو: المراد أنها من المعجزات التي لا يقدر الساحر أن يعارضها بالسحر، بخلاف المعجزات المحسوسة، فإنه قدي مكن للساحر أن يحاول معارضتها بالسحر. وقلت: يمكن أن يراد بالبطلة: السحرة الموحدون من أصحاب البيان، لقوله ﷺ: "إن من البيان لسحرًا". تمت السورة
[ ٣ / ٥٨٤ ]