قيل: فإنّ النبي ﵇ قد كتب إلى أهل الحرب: "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ قال: إنما ذلك ابتداء، يدعُوهُم ولم ينبذُ إليهم، ألا تراه يقول" "سَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى"، فمن دعي إلى الله فأجاب، ودعي إلى الجزية فأجاب: فقد اتبع الهدى، وأمّا النبذ: فإنما هو البراءة واللعنة، وأهل الحرب لا يسلم عليهم، ولا يقال: لا تفرق ولا تخف، ومترس ولا بأس: هذا أمان كله.
وقيل: سورة الأنفال والتوبة سورة واحدة، كلتاهما نزلت في القتال، تعدّان السابعة من الطول، وهي سبع، وما بعدها المئون، وهذا قول ظاهر، لأنهما معًا مئتان وست، فهما بمنزلة إحدى الطول. وقد اختلف أصحاب رسول الله ﷺ فقال؛ بعضهم: الأنفال وبراءة سورة واحدة. وقال بعضهم: هما سورتان، فتركت بينهما فرجة لقول من قال: هما سُورتان، وتركت (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لقول من قال: هما سورة واحدة.
[(بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكفِرِينَ) ١ - ٢]
(بَراءَةٌ) خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه براءة، (ومِنَ) لابتداء الغاية، مُتعلق بمحذوف وليس بصلة، كما في قولك: برئت من الدين، والمعنى: هذه براءة واصلة من الله ورسوله (إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ)، كما يقول: كتاب من فلان إلى فلان.
ويجوز أن يكون (بَراءَةٌ) مبتدأ لتخصيصها بصفتها، والخبر: (إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ)، كما تقول: رجل من بني تميم في الدار.
_________________
(١) . قوله: (قيل: فإن النبي ﷺ): يعني: اعترضوا على ابن عيينة بفعل النبي ﷺ. قوله: (متعلق بمحذوف وليس بصلة): أي: ظرف مستقر، وليس لغوًا، كما في قولهم: برئت من الدين، فإنه صلة.
[ ٧ / ١٦٤ ]
وقرئ: "براءة" بالنصب؛ على: اسمعوا براءة. وقرأ أهل نجران: "من الله" بكسر النون، والوجه الفتح مع لام التعريف لكثرته. والمعنى أن الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وأنه منبوذ إليهم.
فإن قلت: لم علقت البراءة بالله ورسوله، والمعاهدة بالمسلمين؟ قلت: قد أذن الله في معاهدة المشركين أوّلًا، فاتفق المسلمون مع رسول الله ﷺ وعاهدوهم، فلما نقضوا العهد أوجب الله تعالى النبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما نجدّد من ذلك، فقيل لهم: اعلموا أنّ الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم به المشركين.
_________________
(١) ـ قوله: ("من الله"، بكسر النون): قال ابن جني: "حكاها سيبويه، وهو أولى القياس، تكسرها لالتقاء الساكنين، غير أنه كثر استعمال "مِنْ" مع "لام" المعرفة، فهربوا من توالي الكسرتين إلى الفتح، وإذا كانوا قد قالوا: "قُم الليل" و"قل الحق"، ففتحوا، ولم يلق هناك كسرتان، فالفتح في (مِنْ اللَّهِ) لتوالي الكسرتين أولى". قوله: (لم عُلقت البراءة بالله ورسوله، والمعاهدة بالمسلمين؟): يعني: كان المناسب أن تُنسب المعاهدة والبراءة كلاهما: إما إلى المؤمنين معًا، أو إلى ذاته ﷿ معًا، كما قال صاحب "التقريب"، وإنما علق البراءة بالله والرسول مع أن المعاهدة من المسلمين، وحق البراءة أن تُنسب إلى المعاهد؛ لأن الله تعالى أذن في المعاهدة، فكأنه عاهد وبرئ. أجاب المصنف بأن ذلك إعلام بحسب الوقوع وترتيب الوجود، أذن الله رسوله ﷺ والمؤمنين أولًا بالمعاهدة، فعاهدوا، ثم لما نقض المشركون العهد جدد الله إعلامًا آخر، وقال لهم: اعلموا أن الله ورسوله برئ منهم، فتبرؤوا أنتم أيضًا. ويمكن أن يُقال: إن المعاهدة لم تكن إلا بإذن الله تعالى وإباحته، فلما نبذ المشركون العهد نسب الله تعالى البراءة إلى نفسه، وضم معه ذكر الرسول ﷺ غضبًا عليهم وتهديدًا شديدًا فينطبق عليه قول المصنف أولًا: "أذن الله"، وثانيًا: "أوجب الله النبذ".
[ ٧ / ١٦٥ ]
رُوي: أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب، فنكثوا إلا ناسًا منهم، وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاؤوا، وألا يتعرّض لهم، وهي الأشهر الحرم في قوله: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) [التوبة: ٥]، وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها، وكان نزولها سنة تسع من الهجرة، وفتح مكة سنة ثمان، وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد، فأمّر رسول الله ﷺ أبا بكر على موسم سنة تسع، ثم أتبعه عليًا ﵁ راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم، فقيل له: لو بعثت بها إلى أبى بكر؟ فقال: "لا يؤدى عنى إلا رجل منى"، فلما دنا علىّ سمع أبو بكر ﵁ الرغاء، فوقف، وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله ﷺ، فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور.
_________________
(١) . قال صاحب "الانتصاف": "فيه سر، وذلك أنه لا يُسند العهد إلى الله تعالى في مقام يوهم شائبة النقض إجلالًا وتعظيمًا لكبريائه، ألا ترى وصية رسول الله ﷺ لأمراء السرايا: "وإذا نزلت بحصن، فطلبوا النزول على حكم الله تعالى فأنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أصادفت حكم الله تعالى أم لا؟ وإن طلبوا ذمة الله فأنزلهم على ذمتك، فلأن تخفر ذمتك خير من أن تخفر ذمة الله"، فتوقير عهد الله واجب، وقد تحقق من المشركين النكث، وتبرأ الله ورسوله منه، فأحرى بأن لا ينسب العهد المنبوذ إلى الله تعالى". قوله: (العضباء): وهي مشقوقة الأذن، وقيل: العضباء لقب لناقة رسول الله ﷺ، ولم تكن مشقوقة الأذن. قوله: (لا يؤدي عني إلا رجل مني): روى أحمد بن حنبل عن أبي جُنادة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "علي مني وأنا منه، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي".
[ ٧ / ١٦٦ ]
وروي: أنّ أبا بكر ﵁ لما كان ببعض الطريق هبط جبريل ﵇، فقال: يا محمد، لا يبلغنّ رسالتك إلا رجل منك، فأرسل عليًا، فرجع أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أشيء نزل من السماء؟ قال: "نعم، فسر وأنت على الموسم، وعلىّ ينادى بالآي"، فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم، وقام على يوم النحر عند جمرة العقبة، فقال: يا أيها الناس، إني رسول رسول الله إليكم. فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية، وعن مجاهد: ثلاث عشرة.
ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده: فقالوا عند ذلك: يا على، أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد؛ إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف.
وقيل: إنما أمر أن لا يبلغ عنه إلا رجل منه؛ لأنّ العرب عادتها في نقض عهودها أن يتولى ذلك على القبيلة رجل منها، فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا: هذا خلاف ما يعرف فينا من نقض العهود، فأزيحت علتهم بتولية ذلك عليًا ﵁.
_________________
(١) وروى الترمذي عن أنس قال: بعث النبي ﷺ ببراءة مع أبي بكر ﵁، ثم دعاه، فقال: "لا ينبغي لحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي"، فدعا عليًا ﵁ وأعطاه إياه. قوله: (أمُرت بأربع): أي: أن أنادي بأربع. فإن قلت: ما فائدة النداء بقوله: "ولا يدخلن الجنة إلا كل نفس مؤمنة"؟ قلت: الإعلام بأن المشرك لا يقبل منه بعد هذا غير الإيمان، كقوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) إلى قوله: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: ٥]، وهو من باب: لا رأينك هاهنا، يعني: أمرت بأن أنادي بأن يتصفوا بما يستعدون به أن يكونوا أهلًا للجنة، إذ لا يقبل منهم سوى هذا.
[ ٧ / ١٦٧ ]
فإن قلت: الأشهر الأربعة ما هي؟ قلت: عن الزهري: أنّ براءة نزلت في شوال، فهي أربعة أشهر: شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة، والمحرّم، وصفر، وشهر ربيع الأوّل، وعشر من شهر ربيع الآخر، وكانت حرمًا؛ لأنهم أُومنوا فيها وحرّم قتلهم وقتالهم، أو على التغليب؛ لأنّ ذا الحجة والمحرّم منها.
وقيل: لعشر من ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول؛ لأنّ الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية من ذي الحجة.
فإن قلت: ما وجه إطباق أكثر العلماء على جواز مقاتلة المشركين في الأشهر الحرم، وقد صانها الله تعالى عن ذلك؟ قلت: قالوا: نسخ وجوب الصيانة، وأبيح قتال المشركين فيها.
_________________
(١) . قوله: (أو على التغليب): عطف على "لأنهم أومنوا"، أي: أطلق على عشرين من ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر اسم الأشهر الحرم، لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو أطلق هذا الاسم على التغليب، يعني: غُلب ذو الحجة والمحرم، لأنهما من الأشهر الحرم بالاتفاق، على صفر وربيع الأول وبعض ربيع الآخر، لأنها ليست من الأشهر الحرم، فسموا بالأشهر الحرم. قوله: (وقيل: لعشر من ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول): وهذا أقرب الأقوال، لأن نداء علي بالآيات كان يوم النحر عند جمرة العقبة، كما سبق. قوله: (للنسيء الذي كان فيهم): رُوي أنهم كانوا ينسئون الحج كل عامين من شهر إلى شهر آخر، ويجعلون الشهر الذي أنسؤوا فيه ملغي، فتكون تلك السنة ثلاثة عشر شهرًا،
[ ٧ / ١٦٨ ]
_________________
(١) ويتركون العام الثاني على ما كان عليه الأول، فلا يزالون كذلك إلى خمس وعشرين سنة، ثم يستدير حينئذ الشهر الذي بُديء منه، وكانت السنة التي حج فيها رسول الله ﷺ حجة الوداع التي وصل ذو الحجة إلى موضعه، فقال ﷺ في خطبته: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا"، يعني: أن الله تعالى أدحض أمر النسيء، فإن حساب السنة قد استقام ورجع إلى الأصل الموضوع يوم خلق السماوات والأرض. قوله: "السنة اثنا عشر شهرا"تأكيد في إبطال أمر النسيء. وروى محيي السنة في "شرح السنة": "أن العرب كانت في الجاهلية قد بدلت أشهر الحج، وذلك أنهم كانوا يعتقدون تعظيم هذه الأشهر الحرم، ويتحرجون فيها عن القتال، فاستحل بعضهم القتال فيها من أجل أن عامة معايشهم كانت من الصيد والغارة، وكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر على التوالي، وكانوا إذا استحلوا شهرًا منها، حرموا مكانه شهرًا آخر، وهو النسيء الذي ذكر الله تعالى في كتابه: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) [التوبة: ٣٧]، ومعنى النسيء: تأخير تحريم رجب إلى شعبان، والمحرم إلى صفر، مأخوذ من: نسأت الشيء: إذا أخرته، وكان ذلك في كنانة، وإذا أخروا تحرمي المحرم إلى صفر، ومكثوا ذلك زمانًا، ثم احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر إلى الربيع، فعلوا هكذا شهرًا بعد شهر، حتى استدار التحريم على السنة كلها، فقام الإسلام، وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله". وقد سبق في سورة البقرة عند قوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: ١٩٧] رواية عن بعضهم على غير هذه الطريقة.
[ ٧ / ١٦٩ ]
(غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ): لا تفوتونه وإن أمهلكم، وهو مخزيكم، أي: مذلكم في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالعذاب.
[(وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) ٣]
(وَأَذانٌ) ارتفاعه كارتفاع (براءة) على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها، ولا وجه لقول من قال: إنه معطوف على (براءة)، كما لا يقال: "عمرو" معطوف على "زيد"، في قولك: زيد قائم، وعمرو قاعد، والأذان: بمعنى الإيذان، وهو الإعلام، كما أنّ الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء.
فإن قلت: أي فرق بين معنى الجملة الأولى والثانية؟ قلت: تلك إخبار بثبوت البراءة، وهذه إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت.
_________________
(١) قوله: (كما لا يُقال: "عمرو" معطوف على "زيد" في قولك: زيد قائم وعمرو قاعد): ولقاتل أن يقول: لِمَ لا يجوز أن يُعطف على (بَرَاءَةٌ)، على أن يكون من عطف الخبر على الخبر، كأنه قيل: هذه السورة براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم خاصة، وأذان من الله ورسوله إلى الناس عامة. نعم، الأحسن الأوجه أن يكون عطف جملة على جملة، لئلا تتخلل بين الخبرين جمل كثيرة أجنبية، ولئلا يفوت التطابق بين المبتدأ والخبر تأنيسًا وتذكيرًا. قوله: (تلك إخبار بثبوت البراءة): يعني: قوله: (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) يعني: هذه براءة ثابتة من الله ورسوله (إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ) إخبار من الله تعالى لمن خاطبهم بقوله: (عَاهَدتُّمْ)، بثبوت هذا الحكم في علم الله تعالى، وقوله: (وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى
[ ٧ / ١٧٠ ]
فإن قلت: لم علقت البراءة بالذين عوهدوا من المشركين، وعلق الأذان بالناس؟ قلت: لأنّ البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم، وأمّا الأذان فعام لجميع الناس؛ من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث.
(يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) يوم عرفة، وقيل: يوم النحر؛ لأنّ فيه تمام الحج ومعظم أفعاله؛ من الطواف، والنحر، والحلق، والرمي. وعن على ﵁: أن رجلا أخذ بلجام دابته، فقال: ما الحج الأكبر؟ قال: يومك هذا، خل عن دابتي!
وعن ابن عمر ﵁: أنّ رسول الله ﷺ وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع، فقال: "هذا يوم الحج الأكبر".
ووصف الحج بالأكبر؛ لأنّ العمرة تسمى الحج الأصغر، أو جعل الوقوف بعرفة هو الحج الأكبر؛ لأنه معظم واجباته؛ لأنه إذا فات فات الحج، وكذلك إن أريد به يوم النحر؛ لأن ما يفعل فيه معظم أفعال الحج فهو الحج الأكبر.
_________________
(١) … النَّاسِ) إخبارٌ منه تعالى لأولئك المخاطبين واجب التبليغ إلى كافة الناس في ذلك اليوم المخصوص، بما ثبت في حكم الله تعالى من تلك لبراءة. فقوله: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) إجمال لتفصيل ما أخبر أولًا من قوله: (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ)، إلى قوله: (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)، المشتمل على التهديد والوعيد، بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ) [التوبة ١ - ٢]، ومن ثم رتب عليه قوله: (فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، فالكلام مُدمج بعضه في بعض، الثاني مقرر للأول متضمن لمعنى زائد عليه. قوله: (أو جُعل الوقوف بعرفة هو الحج الأكبر): عطف معنوي على قوله: "لأن العمرة"، كأنه قال: إنما سُمي مجموع الأركان بالحج الأكبر، لأن العمرة حج أصغر، أو سُمي بعض
[ ٧ / ١٧١ ]
وعن الحسن: سُمى يوم الحج الأكبر؛ لاجتماع المسلمين والمشركين فيه، وموافقته لأعياد أهل الكتاب، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده، فعظم على قلب كل مؤمن وكافر. حذفت الباء التي هي صلة "الأذان" تخفيفًا، وقرئ "إن الله" بالكسر؛ لأنّ "الأذان" في معنى "القول".
(وَرَسُولِهِ) عطف على المنوي في (بَرِيءٌ)، أو على محل "إن" المكسورة واسمها،
_________________
(١) أركان الحج - وهو الوقوف بعرفة- بالحج الأكبر، لأنه مُعظم أركان الحج، وبقية الأركان دونه أو أصغر منه؛ تسمية لمعظم الشيء باسم كله. قوله: (حُذفت الباء التي هي صلة "الأذان" تخفيفًا): قال أبو البقاء: " (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) بفتح الهمزة، وفيه وجهان: أحدهما: هو خبر الأذان، أي: الإعلام من الله براءته من المشركين، والثاني: هو صفة، أي: وأذان كائن بالبراءة، وقيل: التقدير: وإعلام من الله بالبراءة، فالباء متعلقة بنفس المصدر". قوله: (أو على محل "عن" المكسورة): أي: (وَرَسُولُهُ) عطف على محل "إنَّ" المكسورة واسمها، على تقدير عدمها، وذلك لأن المكسورة لما لم تُغير المعنى جاز أن تقدم كالعدم، فتعطف على محل ما عملت فيه. هذا معنى قولهم: يُعطف على محلها مع اسمها. هذا على ما قرئ في الشاذة بكسر "إن" ظاهر، وأما على المشهورة بفتح "أن"؛ فلأنها في تأويل المكسورة، قال أبو البقاء: "هذا عند المحققين غير جائز، لأن المفتوحة لها موضع غير الابتداء، بخلاف المكسورة". قال ابن الحاجب: " (وَرَسُولُهُ) بالرفع معطوف على "إن" باعتبار المحل، وإن كانت مفتوحة لأنها في حكم المكسورة، وهذا موضع لم ينبه عليه النحويون، فإنهم إذا قالوا: يُعطف
[ ٧ / ١٧٢ ]
_________________
(١) على اسم "إن" المكسورة دون غيرها، توهموا أنه لا يجوز العطف على المفتوحة، والمفتوحة تنقسم إلى قسمين: قسم يجوز العطف على اسمها بالرفع، وقسم لا يجوز. فالذي يجوز: هو أن تكون في حكم المكسورة، كقولك: علمت أن زيدًا قائم وعمرو، لأنه في معنى: إن زيدًا قائم وعمرو، فكما جاز العطف ثم جاز هاهنا، ألا ترى أن "عَلِمَ" لا يدخل إلا على المبتدأ والخبر، يدل على ذلك وجوب الكسر في قولك: علمت إن زيدًا لقائم، وإنما انتصب بعدها توفيرًا لما يقتضيه "علمتُ" من معنى المفعولية، وإذا تحقق أنها في حكم المكسورة جاز العطف على موضعها. وإن كانت المفتوحة على غير هذه الصفة لم يجز العطف على اسمها بالرفع، مثل قولك: أعجبني أن زيدًا قائم وعمرًا، فلا يجوز غلا النصب، لأنها ليست مكسورة ولا في حكمها"، وقال في غير هذا الموضع: "إنما لم يعطف على المفتوحة لفظًا ومعنى؛ لأنها واسمها وخبرها بتأويل خبر واحد، فلو قدرت أنها في حكم العدم لأخلت بموضوعها، بخلاف "إن" المكسورة، لأنها لا تُغير المعنى، فجاز تقدير عدمها لكونها للتأكيد المحض، كما جاز تقدير عدم الباء المؤكدة في قوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا"
[ ٧ / ١٧٣ ]
وقرئ بالنصب؛ عطفًا على اسم "أن"، أو لأن الواو بمعني "مع"، أي: برئ معه منهم، وبالجر على الجوار، وقيل: على القسم؛ كقوله: (لَعَمْرُكَ) [الحجر: ٧٢].
ويحكى أن أعرابيًا سمع رجلا يقرؤها، فقال: إن كان الله بريئًا من رسوله فأنا منه برئ، فلبيه الرجل إلى عمر، فحكى الأعرابي قراءته، فعندها أمر عمر ﵁ بتعليم العربية.
(فَإن تُبْتُمْ) من الكفر والغدر (فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وإن تَوَلَّيْتُمْ) عن التوبة، أو ثبتم على التولي والإعراض عن الإسلام والوفاء، فأعلموا أنكم غير سابقين الله، ولا فائتين أخذه وعقابه.
_________________
(١) ـ قوله: (وبالجر على الجوار): يعني: هو منصوب معطوف على اسم "أنَّ"، لكن مجرور لجوار قوله: (الْمُشْرِكِينَ)، نحو قولهم: جُحر ضب خرب. وهذا ليس بشيء؛ لأنه قد عُلم من قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: ٦] ومن مواضع في "كتابه" أن فائدة العطف على الجوار اكتساب المعطوف بعض معناه من المعطوف عليه، ولا يجوز ذلك هاهنا، وقال أبو البقاء: "ولا يكون عطفا ًعلى (الْمُشْرِكِينَ)؛ لأنه يؤدي إلى الكفر". قوله: (كقوله: (لَعَمْرُكَ): قال ابن قتيبة: لعمرك ولعمر الله: هو العمر، يقال: أطال الله عمرك وعمرك، وهو قسم بالبقاء، يريد المصنف أنه تعالى أقسم به ﷺ هاهنا، كما أقسم به في قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ)، ويجوز من الله أن يقسم بأشياء غيره، كما لا يجوز منا أن نقسم بغير الله. قوله: (فلببه)، الجوهري: "لبيت الرجل تلبيبًا: إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره، ثم جررته في الخصومة".
[ ٧ / ١٧٤ ]
[(إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) ٤]
فإن قلت: مم استثنى قوله: (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ)؟ قلت: وجهه أن يكون مستثنى من قوله: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ) [التوبة: ٢]، لأن الكلام خطاب للمسلمين،
_________________
(١) . قوله: (وجهه أن يكون مستثنى من قوله: (فَسِيحُوا»: يوهم أن هاهنا وجهًا آخر، قال أبو البقاء: " (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ) في موضع نصب على الاستثناء من (الْمُشْرِكِينَ)، ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر (فَأَتِمُّوا) ". واختار الأول صاحب "الكواشي" والقاضي، كأن التقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين الناكثين للعهد والذين لم ينقضوا العهد، سواء كانت مدة عهدهم أقل من أربعة أشهر أو أكثر أو غير محدودة، ثم استثنى من الجمع الذين ضُرب لهم أجل محدود فوق أربعة أشهر، ولم ينقضوا العهد، فأمروا أن يتموا عهدهم. وقوله: (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ) جزاء شرط محذوف. وروى محيي السنة عن جماعة من المفسرين ما يقرب من هذا الوجه. واختار الزجاج والمصنف الوجه الثاني، لأن (إلاَّ) إذا جُعل استدراكًا كان قوله: (الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ) مبتدأ، وهو متضمن لمعنى الشرط، فلذلك جيء في الخبر بالفاء، ورجح المصنف هذا الوجه بأن قوله: (عَاهَدتُّمْ) وقوله: (فَأَتِمُّوا) خطاب للمسلمين، وقوله: (فَسِيحُوا) أيضًا خطاب لهم على إضمار القول، فالمناسب أن يكون مستثنى منه، ليتطابقا،
[ ٧ / ١٧٥ ]
ومعناه: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فقولوا لهم سيحوا، إلا الذين عاهدتم منهم، ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم والاستثناء بمعنى الاستدراك، وكأنه قيل بعد أن أمروا في الناكثين، ولكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم، ولا تجروهم مجراهم، ولا تجعلوا الوفي كالغادر.
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) يعنى: أنّ قضية التقوى أن لا يسوّى بين القبيلين، فاتقوا الله في ذلك.
_________________
(١) بخلافه إذا جُعل مستثنى من (الْمُشْرِكِينَ)، اللهم إلا أن يُذهب إلى التأويل المذكور، وفيه تعسف كما قررناه، ولهذا قال: "وجهه أن يكون مستثنى من قوله: (فَسِيحُوا) ". وأيضًا على هذا يحسن عطف قوله: (وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ) الآية، على جملة (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ)؛ ليؤذن بالتبري الكلي من المشركين، وأن هؤلاء المعاهدين قد استدرك منهم ضرورة، وغلا فالحق أن لا يستدرك أحد منهم، ولا يحسن هذا على المتصل. قال في "الانتصاف": "ويجوز أن يكون (فَسِيحُوا) خطابًا من الله، ولا يُضمر قبله: "قولوا"، ويكون الاستثناء من قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ)، أي: براءة من الله ورسوله إلى المعاهدين، إلا الباقين على العهد، ويكون فيه خروج عن خطاب المسلمين في (عَاهَدْتُمْ) إلى خطاب المشركين في (فَسِيحُوا)، والتفات بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ)، وقياسه: غير معجزي وأني مخزي الكافرين. وفيه افتنان وتفخيم للشأن، ثم يعود إلى الخطاب للمؤمنين في قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا) ". قوله: (أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلين): يريد أن قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
[ ٧ / ١٧٦ ]
(لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا): لم يقتلوا منكم أحدًا، ولم يضروكم قط (وَلَمْ يُظاهِرُوا): ولم يعاونوا (عَلَيْكُمْ) عدوّا، كما عدت بنو بكر على خزاعة عيبة رسول الله ﷺ، وظاهرتهم قريش بالسلاح،
_________________
(١) الْمُتَّقِينَ) وارد على سبيل التعليل، لأن التقوى وصف مرتب على الحكمين، أعني قوله: "فقولوا لهم: سيحوا"، وقوله: (فَأَتِمُّوا)، ومضمونها عدم التسوية بين الغادر والوافي. قوله: (كما عدت بنو بكر على خُزاعة): مُتعلق بقوله: "أن لا يُسوى بين القبيلين، فاتقوا الله في ذلك"، أي: فاتقوا الله في عدم التسوية، كما اتقى رسول الله ﷺ، فلم يسو بين بني بكر وبني خزاعة، وقال: "لا نُصرت إن لم أنصركم". روي محيي السنة: "دخلت خزاعة في عهد النبي ﷺ عام الحديبية، ودخل بنو بكر في عهد قريش، ثم عدت بنو بكر على خزاعة، فنالت منها، وأعانتهم قريش بالسلاح". قوله: (عيبة رسول الله ﷺ)، الجوهري: "العيبة: ما تُجعل فيه الثياب، والجمع: عيب وعياب"، النهاية: "في الحديث: "الأنصار كرشي وعيبتي": أي: خاصتي وموضع سري، والعربُ تكنى عن الصدور بالعياب؛ لأنها مستودع السرائر، كما أن العياب مستودع الثياب". في "الفائق": "استعار الكرش والعيبة لموضع السر والأمانة، لأن المجتر يجمع علفه في رشه، والرجل يحمل ثيابه في عيبته".
[ ٧ / ١٧٧ ]
حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله ﷺ، فأنشده:
لَاهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا … حِلْفَ أَبِينَا وَأبِيكَ الأَتْلَدَا
إن قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا … وَنَقَضُوا ذِمَامَكَ الْمُؤَكَّدَا
هُمْ بَيَّتُونَا بِالْحَطِيمِ هُجَّدَا … وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا
فقال ﵊: "لا نصرت إن لم أنصركم".
_________________
(١) . قوله: (لاهم إني ناشد محمدًا) الأبيات: "لا هم": أصله: اللهم، والميمان عوضان عن حرف النداء عند البصريين، وجوز سيبويه أن يكون "لاه" أصله اسم "الله"، ثم أدخلت عليه اللام، فجرى مجرى العلم كالعباس، وأصله: يا لاه، فأبدل الميم من حرف النداء، فصار: لاهم. "ناشد": من قولهم في الاستعطاف: نشدتك بالله، أي: سألتك بالله، وطلبت إليك بحقه، ومعنى: إني سائل محمدًا، أي: سائل ربي النصرة بمحمد ﷺ. "الحلفُ" بالكسر: العهد بين القوم، والأحلاف: الذين يحالفون القوم على النصرة والوفاء. "الأتلد": أفعل التفضيل؛ من التالد: القديم. "حلف أبينا": منصوب بمضمر، أي: اذكر وراع الذمام القديم الذي جرى بين آبائنا، وكان بين عبد المطلب وخُزاعة حلف قديم. و"الحطيم": الذي فيه الميزاب، وهي الحجر، وسُمي به لأنهم كانوا في الجاهلية يحلفون فيهن فيحطم الكاذب. قيل: فغضب لهم رسول الله ﷺ، وخرج إلى مكة، ونصر الله رسوله، وشفى الله صدور خزاعة من بني بكر بالنبي ﷺ وبالمؤمنين، كما قال تعالى: (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) [التوبة: ١٥].
[ ٧ / ١٧٨ ]
وقرئ: (لم ينقضوكم) بالضاد معجمة، أي: لم ينقضوا عهدكم.
ومعنى (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ): فأدّوه إليهم تامًّا كاملًا. قال ابن عباس: بقي لحىّ من كنانة من عهدهم تسعة أشهر، فأتمّ إليهم عهدهم.
[(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ٥]
انسلخ الشهر: كقولهم انجرد الشهر، وسنة جرداء. (والْأَشْهُرُ الْحُرُمُ): التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا. (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) يعنى: الذين نقضوكم وظاهروا عليكم، (حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) من حلّ أو حرم، (وَخُذُوهُمْ) وأسروهم. والأخيذ: الأسير (وَاحْصُرُوهُمْ): وقيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد. وعن ابن عباس ﵄: حصرهم: أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام.
(كُلَّ مَرْصَدٍ): كلّ ممرّ ومجتاز ترصدونهم به، وانتصابه على الظرف، كقوله (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: ١٦]،
_________________
(١) قوله: (انجرد الشهر)، النهاية: "في الحديث: "لأجردنك كما يجرد الضب"، أي: لأسلخنك كما يُسلخ الضب، لأنه إذا شُوي جُرد من جلده". الأساس: "ومن المجاز: وجردهم الجارود والجارودة، أي: العام والسنة. وسنة جرداء: كاملة منجردة عن انلقصان، وما رأيته منذ أجردان وجريدان، أي: نهاران. قوله: (وانتصابه على الظرف، كقوله: (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: ١٦]): أي: على صراطك، وهو من الشواذ.
[ ٧ / ١٧٩ ]
(فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ): فأطلقوا عنهم بعد الأسر والحصر، أو: فكفوا عنهم ولا تتعرّضوا لهم كقوله:
خَلِّ السَّبِيلَ لِمَنْ يَبْنِى الْمَنَارَ بِهِ
وعن ابن عباس ﵁: دعوهم وإتيان المسجد الحرام (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يغفر لهم ما سلف من الكفر والغدر.
[(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) ٦]
_________________
(١) .. الانتصاف: "ويحتمل أن يكون "المرصد" مصدرًا؛ لأن اسم الزمان والمكان والمصدر من فعله واحد، واقعدوا: في معنى: ارصدوا، ويقرب الظرفية قوله: (حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، فيطابق الظرفية في المكانين". قوله: (فأطلقوا عنهم بعد الأسر): هذا على أن يكون (وَاحْصُرُوهُمْ) مفسرًا بالقيد والمنع من التصرف. قوله: (أو: فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم): هذا على أن يكون معنى (وَاحْصُرُوهُمْ): أن يُحال بينهم وبين المسجد الحرام، وعلى التقديرين فمعنى: (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) كناية، إما عن افطلاق أو عدم التعرض. قوله: (خل السبيل لمن يبني المنار به): تمامه: وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر برزة: اسم أم عمر بن لجأ التيمي، قال الجوهري: "البيت لجرير"، يهجو يقول: دع
[ ٧ / ١٨٠ ]
(أَحَدٌ) مرتفع بفعل الشرط مضمرًا يفسره الظاهر، تقديرُه: وإن استجارك أحد استجارك، ولا يرتفع بالابتداء؛ لأنّ "إن" من عوامل الفعل لا تدخل على غيره.
والمعنى: وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر، لا عهد بينك وبينه ولا ميثاق، فاستأمنك؛ ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن، ويتبين ما بعثت له فأمّنه (حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر، (ثُمَّ أَبْلِغْهُ) بعد ذلك داره التي يأمن فيها إن لم يسلم. ثم قاتله إن شئت من غير غدر ولا خيانة، وهذا الحكم ثابت في كل وقت.
وعن الحسن: هي محكمة إلى يوم القيامة، وعن سعيد بن جُبير: جاء رجل من المشركين إلى علىّ ﵁ فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدًا بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله، أو يأتيه لحاجة قتل؟ ! قال: لا، لأنّ الله تعالى يقول: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ) الآية.
_________________
(١) سبيل الرشاد لمن يطلبه ويتعاناه، وابرز منه على الطريق الغي والضلال إذا اضطرك قضاء الله وقدره، فإن من يضله الله فلا هادي له، ولا ينفع الحذر عما قضى وقدر. قوله: (وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك وبينه): هذا يوجب تفسير قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) بالناقضين كما قال، وتقدير غير المعاهدين عند قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)؛ لأن قوله: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) عطف على قوله: (فَإِنْ تَابُوا)، فالفاء تفصيلية، المعنى: اقتلوا المشركين الناقضين وغير الناقضين، أما حكم الناقضين: فإنهم إن تابوا وأقاموا الصلاة فخلوا سبيلهم، وغير المعاهدين: إن جاءك أحد منهم فاستأمنك لسماع ما تدعو إليه فأمنه، فالآية من باب قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ) [النساء: ٩٥] في أحد وجهيه.
[ ٧ / ١٨١ ]
وعن السدّي والضحاك: هي منسوخة بقوله تعالى (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ٥].
(ذلِكَ) أي: ذلك الأمر، يعنى الأمر بالإجارة في قوله (فَأَجِرْهُ) بسبب بِأَنَّهُمْ (قوم) جهلة (لا يَعْلَمُونَ) ما الإسلام؟ وما حقيقة ما تدعو إليه؟ فلا بُدّ من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا ويفهموا الحق.
[(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَابى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ) ٧ - ٨]
(كَيْفَ) استفهام في معنى الاستنكار والاستبعاد، لأن يكون للمشركين عهد عند رسول الله ﷺ، وهم أضداد وغرة صدورهم، يعنى: مُحال أن يثبت لهؤلاء عهد، فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به نفوسكم، ولا تفكروا في قتلهم.
ثم استدرك ذلك بقوله (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ)، أي: ولكن الذين عاهدتم منهم (عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة، فتربصوا أمرهم، ولا تقاتلوهم، (فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ) على العهد، (فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) على مثله، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) يعنى: أن التربص بهم من أعمال المتقين.
_________________
(١) . قوله: (وغرة صدورهم)، الجوهري: "الوغرة: شدة توقد الحر، ومنه قيل: في صدره عليَّ وغر، بالتسكين، أي: ضغن وعداوة وتوقد من الغيظ، والمصدر بالتحريك، تقول: وغر صدره على يوغر وغرًا". قوله: (ولا تفكروا في قتلهم): الرواية بتخفيف الكاف المكسورة، الجوهري: "أفكر في الشيء وفكر فيه وتفكر، بمعنى".
[ ٧ / ١٨٢ ]
(كَيْفَ) تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحذف الفعل لكونه معلومًا كما قال:
وَخَبَّرْتُمَانِى أَنَّمَا الْمَوْتُ بِالْقُرَى … فَكَيْفَ وَهَاتَا هَضْبَة وَقَليبُ
يُريد: فكيف مات؟ أي: كيف يكون لهم عهد، وَحالهم أنهم (وإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ) بعد
ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق، لم ينظروا في حلف ولا عهد، ولم يبقوا عليكم (لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا) لا يراعوا حلفًا. وقيل: قرابة، وأنشد لحسان:
لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِنْ قُرَيْش … كَإلِّ السَّقْبِ مِنْ رَأَلِ النَّعَامِ
وقيل (إِلًّا) إلها. وقرئ: "إيلا"؛ بمعناه، وقيل: جبرئيل، وجبرئل، من ذلك.
وقيل: منه اشتق "الآل" بمعنى القرابة، كما اشتقت "الرحم" من" الرحمن، والوجه أن اشتقاق "الإلّ" بمعنى "الحلف"، -لأنهم إذا تماسحوا وتحالفوا رفعوا به أصواتهم وشهروه- من "الإل"، وهو الجؤار، وله أليل: أي: أنين يرفع به صوته،
_________________
(١) قوله: (وخبرتُماني) البيت: قبله: لعمركما إن البعيد الذي مضى … وإن الذي يأتي غدًا لقريب قائلهما كعب الغنوي يرثي أخاه. "الهضبة": الجبل المنبسط علىوجه الأرض، والجمع: هضب وهضاب. و"القليب": البئر؛ لقلب التراب منها. قوله: (لعمرك إن إلك) البيت: "السقب": الذكر من ولد الناقة، "الرأل": ولد النعام. قوله: (من الإل، وهو الجؤار): خبر "إن"، وقوله: "بمعنى الحلف": حال من "الإل"، والتعليل معترض بين الاسم والخبر، يعني: الوجه الصحيح أن يُقال: إن أصل "الإل" في
[ ٧ / ١٨٣ ]
ودعت ألليها: إذا ولولت، ثم قيل لكل عهد وميثاق: إلّ، وسميت به القرابة؛ لأن القرابة عقدت بين الرجلين مالا يعقده الميثاق.
(يُرْضُونَكُمْ) كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن، مقرّر لاستبعاد الثبات منهم على العهد. وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان، لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل.
_________________
(١) . اللغة: الجؤار، وهو رفع الصوت، واشتق منه الحلف؛ لما فيه من رفع الصوت، ثم كثر استعماله في الحلف، حتى اشتهر في كل حلف، وإن لم يكن فيه رفع الصوت، ثم استعمل في كل عقد موثق، سواء كان فيه الحلف أم لم يكن، ولما وُجد هذا المعنى في القرابة أكثر كانت تسميتها به أولى، وإليه الإشارة بقوله: "لأن القرابة عقدت بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق". وإنما كان هذا الوجه أوجه من كونه مشتقًا من "الإل" الذي هو بمعنى: الإله؛ لأن المأخوذ منه إذا كان عربيًا كان أولى من كونه سريانيًا، قال الزجاج: "وقيل: الإل: اسم من أسماء الله تعالى، وهذا ليس بالوجه؛ لأن أسماء الله معروفة معلومة في الكتاب والسنة، ولم يسمع يا إل". قوله: (ودعت ألليها): عطف على قوله: "وله أليل"، أي: يُقال كذا ويقال كذا. الجوهري: "يجوز أن يُريد الألل، ثم ثنى، كأنه يريد صوتًا بعد صوت، وأن يريد حكاية أصوات النساء بالنبطية إذا صرخن". قوله: (وإباء القلوب: مخالفة ما فيها من الأضغان، لما يجرونه): "إباء القلوب" مُبتدأ، و"مخالفة ما فيها" الخبر، و"لما يجرونه على ألسنتهم" متعلق بالمخالفة، والجملة تفسير لقوله: (وَتَابَى قُلُوبُهُمْ)، يعني: تأبى قلوبهم مخالفة الباطن الظاهر؛ أما الباطن فما في القلوب من الحقد، وأما الظاهر فهو إجراء كلمة الرضا على ألسنتهم.
[ ٧ / ١٨٤ ]
(وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ): متمرّدون خلعاء، لا مروءة تزعهم، ولا شمائل مرضية تردعهم، كما يوجد ذلك في بعض الكفرة، من التفادي عن الكذب والنكث، والتعفف عما يثلم العرض ويجرّ أحدوثة السوء.
[(اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) ٩ - ١٠]
(اشْتَرَوْا) استبدلوا (بِآياتِ اللَّهِ): بالقرآن والإسلام (ثَمَنًا قَلِيلًا)، وهو إتباع الأهواء والشهوات، (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ): فعدلوا عنه أو صرفوا غيرهم.
_________________
(١) قال أبو البقاء: " (يُرْضُونَكُمْ) حال من فاعل (لا يَرْقُبُوا) عند قوم، وليس بشيء"، وقال القاضي: " (يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ) استئناف لبيان حالهم المنافية لثباتهم على العهد، المؤدية إلى عدم مراقبتهم عند الظفر، ولا يجوز جعله حالًا من فاعل (لا يَرْقُبُوا)، فإنهم بعد ظهورهم لا يرضون المؤمنين، ولأن المراد إثبات إرضائهم المؤمنين بوعد الإيمان والطاعة والوفاء بالعهد في الحال، واستبطان الكفر والمعاداة، بحيث إن ظفروا لم يبقوا عليهم، والحالية تنافيه". وكذا عن أبي البقاء. قوله: «وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) متمردون خلعاء): والكافر إذا وُصف بالفسق دل على نهاية ما هو فيه من الكفر، ودل بمفهومه أن بعضهم ليسوا كذلك، وهو المراد من قوله: "كما يوجد ذلك في بعض الكفرة من التفادي عن الكذب" يُقال: تفادي الرجل عن كذا: إذا تحاماه. و"مِن" مُتعلقُ بـ "تردعهم". قوله: (أو صرفوا غيرهم): يعني: قوله تعالى: (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ): إما لازم من الصدود، أي: العدول، أو متعد من: صده إذا صرفه. الجوهري: "صد يصد صدودًا: أعرض، وصده عن الأمر صدًا: منعه وصرفه عنه، وأصده: لغة".
[ ٧ / ١٨٥ ]
وقيل: هم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم. (هُمُ الْمُعْتَدُونَ): المجاوزون الغاية في الظلم والشرارة.
[(فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ١١]
(فَإِنْ تابُوا) عن الكفر ونقض العهد (فَإِخْوانُكُمْ): فهم إخوانكم، على حذف المبتدأ، كقوله: (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) [الأحزاب: ٥]، (وَنُفَصِّلُ الْآياتِ): ونبينها، وهذا اعتراض، كأنه قيل: وإن من تأمّل تفصيلها فهو العالم؛ بعثًا وتحريضًا على تأمّل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين، وعلى المحافظة عليها.
_________________
(١) . قوله: (وقيل: هم الأعراب): عطف على محذوف، يدل عليه قوله: "وهو اتباع الأهواء والشهوات"، لأن الثمن القليل - على الأول- مجاز عن استبدال متابعة الشهوات بالإيمان، والمشتري جميع الكفار أو المنافقون، وعلى الثاني: الثمن القليل ما أطعمهم أبو سفيان، والمشتري الأعراب. ثم المناسب على الأول أن يكون "صدوا" بمعنى: عدلوا، وعلى الثاني بمعنى: صرفوا، والتفسير الأول أقرب إلى النظم، لأن قوله: (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) جملة مستأنفة كالتعليل لقوله: (وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) [التوبة: ٨]، وفيه: أن من فسق وتمرد كان سببه مجرد اتباع الشهوات والركون إلى الدنيا ولذاتها. قوله: «وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ): وتبينها، وهذا اعتراض): أي: تأكيد لمضمون ما سبق من أول السورة، وعام في الإيراد، ومن ثم قال: "وإن من تأمل تفصيلها". وقوله: (يَعْلَمُونَ) مطلق، نحو: فلان يعطي ويمنع، ولهذا قال: "فهو العالِم". وفي كلامه -وهو"إن من تأمل تفصيلها فهو العالم" - إشعار أن (يَعْلَمُونَ) وُضع موضع "يتفكرون"
[ ٧ / ١٨٦ ]
[(وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) ١٢]
(وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ): وثلبوه وعابوه، (فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ): فقاتلوهم، فوضع (أئمة الكفر) موضع ضميرهم؛ إشعارًا بأنهم إذا نكثوا في حال الشرك تمرّدًا وطغيانًا وطرحًا لعادات الكرام الأوفياء من العرب، ثم آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاروا إخوانا للمسلمين في الدين، ثم رجعوا فارتدوا عن الإسلام ونكثوا ما بايعوا عليه من الإيمان والوفاء بالعهود، وقعدوا يطعنون في دين الله، ويقولون: ليس دين محمد بشيء، فهم أئمة الكفر، وذوو الرياسة والتقدّم فيه، لا يشق كافر غبارهم.
وقالوا: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعنًا ظاهرًا جاز قتله، لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن، فإذا طعن فقد نكث عهده، وخرج من الذمّة.
(إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ) جمع يمين، وقرئ: "لا إيمان لهم"، أي: لا إسلام لهم، أو: لا يعطون الأمان بعد الردّة والنكث، ولا سبيل إليه.
فإن قلت: كيف أثبت لهم الأيمان في قوله: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ)، ثم نفاها عنهم؟ قلت: أراد: أيمانهم التي أظهروها، ثم قال: لا أيمان لهم على الحقيقة، وأيمانهم ليست بأيمان، وبه استشهد أبو حنيفة ﵁ على أن يمين الكافر لا تكون يمينًا،
_________________
(١) … و"يتأملون" وضعًا للمسبب موضع السبب بعثًا وتحريضًا، لأن العلم مطلوب لذاته، فالسامع إذا سمع ذلك اجتهد في التأمل والتدبر، لينخرط في سلك العالمين. قوله: (إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعنًا ظاهرًا جاز قتله): كذا عن الزجاج ومحيي السنة.
[ ٧ / ١٨٧ ]
وعند الشافعي ﵀: يمينهم يمين، وقال: معناه أنهم لا يوفون بها، بدليل أنه وصفها بالنكث.
_________________
(١) . قوله: (وعند الشافعي): قال الإمام: "وعند الشافعي أن يمينهم يمين، ومعنى الآية: أنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان، والدليل على أن أيمانهم أيمان أنه تعالى وصفها بالنكث". وقلت: مثله قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [البقرة: ١٠٢]، قال صاحب "المفتاح": "وصف أهل الكتاب في صدره بالعلم على سبيل التوكيد القسمي، وآخره نفاه عنهم حيث لم يعملوا بعلمهم". ويُمكن أن يُقال: إن في وضع المظهر - وهو قوله: (أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) - إشعارًا بأن أيمانهم تلك لم تكن إلا خديعة بالمؤمنين واستهزاء، ولم تكن من الأيمان الحقيقية في شيء، ولكن لما أجري عليها حكم الأيمان الحقيقية بأن قبلت، ورفع عنهم بسببها التعرض بالقتل والنهب، وأمنوا من سائر التبعات، سميت أيمانًا، ووصفت بالنكث، نحوه مر في قوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: ٩]، قال المصنف: "كانت صورة صنعهم مع الله - حيث أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر - صورة صُنع المخادع، وصورة صنع الله -حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد أخبث الكفرة - صورة صنع الخادع". فظهر أن اعتداد الأيمان منهم وإن لم يكن حقيقة، إنما هو لأجل فوائد دينية ومصالح منوطة بها، لا أنها أيمان حقيقة، فلما أظهروا النكث ارتفع الاعتداد بها ورجعت إلى ما كانت، فقيل: (إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ)، وهكذا مبني الأيمان، فإنها لقطع الخصومات والمطالبات في الحال، لا أنها مسقطة للحق، وتحصل بها براءة الذمة في المآل.
[ ٧ / ١٨٨ ]
(لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) متعلق بقوله: (فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ)، أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعد ما وجد منهم ما وجد من العظائم: أن تكون المقاتلة سببًا في انتهائهم عما هم عليه. وهذا من غاية كرمه، وفضله، وعوده على المسيء بالرحمة كلما عاد.
فإن قلت: كيف لفظ (أئمة)؟ قلت: همزة بعدها همزة بين بين، أي: بين مخرج الهمزة والياء،
_________________
(١) روينا عن مُسلم وأبي داود والترمذي عن وائل بن حجر قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ، فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ للحضرمي: "ألك بينة؟ " قال: لا، قال: "فلك يمينه"، قال: يا رسول الله، إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس بتورع عن شيء، فقال: "ليس لك منه إلا ذلك". فانطلق ليحلف … الحديث. وأما حديث القسامة، وقوله ﷺ: "فتبرئم اليهود بخمسين، فقالوا: كيف نأخذ بأيمان قوم كفار": فمشهور، أخرجه الشيخان وغيرهما. وقيل: ومن فائدة الخلاف أنه لو أسلم بعد انعقاد اليمين وحنث فيه: لا كفارة فيه ند أبي حنيفة، وعند الشافعي عليه الكفارة. قوله: (همزة بعدها همزة بين بيْن): قال أبو البقاء: "لا يجوز أن تُجعل بينَ بين، كما جُعلت همزة "أإذا"، لأن الكسرة هاهنا منقولة، وهناك أصلية، ولو خففت الهمزة الثانية هاهنا على القياس لكانت ألفًا؛ لانفتاح ما قبلها، ولكن تُرك ذلك لتتحرك بحركة الميم في الأصل"، وفيه نظر.
[ ٧ / ١٨٩ ]
وتحقيق الهمزتين قراءة مشهورة، وإن لم تكن بمقبولة عند البصريين. وأما التصريح بالياء فليس بقراءة، ولا يجوز أن تكون. ومن صرح بها فهو لاحن محرف.
_________________
(١) . قوله: (قراءة مشهورة وإن لم تكن مقبولة): في "التيسير": "قرأ الكوفيون وابن عامر: (أَئِمَّةَ الْكُفْرِ)، بهمزتين حيث وقع، وأدخل هشام بينهما ألفًا، والباقون بهمزة وياء مختلسة الكسرة من غير مد". وفي "الكواشي": أصل "أئمة": أءممة؛ أفعلة، جمع إمام، كعماد وأعمدة، نُقلت كسرة الميم الأولى إلى الهمزة، ثم أدغمت في الثانية، فصارت: أئمة، ثم قلبت الهمزة ياء فصارت: أيمة، وزعم بعضهم أن النحاة لا يجيزون اجتماع همزتين للثقل، وفي زعمه نظر؛ لصحة نقلها عن النبي ﷺ، بل لتواتره، فيجب لذلك أن تُجعل لغة للعرب استعملت على الأصل، وهو أقيس وإن ثقل! وزعم أيضًا أن التصريح بالياء ليس بقراءة، ولا يجوز أن يكون قراءة، ومن صرح بها فهو لاحن محرف! وفي زعمه نظر؛ لأن أكثر القراء يقرؤون بهمزة بعدها ياء مكسورة. وقلت: وفي النظر نظر، لأن قوله: "فليس بقراءة" معناه: أن أحدًا من القراء السبعة لم يقرأ بها، وهو كذلك، كما نقلناه عن صاحب "التيسير"، ولكن النظر من وجه آخر، وهو أنه ذكر في "المفصل": "إذا اجتمعت همزتان في كلمة فالوجه قلب الثانية إلى حرف لين، كقولهم: آدم وأيمة". وقال ابن الحاجب في "شرحه": "يجب عند النحويين أن تُقلب الثانية حرف لين، وقلبها حرف لين على حسب حركتها إن أمكن ذلكن كقولك: أيمة، بياء محضة".
[ ٧ / ١٩٠ ]
[(أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ١٣]
(أَلا تُقاتِلُونَ) دخلت الهمزة على "لا تُقاتِلُونَ"؛ تقريرًا بانتفاء المقاتلة، ومعناه: الحض عليها على سبيل المبالغة، (نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ) التي حلفوها في المعاهدة، (وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ) من مكة حين تشاوروا في أمره بدار الندوة، حتى أذن الله تعالى له في الهجرة، فخرج بنفسه، (وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي: وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة، لأن رسول الله ﷺ جاءهم أولًا بالكتاب المنير، وتحداهم به، فعدلوا عن المعارضة؛ لعجزهم عنها، إلى القتال، فهم البادءون بالقتال، والبادئ أظلم، فما يمنعكم من أن تقاتلوهم بمثله؟، وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم؟ !
_________________
(١) وقال أبو شامة في شرح قوله: "وفي النحو أبدلا": أي: رأى أهل النحو إبدال الهمزة ياء في "أيمة"، نص عليه أبو علي في "الحجة"، ووجهه: النظر إلى أصل الهمزة، وهو السكون، وذلك يقتضي الإبدال مطلقًا، وتعينت الياء للكسرة، ولم يوافق أبو القاسم الزمخشري أهل النحو، واختار مذهب القراء في "الكشاف". وأما في "المفصل" فهو حكاية قول النحويين. قوله: (تقريرًا بانتفاء المقاتلة): قيل: "تقريرًا" من الإقرار لا من القرار، أي: يجعلهم مقرين باتنفاء القتال: وقلت: العكس أولى؛ لأن حرف الاستفهام دخل على نفي المقاتلة، والكلام
[ ٧ / ١٩١ ]
وبخهم بترك مقاتلتهم وحضهم عليها، ثم وصفهم بما يوجب الحض عليها، ويقرر أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد، وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب: حقيق بأن لا تترك مصادمته، وأن يوبخ من فرط فيها.
(أَتَخْشَوْنَهُمْ) تقرير بالخشية منهم وتوبيخ عليها (فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ) فتقاتلوا أعداءه (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يعنى: أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا ربه، ولا يبالى بمن سواه، كقوله تعالى: (وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) [الأحزاب: ٣٩]
_________________
(١) . مع الذين قعدوا عن المقاتلة، فمعنى قوله: (أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا): أنتم بعد مستقرون على ما كنتم عليه من عدم المقاتلة! يوبخهم على التمريض عن القتال، ويحرضهم عليه على المبالغة، والاستفهام إذا كان للتقرير قرر الفعل الذي دخل عليه، فظنوا أن تقريرًا لا يُعدى بالباء، فقالوا: هو بمعنى الاعتراف، وقد جاء تعديته بها، قال الجوهري: "القرار في المكان: الاستقرار فيه، وقررت بالمكان"، وعليه قوله بعد هذا: " (أَتَخْشَوْنَهُمْ) تقرير بالخشية منهم وتوبيخ عليها". قوله: (وبخهم بترك مقاتلهم وحضهم عليها، ثم وصفهم بما يوجب الحض): يعني: وَلَّدَ ذلك التوبيخ معنى الحض على المقاتلة، فرتب ذلك الحكم على الوصف المناسب، وهو نكث العهد وإخراج الرسول ﷺ والبدء بالقتال. قوله: (أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا ربه): وذلك أن المؤمن إذا اعتقد أن لا ضار ولا نافع إلا الله، وأن أحدًا لا يقدر أن يضره أو ينفعه إلا بإذنه ومشيئته، فلا يخاف إلا ربه. روينا في "مُسند أحمد بن حنبل" وفي "سنن الترمذي" عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فإن العباد لو اجتمعوا على أن
[ ٧ / ١٩٢ ]
[(قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ١٤ - ١٥]
لما وبخهم الله على ترك القتال، جرّد لهم الأمر به فقال (قاتِلُوهُمْ)، ووعدهم -ليثبت قلوبهم ويصحح نياتهم- أنه يعذبهم بأيديهم قتلًا، ويخزيهم أسرًا، ويوليهم النصر والغلبة عليهم، (وَيَشْفِ صُدُورَ) طائفة من المؤمنين، وهم خزاعة، قال ابن عباس ﵁: هم بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا، فلقوا من أهلها أذى شديدًا، فبعثوا إلى رسول الله ﷺ يشكون إليه، فقال: "أبشروا فإن الفرج قريب"، (وَيُذْهِبْ غَيْظَ) قلوبكم لما لقيتم منهم من المكروه، وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها، فكان ذلك دليلا على صدق رسول الله ﷺ، وصحة نبوّته
(وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) ابتداء كلام، وإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره، وكان ذلك أيضًا، فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم. وقرئ: "ويتوب" بالنصب بإضمار "أن" ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى، (وَاللَّهُ عَلِيمٌ): يعلم ما سيكون، كما يعلم ما قد كان (حَكِيمٌ): لا يفعل إلا ما اقتضته الحكمة.
_________________
(١) ـ ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك". قوله: (جرد لهم الأمر به): يعني: لما أمرهم بالقتال في ضمن الاستفهام التوبيخي في قوله: (أَلا تُقَاتِلُونَ) صرح الأمر به في قولهم: (قَاتِلُوهُمْ) تقريرًا أو تأكيدًا. قوله: (وقرئ: "ويتوب"، بالنصب؛ بإضمار "أن"، ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى): قال ابن جني: "هي قراءة الأعرج وابن أبي إسحاق وعيسى وعمرو بن عبيد، ورويت عن أبي عمرو، فالتوبة داخلة في جواب الشرط معنى، لأن التقدير: إن يُقاتلوكم
[ ٧ / ١٩٣ ]
[(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) ١٦]
(أَمْ) منقطعة، ومعنى الهمزة فيها التوبيخ على وجود الحسبان، والمعنى: أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه، حتى نتبين الخلص منكم، وهم الذين جاهدوا في سبيل الله لوجه الله، ولم يتخذوا وليجة -أي: بطانة- من الذين يصادّون رسول الله ﷺ والمؤمنين، (وَلَمَّا) معناها التوقع، وقد دلت على أن تبين ذلك، وإيضاحه متوقع كائن، وأن الذين لم يخلصوا دينهم لله يميز بينهم وبين المخلصين.
_________________
(١) . تكن هذه الأشياء، أي: يُعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم، وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين، ويُذهب غيظ قلوبهم، ويتوب الله على من يشاء. وفيه ضرب من التعسف، لأن هذه الحال موجودة من الله تعالى، قاتلوهم أو لم يقاتلوهم، فلا وجه لتعليقها بقتالهم، إلا أن يُقال: هو كقولك: إن تزرني أحسن إليك وأعطي زيدًا درهمًا، فتنصبه على إضمار "أن"، أي: إن تزرني أجمع بين الإحسان إليك والإعطاء لزيد. والوجه قراءة الجماعة على الاستئناف". تم كلامه. ويمكن أن توجه قراءة النصب بوجه آخر، وهو أن يُقال: لا شك أن مقاتلتهم سبب لتوهين أمرهم وفل شوكتهم، فتقل بذلك نخوتهم وحميتهم، ويكون ذلك سببًا لاستكانتهم وخضوعهم، فيتدبروا ويتأملوا أمر رسول الله ﷺ، وأنه على الحق المبين، وأنهم على الباطل والزيغ، فيرجعوا عن كفرهم إلى الإسلام، كما شُوهد من أبي سفيان وعمرو بن العاص وخالد ابن الوليد وعكرمة وغيرهم، عليه قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) [النصر: ١ - ٣]، هذا هو المراد من كلام المصنف: "ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى". قوله: (وليجة - أي: بطانة - من الذين يصادون رسول الله صلى الله لعيه وسلم): عن بعضهم: الوليجة: ما
[ ٧ / ١٩٤ ]
وقوله (وَلَمْ يَتَّخِذُوا) معطوف على (جاهدوا)، داخل في حيز الصلة، كأنه قيل: ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذين وليجة من دون الله. والوليجة: فعيلة؛ من: ولج، كالدخيلة؛ من دخل، والمراد بنفي العلم نفى المعلوم، كقول القائل. ما علم الله منى ما قيل في، يريد: ما وجد ذلك منى.
[(ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ) ١٧]
(ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ): ما صح لهم وما استقام "أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ"، يعنى: المسجد الحرام، لقوله: (وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) [التوبة: ١٩] وأما القراءة بالجمع: ففيها وجهان: أحدهما: أن يراد المسجد الحرام، وإنما قيل: (مساجد) لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره كعامر جميع المساجد، ولأن كل بقعة منه مسجد. والثاني: أن يراد جنس المساجد، وإذا لم يصلحوا لأن يعمروا جنسها، دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس ومقدمته، وهو آكد؛ لأنّ طريقته طريقة الكناية، كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله، كنت أنفى لقراءته القرآن من تصريحك بذلك.
_________________
(١) يتخذه الإنسان معتمدًا عليه، وليس من أهله، من قولهم: فلان وليجة في القوم: إذا لحق بهم وليس منهم، إنسانًا كان أو غيره. قوله: (وأما القراءة بالجمع): أي: (مَسَاجِدَ اللَّهِ)، كلهم إلا ابن كثير وأبا عمرو. قوله: (كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله، كنت أنفي لقراءته القرآن): فإن قلت: أليس هذا مخالفًا لما سبق في آخر البقرة: أن "الكتاب" أكثر من "الكتب"؟ قلت: بلى، لأن الكلام هاهنا في كتاب واحد- وهو القرآن- لا الجنس، كما أن ظاهر الآية في مسجد واحد،
[ ٧ / ١٩٥ ]
(وشاهِدِينَ) حال من الواو في (يَعْمُرُوا)، والمعنى: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة متعبدات الله، مع الكفر بالله وبعبادته، ومعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر: ظهور كفرهم، وأنهم نصبوا أصنامهم حول البيت، وكانوا يطوفون عراة ويقولون: لا نطوف عليها بثياب قد أصبنا فيها المعاصي، وكلما طافوا بها شوطًا سجدوا لها. وقيل: هو قولهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك.
وقيل: قد أقبل المهاجرون والأنصار على أسارى بدر، فعيروهم بالشرك، فطفق علىّ ابن أبى طالب يوبخ العباس بقتال رسول الله ﷺ وقطيعة الرحم، وأغلظ له في القول، فقال العباس: تذكرون مساوئنا، وتكتمون محاسننا! فقال: أولكم محاسن؟ قالوا: نعم، ونحن أفضل منكم أجرًا، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فنزلت.
(حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) التي هي العمارة والحجابة والسقاية وفك العناة، وإذا هدم الكفر أو الكبيرة الأعمال الثابتة الصحيحة إذا تعقبها، فما ظنك بالمقارن، وإلى ذلك أشار في قوله شاهِدِينَ حيث جعله حالا عنهم، ودل على أنهم قارنون بين العمارة والشهادة بالكفر على أنفسهم في حال واحدة، وذلك محال غير مستقيم.
_________________
(١) . وهو المسجد الحرام، فإذا قيل: أن يعمروا مسجد الله، لم يكن من الكناية في شيء، فلا يدل على المبالغة، بخلافه لو قيل: مساجد الله. وأما في آخر البقرة فكان المقتضى الجمع ليناسب (وَمَلائِكَتِهِ) (وَرُسُلِهِ) [البقرة: ٢٨٥]، فعدل إلى الإفراد للمبالغة أيضًا. قوله: (أو الكبيرة الأعمال الثابتة الصحيحة): مذهبه، والآية لا دلالة لها عليه، قال في "الانتصاف": "أصاب في حديث الكفر، وأخطأ في الكبيرة، فهو على قاعدته"، أي: مُعتَقَدِه.
[ ٧ / ١٩٦ ]
[(إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) ١٨]
(إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ) -وقرئ بالتوحيد-، أي: إنما تستقيم عمارة هؤلاء، وتكون معتدا بها، والعمارة تتناول رمّ ما استرمّ منها، وقمها، وتنظيفها، وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر -ومن الذكر درس العلم، بل هو أجله وأعظمه-، وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا فضلًا عن فضول الحديث.
وعن النبي ﷺ: "يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي، يأتون المساجد، فيقعدون فيها حلقًا، ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، لا تجالسوهم، فليس لله بهم حاجة"، وفي الحديث: "الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش"، وقال ﵇: "قال الله تعالى: إن بيوتي في أرضى المساجد، وإنّ زوّاري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره"، وعنه ﵇ "من ألف المسجد ألفه الله"، وقال ﷺ: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان"، وعن أنس ﵁: "من أسرج في مسجد سراجًا لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه".
_________________
(١) … قلت: وكذلك ما أصاب في الكفر الطارئ، لأنه سبق في البقرة عند قوله تعالى: (وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [البقرة: ٢٥] بيانه. قوله: (ما استرم منها)، الجوهري: "استرم الحائط: إذا حان له أن يرم، وذلك إذا بَعُدَ عهده بالتطيين". و"قمها": كنسها، والمقمة: المكنسة، وقممت البيت: كنسته، والقمامة: الكناسة، والجمع: قمام.
[ ٧ / ١٩٧ ]
فإن قلت: هلا ذكر الإيمان برسول الله ﷺ؟ قلت: لما علم وشهر أن الإيمان بالله تعالى قرينته الإيمان بالرسول ﵇ لاشتمال كلمة الشهادة والأذان والإقامة وغيرها عليهما مقترنين مزدوجين، كأنهما شيء واحد غير منفك أحدهما عن صاحبه، انطوى تحت ذكر الإيمان بالله تعالى الإيمان بالرسول ﵇.
وقيل: دلّ عليه بذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
فإن قلت: كيف قيل (وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ)، والمؤمن يخشى المحاذير، ولا يتمالك أن لا يخشاها؟ قلت: هي الخشية والتقوى في أبواب الدين، وأن لا يختار على رضا الله رضا غيره لتوقع مخوف، وإذا اعترضه أمران: أحدهما حق الله،
_________________
(١) .. قوله: (لما عُلم وشهر أن الإيمان بالله قرينته الإيمان بالرسول ﷺ)، إلى قوله: (انطوى تحت ذكر الإيمان بالله الإيمان بالرسول): وخلاصة الجواب: أن في الكلام دلالة على ذكره، وليس فيه بيان الفائدة في طي ذكره، ويمكن أن يُقال: إن الكلام لما وقع في عدم استقامة الجمع بين عمارة بيت الله والإشراك بالله، وفي استقامة العمارة من رسول الله ﷺ، لأنه يدعو الناس إلى توحيده وعبادته، لم يذكره، ولكن ذكر لفظًا جامعًا يجمعه ﷺ وغيره، كأنه قيل ما ينبغي لهم أن يعمروا مساجد الله، والحال أنهم شاهدون على أنفسهم بالكفر، وإنما يستقيم ممن يؤمن بالله ويأمر الناس بالإيمان بالله بالعبادة كائنًا من كان. والمراد الرسول ﷺ وأصحابه، وهو آكد، لأن طريقه الكناية. ولما كان الرسول ﷺ داخلًا في لفظة "مَنْ"، لم يحسن أن يُقال: "ورسوله"، ونحوه قوله تعالى: (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) إلى قوله: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ) [الأعراف: ١٥٨]، كائنًا من كان، فإذن الكلام ليس في إثبات نبوته والإيمان به، بل فيه نفسه وعمارته المسجد الحرام واستحقاقه لها.
[ ٧ / ١٩٨ ]
والآخر حق نفسه أن يخاف الله، فيؤثر حق الله على حق نفسه. وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها، فأريد نفى تلك الخشية عنهم.
(فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء، وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها، وافتخروا بها، وأملوا عاقبتها، بأن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع مع استشعار الخشية والتقوى، اهتداؤهم دائر بين "عسى" و"لعل"، فما بال المشركين يقطعون أنهم مهتدون ونائلون عند الله الحسنى؟ !
وفي هذا الكلام ونحوه لطف للمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء ورفض الاغترار بالله.
[(أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ١٩]
_________________
(١) .. قوله: (أن يخاف الله) أي: وأن يخاف الله إذا اعترضه أمران، والجملة معطوفة على قوله: "وأن لا يختار- على تقدير: وهي أن لا يختار - على رضا الله رضا غيره"، لأنه تفسير للتقوى في أبواب الدين. قوله: (بأن الذين آمنوا): الباء متعلق بقوله: "تبعيد"، و"اهتداؤهم" خبر "أن". قوله: (اهتداؤهم دائر بين "عسى" و"لعل")، إلى قوله: (ورفض الاعترار بالله): مؤذن بأن "عسى" على ظاهره، وقد تقرر أن اسم الإشارة في مثل هذا المقام مؤذن بالتعظيم، وأن من قبله جدير بما بعده؛ لما عدد له من الخصال الفاضلة، ثم في مزيد التعميم في قوله: (مِنْ
[ ٧ / ١٩٩ ]
السقاية والعمارة: مصدران؛ من سقى وعمر، كالصيانة والوقاية، ولا بُد من مضاف محذوف، تقديره: (أَجَعَلْتُمْ) أهل سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ (الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)، وتصدقه قراءة ابن الزبير وأبى وجزة السعدي -وكان من القراء-: "سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام"، والمعنى إنكار أن يشبه المشركون بالمؤمنين،
_________________
(١) . الْمُهْتَدِينَ): الدلالة على الكناية والمبالغة في التعظيم، على أن الآية في الرسول ﷺ وأصحابه كما سبق، وكل ذلك لا يليق بما قال. والقول ما قاله محيي السنة: "و"عسى" من الله واجب، أي: أولئك هم المهتدون المتمسكون بطاعته التي تؤدي إلى جنته". يؤيده ما روينا عن الترمذي وابن ماجه والدارمي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) "، ولهذا استدل محيي السنة بهذا الحديث على الوجوب، فعلى هذا ليس الحق مع المصنف وصاحب "الانتصاف"، فإنه قال: "أكثرهم قالوا: إن "عسى" من الله واجب، ظنًا أن استعمالها غير مصروف للمخاطبين. والحق مع الزمخشري، أي: حال هؤلاء المؤمنين حال من يطمع في الاهتداء، وإلا فالعاقبة عند الله معلومة". قوله: (وكان من القراء): قيل: كان أبو وجزة مشهورًا بالشعر، فلذلك قال: كان من القراء.
[ ٧ / ٢٠٠ ]
وأعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة، وأن يسوى بينهم. وجعل تسويتهم ظلمًا بعد ظلمهم بالكفر.
وروى: "أن المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟ فقالت لهم اليهود: أنتم أفضل". وقيل: إن عليا قال للعباس: يا عمّ، ألا تهاجرون؟ ألا تلحقون برسول الله ﷺ؟ ! فقال: ألست في أفضل من الهجرة؟ أسقى حاجّ بيت الله، وأعمر المسجد الحرام! فلما نزلت قال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا، فقال ﵇: "أقيموا على سقايتكم، فإن لكم فيها خيرًا".
[(الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) ٢٠ - ٢٢]
هم أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ من أهل السقاية والعمارة عندكم، (وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ) لا أنتم، والمختصون بالفوز دونكم. قرئ: (يُبَشِّرُهُمْ) بالتخفيف والتثقيل،
_________________
(١) قوله: (وجعل تسويتهم ظلمًا): عطف من حيث المعنى على قوله: "إنكار أن يشبه"، أي: أنكر أن يشبه، وجعل تسويتهم ظلمًا، حيث وضع المظهر موضع المضمر في قوله: (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). قوله: (وقيل: إن عليًا قال للعباس ﵄: يا عم، ألا تهاجرون! ألا تلحقون برسول الله ﷺ) إلى آخره: يؤذن أن العباس كان مسلمًا، والآية نزلت وهو مسلم، وقوله قبل هذا: "نحن أفضل منكم أجرًا، إنا لنعمر المسجد الحرام ونسقي الحجيج" يشعر بأنه لم يكن مسلمًا. قوله: (قرئ: (يُبَشِّرُهُمْ) بالتخفيف): أي: بفتح الياء، مِنَ: بشر؛ حمزة. والباقون: بالتثقيل.
[ ٧ / ٢٠١ ]
وتنكير المبشر به لوقوعه وراء صفة الواصف وتعريف المعرّف، وعن ابن عباس ﵁: هي في المهاجرين خاصة.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) ٢٣ - ٢٤]
وكان قبل فتح مكة من آمن لم يتمّ إيمانه إلا بأن يهاجر ويُصارم أقاربه الكفرة، ويقطع موالاتهم، فقالوا: يا رسول الله: إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين، قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، وهلكت أموالنا، وخرجت ديارنا، وبقينا ضائعين، فنزلت، فهاجروا، فجعل الرجل يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه أو بعض أقاربه، فلا يلتفت إليه، ولا ينزله، ولا ينفق عليه، ثم رخص لهم بعد ذلك.
وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدّوا ولحقوا بمكة، فنهى الله تعالى عن موالاتهم.
وعن النبي ﷺ: "لا يطعم أحدكم طعم الإيمان، حتى يحبّ في الله، ويبغض في الله؛ حتى يحب في الله أبعد الناس، ويبغض في الله أقرب الناس إليه".
وقرئ: "عشيرتكم:، و"عشيراتكم"، وقرأ الحسن: "وعشائركم".
(فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) وعيد، عن ابن عباس: هو فتح مكة، وعن الحسن: هم عقوبة عاجلة أو آجلة. وهذه آية شديدة لا ترى أشدّ منها،
_________________
(١) ـ. قوله: (حتى يحب في الله، ويبغض في الله): عن أبي داود عن أبي ذر: "أفضل الأعمال الحب في الله والبُغض في الله".
[ ٧ / ٢٠٢ ]
كأنها تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين، فلينصف أورع الناس وأتقاهم من نفسه، هل يجد عنده من التصلب في ذات الله والثبات على دين الله ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والإخوان والعشائر والمال والمساكن وجميع حظوظ الدنيا، ويتجرّد منها لأجله؟ أم يزوى الله عنه أحقر شيء منها لمصلحته، فلا يدرى أي طرفيه أطول؟
_________________
(١) . قوله: (ما يستحب له دينه): "ما" في "ما يستحب" مفعول "يجد"، وفاعل "يستحب" ضمير "أورع" مستتر فيه، و"دينه" مفعوله، و"يتجرد" يجوز أن يكون معطوفًا على "يجد" أو على "يستحب". قوله: (أم يزوي الله عنه): الجوهري: "زوي فلان المال عن وارثه زيًا"، ومنه قوله: فيا لَقُصيٍّ ما زوى الله عنكم أي: ما نحي الله وقبضه. قوله: (لمصلحته): أي: للابتلاء، كقوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ) [البقرة: ١٥٥]، إلى قوله: (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: ١٥٧]. قوله: (أي طرفيه أطول؟): قيل: لا تُدرى نسبته من قبل أبيه أطول - أي: أفضل - أم نسبته من قبل أمه، يُضرب عند التحير، هذا قول الأصمعي، وقال غيره: المراد به الذكر واللسان، وقيل: وسط الإنسان: سُرته، أي: طرفه الأسفل أطول أم أعلاه.
[ ٧ / ٢٠٣ ]
ويغويه الشيطان عن أجلّ حظ من حظوظ الدين، فلا يبالى، كأنما وقع على أنفه ذباب فطيره!
[(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ* ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ٢٥ - ٢٧]
مواطن الحرب: مقاماتها ومواقفها، قال:
وَكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلَاىَ طُحْتَ كَمَا هَوَي … بِأَجْرَامِهِ مِنْ قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي
_________________
(١) . قوله: (كأنما وقع الذباب في أنفه): قيل: هو عبارة عن الدهش والتحير، كما ترى بعض المجانين، والظاهر أنه كناية عن قلة الالتفات وعدم المبالاة. قوله: (وكم موطن لولاي) البيت: الجوهري: "الوطن: مكان الإنسان ومحله، والموطن: المشهد من مشاهد الحرب، قال طرفة: على موطن يخشى الفتى عنده الردى"
[ ٧ / ٢٠٤ ]
وامتناعه من الصرف؛ لأنه جمع وعلى صيغة لم يأت عليها واحد، والمواطن الكثيرة: وقعات بدر، وقريظة، والنضير، والحديبية، وخيبر، وفتح مكة.
فإن قلت: كيف عطف الزمان والمكان -وهو يَوْمَ "حُنَيْنٍ"- على "المواطن"؟ قلت: معناه: وموطن يوم حنين، أو: في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، ويجوز أن يراد بالموطن الوقت، كمقتل الحسين، على أنّ الواجب أن يكون "يوم حنين" منصوبًا بفعل مضمر لا بهذا الظاهر، وموجب ذلك أنّ قوله: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) بدل من "يوم حنين"،
_________________
(١) "طحت": أي: هلكت، هوى من جبل عالٍ يهوى هويًا: سقط، "بأجرامه": بثقله، و"قلة النيق": رأس الجبل، والجمع: نياق. يقول: رُب موطنٍ لولاي هلكت فيه كما يهلك الذي يسقط من رأس الجبل. قوله: (كيف عُطف الزمان والمكان - وهو "يوم حنين" - على "المواطن"؟): قيل: يعني: أن الفعل كما يقتضي ظرف المكان يقتضي ظرف الزمان، فلا يجوز أن يُجعل أحدهما تابعًا للآخر، كما لا يُعطف المفعول به على المفعول فيه، ولا الفاعل على المفعول، ولا المصدر على شيء من ذلك، ولا بالعكس. قال صاحب "الانتصاف": "لا مانع من عطف ظرف الزمان على المكان، كعطف أحد المفعولين على الآخر، تقول: ضرب زيدٌ عمرًا يوم الجمعة وفي المسجد، كما تقول: ضربت زيدًا وعمرًا، مع أنه لابد من تغاير الفعلين الواقعين بالمفعولين، فإنك إذا قلت: اضرب زيدًا اليوم وعمرًا غدًا، لم يشك في أن الضربين متغايران بتغاير الظرفين، والفعلُ واحدٌ في الصياغة، فيجوز في الآية أن يكون كل واحد من الظرفين على حاله.
[ ٧ / ٢٠٥ ]
_________________
(١) . واستدلال الزمخشري على وجوب إضمار فعل؛ بأن (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) بدل، وكثرتهم لم تكن ثابتة في جميع المواطن: غير لازم، تقول: اضرب زيدًا حين يقوم وحين يقعد، فالناصب للظرفين واحد، وهما متغيران، وإنما يمتنع أن ينصب الفعل الواحد ظرفي زمان مختلفين عند عدم العطف". وعليه قول القاضي: "ولا يمتنع إبدال قوله: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) منه، وأن يُعطف على موضع (فِي مَوَاطِنَ)، فإنه لا يقتضي تشاركهما فيما أضيف إليه المعطوف، حتى يقتضي كثرتهم وإعجابها إياهم في جميع المواطن". وقال صاحب "التقريب" - تقريبًا لقول المصنف -: الواجب أن يُنصب "يوم حنين" بـ "نصر" مضمرًا؛ لئلا يعطف زمان على مكان، بل يكون عطف جملة، لا بهذا الظاهر، عن جُعل (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) بدلًا من "يوم حنين"، لا منتصبًا بـ "اذكر"؛ إذ التقدير على البدلية نصركم في مواطن كثيرة زمان أعجبتكم كثرتكم. ولا يصح؛ لأن الإعجاب والكثرة لم يكونا في جميع تلك المواطن، وقد يقال: يمكن أن ينتصب بهذا الظاهر مطلقًا لا مقيدًا بالظرف.
[ ٧ / ٢٠٦ ]
_________________
(١) . وغاية الجواب: أنه إذا تقدم فعل مقيد بحال على ظرف، نحو: صليت قائمًا في المسجد، فالمعنى: أن الصلاة المقيدة بالقيام وقعت في المسجد، والحال في المعنى ظرف، فيعتبر في الثاني ذلك الظرف، كما يُعتبر في الحال. وللبحث فيه مجال. وقلت: تمام التقرير أن المصنف سأل: كيف يعطف ظرف الزمان على ظرف المكان، ومراعاة المناسبة واجبة عند علماء البيان دون النحويين! على أن الأصوليين ذكروا أن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات، كالحال والشرط وغيرهما. هذا هو المراد من كلام المصنف وصاحب "التقريب": لا يعطف زمان على مكان، وأن لابد من تقدير عامل آخر؛ إما "عند يوم حنين"، لأن (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) بدل من "يوم حنين"، وإما "عند (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) "، لأنه لو لم يقدر لزم أن يكون (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) قيد النصر المذكور، فيلزم الإعجاب في جميع تلك المواطن، والواقع بخلافه. وأما تنزيل جواب المصنف على هذا التقرير: فهو أن المناسب أن يُقدر في الظرف الأول ما يناسب الثاني، أو في الثاني ما يناسب الأول، على أن الواجب أن يضرب عن هذا صفحًا، لأن هذا ليس من باب عطف المفرد على المفرد، حتى تراعى فيه المناسبة المعتبرة، أو جواز مثل: ضرب زيدٌ عمرًا يوم الجمعة وفي المسجد، كما ذكره صاحب "الانتصاف"، بل هو من عطف الجملة على الجملة؛ إما على تقدير ناصب من جنس المذكور، أو تقدير "اذكر" من غير إبدال، لئلا يلزم المحذور.
[ ٧ / ٢٠٧ ]
_________________
(١) . وبيانه: أن "نصر" مطلق، وتقييده بحسب كل واحد من الظرفين، فإن الأحوال والظروف كلها تقييدات للفعل المطلق، فإذا قُيد احد بقيد لزم تقييد الفعل به، لأن القيد بيان المراد من المطلق، فيسري منه إلى الآخر. لعل هذا هو المعنى من قول صاحب "التقريب": إذا تقدم فعل مقيد بحال على ظرف، نحو: صليت قائمًا في المسجد، فيعتبر في الثاني ذلك القيد. هذا البحث قريب من قولهم المتعقب: الجمع للحمل. وقيل: عُطف قوله: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) على (مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ)، على منوال: (وَمَلائِكَتُهُ … وَجِبْرِيل) [البقرة: ٩٨]، كأنه قيل: نصركم الله في أوقات كثيرة، وهي أوقات وقعة بدر وقريظة والنضير وفتح مكة وغيرها، وفي وقت أعجبتكم، فلا يلزم المحذور. فيُقال: المقام لا يساعد عليه، لأن الكلام غير وارد لبيان أفضلية بعض الوقعات على بعض، ولأنه لم يذكر (مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ) توطئة لذكر "يوم حنين"، كما ذكر (وَمَلائِكَتُهُ) توطئة لذكرهما، إذ ليس حنين بأفضل من يوم بدر، وهو فتح الفتوح وسيد الوقعات، وبه نال السابقون الأولون القدح المعلى، وفازوا بالدرجات الأسنى، ولأن المقصود من إفراد الذكر بعد الاشتراك الإيذان بأن هذا الفرد قد خرج من ذلك الجنس بسبب اكتسابه الفضائل والمزايا، وكأنه جنس آخر لتغايره في الوصف. نعم، يمكن أن يُقال: إن الكلام وارد للامتنان على الصحابة بنصرته إياهم في المواطن الكثيرة، وكانت النصرة في هذا اليوم المخصوص أجل امتنانًا، كما شُوهد منهم ما يُنافي النصرة
[ ٧ / ٢٠٨ ]
فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح؛ لأنّ كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيرًا في جميعها، فبقى أن يكون ناصبُه فعلًا خاصًا به، إلا إذا نصبت "إذ" بإضمار" اذكر.
و"حنين": واد بين مكة والطائف، كانت فيه الوقعة بين المسلمين -وهم اثنا عشر ألفًا الذين حضروا فتح مكة، منضمًا إليهم ألفان من الطلقاء-،
_________________
(١) من الإعجاب بالكثرة، ولولا فضل الله وكرامته لرسوله ﷺ وللمؤمنين، لتمت الدائرة عليهم، والنصرة للأعداء. ألا ترى كيف أقيم المهر مقام المضمر في قوله: (ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، ليؤذن بأن وصف الرسالة والإيمان أهلا الانتصار بعد الفرار، والعفو عن الاغترار، ومن ثم عدل إلى اليوم من المواطن، لأنهم إنما يستعملونه فيما يستكرهونه من الوقعات، نحو: يوم ذي قار ويوم بُعاث، وقالوا: أيام العرب، وقال تعالى: (أَيَّامِ اللَّهِ) [الجاثية: ١٤]، وينصره قوله تعالى: (وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ). قوله: (إلا إذا نصبت): استثناء من قوله: "الواجب أن يكون" إلى آخره؛ أي: الواجب أن يكون "يوم حنين" منصوبًا بفعل مضمر، لأن قوله: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) بدل منه، إلا إذا نصبت (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) بإضمار "اذكر"، فإنه على هذا لا يكون بدلًا منه، فإذن لا يجب "يوم حنين" أن ينتصب بفعل مضمر، بل يكون منصوبًا بهذا الظاهر، ولا يلزم الإعجاب والكثرة في جميع المواطن، ويجوز أن يكون مستثنى من قوله: "فينبغي أن يكون ناصبه فعلًا خاصًا"، والمعنى عائد إلى الأول. قوله: (منضمًا إليهم): قيل: هو حال من "الذين"، لا من فاعل "حضروا"، لأنه يلزم منه أن يزيدوا على اثني عشر ألفًا.
[ ٧ / ٢٠٩ ]
وبين هوازن وثقيف -وهم أربعة آلاف فيمن ضامّهم من إمداد سائر العرب، فكان الجمّ الغفير-، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: "لن نغلب اليوم من قلة"، فساءت رسول الله ﷺ. وقيل: قائلها رسول الله ﷺ. وقيل: أبو بكر، وذلك قوله: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) - فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وأدركت المسلمين كلمة الإعجاب بالكثرة، وزلّ عنهم أن الله هو الناصر، لا كثرة الجنود، فانهزموا، حتى بلغ فلهم مكة،
_________________
(١) . وقلت: الصحيح أنه حال منه، وقوله: "الذين" مع صلته: بدل من "اثنا عشر ألفًا" والمعنى: وهم الذين حضروا مكة، وكانوا عشرة آلاف، وانضم إليهم ألفان من الطلقاء، فصاروا اثني عشر ألفًا. قال ابن الجوزي في كتاب "الوفا": "حُنين: وادٍ بينه وبين مكة ثلاث ليال، وإن رسول الله ﷺ لما فتح مكة حشدت هوازن وثقيف، فجاؤوا بأموالهم وأهليهم، وخرج رسول الله ﷺ من مكة في اثني عشر ألفًا"، القصة إلى آخرها. قوله: (لن نُغلب اليوم من قلة): هو مثل قوله تعالى: (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) [الفرقان: ٧٣]، قال: (لَمْ يَخِرُّوا) ليس نفيًا للخرور، وإنما هو إثبات له ونفي للصمم والعمى". كذا "لن نُغلب" ليس نفيًا للمغلوبية، وإنما هو إثبات له ونفي للقلة، يعني: متى غُلبنا كان سببه غير القلة، هذا - من حيث الظاهر - ليس كلمة إعجاب، لكنها كناية عنها، فكأنه قال: ما أكثر عددنا، مثله قول الشاعر: . غلتْ نابٌ كليبٌ بواؤها
[ ٧ / ٢١٠ ]
وبقي رسول الله ﷺ وحده، وهو ثابت في مركزه لا يتحلحل، ليس معه إلا عمه العباس آخذ بلجام دابته، وأبو سفيان بن الحرث ابن عمه، وناهيك بهذه الواحدة شهادة صدق على تناهى شجاعته ورباطة جأشه ﷺ، وما هي إلا من آيات النبوّة، وقال: يا رب ائتني بما وعدتني.
_________________
(١) قوله: (لا يتحلحل): أي: لا يزول، الأساس: وتحلحل عن المكان: تحرك". قوله: (ليس معه غلا عمه العباس آخذًا بلجام دابته، وأبو سفيان بن الحارث ابن عمه): عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي إسحاق قال: جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم مدبرين يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي الله ﷺ ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحُسر إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل، كأنها رجلٌ من جراد، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ، وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، اللهم أنزل نصرك"، ثم صفهم، قال البراء: كنا - والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني: النبي ﷺ.
[ ٧ / ٢١١ ]
وقال ﷺ للعباس، وكان صيتا: "صيح بالناس"، فنادى الأنصار فخذًا فخذًا، ثم نادى: يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب البقرة، فكرّوا عنقًا واحدًا، وهم يقولون:
لبيك لبيك، ونزلت الملائكة، عليهم البياض، على خيول بلق، فنظر رسول الله ﷺ إلى قتال المسلمين، فقال: "هذا حين حمى الوطيس"، ثم أخذ كفا من تراب فرماهم به،
_________________
(١) . وقوله: "رجلٌ من جراد"، النهاية: "الرجل- بالكسر-: الجرادُ الكثير". قوله: (فخذًا فخذًا)، النهاية: "وهم أقرب العشيرة إليه، وأول العشيرة: الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ". قوله: (يا أصحاب الشجرة): وهي الشجرة التي هي في قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) [الفتح: ١٨]. قوله: (يا أصحاب البقرة): قيل: أريد المذكورون في قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) [البقرة: ٢٨٥]، وقيل: الذين نزل عليهم سورة البقرة. قوله: (فكروا عنقًا): قال المصنف: أي: جماعة، من قوله: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ) [الشعراء: ٤]، أي: رؤساؤهم أو الجماعات. قوله: (هذا حين حمى الوطيس)، النهاية: "الوطيس: التنور"، وهو كناية عن شدة الأمر واضطرام الحرب، ويُقال: أول من قاله النبي ﷺ لما اشتد البأس يومئذ، ولم يُسمع قبله، وهو من أحسن الاستعارات. قوله: (ثم أخذ كفًا من تراب، فرماهم به): عن مُسلم: عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينًا، فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم أخذ كفًا من
[ ٧ / ٢١٢ ]
ثم قال: "انهزموا ورب الكعبة" فانهزموا،، قال العباس: لكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يركض خلفهم على بغلته.
(بِما رَحُبَتْ): "ما" مصدرية، والباء بمعنى "مع"، أي: مع رحبها، وحقيقته: ملتبسة برحبها، على أنّ الجارّ والمجرور في موضع الحال، كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، أي ملتبسا بها لم أحلها، تعنى: مع ثياب السفر، والمعنى: لا تجدون موضعًا تستصلحونه لهربكم إليه ونجاتكم لفرط الرعب، فكأنها ضاقت عليكم، (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ): ثم انهزمتم.
(سَكِينَتَهُ): رحمته التي سكنوا بها وآمنوا، (وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) الذين انهزموا، وقيل: هم الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ حين وقع الهرب، (وَأَنْزَلَ جُنُودًا) يعنى: الملائكة، وكانوا ثمانية آلاف، وقيل: خمسة آلاف، وقيل: ستة عشر ألفا، (وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالقتل والأسر، وسبى النساء والذراري.
(ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ) أي: يسلم بعد ذلك ناس منهم.
وروى: أنّ ناسا منهم جاءوا فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام، وقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس، وأبرّ الناس، وقد سبى أهلونا وأولادنا، وأخذت أموالنا -قيل: سبى يومئذ ستة آلاف نفس، وأخذ من الإبل والغنم مالا يحصى-، فقال: إنّ عندي ما ترون، إنّ خير القول أصدقه، اختاروا: إما ذراريكم ونساءكم،
_________________
(١) . تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجوه"، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله. قوله: (ملتبسًا بها لم أحلها): بيان لهيئة عند الدخول، وتصوير لتلك الحالة، كذلك، قوله: (بِمَا رَحُبَتْ)، أي: برحبها، بيان لهيئة الأرض، وهي مع سعتها ضاقت بهم.
[ ٧ / ٢١٣ ]
وإما أموالكم"، قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئًا، فقام رسول الله ﷺ فقال: "إن هؤلاء جاءوا مسلمين، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئًا، فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يردّه فشأنه، ومن لا فليعطنا وليكن قرضا علينا، حتى نصيب شيئا، فنعطيه مكانه"، قالوا: رضينا وسلمنا، فقال: "إني لا أدرى، لعل فيكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا"، فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ٢٨]
_________________
(١) قوله: (ما كنا نعدل بالأحساب شيئًا): الأساس: "فلان لا حسب له ولا نسب، وهو ما يحسبه ويعده من مفاخر آبائه". روينا عن البخاري وأبي داود والنسائي: أن رسول الله ﷺ قال: "اختاروا من أموالكم أو من نسائكم"، فقالوا: بل نختار نساءنا. وفي "النهاية": "قال لهم: "اختاروا إحدى الطائفتين؛ إما الأموال وإما السبي"، فقالوا: أما إذا خيرتنا بين الأموال والحسب.، فإنا نختار الحسب، فاختاروا أبناءهم ونساءهم: أرادوا أن فكاك الأسرى وإيثاره على استرجاع المال حسب وفعال حسن، فهو بالاختيار أجدر".
[ ٧ / ٢١٤ ]
النجس: مصدر، يقال: نجس نجسًا، وقذر قذرًا، ومعناه: ذو ونجس؛ لأنّ معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم، أو: جعلوا كأنهم النجاسة بعينها؛ مبالغة في وصفهم بها.
وعن ابن عباس ﵄: أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وعن الحسن: من صافح مشركًا توضأ، وأهل المذاهب على خلاف هذين القولين.
وقرئ: نجس، بكسر النون وسكون الجيم، على تقدير حذف الموصوف، كأنه قيل، إنما المشركون جنس نجس، أو: ضرب نجس، وأكثر ما جاء تابعًا لـ"رجس"، وهو تخفيف "نجس"، نحو: كبد، في كبد.
(فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ): فلا يحجوا ولا يعتمروا، كما كانوا يفعلون في الجاهلية (بَعْدَ عامِهِمْ هذا): بعد حج عامهم هذا، وهو عام تسع من الهجرة، حين أمّر أبو بكر ﵁ على الموسم، وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه ﵃، ويدل عليه قول علىّ ﵁ حين نادى بـ (براءة): "ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك"، ولا يمنعون من دخول الحرم والمسجد الحرام وسائر المساجد عندهم.
وعند الشافعي: يمنعون من المسجد الحرام خاصة. وعند مالك: يمنعون منه ومن غيره من المساجد. وعن عطاء: أن المراد بـ (المَسْجِدِ الحَرَامِ): الحرم،
_________________
(١) ـ قوله: (وأكثر ما جاء تابعًا لـ "رجس"): أي: أكثر ما جاء "نجس" بكسر النون. الجوهري: "قال الفراء: إذا قالوه مع "الرجس" أتبعوه إياه، قالوا: رجس نجس، بالكسر". قوله: (ذهب أبي حنيفة): أي: يحمل قوله: (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) على: أن لا يحجوا بعد حج عامهم هذا، فلا يدل حينئذ على أنهم يمنعون من دخول المسجد الحرام، قال القاضي: "إنما نهى عن الاقتراب للمبالغة أو المنع عن دخول الحرم".
[ ٧ / ٢١٥ ]
وأن على المسلمين أن لا يمكنوهم من دخوله، ونهى المشركين أن يقربوه راجع إلى نهى المسلمين عن تمكينهم منه. وقيل المراد أن يمنعوا من تولى المسجد الحرام والقيام بمصالحه، ويعزلوا عن ذلك.
(وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً) أي: فقرًا بسبب منع المشركين من الحج، وما كان لكم في قدومهم عليكم من الإرفاق والمكاسب، (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ): من عطائه أو من تفضله بوجه آخر، فأرسل السماء عليهم مدرارا، فأغزر بها خيرهم، وأكثر ميرهم، وأسلم أهل تبالة وجرش،
_________________
(١) . قوله: (ونهي المشركين أن يقربوه راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه): وهو على منوال: لا أرينك هاهنا. وأجراه القاضي على ظاهره، وقال: "فيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع". وقال صاحب "الانتصاف": "وقد يستدلون بها على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، لا سيما المناهي، وهو بعيد؛ لأن الظاهر من المشركين أنهم لا ينزجرون بهذا النهي، والمراد خطاب المؤمنين، لأن الآية مصدرة بخطابهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، وآخرهم خطابهم: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، وهو من باب: لا أرينك هاهنا". هذا كلام متين. قوله: (أهل تبالة)، النهاية: "تبالة - بفتح التاء وتخفيف الباء-: بلدة صغيرة من بلاد اليمن معروفة، وفي المثل: أهون من تبالة على الحجاج". و"جُرش": بضم الجيم وفتح الراء: مخلافٌ من مخاليف اليمن، وبفتحهما: بلد في الشام، والمخلاف في اليمن: كالرستاق
[ ٧ / ٢١٦ ]
فحملوا إلى مكة الطعام وما يعاش به، فكان ذلك أعود عليهم مما خافوا العيلة لفواته.
وعن ابن عباس: ألقى الشيطان في قلوبهم الخوف، وقال: من أين تأكلون؟ فأمرهم الله بقتال أهل الكتاب، وأغناهم بالجزية، وقيل: بفتح البلاد والغنائم.
وقرئ: عائلة، بمعنى المصدر كالعافية، أو: حالا عائلة.
_________________
(١) في العراق. وقال الميداني: "تبالة: بلدة صغيرة من بلاد اليمن، قيل: إن أول عمل وليه الحجاج عمل تبالة، فلما قرب منها، قال للدليل: أين هي؟ قال: سترها عنك هذه الأكمة، فقال: أهون بعمل بلدة تسترها عني أكمة، ورجع عن مكانه، فقالت العرب: أهون من تبالة على الحجاج. قوله: (أعود عليهم)، الجوهري: "العائدة: العطف والمنفعة، يقال: هذا الشيء أعود عليك من كذا، أي: أنفع". قوله: (أغناهم بالجزية، وقيل: بفتح البلاد): يشهد للأول قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) الآية، لأنها واردة لبيان قوله: (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). قوله: (وقرئ: "عائلة"): قال ابن جني: "هذه من المصادر التي جاءت على "فاعلة"، كالعافية والعاقبة، ومنه قوله تعالى: (لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً) [الغاشية: ١١]، أي: لغوًا، ومنه قولهم: مررت به خاصة، أي: خصوصًا. وأما قوله تعالى: (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ) [المائدة: ١٣]: فيجوز فيه أن يكون مصدرًا، أي: خيانة، وأن يكون على تقدير: نية خائنة، أو: عقيدة خائنة، وكذا هاهنا، يُقدر: إن خفتم حالًا عائلة، والمصدر أحسن".
[ ٧ / ٢١٧ ]
ومعنى قوله: (إِنْ شاءَ): إن أوجبت الحكمة إغناءكم، وكان مصلحة لكم في دينكم.
(إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ) بأحوالكم (حَكِيمٌ) لا يعطى ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب.
[(قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) ٢٩]
(مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) بيان لـ (الَّذِينَ) مع ما في حيزه، نفى عنهم الإيمان بالله؛ لأنّ اليهود مثنية، والنصارى مثلثة، وإيمانهم باليوم الآخر؛
_________________
(١) قوله: (نفى عنهم الإيمان [بالله]؛ لأن اليهود مثنية والنصارى مثلثة): إنما علل قوله: "نفي عنهم الإيمان" بهذا، لأن قوله: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) [التوبة: ٣٠] جملة مفسرة لقوله: (لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)؛ على طريقة: أعجبني زيد وكرمه، ولأن الأمر بمقاتلة أهل الكتاب وارد على سبيل الاستطراد لذكر المشركين، لجامع الاشتراك. ومن ثم لما فرغ من كلامهم عاد إلى نوع آخر من قبائح المشركين، وهو القول بالنسيء، وجعل قوله: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ) [التوبة: ٣٦] توطئة لذكره، والجامع بينه وبين ما قبله- وهو قوله: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) [التوبة: ٢٨]- أن كل واحدٍ منهما حديث في الحرمة؛ تعظيم المكان والزمان، والمنع من هتك المشركين بتينك الحرمتين، وتوبيخهم بذلك. قوله: (وإيمانهم): نصبٌ؛ عطفًا على "الإيمان بالله"، وكذا "تحريم ما حرم الله"، وكذا "أن يدينوا". وقوله: "وأن يعتقدوا دين الإسلام": عطف تفسيري لقوله: "أن يدينوا".
[ ٧ / ٢١٨ ]
لأنهم فيه على خلاف ما يجب، وتحريم ما حرم الله ورسوله؛ لأنهم لا يحرمون ما حرم في الكتاب والسنة، وعن أبى روق: لا يعملون بما في التوراة والإنجيل، وأن يدينوا دين الحق، وأن يعتقدوا دين الإسلام الذي هو الحق، وما سواه الباطل. وقيل: دين الله، يقال: فلان يدين بكذا: إذا اتخذه دينه ومعتقده.
سميت جزية؛ لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه؛ أي: يقضوه، أو: لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل، (عَنْ يَدٍ) إما أن يراد: يد المعطى أو الآخذ: فمعناه على إرادة يد المعطى: حتى يعطوها عن يد:
_________________
(١) قوله: (أن يجزوه): متعلق بقوله: "على أهل الذمة"، أي: طائفة من التي وجبت على أهل الذمة أن يقضوه، فالجزية من الجزء والتجزئة، وعلى الوجه الآتي من الجزاء، يُقال: جزيته بما صنع جزاء وجازيته. قوله: (إما أن يُراد: يد المعطي أو الآخذ) على آخره: خلاصته: أن (عَنْ يَدٍ): إما أن يُحمل على يد المعطي، فهو على وجهين: إما أن يعطوها عن يد قاهرة مستولية، أو عن إنعام من المسلمين عليهم. قال صاحب "التقريب": وفي الوجوه نظر، لأن الكلام في "أعطى عن يده"، ولا يفيده كون: أعطى يده أو بيده؛ بمعنى: انقاد، إذ لو ورد: "أعطى عن يده" بمعناه، كان كافيًا، وأيضًا هذه المضمرات الثلاث لا دلالة عليها، اللهم إلا قرينة الجزية، وأيضًا على تقدير جعل اليد للآخذ كان حقه: "إلى يد"، فإما أن يكون على إقامة بعض الحروف مقام بعض، أو على أن التقدير: عن جهة يد قاهرة أو عن جهة إنعام، نحو: كساه عن العُري.
[ ٧ / ٢١٩ ]
_________________
(١) قلت: وفي كلامه تعقيد، وخلاصته: أن المضمرات لا دلالة عليها في الآية، فيُقال: لا شك أن "أعطي" لا يُعدى بـ"عن" إلا على جهة التضمين، نحو قوله: ينهون عن أكل وعن شرب أي: يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب، وأن "اليد" تستعمل بإعانة القرائن: تارة في معنى الانقياد، كما قال عثمان ﵁: "هذي يدي لعمار"، أي: أنا مستسلم له منقاد، فليحكم علي. وتنزيل الآية على هذا: حتى يصدر إعطاؤهم الجزية عن انقياد وطاعة منهم. وأما استشهاده بقوله: أعطي بيده وأعطى يده - وهما كنايتان عن الانقياد، وما نحن بصدده من قبيل المجاز - فلمجرد المعنى، ولبيان العلاقة المعتبرة في المجاز، والتنبيه على الاستعمال. وتارة في معنى الحلول والأداء، كما ورد في حديث أبي سعيد الخدري في الربا: "يدًا بيد"، فتنزيلها عليه: حتى يعطوها إياكم صادرة عن يد إلى يد، أي: نقدًا. وأخرى في معنى النعمة، أي: بسبب إنعام منكم عليهم، أو: يعطوها صادرة عن يد، أي: نعمة حاصلة لهم، هي إبقاء أرواحهم وأخذ شيء قليل منهم بدلها، وإطلاق اليد على النعمة باب واسع.
[ ٧ / ٢٢٠ ]
أي: عن يد مؤاتية غير ممتنعة، لأنّ من أبى وامتنع لم يعط يده،
_________________
(١) وأخرى بمعنى القدرة والغلبة، ومما ورد في حديث يأجوج ومأجوج: "وقد أخرجت عبادًا لي لا يدان لحد بقتالهم"، فالتقدير: يعطوها إياكم بسبب قدرة لكم عليهم، كما يأخذ القاهر المستولي من المستولى منه. وأمثال هذه المعاني لا تخفى على من له اليد الطولي في المعاني والبيان. على أن الزجاج قد ذكر الوجوه فقال: " (عَنْ يَدٍ) أي: عن ذل عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم، وقيل: عن يد قهر، فهو كما تقول: اليد في هذا لفلان، أي: الأمر النافذ له، وقيل: عن نعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية منهم وترك أنفسهم عليهم نعمة عظيمة". وأما صاحب "الانتصاف" فقد أنصف وقبل الوجوه بأسرها، وقال في قوله: "حتى يعطوها عن يد إلى يد [نقدًا] غير نسيئة": "هو كقوله ﷺ: (لا تبيعوا الذهب بالذهب - إلى قوله - يدًا بيد) "، وفي قوله: "عن يد قاهرة مستولية، أو المراد باليد هاهنا الإنعام": "هذا الوجه أملأ بالفائدة". قوله: (عن يد مؤاتية): أي موافقة، الجوهري: "تقول: آتيته على ذلك الأمر مؤاتاة: إذا وافقته وطاوعته".
[ ٧ / ٢٢١ ]
بخلاف المطيع المنقاد، ولذلك قالوا: أعطى بيده: إذا انقاد وأصحب، ألا ترى إلى قولهم: نزع يده عن الطاعة، كما يقال: خلع ربقة الطاعة عن عنقه، أو: حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدًا غير نسيئة، لا مبعوثا على يد أحد، ولكن عن يد المعطى إلى يد الآخذ.
وأما على إرادة يد الآخذ: فمعناه: حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية، أو: عن إنعام عليهم، لأن قبول الجزية منهم، وترك أرواحهم لهم: نعمة عظيمة عليهم.
(وَهُمْ صاغِرُونَ) أي: تؤخذ منهم على الصغار والذل، وهو أن يأتي بها بنفسه ماشيًا غير راكب، ويسلمها وهو قائم، والمتسلم جالس، وأن يتلتل تلتلة، ويؤخذ بتلبيبه، ويقال له: أدّ الجزية، وإن كان يؤدّيها ويزخ في قفاه.
_________________
(١) ـ قوله: (إذا انقاد وأصحب)، الأساس: "أصحب له الرجل والدابة: إذا انقاد له، ومعناه: دخل في صحبته بعد أن كان نافرًا عنه، أو صار ذا صاحب". قوله: (عن يد إلى يد نقدًا غير نسيئة لا مبعوثًا): "غير نسيئة" و"لا مبعوثًا" صفتان لـ "نقد"؛ الأولى: صفة مؤكدة، والثانية: مميزة، وذلك أن "عن عَنْ يَدٍ إلى يد" صريحة أن يأخذ المستحق حقه من يد الغريم إلى يده، ثم صار كناية عن المنجز مطلقًا، سواء أعطاه من يده إلى يد، أو بعثه إلى يد غيره، فهاهنا لو اقتصر على قوله: "نقدًا غير نسيئة" لاحتمل المعنى الآخر، فقال: "لا مبعوثًا على يد غيره"؛ ليشملهما معًا، ومقام التحقير والهوان يقتضيه، فوجب حمله عليهما، ونظيره قوله تعالى: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) [الأعراف: ١٤٩] فإنه كناية عن الندم، ولا يمتنع من إرادة عض اليد معه أيضًا، لأن الكناية لا تنافي إرادة حقيقته. قوله: (يتلتل تلتلة)، الأساس: "تلتله: أزعجه. ولقوا منه التلاتل". قوله: (ويُزخ في قفاه)، الجوهري: "زخه: دفعه في وهدة، وفي الحديث: (ومن يتبعه القرآن يزخ في قفاه حتى يقذف به في نار جهنم) "، أخرجه الدارمي.
[ ٧ / ٢٢٢ ]
وتسقط بالإسلام عند أبى حنيفة ﵁، ولا يسقط به خراج الأرض.
واختلف فيمن تضرب عليه، فعند أبى حنيفة: تُضرب على كل كافر؛ من ذمي ومجوسي وصابئ وحربي، إلا على مشركي العرب وحدهم، روى الزهري: أن رسول الله ﷺ صالح عبدة الأوثان على الجزية، إلا من كان من العرب، وقال لأهل مكة: "هل لكم في كلمة إذا قلتموها دانت لكم بها العرب، وأدّت إليكم الجزية العجم"، وعند الشافعي لحمه الله: لا تؤخذ من مشركي العجم.
والمأخوذ عند أبى حنيفة ﵁ في أوّل كل سنة: من الفقير الذي له كسب: اثنا عشر درهما، ومن المتوسط في الغنى: ضعفها، ومن المكثر: ضعف الضعف؛ ثمانية وأربعون، ولا تؤخذ من فقير لا كسب له، وعند الشافعي: يؤخذ في آخر السنة من كل واحد دينار، فقيرًا كان أو غنيًا، كان له كسب أو لم يكن.
[(وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) ٣٠]
(عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) مبتدأ وخبر، كقوله: (المسيح ابن الله)، وعزير: اسم أعجمى، كعازر وعيزار وعزرائيل، ولعجمته وتعريفه: امتنع صرفه، ومن نوّن فقد جعله عربيًا. وأما قول من قال: سقوط التنوين لالتقاء الساكنين -كقراءة من قرأ: "أحد الله" [الإخلاص: ١ - ٢]، أو لأنّ "الابن" وقع وصفًا، والخبر محذوف،
_________________
(١) . قوله: (ومن نون فقد جعله عربيًا): وهو عاصم والكسائي. قوله: (وأما قول من قال: سقوط التنوين لالتقاء الساكنين … فتمحُّل): قال الزجاج: "قرئت (عُزَيْرٌ) بالتنوين وبغير تنوين، والوجه إثبات التنوين، لأن (ابْنُ) خبر، وإنما يُحذف التنوين في الصفة، نحو: جاءني زيد بن عمرو؛ لالتقاء الساكنين، فإن النعت والمنعوت
[ ٧ / ٢٢٣ ]
وهو معبودنا -فتمحل عنه مندوحة.
_________________
(١) كالشيء الواحد، وإذا كان خبرًا فالتنوين، وقد يجوز حذف التنوين لالتقاء الساكنين على ضعف، نحو: "قل هو الله أحد* الله الصمد" [الإخلاص: ١ - ٢]، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون الخبر محذوفا، أي: عزير ابن الله معبودنا". قوله: (فتمحُّل): الجوهري: "تمحل: احتال، فهو متمحل". قوله: (عند مندوحة): "مندوحة" مبتدأ، و"عنه" خبره، والجملة صفة "تمحل". بيان التمحل ما نقله الإمام عن الشيخ عبد القاهر: أنه طعن في هذا الوجه في كتاب "دلائل الإعجاز"، وقال: "الاسم إذا وُصف بصفة، ثم أخبر عنه، فمن كذبه انصرف التكذيب إلى الخبر، وصار ذلك الوصف مسلمًا، فلو كان المقصود بالإنكار قولهم: "عزير ابن الله معبودنا"، لتوجه الإنكار إلى كونه معبودًا لهم، وحصل تسليم كونه ابنًا لله، وذلك كفر". ثم قال الإمام: "وهذا الطعن ضعيف، أما قوله: "إن من أخبر عن ذات موصوفة بأمر من الأمور، وأنكره منكر توجه الإنكار إلى الخبر": فهذا مسلم، وأما قوله: "ويكون ذلك تسليمًا للوصف"، فهذا ممنوع، لأنه لا يلزم من كونه مكذبًا لذلك الخبر كونه مصدقًا لذلك الوصف، إلا أن يُقال: تخصيص ذلك الخبر يدل على أن ما سواه لايكذبه، وهذا بناء على دليل الخطاب، وهو ضعيف". وقلت: هذا الكلام يحتمل أمرًا آخر، وهو أن يُقال: إن المراد من إجراء تلك الصفة
[ ٧ / ٢٢٤ ]
وهو قول ناس من اليهود ممن كان بالمدينة، وما هو بقول كلهم، عن ابن عباس: جاء رسول الله ﷺ سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الضيف، فقالوا ذلك. وقيل: قاله فنحاص. وسبب هذا القول: أنّ اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى ﵇، فرفع الله عنهم التوراة، ومحاها من قلوبهم، فخرج عزير وهو غلام يسيح في الأرض، فأتاه جبريل، فقال له: إلى أين تذهب؟ قال: أطلب العلم فحفظه التوراة، فأملاها عليهم عن ظهر لسانه، لا يخرم حرفا، فقالوا: ما جمع الله التوراة في صدره، وهو غلام، إلا أنه ابنه.
والدليل على أن هذا القول كان فيهم: أن الآية تليت عليهم، فما أنكروا ولا كذبوا، مع تهالكهم على التكذيب.
فإن قلت: كل قول يقال بالفم، فما معنى قوله" (ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ)؟ قلت: فيه وجهان:
_________________
(١) . على الموصوف بناء الخبر عليه، فحينئذ يرجع التكذيب على جعل الوصف علة للخبر، فبطل ذلك التمحل. قوله: (وما هو بقول كلهم): اعتذار عن نسبة هذه الهيئة إلى اليهود، وهم يتبرؤون عنه. قال الإمام: "القائل بهذا المذهب بعض اليهود، إلا أنه نسب ذلك إلى الجميع بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد"، ثم قال: "ولعل هذا المذهب كان فاشيًا فيهم، ثم انقطع، فحكى الله تعالى عنهم، ولا عبرة بإنكار اليهود لذلك، فإن حكاية الله عنهم أصدق". قوله: (فيه وجهان): فإن قلت: فهلا يعتبر التأكيد، نحو: رأيته بعيني، وقلته بفمي، وأخذته بيدي؟ قلت: يأباه المقام؛ لأن المقصود الإخبار عن ذلك القول الشنيع الذي يخرج من أفواههم، من غير تحاش ولا مبالاة، كقوله تعالى: (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ
[ ٧ / ٢٢٥ ]
أحدهما: أن يراد أنه قول لا يعضده برهان، فما هو إلا لفظ يفوهون به، فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي هي أجراس ونغم لا تدل على معان، وذلك أن القول الدال على معنى: لفظه مقول بالفم، ومعناه مؤثر في القلب، ومالا معنى له: مقول بالفم لا غير.
والثاني: أن يراد بالقول: المذهب، كقولهم: قول أبى حنيفة، يريدون مذهبه وما يقول به، كأنه قيل: ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم لا بقلوبهم، لأنه لا حجة معه، ولا شبهة، حتى يؤثر في القلوب، وذلك أنهم إذا اعترفوا أنه لا صاحبة له، لم تبق شبهة في انتفاء الولد.
"يُضاهِؤُنَ" لا بدّ فيه من حذف مضاف تقديره: يضاهي قولهم قولهم، ثم حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه، فانقلب مرفوعًا.
والمعنى: أن الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم، يعنى: أنه كفر قديم فيهم غير مستحدث. أو: يضاهي قول المشركين: "الملائكة بنات الله". وقيل: الضمير للنصارى، أي: يضاهي قولهم: "المسيح ابن الله"، قول اليهود: "عزير ابن الله"، لأنهم أقدم منهم.
وقرئ (يضاهؤن) بالهمز من قولهم: امرأة ضهيأ؛ على فعيل، وهي التي ضاهأت الرجال في أنها لا تحيض، وهمزتها مزيدة،
_________________
(١) وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) [النور: ١٥]، ولا يقال ذلك الأسلوب إلا في أمر يعظم مثاله، ويعز الوصول إليه، ليؤذن على نيله وحصوله. قوله: (وقرئ: (يُضَاهِئُونَ) بالهمزة، من قولهم: امرأة ضهيأ، على: فعيل) إلى قوله: (وهمزتها مزيدة): قيل: الصواب أن يُقال: أو همزتها مزيدة، وإلا ففي كلامه تناقض؛
[ ٧ / ٢٢٦ ]
كما في "غرقئ".
(قاتَلَهُمُ اللَّهُ) أي: هم أحقاء بأن يقال لهم هذا؛ تعجبًا من شناعة قولهم، كما يقال لقوم ركبوا شنعاء: قاتلهم الله، ما أعجب فعلهم! (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) كيف يصرفون عن الحق؟
[(اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ٣١]
اتخاذهم أربابًا: أنهم أطاعوهم في الأمر بالمعاصي، وتحليل ما حرم الله، وتحريم ما حلله، كما يُطاع الأرباب في أوامرهم، ونحوه تسمية أتباع الشيطان فيما يوسوس به: عباده، (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ) [سبأ: ٤١]، (يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ) [مريم: ٤٤].
_________________
(١) لأن "ضهيأ" همزتها أصلية، ويجوز أن تكون الواو بمعنى "أو"، وقيل: جاء بقوله: "فعيل" لمجرد الوزن لا لبيان الأصل. وقال الزجاج: "و"ضهيأ": فعلأ، الهمزة زائدة، ما زيدت في "شمأل" و"غرقئ"، ولا نعلم زيادة الهمزة غير أول إلا في هذه الأشياء، ويجوز أن تكون "فعيل"، وإن كانت بنية ليس لها في الكلام نظير، فإنا قد نعرف كثيرًا مما لا يأتي له نظير، من ذلك قولهم: كنهبل، وهو الشجر العظام، وتقديره: فنعلل، وكذلك: قرنفل، وتقديره: فنعلل، ويجوز أن يكون (يُضَاهِئُونَ) من هذا بالهمز، وتكون همزة "ضهيأ" أصلًا". قوله: (كما في غرقئ): قال الفراء: همزته زائدة، لأنه من الغرق، وهو قشر البيض الذي تحت القيض، والقيض: ما يعلق من قشور البيض الأعلى.
[ ٧ / ٢٢٧ ]
وعن عدي بن حاتم ﵁: انتهيت إلى رسول الله ﷺ، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "أليسوا يحرّمون ما أحلّ الله، فتحرّمونه، ويحلون ما حرّمه الله، فتحلونه؟ " قلت: بلى. قال: "فتلك عبادتهم".
وعن فضيل: ما أبالى أطعت مخلوقًا في معصية الخالق، أو صليت لغير القبلة.
وأمّا المسيح: فحين جعلوه ابنا لله، فقد أهلوه للعبادة، ألا ترى إلى قوله: (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) [الزخرف: ٨١]، (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا) أمرتهم بذلك أدلة العقل، والنصوص في الإنجيل،
_________________
(١) . قوله: (وعن عدي بن حاتم) الحديث: من رواية الترمذي قال: "أتيت النبي ﷺ، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: اطرح عنك هذا الوهن"، وسمعته صلوات الله عليه يقول: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)، قال: "إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكن كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا ًحرموه". النهاية: "في حديث عمران بن حصين: "أن فلانًا دخل عليه، وفي عضده حلقة من صفر، فقال: ما هذا؟ قال: هذا من الواهنة، قال: أما إنها اتزيدك إلا وهنًا"؛ الواهنة: عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها، فيرقى منها، وربما علق عليها جنس من الخرز، يقال لها: خرز الواهنة، وإنما نهاه عنها، لأنه إنما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، فكان في معنى التمائم المنهي عنها". قوله: (ألا ترى إلى قوله: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ) [الزخرف: ٨١]: يعني: معنى الألوهية مقتض للعبودية، ومن جُعل ابنًا للإله الحق فقد استحق أن يعبد لما وُجد فيه ذلك المعنى، فإن قُدر كذا فأنا أول من قام بما وجب عليه.
[ ٧ / ٢٢٨ ]
والمسيح ﵇: (إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ) [المائدة: ٧٢]، (سُبْحانَهُ): تنزيه له عن الإشراك به، واستبعاد له.
ويجوز أن يكون الضمير في (وَما أُمِرُوا) للمتخذين أربابًا، أي: وما أمر هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلا ليعبدوا الله ويوحدوه، فكيف يصح أن يكونوا أربابًا، وهم مأمورون مستعبدون مثلهم.
[(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَابَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) ٣٢ - ٣٣]
مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوّة محمد ﷺ بالتكذيب، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق -يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى في الإشراق أو الإضاءة- ليطفئه بنفخه، ويطمسه.
(لِيُظْهِرَهُ): ليظهر الرسول ﵇ (عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ): على أهل الأديان كلهم، أو ليظهر دين الحق على كل دين.
_________________
(١) … قوله: (ويجوز أن يكون الضمير في (وَمَا أُمِرُوا»: عطف من حيث المعنى على قوله: "أمرتهم بذل"، والضمير فيه للمتخذين، بكسر الخاء، وعلى هذا: للمتخذين، بفتحها. إنما خص المصنف ما يختص بالنصارى بالذكر، والظاهر العموم في اليهود والنصارى، لدلالة السياق عليه، أو لأن النصارى أو غلُ في إثبات هذا المعنى. قوله: (مثل حالهم) إلى آخره: وهو استعارة مصرحة تمثيلية، والمستعار جملة الكلام، لأن حالهم في محاولة إبطال نبوة محمد ﷺ بالتكذيب هو المشبه، وهو مطوي، والمشبه به حال من يريد أني نفخ في نور عظيم منبث في الآفاق، المعنى بقوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ)، وهو الطرف المذكور.
[ ٧ / ٢٢٩ ]
فإن قلت: كيف جاز: "أبى الله إلا كذا"،
_________________
(١) وقوله: (وَيَأبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) ترشيح للاستعارة، لأن إتمام النور زيادة في استنارته وفشو ضوئه، فهو تفريع على الأصل، أي: المشبه به، وقوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) تجريد للاستعارة، وتفريعٌ على الأصل، ورُوعي في كل من الممثل والممثل به معنى الإفراط والتفريط، حيث شبه الإبطال بالإطفاء بالفم، ونسب النور إلى الله تعالى، وما شأن نور يُضاف إلى الله تعالى، وكيف السبيل إلى إطفائه، لا سيما بالفم! ومن ثم قال: "في نور عظيم منبث في الآفاق"، وتمم كلًا من الترشيح والتجريد بقوله: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، وأوهم التناسب بين الكفر والإطفاء، لأن الكفر التغطية والستر، وبين الشرك ودين الحق، لأن دين الحق التوحيد. ويجوز أن يُجعل (نُورَ اللَّهِ) استعارة تحقيقية، والقرينة الإضافة، والمراد بالنور رسول الله ﷺ، لقوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]، شبهه صلوات الله عليه - لما جلى الله تعالى به ظلمات الشرك، وهدى به الضالين- بالنور وبالسراج المنير الذي يحرق ظلمات الليل البهيم، فيهتدى به، ثم أطلق اسم النور أو السراج على المشبه المتروك، ثم رشح الاستعارة بـ (يُطْفِئُوا)، لأنه صفة ملائمة للمشبه به، وهو السراج، ولذلك قال: (بِأَفْواهِهِمْ)، وأما قوله: (وَيَابَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) وقوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ)، فكما سبق في الاستعارة الأولى، والله أعلم. قوله: (كيف جاز: أبي الله إلا كذا)، أي: كيف جاز أن يكون الاستثناء المفرغ في الكلام الموجب؟ قال الزجاج: "زعم بعض النحويين أن في "يأبى" طرفًا من الجحد، والجحد والتحقيق ليسا بذوي أطراف، وأداة الجحد "لا" و"ما" و"لم" و"لن" و"ليس"، ولا يكون الإيجاب جحدًا، ولو جاز هذا لجاز: كرهت إلا أخاك، ولا دليل هاهنا على المكروه ما هو؟ لكن معناه: يأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره".
[ ٧ / ٢٣٠ ]
ولا يقال: كرهت -أو: أبغضت- إلا زيدًا؟ قلت: قد أجرى "أبى" مجرى "لم يرد"، ألا ترى كيف قوبل (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا) بقوله: (وَيَابَى اللَّهُ) وكيف أوقع موقع "ولا يريد الله": (إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ).
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) ٣٤ - ٣٥]
معنى أكل الأموال على وجهين: إما أن يستعار الأكل للأخذ،
_________________
(١) ـ وأجاب المصنف عنه: بأن الدليل الدال على إرادة الجحد إيقاع قوله: (وَيَابَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) مقابلًا لقوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ)، يعني: هم يريدون الإطفاء، والله تعالى لا يريد إلا الإتمام. وكأن صاحب "الانتصاف" رد هذا التأويل بقوله: "لا يقال: إن الإباء بمعنى نفي الإرادة، فكما صح الإيجاب بعد نفي الإرادة، فينبغي أن يصح بعد ما هو في معناه، لأنا نقول: لوجود حرف النفي أثر في تصحيح مجيء الإيجاب". وقلت: لعله نسي قول المصنف في قوله تعالى: (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ) بالرفع: "هذا من ميلهم مع المعنى، والإعراض عن اللف جانبًا، لأن المعنى: فلم يطيعوه إلا قليل منهم". قوله: (أن يُستعار الأكل للأخذ): وذلك بأن تشبه حالة أخذهم أموال الناس من غير تمييز بين الحق اولابطل، وتفرقة بين الحلال والحرام، للتهالك على الدنيا والحرص على جمع
[ ٧ / ٢٣١ ]
ألا ترى إلى قولهم: أخذ الطعام وتناوله. وإمّا على أن الأموال يؤكل بها، فهي سبب الأكل. ومنه قوله:
يأكلن كل ليلة إكافا
يريد: علفا يشتري بثمن إكاف.
ومعني أكلهم بالباطل: أنهم كانوا يأخذون الرشا في الحكام والتخفيف والمسامحة في الشرائع.
(والَّذِينَ يَكْنِزُونَ) يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان، للدلالة على اجتماع خصلتين مذمومتين فيهم: أخذ البراطيل، وكنز الأموال والضن بها عن الإنفاق في سبيل الخير.
ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين، ويقرن بينهم وبين المرتشين من اليهود والنصارى؛ تغليظًا ودلالة على أن من يأخذ منهم السحت، ومن لا يعطي منكم طيب ماله؛ سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم.
_________________
(١) . حُطامها، بحالة منهمك جائع لا يميز بين طعام وطعام في التناول. ولا طائل تحت هذه الاستعارة، واستشهاده بقولهم: "أخذ الطعام وتناوله" أسمج، والوجه هو الثاني، وما قال القاضي: "سُمي أخذُ المال أكلًا لأنه الغرض الأعظم منه". قوله: (أخذ البراطيل)، الأساس: "البرطيل: هو الحجر المستطيل، ومنه: ألقمه البرطيل، وهو الرشوة، وبرطل فلان: أرشى، ومنه قولهم: إن البراطيل تنصر الأباطيل". قوله: (ويجوز أن يُراد المسلمون الكانزون): يريد أن التعريف في (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ) للعهد، والمعهود: إما الأحبار والرهبان، وإما المسلمون؛ لجري ذكر الفريقين، والأولى حمله على العموم.
[ ٧ / ٢٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال صاحب "المرشد": (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) هو وقف حسن إذا جعلت (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ) في موضع رفع بالابتداء، وخبره: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، وإليه ذهب أبو حاتم، وإن ذهب به إلى النصب؛ بالعطف على قوله: (كَثِيرًا)، أي: إن كثيرًا منهم ليأكلون والذين يكنزون يأكلون أيضًا، فالوقف على قوله: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، ولكن ليس بحسن، لأن قوله: (يَوْمَ يُحْمَى) ينتصب بالظرف، والعامل فيه ما قبله. وقلت: لا يخفى على من له مسكة أن الثاني بعيد عن مقتضى البلاغة، والأول هو الوجه، ليكون كالتذييل للكلام السابق - ويؤيده إجراؤه على العموم، لأن قوله: (فَبَشِّرْهُمْ) أمر لكل من تتأتى منه البشارة بالعذاب بأن يبشر؛ على التهكمية، فالتعريف في (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ) إذن للجنس، فيدخل في هذا العموم الأحبار والرهبان دخولًا أوليًا-، وليُعلم أن قصدهم في أخذ الرشا كان كنز المال والضن بها. وأما قضية النظم: فإنه تعالى لما أخبر المؤمنين أن أخذ الرشا لإبطال الحق دأب الأحبار والرهبان، لئلا يتصفوا به، بين أيضًا أن قصدهم فيه جمع الأموال والمنع من حقوق الله،
[ ٧ / ٢٣٣ ]
وقيل: نسخت الزكاة آية الكنز، وقيل: هي ثابتة، وإنما عنى بترك الإنفاق في سبيل الله منع الزكاة. وعن النبي ﷺ: "ما أدّى زكاته فليس بكنز،
_________________
(١) فيعلموا أن الجمع من الحلال مع منع الحقوق منه داخل في ذلك الحكم ومستوجب للبشارة بالعذاب الأليم. وفيه أن القصد في الجمع لا ينبغي أن يكون إلا للإنفاق في سبيل الله، ولا يصلح إلا لذلك، روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "هلك المكثرون، إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا، وقليل ما هم يا أبا هريرة"، وفي جعلهم في الآخرة "الأقلين"، وفي الدنيا "قليلًا: لطيفة. وينصر دلالتها على العموم: ما روينا عن البخاري عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال: "اختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية، فقال: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ)، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه كلام في ذلك"، الحديث. وما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما ردت أعيدت عليه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله؛ إما على الجنة، وإما إلى النار"، الحديث. قوله: (ما أدى زكاته فليس بكنز) الحديث عن البخاري ومالك وابن ماجه عن ابن عمر: "قال له أعرابي: أخبرني عن قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ) الآية، فقال ابن
[ ٧ / ٢٣٤ ]
وإن كان باطنًا، وما بلغ أن يزكى فلم يزك فهو كنز، وإن كان ظاهرًا"، وعن عمر ﵁: أنّ رجلًا سأله عن أرض له باعها، فقال: أحرز مالك الذي أخذت، احفر له تحت فراش امرأتك. قال: أليس بكنز؟ قال: ما أدّى زكاته فليس بكنز، وعن ابن عمر ﵄: كل ما أدّيت زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم يؤدّ زكاته فهو الذي ذكر الله، وإن كان على ظهر الأرض.
فإن قلت: فما تصنع بما روى سالم بن الجعد: أنها لما نزلت، قال رسول الله ﷺ: "تبًا للذهب، تبا للفضة"، قالها ثلاثًا، فقالوا له: أيّ مال نتخذ؟ قال" "لسانًا ذاكرًا، وقلبًا خاشعًا، وزوجة تُعين أحدكم على دينه"، وبقوله ﵊: "من ترك صفراء أو بيضاء كوى بها"، وتوفى رجل فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله ﷺ: "كية"، وتوفى آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال "كيتان"؟
_________________
(١) عمر: من كنزها فلم يؤد زكاتها ويلٌ له، هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت جعلها الله طهرة الأموال". قوله: (احفر له تحت فراش امرأتك): كناية عن المبالغة في الحفظ واختيار حرز حريز. قوله: (بما روى سالم بن [أبي] الجعد)، الحديث: من رواية أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه عن ثوبان قال: لما نزلت الآية قال بعض أصحابه: فلو علمنا أي المال خير اتخذنا، فقال رسول الله ﷺ: "أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة صالحة تعين المؤمن على إيمانه". قوله: (وتوفي رجل فوُجد)، الحديث في "مسند أحمد بن حنبل" عن أبي أمامة: أن رجلًا من أهل الصفة توفي وترك دينارًا، فقال رسول الله ﷺ: "كية"، قال: ثم توفي آخر، فترك دينارين، فقال رسول الله ﷺ: "كيتان". وقلت: أمر أهل الصفة كان على التجريد وترك الادخار، فلما وُجد خلافه رُتب عليه الوعيد، لأن ذلك ظلم منهم.
[ ٧ / ٢٣٥ ]
قلت: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأمّا بعد فرض الزكاة، فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالا من حيث أذن له فيه، ويؤدّى عنه ما أوجب عليه فيه، ثم يعاقبه، ولقد كان كثير من الصحابة، كعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، يقتنون الأموال ويتصرفون فيها، وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية، لأنّ الإعراض اختيار للأفضل والأدخل في الورع والزهد في الدنيا، والاقتناء مباح موسع لا يذمّ صاحبه، ولكل شيء حدّ، وما روى عن علىّ ﵁:
"أربعة آلاف فما دونها نفقة، فما زاد فهو كنز" كلام في الأفضل.
فإن قلت: لم قيل: (ولا ينفقونها)، وقد ذكر شيئان؟ قلت: ذهابًا بالضمير إلى المعنى دون اللفظ؛ لأن كل واحد منهما جملة وافية، وعدة كثيرة ودنانير ودراهم،
_________________
(١) . قوله: (لم قيل: (وَلا يُنفِقُونَهَا)، وقد ذُكر شيئان؟) الراغب: أعيد الضمير إلى الفضة دون الذهب؛ لأن حبس الفضة عن الناس أعظم ضررًا؛ إذ الحاجة إليها أمس، ومنعها للمضرة أجلب، وعلى ذلك أيضًا قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا) [الجمعة: ١١]، أعيد الضمير إلى التجارة دون اللهو لما كانت سبب انفضاض الذين نزلت الآية فيهم. وقال الإمام: "إنما خُلق الأموال ليتوسل بها إلى دفع الحاجات، فإذا حصل للإنسان قدر ما يدفع به حاجته، ثم جمع الأموال الزائدة عليه، فهو لا ينتفع بها، لكونها زائدة على قدر حاجته، ومنعها من الغير ليدفع بها حاجته، كأنه منع من ظهور حكمة الله، ومن وصول إحسانه إلى عبيده".
[ ٧ / ٢٣٦ ]
فهو كقوله: (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) [الحجرات: ٩]، وقيل: ذهب به إلى الكنوز، وقيل: إلى الأموال، وقيل: معناه ولا ينفقونها والذهب، كما أن معنى قوله:
فَإنِّى وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ
وقيار كذلك.
فإن قلت: لم خصا بالذكر من بين سائر الأموال؟ قلت: لأنهما قانون التمول وأثمان الأشياء، ولا يكنزهما إلا من فضلا عن حاجته، ومن كثرا عنده حتى يكنزهما لم يعدم سائر أجناس المال، فكان ذكر كنزهما دليلًا على ما سواهما.
فإن قلت: ما معنى قوله (يُحْمى عَلَيْها)؟ وهلا قيل: "تحمى"، من قولك: حمى الميسم وأحميته، ولا تقول: أحميت على الحديد؟ قلت: معناه: أن النار تحمى عليها، أي: توقد ذات حمى وحرّ شديد، من قوله: (نارٌ حامِيَةٌ) [القارعة: ١١] ولو قيل: "يوم تحمى"، لم يعط هذا المعنى.
_________________
(١) . قوله: (قانون التمول)، الجوهري: "القوانين: الأصول الواحد قانون، وليس بعربي".، قوله: (معناه: أن النار تُحمى عليها): قال الواحدي: "يُقال: أحميت الحديدة ف النار إحماء حتى حميت حميًا: إذا أوقدت عليها النار"، وهو كقوله تعالى: (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ) [القصص: ٣٨]. قوله: (ولو قيل: "يوم تُحمى"، لم يعط هذا المعنى): لأنك إذا قلت: يوم تحمى الكنوز في نار جهنم، أفاد أنها حميت، وهي كائنة في النار، كما يحمى الميسم فيها، فلا تُعلم شدة وقود النار فيها. وأما لو قيل: "تحمى عليها"، وأسند "تحمى" إلى النار، أفاد أن النار بنفسها تحمى، فتكو كما قال: "توقد ذات حمى وحر شديد"، ثم إذا قيل: "على الكنوز" دل على الاستعلاء،
[ ٧ / ٢٣٧ ]
فإن قلت: فإذا كان الإحماء للنار، فلم ذكر الفعل؟ قلت: لأنه مسند إلى الجار والمجرور، أصله: يوم تحمى النار عليها، فلما حذفت "النار" قيل: يحمى عليها، لانتقال الإسناد عن "النار" إلى (عليها)، كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير، فإن لم تذكر "القصة" قلت: رفع إلى الأمير.
وعن ابن عامر أنه قرأ: "تحمى"، بالتاء، وقرأ أبو حيوة: "فيكوى بالياء.
فإن قلت: لم خصت هذه الأعضاء؟ قلت: لأنهم لم يطلبوا بأموالهم -حيث لم ينفقوها في سبيل الله- إلا الأغراضَ الدنيوية؛ من وجاهة عند الناس وتقدّم، وأن يكون ماء وجوههم مصونًا عندهم، يتلقون بالجميل، ويحيون بالإكرام، ويبجلون ويحتشمون، ومن أكل طيبات يتضلعون منها، وينفخون جنوبهم، ومن لبس ناعمة من الثياب، يطرحونها على ظهورهم، كما ترى أغنياء زمانك: هذه أغراضهم وطلباتهم من أموالهم، لا يخطرون ببالهم قول رسول الله ﷺ: "ذهب أهل الدثور بالأجور".
_________________
(١) ـ فكان أبلغ. ولهذا أكد الواحدي في قوله:: أحميد الحديدة في النار إحماء حتى حميت حميا: إذا أوقدت عليها النار". قوله: (ومن أكل طيبات يتضلعون منها): أي: يأكلون حتى تمتلئ أضلاعهم منها، وهو عطف على قوله "من وجاهة عند الناس". قوله: (ذهب أهل الدثور بالأجور)، الحديث: من رواية البخاري ومسلم وأبي داود عن أبي هريرة: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العظيم والنعيم المقيم، فقال ﷺ: "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نُعتق … الحديث."الدثور": المال الكثير.
[ ٧ / ٢٣٨ ]
وقيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه، وتولوا بأركانهم، وولوه ظهورهم.
وقيل: معناه: يكون على الجهات الأربع مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم.
(هَذَا مَا كَنَزْتُمْ) على إرادة القول، وقوله: (لِأَنْفُسِكُمْ) أي: كنزتموه لننتفع به نفوسكم، وتلتذ وتحصل لها الأغراض التي حامت حولها، وما علمتم أنكم كنزتموه لتستضر به أنفسكم، وتتعذب، وهو توبيخ لهم، (فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)، وقرئ: "تكنزون"، بضم النون، أي: وبال المال الذي كنتم تكنزونه، أو وبال كونكم كانزين.
_________________
(١) قوله: (ازوروا عنه)، الجوهري: "الازورار عن الشيء: العدول عنه، وقد ازور عنه ازورارًا. قوله: (وتولوا بأركانهم): أي بالجباه والجنوب، لأنها أركان من يستقبل الشيء، كقوله تعالى: (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ) [الذاريات: ٣٩]، وراعى الجناس بين "تولوا" و"ولوا". قوله: (وقيل: معناه: يكوون على الجهات الأربع)، يعني: ليس هاهنا اختصاص، بل فيه إشارة إلى الجهات الأربع للاستيعاب. قوله: (أي: كنزتموه لتنتفع به نفوسكم) إلى قوله: (وما علمتم أنكم كنزتموه لتستضر به أنفسكم): إشارة إلى أن اللام في (لأَنْفُسِكُمْ) مثلها في قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) [القصص: ٨]، وفيه تتميم لمعنى التوبيخ وتربية عليه. قوله: (أي: وبال المال): هذا على أن تكون (مَا) موصولة. قوله: (أو: وبال كونكم): على أن تكون مصدرية.
[ ٧ / ٢٣٩ ]
[(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ٣٦]
(فِي كِتابِ اللَّهِ): فيما أثبته وأوجبه من حكمه، ورآه حكمة وصوابا، وقيل: في اللوح، (أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ): ثلاثة سرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم، وواحد فرد، وهو رجب. ومنه قوله ﵇ في خطبته في حجة الوداع: "ألا إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، والسنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان".
والمعنى: رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه،
_________________
(١) قوله: (في اللوح): هذا أقرب من الأول وأتم فائدة؛ لذكر (شَهْرًا)، لأنه تعالى أخبر أن عدد شهور السنة عند الله اثنا عشر شهرًا، وكان يكفي أن يُقال: اثنا عشر، أي: عدة الشهور اثنا عشر، فعلى هذا (عِنْدَ اللَّهِ) خبرُ (إنَّ)، و(اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) مُبتدأ على تأويل هذا اللفظ، و(فِي كِتَابِ اللَّهِ) خبره. ويجوز أن يكون (فِي كِتَابِ اللَّهِ) صفة (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا)، ويكون خبر مبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة، أي: ليس حكم عدة شهور السنة عندكم، وإنما حكمها عند الله، فكأنه قيل: كيف حكمها عنده؟ فأجيب: حكمها اثنا عشر شهرًا مثبت في اللوح المحفوظ. قال أبو البقاء: " (عِدَّةَ) مصدر مثل "العدد"، و(عِنْدَ) معمول له، و(فِي كِتَابِ اللَّهِ) صفة لـ (اثْنَا عَشَرَ)، وليس بمعمول لـ (عِدَّةَ)، لأن المصدر إذا أُخبر عنه لا يعمل فيما بعد الخبر". قوله: (ورجب مُضر الذي بين جمادي وشعبان)، الحديث: من رواية البخاري ومسلم عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: "الزمان قد استدرا كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض،
[ ٧ / ٢٤٠ ]
وعاد الحج في ذي الحجة، وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية، وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، وكانت حجة أبى بكر قبلها في ذي القعدة.
(ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) يعنى: أنّ تحريم الأشهر الأربعة هو الدين المستقيم، دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب قد تمسكت به وراثة منهما، وكانوا يعظمون الأشهر الحرم، ويحرمون القتال فيها، حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه،
_________________
(١) . السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حُرم؛ ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، ورجب مُضر الذي بني جمادي وشعبان". النهاية: "أضاف رجبًا إلى مُضر؛ لأنهم كانوا يُعظمونه بخلاف غيرهم، فكأنهم اختصوا به، وقوله: "بين جُمادي وشعبان" تأكيدٌ للبيان وإيضاح؛ لأنهم كانوا ينسئونه ويؤخرونه من شهر إلى شهر، فيتحول عن موضعه المختص به، فبين لهم أن الشهر المختص الذي هو بين جمادي وشعبان، لا ما كانوا يسمونه على حساب النسيء". الحديث مخرج في "الصحيحين" وفي "سنن أبي داود" عن أبي بكرة. هذه الآية متصلة بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) [التوبة: ٢٨]، وما بينهما مستطرد لذكر آية السيف، وإباحة القتال مع أهل سائر الأديان المختلفة لمخالفتهم دين الحق. قوله: (لم يهجه): لم يثوره، الأساس: "هاج به الدم والمرة، وهاج الشر بين القوم، وهيجه فلان".
[ ٧ / ٢٤١ ]
وسموا رجبا: الأصم ومنصل الأسنة، حتى أحدثت النسيء فغيروا.
(فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ): في الحرم، (أَنْفُسَكُمْ) أي: لا تجعلوا حرامها حلالًا، وعن عطاء: بالله، ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا أن يقاتلوا، وما نسخت. وعن عطاء الخراساني: أحلت القتال في الأشهر الحرم (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ) وقيل: معناه: لا تأثموا فيهن، بيانًا لعظم حرمتهن، كما عظم أشهر الحج بقوله: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ) الآية [البقرة: ١٩٧]، وإن كان ذلك محرمًا في سائر الشهور. (كَافَّةً) حال من الفاعل أو المفعول، (مَعَ الْمُتَّقِينَ) ناصر لهم، حثهم على التقوى بضمان النصر لأهلها.
[(إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) ٣٧]
_________________
(١) قوله: (سموا رجبًا: الأصم): قيل: لأنه لا يُسمع فيه صوت مستغيث، ولا حركة قتال، ولا قعقعة سلاح. قوله: (ومنصل الأسنة)، الجوهري: "نصلت السهم: نزعت نصله، كقولهم: قردت البعير: إذا نزعت منه القُراد، وكذلك إذا ركبت عليه النصل، وهو من الأضداد، وأنصلت الرمح: إذا نزعت نصله، وكان يقال لرجل في الجاهلية: منصل الأسنة ومنصل الأل، لأنهم كانوا ينزعون الأسنة ولا يغزون، ولا يغير بعضهم على بعض". "الأل" بالتفح: جمة ألة، وهي الحرية. قوله: (وقيل: معناه: لا تأثموا فيهن): معطوف على قوله: "لا تجعلوا حرامها حلالًا"، فالظلم على الأول بمعنى الكفر والشرك، وعلى الثاني بمعنى الإثم، سُمي الإثم ظلمًا ليؤذن أن افثم في هذه الأشهر بمنزلة الظلم على النفس، وإليه الإشارة بقوله: "بيانًا لعظم حرمتهن"، وعليه قوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: ١٩٧].
[ ٧ / ٢٤٢ ]
(النَّسِيءُ): تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون، شق عليهم ترك المحاربة، فيحلونه ويحرمون مكانه شهرًا آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرمون من شق شهور العام أربعة أشهر، وذلك قوله: (لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ) أي: ليوافقوا العدّة التي هي الأربعة ولا يخالفوها، وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين، وربما زادوا في عدد الشهور، فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر، ليتسع لهم الوقت. ولذلك قال عز وعلا: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا)، يعنى: من غير زيادة زادوها.
والضمير في: (يُحِلُّونَهُ) (وَيُحَرِّمُونَهُ) للنسيء، أي إذا أحلوا شهرًا من الأشهر الحرم عامًا، رجعوا فحرموه في العام القابل. يُروى أنه حدث ذلك في كنانة؛ لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعًا في الجاهلية، وكان يقوم على جمل في الموسم، فيقول بأعلى صوته: إنّ آلهتكم قد أحلت لكم المحرم، فأحلوه، ثم يقوم في القابل، فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم، فحرموه.
_________________
(١) . قوله: (من شق شهور)، الأساس: "قعد في شق من الدار، أي: في ناحية منها، وخُذ من شق الثياب: من عرضها". قوله: (أحد الواجبين): قيل: أحدهما: تخصيص الأشهر، والآخر: حرمة القتال: وقيل: أحدهما: العدد وهو أربعة أشهر، والآخر: تخصيصها بالأشهر المذكورة. قوله (والضمير في (يُحِلُّونَهُ) (يُحَرِّمُونَهُ)، للنسيء): قال الواحدي: "أي: يحلون التأخير عامًا، وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم، ويحرمون التأخير عامًا، وهو العام الذي يدعون المحرم على تحريمه".
[ ٧ / ٢٤٣ ]
جعل النسيء زيادة في الكفر، لأن الكافر كلما أحدث معصية ازداد كفرًا، (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: ١٢٥]، كما أن المؤمن إذا أحدث الطاعة ازداد إيمانًا، (فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [التوبة: ١٢٤].
وقرئ (يُضِلُّ) على البناء للمفعول، و(يُضِلُّ) بفتح الياء والضاد، و"يُضَلُّ" على أن الفعل لله ﷿. وقرأ الزهري: "ليوطئوا" بالتشديد.
والنسيء: مصدر نسأه: إذا أخره. يقال: نسأه نسأ ونساء ونسيئًا، كقولك: سه مسًا ومساسًا مسيسًا، وقرئ بهنّ جميعا. وقرئ: (النسى)، بوزن: الندى، و"النسى" بوزن: النهى، وهما تخفيف النسيء والنسء.
فإن قلت: ما معنى قوله: (فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ)؟ قلت: معناه: فيحلوا -بمواطأة العدّة وحدها من غير تخصيص- ما حرّم الله من القتال
_________________
(١) قال الإمام: "هذا إنما يصح لو حملنا (النَّسِيءُ) على المفعول، وهو مُشكل، لأنه يقتضي أن يكون الشهر المؤخر كفرًا، اللهم إلا أن يقال: إن المراد: العمل الذي به يصير الشهر نسيئًا زيادة في الكفر، والمعنى: يحلون ذلك الإنساء عامًا، ويحرمونه عامًا". قوله: (وقرئ: (يُضَلُ) على البناء للمفعول): حفص وحمزة والكسائي، والباقون: بفتح الياء وكسر الضاد. وأما بفتح الياء والضاد، وضم الياء وكسر الضاد: فشاذ. قوله: (وقرئ: "النسي" بوزن الندي)، ورش: "إنما النسيُّ" بتشديد الياء بغير همز، والباقون: بالهمز وإسكان الياء مع المد.
[ ٧ / ٢٤٤ ]
أو من ترك الاختصاص للأشهر بعينها.
(زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ): خذلهم الله، فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة، (وَاللَّهُ لا يَهْدِي) أي: لا يلطف بهم، بل يخذلهم.
وقرئ: "زين لهم سوء أعمالهم"، على البناء للفاعل، وهو الله ﷿.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ٣٨ - ٤١]
_________________
(١) قوله: (أو من ترك الاختصاص الأشهر): "الأشهر": منصوب بنزع الخافض، ويُروى: "للأشهر"، و"الاختصاص": مفعول "ترك"، "أو من ترك" عطف على "من القتال". أي: يلزمهم بمواطأة العدة وحدها من غير تخصيص تحليل ما حرم الله من القتال، أو تحليل ما حرم الله من ترك الاختصاص للأشهر بعينها، وهما الواجبان المذكوران في قوله: "وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين"ز وتحريره: أنه تعالى أمرهم بشيء، ونهاهم عن شيء؛ أمرهم أن يعظموا الأشهر الحرم بعينها، وحرم عليهم القتال فيها، كما سبق في قوله: "وكانت العرب قد تمسكت به وراثة
[ ٧ / ٢٤٥ ]
(اثَّاقَلْتُمْ): تثاقلتم، وبه قرأ الأعمش، أي: تباطأتم وتقاعستم، وضمن معنى الميل والإخلاد فعدى بـ (إِلَى)، والمعنى: ملتم إلى الدنيا وشهواتها، وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه، ونحوه: (أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ) [الأعراف: ١٧٦]، وقيل: ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم.
وقرئ: "اثَّاقَلْتُمْ؟ " على الاستفهام الذي معناه الإنكار والتوبيخ.
_________________
(١) منهما- أي: من إبراهيم وإسماعيل ﵉ - فكانوا يعظمون الأشهر الحرم، ويحرمون القتال فيها"، وإن استحفظوا الحرمة بمواطأة العدة، فقد أحلوا ما حرم الله من القتال فيها، أو هتكوا بسبب ترك الاختصاص بالأشهر بعينها حرمتها وتعظيمها، حيث أوقعوا القتال فيها. ولو حُمل "أو" في قوله: "أو من ترك الاختصاص" على معنى الواو، كقوله تعالى: (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) [المرسلات: ٦]، كان أوجه لما لزمهم الأمران معًا. ويمكن أن يُقال: إن معنى الآية: أنه تعالى أخبر عنهم أنهم إنما أحلوا النسيء عامًا وحرموه عامًا ليواطئوا العدة، فيتسلقوا بذلك على تحليل ما حرمه الله تعالى. قوله: (اثَّاقَلْتُمْ): تثاقلتم): قال الزجاج: "إن التاء أدغمت في التاء، فصارت ثاء ساكنة، فابتدئت بألف الوصل". قوله: (وتقاعستم): تقاعس عن الأمر: تأخر ولم يقدم عليه. قوله: (ملتم إلى الإقامة بأرضكم): هذا تصريح، والوجه الأول كناية، لقوله: "ملتم إلى الدنيا وشهواتها"، واستشهاده بقوله: (أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف: ١٧٦]، وهو الوجه لمطابقة قوله: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
[ ٧ / ٢٤٦ ]
فإن قلت: فما العامل في (إذا)، وحرف الاستفهام مانعة أن يعمل فيه؟ قلت: ما دلّ عليه قوله: (اثَّاقَلْتُمْ)، أو ما في (مالَكُمْ) من معنى الفعل، كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم؟ كما تعمله في الحال إذا قلت: مالك قائمًا؟
وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة عشر، بعد رجوعهم من الطائف، استنفروا في وقت عسرة وقيظ وقحط مع بعد الشقة وكثرة العدو، فشق عليهم. وقيل: ما خرج رسول الله ﷺ في غزوة إلا ورّى عنها بغيرها، إلا في غزوة تبوك؛ ليستعدّ الناس تمام العدة.
(مِنَ الْآخِرَةِ) أي: بدل الآخرة، كقوله: (لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً) [الزخرف: ٦٠]، (فِي الْآخِرَةِ): في جنب الآخرة.
(إِلَّا تَنْفِرُوا) سخط عظيم على المتثاقلين حيث أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدارين، وأنه يهلكهم، ويستبدل بهم قومًا آخرين خيرًا منهم وأطوع، وأنه غنى عنهم في نصرة دينه، لا يقدح تثاقلهم فيها شيئًا.
_________________
(١) … قوله: (وحرف الاستفهام مانعة): أي: منع أن يعمل (اثَّاقَلْتُمْ) في الظرف؟ وأجاب: أن العامل معنى (اثَّاقَلْتُمْ)، وهو: ملتم، مثاله: (أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) [الرعد: ٥]، أي: أنعاد إذا كنا ترابًا؟ قوله: (الشقة): وهي السفر البعيد. قوله: (ورى عنها): هو من: وريث الخبر تورية: إذا سترته وأظهرت غيره. قوله: (وأنه يهلكهم): عطف على قوله: "عذاب أليم" على سبيل التفسير، ليصح عطف "ويستبدل" عليه، وكذلك قوله: "وأنه غني عنهم"، يعني: دل جواب الشرط- وهو (يُعَذِّبْكُمْ) - وما عُطف عليه، على الإخبار بأنهم إن لا ينفروا يستحقوا سخطًا عظيمًا من الله تعالى، بأن يجمع لهم عذاب الدارين، وانه يهلكهم ويستبدل بهم قومًا آخرين، وأن ذلك لا يضر الله شيئًا، لأنه غني عنهم في نُصرة دينه.
[ ٧ / ٢٤٧ ]
وقيل: الضمير للرسول، أي: ولا تضروه، لأنّ الله تعالي وعده أن يعصمه من الناس، وأن ينصره، ووعد الله كائن لا محالة، وقيل يريد بقوله (قَوْمًا غَيْرَكُمْ) أهل اليمن، وقيل: أبناء فارس، والظاهر مستغن عن للتخصيص.
فإن قلت: كيف يكون قوله: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) جوابًا للشرط؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: إلا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد، ولا أقل من الواحد، فدلّ بقوله: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) على أنه ينصره في المستقبل، كما نصره في ذلك الوقت. والثاني:
أنه أوجب له النصرة، وجعله منصورًا في ذلك الوقت، فلن يخذل من بعده.
وأسند الإخراج إلى الكفار، كما أسند إليهم في قوله: (مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ) [محمد: ١٣]، لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج، فكأنهم أخرجوه.
_________________
(١) قوله: (وقيل: الضمير للرسول ﷺ): أي: لا تضروا رسول الله ﷺ، قال صاحب "الانتصاف": "يؤيد هذا الوجه قوله: ٠ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) ". وقلت: المعنى: إلا تنفروا مع من يستنفركم بقوله: "انفروا في سبيل الله"، لاتضروه شيئًا، والله ناصره، والله على كل شيء قدير، ألا ترون كيف نصره الله تعالى حين لم يكن معه إلا رجل واحد؟ ! قوله: (فيه وجهان)، الانتصاف: "الفرق بين الوجهين عسر، وغايته: أنه في الأول وعده بنصرة مستقبلة أكد الله تحقيقه بوجود نُصرة من قبل، وفي الثاني إخبار باستمرار نصر ماض، والأمر فيهما مُتقارب".
[ ٧ / ٢٤٨ ]
(ثانِيَ اثْنَيْنِ): أحد اثنين، كقوله (ثالِثُ ثَلاثَةٍ) [المائدة: ٧٣]، وهما رسول الله ﷺ وأبو بكر الصديق ﵁، يروى: أنّ جبريل صلوات الله عليه لما أمره بالخروج، قال: من يخرج معي؟ قال أبو بكر"، وانتصابه على الحال: وقرئ "ثاني اثنين"، بالسكون.
و(إِذْ هُما) بدل من (إذ أخرجه)، والغار: ثقب في أعلى "ثور"، وهو جبل في يمني مكة على مسيرة ساعة، مكثا فيه ثلاثًا، (إِذْ يَقُولُ) بدل ثان.
_________________
(١) وقلت: قوله: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) من باب قولك: إن تُكرمني الآن فقد أكرمتك أمس. فقوله: "فسينصره من نصره": إخبار على سبيل التوبيخ، والمقصود أن الله ناصره الآن كما كان ناصره فيما مضى، فهو مستغن عنكم، ولا يضره خذلانكم. وقوله: "أوجب له النصرة" إخبار بأن الله تعالى حكم بأنه منصور، فالنصرة على الأول واقعة تحقيقًا، وهي أمارة للنصرة المستقبلة، وعلى الثاني: النصرة محتوم عليها مقدرة، وما قدره الله تعالى واجب الوقوع. قوله: (وانتصابه على الحال): قال الزجاج: "المعنى: فقد نصره الله تعالى أحد اثنين، أي: منفردًا إلا من أبي بكر ﵁"، وقال أبو البقاء: "فهو حال من الهاء، أي: احد اثنين". قوله: (وقرئ: "ثاني اثنين" بالسكون)، قيل: هو على حذف الحركة، قال أبو البقاء: "حقها التحريك، وهو من أحسن الضرورة في الشعر، وقال قوم: ليس بضرورة، وذلك أجازوه في القرآن". قوله: (و(إِذْ هُمَا) بدل من (إِذْ أَخْرَجَهُ): قال أبو البقاء " (إِذْ هُمَا) ظرف لـ (نصُرَهُ)، لأنه بدل من (إذْ) الأولى، ومن قال: العامل في البدل غير العامل في المُبدل
[ ٧ / ٢٤٩ ]
قيل: طلع المشركون فوق الغار، فأشفق أبو بكر على رسول الله ﷺ، فقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله، فقال ﵊: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، وقيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه، وقال رسول الله ﷺ: "اللهم أعم أبصارهم"، فجعلوا يتردّدون حول الغار ولا يفطنون، قد أخذ الله بأبصارهم عنه.
وقالوا: من أنكر صحبة أبى بكر ﵁ فقد كفر؛ لإنكاره كلام الله، وليس ذلك لسائر الصحابة.
(سَكِينَتَهُ): ما ألقى في قلبه من الأمنة التي سكن عندها، وعلم أنهم لا يصلون إليه، و"الجنود" الملائكة يوم بدر والأحزاب وحنين، و(كلمة الذين كفروا): دعوتهم إلى الكفر، (وَكَلِمَةُ اللَّهِ): دعوته إلى الإسلام، وقرئ: "كلمة الله" بالنصب،
_________________
(١) ـ. قدر لها فعلًا آخر، أي: نصره إذ هما: (إِذْ يَقُولُ) [بدل أيضًا]، وقيل: (إِذْ هُمَا) ظرف لـ (ثَانِيَ) ". قوله: (وقالوا: من أنكر صحبة أبي بكر ﵁ فقد كفر): عن الترمذي عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر ﵁: "أنت صاحبي في الحوض، وصاحبي في الغار". قوله: (وقرئ: "وكلمة الله" بالنصب": قال القاضي: "قرأها يعقوب، عطفًا على (كَلِمَةَ الَّذِينَ) ".
[ ٧ / ٢٥٠ ]
والرفع أوجه، و(هِيَ) فصل أو مبتدأ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله في العلوّ، وأنها المختصة به دون سائر الكلم.
(خِفافًا وَثِقالًا): خفافا في النفور لنشاطكم له، وثقالا عنه لمشقته عليكم،
_________________
(١) قوله: (والرفع أوجه): لأنه يدل على الثبوت والدوام، وأن الجعل لم يتطرق على كلمة الله، وأنها في نفسها عالية، وفيه إشارة إلى قدم كلمات الله. قال أبو البقاء: "النصب ضعيف؛ لأن فيه دلالة على أن كلمة الله كانت سُفلى، فصارت عُليا، وليس كذلك، وأن التوكيد بالضمير المرفوع للمنصوب بعيد، إذ القياس يأباها". قوله: (خفافًا في النفور لنشاطكم)، الراغب: "الخفيف: بإزاء الثقيل، ويُقال ذلك باعتبار
[ ٧ / ٢٥١ ]
أو خفافا لقلة عيالكم وأذيالكم، وثقالا لكثرتها، أو: خفافا من السلاح وثقالا منه، أو ركبانا ومشاة، أو: شبابا وشيوخا، أو مهازيل وسمانا، أو: صحاحا ومراضا.
وعن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله ﷺ: أعلىّ أن أنفر؟ قال: "نعم"، حتى نزل قوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ) [الفتح: ١٧] وعن ابن عباس: نسخت بقوله: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى) [التوبة: ٩١]، وعن صفوان بن عمرو: كنت واليًا على حمص، فلقيت شيخًا كبيرًا قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو. فقلت: يا عمّ، لقد أعذر الله إليك، فرفع حاجبيه وقال: يا بن أخي، استنفرنا الله خفافا وثقالا، إلا أنه من يحبه الله يبتله. وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفرنا الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.
(وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة.
_________________
(١) ـ المضايفة بالوزن، وقياس أحد الشيئين إلى الآخر، نحو: درهم خفيف ودرهم ثقيل. وباعتبار مضايفة الزمان، نحو: فرس خفيف وفرس ثقيل: إذا عدا أحدهما أكثر في زمان واحد، ويُقال: خفيف؛ فيما يستحليه الناس، وثقيل؛ فيما يستوخمه، فيكون الخفيف مدحًا، والثقيل ذمًا، وفي عكسه يُقال: خفيف؛ فيمن فيه طيش، وثقيل؛ فيما فيه وقار". قوله: (لقد أعذر الله إليك)، النهاية: "أعذر الله إليك: معناه: عذرك الله، وجعلك موضع العُذر، وأسقط عنك الجهاد، ورخص لك في تركه". قوله: (إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما، على حسب الحال): هذا التخيير يعطيه عطف "جاهدوا" على (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا)، لأنه كالتفسير له.
[ ٧ / ٢٥٢ ]
[(لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) ٤٢]
العرض: ما عرض لك من منافع الدنيا، يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، أى لو كان ما دعوا إليه غنما قريبا سهل المنال (وَسَفَرًا قاصِدًا) وسطا مقاربا (الشُّقَّةُ) المسافة الشاطة الشاقة، وقرأ عيسى بن عمر: "بعدت عليهم الشقة"، بكسر العين والشين، ومنه قوله:
يَقُولُونَ: لَا تَبْعُدْ، وَهُمْ يَدْفِنُونَهُ … وَلَا بُعْدَ إلّا مَا تُوَارِى الصَّفَائِحُ
(بِاللَّهِ) متعلق بـ (سيحلفون)، أو هو من جملة كلامهم،
_________________
(١) ـ قوله: (يقولون: لا تَبعِد) البيت: بعِد وبعُد: لغتان، إلا أن "بعد" - بكسر العين - أخص ببعُد الموت. و"لا تبعُد": يُستعمل في المصائب، وليس فيها طلب ولا سؤال، وإنما هو تنبيه على شدة الحاجة إلى المفقود، وتناهي الجزع على المفجع به، وغلبة التحسر عليه، وقال الآخر: لا يبعد الله إخوانًا لنا ذهبوا … أفناهم حدثان الدهر والأبد قوله: «بِاللَّهِ) متعلق) إلى آخره: فيه لف ونشر من غير ترتيب، فإن قوله: "أي: سيحلفون؛ يقولون بالله" مبني على الوجه الثاني، وهو أن يكون (بِاللَّهِ) من جملة كلامهم، وقوله: "أو سيحلفون بالله يقولون" على الوجه الأول، وهو أن (بِاللَّهِ) متعلق بـ (وَسَيَحْلِفُونَ).
[ ٧ / ٢٥٣ ]
والقول مراد في الوجهين، أى سيحلفون -يعنى: المتخلفين- عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين؛ يقولون: بالله لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ، أو: سيحلفون بالله يقولون: لو استطعنا.
وقوله: (لَخَرَجْنا) سدّ مسدّ جوابي القسم و(لو) جميعا، والإخبار بما سوف يكون بعد القفول؛ من حلفهم واعتذارهم، وقد كان: من جملة المعجزات، ومعنى "الاستطاعة": استطاعة العدّة، أو استطاعة الأبدان، كأنهم تمارضوا.
وقرئ: لو "استطعنا"، بضم الواو؛ تشبيها لها بواو الجمع في قوله (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) (البقرة: ٩٤).
(يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ) إما أن يكون بدلا من (سيحلفون)، أو حالا بمعنى: مهلكين، والمعنى: أنهم يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، وما يحلفون عليه من التخلف، ويحتمل أن يكون حالا من قوله: (لَخَرَجْنا) أي لخرجنا معكم وإن أهلكنا أنفسنا، وألقيناها في التهلكة بما نحملها من المسير في تلك الشقة، وجاء به على لفظ الغائب، لأنه مخبر عنهم. ألا ترى أنه لو قيل: سيحلفون بالله لو استطاعوا لخرجوا، لكان سديدا، يقال: حلف بالله ليفعلنّ ولأفعلنّ، فالغيبة على حكم الإخبار، والتكلم على الحكاية.
_________________
(١) قوله: (سد مسد جوابي القسم و(لو) جميعًا): نحوه: لئن أكرمتني لأكرمتك. قوله: (وجاء به على لفظ الغائب، لأنه مخبر عنهم)، يعني: (يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ) حال من ضمير الجماعة في (لَخَرَجْنَا)، وإن اختلفا حكاية وغيبة، لأنه على سبيل الإخبار عنهم، لأنه قال: " (بِاللَّهِ) متعلق بـ (وَسَيَحْلِفُونَ)، أو هو من جملة كلامهم، والقول مراد في الوجهين"، وإذا كان هذا مقولًا لقولهم احتمل الوجهين، فلو حُكي لفظهم لقيل: وإن أهلكنا أنفسنا، ولكن جيء بمعناه، فقيل: (يُهْلِكُونَ)، كما يقال: حلف بالله لأفعلن وليفعلن، فالغيبة في الآية على حكم الإخبار، والتكلم في المثال على حكم الحكاية.
[ ٧ / ٢٥٤ ]
[(عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ) ٤٣)]
(عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) كناية عن الجناية، لأنّ العفو رادف لها، ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت، و(لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) بيان لما كني عنه بالعفو،
_________________
(١) قوله: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) كناية عن الجناية): وهو كذلك، ونحوه ما يُعزى إلى الشافعي ﵁ في قوله: "أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله": "إن العفو مؤذن بسبق الذنب". لكن قوله: "أخطأت وبئس ما فعلت" خطأ فاحش، وبئس ما فعل، ولا أعلم كيف ذهب إلى هذا القول الشنيع، وإنه العلم في استخراج لطائف المعاني، وذهب عنه أن في أمثال هذه الإشارات- وهي تقديم العفو على الذنب- إشعارًا بتعظيم المخاطب وتوقيره وتوقير حرمتهن قال علي بن الجهم يخاطب المتوكل، وقد أمر بنفيه: عفا الله عنك ألا حرمة … تجود بفضلك أن أبعدا ألم تر عبدًا عدا طوره … ومولى عفاه ورُشدًا هدى وعن سفيان بن عيينة: "انظروا إلى هذا اللُّطف، بدأ بالعفو قبل أن يعيره بالذنب"، وأمثال هذا الذنب مما يُتمنى حصوله، ألا ترى على قول بعض الصحابة عند نزول قوله تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) [آل عمران: ١٢٢]: "ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا به، وأخبرنا الله بأنه ولينا".
[ ٧ / ٢٥٥ ]
ومعناه: مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك، واعتلوا لك بعللهم، وهلا استأنيت بالإذن، (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ) من صدق في عذره ممن كذب فيه. وقيل: شيئان فعلهما رسول الله ﷺ ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فعاتبه الله.
[(لا يَسْتَئذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) ٤٤]
(لا يَسْتَاذِنُكَ) ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا،
_________________
(١) قال السجاوندي: (عَفَا اللَّهُ): تعليم تعظيمه صلوات الله عليه، ولولا تصدير العفو في العتاب لما قام بصولة الخطاب، وربما يستعمل فيما لم يسبق به ذنب، ولا يتصورن كما تقول لمن تعظمه: عفا الله عنك ما صنعت في أمري؟ ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي؟ ومنه ما روى المصنف عن النبي ﷺ: "لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له، حين سُئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترط أن يخرجون"، الحديث مذكور في سورة يوسف، وهو لا يشعر إلا بالتعظيم. قال الإمام: "يحمل قوله: (لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) على ترك الأولى والأكمل، ولا سيما هذه الواقعة من جنس ما يتعلق بالاجتهاد"، وغايته: أنه صلوات الله عليه ما أصاب فيهن فدخل تحت قوله: "من اجتهد وأخط فله أجر". قوله: (وهلا استأنيت بالإذن)، النهاية: "استأنيت، أي: انتظرت وتربصت. ويقال: آنيت وأنيتُ وتأنيت واستأنيت". قوله: «لا يَسْتَاذِنُكَ) ليس من عادة المؤمنين): نفي العادة مستفاد من نفي فعل المستقبل المراد به الاستمرار، على نحو: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم.
[ ٧ / ٢٥٦ ]
وكان الخلص من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي ﷺ أبدا، ولنجاهدنّ أبدا معه بأموالنا وأنفسنا. ومعنى أَنْ (يُجهِدُوا): في أن يجاهدوا،
_________________
(١) قوله: «أَنْ يُجَاهِدُوا): في أن يجاهدوا): قال الزجاج: "موضع (أَن) نصب، المعنى: لا يستأذنك هؤلاء في أن يجاهدوا، فحذف الجار وأوصل"، والمعنى: ليس من شأن المؤمنين أن يستأذنوك في أمر الجهاد، لأن عادتهم أن يكونوا مترصدين مرابطين باذلين أرواحهم في سبيل الله. روينا عن مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة - أو: فزعًا- طار على متنه، يبتغي القتل أو الموت مظانه". ومثله قول الحماسي: لا يسألون أخاهم حين يندبهم … في النائبات على ما قال برهانا وعلى هذا معنى قوله: "كراهة أن يجاهدوا": يعني: لا يستأذنوك لأجل كراهة المجاهدة، فإن من يستأذن إنما يستأذن لأنه يكره المجاهدة، فالنفي داخل على الفعل المعلل، ثم أكد الله المعنى بقوله: (إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [التوبة: ٤٥].
[ ٧ / ٢٥٧ ]
أو كراهة أن يجاهدوا، و(َاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) شهادة لهم بالانتظام في زمرة المتقين، وعدة لهم بأجزل الثواب.
[(إِنَّما يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ) ٤٥ - ٤٨]
_________________
(١) قال صاحب "الانتصاف": "لا ينبغي لأحد أن يستأذن أخاه في فعل معروف، ولا للمضيف أن يستأذن ضيفه في تقديم الطعام إليه، وذلك أمارة على التكلف، ووصف الله الخليل ﵇ بقوله: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ) [الذاريات: ٢٦]، أي: ذهب خفية، فأتى بعجل سمين من أجود ما عنده، فهذا ما يجب أن يُتأدب به، وأشد من هذا التثاقل عن الخروج بعد الطلب". قوله: «وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) شهادة لهم بالانتقام في زمرة المتقين، وعدة لهم بأجزل الثواب): وأما الشهادة بالانتظام: فمن وضع المظهر موضع المضمر، وإرادة الجنس بالمتقين، فيدخلون فيه دخولًا أوليًا. وأما العدة: فإن مقتضى العلم بعد ذكر أعمال العباد خيرًا أو شرًا، إما الوعد بالثواب أو الوعيد بالعقاب.
[ ٧ / ٢٥٨ ]
(إِنَّما يَسْتَأئذِنُكَ) يعنى المنافقين، وكانوا تسعة وثلاثين رجلا ي (َتَرَدَّدُونَ) عبارة عن التحير، لأن التردّد ديدن المتحير، كما أنّ الثبات والاستقرار ديدن المستبصر، وقرئ: "عدّه"، بمعنى: عدّته، فعل بـ"العدّة" ما فعل بالعدة من قال:
وَأَخْلَفُوكَ عِدَ الأَمْرِ الَّذِى وَعَدُوا
من حذف تاء التأنيث، وتعويض المضاف إليه منها، وقرئ: "عدّة"، بكسر العين بغير إضافة، و"عدّه" بإضافة.
فإن قلت: كيف موقع حرف الاستدراك؟ قلت: لما كان قوله (وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ) معطيًا معنى نفى خروجهم واستعدادهم للغزو، قيل: (وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ)،
_________________
(١) ـ قوله: (عده، بمعنى: عُدته)، قال ابن جني: "سُمع محمد بن عبد الملك يقرأ بها، وطريقه: أن يُراد: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدته، أي: تأهبوا له، إلا أنه حذف تاء التأنيث، وجعل هاء الضمير كالعوض منها". قوله: (وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا): أوله: إن الخليط أجدوا البين فانجردوا "الخليط": كالنديم والمنادم، و"الانجراد": المُضي في الأمر.
[ ٧ / ٢٥٩ ]
كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم، كما تقول: ما أحسن إلىّ زيد، ولكن أساء إلىّ (فَثَبَّطَهُمْ): فكسلهم وخذلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث.
(وَقِيلَ اقْعُدُوا) جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمرًا بالقعود، وقيل: هو قول الشيطان بالوسوسة، وقيل: هو قولهم لأنفسهم، وقيل: هو إذن رسول الله ﷺ لهم في القعود.
فإن قلت: كيف جاز أن يوقع الله تعالى في نفوسهم كراهة الخروج إلى الغزو، وهي قبيحة، وتعالى الله عن إلهام القبيح؟ قلت: خروجهم كان مفسدة؛ لقوله: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا)، فكان إيقاع كراهة ذلك الخروج في نفوسهم حسنًا ومصلحة.
_________________
(١) قوله: (كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم): جعل فعل العبد أصلًا في الاعتبار، وذلك أن "لكن" تقتضي مغايرة ما قبلها لما بعدها، وفي التنزيل: أحد المتغايرين من جانب العبد، والآخر من جانب الرب، والمصنف اعتبر المتغايرين من جانب العبد. وأما تقريره على رأينا: لو أراد الله خروجهم لعلهم مريدين للخروج، فيستعدون عدته، ولكن أراد تثبيطهم. وهذا التقدير أولى، لأنه قوله: (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)، إنما أُردف ليؤكد هذا المعنى، ويُوجب تأويل المستدرك، وإنما أسند عدم إرادة الخروج إليهم، الكراهة إلى الله تعالى، لأن المقام التوبيخي يقتضي النعي عليهم، ونحن إن قلنا بخلق الأفعال فلا نقول بنفي الاستطاعة الكسب، والذي يدل على التوبيخ قوله: (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)، أي: اقعدوا مع المرضى والزمنى والنساء، وجيء بلفظ ما لم يسم فاعله؛ طردًا لهم وبُعدًا عن مظان الزلفى.
[ ٧ / ٢٦٠ ]
فإن قلت: فلم خطأ رسول الله ﷺ في الإذن لهم فيما هو مصلحة؟ قلت: لأنّ إذن رسول الله ﷺ لهم لم يكن للنظر في هذه المصلحة، ولا علمها إلا بعد القفول بإعلام الله تعالى، ولكن لأنهم استأذنوه في ذلك واعتذروا إليه، فكان عليه أن يتفحص عن كنه معاذيرهم، ولا يتجوّز في قبولها، فمن ثم أتاه العتاب، ويجوز أن يكون في ترك رسول الله ﷺ الإذن لهم مع تثبيط الله إياهم مصلحة أخرى، فبإذنه لهم فقدت تلك المصلحة، وذلك أنهم إذا ثبطهم الله فلم ينبعثوا، وكان قعودهم بغير إذن من رسول الله ﷺ، قامت عليهم الحجة ولم تبق لهم معذرة. ولقد تدارك الله ذلك حيث هتك أستارهم، وكشف أسرارهم، وشهد عليهم بالنفاق، وأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.
فإن قلت: ما معنى قوله (مَعَ الْقاعِدِينَ)؟ قلت: هو ذمّ لهم، وتعجيز، وإلحاق بالنساء والصبيان والزمني الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت، وهم القاعدون والخالفون والخوالف، ويبينه قوله تعالى (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ) [التوبة: ٨٧ - ٩٣].
_________________
(١) وأما بيان التمثيل في (وَقِيلَ اقْعُدُوا): فإنه تعالى جعل خلق داعية القعود فيهم بمنزلة الأمر والقول الطالب للفعل، ونحوه قوله تعالى: (فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا) [البقرة: ٢٤٣]، أي: أماتهم، وقوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]، وهو المراد من قوله: "جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمرًا بالقعود". قوله: (فلم خطيء): جاء بالفاء منكرًا، أي: إذا جاز إسناد كراهة الخروج إلى الله تعالى، فلم لا يجوز الإذن من الرسول ﷺ؟ أجاب: أنه ﷺ ما أذن لهم بالقعود لتلك الحكمة، وهي أن خروجهم كان مفسدة، ولذلك أُنكر عليه، ومن ثم فسر (لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) بقوله: "هلا استأنيت بالإذن حتى يتبين لك من صدق في عُذره ممن كذب فيه".
[ ٧ / ٢٦١ ]
(إِلَّا خَبالًا) ليس من الاستثناء المنقطع في شيء، كما يقولون، لأن الاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: ما زادوكم خيرًا إلا خبالا، والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعم العام الذي هو "الشيء"، فكان استثناء متصلا، لأنّ الخبال بعض أعمّ العام، كأن قيل: ما زادوكم شيئًا إلا خبالا، والخبال: الفساد والشرّ.
(وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ) ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين، يقال: وضع البعير وضعًا: إذا أسرع وأوضعته أنا. والمعنى: ولأوضعوا ركائبهم بينكم، والمراد الإسراع بالنمائم، لأنّ الراكب أسرع من الماشي.
وقرأ ابن الزبير ﵁: (ولأرقصوا)، من رقصت الناقة رقصًا: إذا أسرعت، وأرقصتها، قال:
وَالرَّاقِصَات إلَى مِنْى فَالغَبْغَبِ
_________________
(١) قوله: (ولأوضعوا ركائبهم بينكم، والمراد: الإسراع بالنمائم): يعني: أنه من الاستعارة التبعية، شبه سرعة إفسادهم لذات البين بالنمائم بسرعة سير الركائب، ثم استعير لها الإيضاع، وهو للبعير، وأصل الاستعارة: ولأوضعوا ركائب نمائمهم خلالكم، ثم حذف النمائم، وأقيم المضاف إليه مقامها، ما قال: "ولأوضعوا ركائبهم"، لدلالة سياق الكلام على أن المراد النميمة، ثم حذف الركائب. قوله: (والراقصات إلى منى فالغبغب): أوله: يا عام لو قدرت عليك رماحُنا
[ ٧ / ٢٦٢ ]
وقرئ: "ولأوفضوا".
فإن قلت: كيف خطّ في المصحف: "ولا أوضعوا"، بزيادة ألف؟ قلت: كانت الفتحة تكتب ألفًا قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريبًا من نزول القرآن، وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفًا، وفتحتها ألفًا أخرى، ونحوه: (أو لا أذبحنه) [النمل: ٢١].
(يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ): يحاولون أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم، ويفسدوا نياتكم في مغزاكم، (وَفِيكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ) أي: نمامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم، أو فيكم قوم يسمعون للمنافقين ويطيعونهم.
(لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ) أي: العنت ونصب الغوائل والسعي في تشتيت شملك،
_________________
(١) "الغبغب": المنحر بمنى، وهو جُبيل. قوله: (ولأوفضوا): الوفض: العجلة، وأوفض واستوفض: استعجل. قوله: (كانت الفتحة تكتب ألفًا) إلى آخره: كلام الزجاج. قوله: (في مغزاكم): أي: مقصدكم، الأساس: "أغزى الأمير الجيش، ومن المجاز: غزوت بقولي كذا، أي: قصدته، وما أغزو إلا السداد فيما أقول". قوله: (العنت): هو الوقوع في أمر شاق. قوله: (الغوائل)، النهاية: "الغائلة": صفة لخصلة مهلة"، وجمعها: غوائل.
[ ٧ / ٢٦٣ ]
وتفريق أصحابك عنك، كما فعل عبد الله بن أبىّ يوم أحد حين انصرف بمن معه، وعن ابن جريج: وقفوا لرسول الله ﷺ على الثنية ليلة العقبة، وهم اثنا عشر رجلا ليفتكوا به.
(مِنْ قَبْلُ) من قبل غزوة تبوك، و(قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ): ودبروا لك الحيل والمكايد، ودوّروا الآراء في إبطال أمرك. وقرئ: "وقلبوا" بالتخفيف، (حَتَّى جاءَ الْحَقُّ) وهو تأييدك ونصرك، (وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ): وغلب دينه، وعلا شرعه.
[(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) ٤٩].
(ائْذَنْ لِي) في القعود، (وَلا تَفْتِنِّي): ولا توقعني في الفتنة - وهي الإثم-؛ بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت. وقيل: ولا تلقني في الهلكة، فإني إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي، وقيل: قال الجدّ بن قيس: قد علمت الأنصار أنى مستهتر بالنساء، فلا تفتني ببنات الأصفر، يعنى نساء الروم، ولكنى أعينك بمال فاتركني، وقرئ: "ولا تفتني"، من أفتنه.
(أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) أي: إنّ الفتنة هي التي سقطوا فيها، وهي فتنة التخلف، وفي مصحف أبىّ: "سقط"، لأنّ "من" موحد اللفظ مجموع المعنى (لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) يعنى: أنها تحيط بهم يوم القيامة، أو هي محيطة بهم الآن، لأنّ أسباب الإحاطة معهم، فكأنهم في وسطها.
_________________
(١) ـ قوله: (مستهتر بالنساء)، الجوهري: "مستهتر بالشراب، أي: مولع به، ولا يبالي ما قيل فيه". قوله: (أي: إن الفتنة هي التي سقطوا فيها): التخصيص يفيده معنى تقديم الظرف على عامله، والتحقيق من تصدير الجملة بأداة التنبيه، فنها تدل على تحقق ما بعدها.
[ ٧ / ٢٦٤ ]
[(إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ) ٥٠].
(إِنْ تُصِبْكَ) في بعض الغزوات (حَسَنَة): ٌ ظفر وغنيمة (تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ): نكبة وشدّة في بعضها، نحو ما جرى في يوم أحد، يفرحوا بحالهم في الانحراف عنك، و(يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا) أي: أمرنا الذي نحن متسمون به، من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم، (مِنْ قَبْلُ): من قبل ما وقع، وتولوا عن مقام التحدّث بذلك والاجتماع له، إلى أهاليهم، (وَهُمْ فَرِحُونَ): مسرورون، وقيل: تولوا: أعرضوا عن رسول الله ﷺ.
[(قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) ٥١].
قرأ ابن مسعود: "قل هل يصيبنا"، وقرأ طلحة: "هل يصيبنا"، بتشديد الياء،
_________________
(١) قوله: (أي: أمرنا الذي نحن متسمون به): يعني: المراد بالأمر: الشأن، أي: شأننا وعادتنا الحزم والتيقظ في الأمور، وقد أخذنا شأننا، نحوه قوله تعالى: (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) [النساء: ١٠٢]. قوله: (وقرأ طلحة: "قل هل يصيبنا" بتشديد الياء): قال ابن جني: "ظاهر أمر عين "أصاب يصيب" أنها واو، ولذل قالوا في جمع "مصيبة": "مصاوب" بالواو، وهي القوية الفاشية، فأما "مصائب" - بالهمز- فغلط من العرب، كهمزهم: رثأت زوجي وحلأت السويق.
[ ٧ / ٢٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأنا أرى أن تكون "مصائب" جمع "مُصاب"، لأن الألف - وإن كان بدلًا من العين هنا - تشبه بألف "رسالة"، التي يُقال في تكسيرها: "رسائل"، وذلك أن الألف لا تكون أصلًا في الأسماء المتمكنة، ولا في الأفعال، وإنما تكون زائدة أو بدلًا، وليست كذلك الواو والياء، لأنهما قد تكونان أصلين في القبيلين جميعًا، كما قد تكونان بدلين وزائدتين، فألف "مصاب" و"مصابة" أشبه بالزائدة من ياء "مصيبة" وواو "مصوبة"، فافهم ذلك، فإن أحدًا لم يذكره. وبعدُ، فقد مر بنا تركيب (ص ي ب) في هذا المعنى، فإنهم قالوا: أصاب السهم الهدف يصيبه، كباعه يبيعه، ومنه قول الكميت: أسهمي الصائبات والصيب ومن هذا الأصل قراءة طلحة: "يصيبنا" بالياء؛ "يُفعلنا" منه، فـ"يصيب" على هذا كـ "يسير" و"يبيع". وقد يجوز أيضًا أن يكون "يصيبنا" من لفظ (ص وب)، إلا أنه بناه على: فيعل يُفيعل، وأصله: يصوبنا، فاجتمعت الواو والياء، وسُبقت الياء بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت، فصارت: يصيبنا".
[ ٧ / ٢٦٦ ]
ووجهه أن يكون "يفيعل" لا: "يفعل" لأنه من بنات الواو، كقولهم: الصواب، وصاب السهم يصوب، ومصاوب؛ في جمع "مصيبة"، فحق "يفعل" منه "يصوّب"، ألا ترى إلى قولهم: صوّب رأيه؟ إلا أن يكون من لغة من يقول: صاب السهم يصيب، ومن قوله:
أسهمي الصائبات والصيب
واللام في قوله: (إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا) مفيدة معنى الاختصاص، كأنه قيل: لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله به، بإثباته وإيجابه من النصرة عليكم أو الشهادة، ألا ترى إلى قوله: (هُوَ مَوْلانا) أي: الذي يتولانا ونتولاه، (ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم) [محمد: ١١] (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ): وحق المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله، فليفعلوا ما هو حقهم.
_________________
(١) والوجه أن "فَعَلَ" في الكلام أكثر من "فيعل"، والمصنف اختار الأول. قوله: (ألا ترى إلى قوله: (هُوَ مَوْلانَا)؟): يعني: (هُوَ مَوْلانَا) يبين أن معنى اللام في (كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) الاختصاص، وتخصيص قولنا: (لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) بالنصرة والشهادة دون الخذلان والشقاوة الأبدية، كما هو مصير حالكم؛ لأنا مؤمنون وأن (اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد: ١١]. قوله: (وحق المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله ﷾): يعني: قدم صلة (فَلْيَتَوَكَّلْ) عليه ليُفيد التخصيص، ووضع المؤمنين على إرادة الجنس موضع ضمير المتكلم؛ ليؤذن بأن شأن المؤمن اختصاص التوكل بالله، وجيء بالفاء الجزائية ليشعر بالترتب، أي: إذا كان لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله تعالى به من النصرة أو الشهادة، وأنه يتولى أمرنا، فلنفعل ما هو حقنا من اختصاصه بالتوكل، وإليه الإشارة بقوله: "فليفعلوا ما هو حقهم"، كأنه قوبل قول المنافقين: (قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا)، "أي: أخذنا أمرنا الذي نحن متسمون به من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم" بهذه الفاصلة، والمعنى: دأب المؤمنين أن لا يتوكلوا على حزمهم وتيقظ أنفسهم كما هو دأب المنافقين ذلك، بل أن يتوكلوا على الله وحده، ويفوضوا أمورهم إليه.
[ ٧ / ٢٦٧ ]
[(قلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) ٥٢]
(إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ): إلا إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما هي حسني العواقب، وهما النصرة والشهادة، (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ) إحدى السوأتين من العواقب، إمّا (أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ) وهو قارعة من السماء، كما نزلت على عاد وثمود، (أَوْ) بعذاب (بِأَيْدِينا) وهو القتل على الكفر، (فَتَرَبَّصُوا) بنا ما ذكرنا من عواقبنا، (إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) ما هو عاقبتكم، فلا بدّ أن يلقى كلنا ما يتربصه لا يتجاوزه.
[(قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ) ٥٣]
(أَنْفِقُوا) يعنى: في سبيل الله ووجوه البر، (طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) نصب على الحال، أي: طائعين أو مكرهين، فإن قلت: كيف أمرهم بالإنفاق، ثم قال: (لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ)؟ قلت: هو أمر في معنى الخبر، كقوله (قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا) [مريم: ٧٥] ومعناه: لن يتقبل منكم أنفقتم طوعًا أو كرهًا
_________________
(١) قوله: (إحدى السوأتين): قيل: القياس: السوأيين، فإن السوأى نقيض الحسنى، فالمناسب في مقابلة الحسنيين: هو السوأيين، نحو: حبليين، في تثنية: حبلى. قوله: (ما ذكرنا من عواقبنا): أي: النصرة والشهادة، و"ما هو عاقبتكم"، أي: القارعة أو القتل. قوله: (وهو أمر في معنى الخبر) كأنه قيل: "لن يُتقبل منكم أنفقتم طوعًا أو كرهًا"، ففعل بالأمر ما فعل بالاستهام في قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: ٦]، أي مستو عليهم إنذارك أو عدم إنذارك. قوله: «فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) [مريم: ٧٥]: قال: "أي: مد له الرحمن مدًا وأمهله،
[ ٧ / ٢٦٨ ]
ونحوه قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [التوبة: ٨٠]، وقوله الشاعر:
أسِيئِى بِنَا أوْ أحْسِنِى لَا مَلُومَةً
أي: لن يغفر الله لهم، استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، ولا نلومك أسأت إلينا أم أحسنت.
فإن قلت: متى يجوز نحو هذا؟ قلت: إذا دلّ الكلام عليه، كما جاز عكسه في قولك: رحم الله زيدًا وغفر له. فإن قلت: لم فعل ذلك؟ قلت: لنكتة فيه،
_________________
(١) على لفظ الأمر؛ إيذانًا بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة". قوله: (أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة): تمامه: لدينا ولا مقلية إن تقلت تقل: أي: تُبغض. قال الزجاج: "معنى الآية معنى الشرط والجزاء، أي: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين لن يتقبل منكم، ومعنى البيت: أنه أعلمها أنها إن أساءت أو إن أحسنت فهو على عهدها".
[ ٧ / ٢٦٩ ]
وهي أنّ كثيرا كأنه يقول لعزة: امتحنى لطف محلك عندي وقوّة محبتي لك، وعاملينى بالإساءة والإحسان، وانظري: هل تتفاوت حالي معك، مسيئة كنت أو محسنة؟ وفي معناه قول القائل:
أخُوكَ الَّذِي إنْ قُمْتَ بِالسَّيْفِ عَامِدا … لِتَضْرِبَهُ لَمْ يَسْتَفِثَّكَ فِي الْوَدِّ
وكذلك المعنى: أنفقوا وانظروا: هل يتقبل منكم؟ واستغفر لهم أو لا تستغفر لهم وانظر: هل ترى اختلافا بين حال الاستغفار وتركه؟
فإن قلت: ما الغرض في نفى التقبل؟ أهو ترك رسول الله ﷺ تقبله منهم، وردّه عليهم ما يبذلون منه؟ أم هو كونه غير مقبول عند الله تعالى ذاهبًا هباء لا ثواب له؟ قلت: يحتمل الأمرين جميعًا.
وقوله: (طَوْعًا أَوْ كَرْهًا): معناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله، أو ملزمين، وسمى الإلزام إكراها، لأنهم منافقون، فكان إلزامهم الإنفاق شاقا عليهم كالإكراه، أو: طائعين من غير إكراه من رؤسائكم،
_________________
(١) قوله: (وهي أن كثيرًا كأنه يقول): وخلاصته: أن النكتة هي توخي إظهار نفي أن تتفاوت الحال في أمر ثابت يزاول المخاطب خلافه. قوله: (أخوك الذي) البيت: يقول: أخوك هو الذي إن أسأت إليه أحسن إليك، حتى لو قمت تضربه بالسيف لا يغشك في المودة. قوله: (يحتمل الأمرين جميعًا): قال القاضي: "نفيُ التقبل يحتمل أمرين: أن لا يؤخذ منهم، وأن لا يثابوا عليه"، يعني: يؤخذ منهم ولكن يصير هباء منثورًا. قوله: (معناه: طائعين من غير إلزام): يريد أن قوله: (طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) يحتمل أن يكونا من جهة الله أو من جهة الرؤساء؛ فعلى الأول: معنى (طَوْعًا) طائعين من غير إلزام
[ ٧ / ٢٧٠ ]
لأنّ رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون على الإنفاق؛ لما يرون من المصلحة فيه، أو مكرهين من جهتهم. وروى: أنها نزلت في الجدّ بن قيس حين تخلف عن غزوة تبوك، وقال لرسول الله ﷺ: هذا مالي أعينك به فاتركني.
(إِنَّكُمْ) تعليل لردّ إنفاقهم، والمراد "بالفسق": التمرّد والعتو.
[(وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَاتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ) ٥٤].
(أَنَّهُمْ) فاعل "منع"، وهم، و(أن تقبل): مفعولاه. وقرئ: (أن تقبل)
_________________
(١) ـ من الله، ومعنى (كَرْهًا) مُلزمين، وإنما سُمي الإلزام كُرهًا لأنهم ليسوا كالمؤمنين في أن ينفقوا عن طوع ورغبة ونشاط قلب، بل هم كالمكرهين فيه. وعلى الثاني: معنى (طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) على حقيقتهما، ولهذا قال: "أو طائعين من غير إكراه"، وقال: "أو مُكرهين من جهتهم". قوله: «أنَّهُمْ) فاعل "منع"، و"هم" و(أَنْ تُقْبَلَ): مفعولاه)، الأساس: "منعه الشيء ومنعه [منه] وعنه"، والزجاج أخذ بالثاني حيث قال: "موضع (أن) الأولى نصب، والثانية رفع، أي: ما منعهم من قبول نفقاتهم إلا كفرهم، والنفقات في معنى الإنفاق". وقال أبو البقاء: " (أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ) في موضع نصب بدلًا من المفعول في (مَنَعَهُمْ)، ويجوز أن يكون فاعل "منع": الله، و(أَنَّهُمْ كَفَرُوا) مفعول له"، وفيه بحث. ومعنى قول الزجاج والمصنف واحد، وهو أنهم قصدوا في الإنفاق أن يكون مقبولًا، وما منعهم شيء من الأشياء عما قصدوه إلا الكفر. قوله: (قرئ: (أَنْ تُقْبَلَ): بالياء: حمزة والكسائي، والباقون: بالتاء الفوقانية.
[ ٧ / ٢٧١ ]
بالتاء والياء على البناء للمفعول، و(نفقاتهم)، و"نفقتهم"، على الجمع والتوحيد، وقرأ السلمي: "أن يقبل منهم نفقاتهم"، على أن الفعل لله ﷿ (كُسالى) بالضم والفتح، جمع كسلان، نحو: سكارى وغيارى، في جمع سكران وغيران، وكسلهم لأنهم لا يرجون بصلاتهم ثوابا، ولا يخشون بتركها عقابا فهي ثقيلة عليهم كقوله تعالى (وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) [البقرة: ٤٥].
وقرأت في بعض الأخبار: "أنّ رسول الله ﷺ كره للمؤمن أن يقول: كسلت"، كأنه ذهب إلى هذه الآية، فإنّ الكسل من صفات المنافقين، فما ينبغي أن يسنده المؤمن إلى نفسه.
فإن قلت: الكراهية خلاف الطواعية، وقد جعلهم الله تعالى طائعين في قوله: (طَوْعًا)، ثم وصفهم بأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون! قلت: المراد بطوعهم: أنهم يبذلونه من غير إلزام من رسول الله ﷺ أو من رؤسائهم، وما طوعهم ذاك إلا عن كراهية واضطرار، لا عن رغبة واختيار.
[(فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ) ٥٥].
الإعجاب بالشيء: أن يسرّ به سرور راض به متعجب من حسنه،
_________________
(١) قوله: (وقد جعلهم الله طائعين في قوله: (طَوْعًا»: وجه السؤال: أنه تعالى أثبت لهم طوعًا، ثم نفاه عنهم على سبيل المبالغة في قوله: (وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ)، والجواب: أن المراد بالطوع البذل من غير إلزام، كأنه قيل: أنفقوا غير ملزمين أو مُلزمين. قوله: (الإعجاب بالشيء أن يُسر به سرور راضٍ به)، الراغب: "التعجب: حالة تعرض
[ ٧ / ٢٧٢ ]
والمعنى: فلا تستحسن ولا تفتنن بما أوتوا من زينة الدنيا، كقوله تعالى (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ الي ما متعنا به) [طه: ١٣١]، فإن الله إنما أعطاهم ما أعطاهم للعذاب، بأن عرّضه للتغنم والسبي، وبلاهم فيه بالآفات والمصائب، وكلفهم الإنفاق منه في أبواب الخير، وهم كارهون له على رغم أنوفهم، وأذاقهم أنواع الكلف والمجاشم في جمعه واكتسابه وفي تربية أولادهم.
_________________
(١) للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، ولهذا قالوا: العجب: ما لا يُعرف سببه، ومن ثم لا يصح على الله التعجب؛ إذ هو علام الغيوب، ويقال للشيء الذي يتعجب منه: عجب، ويقال لما لم يعهد مثله: عجب، قال تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا) [يونس: ٢]، ويُستعار تارة للمونق، فيقال: أعجبني كذا، أي: راقني، قال تعالى: (وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ) [التوبة: ٨٥]، ويقال لمن تروقه نفسه: فلانٌ معجب بنفسه". قوله: (عرضه للتغنم والسبي): أي: جعل أموالهم عرضة لغنيمتكم، وأولادهم عرضة لسبيكم. قوله: (والمجاشم)، الأساس: "جشمت الأمر وتجشمته: تكلفته على مشقة. وألقى عليه جشمه، أي: كلفته وثقله، ويرى بضم الجيم … قال المرقش: الم تر أن المرء يجذم كفه … ويجشم من أجل الصديق المجاشما"
[ ٧ / ٢٧٣ ]
فإن قلت: إن صح تعليق التعذيب بإرادة الله تعالى، فما بال زهوق أنفسهم و(َهُمْ كافرون)؟ قلت: المراد الاستدراج بالنعم، كقوله تعالى: (إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا) [آل عمران: ١٧٨]، كأنه قيل: ويريد أن يديم عليهم نعمته إلى أن يموتوا وهم كافرون، ملتهون بالتمتع عن النظر للعاقبة.
[(وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ) ٥٦ - ٥٧].
(لَمِنْكُمْ): لمن جملة المسلمين، (يَفْرَقُونَ): يخافون القتل وما يفعل بالمشركين، فيتظاهرون بالإسلام تقية.
(مَلْجَأً): مكانًا يلتجئون إليه متحصنين به من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة، (أَوْ مَغاراتٍ): أو غيرانا، وقرئ بضم الميم، من أغار الرجل وغار إذا دخل الغور. وقيل: هو تعدية: غار الشيء وأغرته أنا، يعنى: أمكنة يغيرون فيها أنفسهم. ويجوز أن يكون من: أغار الثعلب: إذا أسرع، بمعنى مهارب ومفارّ.
_________________
(١) ـ قوله: (إن صح): أي: إن صح تعليق التعذيب بإرادة الله، فكيف يصح إرادة موتهم على الكفر؟ السؤال مبني على مذهبه أن كفر الكافر لا يجوز أن يكون مسببًا عن إرادة الله. وحاصل الجواب: أن المراد بتعليق الكفر بإرادة الله: إبلاء الله إياهم ما به يشتغلون عن النظر في العاقبة استدراجًا، فيؤديهم ذلك إلى الكفر. وهذا لا يُجديه شيئًا؛ لأن سبب السبب سبب في الحقيقة. قوله: (أو قلعة): سُميت الحصون بالقلعة - وهي السحابة العظيمة - لارتفاعها وانقطاعها عن الجبال: نحوه في "الأساس".
[ ٧ / ٢٧٤ ]
(أَوْ مُدَّخَلًا): أو نفقا يندسون فيه وينحجرون، وهو "مفتعل" من الدخول، وقرئ: "مدخلا"؛ من: دخل، و"مدخلا" من أدخل: مكانا يدخلون فيه أنفسهم، وقرأ أبى بن كعب: "متدخلا" وقرئ: "لو ألوا إليه": لالتجوؤا إليه، (يَجْمَحُونَ): يسرعون إسراعا لا يردّهم شيء، من الفرس الجموح، وهو الذي إذا حمل لم يردّه اللجام، وقرأ أنس: "يجمزون"، فسئل فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدّون: واحد".
[(وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ) ٥٨]
_________________
(١) قوله: (يندسون)، الأساس: "كل شيء أخفيته تحت شيء، فقد دسسته". قوله: (لو ألوا إليه: لالتجؤوا): الموئل: الملجأ، وقد وأل إليه يئل. قوله: (وقرأ أنس: يجمزون): قال ابن جني: "قال الأعمش: سمعت أنسًا يقرأ: (لولوا إليه وهم يجمزون)، قيل: إنما هي (يَجْمَحُونَ)، فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد. ظاهر هذا أن السلف كانوا يقرؤون الحرف مكان نظيره، من غير أن تتقدم القراءة بذلك، وهو موضع يجد الطاعن به مجالًا، ويقول: ليست هذه الحروف كلها عن النبي ﷺ،
[ ٧ / ٢٧٥ ]
(يَلْمِزُكَ): يعيبك في قسمة الصدقات ويطعن عليك، قيل: هم المؤلفة قلوبهم، وقيل: هو ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج،
_________________
(١) ـ إذ لو كانت عنه ﷺ لما ساغ إبدال لفظ، إذ لم يثبت التخيير عنه في ذلك، ولما أنكر عليه أيضًا "يجمزون"، إلا أن حُسن الظن بأنس يدعو إلى اعتقاد تقدم القراءة بهذه الأحرف الثلاثة، أي: يجمحون ويجمزون ويشتدون، وقال ﷺ: "أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف". فعلى هذا: معنى قول أنس: أنها كلها مروية. قوله: (هو ذو الخويصرة)، وفي نسخة: "هو ابن ذي الخويصرة": اسمه حرقوص. روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ، هو يقسم قسمًا، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله ﷺ: "ويلك! من يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل"، فقال عمر ﵁: ائذن لي فيه أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: "دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون
[ ٧ / ٢٧٦ ]
كان رسول الله ﷺ يقسم غنائم حنين، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال صلوات الله عليه وسلامه "ويلك إن لم أعدل فمن يعدل؟ "، وقيل: هو أبو الجواظ، من المنافقين، قال: ألا ترون إلى صاحبكم، إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم، وهو يزعم أنه يعدل!، فقال رسول الله ﷺ: "لا أبالك، أما كان موسى راعيًا؟ أما كان داود راعيًا؟ ! "، فلما ذهب قال ﵊ "احذروا هذا وأصحابه، فإنهم منافقون".
وقرئ: "يلمزك" بالضم، و"يلمزك"، و"يلامزك"؛ التثقيل والبناء على "المفاعلة" مبالغة في اللمز.
_________________
(١) القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يُوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يُوجد فيه شيء، وهو القدح، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة"- وفي رواية: "إحدى يديه مثل البضعة تدردر"- "يخرجون على حين فرقة من الناس". قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ، وأشهد أن عليًا ﵁ قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتمس فوجد، فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت، فنزلت فيهم: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ). قوله: (هو أبو الجواظ)، النهاية: "الجواظ: الجموع المنوع، وقيل: كثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين".
[ ٧ / ٢٧٧ ]
ثم وصفهم بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم، لا للدين وما فيه صلاح أهله، لأن رسول الله ﷺ استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم، فضج المنافقون منه، (وإذا) للمفاجأة، أي: وإن لم يعطوا منها فاجؤوا السخط.
_________________
(١) قوله: (ثم وصفهم بأن رضاهم): يريد أنه تعالى لما ذكر أن بعضًا من المنافقين عاب رسول الله ﷺ في قسمة الصدقات، بين بعد ذلك بقوله: (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ): أن النبي ﷺ كان يقسمها للدين وصلاح أهله، لا للأغراض النفسانية، وهؤلاء لما كانت أغراضهم نفسانية، ورضاهم وسخطهم لمجرد الإعطاء والمنع، منعهم إياها، فطعنوا فيه وعابوه. وينطبق على هذا قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) الآية [التوبة: ٦٠]، فإنه تعالى صدر الجملة بأداة الحصر المستدعية لإثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، يعني: أن الذي ينبغي أن تُقسم الصدقات عليه هو الموصوف بإحدى الصفات المذكورة دون غيره، لأن سبب الاستحقاق صلاح الدين وصلاح أهله، لا الفساد، وأن المنافقين لا يستحقونها، لأنه ليس منهم سوى الفساد، ويؤيد هذا الترتيب قول المصنف: "دل بكون هذه الأوصاف مصارف الصدقات، على أنهم ليسوا منهم، حسمًا لأطماعهم في جواب قوله: "كيف وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين". قوله: (و(إذَا) للمفاجأة): قال أبو البقاء: " (إذَا) هاهنا ظرف مكان، وجُعلت في جواب الشرط كالفاء، لما فيها من المفاجأة، ما بعدها ابتداء وخبر، والعامل فيها (يَسْخَطُونَ) ".
[ ٧ / ٢٧٨ ]
[(وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ) ٥٩].
جواب "لو" محذوف، تقديره: لو أنهم رضوا لكان خيرًا لهم، والمعنى: ولو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة، وطابت به نفوسهم وإن قلّ نصيبهم وقالوا: كفانا فضل الله وصنعه، وحسبنا ما قسم لنا سيرزقنا الله غنيمة أخرى، فيؤتينا رسول الله ﷺ أكثر مما آتانا اليوم، (إِنَّا إِلَى اللَّهِ) في أن يغنمنا ويخولنا فضله لراغبون.
[(إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ٦٠].
(إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ) قصر لجنس الصدقات على الأصناف المعدودة، وأنها مختصة بها، لا تتجاوزها إلى غيرها، كأنه قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم. ونحوه قولك: إنما الخلافة لقريش، تريد: لا تتعداهم ولا تكون لغيرهم، فيحتمل أن تصرف إلى الأصناف كلها، وأن تصرف إلى بعضها، وعليه مذهب أبى حنيفة ﵀.
_________________
(١) قوله: (فيحتمل أن تُصرف إلى الأصناف - ويُروى: إلى الأوصاف- كلها، وأن تُصرف إلى بعضها): الفاء سببية، أي: يلزم من معنى التركيب هذان الاحتمالان، وذلك أن (إِنَّمَا) وُضعت لقصر ما يليها في الجزء الأخير من الكلام، وهاهنا المذكور أولًا جنس الصدقات، لأن الجمع المحلى يفيد العموم، وأجزاء الأصناف الثمانية تدل على أن جميع الصدقات لا تتجاوز المذكورين إلى غيرهم البتة. وأما وجوب صرف بعضها إلى الأصناف كلها فليس فيها ذلك، ولذلك احتمل الأمرين، وينصره ما قال الإمام: "الآية لا دلالة فيها على قول الشافعي ﵁ في أنه لابد من
[ ٧ / ٢٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) صرفها إلى الأصناف، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الوصاف، فأما أن صدقة زيد بعينها يوجب توزيعها على الأصناف كلها فلا؛ كما أن قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) الآية [الأنفال: ٤١]، توجب تقسيم الخمس على الطوائف من غير توزيع بالاتفاق، يعني: لم يقل أحد أن كل شيء يغنم بعينه يجب تفريق ذلك الشيء على الطوائف كلها، وأيضًا أن الحكم الثابت في مجموع لا يوجب ثبوته في كل جزء من أجزاء". وقال صاحب "الانتصاف": "القول بوجوب صرفها إلى جميعهم أخذًا من لام التمليك وواو التشريك لا تساعد عليه الآية، لأنها مصدرة بـ (إنَّمَا) الدالة على أن غيرهم لايستحق فيها نصيبًا". وقال صاحب "الإنصاف": الآية إن لم تدل من جهة (إنَّمَا)، فقد دلت من جهة اللام والواو، وإنما تفيد حصر الأول في الثاني، ولا تمنع من حصر الثاني في الأول لدليل خارج. قال محيي السنة في "معالم التنزيل": "واختلف الفقهاء في كيفية قسم الصدقات: فذهب جماعة إلى أنه لا يجوز صرف كلها إلى بعضهم مع وجود سائر الأصناف، وهو قول عكرمة، وبه قال الشافعي ﵄، وقال: يجب أن تُقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجودين من الأصناف قسمة على السواء، ثم حصة كل صنف لا يجوز أن تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم إن وُجد. وذهب جماعة إلى أنه لو صُرف الكل إلى صنفٍ واحدٍ من هذه الأصناف، أو إلى شخص
[ ٧ / ٢٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) واحد منهم جاز، وإنما سمي الله تعالى هذه الأصناف الثمانية إعلامًا منه أن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف، لا إيجابًا لقسمتها بينهم جميعًا، وهو قول عمر وابن عباس ﵃، وبه قال سعيد بن جبير وعطاء، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي. وقال أحمد: يجوز أن يضعها في صنف واحد، وتفريقها أولى. وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويُقدم الأولى فالأولى، فإن رأى الحاجة في الفقراء في عام أكثر قدمهم، وإن رآه في عام في صنف آخر حولها إليهم. وكل من دفع إليه صدقته لا يزيد على قدر الاستحقاق". وقال القاضي: "قول الأئمة الثلاثة جواز الصرف إلى صنف واحد، واختاره بعض أصحابنا، وبه كان يفتي شيخي ووالدي، على أن الآية بيان أن الصدقة لا تخرج منهم، لا إيجاب قسمتها عليهم". وقلت: ويمكن أن يُقال: إن قول مالك أوفق لتأليف النظم، على ما سبق أن الصرف معلل بمصالح الدين وإصلاح أهله، وأن البعض أولى من البعض، ولإفادة التغيير في عبارة الآية أيضًا، كما أشار إليه المصنف بقوله: "إنما عدل عن اللام إلى "في" في الأربعة الأخيرة؛ ليؤذن بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره"، وذلك لمكان الكناية. ويُعلم من أقوال الأئمة على ظاهر الآية: أن القاسم إذا كان الإمام يجب الصرف إلى الكل، وإذا كان المالك فلا، وأن الصرف إلى الأصناف والتسوية في القسم وعدمها منوطة بالمصالح.
[ ٧ / ٢٨١ ]
وعن حذيفة وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين أنهم قالوا: في أي صنف منها وضعتها أجزأك، وعن سعيد بن جبير: لو نظرت إلي أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين، فجبرتهم بها كان أحب إلى.
وعند الشافعي ﵀: لا بد من صرفها إلي الأصناف، وعن عكرمة: أنها تفرّق في الأصناف الثمانية، وعن الزهري: أنه كتب لعمر ابن عبد العزيز تفريق الصدقات على الأصناف الثمانية.
(وَالْعامِلِينَ عَلَيْها): السعاة الذين يقبضونها، (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ): أشراف من العرب، كان رسول الله ﷺ يستألفهم على أن يسلموا، فيرضخ لهم شيئًا منها، حين كان في المسلمين قلة، و(الرقاب): المكاتبون، يعانون منها، وقيل: الأسارى، وقيل: تبتاع الرقاب فتعتق.
_________________
(١) وأما استدلال الإمام بقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) [الأنفال: ٤١]: فمؤيد بما رويناه في "صحيح البخاري" عن أنس: "لما كان يوم هوازن" فانهزم المشركون، فأصاب يومئذ غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئًا"، الحديث. والله أعلم. قوله: (فيرضخ لهم): الرضخ: العطاء القليل. قوله: (و(الرِّقَابِ): المكاتبون): قال محيي السنة: "هذا قول أكثر الفقهاء، وبه قال سعيد بن جبير والنخعي والزهري والليث بن سعد والشافعي ﵃. وقال جماعة: تُشترى بسهم الرقاب عبيد فيعتقون، وهو قول الحسن، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق".
[ ٧ / ٢٨٢ ]
(وَالْغارِمِينَ): الذين ركبتهم الديون، ولا يملكون بعدها ما يبلغ النصاب، وقيل: الذين تحملوا الحمالات، فتداينوا فيها، وغرموا، (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ): فقراء الغزاة والحجيج المنقطع بهم، (وَابْنِ السَّبِيلِ): المسافر المنقطع عن ماله، فهو فقير حيث هو، غنىّ حيث ماله.
(فَرِيضَةً) في معنى المصدر المؤكد، لأنّ قوله: (إنما الصدقات للفقراء): معناه: فرض الله الصدقات لهم، وقرئ: "فريضة" بالرفع؛ على: تلك فريضة.
فإن قلت: لم عدل عن اللام إلى "في" في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره، لأنّ "في" للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، ويجعلوا مظنة لها ومصبًا،
_________________
(١) ـ قوله: (الحمالات)، النهاية: "الحمالة- بالفتح-: ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة، مثل أن تقع حرب بين فريقين تسفك فيه الدماء، يدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى ليصلح ذات البين، والتحمل أن يتحملها عنهم على نفسه". قوله: (المنقطع بهم): أي: عطبت دابته أو نفد زاده، فانقطع به السفر دون وطنه، فهو منقطع به، ويُقال: حاج بمنقطع - بالكسر-، والباء للتعدية؛ لأن الانقطاع لازم، فإذا حذف الجار قيل: المنقطع، كما قال بعيد هذا: "الفقير أو المنقطع". قوله: (فهو فقير): مبتدأ وخبر، و"حيثُ" ظرف الفقير مضاف إلى ما بعده، أي: حيث هو حاصل فيه، وكذلك قوله: "هو غني حيث ماله"، أي: حيث ماله حاصل فيه.
[ ٧ / ٢٨٣ ]
وذلك لما في فك الرقاب من الكتابة أو الرق أو الأسر، وفي فك الغارمين من الغرم؛ من التخليص والإنقاذ، ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة، وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال.
وتكرير (في) في قوله: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) فيه فضل ترجيح لهذين على (الرقاب والغارمين).
فإن قلت: فكيف وقعت هذه الآية في تضاعف ذكر المنافقين ومكايدهم؟ قلت: دل بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم، على أنهم ليسوا منهم، حسما لأطماعهم، وإشعارًا باستيجابهم الحرمان،
_________________
(١) . قوله: (لما في فك الرقاب من الكتابة) إلى آخره: "مِن": في قوله: "من الكتابة": صلة "فك"، وفي "مِنَ التخليص": بيان "ما" في "لِمَا" و"في فك الغارمين" عطف على "في فك الرقاب". المعنى: ذلا لرسوخ في الاستحقاق مستقر لجل ما في فك الرقاب والغارمين من الإنقاذ والتخليص. و"لجمع الغازي" عطف على "لما في فك الرقاب". قال صاحب "الانتصاف": "إنما عدل من اللام إلى "في" في الأربعة الأخيرة؛ لأن الأربعة الأول ملاك لما عسى أن يُدفع إليهم، والأربعة الأخيرة لا يملكون ما يُدفع إليهم، إنما يُصرف إليهم في مصالح تتعلق بهم، لأن التعدية بـ "في" مقدرة بالصرف، فمال الرقاب يملكه السادة، والمكاتبون لا يحصل في أيديهم شيء، والغارمون يُصرف نصيبهم لأرباب الديون، وكذلك في سبيل الله، وابن السبيل مُندرج في سبيل الله، وأفرد بالذكر تنبيهًا على خصوصيته، وهو مرد عن الحرفين جميعًا، أي: اللام و"في"، وعطفه على اللام ممكن، و"في" أقرب".
[ ٧ / ٢٨٤ ]
وأنهم بعداء عنها وعن مصارفها، فما لهم وما لها؟ وما سلطهم على التكلم فيها، ولمز قاسمها، صلوات الله عليه وسلامه!
[(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ٦١]
الأذن: الرجل الذي يصدق كل ما يسمع، ويقبل قول كل أحد، سمى بالجارحة التي هي آلة السماع، كأنّ جملته أذنٌ سامعة، ونظيره قولهم للربيئة: عين، وإيذاؤهم له: هو قولهم فيه (هُوَ أُذُنٌ).
(وأذن خير): كقولك: رجل صدق، تريد الجودة والصلاح. كأنه قيل: نعم، هو أذن سامعة، ولكن نعم الأذن. ويجوز أن يريد: هو أذن في الخير والحق
_________________
(١) ـ قوله: (فما لهم وما لها!): قيل: هما جملتان، أي: فما لهم ولها، وما لها ولهم؟ . قوله: (وما سلطهم على التكلم فيها): أي: أي شيء جسرهم على أن يتكلموا فيها؟ قوله: (و(أُذُنُ خَيْرٍ): قولك: رجل صدق): أي: أنه من إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة، فهو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أذُن، والجملة جواب عن قولهم: (هُوَ أُذُنٌ)، وقوله: (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) تفسير وبيان لقوله: (أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ). قوله: (ويجوز أن يُريد: هو أذن في الخير) عطف على قوله: "كقول: رجل صدق"، قال القاضي: "قوله: (هُوَ أُذُنٌ): أي: يسمع كل ما يُقال له، سُمي بالجارحة للمبالغة، كأنه من فرط استماعه صار أذنا"، أو اشتق له فعل من: أذن أذنًا: إذا استمع، كأنف، وأنشد الجوهري لقعنب: صُم إذا سمعوا خيرًا ذُكرت به … وإن ذُكرت بشر عندهم أذنوا
[ ٧ / ٢٨٥ ]
وفيما يجب سماعه وقبوله، وليس بأذن في غير ذلك، ودلّ عليه قراءة حمزة: (وَرَحْمَةٌ) بالجرّ عطفًا عليه، أي: هو أذن خير ورحمة لا يسمع غيرهما ولا يقبله.
ثم فسر كونه أذن خير؛ بأنه يصدق بالله، لما قام عنده من الأدلة ويقبل من المؤمنين الخلص من المهاجرين والأنصار، وهو رحمة لمن آمن منكم - أي: أظهر الإيمان - أيها المنافقون؛ حيث يسمع منكم، ويقبل إيمانكم الظاهر، ولا يكشف أسراركم، ولا يفضحكم، ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين،
_________________
(١) الراغب: "الأذن: الجارحة، ويُستعار لمن كثر استماعه وقبوله ما يسمع، قال الله تعالى: (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ)، أي: استماعه لما يعود بخيركم. وأذن: استمع، نحو قوله: (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق: ٢]، ويُستعمل ذلك في العلم المتوصل إليه بالسماع، نحو قوله: (فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة: ٢٧٩]، والإذن والأذان لما يُسمع، ويعبر بذلك عن العلم، إذ هو مبدأ كثير من العلم، والإذن في الشيء: إعلام بإجازته والرخصة فيه". قوله: (ودل عليه قراءة حمزة: "ورحمة" بالجر): لأنه حينئذ معطوف على (خَيْرٍ)، ولا يحسن أن تكون (رحمة) صفة (أُذُنٌ) على نحو: رجل صدق وحاتم الجود، حُسنه إذا قيل: أذن في الخير وأذن في الرحمة، لا يسمع غيرهما ولا يقبله.
[ ٧ / ٢٨٦ ]
مراعاة لما رأى الله من المصلحة في الإبقاء عليكم، فهو أذن كما قلتم، إلا أنه أذن خير لكم، لا أذن سوء، فسلم لهم قولهم فيه، لا أنه فسر بما هو مدح له وثناء عليه، وإن كانوا قصدوا به المذمّة والتقصير بفطنته وشهامته، وأنه من أهل سلامة القلوب والغرّة. وقيل: إنّ جماعة منهم ذمّوه صلوات الله عليه وسلامه وبلغه ذلك،
_________________
(١) قوله: (في الإبقاء عليكم)، الجوهري: "أبقيت على فُلان: إذا أرعيت عليه ورحمته". قوله: (فسلم لهم قولهم فيه، إلا أنه فُسر بما هو مدح له وثناء عليه): يعني أنه من باب القول بالموجب، قال صاحب "الانتصاف": "ولا شيء أبلغ في الرد من هذا الأسلوب، لأن فيه إطماعًا في الموافقة، وكذا على إجابتهم بالإبطال، هو كالقول بالموجب في استعمال الفقهاء". وقلت: مثاله قولهم: الخيل يسابق عليها، فتجب الزكاة فيها كالإبل، فيُقال: مسلم في زكاة التجارة، أي: نحن نقول بموجبه في مال التجارة، والخلاف في زكاة العين. قوله: (بفطنته): صلة "التقصير"، وقوله: "وأنه من أهل سلامة القلوب": عطف على "المذمة"، المعنى: أنهم قصدوا بقولهم: (هُوَ أُذُنٌ) قلة فطنته وشهامته، وقصدوا به أنه ﷺ سليم القلب غر غير مُجرب الأمور. قوله: (وشهامته): شهم الرجل - بالضم- شهامة فهو شهم، النهاية: "كان شهمًا، أي: نافذًا في الأمور ماضيًا، والشهم: الذكي الفؤاد". قوله: (وقيل: إن جماعة منهم ذموه) عطف على قوله: "الأذن: الرجل الذي يصدق كل ما سمع ويقبل"، والفرق: أن على الأول المقول المتأذي منه لفظ (هُوَ أُذُنٌ)، لقوله: "وإيذاؤهم له هو قولهم فيه: هُوَ أُذُنٌ"، (وَيَقُولُونَ) في التنزيل عطف تفسير لقوله: (يُؤْذُونَ النَّبِيَّ).
[ ٧ / ٢٨٧ ]
فاشتغلت قلوبهم فقال بعضهم: لا عليكم، فإنما هو أذن سامعة قد سمع كلام المبلغ فأذن، ونحن نأتيه فنعتذر إليه، فيسمع عذرنا أيضًا، فيرضى، فقيل: هو أذن خير لكم.
وقرئ: "أذن خير لكم"؛ على أن "أذن" خبر مبتدأ محذوف، و"خير" كذلك، أي: هو أذن هو خير لكم، يعنى: إن كان كما تقولون فهو خير لكم، لأنه يقبل معاذيركم، ولا يكافئكم على سوء دخلتكم. وقرأ نافع بتخفيف الذال.
فإن قلت: لم عدّى فعل الإيمان بالباء إلى الله، وإلى المؤمنين باللام؟ قلت: لأنه قصد التصديق بالله الذي هو نقيض الكفر به، فعدّي بالباء،
_________________
(١) ـ وعلى الثاني: المقول المتأذي منه غير مذكور، و(يُؤْذُونَ) معبر عنه، (وَيَقُولُونَ) عطف عليه، لقوله: "ذموه وبلغة ذلك" إلى قوله: "لا عليكم، فإنما هو أذن سامعة". قال الزجاج: "من المنافقين من كان يعيب رسول الله ﷺ، ويقول: إن بلغه عني حلفت له وقبل مني، لأنه أذن يسمع العذر، فأعلم الله تعالى أنه أذن خير، أي: مستمع خير لكم، ثم بين ممن يقبل، فقال: (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا)، أي: هو أذن خير لكم، لا أذن شر؛ يسمع ما أنزله الله عليه، فيصدق به، ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه به، ورحمة للمؤمنين منكم"، ويعلم منه: أنه لا يقبل منهم، ولا يسمع عذرهم ولا يرحمهم، لأنهم ليسوا بمؤمنين. قوله: (وقرئ: "أذن خير لمك"): قال أبو البقاء: " (خيرٌ) على هذا صفة "أذن"، أي: أذن ذو خير، ويجوز أن يكون "خير" بمعنى "أفعل"، أي: أذن أكثر خيرًا لكم". قوله: (سوء دخلتكم)، الأساس: "إنه لخبيث الدخلة وعفيف الدخلة، وهو باطن أمره، وأنا عالم بدخلة أمرك". الجوهري: "داخلة الرجل: باطن أمره، وكذلك الدخلة بالضم".
[ ٧ / ٢٨٨ ]
وقصد السماع من المؤمنين، وأن يسلم لهم ما يقولونه، ويصدّقه، لكونهم صادقين عنده، فعدّى باللام، ألا ترى إلى قوله: (وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) [يوسف: ١٧] ما أنبأه عن الباء. ونحوه: (فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ) [يونس: ٨٣]، (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) (الشعراء: ١١١)، (قال آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ) [طه: ٧١].
فإن قلت: ما وجه قراءة ابن أبى عبلة: "ورحمة" بالنصب؟ قلت: هي علة معللها محذوف تقديره: "ورحمة لكم يأذن لكم"، فحذف لأنّ قوله: (أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ) يدل عليه.
_________________
(١) ـ قوله: (وأن يسلم لهم ما يقولونه): أي: (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) مضمن معنى التسليم، فالأحسن أن يُضمن (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) معنى الوثوق والاعتراف، فيكون المعنى: هو أذن خير يسمع آيات الله ودلائله، فيعترف بصدقها ويشق بها، ويستمع إلى المسلمين، فيسلم لهم ما يقولون، ويصدقهم. وفيه تعريض بأن المنافقين أذن شر يسمعون آيات الله، ولا يثقون بها، فيعرضون عنها، ويسمعون قول المسلمين فلا يسلمون لهم قولهم، ولا يقبلون نصيحتهم. أو أن رسول الله ﷺ لا يقبل قول المنافقين، ولا يسمع إلى خداعهم، وهذا أوجه في الرد، أي: يقبل قول المسلمين ولا يقبل قول المنافقين. قوله: (ما أنباه): أي: ما أشده نبوا عن استعمال الباء، أي: ألا ترى إلى قوله: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا) [يوسف: ١٧] كيف كان بعيدًا عن استعمال الباء، لأن قوله: (بِمُؤْمِنٍ لَنَا): بمصدق لنا، لقوله بعده: (وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) [يوسف: ١٧].
[ ٧ / ٢٨٩ ]
[(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ) ٦٢].
(لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ) الخطاب للمسلمين، وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن، أو يتخلفون عن الجهاد، ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم، ويؤكدون معاذيرهم بالحلف، ليعذروهم ويرضوا عنهم، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين كما تزعمون فأحق من أرضيتم: الله ورسوله بالطاعة والوفاق.
وإنما وحد الضمير؛ لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله ﷺ، فكانا في حكم مرضىّ واحد، كقولك: إحسان زيد وإجماله نعشنى وجبر منى. أو: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك.
_________________
(١) ـ قوله: (الخطاب للمسلمين، وكان المنافقون) إلى آخره: بيان لكيفية الخطاب معهم. قوله: (وإنما وحد الضمير): جواب عن سؤال مقدر، وتقريره أن يُقال: لما كان (أَحَقُّ) خبرًا عنهما، بمعنى: الله ورسوله أحق من غيرهما بالرضا، فكان الظاهر أن يثنى الضمير، ويقال: أن يرضوهما؟ فأجاب بقوله: "وإنما إلى آخره. قوله: (فانا في حكم مرضي واحد): قال أبو البقاء: "فعلى هذا (أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) خبر عن الاسمين، لأن الرسول ﷺ قائم مقام الله، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: ١٠] ". قوله: (نعشني): أي: قواني ورفعني. قوله: (أو: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك): قال أبو البقاء: " (وَاللَّهُ) مبتدأ و(أَحَقُّ) خبره، و(رَسُولَهُ) مبتدأ ثان وخبره محذوف، دل عليه الأول، وقال سيبويه: (أَحَقُّ) خبر "الرسول"، وخبر الأول محذوف، وهو أقوى؛ إذ لا يلزم منه التفريق بين
[ ٧ / ٢٩٠ ]
[(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ) ٦٣].
المحادّة: مفاعلة من الحدّ، كالمشاقة من الشقّ، (فَأَنَّ لَهُ) على حذف الخبر، أى: فحق أن له (نارَ جَهَنَّمَ)، وقيل: معناه: فله، و"أنّ": تكرير،
_________________
(١) المبتدأ وخبره، وفيه أيضًا أنه خبر الأقرب إليه، قال الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما … عندك راضٍ والرأي مختلف" قوله: (مفاعلة من الحد): قال الزجاج: "معناه: من يجانب الله ورسوله، أي: من يكون في حد، والله ورسوله في حد". الراغب: "الحد: الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، يُقال: حددت كذا: جعلت له حدًا يميز، وحد الدار: ما تتميز به عن غيرها، وحد الشيء: الوصف المحيط بمعناه المميز له عن غره، قال تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) [الطلاق: ١]، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [المجادلة: ٥ و٢٠]، أي: يمانعون، فذلك إما باعتبار الممانعة وإما باستعمال الحديد". قوله: (وقيل: معناه: فله، و"أن" تكرير): أي: كرر "أنَّ" للتوكيد، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ إذ يلزم الفصل بين المؤكد والمؤكد بجملة الشرط، وإيقاع أجنبي بين فاء الجزاء وما في حيزه، ويشكل أيضًا نصب (نَارَ جَهَنَّمَ).
[ ٧ / ٢٩١ ]
لأن في قوله: (أَنَّهُ) تأكيدًا، ويجوز أن يكون (فَأَنَّ لَهُ) معطوفا على (أنه)، على أن جواب (مَنْ) محذوف، تقديره: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فأن له نار جهنم. وقرئ: "ألم تعلموا" بالتاء.
[(يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ) ٦٤]
كانوا يستهزئون بالإسلام وأهله وكانوا يحذرون أن يفضحهم الله بالوحي فيهم، حتى قال بعضهم: والله لا أرانا إلا شر خلق الله، لوددت أنى قدمت فجلدت مئة جلدة، وأن لا ينزل فينا شيء يفضحنا.
والضمير في (عليهم) و(تنبئهم للمؤمنين)، وفي (قلوبهم): للمنافقين، وصحّ ذلك؛ لأن المعنى يقود إليه، ويجوز أن تكون الضمائر للمنافقين،
_________________
(١) قلت: قد سبق مرارًا أن مثل هذا التأكيد مقحم بن الكلام، فلا يكون أجنبيًا، قال أبو البقاء: "إنما كررت توكيدًا، كقوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ)، ثم قال: (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [النحل: ١١٩]، والفاء جواب الشرط". ومثله قول الحماسي: وإن امرأ دامت مواثيق عهده … على مثل هذا إنه لكريم وأما نصب "النار" فليس بمشكل؛ لأنها ليست بزائدة حتى لا تعمل، وفيه بحث. قوله: (ويجوز أن يكون (فأنَ له) معطوفًا على (أنَّه» أي: ألم يعلموا هذا وهذا عقيبه أيضًا.
[ ٧ / ٢٩٢ ]
لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم، ومعنى (تنبئهم بما في قلوبهم):، كأنها تقول لهم: في قلوبكم كيت وكيت، يعنى: أنها تذيع أسرارهم عليهم حتى يسمعوها مذاعة منتشرة، فكأنها تخبرهم بها.
وقيل: معنى (يحذر): الأمر بالحذر، أى ليحذر المنافقون.
فإن قلت: الحذر واقع على إنزال السورة في قوله: (يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ)، فما معنى قوله (إن الله مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ)؟ قلت: معناه: محصل مبرز إنزال السورة. أو أنّ الله مظهر ما كنتم تحذرونه، أي تحذرون إظهاره من نفاقكم.
_________________
(١) قوله: (كأنها تقول لهم: في قلوبكم كيت وكيت): هذا على أن تقع الاستعارة في الضمير المرفوع في (تُنَبِّئُهُمْ) على المكنية. قوله: (الحذر واقع على إنزال السورة): هذا إذا كان (يَحْذَرُ) على الإخبار، لأنه فعلٌ مضارع محكي عن شأنهم وعادته، ومن ثم قال: "وكانوا يحذرون أن يفضحهم الله"، وحاصل السؤال: أن الطباق هو أن يُقال: والله منزل ما يحذرونه، فكيف وضع موضعه (مُخْرجٌ)؟ وحاصل الجواب: أن الزيادة للمبالغة. قوله: (مُحصل مبرز إنزال السورة): فالمحذر منه - على هذا- إنزال السورة، والمراد بقوله: (اسْتَهْزِئُوا): هو ما في قلوبهم من النفاق، لأن المنافق مستهزئ، كما سبق في البقرة في قوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ) [البقرة: ٩]: أنه تفسير لقوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: ٨]. قوله: (أو أن الله مظهر ما كنتم تحذرونه): فالمحذر منه إظهار النفاق، لأن قوله: "من نفاقم" بيان "ما كنتم تحذرونه"، أي: يكشف نفاقكم كشفًا تامًا، وهو ما قال في القصة
[ ٧ / ٢٩٣ ]
[(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ) ٦٥ - ٦٦].
بينا رسول الله ﷺ يسير في غزوة تبوك، وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل، يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه، هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه ﵇ على ذلك فقال: "احبسوا علىّ الركب"، فأتاهم، فقال: "قلتم كذا وكذا"، فقالوا: يا نبي الله، لا والله ما كنا في شيء من أمرك، ولا من أمر أصحابك، ولكن كنا في شيء مما يخوض الركب فيه؛ ليقصر بعضنا على بعض السفر.
(أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ) لم يعبأ باعتذارهم؛ لأنهم كانوا كاذبين فيه، فجعلوا كأنهم معترفون باستهزائهم، وبأنه موجود منهم، حتى وبخوا بأخطائهم موقع الاستهزاء،
_________________
(١) ـ الآتية: "فقال لهم: قلتم كذا وكذا، والدال على الكشف التام معنى قوله: (إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ)، أي: لابد أن يخرجه إخراجًا لا مزيد عليه، ما ظنكم بمخرج هو الله تعالى؟ ! قوله: (لم يعبأ باعتذارهم)، الجوهري: "ما عبأت بفلان عبأ، أي: ما باليتُ به"، واعتذارهم: هو قولهم: (إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)، نُزِّلَ هذا الاعتذار منزلة اعترافهم بالاستهزاء لكونهم كاذبين فيه، كأنهم قالوا: نحن مستهزؤون، وهو المراد من قوله: "فجعلوا كأنهم معترفون باستهزائهم"، ولهذا قُدم المعمول على العامل. قوله: (حتى وبخوا بأخطائهم موقع الاستهزاء): أي: ليس مكان الاستهزاء الحاصل
[ ٧ / ٢٩٤ ]
حيث جعل المستهزأ به يلي حرف التقرير، وذلك إنما يستقيم بعد وقوع الاستهزاء وثبوته.
(لا تَعْتَذِرُوا): لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة، فإنها لا تنفعكم بعد ظهور سركم، (قَدْ كَفَرْتُمْ): قد أظهرتم كفركم باستهزائكم (بَعْدَ إِيمانِكُمْ): بعد إظهاركم الإيمان، "إِنْ يعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ" بإحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق، "نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ" مصرين على النفاق غير تائبين منه، أو: "إن يعف عن طائفة منكم" لم يؤذوا رسول الله ﷺ، ولم يستهزءوا فلم نعذبهم في العاجل، تعذب في الآجل طائفة بأنهم كانوا مجرمين مؤذين لرسول الله ﷺ مستهزئين.
وقرأ مجاهد: "إن تعف عن طائفة" على البناء للمفعول مع التأنيث، والوجه التذكير، لأن المسند إليه الظرف، كما تقول: سير بالدابة،
_________________
(١) هذه المذكورات، لأن همزة التقرير، على سبيل التوبيخ، المصدرة على الجار والمجرور، المقدم على عامله: مؤذنة بأن الاستهزاء واقع لا محالة، لكن الخطأ في المستهزأ به، يعني: مكان الاستهزاء غير المذكورات، فأخطأتم حيث جعلتموها مكانه، قال صاحب "المفتاح": "لا يجوز بعدما عرفت أن التقديم يستدعي العلم بحال نفس الفعل وقوعًا: أزيدًا ضربت، سائلًا عن حال وقوع الضرب، وذلك أن تقديم المفعول يستدعي حصول الفعل، كما عرفت في باب التقديم، وأن السؤال عن وقوع الضرب يستدعي عدم حصوله". هذا معنى قول المصنف: "وذلك إنما يستقيم بعد وقوع الاستهزاء وثبوته". قوله: (والوجه التذكير؛ لأن المسند إليه الظرف) إلى آخره: حكاية كلام ابن جني.
[ ٧ / ٢٩٥ ]
ولا تقول: سيرت بالدابة، ولكنه ذهب إلى المعنى، كأنه قيل: إن ترحم طائفة، فأنث لذلك، وهو غريب، والجيد قراءة العامّة: "إن يعف عن طائفة"، بالتذكير، و"تعذب طائفة"، بالتأنيث. وقرئ: "إن يعف عن طائفة يعذب طائفة"، على البناء للفاعل، وهو الله ﷿.
[(الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ) ٦٧ - ٦٨].
(بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) أريد به نفى أن يكونوا من المؤمنين، وتكذيبهم في قولهم: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) [التوبة: ٥٦]، وتقرير قوله: (وَما هُمْ مِنْكُمْ) [التوبة: ٥٦]، ثم وصفهم بما يدل على مضادّة حالهم لحال المؤمنين: (يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ): بالكفر والمعاصي، (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ): عن الإيمان والطاعات، (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) شحا بالمبارّ والصدفات والإنفاق في سبيل الله.
_________________
(١) ـ قوله: (وتكذيبهم في قولهم: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) [التوبة: ٥٦]، وتقرير قوله: (وَمَا هُمْ مِنْكُمْ) [التوبة: ٥٦]): بيان لاتصال هذه الآية بما قبلها، وذلك أنه ﷾ لما عد فضائح المنافين وحكى قبائحهم - من قوله: (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ) [التوبة: ٤٢]، وقوله: (إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) [التوبة: ٤٥]، وقوله: (ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي) [التوبة: ٤٩]، وقوله: (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) [التوبة: ٥٠]، وقوله: (قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) [التوبة: ٥٣]، وقوله: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) [التوبة: ٥٦]، وقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ) [التوبة: ٥٨]، وقوله: (وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ) [التوبة: ٦١]، وقوله: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ) [التوبة: ٦٤]، خص من بين المذكورات ما هو أقبحها وأشنعها من الكذب المحض والزور البحت - وهو
[ ٧ / ٢٩٦ ]
(نَسُوا اللَّهَ): أغفلوا ذكره، (فَنَسِيَهُمْ) فتركهم من رحمته وفضله، (هُمُ الْفاسِقُونَ): هم الكاملون في الفسق الذي هو التمرُّد في الكفر،
_________________
(١) ـ قوله: (إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) - بالرد بقوله: (وَمَا هُمْ مِنْكُمْ) [التوبة: ٥٦]، لأنه على منوال قوله: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: ٨]، وأكد الرد بقوله: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، وعلله بقوله: (يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ). وفي تعليله بهذا الوصف، وتعليل قوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ) [التوبة: ٧١]: اعتناء عظيم واهتمام شديد بشأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي العود إلى تقرير الرد بعد الطول الدلالة على أن الكذب مناف للإيمان الذي هو التصديق، وهذا أقبح القبائح. قوله: «الْفَاسِقُونَ) هم الكاملون في الفسق): يريد أن اللام في (الْفَاسِقُونَ) للجنس، فدل على كمال هذا المعنى فيهم، نظيره قوله تعالى: (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: ٥]، والكافر إذا وُصف بالفسق دل على المبالغة، ومن ثم قال: "هو التمرد في الكفر والانسلاخ عن كل خير"، ثم في وصف المنافقين بالفسق دل على المبالغة، ومن ثم قال: "هو التمرد في الكفر الانسلاخ عن كل خير"، ثم في وصف المنافقين بالفسق - والنفاق أوغل منه في الكفر - تعريض بالمؤمنين، وردع لهم عن الاتصاف بما يشاركون من تبوأ مقعده في الدرك الأسفل من النار، وإليه الإشارة بقوله: "وكفى المسلم زاجرًا أن يُلم بما يكسبه هذا الاسم" وهو من باب قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) [فصلت: ٦ - ٧].
[ ٧ / ٢٩٧ ]
والانسلاخ عن كل خير، وكفى المسلم زاجرًا أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف الله به المنافقين حين بالغ في ذمهم، وإذا كره رسول الله ﷺ للمسلم أن يقول: كسلت؛ لأن المنافقين وصفوا بالكسل في قوله: (كُسالى) [النساء: ١٤٢]، فما ظنك بالفسق!
(خالِدِينَ فِيها): مقدّرين الخلود، (هِيَ حَسْبُهُمْ) دلالة على عظم عذابها، وأنه لا شيء أبلغ منه، وأنه بحيث لا يزاد عليه، نعوذ بالله من سخطه وعذابه، و(َلَعَنَهُمُ اللَّهُ): وأهانهم مع التعذيب، وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملاعين، كما عظم أهل الجنة، وألحقهم بالملائكة المكرمين، (وَلَهُمْ عَذابٌ): ولهم نوع من العذاب سوى الصلي بالنار،
_________________
(١) . قوله: (وكفى المسلم زاجرًا أن يلم بما يُكسبه هذا الاسم): "كفى": يتعدى إلى مفعولين. الجوهري: "كفاه مؤونته، وكفاك الشيء"، قال الله تعالى: (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) [الأحزاب: ٢٥]. الأساس: "ما فعل ذلك وما ألم وما كاد، وهذه ناقة قد ألمت للكبر، وألم بالأمر: لم يتعمق فيه، وألم بالطعام: لم يُسرف في أكله". قيل: يجوز أن يكون فاعل "كفى": "أن يُلم بما يكسبه"، و"زاجرًا" تمييز مقدم على الفاعل، ونحوه قوله تعالى: (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) [الصف: ٣]، أي: كفى المسلم إلمامه بشيء يكسبه وصف المنافين زاجرًا. والأولى أن فاعل "كفى" قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)، و"زاجرًا" تمييز، و"أن يُلم" ثاني مفعولي "كفى"، ويجوز أن يُجعل "زاجرًا" حالًا من الفاعل، وأن يُجعل ثاني مفعولي "كفى" وأن يتعلق "أن يُلم" بـ "زاجرًا"، المعنى: كفى قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) المسلم زاجرًا أن يقرب إلى ما يكسبه اسم الفسق. قوله: (ولهم نوع من العذاب) إلى آخره: يريد أنه تعالى لما وعد المنافقين والكفار بأن
[ ٧ / ٢٩٨ ]
(مقيم): دائم كعذاب النار. ويجوز أن يريد: (ولهم عذاب مقيم) معهم في العاجل لا ينفكون عنه، وهو ما يقاسونه من تعب النفاق، والظاهر المخالف للباطن، خوفا من المسلمين، وما يحذرونه أبدا من الفضيحة ونزول العذاب إن اطلع على أسرارهم.
[(كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) ٦٩].
الكاف محلها رفع؛ على: أنتم مثل الذين من قبلكم، أو نصب؛ على: فعلتم مثل ما فعل الذين من قبلكم، وهو أنكم استمتعتم وخضتم كما استمتعوا وخاضوا، ونحوه قول النمر:
كَالْيَوْمِ مَطْلُوبًا وَلَا طَلبَا
بإضمار: "لم أر".
_________________
(١) ـ لهم نار جهنم خالدين، خص من الفريقين بالذكر المنافقين، وقدم الخبر على المبتدأ ونكره ووصفه بالمقيم؛ ليدل على أنهم اختصوا بعذاب لا يكتنه كنهه، ومع ذلك أنه مقيم خالد كالعذاب المذكور قبل. قوله: (كاليوم مطلوبًا ولا طلبا): أوله: حتى إذا الكلابُ قال لها
[ ٧ / ٢٩٩ ]
وقوله: (كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً) تفسير لتشبيههم بهم، وتمثيل فعلهم بفعلهم،
و"الخلاق": النصيب، وهو ما خلق للإنسان، أي: قدّر من خير، كما قيل له: "قسم"؛ لأنه قسم،
و"نصيب"، لأنه نصب، أي: أثبت، و"الخوض": الدخول في الباطل واللهو، (كَالَّذِي خاضُوا): كالفوج الذي خاضوا، وكالخوض الذي خاضوا
_________________
(١) يصف ثور وحش وكلابًا، أي: قال الكلاب لها، أي: لأجل الكلاب، يريد بالمطلوب: الثور، وبالطلب: الكلاب، وهو جمع طالب، كخدم وخادم، أي: الثور يجد في الفرار، والكلاب لا تجد في الطلب، الكاف في "كاليوم" في موضع الحال، وصاحبها المفعول به، وهو "مطلوبًا"، فصارت حالًا، ثم حذف المضاف إليه مع صفته الذي هو "أراه"، وأقيم الظرف مقامه، فصار الكلام ما ترى. قوله: (تفسير لتشبيههم بهم، وتمثيل فعلهم بفعلهم): يعني: قوله تعالى: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) تشبيه مبهم، لم يُعلم أنهم فيم شُبهوا بمن قبلهم؟ فبين بقوله: (كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً) إلى آخر الآية وجه الشبه، وهو القوة والمال، والتشبيه تمثيلي؛ لِمَا فيه من تشبيه حال المخاطبين بحالهم، وكان أصل الكلام: أنتم كالذين من قبلكم ذوي قوة وشدة وأصحاب أموال، أبطرتهم قوتهم وأموالهم حتى اشتغلوا بما أوتوا من حظوظ الدنيا وشهواتها، عن طلبا لفوز برضوان الله، فبطل ما كانوا فيه، وخسروا خسرانًا مبينًا. قوله: «كَالَّذِي خَاضُوا): الفوج الذين خاضوا): قدر "الفوج" ليطابق المشبه به، قال أبو البقاء: " (الذي) فيه وجهان: أحدهما: أنه جنس، أي: خوضًا كخوض الذين خاضوا، والثاني: أن "الذي" هاهنا مصدرية، أي كخوضهم، وهو نادر".
[ ٧ / ٣٠٠ ]
فإن قلت: أي فائدة في قوله: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) وقوله: (كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ) مغن عنه، كما أغنى قوله: (كَالَّذِي خاضُوا) عن أن يقال: وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا؟ قلت: فائدته أن يذم الأوّلين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا، ورضاهم بها، والتهائهم بشهواتهم الفانية، عن النظر في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، وأن يخسس أمر الاستمتاع ويهجن أمر الرضا به، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم، كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله، فتقول: أنت مثل فرعون، كان يقتل بغير جرم، ويعذب، ويعسف، وأنت تفعل مثل فعله.
وأما (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) فمعطوف على ما قبله، مستند إليه، مستغن باستناده إليه عن تلك التقدمة.
_________________
(١) قوله: (أي فائدة في قوله: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ): تلخيص السؤال: أن هاهنا تشبيهين؛ أحدهما يجري على ظاهره، وهو قوله: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا)، وثانيهما فيه إطناب، لأن أصله فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم، فأي فائدة في زيادة (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ)؟ وأجاب: أن هذه الزيادة كالتوطئة والتمهيد للتمثيل؛ لمزيد تقبيح الاستمتاع بشهوات الدنيا ولذاتها، وتوطين ذلك في قلب السامع إجمالًا وتفصيلًا، فيقدر مثله للتمثيل الثالث؛ لونه معطوفًا عليه، ويمكن أن يقال: التمثيل الثاني كالمفرع على الأول بشهادة الفاءين للإيذان بأن "حب الدنيا رأس كل خطيئة". قوله: (والتهائهم بشهواتهم)، الجوهري: "لهوت بالشيء ألهو لهوًا: إذا لعبت به، ولهيت عنه - بالكسر- ألهى لهيًا ولهيانًا: إذا سلوت عنه وتركت ذكره".
[ ٧ / ٣٠١ ]
(حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) نقيض قوله: (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [العنكبوت: ٢٧].
[(أَلَمْ يَاتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ٧٠].
(وَأَصْحابِ مَدْيَنَ): وأهل مدين، وهم قوم شعيب، (وَالْمُؤْتَفِكاتِ): مدائن قوم لوط، وقيل:
قريات قوم لوط وهود وصالح، وائتفاكهنّ: انقلاب أحوالهنّ عن الخير إلى الشر، (فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ): فما صحّ منه أن يظلمهم، وهو حكيم، لا يجوز عليه القبيح وأن يعاقبهم بغير جرم، ولكن ظلموا أنفسهم حيث كفروا به فاستحقوا عقابه.
_________________
(١) ـ قوله: (وائتفاكهن انقلاب أحوالهن عن الخير إلى الشر): الائتفاك في الأصل: "الانقلاب، وحقيقته: أن يُجعل الشيء عاليه سافله، ثم يُستعار لانقلاب الأحوال عن الخير على الشر، فإذا حُمل "المؤتفكات" على مدائن قوم لوط فالانقلاب على حقيقته، وإذا حُمل على العموم فالانقلاب مجاز، لأن كل القريات ما انقلبت عاليها سافلها. قوله: (فما صح منه أن يظلمهم، وهو حكيم لا يجوز عليه القبيح): مذهبه، قال القاضي: "معناه: لم يكن من عادته تعالى ما يُشابه ظُلم الناس، كالعقوبة بلا جُرم".
[ ٧ / ٣٠٢ ]
[(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ٧١ - ٧٢].
(بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) في مقابلة قوله في المنافقين: (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [التوبة: ٦٧].
(سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ) السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة، فهي تؤكد الوعد، كما تؤكد الوعيد في قولك: سأنتقم منك يومًا، تعنى: أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونحوه (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا) (مريم: ٩٦)، (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) [الضحى: ٥]، (سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ) [النساء: ١٥٢].
(عَزِيزٌ): غالب على كل شيء قادر عليه، فهو يقدر على الثواب والعقاب، (حَكِيمٌ): واضع كلا موضعه على حسب الاستحقاق.
_________________
(١) . قوله: «بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) في مقابلة قوله في المنافقين): فيكون "يقبضون أيديهم" [التوبة: ٦٧] المعبرُ عن البُخل في مقابلة (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)، و(نَسُوا اللَّهَ) [التوبة: ٦٧] في مقابلة (وَيُطِيعُونَ اللَّهَ)، والوعيد في مقابلة الوعد. قوله: (فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد): قال صاحب "التقريب": "وفيه نظر". والجواب: أن المقصود بالتأكيد أن السين في الإثبات مقابلة "لن" في النفي، فتكون بهذا الاعتبار تأكيدًا.
[ ٧ / ٣٠٣ ]
(وَمَساكِنَ طَيِّبَةً): عن الحسن: قصورًا من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد، و(عَدْنٍ) علم، بدليل قوله: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ) [مريم: ٦١]، ويدل عليه ما روى أبو الدرداء، عن رسول الله ﷺ "عدن: دار الله التي لم ترها عين، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيون، والصدّيقون، والشهداء، يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك"، وقيل: هي مدينة في الجنة، وقيل: نهر جناته على حافاته.
(وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ): وشيء من رضوان الله أكبر من ذلك كله، لأنّ رضاه هو سبب كل فوز وسعادة، ولأنهم ينالون برضاه عنهم تعظيمه وكرامته، والكرامة أكبر أصناف الثواب، ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم، وإنما تتهنأ له برضاه، كما إذا علم بسخطته تنغصت عليه، ولم يجد لها لذة وإن عظمت.
_________________
(١) ـ قوله: (بدليل قوله: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ) [مريم: ٦١]: أي: بدليل وصفها بالمعرفة. قوله: (وشيء من رضوان الله أكبر): قال صاحب "المفتاح": "قال: (وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ) دون أن يقول: ورضوان الله أكبر، قصدًا إلى إفادة: قدر يسير من رضوانه خير من ذلك كله". الراغب: "رضي يرضى رضًا فهو مرضى ومرضو، رضا العبد عن الله: أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد: هو أن يراه مؤتمرًا لأمره، ومنتهيًا عن نهيه. والرضوان: الرضا الكثير، ولما كان أعظم الرضا رضا الله خُص لفظ "الرضوان" في القرآن بما كان من الله تعالى". قوله: (تتهنأ له): الضمير الفاعل راجع إلى "النعم"، أي: إنما يمرى النعيم والتطيب للعبد بواسطة رضاه وعلمه أنه تعالى راض عنه.
[ ٧ / ٣٠٤ ]
وسمعت بعض أولى الهمة البعيدة، والنفس المرّة من مشايخنا، يقول: لا تطمح عيني، ولا تنازع نفسي إلى شيء مما وعد الله في دار الكرامة، كما تطمح وتنازع إلى رضاه عنى، وأن أحشر في زمرة المهديين المرضيين عنده.
(ذلِكَ) إشارة إلى ما وعد الله، أو إلى الرضوان، أي (هو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وحده دون ما يعدّه الناس فوزًا.
وروى: "أن الله ﷿ يقول لأهل الجنة: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أُحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا".
[(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ٧٣].
(جهِدِ الْكُفَّارَ) بالسيف، (وَالْمُنافِقِينَ) بالحجة، (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) في الجهادين جميعًا، ولا تحابهم، وكل من وقف منه على فساد في العقيدة: فهذا الحكم ثابت فيه،
_________________
(١) . قوله: (بعض أولي الهمة البعيدة): قيل: عني به عبد السيد الخطيبي أخا صاعد. قوله: (والنفس المرة)، الجوهري: "المرة: القوة وشدة العقل أيضا". قوله: (هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى)، الحديث: مخرج في "الصحيحين" عن أبي سعيد. "أُحل عليكم رضواني"، أي: أوجب. الجوهري: "حل العذاب يحل - بالكسر -: وجب، ويحل - بالضم-: نزل، وقرئ بهما قوله تعالى: (فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) [طه: ٨١] ". قوله: (وكل من وقف منه على فساد في العقيدة: فهذا الحكم ثابت فيه): اعتبر في قوله:
[ ٧ / ٣٠٥ ]
يجاهد بالحجة، وتستعمل معه الغلظة ما أمكن منها، عن ابن مسعود: إن لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فليكفهرّ في وجهه، فإن لم يستطع فبقلبه"، يريد الكراهة والبغضاء والتبرأ منه.
وقد حمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها.
[(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) ٧٤].
_________________
(١) ـ (جَاهِدِ) اشتراكا معنويًا، وحمله على المعاني المختلفة للقدر المشترك، وهو التغليب على المخالف لإظهار الحق، وفيما ورد عليه الأمر من الكفر والنفاق اعتبر معنى فساد العقيدة لكون العلة الباعثة على الجهاد مشتركة أيضًا. قوله: (فليكفر في وجهه)، الجوهري: "اكفهر الرجل: إذا عبس، ونمه قول ابن مسعود: "إذا لقيت الكافر فالقه بوجه مكفهر"، أي: لا تلقه بوجه منبسط". ويشبه كلام ابن مسعود: ما روينا عن مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي عن أبي سعيد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبهن وذلك أضعف الإيمان".
[ ٧ / ٣٠٦ ]
أقام رسول الله ﷺ في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمع من معه منهم، منهم الجلاس بن سويد، فقال الجلاس: إن كان ما يقول محمد حقًا لإخواننا الذين خلفناهم، وهم ساداتنا وأشرافنا، فنحن شر من الحمير، فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس: أجل، والله إنّ محمدًا صادق، وأنت شرّ من الحمار! وبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فاستحضر فحلف بالله ما قال، فرفع عامر يده، فقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الكاذب وتكذيب الصادق، فنزل: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا) فقال الجلاس: يا رسول الله، عرض الله علىّ التوبة، والله لقد قلته، وصدق عامر، فتاب الجلاس وحسنت توبته.
(وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام، (وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) وهو الفتك برسول الله ﷺ، وذلك عند مرجعه من تبوك، توافق خمسة عشر منهم على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي، إذا تسنم العقبة بالليل، فأخذ عمار بن ياسر بزمام راحلته يقودها، وحذيفة خلفها يسوقها، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلاح، فالتفت فإذا قوم متلثمون، فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله! فهربوا.
وقيل: همّ المنافقون بقتل عامر لردّه على الجلاس. وقيل: أرادوا أن يتوّجوا عبد الله بن أبىّ وإن لم يرض رسول الله ﷺ.
_________________
(١) قوله: (تصديق الكاذب وتكذيب الصادق): يُريد: أنزل تصديقي في حقيقة الأمر، وإن كنت كاذبًا عند الناس لحلف الجلاس، وأنزل تكذيبه في حقيقة الأمر، وإن كان صادقًا عند الناس لحلفه، فسمي نفسه الكاذب لظاهر حاله، وخصمه الصادق لذلك، تحريره: أنزل في شأن من كذب وهو مصدق، ومن صدق وهو مكذب.
[ ٧ / ٣٠٧ ]
(وَما نَقَمُوا): وما أنكروا وما عابوا، (إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ) وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله ﷺ المدينة في ضنك من العيش، لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فأثروا بالغنائم، وقتل للجلاس مولى، فأمر رسول الله ﷺ بديته اثنى عشر ألفًا فاستغنى.
(فَإِنْ يَتُوبُوا) هي الآية التي تاب عندها الجلاس، (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) بالقتل والنار.
[(وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ) ٧٥ - ٧٧].
روى: أنّ ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فقال عليه والسلام: "يا ثعلبة"، قليل تؤدّى شكره خير من كثير لا تطيقه". فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق، لئن رزقني الله مالا لأعطينّ كل ذى حق حقه، فدعا له، فاتخذ غنما، فنمت كما ينمى الدود، حتى ضاقت بها المدينة، فنزل واديا، وانقطع عن الجماعة والجمعة، فسأل عنه رسول الله ﷺ فقيل: كثر ماله حتى لا يسعه واد! فقال: "يا ويح ثعلبة! ".
_________________
(١) ـ قوله: (فأثروا بالغنائم): أي: صاروا أغنياء، الجوهري: ""أثرى الرجل: إذا كثر ماله". قوله: (اثني عشر ألفًا): قيل: يجوز أن تكون زيادة الألفين شنقًا، كانوا يعطون الدية ويتكرمون بزيادة عليها ويسمونها شنقًا. الجوهري: "الشنق: ما دون الدية، وذلك أن يسوق ذو الحمالة الدية كاملة، فإذا كانت معهاديات جراحات، فتلك تُسمى الأشناق، كأنها متعلقة بالدية العظمى". قوله: (يا ويح ثعلبة!): مختصر من قصته مذكور في "الاستيعاب". النهاية: "ويح:
[ ٧ / ٣٠٨ ]
فبعث رسول الله ﷺ مصدّقين لأخذ الصدقات، فاستقبلهما الناس بصدقاتهم، ومرّا بثعلبة فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ الذي فيه الفرائض، فقال: ما هذه إلا جزية! ما هذه إلا أخت الجزية! وقال: ارجعا حتى أرى رأيى، فلما رجعا قال لهما رسول الله ﷺ: "يا ويح ثعلبة! " مرّتين، فنزلت، فجاءه ثعلبة بالصدقة، فقال: إنّ الله منعني أن أقبل منك"، فجعل التراب على رأسه، فقال: "هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني".
فقبض رسول الله ﷺ، فجاء بها إلى أبى بكر ﵁ فلم يقبلها، وجاء إلى عمر ﵁ في خلافته فلم يقبلها، وهلك في زمان عثمان ﵁.
وقرئ: "لنصدقن ولنكونن" بالنون الخفيفة فيهما، (مِنَ الصَّالِحِينَ) قال ابن عباس ﵁: يريد الحج.
(فَأَعْقَبَهُمْ): عن الحسن وقتادة: أنّ الضمير للبخل، يعنى: فأورثهم البخل، (نِفاقًا) متمكنا (فِي قُلُوبِهِمْ) لأنه كان سببا فيه وداعيًا إليه، والظاهر أن الضمير لله ﷿، والمعنى: فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم نفاقهم، فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا بسبب إخلافهم ما وعدوا الله من التصدّق والصلاح،
_________________
(١) ـ كلمة ترحم وتوجع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وهي منصوبة على المصدر". قوله: (هذا عملك): أي منع الله إياي قبول صدقتك جزاء عملك. قوله: (يريد الحج): يعني: عطف (وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ) على (لَنَصَّدَّقَنَّ) - بعد قوله: (لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ) -: يُفيد الصلاح في المال، والصلاح في المال بعد الصدقة هو النفقة في الحج والغزو.
[ ٧ / ٣٠٩ ]
وكونهم كاذبين، ومنه: جعل خلف الوعد ثلث النفاق.
وقرئ: "يكذبون" بالتشديد، و"ألم تعلموا" بالتاء، عن علىّ ﵁.
[(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) ٧٨].
(سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ): ما أسرّوه من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه، وما يتناجون به فيما بينهم؛ من المطاعن في الدين، وتسمية الصدقة جزية، وتدبير منعها.
[(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ٧٩].
(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ) محله النصب أو الرفع على الذمّ، ويجوز أن يكون في محل الجرّ بدلا من الضمير في (سرهم ونجواهم) [التوبة: ٨٧]، وقرئ: "يلمزون"، بالضم (الْمُطَّوِّعِينَ): المتطوّعين المتبرعين.
_________________
(١) قوله: (ومنه جُعل خُلفُ الوعدِ ثلث النفاق): أي: من أجل أن خُلفَ الوعد سببٌ لإعقاب النفاق قبل: خُلفُ الوعد ثلث النفاق، لمح إلى قوله ﷺ: "آية المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر"، وفي رواية: "وإذا اؤتمن خان"، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة. ويمكن أن تستنبط الخلال كلها من الآية، فالعهد من قوله: (عَاهَدَ اللَّهَ)، والوعد من قوله: (وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ)، والكذب من قوله: (وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).
[ ٧ / ٣١٠ ]
روي: أنّ رسول الله ﷺ حثّ على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب، وقيل: بأربعة آلاف درهم، وقال: كان لي ثمانية آلاف، فأقرضت ربى أربعة، وأمسكت أربعة لعيالي، فقال له رسول الله ﷺ: "بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت"، فبارك الله له حتى صولحت تماضر امرأته عن ربع الثمن على ثمانين ألفًا، وتصدّق عاصم بن عدىّ بمئة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري ﵁ بصاع من تمر، فقال: بت ليلتي أجرّ بالجرير على صاعين، فتركت صاعا لعيالي، وجئت بصاع، فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره على الصدقات، فلمزهم المنافقون، فقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبى عقيل، ولكنه أحب أن يذكر بنفسه ليعطى من الصدقات، فنزلت.
(إِلَّا جُهْدَهُمْ): إلا طاقتهم، قرئ بالفتح والضم، (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) كقوله: (الله يستهزئ بهم) [البقرة: ١٥] في أنه خبر غير دعاء، ألا ترى إلى قوله: (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ).
_________________
(١) قوله: (صولحت تماضر امرأته عن ربع الثمن على ثمانين ألفًا): القصة مذكورة في "الاستيعاب"، وعلى تقدير أن تكون ثمانين ألفًا تمام حصتها، يكون مجموع المال ألفا ألفٍ وخمسُ مئة ألف وستون ألفًا. قوله: (أجر بالجرير): الجرير: حبل يجر البعير به، بمنزلة العذار للدابة غير الزمام. النهاية: " (أن رجلًا يجر الجرير، فأصاب صاعين من تمر، فتصدق بأحدهما)؛ يريد أنه كان يستقي الماء بحبل". قوله: (ألا ترى إلى قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»: أي: عطف قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
[ ٧ / ٣١١ ]
[(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) ٨٠]
سأل عبد الله بن عبد الله بن أبىّ رسول الله ﷺ، وكان رجلا صالحا: أن يستغفر لأبيه في مرضه، ففعل، فنزلت، فقال رسول الله ﷺ "إنّ الله قد رخص لي، فسأزيد على السبعين"، فنزلت: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [المنافقون: ٦].
وقد ذكرنا أن هذا الأمر في معنى الخبر، كأنه قيل: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، وإن فيه معنى الشرط، وذكرنا النكتة في المجيء به على لفظ الأمر، والسبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير، قال علىّ بن أبى طالب ﵁:
لَأَصْبَحَنَّ الْعَاصِ وَابْنَ الْعَاصِي … سَبْعِينَ ألْفًا عَاقِدِي النَّوَاصِي
_________________
(١) على قوله: (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ)، ولو كان (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) دعاء، لزم عطف الخبري على الطلبين وإنما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة الاسمية والفعلية، ليؤذن أن العذاب الأليم وعيد دائم، وأما استهزاء الله إياهم فعلى التجدد، كما قال: (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) [التوبة: ١٢٦]، أو أن السخرية قد حصلت لهم في الدنيا، والعذاب الأليم كائن في الآخرة على الدوام. قوله: (وقد ذكرنا أن هذا الأمر في معنى الخبر): يعني: في قوله تعالى: (قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ) [التوبة: ٥٣]، لنكتة فيه، وهي أن المعنى: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، وانظر هل ترى اختلافًا بين حال الاستغفار وتركه. قوله: (لأصبحن العاص) البيت: "لأصبحن": من الصبح، أي: لأعطين الصبوح، يُقال في الحرب: صبحناهم، أي: عاديناهم بالخيل، ويوم الصباح: يوم الغارة، يريد بـ"العاص":
[ ٧ / ٣١٢ ]
فإن قلت: كيف خفي على رسول الله ﷺ، وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته، والذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار، كيف وقد تلاه بقوله: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا) الآية، فبين الصارف عن المغفرة لهم،
_________________
(١) الذي عصاه، و"ابن العاص": بيان له، وهو عمرو بن العاص، "سبعين ألفًا": أي: من الجيش، "عاقدي النواصي": أي: نواصي خيلهم، والعاقد بمعنى المعقود. رُوي عن علي بن عيسى أنه قال: العرب تبالغ بالسبع وبالسبعين، لأن التعديل في نصف العقد، وهو خمسة، وإذا زيد عليها واحدٌ كان لأدنى المبالغة، وإذا زيد اثنان كان لأقصى المبالغة، ولذلك قالوا للأسد: سبع، لأنه قد ضُوعف قوته سبع مرات. وقال القاضي: "قد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبع مئة ونحوها في التكثير، لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنه العدد بأسره". وقال صاحب "الإيجاز": "السبعة أكمل الأعداد بجمعها معاني الأعداد، لأن الستة أو لعدد تام، لأنها تُعادل أجزاءها، إذ نصفها ثلاثة، وثلثها اثنان، وسدسها واحد، وجُملتها ست، وهي مع الواحدة سبع، فكانت كاملة، إذ ليس بعد التمام سوى الكمال، ولعل واضع اللغة سمي الأسد سبعًا لكمال قوتهن كما أنه أسد لإساده في السير، ثم "سبعون" غاية الغاية، إذ الآحاد غايتها العشرات، فكان المعنى: أنه لا يُغفر لهم، وإن استغفرت أبدًا". قوله: (كيف خفي): أي: هذا المعنى، وهو أن السبعين مثل في التكثير.
[ ٧ / ٣١٣ ]
حتى قال: "قد رخص لي ربى، فسأزيد على السبعين"؟
قلت: لم يخف عليه ذلك، ولكنه خيل بما قال إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه، كقول إبراهيم ﵇: (وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم: ٣٦]، وفي إظهار النبي ﷺ الرأفة والرحمة: لطف لأمّته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم على بعض.
_________________
(١) . قوله: (قد رخص لي ربي، فسأزيد على السبعين): قال في "الانتصاف": "أنكر القاضي حديث الاستغفار ولم يصححه، وقبله قوم، وجعلوه عمدة مفهوم المخالفة". وقلت: إنما ينكره من لا يد له في علم الحديث، والحديث رواه البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لعمر ﵁: "إنما خيرني الله تعالى، فقال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) الآية، وسأزيد على السبعين". قوله: (ولكنه خيل بما قال): أي: صور في خياله أو في خيال السامع ظاهر اللفظ -وهو العدد المخصوص-، دون المعنى الخفي المراد- وهو التكثير-، كما أن إبراهيم ﵇ ما
[ ٧ / ٣١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ عد عصيانه- في قوله: (وَمَنْ عَصَانِي) - عصيان الله المراد منه عبادة الأصنام لدلالة السياق، كما سيجيء، فعقبه بقوله: (فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم: ٣٦]، لغاية رحمته ورأفته على أمته، وهو من أسلوب التورية، وهو أن يطلق لفظ له معنيان: قريب وبعيد، فيراد البعيد منهما، كقول القبعثري - في جواب الحجاج: "لأحملنك على الأدهم"-: "مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب"، أبرز الوعيد في معرض الوعد. قال القاضي: "فهم رسول الله ﷺ من "السبعين" العدد المخصوص؛ لأنه الأصل، فجوز أن يكون ذلك حدًا يخالفه حكم ما وراءه، وقوله: (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) كالتنبيه على عذر الرسول ﷺ في استغفاره، وهو عدم يأسه من إيمانهم ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضلالة، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم، لقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [التوبة: ١١٣] ".
[ ٧ / ٣١٥ ]
[(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ) ٨١].
(الْمُخَلَّفُونَ): الذين استأذنوا رسول الله ﷺ من المنافقين، فأذن لهم وخلفهم في المدينة في غزوة تبوك، أو الذين خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان، ب (ِمَقْعَدِهِمْ): بقعودهم عن الغزو، (خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ): خلفه، يقال: أقام خلاف الحي، بمعنى: بعدهم، ظعنوا ولم يظعن معهم، وتشهد له قراءة أبى حيوة: "خلف رسول الله"، وقيل: هو بمعنى المخالفة لأنهم خالفوه حيث قعدوا ونهض، وانتصابه على أنه مفعول له أو حال، أى قعدوا لمخالفته أو مخالفين له.
(أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) تعريض بالمؤمنين، وبتحملهم المشاق العظام لوجه الله تعالى، وبما فعلوا من بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل الله تعالى، وإيثارهم ذلك على الدعة والخفض،
وكره ذلك المنافقون، وكيف لا يكرهونه وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان؟ !
_________________
(١) قوله: (وانتصابه على أنه مفعول له): قال أبو البقاء: "و(خِلافَ) ظرف بمعنى: خلف، أي: بعد، والعامل فيه "مقعد" أو (فَرِحَ)، وقيل: هو مفعول من أجله، فعلى هذا هو مصدر، أي: لمخالفته، وقيل: هو مصدر دل عليه الكلام، لأن مقعدهم عنه تخلف". قوله: «أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ) تعريض بالمؤمنين): يعني: في ذكر المجاهدة بالأموال والأنفس تعريض بالمؤمنين ومدح لهم، وذم للمنافقين. قوله: (وبما فعلوا من بذل أموالهم وأرواحهم) إلى آخره: عطف تفسيري على قوله: "وبتحملهم المشاق العظام لوجه الله"، وهو على هذا تفسير لقوله: "بالمؤمنين أيضًا". قوله: (وكره ذلك): المشار إليه هو المذكور من بذل الأموال والإيثار. و"كرِهَ": إما حال من فاعل "فعلوا"، و"قد" مُقدرة، أو من الراجع المنصوب إلى "ما".
[ ٧ / ٣١٦ ]
(قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا) استجهال لهم، لأن من تصوّن من مشقة ساعة، فوقع بسبب ذلك التصوّن في مشقة الأبد، كان أجهل من كل جاهل، ولبعضهم:
مَسَرَّةُ أحْقَابٍ تَلَقَّيْتُ بَعْدَهَا … مَسَاءَةَ يَوْمٍ أرْيُهَا شِبْهُ الصَّابِ
فَكَيْفَ بِأَنْ تَلْقَى مَسرَّةَ سَاعَةٍ … وَرَاءَ تَقَضِّيهَا مَسَاءَةُ أحْقَابِ
[(فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) ٨٢].
معناه: فسيضحكون قليلا، ويبكون كثيرا (جَزاءً)، إلا أنه أخرج على لفظ الأمر، للدلالة على أنه حتم واجب لا يكون غيره،
_________________
(١) قوله: (استجهال لهم): يعني نظروا إلى هذا الحر النزر، غفلوا عن تلك النار التي لا تقاس حرارتها بشيء من النيران، بله حر القيظ، ومن تصون من مشقة ساعة، فوقع به في مشقة الأبد: كان أجهل من كل جاهل. ويمكن أن يقال: إن قوله: (لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) تتميم للتجهيل، أي: قل لهم هذا وجهلهم به، وليتهم يفقهون ما تعنيه بقولك. قال القاضي: " (لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) أنها كيف هي، ما اختاروها بإيثار الدعة على الطاعة". قوله: (مسرة أحقاب) البيتين: "الأحقاب": الأزمان الكثيرة، و"الأري": العسل، و"الصاب": نبتٌ مُر، وقيل: هو الحنظل، "مساءة أحقاب": مُبتدأ، والخبرُ "وراء تقضيها"، والجملة ثاني مفعولي "تلقى". قوله: (حتمٌ واجب): لأن الأمر لا يحتمل الصدق والكذب، كما يحتمله الخبر، ولذلك قال: "لا يكون غيره"، أو أن أمر الله للأشياء حتمٌ لوجودها وقطعٌ في كونها لقوله تعالى: (أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]، و(فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا) [البقرة: ٢٤٣].
[ ٧ / ٣١٧ ]
يروى: أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا، لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم.
(فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَاذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ) ٨٣].
وإنما قال: (إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ)؛ لأنّ منهم من تاب عن النفاق وندم على التخلف، أو اعتذر بعذر صحيح، وقيل: لم يكن المتخلفون كلهم منافقين، فأراد بالطائفة: المنافقين منهم (فَاسْتَاذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ) يعنى إلى غزوة بعد غزوة تبوك، (وأَوَّلَ مَرَّو) هي الخرجة إلى غزوة تبوك، وكان إسقاطهم عن ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم الذي علم الله أنه لم يدعهم إليه إلا النفاق، بخلاف غيرهم من المتخلفين (مَعَ الْخالِفِينَ) قد مرّ تفسيره، قرأ مالك بن دينار: "مع الخلفين"؛ على قصر الخالفين.
فإن قلت: (مَرَّو) نكرة وضعت موضع "المرات" للتفصيل،
_________________
(١) ـ قوله: (لا يرقأ لهم دمع)، النهاية: "رقأ الدمع يرقأ [رقوءا] بالضم: إذا سكن وانقطعن والاسم الرقوء بالفتح". قوله: (موضع المرات للتفصيل): صح بالصاد المهملة، يعني: أن "أفعل" التفضيل: إذا أُريد به بيان زيادته في المعنى، يقتضي أن يكون المفضل داخلًا فيما أضيف إليه، فالأصل الجمع، فوُضع المفرد موضعه، لإرادة التفصيل، أي: فضل المذكور على الجنس المذكور إذا فصل الجنس واحدًا بعد واحد، فعلى هذا (أَوَّلَ) بعضُ ما أضيف إليه، وهي (مَرَّةٍ)، فحقه التأنيث، فلِمَ ذُكِّر؟
[ ٧ / ٣١٨ ]
فلم ذكر اسم التفضيل المضاف إليها، وهو دال على واحدة من المرات؟ قلت: أكثر اللغتين: هند أكبر النساء، وهي أكبرهنّ، ثم إنّ قولك: هي كبرى امرأة، لا تكاد تعثر عليه، ولكن هي أكبر امرأة، وأول مرة، وآخر مرة.
وعن قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثنى عشر رجلا، قيل فيهم ما قيل.
(وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ * وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ) ٨٤ - ٨٥].
روى: أنّ رسول الله ﷺ كان يقوم على قبور المنافقين، ويدعو لهم، فلما مرض رأس المنافقين عبد الله بن أبىّ، بعث إليه ليأتيه، فلما دخل عليه،
_________________
(١) قوله: (إن قولك: هي كبرى امرأة، لا تكاد تعثر عليه): قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يُقال: تقديره: هند إنسان أكبر النساء، وزمانًا أول مرة، واختير التذكير لأن التأنيث ظاهر هاهنا، واستغني عنه كما استغنوا بـ "تركتُ" عن "وذرتُ"، مثله قول الذبياني: نبئت نعمًا على الهجران عاتبة … سقيًا ورعيًا لذاك العاتب الزاري أي: لذلك الشخص، قال أبو البقاء: "المرة في الأصل: مصدر: مر يمر، ثم استعمل ظرفًا اتساعًا، وهذا يدل على قوة شبه الزمان بالفعل".
[ ٧ / ٣١٩ ]
قال: أهلكك حب اليهود، فقال: يا رسول الله، بعثت إليك لتستغفر لي، لا لتؤنبنى، وسأله أن يكفنه في شعاره الذي يلي جلده، ويصلى عليه، فلما مات دعاه ابنه حباب إلى جنازته، فسأله عن اسمه، فقال: أنت عبد الله ابن عبد الله، الحباب: اسم شيطان، فلما همّ بالصلاة عليه قال له عمر: أتصلي على عدوّ الله؟ فنزلت. وقيل: أراد أن يصلى عليه، فجذبه جبريل.
فإن قلت: كيف جازت له تكرمة المنافق وتكفينه في ثوبه؟ قلت: كان ذلك مكافأة له على صنيع سبق له. وذلك أن العباس عم رسول الله ﷺ، لما أخذ ببدر أسيرا، لم يجدوا له قميصًا، وكان رجلا طوالا، فكساه عبد الله قميصه. وقال له المشركون يوم الحديبية: إنا لا نأذن لمحمد، ولكنا نأذن لك، فقال: لا، إن لي في رسول الله أسوة حسنة، فشكر رسول الله ﷺ له ذلك.
_________________
(١) قوله: (لا لتؤنبني)، الجوهري: "أنبه تأنيبًا: عنفه ولامه". قوله: (وسأله أن يكفنه في شعاره): عن البخاري ومسلم عن جابر قال: "أتى رسول الله ﷺ عبد الله بن أُبيٍّ بعدما أُدخل حفرته، فأمر به فأخرج، فوضعه على ركبتيه، ونفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه، قال: وان كسا عباسًا قميصًا". وفي رواية: "قال له ابن عبد الله: ألبس عبد الله قميصك الذي يلي جلدك". وفي أخرى: "لما كان يومُ بدر أتى بأسارى، وأتى بالعباس، ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ﷺ له قميصًا، فوجدوا قميص عبد الله بن أبي، يقدر عليه، فكساه إياه، فذلك نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه". قال ابن عيينة: "كانت له عند النبي ﷺ يد، فأحب أن يكافئه".
[ ٧ / ٣٢٠ ]
وإجابة له إلى مسألته إياه، فقد كان ﵊ لا يرد سائلا، وكان يتوفر على دواعي المروءة، فعمل بعادات الكرام، وإكرامًا لابنه الرجل الصالح، فقد روى أنه قال له: "أسألك أن تكفينه في بعض قمصانك، وأن تقوم على قبره، لا يشمت به الأعداء"، وعلمًا بأن تكفينه في قميصه لا ينفعه مع كفره، فلا فرق بينه وبين غيره من الأكفان، وليكون إلباسه إياه لطفًا لغيره، فقد روى أنه قيل له: لم وجهت إليه بقميصك وهو كافر؟ فقال: "إنّ قميصي لن يغنى عنه من الله شيئًا، وإن أؤمل في الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب"، فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج، لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب رسول الله ﷺ.
وكذلك ترحمه واستغفاره كان للدعاء إلى التراحم والتعاطف، لأنهم إذا رأوه يترحم على من يظهر الإيمان وباطنه على خلاف ذلك، دعا المسلم إلى أن يتعطف على من واطأ قلبه لسانه ورآه حتما عليه.
فإن قلت: فكيف جازت الصلاة عليه؟ قلت: لم يتقدم نهى عن الصلاة عليهم، وكانوا يجرون مجرى المسلمين لظاهر إيمانهم، لما في ذلك من المصلحة، وعن ابن عباس: "ما أدرى ما هذه الصلاة، إلا أنى أعلم أن رسول الله ﷺ لا يخادع".
_________________
(١) قوله: (وإجابة له إلى مسألته): صح بالنصب عطفًا على "مكافأة له"، وكذا "وإكرامًا" و"عِلمًا"، وكذا قوله: "وليكون إلباسه إياه لُطفًا لغيره"، وإنما أدخل اللام في الأخير لأن الكون ليس فعلًا لفاعل الفعل المعلل. قوله: (وعن ابن عباس: ما أدري ما هذه الصلاة): روينا عن البخاري الترمذي والنسائي عن عمر ﵁ قال: "لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول، دُعي له رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فلما قام رسول الله ﷺ وثبت إليه، وقلت: يا رسول الله، أتُصلي
[ ٧ / ٣٢١ ]
(ماتَ) صفة لـ (أحد)، وإنما قيل: (مات) (وماتوا) بلفظ الماضي، والمعنى على الاستقبال، على تقدير الكون والوجود، لأنه كائن موجود لا محالة، (إِنَّهُمْ كَفَرُوا) تعليل للنهى.
وقد أعيد قوله: (وَلا تُعْجِبْكَ) لأنّ تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل له وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه، وأن يعتقد أن العمل به مهمّ يفتقر إلى فضل عناية به، لاسيما إذا تراخى ما بين النزولين، فأشبه ذلك الشيء الذي أهم صاحبه، فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه.
[(وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَاذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ * لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ٨٦ - ٨٩].
يجوز أن يراد السورة بتمامها، وأن يراد بعضها، في قوله: (وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ)، كما يقع القرآن والكتاب على كله، وعلى بعضه.
_________________
(١) ـ على ابن أبي، وقد قال يوم كذا وكذا: [كذا وكذا]؟ أُعدد عليه، فتبسم رسول الله ﷺ، وقال: "أخر عني يا عمر"، قال: فصلى رسول الله ﷺ، ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: (وَلا تُصَلِّ) إلى قوله: (وَهُمْ فَاسِقُونَ). قال: فتعجبت بعدُ من جُرأتي على رسول الله ﷺ يومئذ، والله ورسوله أعلم". قوله: (فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه): ويسمى هذا الأسلوب في البديع: الترجيع.
[ ٧ / ٣٢٢ ]
وقيل: هي (براءة)، لأنّ فيها الأمر بالإيمان والجهاد، (أَنْ آمِنُوا) هي" أن" المفسرة، (أُولُوا الطَّوْلِ): ذوو الفضل والسعة، من: طال عليه طولا، (مَعَ الْقاعِدِينَ): مع الذين لهم علة وعذر في التخلف، (فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) ما في الجهاد من الفوز والسعادة، وما في التخلف من الشقاء والهلاك.
(لكِنِ الرَّسُولُ) أي: إن تخلف هؤلاء فقد نهد إلى الغزو من هو خير منهم وأخلص نية ومعتقدًا، كقوله (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا) [الأنعام: ٨٩]، (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) [فصلت: ٣٨].
(الْخَيْراتُ) تتناول منافع الدارين؛ لإطلاق اللفظ، وقيل: الحور، لقوله: (فِيهِنَّ خَيْراتٌ) [الرحمن: ٧٠].
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: هي براءة): عطف على قوله: "أن يُراد السورة بتمامها"، أي: أي سورة كانت، ولا تخلو كل سورة من الاشتمال على أمر بالإيمان والجهاد إما حقيقة أو ضمنًا، لأن المقصود الأولي من إنزالها الدعوة إلى الله تعالى وإلى طريق الحق. [قوله: «إِنْ آمَنُوا) هي"أن" المفسرة)]: قال أبو البقاء: " (إِنْ آمَنُوا)، أي: آمنوا، والتقدير: يُقال فيها: آمنوا. وقيل: (أنْ) هاهنا مصدرية، تقديره: أنزلت بأن آمنوا، أي: بالإيمان. وإنما اختار المصنف أن تكون مفسرة، لأن قولهم في الجواب: (ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) يستدعي الأمر بالجهاد، وفي جعلها مصدرية ثم تأويلها بالأمر- أي: ملتبسة بالإيمان، أي: بالأمر بالإيمان - توسيع الدائرة. قوله: (تهد إلى الغزو): ينهد- بالفتح-: ينهض محتشدًا مستعدًا متهيئًا.
[ ٧ / ٣٢٣ ]
[(وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ٩٠].
(الْمُعَذِّرُونَ) من: عذر في الأمر: إذا قصر فيه وتوانى ولم يجدّ: وحقيقته: أنه يوهم أن له عذرًا فيما يفعل، ولا عذر له. أو المعتذرون -بإدغام التاء في الذال، ونقل حركتها إلى العين، ويجوز في العربية كسر العين لالتقاء الساكنين، وضمها لإتباع الميم، ولكن لم تثبت بهما قراءة-، وهم الذين يعتذرون بالباطل، كقوله: (يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم) [التوبة: ٩٤].
وقرئ: "المعذرون" بالتخفيف، وهو الذي يجتهد في العذر ويحتشد فيه، قيل: هم أسد وغطفان؛ قالوا: إن لنا عيالا، وإن بنا جهدا فائذن لنا في التخلف. وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل؛ قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طىّ على أهالينا ومواشينا، فقال ﷺ: "سيغنيني الله عنكم". وعن مجاهد: نفر من غفار، اعتذروا فلم يعذرهم الله. وعن قتادة: اعتذروا بالكذب.
وقرئ: "المعذرون" بتشديد العين والذال، من: تعذر، بمعنى اعتذر، وهذا غير صحيح، لأنّ التاء لا تدغم في العين إدغامها في الطاء والزاي والصاد، في "المطوّعين"، و"أزكى" و"أصدق".
وقيل: أريد المعتذرون بالصحة، وبه فسر (المعذرون) و"المعذرون" -على قراءة ابن عباس-: الذين لم يفرطوا في العذر.
_________________
(١) . قوله: (وقيل: أريد المعتذرون بالصحة): أي: بالحق لا الباطل. قال صاحب "التقريب" قوله:: أريد المعتذرون بالصحة، وبه فُسر (الْمُعَذِّرُونَ) " مشددًا ومخففًا، من: أعذر: إذا لم يُفرط في العُذر. وفيه نظر؛ إذ "المُعذر" على زنة "المُفعِّل" هوا لممرض والمقصر يعتذر بغير عذر. ذكره في "الصحاح" تم كلامه.
[ ٧ / ٣٢٤ ]
(وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) هم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا، وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان، وقرأ أبىّ: "كذبوا" بالتشديد.
(سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ): من الأعراب، (عَذابٌ أَلِيمٌ) في الدنيا: بالقتل، وفي الآخرة: بالنار.
[(لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ) ٩١ - ٩٢].
(الضُّعَفاءِ): الهرمي والزمني، و(الَّذِينَ لا يَجِدُونَ): الفقراء، وقيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة. و"النصح لله ورسوله": الإيمان بهما،
_________________
(١) والمذكور في "الصحاح": " (الْمُعَذِّرُونَ مِنْ الأَعْرَابِ): يُقرأ بالتشديد التخفيف: أما "المُعذر" بالتشديد: فقد يكون محقًا وقد يكون غير محق؛ فأما المحق فهو في المعنى: المعتذر، لأن له عذرًا، لكن التاء قلبت ذالًا، فأدغمت فيها، وجُعلت حركتها على العين، كما قرئ: "يخصمون" بفتح الخاء، ويجوز كسر العين لاجتماع الساكنين، ويجوز ضمها إتباعها للميم. وأما الذي ليس بمحق فهو المُعذر، على جهة المفعل، لأنه الممرض والمقصر يعتر بغير عذر. وكان ابن عباس يقرأ: "وجاء المعذرون" - مخففة، من: أعذر - ويقول: والله هذا أُنزلت، وكان يقول: لعن الله المعذرين! كأن الأمر عنده أن المعذر - بالتشديد - هو المظهر للعذر اعتلالًا من غير حقيقة له في العذر، وهذا لا عذر له. والمعذر: الذي له عُذر. وقد بينا الوجه الثاني في المُشدد".
[ ٧ / ٣٢٥ ]
وطاعتهما في السر والعلن، وتوليهما، والحب والبغض فيهما، كما يفعل الموالي الناصح بصاحبه، (عَلَى الْمُحْسِنِينَ): على الناصحين المعذورين، ومعنى: "لا سبيل عليهم": لا جناح عليهم، ولا طريق للعتاب عليهم.
(قُلْتَ) حال من الكاف في (أَتَوْكَ)، "وقد" قبله مضمرة، كما قيل في قوله: (أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) [النساء: ٩٠]، أي إذا ما أتوك قائلا: لا أجد (تَوَلَّوْا).
وقد حصر الله المعذورين في التخلف: الذين ليس لهم في أبدانهم استطاعة، والذين عدموا آلة الخروج، والذين سألوا المعونة فلم يجدوها.
وقيل: المستحملون أبو موسى الأشعري وأصحابه
_________________
(١) ـ فعلى هذا قوله: "المعتذرون بالصحة" معطوف على قوله: "وهُم الذين يعتذرون بالباطل"، والوجهان مبنيان على قوله: "أو المعتذرون بإدغام التاء"، وهو عطف على قوله: "مِن: عذر في الأمر". فالحاصل: أن (الْمُعَذِّرُونَ) إما محمول على أنه من المُفعل، من: عذر في الأمر: إذا قصر فيه، أو على: معتذرون، بإدغام التاء، وهو أيضًا إما أن يُراد منه الذين يعتذرون بالباطل، كما ذهب إليه ابن عباس، أو أريد المعتذرون بالصحة، أي: بالحق لا الباطل، كما ذكره الجوهري. ومعنى قراءة ابن عباس من هذا الأخير. قوله: (كما يفعلُ الموالي الناصح بصاحبه): يريد: أن النصح لله ولرسوله مستعار للإيمان والطاعة والتولي والحب والبغض فيهما. قوله: (المستحملون أبو موسى [الأشعري] وأصحابه): عن أبي موسى قال: أتيت رسولا لله ﷺ في رهط من الأشعريين تستحمله، قال: "والله لا أحملكم، وما عندي ما أحلكم عليه". ثم لبثنا ما شاء الله، فأتي بإبل، فأمر لنا بثلاث ذود، فلما انطلقنا قال بعضنا لبعض: لا بارك الله لنا، أتينا رسول الله ﷺ نستحمله، فحلف أن لا يحملنا. قال أبو موسى:
[ ٧ / ٣٢٦ ]
وقيل البكاؤون، وهم ستة نفر من الأنصار.
(تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ): كقولك: تفيض دمعًا، وهو أبلغ من: يفيض دمعها، لأنّ العين جعلت كأن كلها دمع فائض، و(من) للبيان، كقولك: أفديك من رجل،
_________________
(١) . فأتينا النبي ﷺ، فذكرنا ذلك له، فقال: "ما أنا حملتكم، بل الله حملكم، إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير". هذه رواية النسائي، وفي رواية البخاري ومسلم نحو هذه. قوله: (وقيل البكاؤون، وهم ستة نفر من الأنصار): قال محيي السنة: "هم سبعة نفر، سموا البائين: معقل بن يسار، وصخر بن خنساء، وعبد الله بن كعب الأنصاري، وعلبة ابن زيد الأنصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة بن عنمة، وعبد الله بن مغفل المُزني، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن الله قد ندبنا إلى الخروج معك فاحملنا، فقال رسول الله ﷺ: "لا أجد ما أحملكم عليه، فولوا وهم يبكون"، والحديث". قوله: (و(مِنَ) للبيان، كقول: أفديك من رجُل): يعني: "مِن" تجريد، جُرد من الرجل شخص، فخوطب بقوله: أفديك، وهو هو، وهو من قولك: رأيتك من أسد، وهو أبلغ من قولك: رأيت منك أسدًا، فكذلك جرد من الدمع أعينًا، وجُعلت كأنها دموع فائضة، وهو المراد من قوله: "لأن العين جُعلت كان كلها دمعٌ فائض".
[ ٧ / ٣٢٧ ]
ومحل الجار والمجرور: النصب على التمييز، (أَلَّا يَجِدُوا): لئلا يجدوا، ومحله نصب على أنه مفعول له، وناصبه المفعول له الذي هو (حزنًا).
[(إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ٩٣ - ٩٤].
فإن قلت: (رَضُوا) ما موقعه؟ قلت: هو استئناف،
_________________
(١) ـ فإن قلت: ذكر في المائدة هذا الوجه، وجعل (مِن) ابتدائية حيث قال: "فجُعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها"، وقال: " (مِنَ) لابتداء الغاية، على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وبسببه"، فهل من فرق؟ قلت: أما من حيث المعنى والمبالغة فلا، وأما من حيث الطريقة: فإن طريقة ذلك ما ذكرناه عن صاحب "الانتصاف": "أصله: فاض دمع عينه، ثم: فاضت عينه دمعًا، فحُوِّل الفاعل، وجُعِل تمييزًا للإبهام والتبيين، ثم: فاضت عينه من الدمع، فلم يبينه على الأصل، بل أبرزه في صورة التعليل"، وطريقة التجريد كما بيناها. قوله: (وناصبه المفعول له): أي: قوله: (حَزَنًا)، فهو من التداخل في المفعول له.
[ ٧ / ٣٢٨ ]
كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء؟ فقيل: رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف، (وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) يعنى: أن السبب في استئذانهم: رضاهم بالدناءة وخذلان الله تعالى إياهم.
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون قوله: (قُلْتَ لا أَجِدُ) استئنافًا مثله، كأنه قيل: إذا ما أتوك لتحملهم تولوا، فقيل: ما لهم تولوا باكين؟ فقيل: (قلت لا أجد ما أحملكم عليه) [التوبة: ٩٢]، إلا أنه وسط بين الشرط والجزاء كالاعتراض؟ قلت: نعم، ويحسن.
(لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ) علة للنهى عن الاعتذار، لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به، فإذا علم أنه مكذب وجب عليه الإخلال به، وقوله: (قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ) علة لانتفاء تصديقهم،
_________________
(١) ـ قوله: (إن السبب في استئذانهم: رضاهم بالدناءة وخذلان الله إياهم): جعل الرضا والطبع سببًا واحدًا للاستئذان، والظاهر أن قوله: (وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) كالتذييل لما سبق، فيكون الطبع سببًا للجهل المؤدي إلى الرضا بالدناءة والدعة، ويؤيده الفاء في قوله: (فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)، فالمجموع سبب لذلك المجموع، وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة. وكذلك جعل القاضي كلًا من الرضا والطبع سببًا مستقلًا. قوله: (إذا ما أتوك لتحملهم تولوا): فإن قلت: كيف يكون إتيانهم للحملان سببًا للتولي إذا لم يقيد بقوله: (لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ)؟ قلت: دل الإتيان للحملان على رغبتهم في التجهيز معه ﷺ، ودل التولي على حرمانهم ما يرومونه، فصحت السببية. قوله: «قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ) علة لانتفاء تصديقهم): فهو علة للعلة، يعني: قوله: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ) استئناف لبيان موجب (لا تَعْتَذِرُوا)، وقوله: (قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ) استئناف آخر لبيان موجب (لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ)، كأنه لما قيل: لا تعتذروا،
[ ٧ / ٣٢٩ ]
لأنّ الله تعالى إذا أوحى إلى رسوله الإعلام بأخبارهم وأحوالهم وما في ضمائرهم من الشر والفساد، لم يستقم مع ذلك تصديقهم في معاذيرهم.
(وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ) أتنيبون أم تثبتون على كفركم، (ثُمَّ تُرَدُّونَ) إليه وهو عالم كل غيب وشهادة، وسر وعلانية،
_________________
(١) ـ فقيل: لِمَ لا نعتذر؟ قيل: لأنا لن نؤمن لكم، أي: لا نصدقكم في عذركم، فقيل: لِمَ لم تؤمنا لنا؟ قيل: لأن الله قد نبأنا مما في ضمائركم من الشر. قوله: (الإعلام بأخبارهم وأحوالهم) ظاهره أن (مِنْ أَخْبَارِكُمْ) مفعول ثان لقوله: (نَبَّأَنَا اللَّهُ)، قال أبو البقاء: "هذا الفعل قد يتعدى إلى ثلاثة، أولها ضمير الجمع، والآخران محذوفان، تقديره: أخبارًا من أخباركم مبينة، و(مِنْ أَخْبَارِكُمْ) تنبيه على المحذوف، وليس (مِنْ) زائدة؛ إذ لو كانت زائدة لكانت مفعولًا ثانيًا والثالث محذوف، وهو خطأ، لأن المفعول الثاني إذا ذُكر في هذا الباب لزم ذكر الثالث". قوله: (أتنيبون أم تثبتون): إشارة إلى أن قوله: (وَسَيَرَى اللَّهُ) بمعنى العلم، وقد أخذ أحد مفعوليه، ويقتضي الثاني، فيكون بمعنى قوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود: ٧، والملك: ٢]، وقد ذكر في سورة المُلك: أنه ليس بتعليق، والتقدير: سيرى الله عملكم أتنيبون عنه- أي: ترجعون - أم تثبتون عليه. والمعنى: سيعلم الله عملكم من الإنابة عن الكفر أو الثبات عليه علمًا يتعلق به الجزاء.
[ ٧ / ٣٣٠ ]
فيجازيكم على حسب ذلك.
[(سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَاواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) ٩٥].
(لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ) فلا توبخوهم ولا تعاتبوهم، (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ): فأعطوهم طلبتهم، (إِنَّهُمْ رِجْسٌ) تعليل لترك معاتبتهم، يعنى: أنّ المعاتبة لا تنفع فيهم ولا تصلحهم، إنما يعاتب الأديم ذو البشرة، والمؤمن يوبخ على زلة تفرط منه، ليطهره التوبيخ بالحمل على التوبة والاستغفار، وأما هؤلاء فأرجاس لا سبيل إلى تطهيرهم، (وَمَاواهُمْ جَهَنَّمُ) يعنى: وكفتهم النار عتابًا وتوبيخًا، فلا تتكلفوا عتابهم.
[(يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) ٩٦].
_________________
(١) ـ قوله: (فيجازيكم على حسب ذلك): يعني: وضع (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) موضع ضمير الله ﷿ ليدل على التهديد والوعيد، وأنه تعالى مطلعٌ على سركم علنكم لا يفوت عن علمه شيء من ضمائركم وأعمالكم، فيجازيكم على حسب ذلك. قله: (فلا توبخوهم): نصب؛ عطف على قوله: لتعرضوا عنهم" على ووجه التسبب، أي: لتعرضوا فلا توبخوا: ذكر نحوه في قوله تعالى: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ) [الأنعام: ٥٢]. قوله: (إنما يُعاتب الأديم ذو البشرة): قال الميداني: "المعاتبة: المعاودة، وبشرة الأديم: ظاهره الذي عليه الشعر، أي: إنما يُعاد إلى الدباغ من الأديم ما سلمت بشرته، يُضرب لمن فيه مراجعة ومستعتب، قال الأصمعي: كل ما كان في الأديم متحمل ما سلمت البشرة، فإذا نغلت البشرة بطل الأديم".
[ ٧ / ٣٣١ ]
(لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) أي: غرضهم في الحلف بالله طلب رضاكم لينفعهم ذلك في دنياهم، (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ) فإن رضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كان الله ساخطًا عليهم، وكانوا عرضة لعاجل عقوبته وآجلها، وقيل إنما قيل ذلك لئلا يتوهم متوهم أن رضا المؤمنين يقتضى رضا الله عنهم. وقيل: هم جد بن قيس، ومعتب بن قشير، وأصحابهما، وكانوا ثمانين رجلا منافقين، فقال النبي ﷺ حين قدم المدينة: "لا تجالسوهم ولا تكلموهم". وقيل: جاء عبد الله ابن أبىّ يحلف أن لا يتخلف عنه أبدًا.
[(الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ٩٧].
(الْأَعْرابُ): أهل البدو (أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا) من أهل الحضر،
_________________
(١) قوله: «الأَعْرَابِ) أهل البدو): روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ نهى أن يؤكل من طعام الأعراب، فأهدت أم سنبلة لبنًا، فناولت رسول الله ﷺ، فشرب، فقالت عائشة ﵂: قد كنت نهيت عن طعام الأعراب؟ فقال: "إنهم ليسوا بالأعراب، إنهم أهل باديتنا، ونحن أهل حاضرتهم، وإذا دعوا أجابوا، فليسوا بالأعراب". ومنه قوله ﷺ: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم"، للعشاء. النهاية: "في الحديث: "ثلاث من الكبائر"، منها: "التعرب بعد الهجرة": هو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرًا"، جعل المهاجر ضد الأعرابي.
[ ٧ / ٣٣٢ ]
لجفائهم وقسوتهم وتوحشهم، ونشئهم في بعد من مشاهدة العلماء، ومعرفة الكتاب والسنة، (وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا) وأحق بجهل حدود الدين وما أنزل الله من الشرائع والأحكام، ومنه قوله ﵇: "إن الجفاء والقسوة في الفدّادين".
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ): يعلم حال كل أحد من أهل الوبر والمدر، (حَكِيمٌ) فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم، ومخطئهم ومصيبهم، من عقابه وثوابه.
_________________
(١) والأعراب: ساكنو البادية من العرب الذين لا يُقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلا لحاجة. والعرب: اسم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام البادية أو المدن، والنسبة إليه: أعرابي وعربي. وقال صاحب "المغرب": "العربي: واحد العرب، وهم الذين استوطنوا المدن والقرى، والأعراب: أهل البدو". قوله: (لجفائهم وقسوتهم وتوحشهم)، الأساس: "جفاني فُلان: فعل بي ما ساءني، وثوب جاف: غليظ، وهو من جفاة العرب". قال الإمام: "إنما حكم عليهم بشدة الكفر والنفاق، لأنهم ما كانوا تحت سياسة سائس، ولا تأديب مؤدب، ولا ضبط ضابط، فنشؤوا كما شاؤوا، ومن أصبح وأمسى [مشاهدًا] لوعظ رسول الله ﷺ، وبياناته الشافية، وتأديباته الكاملة، كيف يكون مساويًا لمن لم يؤاثر هذا الخير؟ ! فقابل الفواكه الجبلية بالبستانية لتعرف الفرق، ولشبههم بالوحوش، واستيلاء الهواء الحار اليابس الموجب لمزيد التكبر والنخوة". روينا عن أحمد بن حنبل وأبي داود والترمذي النسائي عن ابن عباس: "من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن". قوله: (في الفدادين)، النهاية: "الفدادون - بالتشديد-: الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، وقيل هم المكثرون من الإبل، وقيل: هم الجمالون والبقارون والحمارون والرعيان".
[ ٧ / ٣٣٣ ]
[(وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ٩٨ - ٩٩].
(مَغْرَمًا): غرامة وخسرانًا، والغرامة: ما ينفقه الرجل وليس يلزمه، لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء، لا لوجه الله ﷿، وابتغاء المثوبة عنده، (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ) دوائر الزمان: دوله وعقبه؛ لتذهب غلبتكم عليه، ليتخلص من إعطاء الصدقة.
(عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) دعاء معترض، دعا عليهم بنحو ما دعوا به، كقوله ﷿: (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) [المائدة: ٦٤].
_________________
(١) قوله: (دوله وعقبه): جمع عقبة؛ النوبة. الأساس: "الدهر دول، والله يداول الأيام بين الناس؛ مرة لهم ومرة عليهم، والدهر دول وعقب ونوب، وتداولوا الشيء بينهم". قوله: (دعا عليهم بنحو ما دعوا به، كقوله تعالى: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) [المائدة: ٦٤]: "الانتصاف": "ما في هذه الآية زيادة مناسبة بآية المائدة، لأن الذي نُسب إليهم - انتظار الدوائر- مُطلق، ودعاؤه عليهم بدائرة السوء مقيد". قلت: يكفي في تشبيهه به أن تكون المشاكلة من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، كما قال هناك: "والطباق من حيث اللفظ"، على أن استعمال هذا اللفظ في الشر أكثر، لا سيما من أعداء الله، فإذن لا يكون مطلقًا، لكن في قول المصنف: "دعا عليهم بنحو ما دعوا به" بحث؛ لأن قوله: (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمْ الدَّوَائِرَ) لا دعاء فيه، بل هو إخبار، اللهم إلا أن يُقال: إن من تربص بغيره السوء لا يخلو من الدعاء عليه.
[ ٧ / ٣٣٤ ]
وقرئ: (السوء) بالضم، وهو العذاب، كما قيل له: سيئة، (والسوء) بالفتح، وهو ذمّ للدائرة، كقولك: رجل سوء، في نقيض قولك: رجل صدق، لأنَّ من دارت عليه ذامّ لها، (وَاللَّهُ سَمِيعٌ) لما يقولون إذا توجهت عليهم الصدقة، (عَلِيمٌ) بما يضمرون.
وقيل: هم أعراب أسد وغطفان وتميم.
(قُرُباتٍ) مفعول ثان لـ (يتخذ)، والمعنى: أنّ ما ينفقه سبب لحصول القربات عند الله، (وَصَلَواتِ الرَّسُولِ)، لأن الرسول كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة، ويستغفر لهم، كقوله: "اللهم صل على آل أبى أوفي"، وقال تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ١٠٣]، فلما كان ما ينفق سببًا لذلك، قيل: (ويتخذ ما ينفق قربات وصلوات).
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "السوء" بالضم): ابن كثير وأبو عمرو هنا وفي الفتح، والباقون: بفتحها. قوله: (لأن من دارت عليه ذام لها): تعليل لتصحيح وصف الدائرة بالسوء، أي: الذم، لأنه من إضافة الموصوف إلى الصفة، كرجل صدقٍ وسوءٍ؛ للمبالغة والبيان، فإذن الدائرة مُطلقة، وإنما تتبين بالإضافة، فيصح أن يُقال أيضًا: دائرة صدق، قال في سورة الفتح: "فهي عندهم دائرة سوء، وعند المؤمنين دائرة صدق". قوله: (اللهم صل على آل أبي أوفى): عن البخاري ومسلم وأبي داود عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة، وكان النبي ﷺ إذا أتاه قومٌ بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى".
[ ٧ / ٣٣٥ ]
(أَلا إِنَّها) شهادة من الله للمتصدقين بصحة ما اعتقدوا، من كون نفقاتهم قربات، وتصديق لرجائهم، على طريق الاستئناف، مع حرفي التنبيه والتحقيق المؤذنين بثبات الأمر وتمكنه، وكذلك (سَيُدْخِلُهُمُ) وما في "السين" من تحقيق الوعد.
وما أدل هذا الكلام على رضا الله عن المتصدقين، وأن الصدقة منه بمكان، إذا خلصت النية من صاحبها.
وقرئ: "قُرْبَةٌ"، بضم الراء.
وقيل: هم عبد الله وذو البجادين ورهطه.
[(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ١٠٠].
_________________
(١) قوله: (مع حرفي التنبيه والتحقيق)، أي: "ألا" و"إن". قوله: (عبد الله ذو البجادين ورهطه): روى ابن عبد البر في "الاستيعاب": هو عبد الله بن عبد نهم المُزني، سُمي به لأنه حين أراد المسير إلى رسول الله ﷺ قطعت أمه بجادًا لها نصفين، فاتزر بواحدٍ منهما، وارتدى بالآخر. قال ابن هشام: إنما سُمي ذا البجادين لأنه كان يُنازع إلى الإسلام، فمنعه قومه، وكانوا يضيقون عليه، حتى تُرك في بجادٍ له ليس عليه غيرهن والبجاد: الكساء الغليظ الجافي، فهرب منهم إلى رسول الله ﷺ وشق بجاده نصفين، فاتزر بواحد، واشتمل بالآخر، وأتى رسول الله ﷺ، فقيل له: ذو البجادين، فلما مات دفنه رسول الله ﷺ، وقال: " [اللهم إني قد] أمسيت راضيًا عنه، فارض عنه"، وكان عبد الله بن مسعود يقول: يا ليتني كنت صاحب الحفيرة".
[ ٧ / ٣٣٦ ]
(والسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ) هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقيل: الذين شهدوا بدرًا،
وعن الشعبي: من بايع بالحديبية، وهي بيعة الرضوان ما بين الهجرتين، (و) َمن (الْأَنْصارِ) أهل بيعة العقبة الأولى، وكانوا سبعة نفر، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير، فعلمهم القرآن.
_________________
(١) قوله: «و) من (الأَنصَارِ): أهل بيعة العقبة): معطوف على قوله: "من المهاجرين"، وقوله: "والذين آمنوا حين قدم" معطوف على قوله: "أهل بيعة العقبة"، وهذا موضع يفتقر إلى فضل بسط لاشتماله على طبقات الصحابة رضوان الله عليهم، وقد اضطرب فيه كلام المصنف، فنقول- والله أعلم-. لا يخلو من أن يفسر (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) بالذين أدركوا رسول الله ﷺ، وحصل لهم السبق بإدراكه وصحبته، فتكون (مِنَ) بيانية، أو بالذين سبقوا على بعضهم بما نالوا من الكرامة التي لم تحصل لغيرهم، وتكون (مِنَ) تبعيضية. يؤيده ما روى محيي السنة والواحدي عن سعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين وجماعة: هُم الذين صلوا إلى القبلتين. وعن عطاء بن أبي رباح: هم أهل بدر. وعن الشعبي: من شهد بيعة الرضوان، وكانت بيعة الرضوان بالحديبية. وروى عن أبي صخر قال: أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له: ما قولك في أصحاب رسول الله ﷺ؟ فقال: جميعُ أصحاب رسول الله ﷺ في الجنة، محسنهم ومسيئهم. فقلت: من أين تقول؟ قال: اقرأ (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) إلى أن قال: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)، (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) شرط في التابعين شريطة، وهو أن يتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة. قال أبو صخر: فكأني لم أقرأ هذه الآية قط.
[ ٧ / ٣٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ فعلى الأول: يُحمل (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) على التابعين الذين لم يلحقوا النبي صلوات الله عليه، كما روى محيي السنة عن بعضهم: هم الذين سلكوا سبيل الصحابة في الإيمان والهجرة والنصرة إلى يوم القيامة. وعلى الثاني: يحمل على الصحابة الذين لم تحصل لهم تلك المزايا والفضائل، روى محيي السنة أيضًا: هم بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين. وروى ابن عبد البر في "الاستيعاب" عن الحسن قال: "حضر الناس باب عمر بن الخطاب ﵁، وفيهم سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب وأولئك الشيوخ من قريش، فخرج آذنه، فجعل يأذن لأهل بدر، كصهيب وبلال، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط، إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد، ونحن جلوس لا يلتفت إلينا! فقال سهيل: أيها القوم، إني - والله -قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لما سبقوكم به من الفضل اشد عليكم فوتًا من بابكم هذا الذي تنافستم فيه، ثم قال: أيها القوم، إن هؤلاء القوم قد سبقوكم بما ترون، ولا سبيل لكم إلى ما سبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه، عسى الله أن يرزقكم شهادة، ثم نفض ثوبه، فقام ولحق بالشام". فقال الحسن: "ويا له من رجل ما كان أعقله! وصدق والله، لا يجعل الله عبدًا أسرع إليه كعبد أبطأ عنه". ولأن عمر ﵁ كان يقدمهم في العطاء. وهذا القول أظهر من الأول، وأجرى على تأليف النظم. قال أبو البقاء: " (َالسَّابِقُونَ) يجوز أن يكون معطوفًا على قوله: (مَنْ يُؤْمِنُ) [التوبة: ٩٩]، أي: ومنهم السابقون، ويجوز أن يكون مبتدأ، وفي الخبر ثلاثة أوجه: أحدها: (الأَوَّلُونَ)،
[ ٧ / ٣٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ والمعنى: والسابقون إلى الهجرة الأولون من أهل الملة، [أو]: والسابقون إلى الجنة الأولون إلى الهجرة. والثاني: الخبر (مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)، وفيه الإعلام بأن السابقين من هذه الأمة هم المهاجرون والأنصار. والثالث: أن الخبر (﵃) ". وقلت: على الوجه الأول: (﵃) جملة مستأنفة على تقدير: ما السؤال عما يترتب على السبق، ويدخل على هذا تحت حكم الأعراب جميع من أدرك النبي ﷺ، ويشملهم رضوان الله. وعلى الوجه الثاني: يكون (وَالسَّابِقُونَ) عطف جملة على جملة، ويختص الرضوان بالسابقين والتابعين. وعلى الجملة يحصل من النظم مراتب الصحابة على خمس طبقات؛ لأن السابقين: إما من المهاجرين وإما من الأنصار، والتابعين: إما منهما وإما من غيرهما. وبناء لام المصنف على القول الثاني، لكن في لامه بحث، وكان من الواجب أن يجعل السابقين من المهاجرين: من هاجر الهجرتين ومن شهد بدرًا والحديبية ومن صلى القبلتين، ومن الأنصار: من شهد العقبتين ومن شهد بدرًا والحديبية ومن صلى القبلتين؛ لاشتراك الثلاثة الأخيرة فيهما. وأما حديث من بايع بالحديبية: فقد رويناه عن مسلم والترمذي والدارمي والنسائي
[ ٧ / ٣٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ عن جابر في قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) [الفتح: ١٨]، قال: "بايعنا رسول الله ﷺ على أن لانفر، ولم نبايعه على الموت". وعن مسلم: "سئل جابر: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربعة عشر مئة، فبايعناه وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة، هي سمرة، فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصاري اختفى تحت بطن بعيره". ورواية الدارمي نحو رواية مُسلم. وأما حديث أهل بيعة العقبة الأولى: فعلى ما رواه ابن الجوزي ﵀ في كتاب "الوفا": أنها كانت في سنة إحدى عشرة من النبوة، لقي ستة نفر من الخزرج، والعقبة الثانية في السنة المقبلة منها، لقي اثني عشر رجلًا من الأنصار فيها، فبايعوه. وقد أثبتنا نُبذًا من القصة في أول البقرة، عند قوله: (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) [البقرة: ٢٧]. وأما حديث مصعب بن عمير: فقد رواه ابن الجوزي: أن أهل البيعة الثانية لما انصرفوا بعث معهم رسول الله ﷺ مُصعب بن عمير إلى المدينة يُفقه أهلها، ويقرئهم القرآن، فأسلم خلقٌ كثير. قال صاحب "الجامع": هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد امناف، بعثه رسول الله ﷺ إلى المدينة يُقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وهو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة.
[ ٧ / ٣٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وأما حديث الهجرة الأولى: فعلى ما رواه ابن الجوزي: أنه أمر رسول الله ﷺ بالخروج إلى أرض الحبشة، فقال: إن بها ملًا لا يظلم الناس، فتحرزوا عنده حتى يأتيكم الله بفرج منه، فخرج جماعة، وكان خروجهم في رجب من السنة الخامسة من النبوة، وخرجت قريش في آثارهم، ففاتوهم. وعن عبد الله بن عُتبة، عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي، ونحن نحو من ثمانين رجلًا، وبعث قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له، وقالا: إن نفرًا من بني عمنا نزلوا بأرضك، ورغبوا عنا وعن ملتنا، فبعث إليهم، فقال جعفر بن أبي طالب ﵁: أنا خطيبكم اليوم، فلما دخلوا قيل له: لِمَ لا تسجد؟ فقال: إنا لا نسجد لغير الله. وروينا في "مُسند أحمد بن حنبل" ﵁: "قال: فدعانا، قال جعفر: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، حتى بعث الله ﷿ إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله تعالى وتوحيده وعبادته، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وقذف المحصنات، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - وعدد عليه أمور الإسلام-، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا، ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا خرجنا إلى بلدك، اخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك. فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله ﷿؟ فقال جعفر: نعم، فقرأ عليه صدر من (كهيعص) [سورة مريم]، فبكى- والله - النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، فقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ﵇ من مشكاة واحدة".
[ ٧ / ٣٤١ ]
وقرأ عمر ﵁: "والأنصار" بالرفع؛ عطفا على (السابقون)، وعن عمر: أنه كان يرى أنّ قوله: (والأنصار وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ) بغير واو، صفة للأنصار، حتى قال له زيد: إنه بالواو، فقال: ائتوني بأبي، فقال: تصديق ذلك في أول الجمعة:
_________________
(١) ـ وقال ابن الجوزي: "قال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم. قال: فما تقولون في عيسى ابن مريم ﵇؟ قال: نقول كما قال الله تعالى: هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر. قال: فرفع عُودًا من الأرض، وقال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيدون على ما نقول فيه، مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، فإنه الذي نجده في الإنجيل، وإنه الذي بشر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحملُ نعليه، وأمر بهدايا الآخرين فردت إليهما". وأما الهجرة الثانية: فهي ما رويناه في "صحيح البخاري" عن ابن عباس: أنزل على النبي ﷺ وهو ابن أربعين، فمكث ثلاث عشرة سنة، ثم أمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، ثم توفي ﷺ". وأما تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة: فقد روى صاحب "الكامل": أنه في يوم الثلاثاء النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من مقامه بالمدينة، وقيل: على رأس ستة عشر. وفي هذه السنة وقعت غزوة بدر الكبرى في شهر رمضان، في سابع عشرة، وقيل: في تاسع عشرة، وكانت يوم الجمعة. وفي سن ست من الهجرة كانت عمرة الحديبية، وفيها بيعة الرضوان. فعُلم أن بيعة الرضوان لم تكن بين الهجرتين، كما نقله المصنف. قوله: (تصديق ذلك في أول الجمعة): يعني: يشهد لما ذكرت من أن الواو لازم:
[ ٧ / ٣٤٢ ]
(وَآخَرِينَ مِنْهُمْ) [الجمعة: ٣]، وأوسط الحشر: (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) [الحشر: ١٠]، وآخر الأنفال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ) [الأنفال: ٧٥]. وروى: أنه سمع رجلا يقرؤه بالواو، فقال: من أقرأك؟ قال: أبىّ، فدعاه، فقال: أقرأنيه رسول الله ﷺ، وإنك لتبيع القرظ بالبقيع، قال: صدقت، وإن شئت قلت: شهدنا وغبتم، ونصرنا وخذلتم، وآوينا وطردتم. ومن ثم قال عمر: لقد كنت أرانا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا.
وارتفع "السابقون" بالابتداء، وخبره (﵃)، ومعناه: رضي عنهم لأعمالهم، (وَرَضُوا عَنْهُ) لما أفاض عليهم من نعمته الدينية والدنيوية.
وفي مصاحف أهل مكة: "تجرى من تحتها"، وهي قراءة ابن كثير، وفي سائر المصاحف:
(تحتها)، بغير (من).
_________________
(١) قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ) [الجمعة: ٢] إلى قوله: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) [الجمعة: ٣]، كما في قوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) [الحشر: ١٠]، كذلك ينبغي أن يجري قوله: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ). قوله: (لتبيع القرظ): القرظ: ورق السلم يدبغ به، ومنه: أديم مقروظ. قوله: (كنت أرانا رُفعنا)، النهاية: "أُرى: فعلٌ لم يسم فاعله، من: رأيت، بمعنى: ظننت، وهو يتعدى إلى مفعولين، فإذا بنيته إلى ما لم يسم فاعله تعدى إلى مفعول واحد، فقلت: أرى زيدًا". ومعنى كلامه ﵁: إني كنت أظن أن المهاجرين هم السابقون فقط، حيث جعل "الذين اتبعوهم بإحسان" صفة للأنصار، فإذا الأنصار مثلنا في الرفعة ومنخرطون في سلك السابقين الأولين، والآيات التي جاء بها أبي مستشهدًا دالة على أن المراد بـ "التابعين" غير "الأنصار".
[ ٧ / ٣٤٣ ]
[(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ) ١٠١].
(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ) يعنى: حول بلدتكم، وهي المدينة، (مُنافِقُونَ) وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار، كانوا نازلين حولها، (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) عطف على خبر المبتدأ الذي هو"ممن حولكم"، ويجوز أن تكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدّرت: ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق، على أنّ (مَرَدُوا) صفة موصوف محذوف، كقوله:
أنَا ابْنُ جَلَا
_________________
(١) ـ قوله: (أنا ابن جلا): تمامه: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا … متى أضع العمامة تعرفوني القائل سحيم بن وثيل الرياي، أي: أنا ابن رجل كشف الأمور وأوضحها، وقيل: "جلا" مصدر مقصور، وهو انحسار الشعر من الرأس، أي: أنا ابن من باشر الحروب، لان من أكثر وضع البيضة على رأسه انحسر شعره. "طلاع الثنايا": أي: ثنايا الجبال، ويُقال: رجلٌ طلاع الثنايا وطلاع أنجد، أي: يقصد عظائم الأمور.
[ ٧ / ٣٤٤ ]
وعلى الوجه الأوّل: لا يخلو من أن يكون كلاما مبتدأ، أو صفة لـ (منافقون)، فصل بينها وبينه بمعطوف على خبره.
_________________
(١) "متى أضع العمامة تعرفوني": أي: بالصفة المذكورة التي هي انحسار الشعر، التقدير: أنا ابن رجل يقال له: جلا. قال ابن الحاجب في "الأمالي": "معنى البيت هو: أنني أرتكب الأهوال ولا أجبن عنها، وقوله: "متى أضع العمامة تعرفوني": إما أن يُريد به كثرة المباشرة للحرب، فلا يراه الأكثر إلا بغير عمامة، فقال: متى أضع العمامة يعرفني الذي ما رآني إلا غير متعمم، أو يريد: إني مُكثر لمباشرة الحرب ولباس عدة الحرب، فمتى أضع العمامة وألبس آلة الحرب تعرفوني، يعني: إني إذا حاربت عُرفت بإقدامي وشجاعتي. وأما قوله: "جلا" ففيه غير قول، تقديره: أنا ابن رجل جلا، فحذف الموصوف وأقيم الصفة مقامهن وقيل: إن "جلا" علمٌ غلب على أبيه، وقيل: إنما أراد أنا ابن ذي جلا، والجلا: انحسار الشعر عن مقدم الرأس". قوله: (وعلى الوجه الأول: لا يخلو من أن يكون كلامًا مبتدأ): فيكون قوله: "من أهل المدينة" مع ما عُطف عليه خبرين لقوله: (مُنَافِقُونَ)، و(مَرَدُوا): إما استئناف على تقدير: ما حالهم وما ديدنهم، وأجب: (مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)، أو صفة. قال أبو البقاء: " (مَرَدُوا) صفة للمنافقين، وقد فصل بينهما بقوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) خبر مبتدأ محذوف،
[ ٧ / ٣٤٥ ]
(مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ): تمهروا فيه، من: مرن فلان عمله، ومرد عليه: إذا درب به وضرى عليه، حتى لان عليه ومهر فيه، ودلّ على مرانتهم عليه ومهارتهم فيه بقوله: (لا تَعْلَمُهُمْ)، أي: يخفون عليك مع فطنتك وشهامتك وصدق فراستك، لفرط تنوقهم في تحامى ما يشكك في أمرهم، ثم قال (نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)، أي لا يعلمهم إلا الله، ولا يطلع على سرهم غيره، لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم إبطانا، ويبرزون لك ظاهرا كظاهر المخلصين من المؤمنين، لا تشك معه في إيمانهم، وذلك أنهم مردوا على النفاق، وضروا به، فلهم فيه اليد الطولي.
(سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) قيل: هما القتل وعذاب القبر، وقيل: الفضيحة وعذاب القبر، وعن ابن عباس: أنهم اختلفوا في هاتين المرّتين، فقال: "قام رسول الله ﷺ خطيبا يوم الجمعة فقال: "اخرج يا فلان فإنك منافق، اخرج يا فلان فإنك منافق"، فأخرج ناسا وفضحهم"، فهذا العذاب الأوّل، والثاني عذاب القبر.
وعن الحسن: أخذ الزكاة من أموالهم، ونهك أبدانهم.
_________________
(١) أي: من أهل المدينة قوم كذلك، (لا تَعْلَمُهُمْ) صفة أخرى، والعلم بمعنى المعرفة، يتعدى إلى مفعول واحد". قوله: (إذا درب به وضري)، أي: مهر واعتاد. قوله: (تنوقهم): تنوق: أي: تأنق، الأساس: "تنوق في الأمر، وفلان له نيقة. وفي المثل: خرقاء ذات نيقة، يُضرب لجاهل يدعي المعرفة". قوله: (فقال: قام رسول الله ﷺ): الفاء فصيحة، والتقدير: رُوي عن ابن عباس أنه قال: إن الصحابة اختلفوا فيهاتين المرتين على أقوال، وأنكر هذا الاختلاف، فقال: قام …
[ ٧ / ٣٤٦ ]
(إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ): إلى عذاب النار.
[(وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ١٠٢].
(اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) أي: لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا متذممين نادمين، وكانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان ابن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن حرام.
_________________
(١) وروينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن ابن مسعود قال: "خطبنا رسول الله ﷺ، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم"، ثم قال "قم يا فلان"، حتى سمي ستة وثلاثين". قوله: «اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) - إلى قوله-: وكانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن حرام): وفي هذا المقام اختلاف كثير بين المحدثين والمفسرين لا يكاد ينضبط. أما أبو لبابة: فعلى ما ذكره صاحب "الاستيعاب" و"جامع الأصول": "هو أبو لبابة رفاعة بن عبد المنذر"، وأما أوس بن ثعلبة ووديعة بن حرام: فليس لهما ذكر في هذين الكتابين.
[ ٧ / ٣٤٧ ]
وقيل: كانوا عشرة، فسبعة منهم أوثقوا أنفسهم لما بلغهم ما نزل في المتخلفين، فأيقنوا بالهلاك، فأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، فقدم رسول الله ﷺ، فدخل المسجد فصلى ركعتين، وكانت عادته ﷺ كلما قدم من سفر، فرآهم موثقين، فسأل عنهم، فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلهم، فقال: "وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أؤمر فيهم"، فنزلت، فأطلقهم وعذرهم، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فتصدق بها وطهرنا، فقال: "ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا"، فنزلت: (خذ من أموالهم صدقة) [التوبة: ١٠٣].
(عَمَلًا صالِحًا): خروجا إلى الجهاد، (وَآخَرَ سَيِّئًا): تخلفا عنه. عن الحسن وعن الكلبي: التوبة والإثم.
فإن قلت: قد جعل كل واحد منهما مخلوطا، فما المخلوط به؟ قلت: كل واحد منهما مخلوط ومخلوط به، لأنّ المعنى: خلط كل واحد منهما بالآخر، كقولك: "خلطت الماء واللبن"، تريد: خلطت كل واحد منهما بصاحبه، وفيه ما ليس في قولك: "خلطت الماء باللبن"، لأنك جعلت الماء مخلوطًا واللبن مخلوطًا به،
_________________
(١) وذكر محيي السنة في "المعالم" عن ابن عباس أنه قال: كانوا عشرة منهم أبو لبابة. وروى عطية [عنه]: أنهم كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة، وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم: كانوا ثمانية، وقال قتادة والضحاك: كانوا سبعة، وقالوا جميعًا: أحدهم أبو لبابة. قوله: (وكانت عادته): أي: كانت دخول المسجد للصلاة بعد القدوم عادته صلوات الله عليه، فأنث اسم "كان" باعتبار الخبر، كقوله: من كانت أمك؟ قوله: (وفيه ما ليس في قولك: خلطت الماء باللبن): أي: من أن كل واحد منهما مخلوط
[ ٧ / ٣٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ صريحًا ومخلوط به، بخلاف ما إذا جيء بالباء، قال صاحب "الانتصاف": "فإذا ذكرت الباء صرحت باختلاط أحد القسمين بالآخر، واختلاط الآخر به من جهة اللزوم، وبالواو صرحت بأن كل احد مخلوط، وكون كل واحد منهما مخلوطًا به مأخوذ من اللزوم، فقول الزمخشري: "هو بالواو يُفيد ما تفيده الباء وزيادة" بعيد، بل الوجه أنه ضمن (خَلَطُوا) معنى: عملوا". وقال صاحب "التقريب": وفيه بحث؛ لأن كل واحد منهما إما أن يدل على الآخر أو لا؛ فإن لم يدل فلا نسلم كونهما مخلوطًا بهما في الأول، وإن دل لزم كونهما مخلوطين ومخلوطًا بهما في الثاني، ويمكن أن يقال: مقتضى الخلط ذكر الباء، ففي الأول لابد من تقدير المخلوط به، وهو إما أحد المذكورين أو غيرهما، والثاني منتفٍ بالأصل وبالقرينة، وكذا بالعكس، فتعين الآخر، فكل واحد مخلوط به لتوفر مقتضى الخلط ومخلوط صريحًا، وأما الثاني- وهو ما ذُكر الباء معه- فقد وفد على الخلط ما يقتضيه، ولا ضرورة تُلجيء إلى جعل الآخر مخلوطًا به، ولا يلزم أن يكون مخلوطين لوجود الباء، ولا مخلوطًا بهما لعدم شمول الباء لهما، بل أحدهما مخلوط والآخر مخلوط به، كما هو صريح اللفظ، فالأول أبلغ، وهو المطلوب.
[ ٧ / ٣٤٩ ]
وإذا قلته بالواو جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطًا بهما، كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء، ويجوز أن يكون من قولهم: بعت الشاة شاة ودرهما، بمعنى: شاة بدرهم.
_________________
(١) وقلت: يلزم من الأول خلطان صريحًا، ومن الثاني خلط واحد، على ما قال صاحب "المفتاح": " (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا) بسيء (وَآخَرَ سَيِّئًا) بصالح، لأن الخلط يستدعي مخلوطًا ومخلوطًا به، أي: تارة أطاعوا وأحبطوا الطاعة بكبيرة، وأخرى عصوا وتداركوا المعصية بالتوبة". وقلت: الحبوط مذهبه، مع أنه دفع لا خلط. قوله: (شاة ودرهمًا): عن سيبويه: الواو في "ودرهمًا" بمعنى الباء، أي: بدرهم، لأن الواو للجمع، والباء للإلصاق، والجمع والإلصاق من باب واحد. قاله شارح "الكتاب". وقال ابن الحاجب: "بعت الشاة شاة ودرهمًا: أصله: شاة بدرهم، أي: شاة مع درهم، ثم كثر ذلك فنصبوا "شاة" نصب "يدًا"، ثم أبدلوا من باء المصاحبة واوًا، وإذا أُبدلت باء المصاحبة واوًا وجب أن يُعرب ما بعدها بإعراب ما قبلها، كقولهم: كل رجلٍ وضيعته، وقلهم: امرأ ونفسه".
[ ٧ / ٣٥٠ ]
فإن قلت: كيف قيل: (أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) وما ذكرت توبتهم؟ قلت: إذا ذكر اعترافهم بذنوبهم، وهو دليل على التوبة، فقد ذكرت توبتهم.
[(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ١٠٣].
(تُطَهِّرُهُمْ) صفة لـ (صدقة)، وقرئ: "تطهرهم"، من أطهره، بمعنى: طهره. و"تطهرهم"، بالجزم جوابا للأمر. ولم يقرأ "وَتُزَكِّيهِمْ" إلا بإثبات الياء. والتاء في "تُطَهِّرُهُمْ" للخطاب أو لغيبة المؤنث، والتزكية: مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال، (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) واعطف عليم بالدعاء لهم وترحم، والسنة أن يدعو المصدّق لصاحب الصدقة إذا أخذها، وعن الشافعي ﵀: أحب أن يقول الوالي عند أخذ الصدقة: "أجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورًا، وبارك لك فيما أبقيت".
_________________
(١) ـ قوله: (ولم يُقرأ (وَتُزَكِّيهِمْ) إلا بإثبات الياء): أي: ولم يقرأ أحد من الأئمة السبعة إلا بإثبات الياء، وقرأ مسلمة بن محارب في الشواذ بدون الياء، ووجه إثبات الياء أنه استئناف، كما في قوله تعالى: (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ) [الحج: ٥]، أي: نحنُ نقر، فكذا هاهنا، أي: هي تزكيهم. قاله السجاوندي. قوله: (والتاء في (تُطَهِّرُهُمْ) للخطاب أو لغيبة المؤنث): قال أبو البقاء: " (تُطَهِّرُهُمْ) نصب صفة لـ (صَدَقَةً)، ويجوز أن يكون مستأنفا، والتاء للخطاب، أي: تطهرهم أنت، (وَتُزَكِّيهِمْ) التاء للخطاب لا غير، لقوله: (بها)، ويجوز أن يكون قوله: (تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) في موضع نصب صفة لـ (صَدَقَةً)، مع قولنا: إن التاء فيهما للخطاب، لأن قوله: (تُطَهِّرُهُمْ) تقديره: بها، ودل عليه (بها) الثانية، على أن يكون من باب التنازع، وإذا كان
[ ٧ / ٣٥١ ]
وقرئ: (إنّ صلاتك)، على التوحيد.
(سكن لهم) يسكنون إليه، وتطمئنّ قلوبهم بأن الله قد تاب عليهم، (وَاللَّهُ سَمِيعٌ) يسمع اعترافهم بذنوبهم ودعاءهم، (عَلِيمٌ) بما في ضمائرهم من الغم من الندم لما فرط منهم.
[(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَاخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ١٠٤].
_________________
(١) ـ فيها ضمير الصدقة جاز أن يكون صفة لها، ويجوز أن تكون الجملتان حالًا من ضمير الفاعل في (خُذُ) "، وذكر الزجاج نحوه. قوله: (وقرئ: (إِنَّ صَلاتَكَ) على التوحيد): حفص وحمزة والكسائي. قوله: «سَكَنٌ لَهُمْ): يسكنون إليه)، الراغب: "السكون" ثبوت الشيء بعد تحرك، ويستعمل في الاستطيان، نحو: سكن مكان كذا، أي: استوطنه، واسم المكان: مسن، قال تعالى: (فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ) [الأحقاف: ٢٥]، وقال: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) [الأنعام: ١٣]، وقال: (جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ) [القصص: ٧٣]، فيُقال من الأول: سكنته، ومن الثاني: أسكنته، والسن: السكون وما يسكن إليه، قال: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا) [النحل: ٨٠]، وقال: (إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) [التوبة: ١٠٣]، والسكنى: أن يُجعل له السكون في دار بغير أجرة".
[ ٧ / ٣٥٢ ]
قرئ: (أَلَمْ يَعْلَمُوا) بالياء والتاء، وفيه وجهان:
أحدهما: أن يراد المتوب عليهم، يعنى: ألم يعلموا قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم (أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ) إذا صحت، ويقبل الصدقات إذا صدرت عن خلوص النية، (وهو) للتخصيص والتأكيد، وأن الله تعالى من شأنه قبول توبة التائبين.
وقيل: معنى التخصيص في (هو): أن ذلك ليس إلى رسول الله ﷺ، إنما الله هو الذي يقبل التوبة ويردّها، فاقصدوه بها، ووجهوها إليه.
[(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ١٠٥].
(وَقُلِ) لهؤلاء التائبين: (اعْمَلُوا) فإن عملكم لا يخفى، خيرًا كان أو شرًا، على الله وعباده، كما رأيتم وتبين لكم.
والثاني: أن يراد غير التائبين؛ ترغيبًا لهم في التوبة، فقد روى أنهم لما تيب عليهم
_________________
(١) قوله: (قرئ: (أَلَمْ يَعْلَمُوا) بالياء والتاء): بالياء التحتانية: السبعة، وبالتاء شاذة. قوله: (و(هو) للتخصيص): أي: لفظة (هُوَ) مفيدة للتخصيص والتأكيد، وأن الله من شأنه قبول توبة التائبين، مثال للتخصيص والتأكيد معًا، يعني: لابد أن يقبل التوبة، ولا يكون خلافه ألبتة، لأن من شأنه وعادته ﷾ أن يفعله ولا يتركه، وذلك أن الضمير المرفوع للفصل أو للتأكيد، ثم في قوله: (يَقْبَلُ) ضمير يرجع إلى المسند إليه، فيزيد الحكم به تأكيدًا. قوله: (والثاني أن يُراد غير التائبين ترغيبًا لهم في التوبة): فعلى الأول: الكلام مع
[ ٧ / ٣٥٣ ]
قال الذين لم يتوبوا: هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا، لا يكلمون ولا يجالسون، فما لهم، فنزلت.
فإن قلت: فما معنى قوله: (وَيَاخُذُ الصَّدَقاتِ)؟ قلت: هو مجاز عن قبوله لها، وعن ابن مسعود "إن الصدقة تقع في يد الله تعالى قبل أن تقع في يد السائل"، والمعنى: أنه يتقبلها ويضاعف عليها، وقوله (فَسَيَرَى اللَّهُ) وعيد لهم وتحذير من عاقبة الإصرار والذهول عن التوبة.
_________________
(١) ـ التائبين، والاستفهام في (أَلَمْ يَعْلَمُوا) لاستبطاء توبتهم، ولذلك قدر: "ألم يعلموا قبل أن يُتاب عليهم"، ولم يُقدر في الثاني، لأن المراد ترغيب من استمر علمه، فالاستفهام للتقرير والتوبيخ. قوله: (قال الذين لم يتوبوا: هؤلاء الذين كانوا [بالأمس] معنا): يعني: (أَلَمْ يَعْلَمُوا) استفهام على سبيل التقرير، والجملة مفصولة على الاستئناف، فإنه تعالى لما قسم الأعراب المتخلفين أقسامًا؛ منهم المنافقون ومنهم التائبون ومنهم المرجون، وذكر توبة التائبين بقوله: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ١٠٢]، وأمر النبي ﷺ بأخذ الصدقات منهم أمارة لقبول التوبة، قرر لهم ذلك المعنى بقوله: (أَلَمْ يَعْلَمُوا) [التوبة: ١٠٤]، يعني: أما تقرر عندهم قبل أن يتوب الله عليهم أن الأمر على هذا، أقرر المعنى لغير التائبين منهم، ترغيبًا لهم في التوبة، ثم أتبعه بقوله: (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ)؛ ترهيبًا لهم ووعيدًا من عاقبة الإصرار والذهول عن التوبة. وهذا الوجه أوفق من الأول، لأن الوعيد بقوله: (فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ) لا يليق بالتائبين المأمور بقبول صدقاتهم النبي ﷺ. قوله: (إن الصدقة تقع في يد الله): روينا عن مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ٧ / ٣٥٤ ]
[(وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ١٠٦].
قرئ: (مرجون) و(مرجؤن)؛ من أرجيته. وأرجأته: إذا أخرته، ومنه المرجئة، يعنى: وآخرون من المتخلفين موقوف أمرهم، (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ) إن بقوا على الإصرار ولم يتوبوا، (وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ)
إن تابوا، وهم ثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع،
أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم، ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شدّ أنفسهم على السواري، وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أنّ أحدًا لا ينظر إليهم فوّضوا أمرهم إلى الله، وأخلصوا نياتهم، ونصحت توبتهم، فرحمهم الله.
_________________
(١) ـ "ما تصدق أحدٌ بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن، حتى تكون أعظم من الجبل، كما يُربي أحدكم فلوه وفصيله"، ورواه البخاري مع تغيير فيه. قوله: (وقرئ: (مُرْجَوْنَ) و"مُرجَؤون"): ابن كثير وأبو بكر وابن عامر وأبو عمرو: (مُرجَؤون)، والباقون: بغير همز. قوله: (ومنه المُرجِئة): وهم الذين لا يقطعون على أهل الكبائر بشيء من عقوبة أو عفو، بل يؤخرون الحكم في ذلك إلى يوم القيامة، يُقال: أرجأت الأمر وأرجيته - بالهمز أو الياء-: إذا أخرته.
[ ٧ / ٣٥٥ ]
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) وفي قراءة عبد الله: "غفور رحيم"، (وإمّا) للعباد، أي: خافوا عليهم العذاب، وارجوا لهم الرحمة.
[(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) ١٠٧ - ١٠٨].
في مصاحف أهل المدينة والشام: (الذين اتخذوا) بغير واو؛ لأنها قصة على حيالها؛ وفي سائرها بالواو؛ على عطف قصة مسجد الضرار الذي أحدثه المنافقون على سائر قصصهم.
_________________
(١) ـ قوله: (و(إمَّا) للعباد): أي لفظةُ (إمَّا) لشك العباد، قال الزجاج: " (إمَّا) لوقوع أحد الشيئين، والله ﷿ عالم بما يصير إليه أمرهم، إلا أن هذا للعباد، خُوطبوا بما يعلمون، فالمعنى: ليكن أمرهم عندكم على هذا في الخوف والرجاء"، وهو المراد بقوله: "خافوا عليهم العذاب وارجوا لهم الرحمة" على الأمرين. وقال الإمام: "فجعل أناس يقولون: هلكوا إن لم يُنزل الله لهم عُذرًا، وآخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم"، وقال القاضي: "وفيه دليل على أن كلا الأمرين بإرادة الله تعالى". فعلى هذا: (إمَّا) لترديد الأمر بحسب المشيئة، لا بشك العباد، وهو مثلُ "أو" التنويعية. قوله: (في مصاحف أهل المدينة والشام: "الذين اتخذوا" بغير واو): وكذا قرأ نافع وابن عامر.
[ ٧ / ٣٥٦ ]
روي: أنّ بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء، بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن يأتيهم، فأتاهم فصلى فيه، فحسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف، وقالوا: نبنى مسجدًا، ونبعث إلى رسول الله ﷺ يصلى فيه، ويصلى فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، ليثبت لهم الفضل والزيادة على إخوتهم، وهو الذي سماه رسول الله ﷺ الفاسق، وقال لرسول الله ﷺ يوم أحد: لا أجد قومًا يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هاربًا إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين: أن استعدّوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر، وآت بجنود، ومخرج محمدًا وأصحابه من المدينة.
فبنوا مسجدًا بجنب مسجد قباء، وقالوا للنبي ﷺ: بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية، ونحن نحب أن تصلى لنا فيه، وتدعو لنا بالبركة، فقال: "إني على جناح سفر وحال شغل، وإذا قدمنا- إن شاء الله - صلينا فيه"، فلما قفل من غزوة تبوك، سألوه إتيان المسجد، فنزلت عليه.
فدعا بمالك بن الدخشم، ومعن بن عدى، وعامر بن السكن، ووحشي قاتل حمزة، فقال لهم: "انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه"، ففعلوا، وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين.
(ضِرارًا): مضارّة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء ومعازة، (وَكُفْرًا): وتقوية للنفاق، (وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قباء، فيغتص بهم، فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم،
_________________
(١) قوله: (فيغتص بهم): أي: يمتلئ بهم. الأساس: "المسجد غاص بأهله، وأغص الأرض علينا، فغصت بنا".
[ ٧ / ٣٥٧ ]
(وَإِرْصادًا): وإعدادًا لأجل لمَنْ (حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، وهو الراهب، أعدوه له ليصلى فيه، ويظهر على رسول الله ﷺ.
وقيل: كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب: فهو لاحق بمسجد الضرار.
وعن شقيق: أنه لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر، فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلوا فيه بعد، فقال: لا أحب أن أصلى فيه، فإنه بني على ضرار، وكل مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة، فإنّ أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني ضرارًا.
وعن عطاء: لما فتح الله تعالى الأمصار على يد عمر ﵁، أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين، يضارّ أحدهما صاحبه.
فإن قلت: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) ما محله من الإعراب؟
_________________
(١) قوله: «وَإِرْصَادًا): وإعدادًا)، الراغب: "الرصد: الإعداد للترقب، يقال: رصد وترصد وأرصدته له، قال تعالى: (وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، وقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر: ١٤]، تنبيهًا أنه لا ملجأ ولا مهرب. المرصد: موضع الرصد، والمرصاد: نحوه، كن يقال للمكان الذي اختص بالترصد". قوله: (أنه لم يُدرك الصلاة): يعني: كان من عادة شقيق أن يُصلي في مسجد بني عامر بالجماعة، وقد اتفق يومًا أنه لم يدرك الجماعة فيه، فقيل له: مسجد بني فُلان لم يصلوا فيه، أي: لم يقيموا فيه الجماعة، فهلا تصلي فيه بالجماعةن فأجاب بما أجاب. قوله: «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) ما محله من الإعراب؟): هذا السؤال مبني على ما ذكره أولًا: "أن قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) إذا رُوي بالواو: هو عطف قصة مسجد الضرار الذي
[ ٧ / ٣٥٨ ]
قلت: محله النصب على الاختصاص، كقوله: (الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) [النساء: ١٦٢]، وقيل: هو مبتدأ خبره محذوف، معناه: وفيمن وصفنا الذين اتخذوا، كقوله (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) [المائدة: ٣٨].
فإن قلت: بم يتصل قوله: (مِنْ قَبْلُ)؟ قلت: بـ (اتخذوا)، أي اتخذوا مسجدًا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.
(إِنْ أَرَدْنا): ما أردنا ببناء هذا المسجد (إِلَّا): إلا الخصلة (الْحُسْنى)، أو الإرادة الحسنى، وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين.
(لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى) قيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله ﷺ، وصلى فيه أيام مقامه بقباء، وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وخرج يوم الجمعة
_________________
(١) أحدثه المنافقون على سائر قصصهم، وبغير الواو: على أنها قصة على حيالها". وعلى هذا ينبغي أن يكون جملة، وهو مفرد، فلابد من تقدر ما تتم به جملة، وما ذلك؟ وأجاب: إن أريد بإيرادها الذم - لأنها أفظع القصص -فتكون نصبًا على الاختصاص، كما أن قوله: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) [النساء: ١٦٢] أفضل الصفات، فقطع لذلك، وإن أُريد مجرد العطف فتكون رفعًا؛ على أنه مبتدأ خبره محذوف. قوله: (أي: اتخذوا مسجدًا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف): يريد: أن هذه الآية متصلة بقوله تعالى: (وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَاذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ) [التوبة: ٨٦ - ٨٧].
[ ٧ / ٣٥٩ ]
وهو أولى، لأنّ الموازنة بين مسجدي قباء أوقع. وقيل: هو مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وعن أبى سعيد الخدري: سألت رسول الله ﷺ عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأخذ حصباء فضرب بها الأرض وقال: "هو مسجدكم هذا" لمسجد المدينة.
_________________
(١) يشهد له سبب النزول، وهو قوله: "فبنوا مسجدًا بجنب مسجد قُباء، وقالوا للنبي ﷺ: نحن نحب أن تصلي لنا فيه، قال: "إني على جناح سفر، وإذا قدمنا، إن شاء الله تعالى، صلينا فيه"، فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد، فنزلت"، إلى آخره. وعن محيي السنة: " (مِنْ قَبْلُ): يرجع إلى أبي عامر، يعني: قوله: (حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) من قبل أن يُبنى مسجد الضرار، والمحارب هو أبو عامر الفاسق، لأنه لم يزل يُقاتل إلى يوم حنين". قوله: (لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع): يعني: إذا جعلنا المسجد مسجد قُباء، ولم نجعله مسجد المدينة، كان أنسب؛ لأن كلا المسجدين مبنيان في قُباء، وبانيهما إخوان؛ بنو عمرو بن عوف، وبنو غنم بن عوف.
[ ٧ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقلت: بل الأنسب ما نص عليه صلوات الله عليه، على ما روينا عن مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد: قلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: "هو مسجدكم هذا"، لمسجد المدينة. وفي رواية الترمذي والنسائي: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "هو مسجدي هذا". وأما بيان حقيقة الموازنة: فإن مسجد رسول الله ﷺ أحق بالوصف بالتقوى من أول يوم من مسجد قباء، لأن هذا الوصف وقع مقابلًا لقوله: (ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، وكل ما يقابل هذه الأوصاف مفقود في مسجد قُباء، موجود في مسجد رسول الله ﷺ، ولأن التعبير بالقيام عن الصلاة- في قوله:
[ ٧ / ٣٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) - يستدعي المداومة، كما مر في أول البقرة، يعضده توكيده المنهي بقوله: (أَبَدًا)، ومداومة رسول الله ﷺ لم تُوجد إلا في مسجده صلوات الله عليه. وأما ما جاء عن الترمذي وأبي داود عن أبي هريرة قال: "نزلت هذه الآية في أهل قُباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا)، وكانوا يستنجون بالماء، فنزلت". وعن ابن ماجه عن أبي أيوب وجابر وأنس: أن هذه الآية لما نزلت: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا)، قال رسول الله ﷺ: "يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟ " قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنتجي بالماء، قال: "هو ذاك، فعليكموه". وكلام أبي هريرة لا يعارض نص رسول الله ﷺ، وحديث جابر وأنس وأبي أيوب محتمل، بل هو إلى مسجد رسول الله ﷺ أقرب.
[ ٧ / ٣٦٢ ]
(مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ): من أول يوم من أيام وجوده.
(فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) قيل: لما نزلت مشى رسول الله ﷺ ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس، فقال: "أمؤمنون أنتم؟ " فسكت القوم، ثم أعادها، فقال عمر: يا رسول الله، إنهم لمؤمنون وأنا معهم. فقال ﷺ: "أترضون بالقضاء؟ " قالوا: نعم، قال: "أتصرون على البلاء؟ " قالوا: نعم
_________________
(١) ـ على أنه لا يبعد أن يحمل التطهر على الطهارتين الظاهرة والباطنة، كما قال القاضي: "الطهارة من المعاصي والخصال المذمومة [طلبا] لمرضاة الله تعالى". هذا أوفق للنظم والتعريض بأن أصحاب الضرار على خلاف ذلك، والله أعلم. قوله: (من أول يوم من أيام وجوده): أي: حين وُجد وأسس كان مبنيًا على التقوى، قال الزجاج: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ): دخلت "مِن" في الزمان، والأصل "منذ" و"مُذ"، وهو أكثر الاستعمال في الزمان، و"مِن" جائزٌ دخولها أيضًا، لأنها الأصل في ابتداء الغاية والتبعيض، قال زُهير: لِمَنِ الديار بقنة الحجر … أقوين من حجج ومن شهر
[ ٧ / ٣٦٣ ]
قال: "أتشكرون في الرخاء؟ " قالوا: نعم. قال: ﷺ: "مؤمنون ورب الكعبة"، فجلس، ثم قال: "يا معشر الأنصار، إن الله ﷿ قد أثنى عليكم، فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط"، فقالوا يا رسول الله، نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء، فتلا النبي ﷺ (فيه رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا).
وقرئ: "أن يطهروا"، بالإدغام، وقيل: هو عام في التطهر من النجاسات كلها. وقيل:
كانوا لا ينامون الليل على الجنابة، ويتبعون الماء أثر البول. وعن الحسن: هو التطهر من الذنوب بالتوبة. وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم، فحموا عن آخرهم.
فإن قلت: ما معنى المحبتين؟ قلت: محبتهم للتطهر: أنهم يؤثرونه، ويحرصون عليه حرص المحب للشيء المشتهى له على إيثاره، ومحبة الله تعالى إياهم: أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم، كما يفعل المحب بمحبوبه.
[(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ١٠٩].
_________________
(١) ـ قال أبو البقاء: " (أَوَّلِ) يتعلق بـ (أُسِّسَ)، والتقدير عند البصريين: من تأسيس أول يوم، لأنهم يرون أن "مِن" لا تدخل على ابتداء الزمان، وأن ذلك لـ"مُنذ"، وهو ضعيف، لأن التأسيس المقدر ليس بمكان حتى تكون "مِن" لابتداء الغاية، ويدل على جواز دخول "مِن" على الزمان ما جاء في القرآن من دخولها على (قبل) و(بعد) ". قوله: (المشتهى): بالفتح، فالضمير المستتر يعود إلى اللام، والمجرور في (لَهُ) إلى "المحب"، وجاز "المشتهي" بالكسر، فالمجرور يعود إلى "الشيء"، والمستتر يعود إلى اللام.
[ ٧ / ٣٦٤ ]
قرئ: (أَسس بنيانه)، و(أُسس بنيانه)، على البناء للفاعل والمفعول، و(أسس بنيانه)، جمع "أساس" على الإضافة، و"أساس بنيانه، بالفتح والكسر؛ جمع "أس"، و"أساس بنيانه"؛ على "أفعال"، جمع "أس" أيضا، و"أس بنيانه".
والمعنى: أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة، وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه، (خَيْرٌ أَمْ مَنْ) أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل (شَفا جُرُفٍ هارٍ) في قلة الثبات والاستمساك، وضع "شفا الجرف" في مقابلة "التقوى"، لأنه جعل مجازا عما ينافي التقوى.
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: (أَسَّسَ بُنْيَانَهُ) و"أسس بنيانه"): قرأ نافع وابن عامر "أسس بنيانه"؛ بضم الهمزة وكسر السين ورفع النون، والباقون: بفتح الهمزة واسين ونصب النون من (بُنْيَانَهُ). قوله: (والمعنى: أفمن أسس بنيان دينه): قال الواحدي: "البنيان: مصدر يراد به المبني هاهنا، والتأسيس: إحكام أُسِّ البناء، وهو أصله، المعنى: المؤسس بنيانه متقيًا يخاف الله ويرجو ثوابه ورضوانه". تم كلامه. اعلم أن أصل المعنى أن يُقال: أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة خير أم من أسس النبيان على قاعدة ضعيفة رخوة، ثم: أفمن أسس بنيان دينه على الحق خير أم من أسس بنيان دينه على الباطل، لأن الحق هو الثابت الذي لا يزول، والباطل بخلافه. فوضع موضع الحق "التقوى"، لأن التقوى تستلزم الحق، وموضع الباطل: (شَفَا جُرُفٍ هَارٍ)، على إرادة ما يُضاد التقوى، يصح التقابل، لأن ما يُضاد التقوى مستلزم للباطل.
[ ٧ / ٣٦٥ ]
فإن قلت: فما معنى قوله: (فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ)؟ قلت: لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل، قيل: (فانهار به في نار جهنم)، على معنى: فطاح به الباطل في نار جهنم، إلا أنه رشح المجاز، فجيء بلفظ "الانهيار" الذي هو للجرف،
_________________
(١) ـ قوله: (فما معنى قوله: (فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)؟) يعني: حين جعلت (شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) مجازًا عما يُنافي التقوى، فأي مناسبة بينه وبين قوله: (فَانْهَارَ)؟ وأجاب: أنه متفرع على التشبيه، لأنه صفة ملائمة للمستعار منه ترشيحًا للاستعارة، ولما كان مبني الترشيح على تناسي التشبيه رأسًا، وعلى صرف النفس عن توهمه أصلًا، قال: "وليُصور أن المبطل كأنه أسس بنيانًا على شفا جُرفٍ من أودية جهنم، فانهار به ذلك الجرف، فهوى في قعرها". قال القاضي: " (شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) في مقابلة التقوى، وترشيحه بانهياره في النار في مقابلة الرضوان؛ تنبيهًا على أن تأسيس ذاك على أمر يحفظه عن النار، ويوصله إلى رضوان الله ومقتضياته التي الجنة أدناها، وتأسيس هذا على ما هم بسببه على صدد الوقوع في النار ساعة فساعة، ثم إن مصيرهم إلى النار لا محالة". وقلت: تمام تقريره: أنه قوبل (عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ) - المراد من قصد المؤمنين في تأسيسهم مسجد النبي ﷺ، المنجح لمقاصدهم؛ من الظفر والنصرة في الدنيا، والفلاح بالعقبى، وهو الحق الثابت الواجب، المشبه بالقاعدة المحكمة القوية على الاستعارة المكنية- بقوله: (شَفَا جُرُفٍ هَارٍ)، وهو عزم المنافقين فيما أضمروا في تأسيسهم من الكيد بالمؤمنين، ثم خيبتهم فيما عزموا عليه، وهوا لباطل الزائل، المشبه بالقاعدة الرخوة الواهية.
[ ٧ / ٣٦٦ ]
وليصور أنّ المبطل كأنه أسس بنيانا على شفا جرف من أودية جهنم، فانهار به ذلك الجرف، فهوى في قعرها.
والشفا: الحرف والشفير، وجرف الوادي: جانبه الذي يتحفر أصله بالماء، وتجرفه السيول فيبقى واهيا، والهار: الهائر، وهو المنصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط، ووزنه "فعل"؛ قصر عن "فاعل"، كخلف، من: خالف، ونظيره: شاك وصات، في: شائك وصائت، وألفه ليست بألف "فاعل"، إنما هي عينه، وأصله هور وشوك وصوت. ولا ترى أبلغ من هذا الكلام، ولا أدلّ على حقيقة الباطل وكنه أمره.
_________________
(١) ثم فرع على المستعار له "الرضوان" تجريدًا، كما فرع على المستعار منه "الانهيار" ترشيحًا، وكلا التفريعين منبئان عن أقصى الدرجات وأبعد الدركات، وقوبل الواو في (وَرِضْوَانٍ) بالفاء في (فَانْهَارَ)، وكلا التفريعين منبئان عن استعارتين، للدلالة على أن التقوى تقتضي مسببات خارجة عن الحد والعد، وهو على منوال: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) [الزمر: ٧١]، و(إِذَا جَاءُوهَا وفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) [الزمر: ٧٣]. قوله: (وليُصوِّر): عطف على محذوف، يعني: لما أراد أن يُقال: فطاح به، رشح المجاز وقال: (فَانْهَارَ)، ليكون أبلغ، وليصور أن المبطل. قوله: (والشفا: الحرف)، الراغب: "شفا البئر والنهر: طرفه، ويُضرب به المثل في القرب من الهلكة، قال تعالى: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) [آل عمران: ١٠٣]، وأشفى على الهلاك، أي: حصل على شفاه، وتثنيته: شفوان، والفاء من المرض: موافاة شفا السلامة، وصار اسمًا للبرء". قوله: (وأصله: هورٌ): قال الزجاج: "ومعنى (هَارٍ): هائر، وهذا من المقلوب، كما قالوا: شاك السلاح، يريدون: شائك".
[ ٧ / ٣٦٧ ]
وقرئ: (جرف). بسكون الراء.
فإن قلت: فما وجه ما روى سيبويه عن عيسى بن عمر: "على تقوى من الله"، بالتنوين؟ قلت: قد جعل الألف للإلحاق لا للتأنيث، كتترى؛ فيمن نوّن، ألحقها بـ"جعفر". وفي مصحف أبىّ:
"فانهارت به قواعده".
وقيل: حفرت بقعة من مسجد الضرار، فرئي الدخان يخرج منه. وروى: أن مجمع ابن حارثة كان إمامهم في مسجد الضرار،
_________________
(١) ـ الراغب: "هار البناء وتهور: سقط، وقرئ: (شفا جرف هائر)، يُقال: بئر هارٍ وهائر ومنهار، ويُقال: انهار فلان: إذا سقط من مكان عال، ورجل هار وهائر: ضعيف في أمره؛ تشبيهًا بالبئر الهائر". قوله: (وقرئ "جُرف" بسكون الراء): ابن عامر وحمزة وأبو بكر، والباقون: بضمها. قوله: (قد جعل الألف للإلحاق، لا للتأنيث): قال ابن جني: "حكى ابن سلام: قال سيبويه: كان عيسى بن عمر يقرأ (على تقوى من الله)، قلت: على أي شيء نون؟ قال: لا أدري ولا أعرفه، قلت: فهل نون أحد غيره؟ قال: "لا". قال ابن جني: "أما التنوين فإنه وإن كان غير مسموع إلا في هذه القراءة، فإن قياسه أن تكون الألف للإلحاق لا للتأنيث، كتترى، فيمن نون، وجعلها ملحقة بجعفر". ثم قال: "أما قول سيبويه: "لم يقرأ بها أحد"، فجائز يعني: ما سمعه، لكن لا عُذر له في أن يقول: لا أدري، لأن قياس ذلك أخف وأسهل على ما قلنا من أن تكون ألفه للإلحاق". قوله: (رُوي أن مُجمع بن حارثة): "مُجمع": بفتح الميم الثاني مُشددًا، "حارثة": بالحاء المهملة
[ ٧ / ٣٦٨ ]
فكلم بنو عمرو بن عوف - أصحاب مسجد قباء - عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته: أن يأذن لمجمع يؤمّهم في مسجدهم، فقال: لا، ولا نعمة عين، أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لا تعجل علىّ، فوالله لقد صليت بهم، والله يعلم أنى لا أعلم ما أضمروا فيه، ولو علمت ما صليت معهم فيه، كنت غلاما قارئًا للقرآن، وكانوا شيوخا لا يقرؤون من القرآن شيئا، فعذره وصدّقه، وأمره بالصلاة بقومه.
[(لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ١١٠].
(رِيبَةً): شكا فى الدين ونفاقا، وكان القوم منافقين، وإنما حملهم على بناء ذلك المسجد كفرهم ونفاقهم، كما قال ﷿: (ضِرارًا وَكُفْرًا) [التوبة: ١٠٧]، فلما هدمه رسول الله ﷺ ازدادوا - لما غاظهم من ذلك وعظم عليهم - تصميما على النفاق، ومقتًا للإسلام، فمعنى قوله: (لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ):
_________________
(١) والثاء المثلثة في نُسخ "الكشاف"، والرواية في "جامع الأصول": "مُجمع بن حارثة- ويُقال: ابن جارية- بن عامر الأنصاري، وكان أبوه منافقًا من أهل مسجد الضرار، وكان مُجمع مستقيمًا، وكان قارئًا". "مُجمع": بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الميم الثانية وسرها وبالعين المهملة، و"جارية": بالجيم والياء تحتها نقطتان والراء: نحوه في "الاستيعاب". قوله: (ولا نعمة عين): النعمة مصدر سماعي بمعنى الإنعام، الجوهري: "نُعمة العين - بالضم-: قرتها، ويُقال: نُعمَ عين، [ونعام عين]، ونعامة عين، ونعمة عين، ونعمى عين، كله بمعنى، أي: أفعل ذلك كرامة لك وإنعامًا لعينك وما أشبهه".
[ ٧ / ٣٦٩ ]
لا يزال هدمه سبب شكّ ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم، لا يزول وسمه عن قلوبهم، ولا يضمحلّ أثره "إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ" قطعًا، وتفرّق أجزاء، فحينئذ يسلون عنه، وأمّا ما دامت سالمة مجتمعة، فالريبة باقية فيها متمكنة.
_________________
(١) قوله: (لا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على شكهم): قال الإمام: "لما صار بناء ذلك البنيان سببًا لحصول الريبة في قلوبهم، جعل نفس ذلك البنيان ريبة، وفيه وجوه: أحدها: أن المنافقين عظم فرحهم ببناء المسجد، فلما أمرهم بتخريبه ثقل ذلك عليهم، وازداد بغضهم له، وارتيابهم في نبوته. وثانيها: أنه لما أمر بتخريبه ظنوا أن ذلك للحسد، فارتفع أمانهم عنه، وعظم خوفهم، فارتابوا في أنه هل يتركوا على ما هم فيه، أو يؤمر بقتلهم ونهب أموالهم؟ وثالثها: اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في البناء، فلما أمر بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بتخريبه. والصحيح هو الأول". وقلت: يمكن أن يرجح المعنى الثاني على أن الريبة محمولة على موضوعها الأصلي، قال الراغب: "الريبة: اسم من الريب"، وقال المصنف في قوله تعالى: (لا رَيْبَ فِيهِ) [البقرة: ٢]: "الريب مصدر: رابني، إذا حصل فيك الريبة، وحقيقة الريبة: قلق النفس واضطرابها، ومنه: ريب الزمان، وهو ما يُقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه". المعنى: لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوا سببًا للقلق والاضطراب والوجل في الصدور، والشخوص في القلوب، إلى أن تقطع قلوبهم ما قال، فارتفع أمانهم عنه، وعم خوفهم على أنفسهم وأموالهم وذراريهم، والله تعالى أعلم.
[ ٧ / ٣٧٠ ]
فيجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويرًا لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها، وما هو كائن منه بقتلهم، أو في القبور، أو في النار.
وقرئ: "يقطع"، بالياء، و"تقطع"، بالتخفيف، و(تقطع)، بفتح التاء؛ بمعنى تتقطع،
و"تقطع قلوبهم"، على أن الخطاب للرسول، أي: إلا أن تقطع أنت قلوبهم بقتلهم. وقرأ الحسن:
"إلى أن"، وفي قراءة عبد الله: "ولو قطعت قلوبهم"، وعن طلحة: "ولو قطعت قلوبهم"؛ على خطاب الرسول أو كل مخاطب.
وقيل: معناه: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفًا على تفريطهم.
[(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ١١١].
_________________
(١) قوله: (ذكرُ التقطيع تصويرًا لحال زوال الريبة عنها): أي: كناية عن أن الريبة باقية متمكنة فيها غير زائلة، فلو صور أن قلوبهم تقطع وتفرق قطعًا حتى تخرج الريبة منها لزالت، وأما ما دامت سالمة متجمعة فالريبة باقية متمكنة فيها، ولما كانت الكناية غير منافية لإرادة غير ما وُضع له اللفظ ولإرادة ما وُضع له، قال: "فيجوز" بالفاء، وعطف عليه: "ويجوز أن يُراد حقيقته". قال القاضي: " (إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) قطعًا بحيث لا يبقى لها قابلية الإدراك والإضمار، وهو في غاية المبالغة، والاستثناء من أعم الأزمنة". قوله: (و(تَقَطَّعَ) بفتح الفاء): ابن عامر وحفص وحمزة، والباقون: بضمها.
[ ٧ / ٣٧١ ]
مثل الله إثابتهم بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشروي، وروى: تاجرهم فأغلى لهم الثمن، وعن عمر ﵁: فجعل لهم الصفقتين جميعًا، وعن الحسن: أنفسا هو خلقها، وأموالا هو رزقها. وروى: أن الأنصار حين بايعوه على العقبة، قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال: " أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم". قال: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "لكم الجنة". قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل.
ومرّ برسول الله ﷺ أعرابىّ وهو يقرؤها، فقال: كلام من؟ قال "كلام الله"، قال: بيع -والله- مربح، لا نقيله ولا نستقيله، فخرج إلى الغزو، فاستشهد فيه.
(يُقاتِلُونَ) فيه معنى الأمر، كقوله (وتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) [الصف: ١١]، وقرئ: (فيقتلون ويقتلون) على بناء الأوّل للفاعل، والثاني للمفعول،
_________________
(١) قوله: (فجعل لهم الصفقتين): أي: المعقود عليه، وهو الثمن والمُثمن، أي: لا يعود الربح من البيع والشراء إلا إليهم. النهاية: "الصفقة: المرة من الصفق باليدين عند المبايعة، ومنه قول أبي هريرة: "ألهاهم الصفق بالأسواق"، أي: التبايع". قوله: (فيه معنى الأمر)، وذلك أنه تعالى أتى بالمضارع كأنه قيل: اشتريت منكم أنفسكم في الأزل، وأعطيت ثمنها الجنة، فسلموا المبيع واستمروا على القتال، ومن ثم عقبه بقوله: (فَاسْتَبْشِرُوا). قوله: (وقرئ: (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) على بناء الأول للفاعل، والثاني للمفعول): حمزة والكسائي: يبدآن بالمفعول قبل الفاعل، والباقون: يبدؤون بالفاعل قبل المفعول.
[ ٧ / ٣٧٢ ]
وعلى العكس، (وَعْدًا) مصدر مؤكد، وأخبر بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت، قد أثبته (فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) كما أثبته في القرآن، ثم قال: (وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) لأنّ إخلاف الميعاد قبيح، لا يقدم عليه الكرام من الخلق، مع جوازه عليهم لحاجتهم إليه، فكيف بالغنى الذي لا يجوز عليه قبيح قط؟ ولا ترى ترغيبًا في الجهاد أحسن منه وأبلغ.
_________________
(١) ـ قوله: (وعد ثابت قد أثبته (فِي التَّوْرَاةِ): يعني: (حَقًّا) بمعنى: ثابتًا، وكان من المعلوم ثبوت هذا الحكم في القرآن، فقرن التوراة والإنجيل معه في سلك واحد، ليؤذن بالاشتراك، ولذلك أتى بحرف التشبيه وقال: "كما أثبته في القرآن"، إلحاقًا لما لا يُعرف بما يُعرف. قوله: (لأن خلاف الميعاد قبيح) إلى آخره: تعليل لما يُعطيه الاستفهام وبناء "أفعل" في قوله: (وَمَنْ أَوْفَى) من معنى المبالغة. قوله: (ولا ترى ترغيبًا في الجهاد أحسن منه وأبلغ): وذلك أنه تعالى لما مثل صورة بذل المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وصورة إثابته ﷿ إياهم به بالجنة، بالبيع والشراء، أتى بقوله: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) بيانًا، لأن مكان التسليم المعركة، لأن البيع سلم، ومن ثم قيل: (بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ)، ولم يقل: بالجنة، وأبرز الأمر في صورة الخبر، ثم ألزم البيع من جانبه، وضمن إيصال الثمن إليهم، بقوله: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا)، أي: لا إقالة ولا استقالة من حضرة رب العزة ﷾، ثم ما اكتفى بذلكن بلعين الصوك المثبت فيها هذه المبايعة، وهي التوراة والإنجيل والفرقان، وأذن بالسجل أيضًا، وهو قوله: (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ)، وخصه باسمه الجامع،
[ ٧ / ٣٧٣ ]
[(التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) ١١٢].
(التَّائِبُونَ) رفع على المدح، أي: هم التائبون، يعنى المؤمنين المذكورين، ويدل عليه قراءة عبد الله وأبىّ ﵄: "التائبين"، بالياء، إلى قوله: "والحافظين"، نصبًا على المدح، ويجوز أن يكون جرًا؛ صفة لـ (لمؤمنين)، وجوّز الزجاج أن يكون مبتدأ خبره محذوف، أي: التائبون العابدون من أهل الجنة أيضًا وإن لم يجاهدوا، كقوله (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى) [النساء: ٩٥]، وقيل: هو رفع على البدل من الضمير في (يقاتلون)، ويجوز أن يكون مبتدأ، وخبره: (العابدون)، وما بعده؛ خبر بعد خبر، أي: التائبون من الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال.
وعن الحسن: هم الذين تابوا من الشرك، وتبرؤا من النفاق.
_________________
(١) ـ ووضعه موضع المضمر، وأبرز التركيب في صيغة الإنشائية- وقد سبقت خواصه في قوله: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ) [آل عمران: ١٣٥]-، ثم ختمها بفذلكة حسنة على سبيل التذييل، وهو قوله: (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). قوله: (كقوله: (وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) أي: في قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ) إلى قوله: (وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) [النساء: ٩٥]، أي: كلًا من القاعدين والمجاهدين وعد الله المثوبة، وهو الجنة. قوله: (أي: التائبون من الكفر على الحقيقة: الجامعون لهذه الخصال)، كقولك: المتقي: هو
[ ٧ / ٣٧٤ ]
و(الْعابِدُونَ): الذين عبدوا الله وحده، وأخلصوا له العبادة، وحرصوا عليها.
و(السَّائِحُونَ): الصائمون؛ شبهوا بذوي السياحة في الأرض في امتناعهم من شهواتهم، وقيل: هم طلبة العلم يسيحون في الأرض، يطلبونه في مظانه.
[(ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) ١١٣].
قيل قال ﷺ لعمه أبى طالب: "أنت أعظم الناس علىَّ حقًا، وأحسنهم عندي يدًا، فقل كلمة تجب لك بها شفاعتي"، فأبى، فقال: "لا أزال أستغفر لك ما لم أنه عنه"، فنزلت.
وقيل: لما افتتح مكة سأل: أي أبويه أحدث به عهدًا؟ فقيل: أمك آمنة، فزار قبرها بالأبواء، ثم قام مستعبرًا فقال: "إني استأذنت ربى في زيارة قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها، فلم يأذن لي"، فنزلت.
وهذا أصح؛ لأنّ موت أبى طالب كان قبل الهجرة، وهذا آخر ما نزل بالمدينة.
_________________
(١) الذي يؤمن ويصلي ويزكي، وإنما قال: "على الحقيقة"، وفسر (الْعَابِدُونَ) بقوله: "الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة"؛ لأن الأخبار معرفة باللام، وقد عُطفت بعضها على بعض، للتنبيه على استقلال كل بالكمال، فلا يحمل مثلها على المبتدأ على الحصر إلا ليؤذن ببلوغ الغاية، عليه كلام الحسن. قوله: (مستعبرًا): يُقال: استعبر بالبكاء: بالغ فيه. و"الأبواء": موضع بين مكة والمدينة، وعنده بلد ينسب إليه. النهاية: "الأبواء- بفتح الهمزة وسكون الباء والمد-: جبل بين مكة والمدنية، وعنده بلد ينسب إليه". قوله: (وهذا أصح؛ لأن موت أبي طاب كان قبل الهجرة، وهذا آخر ما نزل بالمدينة):
[ ٧ / ٣٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ يجوز أن النبي ﷺ كان مستغفرًا لأبي طالب إلى نزولها، والتشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة. وقلت: هذا هو الحق، والرواية الأولى- وهي أن تكون نازلة في أبي طالب - هي الصحيحة، لما روينا عن البخاري ومسلم والنسائي عن المسيب بن حزن: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ، قال: "أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله" إلى قوله: قال أبو طالب آخر ما كلمهم: أنا على ملة عبد المطلب، وأبي أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"، فنزلت: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى) الآية. وأما حديث أمه: فرويناه عن مسلم وأحمد بن حنبل وأبي داود وابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة: أتى رسول الله ﷺ قبر أمه، فبكى، وأبكى من حوله، فقال رسول الله ﷺ: "استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تُذكر الموت". وأما قول المصنف: "سأل أي أبويه أحدث به عهدًا" لا وجه له، ولا جاءت الرواية به؛
[ ٧ / ٣٧٦ ]
وقيل: استغفر لأبيه. وقيل: قال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا وذوى قرابتنا، وقد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه.
(ما كانَ لِلنَّبِيِّ): ما صح له الاستغفار في حكم الله وحكمته، (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) لأنهم ماتوا على الشرك.
[(وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) ١١٤].
قرأ طلحة: " وما استغفر إبراهيم لأبيه"، وعنه: "وما يستغفر إبراهيم"، على حكاية الحال الماضية، (إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاه) ُ أي: وعدها إبراهيم أباه، وهو قوله (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) (الممتحنة: ٤)، ويدل عليه قراءة الحسن وحماد الرواية: "وعدها أباه".
فإن قلت: كيف خفي على إبراهيم أن الاستغفار للكافر غير جائز حتى وعده؟ قلت: يجوز أن يظن أنه ما دام يرجى منه الإيمان، جاز الاستغفار له، على أن امتناع جواز الاستغفار للكافر إنما علم بالوحي، لأن العقل يجوّز أن يغفر الله للكافر، ألا ترى إلى قوله ﵇ لعمه: "لأستغفرنّ لك ما لم أنه"، وعن الحسن: قيل لرسول الله ﷺ: إن فلانًا يستغفر لآبائه المشركين، فقال: "ونحن نستغفر لهم"، فنزلت. وعن على ﵁: رأيت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له، فقال: أليس قد استغفر إبراهيم؟
_________________
(١) للعلم بأنه صلوات الله عليه وُلد وأبوه لم يكن حيًا، قال ابن الجوزي في كتاب "الوفا": "وُلد عبد الله لأربع وعشرين سنة مضت من مُلك كسرى، ثم تزوجت به آمنة، فلما حملت برسول الله ﷺ تُوفي، وقد قيل: إن عبد الله توفي بعد ولادة رسول الله ﷺ، ولا يصح ذلك. وكان رسول الله ﷺ مع أمه آمنة، فلما بلغ ست سنين خرجت إلى أخوالها بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم، ثم رجعت به إلى مكة، فلما كانوا بالأبواء توفيت أمه، فقرها هناك". قوله: (وعن علي ﵁: رأيت رجلًا يستغفر لأبويه) الحديث: رواه الترمذي والنسائي، وفي آخره: "فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فنزلت الآية".
[ ٧ / ٣٧٧ ]
فإن قلت: فما معنى قوله: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ)؟ قلت: معناه: فلما تبين له من جهة الوحي أنه لن يؤمن، وأنه يموت كافرًا وانقطع رجاؤه عنه، قطع استغفاره، فهو كقوله: (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) [التوبة: ١١٣].
(أَوَّاهٌ) فعال، من أوه كـ"لال" من اللؤلؤ، وهو الذي يكثر التأوه، ومعناه: أنه لفرط ترحمه ورقته وحلمه كان يتعطف على أبيه الكافر ويستغفر له، مع شكاسته عليه، وقوله (لأرجمنك) [مريم: ٤٦].
_________________
(١) قوله: (فما معنى قوله: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ)؟): وجه السؤال: لم يزل أبو إبراهيم كافرًا، والكافر عدو الله، فكيف قيل: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ)، كأنه كان خفيًا كفره؟ وأجاب: أنه ما كان كفره خفيًا، بل كان يُرجى منه الإيمان، فلما تبين له من جهة الوحي أنه يموت كافرًا انقطع رجاؤه. قوله «اوَاهُ) فعال؛ مِن: أوَّهَ): قال الحريري في "درة الغواص": "يقولون في التأوه: أوه، والأفصح أن يُقال: أوه، بكسر الهاء وضمها وفتحها، والكسر أغلب، وعليه قول الشاعر: فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها … ومن [بُعدِ] أرضٍ بيننا وسماء وقد شدد بعضهم الواو، فقال: أوه، ومنهم من حذف الهاء وكسر الواو، فقال: أو، وتصريف الفعل منها: أوه وتأوه، المصدر: الآهة، ومنه قولُ مثقب العبدي: إذا ما قمت أرحلها بليلٍ … تأوه آهة الرجل الحزين
[ ٧ / ٣٧٨ ]
[(وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) ١١٥ - ١١٦].
يعنى: ما أمر الله باتقائه واجتنابه -كالاستغفار للمشركين وغيره مما نهى عنه، وتبين أنه محظور- لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام، ولا يسميهم ضلالًا،
_________________
(١) ـ وفسر بعضهم "الأواه" بأنه: الذي يتأوه من الذنوب، وقيل: المتضرع في الدعاء". وقيل: لآل: فعال، كضراب، ولؤلؤ: رُباعي مثل: برثن، والرباعي لا يؤخذ منه فعال، لأنه يعود إلى الحذف، فتصير هادمًا، وأنت تقصد البناء، فـ "لآل" وُضع من تركيب "لأل"، لمن يُلابس اللؤلؤ ويبيعه، كالسمان والعواج، قال الفراء: سمعت العرب تقول لصاحب اللؤلؤة: لآل، مثل: لعال، والقياس: لآء، مثل: لعاع. نقله الجوهري. قوله: (ما أمر الله باتقائه): تفسير لقوله: (يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)، و(مَّا) موصولة، وكذا في "ما أمر الله" موصولة، و"مِن" في "مما نهى عنه" بيان لـ "غيره"، والخبرُ "لا يؤاخذ به"، وفي هذا التقرير بيان لاتصال هذه الآية بما قبلها. قوله: (ولا يسميهم ضُلالًا): قيل: فيه إيماء إلى مذهبه، وقال الواحدي: "وما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم".
[ ٧ / ٣٧٩ ]
ولا يخذلهم، إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره عليهم، وعلمهم أنه واجب الاتقاء والاجتناب، وأما قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم، كما لا يؤاخذون بشرب الخمر، ولا ببيع الصاع بالصاعين قبل التحريم.
وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهى عنه.
وفي هذه الآية شديدة ما ينبغي أن يغفل عنها، وهي أنّ المهديَّ للإسلام إذا أقدم على بعض محظورات الله داخل في حكم الإضلال،
_________________
(١) وقلت: بل الحق ما ذكره المصنف؛ لأن الآيات الثلاث المصدرة بقوله: (مَا كَانَ) في نظام واحد، وهو في الآية الأولى والثانية بمعنى: لا ينبغي، المعنى: لا يصح ولا يستقيم مِنَ المؤمنينَ أن يستغفروا للمشركين مِنْ بعدِ ما بين الله تعالى لهم أنهم من أصحاب النار، وكذلك لا يستقيم من لُطف الباري وأفضاله أن يَذُم المؤمنين ويؤاخذهم ويسميهم ضُلالًا حتى يبين لهم ما يتقون، وهو أن الاستغفار على من مات مشركًا غير جائز، فإذا بين لهم ذلك فلم يتركوا الاستغفار فحينئذ يسميهم ضُلالًا ويذمهم، ثم أوقع حال الخليل ﵇ بين الآيتين مستطردًا مؤكدًا كالاعتراض، ويؤديه كلام القاضي: " (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا) أي: ليسميهم ضُلالًا ويؤاخذهم". قوله: (كما لايؤاخذون بشُرب الخمر، ولا ببيع الصاع بالصاعين): يعني: الاستغفار لآباء المشركين من قبيل هاتين المعصيتين؛ في أن العقل يجوز ذلك قبل ورود الشرع. قوله: (وفي هذه الآية شديدة): أي: خصلة أو بلية أو قارعة أو داهية، حذف الموصوف، كما حُذف الصلة في قولهم: "جاء بعد اللتيا والتي"؛ لشدة الأمر وفظاعته.
[ ٧ / ٣٨٠ ]
والمراد بـ (ما يتقون): ما يجب اتقاؤه للنهى، فأما ما يعلم بالعقل - كالصدق في الخبر، وردّ الوديعة: فغير موقوف على التوقيف.
[(لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَحِيمٌ) ١١٧].
(لقد تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ) كقوله: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) [الفتح: ٢]، وقوله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) [غافر: ٥٥، محمد: ١٩]،
_________________
(١) ـ يعني: في الآية تهديد عظيم للعلماء الذين يقدمون على المناكير؛ على سبيل الإدماج، وتسميتهم ضُلالًا من باب التغليظ، ثم أكد الوعيد على سبيل الاستئناف بإثبات العلم المحيط، والقدرة الكامل الدالة على الإعادة للجزاء، حين لا ناصر سواه، من قوله: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِ وَيُمِيتُ) الآية. قوله (وأما ما يُعلم بالعقل): ففيه الخلاف المشهور، الانتصاف: "قاعدة الحسن والقبح تقتضي أن العقل حاكم، والشرع كاشفٌ لما غمض، وقد تقدم بطلانها". قوله: «تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ) كقوله: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ): وبان وجه تشبيه الآيتين ما
[ ٧ / ٣٨١ ]
وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى النبي والمهاجرون والأنصار، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأن صفة التوابين الأوّابين صفة الأنبياء، كما وصفهم بالصالحين ليظهر فضيلة الصلاح.
وقيل: معناه تاب الله عليه من إذنه للمنافقين في التخلف عنه، كقوله: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ. فِي ساعَةِ) [التوبة: ٤٣].
(في ساعة الْعُسْرَةِ): في وقتها، والساعة مستعملة في معنى الزمان المطلق، كما استعملت الغداة والعشية واليوم:
غَدَاةَ طَفَتْ عَلْمَاءِ بَكْرُ بْنُ وَائِلِ
_________________
(١) ـ قال: "وهو بعث للمؤمنين على التوبة" على سبيل التعريض، وذلك أنه صلوات الله عليه ممن يستغني عن التوبة، فوُصف بها ليكون بعثًا للمؤمنين على التوبة، "وإبانةً لفضل التوبة" على طريقة قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) [غافر: ٧]، وحملة العرش ليسوا ممن لا يؤمنون، لكن ذُكر الإيمانُ لشرفه والترغيب فيه، وإليه الإشارة بقوله: "وأن صفة الأوابين صفة الأنبياء"، والذي يدل على أن (تَابَ اللَّهُ) لمجرد الوصف عطف قوله: "وقيل: معناه: تاب الله [عليه] من إذنه للمنافقين" على هذا الوجه، لأنه بإزاء ما الأولى عدمه. قوله: (وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج): عطف تفسيري على قوله: "وهو بعث"، كما أن قوله: "وأن صفة التوابين" عطف على قوله: "وإبانة لفضل التوبة" كذلك. قوله: (غداة طفت علماء بكر بن وائل): تمامه: وعاجت صدور الخيل شطر تميم
[ ٧ / ٣٨٢ ]
عَشِيَّةَ قَارَعْنَا جُذَامَ وَحِمْيَرَا
إذَا جَاءَ يَوْمًا وَارِثِى يَبْتَغِى الْغِنَى
والعسرة: حالهم في غزوة تبوك،
_________________
(١) يقول: إنهم علوا في المنزلة والغلبة على العدو. "عاج": أي: مال، والعوج: عطف رأس البعير بالزمام، "شطر تميم": نحوهم، طفا العود على الماء؛ أي: جرى، "علماء": أصله: على الماء، القياس الإدغام لاجتماع المتجانسين، فلما سُكن الثاني سكونا لازمًا لم يتأت فيه الإدغام، لأنه عكس ما يُوجبه، وهو سكون الأول وتحرك الثاني، والتخفيف مطلوب، فعدلوا إلى الحذف، كما في: مست وظلت. قوله: (عشية قارعنا جُذام وحميرا): وصدره: وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة قال الأصمعي: في الأمثال: "ما كل بيضاء شحمة، ولا سوداء تمرة"، أي: ليس كل ما يشبه شيئًا ذلك الشيء، و"جُذام": أبو القبيلة. يقول: لما التقينا جُذام وحمير ظننا أن سبيلهم سبيل سائر الناس، وأنا سنغلبهم، فوجدناهم بخلاف ذلك. قوله: (إذا جاء يومًا وارثي يبتغي الغني): عجزه: يجد جمع كف غير ملء ولا صفر
[ ٧ / ٣٨٣ ]
كانوا في عسرة من الظهر؛ يعتقب العشرة على بعير واحد. وفي عسرة من الزاد؛ تزودوا التمر المدود، والشعير المسوّس، والإهالة الزنخة، وبلغت بهم الشدّة أن اقتسم التمرة اثنان، وربما مصها الجماعة، ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء، حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها، وفي شدّة زمان، من حمارّة القيظ، ومن الجدب والقحط والضيقة الشديدة.
(كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) عن الثبات على الإيمان، أو عن إتباع الرسول في تلك الغزوة والخروج معه، وفي (كاد) ضمير الشأن، وشبهه سيبويه بقولهم: ليس خلق الله مثله.
_________________
(١) ـ يقال: أعطيت فلانًا جمع كف، أي: ملء كف، وضربته بجمع كفي، والصفر: الخالي، يقول: إذا جاء وارثي يبتغي الميراث يجد من ترتي ما هو غير كثير ولا قليل؛ فرسٌ ضامر، وسيف صارم، ورمحٌ خطي. قوله: (في عُسرة من الظهر)، النهاية: "الظهر: الإبل يُحمل عليها ويُركب". قوله: (التمر المدود): قال الحريري: "يقولون: باقلاء مدود، وطعام مسوس، ومتاع مقارب، ورجل موسوس، فيفتحون ما قبل الحرف الأخير من كل كلمة، والصواب كسره، ويُقال في الفعل من "المُدود": قد دود وأداد ودود وديد". قوله: (والإهالة الزنخة)، النهاية: "الإهالة: كل شيء من الأدهان يؤتدم به، وقيل: هي ما أُذيب من الألية والشحم"، و"الزنخة: المتغيرة الرائحة، ويقال: سنخة، بالسين". قوله: (من حمارة القيظ)، الجوهري: "حمارة القيظ- بتشديد الراء-: حره". قوله: (ليس خلق الله مثله) أي: ليس الشأن خلق الله مثله.
[ ٧ / ٣٨٤ ]
وقرئ: (يزيغ) بالياء، وفي قراءة عبد الله: "من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم" يريد المتخلفين من المؤمنين، كأبى لبابة وأمثاله، (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) تكرير للتوكيد، ويجوز أن يكون الضمير للفريق، تاب عليهم لكيدودتهم.
[(وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ١١٨].
(الثَّلاثَةِ): كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، ومعنى (خُلِّفُوا) خلفوا عن الغزو، وقيل: عن أبى لبابة وأصحابه حيث تيب عليهم بعدهم، وقرئ: "خُلِّفُوا" أي: خلفوا الغازين بالمدينة، أو فسدوا؛ من الخالفة
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: (يَزِيغُ) بالياء): حمزة وحفص، والباقون: بالتاء الفوقانية. قوله: (ويجوز أن يكون الضمير للفريق): عطف على قوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) تكرير للتوكيد" من حيث المعنى، يعني: إذا كان قوله: (تَابَ عَلَيْهِمْ) تكريرًا كان الضمير للنبي ﷺ والمهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم كما سبق، وإذا لم يكن تكريرًا كان ذلك الضمير للفريق المذكور في قوله: (كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ)، لصدور الكيدودة منهم. قوله: (أو فسدوا، من الخالفة)، النهاية: "وفي حديث أبي بكر ﵁: "جاءه أعرابي فقال له: أنت خليفة رسول الله ﷺ؟ فقال: لا، فقال: فما أنت؟ فقال: أنا الخالفة بعده"، الخليفة: من يقوم مقام الذاهب ويسد مسده، والهاء فيه للمبالغة، وجمعه الخلفاء على معنى التذكير، لا على اللفظ، مثل: ظريف وظرفاء، ويُجمع على اللفظ: خلائف، كظريفة وظرائف. وأما الخالفة: فهو الذي لا غناء عنده ولا خير فيه. وإنما قال ذلك تواضعًا وهضمًا من نفسه حين قال له: أنت خليفة رسول الله ﷺ".
[ ٧ / ٣٨٥ ]
وخلوف الفم. وقرأ جعفر الصادق ﵁: "خالفوا"، وقرأ الأعمش: "وعلى الثلاثة المخلفين".
(بِما رَحُبَتْ) برحبها، أي: مع سعتها، وهو مثل للحيرة في أمرهم، كأنهم لا يجدون فيها مكانًا يقرّون فيه قلقًا وجزعا مما هم فيه، (وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) أي: قلوبهم، لا يسعها أنس ولا سرور، لأنها حرجت من فرط الوحشة والغمّ، (وَظَنُّوا): وعلموا (أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ) سخط (اللَّهِ إِلَّا) إلى استغفاره، (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا): ثم رجع عليهم بالقبول والرحمة كرّة بعد أخرى، ليستقيموا على توبتهم ويثبتوا، أو: ليتوبوا أيضًا فيما يستقبل إن فرطت منهم خطيئة، علمًا منهم أن الله تواب على من تاب، ولو عاد في اليوم مئة مرة.
_________________
(١) قوله: (وخلوف الفم)، النهاية: "الخلفة -بالكسر- تغير ريح الفم، وأصلها في النبات: أن ينبت الشيء بعد الشيء، لأنها رائحة حديثة بعد الراحة الأولى، يُقال: خلف فمه خلفة وخلوفًا". قوله: «أَنْفُسَهُمْ): أي: قلوبهم): أي: لا يجوز أن تُجرى الأنفس- وهي الذوات- على معناها الحقيقي، لأن الضيق والسعة لا يستعملان فيها، فتكون مجازًا عن القلوب، لأن النفوس بها، كقوله: "المرء بأصغريه"، كما سبق في البقرة. قوله: (ثم رجع عليهم بالقبول): يعني: قوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) تكرير لقوله: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ)، لأنه معطوف على قوله: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) [التوبة: ١١٧]، وليس التكرير للتوكيد فقط، بل مع الاستيعاب، ولذلك قال: "كرة بعد أخرى"، وهذا يدل على أن (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) - في تلك الآية- إذا كان للتكرير هو الوجه. قوله: (أو ليتوبوا أيضًا فيما يُستقبل): يعني: أنه تعالى عاملهم بقبول التوبة والرحمة مرة
[ ٧ / ٣٨٦ ]
روي أن ناسًا من المؤمنين تخلفوا عن رسول الله ﷺ، منهم من بدا له وكره مكانه فلحق به، عن الحسن: بلغني أنه كان لأحدهم حائط كان خيرًا من مئة ألف درهم فقال: يا حائطاه، ما خلفني إلا ظلك وانتظار ثمرك، اذهب فأنت في سبيل الله، ولم يكن لآخر إلا أهله فقال: يا أهلاه ما بطأنى ولا خلفني إلا الضنّ بك، لا جرم والله لأكابدنّ المفاوز حتى ألحق برسول الله صلي الله عليه وسلم، فركب ولحق به. ولم يكن لآخر إلا نفسه، لا أهل ولا مال، فقال: يا نفس، ما خلفني إلا حب الحياة لك،
_________________
(١) ـ بعد أخرى؛ ليستقيموا على التوبة، أو ليستجدوها كلما فرطت منهم زلة، لأنهم علموا بالنصوص الصحيحة أن طريان الخطيئة يستدعي تجدد التوبة، وإليه الإشارة بقوله: "علمًا منهم أن الله تواب على من تاب، ولو عاد في اليوم مئة مرة، واقتبسه من قوله ﷺ: "ما أصر من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرة"، رُوي عن أبي بكرن وألحقه الصغاني إلى الحسان في "كشف الحجاب". قوله: (بدا له): أي: ندم، البداء- بالتفح والمد-: الندامة. قوله: (إلا الضن بك): إنما أنث "بك"؛ لأن المراد من الأهل المرأة، وإلا فالأهل يُذكر ويؤنث.
[ ٧ / ٣٨٧ ]
والله لأكابدنّ الشدائد حتى ألحق برسول الله صلي الله عليه وسلم، فتأبط زاده ولحق به، قال الحسن: كذلك -والله- المؤمن يتوب من ذنوبه ولا يصر عليها.
وعن أبى ذرّ الغفاري: أن بعيره أبطأ به، فحمل متاعه على ظهره، واتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيًا، فقال رسول الله ﷺ لما رأى سواده: "كن أبا ذرّ"، فقال الناس: هو ذاك، فقال: "رحم الله أبا ذرّ، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده".
_________________
(١) قوله: (رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده): أما مشيه وحده: فهذه المشية. وأما موته وحده: فإنه مات بالربذة وحده، وسببه: أنه خرج بعد وفاة أبي بكر ﵁ إلى الشام، فلم يزل بها حتى ولي عثمان ﵁، ثم استقدمه عثمان لشكوى معاوية، وأسكنه الربذة، فمات بها. وعن أم ذر زوجته قالت لما حضرت أبا ذر الوفاة بيت، فقال لي: ما يبكيك؟ فقلت: ما لي لا أبكي، وأنت بفلاة من الأرض، وليس عندي ثوب يسعك كفنًا، ولابد للقيام بجهازك! قال: فأبشري ولا تبكي، فإني سمعت رسول الله صلىلله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم: "ليموتن منكم رجلٌ بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين"، وليس من أولئك النفر أحدٌ إلا قد مات في قومه وجماعته، فأنا ذلك الرجل، والله ما كذبت، فأبصري الطريق، فبينا نحن كذلك إذا برجال على رواحلهم، قالوا: يا أمة الله، مالك؟ قلت: امرؤ من المسلمين يموت فكفنوه، فكفنوه وقاموا عليه ودفنوه في نفر كلهم يمان. هذا مختصر من رواية ابن عبد البر في "الاستيعاب"، وليس فيه: "كن أبا ذر".
[ ٧ / ٣٨٨ ]
وعن أبي خيثمة، أنه بلغ بستانه، وكانت له امرأة حسناء، فرشت له في الظل، وبسطت له الحصير، وقربت إليه الرطب والماء البارد، فنظر، فقال: ظل ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله ﷺ في الضحّ والريح، ما هذا بخير، فقام فرحل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، ومرّ كالريح، فمدّ رسول الله ﷺ طرفه إلى الطريق، فإذا براكب يزهاه السراب، فقال: "كن أبا خثيمة"، فكأنه، ففرح به رسول الله ﷺ، واستغفر له.
_________________
(١) ـ قوله: (في الضح)، النهاية: "في حديث أبي خيثمة ﵁: "يكون رسول الله ﷺ في الضح والريح، وأنا في الظل والتنعم"، الضح: ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض، وهو كالقمراء للقمر". قوله: (يزهاه السراب)، الجوهري: "زها السراب الشيء يزهاه: إذا رفعه". قوله: (فكانه): أي: كان هو إياه، ومنه قوله: ومُعذرٍ قال الجمال لوجهه … كن مجمعًا للطيبات فكانه الجوهري: "كنتك وكنت إياك، كما تقول: ظننتك زيدًا، وظننت زيدًا إياك، تضع المنفصل في موضع المتصل في الكناية عن الاسم والخبر، لأنهما منفصلان في الأصل، لأنهما مبتدأ وخبر، قال أبو الأسود الدؤلي: دع الخمر يشربها الغواة فإنني … رأيت أخاها كافيًا بمكانها فإلا يكنها أو تكنه فإنه … أخوها غذته أمه بلبانها
[ ٧ / ٣٨٩ ]
ومنهم من بقي لم يلحق به، منهم الثلاثة، قال كعب: لما قفل رسول الله ﷺ سلمت عليه، فردّ علىّ كالمغضب بعدما ذكرني وقال: "ليت شعري ما خلف كعبًا"؟ فقيل له: ما خلفه إلا حسن برديه، والنظر في عطفيه. فقال: معاذ "و" الله ما أعلم إلا فضلا وإسلامًا،
_________________
(١) ـ يعني: الزبيب". وأما الرواية الصحيحة عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي عن ابن شهاب: فقال رسول الله ﷺ: "كن أبا خيثمة"، فإذا هو أبو خيثمة. وتمام حديث كعب بن مالك بطوله مروي بهذه الرواية الصحيحة، وليس فيه: "كن أبا ذر". قوله: (إلا حُسن برديه، والنظر في عطفيه): كناية عن كونه معجبًا بنفسه ذا زهو وتكبر. وأما قوله ﷺ: "ما أعلم إلا فضلًا وإسلامًا": فإشارة إلى الرد فيما يتصور من ذلك
[ ٧ / ٣٩٠ ]
ونهى عن كلامنا أيها الثلاثة، فتنكر لنا الناس، ولم يكلمنا أحد من قريب ولا بعيد.
فلما مضت أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا، ولا نقربهنّ، فلما تمت خمسون ليلة، إذا أنا بنداء من ذروة سلع: أبشر يا كعب بن مالك، فخررت ساجدًا، وكنت كما وصفني ربى (ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) وتتابعت البشارة، فلبست ثوبي، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ، فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون، فقام إلىّ طلحة بن عبيد الله يهرول إلي، حتى صافحني وقال: لتهنك توبة الله عليك،
_________________
(١) ـ الكلام، وهو النقصان في الإنسانية والنقصان في الدين، يعني: هو كامل خلقًا ودينا، وذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب" قصته، وليس فيها هذه الزيادة، وقال: "هو أبو خيثمة الأنصاري احد بني سالم بن الخزرج، شهد أُحدًا مع النبي ﷺ، وبقي إلى أيام يزيد بن معاوية". قوله: (ونهى عن كلامنا أيها الثلاثة): أي: خصوصًا الثلاثة، كقولهم: "اللهم اغفر لنا أيتها العصابة"، قال أبو سعيد السيرافي: إنه معول فعل محذوف، أي: أريد الثلاثة، وأخص الثلاثة. وخالفه الجمهور، وقالوا: "أي": مُنادى، و"الثلاثة": صفة له، وإنما أوجبوا ذلك لأنه في الأصل كان كذلك، فنُقل إلى الاختصاص، وكُلما نُقل من باب إلى باب، فإعرابه بحسب أصله، كأفعال التعجب. قوله: (يُهرول إليّ)، النهاية: "الهرولة: ضرب من السير، بين المشي والعدو".
[ ٧ / ٣٩١ ]
فلن أنساها لطلحة، وقال رسول الله ﷺ، وهو يستنير استنارة القمر: "أبشر يا كعب بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك"، ثم تلا علينا الآية.
وعن أبى بكر الورّاق: أنه سئل عن التوبة النصوح؟ فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت، وتضيق عليه نفسه، كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ * ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ١١٩ - ١٢١].
(مَعَ الصَّادِقِينَ): وقرئ: "من الصادقين"، وهم الذين صدقوا في دين الله نية وقولا وعملا، أو الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم الله ورسوله على الطاعة، من قوله: (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [الأحزاب: ٢٣]، وقيل: هم الثلاثة، أي كونوا مع المهاجرين والأنصار ووافقوهم، وانتظموا في جملتهم، واصدقوا مثل صدقهم
_________________
(١) قوله: (فلن أنساها لطلحة) أي: هذه الخصلة، وهي بشارته إياي بالتوبة، أي: لا أزال أذكر إحسانه إليَّ بذلك، وكنت رهين منته به. قوله: (وعن ابن عباس: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب): عطفٌ على قوله: "وهم الذين صدقوا" من حيثُ المعنى.
[ ٧ / ٣٩٢ ]
وقيل: لمن تخلف من الطلقاء عن غزوة تبوك. وعن ابن مسعود ﵁: "ولا يصلح الكذب في جدّ ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيه، ثم لا ينجزه، اقرؤوا إن شئتم: (وكونوا مع الصادقين)، فهل فيها من رخصة؟ ! ".
_________________
(١) ـ اعلم أن الخطاب في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ): إن كان المراد عامًا فالمناسب أن يُراد بـ (الصَّادِقِينَ): ما قال أولًا: "وهم الذين صدقوا في دين الله نية وقولًا وعملًا"، وإن كان الخطاب لأهل الكتاب فالظاهر أن يُراد بـ (الصَّادِقِينَ): "الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم الله ورسوله على الطاعة"، وهذا ما عليه الصحابة رضوان الله عليهم، ولذلك قال: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) [الأحزاب: ٢٣]، وإن كان الخطاب لمن تخلف من الطلقاء، فالمناسب أن يُراد بـ (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) الآية: [التوبة: ١١٧]، وعلى الثالث: قوله: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) الآية [التوبة: ١١٨]. والأولى أولى الوجوه؛ لأنه كالخاتمة للآيات تشتمل على الفريقين وغيرهما، فيدخلوا فيه دخولًا أوليًا من غير ترجيح، وليكون كالتخلص إلى العود إلى ما بُدئ به الكلام، وهو قوله: (مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ). قوله: (من الطلقاء): قيل: هم السبعة الذين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، فأطلقهم رسول الله ﷺ بعد نزول الآية. قوله: (فهل فيها من رخصة؟): يعني: لما أمر المكلف بأن يدخل نفسه في زمرة الصادقين من الأنبياء والمرسلين، وأن تكون له مساهمة فيمن صدقه نية وقولًا وعملًا، فيكون قد كلفه فيالصدق بما لا يحتمل أدنى ما يصدق عليه الكذب.
[ ٧ / ٣٩٣ ]
(وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) أمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأن يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه، علما بأنها أعزُ نفس عند الله وأكرمها عليه، فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في شدّة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له، ولا يكترث لها أصحابها، ولا يقيموا لها وزنا، وتكون أخف شيء عليهم وأهونه،
_________________
(١) قوله: (أمروا أن يصحبوه على البأساء والضراء)، ثم قوله: "وهذا نهيٌ بليغ": يدل على أن الآية متضمنة للأمر أو النهي؛ أما النهي فمن قوله: (مَا كَانُ)، فإن معناها: لا ينبغي ولا يستقيم ولا يصح، وهو أبلغ من صريح النهي، فإذا نهوا عن أن يتخلفوا عنه، وعن أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، وجب عليهم أن يصحبوه في البأساء والضراء، وأن يُلقوا أنفسهم ما تلقاه نفسه من الشدائد، فيكونوا مأمورين بذلك، بناء على أن النهي أمر بضده. وإنما أفاد قوله تعالى: (وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) ما ذُكر من المبالغات، لأنه تعالى عداه بالباء وبـ "عن"، قال الواحدي: "يُقال: رغبتُ بنفسي عن هذا الأمر، أي: ترفعت عنه". النهاية: "يُقال: رغبت بفلان عن هذا الأمر: إذا كرهته له وزهدت له فيه، ومنه الحديث: إني لأرغب بك عن الأذان". وقلت: معناه أن هذا الأمر مما لا يليق بمنزلتك، لأنك أرفع قدرًا من أن تُزاوله، المعنى: ما صح لهم ولا استقام أن يترفعوا بأنفسهم عن نفسه، أي: بأن يكرهوا الشدائد لأنفسهم، ولا يكرهوها له، فإنه مستهجن جدًا، بل عليهم أن يعكسوا القضية، وإليه الإشارة بقوله: "ولا يقيموا لها وزنًا … فضلًا عن أن يربؤوا بأنفسهم عن متابعتها".
[ ٧ / ٣٩٤ ]
فضلا عن أن يربؤوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها، ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه، وهذا نهى بليغ مع تقبيح لأمرهم، وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية.
(ذلِكَ) إشارة إلى ما دل عليه قوله: "ما كان لهم أن يتخلفوا"، من وجوب مشايعته، كأنه قيل: ذلك الوجوب بسبب بِأَنَّهُمْ (لا يُصِيبُهُمْ) شيء من عطش، ولا تعب ولا مجاعة في طريق الجهاد، ولا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم وأرجلهم، ولا يتصرفون في أرضهم تصرفا يغيظهم ويضيق صدورهم، (وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا): ولا يرزؤونهم شيئا بقتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة أو غير ذلك،
_________________
(١) قوله: (يربؤوا بأنفسهم عن متابعتها)، الأساس: "وإني لأربأ بك عن الأمر: أرفعك عنه ولا أرضاه لك، وربأت بنفسي عن عمل كذا، وما عبأت بكذا ولا ربأت به". قوله: «ذَلِكَ) إشارة إلى ما دل عليه قوله: "ما كان لهم أن يتخلفوا"): وهو تلخيص للتلاوة ودلالتها على وجوب مشايعته؛ لما مر في قوله: (مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أنه متضمن للأمر بالنفير معه، صلوات الله عليه. والمعنى: أن ذلك الأمر والتهييج بسبب ترتب هذه الفوائد المتكاثرة عليه دينًا ودُنيا، ومن حق العاقل أن لا يتقاعد عنها. فقوله: (وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا) القرينتان واردتان لبيان ما لهم من الغنيمة والنصرة بعد بيان ما كان عليهم من التعب والنصب في قوله: (لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، ثم جُمعا في قوله: (إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ). قوله: (ولا يرزؤونهم شيئًا): أي: لا ينقصوهم، ومنه: الرزية: المصيبة.
[ ٧ / ٣٩٥ ]
(إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ)، وفازوا واستوجبوا الثواب ونيل الزلفى عند الله، وذلك مما يوجب المشايعة.
ويجوز أن يراد بالوطء: الإيقاع والإبادة، لا الوطء بالأقدام والحوافر، كقوله ﵇: "آخر وطأة وطئها الله بوج"، و"الموطئ" إمّا مصدر كالمورد، وإمّا مكان، فإن كان مكانا: فمعنى (يغيظ الكفار): يغيظهم وطؤه، و"النيل" أيضًا: يجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا، وأن يكون بمعنى المنيل، ويقال: نال منه: إذا رزأه ونقصه، وهو عام في كل ما يسوؤهم وينكبهم ويلحق بهم ضررًا.
_________________
(١) ـ قوله: (آخر وطأة وطئها الله بوج): النهاية: "زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم: أن رسول الله ﷺ خرج وهو محتضن أحد ابني ابنته، وهو يقول: "إنكم لتبخلون وتجبنون، وإنكم لمن ريحان الله، وإن آخر وطأة وطئها [الله] بوج"، يعني: تحملون على البخل والجبن، فإن الأب يبخل بإنفاق ماله ليخلفه لهم، ويجبن عن القتال ليعيش لهم ويربيهم. و"ريحان الله": رزقه وعطاؤه. و"وج": من الطائف. والوطء في الأصل: الدوس بالقدم، فسُمي به الغزو والقتل، لأن من يطأ الشيء برجله فقد استقصى في هلاكه وإهانته. والمعنى: إن آخر أخذة ووقعة أوقعها الله تعالى بالكفار كانت بوج، وكانت غزوة الطائف آخر غزوات رسول الله ﷺ، ولم يغز بعدها إلا غزوة تبوك، ولم يكن فيها قتال. ووجه تعلق هذا القول بالأولاد: أنه إشارة إلى تقليل ما بقي من عمره، صلوات الله عليه، فكنى به عن ذلك". قوله: (وينكبهم): وروي: "وينكيهم"، النهاية: "يُقال: نكيتُ في العدو أنكي نكاية، فأنا
[ ٧ / ٣٩٦ ]
وفيه دليل على أن من قصد خيرًا كان سعيه فيه مشكورًا؛ من قيام وقعود ومشى وكلام وغير ذلك، وكذلك الشر، وبهذه الآية استشهد أصحاب أبى حنيفة ﵀: أنّ المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك الجيش في الغنيمة، لأنّ وطء ديارهم مما يغيظهم وينكى فيهم.
ولقد أسهم النبي ﷺ لابني عامر، وقد قدما بعد تقضى الحرب، وأمدّ أبو بكر ﵁ المهاجر بن أبى أمية، وزياد بن أبى لبيد، بعكرمة بن أبى جهل مع خمس مئة نفس، فلحقوا بعدما فتحوا، فأسهم لهم.
_________________
(١) ناكٍ: إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل، فوهنوا لذلك، وقد يُهمز؛ لغة فيه. يُقال: نكأت القرحة أنكؤها: إذا قشرتها". قوله: (ولقد أسهم رسول الله ﷺ): روينا عن الترمذي عن أبي موسى قال: "قدمت على رسول الله ﷺ في نفر من الأشعريين بعد أن افتتح خيبر، فقسم لنا، ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا". وعن أبي داود عن أبي موسى قال: "قدمنا فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا- أو قال: فأعطانا منها-، وما قسم لأحدٍ غاب عن فتح خيبر منها شيئًا، إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا؛ جعفرًا وأصحابه، قسم لهم معه".
[ ٧ / ٣٩٧ ]
عند الشافعي: لا يشارك المدد الغانمين.
وقرأ عبيد ابن عمير: "ظماء" بالمدّ، يقال: ظمأ ظماءة وظماء.
(وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً) ولو تمرة، ولو علاقة سوط، (وَلا كَبِيرَةً) مثل ما أنفق عثمان ﵁ في جيش العسرة، (وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا) أي: أرضًا في ذهابهم ومجيئهم.
_________________
(١) قوله: (وعند الشافعي: لا يُشارك المدد الغانمين): في "الروضة": "يستحق السهم من شهد الوقعة بنية الجهاد، قاتل أم لم يقاتل، إذا كان ممن يسهم له؛ من حضر قبل انقضاء القتال: استحق، وإن حضر بعد حيازة المال: فلا، وإن حضر بعد انقضائه وقبل حيازة المال: أظهر الوجهين: لا يستحق، ولو أقاموا على حصن، وأشرفوا على فتحه، فلحق مدد قبل الفتح: شاركوهم، وإن فتحوا ودخلوا آمنين، ثم جاء المدد: لم يشاركوهم". قلت: ويؤيده ما روى البخاري عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ أبانًا على سرية من المدينة قبل نجد، فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعدما افتتحها، وإن حُزم خيلهم الليف، فلم يقسم له". ودل أيضًا قول أبي موسى في الحديث الأول: "وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر" إلى آخره، على مذهب الشافعي. قوله: (مثل ما أنفق عثمان في جيش العسرة): في "مُسند أحمد بن حنبل" عن عبد الرحمن بان سمرة قال: طجاء عثمان ﵁ إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حين جهز جيش العسرة، فصبها في حجر رسول الله ﷺ، فجعل يُلبها بيده، وقال: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم"، يُرددها مرارًا".،
[ ٧ / ٣٩٨ ]
والوادي: كل منعرج بين جبال وآكام يكون منفذًا للسيل، وهو في الأصل: "فاعل" من: ودي: إذا سال، ومنه: الودي، وقد شاع في استعمال العرب بمعنى: الأرض، يقولون: لا تصلّ في وادي غيرك.
(إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ) ذلك من الإنفاق وقطع الوادي، ويجوز أن يرجع الضمير فيه إلى (عمل صالح)، وقوله: (لِيَجْزِيَهُمُ) متعلق بـ (كتب)، أي: أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء.
[(وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) ١٢٢].
اللام لتأكيد النفي، ومعناه: أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح ولا ممكن، وفيه: أنه لو صح وأمكن ولم يؤدّ إلى مفسدة
_________________
(١) قوله: (كل منعرج)، الجوهري: "مُنعرج الوادي: منعطفه يمنة ويسرة". قوله: (ويجوز أن يرجع الضمير فيه): عطف على قوله: " (إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ) ذلك"، يعني: أن الضمير المرفوع القائم مقام الفاعل في (كُتِبَ): إما مُجرىَ مجرى اسم الإشارة، والمشار له ما سبق من الإنفاق وقطع الوادي، أو راجع إلى (عَمَلٌ صَالِحٌ)، أي: يُقدر له: "عمل صالح"، ليقوم مقام الفاعل، بقرينة قوله تعالى: (إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ). وقوله: (لِيَجْزِيَهُمْ) تعليل لهذا الفعل، كما أن قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) تعليل لذلك. قوله: (وفيه: أنه لو صح): يعني: أشار في هذه الآية إلى أن طلب العلم فريضة على كل مسلم؛ على سبيل الإدماج، لأن سوق الكلام: أنه لولا ضرورة دعت المسلمين إلى المنع
[ ٧ / ٣٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) من تنفيرهم كافة في طلب العلم، لوجب تنفير الكل، فيفهم من هذا أن قوله: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) ترخيص للبعض من القعود لمصلحة دينية، وعزيمة لآخرين في التنفير لطلب العلم، ثم الرجوع إلى القاعدين لأجل التعليم. وكان من حق الظاهر أن يُقال: "ليتفقهوا في الدين وليعلموا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يفقهون"، فوضع موضع "التعليم": "الإنذار"، وموضع "يفقهون": (يَحْذَرُونَ)؛ ليؤذن بأن الغرض من التعليم والتفقه اكتساب خشية الله والحذر من بأسه وعقابه. قال حجة الإسلام الغزالي رحمة الله عليه"لقد كان اسم "الفقه" بالعصر الأول مطلقًا على علم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات العمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب، ويدلك عليه قوله تعالى: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ)، وما به الإنذار والتخويف هو الفقه، دون تعريفات الطلاق واللعان والسلم والإجارة. وسأل فرقد السبخي الحسن عن شيء، فأجابه، فقال: إن الفقهاء يخالفونك. فقال الحسن: ثكلتك أمك فريقد، هل رأيت فقيهًا قط بعينيك؟ ! إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكاف عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم. ولم يقل في جميع ذلك: الحافظ لفروع الفتاوى". تم كلامه. ومنه أخذ المصنف في الطعن في المتسمين باسم الفقه قائلًا: "لا ما ينتحيه الفقهاء من الأغراض الخسيسة"، إلى آخره.
[ ٧ / ٤٠٠ ]
لوجب، لوجوب التفقه على الكافة، ولأنّ طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.
(فَلَوْلا نَفَرَ) فحين لم يمكن نفير الكافة، ولم يكن مصلحة، فهلا نفر (مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ) أي: من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة منهم، يكفونهم النفير.
(لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ): ليتكلفوا الفقاهة فيه، ويتجشموا المشاق في أخذها وتحصيلها، (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ): وليجعلوا غرضهم ومرمى همتهم في التفقه: إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم، لا ما ينتحيه الفقهاء من الأغراض الخسيسة، ويؤمّونها من المقاصد الركيكة، من التصدّر والترؤس والتبسط في البلاد، والتشبه بالظلمة في ملابسهم ومراكبهم، ومنافسة بعضهم بعضًا،
_________________
(١) قوله: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة): رواه الصغاني في "كشف الحجاب" عن أبي سعيد، ولم يذكر "ومسلمة"، وضعفه. قوله: (لم يُمكن نفير الكافة): النفير هنا: مصدر، الأساس: "نفر القوم إلى الثغر نفيرًا، وجاء نفير بني فلانٍ ونفرهم". قوله: (أي: من كُل جماعة كثيرة جماعة قليلة): كأنه استنبط من استعمال التنزيل الفرق بين "الفرقة" و"الطائفة"، لأن القياس أن ينتزع من الكثير القليل، وألا فالجوهري لم يفرق بينها.
[ ٧ / ٤٠١ ]
وفشوّ داء الضرائر بينهم، وانقلاب حماليق أحدهم إذا لمح ببصره مدرسة لآخر، أو شرذمة جثوا بين يديه، وتهالكه على أن يكون موطأ العقب دون الناس كلهم، فما أبعد هؤلاء من قوله ﷿: (لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا) [القصص: ٨٣]!
(لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ): إرادة أن يحذروا الله فيعملوا عملا صالحًا.
ووجه آخر: وهو أنّ رسول الله ﷺ كان
_________________
(١) ـ قوله: (وفشوا داء الضرائر بينهم): الضرائر: جمعُ ضريرة. الأساس: "من المجاز: ما أشد ضريرته عليها: غيرته، وبينهم داء الضرائر: الحسد، وامرأة ضريرة". وفيه تعبير شديد وتوبيخ عظيم، وذلك أن العلماء إذا وقع بينهم التحاسد دخلوا في حكم النساء. قوله: (موطأ العقب دون الناس)، النهاية: "وفي حديث عمار: "أن رجلًا وشى به إلى عمر ﵁، فقال: اللهم إن كان كذب فاجعله موطأ العقب"، أي: كثير الأتباع، دعا عليه بأن يكون سلطانًا أو مقدمًا، فيتبعه الناس ويمشون وراءه". قوله: (ووجه آخر): عطف على قوله: "أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح". والمعنى على الأول: ما ينبغي للمؤمنين، ولا يصح منهم، أن يخرجوا من أوطانهم جميعًا على المدينة، ليتفقهوا في الدين، وإذا كان كذلك فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين. فحذف من الأول: "ليتفقهوا في الدين" مع الشرط؛ لدلالة الكلام عليه. وعلى الثاني: (لِيَتَفَقَّهُوا) علة لمعنى النهي في قوله: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا)، وعلة قوله: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) محذوفة، المعنى: لا يصح تنفير الجميع إلى الغزو، لأن التفقه أيضًا من فروض الكفايات، وإذا كان كذلك فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة للغزو، وتبقى أعقابهم يتفقهون، حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر.
[ ٧ / ٤٠٢ ]
إذا بعث بعثا بعد غزوة تبوك، وبعد ما أنزل في المتخلفين من الآيات الشداد، استبق المؤمنون عن آخرهم إلى النفير، وانقطعوا جميعًا عن استماع الوحي والتفقه في الدين، فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى الجهاد، ويبقى أعقابهم يتفقهون، حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر، لأن الجدال بالحجّة أعظم أثرًا من الجلاد بالسيف.
_________________
(١) الانتصاف: "قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً) على الأول: خبر، وعلى الثاني: معناه النهي، لأن المراد بالأول تنفير أهل البوادي إلى المدينة للتفقه، وهذا لو أمكن فعله من الجميع لكان جائزًا أو واجبًا، ولما لم يُمكن فُعل على طريق فرض الكفاية، وفي الثاني فلأن المؤمنين نفروا من المدينة للجهاد، ولو أنهم نفروا أجمعين لكان ممكنًا، فنهوا عن اطراح التفقه، وأمروا به أمر كفاية". وقال القاضي: "وفيه دليل على أن التفقة والتذكير من فروض الكفاية". وقلت: وفي توسيطها بين آيات الجهاد دليل على أن المقصود الأولي من التفقه: الإنذار والبعث على الجهاد والهجرة إلى رسول الله ﷺ لإقامة الدين، والحذر عن أن يدخلوا في زمرة المنافقين المتخلفين عن رسول الله ﷺ. قوله: (بعث بعثًا)، الجوهري: "البعوث: الجيوش، وكنت في بعث فلان، أي: في جيشه".
[ ٧ / ٤٠٣ ]
وقوله: (لِيَتَفَقَّهُوا) الضمير فيه للفرق الباقية بعد الطواف النافرة من بينهم، (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ): ولينذر الفرق الباقية قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم، بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم، وعلى الأوّل: الضمير للطائفة النافرة إلى المدينة للتفقه.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ١٢٣].
(لُونَكُمْ): يقربون منكم، والقتال واجب مع كافة الكفرة؛ قريبهم وبعيدهم، ولكن الأقرب فالأقرب أوجب. ونظيره: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: ٢١٤]، وقد حارب رسول الله ﷺ قومه، ثم غيرهم من عرب الحجاز، ثم غزا الشام. وقيل: هم قريظة والنضير وفدك وخيبر. وقيل: الروم، لأنهم كانوا يسكنون الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق وغيره.
وهكذا المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم، ما لم يضطر إليهم أهل ناحية أخرى. وعن ابن عمر: أنه سئل عن قتال الديلم؟ فقال: عليك بالروم.
وقرئ (غِلْظَةً) بالحركات الثلاث، فالغلظة كالشدّة، والغلظة كالضغطه، والغلظة كالسخطة، ونحوه: (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ٧٣]، (وَلا تَهِنُوا) [آل عمران: ١٣٩]، وهو يجمع الجرأة والصبر على القتال، وشدّة العداوة والعنف في القتل والأسر، ومنه: (وَلا تَاخُذْكُمْ بِهِما رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) [النور: ٢].
(مَعَ الْمُتَّقِينَ) ينصر من اتقاه فلم يترأف على عدوّه.
[(وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ)
_________________
(١) قوله: (وقرئ: (غِلْظَةً) بالحركات الثلاث): بالكسر: السبعة. قوله: (وهو يجمع الجرأة والصبر على القتال، وشدة العداوة والعنف في القتل والأسر): يعني: قوله: (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) كلمة جامعة لهذه المعاني، وذلك لأنه أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين الغلظة، وفي الحقيقة أمر للمؤمنين بأن يتصفوا بصفاتٍ إن وجدهم الكفار
[ ٧ / ٤٠٤ ]
رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ) ١٢٤ - ١٢٥].
(فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ): فمن المنافقين من يقول بعضهم لبعض (أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ) السورة (إِيمانًا) إنكارًا واستهزاء بالمؤمنين واعتقادهم زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي، والعمل به.
_________________
(١) ـ وجدوا فيهم تلك الصفات، ومثله - لكن في النهي - قوله تعالى لموسى ﵇: (فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) [طه: ١٦]. ولما كان المطلوب من أمر الكافرين اتصاف المؤمنين بتلك الصفات، وهي مضادة للرأفة والرحمة التي يقتضيها صلة الموصول- أعني: قوله: (يَلُونَكُمْ) -؛ لأن الظاهر من حق الجار مع الجار الترأف والترحم، ذيل الكلام بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)، ومعناه: ما قال: إن الله "ينصر من اتقاه، فلم يترأف على عدوه"، أي: عدو الله، فاللام في (الْمُتَّقِينَ) للجنس، ويجوز أن تكون للعهد، وقد وضع (الْمُتَّقِينَ) موضع المضمر، أي: معكم، إذا لم يوجد منكم الترأف والترحم، والله أعلم. قوله: (إنكار واستهزاء بالمؤمنين): (فَمِنْهُمْ) جواب للشرط، وقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا)، (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) ليسا بمعطوفين على الجزاء، بل تفصيلان لمفصل محذوف، كأنه قيل: فأما إذا ما أنزلت سورة فالناس من بين مستهزئ مطبوع على قلوبهم، ومؤمن مستبشر مستزيد للإيمان، فمنهم من يقول: أيكم زادته هذه إيمانًا، ومنهم من
[ ٧ / ٤٠٥ ]
و(أيكم) مرفوع بالابتداء، وقرأ عبيد بن عمير: " أيكم" بالفتح؛ على إضمار فعل يفسره (زادَتْهُ)، تقديره: أيكم زادت زادته هذه إيمانا (فَزادَتْهُمْ إِيمانًا) لأنها أزيد لليقين والثبات، وأثلج للصدر. أو فزادتهم عملا، فإن زيادة العمل زيادة في الإيمان، لأنّ الإيمان يقع على الاعتقاد والعمل، (فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ): كفرًا مضموما إلى كفرهم، لأنهم كلما جدّدوا -بتجديد الله الوحي- كفرًا ونفاقا، ازداد كفرهم، واستحكم وتضاعف عقابهم.
[(أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) ١٢٦ - ١٢٧].
قرئ: (أَوَلا يَرَوْنَ) بالياء والتاء، (يُفْتَنُونَ): يبتلون بالمرض والقحط وغيرهما من بلاء الله، ثم لا ينتهون ولا يتوبون عن نفاقهم، ولا يذكرون:، ولا يعتبرون، ولا ينظرون في أمرهم، أو يبتلون في بالجهاد مع رسول الله ﷺ، ويعاينون أمره، وما ينزل الله عليه من نصرته وتأييده،
_________________
(١) ـ يقول: آمنا بالله وما أنزل إلينا، (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا) الآية، (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ)، الآية. قوله: (وأثلج للصدر)، النهاية: "ثلجت نفسي بالأمر تثلج ثلجًا، وثلجت تثلج ثلوجًا: اطمأنت إليه وسكنت، وثبتت فيه ووثقت". قوله: (لأن الإيمان يقع على الاعتقاد والعمل): تعليل للاعتبارين، أي: إذا كان الإيمان يُراد به الاعتقاد فزيادته بزيادة اليقين، وإن كان العمل فزيادته بزيادة العمل. قوله: (قرئ: (أَوَلا يَرَوْنَ) بالياء والتاء): بالتاء الفوقانية: حمزة، والباقون: بالياء.
[ ٧ / ٤٠٦ ]
أو: يفتنهم الشيطان فيكذبون وينقضون العهود مع رسول الله ﷺ، فيقتلهم وينكل بهم، ثم لا ينزجرون.
(نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ): تغامزوا بالعيون إنكارًا للوحي وسخرية به، قائلين: هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ) من المسلمين؛ لننصرف، فإنا لا نصبر على استماعه، ويغلبنا الضحك، فنخاف الافتضاح بينهم.
أو: ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال لواذا، يقولون: (هل يراكم من أحد). وقيل: معناه: إذا ما أنزلت سورة في عيب المنافقين.
(صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عما في قلوب أهل الإيمان من الانشراح، (أَنَّهُمْ): بسبب أنهم (قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ): لا يتدبرون حتى يفقهوا.
[(لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) ١٢٨ - ١٢٩].
_________________
(١) قوله: (لواذًا)، الأساس: "لاذ به لياذًا، ولاذ لواذًا، واعتصم بلوذ الجبل، أي: بجانبه". قوله: «صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) دعاء عيهم بالخذلان)، الانتصاف: "يحتمل أنه أخبر تعلق بأنه صرف قلوبهم، ومنعها من تلقي الحق، لكن الزمخشري نفر من ذلك رعاية لقاعدة الحسن والقبح، ثم في هذا الدعاء مناسبة لما فعلوا، وهو الانصراف، كقوله تعالى: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) [المائدة: ٦٤]، وقوله تعالى: (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمْ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) [التوبة: ٩٨].
[ ٧ / ٤٠٧ ]
(مِنْ أَنْفُسِكُمْ): من جنسكم ومن نسبكم، عربي قرشي مثلكم، ثم ذكر ما يتبع المجانسة والمناسبة من النتائج، بقوله: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ) أي: شديد عليه شاق - لكونه بعضًا منكم - عنتكم ولقاؤكم المكروه، فهو يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع في العذاب.
(حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) حتى لا يخرج أحد منكم عن إتباعه والاستسعاد بدين الحق الذي جاء به، (بِالْمُؤْمِنِينَ) منكم ومن غيركم (رَءوفٌ رَحِيمٌ).
وقرئ: "من أنفسكم"، أي: من أشرفكم وأفضلكم، وقيل: هي قراءة رسول الله ﷺ وفاطمة وعائشة ﵄.
_________________
(١) قوله: (ثم ذكر ما يتبع المجانسة المناسبة من النتائج): وذلك من إجراء هذه الصفات على الرسول صلوات الله عليه، لتعداد المنن على المرسل إليهم، فيجب أن يعتبر في كل من تلك الصفات فائدة جليلة، ليصح الامتنان بكل منها، فأجري عليه أولًا (مِنْ أَنفُسِكُمْ) أي: من جنسكم، لأن الجنس إلى الجنس أميل، ثم رتب عليه صفات أخر على سبيل الترقي، كما سينبئ عنه كلامه. قوله: «عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ): أي: شديد عليه شاق): وعن الراغب: "العزة: حالة مانعة للإنسان أن يُغلب، من قولهم: أرض عزاز، أي: صلبة، والعزيز: الذي يقهر ولا يُقهر. قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ) [المنافقون: ٨]، وقد يُذم بالعزة، كقوله تعالى: (بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) [ص: ٢]، وقد تُستعار للحمية والأنفة المذمومة، قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ) [البقرة: ٢٠٦]، ويقال: عز علي ذا، أي: صعب، (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) [ص: ٢٣]، أي غلبني، عز الشيء: قل، اعتبارًا بماقيل: كل موجود مملول، وكل مفقود مطلوب".
[ ٧ / ٤٠٨ ]
وقيل: لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله ﷺ في قوله: (رَءوفٌ رَحِيمٌ).
(فَإِنْ تَوَلَّوْا): فإن أعرضوا عن الإيمان بك وناصبوك، فاستعن وفوّض إليه، فهو كافيك معرّتهم، ولا يضرونك، وهو ناصرك عليهم.
وقرئ "العظيم" بالرفع.
وعن ابن عباس ﵁: العرش لا يقدر أحد قدره. وعن أبىّ ابن كعب: آخر آية نزلت (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ).
عن رسول الله ﷺ "ما نزل علىّ القرآن إلا آية آية، وحرفًا حرفًا، ما خلا سورة (براءة) و(قل هو الله أحد)، فإنهما أنزلتا علىّ، ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة".
_________________
(١) قوله: (كافيك معرتهم)، النهاية: "المعرة: الأمر القبيح المكروه والأذى، وهي مفعلة، من العر، أي: موضع الجرب"، و"ناصبوك": أي: عادوك قوله: (وحرفًا حرفًا)، النهاية: "الحرف في الأصل: الطرف والجانب، وسمي به الحرف من حروف الهجاء"ن فالمراد به هاهنا الجملة المفيدة، سواء كانت آية أو أقل أو أكثر، على معنى: لم تبلغ تمام السورة. والله أعلم بالصواب تمت السورة حامدًا لله ومصليًا
[ ٧ / ٤٠٩ ]