مختلف فيها وهي ثلاث وأربعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ)].
(تِلْكَ) إشارةٌ إلى آيات السورة. والمراد بالكتاب السورة، أي: تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها، ثم قال (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ) من القرآن كله هو (الْحَقُّ) الذي لا مزيد عليه، لا هذه السورة وحدها،
_________________
(١) سورة الرعد مختلف فيها، وهي ثلاث وأربعون آية قوله: (الكاملة)، وذلك أن خبر المبتدأ إذا عرف بلام الجنس أفاد المبالغة، وأن هذا المحكوم عليه اكتسب من الفضيلة ما يوجب جعله نفس الجنس، وأنه ليس نوعًا من أنواعه، وهو في الظاهر كالممتنع، ومن ثم قال: "العجيبة في بابها"، قال في البقرة: "إن ذلك هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وأنه الذي يستأهل أن يسمى كتابًا".
[ ٨ / ٤٥٤ ]
وفي أسلوب هذا الكلام قول الأنمارية: هم كالحلقة المفرعة، لا يدرى أين طرفاها؟ تريد: الكَمَلة.
[(اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ* وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)].
(اللَّهُ) مبتدأ، و(الَّذِي) خبره، بدليل قوله (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ)،
_________________
(١) قوله: (قول الأنمارية)، هي فاطمة بنت الخرشب تصف أبناءها، ولدت لزياد العبسي: ربيعًا الكامل، وعمارة الوهاب، وقيسًا الحفاظ، وأنس الفوارس، قيل لها: أيهم أفضل؟ فقالت: عمارة، لا بل فلان، لا بل فلان، ثم قالت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة. والأسلوب من باب الرجوع من التفصيل إلى الإجمال، تنبيهًا على نفاذ الوصف دون الكمال. قوله: (تريد الكملة)، الجوهري: "رجل كامل، وقوم كملة، مثل: حافد وحفدة، وأعطه هذا المال كملًا"، أي: هم متناسبون في الخصال كاملون فيها، بحيث يمتنع تعيين فاضل بينهم ومفضول، كالحلقة المفرغة الممتنعة من تعيين بعضها طرفًا وبعضها وسطًا، وهو من التشبيه العقلي الذي الوجه فيه غير واحد، لكنه في حكم الواحد. قوله: «اللهُ) مبتدأ، و(الَّذِي) خبره، بدليل قوله: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ»، يريد: أن قوله: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ) الآية، معطوف على قوله: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ
[ ٨ / ٤٥٥ ]
ويجوز أن يكون صفة. وقوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ) خبرٌ بعد خبر، وينصره ما تقدّمه من ذكر الآيات.
(رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) كلام مستأنف استشهاد برؤيتهم لها كذلك.
_________________
(١) ـ تَرَوْنَهَا)، وهو مبتدأ وخبر، ليس إلا، فيحمل المعطوف عليه على ما هو المعطوف ليتوافقا لجامع شبه التضاد، وذلك أن الموصولة في الأول مشتملة على ذكر العلويات من السماء ورفعها، والعرش والاستواء عليه، والشمس والقمر وتسخيرهما، وفي الثاني مشتملة على ذكر السفليات من الأرض ومدها، والجبال وإرسائها، والأنهار وإجرائها، والثمرات وإخراجها. وفائدة هذه الطريقة الإيذان بتعظيم المنزل، لأن قوله: (اللهُ) مظهر وضع موضع المضمر، فإنه تعالى لما قال: (وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) صرح بالاسم الجامع، ونسب إليه العلويات والسفليات؛ على معنى: منزله من يفعل تلك الأفعال العظيمة. قوله: (وينصره ما تقدمه من ذكر الآيات)، يعني: ينصر قول من قال: إن "الذي" صفة، وقوله: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ) خبر بعد خبر: أن الكلام السابق وارد في ذكر آيات الكتاب ووصفها بالكمال، وبلوغها فيه أقصى الغاية، فجيء بقوله: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ) بيانًا للموجب، وفي إيقاع الموصولة المشتملة على تلك الأوصاف العظام التي تتحير فيها العقول والأوهام إشعار بتعظيم الخبر الذي هو التدبير والتفصيل، كأنه قيل: فما ظنك بآيات كتاب فصله، وقرآن أنزله ودبره على وجه المصالح وكفاء الحوادث، من دبر أمور العالم، وفصل الآيات الباهرات دلائل على توحيده! وأعظم بتدبير وتفصيل صفة مدبره ونعت مفصله أنه (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)!
[ ٨ / ٤٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأنشد صاحب "المفتاح" من هذا الأسلوب قول الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا … بيتًا دعائمه أعز وأطول وهذا الوجه من البلاغة بمنزل. وعلى الأول: (يُدَبِّرُ) جملة مستأنفة على تقدير سؤال، أي: الذي رفع السماوات على هذه الصفة، واستوى على العرش وسخر الشمس والقمر، ما داعي حكمته في إنشائها وتسخيرها والاستواء عليه؟ فقيل: يدبر الأمر يفصل الآيات الدالة على وجود منشئها، وحكمة مخترعها، ليوقن المكلفون أن المرجع إليه، ويؤمنوا أن لابد من لقائه، ليثيبهم ويعاقبهم على ما ابتلوا به، وإليه الإشارة بقوله: (لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ). وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ): مثله ما في سورة يونس: (إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ) إلى قوله: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [يونس: ٣ - ٤] إلى آخر الآيات، والله أعلم. وقال صاحب "التقريب" في الفرق بين الخبر والصفة: "أنه إذا جعل "الذي" صفة، فهي كأنها معلومة، فذكرها ليستدل بها، وإذا جعل خبرًا لم يلزم العلم بها قبل الإخبار، فيكون الإخبار بهذه الآيات دعاوى لا دلائل، والأولى أن يقول: إنما لا يلزم لو كان الخبر غير مصدر بـ "الذي"، أما إذا كان مصدرًا به فيلزم، إذ الصلة حقها أن تكون معلومة كالصفة، فقد استويا"، تم كلامه. وفيه بحث، والتحقيق ما أسلفناه.
[ ٨ / ٤٥٧ ]
وقيل هي صفةٌ لـ (عمدٍ). ويعضده قراءة أبيّ. "ترونه"،
_________________
(١) قوله: «رَفَعَ السَّمَوَاتِ»، شروع في التفسير مفصول عما قبله، و" (تَرَوْنَهَا) " مبتدأ، والخبر "كلام مستأنف"، أي: جملة منقطعة واردة لبيان أن السماوات رفعت بغير عمد، كأنه لما قيل: (رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ)، فقيل: وما الدليل عليه، وما الذي يستشهد به لذلك؟ فأجيب: برؤية الناس لها غير معمودة، وإليه الإشارة بقوله: "استشهاد برؤيتهم لها كذلك". وأتى في "لقمان" بنظير لذلك حيث قال: "أنا بغير سيف ولا رمح تراني"، وذلك أني لما قلت: "أنا بغير سيف ولا رمح"، فقيل لك: ما الذي يدل عليه؟ أجيب: بأنك تراني بلا سيف ولا رمح. قوله: (وقيل: هي صفة لـ (عَمَدٍ»، قال الزجاج: "يجوز أن يكون (تَرَوْنَهَا) من نعت "العمد"، أي: بغير عمد مرئية، وعلى هذا فعمدها قدرة الله تعالى". وروي عن المصنف: يجوز أن يتناول النفي الصفة وحدها؛ على أن ثمة عمدًا، إلا أنها غير مرئية، وهو إمساك الله إياها بقدرته، وأن يتناول الصفة والموصوف جميعًا، كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر قوله: (ويعضده قراءة أبي: "ترونه")، وقال صاحب "التقريب": تذكير "ترونه"
[ ٨ / ٤٥٨ ]
وقرئ: "عُمُد"، بضمتين (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) يدبر أمر ملكوته وربوبيته، (يُفَصِّلُ) آياته في كتبه المنزلة (لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) بالجزاء وبأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع إليه. وقرأ الحسن: "ندبر"، بالنون.
_________________
(١) مشكل، لأن "العمد" جمع كثرة لـ "عمود"، فلعل الضمير للرفع، أو يجعل اسم جمع. قال صاحب "المرشد": قال أبو حاتم: الضمير يرجع إلى (عَمَدٍ)، والذي عندي أن الضمير يرجع إلى (السَّمَوَاتِ)، لأنه تعالى أراد أن ينبهنا على قدرته العظيمة التي لا يقدر عليها أحد، فدلنا؛ على: أنتم عاجزون أن تقيموا صغيرًا من الأجسام في الجو بغير عمد، ولابد لهذه الأجرام العظام من مقيم يقيمها، لأن الفعل لا يوجد إلا من فاعل، فمقيم السماء في الجو على غير عمد مع عظم جسمها وثقلها لابد وأن يكون صانعًا قادرًا، فالفائدة في هذا الوجه أكثر، وإن كان خلق السماوات يدل على قدرة عظيمة، عمدت أو لم تعمد. وقال أبو البقاء: "إذا رجع الضمير إلى "العمد": (تَرَوْنَهَا) تكون صفة له، وإذا رجع إلى (السَّمَوَاتِ) تكون حالًا منها". قوله: (لابد لكم من الرجوع إليه)، هذا التحقيق من استعمال "لعل"، قال: من ديدن الملوك وأوضاع أمرهم أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا: "عسى" و"لعل".
[ ٨ / ٤٥٩ ]
(جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدّها، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت. وقيل: أراد بـ"الزوجين": الأسود والأبيض، والحلو والحامض، والصغير والكبير، وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة.
(يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) يلبسه مكانه، فيصير أسود مظلمًا بعد ما كان أبيض منيرًا. وقرئ: "يغشي" بالتشديد.
[(وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)].
(قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ) بقاعٌ مختلفة، مع كونها متجاورة متلاصقة: طيبةً إلى سبخة،
_________________
(١) قوله: «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) يلبسه مكانه)، تقديره: يلبس الليل النهار مكان ضوئه، يدل عليه ترتب قوله: "فيصير أسود مظلمًا بعدما كان أبيض منيرًا"، وفي معناه قوله: (وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ) [يس: ٣٧]، قال فيه: "فاستعير- أي: السلخ- لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وملقى ظله"، ويوضح المعنى قوله تعالى: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) [الزمر: ٥]، قال: "إن الليل والنهار خلفة؛ يذهب هذا ويغشي مكانه هذا، وإذا غشي مكانه فكأنما ألبسه ولف عليه، كما يلف اللباس على اللابس". قوله: ("يغشي" بالتشديد)، أبو بكر وحمزة والكسائي، والباقون: بالتخفيف. قوله: (طيبة إلى سبخة)، بيان لقوله: "مختلفة"، أي: انتهى اختلاف الطيبة إلى السبخة، أو طيبة منضمة إلى سبخة.
[ ٨ / ٤٦٠ ]
وكريمةً إلى زهيدة، وصُلبةً إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على عكسها، مع انتظامها جميعًا في جنس الأرضية، وذلك دليلٌ على قادر مريد، موقع لأفعاله على وجه دون وجه.
_________________
(١) قوله: (إلى زهيدة)، الأساس: "رجل زهيد: قليل الخير، وهو زهيد العين: يقنعه القليل". قوله: (إلى أخرى على عكسها)، أي: إلى أرض أخرى كائنة على عكس تلك؛ بأن تكون صالحة للشجر لا للزرع. قوله: (وذلك دليل على قادر مريد موقع لأفعاله على وجه دون وجه)، قال الإمام: "إنه تعالى في غالب الأمر يذكر الدلائل الموجودة في العالم السفلي، ويجعل مقطعها (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) أو ما يقرب منه، والسبب فيه: أن الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية، فأراد الله رد ذلك، قال: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، يعني: من أمعن التفكر علم أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث لأجل الاتصالات الفلكية، ومن ثم عقب هذا الإرشاد بقوله: (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ) الآية"، ثم قال: "ومن تأمل في هذه اللطائف ووقف عليها، علم أن هذا الكتاب الكريم اشتمل على علوم الأولين والآخرين"، ثم قرر كيفية الاستدلال. وجاء القاضي بتلخيصه حيث قال: "الأرض بعضها طيبة، وبعضها سبخة، وبعضها رخوة، وبعضها صلبة، وبعضها تصلح للزرع دون الشجر، وبعضها بالعكس، ولولا تخصيص قادر موقع لأفعاله على وجه دون وجه، لم تكن كذلك، لاشتراك تلك القطع في الطبيعة الأرضية وما يلزمها ويعرض لها بتوسط ما يعرض من الأسباب السماوية، من حيث إنها متضامة متشاركة في النسب والأوضاع".
[ ٨ / ٤٦١ ]
وكذلك الزروع والكروم والنخيل النابتة في هذه القطع، مختلفة الأجناس والأنواع، وهي تسقى بماء واحد، وتراها متغايرة الثمر في الأشكال والألوان والطعوم والروائح، متفاضلةً فيها.
وفي بعض المصاحف: "قطعًا متجاورات" على: وجعل. وقرئ: "وجناتٍ" بالنصب للعطف على (زوجين)، أو بالجرّ على (كل الثمرات). وقرئ: "وزرعٍ ونخيلٍ" بالجرّ عطفًا على (أعناب) أو "جنات".
و"الصنوان": جمع صنو، وهي النخلة لها رأسان، وأصلهما واحد. وقرئ بالضم. والكسر: لغة أهل الحجاز، والضم: لغة بني تميم وقيس.
(يُسْقى) بالتاء والياء (وَنُفَضِّلُ) بالنون وبالياء على البناء للفاعل والمفعول جميعًا (فِي الْأُكُلِ) بضم الكاف وسكونها.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "وزرع ونخيل" بالجر)، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص: بالرفع؛ عطف على (وَجَنَّاتٌ). قوله: (وقرئ بالضم)، أي: "صنوان"، قال ابن جني: "قرأ الناس: (صِنْوَانٌ) بكسر الصاد، والحسن وقتادة: بفتحها، وأبو عبد الرحمن السلمي: بضمها". قوله: «يُسْقَى) بالتاء والياء)، عاصم وابن عامر: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء، أي: يسقى المذكور وتسقى الجنة. قوله: (على البناء للفاعل والمفعول)، مبني على القراءة بالياء وحدها.
[ ٨ / ٤٦٢ ]
[(وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُرابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)].
(وَإِنْ تَعْجَبْ) يا محمد من قولهم في إنكار البعث، فقولهم عجيب حقيق بأن يتعجب منه، لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك من الفطر العظيمة ولم يعي بخلقهنّ،
_________________
(١) قوله: «وَإِن تَعْجَبْ) يا محمد)، يريد: أن المخاطب رسول الله ﷺ، والشرط والجزاء من باب "من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى"، أي: مرعى لا يكتنه كنهه، ولذلك حققه بقوله: "حقيق بأن يتعجب منه" إلى قوله: "فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب". وقلت: ويجوز أن يكون الخطاب عامًا، وما يتعجب منه: ما يفهم من مبدأ قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) إلى آخر الآيات، لأنها من الأمور العجيبة الشأن الدالة على القدرة الباهرة، فلا يختص الخطاب بواحد دون واحد، المعنى: إن تعجبك- أيها المخاطب الناظر بعين البصيرة في هذا الإنشاء- سبب للإخبار عن شيء عجيب حقيق بأن تتعجب منه، بل هو العجب كله؛ لتقدم الخبر على المبتدأ، وهو "عجب قولهم"، وذلك أن
[ ٨ / ٤٦٣ ]
كانت الإعادة أهون شيء عليه وأيسره، فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب (أَإِذا كُنَّا) إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلًا من (قولهم) وأن يكون منصوبًا بالقول. و"إذا" نصبٌ بما دل عليه قوله (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم، (وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ) وصف بالإصرار، كقوله: (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا) [يس: ٨]، ونحوه:
لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أَغْلَالٌ وَأَقْيَادُ
_________________
(١) الإنكار من العاقل الناظر في هذه الدلائل لما هو أهون من ذلك أعجوبة من الأعاجيب. قوله: (أهون شيء عليه)، أي: عندكم، كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم: ٢٧]، أي: عندكم. قوله: (بما دل عليه قوله: (أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ»، قال أبو البقاء: "والعامل في "إذا" فعل دل عليه الكلام، تقديره: أإذا كنا ترابًا نبعث، ودل عليه قوله: (لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، ولا يجوز أن ينتصب بـ (كُنَّا)، لأن "إذا" مضافة إليه". وقال الزجاج: "فمن قرأ (أَءِذَا) على الاستفهام، ثم قرأ (أَءِنَّا)، فـ "إذا" منصوبة؛ بمعنى: نبعث، أي: إذا كنا ترابًا نبعث، ومن قرأ: "إنا لفي خلق" أدخل همزة الاستفهام على جملة الكلام، وكانت "إذا" نصبًا بـ (كُنَّا)، لأن الكلام في معنى الشرط والجزاء، ولا يجوز أن يعمل (جَدِيدٍ) في "إذا"، لأنه لا خلاف في أن ما بعد "إن" و"إذا" لا يعمل فيما قبلها". قوله: (لهم عن الرشد أغلال وأقياد)، أوله:
[ ٨ / ٤٦٤ ]
أو هو من جملة الوعيد.
[(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ)].
(بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) بالنقمة قبل العافية، والإحسان إليهم بالإمهال. وذلك أنهم سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم بالعذاب؛ استهزاء منهم بإنذاره، (وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ) أي: عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لم يعتبروا بها فلا يستهزءوا. والمثلة: العقوبة، بوزن السمرة. والمثلة؛
_________________
(١) كيف الرشاد وقد خلفت في نفر الغل: جامعة تشد بها العنق واليد. والقيد: ما يوضع في الرجل. قوله: (أو هو من جملة الوعيد)، عطف على قوله: "وصف بالإصرار"، ومعنى قوله: "هو من جملة الوعيد": أن قوله: (وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) وعيد، وقد عطف على هذا، فيكون وعيدًا مثله، فإذن "الأغلال" مجرى على حقيقتها، وتكرير (أُوْلَئِكَ) لاستقلال كل من العذابين وشدته، وإذا حمل على المجاز يكون من جملة الوصف بالكفر، لكونه معطوفًا عليه، والوجه إدخاله في جملة الوعيد، لأن (أُوْلَئِكَ) الأول وارد للإشعار بأن ما بعده جدير بما سبق لاتصافهم بوصف، وهم المنكرون للحشر، وأما قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) فذكر مزيدًا للتسجيل عليهم. قوله: (المثلة)، الجوهري: "المثلة- بفتح الميم وضم الثاء-: العقوبة، والجمع: المثلات، ومثل به مثلًا، أي: نكل به، والاسم: المثلة بالضم، ومثل بالقتيل: جدعه، وأمثله: جعله مثلة".
[ ٨ / ٤٦٥ ]
لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة، (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشورى: ٤٠]. ويقال: أمثلت الرجل من صاحبه وأقصصته منه. والمثال: القصاص.
وقرئ: "الْمَثُلاتُ" بضمتين لإتباع الفاء العين،
_________________
(١) قال الراغب: "المثال: مقابلة شيء بشيء هو نظيره، أو وضع شيء ما ليحتذى به فيما يعمل، والمثلة: نقمة تنزل بالإنسان، فيجعل مثالًا يرتدع به غيره، وذلك كالنكال، وجمعه: مثلات ومثلات، وقد أمثل السلطان فلانًا: إذا نكل به، والأمثل: يعبر به عن الأشبه بالأفاضل والأقرب إلى الخير، وأماثل القوم: كناية عن خيارهم، قال تعالى: (إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً) [طه: ١٠٤]، وقال تعالى: (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى) [طه: ٦٣]، أي: الأشبه بالفضيلة، وهي تأنيث الأمثل". قوله: (لما بين العقاب)، تعليل للتسمية، يعني: إنما سميت العقوبة مثلة ومثلة- بضم الثاء وسكونها- لما بين العقاب والمعاقب عليه- أي: الجناية-؛ من المماثلة- أي: الوفاق- من حيث الظاهر، ولأن الجناية سبب لأن يعاقب الجاني بمثل ما جناه، كما سمي جزاء السيئة سيئة لأنه مسبب عنها ومماثل لها. و"يقال": تعليل آخر بحسب الاستعمال، أي: يقال: أمثلت الرجل من صاحبه، كما يقال: أقصصته منه، يقال: اقتص الأمير من فلان؛ أي: جرحه مثل جرحه، أو قتله قودًا، كما يقال: أمثل السلطان فلانًا: إذا قتله قودًا. قوله: (وقرئ: "المثلات" بضمتين)، قال ابن جني: "قرأ "المثلات" يحيى بن وثاب، وروي عن الأعمش عن يحيى: "المثلات"- بالفتح والإسكان-، وقراءة الناس: "المثلات" بفتح الميم وضم الثاء".
[ ٨ / ٤٦٦ ]
و"المثلات" بفتح الميم وسكون الثاء، كما يقال: السمرة. و"المثلات" بضم الميم وسكون الثاء، تخفيف "المثلات" بضمتين. و"المثلات" جمع مثلة، كركبة وركبات.
(لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ) أي: مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب، ومحله الحال، بمعنى: ظالمين لأنفسهم وفيه أوجه: أن يريد السيئات المكفرة لمجتنب الكبائر، أو الكبائر بشرط التوبة، أو يريد بالمغفرة: الستر والإمهال. وروي أنها لما نزلت قال النبي ﵊: «لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد».
[(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ)].
(لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) لم يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله ﷺ عنادًا، فاقترحوا نحو آيات موسى وعيسى، من انقلاب العصا حية، وإحياء الموتى، فقيل لرسول الله ﷺ: إنما أنت رجل أرسلت منذرًا ومخوّفًا لهم من سوء العاقبة، وناصحًا كغيرك من الرسل،
_________________
(١) قوله: (وفيه أوجه)، يعني: إذا جعل (عَلَى ظُلْمِهِمْ) حالًا من "الناس"، كان إغراء على الظلم، لأن المعنى أن الله يغفر للناس مع كونهم ظالمين؛ لما فيه من المبالغة، فوجب التأويل، وفيه وجوه ثلاثة كما ذكرها، والوجه هو الثالث، لأن الآية على وزان قوله تعالى: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) [الفرقان: ٦]، قال في تفسيره: "هو تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبًا، ولكن صرف ذلك عنهم أنه غفور رحيم، يمهل ولا يعاجل".
[ ٨ / ٤٦٧ ]
وما عليك إلا الإتيان بما يصح به أنك رسولٌ منذر، وصحة ذلك حاصلة بأية آية كانت، والآيات كلها سواء في حصول صحة الدعوة بها لا تفاوت بينها، والذي عنده كل شيء بمقدار يعطى كل نبى آية على حسب ما اقتضاه علمه بالمصالح وتقديره لها.
(وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) من الأنبياء يهديهم إلى الدين، ويدعوهم إلى الله بوجه من الهداية، وبآية خص بها، ولم يجعل الأنبياء شرعًا واحدًا في آيات مخصوصة.
ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى أنهم يجحدون كون ما أنزل عليك آياتٍ ويعاندون، فلا يهمنك ذلك، إنما أنت منذر، فما عليك إلا أن تنذر، لا أن تثبت الإيمان في صدورهم، ولست بقادر عليه، (ولكل قوم هاد) قادر على هدايتهم بالإلجاء، وهو الله تعالى.
_________________
(١) ـ وفي تعقيبه بقوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ): إيذان بأن الله تعالى بعد الإمهال يعاقبهم عقابًا شديدًا، قال القاضي: " (عَلَى ظُلْمِهِمْ) نصب على الحال، والعامل فيه "المغفرة"، والتقييد به دليل على جواز العفو قبل التوبة، فإن التائب ليس على ظلمه، ومن منع ذلك خص "الظلم" بالصغائر المكفرة باجتناب الكبائر، أو أول المغفرة بالستر والإمهال". قوله: (ووجه آخر، وهو أن يكون المعنى أنهم يجحدون)، عطف على قوله: "لم يعتدوا بالآيات المنزلة"، فعلى الأول: لم ينكروا أن المنزل آيات، بل لم يعتدوا بها، فالكلام إذن في التفرقة بين المعجزات وإثبات الرسالة بها، ولهذا قال: "إنما أنت رجل أرسلت، وصحة ذلك حاصلة بأية آية كانت"، والتنكير في (هَادٍ) للإبهام والشيوع. وعلى الوجه الثاني: التنكير في (هَادٍ) للتفخيم، ولهذا قال: " (هَادٍ) قادر على هدايتهم بالإلجاء".
[ ٨ / ٤٦٨ ]
ولقد دل بما أردفه من ذكر آيات علمه وتقديره الأشياء على قضاء حكمته أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره: أمر مدبر بالعلم النافذ مقدّر بالحكمة الربانية، ولو علم في إجابتهم إلى مقترحهم خيرًا ومصلحة، لأجابهم إليه. وأما على الوجه الثاني، فقد دل به على أن من هذه قدرته وهذا علمه، هو القادر وحده على هدايتهم، العالم بأي: طريق يهديهم، ولا سبيل إلى ذلك لغيره.
[(اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ* عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ)].
(اللَّهُ يَعْلَمُ) يحتمل أن يكون كلامًا مستأنفًا، وأن يكون المعنى: هو الله، تفسيرًا لـ (هادٍ) على الوجه الأخير، ثم ابتدئ فقيل: (يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى) و(ما) في (ما تَحْمِلُ)، (وَما تَغِيضُ)، (وَما تَزْدادُ): إما موصولة وإما مصدرية
_________________
(١) ـ ثم قوله: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ) على الأول: جملة مستأنفة على تقدير سؤال عن موجب إعطاء كل منذر ما اختص به من الآيات، وإليه الإشارة بقوله: "ولقد دل بما أردفه من ذكر آيات علمه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ، مقدر بالحكمة الربانية"، وفي تقييد العلم بحمل كل أنثى وغيض الأرحام: أن دلائل الأنفس أدق وألطف، ولا يقدر على كنهها إلا الله ﷿. وعلى الثاني: (اللهُ) خبر مبتدأ محذوف، والجملة مفسرة لقوله: (هَادٍ)، والاستئناف من قوله: (يَعْلَمُ) على بيان الموجب، كأنه لما قيل: ولست أنت بقادر على هدايتهم، لكن الله هو القادر على ذلك؛ اتجه لسائل أن يقول: فلأي حكمة ما هداهم الله؟ فقيل: يعلم- بكمال علمه القديم- الهادي والضال، فلابد من وقوع معلومه وسبق قضائه بذلك، لأن كل شيء عنده بمقدار، أي: بقضائه وقدره.
[ ٨ / ٤٦٩ ]
فإن كانت موصولة، فالمعنى: أنه يعلم ما تحمله من الولد على أن حالٍ هو من ذكورة وأنوثة، وتمام وخداج، وحسنٍ وقبح، وطولٍ وقِصر، وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة، ويعلم ما تغيضه الأرحام: أي: تنقصه. يقال: غاض الماء وغضته أنا. ومنه قوله تعالى (وَغِيضَ الْماءُ) [هود: ٤٤]، وما تزداده: أي: تأخذه زائدًا، تقول: أخذت منه حقي، وازددت منه كذا. ومنه قوله تعالى: (وَازْدَادُوا تِسْعًا) [الكهف: ٢٥]، ويقال: زدته فزاد بنفسه وازداد.
ومما تنقصه الرحم وتزداده: عدد الولد، فإنها تشتمل على واحد، وقد تشتمل على اثنين وثلاثة وأربعة. ويروى أن شريكًا كان رابع أربعة في بطن أمه.
ومنه جسد الولد، فإنه يكون تامًا ومخدجًا.
ومنه: مدة ولادته، فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمسٍ عند مالكٍ. وقيل: إنّ الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي في بطن أمّه أربع سنين، ولذلك سمي هرمًا.
ومنه: الدم، فإنه يقل ويكثر.
وإن كانت مصدرية، فالمعنى: أنه يعلم حمل كل أنثى،
_________________
(١) قوله: (وخداج)، الجوهري: "أخدجت الناقة: إذا جاءت بولدها ناقص الخلق، وإن كانت أيامه تامة. وخدجت تخدج خداجًا، وهي خادج: إذا ألقت ولدها قبل تمام الأيام، وإن كان تام الخلق". قوله: (أن شريكًا)، قال صاحب "الجامع": "هو أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي، ويقال: الليثي، يعد من التابعين من أهل المدينة"، ولم يذكر من حديث
[ ٨ / ٤٧٠ ]
ويعلم غيض الأرحام وازديادها، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ومن أوقاته وأحواله.
ويجوز أن يراد غيوض ما في الأرحام وزيادته، فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها، على أنّ الفعلين غير متعدّيين، ويعضده قول الحسن: الغيضوضة أن تضع لثمانية أشهر أو أقل من ذلك، والازدياد أن تزيد على تسعة أشهر. ومنه: الغيض الذي يكون سقطًا لغير تمام، والازدياد ما ولد لتمام.
(بِمِقْدارٍ) بقدرٍ واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، كقوله (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) [القمر: ٤٩]
_________________
(١) ولادته ما ذكره المصنف. قوله: (لا يخفى عليه شيء من ذلك)، "ذلك": إشارة إلى المذكور، وهو أنه تعالى يعلم حمل كل أنثى، ويعلم غيض الأرحام وازديادها، والمراد به ما ينقصه الرحم ويزداده من عدد الولد، لأنه عطف: "ومن أوقاته وأحواله" عليه. والمراد بـ "الأحوال": التام والمخدج، وبـ "الأوقات": ما سبق، فذكر في قسم المصدر ما ذكره في الموصول من الوجوه الثلاثة. قوله: (ويجوز أن يراد: غيوض ما في الأرحام)، يريد: أن "غاض" و"ازداد" جاءا متعديين ولازمين، فالمعنى على المتعدي: ويعلم غيض الأرحام وازديادها، وعلى اللازم: يعلم غيوض الأرحام، على الإسناد المجازي. قوله: (ويعضده)، أي: ويعضد كون "ما" مصدرية قول الحسن: "الغيضوضة" و"الغيض" بلفظ المصدر.
[ ٨ / ٤٧١ ]
(الْكَبِيرُ) العظيم الشأن الذي كل شيء دونه (الْمُتَعالِ) المستعلي على كل شيء بقدرته، أو الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها.
[(سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ* لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ)].
(وسارِبٌ) ذاهبٌ في سربه - بالفتح -، أي: في طريقه ووجهه، يقال: سرب في الأرض سروبًا. والمعنى: سواءٌ عنده من استخفى، أي: طلب الخفاء في مختبأٍ بالليل في ظلمته، ومن يضطرب في الطرقات ظاهرًا بالنهار يبصره كل أحد.
فإن قلت: كان حق العبارة أن يقال: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، حتى يتناول معنى الاستواء المستخفي والسارب؛
_________________
(١) قوله: (أو الذي كبر عن صفات المخلوقين)، يعني: معنى (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) بالنظر إلى مردوفه- وهو (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) -: هو العظيم الشأن إلى آخره، ليضم مع العلم العظمة والقدرة، وبالنظر إلى ما سبق من قوله: (مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى) إلى آخره؛ أن يقال: كبر عن صفات المخلوقين؛ ليفيد تنزيهًا عما يقوله النصارى والمشركون. قال أبو البقاء: " (عَالِمُ الْغَيْبِ) خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون مبتدأ، و(الْكَبِيرُ) خبره". وقلت: يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر لقوله: (اللهُ) في (اللهُ يَعْلَمُ). قوله: (يضطرب)، أي: يسير في الأرض؛ من: ضرب في الأرض؛ إذا ذهب فيها. قوله: (كان حق العبارة)، توجيه السؤال: أن الأسلوب من باب الازدواج، فجملة
[ ٨ / ٤٧٢ ]
وإلا فقد تناول واحدًا هو (مستخف) و"سارب"؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أنّ قوله (وَسارِبٌ) عطفٌ على من هو "مستخفٍ"، لا على (مستخف)،
_________________
(١) قوله: (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) معطوف على جملة قوله: (مَنْ أَسَرَّ) (وَمَن جَهَرَ)، على أن كليهما مرفوعان بالابتداء أو بـ (سَوَاءٌ)، فالظاهر أن يقال: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار؛ ليتوافقا، وإن لم يكن التقدير هذا فقد تناول الاستواء شخصًا واحدًا له وصفان، وهو المراد من قوله: "تناول واحدًا هو (مستخف) (وَسَارِبٌ) "، فلم يستقم لاقتضاء الاستواء شيئين. قال أبو البقاء: " (مَنْ أَسَرَّ): (مَنْ) مبتدأ، و(سَوَاءٌ) خبره، و(مِنكُم) حال من الضمير في (سَوَاءٌ)، لأنه في موضع "مستو"، ومثله: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ) [الحديد: ١٠]، ويضعف أن يكون حالًا من الضمير في (أسَرَّ) لما يؤدي إلى تقيم ما في الصلة على الموصول". وقال الزجاج: "موضع (مَنْ) الأولى والثانية: رفع بـ (سَوَاءٌ)، لأنها تطلب اثنين، تقول: سواء زيد وعمرو؛ في معنى: ذوا سواء زيد وعمرو، لأنها مصدر، فلا يجوز أن ترفع ما بعده إلا على الحذف، تقول: عدل زيد وعمرو، والمعنى: ذوا عدل، لأن المصادر ليست بأسماء الفاعلين، وإنما يرفع الأسماء أوصافها، و"سواء" مما كثر استعماله، فجرى مجرى أسماء الفاعلين". قوله: «وَسَارِبٌ) عطف على "من هو مستخف" لا على (مُسْتَخْفِ»، قال في
[ ٨ / ٤٧٣ ]
والثاني: أنه عطفٌ على (مستخف)؛ إلا أن (مَنْ) في معنى الاثنين، كقوله:
نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَاذِئْبُ يصْطَحِبَانِ
كأنه قيل: سواءٌ منكم اثنان: مستخف بالليل، وسارب بالنهار.
_________________
(١) "الانتصاف": "ويحتمل أن يعطف عليه، والموصول محذوف، وصلته باقية، أي: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، وحذف الموصول المعطوف وبقاء صلته شائع، ونمه قوله تعالى: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ) [الأحقاف: ٩]، لأن الثانية لو عطفت على صلة الأولى لم يكن لدخول حرف النفي معنى. ومنه قول حسان: ومن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء أي: ومن يمدحه". قوله: (نكنمثل من يا ذئب يصطحبان)، أوله للفرزدق: تعال فإن عاهتني لا تخونني قبله: فقلت له لما تكشر ضاحكًا … وقائم سيفي من يدي بمكان "تكشر"؛ أي: أبدى أسنانه، يصف ذئبًا أتاه وهو في قفر، وأنه ألقى إليه ما يأكله، ومعنى
[ ٨ / ٤٧٤ ]
والضمير في (لَهُ) مردودٌ على (مِنْ) كأنه قيل: لمن أسرّ ومن جهر، ومن استخفى ومن سرب.
(مُعَقِّباتٌ) جماعاتٌ من الملائكة تعتقب في حفظه وكلاءته، والأصل: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، كقوله (وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ) [التوبة: ٩٠] بمعنى: المعتذرون. ويجوز "معقبات" بكسر العين، ولم يقرأ به. أو هو مفعلات؛ من: عقبه: إذا جاء على عقبه، كما يقال: قفاه، لأنّ بعضهم يعقب بعضًا. أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.
(يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) هما صفتان جميعًا، وليس (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) بصلة للحفظ، كأنه قيل: له معقبات من أمر الله. أو يحفظونه من أجل أمر الله، أي: من أجل أنّ الله أمرهم بحفظه. والدليل عليه قراءة على ﵁ وابن عباس وزيد بن علي وجعفر بن محمدٍ وعكرمة: "يحفظونه بأمر الله". أو: يحفظونه من بأس الله ونقمته إذا أذنب، بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب وينيب،
_________________
(١) ـ قوله: "وقائم سيفي في يدي بمكان": أي: أنا قابض قائم سيفي قبضًا قويًا تتمكن عليه يدي تمكنًا ليس بعده. يظهر تجلده وشجاعته، يقول: إن عاهدتني على أن لا تخونني كنا مثل رجلين متصاحبين، و"يصطحبان": صلة "من"، و"يا ذئب": نداء اعترض بين الصلة والموصول، وثنى "يصطحبان" على معنى: من، لأن معناه التثنية. قوله: (هما صفتان جميعًا)، يعني: قوله: (يَحْفَظُونَهُ) وقوله: (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، كأنه قيل: له معقبات كائنة من أمر الله يحفظونه من البلاء.
[ ٨ / ٤٧٥ ]
كقوله: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) [الأنبياء: ٤٢]. وقيل: المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان، يحفظونه في توهمه وتقديره.
(من أمر الله)؛ أي: من قضاياه ونوازله، أو على التهكم به.
وقرئ: "له معاقيب" جمع معقب أو معقبة، والياء عوض من حذف إحدى القافين في التكسير.
_________________
(١) قوله: (كقوله: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ الرَّحْمَنِ) [الأنبياء: ٤٢])، أي: ما يحفظكم من بأس الرحمن أحد في الليل والنهار إلا أن يرحم عليكم، فيدفعه عنكم أو يشفع لكم شافع بإذنه، وهو المراد من قوله: "مسألتهم ربهم أن يمهلهم رجاء أن يتوبوا". قوله: (الحرس والجلاوزة)، الجوهري: "الحرس: حرس السلطان، وهم الحراس، الواحد حرسي، لأنه قد صار اسم جنس، فينسب إليه، ولا تقل: حارس، إلا أن تذهب به إلى معنى الحراسة دون الجنس"، وقال: "الجلواز: الشرطي، والجمع: الجلاوزة"، وهم أعوان السلطان. قوله: (أو على التهكم به)، عطف على قوله: "في توهمه وتقديره" من حيث المعنى، يعني: يتوهم الغافل المتمادي في غروره أن حرسه وجلاوزته يحفظونه من قضاء الله، كما يشاهد من بعض الملوك والسلاطين، وهذا على طريق الإخبار من الله ﷿ عن هذا الغافل، أو على سبيل التهكم، أي: يتهكم بمن ينصب الحرسي والشرطي، ويتكبر ويحجب الناس، بقوله: (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، أي: من قضاياه ونوازله. قوله: (وقرئ: "له معاقيب")، قال ابن جني: "قرأها عبيد الله بن زياد"، وقال: "مثله:
[ ٨ / ٤٧٦ ]
(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ) من العافية والنعمة (حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) من الحال الجميلة بكثرة المعاصي (مِنْ والٍ) ممن يلي أمرهم ويدفعه عنهم.
[(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ* وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ)].
(خَوْفًا وَطَمَعًا) لا يصح أن يكونا مفعولًا لهما؛ لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف، أي: إرادة خوفٍ وطمعٍ. أو: على معنى: إخافة وإطماعًا. ويجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق، كأنه في نفسه خوف وطمع. أو على: ذا خوف وذا طمع. أو من المخاطبين، أي: خائفين وطامعين. ومعنى الخوف والطمع: أنّ وقوع الصواعق يخاف عند لمع البرق، ويطمع في الغيث. قال أبو الطيب:
_________________
(١) مقاديم، تكسير مقدم". قوله: (ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم)، قال القاضي: "فيه دليل على أن خلاف مراد الله محال".
[ ٨ / ٤٧٧ ]
فَتىً كَالسَّحَابِ الْجُونِ تُخْشَى وَتُرْتَجَى … يُرْجَى الْحَيَا مِنْهَا وَيُخْشَى الصَّوَاعِقُ
وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر، كالمسافر، ومن له في جرينه التمر والزبيب، ومن له بيت يكف، ومن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر، ويطمع فيه من له فيه نفع، ويحيا به.
(السَّحابَ) اسم الجنس، والواحدة سحابة. و(الثِّقالَ) جمع ثقيلةٍ، لأنك تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال، كما تقول: امرأة كريمة ونساء كرام، وهي الثقال بالماء.
(وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) ويسبح سامع الرعد من العباد الراجين للمطر حامدين له. أي: يضجون بـ"سبحان الله" و"الحمد لله". وعن النبيّ ﷺ أنه كان يقول «سبحان من يسبح الرعد بحمده» وعن علي ﵁: سبحان من سبحت له.
وإذا اشتدّ الرعد قال رسول الله ﷺ: «اللهمّ لا تقتلنا بغضبك،
_________________
(١) قوله: (فتى كالسحاب) البيت، قال الواحدي: "الجون: الأسود ها هنا، ورواه ابن جني بضم الجيم، ولذلك قال: الجون: بضم الجيم، لأنه جمع. المعنى: أنه مرجو مهيب يرجى نفعه ويهاب ضره، كالسحاب؛ يرجى مطره وتخشى صواعقه ورعده وبرقه". قوله: (في جرينه)، الجوهري: "الجرن والجرين: موضع التمر الذي يجفف". وقال: "وكف البيت وكفًا ووكيفًا وتوكافًا؛ أي: قطر، وأوكف البيت: لغة فيه". قوله: (اللهم لا تقتلنا بغضبك) الحديث، رواه الترمذي عن ابن عمر ﵄.
[ ٨ / ٤٧٨ ]
ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك»، وعن ابن عباس: أنّ اليهود سألت النبي ﷺ عن الرعد ما هو؟ فقال: «ملك من الملائكة موكل بالسحاب، معه مخاريق من نارٍ يسوق بها السحاب»، وعن الحسن: خلق من خلق الله ليس بملكٍ. ومن بدع المتصوّفة: الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم (وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) ويسبح الملائكة من هيبته وإجلاله.
ذكر علمه النافذ في كل شيء واستواء الظاهر والخفي عنده، وما دلّ على قدرته الباهرة ووجدانيته ثم قال (وَهُمْ) يعني: الذين كفروا وكذّبوا رسول الله وأنكروا آياته (يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ) حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث وإعادة الخلائق بقولهم (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) [يس: ٧٨] ويردّون الواحدانية باتخاذ الشركاء والأنداد، ويجعلونه بعض الأجسام المتوالدة بقولهم «الملائكة بنات الله» فهذا جدالهم بالباطل، كقوله تعالى: (وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) [غافر: ٥] وقيل: الواو للحال،
_________________
(١) قوله: (أن اليهود سألت النبي ﷺ عن الرعد) الحديث، رواه أحمد بن حنبل والترمذي عن ابن عباس. النهاية: "المخاريق: جمع مخراق، وهو- في الأصل- ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضًا، وهي آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه". قوله: (وقيل: الواو للحال)، أي: في قوله: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ)، وهو معطوف على قوله: "ذكر علمه النافذ في كل شيء" إلى قوله: "ثم قال: (وَهُمْ) يعني: الذين كفروا"، فعلى هذا: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ) جملة معطوفة على جملة قوله: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى) إلى آخر الآيات إذا كان استئنافًا كما سبق، أي: أخبر الله تعالى عن علمه الشامل وقدرته
[ ٨ / ٤٧٩ ]
أي: فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم، وذلك: أنّ أربد أخا لبيد ابن ربيعة العامري قال لرسول الله ﷺ- حين وفد عليه معه عامر بن الطفيل قاصدين لقتله، فرمى الله عامرًا بغدّةٍ كغدّة البعير، وموتٍ في بيت سلولية، وأرسل على أربد صاعقة فقتلته: أخبرنا عن ربنا، أمن نحاس هو أم من حديد؟
_________________
(١) الكاملة بقوله: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى) إلى قوله: (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ)، ثم أخبر عن استواء الظاهر والخفي عنده بقوله: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ)، ثم أخبر عما دل على قدرته الباهرة (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ)، ثم أخبر عن وحدانيته بقوله: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا)، وقوله: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ)، ثم قال: إنهم مع قال (يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ)، أي: في شأن الله من علمه وقدرته؛ حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث بقولهم: من يحيي العظام وهي رميم، ويردون الوحدانية باتخاذ الشركاء، ويجعلونه بعض الأجسام بقولهم: الملائكة بنات الله. هذا على تقرير المصنف. والأنسب لتأليف النظم: أن يكون هذا تسلية لحبيبه صلوات الله عليه، فإنه تعالى لما نعى على كفار قريش عنادهم في اقتراحهم الآيات نحو آيات موسى وعيسى ﵉، وإنكارهم الذي جاء به صلوات الله عليه آيات، سلاه، بمعنى: هون عليك فإنك لست مختصًا به، فإنهم مع ظهور الآيات البينات ودلائل التوحيد يجادلون في الله باتخاذ الشركاء وإثبات الأولاد، ومع شمول علمه وكمال قدرته ينكرون الحشر والنشر، ومع قهر سلطانه وشديد سطواته يقدمون على المكابرة والعناد، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. وقد أسلفنا في الأنعام عند قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠] تقرير هذه الطريقة، فإنها من الأساليب الغريبة، ولا يكاد يوجد مثلها في غير التنزيل. قوله: (بغدة كغدة البعير)، النهاية: "الغدة: الطاعون للإبل، وقلما تسلم منه، يقال:
[ ٨ / ٤٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أغد البعير فهو مغد، ومنه حديث عامر بن الطفيل: "غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية". قال الميداني: "ويروى: "أغدة وموتًا"، أي: أؤغد إغدادًا وأموت موتًا؟ يقال: أغد البعير: إذا صار ذا غدة، وهي طاعونه. ومنهم من روى بالرفع، أي: غدتي كغدة البعير، وموتي موت في بيت سلولية، وسلول عندهم أقل العرب وأذلهم، قال: إلى الله أشكو أنني بت طاهرًا … فجاء سلولي فبال على رجلي فقلت: اقطعوها بارك الله فيكم … فإني كريم غير مدخلها رحلي" روى محيي السنة عن عبد الرحمن بن زيد: "نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل والوليد ابن ربيعة، وكانت قصتهما على ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أقبل
[ ٨ / ٤٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عامر وأربد- وهما عامريان- يريدان رسول الله ﷺ، وهو جالس في المجلس ونفر من أصحابه، فدخلا المسجد، فاستشرف الناس بجمال عامر، وكان أعور، وكان من أجمل الناس، فقال رجل: يا رسول الله، هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك. فقال: "دعه، فإن يرد الله به خيرًا يهده". فأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد، ما لي إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين، وعليك ما على المسلمين، قال: تجعل لي الأمر بعدك؟ قال: ليس ذلك إلي، وإنما ذلك إلى الله ﷿ يجعله حيث يشاء. قال: فتجعلني على الوبر، وأنت على المدر؟ قال: لا. قال: فما تجعل لي؟ قال: أجعلك على أعنة الخيل تغزو عليها. قال: أوليس ذلك لي اليوم؟ ! قم معي أكلمك. فقام معه رسول الله ﷺ، وكان أوصى إلى أربد: إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف، فجعل يخاصم رسول الله ﷺ ويراجعه، فدار أربد خلف النبي ﷺ ليضربه، فاخترط من سيفه شبرًا، ثم حبسه الله عنه، فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومئ إليه، فالتفت رسول الله ﷺ، فرأى أربد وما صنع بسيفه، فقال: اللهم اكفنيهما بما شئت. فأرسل الله تعالى إلى أربد صاعقة في يوم صحو قائظ، فأحرقته، وولى عامر هاربًا،
[ ٨ / ٤٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال: يا محمد، دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأنها خيلًا جردًا وفتيانًا مردًا، فقال النبي ﷺ: يمنعك الله من ذلك، وأبناء قيلة- يريد: الأوس والخزرج-، ونزل عامر ببيت امرأة سلولية، فلما أصبح ضم عليه سلاحه، وقد تغير لونه، فجعل يركض في الصحراء، ويقول: ابرز يا ملك الموت، ويقول الشعر، ويقول: واللات لئن أبصرت محمدًا وصاحبه- يعني: ملك الموت- لأنفذنهما برمحي، فأرسل الله ملكًا فلطمه بجناحيه، فأرداه في التراب، وخرجت في ركبته في الوقت غدة عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية، وهو يقول: غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية. ثم دعا بفرسه فركبه، ثم أجراه، حتى مات على ظهره". قال الميداني بعدما أتى على القصة بتمامها: "يضرب في خصلتين؛ إحداهما شر من الأخرى". وأما ما رويناه في "صحيح البخاري" عن أنس بن مالك، فهو: "أن رسول الله ﷺ بعث خاله في سبعين راكبًا، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خير بين ثلاث خصال، فقال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان بألف ألف، وطعن عامر في بيت أم فلان، فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي، فمات على ظهره".
[ ٨ / ٤٨٣ ]
(الْمِحالِ) المماحلة، وهي شدّة المماكرة والمكايدة. ومنه: تمحل لكذا، إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه. ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان. ومنه الحديث: «ولا تجعله علينا ماحلًا مصدّقا» وقال الأعشى:
فَرْعُ نَبْعٍ يَهَشُّ فِى غُصُنِ الْمَجْدِ … غَزِيرُ النّدَى شَدِيدُ الْمِحَالِ
والمعنى: أنه شديد المكر والكيد لأعدائه، يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون.
_________________
(١) قوله: (ولا تجعله علينا ماحلًا مصدقًا)، قيل: تمامه: "واجعله لنا شافعًا مشفعًا"، والضمير للقرآن. النهاية: "ومنه حديث ابن مسعود: "القرآن شافع مشفع، وماحِلٌ مصدق"، أي: خصم مجادل مصدق، وقيل: ساع مصدق؛ من قولهم: محل بفلان؛ إذا سعى به إلى السلطان، يعني: أن من اتبعه وعمل بما فيه، فإنه شافع له مقبول الشفاعة ومصدق عليه فيما يرفع من مساوئه إذا ترك العمل [به]، ومنه حديث الدعاء: ولا تجعله ماحلًا مصدقًا". قوله: (فرع نبع) البيت، فرع كل شيء: أعلاه، يقال: هو فرع قومه: للشريف منهم،
[ ٨ / ٤٨٤ ]
وقرأ الأعرج بفتح الميم، على أنه مفعل، من: حال يحول محالًا إذا احتال. ومنه: أحول من ذئب، أي: أشدّ حيلة.
ويجوز أن يكون المعنى: شديد الفقار، ويكون مثلًا في القوة والقدرة كما جاء: فساعد الله أشدّ، وموساه أحدّ، لأن الحيوان إذا اشتدّ محاله، كان منعوتًا بشدّة القوّة والاضطلاع بما يعجز عنه غيره
_________________
(١) والفرع أيضًا: القوس التي عملت من طرف القضيب، يقال: قوس فرع؛ أي: غير مشقوق، وها هنا بمعنى الثاني، إلا أنه مجاز عن الكريم. و"النبع": شجر تتخذ منه القسي، "الهشاشة": الارتياح والخفة للمعروف، "غزير الندى": كثير العطاء، "شديد المحال": شديد الكيد، وقيل: شديد العقوبة والمكر. يقول: الممدوح في الصلابة فرع النبع له نضارة في غصن المجد، كثير الندى شديد النكاية على الأعداء. قوله: (ومنه: "أحول من ذئب")، قال الميداني: "هذا من الحيلة، يقال: تحول الرجل؛ إذا طلب الحيلة". قوله: (شديد الفقار)، الأساس: "فرس قوي المحال، وهو الفقار، الواحدة: محالة، والميم أصلية". قوله: (فساعد الله أشد)، النهاية: "وفي حديث البحيرة: "ساعد الله أشد، وموساه أحد"؛
[ ٨ / ٤٨٥ ]
ألا ترى إلى قولهم: فقرته الفواقر؟ وذلك أن الفقار عمود الظهر وقوامه.
[(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ)].
(دَعْوَةُ الْحَقِّ) فيه وجهان: أحدهما: أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل، كما تضاف الكلمة إليه في قولك: كلمة الحق، للدلالة على أن الدعوة ملابسة للحق مختصة به، وأنها بمعزل من الباطل. والمعنى أن الله سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة، ويعطى الداعي سؤاله إن كان مصلحة له، فكانت دعوة ملابسة للحق،
_________________
(١) أي: لو أراد الله ﷿ تحريمها بشق آذانها لخلقها كذلك، فإنه يقول لها: كن، فتكون". قوله: (فقرته الفواقر)، الجوهري: "أي: كسرت فقار ظهره، الفاقرة: الداهية"، هذا مثال التوهين القوي لانهضام فقار الظهر. قوله: (فكانت دعوة ملابسة للحق)، الفاء نتيجة لقوله: "المعنى: أن الله ﷾ يدعى فيستجيب"، واللام في "لكونه" تعليل لإثبات أن الدعوة لله ملابسة للحق، وذلك أن معنى قوله تعالى: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ): لله الدعوة الثابتة غير الزائلة، فإذا كان كذلك كانت الدعوة ملابسة للحق البتة، لكونه تعالى حقيقًا بأن يوجه إليه الدعاء، لما في دعوته من النفع، بخلاف آلهتهم التي لا نفع ولا جدوى في دعائها، يؤيده ما بعده: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ). قال صاحب "الانتصاف": "قوله: "فإن الله يستجيب الدعاء إذا كان مصلحة، أو معناه: أنه الحقيق أن يوجه إليه الدعاء، بخلاف الأوثان"، قيد استجابة الدعاء برعاية المصلحة، ولا يتقيد بذلك، ولا يجب رعاية المصالح على ما سبق".
[ ٨ / ٤٨٦ ]
لكونه حقيقًا بأن يوجه إليه الدعاء، لما في دعوته من الجدوى والنفع، بخلاف ما لا ينفع ولا يجدى دعاؤه.
والثاني: أن تضاف إلى الحق الذي هو الله عز وعلا، على معنى: دعوة المدعوّ الحق الذي يسمع فيجيب. وعن الحسن: الحق هو الله، وكلّ دعاء إليه دعوة الحق.
فإن قلت: ما وجه اتصال هذين الوصفين بما قبله؟ قلت: أما على قصة أربد فظاهر، لأن إصابته بالصاعقة محال من الله ومكر به من حيث لم يشعر. وقد دعا رسول الله ﷺ عليه وعلى صاحبه بقوله: اللهمّ اخسفهما بما شئت، فأجيب فيهما، فكانت الدعوة دعوة حق. وأما على الأوّل فوعيد للكفرة على مجادلتهم رسول الله بحلول محاله بهم، وإجابة دعوة رسول الله ﷺ أن دعا عليهم فيهم.
_________________
(١) قوله: (أن تضاف إلى الحق الذي هو الله تعالى)، هذا مشكل لما يؤدي إلى أن يقال: لله دعوة الله، ويمكن أن يقال: معناه: ولله الدعوة التي تليق أن تنسب وتضاف إلى حضرته، لكونه سميعًا بصيرًا كريمًا لا يخيب سائله، فيجيب الدعاء. والحاصل: أن قوله: (الْحَقِّ) وصف جعل علة لاستجابة الدعاء، فإن جعل بمعنى الحق الذي هو خلاف الباطل، فيجب أن يفسر بالمصلحة، لتترتب عليها الإجابة، وإن جعل وصفًا لله تعالى فيجب أن يثبت له وصف يصلح لترتب الإجابة، وهو أن يقال: إنه "المدعو الحق الذي يسمع فيجيب". قوله: (اتصال هذين الوصفين)، أي: قوله: (شَدِيدُ الْمِحَالِ) و(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) هما جملتان خبريتان سماهما وصفين لما قبله، وهو قوله: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ)، وهو إذا كان حالًا، والمراد بذي الحال: أربد وصاحبه؛ فظاهر، لأن أثر شدة بأس الله واقع، والدعاء قد استجيب فيهم، وإذا كان عطفًا على قوله: (اللهُ يَعْلَمُ) كما سبق- وهو الوجه الأول في تفسيره- فلم يحصل من مقتضى الوصفين شيء، ومن ثم قال: "فوعيد للكفرة على مجادلتهم".
[ ٨ / ٤٨٧ ]
(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ) والآلهة الذين يدعوهم الكفار (مِنْ) دون الله (لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ) من طلباتهم (إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ) إلا استجابةً كاستجابة باسط كفيه، أي: كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جمادٌ لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جمادٌ لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم. وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه،
_________________
(١) ـ قوله: (إلا استجابة كاستجابة)، الإجابة والاستجابة بمعنى، قال: وداع دعا: يا من يجيب إلى الندى … فلم يستجبه عند ذاك مجيب قوله: (كاستجابة الماء)، من إضافة المصدر إلى الفاعل، و"من" مفعوله. قوله: (وقيل: شبهوا في قلة جدوى)، عطف على قوله: "أي: كاستجابة الماء من بسط كفيه". والوجه الأول: من التشبيه التمثيلي؛ شبه حالة عدم استجابة الأصنام دعاءهم، وأنهم لم يفوزوا من دعائهم الأصنام بالإجابة والنفع بحالة عدم استجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب أن يبلغ فاه، والوجه عدم استطاعة إجابة الدعاء مع العجز عن إيصال النفع، وهو- كما يرى- منتزع من عدة أمور. روى محيي السنة عن علي وعطاء: "كالعطشان الجالس على شفة البئر، يمد يده إلى
[ ٨ / ٤٨٨ ]
فبسطهما ناشرًا أصابعه، فلم تلق كفاه منه شيئًا ولم يبلغ طلبته من شربه.
وقرئ: "تدعون" بالتاء، "كباسطٍ كفيه" بالتنوين. (إِلَّا فِي ضَلالٍ) إلا في ضياعٍ لا منفعة فيه؛ لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم، وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم.
[(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ)].
(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ) أي: ينقادون لإحداث ما أراده فيهم من أفعاله، شاءوا أو أبوا. لا يقدرون أن يمتنعوا عليه،
_________________
(١) البئر، ولا يبلغ قعر البئر، ولا يرتفع إليه، فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء ودعاؤه". والثاني: من التشبيه المركب العقلي، شبهوا في عدم انتفاعهم بدعاء آلهتهم بشخص يروم من الماء الشرب، ويفعل ما لا يحصل منه على شيء، والوجه قلة جدوى توخي المطلوب. قال محيي السنة: "المعنى: كباسط كفيه ليقبض على الماء لا يكون في يده شيء، ولا يبلغ إلى فيه منه شيء، كذلك الذين يدعون الأصنام، لا ينفعهم دعاؤها، وهي لا تقدر على شيء". قوله: (فلم تلق كفاه)، "تلق" من: لاق؛ أي: أمسك، وعن بعضهم: لاقت الدواة تليق؛ أي: لصقت، ولقتها- يتعدى ولا يتعدى- فهي مليقة: إذا أصلحت مدادها، وألقتها إلاقة: لغة فيه قليلة، وفلان لا يليق درهمًا موجودة؛ أي: ما يمسكه، فلا يلصق به. قوله: «وَللهِ يَسْجُدُ) أي: ينقادون)، جعل (يَسْجُدُ) مجازًا عن الانقياد؛ لينتزع منه القدر المشترك، فيصح إطلاقه على العقلاء الساجدين وغيرهم، وعلى ظلالهم أيضًا. قال القاضي: "يحتمل أن يكون السجود على حقيقته، فإنه يسجد له الملائكة والمؤمنون
[ ٨ / ٤٨٩ ]
وتنقاد له ظِلالُهُمْ أيضًا حيث تتصرف على مشيئته في الامتداد والتقلص، والفيء والزوال. وقرئ: "بالغدوّ والإيصال"، من: آصلوا: إذا دخلوا في الأصيل.
[(قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ)].
_________________
(١) من الثقلين طوعًا حالتي الشدة والرخاء، والكفرة كرهًا حالة الشدة والضرورة، وظلالهم بالعرض، وان يراد به انقيادهم لإحداث ما أراده فيهم؛ شاؤوا أو كرهوا، وانقياد ظلالهم لتصريفه إياها بالمد والتقليص، وانتصاب (طَوْعًا وَكَرْهًا) بالحال أو العلة". قوله: (والتقلص)، الجوهري: "يقال: قلص الظل، وقلص الماء: إذا ارتفع". قوله: (والفيء والزوال)، الفيء: ما بعد الزوال من الظل، وإنما سمي الظل فيئًا لرجوعه من جانب إلى جانب، قال ابن السكيت: الظل: ما نسخته الشمس، والفيء: ما نسخ الشمس. قوله: (وقرئ: "بالغدو والإيصال")، قال ابن جنيك "قرأها أبو مجلز، وهو مصدر "آصلنا"؛ أي: دخلنا في وقت الأصيل".
[ ٨ / ٤٩٠ ]
و(قُلِ اللَّهُ) حكاية لاعترافهم، وتأكيد لم عليهم، لأنه إذا قال لهم: من رب السموات والأرض؟ لم يكن لهم بُدّ من أن يقولوا الله. كقوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) [المؤمنون: ٨٦]، وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟، فإذا قال: هذا قولي قال: هذا قولك، فيحكي إقراره تقريرًا له عليه واستيثاقا منه، ثم يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت.
ويجوز أن يكون تلقينًا؛ أي: إن كعوا عن الجواب فلقنهم، فإنهم يتلقنونه ولا يقدرون أن ينكروه.
(أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من دونه أولياء، فجعلتم ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من علمكم وإقراركم سبب الإشراك (لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا) لا يستطيعون لأنفسهم أن ينفعوها أو يدفعوا عنها ضررًا، فكيف يستطيعونه لغيرهم وقد آثرتموهم على الخالق الرازق المثيب المعاقب، فما أبين ضلالتكم.
_________________
(١) قوله: (كعوا في الجواب)، الأساس: "كع الرجل وكعكعه الخوف فتكعكع، أي: حبسه فاحتبس". قوله: (أبعد أن علمتموه رب السماوات)، يريد: أن الفاء في قوله: (أَفَاتَّخَذْتُمْ) سببية مرتبة للكلام الثاني على الأول، وأدخل همزة الإنكار بين المسبب والسبب للتعكيس، كقوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢]، وهذه الفاء مثل الفاء التي أتى بها في المثال، وهو قوله: "ثم يقول له: فيلزمك على هذا القول: كيت وكيت". قوله: (من علمكم وإقراركم)، أما علمكم فأنكم تعلمون أنه رب السماوات والأرض، وأما إقراركم فجوابكم إذا سئلتم: من رب السماوات والأرض؟
[ ٨ / ٤٩١ ]
(أَمْ جَعَلُوا) بل اجعلوا، ومعنى الهمزة الإنكار و(خَلَقُوا) صفةٌ لـ (شركاء)، يعني أنهم لم يتخذوا لله شركاء خالقين قد خلقوا مثل خلق الله (فَتَشابَهَ) عليهم خلق الله وخلقهم، حتى يقولوا: قدر هؤلاء على الخلق كما قدر الله عليه،
_________________
(١) قوله: (حتى يقولوا)، غاية لقوله: "فتشابه"، ومعنى النفي في قوله: "لم يتخذوا" يعطيه معنى الهمزة الإنكارية في "أم"، فيكون المنكر الجعل مع مفعوليه والصفة. قال في "الانتصاف": " (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ) في سياق الإنكار: تهكم، فإن غير الله لا يخلق شيئًا، لا مساويًا ولا منحطًا، فقد كان يكفي في الإنكار أن الآلهة التي اتخذوها لا تخلق، لكن قوله: (كَخَلْقِهِ) تهكم، والزمخشري لا يستطيع ذكر هذه النكتة، لأن الله ربهم يخلق الجواهر والأعراض، والعبيد لا يخلقون سوى أفعالهم، وفي قوله: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) إلجام لأفواه المشركين والقدرية، فلذلك تقاصر لسان الزمخشري هنا، وقرت شقاشقه". وقلت: أما قضية المذهب هنا، وقوله: "لا يقدرون على ما يقدر عليه من الخلق": فبطلانه بقوله تعالى: (قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ظاهر، وأما إثبات التهكم فمتكلف، لأن التهكم هو ذكر الشيء وإرادة نقيضه استحقارًا للمخاطب، كقوله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: ٢١]، وقولهم: (إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) [هود: ٨٧]، وها هنا قوله: (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ) مبالغة في إثبات العجز لها على سبيل الاستدراج وإرخاء العنان،
[ ٨ / ٤٩٢ ]
فاستحقوا العبادة، فنتخذهم له شركاء ونعبدهم كما يعبد، إذ لا فرق بين خالقٍ وخالقٍ، ولكنهم اتخذوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق، فضلًا أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق.
(قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) لا خالق غير الله، ولا يستقيم أن يكون له شريك في الخلق، فلا يكون له شريك في العبادة (وَهُوَ الْواحِدُ) المتوحد بالربوبية (الْقَهَّارُ) لا يغالب، وما عداه مربوب ومقهور.
[(أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ)].
هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه، كما ضرب الأعمى والبصير والظلمات والنور مثلًا لهما،
_________________
(١) فإنه تعالى لما أنكر عليهم أولًا اتخاذهم من دون الله شركاء، ووصفها بأنها لا تملك لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فكيف لغيرهم؟ ! أنكر ثانيًا على سبي التدرج وصف الخلق أيضًا، يعني: هب أنهم يقدرون على نفع أنفسهم وعلى نفع عبدتهم، هل يقدرون أن يخلقوا شيئًا؟ وهب أنهم قادرون على خلق بعض الأشياء، هل يقدرون على ما يقدر عليه الخالق من خلق السماوات والأرض؟ . قوله: (كما ضرب الأعمى والبصير، والظلمات والنور، مثلًا لهما)، بيان لاتصال الآيات،
[ ٨ / ٤٩٣ ]
فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله من السماء فتسيل به أوديةُ الناس فيحيون به وينفعهم أنواع المنافع، وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحليّ منه واتخاذ الأوانى والآلات المختلفة، ولو لم يكن إلا الحديد الذي فيه البأس الشديد لكفى به، وأن ذلك ماكث في الأرض باق بقاء ظاهرًا، يثبت الماء في منافعه. وتبقى آثاره في العيون والبئار والجبوب، والثمار التي تنبت به مما يدّخر ويكنز،
_________________
(١) وذلك أنه تعالى لما أمره صلوات الله عليه أن يبكت المشركين بقوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ)، ثم يؤنبهم بقوله: (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)، ويوبخهم على تعكيس الأمر، وهو أنه من علم أنه رب السماوات والأرض وجب عليه أن يعبده ويوحده، فهم جعلوا العلم سببًا للإشراك به، ذيله بضرب المثل بالأعمى والبصير، والظلمات والنور، ولما أضرب عن ذلك بقوله: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) أي: شركاء مخلوقين عاجزين لا يقدرون على نفع أنفسهم، فكيف بغيرهم؟ ! وتركوا عبادة خالق كل شيء المتوحد المتفرد الغالب على كل شيء، عقبه بضرب مثل آخر. قوله: (وبالفلز الذي ينتفعون به)، النهاية: "الفلز- بكسر الفاء واللام وتشديد الزاي-: ما في الأرض من الجواهر المعدنية، كالذهب والفضة والنحاس والرصاص وغيرها، قيل: هو ما ينفيه الكير، ومنه حديث علي ﵁: (من فلز اللجين والعقيان) ". قوله: (مما يدخر ويكنز)، خبر لقوله: "والحبوب والثمار"، وفيه لف؛ لأن الادخار مختص بالحبوب، والاكتناز بالثمار.
[ ٨ / ٤٩٤ ]
وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة. وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله وانسلاخه عن المنفعة، بزيد السيل الذي يرمي به، وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب.
فإن قلت: لم نكرت الأودية؟ قلت: لأن المطر لا يأتى إلا على طريق المناوبة بين البقاع، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.
فإن قلت: فما معنى قوله (بِقَدَرِها)؟ قلت: بمقدارها الذي عرف الله أنه نافعٌ للممطور عليهم غير ضارّ. ألا ترى إلى قوله: (وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ)
_________________
(١) الراغب: "الكنز: جعل المال بعضه على بعض وحفظه، وأصله من: كنزت التمر في الوعاء، زمن الكناز: وقت ما يكنز فيه التمر". قوله: (ألا ترى إلى قوله: (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ»، يعني: دل التفصيل- وهو قوله: (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ) - أن هذا المجمل أيضًا مشتمل على هذا المعنى، ليتطابق التفصيل والمجمل، وليس فيه ما يدل على النفع إلا قوله: (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)، فيجب تفسيره به، ويؤيده قوله: "الفائدة فيه- أي: في (ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ) - كالفائدة في قوله: (بِقَدَرِهَا) "، لأنهما متقابلان. واعلم أن الآية من "باب الجمع والتقسيم مع الجمع" على أبدع ما يكون؛ جمع أولًا
[ ٨ / ٤٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الماء والفلز في حكم كونهما جامعين لمعنى ما ينتفع به الناس ولما لا نفع فيه، فإنزال الماء على القدر المحتاج إليه خالص للنفع، وحميله- الذي هو زبد السيل- لا نفع فيه، وكذا الفلز: ما يتخذ منه الحلي والأواني هو المنتفع به، وخبثه الذي هو زبده مما لا نفع فيه، ثم فصل ثانيًا حكم كل من اللذين لا نفع فيهما على طريق الجمع، بقوله: (فَأَمَّا الزَّبَدُ) إلى آخره، أي: كل مما لا نفع فيه من زبد الماء وزبد الفلز يذهب جفاء، وكل من المنتفع بهما- وهما الماء المنزل بقدر والفلز المتخذ منه الحلي والمتاع- يمكث في الأرض. قال محيي السنة: "قيل: قوله: (أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً) مثل للقرآن، و"الأودية" مثل للقلوب، أي: أنزل القرآن، واحتمل منه القلوب على قدر اليقين والعقل والشك والجهل". وقلت: ومقتضى إدخال القرآن والقلوب الموصوفة باليقين والشك والعقل والجهل في هذا المقام قوله تعالى بعد ضرب المثل: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى) الآية، وقوله: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى). وقال السجاوندي: إن لله تعالى في الأنبياء والأصفياء ودائع وبدائع من خصائص الإنسانية، تحصل بالسهو وتذهب بالعبر، والأنوار العلوية- أعني: آثار الهداية- بالعلم والقرآن يتأثر بها من الأخلاق ما هو حلية الروح والعقل، ومن الأعمال ما هو قنية النفع والدفع، والعلم في الصدر الأول آت من الله تعالى نقدًا خاليًا من خلائط الزيف
[ ٨ / ٤٩٦ ]
لأنه ضرب المطر مثلًا للحق، فوجب أن يكون مطرًا خالصًا للنفع خاليًا من المضرة، ولا يكون كبعض الأمطار والسيول الجواحف.
فإن قلت: فما فائدة قوله (ابْتِغاءَ حلية أو متاع)؟ قلت: الفائدة فيه كالفائدة في قوله (بِقَدَرِها)؛ لأنه جمع الماء والفلز في النفع في قوله: (وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ)، لأنّ المعنى: وأما ما ينفعهم من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع مما يوقد عليه منه ويذاب، وهو الحلية والمتاع. وقوله: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ) عبارةٌ جامعةٌ لأنواع الفلز، مع إظهار الكبرياء في ذكره على وجه التهاون به،
_________________
(١) صافيًا عن سؤال الكيف، ثم اختلط بشوائب النفسانية وهواجس الإنسانية، فلابد من نار الفتن، واختبار المحن؛ لزوال زبد الخبث، وقوام أود العبث، ومن تحمل التعليم، والاتصاف بالتسليم، ليذهب الزبد جفاء، وإلا مات عطشًا، ودام نجسًا، قال: إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى … ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه هذا مختصر من كلامه. قوله: (والسيول الجواحف)، الجوهري: "سيل جحاف- بالضم-: إذا جرف كل شيء وذهب به". قوله: (على وجه التهاون به)، وذلك أن في قوله: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ)
[ ٨ / ٤٩٧ ]
كما هو هجيرى الملوك، نحو ما جاء في ذكر الآجر (فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ) [القصص: ٣٨].
و«من» لابتداء الغاية؛ أي: ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء. أو للتبعيض بمعنى وبعضه زبدًا رابيًا منفخًا مرتفعًا على وجه السيل.
(جُفَاءً) يجفاهُ السَّيل؛ أي: يرمي به. وجفأت القدر بزبدها، وأجفأ السيل وأجفل. وفي قراءة رؤبة ابن العجاج: "جفالًا"، وعن أبي حاتم: لا يقرأ بقراءة رؤبة، لأنه كان يأكل الفأر
_________________
(١) عدولًا من الاسم إلى تصوير حالة هي أحط حالات هذه الجواهر، أي: هذه التي ترفعون أنتم من مقدارها، وتعدونها أنفس الجواهر، وتتخذون منها الحلي، وتزينون بها مجالسكم وتيجانكم، هي هذه التي توقدون عليها، كقوله تعالى: (فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) [الطارق: ٥ - ٦]، وقوله: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ* مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) [عبس: ١٨ - ١٩]، قال: "من أي شيء حقير خلقه". قوله: (أو للتبعيض)، قال أبو البقاء: " (زَبَدٌ) مبتدأ، و(مِثْلُهُ) الصفة، والخبر "مما يوقدون"، المعنى: ومن جواهر الأرض كالنحاس ما فيه زبد- وهو خبثه- مثله، أي: مثل الزبد الذي يكون على الماء". قوله: «جُفَاءً) يجفاه السيل)، قال أبو البقاء: "هو حال، وهمزته منقلبة عن واو، وقيل: هي أصل".
[ ٨ / ٤٩٨ ]
وقرئ: يوقدون، بالياء: أي: يوقد الناس.
[(لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَاواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ)].
(لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا) اللام متعلقة بـ (يضرب)، أي: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا، وللكافرين الذين لم يستجيبوا، أي: هما مثلًا الفريقين. و(الْحُسْنى) صفةٌ لمصدر "استجابوا"؛ أي: استجابوا الاستجابة الحسنى. وقوله (لَوْ أَنَّ لَهُمْ) كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين. وقيل: قد تم الكلام عند قوله (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ) [الرعد: ١٧]، وما بعده كلام مستأنف و(الحسنى) مبتدأ، خبره: (لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا)، والمعنى: لهم المثوبة الحسنى، وهي الجنة (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا) مبتدأ، خبره: (لو) مع ما في حيزه و(سُوءُ الْحِسابِ) المناقشة فيه، وعن النخعي: أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: (يُوقِدُونَ) بالياء)، التحتانية؛ حمزة وحفص والكسائي. قوله: (وقيل: قد تم الكلام عند قوله: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ»، قال صاحب "المرشد": "هو وقف تام، وفي قوله: (لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى) حسن، وكذا (لافْتَدَوْا بِهِ) ".
[ ٨ / ٤٩٩ ]
[(أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ)].
دخلت همزة الإنكار على الفاء في قوله (أَفَمَنْ يَعْلَمُ) لإنكار أن تقع
_________________
(١) وقال القاضي: "قوله: (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ) على أن يتعلق (لِلَّذِينَ) بـ (يَضْرِبُ): كلام مبتدأ لبيان مآل غير المستجيبين". وقلت: النظم يستدعي الثاني، لأن الفصاحة على انقطاع ما بعد الفاصلة عنها، ولهذا انحط قول امرئ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي … بصبح وما الإصباح منك بأمثل عن قول أبي الطيب: إذا كان مدحًا فالنسيب المقدم … أكل فصيح قال شعرًا متيم ولأن لفظ (الْحُسْنَى) لما تعلق بأحد القرينتين أوجب أن لا يعطل ما يقابلها عن أختها؛ لئلا يخترم النظم، كأنه قيل: للذين استجابوا لربهم الحسنى، والذين لم يستجيبوا لربهم السوأى، فوضع موضعه: (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) إلى آخره، وإنما اكتفى في الأول بـ (الْحُسْنَى) المطلقة ليعم، فيكون أبلغ، لأن جانب الحسنة أرجح. قوله: (دخلت همزة الإنكار على الفاء)، يريد: أن الفاء في (أَفَمَن) للتعقيب، والهمزة مقحمة بين المعطوف والمعطوف عليه لمزيد الإنكار، والمعطوف عليه جملة قوله: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ) الآية، المعنى: ضرب الله الأمثال للمؤمنين
[ ٨ / ٥٠٠ ]
شُبهة بعد ما ضرب من المثل في أنّ حال من علم (أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) فاستجاب، بمعزل من حال الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب: كبعد ما بين الزبد والماء، والخبث والإبريز. (إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) أي: الذين عملوا على قضيات عقولهم، فنظروا واستبصروا.
[(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ* وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
_________________
(١) المستجيبين والكافرين الذين لم يستجيبوا، أفيستوي الذين يعلمون ما أنزل إليك، فيستجيبون، والذين لا يعلمون فلا يستجيبون؟ ! وإليه الإشارة بقوله: "إن حال من علم فاستجاب بمعزل من حال الجاهل فلم يستجب، كبعد ما بين الزبد والماء، والخبث والإبريز". ثم إنك إن أمعنت النظر وجدت قوله: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) وما ترتب هو عليه: متصلًا بفاتحة السورة، يعني: بقوله: (وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) [الرعد: ١]. قوله: (كبعد ما بين الزبد)، صفة مصدر محذوف، أي: بعد حالهم من حال الجاهل بعدًا مثل بعد ما بين الزبد والماء. قوله: (أي: الذين عملوا على قضيات عقولهم)، الراغب: "اللب: العقل الخالص من الشوائب، وسمي بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من قواه، كاللباب من الشيء، وقيل: هو ما زكى من العقل، فكل لب عقل، وليس كل عقل لبًا، ولهذا علق الله تعالى الأحكام التي لا تدركها إلا العقول الزاكية بأولي الألباب، نحو: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ
[ ٨ / ٥٠١ ]
وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ* وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)].
(الذين يوفون بعهد الله) مبتدأ، و(أولئك لهم عقبى الدار) خبره، كقوله: (والذين ينقضون عهد الله) [الرعد: ٢٥] أولئك لهم اللعنة. ويجوز أن يكون صفة لـ"أولي الألباب"، والأوّل أوجه. و"عهد الله": ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته؛ (وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) [الأعراف: ١٧٢]. (وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ) ولا ينقضون كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه؛ من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، تعميم بعد تخصيص.
_________________
(١) أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [البقرة: ٢٦٩]، ورجل لبيب من قوم ألباء، وملبوب: معروف باللب". قوله: (والأول أوجه)، وذلك لمكان الاستئناف عند قوله: (الَّذِينَ يُوفُونَ)؛ لبيان الموجب، كقوله تعالى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: ٢ - ٣]، على ما مر في البقرة، ولعطف قوله: (وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ) عليه، وهو غير صالح لوصف أولي الألباب. قوله: (تعميم بعد تخصيص)، يعني: عطف قوله: (وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ) - وهو عام لأن التعريف فيه للجنس- على قوله: (يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ)، والمراد: ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته، وهو خاص، كما عطف: (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) على قوله: (يَصِلُونَ) على هذا، لأن خشية الله ملاك كل خير، وأما عطف (وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) على "يخشون"،
[ ٨ / ٥٠٢ ]
(ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) من الأرحام والقرابات، ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: ١٠]- بالإحسان إليهم على حسب الطاقة، ونصرتهم، والذب عنهم، والشفقة عليهم، والنصيحة لهم، وطرح التفرقة بين أنفسهم وبينهم، وإفشاء السلام عليهم، وعيادة مرضاهم، وشهود جنائزهم. ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر، وكل ما تعلق منهم بسبب، حتى الهرة والدجاجة. وعن الفضيل بن عياض أنّ جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟ قالوا: من أهل خراسان. قال: اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أنّ العبد لو أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين.
(وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أي: يخشون وعيده كله، (وَيَخافُونَ) خصوصًا (سُوءَ الْحِسابِ) فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
(صَبَرُوا) مطلقٌ فيما يصبر عليه من المصائب في النفوس والأموال ومشاق التكليف ابْتِغاءَ وَجْهِ الله، لا ليقال: ما أصبره وأحمله للنوازل، وأوقره عند الزلازل، ولا لئلا يعاب بالجزع ولئلا يشمت به الأعداء كقوله:
وَتَجَلُّدِى لِلشّامِتِينَ أُرِيهِمُ
_________________
(١) فمن عطف الخاص على العام، ومن ثم قال: "ويخافون خصوصًا سوء الحساب"، ومثله عطف (وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) على (صَبَرُوا). قوله: (وتجلدي للشامتين أريهم)، تمامه- لأبي ذؤيب: أني لريب الدهر لا أتضعضع
[ ٨ / ٥٠٣ ]
ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا مردّ فيه للفائت، كقوله:
مَا إنْ جَزِعْتُ وَلَا هَلَعْـ … ـتُ وَلَا يَرُدُّ بُكَأي: زَنْدَا
وكل عمل له وجوهٌ يعمل عليها، فعلى المؤمن أن ينوى منها ما به كان حسنًا عند الله، وإلا لم يستحق به ثوابًا، وكان فعل كلا فعل.
_________________
(١) الشماتة: الفرح ببلية تصل إلى العدو، والضعضعة: الخضوع. يقول: هذا التجلد الذي أريه من نفسي لدفع شماتة الشامتين. قوله: (ما إن جزعت) البيت، قيل: هو لعمرو بن معدي كرب، الهلع: أفحش الجزع، لأنه جزع مع قلة الصبر، قيل: إن زيدًا أخ له، ومنهم من زعم أنه فتش فلم يجد له شقيقًا يسمى زيدًا، ومنهم من روى "زندًا"- بالنون-، أي: يرد بكائي شرره من حرقتي، ذكر "الزند" وأراد ما يخرج منه عند القدح. روي عن المصنف أنه قال: الزند مثل في القلة، ومن ثم يقال للئيم: مزند، أي: محقر، "الأساس": "ومن المجاز قولهم للحقير: زندان في مرقعة، وعطاء مزند: قليل مضيق". قوله: (أن ينوي منها ما به كان حسنًا)، "ما" موصوفة، أي: ينوي من الوجوه شيئًا به كان العمل حسنًا عند الله، وهو أن يصبر ابتغاء وجه ربه، اقتبس قوله: "حسنًا" من قوله صلوات الله عليه: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، فإذا أحسن العبد هذا الحضور طاش عنده جميع الهواجس النفسانية التي ذكرها المصنف، بل
[ ٨ / ٥٠٤ ]
(مِمَّا رَزَقْناهُمْ) من الحلال، لأنّ الحرام لا يكون رزقا ولا يسند إلى الله، (سِرًّا وَعَلانِيَةً) يتناول النوافل، لأنها في السر أفضل، والفرائض، لوجوب المجاهرة بها نفيًا للتهمة (وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) ويدفعونها. عن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيئ غيرهم.
وعن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. وعن ابن كيسان: إذا أذنبوا تابوا. وقيل: إذا رأوا منكرًا أمروا بتغييره (عُقْبَى الدَّارِ) عاقبة الدنيا وهي الجنة، لأنها التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها.
_________________
(١) يفني حضوره في شهوده، فيتلذذ بالبلوى، ويستبشر باختبار المولى، هذا هو الصبر على الله عند العارفين. قوله: (وعن الحسن: إذا حرموا أعطوا)، إلى آخره: مقتبس مما رويناه في "مسند أحمد ابن حنبل" عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله ﷺ يقول: "صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك". قوله: «عُقْبَى الدَّارِ) عاقبة الدنيا، وهي الجنة، لأنها هي التي أراد الله)، الانتصاف:
[ ٨ / ٥٠٥ ]
و(جَنَّاتُ عَدْنٍ) بدلٌ من (عقبى الدار).
وقرئ: "فنعم" بفتح النون. والأصل: نعم. فمن كسر النون فلنقل كسرة العين إليها، ومن فتح فقد سكن العين ولم ينقل وقرى: "يُدْخَلُونَها" على البناء للمفعول. وقرأ ابن أبي عبلة: "صَلُحَ" بضم اللام، والفتح أفصح، أعلم أنّ الأنساب لا تنفع إذا تجردت من الأعمال الصالحة.
و"آباؤهم" جمع أبوي كل واحدٍ منهم، فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم.
_________________
(١) "العاقبة المطلقة: هي الجنة، (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ)، (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: ١٢٨]، فاستنبط الزمخشري من ذلك أنها التي أرادها الله، والعاقبة الأخرى خلاف المراد، فلذلك قيدها في قوله: (وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) [الرعد: ٣٥]، تفادى أن ينسب إلى الله إرادة الشر، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والمؤدي إلى حميد العاقبة مأمور به، والمؤدي إلى ما سواها منهي عنه، فعاقبة الجنة أصل باعتبار الأمر، لا باعتبار الإرادة". قوله: (لا تنفع إذا تجردت من الأعمال)، إنما قال: "إذا تجردت" ليؤذن بأنه إذا وجد منهم عمل ما كفاهم، وذلك من إيقاع الفعل- أي: (صَلَحَ) - صلة للموصول، كما قال في قوله: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [هود: ١١٣]: "قيل: (الَّذِينَ ظَلَمُوا)، ولم يقل: "الظالمين"، لأن المعنى: الذين وجد منهم الظلم"، والمعنى: أن الله تعالى يلحق قرابات أولئك الكملة بهم، وإن لم يكونوا في مرتبتهم من العمل الصالح إكرامًا لهم، نحوه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور: ٢١]، قال فيه: "أي: بسبب إيمان عظيم رفيع المحل- وهو إيمان الآباء- ألحقنا بدرجاتهم ذرياتهم، وإن كانوا لا يستأهلونها، تفضلًا عليهم وعلى آبائهم".
[ ٨ / ٥٠٦ ]
(سَلامٌ عَلَيْكُمْ) في موضع الحال، لأنّ المعنى: قائلين: سلامٌ عليكم، أو مسلمين. فإن قلت: بم تعلق قوله (بِما صَبَرْتُمْ)؟ قلت: بمحذوف، تقديره: هذا بما صبرتم، يعنون: هذا الثواب بسبب صبركم، أو بدل ما احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه هذه الملاذ والنعم. والمعنى: لئن تعبتم في الدنيا لقد استرحتم الساعة، كقوله:
بِمَا قَدْ أرَى فِيهَا أوَانِسَ بُدَّنَا
_________________
(١) قوله: (أو بدل)، ظرف؛ خبر قوله: "هذه الملاذ"، لأنه مبتدأ وصفة، والجملة معطوفة على مثلها، وهي "هذا الثواب بسبب صبركم" والصبر على الأول بمعنى الطاعات، لأن الطاعات عندهم سبب للثواب، وعلى الثاني بمعناه، ولذلك قال: "ما احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه"، وهو موجب للعوض والبدل. وعن بعض العدلية: الثواب: هو الجزاء على أعمال الخير، والعوض: هو البدل عن الفائت، كالسلامة التي هي بدل الألم، والنعم التي هي مقابلة البلايا والمحن والرزايا والفتن، والتفضل: هو إيصال منفعة خالصة إلى الغير من غير استحقاق. قال القاضي: " (بِمَا صَبَرْتُمْ) متعلق بـ (عَلَيْكُم)، أو بمحذوف، أي: هذا بما صبرتم، ولا يتعلق بـ (سَلَامٌ)، لأن الخبر فاصل، والباء للسببية أو البدلية". وأجيب: أن التعلق بمعنوي، ولذلك قدر: "ونكرمكم". قوله: (بما قد أرى فيها أوانس بدنا)، لم يوجد تمامه.
[ ٨ / ٥٠٧ ]
وعن النبي ﷺ أنه كان يأتى قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار»، ويجوز أن يتعلق بـ (سلام)، أي: نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم.
[(وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)].
(مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) من بعد ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول، (سُوءُ الدَّارِ) يحتمل أن يراد سوء عاقبة الدنيا، لأنه في مقابلة (عقبى الدار)، ويجوز أن يراد بـ (الدار): جهنم، وبـ"سوئها": عذابها.
[(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ)].
(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ) أي: الله وحده هو يبسط الرزق ويقدره دون غيره،
_________________
(١) و"الأوانس": النساء، "البدن": من قولهم: بدن الرجل: إذا سمن، وهي جمع بادنة، وهي المرأة السمينة، يقول: أرى في عرصة الحمى الوحش، بدل ما كنت أرى فيها النساء الآنسات، والاستشهاد بالباء في "بما"، لأنها بمعنى البدل. قوله: «اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ) أي: الله وحده هو يبسط الرزق)، أي: لا غيره، ومثل هذا التركيب عند صاحب "المفتاح" نص في إفادة تقوي الحكم، ولا يحتمل التخصيص البتة،
[ ٨ / ٥٠٨ ]
وهو الذي بسط رزق أهل مكة ووسعه عليهم،
_________________
(١) لأن المبتدأ قار في مكانه، وليس مثل: "أنا عرفت" في احتمال التخصيص والتقوي. ويمكن أن يوجه تفسير المصنف بأن يقال: إن في التركيب تكرير الحكم، فاكتسى الحكم قوة، فيفيد التأكيد، فناسب أن يضمن التخصيص، لأن التخصيص ليس إلا تأكيد الحكم بالنفي والإثبات، والتأكيد أبدًا يرفع إرادة التجوز عن الحكم، والوجه أن ذلك التخصيص من قبل اختصاص الاسم الجامع بالذكر، وبناء (يَبْسُطُ الرِّزْقَ) عليه. يؤيده قوله في قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) [الزمر: ٢٣]: "وإيقاع اسم "الله" مبتدأ، وبناء (نَزَّلَ) عليه: فيه تفخيم لـ (أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)، وتأكيد لإسناده إلى الله تعالى، وأنه من عنده، وأن مثله لا يجوز إلا أن يصدر عنه". قوله: (وهو الذي بسط رزق أهل مكة)، إشارة إلى أن اللام في (الرِّزْقَ) عوض من المضاف إليه، كقوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبًا) [مريم: ٤]، وأن الضمير في "فرحوا" عائد إليه، والآية متصلة بقوله: (كَمَنْ هُوَ أَعْمَى)، وهم الذين لا يعلمون المراد من ضرب المثلين، ولا يستجيبون لربهم، وذلك لما بسط الله عليهم الدنيا، فنسوا حظًا مما ذكروا به، وفرحوا بالحياة الدنيا، ألا ترى كيف عقبه بقوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، إذ لو سمعوا ما أنزل عليهم، وعلموا حقيقته، لما قالوا ذلك، وبقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ)، حيث سمعوه وعرفوا أنه حق من الله ﷿، فاستجابوا له،
[ ٨ / ٥٠٩ ]
وَفَرِحُوا) بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح سرور بفضل الله وإنعامه عليهم، ولم يقابلوه بالشكر حتى يستوجبوا نعيم الآخرة،
_________________
(١) واطمأنت قلوبهم، فعلى هذا قوله: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) إلى قوله: (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) معترضة مؤكدة لمضمون الكلامين. وفيه: أن سبب تنور قلوب المستجيبين واطمئنانها: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، بشهادة المقابلة بين الضدين. قوله: (فرح بطر وأشر)، الراغب: "الفرح: انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون في اللذات البدنية الدنيوية، فلهذا قال تعالى: (لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد: ٢٣]، وقال تعالى: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، ولم يرخص
[ ٨ / ٥١٠ ]
وخفي عليهم أن نعيم الدنيا في جنب نعيم الآخرة ليس إلا شيئًا نزرًا يتمتع به كعجالة الراكب، وهو ما يتعجله من تميرات أو شربة سويق أو نحو ذلك.
[(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ* الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ)].
فإن قلت: كيف طابق قولهم (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) قوله: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ)؟ قلت: هو كلام يجري مجرى التعجب من قولهم، وذلك أن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أوتيها رسول الله ﷺ لم يؤتها نبيّ قبله، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية، فإذا جحدوها ولم يعتدّوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط، كان موضعًا للتعجب والاستنكار، فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم، (إن الله يضل من يشاء) ممن كان على صفتكم من التصميم وشدّة الشكيمة في الكفر،
_________________
(١) في الفرح إلا في قوله: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس: ٥٨]، (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ) [الروم: ٤ - ٥] ". قوله: (هو كلام يجري مجرى التعجب)، يعني: أن قولهم: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) من باب العناد والاقتراح ورد الآيات الباهرة المتكاثرة، وإنما يستحق هذا الكلام بأن يقابل بقوله: ما أعظم كفركم وتصميمكم على الكفر، ومثل هذا التصميم لا يكون إلا بختم الله على القلوب، وإرادة الضلال منكم، ومن يضلل الله فلا هادي له، ما أدل هذه الآية على مذهب أهل السنة.
[ ٨ / ٥١١ ]
فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية، (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ) كان على خلاف صفتكم (أَنابَ) أقبل إلى الحق، وحقيقته دخل في نوبة الخير، (والَّذِينَ آمَنُوا) بدل من (مَنْ أَنابَ)، (وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ) بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته، كقوله: (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر: ٢٣]، أو: تطمئن بذكر دلائله الدالة على وحدانيته، أو تطمئن بالقرآن لأنه معجزة بينة تسكن القلوب وتثبت اليقين فيها.
(الَّذِينَ آمَنُوا) مبتدأ، و(طُوبى لَهُمْ) خبره. ويجوز أن يكون بدلًا من (القلوب)، على تقدير حذف المضاف، أي: تطمئن القلوب قلوب الذين آمنوا، و(طوبى) مصدرٌ من: طاب، كبشرى وزلفى،
_________________
(١) قوله: (أو تطمئن بالقرآن، لأنه معجزة)، هذا الوجه ملائم لقوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، ليكون تعريضًا بالكفار كما سبق. قوله: (ويجوز أن يكون بدلًا من (الْقُلُوبُ»، ويحتمل بدل الكل والبعض والاشتمال، بحسب التعريف في (الْقُلُوبُ)، وهذا أحسن توافقًا للموصول الأول، وفائدته التعريض بالكفار، وأنهم لا قلوب لهم، لأن عملهم غير صالح، وأن عنادهم بسبب أن أفئدتهم هواء، ولا يلقون أذهانهم وسمعهم كمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، و(طُوبَى لَهُمْ) - على هذا- جملة مستأنفة، كأنه قيل: فما لهم؟ وأجيب: طوبى لهم.
[ ٨ / ٥١٢ ]
ومعنى «طوبى لك»: أصبت خيرًا وطيبا، ومحلها النصب أو الرفع، كقولك: طيبا لك، وطيب لك، وسلامًا لك، وسلامٌ لك، والقراءة في قوله: (وَحُسْنُ مَآبٍ) بالرفع والنصب، تدلك على محليها. واللام في (لَهُمْ) للبيان، مثلها في سقيًا لك، والواو في (طوبى) منقلبةٌ عن ياء لضمة ما قبلها، كموقن وموسر. وقرأ مكوزة الأعرابي: "طيبى لهم" فكسر الطاء لتسلم الياء، كما قيل: بيضٌ ومعيشة.
[(كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ)].
(كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ) مثل ذلك الإرسال أرسلناك، يعني: أرسلناك إرسالًا له شأن وفضل على سائر الإرسالات،
_________________
(١) قوله: «وَحُسْنُ مَئَابٍ) بالرفع والنصب)، بالرفع: السبعة، وبالنصب: شاذ. قال أبو البقاء: "الرفع والإضافة على أنه معطوف على (طُوبَى) إذا جعلتها مبتدأ، والنصب على أنه عطف على (طُوبَى) في وجه نصبها". قوله: (وقرأ مكوزة)، روي عن المصنف: أنها كما سمت العرب بـ "كوز"، سمت بـ "مكوزة"، وهي إما جمع كوز، كمشيخة ومسيفة ومأسدة، جمع شيخ وسيف وأسد. قوله: (يعني: أرسلناك إرسالًا له شأن وفضل)، فالكاف صفة مصدر محذوف، والتنكير فيه للتعظيم، لأن اسم الإشارة في أمثال هذا المقام يدل على جلال شأن المشار إليه، وهو إما ما في الذهن، وهو الظاهر، أو ما سبق من الآيات الدالة على جلائل الشئون، و[في] في
[ ٨ / ٥١٣ ]
ثم فسر كيف أرسله فقال: (فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ) أي: أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء (لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك (وَهُمْ يَكْفُرُونَ) وحال هؤلاء أنهم يكافرون (بِالرَّحْمنِ) بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء، وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم (قُلْ هُوَ رَبِّي) الواحد المتعالي عن الشركاء (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) في نصرتي عليكم (وَإِلَيْهِ مَتابِ) فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم.
_________________
(١) قوله تعالى: (فِي أُمَّةٍ) ليست بصلة لـ (أَرْسَلْنَاكَ)، بل بيان، ليؤذن بالتفسير بعد الإبهام على تفخيم الشأن الذي يقتضيه المقام. قوله: (لتقرأ عليهم الكتاب العظيم)، والتعظيم مستفاد من وضع (الَّذِي أَوْحَيْنَا) موضع "القرآن"، قال في قوله تعالى: (يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: ٩]: "في إيهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه"، وأتم معنى التفخيم بإيثار صيغة التعظيم. قوله: (وحال هؤلاء أنهم يكفرون بالرحمن)، يريد: أن قوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) حال من فاعل (أَرْسَلْنَاكَ)، و"الرحمن" مظهر وضع موضع المضمر لتلك الفائدة التي ذكرها، وهي أنهم يكفرون بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء، المعنى: إنا أرسلنا مثلك إليهم وأنت قائد الأنبياء وخاتمهم لتتلو عليهم مثل هذا القرآن العظيم المعجز المصدق لسائر الكتب؛ ليعبدوني ويوحدوني، وهم مع ذلك بدلوا الشكر بالكفران، ثم إنه تعالى أمره بأن ينبئهم على خاصة نفسه ووظيفته من الشكر، وما آل إليه أمره معهم تأنيبًا، فقال: (قُلْ
[ ٨ / ٥١٤ ]
[(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ)].
(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا) جوابه محذوف، كما تقول لغلامك: لو أني قمت إليك، وتترك الجواب والمعنى: ولو أن قرآنا (سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) عن مقارّها، وزعزعت عن مضاجعها، (أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ) حتى تتصدع وتتزايل قطعًا (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى) فتسمع وتجيب، لكان هذا القرآن لكونه غايةً في التذكير ونهاية في الإنذار والتخويف، كما قال: (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) [الحشرك ٢١].
_________________
(١) هُوَ رَبِّي)، أي: العظيم الجامع لأوصاف الكمال الذي أرسلني إليكم، وجعلني خاتم النبيين، وأيدني بذلك الكتاب العظيم الشأن، والبليغ الرحمة الذي كفرتم نعمته: هو ربي، ولا رب لي سواه، وعليه اعتمادي وتوكلي لا على غيره، وإليه متابي ومرجعي، لا إلى غيره، فالضمير جار مجرى اسم الإشارة، وقوله: (لَا إِلَه إِلَّا هُوَ) اعتراض أكد به إيجاب اختصاص التوكل عليه، وتفويض الأمور عاجلًا وآجلًا إليه. ومثله قوله تعالى: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ١٠٦]، قال المصنف: " (لَا إِلَه إِلَّا هُوَ) اعتراض أكد به إيجاب اتباع الوحي"، على أن المفهوم من كلامه أن (لَا إِلَه إِلَّا هُوَ) جار مجرى الحال، ولذلك أوقعه وصفًا لـ (رَبِّي)، حيث قال: "ربي الواحد المتعالي عن الشركاء". قوله: (لو أني قمت إليك)، أي: لرأيت ما لا تطيقه.
[ ٨ / ٥١٥ ]
هذا يعضد ما فسرت به قوله: (لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) [الرعد: ٣٠] من إرادة تعظيم ما أوحى إلى رسول الله ﷺ من القرآن.
وقيل: معناه ولو أن قرآنًا وقع به تسيير الجبال، وتقطيع الأرض وتكليم الموتى وتنبيههم، لما آمنوا به ولما تنبهوا عليه كقوله (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ) الآية [الأنعام: ١١١].
وقيل: إن أبا جهل بن هشام قال لرسول الله ﷺ: سير بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتسع لنا فنتخذ فيها البساتين والقطائع، كما سُخرت لداود ﵇ إن كنت نبيًا كما تزعم، فلست بأهون على الله من داود. وسخر لنا به الريح لنركبها ونتجر إلى الشام ثم نرجع في يومنا، فقد شق علينا قطع المسافة البعيدة كما سخرت لسليمان ﵇
_________________
(١) قوله: (وهذا يعضد ما فسرت به)، يعني: إذا جعلت جواب "لو" قوله: "لكان هذا القرآن"، لا ما يجيء: "لما آمنوا"، ولا ما دل عليه قوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) كما ذهب إليه الفراء، كان دالًا على أن ذلك التفسير هو الوجه. وأما اتصاله على هذا بما سبق: فالظاهر أنه داخل تحت حيز القول، أي: قل: هو ربي، وقل: لو أن قرآنًا، والله أعلم. قوله: (وقيل: معناه: ولو أن قرآنًا وقع به تسيير الجبال … لما آمنوا)، فعلى هذا: الآية متصلة بقوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، وقوله: "وقيل: إن أبا جهل" متفرع على هذا الوجه، ولا يلزم على هذا تعظيم القرآن، لكن يكون تسجيلًا على شدة شكيمتهم وغاية عنادهم.
[ ٨ / ٥١٦ ]
أو: ابعث لنا به رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا: منهم قصى بن كلاب فنزلت.
ومعنى تقطيع الأرض على هذا: قطعها بالسير ومجاوزتها.
وعن الفراء: هو متعلق بما قبله. والمعنى: وهم يكافرون بالرحمن (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ)، وما بينهما اعتراض، وليس ببعيد من السداد.
_________________
(١) قوله: (أو ابعث لنا به رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا، منهم قصي بن كلاب)، وإنما لم يقل: وابعث رجلين أو ثلاثة كما بعث عيسى، كما صرح بذكر النبيين؛ لشهرته. قوله: (ومعنى تقطيع الأرض على هذا: قطعها بالسير)، وأنشد صاحب "المفتاح": وأرض كأخلاق الكرام قطعتها … وقد كحل الليل السماك فأبصرا وعلى الأول: جعلها القطائع، لأن المراد حينئذ الزراعة. القطائع: جمع قطيعة، وهي الأرض التي يزرع فيها. قوله: (وعن الفراء: هو متعلق بما قبله)، أي: جواب "لو" ما دل عليه قوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ)، قال أبو البقاء: "جواب "لو" مقدم عليه، أي: وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآنًا؛ على المبالغة".
[ ٨ / ٥١٧ ]
وقيل: (قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ) شُققت فجعلت أنهارًا وعيونًا.
(بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) على معنيين: أحدهما: بل لله القدرة على كل شيء، وهو قادر على الآيات التي اقترحوها، إلا أنّ علمه بأنّ إظهارها مفسدة يصرفه. والثاني: بل لله أن يلجئهم إلى الإيمان، وهو قادر على الإلجاء لولا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار. ويعضده قوله (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ) يعني: مشيئة الإلجاء والقسر (لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) ومعنى (أَفَلَمْ يَيْأَسِ): أفلم يعلم. قيل: هي لغة قومٍ من النخع
_________________
(١) قوله: «بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا) على معنيين)، أي: يكون إما إضرابًا عما أجاب به قول أبي جهل، أي: أعرض عن هذا، فإن الله تعالى قادر على ما اقترحه، إلا أنه تعالى علم أن إظهاره مفسدة، أو عن قوله: "وقيل: معناه: ولو أن قرآنًا وقع به تسيير الجبال" إلى آخره، لأن جزاء "لو" على التقديرين: "لما آمنوا به"، والمعنى على هذا: بلغ تصميمهم إلى أنهم لو شاهدوا تلك الآيات العظام لما رجعوا عن تصميمهم، بل لله أن يلجئهم إلى الإيمان، وهو قادر على الإلجاء، لولا أنه تعالى بنى أمر التكليف على الاختيار، بناءً على مذهبه، وهذا على الوجهين الآخرين. قال القاضي: "بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات، إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك، لعلمه بأنه لا تلين له شكيمتهم، يؤيد ذلك قوله: (أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا) عن إيمانهم مع ما رأوا من الأحوال". قوله: (قيل: هي لغة قوم من النخع)، بفتح النون والخاء المعجمة، كذا في "جامع
[ ٨ / ٥١٨ ]
وقيل: إنما استعمل "اليأس" بمعنى العلم لتضمنه معناه؛ لأنّ اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون، كما استعمل "الرجاء" في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمن ذلك
_________________
(١) الأصول"، قال ابن جني: "روي عن ابن عباس: أنها لغة وهبيل؛ فخذ من النخع، قال: ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه … وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا أي: ألم يعلموا. ويشبه عندي أن يكون هذا من اليأس، لأن المتأمل للشيء المتطلب لعلمه ذاهب بفكره في جهات تعرفه إياه، فإذا ثبت يقينه على شيء من أمره اعتقده وأضرب عما سواه، فلم ينصرف إليه، كما ينصرف اليائس من الشيء عنه، ولا يلتفت إليه". الراغب: "اليأس: انتفاء الطمع، يقال: يئس واستيأس، مثل: عجب واستعجب، قال تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا) [يوسف: ٨٠]، وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا)، قيل: معناه: ألم يعلم، ولم يرد أن اليأس موضوع في كلامهم للعلم، وإنما قصد أن يأس الذين آمنوا من ذلك يقتضي أن يحصل بعد العلم بانتفائه، فإذن ثبوت يأسهم يقتضي حصول علمهم". قوله: (لتضمنه معناه)، أي: هو من دلالة التضمن وإطلاق الكل على الجزء، هذا في
[ ٨ / ٥١٩ ]
قال سحيم بن وثيل الرياحي:
أَقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي … أَلَمْ تَيْأَسُوا أنِّى ابْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ
ويدل عليه: أن عليًا وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين قرءوا: أفلم يتبين، وهو تفسير (أَفَلَمْ يَيْأَسِ).
وقيل: إنما كتبه الكاتب وهو ناعس مستوى السينات، وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتًا بين دفتي الإمام. وكان متقلبًا في أيدى أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله المهيمنين عليه لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصًا عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي عليها البناء، وهذه - والله - فريةٌ ما فيها مرية.
ويجوز أن يتعلق (أَنْ لَوْ يَشاءُ) بـ (آمنوا)،
_________________
(١) اليأس صحيح كما ذكر، وفي النسيان ظاهر، لأنه ترك الإنسان ضبط ما استودع ضعفًا أو غفلة أو قصدًا، وأما في الرجاء فمشكل، لأن الرجاء والخوف متقابلان، قال تعالى: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) [السجدة: ١٦]، و(يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) [الرعد: ١٢]، ولأن الرجاء: ظن حصول ما فيه مسرة، والخوف: ظن حصول المكروه، اللهم إلا أن يراد بالتضمن الموضوع اللغوي، وهو ما يفهم منه معنى زائد. قوله: (بين دفتي الإمام)، الأساس: "حفظ ما بين الدفتين، وهما ضماما المصحف من جانبيه". قوله: (المهيمنين عليه)، في "الجامع": "المهيمن: هو الشهيد، وقيل: الأمين، وأصله: مؤتمن، فقلبت الهمزة هاء، وقيل: هو الرقيب والحافظ". قوله: (ويجوز أن يتعلق (أَن لَّوْ يَشَاءُ) بـ (آَمَنُوا»، عطف على قوله: " (أَفَلَمْ يَيْئَسْ
[ ٨ / ٥٢٠ ]
على: أولم يقنط عن إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا ولهداهم.
(تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا) من كفرهم وسوء أعمالهم، (قارِعَةٌ) داهيةٌ تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم (أَوْ تَحُلُّ) القارعة (قَرِيبًا) منهم، فيفزعون ويضطربون ويتطاير إليهم شرارها، ويتعدى إليهم شرورها (حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللَّهِ) وهو موتهم، أو القيامة.
وقيل: (ولا يزال) كفار مكة (تصيبهم) بما صنعوا برسول الله ﷺ من العداوة والتكذيب (قارعة)؛
_________________
(١) الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ) يعني: مشيئة الإلجاء"، ولم يكن يستقيم المعنى إلا بجعل (يَيْئَسُ) بمعنى: يعلم، ولذلك قال: "ومعنى (أَفَلَمْ يَيْئَسُ): أفلم يعلم". قال أبو البقاء: " (أَن لَّوْ يَشَاءُ) في موضع نصب بـ (يَيْئَسُ)، لأن معناه: أفلم يتبين". وعلى الوجه الثاني: (يَيْئَسُ) بمعنى: يقنط، على حقيقته، و(أَن لَّوْ يَشَاءُ) نصب بنزع الخافض، متعلق بـ (آَمَنُوا)، لأن "آمن" يعدى بالباء، وإليه الإشارة بقوله: "آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا، وعلى هذا معمول (يَيْئَسُ) محذوف، وهو: عن إيمان هؤلاء. قوله: (بما يحل الله بهم)، حل يحل- بالضم- أي: نزل، وأحللته: أنزلته. وفي بعض النسخ: "يحل"؛ بفتح الياء وكسر الحاء، وفي حاشيته: "أنه من: حل العذاب يحل- بالكسر-: وجب"، وهو سهو، والصواب بضم الياء وكسر الحاء؛ من: حل يحل- بالضم- أي: نزل، وأحللته: أنزلته، يعضده قوله: " (أَوْ تَحُلُّ) القارعة (قَرِيبًا) منهم".
[ ٨ / ٥٢١ ]
لأنّ رسول الله ﷺ كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم، وتصيب من مواشيهم (أو تحل) أنت يا محمد (قريبًا من دارهم) بجيشك، كما حل بالحديبية، حتى يأتى وعد الله وهو فتح مكة، وكان الله قد وعده ذلك.
[(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ)].
الإملاء: الإمهال، وأن يترك ملاوة من الزمان في خفض وأمن، كالبهيمة يملى لها في المرعى وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله ﷺ. استهزاء به وتسلية له.
_________________
(١) قوله: (ملاوة من الزمان)، الجوهري: "أقمت عنده ملاوة من الدهر- بفتح الميم وضمها وكسرها-، أي: حينًا وبرهة". الراغب: "الإملاء: الإمداد، ومنه قيل للمدة الطويلة: ملاوة من الدهر، وملي من الدهر، قال تعالى: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) [مريم: ٤٦]، وملاك الله: عمرك الله، والملوان: قيل: الليل والنهار، وحقيقة ذلك: تكررهما وامتدادهما، بدلالة قول الشاعر: نهار وليل دائم ملواهما … على كل حال المرء يختلفان فلو كان الليل والنهار لما أضيفا إليهما". قوله: (وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم) إلى قوله: (وتسلية له): أي: لرسول الله ﷺ،
[ ٨ / ٥٢٢ ]
[(أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ* لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ)].
(أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ) احتجاج عليهم في إشراكهم بالله، يعنى أفا الله الذي هو قائم رقيب (عَلى كُلِّ نَفْسٍ) صالحة أو طالحةٍ (بِما كَسَبَتْ) يعلم خيره وشره، ويعدّ لكل جزاءه، كمن ليس كذلك. ويجوز أن يقدّر ما يقع خبرًا للمبتدأ ويعطف عليه (وجعلوا)،
_________________
(١) أما الوعيد والتسلية فظاهران، وأما الجواب: فإن أبا جهل حين قال: "سير بقرآنك الجبال، وسخر لنا الريح"، ولم يكن السؤال إلا اقتراحًا واستهزاء؛ لم يلتفت إليه، وقيل لرسول الله ﷺ: (وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) تعريضًا على منوال قوله: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) [التكوير: ٨ - ٩]. قوله: (أفالله الذي هو قائم)، هذا التأويل يؤذن أن قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ) معطوف على كلام سابق، والهمزة مقحمة بينهما لمزيد الإنكار، والذي يصلح أن يكون معطوفًا عليه هو قوله: (هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ) [الرعد: ٣٠]، المعنى: "هو ربي الواحد المتعالي عن الشركاء، عليه توكلت في نصرتي عليكم وإليه متابي، فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم"، أفالله الذي هو كذلك كمن هو ليس كذلك، لأن المعطوف عليه أيضًا متضمن لمعنى الرد والإنكار على الشرك، لأنه جواب عن قوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) [الرعد: ٣٠]، أي: يشركون به. قوله: (ويجوز أن يقدر ما يقع خبرًا للمبتدأ، ويعطف عليه (وَجَعَلُوا»، يعني: قوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) لابد له من خبر؛ إما أن يقدر الخبر ما تتم به جملة، ويعطف (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) على الجملة برأسها، أو أن يقدر الخبر ما يصح أن يعطف
[ ٨ / ٥٢٣ ]
وتمثيله: أفمن هو بهذه الصفةلم يوحدوه (وَجَعَلُوا) له - وهو الله الذي يستحق العبادة وحده (شُرَكاءَ)؟ ! (قُلْ سَمُّوهُمْ) أي: جعلتم له شركاء فسموهم له من هم ونبئوه بأسمائهم، ثم قال: (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ) على "أم" المنقطعة، كقولك للرجل: قل لي من زيد؟ أم هو أقل من أن يعرف، ومعناه: بل أتنبؤونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السموات والأرض، فإذا لم يعلمهم علم أنهم ليسوا بشيء يتعلق به العلم، والمراد نفى أن يكون له شركاء. ونحوه: (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) [يونس: ١٨]. (أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة، كقوله (ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ) [التوبة: ٣٠]،
_________________
(١) (وَجَعَلُوا) عليه، ليكون من عطف الخبر على الخبر، وعلى هذا (لِلهِ) مظهر وضع موضع الراجع إلى المبتدأ. قوله: (وتمثيله)، أي: وتقدير هذا الوجه. قوله: (كقولك للرجل)، أي: لمن يقول بفضل زيد واشتهاره بين الناس ومكانته عندهم، وأنت تريد نقصه وحطه من منزلته: من زيد؟ وهو عندك مشهور، أي: لا أعرفه عرفنيه، ثم تضرب عن هذا السؤال بقولك: أم هو أقل، يعني: هو أقل من أن يسأل عنه أنه من هو؟ فضلًا عن أن يسأل عن فضله وشهرته. كذا جعلهم لله شركاء يبعث القائل على أن يقول لهم: سموهم، أي: إن صدقتم أنهم شركاء لله تعالى، فأثبتوا لها أسامي تدل على وجودها، ثم أضرب عن قوله: (سَمُّوهُمْ)، يعني: جعلهم لله شركاء إنباء لله ﷿ بوجود شركاء، ومثل هذه المنبأ به لا وجود لها حتى يعلق بها ما يتناوله من الاسم، ثم أضرب عن هذا القول بقوله: (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ)، بمعنى: هب أنهم لشدة شكيمتهم سموهم شركاء، فهذه التسمية عندهم قول لا حقيقة لها، (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) [النجم: ٢٣].
[ ٨ / ٥٢٤ ]
(ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها) [يوسف: ٤٠]، وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها
_________________
(١) قوله: (وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة)، أي: هذا الاحتجاج مبني على فنون من علم البيان: أولها: قوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) كمن هو ليس كذلك؟ ! احتجاج عليهم وتوبيخهم على القياس الفاسد لفقدان الجهة الجامعة. وثانيها: قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) من وضع المظهر موضع المضمر للتنبيه على أنهم جعلوا شركاء لمن هو فرد واحد لا يشاركه أحد في اسمه، كقوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم: ٦٥]. وثالثها: قوله: (قُلْ سَمُّوهُمْ)، أي: عينوا أساميهم، وقولوا: فلان وفلان، فهو إنكار لوجودها على وجه برهاني، كما تقول: إن كان الذي تدعيه موجودًا فسمه، لأن المراد بالاسم العلم الذي علق على الشيء بعينه، فما لم يكن موجودًا لم يكن معينًا، فلا يعلق عليه اسم، لأنه ليس بشيء، وهو من أسلوب الكناية الإيمائية. ورابعها: قوله: (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ) احتجاج من باب نفي الشيء بنفي لازمه، وهو نوع من الكناية. وخامسها: قوله تعالى: (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ) احتجاج من باب الاستدراج، والهمزة للتقرير ببعثهم على التفكر، يعني: أتقولون بأفواهكم من غير رؤية وأنتم ألباء، فتفكروا فيه لتقفوا على بطلانه. وسادسها: التدرج في كل من الإضرابات على ألطف وجه. وحين كانت الآية مشتملة على هذه الأساليب البديعة مع اختصارها على أبلغ ما يكون، قال: "وهذا الاحتجاج مناد على نفسه أنه ليس من كلام البشر"، وهو كلام عالي
[ ٨ / ٥٢٥ ]
منادٍ على نفسه بلسانٍ طلقٍ ذلقٍ: أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقرئ «أتنبئونه» بالتخفيف.
(مَكْرُهُمْ) كيدهم للإسلام بشركهم، (وَصُدُّوا) قرئ بالحركات الثلاث، وقرأ ابن أبي إسحاق: "وصدٌّ" بالتنوين، (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) ومن يخذله لعلمه أنه لا يهتدي (فَما لَهُ مِنْ هادٍ) فما له من أحد يقدر على هدايته.
(لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) وهو ما ينالهم من القتل والأسر وسائر المحن،
_________________
(١) المرتبة، لكن تذييله بقوله: "فتبارك الله أحسن الخالقين" وضعه إلى أسفل السافلين. قال في "الانتصاف": "هي كلمة حق أريد بها باطل، يعرض فيها بخلق القرآن، فتنبه لها، فما أسرع ما يمر بك فتستحسنها وتغفل عما قصده بها". قوله: (بلسان طلق ذلق)، الجوهري: "ذلق اللسان- بالكسر- يذلق ذلقًا: أي: ذرب ذربًا"، و"الذرب: الحاد من كل شيء". قوله: (وَصُدُّوا) قرئ بالحركات الثلاث)، بفتح الصاد: نافع وأبو بكر وأبو عمرو وابن عامر، وبالضم: الباقون، وبالكسر: شاذ.
[ ٨ / ٥٢٦ ]
ولا يلحقهم إلا عقوبة لهم على الكفر، ولذلك سماه عذابًا، (وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ) وما لهم من حافظ من عذابه، أو ما لهم من جهته واق من رحمته.
[(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ)].
(مَثَلُ الْجَنَّةِ) صفتها التي هي في غرابة المثل، وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف على مذهب سيبويه، أي: فيما قصصناه عليكم مثل الجنة. وقال غيره: الخبر (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) كما تقول: صفة زيدٍ أسمر، وقال الزجاج: معناه: مثل الجنة تجري من تحتها الأنهار، على حذف الموصوف تمثيلا لما غاب عنا بما نشاهد. وقرأ على ﵁: "أمثال الجنة" على الجمع، أي: صفاتها. (أُكُلُها دائِمٌ) كقوله: (لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ) [الواقعة: ٣٣]، (وَظِلُّها) دائم لا ينسخ، كما ينسخ في الدنيا بالشمس.
_________________
(١) قوله: (إلا عقوبة لهم على الكفر)، استثناء من أعم عام المفعول له، وفاعل "لا يلحقهم" ضمير "ما ينالهم"، أي: لا يلحقهم ما ينالهم لشيء من الأشياء إلا للعقوبة. قوله: (أو: ما لهم من جهته واق من رحمته)، "من" الثانية في التنزيل على الوجهين: زائدة، والأولى: على الأول: متعلقة بـ (وَاقٍ)، وعلى الثاني: متعلقة بالجار والمجرور، أي: (لَهُم)، و"من رحمته" صفة "واق"، أي: ما استقر لهم من جهة الله واق من رحمته، أي: شافع كائن من رحمته، أي: بإذنه. قوله: (وقال الزجاج: معناه: مثل الجنة)، لفظه- على ما أورده أبو علي في "الإغفال"-: "قال سيبويه: فيما نقص عليكم مثل الجنة، فرفعه على الابتداء وقال غيره: (مَثَلُ الْجَنَّةِ)
[ ٨ / ٥٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مرفوع، وخبره: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)، كما تقول: صفة فلان أسمر، معناه: صفة الجنة، وكلا القولين حسن جميل، والذي عندي أن الله ﷿ عرفنا أمر الجنة التي لم نرها ولم نشاهدها بما شاهدناه من أمور الدنيا وعايناه، فالمعنى: مثل الجنة التي وعد المتقون: جنة تجري من تحتها الأنهار". وقال أبو علي: تفسير "المثل" بالصفة غير مستقيم لغة، ولم يوجد فيها البتة، وإنما تفسيره: الشبه، يدلك عليه: مررت برجل مثلك، فوصفوا به النكرة مضافًا إلى المعرفة، كما قالوا: مررت برجل شبهك، ولم يختص بالإضافة لكثرة ما يقع به الاشتباه، كما لم يختص بالمماثلة، ومنه قولهم للقصاص: المثال، إلى غير ذلك. وأما النظر فيه من جهة التأويل فغير مستقيم أيضًا، ألا ترى أن "مثلًا" إذا كان معناه: صفة، كان تقدير الكلام: صفة الجنة فيها أنهار، وهو غير مستقيم، لأن الأنهار في الجنة نفسها لا في صفتها، ولأنه إذا حمل "المثل" على معنى الصفة، وأجرى في الإخبار عنه مجراه، وأنث الراجع إليه في (فِيهَا) و(تَحْتِهَا)، فقد حمل الاسم في قولهم على المعنى، وهو قبيح، نحو: ثلاث شخوص، وسبع أبطن. وأما الذي استخرجه أبو إسحاق فغير مستقيم أيضًا، لأن "المثل" أما إن يكون صفة أو شبهًا؛ أما أولًا فلا يستقيم أن يقال: صفة الجنة جنة، لأن الجنة ليست بصفة، وأما ثانيًا فلأن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين المتماثلين، وهو حدث، والجنة غير حدث. فالصحيح ما قاله سيبويه.
[ ٨ / ٥٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فإن قلت: ما تعلق قوله: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) بما قبله؟ قيل: تعلق التفسير، كما أن قوله: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) تفسير لقوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) [آل عمران: ٥٩]. والجواب: أما إنكار التأويل لمنع الحمل، وتمثيله بقوله: "كان تقدير الكلام: صفة الجنة فيها أنهار" فضعيف، ألا ترى إلى أنه كيف مثلها بقوله: "صفة فلان أسمر"، لأن معناه حينئذ: صفة الجنة جريان الأنهار من تحتها، ولا شك أن إرادة الصفة من المثل مجاز إنما يجوز إذا كانت الصفة مشتملة على قصة عجيبة الشأن، أو أمر عجيب، فجريان الأنهار من تحت الجنان مع دوام الأكل والظل من غير انقطاع من الأمور العجيبة. وأما تأنيث الضمير: فلكونه راجعًا إلى "الجنة" لا إلى "المثل"، وإنما جاز ذلك لأن المقصود من المضاف عين المضاف إليه، وذكره توطئة، وليس نحو: غلام زيد. وأما قوله: "إن "الشبه" عبارة عن المماثلة، وهو حدث، والجنة غير حدث" فضعيف، لأن التشبيه حينئذ تمثيلي، والوجه منتزع من عدة أمور متوهمة، فينتزع من أحوال الجنان المشاهدة- من جريان أنهارها، وغضارة أغصانها، وتكاثف أفنانها، وغير ذلك من الحسن والنضارة- ما يجعل مشبهًا به، وهو المرادم ن قول الزجاج: "إن الله ﷿ عرفنا أمر الجنة التي لم نرها ولم نشاهدها بما شاهدناه في أمور الدنيا وعايناه"، ولذلك صرح
[ ٨ / ٥٢٩ ]
[(وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ)].
(وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) يريد: من أسلم من اليهود، كعبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما، ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلًا: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، هؤلاء (يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ) يعني: ومن أحزابهم، وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ بالعداوة نحو كعب بن الأشرف وأصحابه، والسيد والعاقب أسقفى نجران وأشياعهما (مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ) لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني هو ثابت في كتبهم غير محرف، وكانوا ينكرون ما هو نعت الإسلام ونعت رسول الله ﷺ وغير ذلك مما حرّفوه وبدّلوه من الشرائع.
فإن قلت: كيف اتصل قوله: (قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ) بما قبله؟ قلت: هو جواب للمنكرين معناه: قل إنما أمرت فيما أنزل إلىّ بأن أعبد الله ولا أشرك به،
_________________
(١) المصنف بلفظ التمثيل، ويكون قوله: (أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا) بيانًا لفضل تلك الجنان وتمييزها من هذه المشاهدة. قوله: (أسقفي نجران)، النهاية: "الأسقف: عالم رئيس من علماء النصارى ورؤسائهم، وهو اسم سرياني، ويحتمل أن يكون سمي به لخضوعه وانحنائه في عبادته، والسقف- في اللغة: طول في انحناء". نجران: موضع معروف بين الشام والحجاز واليمن. قوله: (هو جواب للمنكرين)، وذلك أن الله تعالى لما حكى عن بعض اليهود أنه ينكر بعض ما عليه رسول الله ﷺ من إثبات الإسلام ودعوى النبوة، قال صلوات الله عليه: يا رب،
[ ٨ / ٥٣٠ ]
فإنكاركم له إنكار لعبادة الله وتوحيده فانظروا ماذا تنكرون مع ادعائكم وجوب عبادة الله وأن لا يشرك به (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) [آل عمران: ٦٤]. وقرأ نافع في رواية أبي خليد: "ولا أشرك" بالرفع على الاستئناف كأنه قال: وأنا أشرك به ويجوز أن يكون في موضع الحال على معنى: أُمرت أن أعبد الله غير مشركٍ به. (إِلَيْهِ أَدْعُوا) خصوصًا لا أدعو إلى غيره، (وَإِلَيْهِ) لا إلى غيره مرجعي، وأنتم تقولون مثل ذلك، فلا معنى لإنكاركم.
[(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ)].
(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ) ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأمورًا فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه، والإنذار بدار الجزاء (حُكْمًا عَرَبِيًّا) حكمة عربية مترجمة بلسان العرب،
_________________
(١) بماذا أجيبهم إذن؟ فقيل له: قل: إن إيتائي الإسلام والنبوة يوجب عبادة الله تعالى، وإثبات التوحيد، ونفي الشرك، وأن المرجع إليه في العاقبة، فإنكاركم هذا إنكار لما نحن وأنتم عليه، كما قال: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) [آل عمران: ٦٤] الآية. قوله: (وقرأ نافع)، وهي شاذة. قوله: (ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأمورًا فيه بعبادة الله)، "ذلك" إشارة إلى مصدر "أنزلنا"، وهو المشبه به، والمشبه ما سبق من قوله: (أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ)، ووجه التشبيه كون ذلك المنزل المأمور فيه مبينًا مكشوفًا على وجه محكم رصين، فقوله: "والدعوة إليه وإلى دينه" تفسير لقوله: (إِلَيْهِ أَدْعُو)، وقوله: "والإنذار
[ ٨ / ٥٣١ ]
وانتصابه على الحال. كانوا يدعون رسول الله ﷺ إلى أمور يوافقهم عليها منها أن يصلى إلى قبلتهم بعد ما حوّله الله عنها، فقيل له: لئن تابعتهم على دين ما هو إلا أهواء وشبه بعد ثبوت العلم عندك بالبراهين والحجج القاطعة، خذلك الله فلا ينصرك ناصر، وأهلكك فلا يقيك منه واقٍ، وهذا من باب الإلهاب والتهييج، والبعث للسامعين على الثبات في الدين والتصلب فيه، وأن لا يزلّ زالّ عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة، وإلا فكان رسول الله ﷺ من شدّة الشكيمة بمكان.
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَاتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ* يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)].
_________________
(١) بدار الجزاء" إشارة إلى قوله: (وَإِلَيْهِ مَآبِ)، يعني: أجبهم بقولك: (أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ) الآية، واعلم أنا أنزلنا القرآن مثل ذلك الإنزال العجيب الشأن؛ تشجيعًا له وشرحًا لصدره صلوات الله عليه وتسلية عما قاسى من إنكارهم. قوله: (وانتصابه على الحال)، أي: انتصاب (حُكْمًا) على أنها حال موطئة، كقوله تعالى: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [يوسف: ٢]. قوله: (ما هو إلا أهواء)، وشبه الحصر مستفاد من وضع أهوائهم موضع ما زعموا أنه الدين، ودعوا رسول الله ﷺ إليه من أن يصلي إلى قبلتهم، أي: ليس ذلك إلا عن شبه، وكذلك قابله بقوله: (بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ)، وأخرج الجملة مخرج القسمية، لأن اللام في (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ) موطئة للقسم. قوله: (وإلا فكان رسول الله ﷺ)، أي: هذا من باب البعث للسامعين على الثبات والتصلب
[ ٨ / ٥٣٢ ]
كانوا يعيبونه بالزواج والولاد، كما كانوا يقولون: "ما لهذا الرسول يأكل الطعام"، وكانوا يقترحون عليه الآيات، وينكرون النسخ. فقيل: كان الرسل قبله بشرًا مثله ذوى أزواج وذرية. وما كان لهم أن يأتوا بآيات برأيهم ولا يأتون بما يقترح عليهم، والشرائع مصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، فلكل وقت حكم يكتب على العباد، أى: يفرض عليهم على ما يقتضيه استصلاحهم (يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ) ينسخ ما يستصوب نسخه، (ويثبت) بدله ما يرى المصلحة في إثباته، أو يتركه غير منسوخ، وقيل: (يمحوا) من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة، لأنهم مأمورون بكتبة كل قولٍ وفعل (وَيُثْبِتُ) غيره. وقيل: يمحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة، ويثبت إيمانهم وطاعتهم. وقيل: يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضًا من الأناسى وسائر الحيوان والنبات والأشجار وصفاتها وأحوالها، والكلام في نحو هذا واسع المجال. (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ، لأنّ كل كائن مكتوب فيه
_________________
(١) في الدين، لا لرسول الله ﷺ، وإلا لزم أن يؤمر بما هو فيه من شدة الشكيمة والثبات على التصلب في الدين، بحيث لا يمكن أن يتصور فوقه، ومن ثم قال: "بمكان"، أي: بمكان لا مكان فوقه. تلخيصه: أنه صلوات الله عليه مخاطب به، ولكن المراد منه تعريض. قوله: (لأنهم مأمورون بكتبة كل قول وفعل، (وَيُثْبِتُ) غيره)، قال الكلبي والضحاك: إن الذي يمحوه ويثبته ما يصعد به الحفظة مكتوبًا على بني آدم، فيأمر الله فيه أن يثبت ما فيه ثواب وعقاب، ويمحو ما لا ثواب فيه ولا عقاب، كقولك: أكلت وشربت ودخلت، ونحوها من الكلام. قوله: (والكلام في نحو هذا واسع المجال)، لأن علم الله لا نفاذ له، ومعلومات الله لا
[ ٨ / ٥٣٣ ]
وقرئ: ويثبت.
[(وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ)].
(وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ) وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم. أو توفيناك قبل ذلك، فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب، وعلينا لا عليك حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم، فلا يهمنك إعراضهم، ولا تستعجل بعذابهم.
[(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ)].
(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ) أرض الكفر (نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) بما نفتح على المسلمين من بلادهم، فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام، وذلك من آيات النصرة والغلبة ونحوه: (أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) [الأنبياء: ٤٤]،
_________________
(١) نهاية لها، وكل يوم هو في شأن، ومن ثم كاد أقوال المفسرين فيه تفوت الحصر، قال الإمام: "يزيل ما يشاء، ويثبت ما يشاء من حكمه، ولا يطلع على غيبه أحدًا، فهو المنفرد بالحكم، والمستقل بالإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، والإغناء والإفقار، وغير ذلك". قوله: (وقرئ: "ويثبت")، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب: بالتخفيف، والباقون: بالتشديد. قوله: (وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم)، أي: لابد من أن نفعل، وذلك من تأكيد
[ ٨ / ٥٣٤ ]
(سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ) [فصلت: ٥٣]، والمعنى: عليك بالبلاغ الذي حملته، ولا تبهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونُتم ما وعدناك من الظفر، ولا يضجرك تأخره، فإن ذلك لما نعلم من المصالح التي لا تعلمها ثم طيب نفسه ونفس عنها بما ذكر من طلوع تباشير الظفر. وقرئ: "ننقصها" بالتشديد.
(لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) لا رادّ لحكمه. والمعقب: الذي يكرّ على الشيء فيبطله،
_________________
(١) الإراءة والتوفية بما قبلها، والنون بعدها، كما ذكرناه عن الزجاج وصاحب "المرشد" في أول البقرة، فقوله: "أريناك" و"توفيناك" بيان أحوال الدائرة، وسيجيء الكلام فيه في سورة "حم المؤمن". قوله: (ونفس عنها)، أي: أزال الغم عنها. قوله: (بما ذكر من طلوع تباشير الظفر)، وهو قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)، كقوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ). "تباشير الصبح": أوائله. قوله: (والمعقب: الذي يكر على الشيء فيبطله)، الراغب: "التعقيب: أن يأتي بشيء بعد آخر، قال تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) [الرعد: ١١]، أي: ملائكة يتعاقبون عليه حافظين له، وقوله تعالى: (لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) أي: لا أحد يتعقبه ويبحث عن فعله، من قولهم: عقب الحاكم على حكم من قبله؛ إذا تتبعه، قال الشاعر: وما بعد حكم الله تعقيب
[ ٨ / ٥٣٥ ]
وحقيقته: الذي يعقبه أي: يقفيه بالردّ والإبطال. ومنه قيل لصاحب الحق: معقب، لأنه يقفى غريمه بالاقتضاء والطلب، قال لبيد:
طَلَبُ الْمُعَقِّبِ حَقّهُ الْمَظْلُومُ
والمعنى: أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال، وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس (وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ) فعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا.
فإن قلت: ما محل قوله: (لا معقب لحكمه)؟ قلت: هو جملةٌ محلها النصب على الحال، كأنه قيل: والله يحكم نافذًا حكمه، كما تقول جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة، تريد حاسرًا.
[(وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ)].
(وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وصفهم بالمكر، ثم جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره فقال: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا)،
_________________
(١) ويجوز أن يكون ذلك نهيًا عن الخوض في حكمه وحكمته إذا خفيت عليهم، كالنهي عن الخوض في سر القدر، والاعتقاب: أن يتعاقب شيء بعد أخرى، كاعتقاب الليل والنهار، ومنه العقبة، وهي أن يتعاقب الإنسان على ركوب ظهر". قوله: (طلب المعقب حقه المظلوم)، أوله: حتى تهجر في الرواح وهاجها
[ ٨ / ٥٣٦ ]
ثم فسر ذلك بقوله: (يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) لأنّ من علم ما تكسب كل نفس، وأعدّ لها جزاءها فهو المكر كله، لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون. وهم في غفلة مما يراد بهم. وقرئ: (الكفار) و"الكافرون" و"الذين كفروا" و"الكفر"؛ أي: أهله. والمراد بالكافر الجنس: وقرأ جناح بن حبيش: "وسيعلم الكافر"؛ من أعلمه أي: سيخبر.
[(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ)] ز
(كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا) لما أظهر من الأدلة على رسالتي (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) والذي عنده علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز
_________________
(١) يصف أتانًا وحمارًا، "تهجر": أي: خرج في الهاجرة، والضمير في "وهاجها" للأتان، يقول: تردد الحمار خلف الأتان يطلبها كطلب المعقب المظلوم حقه، وحمل "المظلوم" على محل "المعقب" لأنه فاعل أضيف إليه المصدر، والتقدير: كما طلب الدائن المظلوم حقه. قوله: (وقرئ: (الكُفَّارُ»، ابن عامر والكوفيون. قوله: (والذي عنده علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز)، قال صاحب "الفرائد": الذي عنده علم القرآن شهيد على أنه صلوات الله عليه وسلم مرسل من الله تعالى، لأنه معجزة بما ذكر، ولكن لم يكن شهيدًا بينه وبينهم، لأن من لم يعلم إعجاز القرآن لما أنه لم يكن عنده علم القرآن لم يسمع شهادة من عنده علمه، فلم يكن شهيدًا بينه وبينهم،
[ ٨ / ٥٣٧ ]
الفائت لقوى البشر. وقيل: ومن هو من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا. لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم: وقيل هو الله عز وعلا والكتاب: اللوح المحفوظ. وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله
_________________
(١) ـ .. لأن النظم المعجز والفصاحة إدراكهما بالذوق بعد أن يعلم ما كان محصلًا له. وقلت: على الشاهد أن يشهد بين الخصمين، فمن أنصف من نفسه وأذعن للحق سمع الشهادة، ومن لم يترك العناد وإن سمع وعرف وذاق لم ينفعه معرفة نفسه، فكيف بشهادة الغير، ألا ترى إلى أبي جهل وعتبة بن ربيعة كيف عرفا المعجز وذاقا البلاغة وشهدا له بالفصاحة، ولم يذعنا للحق، كما ذكره المصنف في سورة "حم السجدة"، فالشاهد أرباب البلاغة من المؤمنين، كما قال صاحب "الانتصاف". قوله: (و"الكتاب": اللوح المحفوظ)، الانتصاف: "الكتاب- على الأول-: القرآن، و"الذي عنده علم الكتاب": المؤمنون، وعلى الثاني: جنس الكتب المتقدمة". قوله: (لا والله، ما يعني إلا الله)، هذا رد لزعم من ذهب أن قوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) غير الله، وإثبات بالقسمية لما أراده، يعني: ليس كما زعموا، والله ما يعني الله بقوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) إلا الله. ولعل اختياره هذا لأن حمله على العارف بعلم القرآن- كما سبق: فيه تعسف، وعلى مؤمني أهل الكتاب: بعيد؛ لما روى محيي السنة عن قتادة: أنه عبد الله بن سلام. وأنكره الشعبي وقال: السورة مكية، وعبد الله أسلم بالمدينة. وكذا عن سعيد بن جبير. ولأن القراءتين
[ ٨ / ٥٣٨ ]
والمعنى: كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيدًا بيني وبينكم. وتعضده قراءة من قرأ ومن عنده علم الكتاب، على من الجارّة، أى. ومن لدنه علم الكتاب، لأن علم من علمه من فضله ولطفه.
وقرئ: "ومن عنده علم الكتاب" على "من" الجارّة، و"علم" على البناء للمفعول. وقرئ: "وبمن عنده علم الكتاب".
فإن قلت: بم ارتفع (علم الكتاب)؟ قلت: في القراءة التي وقع فيها (عنده) صلة يرتفع "العلم" بالمقدّر في الظرف، فيكون فاعلًا، لأنّ الظرف إذا وقع صلةً أوغل في شبه الفعل لاعتماده على الموصول، فعمل عمل الفعل، كقولك: مررت بالذي في الدار أخوه، فـ"أخوه" فاعل، كما تقول: بالذي استقرّ في الدار أخوه
_________________
(١) مساعدتان لهذا الوجه، قال أبو البقاء: "ومن قرأ: "علم الكتاب" على ما لم يسم فاعله جعل معموله (من عنده) ". قوله: (والمعنى: كفى بالذي يستحق العبادة)، يعني: إذا عني بـ "من عنده علم الكتاب": الله ﷿، يلزم عطف الشيء على نفسه، فأول اسم الذات بما يعطيه من معنى استحقاق العبادة، لكونه جامعًا لمعاني الأسماء، كما قال الأزهري: لا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون خالقًا ورازقًا ومدبرًا، فأتى بالموصولة ليتوافق المعطوف والمعطوف عليه، فيكون على وزان قول الشاعر: يا لهف زيابة للحارث الصـ … صابح فالعائم فالآيب
[ ٨ / ٥٣٩ ]
وفي القراءة التي لم يقع فيها (عنده) صلة يرتفع "العلم" بالابتداء.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة، وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد الله».
_________________
(١) الانتصاف: "قدر في المعطوف عليه اسم "الله" بالذي يستحق العبادة؛ حذرًا من عطف الصفة على الموصوف، وعدولًا إلى أنه عطف إحدى الصفتين على الأخرى". قوله: (يرتفع "العلم" بالابتداء)، قال أبو البقاء: " (من عنده) خبر، والمبتدأ: (عِلْمُ الكِتَابِ) ". تمت السورة بحمد الله وعونه
[ ٨ / ٥٤٠ ]