مكية، وهي تسعُ وتسعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ)]
(تِلْكَ) إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات. والكتاب، والقرآن المبين:
_________________
(١) ـ سورة الحجر مكية، وهي تسع وتسعون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: «تِلْكَ) إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات)، وهو على منوال: هذا أخوك. قال المصنف: لا يكون "هذا" إشارة إلى غير الأخ. قال ابن الحاجب: المشار إليه لا يُشترط أن يكون موجودًا حاضرًا، بل يكفي أن يكون موجودًا ذهنًا. قال أبو البقاء: (تِلْكَ): يجوز أن يكون مبتدأ، و(آيَاتُ الْكِتَابِ) ": خبره، وأن يكون خبر (الر)، و(آيَاتُ الْكِتَابِ) بدل أو عطف بيان، واختار المصنف الأول لقوله: "والمعنى: تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتابا"، فقوله: "الكامل في كونه كتابًا"
[ ٩ / ٥ ]
السورة. وتنكير القرآن؛ للتفخيم. والمعنى: تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتابًا، وأي قرآن مبين، كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال والغرابة في البيان.
_________________
(١) ـ مستفاد من التعريف الجنسين وإيقاع (آيَاتُ الْكِتَابِ) خبرًا من اسم الإشارة كما سبق في "البقرة". وقوله: "وآي قرآن" مستفاد من التنكير التفخيمي في "قرآن". وقوله: "الجامع للكمال" من توسيط العاطف بين الوصفين. قوله: (وآي قرآن مبين) بالجر عطفًا على "كتاب كامل". قوله: (والغرابة في البيان) من إيقاع (مُبِينٍ) وصفًا للقرآن بعد تعداد حروف التهجي، وأن المبين من: أبان، بمعنى بان، للمبالغة. قال محيي السنة: فإن قيل: لم ذكر الكتاب ثم قال: (قُرْآنٍ مُبِينٍ)، وكلاهما واحد؟ قيل: ليفيد أن المراد بالكتاب: ما يُكتب، وبالقرآن: ما يُجمع بعضه إلى بعض، ذهب إلى معنى العطف من الوصفين. فإن قلت: رجع المآل إلى أن (الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ)، وصفان لموصوف واحد أقيما مقامه، فما ذلك الموصوف؟ وكيف تقديره؟ فإن قدرته معرفة دفعه (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ)، وإن ذهبت إلى أنه نكرة، أباه لفظ الكتاب؟ قلت: أقدره معرفة، (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ): في تأويل المعرفة، لأن معناه: البالغ في الغرابة إلى حد الإعجاز، فهو إذا محدود بل محصور، كأنه قيل: تلك آيات الكتاب الكامل المعجز، وإليه أشار بقوله: "الكتاب الجامع بين الكمال الغرابة في البيان"، فقوله: "الكتاب" هُو
[ ٩ / ٦ ]
[(رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ* ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)].
قرئ: ربما، وربتما بالتشديد، (وربتما)، (وربما): بالضم والفتح مع التخفيف. فإن قلت: لم دخلت على المضارع وقد أبوا دخولها إلا على الماضي؟
_________________
(١) ـ الموصوف المضمر، وأحد الوصفين ما دل عليه قوله: "للكمال"، لأنه معنى الكتاب المذكور في التنزيل، ومعنى "الكمال" فيه مستفاد من التعريف الجنسي، كما سبق، والآخر قوله: "الغرابة في البيان"، وهو المعنى من قوله: (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) على ما أسلفناه. فإن قلت: جعلت (الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) وصفين لموصوف، والمصنف جعلهما في قوله: "والكتاب والقرآن المبين: السورة نفس السورة؟ " قلت: لما قلت: أقيما مقام الموصوف، صح ذلك، ولا منافاة. قوله: (قرئ: "رُبما")، نافع وعاصم: بتخفيف الباء، والباقون بالتشديد، والبواقي شواذ. قوله: (وقد أبوا دخولها إلا على الماضي). قال ابن الحاجب: لأنها لتقليل ما ثبت وتحقيقه. وقيل: هي لتقليل المحقق، وهو بالماضي أجدر، نص عليه المبرد. قيل: إن (يَوَدُّ)، بمعنى: ود؛ لأنه خبر من الله مقطوع به، فجرى مجرى الماضي المحقق، و(ما) في (رُبَمَا): اسم نكرة، و(يَوَدُّ) نعته، وإنما حذف فعل (رُب) لأن الصفة قد أغنت عنه، وسدت مسده. ذكره اليمني.
[ ٩ / ٧ ]
قلت: لأن المترقب في إخبار الله ﷿ بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه، فكأنه قيل: ربما ودّ. فإن قلت: متى تكون ودادتهم؟ قلت: عند الموت، أو يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين. وقيل: إذا رأوا المسلمين يخرجون من النار، وهذا أيضًا باب من الودادة. فإن قلت: فما معنى التقليل؟ قلت: هو وارد على مذهب العرب في قولهم: لعلك ستندم على فعلك، وربما ندم الإنسان على ما فعل، ولا يشكون في
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: إذا رأوا المسلمين يخرجون من النار، وهذا أيضًا باب من الودادة). يعني: تأول هذه الآية بهذا المعنى من الودادة الباطلة، وتفسيرٌ لها بما يُهوى ويُحب، قال الإمام: هذا قول أكثر المفسرين، كابن عباس، ومجاهد. والعجب من هذا الرجل كيف يجترئ على هذا الكلام؟ وقلتُ: بل فسرها من هبط إليه التنزيل على ما روينا عن الترمذي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، في تفسير هذه الآية، قال: "إذا أُخرج أهلُ التوحيد من النار وأدخلوا الجنة، ود الذين كفروا لو كانوا مسلمين"، وعليه معنى التمني؛ وإنما يحسن موقعه إذا رأى الكافرون حسن عاقبة المسلمين، وشاهدوا سوء مغبة الكافرين، وأيقنوا اليأس التام، والإقناط الكلي، كما يقول الكافر: (يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) [النبأ: ٤٠] قال المصنف: "يُحشر الحيوان غير المكلف، حتى يُقتص للجماء من القرناء ثم تُرد ترابًا، فيود الكافر حاله". وقال الراغب: ومن المودة التي تقتضي معنى التمني قوله تعالى: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا).
[ ٩ / ٨ ]
تندمه، ولا يقصدون تقليله، ولكنهم أرادوا: لو كان الندم مشكوكا فيه أو كان
_________________
(١) ـ قوله: (لو كان الندم مشكوكًا فيه) يُشير لقوله: "لعلك ستندم"، وقوله: "ربما ندم الإنسان على ما فعل" أي: هذا الذي فعلت، ربما ندم الإنسان عليه. وخلاصة الجواب أن يقال: لا شك أنهم يكثرون الودادة، ولكن استعمل رُب لتقليلها على الاستعارة، أي: تقل ودادتهم للإسلام حينئذ على إرادة أنهم يبالغون في الودادة، ويكثرون منها لاقتضاء مقام التوبيخ لهم، ثم تفيد هذه الاستعارة على طريقة الكناية الإيمائية- وهي أخذ الزبدة والخلاصة من المجموع- معنى توخي انتهاز فرصة الإسلام، أي: اغتنموا فرصة الإسلام، وسارعوا في تحصيله، فإنكم لو كنتم تودونه مرة واحدة فبالحري أن تُسارعوا فيها، فكيف والحال ما ذكرناها؟ الانتصاف: العرب تُعبر عن المعنى بضده، ومنه: قد أترك القرن مصفرًا أنامله وإنما يُمتدح بالإكثار من ذلك، وعبر عنه بـ "قد" المفيدة للتقليل، ومنه (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) [الصف: ٥]، فإن القصد توبيخهم على الأذى، مع توفر علمهم برسالته ونصحه. قلتُ: ومنه قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) [البقرة: ١٤٤] أي: مِن حق اهتمامك بشان القبلة مع كثرة تقلب وجهك في السماء أن يكون أكثر مما وُجد منك وشوهد من حالك، لأن أصل أمرك أن تستقبل قبلة آبائك، ولكونه أدعى للعرب إلى الإيمان، ولوجوب مخالفة اليهود.
[ ٩ / ٩ ]
قليلا لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل؛ لأنّ العقلاء يتحرّزون من التعرّض للغم المظنون، كما يتحرّزون من المتيقن ومن القليل منه، كما من الكثير، وكذلك المعنى في الآية: لو كانوا يودّون الإسلام مرة واحدة، فبالحري أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودّونه في كل ساعة (لوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) حكاية ودادتهم، وإنما جيء بها على لفظ الغيبة؛ لأنهم مخبر عنهم، كقولك: حلف بالله ليفعلنّ. ولو قيل: حلف بالله لأفعلنّ، ولو كنا مسلمين؛ لكان حسنًا سديدًا، وقيل: تدهشهم أهوال ذلك اليوم فيبقون
_________________
(١) ـ قوله: (فبالحرى أن يسارعوا): قيل: "أن يسارعوا": مبتدأ، و"بالحري": خبره، وهو مصدر، والباء غير زائدة، أي: المسارعة ثابتة بالحري، وإذا جُعل صفة مشبهة، فالباء زائدة، وبالحري: مبتدأ، و"أن يُسارعوا": الخبر، كقولك: بحسبك زيدٌ، وقلت: جواب لو محذوف، والفاء في فبالحري جواب لشرط محذوف، يعني: لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة لكان الواجب المسارعة إليه، وإذا كان كذلك فبالحري أن يسارعوا غليه، فكيف وهم يودونه في كل ساعة؟ ويجوز أن يكون جوابًا لـ "لو"، لمعنى الشرطية فيها، وجاء في "البقرة" في قصة المنافقين أن قولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق، وعقيدتهم عقيدتهم فهو كفر. قوله: (وإنما جيء بها على لفظ الغيبة لأنهم مخبر عنهم)، قال صاحب "الفرائد": لابُد لقوله (يَوَدُّ) من مفعول، فـ"لَو" مع ما بعده نُزل منزلته، كأنه قيل: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) ما يلازم لو كانوا مسلمين، [وهو الخلاص من النار ودخول الجنة، ولو قيل: لو كنا مسلمين لكان التقدير: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) الإسلام قائلين: لو كنا مسلمين] لما ابتلينا بالنار ولدخلنا الجنة، فظهر من هذا أن الغيبة أولى بالذكر، لأنها أقل احوجاجًا إلى التقدير. وقلت: ولهذا قدمه المصنفُ على الثاني، وقال: "ولو قيل: لكان كذا، لكان سديدًا". قوله: (وقيل: تدهشهم) جواب آخر للسؤال معطوف على قوله: "هو وارد"، ورُب حينئذ: للتقليل حقيقة.
[ ٩ / ١٠ ]
مبهوتين، فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات من سكوتهم تمنوا، فلذلك قلل (ذَرْهُمْ) يعنى اقطع طمعك من ارعوائهم، ودعهم عن النهى عما هم عليه والصدّ عنه بالتذكرة والنصيحة، وخلهم (يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا بدنياهم) وتنفيذ شهواتهم، ويشغلهم أملهم وتوقعهم لطول الأعمار واستقامة الأحوال، وأن لا يلقوا في العاقبة إلا خيرًا (فَسَوْفَ يَعْلَمُون) سوء صنيعهم.
والغرض الإيذان بأنهم من أهل الخذلان، وأنهم لا يجيء منهم إلا ما هم فيه، وأنه لا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ، ولا سبيل إلى اتعاظهم قبل ذلك، فأمر رسوله بأن يخليهم وشأنهم ولا يشتغل بما لا طائل تحته، وأن يبالغ في تخليتهم حتى يأمرهم بما لا يزيدهم إلا ندمًا في العاقبة.
_________________
(١) ـ قوله: (من ارعوائهم)، النهاية: لا يرعوي: أي لا ينكف ولا ينزجر عن القبيح. قوله: (وأن لا يلقوا) عطف على سبيل البيان على قوله: "لطول الأعمار واستقامة الأحوال"، أي: خلهم يشغلهم توقعهم أن لا يلقوا في العاقبة إلا خيرًا. قوله: (حين لا ينفعهم): ظرف لقوله: "معاينة". قوله: (فأمر رسول الله ﷺ) مسبب عن قوله: "والغرض" أي: الغرض من إيراد قوله: (ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ) الإعلام بأنهم من أهل الخذلان على سبيل الكناية، لا حقيقة الأمر، فأمر رسوله ﷺ بأن يخليهم لذلك الغرض، كما أن الأمر في قوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: ٢٩] لطلب الكفر ظاهرًا، والغرض منه التهديد والوعيد. قوله: (وأن يبالغ في تخليتهم حتى يأمرهم بما لا يزيدهم إلا ندمًا)، فإن قلت: ليس
[ ٩ / ١١ ]
وفيه إلزام للحجة ومبالغة في الإنذار وإعذار فيه.
_________________
(١) ـ في الآية أمرٌ، فكيف قال: حتى يأمرهم؟ قلت: قوله: (ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا) كلمة موادعة ومُتاركة، ولا يُذهب إليه إلا بعد الإياس التام والإقناط الكلي، كأنه قيل: "كلوا وتمتعوا" كما في قوله تعالى: (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) [إبراهيم: ٣٠]، وقوله تعالى: (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ) [المرسلات: ٤٦]. وموقع قوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) إلى قوله: (وَمَا يَسْتَاخِرُونَ) موقع الاعتراض بين قوله: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) وبين قوله: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) كقوله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ) [يونس: ١ - ٢]، فإنه تعالى لما بالغ في وصف الكتاب على ما سبق حتى بلغ القضيا في كماله، وبالغوا في التكذيب حتى قابلوه بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) سُلي صلوات الله عليه بقوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) أي: هون على نفسك فإنك بالغت في الإرشاد والإنذار، وهم أيضًا أفرطوا في التكذيب، فهم قوم جهلة قليلو الدراية، لو كانوا يودون الإسلام مرة فبالحري أن يُسارعوا إليه، فكيف وهم يودونه كل ساعة؟ وإذا كان كذلك فاقطع طمعك في ارعوائهمن ودعهم عن النهي عما هم عليهن والصد عنه بالتذكرة، بل مرهم بالأكل الأنعام والتمتع فيها أيامًا قلائل، فسوف يعلمون سوء صنيعهم. والله أعلم. قوله: (وفيه إلزام) أي: في قوله: (ذَرْهُمْ)، وقلت: في الأمر بالتمتع والاشتغال بالتلذذ: إدماج لهذا المعنى، لأن هذا القول لا يصدر عن الرسول إلا بعد الإنذار البالغ حده، واليأس من الإيمان، أي: أبلغت في الإنذار وألزمت الحجة عليهم، فلله الحجة البالغة. قوله: (وإعذار فيه)، الجوهري: أعذر، أي: بالغ في الإنذار، وقيل: يجوز أن تكون الهمزة للسلب.
[ ٩ / ١٢ ]
وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدّى إليه طول الأمل- وهذه هجيرى أكثر الناس- ليس من أخلاق المؤمنين، وعن بعضهم: التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين.
[(وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ* ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَاخِرُونَ)].
(وَلَها كِتابٌ) جملة واقعة صفة ل (قريةٍ)، والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما
_________________
(١) ـ قوله: (وفيه تنبيه) أي: في تخصيص الأكل والتمتع بالمشتهيات والتلهي بالأمل إدماج أيضًا بأن هذه الأشياء ليست من أخلاق المؤمنين، فقوله: "وهذه هجيري أكثر الناس" جملة معترضة، قال بعض المشايخ: التزين بالدنيا من أخلاق المنافقين، والتمتع بها من أخلاق الكافرين، والتمرغ فيها من أخلاق الهالكين. قوله: (وهذه هجيري أكثر الناس). الراغب: الهجرُ: الكلام المهجور لقبحه، وأهجر فلان: إذا أتى بهجر من الكلام عن قصد، يقال: رماه بهاجرات فمه، أي بفضائح كلامه، وقولهم: فلان هجيراه كذا، إذا أولع بذكره، وهذى به هذيان المريض المهجر، ولا يكاد يستعمل الهجيري إلا في العادة الذميمة. قوله: (التمرغ في الدنيا)، الجوهري: مرغته في التراب فتمرغ، أي: معكته، وفي تخصيص التمرغ إشارة إلى دأب الحيوان. قوله: (أن لا يتوسط الواو) يعني: القياس أن لا يتوسط بين الصفة والموصوف العاطف
[ ٩ / ١٣ ]
كما في قوله تعالى (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ) وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب.
_________________
(١) ـ لشدة اتصالها به، كما في قوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ) [الشعراء: ٢٠٨]، لكن لما افترق الحكم بينهما اختصت هذه بها، فإن لصوق الصفة فيما نحن فيه أشد من لصوقها في قوله: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ)، فإن إهلاك قرية من القرى لكون أجلها مقدرًا لا ينفك عن قضائه وقدره، بخلاف إهلاكها عن إنذار منذر، فإنه قد ينفك عنه، قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) [الإسراء: ٥٨]. قوله: (كما يقالُ في الحال)، يعني: هذه الواو الداخلة بين الصفة والموصوف كالواو الداخلة بين الحال وصاحبها، فكما أن معنى الحالية لا يتغير إذا قلت: جاءني زيدٌ عليه ثوب، وجاءني زيدٌ وعليه ثوب، كذلك هاهنا. وأيضًا، كما أن الواو هناك لمجرد الربط، فكذلك هاهنا، وذلك أن الأصل في الجملة إذا وقعت موقع الحال أن لا تدخلها الواو لفوات المغايرة؛ لأن حم الحال مع صاحبها حكم اخبر مع المخبر عنه، والخبر ليس موضعًا لدخول الواو، وإنما تدخل لمجرد الربط، لاسيما إذا كانت جملة اسمية فإنها أشد افتقارًا إلى الربط، فحكم الصفة كذلك، ويؤيده قول أبي البقاء: وساغ دخول الواو لما كانت صورة الجملة هاهنا كصورتها إذا كانت حالًا. وقال صاحب "التقريب": في قول المصنف نظر؛ لأن توسيط العاطف بين الصفات معهود لا بين الصفة والموصوف، والحال ليس وزانها وزان الصفة، إذ حقها الواو، وقد تُحذفن وإنما لم يجعله حالًا لتنكير ذي الحال، وهو (قرية)، وجاز أن يُقال: عمومها يصحح كونها ذا الحال، كما في المبتد، نحو: ما أحد خير منك، وهو تبع صاحب "المفتاح"، حيث
[ ٩ / ١٤ ]
(كتابٌ مَعْلُومٌ مكتوب معلومً)، وهو أجلها الذي كتب في اللوح وبين، ألا ترى إلى قوله (ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها في موضع كتابها)، وأنث الأمّة أوّلا ثم ذكرها آخرا، حملا على اللفظ والمعنى: وقال (وَما يَسْتَاخِرُونَ) بحذف «عنه» لأنه معلوم.
[(وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)].
قرأ الأعمش: يا أيها الذي ألقى عليه الذكر، وكأن هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء، كما قال فرعون (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) وكيف يقرّون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون. والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكم مذهب واسع. وقد جاء في كتاب الله في مواضع، منها (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: ٢١]، (إَنكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيد) [هود: ٨٧] وقد يوجد كثيرًا في كلام العجم، والمعنى: إنك لتقول قول المجانين حين تدعى أنّ الله نزل عليك الذكر.
_________________
(١) ـ قال: فالوجه عندي هو أن (وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ): حال (لقرية) لكونها في حُكم الموصوفة، أي: قرية من القرى، لا وصف، وحمله على الوصف سهوٌ لا خطأ، ولا عيب في السهو. وقد أطال المالكي في "شرح التسهيل" في الرد قياسًا ونقلًا، وجعل مصحح وقوع النكرة ذا الحال كونها منفية، وقال: والمنفي صالح لأن يُجعل صاحب حالٍ بما هو صالح لان يُجعل مبتدأ، ومن أمثلة أبي علي في "التذكرة": ما مررت بأحد إلا قائمًا إلا أخاك، فجعل الحال من أحد، لاعتماده على النفي. وسنذكر الجواب إن شاء الله في سورة "الكهف". قوله: (وأنت الأمة أولًا) يعني: في قوله: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ) ثم ذكرها آخرًا، أي: في قوله: (وَمَا يَسْتَأخِرُونَ).
[ ٩ / ١٥ ]
[(لَوْ ما تَأتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)].
«لو» ركبت مع «لا» و«ما» لمعنيين: معنى امتناع الشيء لوجود غيره، ومعنى التحضيض، وأما «هل» فلم تركب إلا مع «لا» وحدها للتحضيض: قال ابن مقبل:
لَوْ مَا الْحَيَاءُ وَلَوْ مَا الدّينُ عِبْتُكُمَا … بِبَعْضِ مَا فِيكُمَا إذْ عِبْتُمَا عَوَرِى
والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك ويعضدونك على إنذارك، كقوله تعالى (لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) [الفرقان: ٧]، أو: هلا تأتينا بالملائكة للعقاب على تكذيبنا لك إن كنت صادقا كما كانت تأتي الأمم المكذبة برسلها؟ .
[(ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)].
قرئ: (تنزل) بمعنى تتنزل وتنزل على البناء للمفعول من نزل، و: (ننزل الملائكة): بالنون ونصب الملائكة (إِلَّا بِالْحَقِّ): إلا تنزلا ملتبسًا بالحكمة والمصلحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عيانًا تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي ﷺ،
_________________
(١) ـ قوله: (لمعنيين) أي: على سبيل البدل، إما الامتناع أو التحضيض، فإن قوله: "لولا عليٌّ لهلك عمر" ليس فيه سوى الامتناع، كما أن قوله: (لَوْ مَا تَاتِينَا)، ليس فيه سوى التحضيض. قوله: (لو ما الحياء) البيت، عوري أي: خللي ونقصي، ويروي: عودي أي: أصلي، والبيت يستشهد به لـ "لوما" التي لامتناع الشيء لوجود غيره. قوله: (قرئ: "تنزل") كلهم إلا عاصمًا وحمزة والكسائي، و"تنزل": أبو بكر، و"تنزل": حفص وحمزة والكسائي.
[ ٩ / ١٦ ]
لأنكم حينئذ مصدّقون عن اضطرار. ومثله قوله تعالى: (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ) [الحجر: ٨٥]. وقيل: الحق: الوحي أو العذاب. و(إِذًا) جواب وجزاء، لأنه جواب لهم وجزاء لشرط مقدر تقديره:
ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم.
[(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)].
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) رد لإنكارهم واستهزائهم (في قولهم يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) ولذلك قال: (إنا نحن)، فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع والبتات،
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: الحق: الوحي أو العذاب) عطفٌ على قوله: "بالحكمة والمصلحة". قوله: (لأنه جواب لهم، وجزاء لشرط مقدر)، أما كونه جوابًا لهم فظاهر، وأما كونه جزاء لشرط مقدر، فإنهم لما قالوا: هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك؟ أجيبوا بما ينبئ عن قولنا: "إن جاءتكم الملائكة وشهدوا بصدقي فلم تؤمنوا ما أُخر عذابكم" كما قدر الزجاج معنى قوله: "إذن أكرمك، جوابًا لمن قال: أنا آتيك إن كان الأمر كما ذكرت فإني أكرمك، أو: إن جاءتكم ملائكة العذاب "ما أخرتم"، فقوله: "ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم" يُحمل على الوجهين المذكورين، لكون قوله تعالى: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ) الآية، جوابًا عن قولهم: (لَوْ مَا تَاتِينَا بِالْمَلائِكَةِ) الآية، وقد فسره فيما سبق بالوجهين. قوله: (على القطع): حال من الضمير في "فأكد"، أو: مفعول مطلق من المنزل، أي: إنزالًا على القطع، وإفادة القطع عن تصدر الجملة بـ "إن" وتوكيده بـ"نحن" والتعظيم بضمير الجمع.
[ ٩ / ١٧ ]
وأنه هو الذي بعث به جبريل إلى محمد ﷺ وبين يديه ومن خلفه رصد، حتى نزل وبلغ محفوظا من الشياطين وهو حافظه في كل وقت من كل زيادة ونقصان وتحريف وتبديل، بخلاف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتول حفظها. وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغيا فكان التحريف ولم يكل القرآن إلى غير حفظه. فإن قلت: فحين كان قوله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) ردًا لإنكارهم واستهزائهم، فكيف اتصل به قوله (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ؟) قلت: قد جعل ذلك دليلا على أنه منزل من عنده آية، لأنه لو كان من قول البشر أو غير آية لتطرق عليه الزيادة والنقصان كما يتطرق على
_________________
(١) ـ قوله: (بعث به جبريل) أي: بعث بالقرآن جبريل، فالباء بمعنى "مع"، ويجوز أن تكون سببية. قوله: (قد جعل ذلك دليلا)، توجيه الجواب: أن الكفرة حين قالوا: مستهزئين: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) بمعنى: يا أيها المفتري، إن الله لم يُنزل عليك الذكر، وهذا الذي تزعمه أنه من عند الله ليس منه، بل هو من الجن، وإنك لمجنون، رد عليهم بقوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، يعني: أن الله تعالى هو المنزل على القطع والبت، فإنه هو الذي بعث جبريل إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهما، وبين يديه ومن خلفه رصد من الملائكة حتى نُزلَ وبُلغ محفوظًا من الشياطين والجن، فما كان من الله ومحفوظًا من الجن، كيف يكون من الجن؟ قوله: (منزل من عند الله آية آية): حال من ضمير "منزل"، أي: دلالة وعلامة على كونه معجزة، يعني: قوله: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) كالدليل ثبات المدعى، فإنه تعالى لما رد بقوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) قولهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) بمعنى: أن المنزل ليس من قبل الجن كما تزعمون، بل من قبل المليك المعظم شأنه، القاهر
[ ٩ / ١٨ ]
كل كلام سواه. وقيل: الضمير في لَهُ لرسول الله ﷺ كقوله تعالى (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ) [المائدة: ٦٧].
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ * وَما يَاتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)].
(فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ) في فرقهم وطوائفهم. والشيعة: الفرقة إذا اتفقوا على مذهب وطريقة. ومعنى أرسلناه فيهم: نبأناه فيهم وجعلناه رسولا فيما بينهم وَما (يَأتِيهِمْ):
_________________
(١) ـ سلطانه، عقبه بقوله ليكون دليلًا على ذلك المدعى، وإليه الإشارة بقوله: "لو كان من عند البشر أو يكون غير آية أي: معجزة لتطرق إليه الزيادة والنقصان". وقال الإمام: إن الله حفظه بأن جعله معجزًا مباينًا لكلام البشر؛ لأنه يعجز الخلق عن الزيادة والنقصان فيه؛ لأنهم لو راموا ذلك لتغير نظمه، وظهر للخلق أنه من كلام البشر، وليس من خالق القوى والقدر. قوله: (والشيعة: الفرقة إذا اتفقوا على مذهب)، الراغب: الشياع: الانتشار والتقوية، تقول: شاع الحديث: إذا كثر وانتشر، وشاع القوم: انتشروا وكثروا، وشيعت النار: قويتها، والشيعة: من يتقوى بهم الإنسان وينتشرون عنه. قوله: (أرسلناه فيهم: نبأناه فيهم وجعلناه رسولًا فيما بينهم)، يعني: أن (أَرْسَلْنَا) استعمل بـ "في"، والأصل: أرسلنا إليهم للإعلام بمزيد التمكن فيهم، فدل قوله: "نبأناه فيهم" على معنى: أعطيناه المعجزة، وقوله: "وجعلناه رسولًا فيما بينهم" على معنى: صيرناه
[ ٩ / ١٩ ]
حكاية حال ماضية، لأنّ «ما» لا تدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال.
[(كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ* لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ)]
يقال: سلكت الخيط في الإبرة، وأسلكته إذا أدخلته فيها ونظمته. وقرئ: (نسلكه)، والضمير للذكر، أي: مثل ذلك السلك، ونحوه: نسلك الذكر في (قُلُوبِ
_________________
(١) ـ صاحب كتاب وشريعة؛ لأن النبي كما تقرر صاحب المعجزة، والرسول صاحب الكتاب، فالآيات تسلية للرسول ﷺ من استهزاء المشركين. قوله: (ونحوه: نسلك الذكر) يريد أن المشار إليه بقوله: "ذلك" في (كَذَلِكَ) خلاصة معنى قوله: (مَا يَاتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)، ووجه التشبيه: التكذيب والاستهزاء، يعني: "مثل ذلك السل" مكذبًا مستهزأ به نسلكه في قلب من هو مجرم مكذب مستهزئ، فقوله: "مكذبًا به مستهزأ": حال مقدرة؛ لأن الذكر ما كان مكذبًا حال إلقائه في قلوبهم، بل بعده بزمان، واللام في (الْمُجْرِمِينَ) للجنس، بدليل قوله: "كذلك أنزلها باللئام". قال في "الانتصاف": المراد إقامة الحجة على المكذبين بأن الله سلك القرآن في قلوبهم وأدخله في سويداواتها، كما سلكه في قلوب المؤمنين، فكذب به هؤلاء، وصدق به هؤلاء، كل على علم وفهم، (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) [الأنفال: ٤٢]، ولتقع الحجة على الكفار بعلمهم بوجه الإعجاز، كما فهمها المؤمنون، ولذلك عقبه بقوله: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنْ السَّمَاءِ) الآية، أي لو أظهر لهم أي دليل أظهر من إعجازٍ أو صعود إلى السماء، وفي قوله: (فَظَلُّوا) التي لا تكون إلا في النهار، إشعارٌ بوضوح ذلك. وقال القاضي: "الضمير في قوله: (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ) للاستهزاء، وفيه دليل على
[ ٩ / ٢٠ ]
الْمُجْرِمِينَ) على معنى أنه يلقيه في قلوبهم مكذبًا مستهزأ به غير مقبول، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام، تعنى مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضيه. ومحل قوله: (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) النصب على الحال، أي غير مؤمن به، أو هو بيان لقوله (كَذلِكَ نَسْلُكُهُ). (سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ): طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم.
_________________
(١) ـ أنه تعالى يوجد الباطل في قلوبهم، وقيل: للذكر، فإن الضمير الآخر في قوله: (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) له، وهو: حال من هذا الضمير، والمعنى: مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين، مُكذبًا غير مؤمن به، أو بيان للجملة المتضمنة له، وهذا الاحتجاج ضعيف، إذ لا يلزم من تعاقب الضمائر توافقها في المرجوع إليه ولا يتعين أن تكون الجملة حالًا من الضمير، لجواز أن تكون حالًا من (الْمُجْرِمِينَ)، ولا ينافي كونها مفسرة للمعنى الأول. قوله: (طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم). روى الإمام عن الزجاج أنه قال: "قد خلت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم". وقال الإمام: هذا أليق بظاهر اللفظ من ذلك. وقلت: بيانه أن التعريف في (الْمُجْرِمِينَ) للعهد، والمراد به المكذبون من قوم رسول الله ﷺ، لأنهم المذكورون بعد قوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ * وَمَا يَاتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أي: مثل ذلك السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين المكذبين للرسل الماضية، نسلكه في قلوب هؤلاء المكذبين، ثم قرر ذلك وبينه بقوله: (لا يُؤْمِنُونَ)، وذيله بقوله: (وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ)، والمقام يقتضي التأكيد والتقرير، لأنه تعالى لما وصف الكتاب بقوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) وبالغ
[ ٩ / ٢١ ]
[(وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ* لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)].
قرئ (يَعْرُجُونَ) بالضم والكسر. وسُكِّرَتْ حيرت أو حبست من الإبصار، من السكر أو السكر. وقرئ: (سكرت) بالتخفيف أي حبست كما يحبس
_________________
(١) ـ في بيان كماله وإعجازه الدرجة القُصيا، ثم حكى عنهم أنهم طعنوا فيه واستهزأوا بمن نُزل عليه بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)، وما عدوه من المعجزة حيث قالوا: (لَوْ مَا تَاتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ) وسلاه بقوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ)، قال: كذلك نسلكه في قلوب هؤلاء المجرمين فلك أسوة بالرسل الماضية مع أممهم المكذبة، ولست بأوحدي فيه، وقد خلت سثنة الأولين، فيون على هذا مزيد تسلية للرسول ﷺ. والوعيد بعيد؛ لأنه لم يسبق لإهلاك الأمم ذكر، وإنما آثر المصنف ذلك الوجه؛ لأنه أقرب إلى مذهبه. قوله: «يَعْرُجُونَ» بالضم: السبعة، وبالكسر شاذ، و(سُكِّرَتْ) بالتخفيف: ابن كثير. قوله: (من السُّكر أو السَّكر)، فيه نشر، الجوهري: السكران: خلاف الصاحي، وقد سكر يسكر سكرًا، والاسم السكر بالضم، والسكر بالكسر: العزم، والسكر: مصدر سكرت النهر أسكره سكرًا: إذا سددته، قيل: إن جُعل من السكر بالضم فالتثقيل للتعدية، وإن جُعل من "السَّكر" فالتثقيل للإسناد إلى الجماعة. قال ابن جني: كما أن السكر يعترض على الماء ويسد عليه مذهبه، كذلك حال السران في وقوف فكره، والاعتراض عليه بما ينغصه ويحيره، فلا يجد مذهبًا، وينكفي مضطربًا.
[ ٩ / ٢٢ ]
النهر من الجري. وقرئ: (سكرت) من السكر، أي حارت كما يحار السكران. والمعنى أنّ هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد: أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء، ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها، ورأوا من العيان ما رأوا، لقالوا: هو شيء نتخايله لا حقيقة له، ولقالوا قد سحرنا محمد بذلك. وقيل: الضمير للملائكة، أي: لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عيانًا لقالوا ذلك. وذكر الظلول ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون. وقال: (إنما)، ليدل على أنهم يبتون القول بأنّ ذلك ليس إلا تسكيرًا للأبصار.
_________________
(١) ـ الراغب: السُّكر: حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب، وقد يعتري من الغضب والعشق، ولذلك قال الشاعر: سُكران، سُكر هوى وسكر مدامة ومنه سكرات الموت. والسكر: حبس الماء، وذلك باعتبار ما يعرضُ من السد بين المرء وعقله، والسكر: الموضع المسدود، وليلة ساكرة، أي: ساكنة، اعتبارًا بالسكون العارض من السكر. قوله: وقال: «إنَمَا) ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيرًا للأبصار)، قال الإمام: (إنَمَا): للحصر، والحصرُ هاهنا في الأبصار لا في التسكير، فكأنهم قالوا: ما سُكرت إلا أبصارُنا لا عقولنا، فنحن وإن نتخايل في أبصارنا هذه الأشياء، لكن نعلمُ بعقولنا أن الحال بخلافهن ثم أضربوا عن الحصر في الأبصار، وقالوا: بل جاوز ذلك عقولنا بسحره.
[ ٩ / ٢٣ ]
[(وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ* وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ* إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ* وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ* وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ)].
مَنِ (اسْتَرَقَ) في محل النصب على الاستثناء. وعن ابن عباس: أنهم كانوا لا يحجبون عن السموات، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد منعوا من السموات كلها (شِهابٌ مُبِينٌ) ظاهر للمبصرين (مَوْزُونٍ) وزن بميزان الحكمة، وقدّر بمقدار تقتضيه، لا يصلح فيه زيادة ولا نقصان، أو له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة. وقيل: ما يوزن من نحو الذهب والفضة والنحاس والحديد وغيرها مَعايِشَ بياء صريحة، بخلاف الشمائل والخبائث ونحوهما، فإن تصريح الياء فيها خطأ، والصواب الهمزة، أو إخراج الياء بين. وقد قرئ: معايش، بالهمزة على التشبيه (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ) عطف على (مَعيَشَ)، أو على محل (لَكُمْ)، كأنه
_________________
(١) ـ قوله: «مَنْ اسْتَرَقَ): في محل النصب على الاستثناء)، قال أبو البقاء: هو استثناء منقطع، ويجوز أن يكون مجرورًا على البدل، أي: إلا من استرق، والمبدل (كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ)، والتقدير: لا يدخلها شيطان إلا من استرق، لدلالة "حفظناها" عليه، وقيل: فيه نظر؛ لأنه في كلام موجب، وأجيب: أن قوله: (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) في معنى النفي، كقوله تعالى: (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ) [البقرة: ٢٤٩]. قوله: (أو على محل (لَكُمْ» وهو النصب؛ لأنه مفعول به، كأنه قيل: جعلنا لم معايش ولمن لستم، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ العطف على محل (لَكُمْ) لا يقتضي إعادة اللام، بل كونُ (وَمَنْ لَسْتُمْ) منصوبًا، فلعله على تقدير الجار تصحيحًا للمعنى، ثم نزعه.
[ ٩ / ٢٤ ]
قيل: وجعلنا لكم فيها معايش، وجعلنا لكم من لستم له برازقين، أو: وجعلنا لكم معايش ولمن لستم له برازقين. وأراد بهم العيال والمماليك والخدم الذين يحسبون أنهم يرزقونهم ويخطئون، فإنّ الله هو الرزاق، يرزقهم وإياهم، ويدخل فيه الأنعام والدواب وكل ما بتلك المثابة، مما الله رازقه، وقد سبق إلى ظنهم أنهم هم الرازقون. ولا يجوز أن يكون مجرورا عطفًا على الضمير المجرور في (لَكُمْ) لأنه لا يعطف على الضمير المجرور.
[(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)].
ذكر الخزائن تمثيل. والمعنى: وما من شيء ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به، وما نعطيه إلا بمقدار معلوم نعلم أنه مصلحة له، فضرب الخزائن مثلا لاقتداره على كل مقدور.
_________________
(١) ـ وقال صاحب "التخمير": قول النحويين: المفعول هو المجرور مع الجار سهوٌ، ألا ترى كيف أن الباء في: خرجت بزيد، بمنزلة الهمزة، وتثقيل الحشو في أخرجت وخرجت، فكما أنهما ليسا جزءًا من المفعول وإنما هما جزء من الفعل كذلك هاهنا، ولأن هذا الفعل المتعدي بحرف الجرن يُجعل مبنيًا للمفعول، ولو لم يكن الجار جزءًا من الفعل لما جاز بناؤه للمفعول؛ لأن الفعل اللازم لا يُجعل مبنيًا للمفعول، ولأن الجار هاهنا قد يُعدى به الفعل، فصار معه بمنزلة الفعل المتعدين وشيء من الفعل المتعدي لا يكون جزءًا من المفعول. قوله: (ويخطئون) جملة معترضة، أو: حال بحذف المبتدأ. قوله: (فضرب الخزائن مثلًا لاقتداره على كل مقدور) يعني: أن أصل الكلام: ما من شيء ينتفعً به العبادُ إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه، فشبه اقتداره على كل شيء وإيجاده بالخزائن المودعة فيها الأشياء المهيأة المعدة، ليؤذن أن مقدوره كأنه حاصل موجودٌ،
[ ٩ / ٢٥ ]
[(وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ)].
(لَواقِحَ) فيه قولان، أحدهما: أنّ الريح لا قح إذا جاءت بخير، من إنشاء
_________________
(١) ـ فهو أقوى مما لو قيل: نحن قادرون على إيجاده وتكوينه، فيكون موقع قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ) الآية كالتذييل للكلام السابق، إذا فُسر قوله: (مَوْزُونٍ) بأن كل شيء وُزن بميزان الحكمة، وقُدر بمقدار يقتضيه. وكالتكميل إذا فُسر بغير ذلك، قال القاضي: وفذلكة الآية الاستدلال بجعل الأرض ممدودة بمقدار وشكل معينين مختلفة الأجزاء في الوضع، محدثة فيها أنواع النبات والحيوان المختلفة خلقةً وطبيعة، مع جواز أن لا يكون كذلك، على كمال قدرته وتناهي حكمته، والتفرد في ألوهيته، والامتنان على العباد بما أنعم عليهم في ذلك، ثُم ضرب الخزائن مثلًا لاقتداره. قوله: (أن الريح لاقح إذا جاءت بخير)، الجوهري: الأصل فيه ملقحة، ولكنها لا تُلقحُ إلا وهي في نفسها لاقحٌ، كأن الرياح لقحت بخير، فإذا أنشأت السحاب وفيها خير وصل ذلك إليه، وقال ابن جني: قالوا: ألقحت الريح السحاب وهي لاقح، هذا على حذف همزة أفعل، وإنما قياسه ملقح، كأنه خرج بحذف الزيادة تقديرًا، وإن لم يخرج إلى اللفظ استعمالًا، كما قالوا: أبقل المكان فهو باقِل، وقال أيضًا: هو من باب الاكتفاء بذكر السبب عن المسبب، فإنها إذا لقحت ألقحت غيرها. وقلتُ: لا يبعد أن يكون مجازًا باعتبار ما كان، فيكون الريح أولًا لاقحة ثم تصير ملقحة، فقيل: لاقحة وأريد ملقحة، كقوله: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) [النساء: ٣]. قال أبو البقاء:
[ ٩ / ٢٦ ]
سحاب ماطر كما قيل التي لا تأتى بخير: ريح عقيم. والثاني: أن اللواقح بمعنى الملاقح، كما قال:
وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ
يريد المطاوح جمع مطيحة. وقرئ: وأرسلنا الريح، على تأويل الجنس (فَأَسْقَيْناكُمُوهُ) فجعلناه لكم سقيا،
_________________
(١) ـ لقحت الريح إذا حملت الماء، وألقحت الريح السحاب: إذا حملتها الماء، كما تقول: ألقح الفحل الأنثى فلقحت، وانتصابه على الحال المقدرة. قوله: (أن اللواقح بمعنى الملاقح)، الجوهري: الملاقح: الفحول، الواحد ملقح، والملاقح أيضًا: الإناث في بطونها أولادها، الواحدة ملقحة، بفتح القاف، وقال أبو البقاء: أصلها ملاقح، لأنه يقال: ألقح الريح السحاب، كما يقال: ألقح الفحل الأنثى، أي: أحبلها، وحُذفت الميم لظهور المعنى، ومثله الطوائح، الأصل: المطاوح، لأنه من أطاح الشيء. الجوهري: طاح يطوح ويطيح: هلك وسقط، وطوحه: حيره وذهب به هاهنا وهاهنا، وطوحته الطائح: قذفته القواذف. قوله: (ومختبط مما تُطيح الطوائح)، أوله: ليبك يزيد؛ ضارع لخصومة القائل: الحارث النهشلي يرثي أخاه يزيد. ليبك يزيد: بُني مجهولًا، كأنه قيل: من يبكيه؟ فقال: ضارع، أي: ليبكه ضارع.
[ ٩ / ٢٧ ]
(وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ) نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ كأنه قال): نحن الخازنون للماء، على معنى: نحن القادرون على خلقه في السماء وإنزاله منها، وما أنتم عليه بقادرين: دلالة على عظيم قدرته وإظهارًا لعجزهم.
[(وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ* وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَاجرِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)].
(وَنَحْنُ الْوارِثُونَ) أي الباقون بعد هلاك الخلق كله. وقيل للباقي «وارث» استعارة من وارث الميت، لأنه يبقى بعد فنائه. ومنه قوله ﷺ في دعائه «واجعله الوارث منا».
_________________
(١) ـ قوله: (نفي عنهم ما أثبته لنفسه) في قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ)، هذا يؤذن أن قوله: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) عطف على قوله: (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) عطف جبريل وميكائيل على ملائكته. قوله: (واجعله الوارث منا) عن الترمذي، عن ابن عمر، أنه قال: ما كان رسول الله صلى الله لعيه وسلم يقوم من مجلسه حتى يدعو بهذه الدعوات لأصحابه: "اللهم أمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا … " الحديث مختصر، وله ابتداء وانتهاء. النهاية: أراد بقاءها وقوتها عند الكبر وانحلال القوى النفسانية، فيكون السمع والبصر وارثي سائر القوى والباقيين بعدها، والهاء في "واجعله" للإمتاع، ولذلك وحده.
[ ٩ / ٢٨ ]
(وَلَقَدْ عَلِمْنَا) من استقدم ولادة وموتًا، ومن تأخر من الأوّلين والآخرين. أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد. أو من تقدم في الإسلام وسبق إلى الطاعة ومن تأخر. وقيل: المستقدمين في صفوف الجماعة والمستأجرين. وروى أن امرأة حسناء كانت في المصليات خلف رسول الله ﷺ، فكان بعض القوم يستقدم لئلا ينظر إليها، وبعض يستأخر ليبصرها فنزلت (هُوَ يَحْشُرُهُمْ) أي هو وحده القادر على حشرهم، والعالم بحصرهم مع إفراط كثرتهم وتباعد أطراف عددهم (إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) باهر الحكمة واسع العلم، يفعل كل ما يفعل على مقتضى الحكمة والصواب، وقد أحاط علمًا بكل شيء.
_________________
(١) ـ قوله: (من الأولين والآخرين): بيان على النشر، أي: لقد علمنا من استقدم منكم ولادة وموتًا ومن تأخر منكم ولادة وموتًا. قوله: (وروى أن امرأة حسناء) الحديث رواه الإمام أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه والنسائي، عن ابن عباس. قوله: (أي: هو وحده القادر على حشرهم، والعالم بحصرهم، مع إفراط كثرتهم)، فيه إشعار بأنه اختار الوجه الأول في تفسير قوله: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ) لأن الكثرة التي تفوت الحصر ولا يحصيها إلا الله، إنما تحسن إذا قلنا: المراد من قوله: (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ) الآية، من استقدم ولادة وموتًا ومن تأخر من الأولين والآخرين، ويؤيده السباق، وهو قوله: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ)، والسياق، وهو قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا
[ ٩ / ٢٩ ]
[(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ)].
الصلصال: الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار. قالوا: إذا توهمت في صوته مدّا فهو صليل، وإن توهمت فيه ترجيعًا فهو صلصلة. وقيل: هو تضعيف «صل» إذا أنتن. والحمأ: الطين الأسود المتغير. والمسنون: المصوّر، من سنة الوجه، وقيل: المصبوب المفرغ، أي: أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها. وقيل: المنتن، من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سنين، ولا يكون إلا منتنا مِنْ حَمَإٍ صفة لصلصال، أي: خلقه من صلصال كائن (من حمإٍ) صفة لـ (صلصل)، أي: خلقه من صلصال كائن من حمأ وحق (مَسْنُونٍ) بمعنى مصور، أن يكون صفة
_________________
(١) ـ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ) ودل على الحصر توسيط ضمير الفصل بين اسم "إنّ" وخبرها. قوله: (إذا توهمت في صوته مدًا فهو صليل - لما في "صليل" من حرف مد- وإن توهمت فيه ترجيعًا- أي: ترديدًا - فهو صلصلة) لما في الصلصلة من ترديد وتكرير، رعاية لوجه المناسبة بين الاسم والمسمى. قوله: (المصور من سنة الوجه)، الجوهري: سُنة الوجه: صورته، قال ذو الرمة: تريك سُنة وجه غير مقرفة .. ملساء ليس بها خال ولا ندب والمسنون: المصور. قوله: (وحق (مَسْنُونٍ) بمعنى: مصور) أي: يكون صفة لـ (صَلْصَالٍ)، لأن الحمأ هو الطين، والطين هو الذي يقبل الصورة فيفرغ الحمأ ليصور منها التمثال ثم ييبس، فيصير
[ ٩ / ٣٠ ]
لـ (صلصال)، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك إلى جوهر آخر وَالْجَانَّ للجن كآدم للناس. وقيل: هو إبليس. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: (والجأن)، بالهمز مِنْ نارِ السَّمُومِ من نار الحرّ الشديد النافذ في المسام. قيل: هذه السموم جزء من سبعين جزأ من سموم النار التي خلق الله منها الجانّ.
[(وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ* فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ* قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ* قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ* وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ* قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ*
_________________
(١) ـ صلصالًا، كأنه قيل: من صلصال مصور كائن من حمأ، ويُعلم منه أن المسنون إذا كان بمعنى المتصور، حقه أن يكون صفة لحمأ، لأن الحمأ هو المفرغ المصبوب لا الصلصال. قال أبو البقاء: (مِنْ حَمَإٍ) في موضع جر صفة لـ (صَلْصَالٍ)، أي: صلصال كائن من حمأ، ويجوز أن يكون بدلًا من (صَلْصَالٍ) بإعادة الجار. قوله: «مِنْ نَارِ السَّمُومِ): من نار الحر الشديد النافذ في المسام)، قال القاضي في قوله تعالى: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) لا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة كما لا يمتنع خلقها في الجواهر المفردة، فضلًا عن الأجساد المؤلفة التي الغالب فيها الجزء الناري، فإنها أقبل لها من التي الغالب فيها الجزء الأرضي، وقوله: "من نارٍ": باعتبار الغالب، كقوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) [فاطر: ١١].
[ ٩ / ٣١ ]
إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ* قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ* قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ* إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ*
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ* لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ)].
(وَإِذْ قالَ رَبُّكَ) واذكر وقت قوله (سَوَّيْتُه) عدلت خلقته وأكملتها وهيأتها لنفخ الروح فيها. ومعنى (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي): وأحييته، وليس ثمة نفخ ولا منفوخ، وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه. واستثنى إبليس من الملائكة، لأنه كان بينهم مأمورًا معهم بالسجود، فغلب اسم الملائكة، ثم استثنى بعد التغليب كقولك: رأيتهم إلا هندًا. (وأَبى) استئناف على تقدير قول قائل يقول: هلا سجد؟ فقيل: أبى ذلك واستكبر عنه
_________________
(١) ـ قوله: (ما يحيا به فيه) المستتر في قوله: "يحيا"، والمجرور في "فيه" للبشر، وفي "به" لـ"ما"، أي معنى نفخ الروح: تحصيل شيء في قالب البشر يحيا بذلك الشيء البشر. قال القاضي (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) معناه: جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيي، وأصل النفخ: إجراء الريح في تجويف جسم آخر، ولما كان الروح يتعلق أولًا بالبخار اللطيف المنبعث من القلب وتفيض عليه القوة الحيوانية فيسري حاملًا لها في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن، جعل تعلقه بالبدن نفخًا، وإضافة الروح إلى نفسه للتشريف، كقوله: (نَاقَةَ اللَّهِ) [الشمس: ١٣]، و"بيت الله". وقال الواحدي: النفخ: إجراء الريح في الشيء، والروح: جسم رقيق يحيا به البدن، ولما أجرى الله الروح في بدن آدم على صفة إجراء الريح، كأنه قد نفخ الروح فيه. وقلت: رجع أقوالهم إلى أن قوله: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) على منوال قوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ) [النمل: ٤٧] في أن لا قول ثم، بل هو تصور إيجاد الشيء وتحصيله من غير امتناع.
[ ٩ / ٣٢ ]
وقيل: معناه ولكن إبليس أبى. حرف الجر مع «أن» محذوف. وتقديره «مالك» في أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ بمعنى أىّ غرض لك في إبائك السجود. وأي داع لك إليه. اللام في لِأَسْجُدَ لتأكيد النفي. ومعناه: لا يصحّ منى وينافي حالي. ويستحيل أن أسجد لبشر رَجِيمٌ شيطان من الذين يرجمون بالشهب، أو مطرود من رحمة الله، لأن من يطرد يرجم بالحجارة. ومعناه: ملعون، لأن اللعن هو الطرد من الرحمة والإبعاد منها. والضمير في مِنْها راجع إلى الجنة أو السماء، أو إلى جملة الملائكة. وضرب يوم الدين حدًا للعنة، إما لأنه غاية يضربها الناس في كلامهم، كقوله ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) [هود: ١٠٧] في التأبيد. وإما أن يراد أنك مذموم مدعوّ عليك باللعن في السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن تعذب، فإذا جاء ذلك اليوم عذبت بما ينسى اللعن معه. (ويَوْمِ الدِّينِ)] الحجر: ٣٥ [(ويَوْمِ يُبْعَثُونَ)] الحجر: ٣٦ [(ويَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)] الحجر: ٣٨ [في معنى واحد، ولكن خولف بين العبارات سلوكا بالكلام طريقة البلاغة. وقيل: إنما سأل الإنظار إلى اليوم الذي فيه يبعثون لئلا يموت، لأنه لا يموت يوم البعث أحد، فلم يجب إلى ذلك، وأُنظر إلى آخر أيام التكليف.
_________________
(١) ـ وقوله: (وقيل: معناه: ولكن إبليس أبي)، عطفٌ على قوله: "واستثنى إبليس من الملائكة"، وأبي حينئذ: خبر "لكن"، وعلى الأول جملة مستأنفة كالتعليل عن امتناعه عن السجود. قوله: (لأن اللعن هو: الطرد) يريد أن "الرجيم" كناية تلويحية عن كونه ملعونًا؛ لأن الرجيم هو: المطرود؛ لأن من طرد يُرجم، والمطرود هو المعلون؛ لأن من لُعن طُرد. قوله: (في معنى واحد) أي: عُبرت بها عن معنى انتهاء المدة. قوله: (وقيل: إنما سأل الإنظار)، هذا وجه آخر، وفيه بيان اختلاف العبارات، فإن قوله: "لئلا يموت" يدل على أن ضرب هذه المدة إلى عند الحشر، وقوله: "إلى آخر أيام التكليف" يدل على أن المدة قبل الحشر، وقوله أولا: "إلى يوم الدين من غير أن يُعذب" يدل على أن المدة عند الحساب والجزاء، وهُو بعد الحشر.
[ ٩ / ٣٣ ]
(بِما أَغْوَيْتَنِي) الباء للقسم. و«ما» مصدرية وجواب القسم (لَأُزَيِّنَنَّ) المعنى: أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم. ومعنى إغوائه إياه: تسبيبه لغيه، بأن أمره بالسجود لآدم ﵇، فأفضى ذلك إلى غيه. وما الأمر بالسجود إلا حسن وتعريض للثواب بالتواضع والخضوع لأمر الله، ولكن إبليس اختار الإباء والاستكبار فهلك، والله تعالى بريء من غيه ومن إرادته والرضا به، ونحو قوله (بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ: قوله) (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) في أنه إقسام، إلا أن أحدهما إقسام بصفته والثاني إقسام بفعله، وقد فرق الفقهاء بينهما.
ويجوز أن لا يكون قسما، ويقدر قسم محذوف، ويكون المعنى: بسبب تسبيبك
_________________
(١) ـ قوله: (برئ من غيه ومن إرادته والرضا به). قوله: "من إرادته" مذهبه، و"الرضا به" مذهب أهل السنة. قوله: (وقد فرق الفقهاء بينهما) أي: بين الإقسام بصفة الله تعالى، وبين الإقسام بفعله، فقوله: " (فَبِعِزَّتِكَ) إقسام بالصفة، و(بِمَا أَغْوَيْتَنِي) إقسام بالفعل". وفي "شرح الوافي": قال العراقيون: الحلف بصفات الذات، كالقدرة والعظمة والعزة والجلال والكبرياء، يمين، وبصفات الفعل، كالرحمة والسخط والغضب والرضا، ليس بيمين. وصفة الذات: ما لا يجوز أن يوصف بضده، وصفة الفعل ما يجوز أن يوصف بضده، فإنه تعالى يرضى بالإيمان، ولا يرضى بالكفر، ثم قال الشارح: والمذهب عندنا أن صفات الله لا هو ولا غيره، وكلها قديمة، فلا يستقيم الفرق، والأصح ما قلنا، لأن الأيمان مبنية على العرف، لأن اليمين إنما ينعقد للحمل أو المنع، وهذا إنما يكون بما يعتقد الحالف تعظيمه، وكل مؤمن يعتقد تعظيم الله وهو لجميع صفاته معظم، فصارت حرمة ذاته وصفاته حاملًا.
[ ٩ / ٣٤ ]
لإغوائي أقسم لأفعلنّ بهم نحو ما فعلت بي من التسبيب لإغوائهم، بأن أزين لهم المعاصي وأوسوس إليهم ما يكون سبب هلاكهم (فِي الْأَرْضِ): في الدنيا التي هي دار الغرور، كقوله تعالى (أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ) [الأعراف: ١٧٦]، أو أراد: أنى أقدر على الاحتيال لآدم والتزيين له الأكل من الشجرة وهو في السماء، فأنا
_________________
(١) ـ وقال حجة الإسلام: اليمين عبارة عن: تحقيق ما يحتمل المخالفة، بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته. ثم اليمين تنقسم إلى: صريح وكناية، بالإضافة إلى أسماء الله تعالى، وهو على أربع مراتب. الأولى: أن يذكر اسمًا لا يطلق إلا على الله تعالى في معرض التعظيم، كقوله: بالله والرحمن والخالق والرازق … فهذا صريح. والثانية: أن يذكر اسمًا مشتركًا يُطلق على الله وعلى غيره، كالعليم والحليم والرحيم والجبار والحق …، فهو كناية، إنما يصير يمينًا بالقصد. والثالثة: أن يذكر ما يقبل التورية، وهو على وجهين، أحدهما: أن يكون من قبيل حق الله وحرمة الله وقدرته وعلمه، إذ قد يُراد بها حقوقه من العبادات وحرماته ومقدوره ومعلومه، وثانيهما: أن يكون من قبيل جلال الله وعظمته وكبريائه، ففيه طريقان، أحدهما: كالحلف بالله، وثانيهما: أنه كالحلف بالقدرة، إذ قد يقال: رأيت جلال الله، أي: آثار صنعته. والرابعة: ما لا يصير يمينًا وإن نوى، وهو ما لا تعظيم فيه، نحو: الشيء والمربي والموجود، وإن أريد به الله. هذا خلاصة كلامه في "الوسيط". وفيه أن نحو: "بإغوائك"، ليس بيمين.
[ ٩ / ٣٥ ]
علىّ التزيين لأولاده في الأرض أقدر. أو أراد: لأجعلنّ مكان التزيين عندهم الأرض، ولأوقعن تزييني فيها، أى: لأزيننها في أعينهم ولأحدّثنهم بأنّ الزينة في الدنيا وحدها، حتى يستحبوها على الآخرة ويطمئنوا إليها دونها. ونحوه:
يَجرَحْ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِى
استثنى المخلصين؛ لأنه علم أنّ كيده لا يعمل فيهم ولا يقبلون منه. أي (هذا) طريق حق (عَلَيَّ) أن أراعيه؛
_________________
(١) ـ قوله: (أو أراد: لأجعلن مكان التزيين) يريد أن تعدية (لأزَيِّنَنَّ) بـ "في" إما لإرادة الجهة السافلة بالأرض، وهي الدنيا، أو الأرض نفسها، فقاس تزيين أولاد آدم، وهم في الأرض، على تزيين أبيهم، وهو في السماء، وقطع بحصوله، فحلف بقوله: (لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ) و(وَلأغْوِيَنَّهُمْ) ومن ثم قال المصنف: "فأنا على تزيين أولاده في الأرض أقدر"، وإما لإرادة حقيقتها والتجوز في استعمال (في) بجعل الأرض مكانًا للتزيين، وظرفًا له على التوسع، فلا يخرج منها شيء منه، كقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) [القصص: ١٧٩]، وإليه الإشارة بقوله: "ولأحدثنهم بأن الزينة في الدنيا وحدها" لا في الآخرة. قوله: (يجرح في عراقيبها نصلي) وصدره: وإن تعتذر بالمحل من ذي ضُروعها … إلى الضيف الضمير في تعتذر: للناقة، والباء في "بالمحل": للتشبيه، يقال: اعتذر به، والمراد بـ"ذي ضُروعها" اللبن، "يجرح": متعد بنفسه، وقد عُدي بـ"في" لإجرائه مُجرى اللازم، نحو: فلان يُعطي ويمنع، ثم عومل به معاملة اللازم في تعديته بالجار للمبالغة، أي: ما أوقع الجرح في عراقيبها وأوجده فيها، ونحوه قوله تعالى: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) [الأحقاف: ١٥] أي: اجعل الصلاح مظروفًا لذريتي. قوله: (أي: (هذا) طريق حق (على) أن أراعيه) بناء على وجوب رعاية الأصلح،
[ ٩ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … قال الإمام: إن الإخلاص طريق عليّ وإليَّ، أي: أنه يؤدي إلى كرامتي وثوابي، ومعناه: هذا صراط من مر عليه، فكأنه مر على رضواني وكرامتي، كما يقال: طريقك علي. وقيل: هذا صراط على تقريره، وهو مستقيم حق وصدق. وروى ابن جني عن أبي الحسن أنه قال: هو كقولك: الدلالة اليوم عليَّ. وقال صاحب "الفرائد": أي: دين الإسلام حق علي بيانه، فمن اختاره من عبادي ليس لك عليهم سلطان، ومن لم يختر فلك عليهم سلطان. وقال القاضي: والإشارة بقوله: (هذا) إلى ما تضمنه الاستثناء، وهو تخلص المخلصين من إغوائه، أو الإخلاص على معنى أنه طريق عليَّ يؤدي إلى الوصول إليّ من غير اعوجاج وضلال. وقال الزجاج: (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) أي: على إرادتي وأمري أي: شأني. وقلت: هذا الذي يقتضيه النظمُ والعلمُ عند الله تعالى، فإن الإشارة بقوله: "هذا" إلى قول إبليس: (وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ) أي: هذا هو الذي حكمت به وقدرت على عبادي، وهو حق وصدق. كقوله تعالى: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة: ١٣]، وقوله صلوات الله عليه، على ما رواه الترمذي، عن عمرو بن العاص، أنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يديه كتابان … الحديث، ولهذا قرر قوله: بقوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ
[ ٩ / ٣٧ ]
وهو أن لا يكون لك سلطان على عبادي، إلا من اختار اتباعك منهم؛ لغوايته. وقرئ: (عليّ)، وهو من علو الشرف والفضل. (لَمَوْعِدُهُمْ) الضمير للغاوين. وقيل: أبواب النار أطباقها وأدراكها، فأعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين. وعن ابن عباس ﵁: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحدين. وقرئ: (جزء) بالتخفيف والتثقيل. وقرأ الزهري: (جزّ)، بالتشديد؛
_________________
(١) ـ الْغَاوِينَ) على طريقة القول بالموجب، وجعل ما جعله مستثنى منه: مستثنى، ليؤذن بأن المقصود الأولى نجاة المخلصين، كما أن مقصود اللعين أولًا الإغواء، وفيه أن اللعين استقل عباد الله المخلصين عددًا، حيث جعلهم مستثنى، وأن الله ﷾ استكثرهم، اعتبارًا وعددًا، حيث قلب القضية، ثم فرق ما لكل واحد من الفريقين بقوله: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) وقوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)، ثم أمر حبيبه بالإنباء عن صفتي رحمته وغضبه بقوله: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ)، وفيه أن جانب الرحمة سابق، حيث وصف الثواب بالعظم، كما وصف العذاب بالألم، بل وصف ذاته الأقدس على سبيل التوكيد وتكرير الضمير وتعريف الخبر وإرداف "الغفور" بـ"الرحيم"، وكذا في قوله: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ) وإن لم يقل: وإنهم لفي جهنم، كما قال: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ) إشارة إلى المعنى، كل هذا يدل على أن المشار إليه ما قررناه، وأن سياق الآيات لبيان جريان المشيئة واستبداد الحكم، لا رعاية المصالح ووجوبها، لأن الكلام في بدو إنشاء الإنسان. قوله: (وقرئ (جُزْءٌ) بالتخفيف والتثقيل)، قال القاضي: قرأ أبو بكر: "جُز": بالتثقيل.
[ ٩ / ٣٨ ]
كأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الزاى، كقولك: خبّ في خبء، ثم وقف عليه بالتشديد، كقولهم: الرجل، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف.
[(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ* لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ)].
المتقى على الإطلاق: من يتقى ما يجب اتقاؤه مما نهى عنه. وعن ابن عباس رضي الله
_________________
(١) ـ قوله: (المتقي على الإطلاق: من يتقي ما يجب اتقاؤه مما نُهي عنه)، قال الإمام: قال جمهور المعتزلة: المتقون هم الذين اتقوا جميع المعاصي، لأنه اسم مدح، فلا يتناول إلا من يكون كذلك، وقال جمهور الصحابة والتابعين، وهو المنقول عن ابن عباس: المتقون هم الذين اتقوا الشرك بالله ﷾، والكفر به، وهذا هو الحق الصحيح؛ لأن المتقي هو الذي أتى بالتقوى مرة واحدة، كما أن الضارب هو الذي أتى بالضرب مرة، وكما أنه ليس من شرط صدق الوصف بكونه ضاربًا كونه آتيا بجميع أنواع الضرب، فكذا هاهنا، ومن ثم ذهب المحققون إلى أن ظاهر الأمر لا يفيد التكرار، فظاهر الآية يقتضي حصول الجنات لكل من اتقى عن شيء واحد، إلا أن الأمة مجتمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم، ولأن الآية وردت عقيب قوله: (إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ)، فوجب أن يعتبر الإيمان فيه، لا يزاد قيد آخر؛ لأن التخصيص خلاف الظاهر، فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق. وقلت: قد سبق أن الناس فرقتان: المخلصون، والغاوون، وأن جهنم مقسومة سبعة أقسام كما جاء عن المفسرين أن الدركة الأولى للموحدين يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون،
[ ٩ / ٣٩ ]
عنهما: اتقوا الكفر والفواحش، ولهم ذنوب تكفرها الصلوات وغيرها ادْخُلُوها على إرادة القول. وقرأ الحسن: (أدخلوها)، (بِسَلامٍ): سالمين، أو مسلما عليكم: تسلم عليكم الملائكة. الغل: الحقد الكامن في القلب، من انغل في جوفه وتغلغل، أي: إن كان لأحدهم في الدنيا غلّ على آخر نزع الله ذلك من قلوبهم وطيب نفوسهم. وعن علىّ ﵁: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم. وعن الحرث الأعور: كنت جالسًا عنده إذ جاء ابن طلحة فقال له علىّ:
مرحبا بك يا ابن أخي، أما والله إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله تعالى: (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلّ) فقال له قائل: كلا، الله أعدل من أن يجمعك وطلحة في مكان واحد، فقال: فلمن هذه الآية لا أمّ لك؟ ! وقيل: معناه: طهر الله قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة، ونزع منها كل غل، وألقى فيها التوادّ والتحاب.
_________________
(١) ـ فإذا لابد من تفسير المتقين في هذا المقام بمن يتميزون عن الغاوين؛ لئلا يختل النظم، وهو تفسير المصنف وإن لم يقصد به ذلك، لقوله: "المتقي على الإطلاق"، ولأن المتقين هم المخلصون المخصوصون في قوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، وأما إخراج العاصين من النار فيُعلم من نصوص أخر، لا من هذه الآية. وقوله: (وتغلغل)، الجوهري: تغلغل الماء في الشجر: إذا تخللها، الراغب: الغلل: الماء الجاري بين الشجر، وانغل بين الشجر: دخل فيه. قوله: (الله أعدل من أن يجمعك وطلحة في مكان) يعني: لما جرى بينهما يوم الجمل، وهي قصة مشهورة.
[ ٩ / ٤٠ ]
و(إِخْوانًا) نصب على الحال. و(عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) كذلك. وعن مجاهد: تدور بهم الأسرة حيثما داروا، فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين.
[(نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ *ونبئهم عن ضيف إبراهيم* إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون* قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم* قال أبشرتمونى على أن مسنى الكبر فبم تبشرون* قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين* قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون)].
لما أتم ذكر الوعد والوعيد أتبعه (نَبِّئْ عِبادِي)؛ تقريرًا لما ذكر، وتمكينًا له في النفوس. وعن ابن عباس ﵁: غفور لمن تاب، وعذابه لمن تاب، وعذابه لمن لم يتب. وعطف (وَنَبِّئْهُمْ) على (نبئ عبادي)، ليتخذوا ما أحل من العذاب بقوم لوط عبرة يعتبرون بها سخط الله وانتقامه من المجرمين، ويتحققوا عنده أنّ عذابه هو العذاب الأليم.
_________________
(١) ـ قوله: «إِخْوَانًا): نصب على الحال). قال أبو البقاء: هو حال من الضمير في قوله: (فِي جَنَّاتِ) أو من الفاعل في: (ادْخُلُوا) مقدرة، أو من الضمير في (آمِنِينَ). وقال القاضي: ويجوز أن يكون حالًا من الضمير المضاف إليه، والعامل فيها معنى الإضافة، وكذا قوله: (عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)، ويجوز أن يكونا صفتين لـ (إِخْوَانًا) أو حالين من ضميره؛ لأنه بمعنى متصافين، وأن يكون (مُتَقَابِلِينَ) حالًا من المستتر في (عَلَى سُرُرٍ). قوله: (وعطف (وَنَبِّئْهُمْ) على (نَبِّئْ عِبَادِي) ليتخذوا ما أحل من العذاب بقوم لوط عبرة) يعني: لما اشتملت الآيتان على ذكر العذاب، عطف هذه القصة لتضمنها معنى العذاب عليهما على سبيل الاستطراد. ويُمكن أن يقال: إن الآيات السابقة لما اشتملت على
[ ٩ / ٤١ ]
(سَلامًا) أي: نسلم عليك سلامًا، أو سلمت سلامًا، (وَجِلُونَ): خائفون، وكان خوفه لامتناعهم من الأكل. وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت. وقرأ الحسن: (لا توجل)، بضم التاء، من أوجله يوجله؛ إذا أخافه. وقرئ: لا تأجل. ولا تواجل، من واجله بمعنى أوجله. وقرئ (نُبَشِّرُكَ) بفتح النون والتخفيف إِنَّا نُبَشِّرُكَ استئناف في معنى التعليل للنهى عن الوجل؛ أرادوا: أنك بمثابة الآمن المبشر؛ فلا توجل. يعنى: (أَبَشَّرْتُمُونِي) مع مس الكبر، بأن يولد لي! أي: أن الولادة أمر عجيب مستنكر في العادة مع الكبر، (فَبِمَ تُبَشِّرُون) هي "ما" الاستفهامية دخلها معنى التعجب، كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشروني، أو أراد: أنكم تبشرونني بما هو غير متصوّر في العادة، فبأي شيء تبشرون، يعنى: لا تبشرونني في الحقيقة بشيء؛
_________________
(١) ـ الوعد والوعيد، وعُقبت بقوله: (أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وقوله: (وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ) على الجمع ليكون تقريرًا لما ذُكر وتمكينًا له في النفوس كما ذكر، كما فُصلت بقصتي إبراهيم ولوط ﵉، ليكون حكاية سلام الملائكة وبشارتهم بإسحاق وذكر الرحمة تفصيلًا لقوله: (أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وقصة لوط ودمار قومه واستئصال شأفتهم تفصيلًا لقوله: (وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ). قوله: (وكان خوفه لامتناعهم من الأكل)، قال في "هود": قيل: كانت عادتهم أنه إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه، وألا خافوه، ويُقدر في هذا المقام بعد قولهم: (سَلامًا): قال سلامٌ، (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ) [هود: ٦٩ - ٧٠]، وقال: (إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ) " إلى آخره، وقد سبق في "هود" تحقيقه. قوله: (وقرئ: "نبشرك"): حمزة. قوله: (أو أراد: إنكم تبشرونني)، قيل: على الأول: الاستفهام للتفخيم، وعلى هذا، للتحقير. وقلتُ: الظاهر أنه ﵇ لما أدخل همزة الإنكار في قوله: (أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى
[ ٩ / ٤٢ ]
لأنّ البشارة بمثل هذا بشارة بغير شيء. ويجوز أن لا يكون صلة لبشر، ويكون سؤالا عن الوجه والطريقة يعنى: بأي طريقة تبشرونني بالولد، والبشارة به لا طريقة لها في العادة. وقوله (بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ) يحتمل أن تكون الباء فيه صلة، أي: بشرناك باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بطريقة هي حق؛ وهي قول الله ووعده، وأنه قادر على أن يوجد ولدًا من غير أبوين، فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر. وقرئ: (تبشرون)، بفتح النون وبكسرها على حذف نون الجمع، والأصل تبشرونني،
_________________
(١) ـ أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ) جاء باستفهام آخر، إما لبيان خرق العادة، وأنه أمر عجيب، أو لتقرير ذلك الإنكار، وأن تلك البشارة ليست ببشارة، وإليه الإشارة بقوله: "لأن البشارة بمثل هذا بشارة بغير شيء". قوله: (وقرئ: (تُبَشِرُونَ) بفتح النون) قرأ نافع: "فبم تُبشرونِ" بكسر النون مخففة، وابن كثير بكسرها مشددة، والباقون: بفتحها. قال أبو علي في "الحجة": أراد: فبم تُبشرونني، فعدى الفعل إلى المضمر المنصوب؛ لأن المعنى عليه، فأثبت ما حذفه غيره من الكسرة التي تدل على الياء المحذوفة، وحذف النون الثانية؛ لأن التكرير بها وقع، ولم تُحذف الأولى التي هي علامة الرفع، والمصنف ذهب إلى أن المحذوف نونُ الجمع. وقال الإمام: أما الكسر والتشديد فتقديره: (تُبشرونني)، أدغمت نون الجمع في نون الإضافة، وأما الكسر والتخفيف فعلى حذف نون الجمع؛ استثقالًا لاجتماع المثلين. وقال أبو حاتم: حذف نافع الياء مع النون، وإسقاط الحرفين لا يجوز، وأجيب: بأن المحذوف حرف واحد، وهي النون التي هي علامة الرفع، على أن حذف الحرفين شائع،
[ ٩ / ٤٣ ]
وتبشرونِّ بإدغام نون الجمع في نون العماد. وقرئ: (من القنطين) من قنط يقنط، وقرئ:
ومن يقنط، بالحركات الثلاث في النون، أراد: ومن يقنط من رحمة ربه إلا المخطئون طريق الصواب، أو: إلا الكافرون، كقوله: (لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) [يوسف: ٨٧]، يعنى: لم أستنكر ذلك قنوطًا من رحمته، ولكن استبعادًا له في العادة التي أجراها الله.
[(قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ* قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلاَّ ءآلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ)].
فإن قلت: قوله تعالى: (إِلَّا ءآلَ لُوطٍ) استثناء متصل أو منقطع؟ قلت: لا يخلو من من أن يكون استثناء من (قوم)؛ فيكون منقطعًا، لأنّ القوم موصوفون بالإجرام، فاختلف لذلك الجنسان وأن يكون استثناء من الضمير في (مجرمين)، فيكون متصلا، كأنه قيل: إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم، كما قال: (فَما وَجَدْنا
_________________
(١) ـ قال تعالى: (وَلا تَكُ)، وأما فتح النون فعلى غير الإضافة، والنون علامة الرفع، وهي مفتوحة أبدًا. قوله: «وَمَنْ يَقْنَطُ) بالحركات الثلاث في النون): أبو عمرو والكسائي ويعقوب: بالكسر، والباقون: بالفتح، والضم: شاذ، قال ابن جني: وهي قراءة الأشهب. قوله: (وقرئ: "من القنطين")، قال ابن جني: قرأها الأعمش ويحيى وطلحة، وهو من: قنط يقنط، بكسر النون، و"القانطين" مِن: قنط، بفتحها. قوله: (استثناء من الضمير في (مُجْرِمِينَ)، فيكون متصلًا)، قال في "الانتصاف": جعله منقطعًا على الأول أولى وأمكنُ؛ لأن الاستثناء: إخراج ما لولاه لدخل في حُكمِ
[ ٩ / ٤٤ ]
فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [الذاريات: ٣٦]. فإن قلت: فهل يختلف المعنى لاختلاف الاستثناءين؟ قلت: نعم، وذلك أنّ آل لوط مخرجون في المنقطع من حكم الإرسال، وعلى أنهم أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلًا. ومعنى
_________________
(١) ـ الأول، و(قَوْم) نكرة، فعوده إلى الضمير المعرفة متعذر، ولذلك قل أن يُستثنى من النكرة إلا في سياق النفي؛ لأنها تعم فيتحقق الدخول لولا الاستثناء، فلا يحسن: رأيت قومًا إلا زيدًا، ويحسن: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا. وقلت: ليس ما نحن بصدده من قبيل: رأيت قومًا إلا زيدًا، بل من قبيل: رأيت قومًا أساءوا إلا زيدًا، على أن قومًا في الآية قوم معروفون محصورون، وإن كان منكورًا، بدليل قوله تعالى في العنكبوت: (قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ) [العنكبوت: ٣٢]، فلو لم يكن آل لوط داخلين فيما سبق، لم يحسن منه أن يقال: (إِنَّ فِيهَا لُوطًا)، ولو لم يكونوا محصورين لم يقولوا: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا)، وهاهنا لما سأل الخليل ﵇ عن الرسل: (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) أجابوا: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) أي: قومٍ معروفين، تعرفهم أنت، ونحن لا يخفى علينا ولا عليك شيء من أحوالهم. قوله: (وعلى أنهم أرسلوا) عطفٌ على محذوف عطف تفسير، كأنه قيل: إن آل لوط مُخرجون من حكم الإرسال، بناء على ما عُلم، وعلى أنهم أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة، وكذلك تقدير قوله: "وعلى أن الملائكة" أي: فهم داخلون في الإرسال، بناء على ما عُرف، وعلى أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعًا.
[ ٩ / ٤٥ ]
إرسالهم إلى القوم المجرمين؛ كإرسال الحجر أو السهم إلى المرمىّ، في أنه في معنى التعذيب والإهلاك، كأنه قيل: إنا أهلكنا قوما مجرمين، ولكن آل لوط أنجيناهم. وأمّا في المتصل فهم داخلون في حكم الإرسال، وعلى أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعًا ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء، فلا يكون الإرسال مخلصا بمعنى الإهلاك والتعذيب كما في الوجه الأوّل. فإن قلت: فقوله: (إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ) بم يتعلق على الوجهين؟ قلت: إذا انقطع الاستثناء جرى مجرى خبر "لكنّ" في الاتصال بآل لوط، لأنّ المعنى. لكن آل لوط منجون، وإذا اتصل كان كلاما مستأنفًا، كأنّ إبراهيم ﵇ قال لهم: فما حال آل لوط، فقالوا: إنا لمنجوهم. فإن قلت: فقوله (إِلَّا امْرَأَتَهُ) ممّ استثنى، وهل هو استثناء من استثناء؟ قلت: استثنى من الضمير المجرور في قوله لَمُنَجُّوهُمْ وليس من الاستثناء من الاستثناء في شيء، لأنّ الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط، إلا امرأته، كما اتحد الحكم في قول المطلق: أنت طالق ثلاثًا، إلا اثنتين، إلا واحدة. وفي قول المقرّ: لفلان علىّ عشرة دراهم، إلا ثلاثة، إلا درهما. فأمّا في الآية فقد اختلف الحكمان، لأنّ (إِلَّا ءالَ لُوطٍ) متعلق ب (أرسلنا)، أو (بمجرمين). (وإِلَّا امْرَأَتَهُ) قد تعلق بـ (لمنجوهم)،
_________________
(١) ـ قوله: (فقد اختلف الحُكمان؛ لأن (إِلاَّ آلَ لُوطٍ) متعلق بـ (أَرْسَلْنَا) …، و(إِلاَّ امْرَأَتَهُ) قد تعلق بـ (لَمُنَجُّوهُمْ»، قال صاحب "التقريب": وقد يُتوهم أن الإرسال إذا كان بمعنى الإهلاك، فلا اختلاف إذ التقدير: إلا آل لوط لم نُهلكهم، فهو بمعنى (لَمُنَجُّوهُمْ). وجوابه: أن الاستثناء من الاستثناء شرطه أيضًا أن لا يتخلل لفظ بين الاستثناءين متعدد يصلح مستثنى منه، وههنا تخلل (إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ)، فلو قال: إلا آل لوط إلا امرأته، لجاز ذلك. وقلتُ: لا سيما أن قوله: (إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ) على تقدير أن يكون الاستثناء متصلًا- جُملةٌ منقطعة عما قبلها على تقدير سؤال سائل، فيبعُدُ من البليغِ أن يجعلَ ما في حيزه متعلقًا بما قبله. وقال أبو البقاء: والاستثناءُ إذا جاء بعد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافًا إلى المبتدأ،
[ ٩ / ٤٦ ]
فأنى يكون استثناء من استثناء. وقرئ (لَمُنَجُّوهُمْ) بالتخفيف والتثقيل. فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله (قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ) والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم، ولذلك فسر العلماء تقدير الله أعمال العباد بالعلم. فإن قلت: فلم أسند الملائكة فعل التقدير- وهو لله وحده- إلى
_________________
(١) ـ كقولك: له عندي عشرة إلا أربعة إلا درهمًا، فإن الدرهم مستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشر إلا أربعة، أو: عشرة إلا ثلاثة. قوله: (وقرئ (لَمُنَجُّوهُمْ) بالتخفيف والتثقيل)، بالتخفيف: حمزة والكسائي وأبو بكر. قوله: (ولذلك فسر العلماء تقدير الله أعمال العباد بالعلم) أي: المعتزلة يقولون: إن معنى قوله: إن الله قدر على العباد: عَلِمَ، بدليل قوله في تفسير قوله تعالى: (حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [الزمر: ٧١]: ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح المحفوظ، وتلك كناية معلوم، لا كناية مقدر ومراد، تعالى الله عن ذلك. والأصل: (قَدَّرْنَاهَا مِنْ الْغَابِرِينَ) فعلقه عن العمل باللام، ثُم جاء بـ (إنَّ). قال القاضي: ويجوز أن يكون (قَدَّرْنَا) مُجرى مَجرى قُلنا؛ لأن التقدير بمعنى القضاء قولٌ، وأصله جعلُ الشيء على مقدار غيره. وقال صاحب "الانتصاف": هذا من دفائن الزمخشري في الاعتزال في جحد القضاء والقدر، إذا المعتزلة يمنعون تعلق القدرة بالمعاصي، فالتقدير عندهم: هو العلمُ، لا الإرادة، ثم استدل على أن التقدير بمعنى العلم، بتعليق فعله. وفي كلامه شاهد على رده؛ لأن التضمين من شأنه أن يُبقي المعنى الأصلي مضافًا إليه المعنى الطارئ، فيفيدهما جميعًا.
[ ٩ / ٤٧ ]
أنفسهم، ولم يقولوا: قدّر الله؟ قلت: لما لهم من القرب والاختصاص بالله الذي ليس لأحد غيرهم، كما
يقول خاصة الملك: دبرنا كذا وأمرنا بكذا، والمدبر والآمر
_________________
(١) ـ فالتقدير: كما أفاد العلم الطارئ أفاد الإرادة أيضًا، على أن من الناس من جعل قوله تعالى: (قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ) من كلامه تعالى غير محكي عن الملائكة، وهو الظاهر؛ لأن القائل بالأول يحتاج إلى التأويل، كما قال الزمخشري: "إنه من باب قول خواص الملك"، لأنا إذا جعلنا (قَدَّرْنَا) بمعنى علمنا أنها من الغابرين فلا غرو في علم الملائكة ذلك بإخبار الله إياهم به، إنما يحتاج إلى التأويل من جعل قدرنا بمعنى قضينا، وجعله من قول الملائكة. الإنصاف: القول بأن التضمين يقتضي إرادة الفعلين: المضمن والمضمن فيه معًا مردود، فإنه يجوز أن يؤتى فيه بما يقتضيه أحدهما دون الآخر، فكأنه معمول أحدهما خاصة، ألا ترى إلى قوله: قد قتل الله زيادًا عني ضمن "قتله" معنى: صرفه، وأتى بـ "عني" التي هي معمول "صرفه"، لا معمول "قتله". وقلت: هذا خطأ؛ لأن التقدير: قد صرف الله زيادًا عني قتلًا، أو "قتل" مستعار للصرف على سبيل التبعية، والقرينة الجار. الراغب: الغابر: الماكث بعد مُضي ما معه، قال تعالى: (إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ)، يعني: قد طال أعمارهم. وقيل: فيمن بقي ولم يسر مع لوط. وقيل فيمن بقي في العذاب، ومنه الغبرة: البقية من اللبن في الضرع.
[ ٩ / ٤٨ ]
هو الملك لا هم، وإنما يظهرون بذلك اختصاصهم وأنهم لا يتميزون عنه. وقرئ: (قدرنا)، بالتخفيف.
[(فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ *
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ)].
(مُنْكَرُونَ) أي: تنكركم نفسي وتنفر منكم، فأخاف أن تطرقوني بشرّ، بدليل قوله: (بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما فيه فرحك وسرورك وتشفيك من عدوّك، وهو العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله، فيمترون فيه ويكذبونك، (بِالْحَقِّ): باليقين من عذابهم، (وَإِنَّا لَصادِقُونَ) في الإخبار بنزوله بهم. وقرئ: فأسر، بقطع الهمزة ووصلها، من أسرى وسرى. وروى صاحب الإقليد: فسر، من السير والقطع في آخر الليل. قال:
_________________
(١) ـ قوله: (بدليل قوله: (بَلْ جِئْنَاكَ) يريد أن قوله: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) كناية عن أنكم قوم يخاف منكم الشر؛ لأن قوله: (َلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) كناية عن الفرح والتشفي، لأنه أضرب به عن الخوف، وذلك أن من ينكر شيئًا ينفر منه، وإنما ينفر منه إذا توهم شرًا مخوفًا، وكذا قوله: (بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ): كناية عن العذاب؛ لأنهم كانوا يشكون نزوله، ونزوله عليهم سبب لتشفي لوط عن غيظه؛ لأنه كان يكابد منهم المشاق، كأنه قال: إنكم قوم يخاف منكم الشر، فقالوا مجاوبين: بل نحن ممن يُرجى منا الخير والفرح. قوله: (صاحب "الإقليد") هو تفسير لأبي الفتح الهمداني- بإسكان الميم-، منسوب إلى قبيلة من اليمن.
[ ٩ / ٤٩ ]
افْتَحِي الْبَابَ وَانْظُرِي في النُّجُومِ … كَمْ عَلَيْنَا مِن قِطعِ لَيْلٍ بَهِيمِ
وقيل: هو بعد ما يمضى شيء صالح من الليل. فإن قلت: ما معنى أمره باتباع أدبارهم ونهيهم عن الالتفات؟ قلت قد بعث الله الهلاك على قومه، ونجاه وأهله إجابة لدعوته عليهم، وخرج مهاجرًا فلم يكن له بدّ من الاجتهاد في شكر الله وإدامة ذكره وتفريغ باله لذلك، فأمر بأن يقدّمهم لئلا يشتغل بمن خلفه قلبه، وليكون مطلعًا عليهم وعلى أحوالهم، فلا تفرط منهم التفاتة احتشامًا منه ولا غيرها من
_________________
(١) ـ قوله: (افتحي الباب) البيت، كأنه طال عليه الليل، يُخاطب ضجيعته بذلك، أو كان يحب طول الليل للوصال. قوله: (شيء صالح من الليل) أي: قطعة طويلة منه، العرب تقول: مضى من عمري شيء، أي: مدة طويلة. قوله: (ما معنى أمره باتباع أدبارهم ونهيهم عن الالتفات؟) يعني: كان يكفي في الهجرة أن يُقال: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) فما معنى التتميم بهذين القيدين؟ وخلاصة الجواب: أن تلك النجاة كانت نعمة من الله مطلوبة تستحق الإقامة بمواجب الشكر لها، وذلك الشكر لا يتم إلا بفراغ من البال من كل وجه فأمر باتباع أدبارهم لئلا يشتغل عن إدامة الشكل بسبب تعلق قلبه بمن خلفه، ونُهوا عن الالتفات، لئلا ترق قلوبهم إذا نظروا إلى ما ينزلُ على قومهم، فيشتغل قلبه عن إدامة الشُّكر. الانتصاف: اشتملت الآية مع وجازتها على آداب المسافرين في دين ودُنيا من أمير ومأمور، وتابع ومتبوع.
[ ٩ / ٥٠ ]
الهفوات في تلك الحال المهولة المحذورة، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، وليكون مسيره مسير الهارب الذي يقدّم سربه ويفوت به، ونهوا عن الالتفات لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا لهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ويطيبوها عن مساكنهم، ويمضوا قدمًا غير ملتفتين إلى ما وراءهم كالذي يتحسر على مفارقة وطنه فلا يزال يلوى إليه أخادعه، كما قال:
تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَىّ حَتّي وَجَدتُنِي … وَجِعْتُ مِنَ الإِصْغَاءِ لِيتًا وَأَخْدَعَا
أو جعل النهى عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني والتوقف؛ لأنّ من يلتفت لا بدّ له في ذلك من أدنى وقفة (حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) قيل: هو مصر، وعدّى (وَامْضُوا) إلى (حَيْثُ) تعديته إلى الظرف المبهم، لأن (حَيْثُ) مبهم في الأمكنة،
_________________
(١) ـ قوله: (يقدم سربه)، النهاية: السربُ- بالكسر- والسربة: القطيع من الظباء والقطا والخيل ونحوها، ومن النساء على التشبيه بالظباء. قوله: (ويفوتُ به) فاتني بكذا: سبقني به، وذهب به عني. في "الأساس"، والضمير في "به" راجع إلى "السرب"، قوله: (ويمضوا قُدمًا) بضمتين، يقال: ومضى قُدمًا: لم ينثن، ولم يُعرج. قوله: (تلفت نحو الحي) البيت، قال المرزوقي: يقول: أخذت مسيري لما أبصرت حال نفسي، وتأثير الصبابة فيها، ملتفتًا إلى ما خلفته من الحي، حتى وجدتُني وجع الليت، أي صفحة العنق، والأخدع، وهو عرق فيها، لطول إصغائي ودوام التفاتي كل ذلك تحسرًا في أثر الفائت من أحبابي وديارهم، وتذكرًا لطيب أوقاتي معهم فيها. قوله: (وُعدي (وَامْضُوا) إلى (حَيْثُ) تعديته إلى الظرف المبهم) يعني: (حَيْثُ)
[ ٩ / ٥١ ]
وكذلك الضمير في (تُؤْمَرُونَ). وعدى (وقَضَيْنا) بإلى؛ لأنه ضمن معنى: أوحينا، كأنه قيل: وأوحينا إليه مقضيًا مبتوتًا. وفسر (ذلِكَ الْأَمْرَ) بقوله: (أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ)، وفي إبهامه وتفسيره تفخيم للأمر وتعظيم له. وقرأ الأعمش: إن، بالكسر على الاستئناف، كأن قائلا قال: أخبرنا عن ذلك الأمر، فقال: إنّ دابر هؤلاء. وفي قراءة ابن مسعود: (وقلنا إنّ دابر هؤلاء). ودابرهم: آخرهم، يعنى: يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد.
[(وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ * قالُوا أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ * قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ *
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)].
(وجاء أَهْلُ الْمَدِينَة): ِ أهل سدوم التي ضرب بقاضيها المثل في الجو، مستبشرين بالملائكة (فَلا تَفْضَحُونِ) بفضيحة ضيفي، لأنّ من أساء إلى ضيفه أو جاره فقد أساء إليه، كما أن من أُكرم من يتصل به فقد أُكرم (وَلاتُخْزُونِ): ولا
_________________
(١) ـ على تقدير النصب على الظرف لا يحتاج إلى (في)؛ لأنه مبهم، والظرف المبهم منصوب، والمؤقت حكمه حكم ما ليس بظرف، فيحتاج إلى (في)، وكذلك الضمير في (تُؤْمَرُونَ) مبهم، نُظر إلى تقديره، وهو راجع إلى حيث، ولو كان مؤقتًا لقيل: تؤمرون فيه. قوله: (يعني يستأصلون عن آخرهم)، الراغب: قطع دابرة الإنسان: إفناء نوعه. قال تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنعام: ٤٥]. قوله: (أهل سدوم) في "تهذيب" الأزهري سذُوم بالذال المعجمة، وفي "الصحاح": بفتح السين والدال غير معجمة: قرية قوم لوط ﵇.
[ ٩ / ٥٢ ]
تذلونِ بإذلال ضيفي، من الخزي وهو الهوان. أو: ولا تشوّروا بي، من الخزاية؛ وهي الحياء. (عَنِ الْعالَمِينَ): عن أن تجير منهم أحدًا، أو تدفع عنهم، أو تمنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرّضون لكل أحد، وكان يقوم ﷺ بالنهى عن المنكر، والحجر بينهم وبين المتعرّض له، فأوعدوه وقالوا: (لئن لم تنته يا لوط لتكوننّ من المخرجين). وقيل: عن ضيافة الناس وإنزالهم، وكانوا نهوه أن يضيف أحدًا قط (هؤُلاءِ بَناتِي): إشارة إلى النساء؛ لأنّ كل أمّة أولاد نبيها رجالهم بنوه ونساؤهم بناته، فكأنه قال لهم: هؤلاء بناتي فانكحوهنّ، وخلوا بنىّ فلا تتعرضوا لهم إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ شك في قبولهم لقوله، كأنه قال: إن فعلتم ما أقول لكم وما أظنكم تفعلون. وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فيما أحل الله دون ما حرّم (لَعَمْرُكَ) على إرادة القول، أى قالت الملائكة للوط ﵇: لعمرك (إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ) أى غوايتهم التي أذهبت عقولهم وتمييزهم بين الخطإ الذي هم عليه وبين الصواب الذي تشير به عليهم، من ترك البنين إلى البنات (يَعْمَهُونَ): يتحيرون، فكيف يقبلون قولك ويصغون إلى نصيحتك. وقيل: الخطاب لرسول الله ﷺ، وأنه أقسم
_________________
(١) ـ قوله: (أو ولا تُشوروا بي)، الجوهري: شورت الرجل فتشور، أي: خجلته فتخجل. قوله: (وبين المتعرض له) الضمير في "له" عائد إلى اللام، لأنها موصولة. قوله: (إن كنتم تريدون قضاء الشهوة) عن المصنف: الأوجه أن يكون ذلك بناء على طريقتهم وحالهم في ركوب ما لا يحل لهم، كأنه قيل: إن كنتم ولابد راكبين ما لا يحل لكم، فعليكم بمحال المباشرة التي قد تعارفها الناس دون المنكر الذي لم تُسبقوا إليه. قوله: (وقيل: الخطاب لرسول الله ﷺ)، قال صاحب "الفرائد": لما أمكن الحمل على ما هو المفهوم من ظاهر الكلام وجب الحمل عليه، إذ التقدير بغير ضرورة لا يجوز، وإلا لم يبق للنقل اعتبارٌ أصلًا؛ لأنه ما من نقل إلا وأمكن التقدير فيه، فوجب الحمل على أنه تعالى أقسم بحياته ﷺ.
[ ٩ / ٥٣ ]
بحياته، وما أقسم بحياة أحد قط؛ كرامة له. والعمر والعمر واحد، إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح؛ لإيثار الأخف فيه؛ وذلك لأن الحلف كثير الدور على ألسنتهم؛ ولذلك حذفوا الخبر، وتقديره: لعمرك مما أقسم به، كما حذفوا الفعل في قولك: بالله. وقرئ: في (سكرهم) و(في سكراتهم). (الصَّيْحَة): ُ صيحة جبريل ﵇، (مُشْرِقِينَ) داخلين في الشروق؛ وهو بزوع الشمس. (منْ سِجِّيلٍ): قيل: من طين، عليه كتاب من السجل، ودليله قوله تعالى:
(حِجارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) [الذاريات: ٣٣ - ٣٤]، أي: معلمة بكتاب. (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) للمتفرّسين المتأملين. وحقيقة المتوسمين النظار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء. يقال:
_________________
(١) ـ وقلت: أراد أن قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) إذا كان خطابًا للوط يجب أن يُقدر: قالت الملائكة: لعمرك. وإذا كان خطابًا لرسولنا ﷺ لا يجب، ويكون جُملة معترضة للنعي عليهم، وتماديهم في ارتكاب تلك الفاحشة؛ لأن في عرض نبي الله لوط أفلاذ كبده على القوم، دليلًا على بلوغ الغاية في الأمر، وأنه بلغ السيل الزُّبى، وجاوز الحزامُ الطبيين، كأنه قيل: يا محمد، بحياتك أقسم، إنهم لفي سكرتهم يعمهون، مستمرون، فاستحضر تلك الحالة في مشاهدتك، وتعجب لها، يدلك عليه صيغة المضارع. وقال محي السنة: لعمرك يا محمد وحياتك، عن ابن عباس أنه قال: ما خلق الله نفسًا أكرم عليه من محمد صلوات الله عليه، وما أقسم بحياة احدٍ إلا حياته، وكذا عن الإمام. قوله: (المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء) كأنه حد المتفرسين، وهو
[ ٩ / ٥٤ ]
توسمت في فلان كذا، أى عرفت وسمه فيه. والضمير في (عالِيَها سافِلَها) لقرى قوم لوط. (وَإِنَّها): وإنّ هذه القرى، يعنى آثارها (لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ): ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد، وهم يبصرون تلك الآثار، وهو تنبيه لقريش، كقوله: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ) [الصافات: ١٣٧].
[(وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ)].
(أَصْحابُ الْأَيْكَة): ِ قوم شعيب. (وَإِنَّهُما): يعنى قرى قوم لوط والأيكة. وقيل: الضمير للأيكة ومدين، لأنّ شعيبًا كان مبعوثًا إليهما، فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين؛ فجاء بضميرهما، (لَبِإِمامٍ مُبِينٍ): لبطريق واضح، والإمام اسم لما يؤتم به، فسمى به الطريق ومطمر البناء واللوح الذي يكتب فيه؛ لأنها مما يؤتم به.
[(وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ * وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ)].
(أَصْحابُ الْحِجْرِ): ثمود،
_________________
(١) ـ قول مجاهد، قال السجاوندي: المتوسم: الذي يعلمُ باطن الشيء بسمة ظاهره، وروى الترمذي، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"، ثم قرأ: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ). قوله: (ومطمر البناء)، الجوهري: المطمر: الزيج الذي يكون مع البنائين.
[ ٩ / ٥٥ ]
والحجر: واديهم، وهو بين المدينة والشام، (الْمُرْسَلِينَ): يعنى بتكذيبهم صالحًا؛ لأنّ من كذب واحدًا منهم فكأنهما كذبهم جميعًا، أو: أراد صالحًا ومن معه من المؤمنين، كما قيل: الخبيبون؛ في ابن الزبير وأصحابه. وعن جابر: مررنا مع النبي ﷺ على الحجر، فقال لنا "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين؛
_________________
(١) ـ قوله: (والحجر واديهم)، الراغب: سُمي ما أحيط به الحجارة حجرًا، وبه سُمي حجرُ الكعبة وديار ثمود. قوله: (لأن من كذب واحدًا منهم فكأنما كذبهم جميعًا)، يعني: التعريف في (الْمُرْسَلِينَ) للاستغراق، فهو هنا كناية؛ لأن الرسول: من أتى بكتاب بعد إظهار المعجزة، فكل من لم يصدق هذا المعنى ورده فقد أعم التكذيب والرد. قوله: (الخبيبون في ابن الزبير)، قال ابن عبد البر: كنيته أبو بكر، وله كنية أخرى: أبو خبيب. الجوهري: الخبخبة: رخاوة الشيء واضطرابه، وخبيب: اسم رجل، وهو: خبيب بن عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله يكنى بأبي خبيب، والخبيبان: عبد الله بن الزبير وابنه، وقيل: هو وأخوه مصعب، فمن روى: "الخبيبون"، على الجمع، يريد ثلاثتهم، قال ابن السكيت: يريد: أبا خُبيب ومن كان على رأيه. قوله: (وعن جابر) الحديث، رويناه عن البخاري ومسلم عن ابن عمر، مع تغيير يسير.
[ ٩ / ٥٦ ]
حذرا أن يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء"، ثم زجر النبي ﷺ راحلته فأسرع حتى خلفها. (آمِنِينَ) لوثاقة البيوت واستحكامها من أن تتهدم ويتداعى بنيانها، ومن نقب اللصوص ومن الأعداء وحوادث الدهر. أو آمنين من عذاب الله يحسبون أنّ الجبال تحميهم منه. (ما كانُوا يَكْسِبُونَ) من بناء البيوت الوثيقة والأموال والعدد.
[(وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)].
(إلَّا بِالْحَقِّ): إلا خلقًا ملتبسًا بالحق والحكمة، لا باطلا وعبثًا. أو: بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال، (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَة): ٌ وإنّ الله ينتقم لك فيها من أعدائك، ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم، فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا لذلك، (فَاصْفَحِ): فأعرض عنهم واحتمل ما تلقى منهم إعراضًا جميلا بحلم وإغضاء. وقيل: هو منسوخ بآية السيف. ويجوز أن يراد به المخالقة فلا يكون منسوخًا.
_________________
(١) ـ قوله: (فإنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا لذلك)، أي: للانتقام من الأعداء، وإعطاء الجزاء للأولياء، بيانُ الحصر هو: أن الله ﷾ قال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ) والحق: هو العدل والإنصاف، وهما إنما يستتبان بوجود جزاء المحسن والمسيء، وإن الدنيا ليست بدار جزاء، بل هي دار الابتلاء والتكليف، فلابد من يوم الدين ليصل إلى كل ذي حق حقه، كقوله تعالى: (إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ) [يونس: ٤]، ومثل هذه الآية قوله تعالى: (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) [الأحقاف: ١ - ٣].
[ ٩ / ٥٧ ]
[(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ)].
(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ) الذي خلقك وخلقهم، وهو (الْعَلِيمُ) بحالك وحالهم، فلا يخفى عليه ما يجرى بينكم، وهو يحكم بينكم. أو إن ربك هو الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، وقد علم أن الصفح اليوم أصلح. إلى أن يكون السيف أصلح. وفي مصحف أبىّ وعثمان: إن ربك هو الخالق وهو يصلح للقليل والكثير، والخلاق للكثير لا غير، كقولك: قطع الثياب، وقطع الثوب والثياب.
[(وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)].
_________________
(١) ـ قوله: (أو إن ربك هو الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم): عطف على قوله: " (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ) الذي خلقك وخلقهم"، والوجهان مبنيان على تفسر (فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) لأنه كالتعليل له، فالوجه الأول مبني على أن الآية من باب المخالفة، وهي غير منسوخة. والثاني: على أنه من باب المداراة والاصطبار، هذا هو الظاهر؛ لأنه تعالى لما أتم الاقتصاص تسلية لرسول الله ﷺ، وإرشادًا له إلى الاكتساء بلباس الصبر اقتفاء بهم، أتى بخاتمة جامعة للتسلي، وهي الانتقام في العاقبة من أعدائه، وإيصال الجزاء إليه لحسناته، وللأمر بالمداراة والصبر على المكابرة، وجعلها تخلصًا إلى مشرع آخر، وهو قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي) الآيات، وفيه حديث الإعراض عن زهرة الحياة الدنيا، وهو من أعظم أنواع الصبر. قوله: (كقولك: قطع الثياب)، قيل: فيه نظر؛ لأن باب التفعيل لا يختص بهذا، وشاهده الصيغة الموضوعة، كالنساج والقطاع، لأجل الحرف، وجوابه: أنه قد علم أن باب التفعيل إذا كان مما نُقل من أصل إليه أفاد بحسب المقام: إما المبالغة وإما التكثير، كما سبق في قوله تعالى: (لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) [الأنفال: ٥١]، وإذا كان موضوعًا كذلك - نحو: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) - لم يُفد ذلك، و(الْخَلاَّقُ) من قبيل الأول.
[ ٩ / ٥٨ ]
(سَبْعًا): سبع آيات وهي الفاتحة. أو: سبع سور؛ وهي الطوال، واختلف في السابعة فقيل: الأنفال وبراءة؛ لأنهما في حكم سورة واحدة، ولذلك لم يفصل بينهما بآية التسمية. وقيل: سورة يونس. وقيل: هي آل حم، أو سبع صحائف؛ وهي الأسباع. (والْمَثانِي) من التثنية وهي التكرير؛ لأن الفاتحة مما تكرر قراءتها في الصلاة وغيرها، أو من الثناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله، الواحدة: مثناة أو مثنية؛ صفة للآية. وأمّا السور أو الأسباع؛ فلما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، ولما فيها من الثناء، كأنها تثنى على الله تعالى بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى. و(من) إما للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطوال، وللبيان إدا أردت الأسباع. ويجوز أن يكون كتب الله كلها مثاني؛ لأنها تثني
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: هي آل حم) عطف على قوله: "وهي الطول"، أي: السور المختصة بذكر حم في أوائلها، فإنهن جماعة: سُور اجتمعن اجتماع القرابات، ولأن الآل إنما يُستعمل في قرابات من له شأن ورفعة، كما يقول: آل محمد وآل إبراهيم، وقال تعالى: (مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ). قوله: (مُناة - ورُوي: "مَثناة" عن نسخة المصنف- أو مُثنية)، أي: المثاني واحدها: إما مَثناةٌ؛ موضع الشيء، أو مُثنية؛ اسم فاعل، والتأنيث لكونها صفة آية، فإن الآية إما أن تُتلى مكررة، أو هي مُثنية، كأنها تُثني على الله بصفاته الحسنى، على الإسناد المجازي، أو الاستعارة المكنية. قوله: (وأما السور) عطف من حيث المعنى على قوله: "لأن الفاتحة" مما تُكرر، والتقدير: أما الفاتحة فكذا، "وأما السور" فكذا، كقوله تعالى: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ) [آل عمران: ٧] بعد قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ)، كما سبق في موضعه. قوله: (وللبيان إذا أردت الأسباع) فلا يجوز على هذا البعضية كما جازت في الصورتين،
[ ٩ / ٥٩ ]
عليه، ولما فيها من المواعظ المكررة، ويكون القرآن بعضها. فإن قلت: كيف صح عطف القرآن العظيم على السبع، وهل هو إلا عطف الشيء على نفسه؟ قلت: إذا عنى بالسبع للفاتحة أو الطوال، فما وراءهنّ ينطلق عليه اسم القرآن، لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على الكل. ألا ترى إلى قوله (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) [يوسف: ٣] يعنى سورة يوسف؟ وإذا عنيت الأسباع فالمعنى: ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم، أي: الجامع لهذين النعتين، وهو الثناء- أو التثنية- والعظم.
[(لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ)]
أي: لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمنّ له (إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ): أصنافًا من الكفار. فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟ قلت: يقول لرسول الله ﷺ:
_________________
(١) ـ لأن القرآن في نفسه أسباع، قال الزجاج: دخلت "مِن" للتبعيض، أي: ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يُثنى بها على الله تعالى، وآتيناك القرآن العظيم، ويجوز أن تكون السبع هي المثاني، وأن تكون "مِن" للصفة، كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ) [الحج: ٣٠] أي: فاجتنبوا الأوثان. قوله: (ولقد آتيناك ما يُقال له: السبع المثاني والقرآن العظيم)، وهو كقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً) [الأنبياء: ٤٨] أي: كتابًا جامعًا بين هذين الوصفين. قوله: (أصناف من الكفار) تفسير لقوله: (أَزْوَاجًا مِنْهُمْ). الراغب: الزوج يقال لكل من القرينين، من الذكر والأنثى، كالحيوانات المتزاوجة، وفي غيرها كالخف والنعل، ولكل ما يُقرن بآخر مماثلًا له أو مضادًا، قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) [الصافات: ٢٢].
[ ٩ / ٦٠ ]
قد أوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة وإن عظمت فهي إليها حقيرة ضئيلة؛ وهي القرآن العظيم؛ فعليك أن تستغني به، ولا تمدّن عينيك إلى متاع الدنيا. ومنه الحديث "ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن"، وحديث أبى بكر "من أوتى القرآن فرأى أن أحدًا أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيما وعظم صغيرًا". وقيل: وافت من بُصرى
_________________
(١) ـ أي: أقرانهم المقتدين بهم في أفعالهم، قال تعالى: (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) [الحجر: ٨٨]، أي: أشباهًا وأقرانًا. قوله: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)، قلت: هذا لا يصلح للاستشهاد، لما رويناه عن أبي داود، عن أبي لبابة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، قال: فقلت لابن أبي مُليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع. النهاية: ويشهد له الحديث الآخر: "زينوا القرآن بأصواتكم"، وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء. قال في "الانتصاف": حمل كثير من العلماء الحديث على الغناء وقالوا: يُغني يبنى من الغناء الممدود، لا من الغنى المقصور، وإن فعله استغنى خاصة، وقد وجدتُ بناء "تغنى" من الغنى المقصور، ففي الحديث الصحيح: "وأما التي هي له ستر فرجل ربطها تغنيًا وتعففًا"، وإنما هو من الغنى المقصور، وهو مصدر "تغنى"، فدل على جواز استعماله في البناءين جميعًا. قال الجوهري: الغناء بالكسر: من السماع، والمقصور: اليسار، أي: استغنى وأغناه الله.
[ ٩ / ٦١ ]
وأذرعات سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البز والطيب والجوهر وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم الله عز وعلا: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي: لا تتمنّ أموالهم ولا تحزن عليهم أنهم لم يؤمنوا فيتقوّى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، وتواضع لمن معك من فقراء المؤمنين وضعفائهم، وطب نفسًا عن إيمان الأغنياء والأقوياء، (وَقُلْ) لهم: (إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) أنذركم ببيان وبرهان أنّ عذاب الله نازل بكم.
[(كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ)].
فإن قلت: بم تعلق قوله: (كما أنزلنا)؟ قلت: فيه وجهان:
أحدهما: أن يتعلق بقوله: (ولقد آتيناك) [الحجر: ٨٧]، أي: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب، وهم المقتسمون (الذين جعلوا القرآن عِضِينَ) حيث قالوا بعنادهم وعدوانهم بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل، وعضوه. وقيل: كانوا يستهزئون به فيقول بعضهم: سورة البقرة لي، ويقول الآخر: سورة آل عمران لي. ويجوز أن يراد بالقرآن: ما يقرءونه من كتبهم، وقد اقتسموه بتحريفهم، وبأنّ اليهود أقرّت ببعض التوراة وكذبت ببعض، والنصارى أقرت ببعض الإنجيل وكذبت ببعض،
_________________
(١) ـ قوله: (وعضوه) بفتح الضاد، أي: جعلوا القرآن أعضاء، أي: أجزاء، قيل: أمر الله أن يكونوا لرسول الله مُعزين فكانوا عليه عزين، وأن يجعلوا القرآن عظات، فجعلوه عضين. قوله: (وقيل: كانوا يستهزئون به) عطف على قوله: "قالوا بعنادهم وعُدوانهم".
[ ٩ / ٦٢ ]
وهذه تسلية لرسول الله ﷺ عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم، وقولهم سحر وشعر وأساطير، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم.
والثاني: أن يتعلق بقوله: (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) [الحجر: ٨٩]، أي: وأنذر قريشًا مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين، يعنى اليهود، وهو ما جرى على قريظة والنضير، جعل المتوقع بمنزلة الواقع، وهو من الإعجاز، لأنه إخبار بما سيكون وقد كان. ويجوز أن يكون (الذين جعلوا القرآن عضين) منصوبًا (بالنذير)، أي: أنذر المعضين الذين يجزءون القرآن إلى سحر وشعر وأساطير، مثل ما أنزلنا على المقتسمين؛ وهم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم، فقعدوا في كل مدخل متفرّقين؛ لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله ﷺ، يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج
_________________
(١) ـ قوله: (وهذه تسلية لرسول الله ﷺ)، أجاب عن السؤال بوجهين: أحدهما: أن يتعلق (كَمَا أَنْزَلْنَا) بقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا) والمقتسمون: اليهود والنصارى، وهم غما اقتسموا القرآن أجزاء استهزاء واقتسموا كتبهم تحريفًا فأقروا ببعض، وكذبوا ببعض، ومكان التسلية هذا الثاني، وذلك أن قريشًا لما جزأوا القرآن إلى سحر وشعر وأساطير، قيل له ﷺ: لا تحزن، ولا يكن في صدرك حرجٌ، وللقرآن أسوة بالتوراة والإنجيل، وإليه الإشارة بقوله: "وهذه تسلية" بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم بالقرآن بعنادهم وعداوتهم. قوله: (ويجوز أن يكون (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) منصوبًا بـ (النَّذِيرُ) عطفٌ على قوله "وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين" لأنه على ذلك التقدير مجرور: صفة للمقتسمين، وعلى الأول النذير مطلق في المنذر والمنذر به، وعلى هذا المنذر: الذين جعلوا القرآن عضين، والمنذر به (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ) وإليه الإشارة بقوله: "أنذر المعضين" وهو بفتح العين: جمع معض: اسم فاعل من: عضى الشاة؛ إذا جزأها.
[ ٩ / ٦٣ ]
منا فإنه ساحر، ويقول الآخر: كذاب، والآخر: شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات، كالوليد بن المغيرة،
والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب وغيرهم، أو مثل ما أنزلنا على الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحًا ﵇، والاقتسام بمعنى التقاسم. فإن قلت: إذا علقت قوله: (كَما أَنْزَلْنا) بقوله: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ)] الحجر: ٨٧ [، فما معنى توسط (لا تَمُدَّنَّ)] الحجر: ٨٨ [إلى آخره، بينهما؟ قلت: لما كان ذلك تسلية لرسول الله ﷺ عن تكذيبهم وعداوتهم، اعترض بما هو مدد لمعنى
_________________
(١) ـ قوله: (على أن يبيتوا صالحًا)، وذلك في قوله تعالى: (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ) [النمل: ٤٩]، والقصة مذكورة في تفسير هذه الآية. قوله: (لما كان ذلك تسلية لرسول الله ﷺ) أي: لما كان تشبيه إنزال السبع المثاني بإنزال الكتابين على المقتسمين من اليهود والنصارى على ما سبق تسلية لرسول الله ﷺ، ولم يكن قوله: (لا تَمُدَّنَّ) الآية تسلية مثلها، فلم يكن اعتراضًا تامًا، قال: "اعترض بما هو مددٌ لمعنى التسلية"؛ لأن الجملة المعترضة مؤكدة لمضمون المعترض فيه، وهذا مؤكد للازمه، وذلك أن التسلية إنما يصار إليها إذا وجد الحزن والكآبة من الشخص مما لا يلائمه، فكما يحصل ذلك من جهة المستهزئين الذين يجعلون القرآن عضين، كذلك يحصل من جهة الالتفات إلى ما مُتع به الكفار من زهرة الحياة الدنيا، وكما يُشغله الأول من أن يُقبل بمجامعه على المؤمنين كذلك الثاني، وإليه أشار بقوله: "ومن الأمر بأن يُقبل بمجامعه على المؤمنين". ويمكن أن يدخُل ذلك في حيز التشبيه، وأن يُقال: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) ونهيناك عن أن تمد عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم، كذلك أنزلنا على أهل الكتاب الكتابين المعظمين، وقلنا لهم: (وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا)، فلا تكن مثلهم حيث أخلدوا إلى الأرض، ومالوا إلى حُطام الدنيا وزخرفها، وحرفوهما فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. وهذا الوجه أحسن؛ لأن التشبيه تمثيلي، وكلما كان أكثر تفصيلًا كان أدخل في الحسن، وعلى هذا لا يكون تسلية، بل يكون من باب الإلهاب والتهييج، كقوله تعالى:
[ ٩ / ٦٤ ]
التسلية. من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم، ومن الأمر بأن يقبل بمجامعه على المؤمنين (عِضِينَ): أجزاء، جمع عضة، وأصلها: عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء. قال رؤبة:
وَلَيْسَ دِينُ اللَّهِ بِالْمَعْضِي
وقيل: هي فعلة، من عضهته إذا بهته. وعن عكرمة: العضة السحر، بلغة قريش، يقولون للساحرة عاضهة. ولعن النبي ﷺ العاضهة والمستعضهة، نقصانها على الأوّل واو، وعلى الثاني هاء.
[(فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ)].
(لَنَسْئَلَنَّهُمْ) عبارة عن الوعيد. وقيل. يسألهم سؤال تقريع. وعن أبى العالية: يسأل العباد عن خلتين: عما كانوا يعبدون،وماذا أجابوا المرسلين.
[(فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [.
_________________
(١) ـ (فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ) [يونس: ٩٤] من المشركين، أو أن يخاطب صلوات الله وسلامه عليه، والمراد أمته، والله أعلم. قوله: «عِضِينَ): أجزاء) قال الواحدي: (عِضِينَ): جمع عِضة، مثل: عزة وعزين، من عضيتُ الشيء: إذا فرقته، وكل فرقة عضة. قوله: (هي فعلة من عضهته)، قال السجاوندي: أو هو عضهة، كأصل "شفة": شفهة، أي: الكذب أو البهت أو السحر، مشتق من العضاه؛ لأنه يؤذين ويجرح كالشوك، وجمعُ صلامته عوض نقصان الواو والهاء، نحو: عزين وثبين. قوله: (وقيل: يسألهم سؤال تقريع) وعلى الأول، لم يُرد به السؤال، وإنما هو كناية عن مجرد الوعيد، كما تقول لمن تهدده: إنما تُسألُ عما تفعل، أي: نُجازيك به.
[ ٩ / ٦٥ ]
(فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) فاجهر به وأظهره. يقال: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارًا، كقولك: صرح بها، من الصديع وهو الفجر، والصدع في الزجاجة: الإبانة. وقيل: (فَاصْدَعْ) فافرق بين الحق والباطل بما تؤمر، والمعنى: بما تؤمر به من الشرائع فحذف الجارّ، كقوله:
أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ
ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، أى بأمرك مصدر من المبنى للمفعول.
[(إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)].
عن عروة بن الزبير في المستهزئين: هم خمسة نفر ذوو أسنان وشرف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن الطلاطلة.
وعن ابن عباس ﵁: ماتوا كلهم قبل بدر. قال جبريل ﵇
_________________
(١) ـ قوله: (والصدع في الزجاجة)، الراغب: الصدع: الشق في الجسام، كالزجاجة والحديد، يقال: صدعته فانصدع، وصدعته فتصدع، قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) [الروم: ٤٣]، ومنه استعير: صدع الأمر، قال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)، وكذا استعير منه: الصداع، وهو شبه الانشقاق في الرأس من الوجع، قال تعالى: (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ) [الواقعة: ١٩]، ومنه: الصديع؛ للفجر، وصدعت الفلاة: قطعتها، وتصدع القوم: تفرقوا. قوله: (مصدر من المبني للمفعول)، أي: بمأموريتك، ومثله: (لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً) [الحشر: ١٣] أي: مرهوبية. وقوله: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) [الروم: ١]، أي: مغلوبيتهم.
[ ٩ / ٦٦ ]
للنبي ﷺ: أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ساق الوليد فمرّ بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف تعظمًا لأخذه، فأصاب عرقًا في عقبه فقطعه فمات، وأومأ إلى أحمص العاص بن وائل، فدخلت فيها شوكة، فقال: لدغت لدغت وانتفخت رجله، حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عينى الأسود بن المطلب، فعمى وأشار إلى أنف الحارث بن قيس، فامتخط قيحًا فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات.
[(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ* وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ)].
(بِما يَقُولُونَ) من أقاويل الطاعنين فيك وفي القرآن (فَسَبِّحْ) فافزع فيما نابك إلى الله. والفزع إلى الله: هو الذكر الدائم وكثرة السجود، يكفك ويكشف عنك الغم. ودم على عبادة ربك (حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) أي الموت، أي ما دمت حيًا فلا تخل بالعبادة.
_________________
(١) ـ قوله: «فَسبح) فافزع فيما نابك إلى الله)، يريد أن قوله: (فَسُبْحَ) أمر بإزالة ما كان يلحقه من ضيق الصدر، وفي الحقيقة المزيل هو الفزع إلى الله تعالى، فوضع التسبيح موضع اللجأ، واللجأ إلى الخلق بالدخول في كنفه، واللحوق إلى خفارته، وإلى الله بالتضرع إليه بالذكر الدائم والخضوع بين يديه بالسجود المتوالي. قوله: (يكفك ويكشف عنك الغم): جواب الأمر، وهو (فَسُبْحَ). قوله: «حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) أي: الموت، أي: ما دُمت حيًا فلاتُخِل بالعبادة)، قال محيي السنة: هذا معنى قوله: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) [مريم: ٣١]. وقال الإمام: سُمي الموت يقينًا، لأنه أمر متيقن.
[ ٩ / ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … وقال الراغب: اليقين من صفة العلم، فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال: علمُ يقين، ولا يقال: معرفة يقين، وهو سكون النفس مع ثبات الحكم، يقال: استيقن وأيقن. أما دلالة النظم عليه، فإن في عطف (وَاعْبُدُ) على (فَسَبِحْ) وترتيبه بالفاء، على قوله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) بعد الأمر بالإعراض عن المشركين إشعارًا بمُتاركة القوم والإقناط من إيمانهم، أي: بذلت جُهدك واستفرغت ما في وُسعك من الإنذار والتبليغ، فأعرض عنهم، وفوض أمرهم إلى مقتضى قولنا: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) كما قال في حم: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: ٨٩] واشتغل بما هو مختص بك من العبادة حتى تختار جوار الرفيق الأعلى. وأما ما رواه السُّلمي عن الواسطي: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ) لا تُلاحظ غيره في الأوقات (حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) فيتحقق عندك أنك لا تُحس بغير الحق، ولا ترى إلا الحق، ولا يجاذبك إلا الحق، فهو إشارة إلى الإرشاد إلى العروج في درجات العبودية والترقي إلى مقام رفع الحول والقوة إلا بالله كما ورد في الحديث القدسي: "ما يتقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، وإن استعاذني أعذته … " الحديث، أخرجه البخاري عن أبي هريرة.
[ ٩ / ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … ويمكن أن يُقال: إن قوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ) لما كان حكمًا مرتبًا على قوله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) وفيه إرشاد إلى إزالة ذلك الضيق الذي هو نتيجة القلق والاضطراب لأجل النظر إلى الغير في ضيق عالم الشهادة بالأخذ بالتسبيح والعبادة المؤدي إلى حصول ثلج اليقين، وانشراح الصدر بسبب النظر إلى فُسحة عالم الغيب، وأن الكائنات تابعة لمراد الله ومقتضى مشيئته وحكمته، استقام إجراء اليقين على حقيقته، أي: اعبد ربك لكي يتحقق لك ذلك، فيزول عنك ذلك، وإلى هذا المعنى ينظر قوله: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) [البقرة: ٤٥]: انقطاعًا إليه واعتمادًا عليه، (حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) بأن الأمر كله إلى الله، وهو متولي إضلال من ضل وهداية من هدى، وعن الواسطي: (حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) أنه لا غله يسوق إليك المكاره ويصرفها عنك إلا الله، ولا إله يسوق إليك المحاب ويصرفها عنك إلا هو. وبهذا انكشف أن عبادة الله هي العمدة العظمى، والمقصد الأقصى، وبها تُنال الدرجات العُليا، ولو أن أحدًا استغنى عنها لكان أفضل الخلق أولى وأحرى، وكيف لا وما شرُف بما شرف به في أشرف مقاماته إلا بتشريف: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) [الإسراء: ١]؟
[ ٩ / ٦٩ ]
وعن النبي ﷺ: أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار، والمستهزئين بمحمد ﷺ».
_________________
(١) ـ وروى السُّلمي عن ابن عطاء: لم يرض الله من نبيه ﷺ لمحة عين إلا في عبادته. والله أعلم بأسرار كلامه.
[ ٩ / ٧٠ ]