مكية وهى مئة واحدي عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا* قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَاسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا* ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا* وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا*
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا)].
لقن الله عباده وفقههم كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم؛
_________________
(١) ـ سورة الكهف مكية، وهي مئة وإحدى عشرة آيةً بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (لقن الله عباده وفقههم كيف يثنون عليه)، ضمن "لقَّنَ" معنى العلم، ولذلك فسره بالفقه، والمفعول الأول: "عباده"، والثاني: الجملة الاستفهامية، وليس بتعليق لذكر
[ ٩ / ٤٠٢ ]
وهي نعمة الإسلام، وما أنزل على عبده محمد ﷺ من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم
_________________
(١) ـ المفعول الأول، يُريد ما ذكره في الفاتحة: " (الْحَمْدُ لِلَّهِ) مقولٌ على ألسنة العباد، ومعناه: تعليمُ عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه ويُمجدونه ويُعظمونه". قوله: (وما انزل على عبده محمدٍ صلوات الله عليه)، عطفٌ تفسيري على قوله: "نعمة الإسلام"، وفيه: أن المذكور- من كونه مُنزلًا على عبده مستقيمًا بريئًا من الاعوجاج بشيرًا للموحدين الذين يعملون الصالحات، نذيرًا لمن أشرك بالله وعمل عملًا غير صالح- هو الإسلام. الراغب: العبدُ يُطلق على الإنسان الذي يصح بيعه نحو: (الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) [البقرة: ١٧٨]، وعلى عبدٍ بالإيجاد، وإياه عني بقوله: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم: ٩٣]، وعلى عبدٍ بالعبادة والخدمة، والناسُ فيه ضربان: عبدٌ لله مخلصًا، وهو المقصود بنحو قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)؛ وعبدُ الدنيا، وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها، وإياه عني ﷺ: "تعس عبد الدرهم، تعس عبدُ الدينار"، وعلى هذا يصح أن يُقال: ليس كل إنسان عبدًا تعالى. وقلتُ: الحديث من رواية البخاري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "تعس عبدُ الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة، كان في الساقة، إن استأن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشفع" الحديث جمع بين النوعين من العبدين.
[ ٩ / ٤٠٣ ]
وفوزهم، (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا) ولم يجعل له شيئا من العوج قط، والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد نفى الاختلاف والتناقض عن معانيه، وخروج شيء منه من الحكمة والإصابة فيه. فإن قلت: بم انتصب (قَيِّمًا)؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالا من الكتاب؛ لأنّ قوله (وَلَمْ يَجْعَلْ) معطوف على (أنزل)، فهو داخل في حيز الصلة، فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وتقديره: ولم يجعل له عوجا جعله قيما؛ لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة. فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفي أحدهما غنى عن الآخر؟ قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج
_________________
(١) ـ قوله: (والعوجُ في المعاني)، الراغب: العوجُ: العطفُ عن حال الانتصاب، يقال: عُجتُ البعير بزمامه، وفلانٌ ما يعوجُ عن شيء يهم به، أي: لايرجعُ، والعوجُ: يقالُ فيما يدركُ بالبصر، كالخشب المنتصب، والعوج: فيما يدركُ بالبصيرة والفكر، كما يكون في أرض بسيطة، وكالدين والمعاش. قوله: (وخروج شيء منه من الحكمة والإصابة فيه)، الضمير المجرور في "فيه" عائدٌ إلى الشيء، المعنى: لا تجدُ شيئًا في القرآن المجيد، ولا كلمة إن أمعنت النظر فيه خارجًا عن إصابة مجز البلاغتين، من حيث اللفظ، ومتجاوزًا عن الاشتمال على الحكمتين، أعني: العلمية والعملية من حيث المعنى. قوله: (ولا يُجعل حالًا من الكتاب)، لئلا يلزم الفصلُ بين الحال وذي الحال بأجنبي، وهو (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا)، وهو معطوفٌ على الصلة، قال أبو البقاء: ويجوز أن يكون حالًا من الضمير في (له)، ويجوز أن تكون الواو في: (وَلَمْ يَجْعَلْ) للحال؛ فيكونان حالين، أي: أنزله منفيًا عنه العوج قيمًا.
[ ٩ / ٤٠٤ ]
عند السير والتصفح. وقيل: (قيما) على سائر الكتب مصدقا لها، شاهدا بصحتها. وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بدّ لهم منه من الشرائع. وقرئ: (قيما). «أنذر» متعدّ إلى مفعولين، كقوله: (إنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا) [النبأ: ٤٠]
فاقتصر على أحدهما، وأصله (لِيُنْذِرَ) الذين كفروا (بَاسًا شَدِيدًا) والبأس من قوله: (بِعَذابٍ بَئِيسٍ) [الأعراف: ١٦٥]، وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأسًا وبآسة، (مِنْ لَدُنْهُ) صادرًا
_________________
(١) ـ قوله: (عند السير)، النهاية: وفي حديث الغار: قال له أبو بكر ﵁: لاتدخله حتى أسبره قبلك، أي: أختبره وأعتبره وأنر فيه، هل فيه أحدٌ أو شيء يؤذي. قوله: (وقيل: (قَيِّمًا) على سائر الكتُب): عطفٌ على قوله: "لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة"، وعلى هذا لا يرد السؤال. وتلخيص الجواب: أن (قَيِّمًا) إذا لم يقدر له متعلقٌ كان بمعنى مستقيمًا، فكان توكيدًا دفعًا للتجوز، من باب الطرد والعكس إذ مفهوم الثاني مؤكدٌ لمنطوق الأول، وبالعكس، وإذا قُدر له متعلق فإما أن يُقدر: (على)، كما في قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد: ٣٣] أي: رقيبٌ حافظٌ شهيد، كان تتميمًا؛ لأنه حينئذٍ كاملٌ في نفسه مكملٌ لغيره، فيكون بالغًا في الاستقامة حدها، أو يقدرُ له الباء، على نحو قولهم: فلانٌ قيمٌ بهذا الأمر، فيكون تكميلًا؛ لأنه إذن مستقيمٌ في نفسه، قيمٌ بأمور غيره. وقال القاضي: (قَيِّمًا): مستقيمًا معتدلًا لا إفراط فيه ولا تفريط، أو: قيمًا بمصالح العباد، فيكون وصفًا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال. قوله: «بِعَذَابٍ بَئِيسٍ)، الأساس: وقع في البؤس والبأساء، وفي أمر بئيس: شديد.
[ ٩ / ٤٠٥ ]
من عنده. وقرئ: (من لدنه) بسكون الدال مع إشمام الضمة وكسر النون، (وَيُبَشِّرَ) بالتخفيف والتثقيل. فإن قلت: لم اقتصر على أحد مفعولي (ينذر)؟ قلت: قد جعل المنذر به هو الغرض المسبوق إليه، فوجب الاقتصار عليه.
والدليل عليه تكرير
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ "من لدنه")، أبو بكر يقرأ: "من لدنه" بإسكال الدال وإشمامها شيئًا من الضم، وبكسر النون والهاء، ويصل الهاء بياء. والباقون: بضم الدال وإسكان النون وضم الهاء، وابن كثير على أصله: يصلها بواو. قوله: «وَيُبَشِّرُ) بالتخفيف والتثقيل)، بالتخفيف: حمزة والكسائي. قوله: (قد جعل المنذر به هو الغرض)، اعلم أن الفعل المتعدي إلى مفعول واحد إذا لم ينو مفعوله بقي مطلقًا فيكون الغرض منه الإطلاق، كقولك: فلان يُعطي ويمنعُ، فالغرض: إيجاد حقيقتهما، والمتعدي إلى المفعولين إذا اقتصر على واحدٍ يجري ذلك الحكم على المذكور، فيكون هو الغرض لا المنسي. قوله: (والدليل عليه)، أي: على أن المنذر به هو الغرض الذي سيق له الكلام: تكرير (وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) الآية، وجعلها قرينة لقوله: (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) الآية، وهو موجب لأن يُذكر فيها المنذر والمنذر به كما ذُكر في أختها المبشر والمبشر به، وإنما تُرك المنذر به في الثالثة للاكتفاء بما سيق له الكلام، ولو لم يكن أصلًا [و] ثابتًا في نفسه وأنه هو الغرض الأولى لم يستغن به عن ذكر مثله في القرنية الثالثة. فإن قلت: لِمَ لم يُجعل قوله: (لِيُنذِرَ بَاسًا شَدِيدًا) قرينة لقوله: «وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا)؟ فيُقدر المنذرُ فيه، وتترك القرينة الثالثة على إطلاقها ليكون الغرض في الإيراد ذكر المنذرين؟
[ ٩ / ٤٠٦ ]
الإنذار في قوله: (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) متعلقا بالمنذرين من غير ذكر المنذر به، كما ذكر المبشر به في قوله: (أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) استغناء بتقدّم ذكره. والأجر الحسن: الجنة. (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) أي: بالولد أو باتخاذه، يعنى: أنّ قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد للآباء، وقد استملته آباؤهم من الشيطان وتسويله. فإن قلت: اتخاذ الله ولدا في نفسه محال، فكيف قيل: ما لهم
_________________
(١) ـ قلت: ليس جعلُ ساقةٍ الكلام أصلًا في الاعتبار ومقدتمه فرعًا أولى من العكس؛ لأنهم يُقدمون الأهم وما هم ببيانه أعني، على أن (بَاسًا): ثاني مفعولي الإنذار، وهو أولى بالحذف، فترك الأول إلى ذكر الثاني أوغل في إرادة خلاف مُقتضى الظاهر، والذهاب إليه أحرى وأنسبُ؛ لأنه من حلية التنزيل، ولأن ذكر المنذر به، لا سيما اختصاصه بذكر البأس، أنفع للناس: مؤمنهم وكافرهم، فلو قُدر المنذر لاختص الإنذار بالكافرين، والمراد: الشمول. قوله: (متعلقًا)، هو: حالٌ من الإنذار، و"استغناء": مفعولٌ له، أي تكرير الإنذار - من غير ذكر المنذر به- لأجل الاستغناء، لتقدم ذر المنذر به ولذلك كرر الإنذار. قوله: (وقد استملته)، النهاية: يقال: أمللتُ الكتاب وأمليته: إذا ألقيته على الكاتب ليكتبه. الجوهري: استمليته الكتاب: سألته أن يمليه عليَّ. قوله: (اتخاذ الولد في نفسه محالٌ)، يعني: إنما ينبغي من الشخص العلمُ بالشيء إذا
[ ٩ / ٤٠٧ ]
به من علم؟ قلت: معناه ما لهم به من علم؛ لأنه ليس مما يعلم لاستحالته، وانتفاء العلم بالشيء إمّا للجهل بالطريق الموصل إليه، وإما لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به. قرئ: (كبرت كلمة) و(كلمة)؛ بالنصب على التمييز والرفع على الفاعلية، والنصب أقوى وأبلغ،
_________________
(١) ـ كان ذلك الشيء ثابتًا في نفسه، وأنه فاقدٌ للطريق الموصل إليه، واتخاذ الولد ف نفسه مُحالٌ، فكيف قيل: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ)؟ وتلخيص الجواب: جاز ذلك إرادة للمبالغة، وأن ما تفوهوا به معدومٌ بالطريق البرهاني، كأنه قيل: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ)؛ لأنه ليس مما يتعلق به العلم؛ لأن العلم تابعٌ للمعلوم، والمحالُ لا يستقيم تعلق العلم به، لكن هذا السؤال مستدرك؛ لأنه قال أولًا: إن قولهم هذا لم يصدر عن علم لكن عن جهل مفرط وتقليد للآباء. قوله: (وقرئ: (كَبُرَتْ كَلِمَةً)، و"كلمة")، قال ابن جني: بالرفع قرا يحيى بن يعمر، الحسن، وابن محيصن. سمى قولهم: (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا): كلمة، كما سموا القصيدة- وإن كانت مئة بيت- كلمة، وهذا كوضعهم الاسم الواحد على جنسه، ولله فصاحة الحجاج وكثرة قوله على المنبر يا أيها الرجل وكلكم ذلك الرجل. الراغب: وتستعمل الكبيرة فيما يشق ويصعب، نحو: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) [البقرة: ٤٥]، وقوله: (كَبُرَتْ كَلِمَةً) ففيه تنبيه على عظم ذلك من بين الذنوب، وعظم عقوبته، وكذلك: (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ) [الصف: ٣]. قوله: (والنصب أقوى)؛ لأنه فاعلٌ مُزالٌ عن أصله للإبهام والتبيين.
[ ٩ / ٤٠٨ ]
وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.
و(تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق بها وإخراجها من أفواههم،
_________________
(١) ـ قوله: (وفيه معنى التعجب)، قال في قوله تعالى: (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ) [الصف: ٣]: "قصد في (كَبُرَ) التعجب من غير لفظه، كقوله: . غلت نابٌ كليب بواؤها ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين؛ لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج من نظائره. قوله: (و(تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ): صفة للكلمة)، هذا إذا كانت مرفوعة ظاهر، وإن نُصبت تمييزًا يلزم وصفُ التمييز، وهو جائز، وقد جاء معرفة في قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) [البقرة: ١٣٠]، وقول الشاعر: ولا بفزارة الشعر الرقابا على أن الوصف غير مخصص، بل هو مؤكد، نحو قوله: (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) [الأنعام: ٣٨]، وقال أبو البقاء: (كَلِمَةُ): تمييز، والفاعل مضمر، أي: كبرت مقالتهم، وفي: (َخْرُجُ) وجهان، أحدهما: هو في موضع نصب صفة لـ"كلمة"، والثاني: في موضع رفع تقديره: "كبرت كلمة كلمة تخرج"؛ لأن "كَبُرَ" بمعنى "بَئسَ"، فالمحذوف هو المخصوص بالذم.
[ ٩ / ٤٠٩ ]
فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس ويحدّثون به أنفسهم من المنكرات لا يتمالكون أن يتفوّهوا به ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوّرا من إظهاره، فكيف بمثل هذا المنكر؟ وقرئ: (كبرت) بسكون الباء مع إشمام الضمة. فإن قلت: إلام يرجع الضمير في كبرت؟ قلت: إلى قولهم: (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)، وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.
[(فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)].
شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وما تداخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم، ويبخع نفسه
_________________
(١) ـ قوله: (فإن كثيرًا مما يوسوسه الشيطان)، إلى قوله: (بل يكظمون عليه تشورًا من إظهاره)، مقتبسٌ من قوله ﷺ، عن عبد الله بن مسعود، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة، فقالوا: إن أحدنا ليجد في نفسه لأن يُحرق أو يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، قال: "ذلك محض الإيمان"، أخرجه مسلمٌ. قوله: (شبهه وإياهم)، يعني: شبه الله رسول الله ﷺ وقومه في قوله: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ)، فالاستعارة تمثيلية لكون المشبه: حاله وحال قومه، والمشبه به: حال الرجل مع أحبته. قوله: (ويبخع نفسه). الراغب: البخع: قتل النفس غمًا، وقوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ) حث على ترك التأسف، نحو: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر: ٨]، قال الشاعر: ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه وبخع فلانٌ بالطاعة، وبما عليه من الحق: إذا أقر به وأذعن مع كراهةٍ شديدة تجري مجرى: بخع نفسه في شدته.
[ ٩ / ٤١٠ ]
وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم. وقرئ: (باخع نفسك) على الأصل وعلى الإضافة، أي: قاتلها ومهلكها، وهو للاستقبال فيمن قرأ: (إن لم يؤمنوا)، وللمضي فيمن قرأ: (أن لم يؤمنوا)، بمعنى: لأن لم يؤمنوا (بِهذَا الْحَدِيثِ) بالقرآن، (أَسَفًا) مفعول له، أي: لفرط الحزن. ويجوز أن يكون حالًا. والأسف: المبالغة في الحزن والغضب. يقال: رجل أسف وأسيف.
[(إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا* وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا* أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا* إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا* فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا)].
(ما عَلَى الْأَرْضِ) يعنى: ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها، (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) وحسن العمل: الزهد فيها وترك
_________________
(١) ـ قوله: (وللمضي فيمن قرأ: "أن لم يؤمنوا")، قال أبو البقاء: "أن لم يؤمنوا" بالفتح: شاذة، والجمهور على الكسر. ومُرادُ المصنف أن المناسب على قراءة من قرأ "أن لم يؤمنوا" بفتح (أنْ) حملُ (بَاخِعٌ) على المعنى بناء على حكاية الحال الماضية، قال أبو البقاء: كأنه قيل: لعلك بخعت نفسك لأجل عدم إيمانهم، فجيء باسم الفاعل لتصوير تل الحالة في ذهن السامع واستحضارها، وعلى من قرأ (إنْ) بالكسر، المناسب حملُ (بَاخِعٌ) على الاستقبال لأجل الشرط، كأنه قيل: لعلك تبخع نفسك الآن أو غدًا إن لم يصدر منهم إيمانٌ. قوله: (رجلٌ أسفٌ وأسيف)، رُوي عن المصنف: الأسف أصلٌ معناهُ: الجهد دون العفو، ومنه الأسيف: الأجير، لجهده في العمل، ألا تراه سُمي عسيفًا من العسف؟ قوله: (وحسنُ العمل: الزهد فيها). قال القاضي: " (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) في
[ ٩ / ٤١١ ]
الاغترار بها، ثم زهد في الميل إليها بقوله: (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها) من هذه الزينة، (صَعِيدًا جُرُزًا) يعنى: مثل أرض بيضاء لا نبات فيها، بعد أن كانت خضراء معشبة، في إزالة بهجته، وإماطة حسنه، وإبطال
_________________
(١) ـ تعاطيه، وهو من زهد فيه ولم يغتر به، وقنع منه بما يُزجي به أيامه وصرفه على ما ينبغي فيه، وفيه تسكين لرسول الله ﷺ". قوله: (ثم زهد في الميل إليها بقوله: (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ»، يعني: قال أولًا: إنا زينا وجه الأرض ابتلاء واختبارًا، ثم بينا أنها في عُرض الفناء ووشك الزوال ليزهدوا فيه، كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ) [يونس: ٢٤]. قوله: (من هذه الزينة)، جاء بـ (هذه) ليُشير إلى تحقير شأن الزينة. قوله: (بيضاء لا نبات فيها)، الراغب: (جُرُزًا)، أي: منقطع النبات من أصله، وأرض مجروزة: أُكل ما فيها، والجروز: الذي يأكل ما على الخوان، وفي المثل: "لا ترضى شانئة إلا بجرزة"، أي: بالاستئصال، والجرزُ: القطعُ بالسيف، وسيفٌ جُراز. قوله: (بهجته)، الجوهري: البهجة: السرور. الراغب: البهجة: حُسن اللون وظهور السرور فيه، قال تعالى: (حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ) [النمل: ٦٠]، وقد بهُجَ فهو بهيجٌ، ويقال: باهجٌ، وقد ابتهج بكذا، أي: سُرَّ به سُرورًا بان أثره على وجهه، وأبهجه كذا.
[ ٩ / ٤١٢ ]
ما به كان زينة: من إماتة الحيوان، وتجفيف النبات والأشجار، ونحو ذلك. ذكر من الآيات الكلية تزيين الأرض بما خلق فوقها من الأجناس التي لا حصر لها وإزالة ذلك كله كأن لم يكن، ثم قال: (أَمْ حَسِبْتَ) يعنى: أن ذلك أعظم من قصة
_________________
(١) ـ قوله: (ما به كان زينةً)، أي: ما كانت الأرض مزينة به، أو: الذي كان ما على الأرض مزينًا به. قوله: (من إماتة الحيوان)، بيانٌ لقوله: "'إزالة بهجته" أو "ما" في "ما به". قوله: (ثم قال: (أَمْ حَسِبْتُ»، يعني: أن ذلك أعظمُ من قصة أصحاب الكهف، يعني: (أم): منقطعةٌ، والهمزة فيه للتعجب، يعني: يتعجب من قصة أصحاب الكهف ويتركُ ما سبق، والإنسانُ من عادته أن يتعجب من شيء قل إيناسه به، وإن كان الذي بحضرته أعجب منه، وتلخيص ما ذكره الإمام في هذا المعنى هو: أنه تعالى لما قال: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا) أي: أخرجنا أنواع زخارف الأرض وزينتها، كما قال تعالى: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) [يونس: ٢٤]، وأصناف المنافع الفائتة للحصر على طبائع مُتباعدة، وهيئاتٍ متخالفةٍ، من مادة واحدة، ابتلاء لبني آدم، قال بعده: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ) أي: أحسبت أن أحوالهم كانت أعجب من آياتنا؟ فلا تحسبن ذلك، فإن آياتنا كلها أعجب، فإن من كان قادرًا على خلق السماوات والأرض، ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم تقليبها (صَعِيدًا جُرُزًا) كيف يُستبعد من قدرته ورحمته حفظُ طائفةٍ في النوم سنين متطاولة؟ وقال محيي السُّنة: (أَمْ حَسِبْتَ): أظننت يا محمد (أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)، أي: هم عجبٌ من آياتنا. وقيل: معناه: ليسوا بأعجب من آياتنا، فإن ما خلقتُ من السماوات والأرض وما فيهن أعجبُ منهم.
[ ٩ / ٤١٣ ]
أصحاب الكهف وإبقاء حياتهم مدّة طويلة. و(الكهف): الغار الواسع في الجبل، (وَالرَّقِيمِ) اسم كلبهم. قال أمية ابن أبي الصلت:
_________________
(١) ـ وقلتُ: تقريب هذين المعنيين إنما يظهر بتحقيق معنى الهمزة في "امْ"؛ لأنها منقطعةٌ متضمنة للهمزة و"بلْ"، كما قال الراغب: "أمْ"، إذا قُوبل به همزة الاستفهام، فمعناه: أي، نحو: أزيدٌ عندك أم عمروٌ، أي: أيهما؟ وإذا جُرد عن ذلك يقتضي معنى ألف الاستفهام مع "بل"، نحو: (أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الأَبْصَارُ) [ص: ٦٣]، أي: بل زاغت. فإن حُملت على الإنكار أفاد النفي، أي: لا يُتعجب منه، وإن حُملت على التنبيه أفاد التقرير، أي: هم عجبٌ من آياتنا فاعلمه، ولعل هذا أقرب؛ لأن الإضراب عن الكلام الأول إنما يحسن إذا كان الكلام الثاني أغرب وأحسن ليحصل الترقي. وأيضًا، يقتضي المنكرُ أن يكون مقررًا عن السامع معلومًا عنده، وما لا يعلمه كيف يقال له: لا تتعجب منه؟ وكيف لا وإن هذا ابتداءُ إعلام من الله بقصتهم بشهادة سؤال المنكرين، وإمساك النبي ﷺ وانقطاع الوحي أربعين أو خمسة عشر يومًا، ثم نزول الآيات تصديقًا له؟ فالوجه أن يُجرى الكلامُ على التسلي والاستفهام على التنبيه. ويقال: إنه ﷺ لما أخذه من الكآبة والسف من إباء القوم وامتناعهم عن الإيمان ما بلغ أن يبخع نفسه، قيل له: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)، وعلل ذلك بقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، أي: جعلنا ذلك لنختبرهم، وحين لم تتعلق إرادتنا بإيمانهم بها، تلهوا بها، وتشاغلوا عن آياتنا، وغفلوا عن شُكرها، وبدلوا الإيمان بالكفران، فلا تُبال بهم، فإنا لجاعلون أبدانهم جرزًا لأسيافكم، كما إنا لجاعلون ما عليها صعيدًا جرزًا، ألا ترى إلى أولئك الفتيان
[ ٩ / ٤١٤ ]
وليس بها إلّا الرّقيم مجاورًا … وصيدهم والقوم في الكهف همّد
وقيل: هو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم، جعل على باب الكهف. وقيل: إن الناس رقموا حديثهم نقرا في الجبل. وقيل: هو الوادي الذي فيه الكهف. وقيل: الجبل. وقيل: قريتهم. وقيل: مكانهم بين غضبان وأيلة دون فلسطين (كانُوا) آية (عَجَبًا) من آياتنا، وصفا بالمصدر، أو على: ذات عجب، (مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) أي: رحمة من خزائن رحمتك، وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء، (وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا) الذي نحن عليه من مفارقة الكفار، (رَشَدًا) حتى نكون بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا رشدا كله، كقولك: رأيت منك أسدا، (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ)
_________________
(١) ـ كيف اهتدوا وفروا إلى الله وتركوا زينة الدنيا وزخرفها فأووا على الكهف قائلين: (رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)، وكما تعلقت الإرادة بإرشادهم فاهتدوا، يتعلق بإرشاد قومٍ من أمتك: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [المائدة: ٥٤]، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (وليس بها إلا الرقيم) البيت، الوصيد: فناء البيت، وهو مفعول "مجاورًا"، يعني: أن أصحاب الكهف كانوا رقودًا في الغار وكلبهم مجاورًا لوصيدهم. قوله: (أيلةَ): دون فلسطين. النهاية: أيلة- بفتح الهمزة وسكون الياء -: البلدُ المعروف فيما بين مصر والشام. قوله: (أو: اجعل أمرنا رشدًا كله، كقولك: رأيت منك أسدًا)، (مِن) على الأول: صلة (َهَيِّئْ)، وعلى هذا بيان وتجريد، جرد من الأمر رشدًا وهو الأمر بعينه مبالغةً في رشاده، ولهذا قال: رشدًا كله.
[ ٩ / ٤١٥ ]
أي: ضربنا عليها حجابا من أن تسمع، يعنى: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات، كما ترى المستثقل في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه، فحذف المفعول الذي هو الحجاب. كما يقال: بني على امرأته، يريدون: بني عليها القبة، (سِنِينَ عَدَدًا) ذوات عدد، فيحتمل أن يريد الكثرة وأن يريد القلة؛ لأن الكثير قليل عنده، كقوله: (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ) (الأحقاف: ٣٥)، وقال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج أن يعدّ، وإذا كثر احتاج إلى أن يعد.
_________________
(١) ـ قوله: (أنمناهم إنامة ثقيلة)، يريد أن قوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ): كناية عن الإنامة الثقيلة: لأن المستثقل في نومه يُصاح به فلا يسمعُ، وإنما خُصت الآذان دون العيون، مع أن النوم يتعلق بها؛ لأن المراد المبالغة في النوم، فإن النائم في الأكثر يتنبه بسبب نُفوذ الصُّراخ في منفذ الصماخ. قوله: (بني على امرأته)، الأساس: بني على أهله: دخل عليها، وأصله أن المُعرس أن يبني على أهله خباء. قوله: (وقال الزجاج: إذا قل فُهِم مقدارُ عدده، فلم يحتج أن يُعد، وإذا كثُر احتاج إلى أن يُعد)، هذا مختصرٌ من كلامه، وكلامه أن (عَدَدًا): منصوبٌ على ضربين، أحدهما: على المصدر، المعنى: يعد عددًا، ويجوز أن يكون نعتًا للسنين: والمعنى سنين ذات عدد، والفائدة في قولك: عددٌ في الأشياء المعدودات: أنك تريدُ توكيد كثرة الشيء؛ لأنه إذا قل فُهم مقدارُ عدده فلم يحتج إلى أن يُعد، وإذا كثُر يحتاج إلى أن يُعد، والعددُ في قولك: أقمت أيامًا عددًا، تريد به الكثرة، وجائزٌ أن يؤد بعددٍ معنى الجماعة أنها قد خرجت من معنى الواحد. وقلتُ: ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂ في حديث بدء
[ ٩ / ٤١٦ ]
[(ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا)].
(أَيُّ) يتضمن معنى الاستفهام، فعلق عنه (لِنَعْلَمَ) فلم يعمل فيه. وقرئ: (ليعلم) وهو معلق عنه أيضا؛ لأن ارتفاعه بالابتداء لا بإسناد «يعلم» إليه، وفاعل «يعلم» مضمون الجملة كما أنه مفعول «نعلم»، (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) المختلفين منهم في مدّة لبثهم؛ لأنهم لما انتبهوا اختلفوا في ذلك، وذلك قوله: (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ) [الكهف: ١٩]، وكان الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتم: هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول، أو أي الحزبين المختلفين من غيرهم، و(أَحْصى) فعل ماض، أي: أيهم ضبط (أَمَدًا) لأوقات
_________________
(١) ـ الوحي: وكان يخلو بغارِ حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد. الحديث، قيل: فيه نظرٌ؛ لأن العدد يعبر به عن القلة، كقوله تعالى: (دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ) [يوسف: ٢٠]، أي: قليلة تُعد عدًا، ولأن الكثيرة يمنع من عدها كثرتها، فإنما تُهالُ هيلًا، أو تُكالُ كيلًا. وأجيب: بأن الكثرة والقلة بحسب اقتضاء المقام، فإن مقام التعجب من خرق العادة يقتضي الكثرة، على أن المراد بقوله: (سِنِينَ عَدَدًا) [الكهف: ١١]، (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) [الكهف: ٢٥]، ومقام التهاون بيوسف والزهد في قيمته يقتضي القلة. قوله: (أي الحزبين المختلفين)، الراغب: الحزب: جماعةٌ فيها غلظٌ، وحزبُ الشيطان. وقوله تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ) [الأحزاب: ٢٢] عبارة عن المجتمعين لمحاربة النبي ﷺ، (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ). قوله: «أَحْصَى) فعلٌ ماض)، الراغب: الإحصاء: التحصيل بالعدد، يقال: أحصيت كذا، وذلك من لفظ الحصى، واستعمال ذلك فيه من حيثُ إنهم كانوا يعتمدونه بالعد كاعتمادنا
[ ٩ / ٤١٧ ]
لبثهم. فإن قلت: فما تقول فيمن جعله من (أفعل) التفضيل؟ قلت: ليس بالوجه
_________________
(١) ـ فيه على الأصابع. قال تعالى: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) [الجن: ٢٨]، أي حصله وأحاط به. وفي الحديث: "من أحصاها دخل الجنة"، وفيه: "نفسٌ تنجيها خيرٌ لك من إمارة لا تحصيها"، وفيه: "استقيموا ولن تحصوا"، أي: لن تحصلوا ذلك، ووجه تعذر إحصائه وتحصيله: هو أن الحق واحدٌ والباطل كثيرٌ، بل الحق بالإضافة إلى الباطل كالنقطة بالإضافة إلى سائر أجزاء الدائرة، وكالمرمى من الهدف، فإصابة ذلك شديد. وقال أبو البقاء: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ): مبتدأ، والخبر: (أَحْصَى)، و(أَمَدًا): مفعوله: و(لِمَا لَبِثُوا): نعتٌ له، قُدم فصار حالًا أو مفعولًا له، أي: لأجل لُبثهم. قوله: (فما تقول فيمن جعله من "أفعل" التفضيل؟)، هذا السؤال وجوابه إشارة على ما ذهب إليه الزجاج في "تفسيره"، وما أورد عليه أبو علي في "الإغفال". قال الزجاج: الأمد: الغاية، وهو منصوبٌ، إما على التمييز أو على أنه مفعول (أَحْصَى)، كأنه قيل: لنعلَمَ أهؤلاءِ أحصى للأمد أو هؤلاء؟ أو يكون منصوبًا بـ (لَبِثُوا)، و(لِمَا): متعلق بـ (أَحْصَى). المعنى: أي الحزبين أحصى للُبثهم في الأمد. وقال أبو علي: الحمل على التمييز عندي غير مستقيم؛ لأن (أَحْصَى) لا يجوز أن يكون أفعل التفضيل لأمرين، أحدهما: أن أفعل يفعل لا يُبنى منه أفْعِلْ من كذا. وأما قولهم: ما أولاه للخير وما أعطاه للدرهم! فمن الشاذ النادر الذي لا يُقاس عليه.
[ ٩ / ٤١٨ ]
السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرّد ليس بقياس، ونحو: (أعدى من
_________________
(١) ـ وثانيهما: أن التمييز في نحو: هو أكثرُ مالًا وأحسنُ وجهًا: فاعلٌ في المعنى، وإن كان منتصبًا في اللفظ؛ لأن الوجه هو الذي حَسُنَ، والمال هو الذي كثر، ليس الأمد هو الذي أحصى. كذا ذكر ابن الحاجب في "الأمالي". وقال أبو علي: وفيه وجهٌ آخر لو جُوز حملُ (أَحْصَى) على أفعل التفضيل في الشذوذ، يكون (أَمَدًا) منتصبًا بفعل يدل عليه (أَحْصَى). وقال صاحب "التقريب": التفضيلُ هو السابق إلى الفهم، والتقسيم غير منحصر، لجواز انتصابه تمييزًا (لِما)، والمعنى: أضبط للأمد الذي لبثوه. وقال صاحب "الانتصاف": لقائل أن ينصبه تمييزًا لقوله: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) [الجن: ٢٨]، وإن كانت (َأَحْصَى) هناك فعلًا، ويؤيده أن الواقعة في اختلاف الأحزاب مقدار اللبث، (إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً) فأمثلهم طريقة هو أحصاهم أمدًا. وقال صاحب "الإنصاف": لا بُعدَ فيما استبعده الزمخشري من إضمار فعلٍ من جنس أفعلَ، كقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) [النحل: ١٢٥] يحتاجُ إلى إضمار فعل آخر من جنس أفعل؛ إذ الإضافة مستحيلةٌ هناك، وللزمخشري أن يجيب بأن هناك بناء على ضرورة، ولا ضرورة هاهنا؛ ولذلك قال: "أبعدت المتناول وهو قريب". قوله: (أن بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس)، الانتصاف: جعل بعضُ النحاة بناء أفعل من المزيد فيه الهمزة قياسًا، ونسبه إلى سيبويه، وعلله بأن بناءه منه لا يغير نظم الكلمة، إنما هو تعويض همزة بهمزة.
[ ٩ / ٤١٩ ]
الجرب)، و«أفلس من ابن المذلق» شاذ. والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع، فكيف به؟ ولأن (أَمَدًا) لا يخلو: إما أن ينتصب بـ (أفعل)، فـ (أفعل) لا يعمل، وإما أن ينصب بـ (لبثوا)، فلا يسدّ عليه المعنى. فإن زعمت أني
أنصبه بإضمار فعل يدل عليه (أحصى)، كما أضمر في قوله:
وأضرب منّا بالسّيوف القوانسا
_________________
(١) ـ قوله: (وأفلس من ابن المذلق)، قال الميداني: يُروى بالدال والذال، وهو رجلٌ من بني عبد شمس، وأبوه وأجداده يعرفون بالإفلاس. قال الشاعر في أبيه: فإنك إذ ترجو تميمًا ونفعها … كراجي الندى والعُرف عند المذلق قوله: (وإما أن يُنصب بـ (لْبَثُوا)، فلا يُسد عليه المعنى)، هو رد على الزجاج، أو يكون منصوبًا بـ (لْبَثُوا) أي: أي الحزبين أحصى للبثهم في الأمد؟ لأن المعنى: أيكم أضبط للأمد الذي لبثوه؟ فالمحصي المد لا اللبث. وقيل: إنما لا يُسد عليه المعنى لأن "أمدًا" معناه انتهاء المدة وغايتها، وليس المعنى على أنهم لبثوا انتهاء المدة، وفيه نظرٌ؛ لأن "الأمد" يُطلق على المدة كلها وعلى غايتها. النهاية: قال الحجاج للحسن: ما أمدُك؟ قال: سنتان لخلافة عمر، وللإنسان أمدان: مولده وموته. قوله: (فلا يُسد عليه) بفتح السين في النسخ. الجوهري: سد قوله يسد، بالكسر، أي: صار سديدًا. الأساس: وسد الرجل يسد: صار سديدًا، وسد قوله وأمره يسد، وأمره سديد، وقلت له سدادًا من القول، وسددًا: صوابًا. قوله: (وأضرب منا بالسيوف القوانسا)، قبله: ولم أر مثل الحي حيًا مصبحًا … ولامثلنا يوم التقينا فوارسا
[ ٩ / ٤٢٠ ]
على: نضرب القوانس، فقد أبعدت المتناول وهو قريب، حيث أبيت أن يكون (أحصى) فعلا، ثم رجعت مضطرا إلى تقديره وإضماره. فإن قلت: كيف جعل الله تعالى العلم بإحصائهم المدّة غرضا في الضرب على آذانهم؟ قلت: الله ﷿ لم يزل عالما بذلك، وإنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم؛ ليزدادوا إيمانا واعتبارا، ويكون لطفا لمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفاره.
[(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً* وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا* هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأتُونَ
_________________
(١) ـ أكر وأحمى للحقيقة منهم … وأضرب منا بالسيوف القوانسا المصبح: المغارُ عليه وقت الصبح، وحقيقة الرجل: ما لزمه الدفاع عنه من أهل لبيته، والقوانس: جمع قونس: وهو أعلى البيضة، مدح كلا الفريقين عدوهم ونفسهم، يقول: لم أر مُغارا عليهم كالذين صبحناهم، ولا مُغيرا مثلنا يوم لقيناهم. قوله: (فقد أبعدت المتناول)، وهو انه منصوب بـ (أَحْصَى)؛ لأنك أثبت أولًا أنه منصوبٌ به، ثم يقدره بعد ارتكاب هذه التكاليف. قوله: (وإنما أراد ما تعلق به العلمُ من ظهور الأمر لهم)، يعني: ضربنا على آذانهم ليظهر معلومُ العلم، وهو أيهم أحصى أمد لُبثهم، فالتعليلُ ليس لحصول العلم، بل لظهور المعلوم، يعني: كان هذا الأمر العجيب معلومًا لله تعالى في الأزل، فتعلقت إرادته بإظهاره للمكلفين ليتعجبوا منه ويعتبروا به، فيكون مزيدًا لإيمانهم ولُطفًا لمؤمني زمانهم، بأن يستنوا بسنتهم، ودليلًا ظاهرًا على وجود الصانع لكافريهم، فيستدلوا به ثم يؤمنوا.
[ ٩ / ٤٢١ ]
عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)].
(وَزِدْناهُمْ هُدىً) بالتوفيق والتثبيت، (وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ) وقويناها بالصبر على هجر الأوطان والنعيم، والفرار بالدين إلى بعض الغيران، وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام (إِذْ قامُوا) بين يدي الجبار وهو دقيانوس، من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم، (فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ … شَطَطًا) قولا ذا شطط، وهو الإفراط في الظلم والإبعاد فيه، من: شط: إذا بعد. ومنه: أشط. في السوم وفي غيره، (هؤُلاءِ) مبتدأ، و(قَوْمُنَا)
_________________
(١) ـ قوله: «وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) وقويناها بالصبر)، الأساس: ربط الدابة: شدها بالرباط، والمربطُ هو الحبلُ، ومن المجاز: ربط الله على قلبه: صبره، ورجلٌ رابط الجأش، فالربط هنا تمثيل، ومعنى الاستعلاء في (على) المبالغة؛ لأن ربط يتعدى بنفسه، فجُعل بمنزلة اللازم، وعُدي بـ"على"، نحو قوله: .. يجرح في عراقيبها نصلي قوله: (ومنه: أشط في السوم)، الأساس: أشط في السوم واشتط، يقال: "لا وكس ولا شطط"، وأشط في الحكم، وأشطوا في طلبه: أمعنوا. الراغب: الشطط: الإفراطُ في البُعد، يقال شطت الدارُ، وأشط، يقال في المكان، وفي الحكم، وفي السوم، قال: شط المزار بحزوى وانتهى الأمل
[ ٩ / ٤٢٢ ]
عطف بيان (اتَّخَذُوا) خبر وهو إخبار في معنى إنكار، (لَوْلا يَاتُونَ عَلَيْهِمْ) هلا يأتون على عبادتهم، فحذف المضاف بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ وهو تبكيت، لأنّ الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال، وهو دليل على فساد التقليد، وأنه لا بد في الدين من الحجة حتى يصح ويثبت افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا بنسبة الشريك إليه.
[(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَاوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا)].
(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ) خطاب من بعضهم لبعض، حين صممت عزيمتهم على الفرار بدينهم (وَما يَعْبُدُونَ) نصب، عطف على الضمير، يعنى: وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم (إِلَّا اللَّهَ) يجوز أن يكون استثناء متصلا، على ما روى: أنهم كانوا يقرون بالخالق ويشركون معه كما أهل مكة. وأن يكون منقطعا. وقيل: هو كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفئة أنهم لم يعبدوا غير الله،
_________________
(١) ـ وعُبر بالشطط عن الجورِ، قال تعالى: (لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا)، وشط النهر: حيث يبعُد عن الماء من حافته. قوله: (وهو دليلٌ على فساد التقليد)، قال القاضي: وفيه دليلٌ على أن ما لا دليل عليه من الديانات مردودٌ، وأن التقليد فيه غير جائز. قوله: «إِلاَّ اللَّهُ) يجوز أن يكون استثناء متصلًا)، فـ (ما) في (مَا يَعْبُدُونَ): موصولة، و(إِلاَّ اللَّهُ): يجوزأن يكون استثناء متصلًا، و«إِلاَّ اللَّهُ» مستثني من (ما)، أو من العائد المحذوف. قوله: (وقيل: هو كلامٌ معترض)، فالتقدير: وإذ اعتزلتموهم فأووا إلى الكهف،
[ ٩ / ٤٢٣ ]
مِرفَقًا قرئ بفتح الميم وكسرها، وهو ما يرتفق به: أي ينتفع. إما أن يقولوا ذلك ثقة بفضل الله وقوّة في رجائهم لتوكلهم عليه ونصوع يقينهم. وإما أن يخبرهم به نبىّ في عصرهم، وإما أن يكون بعضهم نبيًا.
[(وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا)].
(تَتَزاوَرُ) أي تمايل، أصله: تتزاور، فخفف بإدغام التاء في الزاي أو حذفها. وقد قرئ بهما. وقرئ: تزورّ. وتزوارّ: بوزن تحمرّ وتحمارّ، وكلها من الزور وهو الميل،
_________________
(١) ـ فاعترض بين الشرط والجزاء جملةٌ منفية مؤكدة لمعنى ما اعترضت فيه، وهو إخلاص العبادة لله تعالى. قوله: «مِرفَقًا) قرئ بفتح الميم وكسرها)، نافعٌ وابن عامرٍ: بفتح الميم وكسر الفاء، والباقون: بكسر الميم وفتح الفاء. قوله: (ونصوع يقينهم)، الجوهري: الناصعُ: الخالص من كل شيء. قوله: (وقد قرئ بهما، وقرئ: "تزور")، ابن عامرٍ: بإسكان الزاي وتشديد الراء، والكوفيون: بفتح الزاي مخففة، وألفٍ بعدها، والباقون: يشددون الزاي ويثبتون الألف. قوله: (و"تزوارُّ")، قال ابن جني: قرأها الجحدري، وقلما جاءت "افعالَّ" إلا في الألوان، نحو: اسواد واحمار واصفار، أو العيوب الظاهرة نحو: احولَّ واحوالَّ، واعورَّ واعوارَّ، وقد جاءت افعالَّ وافعَلَّ، وهي مقصورةٌ من افعالَّ، في غير الألوان، قالوا:
[ ٩ / ٤٢٤ ]
ومنه زاره إذا مال إليه. والزور: الميل عن الصدق (ذاتَ الْيَمِينِ) جهة اليمين. وحقيقتها. الجهة المسماة باليمين (تَقْرِضُهُمْ) تقطعهم لا تقربهم من معنى القطيعة والصرم. قال ذو الرمة:
إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف … شمالًا وعن أيمانهنّ الفوارس
_________________
(١) ـ ارعوى، وهو افعلَّ، واقتوى، أي: خدم وساس، من القتو، وهو الخدمة. وقالوا: اشعار رأسه، أي: تفرق شعره. الراغب: الزور: أعلى الصدر، وزُرت فلانًا: تلقيته بزوري، أو قصدت زوره، نحو: وجهته، والزور: ميل في الزور، (تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ) أي: تميل، وقرئ: "تزور". قال أبوالحسن: لا معنى لـ"تزورُّ" هنا؛ لأن الازورار: الانقباضُ، وقيل للكذب: زورٌ لميله عن جهته. وقوله: «تَقْرِضُهُمْ) تقطعهم)، الراغب: القرضُ: ضربٌ من القطع، ويسمى قطع المكان وتجاوزه قرضًا، كما سُمي قطعًا. قال: (تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أي: تجوزهم، وسُمي ما يُدفع إلى الإنسان من المال بشرط رد بدله قرضًا، وسُمي المفاوضة في الشعر مقارضة، والقرضُ للشعر مستعارٌ استعارة النسج والحوك. قوله: (إلى ظُعُنٍ)، وقبله: نظرت بجرعاء السبية نظرة … ضُحى وسوادُ العين في الماء شامس إلى ظُعن يقرضن أقواز مشرفٍ … شمالًا، وعن أيمانهن الفوارس
[ ٩ / ٤٢٥ ]
(وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ) وهم في متسع من الكهف. والمعنى أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها، مع أنهم في مكان واسع منفتح معرّض لإصابة الشمس لولا أنّ الله يحجبها عنهم. وقيل: في متفسح من غارهم ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم ولا يحسبون كرب الغار (ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ) أي ما صنعه الله بهم - من ازورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة - آية من آياته، يعنى: أنّ ما كان في ذلك السمت تصيبه الشمس ولا تصيبهم، اختصاصا لهم بالكرامة. وقيل: باب الكهف شمالي مستقبل لبنات نعش، فهم في مقنأة أبدًا. ومعنى ذلِكَ (مِنْ آياتِ اللَّهِ): أنّ شأنهم وحديثهم من آيات الله، (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) ثناء عليهم بأنهم جاهدوا في الله وأسلموا له وجوههم، فلطف بهم وأعانهم، وأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية والاختصاص بالآية العظيمة، وأن كل من سلك طريقة المهتدين الراشدين فهو الذي أصاب الفلاح، واهتدى إلى السعادة، ومن تعرّض للخذلان، فلن يجد من يليه ويرشده بعد خذلان الله.
_________________
(١) ـ الجرعاء: الرملة لا تنبت، والسبية: المرأة تُسبي. شامسٌ: من شمس الفرس شماسا، أي: منع ظهره، شبه كلال العين بشماس الفرس. الظُّعُن: النساء في الهودج. الأقوازُ: جمعُ قوز، وهو الكثيبُ، مشرفٌ: رملٌ معروفٌ، وكذا الفوارس: علمُ أرمالٍ معروفةٍ بالدهناء، ويمكنُ أن يكون مع فرسان. يقول: نظرتُ إلى ظُعُنٍ يقطعن الأرض في السير بحيثُ كانت الأقواز عن شمالهن وعن أيمانهن الفوارس تحميهن. قوله: (في متسع من الكهف)، الراغب: (فِي فَجْوَةٍ)، أي: ساحة واسعة، ومنه: قوسٌ فجاءٌ وفجواءُ: بان وترُها عن كبدها، ورجلٌ أفجي: بينُ الفجا، أي: متباعد ما بين العرقوبين. قوله: (فهم في مقنأة أبدًا)، الجوهري: مقنأة: نقيضُ مضحاة، يُهمز ولا يهمز. قوله: (وان كل من سلك طريقة المهتدين)، يريد أن قوله: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ) الآية، كالتذييل
[ ٩ / ٤٢٦ ]
[(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا)].
(وَتَحْسَبُهُمْ) بكسر السين وفتحها: خطاب لكل أحد. والأيقاظ: جمع يقظ، كأنكاد في نكد. قيل: عيونهم مفتحة وهم نيام، فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظا. وقيل: لكثرة تقلبهم وقيل: لهم تقلبتان في السنة. وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.
_________________
(١) ـ للكلام السابق، وجيء به عامًا في كل من سلك طريق المهديين، ومن تعرض للخذلان ليدخل فيه هؤلاء دخولًا أوليًا فيكون ثناءً عليهم بأبلغ وجه، كلامٌ حسنٌ، لكن فهي اعتزالٌ خفيٌّ خفي على صاحب "الانتصاف"؛ حيثُ نسبهُ إلى أفعالهم، فهلا حمله على فعل الله تعالى لينظر إلى بيان إرادة الله تعالى ومشيئته واختصاصهم بهذ الكرامة السنية، وتحريم غيرهم عنها، فيكون تذييلًا لقوله: (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) لقوله: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ)؛ فيكون ثناء على الله تعالى. وفي تكرير أمر واحد في الشرط والجزاء في الموضعين للدلالة على ما قررناه. وأيضًا، لو أريد مدحهم لاكتفى بقوله: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي) فحسب، قال القاضي: المرادُ به إما الثناء عليهم أو التنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة، ولكن المنتفع بها من وفقه الله للتأمل والاستبصار. قوله: «وَتَحْسَبُهُمْ)، بكسر السين): نافعٌ وابن كثير وأبو عمرو والكسائي. قوله: (وقيل: لكثرة تقلبهم)، روى الإمام عن الزجاج: لكثرة تقلبهم فظُنَّ أنهم أيقاظٌ، والدليل عليه قوله: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ). وقلتُ: على هذا يجوز
[ ٩ / ٤٢٧ ]
وقرئ: (ويقلبهم) بالياء والضمير لله تعالى. وقرئ: وتقلبهم، على المصدر منصوبا، وانتصابه بفعل مضمر يدل عليه (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا) كأنه قيل: وترى وتشاهد تقلبهم. وقرأ جعفر الصادق: وكالبهم أي وصاحب كلبهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ حكاية حال ماضية، لأنّ اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي، وإضافته إذا أضيف حقيقية معرفة، كغلام زيد، إلا إذا نويت حكاية الحال الماضية. والوصيد: الفناء، وقيل: العتبة. وقيل: الباب. وأنشد:
بأرض فضاء لا يسدّ وصيدها … علىّ ومعروفى بها غير منكر
وقرئ: (ولملئت) بتشديد اللام للمبالغة. وقرئ بتخفيف الهمزة وقلبها ياء.
_________________
(١) ـ أن تكون الواو في: (وَنُقَلِّبُهُمْ) للحال أيضًا بخلاف الأول. قوله: (وقرئ: "وتقلبهم"). قال ابن جني: وهي قراءة الحسن، كأنه قال: وترى أو تُشاهدُ تقلبهم. قوله: (بأرض فضاءٍ)، البيت. قيل: يصف حاله في البدو، أي: ضيافتي في البدو مشهورةٌ. وقيل: نزلنا بأرض فضاءٍ لا يُسد بابها عليَّ، وعرفان الناس إياي بهذه الأرض غير منكرٍ عندهم. و"لا يُسد وصيدها": من قولهم: لا ترى الضب بها ينجحر قوله: ("ولمُلئتَ"، بتشديد اللام): نافعٌ وابن كثير، وبتخفيف الهمزة: أبو عمرو، و(رُعْبًا)، بالتثقيل: ابن عامرٍ والكسائي، والباقون بالتخفيف.
[ ٩ / ٤٢٨ ]
و(رُعْبًا) بالتخفيف والتثقيل، وهو الخوف الذي يرعب الصدر أي يملؤه، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة. وقيل: لطول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم. وقيل: لوحشة مكانهم. وعن معاوية أنه غزا الروم فمرّ بالكهف فقال: وكشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال له ابن عباس ﵁: ليس لك ذلك، قد منع الله تعالى منه من هو خير منك فقال: (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا) فقال معاوية، لا أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث ناسا وقال لهم: اذهبوا فانظروا، ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأحرقتهم. وقرئ: لو اطلعت، بضم الواو.
[(وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَاتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا* إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا)].
(وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ) وكما أنمناهم تلك النومة كذلك بعثناهم، إذكارًا
_________________
(١) ـ الراغب: الرعبُ: الانقطاع من امتلاء الخوف، يقال: رعبته فرعب رُعبًا فهو رعِبٌ، والترعابة: الفروق. قال تعالى: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ) [الأحزاب: ٢٦]، (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا)، ولتصور الامتلاء منه قيل: رعبت الحوض: ملأته، وسيل راعبٌ: يملأُ الوادي، وباعتبار القطع قيل: رعبت السنام: قطعته. قوله: «وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ)، إذكارًا). الراغب: أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه، يقال: بعثته فانبعث، والبعث ضربان: إلهيٌّ، وهو أنواع، أحدها: إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع عن العدم. وثانيها: بعث الموتى، قال تعالى: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ)
[ ٩ / ٤٢٩ ]
بقدرته على الإنامة والبعث جميعا، ليسأل بعضهم بعضا ويعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيعتبروا ويستدلوا على عظم قدرة الله تعالى ويزدادوا يقينا، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم وكرموا به (قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) جواب مبنى على غالب الظن. وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب، وأنه لا يكون كذبا وإن جاز أن يكون خطأ (قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ) إنكار عليهم من بعضهم، وأن الله أعلم بمدّة لبثهم، كأنّ هؤلاء قد علموا بالأدلة أو بإلهام من الله أنّ المدة متطاولة، وأنّ مقدارها مبهم لا يعلمه إلا الله. وروى أنهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم بعد الزوال، فظنوا أنهم في يومهم، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك. فإن قلت: كيف وصلوا قولهم: (فَابْعَثُوا) بتذاكر حديث المدة؟ قلت: كأنهم
_________________
(١) ـ [الأنعام: ٣٦]، أي: يخرجهم وينشرهم. وثالثها: بعثة الرسل لإرشاد الخلق وتكميل الناقصين. ورابعها: الإلهام، قال تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ) [المائدة: ٣١]. وخامسها: مُشابه لبعث الموتى، قال تعالى: (بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) [الكهف: ١٢]. والضرب الثاني: بشريٌّ، نحو قولهم: بعثتُ زيدًا في حاجة فلان، وبعثتُ الجيش والبعوث، وبعثتُ البعير: أثرته وسيرته. قوله: (كيف وصلوا قولهم: (فَابْعَثُوا) بتذاكر حديث المدة)، يعني: ما المناسبة بين قوله: (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وبين قوله: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ)؟ وأجاب: أنه من باب الأسلوب الحكيم، كقوله: أتت تشتكي عندي مزاولة القرى … وقد رأت الضيفان ينحون منزلي فقلت كأني ما سمعت كلامها: … هم الضيف جدي في قراهم وعجلي قال القاضي: وقيل: إنهم دخلوا الكهف غدوة وانتبهوا ظهيرة وظنوا أنهم في يومهم،
[ ٩ / ٤٣٠ ]
قالوا: ربكم أعلم بذلك، لا طريق لكم إلى علمه، فخذوا في شيء آخر مما يهمكم. والورق: الفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة. ومنه الحديث أنّ عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن، فأمره رسول الله ﷺ أن يتخذ أنفا من ذهب. وقرئ: بورقكم، بسكون الراء والواو مفتوحة أو مكسورة. وقرأ ابن كثير: (بورقكم) بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف. وعن ابن محيصن أنه كسر الواو وأسكن الراء وأدغم، وهذا غير جائز لالتقاء الساكنين لا على حده. وقيل: المدينة طرسوس. قالوا: وتزوّدهم ما كان معهم من الورق عند فرارهم: دليل على أنّ حمل النفقة وما يصلح المسافر هو رأى المتوكلين على الله، دون المتكلين على الاتفاقات وعلى ما في أوعية القوم من النفقات. ومنه قول عائشة ﵂ - لمن سألها عن
_________________
(١) ـ قالوا ذلك فلما نظروا إلى طُولِ أظفارهم وأشعارهم قالوا هذا، ثم لما علموا أن الأمر مُلتبسٌ لا طريق لهم إلى علمه أخذوا فيما يهمهم وقالوا: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ). قوله: (يوم الكلاب)، النهاية: الكلابُ، بالضم والتخفيف: اسم ماءٍ، وكان به يومٌ معروف من أيام العرب، قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": هو عرفجة بن أسعد بن صفوان التميمي، أصيب أنفه يوم الكُلاب في الجاهلية، فاتخذ أنفًا من ورق فأنتن، فأمره رسول الله ﷺ أن يتخذ أنفًا من ذهب. قوله: (وقرئ: "بورقكم")، أبو بكر وأبو عمرو وحمزة: بإسكان الراء، والباقون: بكسرها.
[ ٩ / ٤٣١ ]
محرم يشدّ عليه هميانه: أوثق عليك نفقتك. وما حكي عن بعض صعاليك العلماء» أنه كان شديد الحنين إلى أن يرزق حج بيت الله، وتعولم منه ذلك، فكانت مياسير أهل بلده كلما عزم منهم فوج على حج أتوه فبذلوا له أن يحجوا به وألحوا عليه، فيعتذر إليهم ويحمد إليهم بذلهم، فإذا انفضوا عنه قال لمن عنده: ما لهذا السفر إلا شيئان: شدّ الهميان، والتوكل على الرحمن (أَيُّها) أيّ أهلها، فحذف الأهل كما في قوله: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢]، (أَزْكى طَعامًا) أحلّ وأطيب وأكثر وأرخص، (وَلْيَتَلَطَّفْ) وليتكلف اللطف والنيقة فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن. أو في أمر التخفي حتى لا يعرف (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) يعني: ولا يفعلنّ ما يؤدى من غير قصد منه إلى الشعور بنا، فسمى ذلك إشعارا منه بهم، لأنه سبب فيه الضمير في (إِنَّهُمْ) راجع إلى الأهل المقدر في (أَيُّها). (يَرْجُمُوكُمْ) يقتلوكم
_________________
(١) ـ قوله: (أوثق عليك نفقتك)، من الأسلوب الحكيم، أي: لا شك في جوازه، وإنما الذي يهمك هو هذا. قوله: «أَزْكَى طَعَامًا): أحل وأطيب)، الراغب: أصل الزكاة النمو الحاصل من بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية، يقال: زكا الزرع يزكو: إذا حصل منه نمو وبركة. وقوله: (فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) إشارةٌ إلى حلال لا يستوخم عقباه. ومنه الزكاة يخرجها الإنسان إلى الفقراء لما فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النفس، أي: تنميتها بالخيرات والبركات، أو لهما جميعًا، فإن الخيرين موجودان فيها. قوله: (والنيقة). الأساس: تنوق في الأمر، وفلان له نيقة، ومن المجاز: تأنق فيعمله، وفي كلامه: أي: فعل فعل المتأنق. قوله: «وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا» من باب قولهم: لا أرينك هاهنا، ولهذا قال: "ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصدٍ منه إلى الشعور".
[ ٩ / ٤٣٢ ]
أخبث القتلة وهي الرجم، وكانت عادتهم (أَوْ يُعِيدُوكُمْ) أو يدخلوكم (فِي مِلَّتِهِمْ) بالإكراه العنيف ويصيروكم إليها. والعود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم، يقولون: ما عدت أفعل كذا. يريدون ابتداء الفعل (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) إن دخلتم في دينهم.
[(وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)].
(وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ) وكما أنمناهم وبعثناهم، لما في ذلك من الحكمة أطلعنا عليهم، ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وهو البعث، لأن حالهم في نومتهم وانتباهتهم بعدها كحال من يموت ثم يبعث. (وإِذْ يَتَنازَعُونَ) متعلق بـ (أعثرنا). أي: أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم أمر دينهم ويختلفون في حقيقة البعث، فكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد. وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح، ليرتفع الخلاف، وليتبين أنّ الأجساد تبعث حية حساسة فيها أرواحها كما كانت قبل الموت فَقالُوا حين توفى الله أصحاب الكهف (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا) أي على يأب كهفهم. لئلا يتطرّق إليهم الناس ضنا بتربتهم ومحافظة عليها كما حفظت تربة رسول الله ﷺ بالحظيرة (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ) من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم (لَنَتَّخِذَنَّ) على باب الكهف،
_________________
(١) ـ قوله: (وكما أنمناهم وبعثناهم … اطلعنا عليهم)، يعني: المشار إليه بقوله: (وَكَذَلِكَ) ما سبق من الإنامة والبعث، وهو المشبه به، والمشبه: إطلاع الناس عليهما، ووجه التشبيه: ما اشتملا عليه من الحكمة، وفائدتها: حصول اليقين لمن يشك في البعث وفي (أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ). قوله: (وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم)، هو: حالٌ من فاعل (غَلَبُوا)؛ لأن القوم لما
[ ٩ / ٤٣٣ ]
(مَسْجِدًا) يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم. وقيل: إذ يتنازعون بينهم أمرهم أي: يتذاكر الناس بينهم أمر أصحاب الكهف، ويتكلمون في قصتهم وما أظهر الله من الآية فيهم. أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا، كيف يخفون مكانهم؟ وكيف يسدّون الطريق إليهم، فقالوا: ابنوا على باب كهفهم بنيانا. روى أن أهل الإنجيل عظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم حتى عبدوا الأصنام وأكرهوا على عبادتها، وممن شدد في ذلك دقيانوس، فأراد فتية من أشراف قومه على الشرك وتوعدهم بالقتل، فأبوا إلا الثبات على الإيمان والتصلب فيه، ثم هربوا إلى الكهف ومرّوا بكلب فتبعهم فطردوه، فأنطقه الله فقال: ما تريدون منى، أنا أحبّ أحباء الله،
_________________
(١) ـ تنازعوا في أمر دينهم، وعرفوا حقيقة الحال، فمن غالب صاحبه في النزاع، وأن البعث لابد منه، هو أولى من الآخر في اتخذا المسجد، وإيثار مكان أصحاب الكهف لتعبده. الأساس: تغالبوا على البلد، وغلبته على الشيء: أخذته منه، و"أيغلب أحدكم أن يُصاحب الناس معروفًا؟ " بمعنى: أيعجز. قوله: (وقيل: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ»، اعلم أن الأمر في قوله تعالى: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) هو الأمر من واحد الأمور والشؤون، ثم لا يخلو الضمير المضاف إليه: غما أن يكون للقوم فيُقدر مضافٌ آخر؛ ليكون الحديث في تدبير أمر دينهم، وهو المراد من قوله: (يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ) أمر دينهم، فالفاء في قوله: (فَقَالُوا): فصيحةٌ، فإن القوم لما فرغوا من أمر حقيقة البعث، وتيقنوا أن لابد منه، فآمنوا، ثم اهتموا بشأن أولئك الأصحاب، وتشاوروا فيه فقالوا: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا) كما سبق. أو الضميرُ لأصحاب الكهف، فالكلام حينئذ من ابتدائه في شأنهم، وهو: إما في كون
[ ٩ / ٤٣٤ ]
فناموا وأنا أحرسكم. وقيل: مرّوا براع معه كلب فتبعهم على دينهم، ودخلوا الكهف فكانوا يعبدون الله فيه، ثم ضرب الله على آذانهم، وقيل أن يبعثهم الله ملك مدينتهم رجل صالح مؤمن. وقد اختلف أهل مملكته في البعث معترفين وجاحدين، فدخل الملك بيته وأغلق بابه ولبس مسحا وجلس على رماد، وسأل ربه أن يبين لهم الحق، فألقى الله في نفس رجل من رعيانهم فهدم ما سدّ به فم الكهف ليتخذه حظيرة لغنمه، ولما دخل المدينة من بعثوه لابتياع الطعام وأخرج الورق وكان من ضرب دقيانوس: اتهموه بأنه وجد كنزا، فذهبوا به إلى الملك فقصّ عليه القصة، فانطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم، وحمدوا الله على الآية الدالة على البعث، ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شرّ الجنّ والإنس، ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه، وأمر فجعل لكل واحد تابوت من ذهب، فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج، وبنى على باب الكهف مسجدا. رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ من كلام المتنازعين، كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا: ربهم أعلم بهم. أو هو من كلام الله ﷿ ردّ لقول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا فيهم على عهد رسول الله ﷺ من أهل الكتاب.
[(سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا)].
_________________
(١) ـ ذلك آية من آيات الله، فمعنى الفاء: ما سبق، أو: كيف يدبروا أمر الأصحاب، وكيف تجهيزهم؟ فالفاء حينئذٍ: تعقيبٌ أو تسبيبٌ عن قوله: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ)؛ لأن قوله: (فَقَالُوا) نتيجة لما دبروا في شأنهم واتفاق حتى ذلك بعد الاختلاف فيه. قوله: (فناموا): أمرٌ بالنوم.
[ ٩ / ٤٣٥ ]
(سَيَقُولُونَ) الضمير لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله ﷺ من أهل الكتاب والمؤمنين، سألوا رسول الله ﷺ عنهم فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه فيهم، فنزلت إخبارا بما سيجرى بينهم من اختلافهم في عددهم، وأنّ المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم. قال ابن عباس ﵁: أنا من أولئك القليل. وروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي ﷺ، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقال السيد وكان يعقوبيا: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقال العاقب وكان نسطوريا:
كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فحقق الله قول المسلمين.
وإنما عرفوا ذلك بإخبار رسول الله ﷺ عن لسان جبريل ﵇. وعن عليّ ﵁: هم سبعة نفر أسماؤهم: يمليخا، ومكشليتيا، ومشلينيا: هؤلاء أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوش، ودبرنوش، وشادنوش. وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره. والسابع: الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس. واسم مدينتهم: أفسوس. واسم كلبهم: قطمير.
فإن قلت: لم جاء بسين الاستقبال في الأوّل دون الآخرين؟ قلت: فيه وجهان: أن تدخل الآخرين في حكم السين، كما تقول: قد أكرم وأنعم، تريد معنى التوقع في الفعلين جميعا، وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذي هو صالح له (رَجْمًا
_________________
(١) ـ قوله: (أن تُدخل الآخرين في حكم السين)، قال صاحب "الفرائد": الواو لما كان لمطلق الجمع، كان (سَيَقُولُونَ) و(يَقُولُونَ) في حُم: ستحصل الأقوال منهم، ألا ترى أنك تقول: جاءني الزيدان، وجاءني زيدٌ وعمرو، ولا فرق في المعنى؟ إلا أن زيدًا وعمرًا لا يمكن جمعهما بلفظٍ واحد، كما أمكن زيدٌ وزيد. فجيء بواو العطف لذلك، فعلى هذا لو قيل: (سَيَقُولُونَ) بعد (سَيَقُولُونَ) كان تكرارًا لما يدل على الاستقبال. قوله: (وأن تُريد بـ "يفعلُ" معنى الاستقبال) أي: يفعلُ: مشتركٌ بين الحاضر
[ ٩ / ٤٣٦ ]
بِالْغَيْبِ) رميًا بالخبر الخفي وإتيانًا به كقوله: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ) [سبأ: ٥٣]، أي يأتون به. أو وضع الرجم موضع الظنّ، فكأنه قيل: ظنا بالغيب، لأنهم أكثروا
_________________
(١) ـ والاستقبال، والسينُ قرينةٌ مخصصةٌ له، تخصص الأول به، والآخران مخصصهما صلاحيتهما له بواسطة قرينة المقام. قوله: (كقوله: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ) [سبأ: ٥٣]، أي هو استعارة مثله. قال صاحب "الفرائد": معنى (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) رميٌ بالغائب عن علمه عن الذهن، وهو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، شبه إخراج الكلام عن الذهن بإخراج السهم عن القوس، ويدل عليه قوله: رجم بالظن، مكان قولهم: ظن، والمراد بالظن هاهنا المظنون، كأنهم قالوا: رمى عن ذهنه بما كان غائبًا عن علمه حاضرًا في ذهنه، تكلم بما ليس بمعلوم. وقلت: بل شبه إيراد الكلام- الذي لم يخرج عن طمأنينة قلب، بلعن قلق واضطراب؛ لأن معرفة علم الغيب مختصة بالله - بقذف الحجر الذي يقذفه القاذف، فإن الحجر قلما يُصيب الغرض إصابة السهم المستوي، ولهذا قيل: (رَجْمًا)، ولم يُقل: رميًا بالغيب، ثم استعير لجانب المشبه لفظ الرجم، فهو استعارةٌ مصرة بحقيقته؛ لأن المشبه المتروك عقلي؛ وإنما يصح تشبهي قوله: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) بقوله: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ) إذا اجتمعا في معنى القذف لا الرمي. الراغب: الرجامُ: الحجارة، والرجم: الرمي بها، ويستعارُ الرجم للرمي بالظن والتوهم، نحو: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ)، وللشتم والطرد، نحو: (لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) [مريم: ٤٦]، أي: لأقولن فيك ما تكره، والشيطان رجيمٌ، مطرودٌ عن الخيرات، وعن منازل الملأ الأعلى، وقال في الشهب: (رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) [الملك: ٥]، والمراجمة: المسابة الشديدة: استعارة، كالمقاذفة. قوله: (أو وُضع "الرجمُ" موضع "الظن")، أي: صُيرَ حقيقة عرفية بعد الاستعارة، فاستعمل حقيقة فيه، كالألفاظ المترادفة.
[ ٩ / ٤٣٧ ]
أن يقولوا رجم بالظنّ مكان قولهم ظنّ، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين. ألا ترى إلى قول زهير:
وما هو عنها بالحديث المرجّم
أي المظنون. وقرئ: (ثلاتّ رابعهم) بإدغام الثاء في تاء التأنيث. و(ثَلاثَةٌ) خبر مبتدأٍ محذوف، أي: هم ثلاثة. وكذلك (خَمْسَةٌ) و(سَبْعَةٌ) و(رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) جملة من مبتدأٍ وخبرٍ واقعة صفة لـ (ثلاثة)، وكذلك (سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ)، (وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ).
فإن قلت: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة، ولم دخلت عليها دون الأوّلين؟ قلت: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل
_________________
(١) ـ قوله: (وما هو عنها بالحديث المُرجم)، صدره من رواية الزجاج: وما الحربُ إلا ما علمتم وذقتم يقول: ليست الحرب إلا ماعلمتوها، وما هذا الذي أقولُ بحديث مُرجم محكوم عليه بالظن. قوله: (هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة) إلى آخره. قال صاحب "الانتصاف": هذا هو الصواب، لا كمن يزعم أنها واو الثمانية، ويضيف إليها: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) [الزمر: ٧٣] في الجنة؛ إذ أبوابها ثمانية، وعدوا منه (وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ) [التوبة: ١١٢] في "التوبة"، وهو الثامن من قوله: (التَّائِبُونَ)، فهب أن في اللغة واوًا
[ ٩ / ٤٣٨ ]
على الواقعة حال عن المعرفة في نحو قولك: جاءني رجل ومعه آخر. ومررت بزيدٍ
_________________
(١) ـ تصحب الثمانية، فأين ذكرُ العدد في أبواب الجنة؟ وفي "التوبة" ذُكرت لربط الأمر بالمعروف بالنهي عن المنكر (وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ) [لقمان: ١٧]، (وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ) [آل عمران: ١٠٤]، ومنهم من عد (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) [التحريم: ٥]، وهو غلطٌ فاحش، فإنها واو التقسيم التي لو حذفتها لم يصح الكلام. وقال أبو البقاء: الجملة إذا وقعت صفة للنكرة جاز أن تدخلها الواو، وهذا هو الصحيح في إدخال الواو في (وَثَامِنُهُمْ). وقال صاحب "الفرائد": دخول الواو بين الصفة والموصوف غير مستقيم، لاتحاد الصفة والموصوف ذاتًا وحكما، وتأكيدًا للصوق يقتضي الاثنين، مع أنا نقول: لا نسلم بأن الواو تفيد التأكيد وشدة اللصوق؛ غاية ما في الباب أنها تفيد الجمع، والجمع ينبئ عن الاثنينية، واجتماع الصفة والموصوف ينبئ عن الاتحاد بالنظر إلى الذات، وقد ذكر صاحب "المفتاح": أن قول من قال: إن الواو في قوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ) [الحجر: ٤] داخلةٌ بين الصفة والموصوف، سهو منه، وإنما هي واو الحال، وذو الحال (قَرْيَةٍ)، وهي موصوفة، أي: ما أهلكنا قرية من القرى. وأما قوله: "جاءني رجلٌ ومعه آخرُ"، فقلتُ: فيه وجهان: أححدهما: أن يكون "جاءني رجلٌ": جملة، و"معه آخر": جملة أخرى معطوفة عليها. وثانيهما: أن يكون "آخرُ": معطوفًا على "رجلٌ"، أي: جاءني رجلٌ ومعه رجلٌ آخر.
[ ٩ / ٤٣٩ ]
وفي يده سيف. ومنه قوله تعالى: (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ) [الحجر: ٤]، وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا: سبعة وثامنهم كلبهم، قالوا عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما غيرهم. والدليل عليه أنّ الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله رَجْمًا بِالْغَيْبِ وأتبع القول الثالث قوله ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ وقال ابن عباس ﵁:
_________________
(١) ـ فإن قيل: فالوجه أن يُقال: جاءني رجلان، في مثل هذا؟ قلت: فائدته أن يُفهم أنهما جاءا مصاحبين. وأما الواو في مثل "مررت بزيد وفي يده سيفٌ" فإنما جاز دخولها بين ذي الحال والحال لكون الحال في حكم جملة، بخلاف الصفة بالنسبة إلى الموصوف، فإن: "جاء زيدٌ راكبًا" في حكم "جاءني زيدٌ وهو راكبٌ" بخلاف: "جاءني زيدٌ الراكبُ"، فافهمه راشدًا. سلمنا أنها داخلة بين الصفة والموصوف لتأكيد اللصوق. فأما الدلالة على أن اتصافه بها أمرٌ ثابتٌ مستقرٌ، فغير مسلم، فأين الدليل على ذلك؟ وقوله: "وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا: (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس" في غاية البعد. قوله: (والدليل عليه أن الله ﷾) إلى آخره؛ إن كان المراد به أنه دال على إيذان الواو على ما ذُكر، فامتناع ذلك ظاهرٌ. فإن كان المراد به أنه دال على صدق من قال: (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) فحاصله ظن ضعيف بحسب أن (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) لم يؤخر إلى أن قيل: (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)، وأما قوله: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ) فهو غير دال على ذلك البتة. وأما قول ابن عباس ﵁، فهو غير دال على أنه أراد ما ذُكر، بل الظاهر أنه علم ذلك من رسول الله ﷺ.
[ ٩ / ٤٤٠ ]
حين وقعت الواو انقطعت العدّة، أي: لم يبق بعدها عدّة عادّ يلتفت إليها.
_________________
(١) ـ وقوله: "حين وقعت الواو انقطعت العدة"، الظاهر أن مراده منه أن الذي هو صدق، هو الذي وقعت الواو فيه وانقطعت العدة به. فظهر من هذا أن الواو في (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ): واو العطف، وهي جملة معطوفة على الجملة المتقدمة. قلتُ- وبالله التوفيق-: واعلم أنا قبل الشروع في الجواب لابد أن نبين المقصود تحريرًا للبحث، فالواو هاهنا ليست على الحقيقة، ولا يعتبر في المجاز النقل في الآحاد كما في الحقيقة، بل المعتبر فيه اعتبار نوع العلاقة، وأن المجاز في عرف البلاغة أولى بالذكر من الحقيقة، وأبلغ منها واحسن لتزيين الكلام والمبالغة فيه، ألا ترى إلى قول المصنف بُعيد هذا: "لأن ما كان فيه من آفة الجهل وسقم الفهم أراه أعلى الكلام طبقة أدناه منزلة"، فتمحل ليرده إلى ما هو عنده أصح وأفصح - وعنده أن ما كان أبعد من المجاز كان أدخل في الإعجاز، إلى آخره- وإلى كلام صاحب "المثل السائر": اعلم أن أقسام النحو أخذت عن واضعها بالتقليد، حتى لو عكس القضية فيها لجاز؛ لأن العقل لا يأبى أن لو جعل الفاعل منصوبًا والمفعول مرفوعًا، وأما قسم البيان فليس كذلك؛ لأنه استنبط بالنظر وقضية العقل من غير واضع، ولم يُفتقر فيه إلى التوقيف، بل أخذت ألفاظٌ ومعان، على هيئة مخصوصة وحكم لها العقل بمزية من الحسن لا يشاركها فيها غيرها، فإن كل عارفٍ بأسرار الكلام أي لغة كانت، يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ جامعة رائقة حسنة يلذها السمع ولا ينبو عنها الطبع خيرٌ من عكسه، ولو أراد واضع اللغة خلاف ذلك لما تقلدناه.
[ ٩ / ٤٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … وقال أيضًا: اعلم أن مدار علم البيان على حكم الذوق السليم الذي هو أنفع من ذوق التعليم مضى كلامه. ثم إن المجاز كما يقع في الأسماء والأفعال، قد يقع في الحروف، ألا ترى إلى الاستعارة التبعية، فإن نوعًا منها الكلام في الحروف، ونقل شارح "اللباب" عن سيبويه أن الواو في قولهم: بعت الشاء شاة ودرهمًا، بمعنى: الباء، أي: بدرهم، وتحقيقه: أن الواو للجمع والاشتراك، والباء للإلصاق، والجمع والإلصاق من وادٍ واحد، فسلك به طريق الاستعارة. وذكر المصنف في أول سورة الأعراف: أن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل، ولا شك أن واو العطف تقتضي المغايرة وتتضمن معنى الجمعية، فإذا أريد منها معنى الجمعية دون المغايرة كان من باب إطلاق اسم الكل على الجزء، ونحوه في الاستعمال الاستفهام في قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: ٦]، فإن الهمزة هنا مسلوب الدلالة عن الاستفهامية لمجرد الاستواء والنداء في قولهم: إن نفعل كذا أيتها العصابة، لمجرد الاختصاص. وذكر المصنف في "مريم" عند قوله تعالى: (لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) [مريم: ٦٦] أن اللام هنا لام ابتداء أخلصت للتوكيد، ووافقه ابن الحاجب في سورة (وَالضُّحَى) فيه، وفي الأمثلة كثرةٌ. إذا عُلم هذا فقوله: "فائدتها: توكيد لصوق الصفة بالموصوف"، معناه: أن للصفة نوع اتصال بالموصوف، فإذا أُريد توكيدُ اللصوق وسط بينهما بهذه الواو ليؤذن أن هذه الصفة غير منفكة عن الموصوف، لازمة له غير مفارقة، وإليه الإشارة بقوله: إن اتصافها أمرٌ ثابتٌ مستقرٌّ، وليُعلم أيضًا أن الحال في الحقيقة صفة لا فرق إلا في الاعتبار، ألا ترى أن
[ ٩ / ٤٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … الصفة الواقعة عن النكرة إذا تقدمت عليها وهي بعينها تصير حالًا، ولو لم يكونا متحدين معنى لم يصح ذلك؟ ثم قولك: "جاءني رجلٌ ومعه آخرُ"، وقولك: "مررتُ بزيدٍ ومعهُ آخر" لما كانا سواءً في الصورة- اللهم إلا ي اعتبار المعرفة والنكرة- كان حكمهما سواء في الواو. وذكر نحوه أبو البقاء في إعراب قوله: (عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: ٢١٦]، هذا مراد المصنف من إيراد المثالين، لا ما فهم بعضهم. وأما قول صاحب "الفرائد": لاتحاد الصفة والموصوف ذاتًا وحكمًا فمبنيٌّ على أن الواو عاطفةٌ، وهي تقتضي المغايرة كما قال صاحب "المفتاح"، وقدمنا وجه مجازه لمجرد الربط. وأما قوله: "جاءني رجلٌ ومعه آخر" وهي جملتان، فسيجيء جوابه. وأما قوله: فـ"إن: جاء زيدٌ راكبًا، في حكم: جاءني زيدٌ وهو راكبٌ" فمن المعكوس؛ فإن الأصل في الحال الإفراد. قال ابن الحاجب في قوله: كلمته فوه إلى فيَّ: إنها بمعنى مشافها. وقال: ن الجمل تستعمل استعمال المفردات ولا تُعكس. وأما قوله: "سلمنا أنها داخلة بين الصفة والموصوف للتأكيد، وأما الدلالة على أن اتصافه به أمر ثابتٌ فغير مسلم"، فمما لا يقوله من به أدنى مُسكة: كيف سلم التأكيد ولم يسلم فائدته؟ وأما الأسئلة الباقية على كلام المصنف فمراده أنها أمارات تدل على ما ثبت وتقرر. وقال ابن الحاجب في "الأمال": يجوز أن يكون (رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) جملة ابتدائية صفة لـ (ثَلاثَةٌ)، و(ثَلاثَةٌ) خبر مبتدأ محذوف، ولا يجوز أن يكون (كَلْبُهُمْ) مرفوعًا بـ (رَابِعُهُمْ) لأن المراد به المضي، ولا أن تكون الجمة حالًا، إذ ليس معنا ما يصح أن يكون عاملًا فيها؛ لأن التقدير: سيقولون: هم ثلاثة، وليس فيها أيضًا واوٌ، ويجو أن يكون (رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) جملة خبرًا للمبتدأ المحذوف بعد خبر، فيكون قد أخبر بخبرين: مفرد وجملة.
[ ٩ / ٤٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … ويُقوي هذا الوجه أن الجملة الثالثة جاءت بالواو، والمعنى فيها كالمعنى فيما تقدم، ويتعذر أن تكون صفة مع الواو، مع أنك لا تقول: مررت برجل وعاقل، فتعين أن يكون خبرًا بعد خبر، والأخبار إذا تعددت جاز أن يكون الثاني بواو وبغير واو. هذا إن سُلم أن المعنى في الجمل واحدٌ. وأما إن قيل: إن قوله: (َثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)، فيفهم على ذلك بأن القائلين بأنهم سبعة أصابوا في ذلك، لوا يلزم على هذا أن يكون خبرًا بعد خبر، ويقويه قول قبل ذلك: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ)، ثم ذكر بعد قوله: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) الجملة الثالثة، فدل على أنها مخالفة لما قبلها في الرجم بالغيب، وإذا خالفتها في ذلك وجب أن تكون صدقًا، إلا أن هذا الوجه يضعف من حيث إن الله تعالى قال: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ)، فلو جعلنا قوله: (َثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) تصديقًا لمن قال: سبعةٌ، لوجب أن يكون العالم به كثيرًا، فإن أخبار الله صدق، فدل على أنه لم يصدق منهم أحدٌ، وإذا كان كذلك وجب أن تكون الجمل كلها متساوية في المعنى، وقد تعذر أن تتكون الأخيرة وصفًا، فوجب أن يكون الجميع كذلك تم كلامه. وقد عُلم من مفهومه أن الواو هي المانعة من الوصفية، وداؤه داؤهم، فالدواء الدواء. وأما قوله: "وجب أن تكون الجمل كلها متساوية"، فكلام عن مقتضى البلاغة بمراحل؛ لأن في كل اختلاف فوائد، والبليغ من ينظر إلى تلك الفوائد لا من يرده إلى التطويل والحشو في الكلام. وأيضًا، لابد من قول صادق بين الأقوال الثلاثة لينطبق عليه قوله: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ) مع قوله: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ)؛ لأنهُ قد اندفع به القولان الأولان، فيكون الصادق هذا، وتعقيبه به أمارة على صدقه، وعلى ما ذهب إليه السائل مفقود ذلك، ومع هذا أين طلاوة الكلام؟ أم أين اللطف والمرام؟ وهاهنا نكتةٌ لابد من إظهارها؛ وذلك أن قصة الكهف لامحةٌ إلى قصة الغار، ومشابهة لها من حيث اشتمالها على حكم بديع الشأن.
[ ٩ / ٤٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي بكر ﵁ قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " يعني: لسنا مثل كل اثنين اصطحبا، لما خُصصت بشرف صحبة حبيب الله، والتجأت بسببها إلى حرم كنف الله، كما قال: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: ٤٠] فالتربيع والتسديد في قصة الكهف ناظران إلى التثليث في قصة الغار، لكن نظرًا كلا وإلا فعلى هذا يجب أن يُجعل (رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) و(سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ) تابعين لثلاثة وخمسة، والضمائر الأربعة فيها راجعة إليهما لا إلى المبتدأ. ومن ثم استغني عنه بالحذف، وألا كان الظاهر أن يقال: هم ثلاثة وكلبٌ، فلما أريد اختصاصها بحكم بديع الشأن عدل إلى ما هو عليه لينبه بالنعت الدال على التفصلة والتمييز على أن أولئك الفتية ليسوا مثل كل ثلاثة أو خمسة او سبعة اصطحبوا، ومن ثم قرن الله تعالى في كتابه العزيز أخس الحيوان ببركة صحبتهم مع زمرة المتبتلين إلى الله ﷾ والمعتكفين في جوار الله، فقال: (كَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) وأضافه إليهم مكررًا، واختلفت آراء الملتين في التنقير عن قصتهم والتفتيش عن أحوالهم. روى السلمي، عن أبي بكر الوراق أنه قال مجالسة الصالحين ومجاورتهم تؤثر في الخلق، وإن لم يكونوا أجناسًا، ألا ترى أن الله ﷿ كيف ذكر أصحاب الكهف فذكر كلبهم معهم لمجاورته إياهم؟ " وإذا تقرر هذا فالواجب أن تُراعي هذه النكتة في الفقرات الثلاث، ثم ينظر إلى الزمرة الزائدة في الخيرة لاختصاصها بحرف زائد، وهي ما ذكره المصنف جزاه الله أحسن الجزاء على أن تأويل صدر الكلام والعدول من الوصف إلى الخبر لأجل عجزه بسبب الواو، ليس أولى من العكس، والله أعلم.
[ ٩ / ٤٤٥ ]
وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات. وقيل: إلا قليل من أهل الكتاب. والضمير في (سَيَقُولُونَ) على هذا لأهل الكتاب خاصة، أي: سيقول أهل
_________________
(١) ـ وأما قوله: " (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ): استئنافٌ"، فقد ذهب إليه المفسرون، قال الزجاج: دخول الواو هاهنا وإخراجها من الأول واحدٌ، وقد يجوز أن يكون دخولها على الدلالة على انقطاع القصة، وهو من قول ابن عباس: حين وقعت الواو انقطعت العدة. وقال أبو البقاء: وقيل: دخلت الواو لتدل على أن ما بعدها مستأنف حق، وليس من جنس القول برجم الظنون. ولعل مُراد ابن الحاجب من قوله: لوجب أن يكون العالم بذل كثيرًا، أن القائل به المسلمون، وهم بالنسبة إلى القائلين- وهما السيد والعاقب - كثيرون، كما سبق، وجوابه من وجهين، أحدهما: أن القائلين من المسلمين ليسوا كلهم بل بعضهم، يدل عليه قول ابن عباس ﵄: أنا من ذلك القليل. ذكره محيي السنة. والمراد بالقائلين: السيد والعاقب، هما ومن تابعهما، بدليل قول المصنف: "إن السيد والعاقب وأصحابهما". وثانيهما: أن قوله: (إِلاَّ قَلِيلٌ): استئناف من أعم العام لكونه معاقبًا لقوله: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ)، ولا شك في قلة المسلمين في جنب الناس. والله أعلم بالصواب. قوله: «فَلا تُمَارِ فِيهِمْ): فلا تجادل). الراغب: المرية: التردد في الأمر، وهو أخص من الشك: (وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ (مِنْهُ) [الحج: ٥٥]، وقوله: (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ) مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ) [هود: ١٠٩]، والامتراء والمماراة: محاجةٌ فيما فيه مريةٌ. قال تعالى: (قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) [مريم: ٣٤]، وقال تعالى: (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا)، وأصل ذلك [من]: مريتُ الناقة: إذا مسحت ضرعها للحلب.
[ ٩ / ٤٤٦ ]
الكتاب فيهم كذا وكذا، ولا علم بذلك إلا في قليل منهم، وأكثرهم على ظنّ وتخمين (فَلا تُمارِ فِيهِمْ) فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد، من غير تجهيل لهم ولا تعنيف بهم في الردّ عليهم، كما قال (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: ١٢٥].
(وَلا تَسْتَفْتِ) ولا تسأل أحدا منهم عن قصتهم سؤال متعنت له، حتى يقول شيئا فتردّه عليه وتزيف ما عنده، لأن ذلك خلاف ما وصيت به من المداراة والمجاملة، ولا سؤال مسترشد، لأن الله قد أرشدك بأن أوحى إليك قصتهم.
[(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا* إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا)].
(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ) ولا تقولنّ لأجل شيء تعزم عليه (إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ) الشيء (غَدًا) أي: فيما يستقبل من الزمان، ولم يرد الغد خاصة (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) متعلق بالنهى لا بقوله: (إني فاعل)؛ لأنه لو قال: إني فاعل كذا إلا أنّ يشاء الله، كان معناه: إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله،
_________________
(١) ـ قوله: (إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله). الانتصاف: وليت شعري! ما معنى قول الزمخشري: إلا أن تعترض المشيئة دون فعله؟ واعتقاده أن مشيئة الله لاتعترض على فعل أحدٍ، فلم يشأ - عندهم - فلا فتُرك، وتركًا ففُعِلَ، حتى إنهم يقولون: إن قول القائل: والله لا أفعل إلا أن يشاء الله أن أفعله، كذبٌ إذا كان مباحًا؛ لأن الله لا يشاؤه بزعمهم، فسثحقًا لاعتقادهم. وقال ابن الحاجب: الوجه فيه أن يكون استثناء مفرغًا، كقولك: لا يجيء إلا بإذن زيد ولا يخرج إلا بمشيئته، على أن يكون الأعم المحذوف: حالًا، أو مصدرًا، وحُذفت
[ ٩ / ٤٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … الباء من بـ (أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)، أي: إلا بذكر المشيئة، وقد عُلم أن ذكر المشيئة المستصحبة في الإخبار عن الفعل المستقبل هي المشيئة المذكورة بحرف الشرط أو معناه، كقولك: إن شاء الله وبمشيئة الله وما أشبههما، هذا هو المعنى من قول المصنف. والثاني: ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله. وقال ابن الحاجب: وأما ما ذكر انه متصلٌ بقوله: (إِنِّي فَاعِلٌ) ففاسدٌ، إذ يصير المعنى: إني فاعلٌ بكل حال إلا في حال مشيئة الله، فيصير المعنى النهي عن أن يقول: إني فاعلٌ إن شاء الله، وهذا لا يقوله أحدٌ. وأما ما ذكر من أنه استثناء منقطع فبعيدٌ؛ لأنه يؤدي إلى نهي كل واحد عن أن يقول: إني فاعلٌ غدًا، كذا مطلقًا، قيده بشيء أو لم يقيد، وهو خلاف الإجماع لجواز قول القائل: لأفعلن كذا إن شاء الله، وأما ما ذكره بعض المتأخرين أن "إلا" ليست باستثناء لا متصل ولا منقطع، فهو جهل وغباوة، ولا خفاء في أنه عني قوله: وهو أن يكون إن شاء الله كلمة تأبيد، كأنه قيل: ولا تقولنه أبدًا. والجواب عنه: أنا نقلنا عن الزجاج في قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) [الدخان: ٥٦]، وقد عُلم وحُقق أن ذوق الموتة الأولى في الجنة محالٌ، فيكون كناية عن التأبيد، فالمعنى: لا تقولن يما يتعلق بالوحي: أن أخبركم به إلا أن يشاء الله، والله تعالى لم يشأ أن تقوله من عندك، فإذن لا تقولنه أبدًا، وعليه قوله: "لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاءه الله"، وعلى هذا جُعل الاستثناء منقطعًا، لا تقولن يا محمد فميا يتعلق بالوحي: إني أخبركم به، لكن قل: أخبركم بإذن الله وبمشيئته، كقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: ٣ - ٤]، فالمخاطب على التقديرين رسول الله ﷺ، يؤيده قوله: "وهذا نهيُ تأديب من الله تعالى لنبيه حين قالت اليهود لقريش" إلى آخره. والحاصل أن خصوصية المقام تجوز كثيرًا من نحو هذا.
[ ٩ / ٤٤٨ ]
وذلك مما لا مدخل فيه للنهى، وتعلقه بالنهى على وجهين، أحدهما: ولا تقولنّ ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله، بأن يأذن لك فيه. والثاني: ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله، أي: إلا بمشيئة الله، وهو في موضع الحال، يعنى: إلا ملتبسا بمشيئة الله قائلا: إن شاء الله وفيه وجه ثالث، وهو: أن يكون أَنْ يَشاءَ اللَّهُ في معنى كلمة تأبيد، كأنه قيل ولا تقولنه أبدا. ونحوه قوله (وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) [الأعراف: ٨٩]، لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاءه الله. وهذا نهى تأديب من الله لنبيه حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وذي القرنين. فسألوه فقال: ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش.
(وَاذْكُرْ رَبَّكَ) أي مشيئة ربك وقل: إن شاء الله إذا فرط منك نسيان لذلك. والمعنى: إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها فتداركها بالذكر. وعن ابن عباس ﵁: ولو بعد سنة ما لم تحنث. وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة. وعن طاووس: هو على ثنياه ما دام في مجلسه. وعن الحسن نحوه. وعن عطاء: يستثنى على مقدار حلب ناقة غزيرة،
_________________
(١) ـ قوله: (هو على ثنياه)، المُغرب: يقال: ثني العود: إذا حناه وعطفه؛ لأنه ضم أحد طرفيه إلى الآخر، ثم قيل: ثناه عن وجهه: إذا كفه وصرفه؛ لأن مسبب عنه، ومنه: استثنيت الشيء: زويته لنفسي، ومنه: الثنيا بوزن الدنيا، وفي الحديث: "من استثنى فله ثنياه" أي: ما استثناه.
[ ٩ / ٤٤٩ ]
وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولا. ويحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة خالف ابن عباس ﵁ في الاستثناء المنفصل، فاستحضره لينكر عليه: فقال أبو حنيفة: هذا يرجع عليك، إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه.
ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء،
_________________
(١) ـ قوله: (وعند عامة الفقهاء: أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولًا). قال القاضي: "لأنه لو صح ذلك لم يقرر إقرارٌ ولا طلاقٌ ولا عتاق، ولم يُعلم صدقٌ ولا كذب، وليس في الآية أن الاستثناء المتدارك به من القول السابق، بل هو مقدرٌ مدلولٌ به عليه" مثل أن يقول: أفعلُ إن شاء الله، أي: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا) إلا أن تقول: أفعلُ إن شاء الله. قوله: (إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا عن عندك فيستثنوا؟)، الانتصاف: ظاهر الآية الأمر بتدارك المشيئة عند التذكار ولو بعد طول، وأما حلها لليمين حينئذ، فلا دليل للآية عليه. وقلت: مسألة البيعة واليمين جاءت رادة لمن قاس الاستثناء في الأحكام على مسألة التدارك بالتذكار في نسيان ذكر الله في الأمور وصورة المبايعة بأن يقول: أبايعك على السمع والطاعة، ثم يؤكدها باليمين، بأن يقول: والله لا أخرج من هذه البيعة، ثم يخرج ويستثني إلا زمان كذا، ويوم كذا، ولأمر ذا، أو أوان يفعلُ كذا.
[ ٩ / ٤٥٠ ]
تشديدا في البعث على الاهتمام بها. وقيل: واذكر ربك إذا تركت بعض ما أمرك به. وقيل: واذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي، وقد حمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.
و(هذا) إشارة إلى نبإ أصحاب الكهف.
_________________
(١) ـ قوله: (تشديدًا في البعث على الاهتمام)، يعني: الأمرُ بالاستغفار من باب التغليظ والتشديد، كأن ترك الاستثناء من الذنب الذي تجب فيه التوبة والاستغفار. قوله: (واذكر ربك إذا تركت بعض ما أمرك به)، فالنسيان قد يُستعمل في الترك مجازًا؛ لأن الترك سبب النسيان. الراغب: النسيان: ترك الإنسان ضبط ما استودع؛ إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة أو عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكره. وقوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى) [الأعلى: ٦] إخبارٌ وضمان من الله تعالى أنه يجعله بحيث إنه لا ينسى ما يسمعه عن الحق، وكل نسيان من الإنسان ذمه الله تعالى به، فهو ما كان أصله عن تعمد، وما عُذر فيه نحو ما رُوي في الحديث: "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، فهو ما لم يكن سببه منه، وإذا نُسب ذلك إلى الله تعالى فهو تركه إياهم استهانة بهم، ومجازاة لما تركوه. قال الله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) [التوبة: ٦٧]، وقوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ) [الحشر: ١٩] فتنبيه أن الإنسان بمعرفته بنفسه يعرف الله، فنسيانه لله هو من نسيانه نفسه. وقال عكرمة: معنى (نَسِيتَ): ارتكبت ذنبًا، ومعناه: اذكر الله إذا أردت وقصدت ارتكاب ذنب يكن ذلك دافعًا لك. قوله: «هذا) إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف)، أي: لفظ (هذا) في قوله تعالى: (لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا).
[ ٩ / ٤٥١ ]
ومعناه: لعل الله يؤتينى من البينات والحجج على أنى نبىّ صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك وأدلّ، والظاهر أن يكون المعنى: إذا نسيت شيئا فاذكر ربك. وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربى أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسى أقرب منه (رَشَدًا) وأدنى خيرًا ومنفعة. ولعل النسيان كان
_________________
(١) ـ قوله: (ومعناه: لعل الله يؤتيني من البينات .. ما هو أعظمُ في الدلالة وأقربُ رُشدًا من نبأ أصحاب الكهف)، الانتصاف: يؤيده قوله: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)، افتتح القصة بتقليل شأنها، ثم ختمها بأمره صلوات الله عليه بما هو أرشد منها. الإنصاف: هذا يُوهم أن أي قصة ذُكرت في الكتاب العزيز ليتعظ بها ينبغي أن يُحقر شأنها ويُسأل إنزالُ ما هو خيرٌ منها وأرشدُ. جوابه: أن المشركين سألوا رسول الله ﷺ عن خبرهم، وقالوا: هم فتيةٌ ذهبت بهم في الأرض مذاهبُ، فقلل الله ما أكثروه وحقر ما استعظموه، ولم يقص الله نبأها إلا لإعلام المشركين أن رسول الله ﷺ يتلقى الوحي من السماء، وأنه لا يخلو عن فائدة وموعظة وعبرة. قوله: (يهديني لشيء آخر، بدل هذا المنسي أقرب) يقال: هداه لكذا، أو إلى كذا، لابد من تقدير شيء يصح الكلام معه، فالتقدير: يهديني لشيء آخر يكون ذلك الشيء بدل هذا المنسي أقرب نمه رشدًا، قال الزجاج: عسى أن يعطيني من الدلالات ما يكون أقرب في الرشد، وأدل من قصة أصاب الكهف. وقال في "المُطلع": يهدي إلى ما هو أقرب، و"أقربُ" في تركيب المصنف يجوز أن يكون بدلًا من بدل، وأن يكون صفة إن جُعل "أقرب" من "معرفة"، أو حالًا إن جُعل نكرةً.
[ ٩ / ٤٥٢ ]
خيرة، كقوله (أَوْ نُنْسِها نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْها) [البقرة: ١٠٦].
[(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا* قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)].
(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ) يريد لبثهم فيه أحياء مضروبا على آذانهم هذه المدّة، وهو بيان لما أجمل في قوله (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا)، ومعنى قوله: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم
_________________
(١) ـ قوله: (خيرةً) أي: مختارًا. قوله: (بيان لما أُجمل في قوله: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ»، فإن قلت: ما فائدة إيراد البيان في آخر القصة والمبين في أولها قلتُ، والله أعلم: جيء أولًا باختلاف الأحزاب في كمية لُبثهم في الكهف. وثانيًا: باختلافهم في كمية أشخاصهم، فبين الثاني بقوله: (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) وبين الأول بقوله: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا * قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) وسجل لكلتي الجملتين بإثبات العلم لله تعالى، وهذه الدقيقة تنهي لطف ما ذهب إليه المصنف في (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ). وأما توسيط قوله: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا) الآية، بين البيان والمبين، فإنه من جملة التأديب الذي أدبه الله به، والتهذيب الذي هذبه مما هو خلقٌ له، وهو هذا القرآن المجيد؛ جاء مستطردًا عطفًا على قوله: (فَلا تُمَارِ)، (وَلا تَسْتَفْتِ) متضمنًا معنى ما لأجله أبطأ عليه الجواب عن هذه القصة، قال الزجاج: (قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا): إخبارٌ عن الله تعالى بطول لُبثهم.
[ ٩ / ٤٥٣ ]
بمدّة لبثهم، والحق ما أخبرك الله به. وعن قتادة: أنه حكاية لكلام أهل الكتاب. و(قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ) رد عليهم. وقال في حرف عبد الله: (وقالوا لبثوا). و(سنين): عطف بيانٍ لـ (ثلث مائة).
_________________
(١) ـ وأعلم أنه أعلمُ بذلك، وكان هذا أبلغ من أن يُقال: الصحيح أنهم قد لبثوا هذا العدد كله. قوله (و(سِنِينَ) عطفُ بيان لـ (ثَلاثَ مِائَةٍ»، قال الزجاج: (سِنِينَ) جائز أن يكون نصبًا وأن يكون جرًا، فالنصب على معنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاث مئة، عطف "سنين" على "ثلاثٍ" عطف البيان والتوكيد، والجر على أن يكون نعتًا للمئة، وهو بالغ في المعنى إلى ثلاث، كما قال: فيها اثنتان وأربعون حلوبة … سودًا كخافية الغُراب الأسحم جعل "سُودًا" نعتًا لـ "حلوبة"، وهو في المعنى نعتٌ لجملة العدد، هكذا في "تفسيره"، ونقل المصنف عنه في "المفصل" أنه قال: لو انتصب (سِنِينَ) على التمييز لوجب أن يكونوا قد لبثوا تسع مئة سنة. قال ابن الحاجب: وجهه أنه قد فُهم من لغتهم أن تمييز المئة واحدٌ من مئة، فإذا قلت: مئة رجل فمميزها رجل، وهو واحدٌ من المئة، فعلى هذا لو قلت: مئة سنين، فيكون السنين واحدة من المئة، وهي ثلاث مئة، وأقل السنين ثلاثة، فيجب أن يكون تسع مئة، وهذا الذي ذكره يرد: على قراءة حمزة والكسائي، إذ ليس لقراءتهما وجهٌ سوى التمييز. وهذا غير لازم، لأن الذي ذكره مخصوصٌ بأن يكون المميز مفردًا، وأما إذا كان جمعًا فيكون القصد فيه كالقصد في وقوع التمييز جمعًا في نحو ثلاثة أثواب، على أن الأصل في
[ ٩ / ٤٥٤ ]
وقرئ: (ثلاث مائة سنين) بالإضافة، على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، كقوله (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا) [الكهف: ١٠٣] وفي قراءة أبيّ: (ثلث مئة سنة). (تِسْعًا) تسع سنين، لأن ما قبله يدل عليه. وقرأ الحسن: (تسعًا) بالفتح، ثم ذكر اختصاصه بما
_________________
(١) ـ التمييز الجمع، وإنما عدل إلى المفرد لغرض، فإذا استعمل الجمع استعمل على الأصل لا على الوجه الذي ألزمه، فإن ذلك على المفرد. وقلتُ: الذي ذهب إليه المصنف عكس ذلك؛ لأنه جعل المفرد أصلًا والجمع مفرعًا عليه لقوله: "على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز"، وقال ابن الحاجب: (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ)، فيمن قرأ بالتنوين، محمولٌ على البدل، وإلا لزم الشذوذ من وجهين: أحدهما: جمع مميز مئة. والآخر: نصبه، فإذا جُعل بدلًا خرج عن الشذوذين واستقام الإعراب، كأنه قال: ولبثوا سنين. قوله: (وقرئ: "ثلاث مئة سنين" بالإضافة)، حمزة والكسائي: بغير تنوين، والباقون: بتنوين. قوله: (لأن ما قبله يدل عليه). قال الزجاج: أما قوله: (وَازْدَادُوا تِسْعًا) فلا يكون تسع ليال وتسع ساعاتٍ؛ لأن العدد يُعرف بتفسيره، فإذا تقدم تفسيره استغنى بما تقدم عن إعادة ذكره. وقال الإمام: فإن قالوا: لِمَ لم يقل: ثلاث مئة تسع سنين؟ وما الفائدة في العدول؟ قلنا: قال بعضهم: كانت المدة ثلاث مئة سنة من السنين الشمسية وثلاث مئة وتسع سنين من القمرية، وهذا مشكلٌ؛ لأنه لا يصح بالحساب، ويمكن أن يُقال: لعلهم لما استكملوا ثلاث مئة سنة قرب أمرهم من الانتباه، ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين.
[ ٩ / ٤٥٥ ]
غاب في السماوات والأرض وخفي فيها من أحوال أهلها ومن غيرها وأنه هو وحده العالم به. وجاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات، للدلالة على
_________________
(١) ـ وقال القاضي: وقيل: إنه حكاية كلام أهل الكتاب، فإنهم اختلفوا في مدة لُبثهم كما اختلفوا في عدتهم، فقال بعضهم: ثلاث مئة سنة، وبعضهم: ثلاث مئة وتسع سنين. وقلتُ: ويمكن أن يُقال: إنه من كلام الله تعالى، فإن أهل الكتاب كما اختلفوا في عدتهم اختلفوا في مدة لبثهم، فكما جيء في ذلك المقام بما يرفع الاختلاف، جيء هاهنا ذلك، فإن قوله: (وَازْدَادُوا تِسْعًا) بيان لنصوصية اللبث وتقريرٌ له، ودفعٌ للاحتمال، ونظيره الاستثناء في قوله تعالى: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا) [العنكبوت: ١٤]، وسيجيء بيانه. فقوله: (قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) مثل: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) هناك. وهذا التأويل يُرجح قول من قال: إن هذا من كلام الله تعالى. والله أعلم. قوله: (وجاء بما دل عليه التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات). قال القاضي: والهاء تعود إلى "الله"، ومحله الرفع على الفاعلية، والباء مزيدة عند سيبويه، وكان أصله أبصر، أي: صار ذا بصرن ثم نُقل إلى صيغة الأمر بمعنى الإنشاء، فبرز الضمير لعدم لياق الصيغة، وهو أن ضمير الغائب لا يمكن استثناؤه في أمر المخاطب أو لزيادة الباء، كما في قوله: (وَكَفَى بِهِ) [النساء: ٥٠]، والنصب على المفعولية عند الأخفش، والفاعل: ضمير المأمور، وهو كل أحدٍ، والباء مزيدة إن كانت الهمزة للتعدية. وقال صاحب "الكشف": وكان القياس إضمار "به" في الثاني؛ لأن الجار والمجرور في موضع الفاعل، لكن استغنى بذكره في الأول لأنه لا يجوز العطف على عاملين كما فعل في قول الشاعر:
[ ٩ / ٤٥٦ ]
أن أمره في الإدراك خارج عن حدّ ما عليه إدراك السامعين والمبصرين، لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها، كما يذرك أكبرها حجما وأكثفها جرما، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر (ما لَهُمْ) الضمير لأهل السموات والأرض (مِنْ وَلِيٍّ) من متول لأمورهم (وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ) في قضائه (أَحَدًا) منهم. وقرأ الحسن: (ولا تشرك)، بالتاء والجزم على النهى.
[(وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا)].
كانوا يقولون له: (ائت بقرآن غير هذا أو بدله) [يونس: ١٥]، فقيل له (وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ) من القرآن، ولا تسمع لما يهذون به من طلب التبديل، فلا مبدل لكلمات ربك، أى: لا يقدر أحد على تبديلها وتغييرها، إنما يقدر على ذلك هو وحده، (وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ) [النحل: ١٠١]. (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) ملتجأ تعدل إليه إن هممت بذلك.
_________________
(١) ـ أكل امرئ تحسبين امرأ … ونارٍ توقد بالليل نارا أي: وكل نارٍ، واستغنى بذكره أولًا عن ذكره ثانيًا. الراغب: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) يقول فيه تعالى ذلك من وقف على عجائب حكمته، ولا يقال فيه: ما أبصره وما أسمعه؛ لأن الله تعالى لا يوصف إلا بما ورد به السمع. وقدر أبو البقاء: أوقع أيها المخاطب إبصارًا بأمر الكهف، فهو أمرٌ حقيقة والفاعل مضمرٌ. قوله: (وإنما يقدر على ذلك هو وحده)، أو: (إِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ)
[ ٩ / ٤٥٧ ]
[(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)].
وقال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله ﷺ: نحّ هؤلاء الموالي الذين كأن ريحهم ريح الضأن، وهم: صهيب وعمار وخباب وغيرهم من فقراء المسلمين، حتى نجالسك كما قال قوم نوح: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) [الشعراء: ١١١]، فنزلت: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) واحبسها معهم وثبتها. قال أبو ذؤيب:
فصبرت عارفة لذلك حرّة … ترسو إذا نفس الجبان تطلّع
_________________
(١) ـ [النحل: ١٠١]، أراد أن في هذه الآية الدلالة الظاهرة على أن الكتاب لا يُنسخ بالسُّنة؛ لأنه تعالى أمر نبيه صلوات الله عليه بأن يتلو ما أوحى إليه من كتاب الله حين قالوا: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) [يونس: ١٥] وأعلمهُ أن لا تبديل لكلمات الله البتة، لا يبدلها هو ولا غيره، حيث نفى جنس التبديل وخص هذا العام بقوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ) [النحل: ١٠١] ن فبقي العام فيما عداه على أصله، ولهذا أكد دلالة الحصر في قوله: إنما يقدرُ على ذلك هو بقوله وحده، ثم أتى بتذييل مؤكدٍ لذلك المعنى، وهو قوله: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) بـ (لن) المؤكدة، قال المصنف: تقول لصاحبك: لا أقيم غدًا. فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غدًا، كما تفعل في "أنا مقيم"، و"إني مقيمٌ"، نُزل صلوات الله عليه نزلة من هم أن له ملجًا يعدلُ إليه من أمره ونهيه، فقيل له: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) تهييجًا وإلهابًا، وإليه الإشارة بقوله: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا)، تعدل إليه إن هممت بذلك. قال الزجاج: ولن تجد معدلًا عن أمره ونهيه ولا ملجا إلا إليه. قوله: (فصبرت عارفةً) البيت، أي: حبستُ نفسًا عارفة بأحوال الحرب.
[ ٩ / ٤٥٨ ]
(بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ) دائبين على الدعاء في كل وقت. وقيل: المراد صلاة الفجر والعصر. وقرئ: (بالغدوة)، و(بالغداة) أجود، لأن غدوة علم في أكثر الاستعمال، وإدخال اللام على تأويل التنكير كما قال:
… والزّيد زيد المعارك
_________________
(١) ـ الجوهري: العارف: الصبور. ترسو: ترسخ وتثبت، تطلع: ينقطع عن مكانه. وقيل: ينظر ساعة ويختفي ساعة، كما هو عادة الجبان، يصف صبره وتجلده عند الشدائد، وأن نفسه ثابتة صابرة على المكاره في حال تكون نفس الجبان فيها مضطربة. قوله: (وقرئ: بالغدوة): ابن عامر، والباقون: (بِالْغَدَاةِ). قال أبو البقاء: "بالغداة: أصلها غدوة، فقلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهي نكرةٌ، وتُقرأ بالعدوة، بضم الغين وسكون الدال، وواوٍ بعدها، وقد عرفها بالألف واللام، وأكثر ما تُستعمل معرفةً علمًا" بغير اللام. قوله: (والزيد زيد المعارك)، أوله: وقد كان منهم حاجب وابن أمه … أبو جندلٍ حاجب: هو ابن لقيط بن زُرارة، أراد بقوله: "زيدُ المعارك": شجاعته، ذكره شاهدًا على صحة الإضافة وإدخال اللام على تأويل التنكير، وفيه ضعفٌ؛ لأن العلم إنما وُضع لشيء بعينه غير متناول ما أشبهه، فإذا نُكر فقد استعمل على خلاف ما وُضع له، ووجهه أنه لما وُضع لمسمى ثم وُضع لآخر صارت نسبته إلى الجميع نسبةً واحدةً، فأشبه أن يكون مثل قولك: رجُل.
[ ٩ / ٤٥٩ ]
ونحوه قليل في كلامهم. يقال: عداه إذا جاوزه ومنه قولهم. عدا طوره. وجاءني القوم عدا زيدا. وإنما عدى بعن، لتضمين عدا معنى نبا وعلا، في قولك: نبت عنه عينه وعلت عنه عينه: إذا اقتحمته ولم تعلق به. فإن قلت: أي غرض في هذا التضمين؟ وهلا قيل: ولا تعدهم عيناك، أو لا تعل عيناك عنهم؟ قلت الغرض فيه إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ. ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم؟ ونحوه قوله تعالى (وَلا تَاكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) [النساء: ٢]، أي ولا تضموها إليها آكلين لها. وقرئ: ولا تعد عينيك، ولا تعدّ عينيك، من أعداه وعدّاه نقلا بالهمزة وتثقيل الحشو. ومنه قوله:
_________________
(١) ـ قوله: (عدا طوره)، أي: جاوز حده. النهاية: في حديث سطيح: فإن ذا الدهر أطوارٌ دهارير الأطوار: الحالات المختلفة والنازلات والحدود، واحدها: طورٌ، أي: مرة مُلكٌ، ومرةً هُلك، ومرة بؤس، ومرة نُعم. ومنه حديث النبيذ: "تعدى طوره"، أي: جاوز حده وحاله الذي يخصه ويحل فيه شربه. قوله: (إذا اقتحمته)، الجوهري: اقتحمته عيني، أي: ازدرته. قوله: (وقرئ: "ولا تُعدِ عينيك"): ولا تصرفهما. قال ابن جني: هي قراءة الحسن، وهذا منقولٌ من: عدت عيناك، أي: جاوزتا، من قولهم: جاء القوم عدا زيدًا، أي: جاوز بعضهم زيدًا، ثم نُقل إلى أعديتُ عيني عن كذا، أي: صرفتها.
[ ٩ / ٤٦٠ ]
فعد عمّا ترى إذ لا ارتجاع له
لأن معناه: فعد همك عما ترى. نهى رسول الله ﷺ أن يزدرى بفقراء المؤمنين، وأن تنبو عينه عن رثاثة زيهم طموحا إلى زىّ الأغنياء وحسن شارتهم (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) في موضع الحال، (مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ) من جعلنا قلبه غافلًا عن الذكر بالخذلان، أو وجدناه غافلا عنه، كقولك: أجبنته وأفحمته وأبخلته، إذا وجدته كذلك. أو من أغفل إبله إذا تركها بغير سمة، أي: لم نسمه بالذكر ولم نجعلهم من
_________________
(١) ـ قوله: (فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له)، وتمامه: وانم القتود على عيرانةٍ أُجُد نميتُ الشيء على الشيء: رفعته عليه، والقتدُ: خشبُ الرحل، وجمعه أقتادٌ وقتود، والعيرانة: الناقة، شُبهت بالعير في سُرعتها ونشاطها، وناقة أُجُدٌ: قويةٌ موثقةُ الخلق، يقولُ: فعد همك عما ترى، فإنه قد فات عنك بحيث لا ارتجاع له، أي: انصرف عما ترى من تغير الدار وما أنت فيه إذا أيقنت أن لا رجعة، وتشاغل بالرحلة. قوله: (وحسن شارتهم). الشارة: اللباس والهيئة. قوله: (جعلنا قلبه غافلًا عن الذكر بالخذلان، أو: وجدناه غافلًا)، الانتصاف: شمر الزمخشري هاربًا من الحق، وتجرأ على نفي ما نسبه الله اتباعًا لهواه. قوله: (وأفحمته)، الجوهري: كلمته حتى أفحمته، أي: أسكته، وأفحمته أي: وجدته مفحمًا لا يقول الشعر. قوله: (أو من: أغفل إبله؛ إذا لم يجعل لها وسمًا)، الانتصاف: هذا يمكن مع خلق الغفلة، فلا ضرورة إلى صرف اللفظ عن ظاهره.
[ ٩ / ٤٦١ ]
الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله (وَاتَّبَعَ هَواهُ) وقرئ: (أغفلنا قلبه)، بإسناد الفعل إلى القلب على معنى: حسبنا قلبه غافلين، من:
_________________
(١) ـ قوله: (وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله: (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ» حيث أسند الاتباع إليهم، وعطف بالواو ولم يُرتبه عليه بالفاء، فدل على الاستقلال، وأنهم بأنفسهم يتبعون أهواءهم، وليس (أَغْفَلْنَا) سببًا في الاتباع. الانتصاف: قدم وجه نسبة فعل العبد إلى نفسه، لكونه مقرونًا بقدرته، وإلى الله لكونه مُوجدًا له، فأدلة السُّنة تتبعه حيث سلك لا محيص له عنها. قلتُ: يمكن أن يُقال: إن العطف من أسلوب قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) بالنمل: ١٥] على راي صاحب "المفتاح" أخبر الله تعالى أنه خق قلوبهم مختومًا عليها وجعل فيها الغفلة، وأخبرهم أنهم اتبعوا أهواءهم، ولم يرتب الثاني على الأول تفويضًا لاستفادته إلى فهم السامع، أو من الأضمار، كما ذهب إليه المصنف في تلك الآية، أي: جعلنا قلبه غافلًا عن الذكر فضل واتبع هواه، كما قال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا)، فعملا به وعلما الناس وعرفا حق النعمة (وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: ١٥]. قوله: (وقرئ: "أغفلنا قلبه")، قال ابن جني: قرأها عمرو بن فائد، يقال: أغفلت الرجل، وجدته غافلًا.
[ ٩ / ٤٦٢ ]
أغفلته إذا وجدته غافلًا، (فُرُطًا) متقدّما للحق والصواب نابذًا له وراء ظهره من قولهم «فرس فرط» متقدّم للخيل.
[(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا)].
(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُم ْ): (الحق) خبر مبتدأ محذوف. والمعنى: جاء الحق وزاحت
_________________
(١) ـ قوله: «الْحَقِّ): خبر مبتدأ محذوف)، أي: هوالحق، كذا قُدر في "آل عمران"، والخبر هو العامل في الظرف. فإن قلت: ما دعاه إلى هذا؟ ولِمَ لم يجعل (مِنْ رَبِّكُمْ) الخبر؟ ومع ذلك كيف قال: جاء الحق؛ فإنه ليس بمقتضى التقدير؟ قلتُ: دعاه مجيء قوله: (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) كالفذلكة لما ذكر من مفتتح السورة أو جميع ما جاء به صلوات الله عليه، ثم ترتب ما بعده بالفاء عليه، فالضمير المقدر بمنزلة اسم الإشارة، ومن ثم قدر الواحدي: أي: هذا الحق من ربكم، قال الزجاج: الذي آتيكم به الحق من ربكم، فيكون المعنى: ما جئتكم به من حديثا لكتاب القويم المعري عن كل الاعوجاج، الظاهر الإعجاز، الكاشف عن المغيبات، المحتوي على مكارم الأخلاق، المزيح للعلل والأعذار، المزيل للريب والشبهات - حق واجب ثابت من الرب المالك الرحيم، ثم رتب عليه وعيد من كابر عقله وعاند ربه، ودفع الحق الصُّراح، ووعد من أذعن للحق وآمن وعمل بمقتضاه بقوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، وعلل ذلك بقوله: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا) إلى آخر الآيات. ويؤيدُ هذا التأويل ما ذكرهُ الواحدي: قال: قال مجاهدٌ والسديٌّ: قوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) وعيدٌ من الله وإنذارٌ، وقد بيَّنَ
[ ٩ / ٤٦٣ ]
العلل فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك. وجيء بلفظ الأمر والتخيير، لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء، فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ما شاء من النجدين. شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق، وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط، وبيت مسردق: ذو سرادق وقيل: هو دخان
_________________
(١) ـ بعده ما لكل فريق من مؤمن وكافر، فقال: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا) الآيات، فظهر أن قوله: " (جَاءَ الْحَقُّ)، وزاحت العللُ" تحرير للمعنى وتلخيصٌ له. والله أعلم. قوله: (وجيء بلفظ الأمر والتخيير؛ لأنه لما مُكن من اختيار أيهما شاء فكأنه مخيرٌ مأمورٌ بأن يتخير ما شاء من النجدين)، قال القاضي: وهو لا يقتضي استقلال العبد بفعله، فإنه وإن كان بمشيئته فمشيئته ليست بمشيئة. المعنى: لا أبالي بإيمان من آمن وكُفر من كفر. وقال الزجاج: هذا الكلامُ ليس بأمرٍ لهم، ما فعلوهُ منه فهم فيه مُطيعون ولكنه كلامٌ فيه وعيدٌ وإنذارٌ. قوله: (بالسرادق، وهو الحجزة). الراغب: فارسيٌّ معربٌ، وليس في كلامهم اسمٌ مفردُ ثالثه ألفٌ وبعده حرفان، قال تعالى: (أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)، وقيل: مُسردقٌ: مجعول على هيئة السرادق.
[ ٩ / ٤٦٤ ]
يحيط بالكفار قبل دخولهم النار. وقيل: حائط من نار يطيف بهم (يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ) كقوله:
… فأعتبوا بالصّيلم
وفيه تهكم. والمهل: ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل: دردىّ الزيت يَشْوِي الْوُجُوهَ إذا قدم ليشرب انشوى الوجه من حرارته. عن النبي ﷺ: هو كعكر الزيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه (بِئْسَ الشَّرابُ) ذلك، (وَساءَتْ) النار (مُرْتَفَقًا) متكا من المرفق، وهذا لمشاكلة قوله (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا) [الكهف: ٣١]، وإلا
_________________
(١) ـ قوله: (فأعتبوا بالصيلم) أوله: غضبت تميمٌ أن تُقتل عامرٌ … يوم النسار "النسار" بكسر النون: ماءٌ لبني عامر. و"الصيلمُ": الداهية والأمرُ العظيم. "أُعتبوا" أي: أرضوا. جعل الداهية لهم مكان العتاب الذي يجري بين الأحبة. قوله: (كعكر الزيت)، الحديث رواه الترمذي، عن أبي سعيد. النهاية: العكرُ: الدنس والدرن. قوله: «مُرْتَفَقًا): مُتكئًا، من المرفق). الجوهري: بات مرتفقًا، أي: متكئًا على مرفق يده. والمرفقة بالكسرة: المخدةُ. قوله: (وهذا لمشاكلة قوله: (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا»، أراد أن الآية الثالثة مقابلةٌ لهذه، وهي مفصلةٌ بذكر الارتفاق، فأوجب بموجب المشاكلة المجاوبة بين القرينتين وإن تأخر
[ ٩ / ٤٦٥ ]
فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء، إلا أن يكون من قوله:
إنيّ أرقت فبتّ اللّيل مرتفقًا … كأنّ عينى فيها الصّاب مذبوح
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا* أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا)].
(أُولئِكَ) خبر إن (وإِنَّا لا نُضِيعُ) اعتراض، ولك أن تجعل (إِنَّا لا نُضِيعُ) و(أُولئِكَ) خبرين معًا. أو تجعل (أُولئِكَ) كلامًا مستأنفًا بيانًا للأجر المبهم. فإن قلت: إذا جعلت إِنَّا لا نُضِيعُ خبرا، فأين الضمير الراجع منه إلى المبتدأ؟ قلت: (مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) ينتظمهما معنى واحد، فقام (مَنْ أَحْسَنَ) مقام الضمير. أو أردت: من أحسن عملا منهم، فكان كقولك: السمن منوان بدرهم. من الأولى للابتداء، والثانية للتبيين، وتنكير
_________________
(١) ـ المتبوع عن التابع، ولولا المشاكلة كان إثبات (مُرْتَفَقًا) للكفار على سبيل التهكم كإثبات (يُغَاثُوا) لهم. قوله: (إلا ان يكون من قوله): أي: هذا من المشاكلة، إلا أن يُراد معنى قول الشاعر، وذلك أن (مُرْتَفَقًا) وكأنه عيني إلى آخره: حالان مترادفان. ودلت الثانية على أن الأولى محمولة على غير المتعارف، جعل بالاعداء أفراد جنس المتكأ نوعين، على نحو قوله: تحية بينهم ضربٌ وجيعُ. فالمعنى إن صح: أن تكون النار متكأ، فكأنالمتكأ ذاك. قوله: (إني أرقت): سهرت، و"الصابُ": شجرةٌ لها لبنٌ إذا أصاب العين خلبها. الجوهري: الصابُ: عُصارة شجرٍ مُر.
[ ٩ / ٤٦٦ ]
(أَساوِرَ) لإبهام أمرها في الحسن. وجمع بين السندس: وهو ما رقّ من الديباج، وبين الإستبرق: وهو الغليظ منه، جمعا بين النوعين. وخص الاتكاء، لأنه هيئة المنعمين والملوك على أسرتهم.
[(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا* كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا* وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا)].
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ) أي ومثل حال الكافرين والمؤمنين، بحال رجلين وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا. وقيل: هما المذكوران في سورة (والصافات) في قوله قالَ: (قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) [الصافات: ٥١]، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فتشاطراها. فاشترى الكافر أرضا بألف، فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار، وأنا أشترى منك أرضا في الجنة بألف، فتصدّق به. ثم بنى أخوه دارًا بألف، فقال: اللهم إني أشترى منك دارا في الجنة بألف فتصدّق به. ثم تزوّج أخوه امرأة بألف، فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور. ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف، فقال: اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف، فتصدّق به ثم أصابته حاجة، فجلس لأخيه على طريقه فمرّ به في حشمه، فتعرّض له، فطرده ووبخه على التصدّق بماله.
_________________
(١) ـ قوله: «أَسَاوِرَ). الراغب: سوار المرأة: مُعربٌ، وأصله دستواره، وكيف ما كان فقد استعمله العربُ، واشتق منه: سورت الجارية، قال تعالى: (فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) [الزخرف: ٥٣]، وقال تعالى: (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) [الإنسان: ٢١]، واستعمال أسورة في الذهب وتخصيصها بقوله: (أُلْقِيَ)، واستعمالها في الفضة وتخصيصها به بقوله: "حُلوا" فائدةٌ، فليُتأمل.
[ ٩ / ٤٦٧ ]
وقيل: هما مثل لأخوين من بنى مخزوم: مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأشد، وكان زوج أمّ سلمة قبل رسول الله ﷺ. وكافر وهو الأسود بن عبد الأسد.
(جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ) بستانين من كروم (وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ) وجعلنا النخل محيطا بالجنتين، وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم: أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة. يقال: حفوه، إذا أطافوا به: وحففته بهم. أي جعلتهم حافين حوله، وهو متعدّ إلى مفعول واحد «فتزيده الباء مفعولا ثانيا، كقولك: غشيه، وغشيته به (وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا) جعلناها أرضًا جامعة للأقوات والفواكه. ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها، مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق، ونعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص، ثم بما وهو أصل الخير ومادّته من أمر الشرب فجعله أفضل ما يسقى به، وهو
_________________
(١) ـ قوله: (عبد الله بن عبد الأشد) بالشين المعجمة. وفي "الجامع": هو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومي، الأسد، بالسين المهملة. وفي "الاستيعاب": هو زوج أم سلمة قبل النبي ﷺ. قوله: (مؤزرة بالأشجار). الأساس: ومن المجاز: الزرعُ يؤازر بعضه بعضًا؛ إذا تلاحق والتف، وتأزر النبت. قوله: (من أمر الشرب): بيان ما هو أصل الخير. الشربُ: يروي بكسر الشين. الجوهري: شرب الماء وغيره شربًا، وقرئ: (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) [الواقعة: ٥٥] بالوجوه الثلاثة. قال أبوعبيدة: بالفتح: المصدر، وبالضم والكسر: اسمان. وهاهنا: اسمٌ.
[ ٩ / ٤٦٨ ]
السيح بالنهر الجاري فيها. والأكل: الثمر. وقرئ بضم الكاف (وَلَمْ تَظْلِمْ) ولم تنقص. وآتت: حمل على اللفظ، لأنّ (كِلْتَا) لفظه لفظ مفرد، ولو قيل: آتتا على المعنى، لجاز. وقرئ: (وفجرنا)، على التخفيف. وقرأ عبد الله: (كل الجنتين آتى أكله)
_________________
(١) ـ وهذا المعنى ينظرٌ إلى ما قال في "البقرة" في قوله: (جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) [البقرة: ٢٥]، ولولا أن الماء الجاري من النعمة العُظمى واللذة الكبرى، وأن الجنان والرياض، وإن كانت أنقى شيء وأحسنهُ لا تروقُ النواظر ولا تبهج الأنفس حتى يجري فيها الماء، ثم قوله: "فجعله أفضل ما يُسقى به، وهو السيح بالنهر" إشارةٌ إلى فائدة تخصيص ذكر النهر وأنه تتميمٌ للمعنى، وترتيبه للفائدة المطلوبة. قوله: (السيح بالنهر الجاري). الأساس: ساح الماء علىوجه الأرض سيحا، وماءٌ سائح، وأساح فلانٌ نهرا: أجراه. قوله: (لأن (كلتا) لفظه لفظ مفرد، ولو قيل آتتا، على المعنى: لجاز). قال الحريري في "دُرة الغواص": يقولون: كلا الرجلين خرجا، وكلتا المرأتين حضرتا، والاختيار أن يوحد الخبر فيهما؛ لأن كلتا وكلتي: اسمان مفردان وضعا لتأيد الاثنين والاثنتين، وبهذا نطق التنزيل: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا)، وعليه قول الشاعر: كلانا ينادي يا نزارُ وبيننا … قنا من قنا الخطي أو من قنا الهند حيث لم يقل: يناديان. وقال الآخر: كلانا غنيٌّ عن أخيه حياتهُ … ونحن إذا متنا أشد تغانيا حيث لم يقل: غنيان، فإن وُجد في الأشعار تثنية الخبر عن "كلا" و"كلتا" فهو مما حُمل
[ ٩ / ٤٦٩ ]
بردّ الضمير على كل (وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ) أي أنواع من المال، من ثمر ماله إذا كثر. وعن مجاهد: الذهب والفضة، أي: كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الدثرة من الذهب والفضة وغيرهما، وكان وافر اليسار من كل وجه، متمكنا من عمارة الأرض كيف شاء (وَأَعَزُّ نَفَرًا) يعنى أنصارًا وحشمًا. وقيل: أولادا ذكورا، لأنهم ينفرون معه دون الإناث، (يحاوره) يراجعه الكلام، من حار يحور إذا رجع، وسألته فما أحار كلمة.
_________________
(١) ـ على المعنى أو لضرورة الشعر. قوله: (الدثرة). الأساس: وهو يتدثر بالمال، وماله دثرٌ، وذهبأهل الدثور بالأجور. النهاية: الدثر: المال الكثير، يقع على الواحد والاثنين والجمع. قوله: (من: حار يحور؛ إذا رجع). الراغب: الحورُ: التردد إما بالذات أو بالتفكر. وقوله تعالى: (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ) [الانشقاق: ١٤]، أي: لن يُبعث، وحار في الغدير: تردد فيه، وحار في أمره تحير، ومنه المحور: للعود الذي تجري عليه البكرة لتردده، وبهذا النظر قيل: "سيرُ السواني أبدًا لا ينقطع"، محارة الأذُن: لظاهره المنقعر: تشبيهًا بمحارة الماء، لتردد الهواء بالصوت فيه كتردد الماء في المحارة، والقوم في محور، أي: ترددٍ إلى نُقصان. وقيل نعوذُ بالله من الحور عبد الكور، أي من التردد في الأمر بعد المضي فيه، أو من نقصان وتردد في الحال بعد الزيادة فيها. وقيل: حار بعد ما كار، والمحاورة والحوار: المرادة في الكلام، ومنه التحاور، وكلمته فما رجع إلى حوارًا أو حويرًا او محورة، والحورُ: جمع أحور وحوراء.
[ ٩ / ٤٧٠ ]
[(وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا* وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا)].
يعني: قطروس أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويعجبه منهما ويفاخره بما ملك من المال دونه. فإن قلت: فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه ودخل ما هو جنته ما له جنة غيرها، يعنى أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما (وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ) وهو معجب بما أوتى مفتخر به كافر لنعمة ربه، معرّض بذلك
_________________
(١) ـ قوله: (معناه: ودخل ما هو جنته)، أي: ما يقال له: إنه جنته. قال القاضي: المراد ما هو جنته، وهو: ما مُتع به من الدنيا تنبيهًا على أنه لا جنة له غيرها ولا حظ له في الجنة التي وُعد المتقون، والتعريف فيه للعهد الذهني، و"ما" موصولة منصوبة المحل بـ"دخل". قوله: (ما له جنةٌ غيرها). الجملة مؤكدة لمعنى الأولى؛ لأنه إذا كان جنسُ جنته هذا، لا يكون له غيرها. قال صاحب "الفرائد": هناك القصد إلى أن له كذا وكذا، فلابد من ذكر الثنتين، وما اكن بينهما وما يُضاف إليهما، وهاهنا القصد إلى أنه قال وقت الدخول ما لا ينبغي له أن يقول، فلا افتقار إلى ذكر التثنية، بل يكتفى بما يدل على جنس ما كان له، فالواحد والتثنية سواء بهذا الاعتبار. وقال القاضي: ويجوز أن يكون الجنتان لاتصال كل واحدةٍ من جنتيه بالأخرى كجنة واحدة، أو يكون الدخول واحدة واحدة. قوله: «وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ): وهو معجبٌ بما أوتي مفتخرٌ به). قال صاحب "الفرائد": هو ناقصٌ لنفسه؛ لأن من كفر النعمة نقص نفسه، باعتبارأن الكفران يوجب فقدان
[ ٩ / ٤٧١ ]
نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم. إخباره عن نفسه بالشك في بيدودة جنته: لطول أمله واستيلاء الحرص عليه وتمادى غفلته واغتراره بالمهلة وإطراحه النظر في عواقب أمثاله. وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم، فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه، (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي) إقسام منه على أنه إن ردّ إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير وكما يزعم صاحبه، ليجدنّ في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، تطمعا وتمنيا على الله، وادّعاء لكرامته عليه ومكانته عنده، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله، وأنّ معه هذا الاستحقاق أينما توجه، كقوله: (إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) [فصلت: ٥٠]، (لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا) [مريم: ٧٧]
_________________
(١) ـ النعمة، فكأن نفسه منقوصة، أو لأن الكفران مؤد إلى الهلاك، كقوله: (لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم: ٧]. وقلتُ: مرادُ المصنف أن معنى قوله تعالى: (ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) محمولٌ على معنى الظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، كان من موجب دخول جنته ونظره أرضًا جامعةً للأقوات والفواكه مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق، كما وصفه الله تعالى: أن يتواضع لله ويشكره على ذلك بما يستطيع من بذل الجهد واستفراغ الطوق، فوضع مكان الشكر والتواضع الإعجاب والافتخار والكفران، فعرض بذلك نفسه لسخط الله وغاية الهوان والنكال، كقوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢]، أي: تجعلون شُكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر. قوله: (في بيدودة جنته). الجوهري: باد الشيء يبيد بيدًا وبيودًا: هلك. قوله: «وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي): إقسام منه)، أي: اللام موطئة للقسم. قوله: «لأوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) [مريم: ٧٧]): يريدُ أن هذا القول يشبه قول العاص بن وائل حين تقاضاه خبابٌ مالًا له عليه، فقال له: لا، تحى تكفر بمحمد. قال: لا والله، لا
[ ٩ / ٤٧٢ ]
وقرئ: (خيرًا منهما)، ردّا على الجنتين (مُنْقَلَبًا) مرجعا وعاقبة. وانتصابه على التمييز، أي: منقلب تلك، خير من منقلب هذه، لأنها فانية وتلك باقية.
[(قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا)].
(خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ) أي: خلق أصلك، لأنّ خلق أصله سبب في خلقه، فكان خلقه خلقا له سَوَّاكَ عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال. جعله كافرًا بالله جاحدًا لأنعمه
_________________
(١) ـ أكفرُ بمحمدٍ حيًا ولا ميتًا، ولا حين تُبعث. قال: فإني إذا متُّ بعثتُ؟ قلتُ: نعم. قال: فإذا بُعثتُ جئني فيكون لي ثم مالٌ وولدٌ فأعطيك. قوله: (وقرئ: "خيرًا منهما"): نافعٌ وابن عامر. قوله: (جعله كافرًا بالله)، أي: جعل صاحبه كافرًا بالله بقوله: (أَكَفَرْتُ) لأجل شكه في البعث، حيث قال: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)؛ لأن منشأة الشك في كمال قدرة الله وفي كونه عالمًا بالحركات، كما يلزمُ من تكذيب المرسل الكفرُ بالمرسل، وفيه تغليظ إنكار الحشر. قال القاضي: ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على ما خلقه منه قدر أن يعيده منه.
[ ٩ / ٤٧٣ ]
لشكه في البعث، كما يكون المكذب بالرسول ﷺ كافرًا.
[(لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا)].
(لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) أصله: (لكن أنا)، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على
_________________
(١) ـ وقلتُ: إنما قرن المصنف قوله: "جاحدًا لأنعمه" بقوله: "كافرًا بالله" ليؤذن بأن قوله: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ) رد لقوله: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)، ولدخوله ظالمًا لنفسه واضعًا موضع الشكر الافتخار والإعجاب مكا سبق، فجعل (أَكَفَرْتَ) مستعملًا في الكفر بالله وكفران الننعمة ولكونهما متوافقين، كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) [الأحزاب: ٥٦] أو في القدر المشترك، وهو الستر والتغطية، فكما أن كافر النعمة يحاول في ستر ما يوجب الإشادة والظهور من النعم، كذلك الكافرُيزاول في لبس الحق بالباطل. وقوله: (لشكه في البعث) يجوز أن يكون تعليلًا لجعله كافرًا بالله، وأن يكون له ولقوله: "جاحدًالانعمه"؛ لأن في الإعادة نعمةً للمؤمنين، وأي نعمةٍ ليست فوقها نعمة؟ قوله: «لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) أصله: "لكن أنا"). قال صاحب "التيسير": قرأ ابن عامر (لَكِنَّا) بإثبات الألف في الوصل، والباقون بحذفها، إثباتُها في الوقف إجماع. وقال ابن جني: قرأ أبي بن كعب والحسن: " لَكِنْ أنا)، وهي أصل قاءة أ [ي عمرو وغيره: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) فخففت همزة "أنا" بأن حُذفت وألقيت حركتها على ما قبلها فصارت "لكننا"، ثم التقت النونان متحرتين فأسكنت الأولى وأدغمت في الثانية فصارت "لكن" في الإدراج، فإذا وقفت ألحقت الألف لبيان الحركة، فقُلت: (لَكِنَّا) فـ"أنا" على هذا: مرفوعٌ بالابتداء، وخبره: الجملة، وهي مركبة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ: (اللَّهُ)، والخبر: (رَبِّي)، والجملة خبر: (هُوَ)، و(هُوَ) وما بعده من الجملة: خبرٌ عن (أنا)، والعائدُ عليه من الجملة بعده الياء في (رَبِّي)، كقولك: أنا قام غُلامي.
[ ٩ / ٤٧٤ ]
نون "لكن"، فتلاقت النونان فكان الإدغام. ونحوه قول القائل:
وترميننى بالطّرف أى أنت مذنبٌ … وتقليننى لكنّ إيّاك لا أقلى
أي: لكن أنا لا أقليك وهو ضمير الشأن، والشأن الله ربي، والجملة خبر أنا، والراجع منها إليه ياء الضمير. وقرأ ابن عامر بإثبات ألف أنا في الوصل والوقف جميعا، وحسن ذلك وقوع الألف عوضا من حذف الهمزة. وغيره لا يثبتها إلا في الوقف. وعن أبي عمرو أنه وقف بالهاء: لكنه. وقرئ: (لكن هو الله ربي)، بسكون
_________________
(١) ـ فإن قلت: فما العائد على (هُوَ) من الجملة بعده التي هي خبرٌ عنه؟ قلتُ: لا عائد على المبتدأ أبدًاإذا كان ضمير الشأن والقصة؛ لأن المبتدأ إنما احتاج إلى العائد من الخبر إذا كانت جملةً؛ لأنها لست هي المبتدأ، نحو: زيدٌ قائمٌ أبوه؛ لأن "زيدًا" ليس بقولك: "قائم أبوه" في المعنى، فاحتاجت إلى عود ضمير منها عليه ليلتبس ذلك الضمير بجملته. وأما ما نحن بصدده فهو الجملة نفسها. قوله: (وترمينني بالطرف) البيت، تقلينني: أي: تُبغضينني. قيل: "لكن" وجهُه أن يكون أصله: لكنه إياك، على أن الضمير للشان، ثم حُذف. ولو قيل: إن الأصل: لكنني إياك، ثم حُذف اسم "لكن" وهو ضمير المتكلم مع نون الوقاية لكان وجهًا. قوله: (وترمينني بالطرف). الأساس: ومن المجاز: رماه بعينه، ورماه بالفاحشة. قوله: (أي: لكن أنا لا أقلبك). يريد: أن "إياك" ليس منصوبا بـ"لكن"، وهو ضمير مفعول قُدم على عامله، إما للاختصاص أو القافية. قوله: (وقرئ: " لَكِن هُوَ اللَّهُ رَبِّي)، قال ابن جني: هي قراءة عيسى الثقفي، و"هُو":
[ ٩ / ٤٧٥ ]
النون وطرح أنا. وقرأ أبيّ بن كعب: لكن أنا على الأصل. وفي قراءة عبد الله: لكن أنا لا إله إلا هو ربى. فإن قلت: هو استدراك لماذا؟ قلت: لقوله أَكَفَرْتَ قال لأخيه: أنت كافر بالله، لكنى مؤمن موحد، كما تقول: زيد غائب، لكن عمرا حاضر.
[(وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا* فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا* أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا)].
(ما شاءَ اللَّهُ) يجوز أن تكون (ما) موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأٍ محذوف، تقديره: الأمر ما شاء الله. أو شرطية منصوبة الموضع والجزاء محذوف، بمعنى: أي شيء شاء الله كان. ونظيرها في حذف الجواب (لَوْ) في قوله: (وَلَوْ أَنَّ
_________________
(١) ـ ضمير الشأن، والجملة بعده: خبرٌ عنه. قوله: (أنت كافرٌ بالله، لكني مؤمنٌ موحدٌ)، هذا تلخيص الكلامين المتغايرين لتصحيح إدخال "لكنْ" بينهما، وأما اعتبار مفردات التركيب فمفوض إلى الذهن، فقوله: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) مقابل لقوله: (هُوَ اللَّهُ رَبِّي)، وقوله: (أَكَفَرْتَ) مقابل لقوله: (وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) دل هذا على التوحيد الصرف والإخلاص التام. قوله: (أو شرطية منصوبة الموضع). قال أبو البقاء: هي شرطية في موضع نصب بـ (شَاءَ)، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله كان. قوله: (ونظيرُها)، أي: نظيرُ "ما" الشرطية في حذف الجواب: لفظةٌ "لو" في تلك الآية، فـ"نظيرُها": مبتدأٌ، والخبرُ: "لو".
[ ٩ / ٤٧٦ ]
قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) [الرعد: ٣١]، والمعنى: هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها الأمر ما شاء الله، اعترافا بأنها وكلّ خير فيها إنما حصل بمشيئة الله وفضله، وأن أمرها بيده: إن شاء تركها عامرة وإن شاء خرّبها، وقلت (لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) إقرارًا بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها إنما هو بمعونته وتأييده، إذ لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله تعالى. وعن عروة بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب، فيدخل من شاء. وكان إذا دخله ردّد هذه الآية حتى يخرج. من قرأ أَقَلَّ بالنصب فقد جعل أنا فصلا، ومن رفع جعله مبتدأ وأقلّ خبره، والجملة مفعولًا. ثانيًا لترنى. وفي قوله وَوَلَدًا نصرة لمن فسر النفر بالأولاد في قوله (وَأَعَزُّ نَفَرًا) [الكهف: ٣٤]، والمعنى إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بى وما بك من الفقر والغنى، فيرزقنى لإيمانى جنة خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ ويسلبك لكفرك نعمته ويخرّب بستانك. والحسبان: مصدر كالغفران والبطلان، بمعنى الحساب، أي: مقدارا قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها وقال الزجاج: عذاب حسبان، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك. وقيل حسبانا مرامي الواحدة حسبانة وهي الصواعق صَعِيدًا زَلَقًا أرضا بيضاء يزلق عليها لملامتها زلقًا) و(غَوْرًا) كلاهما وصف بالمصدر.
_________________
(١) ـ قوله: (والحسبان مصدرٌ، كالغفران والبطلان، بمعنى الحساب). قال صاحب "الفرائد": هو مصدرٌ بمعنى اسم المفعول، أي: شيئًا مما يُعد، أي: يدخل في الحساب ويعتد به، من أنواع العذاب المرتبة على الأمر المتوقع أن يقع بسبب الكفر. الراغب: (حُسْبَانًا): نارًا وعذابا، ً وإنما هو في الحقيقة: ما يُحاسب عليه، فيجازى بحسبه. قوله: (يزلق عليها لملاستها). الراغب: الزلق والزلل متقاربان. قال تعالى:
[ ٩ / ٤٧٧ ]
[(وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا*وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا)].
(وَأُحِيطَ) به عبارة عن إهلاكه. وأصله من أحاط به العدوّ، لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه، ثم استعمل في كل إهلاك. ومنه قوله تعالى إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ ومثله قولهم: أتى عليه، إذا أهلكه، من أتى عليهم العدوّ: إذا جاءهم مستعليا عليهم. وتقليب الكفين: كناية عن الندم والتحسر، لأنّ النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن، كما كنى عن ذلك بعض الكف والسقوط في اليد، ولأنه في معنى الندم عدّى تعديته بعلى، كأنه قيل: فأصبح يندم عَلى ما أَنْفَقَ فِيها أي أنفق في عمارتها (وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى
_________________
(١) ـ (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) أي: دحضًا لا نبات فيه، كقوله تعالى: (فَتَرَكَهُ صَلْدًا) [البقرة: ٢٦٤]، يقال: زلقه وأزلقه فزلق، قال تعالى: (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ) [القلم: ٥١]، وذلك كقول الشاعر: نظرًا يزيل مواطئ الأقدام قال يونس: لم يُسمع الزلقُ والإزلاقُ إلا في القرآن، ورُوي أن أبي بن كعب قرأ: (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ) [الشعراء: ٦٤]، أي: أهلكنا. قوله: (ظهر البطنٍ). الأساس: قلبتُ الأمر ظهرًا لبطن، قال عمر بن أبي ربيعة: وضربنا الحديث ظهرا لبطنٍ … وأتينا من أمرنا ما اشتهينا نصب "ظهرا لبطنٍ" على أنه مفعولٌ مطلق، أي: يُقلبُ كفيه تقليبًا.
[ ٩ / ٤٧٨ ]
عُرُوشِها) يعني أنّ كرومها المعرشة سقطت عروشها على الأرض، وسقطت فوقها الكروم. قيل: أرسل الله عليها نارا فأكلتها (يا لَيْتَنِي) تذكر موعظة أخيه فعلم أنه أتى من جهة شركه وطغيانه، فتمنى لو لم يكن مشركا حتى لا يهلك الله بستانه. ويجوز أن يكون توبة من الشرك، وندما على ما كان منه، ودخولا في الإيمان. وقرئ: (وَلَمْ تَكُنْ) بالياء والتاء، وحمل (يَنْصُرُونَهُ) على المعنى دون اللفظ، كقوله: (فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ) [آل عمران: ١٣]. فإن قلت: ما معنى قوله (يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ)؟ قلت: معناه يقدرون على نصرته من دون الله، أي:
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: (وَلَمْ تَكُنْ) بالياء والتاء)، حمزة والكسائي: بالياء التحتاني، والباقون: بالتاء. قوله: (وحُمل (يَنصُرُونَهُ) على المعنى)؛ لأن الفئة ناسٌ وجماعة، ولو كان (تَنصُرُونَهُ) بالتاء الفوقانية لكان حملًا على اللفظ، والاستشهاد بقوله: (فِئَةٌ تُقَاتِلُ) [آل عمران: ١٣] بالتاء الفوقانية، لأجل الحمل على اللفظ. قوله: (معناه: يقدرون على نُصرته)، قال صاحب "الفرائد": "وضعُ "يَنصُرونَ" موضع "يقدرون": وضعُ الملزوم موضع اللازم، وهو من باب المجاز، وتركُ الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا بقرينة، وهي هاهنا: (مِنْ دُونِ اللَّهِ)؛ لأن حاصل (مِنْ دُونِ اللَّهِ): إلا الله، فكأنه قيل: لا ينصره أحد إلا الله، وهو كقولك: لم ينصرني أحدٌ من دون زيد، يُفهم منه أن زيدًا ينصرك، ولما لم ينصره الله عثلم أن المراد من النصرة القدرة عليه. وقلتُ: نظيره قوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء: ١٠٤] أي: قادرين، وقوله: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ) [النحل: ٩٨]، أي: إذا اردت القراءة فاستعذ؛ لأن الفعل يوجدُ بقدرة الفاعل تارة وأخرى بإرادته، فهو من إطلاق المسبب على السبب.
[ ٩ / ٤٧٩ ]
هو وحده القادر على نصرته لا يقدر أحد غيره أن ينصره إلا أنه لم ينصره لصارف وهو استيجابه أن يخذل (وَما كانَ مُنْتَصِرًا) وما كان ممتنعا بقوّته عن انتقام الله.
[(هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا)].
(الْوَلايَةُ) بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، وقد قرئ بهما. والمعنى هنالك، أي: في ذلك المقام وتلك الحال النصرة لله وحده، لا يملكها غيره، ولا يستطيعها أحد سواه، تقريرا لقوله (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [الكهف: ٤٣].
أو: هنالك السلطان والملك لله لا يغلب ولا يمتنع منه. أو في مثل تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطرّ. يعنى أنّ قوله (يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) [الكهف: ٤٢]، كلمة ألجئ إليها فقالها جزعا مما دهاه من شؤم كفره، ولولا ذلك
_________________
(١) ـ قوله: (وهو استيجابه أن يُخذل)، معناه: أنه تعالى أوجب على نفسه خذلانه بناء على مذهبه، اللهم إلا أن يقال: الإيجاب بمعنى الوعد، وفيه دليل أن قوله: (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) لم يصدر عنه توبةً وندمًا. نعم، يجوز ان يقال: إن تلك التوبة كانت عند مشاهدة البأس. قوله: (وقد قُرئ بهما)، بالكسرة: حمزة والكسائي، والباقون: بالفتح. قوله: (يعني: أن قوله: (يَا لَيْتَنِي) كلمة ألجيء إليها، فقالها)، تلخيصٌ لما حصل من تفسيره لقوله: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا)، وجعل قوله: (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ) تقريرًا له، بعد سبق ذكر قوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) يعني: لما رأى ألا ناصر هناك إلا الله، وهو قد خذله، قالها جزعًا مما دهاه، وهذا مؤذنٌ بأن قوله: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) إلى قوله: (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ) إما حالٌ من فاعل يقولُ، أو:
[ ٩ / ٤٨٠ ]
لم يقلها. ويجوز أن يكون المعنى: هنالك الولاية لله ينصر فيها أولياءه المؤمنين على
_________________
(١) ـ عطفٌ على يقول: وإيذانٌ بحصول مضمون الجملتين، وبعثٌ للسامع على التفكر واستنباط الرتب بينهما. ويجوز أن يتعلق قوله: "يعني" بالوجه الأخير، والظاهر أنه متعلقٌ بالوجوه الثلاثة المبنية على معنى الولاية من انصرة والتولي والسلطان والمُلك على سبيل اللف والنشر، فلما فرغ من ذلك أتى بما يجمعها من المعنى، يعني: إنما قال ذلك الخاسر النادم: (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) لما رأى ألا ناصر أو لا مُتولي أو لا مانع له هنالك. الراغب: الولي: كون الشيء بجنب الآخر، ويعتبر ذلك تارةً بالمكان، فيقال له: الولايةُ وتارة بالنصرة، فيقال له: الولاء والموالاة، لكن الولاء على ضربين: ضربٌ باعتبار نسبة الأعلى إلى الأسفل، وضربٌ باعتبار نسبة الأسفل إلى الأعلى، ولهذا يُقال للخادم والمخدوم: مولى وولي؛ لأن كل واحدٍ منهما يوالي الآخر؛ الخادم بالطاعة والنصيحة، والمخدوم بالإشفاق والكفاية. وقال أهل اللغة: المولى: المالك والمملوك، والمعتق والمعتقن والناصر والمنصور، ابن العم، والحليف والجار والقيم، فاعتبروا في كل ذلك المتضايفين؛ لكون كل واحدٍ منهما مواليًا للآخر بوجه. قوله: (ويجوز أن يكون المعنى) ها معنى آخر متفرعٌ على معنى الولاية إذا كانت بمعنى النصرة، من قولك: انتصر منه: إذا انتقم منه، ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى: (هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا) [الكهف: ٤٤]، وذلك أن صاحبه لما افتخر وتعزز عليه بالمال والبنين وكفر بالله وبالبعث، وأجابه بما أجاب، ثم ختم بقوله: (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاءِ) - صدق الله قوله بأن أحاط بثمره وتركهُ مخذولًا
[ ٩ / ٤٨١ ]
الكفرة وينتقم لهم، ويشفى صدورهم من أعدائهم، يعنى: أنه نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن، وصدّق قوله (فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ) [الكهف: ٤٠]، ويعضده قوله (خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا) أي: لأوليائه. وقيل (هُنالِكَ) إشارة إلى الآخرة أي في تلك الدار الولاية لله، كقوله (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) [غافر: ١٦]، وقرئ (الحق) بالرفع والجرّ صفة للولاية والله. وقرأ عمرو بن عبيد بالنصب على التأكيد، كقولك: هذا عبد الله الحق لا الباطل، وهي قراءة حسنة فصيحة، وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم،
_________________
(١) ـ مقهورًا، وشفى صدره. والتشفي من أعداء الذين خيرٌ من الخيرات، وموهبة من المواهب، فيكون موقع (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ) مما سبق، موقع قوله: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) من قوله: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) فهما كالتذييلين؛ لأن معناهما يلتقيان في التشفي عن أعداء الدين، ولذلك قال هناك: "هو إيذان بوجوب الجهر عند إهلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم وأجزل القسم"، وقال هنا: " (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ) ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم، ويشفي صدورهم". [قوله]: (وقرئ: (الْحَقَّ) بالرفع والجر) أبو عمرو والكسائي: بالرفع، والباقون: بالجر. قوله: (وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم). الانتصاف: وقد تقدم الإنكار عليه أن القراءة موولة إلى رأي الفصحاء، ولا يجوز لأحدٍ أن يقرأ إلا بما سمعهن ورُوي مفصلًا عن النبي مخبرًا عن غنزاله من السماء، فلا وجه لفصاحة الفصيح، ولكن الزمخشري لا يفوت الثناء على راس البدعة ومعدن الفتنة عمرو بن عبيد، فإنه من كبار المعتزلة. ذكر الإمام مسلم بن الحجاج في "صحيحه" أن سليمان بن أبي مطيع كان يقول: بلغ أيوب أني آتي عمرو بن عبيد، فأقبل عليَّ فقال: أرأيت رجلًا لا تأمنه على دينه،
[ ٩ / ٤٨٢ ]
وقرئ: (عُقْبًا) بضم القاف وسكونها، و(عقبى) على فعلى، وكلها بمعنى العاقبة.
[(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا)].
(فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ) فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضا. وقيل:
_________________
(١) ـ كيف تأمنه على الحديث؟ قال الشيخ محيي الدين في "شرحه": أما عمرو بن عبيدٍ فهو القدري المعتزلي الذي كان صاحب الحسن البصري، قال مسلم أيضًا: كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث. قال: قيل لأيوب: إن عمرو بن عبيد روى عن الحسن، قال: لا يُجلد السكران من النبيذ، فقال: كذب، أنا سمعت الحسن يقول: يُجلد السكران من النبيذ. قوله: (وقرئ: (عُقْبًا)، بضم القاف)، عاصمٌ وحمزة: بالإسكان، والباقون: بالضم. الراغب: العقبُ: مؤخر الرجل. وقيل: عقبٌ وجمعه أعقابٌ، واستعيرالعقب للولد ولولد الولد، ورجع على عقبه: إذا انثنى راجعًا، وانقلب على عقبه، نحو رجع على حافرته ونحو: (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا) [الكهف: ٦٤]، وعقبه: إذا تلاه، نحو: دبره وقفاه. والعقبُ والعقبى يختصان بالثواب، نحو: (هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا)، وقال تعالى: (أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: ٢٢]، (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: ٢٤]، والعاقبة إطلاقها يختص بالثواب، نحو: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، وبالإضافة قد يستعمل في العقوبة، كقوله تعالى: (فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ) [الحشر: ٨٣] فيصح أن يكون ذلك استعارة من ضده، كقوله تعالى: (بَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: ٢١]، والعقوبة والعقابُ والمعاقبة يختص بالعذاب.
[ ٩ / ٤٨٣ ]
نجع في النبات الماء فاختلط به حتى روي ورف رفيفًا، وكان حق اللفظ على هذا التفسير: فاختلط بنبات الأرض. ووجه صحته أن كل مختلطين موصوف كل واحد منهما بصفة صاحبه. والهشيم: ما تهشم وتحطم، الواحدة هشيمة.
_________________
(١) ـ قوله: (نجع في النبات). الأساس: نجع فيه الدواء: نفعه، وماءٌ نجوعٌ: نميرٌ. قوله: (ورف رفيفًا). الأساس: رف النبات يرفُّ، وله وريفٌ ورفيفٌ؛ وهو أن يهتز نضارة وتلألؤا. قوله: (ووجه صحته أن كل مختلطين موصوفٌ كل واحدٍ منهما بصفة صاحبه)، قال صاحب "الفرائد": حقُّ اللفظ كما ذكره الله تعالى؛ لأن النبات هو المختلط؛ لأن الفعل من جهته؛ إذ هو الجاذب للماء، ولا فعل من جهة الماء يُعرف بالتأمل، فيُقالُ: إن المصنف في صدد تأويل قول القائل: نجع في النبات الماءُ، بدليل قوله: هذا على التفسير، وللماء أيضًا فعلٌ لسريانه في النامي للطافته، ولا نُسلمُ أن نفسَ الجذب الاختلاطُ؛ لأن الاختلاط من الجانبين. فإن قلت: الماءُ النازلُ من السماء إنما يخلطُ الأرض وأصل النبات، لا النبات، لأنه ينبتُ به جزءًا منه. قلتُ: للماء مع النامي أطوارٌ: ففي الطور الأول تختلطُ به الأرض وأصلُ النبات، ثم يختلط بالنبات فيصبح مخضرًا رفيفًا، كما أشار إليه المصنفن ثم يخرج منه الحب، كما قال تعالى امتنانًا: (وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا) [الأنعام: ٩٩] الآية، والذي له سوقُ الكلام، هو الطور الثاني؛ لأن القصد تشبيه حياة الدنيا في حُسنها بهجتها في بدء الأمر باخضرار النبات وغضارته وأخذ الأرض زخرفها وزينتها، ثم استصالها في العاقبة، فلا يدخل في الكلام الطور الأول ولا الثالث، والتشبيه مختصرٌ مما في سورة يونس: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [يونس: ٢٤] إلى آخر الآية. الراغب: الخلطُ: هو الجمعُ بين أجزاء الشيئين فصاعدًا، سواءٌ كانا مائعين أو جامدين.
[ ٩ / ٤٨٤ ]
وقرئ: تذروه الريح. وعن ابن عباس: تذريه الرياح، من أذرى: شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفناء، بحال النبات يكون أخضر وارفًا ثم يهيج فتطيره الرياح كأن لم يكن (وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من الإنشاء والإفناء (مُقْتَدِرًا).
[(الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)].
(والْباقِياتُ الصَّالِحاتُ) أعمال الخير التي تبقى ثمرتها للإنسان وتفنى عنه كل ما تطمح إليه نفسه من حظوظ الدنيا. وقيل هي الصلوات الخمس،
_________________
(١) ـ أو مختلفين، وهو أعمُّ من المزج، ويقالُ: اختلط الشيءُ، قال تعالى: (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ) [يونس: ٢٤]. ويقالُ للصديق والمجاور والشريك: خليطٌ، والخليطُ يقالُ للواحد والجمع، ويقالُ: أخلط فلانٌ في كلامه: إذا كان ذا تخليط فيه، وأخلط الفرس في جريه: كذلك، وهو كنايةٌ عن تقصيره فيه. قوله: (وقرئ: "تذروه الريحُ"): حمزة والكسائي مفردًا. قوله: (وارفًا). الأساس: ورف النباتُ وريفًا، فهو وارفٌ: له بهجة من الري. قوله: (ثم يهيج). الجوهري: هاج النبتُ هياجًا، أي: يبس. قوله: (وتفنى عنهُ كل ما تطمح إليه)، قيل: هو حالٌ، والظاهر العطف على "تبقى" لمجيء الواو في المضارع المثبت، أي: تبقى ثمرتها له، ويفنى عندها عنه كل ما يطمح إليه، كأنه عرف "الباقيات" بالصفة الكاشفة، أي: هي أعمال يبقى ثوابها للإنسان بعد فناء كل ما رجا منه الحظوظ؛ لأن البقية تقتضي ما يفضلُ عنه، كقوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ)
[ ٩ / ٤٨٥ ]
وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وعن قتادة: كل ما أريد به
_________________
(١) ـ [هود: ٨٦]، قال: ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرامٌ عليكم، خيرٌ لكم. وقريبٌ منه ما روينا عن مسلم والترمذي والنسائي، عن عبد الله بن الشخير، عن رسول الله ﷺ: "يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟ "، أي: فأبقيت. قوله: (وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، روى أحمدُ بنُ حنبل في "مسنده"، عن النعمان بن بشير، عن رسول الله ﷺ: "ألا وإن بحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هي الباقيات الصالحات"، ونحوه رواه مال بن أنس، عن ابن المسيب. أقولُ - والعلمُ عند الله تعالى-: لعلهصلواتُ الله عليه خص هذه الكلمات بالباقيات الصالحات؛ لكونها جامعاتٍ للأمهات: فالتسبيح تقديس لذاته عما لا يليق بجلاله وتنزيه لصفاته عن النقائص. والتحميد مشتملٌ على معنى الفضل والإفضال المؤذنين بالصفات الذاتية والإضافية بعد السلبية. والتهليل: توحيد الذات ونفي الضد والند، وتنبيه على التبرؤ عن الحول والقوة إلا به. والتكبير: اعتراف بالقصور في الأفعال والأقوال، قال: "لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"، وفي هذا التدرج لمعةٌ من معنى
[ ٩ / ٤٨٦ ]
وجه الله (خَيْرٌ … ثَوابًا) أي ما يتعلق بها من الثواب وما يتعلق بها من الأمل، لأنّ صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله، ويصيبه في الآخرة.
[(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا* وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا)].
_________________
(١) ـ العروج للسالك العارف، ولهذه الأسرار ورد عن الصادق المصدوق: "لقيت ليلة أُسري بي إبراهيم، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبةُ الماء، وأنها قيعانٌ، وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر". أخرجه الترمذي عن ابن مسعود. ثم إنه ﷾ قابل بالباقيات الصالحات، الفانيات الزائلات، أعني (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ) [الكهف: ٤٥] وخص منها ما هو العمدة فيها، ويحصل منه تزيين المجالس والتفاخر في المحافل من المال والبنين، ألا ترى إلى أحد الرجلين في القصة السابقة وقوله: (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا)؟ وفيه تلويح إلى بيان النظم؛ فإن قوله: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية، ينظر إلى قوله: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ) إلى قوله: فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) في معنى اجتماعهما على الابتداء المبهج والانتهاء المثمر للجنة، وكذا ما قوبل به هذه الآية من الباقيات الصالحات، خبرٌ مقاربق لما قوبل به تلك الآية بقوله: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) وقوله: (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ).
[ ٩ / ٤٨٧ ]
قرئ: (تسير) من سيرت، و(نسير)، من: سيرنا. و(تسير) من: سارت، أي: تسير في الجو. أو يذهب بها، بأن تجعل هباء منبثًا. وقرئ: وترى الأرض على البناء للمفعول (بارِزَةً) ليس عليها ما يسترها مما كان عليها (وَحَشَرْناهُمْ) وجمعناهم إلى الموقف. وقرئ: (فلم نغادر)، بالنون والياء، يقال: غادره وأغدره؛ إذا
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "تسيرُ" من: سُيرت)، قرأ الكوفيون ونافع: (نُسَيِّرُ) بضم النون وكسر الياء، و(الْجِبَالَ) بالنصب، والباقون: بالتاء وفتح الياء ورفع (الْجِبَالَ). و(تَسِيرُ) بفتح التاء: شاذة. قوله: «وَحَشَرْنَاهُمْ): وجمعناهم إلى الموقف). الراغب: الحشر: إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها، وروي: النساء لا يحشرن، أي: لا يخرجن إلى الغزو، ولا يُقال: الحشرُ إلا في الجماعة، قال تعالى: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) [التكوير: ٥]، وسُمي يوم القيامة يوم الحشر، كما سُمي يوم البعث ويوم النشر. قوله: (وقرئ: (فَلَمْ نُغَادِرْ) بالنون): الجماعة كلهم، وبالياء: شاذ. الراغب: الغدرُ: الإخلالُ بالشيء وتركه، والغدر يقالُ لترك العهد، ومنه قيل: فلان غادرٌ، وجمعه: غدرة، غدارٌ: كثيرُ الغدر، وأغدر واستغدر الغدير: صار فيه الماء، والغدير: الشعر الذي تُرك حتى طال، وجمعها: غدائر. وجمعُ غدير الماء: غدرٌ وغُدرانٌ، وغدرتِ الشاة: تخلفت، فهي غدرة.
[ ٩ / ٤٨٨ ]
تركه، ومنه الغدر. ترك الوفاء. والغدير: ما غادره السيل. وشبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان (صفًّا) مصطفين ظاهرين، يرى جماعتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحدا (لقَدْ جِئْتُمُونا) أي: قلنا لهم: لقد جئتمونا. وهذا المضمر هو عامل النصب في يوم نسير. ويجوز أن ينصب بإضمار: اذكر.
_________________
(١) ـ قوله: «صَفًّا): مصطفين)، أي: (صَفًّا): حالٌ من الواو في: (وَعُرِضُوا)؛ وإنما قال: (ظَاهِرِينَ) لأن المقصود من عرض الجند على السلطان إظهارهم عنده، فجعل (صَفًّا) ترشيحًا لاستعارة (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ)، كقوله: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [إبراهيم: ٤٨]. قوله: (وهذا المضمر هو عامل النصب في "يوم نُسير). قال أبو البقاء: وقيل: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ) معطوفٌ على قوله: (عِنْدَ رَبِّكَ)، أي: الصالحات خيرٌ عند الله وخيرٌ يوم نسير. الراغب: السيرُ: المُضي في الأرض، ورجلٌ سائرٌ وسيارٌ، والسيارة: الجماعة، يقال: سرتُ، وسرتُ بفلانٍ، وسرته أيضًا، وسيرته، على التكثير، فمن الأول قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ) [الحج: ٤٦]، ومن الثاني قوله (وَسَارَ بِأَهْلِهِ) [القصص: ٢٩]، ولم يجيء في القرآن القسم الثالث. ومن القسم الرابع قوله تعالى: (وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا) [النبأ: ٢٠]. والتسيير ضربان، أحدهما: بالأمر والاختيار والإرادة من السائر، نحو: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) [يونس: ٢٢]. والثاني: بالقهر والتسخير، كقوله تعالى: (وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ) [التكوير: ٣]. والسيرة: الحالةُ التي يكون عليها الإنسان وغيره غريزيًا كان أو مكتسبًا، يقالُ: فلانٌ له سيرةٌ حسنةٌ وسيرةٌ قبيحةٌ.
[ ٩ / ٤٨٩ ]
والمعنى لقد بعثناكم كما أنشأناكم (أوَّلَ مَرَّةٍ) وقيل جئتمونا عراة لا شيء معكم كما خلقناكم أوّلا، كقوله (وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى) [الأنعام: ٩٤]. فإن قلت لم جيء بحشرناهم ماضيا بعد نسير وترى؟ قلت: للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز، ليعاينوا تلك الأهوال العظائم، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك (موْعِدًا)
وقتا لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث والنشور.
[(وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)].
_________________
(١) ـ قوله: (والمعنى: لقد بعثناكم، كما أنشأناكم): تفسيرٌ لقوله: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ). قوله: (للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير)، قال صاحب "الفرائد": الواو للحال في (وَحَشَرْنَاهُمْ)، فلو كان للعطف، كان ينبغي أن يُقال: ونحشرهم. قلتُ: إن المصنف سأل عن فائدة الاختلاف الواقع بين هذه الأفعال الثلاثة، والجواب ما ذكره، يعني: خولف بين التسيير والرؤية، حيث جيء بهما مضارعين، وجيء بالحشر ماضيًا، ليشعر بصيغة المضارع بأن المراد استحضار تلك الصورة العجيبة الشأن في مشاهدة السامع، ليتعجب لها، وإليه الإشارة بقوله: "ليعاينوا تلك الأهوال"، ولو قيل: نحشرهم على مقتضى الظاهر، لفات المقصود. ونظر أصحاب المعاني إلى فائدة العدول عن مقتضى الظاهر. وقال القاضي: ومجيئه ماضيًا بعد (نُسَيِّرُ) و(تَرَى) لتحقيق الحشر، أو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير.
[ ٩ / ٤٩٠ ]
(الْكِتابُ) للجنس وهو صحف الأعمال (يا وَيْلَتَنا) ينادون هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات (صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً) هنة صغيرةً ولا كبيرة، وهي عبارة عن الإحاطة، يعنى: لا يترك شيئا من المعاصي إلا أحصاه، أي: أحصاها كلها كما تقول: ما أعطانى قليلا ولا كثيرا، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار. ويجوز أن يريد: وإما كان عندهم صغائر وكبائر. وقيل: لم يجتنبوا الكبائر فكتبت عليهم الصغائر وهي المناقشة. وعن ابن عباس: الصغيرة التبسم، والكبيرة القهقهة. وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس، والكبيرة الزنا. وعن الفضيل: كان إذا قرأها قال: ضجوا
_________________
(١) ـ قوله: (ينادون هلتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات)، وذلك أن حرف النداء لاختصاص المنادى بالإقبال، وهاهنا خصوا الهلاك بالنداء، وأضافوا إلى أنفسهم قائلين: (يَا وَيْلَتَنَا) على الاستعارة، فإن الويل: الهلاك، قال في قوله تعالى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) [يس: ٣٠]: نداءٌ للحسرة عليهم، كأنما قيل لها: تعالي يا حسرة، فهذه من أحوالك التي من حقك أن تحضري فيها. قوله: (هنة صغيرة). الأساس: وفيه هناتٌ وهنواتٌ: خصالٌ سوء. قوله: (وهي عبارة عن الإحاطة)، أي: التكرير للاستيعاب، كما في قوله: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: ٦٢]. قوله: (وهي المناقشة). النهاية: وفي حديث عائشة: "من نوقش الحساب فقد هلك"، أي: من استقصى في محاسبته وحوقق. وأصل المناقشة من: نقش الشوكة؛ إذا استخرجها من جسمه وقد نقشها وانتقشها، وبه سُمي المنقاش.
[ ٩ / ٤٩١ ]
والله من الصغائر قبل الكبائر (إِلَّا أَحْصاها) إلا ضبطها وحصرها (وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا) في الصحف عتيدا. أو جزاء ما عملوا (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) فيكتب عليه ما لم يعمل. أو يزيد في عقاب المستحق، أو يعذبه بغير جرم، كما يزعم من ظلم الله في تعذيب أطفال المشركين بذنوب آبائهم.
_________________
(١) ـ قوله: (كما يزعم من ظلم الله) أي: نسبه إلى الظلم، من قولك: خطأته، أي: نسبته إلى الخطأ، أو قلت له: يا خاطئ، وليس المعنى: صيره ظالمًا، نحوه: فرحته. والأحاديث المروية في أطفال المشركين مشهورة، منها: ما رواه مسلمٌ وأبو داود والنسائي، في آخر حديث عائشة ﵂: "إن الله خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا خلقهم وهم في أصلاب آبائهم". وفي رواية أبي داود: قالت: فقلتُ: يا رسول الله، ذراري المؤمنين؟ فقال: "هم من آبائهم"، فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، قلتُ: يا رسول الله، فذراري المشركين؟ فقال: "من آبائهم"، فقلتُ: بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". و"مِن" فيه اتصالية. ومنها: ما روى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين عمن يموت منهم وهو صغيرٌ، قال: "الله أعلمُ بما كانوا عاملين". فظهر من هذه النصوص من ظلم الله بسبب نسبة رسوله إلى الظلم. قال القاضي: معنى: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) يكتب عليه ما لم يفعل. وقال أيضًا: كرر قوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا) في مواضع لكونه مقدمة للأمور المقصود بيانها في تلك المحال، وهاهنا لما شنع على المفتخرين واستقبح صنيعهم، قرر ذلك أنه من سنن إبليس، أو لما بين حال المغرور بالدنيا والمعرض عنها، وكان سببُ الاغترار بها حب الشهوات
[ ٩ / ٤٩٢ ]
[(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا* ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا)].
(كانَ مِنَ الْجِنِّ) كلام مستأنف جار مجرى التقليل بعد استثناء إبليس من الساجدين، كأن قائلا قال: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجن (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) والفاء للتسبيب أيضا، جعل كونه من الجن سببا في فسقه، لأنه لو كان ملكا كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر الله، لأنّ الملائكة معصومون البتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والإنس، كما قال: (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) [الأنبياء: ٢٧]، وهذا الكلام المعترض تعمد من الله تعالى لصيانة الملائكة عن وقوع شبهة في عصمتهم. فما أبعد البون بين ما تعمده الله، وبين قول من ضادّه وزعم أنه كان ملكا ورئيسا على الملائكة، فعصى، فلعن ومسخ شيطانا، ثم ورّكه على ابن عباس.
_________________
(١) ـ وتسويل الشيطان، زهدهم أولًا في زخارف الدنيا بأنها عرضةٌ للزوال، والأعمال الصالحة خيرٌ وأبقى، ثم نفرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من العداوة القديمة، وهكذا مذهب كل تكرير في القرآن. قوله: (ثم وركه على ابن عباس)، الأساس: عن الحسن: من أنكر القدر فقد فجر، ومن ورك ذنبهُ على الله فقد كفر. قال في "الانتصاف": الحق معه إلا في قوله: "وهذا الكلام المعترض تعمدٌ من الله"، فإنه يطلقُ من يفعلُ فعلًا حينًا خطأ، فلا يليقُ إطلاقه على الله تعالى.
[ ٩ / ٤٩٣ ]
ومعنى (فَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) خرج عما أمره به ربه من السجود. قال:
فواسقا عن قصدها جوائرا
أو صار فاسقا كافرا بسبب أمر ربه الذي هو قوله (اسْجُدُوا لِآدَمَ).
(أَفَتَتَّخِذُونَهُ) الهمزة للإنكار والتعجيب، كأنه قيل: أعقيب ما وجد منه
_________________
(١) ـ قال محيي السُّنة: كان بين حي من الملائكة، يقال لهم: الجن، خُلقوا من نار السموم. وقال الإمام: وكونه من الملائكة لا يُنافي كونه من الجن، لقوله تعالى: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) بالصافات: ١٥٨]، (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠]، ولأن الجن إنما سُموا جنًا للاستتار، والملائكة أيضًا يستترون، يعني أن تعالى كلما أراد أن ينقص من مرتبة الملائكة سماهم جنًا، كذلك هاهنا. قوله: (فواسقًا عن قصدها جوائرا)، أوله: يذهبن في نجدٍ وغورًا غائرًا مضى شرحه في "البقرة". قوله: (أو صار فاسقًا كافرًا)، وعلى هذا (فَفَسَقُ) متعلقٌ بقوله: (اسْجُدُوا)، والفاء: للتعقيب، و(كَانَ مِنْ الْجِنِّ): اعتراضٌ، و(عَن) في (عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) كما في قوله ينهون عن أكلٍ وعن شربِ أي: أُصدر فسقُه عن قوله تعالى: (اسْجُدُوا) أي: كان قولهم: (اسْجُدُوا) سببًا لفسقه.
[ ٩ / ٤٩٤ ]
تتخذونه (وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي) وتستبدلونهم بي، بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله، فأطاعه بدل طاعته (ما أَشْهَدْتُهُمْ) وقرئ: (ما أشهدناهم)، يعنى: أنكم اتخذتموهم شركاء لي في العبادة، وإنما كانوا يكونون شركاء
فيها لو كانوا شركاء في الإلهية، فنفى مشاركتهم في الإلهية بقوله ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لأعتضد بهم في خلقها (وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء: ٢٩]. وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ بمعنى وما كنت متخذهم عَضُدًا أي أعوانا، فوضع المضلين موضع الضمير ذمّا لهم بالإضلال، فإذا لم يكونوا عضدا لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء لي في
_________________
(١) ـ قوله: (وإنما كانوا يكونون)، عن بعضهم: التقدير إنما يصح كما تبين، والظاهر أن قوله: "يكونون" مزيدةٌ، كما في قول الفرزدق. وجيرانٍ لنا - كانوا - كرامِ ويؤيده إسقاطه في بعض النسخ. قوله: «عَضُدًا) أي: أعوانًا). الراغب: العضدُ: ما بين المرفق إلى الكتف، وعضدته: أصبت عضده، وعنه استعير: عضدت الشجر بالمعضد، ويُستعار العضد للمعين كاليد، قال تعالى: (وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا). قوله: (فإذا لم يكونوا عضدا لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء؟) إشارة إلى تحقيق ما أنكر عليهم أولًا بقوله تعالى: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي)؛ وذلك أنه تعالى لماعقب امتناع إبليس عن سجدة آدم- لعصيانه وفسقه- إنكار اتخاذه وليًا من دون الله استبعادًا، أراد أن يُقدر هذا الاستبعاد بوجهٍ برهاني، وقال: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) يعني: إنما كانوا شركاء لي أن لو كانوا شركاء فيما يصح به اسم الإلهية،
[ ٩ / ٤٩٥ ]
العبادة؟ وقرئ: وما كنت، بالفتح: الخطاب لرسول الله ﷺ، والمعنى: وما صح لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم. وقرأ على ﵁: وما كنت متخذا المضلين، بالتنوين على الأصل. وقرأ الحسن: عضدا، بسكون الضاد، ونقل ضمتها إلى العين. وقرئ: عضدًا، بالفتح وسكون الضاد. وعضدا، بضمتين وعضدا بفتحتين: جمع عاضد، كخادم وخدم، وراصد ورصد، من عضده: إذا قواه وأعانه.
[(وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا* وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا)].
(يَقُولُ) بالياء والنون. وإضافة الشركاء إليه على زعمهم: توبيخا لهم وأراد الجن. والموبق: المهلك، من وبق يبق وبوقا، ووبق يوبق وبقا: إذا هلك. وأوبقه غيره. ويجوز أن يكون مصدرا كالمورد والموعد،
_________________
(١) ـ وهو خلقُ السماوات والأرض، وإنكم مُقرون بأن الله تعالى هو وحده خالقُ السماوات والأرض: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان: ٢٥]، وإذا لم يكونوا كذلك فلا يكونوا شُراء لي، فقرر ذلك بقوله تعالى: (وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) أي: شركاء فلما لزم من هذه المقدرات تقرير قوله: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ) قال: فما لكم تتخذونهم شركاء؟ فالإشهاد بمعنى الإحضار، أي: ما أحضرتهم لأعتضد بهم، قال الإمام: ما أشهدت الذين اتخذتموهم أولياء خلق السماوات والأرض لأعتضد بهم، والدليل عليه قوله تعالى: (وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا). قوله: «يَقُولُ) بالياء والنون)، حمزة: بالنون، والباقون: بالياء التحتاني.
[ ٩ / ٤٩٦ ]
يعني: وجعلنا بينهم واديا من أودية جهنم هو مكان الهلاك والعذاب الشديد مشتركا يهلكون فيه جميعا. وعن الحسن (مَوْبِقًا) عداوة. والمعنى: عداوة هي في شدتها هلاك، كقوله: لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا. وقال الفراء: البين الوصل،
_________________
(١) ـ قوله: (يعني: وجعلنا بينهم واديًا)، هذا على تقدير أن يكون الموبق اسم مكان. وقوله: (مَوْبِقًا): عداوةً على تقدير أن يكون مصدرًا، فيكون مبالغةً، كقولك: رجلٌ عدل. قوله: (والمعنى: عداوة هي في شدتها هلاكٌ)، أي: وضع المسبب موضع السبب؛ لأن العداوة تستلزم الهلاك، أو هو من باب المجاز باعتبار ما يؤول إليه، كأنه قيل: علنا بينهم عداوة تجرهم وتؤديهم إلى الهلاك والتلف، كقوله: "ولا بُغضك تلفًا" أي: لا يكن بُغضك بحيثُ يجر على التلف والهلاك. قوله: (كقوله: لا يكن حبك كلفًا). قيل: هو من كلام أمير المؤمنين عمر ﵁. النهاية: الكلفُ: الولوع بالشيء مع شغل قلب ومشقة، ومنه قول عمر ﵁: عثمان كلفٌ بأقاربه، أي: شديد الحب لهم. قوله: (البين: الوصل). الراغب: بينٌ: موضوعٌ للخلل بين الشيئين ووسطهما، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا) [الكهف: ٣٢]، يقال: بان كذا، أي: انفصل وظهر ما كان مستترًا منه، ولما اعتبر فيه معنى الانفصال والظهور استُعمل في كل منهما منفردًا، حتى قيل للبئر البعيدة القعر: بيونٌ، وبان الصبح: ظهر، يقال: بان واستبان وتبين، والبينةُ: الدلالة الواضحة، عقليةً كانت أو محسوسة، وسُميت شهادة الشاهدين بينةً، وهو أعمُّ من النطق؛ لأن النطق مختص بالإنسان.
[ ٩ / ٤٩٧ ]
أي: وجعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكا يوم القيامة. ويجوز أن يريد الملائكة وعزيرا وعيسى ومريم، وبالموبق: البرزخ البعيد، أي: وجعلنا بينهم أمدا بعيدا تهلك فيه الأشواط لفرط بعده، لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان فَظَنُّوا فأيقنوا (مُواقِعُوها) مخالطوها واقعون فيها (مَصْرِفًا) معدلًا. قال:
أزهير هل عن شيبة من مصرف
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يريد الملائكة): عطفٌ على قوله: وأراد الجن، والموبق: المهلك. المعنى على الأول: نادوا شركائي الذين زعمتهم من الجن، والحال أن بينهم واديًا من جهنم، أو بينهم عداوة. وعلى الثاني: أن بينهم أمدًا بعيدًا؛ لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان. المُغرب: (مَوْبِقًا)، أي: مهلكًا من أودية جهنم أو مسافةٍ بعيدة. قوله: (البرزخ). الجوهري: هو الحاجز بين الشيئين. قوله: (تهلكُ فيه الأشواط)، المُغرب: الأشواط: جمع شوط، وهو جري مرة إلى الغاية، يعني فيه السير، كناية عن البُعد البعيد. قوله: (أزُهير هل عن شيبةٍ من مصرف)؟ تمامه من "المطلع": أم لا خلود لباذلٍ متكلف؟ "زهير" يُروى بفتح الراء: ترخيم "زهيرة" اسم امرأة. "من مصرف"، الأساس: صُرف عن عمله: غُير، وإنه ليتصرفُ: يحتالُ. يقولُ: أيتها اللائمة، هل يقدر أحدٌ أن يحتال في تغيير الشيبة؟ بل أتزعمين أن من بذل ماله في إنفاقه لاي بقى اسمه مخلدًا على وجه الزمان؟
[ ٩ / ٤٩٨ ]
[(وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)].
(أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل إن فصلتها واحدا بعد واحد، خصومة ومماراة بالباطل. وانتصاب جَدَلًا على التمييز، يعني: أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل شيء. ونحوه (فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) [النحل: ٤].
[(وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَاتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا)].
(أَنْ) الأولى نصب. والثانية رفع، وقبلها مضاف محذوف تقديره وَما مَنَعَ النَّاسَ الإيمان والاستغفار (إِلَّا) انتظار (أَنْ تَاتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ)، وهي الإهلاك (أَوْ) انتظار أن (يَاتِيَهُمُ الْعَذابُ) يعني: عذاب الآخرة (قِبُلًا) عيانًا. وقرئ (قبلا) أنواعًا: جمع قبيل. و«قبلا» بفتحتين: مستقبلا.
_________________
(١) ـ قوله: (إن فصلتها واحدًا بعد واحدٍ)، وذلك من إضافة "أفعَل" التفضيل إلى الواحد، فإن الإضافة فيه إذا أريد بيانُ زيادته، يقتضي أن يكون المفضل داخلًا فيمن أضيف إليهم فردًا منهم ليحصُل المقصودُ من الشركة والزيادة، قال ابن مالك: إن أفعل إذا أضيف إلى نكرة، نحو: زيدٌ أفضلُ رجل، وهما أفضلُ رجلين، وهم أفضل رجال، معناه: زيدٌ أفضل من كل رجل قيس فضله بفضلهِ، وهما أفضل من كل رجلين قيس فضلُهما بفضلِهما، وعلى هذا. قوله: «وَمَا مَنَعَ النَّاسَ) الإيمان والاستغفار) أي من الإيمان. قوله: (وقرئ: (قُبُلًا» الكوفيون: بضمتين، والباقون: بكسر القاف وفتح الباء.
[ ٩ / ٤٩٩ ]
[(وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا)].
(لِيُدْحِضُوا) ليزيلوا ويبطلوا، من إدحاض القدم وهو إزلاقها وإزالتها عن، موطئها وَما أُنْذِرُوا يجوز أن تكون ما موصولة، ويكون الراجع من الصلة محذوفا، أي: وما أنذروه من العذاب. أو مصدرية بمعنى: وإنذارهم. وقرئ: هزأ، بالسكون، أى: اتخذوها موضع استهزاء. وجدالهم: قولهم للرسل: (ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) [المؤمنون: ٢٤] وما أشبه ذلك.
[(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا)].
(بِآياتِ رَبِّهِ) بالقرآن، ولذلك رجع إليها الضمير مذكرا في قوله: (أَنْ يَفْقَهُوهُ). فَأَعْرَضَ عَنْها فلم يتذكر حين ذكر ولم يتدبر (وَنَسِيَ) عاقبة (ما قَدَّمَتْ يَداهُ) من الكفر والمعاصي، غير مفكر فيها ولا ناظر في أنّ المسيء والمحسن لا بد لهما من جزاء. ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، وجمع بعد الإفراد حملًا على لفظ من ومعناه (فَلَنْ يَهْتَدُوا) فلا يكون منهم اهتداء البتة،
_________________
(١) ـ قوله (من إدحاض القدم)، الأساس: ومن المجاز: دحضت حجته، و(حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ) [الشورى: ٦١]. الراغب: يقالُ: أدحضتُ فلانًا في حجته فدحض، وأدحضت حُجته فدحضت، وأصلُه من دحضِ الرجلِ، وعلى نحوه في وصف المناظرة: نظرا يُزيلُ مواقع الأقدامِ
[ ٩ / ٥٠٠ ]
كأنه محال منهم لشدة تصميمهم (أَبَدًا) مدة التكليف كلها. (وإِذًا) جزاء وجواب، فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سببا في انتفائه، وعلى أنه جواب للرسول
_________________
(١) ـ ودحضت الشمس، مستعار من ذلك. قوله: (كأنه محالٌ)، يريد أنه نفي الاهتداء بـ"لن"، وهي لتأيد النفي. قوله: (و(إذًا): جزاءٌ وجواب)، فيه لفذٌ. قوله: (فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول) بيان أن يكون جزاءً، أي: جعل دعوة الرسول سببًا لانتفاء اهتدائهم، فإن الجزاء مسبب عن الشرط، ولا يصح هذا إلا على تقدير الإخبار والإعلام، كأنه قيل: إن تجتهد في دعوتهم فاعلم أن معهم ما يدعوهم إلى مزيد ما هم فيه من العناد وشدة الشكيمة، أي: يجعلون ما هو سببٌ للاهتداء سببًا لمزيد الضلال. وقوله: (وعلى أنه جواب للرسول) بيانٌ للجواب، ولما كان مورد السؤال قوله: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) كما سيجيء، قدر: ما لي لا أدعوهم، وفيه تعسفٌ. قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يُقال: (إذًا) هاهنا: جزاء، أي: إن تدعهم إلى الهدى- وحالهم ما ذُكر- لن يهتدوا، أي: جزاء ماهم عليه عدم الاهتداء، وجواب لسؤال الرسول على تقدير: لم لن يهتدوا بعد أن دعوتهم؟ فأجيب: لأنهم على تلك الحال؛ لأن (إذًا): إشارة إلى ما مر، وهو (أَنَّا جَعَلْنَا) الآية، وهذا أظهر، والنظم له أدعى، ولا يلزم من التعكيس الذي ارتكبه المصنف بالتعسف، كأنه قيل: (وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى) بعد ما جعلنا على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرًا فلن يهتدوا إذًا أبدًا. قال الإمام: والعجب أن قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) متمسك القدرية، وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) متمسك الجبرية، وقلما
[ ٩ / ٥٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … تجدُ في القرآن آية لأحدِ هذين الفريقين إلا ومعها آية للفريق الآخر، والتجربة تكشف عن صدق قولنا، وما ذاك إلا امتحان شديد من الله تعالى ألقاه على عباده ليتميز العلماء الراسخون من المقلدين. وقلتُ - والله أعلم-: قلما تجدُ في القرآن المجيد كلامًا أكشف وأبين دليلًا على صحة مذهب أهل السنة من هذا؛ وذلك أن قوله: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) كالتذييل للآية السابقة. وقوله: (إَنَّا جَعَلْنَا): استئناف لبيان موجب إعراض الظالم ونسيانه، أي: تشاغله وتغافله عما يهمه من تدارك ما قدمت يداه من الكفر والمعاصي بعدما ذُكر بآيات ربه، وإليه أشار المصنف بقوله: "ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوعٌ على قلوبهم". ثم في بناء (جَعَلْنَا) على (إَنَّا) على سبيل تقوى الحكم والتخصيص وتوكيده بـ"أنْ"، وإيثارُ صيغة التعظيم الدلالة على أنه فعالٌ لما يشاءُ، ويحكم ما يريد، لا اعتراض لأحد عليه، وأنه تعالى فعالٌ لذلك البتة وهو مختص به، ثم أوقع قوله: (وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) نتيجة عن التعليل مقررًا لما سيقت له العلة. والحاصل أن لا جبر ولا قدر، فقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ) الآية، إشارة إلى الكتب، وقوله: «إَنَّا جَعَلْنَا) الآية، إشارة إلى الخلق والإيجاد، والله أعلم. ثم استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل مكة، يعني: أخبر الله ﷿ أنه تعالى بليغ المغفرة والموصوف بالرحمة، ثم جاء بقوله: (لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا) استشهادًا بأنه بليغُ الرحمة، يعني: أنهم استوجبوا بمكابرتهم أن يصب عليهم العذاب صبا، ولكن صرف ذلك عنهم؛ لأنه الرب الغفور ذو الرحمة يمهل ولا يعاجل.
[ ٩ / ٥٠٢ ]
على تقدير قوله: ما لي لا أدعوهم حرصا على إسلامهم؟ فقيل: (وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا).
[(وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا)].
(الْغَفُورُ) البليغ المغفرة (ذُو الرَّحْمَةِ) الموصوف بالرحمة، ثم استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلًا من غير إمهال، مع إفراطهم في عداوة رسول الله ﷺ (بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ) وهو يوم بدرٍ (لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا) منجى ولا ملجأ، يقال: وأل إذا نجا، و«وأل إليه» إذا لجأ إليه.
[(وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا)].
(وَتِلْكَ الْقُرى) يريد قرى الأوّلين من ثمود وقوم لوط وغيرهم: أشار لهم إليها ليعتبروا. (وتِلْكَ) مبتدأ، و(الْقُرى) صفة؛ لأنّ أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس، و(أَهْلَكْناهُمْ) خبر.
ويجوز أن يكون (وتِلْكَ الْقُرى) نصبًا بإضمار "أهلكنا" على شريطة التفسير. والمعنى: وتلك أصحاب القرى أهلكناهم (لَمَّا ظَلَمُوا) مثل ظلم أهل مكة (وَجَعَلْنا
_________________
(١) ـ قوله: (والمعنى: وتلك أصحاب القرى)، إلى قوله: (مثل ظُلم أهل مكة)، هذا معنى الآية على التقديرين. وفيه أن المشار إليه بقوله: (تلك): ما دل عليه قوله: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ) يعني: إن كان مقتضى المغفرة والرحمة ترك مؤاخذة أهل مكة عاجلًا، لكن مقتضى الوعد إهلاكهم آجلًا، وبذلك مضت سنة الأولين، وكما أهلكنا القرون الماضية بعد إرسال الرسل إليهم مبشرين ومنذرين وبعد مجادلتهم إياهم بالباطل ليدحضوا به الحق، كذلك يُهلك أهل مكة؛ لأنهم ظلموا مثل ظُلمهم.
[ ٩ / ٥٠٣ ]
لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا) وضربنا لإهلاكهم وقتا معلوما لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر. والمهلك:
الإهلاك ووقته. وقرئ لِمَهْلِكِهِمْ بفتح الميم، واللام مفتوحة أو مكسورة، أي: لهلاكهم أو وقت هلاكهم. والموعد: وقت، أو مصدر.
[(وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا* فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا* فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا* قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا* قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا* فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)].
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: (لِمَهْلِكِهِمْ»، أبو بكر: بفتح الميم واللام، وحفصٌ: بفتح الميم وكسر اللام، والباقون: بضم الميم وفتح اللام. قوله: (أي: لهلاكهم أو وقت هلاكهم، والموعد: وقتٌ أو مصدر)، قال صاحب "الإيجاز": (لِمَهْلِكِهِمْ) مصدرٌ، كقوله: (مُدْخَلَ صِدْقٍ) [الإسراء: ٨٠]، ويجوز " مهلكهم": اسم زمان الهُلك، أي: جعلنا لوقت إهلاكهم موعدًا، ولكن المصدر أولى لتقدم أهلكناهم، والفعل يقتضي المصدر وجودًا وحصولًا، وهو المفعول المطلق. ويقتضي الزمان والمكان محلًا وظرفًا، وكل فعل زاد على ثلاثة أحرفٍ فالمصدر واسم الزمان والمكان منه على مثال المفعول، وإذا كان المهلك اسم زمان الهلاك لا يجوز الموعد اسم الزمان؛ لأن الزمان وُجد في المهلك فلا يكون للزمان زمانٌ، بل يكون الموعد بمعنى المصدر، أي: جعلنا الزمان هلاكهم وعدًا وعلى العكس.
[ ٩ / ٥٠٤ ]
(لِفَتاهُ) لعبده. وفي الحديث: ليقل أحدكم فتاي وفتاتي، ولا يقل: عبدي وأمتي. وقيل: هو يوشع ابن نون. وإنما قيل: فتاه، لأنه كان يخدمه ويتبعه. وقيل: كان يأخذ منه العلم. فإن قلت: لا أَبْرَحُ إن كان بمعنى لا أزول - من برح المكان - فقد دل على الإقامة لا على السفر. وإن كان بمعنى: لا أزال، فلا بد من الخبر. قلت: هو بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر، لأنّ الحال والكلام معا يدلان عليه. أمّا الحال فلأنها كانت حال سفر. وأمّا الكلام فلأن قوله (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) غاية مضروبة تستدعى ما هي غاية له، فلا بد أن يكون المعنى: لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين. ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى: لا يبرح مسيري حتى أبلغ، على أن (حتى أبلغ) هو الخبر، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه وهو ضمير
_________________
(١) ـ قوله: (ليقل أحدكم: فتاي وفتاتي) الحديث أخرجه أحمد بن حنبل في "مُسنده" في أبي هريرة. قوله: (كان يأخذ منه العلم) فيه إدماج أن من أخذ العلم بمنزلة العبد لمن يأخذُ منه. قوله: (نستدعي ما هي غايةٌ له)، أي: قوله: (مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ): غاية معينة، وهي- أي: مجمع البحرين- مستدعية ذا غاية، وهو السير؛ لأنه لابد للسير من ابتداء الغاية وانتهائها. قوله: (المعنى: لا يبرحُ مسيري حتى أبلغ)، يعني: المراد من الآية هذا، لكن اختصر، فعلى هذا متعلقُ الخبر: فعلٌ خاصٌّ بقرينة المقام، وهو "يسيرُ" كما قُدر فيما مر "أسيرُ"، أي: لا يبرح مسيري حتى أبلغُ، على الإسناد المجازي، كأنه قال: أبالغ في السير وأبذل فيه مجهودي حتى يسير سيرين نحو: جد جده، وطريقه سائرٌ، ومن ثم قال: "وهو وجهٌ لطيفٌ"، وقد يقال: إن اللطف في التخريج هو الوجه النحوي.
[ ٩ / ٥٠٥ ]
المتكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، وهو وجه لطيف. ويجوز أن يكون. المعنى: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ، كما تقول: لا أبرح المكان. ومجمع البحرين: المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر ﵉، وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق. وقيل: طنجة. وقيل: إفريقية. ومن بدع التفاسير: أن البحرين موسى والخضر، لأنهما كانا بحرين في العلم. وقرئ (مَجْمَعَ) بكسر الميم، وهي في الشذوذ من يفعل، كالمشرق
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: لا أبرح ما أنا عليه): عطفٌ على قوله: "هو بمعنى: لا أزالُ". قال أبو البقاء: " (لا أَبْرَحُ) يجوز أن تكون تامة، والمفعول محذوف، أي: لا أفارق السير حتى أبلغ، كقولك: لا أبرح المكان، أي: لا أفارقه". قوله: (وقرئ: "مجمع" بكسر الميم، وهي في الشذوذ)، يعني به: قراءة وقياسًا. قال ابن جني: "وهي قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار، المصدر من فعل يفعل، والمكان والزمان كلهُن على "مفعل" بالفتح، نحو: "مذهب"، بمعنى: الذهاب، و"مذهب" بمعنى: مكان يُذهبُ فيه، و"هذا مذهبُك"، أي: زمان ذهابك، إلا أنه قد جاء "المفعِلُ" بالكسر، نحو: المشرق والمغرب المنسك والمطلع؛ لأنه من يشرقُ ويغربُ وينسكُ ويطلعُ. ونحو من هذا "مجمع البحرين"، وهو مكانٌ كما ترى؛ لأنه من جمع يجمعُ، فقياسه "مجمعً" لولا ما ذكرناه من الحمل على نظيره.
[ ٩ / ٥٠٦ ]
والمطلع من يفعل (أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) أو أسير زمانا طويلا. والحقب ثمانون سنة. وروى أنه لما ظهر موسى على مصر مع بنى إسرائيل واستقرّوا بها بعد هلاك القبط، أمره الله أن يذكر قومه النعمة، فقام فيهم خطيبا فذكر نعمة الله وقال: إنه اصطفى نبيكم وكلمه. فقالوا له: قد علمنا هذا، فأى الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله عليه حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى إليه: بل أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر في أيام أفريدون قبل موسى ﵇، وكان على مقدمة ذى القرنين الأكبر، وبقي إلى أيام موسى. وقيل: إنّ موسى سأل ربه: أيّ عبادك أحب إليك؟ قال الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأىّ عبادك أقضى؟ قال:
_________________
(١) ـ الراغب: (مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا) يجوز أن يكون "البينُ" مصدرًا، أي: موضع المفترق. قوله: (فقام فيهم خطيبًا) إلى قوله: (عند مجمع البحرين)، ما يقربُ منه رواه الشيخان والترمذي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن رسول الله ﷺ. قوله: (وكان الخضر في أيام أفرديون)، قال ابن الأثير صاحب "الكامل في التاريخ": قولُ من قال: إن الخضر كان في أيام أفريدون وذي القرنين الأكبر قبل موسى بن عمران أشبه بالحديث، يعني الحديث الذي رواه أبي بن كعب، ورسول الله ﷺ أعلمُ الخلق بالكائن من الأمور، فيحتمل أن يكون الخضرُ على مقدمة ذي القرنين قبل موسى ﵇ وأنه شرب من ماء الحياة فطال عمره. ولم يرسل في أيام إبراهيم ﵇، وبُعث في أيام بشتاسب بن لهراسب. وقال الإمام في "تفسيره": إن ذا القرنين ليس الإسكندر صاحب أرسطون؛ لأن الله تعالى مدحه في كتابه، وصاحب أرسطون ليس ممن يمدحه الله تعالى.
[ ٩ / ٥٠٧ ]
الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: فأيّ عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغى علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى، أو تردّه عن ردى. فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم منى فادللني عليه. قال: أعلم منك الخضر. قال: أين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة. قال: يا رب، كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتا في مكتل، فحيث فقدته فهو هناك. فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرنى، فذهبا يمشيان، فرقد موسى، فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت، فأخبره فتاه بوقوعه في البحر، فأتيا الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوبه، فسلم عليه موسى، فقال: وأنى بأرضنا السلام، فعرّفه نفسه، فقال: يا موسى، أنا على علم علمنّيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا. فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر: ما ينقص علمى وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر (نَسِيا حُوتَهُما) أي نسيا تفقد أمره وما يكون منه مما جعل أمارة على الظفر بالطلبة.
_________________
(١) ـ قوله: (الذي يبتغي علم الناس إلى علمه)، أي: الذي يضمُّ علم الناس إلى علمه مبتغيًا له طالبًا، على تضمين "يبتغي" معنى "يضمُّ". الجوهري: أبغيتك الشيء: أعنتك على طلبه، وأبغيتك الشيء: جعلتك طالبًا له، وابتغيت الشيء وتبغيته: إذا طلبته. قوله: (كيف لي به؟) أي: كيف يتهيأ ويتيسر لي أن أظفر به؟ قوله: (تأخذ حوتًا في مكتلٍ) إلى قوله: (العصفور من البحر) من حديث أبي بن كعب بالإسناد السابق، مع تغيير يسير. النهاية: المكتل، بكسر الميم: الزنبيل الكبير، ويجمع على مكاتل. قوله: (فحيث فقدته)، النهاية: فقدت الشيء أفقده: إذا غاب عنك. قوله: (أي: نسيا تفقد أمره وما يكون منه، مما جُعل أمارةً على الظفر بالطلبة). "وما يكون منه": عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: "تفقد أمره"، و"مِن"- في "مما جُعل أمارة"- بيان
[ ٩ / ٥٠٨ ]
وقيل: نسي يوشع أن يقدّمه، ونسى موسى أن يأمره فيه بشيء. وقيل: كان الحوت سمكة مملوحة. وقيل:
إن يوشع حمل الحوت والخبز في المكتل، فنزلا ليلة على شاطئ عين تسمى عين الحياة، ونام موسى، فلما أصاب السمكة برد الماء وروحه عاشت. وروى: أنهما أكلا منها. وقيل: توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش ووقع في الماء (سَرَبًا) أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار عليه مثل الطاق، وحصل منه في مثل السرب معجزة لموسى أو للخضر (فَلَمَّا جاوَزا) الموعد وهو الصخرة لنسيان موسى تفقد أمر الحوت وما كان منه.
ونسيان يوشع أن يذكر لموسى
_________________
(١) ـ "ما"، وهو التوصية بأنه حيث فقدته فالخضر هناك. قوله: (وقد قيل نسي يوشع أن يقدمه)، أي: يُقدم الحوت بين يدي موسى عيه السلام، ونسي موسى أن يأمره بإحضاره ليُشاهدا منه تلك الأمارة التي جُعلت لهما، وذلك أن موسى عيه السلام وُعد أن لقاء الخضر عند مجمع البحرين كما سبق، وأن فقدان الحوت علامة للقائه، فلما بلغ الموعد كان من حقهما أن يتفقدا أمر الحوت، أما الفتى فلكونه خادمًا له، كان عليه أن يُقدمه بين يديه، وأما موسى فلكونه أميرًا عليه، كان عليه أن يأمره بالإحضار، فنسي كل واحدٍ ما عليه، وإنما احتيج إلى التأويل لأن النسيان لا يتعلق بالدواب، كما سبق عن الراغب في تعريفه: النسيان: ترك ضبط ما استودعه، إما لضعف قلبه، وإما عن غفلةٍ أو عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكرُه. قوله: (فانتضح الماء)، الجوهري: النضح: الرش، نضحت البيت أنضحه، بالكسر. قوله: (وحصل منه في مثل السرب)، الأساس: ما حصل في يدي شيء منه، أي: ما رجع، وما حصلتُ منه على شيء، المعنى: ورجع من الماء في مثل السرب، و"في": تجريدية؛ لأنه انتزع من الماء شيئًا يُشبه السرب، نحو: رأيت زيدًا في مثل الأسد. قال
[ ٩ / ٥٠٩ ]
ما رأى من حياته ووقوعه في البحر. وقيل: سارا بعد مجاوزة الصخرة الليلة والغد إلى الظهر، وألقى على موسى النصب والجوع حين جاوز الموعد، ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك، فتذكر الحوت وطلبه. وقوله (مِنْ سَفَرِنا هذا) إشارة إلى مسيرهما وراء الصخرة. فإن قلت: كيف نسى يوشع ذلك، ومثله لا ينسى لكونه أمارة لهما على الطلبة التي تناهضا من أجلها ولكونه معجزتين ثنتين: وهما حياة السمكة المملوحة
_________________
(١) ـ القاضي: نصب (سَرَبًا) على المفعول الثاني، و(فِي الْبَحْرِ): حالٌ منه، أو من "السبيل"، ويجوز تعلقه بـ "اتخذ". النهاية: السربُ، بالتحريك: المسلكُ في الخفية. الراغب: السربُ: الذهاب في حدور، والسربُ: المنحدر. قال تعالى: (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا)، يقالُ: سرب سربًا وسروبًا، نحو: مر مرًا ومرورًا. وانسرب انسرابًا: كذلك، لكن سرب يقالُ على تصور الفعل من فاعله، وانسرب على تصور الانفعال منه، وانسرب الدمعُ: سال، وانسربت الحية إلى جُحرها، وسرب الماء من السقاء، وماءٌ سربٌ وسربٌ: متقطرٌ من سقائه. والساربُ: الذاهب في سربه أي طريق كان. قال تعالى: (وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) [الرعد: ١٠]. والسربُ: جمعُ ساربٍ كركبٍ وراكب، وتعورف في الإبل حتى قيل: ذُعرت سربُه، أي: إبله، وهو آمنٌ في سربه، أي: في نفسه، وقيل: في أهله ونسائه، فجُعل السربُ كناية، وقيل: اذهبي فلا أندهُ سربك، في الكناية عن الطلاق، ومعناه لا أرد إبلك الذاهبة في سربها، والسربةُ: قطعةٌ من الخيل من العشرة إلى عشرين، والسراب: اللامع في المفازة الماء، وذلك لانسرابه في مرأى العين، وكأن السراب فيما لا حقيقة له كالشراب فيما له حقيقة. قوله: «هذا) إشارة إلى مسيرهما وراء الصخرة)، وفي الإشارة بهذا إشعارٌ بأن هذا المسير كان أتعب لهما مما سبق، فإن رجاء المطلوب يُقربُ البعيد، والخيبة تُبعدُ القريب؛ ولهذا
[ ٩ / ٥١٠ ]
المأكول منها - وقيل: ما كانت إلا شق سمكة - وقياء الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه؟ ثم كيف استمرّ به النسيان حتى خلفا الموعد وسارا مسيرة ليلة إلى ظهر الغد، وحتى طلب موسى ﵇ الحوت؟ قلت: قد شغله الشيطان بوساوسه فذهب بفكره كل مذهب، حتى اعتراه النسيان وانضم إلى ذلك أنه ضرى بمشاهدة أمثاله عند موسى ﵇ من العجائب، واستأنسا بإخوانه فأعان الإلف على قلة الاهتمام أَرَأَيْتَ بمعنى أخبرني.
فإن قلت: ما وجه التئام هذا الكلام؟ فإن كل واحد من (أَرَأَيْتَ) و(إِذْ أَوَيْنا) و(فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) لا متعلق له؟ قلت: لما طلب موسى ﵇ الحوت، ذكر
_________________
(١) ـ ورد في الحديث: أن موسى ﵇ لم ينصب إلا منذُ جاوز الموضع الذي حده الله تعالى له. قوله: (وقيام الماء)، هو عطفٌ على "حياة السمكة"، والجملة- وهي: "وقيل: ما كانت إلا شق سمكة"-معترضة للتأكيد والمبالغة، فإن حياة السمكة المملوحة عجيبة، وكونها نصب سمكة أعجب. قوله: (قد شغله الشيطان بوساوسه)، قال القاضي: ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان هضمًا لنفسه. قوله: (لا متعلق له)، يعني: ليس لـ (أَرَأَيْتَ) مفعول، ولـ (إِذْ أَوَيْنَا) مظروفٌ، ولـ (فَإِنِّي) سبب؟ وأجاب: أن المتعلق: ما دهاني، وهو مفعول (أَرَأَيْتَ)، و"دهاني": مظروفٌ، وهو سببٌ أيضًا، فحذف لدلالة مقام الحيرة عليه كما أشار إليه بقوله: "فحذف
[ ٩ / ٥١١ ]
يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدهش وطفق يسأل موسى ﵇ عن سبب ذلك، كأنه قال: أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة؟ فإني نسيت الحوت، فحذف ذلك. وقيل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت. و(أَنْ أَذْكُرَهُ) بدل من الهاء في (أَنْسانِيهُ) أي: وما أنساني ذكره إلا الشيطان. وفي قراءة عبد الله: أن أذكركه. وعَجَبًا ثانى مفعولي اتخذ، مثل سَرَبًا يعنى: واتخذ سبيله سبيلًا عجبًا، وهو كونه شبيه السرب. أو قال: عجبا في آخر كلامه، تعجبا من حاله في رؤية تلك العجيبة ونسيانه لها أو مما رأى من المعجزتين، وقوله (وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه. وقيل: إن عَجَبًا حكاية لتعجب موسى ﵇، وليس بذاك ذلِكَ إشارة إلى اتخاذه سبيلا، أي: ذلك الذي
_________________
(١) ـ ذلك"، ونظيره قوله تعالى: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) [الأحقاف: ١١] قال تقديره: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ)، ظهر عنادهم (فَسَيَقُولُونَ)، وهذا المضمر صح به الكلام، حيث انتصب به الظرف، وكان (فَسَيَقُولُونَ) مسببًا عنه". قوله: (نهر الزيت) سمي به لكثرة أشجار الزيت على شاطئه، فقوله: "وقيل: هي الصخرة": عطفٌ على قوله: "فلما جاوزا الموعد" وهو الصخرة. قوله: (و(أَنْ أَذْكُرَهُ): بدل من الهاء في (أَنْسَانِيه) أي: بدل اشتمال. قوله: (إن (عَجَبًا) حكاية لتعجب موسى، وليس بذاك)، أي: ليس هذا القول بذاك القول الذي يُعرج عليه، كقولك: ليس بشيء، أي: شيء يُعتد به، بيانه: أن موسى ﵇ لما قال ليوشع: (آتِنَا غَدَاءَنَا)، أجاب بقوله: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ)، وهي كلمة تعجب، فلما بلغ قوله: (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ) تعجب موسى من ذلك فحكى الله تعالى تعجبه، ولا ارتياب في تعسفه وبُعده من بلاغة التنزيل، ولكن (عَجَبًا) مقول فتى موسى: إما على أنه صفة موصوف محذوف، وهو ثاني مفعولي "اتخذ" كما قدره المصنف، أو:
[ ٩ / ٥١٢ ]
كنا نطلب، لأنه أمارة الظفر بالطلبة من لقاء الخضر ﵇. وقرئ (نَبْغِ) بغير ياء في الوصل، وإثباتها أحسن، وهي قراءة أبي عمرو، وأمّا الوقف، فالأكثر فيه طرح الياء اتباعا لخط المصحف (فَارْتَدَّا) فرجعا في أدراجهما (قَصَصًا)
_________________
(١) ـ لما فرغ من كلامه قال: يا عجبًا، فحكى الله تعالى ذلك منه. ويجوز أن يكون من كلام الله، أي: قال ذلك الكلام تعجبًا. قال أبو البقاء: (عَجَبًا): مفعولٌ ثان لـ (اتَّخَذَ)، وقيل: هو مصدرٌ، أي: قال موسى: عجبًا، فعلى هذا يكون المفعول الثاني لـ (اتَّخَذَ): (فِي الْبَحْرِ). قوله: (قرئ: (نْبَغِ) بغير ياء في الوصل)، نافعٌ وأبو عمرو والكسائي: أثبتوا في الوصل، وابن كثير: في الحالين، والباقون: بالحذف في الحالين، قال أبو البقاء: الجيد إثباتُ الياء، والحذف على التشبيه بالفواصل، وسهل ذلك أن الياء لا تُضم هاهنا. روى صاحب "المرشد"، عن أبي حاتم، أنه قال: ومن الوقف التام قوله تعالى: (مَا كُنَّا نَبْغِ). وقلت: بيانه أن قوله تعالى: (فَارْتَدَّا) عطفٌ على جملة قوله: (فَلَمَّا جَاوَزَا) إلى آخره. وأما الفصلُ بين الأقوال الثلاثة، فالأولى: جوابٌ للشرط، والآخران مفصولان لما يستدعيه مقام المقاولة من السؤال، وهو: ماذا قال فتى موسى بعد قول موسى ﵇: (آتِنَا غَدَاءَنَا)؟ وماذا قال موسى ﵇ بعد قول فتاه: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا)؟ قوله: (فرجعا في أدراجهما)، الجوهري: قولهم: خل درج الضب، أي: طريقه، والجمعُ: الأدراج، ومنه قولهم: رجعت أدراجي، أي: رجعت في الطريق الذي جئت منه.
[ ٩ / ٥١٣ ]
يقصان قصصًا، أي: يتبعان آثارهما اتباعًا. أو فارتدّا مقتصين (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا) هي الوحي والنبوة (مِنْ لَدُنَّا) مما يختص بنا من العلم، وهو الإخبار عن الغيوب.
[(قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)].
(رُشْدًا) قرئ بفتحتين، وبضمة وسكون، أى: علما ذا رشد، أرشد به في دينى. فإن قلت: أما دلت حاجته إلى التعلم من آخر في عهده أنه - كما قيل - موسى بن ميشا، لا موسى بن عمران لأنّ النبيّ يجب أن يكون أعلم أهل زمانه وإمامهم المرجوع إليه في
_________________
(١) ـ قوله: (يقصان قصصًا). قال صاحب "الكشف": (قَصَصًا): مصدرٌ لفعلٍ مضمر يدل عليه: (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا)، واقتصا الأثر: واحد. قوله: (مقتصين) أي: يكون المصدر بمعنى اسم الفاعل، فنصبه على الحال. قوله: ("رشدًا" قرئ بفتحتين)، أبو عمرو، والباقون: بضمة وسكون. قوله: (أي: علمًا ذا رشدٍ)، قال أبو البقاء: (رُشْدًا): مفعول ٠ تُعَلِّمَنِي)، ولا يجوز أن يكون مفعول (عُلِّمْتَ)؛ لأنه لا عائد إذن على الذي، وليس بحال ٍمن العائد المحذوف؛ لأن المعنى على ذلك يبعد. وقال القاضي: يجوز ان يكون علة لـ (أَتَّبِعُكَ)، أو: مصدرًا بإضمار فعله. وقوله: (أنه كما قيل: موسى بن ميشا، لا موسى بن عمران)، روينا عن البخاري
[ ٩ / ٥١٤ ]
أبواب الدين؟ قلت: لا غضاضة
_________________
(١) ـ ومسلم والترمذي، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب بني إسرائيل ليس هو صاحب الخضر، قال: كذب عدو الله، سمعت أبي بن كعب يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول "قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل" إلى تمام الحديث. قال بعضهم: التعليم: تنبيه النفس لتصور المعاني، والتعلمُ: تنبهها لتصور ذلك، وربما استعمل في معنى الإعلام إذا كان فيه تكريرٌ، نحو: (أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ) [الحجرات: ١٦]، فمن التعليم قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ) [الرحمن: ١ - ٢]، وتعليم آدم الأسماء هو أن جعل له قوة بها نطق ووضع أسماء الأشياء، وذلك بإلقائه في روعه، وكتعليمه تعالى الحيوانات كل واحد ٍمنها فعلًا يتعاطاه. وقوله: (مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)، قيل: عني بالعلم: الخاص الخفي على البشر الذي يرونه ما لم يعرفهم الله منكرًا، وقيل: وعلى هذا العلم في قوله تعالى: (الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ) [النمل: ٤٠]، العلمُ: الأثر الذي يُعلم به الشيء، وسُمي الجبل علمًا لذلك، والعالم: اسم للفلك وما يلحق به من الجواهر والأعراض، وهو في الأصل: اسم لما يُعلم به كالطابع والخاتم لما يطبع به ويختم به، وجُعل بناؤه على هذه الصيغة لكونه كالآلة، العالمُ: آلة في الدلالة على صانعه، ولهذا أحالنا تعالى عليه في معرفة وحدانيته، فقال: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [الأعراف: ١٨٥]. قوله: (لا غضاضة)، الجوهري: يقال: ليس عليك في هذا الأمر غضاضة، أي: ذلة ومنقصة، قال القاضي: لا ينافي نبوته وكونه صاحب الشريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن
[ ٩ / ٥١٥ ]
بالنبي في أخذ العلم من نبيّ مثله: وإنما بغض منه أن يأخذه ممن دونه. وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس: إنّ نوفا ابن امرأة كعب يزعم أنّ الخضر ليس بصاحب موسى، وأنّ موسى هو موسى بن ميشا، فقال: كذب عدوّ الله.
[(قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا* وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا)].
نفي استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد، كأنها مما لا يصح ولا يستقيم، وعلل ذلك بأنه يتولى أمورًا هي في ظاهرها مناكير. والرجل الصالح
_________________
(١) ـ شرطًا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بُعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقًا، ويؤيده قوله تعالى حكاية عن الهدهد مخاطبًا سليمان ﵇: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) [النمل: ٢٢]. الراغب: العلمُ: إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: إدراك ذات الشيء، والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجودٌ له، أو نفي شيء منفي عنه. فالأول متعد إلى واحد كقوله تعالى: (لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) [الأنفال: ٦٠]، وأعلمته وعلمته - في الأصل - واحدٌ، إلا أن الإعلام اختص بما كان بإخبار سريع، والتعليم بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحصل منه أثرٌ في نفس المتعلم. قوله: (وعلل ذلك بأنه يتولى أمورًا)، أي: أكد نفي استطاعته بقوله: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا)، وهو علة لمنعه من اتباعه، فإن موسى ﵇ قال: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ)، كأنه قال: لا؛ لأنك (لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا)، ثم علل العلة بقوله: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا)، أي: كيف تصبرُ على شيء هو في الظاهر منكرٌ مفسدةٌ وفي الحقيقة مصلحة وصلاح، ويحتاج في معرفته إلى دقة نظر وفضل خبرة مستفادة منالعلم اللدني. قوله: (والرجل الصالح): مبتدأ، وقوله: "لا يتمالك": الخبر، وقوله: "فكيف إذا كان
[ ٩ / ٥١٦ ]
-فكيف إذا كان نبيًا - لا يتمالك أن يشمئز ويمتعض ويجزع إذا رأى ذلك ويأخذ في الإنكار. و(خُبْرًا) تمييز، أي: لم يحط به خبرك بمعنى لم تخبره، فنصبه نصب المصدر.
[(قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا)].
(وَلا أَعْصِي) في محل النصب، عطف على (صابِرًا) أي: ستجدني صابرا وغير عاص. أولا في محل، عطفًا على (ستجدني).
_________________
(١) ـ نبيًا؟ " موضعه التأخير، فاعترض بين المبتدأ والخبر اهتمامًا، والكلامُ مجرى مجرى المثال لموسى ﵇، مثله قوله: (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ) [النور: ٢٦] في وجه تمثيل لأم المؤمنين عائشة ﵂. المعنى: إني أتولى أمورًا ظاهرها مناكيرُ، وأنت لا تتمالك أن تشمئز. قوله: (فكيف إذا كان نبيًا لا يتمالك أن يشمئز ويمتعض)، الانتصاف: يدل عليه أنه قال في خرق السفينة: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) ولم يقل: لتغرقنا، فنسي نفسه واشتغل بغيره في حالة يقول فيها المرء: نفسي نفسي. الجوهري: اشمأز الرجل اشمئزازًا: انقبض ومعضت من ذلك الأمر أمعض معضًا، وامتعضت منه: إذا غضبت وشق عليك. قوله: (أو في لا محل، عطفًا على (سَتَجِدُنِي»، لعل هذا القول مبني على أن الجملة الواقعة بعد "قال": مستأنفة، بيان للقول المضمر؛ فلا يكون لها محل، كما قال أبو البقاء في قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ) [البقرة: ١١]: والمفعول القائم
[ ٩ / ٥١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … مقام الفاعل مصدرٌ، وهو القول، وأضمر؛ لأن الجملة بعد مفسرة، والتقدير: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) قول، وهو: (لا تُفْسِدُوا)، ونظيره: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) [يوسف: ٣٥]، أي: بدا لهم بداء ورأيٌ، كذا قدر المصنف هذه الآية، أو يقال: إن قوله: (وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا): عطفٌ على مقول القول باعتبار الجملة لا باعتبار الإفراد، وكونه منصوبًا على المصدرية أو المفعولية على الخلاف الذي سبق بيانه في "البقرة"، ونحوه في الاعتبار قوله تعالى: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) [الفتح: ١٦]، على تقدير: أو هم يُسلمون، وسيجيء بيانه في موضعه. ورُوي عن الشيخ بدر الدين الجرجاني رحمه الله تعالى أنه قال: إن قوله: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا) بجملته مقولٌ للقول، والشرط يقتضي الجزاء. وقوله: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا)، لا يصلح أن يكون جزاء لتقدمه، لنه دالٌ عليه، فلا يكون له محل. وقوله: (وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا): عطفٌ عليه وحده، فيكون التقدير: ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك إن شاء الله أمرًا، والشرط مع الجزاء المحذوف معترضٌ بين المفعولين. وقدر المصنف في قوله تعالى: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) [يوسف: ٩٩]: "ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين". أما بيانُ بلاغة هذا التركيب، فإنه لو قُدم الشرط بأن يقال: إن شاء الله ستجدني صابرًا لفات التكرير والتوكيد المطلوب، ولو أخر بأن يقال: ستجدني صابرًا إن شاء الله لاختل إرادة الاهتمام لكلمة التبرك، ولعُدم حُسنُ موقع الاعتراض، فإنه من تحاسين الكلام، فالتركيب قريبٌ من قوله: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: ٦] فيكون من باب الطرد والعكس.
[ ٩ / ٥١٨ ]
رجا موسى ﵇ لحرصه على العلم وازدياده، أن يستطيع معه صبرا بعد إفصاح الخضر عن حقيقة الأمر، فوعده بالصبر معلقا بمشيئة الله، علما منه بشدّة الأمر وصعوبته، وأن الحمية التي تأخذ المصلح عند مشاهدة الفساد شيء لا يطاق، هذا مع علمه أن النبي المعصوم الذي أمره الله بالمسافرة إليه واتباعه واقتباسه العلم منه، برىّ من أن يباشر ما فيه غميزة في الدين، وأنه لا بد لما يستسمج ظاهره من باطن حسن جميل، فكيف إذا لم يعلم.
[(قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا)].
قرئ: (فَلا تَسْئَلْنِي) بالنون الثقيلة، يعنى: فمن شرط اتباعك لي أنك إذا رأيت
_________________
(١) ـ قوله: (فوعده بالصبر)، عطفٌ على "رجا"، و"أن يستطيع" مفعول "رجا"، والرجاء هو قوله: (سَتَجِدُنِي)، و"علمًا" مفعولٌ له لوعده الصبر معلقًا. و"أن الحمية" عطفٌ على شدة الأمر على البيان والتفسير. قوله: (هذا) أي: كل هذه المبالغات متضمنة مع علم موسى أن الخضر مع جلالته بريٌّ أن يركب أمرًا يُعابُ عليه، فكيف مما يُستسمج؟ ظاهره ممن لا يعلمُ مرتبته في الدين، فإنه لا يُطاق قطعًا، فالضمير في "مع علمه": راجعٌ إلى المصلح وهو موسى، مُظهر أقيم مقام المضمر إيذانًا أن المصلح شأنه أن لا يصبر على مثل تلك الحالة ويرى الصالح. قوله: (غميزة)، الأساس: ومن المجاز: ما فيه مغمزٌ ولا غميزةٌ، أي: معابٌ، وغمز فيه: طعن. قال القاضي: وتعليقُ الوعد بالمشيئة إما للتيمن، وخُلفُه ناسيًا لا يقدح في عصمته، أو لعلمه بصعوبة الأمر، فإن مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديدٌ، فلا خُلفَ، وفيه دليلٌ على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله. قوله: (وأنه لابد) الضمير للشأن، والجملة معطوفةٌ على قوله: "أن النبي". قوله: (قرئ: "فلا تسألني")، نافعٌ وابن عامر: بفتح اللام وتشديد النون، والباقون:
[ ٩ / ٥١٩ ]
مني شيئًا - وقد علمت أنه صحيح إلا أنه غبي عليك وجه صحته فحميت وأنكرت في نفسك - أن لا تفاتحنى بالسؤال ولا تراجعني فيه، حتى أكون أنا الفاتح عليك. وهذا من آداب المتعلم مع العالم، والمتبوع مع التابع.
[(فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا* قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)].
(فَانْطَلَقا) على ساحل البحر يطلبان السفينة، فلما ركبا قال أهلها: هما من اللصوص، وأمروهما بالخروج، فقال صاحب السفينة: أرى وجوه الأنبياء. وقيل: عرفوا الخضر فحملوهما بغير نول، فلما لججوا أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء فجعل موسى يسدّ الخرق بثيابه ويقول (أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها) وقرئ: (لتغرّق) بالتشديد و(ليغرق أهلها) من غرق، وأهلها
_________________
(١) ـ بإسكان اللام وتخفيف النون. قوله: (أن لا تفاتحني)، خبرُ "إن"، و"إذا" ظرفٌ، والجملة في تأويل المبتدأ، وخبره: "من شرط اتباعك"، المعنى: من شرط اتباعك عند الرؤية عدم المفاتحة. قوله: (بغير نول)، النهاية: بغير أجرٍ ولا جُعلٍ: مصدر ناله يناوله: إذا أعطاه. قوله: (لججوا)، الأساس: لجج القوم: دخلوا في اللج. الجوهري: لجة الماء، بالضم: معظمه، وكذلك اللج. قوله: (وليغرق أهلها)، حمزة والكسائي: "ليغرق" بالياء مفتوحة وفتح الراء، و"أهلها": برفع اللام، والباقون: بضم التاء وكسر الراء ونصب اللام، والتشديد: شاذ.
[ ٩ / ٥٢٠ ]
مرفوع (جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) أتيت شيئا عظيما، من أمر الأمر: إذا عظم، قال:
داهية دهياء إدّا إمرا
[(قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا)].
(بِما نَسِيتُ) بالذي نسيته، أو بشيء نسيته، أو بنسياني: أراد أنه نسى وصيته ولا مؤاخذة على الناسي. أو أخرج الكلام في معرض النهى عن المؤاخذة بالنسيان، يوهمه أنه قد نسى ليبسط عذره في الإنكار،
_________________
(١) ـ قوله: (داهية دهياء إذا إمرا)، أوله: قد لقي الأعداء شيئًا نُكرا الدهياء: مبالغة في الشدة. الأساس: بقيت منه في داهية إدة، ولقيت منه كل شدة. الراغب: (امْرًَا)، أي: منكرًا، وتحقيقه من: أمر الأمرُ، أي: كثر وكبر، كقولهم: استفحل الأمر. قوله: (أو أخرج الكلام في معرض النهي): عطفٌ على قوله: "أراد أنه نسي وصيته" فعلى الثاني: "نسيتُ": مطلقٌ، يعني: ما نسي في الحقيقة لكن عرض، ونهاه عن المؤاخذة بنسيانه؛ لان الإنسان مجبول عليه، وعن ابن عباس: أنه سُمي إنسانًا؛ لأنه عهد إليه فنسي، وعليه قول إبراهيم ﵇: "هذه أختي: أي: في الدين"، و(إِنِّي سَقِيمٌ) [الصافات: ٨٩] أي: سأسقم، أو: سقيم لما أجدُ من الغيظ.
[ ٩ / ٥٢١ ]
وهو من معاريض الكلام التي يتقى بها الكذب، مع التوصل إلى الغرض، كقول إبراهيم: هذه أختي، وإني سقيم. أو أراد بالنسيان: الترك، أي: لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرّة. يقال: رهقه إذا غشيه، وأرهقه إياه. أي: ولا تغشني عُسْرًا من أمري، وهو اتباعه إياه، يعنى: ولا تعسر علىّ متابعتك، ويسرها علىّ بالإغضاء وترك المناقشة. وقرئ: (عسرا)، بضمتين.
[(فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا* قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)].
(فَقَتَلَهُ) قيل: كان قتله قتل عنقه. قيل: ضرب برأسه الحائط، وعن سعيد بن جبير: أضجعه ثم ذبحه بالسكين. فإن قلت: لم قيل: (حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) بغير فاء؟ و(حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ) بالفاء؟ قلت: جعل خرقها جزاء للشرط، وجعل قتله من جملة الشرط معطوفًا عليه، والجزاء (قالَ أَقَتَلْتَ). فإن قلت: فلم خولف بينهما؟ قلت: لأن خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقد تعقب القتل لقاء الغلام. وقرئ: (زاكية)، و(زكية)، وهي الطاهرة من الذنوب، إما لأنها طاهرة عنده لأنه لم يرها قد أذنبت، وإما لأنها صغيرةٌ
_________________
(١) ـ قوله: (وهو من معاريض الكلام)، الأساس: عرفتُ ذلك في معراض كلامه، وقولهم: خُذ في عروضٍ سوى هذه، أي: في ناحية. قوله: (أو أراد بالنسيان: الترك)، الأساس: ومن المجاز: نسيتُ الشيء، أي: تركته. قوله: (وقرئ: "زاكية")، الكوفيون وابن عامر: (زَكِيَّةً) بتشديد الياء من غير ألف، والباقون بالألف والتخفيف، قال القاضي: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: زاكية، والأول أبلغ، وقال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تُذنب قطُّ، والزكية: التي أذنبت ثم غُفرت،
[ ٩ / ٥٢٢ ]
لم تبلغ الحنث (بِغَيْرِ نَفْسٍ) يعني: لم تقتل نفسا فيقتص منها. وعن ابن عباس أن نجدة الحروري كتب إليه: كيف جاز قتله، وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل الولدان؟ فكتب إليه: إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل (نُكْرًا) وقرئ بضمتين وهو المنكر وقيل النكر أقل من الإمر؛ لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة. وقيل: معناه جئت شيئا أنكر من الأوّل، لأن ذلك كان خرقًا
_________________
(١) ـ ولعله اختار الأول لذلك، فإنها كانت صغيرة لم تبلغ الحلم، أو أنه لم يرها أذنبت ذنبًا يقتضي قتلها، أو قتلت نفسًا فتقاد بها. قوله: (لم تبلغ الحنث). النهاية: أي: لم تبلغ مبلغ الرجال ولم يجر عليه القلم فيكتب عليه الحنث. قوله: (أن نجدة الحروري)، النهاية: الحرورية: طائفة من الخوارج نُسبوا إلى حروراء، بالمد والقصر، وهو موضع قريب من الكوفة، كان أول مجمعهم وتحكيمهم فيها، وهم إحدى فرق الخوارج الذين قاتلهم عليٌّ ﵁، وكان عندهم من التشدد في الدين ما هو معروفٌ. قوله: «نُكْرًا)، وقرئ بضمتين): نافع وابن ذكوان في الموضعين، والباقون: بإسكانها. قوله: (لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة). قال الإمام: النكر: ما أنكرته القول ونفرت عنه النفوس، وهو أبلغ في تقبيح الشيء من الإمر، وقيل: بالعكس؛ لأن الأمر هو الداهية العظيمة المآل. الراغب: النُكرُ: الدهاءُ والأمر الصعب الذي لا يُعرف.
[ ٩ / ٥٢٣ ]
يمكن تداركه بالسدّ، وهذا لا سبيل إلى تداركه. فإن قلت: ما معنى زيادة (لَكَ)؟ قلت: زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية، والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية.
[(قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا)].
(بَعْدَها) بعد هذه الكرة أو المسألة (فَلا تُصاحِبْنِي) فلا تقاربني، وإن طلبت صحبتك فلا تتابعني على ذلك. وقرى «فلا تصحبنى» فلا تكن صاحبي. وقرئ «فلا تصحبنى» أي: فلا تصحبني إياك ولا تجعلني صاحبك (مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا) قد أعذرت. وقرئ: (لدنى) بتخفيف النون، (ولدني) بسكون الدال وكسر النون،
_________________
(١) ـ وقال صاحب "الفرائد": خرقث السفينة أقرب إلى أن يؤول بما يصح، بخلاف قتل النفس، فإنه اهر الفساد، فكونه منكرًا ظاهر، أو تقولُ: قتلُ النفس أقبحُ؛ لأنه إهلاك النفس، وخرق السفينة إهلاك المال، فاختير الإمر للخرق والنكرُ للقتل. وقلتُ: الذي يقتضيه النظمُ أن يؤخذ من الأغلظ ثم ينزل إلى الأهون، فقتلُ النفس أهون من الخرق وأغلظ من إقامة الجدار بلا أجرة. قوله: (زيادة المكافحة)، الأساس: كافحه: لاقاه مواجهة، وكفحت الدابة وأكفحتها: تلقيت فاها باللجام. قوله: (والوسم)، ويروي: والوصم. الجوهري: والوصمُ: العيب والعار. قوله: (وإن طلبتُ صحبت فلا تتابعني). راعى في هذه العبارة معنى المفاعلة في (تُصَاحِبْنِي). قوله: (قد أعذرت)، أي: لم تُبق موضعًا للاعتذار، ويُروى: "أعذرتُ" على التكلم، أي: لم أبق موضعًا للاعتذار. قوله: (وقرئ: "لدُني" بتخفيف النون، و"لدني"، بسكون الدال وكسر النون)، قال
[ ٩ / ٥٢٤ ]
كقولهم في عضد: عضد. وعن رسول الله ﷺ: (رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك)، وقال: (رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب).
[(فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا)].
(أَهْلَ قَرْيَةٍ) هي أنطاكية، وقيل: الأبلة، وهي أبعد أرض الله من السماء، (أَنْ يُضَيِّفُوهُما) وقرئ: (يضيفوهما). يقال: ضافه؛ إذا كان له ضيفا. وحقيقته: مال إليه، من: ضاف السهم عن الغرض، ونظيره: زاره؛ من الازورار. وأضافه وضيفه: أنزله وجعله ضيفه، وعن النبي ﷺ: (كانوا أهل قرية لئاما). وقيل: شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل حقه، (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) استعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة، كما استعير الهمّ والعزم لذلك. قال الراعي:
_________________
(١) ـ الزجاج: أجود القراءات بتشديد النون؛ لأن أصل لدن: الإسكانُ، فإذا أضفتها إلى نفسك زدت نونًا ليسلم سكون النون الأولى، فتقول: من لدني، كما تقول: عني ومني. ومن قال: لدني لم يجز له أن يقول: عني ومني بحذف النون؛ لأن "لدُن" اسمٌ غير متمكن، و"مِن" و"عن": حرفان، والدليلُ على أن الأسماء يجوز فيها حذف النون قولهم: قدى قدني في معنى حسبي؛ لأن قد: اسمٌ غيرُ متمكن، قال: قدني من نصر الخبيبين قدي ولأبي عليٍّ فيه كلامٌ طويل. قوله: (استعيرت الإرادة للمُداناة)، وذلك أن الإرادة لغة: هي مصدر: أردت الشيء؛ إذا طلبته نفسك، ومال إليه قلبك، واصطلاحًا: هي اسمٌ لنزوع النفس إلى أمرٍ مع الحُكم
[ ٩ / ٥٢٥ ]
في مهمه قلقت به هاماتها … قلق الفؤوس إذا أردن نصولا
_________________
(١) ـ فيه بأنه ينبغي أن يُفعل أولًا، مضى بسطه في أول "البقرة" وسورة يوسف، وذلك في الجماد محالٌ، فشبهت مشارفة الجدار للانقضاض بإرادة من هم بالانحطاط بعد أن كان منتصبًا، والوجه: الميلان، ثم استعير لجانب المشبه: الإرادة، ثم سرى من المصدر إلى الفعل، فهو استعارةٌ مصرحةٌ تبعية، ويجوز أن تكون مكنية. قال ابن جني: يريد: معناه قارب وشارف، فهو عائدٌ إلى معنى يكادُ، وقد جاء ذلك عنهم وحسن ذلك؛ لأن الإرادة أقوى في وقوع الفعل؛ لأنها داعية إلى وقوعه، وهي أيضًا لا تصح إلا مع الحياة، وليس كذلك كاد؛ لأنه قد يقارب الأمر مما لا حيلة له فيه نحو: ميلان الحائط وإشراق ضوء الفجر. قوله: (في مهمه قلقت به هاماتها) البيت، المهمه: المفازة، والهامة: وسط الرأس، إذا أردن، أي: شارفن الخروج من الخشب، ونصل السهم إذا خرج منه النصل. يصف شدة المفازة، وأن هامات النوق فيها قلقة قلق الفؤوس إذا شارفن الخروج من نصالها. قال الصولي: كان أبو فراس سيء الاعتقاد بالقرآن متعنتًا ظاهر الكفر، قال لي يومًا ونحنُ بمحضر من الناس: هل تعرفُ العرب إرادة لغير مميز؟ فقلت: إنهم يعبرون عن الجمادات بالقول، قال: امتلأ الحوض وقال قطني
[ ٩ / ٥٢٦ ]
وقال:
يريد الرّمح صدر أبى براء … ويعدل عن دماء بني عقيل
وقال حسان:
إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل … لزمان يهمّ بالإحسان
وسمعت من يقول: عزم السراج أن يطفأ، وطلب أن يطفأ. وإذا كان القول والنطق والشكاية والصدق والكذب والسكوت والتمرد والإباء والعزة والطواعية وغير ذلك مستعارة للجماد ولما لا يعقل، فما بال الإرادة؟ قال:
إذا قالت الأنساع للبطن: الحق
تقول سني للنّواة طني
_________________
(١) ـ وقال: لم أُرد هذا، وكان غرضه قوله تعالى: (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ)، فأيدني الله تعالى بأن ذكرتُ قول الراعي: "في مهمه قلقت" البيت، فكأنني ألقمته الحجر، وسُرَّ بذل من كان صحيح النية، وسود الله وجهه. قوله: (إن دهرًا يلف شملي)، البيت، يقال: لففت الشيء: إذا طويته وأدرجته، والشمل: تألفُ الأمور واستواؤها، وجُمل: اسم محبوبته، يقول: إن دهرًا يجمع بيني وبين محبوبتي دهرٌ همه الإحسان لا الإساءة. قوله: (إذا قالت الأنساع). مضى شرحه في "البقرة". قوله: (تقول سني للنواة: طني)، أوله: ويلٌ لبرني الحزين مني … إذا التقت نواته وسني
[ ٩ / ٥٢٧ ]
لا ينطق الّلهو حتى ينطق العود
وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم
فإن يك ظني صادقا وهو صادقي
(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) [الأعراف: ١٥٤].
تمرّد مارد وعزّ الأبلق
_________________
(١) ـ قوله: (وشكا إلى بعبرة وتحمحم)، أوله: فازور من وقع القنا بلبانه الازورار: الميلُ، ولبانُ الفرس: موضعُ اللبب، والتحمحم: من صهيل الفرس، ما كان فيه، شبه الحنين لفراق صاحبه، يقول: فمال فرسي مما أصابت صدره رماحُ الأعداء، وشكا إلي بعبرة وتحمحم. قوله: (فإن يك ظني صادقًا وهو صادقي)، تمامه: بشملة يحبسهم بها محبسًا وعرا قائله أم شملة، والباء في "بشملة" يتعلق بـ"ظني" أو بـ "صادقي"، والمرادُ بالظن: الفراسةُ، وهو صادقي، أي: ظني يصدقني، والجملة معترضةٌ، تقولُ: إن كنت صادقة الظن بابني شملة، وظني يصدقني لا محالة، فإن شملة يحبس القوم بتلك المعركة وياخذ بثأر أبيه. وقوله: (تمرد ماردٌ وعز الأبلق)، قال الميداني: ماردٌ: حصن دومة الجندل، والأبلق:
[ ٩ / ٥٢٨ ]
ولبعضهم:
يأبى على أجفانه إغفاءه … همّ إذا انقاد الهموم تمرّدا
أبت الرّوادف والثّديّ لقمصها … مسّ البطون وأن تمسّ ظهورا
(قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) [فصلت: ١١].
ولقد بلغني أن بعض المحرفين لكلام الله تعالى ممن لا يعلم، كان يجعل الضمير للخضر؛ لأنّ ما كان فيه من آفة الجهل وسقم الفهم، أراه أعلى الكلام طبقة أدناه منزلة، فتحمل ليردّه إلى ما هو عنده أصح وأفصح، وعنده أن ما كان أبعد من المجاز كان أدخل في الإعجاز
_________________
(١) ـ حصن السموأل بن عاديا، وُصِفَ بالأبلَقِ؛ لأنه بُني من حجارة مختلفة بأرض تيماء، قصدتهما الزباء ملكة الجزيرة فلم تقدر عليهما، فقالت: "تمرد ماردٌ وعز الأبلق"، فصار مثلًا لكل ما يعُزُّ ويمتنع عن طالبه، عز، أي: غلب، من عز يعز بضم العين، ويجوز أن يكون من عز يعز بكسرها. قوله: (يأبى على أجفانه) البيت، أي: يأبي الهمُّ النوم على اجفانه، وذلك الهم هم متمرد إذا انقاد الهموم. النهاية: غفوت غفوةً، أي: نمت نومةً خفيفة، يقال: أغفى إغفاءة: إذا نام، وقلما يقال: غفا. قوله: (أبتِ الروادفُ) البيت، الروادف: جمعُ ردفٍ، وهو الكفل، وصفها بأنها ناهدةُ الثديين دقيقة الخصر لطيفة البطن عظيمة الكفل، فالثدي يمنعُ القميص أن يلتصق ببطنها، والردف يمنعه أن يلتصق بظهرها.
[ ٩ / ٥٢٩ ]
و(انقض): إذا أسرع سقوطه، من انقضاض الطائر، وهو انفعلّ، مطاوع قضضته. وقيل: انقض من النقض، كاحمرّ من الحمرة. وقرئ: (أن ينقض) من النقض، (وأن ينقاص) من: انقاصت السن؛ إذا انشقت طولا، قال ذو الرمة:
منقاص ومنكثب
بالصاد غير معجمة.
_________________
(١) ـ قوله: (انقض: إذا أسرع سقوطه)، الراغب: انقض الحائط: وقع، وأقض عليه مضجعه: صار فيه قضضٌ، أي: حجارة صغار. قوله: (وقرئ: "أن ينقض")، قال ابن جني: وهي قراءة النبي ﷺ، برفع الياء وبالضاد المعجمة. وقرأ عليُّ بن أبي طالب وعكرمة: "ينقاص" بالصاد المهملة وبالألف، هو مطاوع قصته، فانقاص، أي: كسرته فانكسر، وقد قالوا: قضته فانقاض، بالضاد المعجمة، أي: هدمته فانهدم، وقراءة العامة: (أَنْ يَنقَضَّ) أشبه أولًا منها بآخر؛ لأن الإرادة في اللفظ له. قوله: (منقاصٌ ومنكثبُ)، أوله: يغشى الكناس بروقيه ويهدمه … من هائل الرمل منقاض ومنكثب الكناسُ: موضعُ الوحش من البقر والظباء يستظل به، مشتق من الكنس؛ لأنها تكنسُ
[ ٩ / ٥٣٠ ]
(فَأَقامَهُ) قيل: أقامه بيده. وقيل: مسحه بيده فقام واستوي. وقيل: أقامه بعمود عمده به. وقيل: نقضه وبناه. وقيل كان طول الجدار في السماء مائة ذراع، كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم، وقد لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء؛ وهو المسألة، فلم يجدا مواسيا، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رأى من الحرمان ومساس الحاجة أن (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) وطلبت على عملك جعلا حتى ننتعش ونستدفع به الضرورة وقرئ: (لتخذت)، والتاء في تخذ، أصل كما في تبع، واتخذ افتعل منه، كاتبع من تبع، وليس من الأخذ في شيء.
_________________
(١) ـ الرمل حتى يصير إلى برد الثرى، يقال: كنست الظباء وتكنست: استترت. والروق: القرن، ومنقاض: أي منهدم، منكثب: هائل. يصف الرملة يقول: الثور يغشى الكناس بقرنيه ويهدم الكاس، ما انهال من الرمل وتناثر وتساقط قطعة قطعة. و"منقاصٌ": يُروى بالضاد المعجمة، من: انقاض الطائر وانقض؛ إذا أسرع في سقوطه. ويروى بالصاد المهملة، من: انقاصت السن: إذا انشقت، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو منقاصٌ، وهو يعود إلى الكناس. قوله: (وقرئ: "لتخذت"): ابن كثير وأبو عمرو: بفتح التاء المخففة، والباقون: بتشديد التاء وفتح الخاء. قوله: (والتاء في "تخذ" أصلٌ)، ذكر في باب الواو مع الخاء في "الأساس": وخذ يخذُ وخذًا ووخذانًا. وفي باب التاء مع الخاء: اتخذته خليلًا، وهو المراد من قوله: "وليس من الأخذ في شيء"، قال أبو البقاء: وهو من "تخذ يتخذُ": إذا عمل شيئًا، وأما "اتخذ" بالتشديد
[ ٩ / ٥٣١ ]
[(قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَاوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)].
فإن قلت: (هذا) إشارة إلى ماذا؟ قلت: قد تصوّر فراق بينهما عند حلول ميعاده على ما قال موسى ﵇: (إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني)، فأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه، كما تقول: هذا أخوك، فلا يكون «هذا» إشارة إلى غير الأخ ويجوز أن يكون إشارة إلى السؤال الثالث، أي: هذا الاعتراض سبب الفراق، والأصل: هذا فراق بيني وبينك، وقد قرأ به ابن أبى عبلة، فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به.
_________________
(١) ـ فهو: إما افتعل من "تخذ" أو من الأخذ، وأصله: أيتخذ، فأُبدلت اياء تاء وأُدغمت، وأصلُ الياء همزة. قوله: (هذا أخوك، فلا يكون "هذا" إشارة إلى غير الأخ)، قال ابن الحاجب في "الأمالي": المشار إليه لا يشترط أن يكون موجودًا حاضرًا، بل يكفي أن يكون موجودًا ذهنًا، والدلل عليه قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ) [القصص: ٨٣] وهي معدومة، ومن شرط وجود المشار إليه، فهو حاصل. وقال القاضي: الإشارة بهذا إلى الفراق المعهود بقوله: (فَلا تُصَاحِبْنِي). أو إلى الوقت، أي: هذا الوقتُ وقتُ الفراق. قوله: (أي: هذا الاعتراض سببُ الفراق)، في تخصيصه دون الأولين الإشارة إلى أن الطمع أردأ الخصال، فإنه عليه السالم مهد عُذره فيهما لما في ظاهرهما من النفرة في جهة الإتلاف والإهلاك في الظاهر، وفي هذا الإهلاك من جهة الباطن وطلبُ حظ النفس، روى
[ ٩ / ٥٣٢ ]
[(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا)].
(لِمَساكِينَ) قيل: كانت لعشرة إخوة؛ خمسة منهم زمنى، وخمسة يعملون في البحر (وَراءَهُمْ) أمامهم، كقوله تعالى: (وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ) [المؤمنون: ١٠٠]، وقيل: خلفهم، وكان طريقهم في رجوعهم عليه، وما كان عندهم خبره، فأعلم الله به الخضر وهو «جلندى». فإن قلت: قوله: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها) مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب، فلم قدّم عليه؟ قلت: النية به التأخير، وإنما قدم للعناية، ولأنّ خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين،
_________________
(١) ـ القُشيري في "رسالته" عن بعضهم: لما نطق موسى ﵇ بذكر الطمع، وقال: (لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا)، قال له الخضر: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ). قوله: (فكان حقه أن يتأخر عن السبب)، أي: كان حق النظم أن يتأخر قوله: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) عن قوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ)؛ لأن إرادة التعييب مسبب عن خوف الغصب. قوله: (وإنما قُدم للعناية)، وهي أن لا يحيط به علمُ موسى ﵇، وأنه العالم بمثل ما خفي على مثله، لقوله: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا)، قال صاحب "المُطلع": قُدم ليشير إلى العناية، أي: تتعجب منه يا موسى، وهذا مهمي وأنا مأمورٌ به. قوله: (ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده)، قال القاضي: إن السبب لما كان مجموع الأمرين: خوف الغصب ومسكنة المُلاك، رتبه على أقوى الجزأين وأدعاهما، وعقبه بالآخر على سبيل التقييد والتتميم، وقال صاحب "الانتصاف": كأنه جعل السبب كونها
[ ٩ / ٥٣٣ ]
فكان بمنزلة قولك: زيد ظني مقيم، وقيل في قراءة أبىّ وعبد الله: (كل سفينة صالحة).
[(وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا* وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَاوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)].
وقرأ الجحدري: (فكان أبواه مؤمنان)، على أن «كان» فيه ضمير الشأن، (فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا) فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغيانا عليهما، وكفرا لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه، ويلحق بهما شرا وبلاء، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر. أو يعديهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدا بسببه ويطغيا ويكفرا بعد الإيمان، وإنما خشي الخضر منه ذلك؛ لأن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره. وأمره إياه بقتله كاخترامه لمفسدة عرفها في حياته. وفي قراءة أبىّ: (فخاف ربك)، والمعنى: فكره ربك كراهة من خاف سوء عاقبة الأمر
_________________
(١) ـ للمساكين، ثُم بيَّن مناسبة هذا السبب بذكر عادة الملك في غصب السفن الصحيحة، وهذا هو الترتيب: أن يرتب الحكم على سبب ثُم يوضح المناسبة فيما بعدُ، فلا يُحتاج إلى جعلهِ متقدمًا، وقلت: هذا هو الوجه. قوله: (زيدٌ ظني مقيمٌ)، قال المصنف: الظن يتعلق بالطرفين، بالمبتدأ والخبر جميعًا، كما أن التعليل في (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) متعلقٌ بالمسكنة والغصب، فوسط بينهما. قوله: (كاخترامه)، الجوهري: اخترمهم الدهر: اقتطعهم واستاصلهم، وخو خبرٌ، والمبتدأ: "أمرُه"، هذا بناء على رعاية الأصلح، يعني جواز أمر الله تعالى الخضر بقتل الغلام لرعاية الأصلح لجواز إهلاك الله واستئصاله إياه لمفسدة عرفها الله في حياته.
[ ٩ / ٥٣٤ ]
فغيره، ويجوز أن يكون قوله: (فَخَشِينا) حكاية لقول الله تعالى، بمعنى: فكرهنا،
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يكون (فَخَشِينَا) حكاية لقول الله ﷿) عطفٌ على قوله: "وإنما خشي الخضر منه"، المعنى: أن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سره وقال له: اقتل الغلام؛ لأنا نكره كراهية من خاف سوء العاقبة أن يُغشي الغلام الوالدين المؤمنين طغيانًا وكفرًا، ولما قال الخضر: (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) جعل قول الله تعالى: (فَخَشِينَا) إيماء إلى اضمحلال إرادته في إرادة الله، وإعلامًا بأن علمه مقتبسٌ من المشكاة القدسية، ولا شوب فيه لرأيه، وتحقيقًا لقوله: (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا). روى السلمي عن الواسطي: الخضر شاهد الملك، وشاهد موسى الوسائط، كأنه أخبر الخضر أن السؤال نمه سؤال من الله، أي: لا تشهد الأسباب واشهد المسبب تسترح من هواجس النفس. وأما على الوجه الآخر: فهو ﵇ إنما عظم نفسه؛ لأنه اختص من عند الله بموهبة لا يختص بها إلا من هو من خواص الحضرة، قال الإمام: إنه ﵇ لما ذكر العيب أضافه إلى نفسه، وأضاف الرحمة في قوله: (فَأَرَادَ رَبُّكَ) إلى الله تعالى، على نحو (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧]، وعند القتل عظم نفسه تنبيهًا على أنه من العظماء في علوم الحكمة. وقلت: ويمكن أن يقال: إن في اختلاف الضمائر رمزًا إلى الترقي إلى معارج القدس، والتدرج إلى مخدع الفناء، ففي "أردتُ" إثبات، وفي (فَخَشِينَا) ثبوتٌ منه، وفي (فَأَرَادَ رَبُّكَ) فناءٌ محضٌ كقوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) [الأنفال: ١٧].
[ ٩ / ٥٣٥ ]
كقوله: (لِأَهَبَ لَكِ) [مريم: ١٩]. وقرئ: (يبدّلهما) بالتشديد. والزكاة: الطهارة والنقاء من الذنوب، والرحم: الرحمة والعطف. وروى أنه ولدت لهما جارية تزوّجها نبي، فولدت نبيا هدى الله على يديه أمّة من الأمم، وقيل: ولدت سبعين نبيا، وقيل: أبدلهما ابنا مؤمنا مثلهما. قيل: اسما الغلامين: أصرم، وصريم. والغلام المقتول: اسمه الحسين. واختلف في الكنز، فقيل: مال مدفون من ذهب وفضة، وقيل: لوح من ذهب مكتوب فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وقيل: صحف فيها علم، والظاهر لإطلاقه: أنه مال. وعن قتادة: أحل الكنز لمن قبلنا وحرّم علينا، وحرّمت الغنيمة عليهم وأحلت لنا: أراد قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) [التوبة: ٣٤]، (وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا) اعتداد بصلاح أبيهما وحفظ لحقه فيهما. وعن جعفر بن محمد الصادق: كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء. وعن الحسين بن على رضي الله تعالى
_________________
(١) ـ قوله: (كقوله: (لأَهَبَ لَكِ) [مريم: ١٩]، أي: كقول جبريل ﵇ لمريم: (لأَهَبَ لَكِ)، والواهب هو الله تعالى، لكنه مبلغٌ لكلام الله إليها. قوله: (وقرئ: "يبدلهما"، بالتشديد): نافع وأبو عمرو، والباقون: بالتخفيف. قوله: (الذي حُفظًا فيه)، أي: رُوعي جانبهما لأجله وكرامته. المُغرب: الحفظ: خلافُ
[ ٩ / ٥٣٦ ]
عنهما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما، قال: فأبى وجدي خير منه، فقال: قد أنبأنا الله أنكم قوم خصمون. (رَحْمَةً) مفعول له، أو مصدر منصوب بـ (أراد ربك)، لأنه في معنى: رحمهما، (وَما فَعَلْتُهُ) وما فعلت ما رأيت (عَنْ أَمْرِي) عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله.
[(وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا* إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا* فَأَتْبَعَ سَبَبًا* حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا* قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا* وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا)].
ذو القرنين: هو الإسكندر الذي ملك الدنيا. قيل: ملكها مؤمنان: ذو القرنين،
_________________
(١) ـ النسيان، وقد يُجعلُ عبارة عن الصون وترك الابتذال. قوله: «عَنْ أَمْرِي): عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله)، الأمر الأول: واحد الأمور، والثاني: واحد الأوامر. قال القاضي: ومبنى ذلك على أنه متى تعارض ضرران يجب أن يُحمل أهونهما لدفع أعظمهما، وهو أصلٌ ممهدٌ، غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة. ومن فوائد هذه القصة: أن لا يُعجب المرء بعلمه، ولا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه، فلعل فيه سرًا لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم، ويتذلل للمعلم، ويراعي الأدب في المقال، وأن ينبه المجرم، ويعفو عنه حتى يتحقق إصراره، ثم يهاجر عنه. قوله: (ذو القرنين هو الإسكندر)، قد مر عن الإمام أن في جعل إسكندر ذا القرنين إشكالًا قويًا، وهو أنه كان تلميذًا لأرسطاطاليس، فكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطاطاليس حقٌّ، وذلك مما لا سبيل إليه.
[ ٩ / ٥٣٧ ]
وسليمان. وكافران: نمروذ، وبختنصر، وكان بعد نمروذ. واختلف فيه فقيل: كان عبدا صالحا ملكه الله الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة، وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه، وقيل: نبيا، وقيل: ملكا من الملائكة. وعن عمر ﵁ أنه سمع رجلا يقول: يا ذا القرنين، فقال: اللهم غفرا، ما رضيتم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة، وعن علىّ ﵁، سخر له السحاب، ومدّت له الأسباب، وبسط له النور، وسئل عنه فقال: أحب الله فأحبه. وسأله ابن الكوّاء: ما ذو القرنين، أملك أم نبىّ؟ فقال: ليس بملك ولا نبي، ولكن كان عبدا صالحا، ضرب على قرنه الأيمن
_________________
(١) ـ قوله: (اللهم غفرًا)، أي: اغفر لهم غفرًا. قوله: (ومُدت له الأسباب)، أي: أمكنه الله من كل شيء وأقدره. قوله: (فأحبه)، أي: مكنه الله من كل شيء وأقدره. قوله: (ابن الكواء) قال الفقيه أبو حنيفة الدينوري في "تاريخه": هو: عبد الله بن الكواء من كبراء الخوارج، اختاروه ليحاج علي بن أبي طالب رضيا لله عنه في أمر الحكمين، وجرت بينهما مجادلات حتى قال ابن الكواء في آخر كلامه: أنت صادقٌ في جميع ما تقول، غير انك كفرت حين حكمت الحكمين، فقاتلهم عليٌّ ﵁، وكان عليهم عبد الله بن وهب الراسبي.
[ ٩ / ٥٣٨ ]
في طاعة الله فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات، فبعثه الله فسمى (ذو القرنين) وفيكم مثله. قيل: كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى. وعن النبي ﷺ: (سمى ذا القرنين؛ لأنه طاف قرني الدنيا)، يعنى: جانبيها شرقها وغربها.
وقيل: كان له قرنان، أي ضفيرتان. وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس. وعن وهب: لأنه ملك الروم وفارس. وروى: الروم والترك. وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس. وقيل كان لتاجه قرنان. وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين. ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا؛ لأنه ينطح أقرانه، وكان من الروم، ولد عجوز ليس لها ولد غيره. والسائلون: هم اليهود سألوه على جهة الامتحان. وقيل: سأله أبو جهل وأشياعه، والخطاب في (عَلَيْكُمْ) لأحد الفريقين (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) أي: من أسباب كل شيء، أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه (سَبَبًا) طريقا موصلا إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، فأراد بلوغ المغرب (فَأَتْبَعَ سَبَبًا) يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق، فأتبع سببا، وأراد بلوغ السدّين فاتبع سببا. وقرئ: (فأتبع) وقرئ: (حمئة)، من حمئت البئر؛ إذا
_________________
(١) ـ قوله: (وفيكم مثله)، يعني به: نفسه، أي: لم يكن نبيًا، بل كان وليًا. قوله: (كما يُسمى الشجاع كبشًا)، الأساس: ومن المجاز: هو كبش كتيبة. قوله: (وقرئ (فَاتَّبَعَ»، الكوفيون وابن عامرٍ: (فَاتَّبَعَ) في الثلاثة، بقطع الهمزة مخففة التاء، والباقون: بالوصل مشددة التاء. قوله: (قرئ: (حَمِئَةٍ»، ابن عامرٍ وأبو بكر وحمزة والكسائي: "حاميةٍ" بألفٍ من غير همزة، والباقون: بغير ألف مع الهمز.
[ ٩ / ٥٣٩ ]
صار فيها الحمأة، و(حامية) بمعنى: حارّة. وعن أبى ذرّ: كنت رديف رسول الله ﷺ على الجمل، فرأى الشمس حين غابت، فقال: (يا أبا ذرّ، أتدري أين تغرب هذه؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تغرب في عين حامية). وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عمر وابن عمرو والحسن. وقرأ ابن عباس: حمئة. وكان ابن عباس عند معاوية؛ فقرأ معاوية: (حامية)، فقال ابن عباس: (حمئة). فقال معاوية لعبد الله بن عمرو: كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة. وروى: في ثأط، فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع:
فرأى مغيب الشّمس عند مآبها … في عين ذي خلب وثأط حرمد
_________________
(١) ـ قوله: (وعن أبي ذرٍّ)، الحديث، رواه أحمد بن حنبل في "مسنده"، وأبو داود في "سننه". قوله: (فرأى مغيب الشمس) البيت، أوله من "المُطلع": قد كان ذو القرنين عمي مُسلمًا … ملكًا تدين له الملوك وتسجد بلغ المشارق والمغارب يبتغي … أسباب أمر من حكيم يرشد الضمير: في "بلغ" لذي القرنين، مآبها، أي: مغيبها، والخلب: الطين الحمأة، والثأط: الحمأة، واحدها: ثأطة، وفي المثل: "ثأطةٌ مُدت بماء"، يُضرب للرجل يشتد حمقه، فإن الماء إذا زيد على الحمأة ازدادت فسادًا، والحرمد: الأسودُ، ذكره في "النهاية"، وقال فيها:
[ ٩ / ٥٤٠ ]
أي: في عين ماء ذي طين وحمأ أسود، ولا تنافى بين الحمئة والحامية، فجائز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعًا.
كانوا كفرة فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام، فاختار الدعوة والاجتهاد في استمالتهم، فقال: أمّا من دعوته فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم الذي هو الشرك: فذلك هو المعذب في الدارين (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ) ما يقتضيه الإيمان (فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) وقيل: خيره بين القتل والأسر، وسماه إحسانا في
_________________
(١) ـ أنشد ابن عباس هذا البيت وقد حاجه عمر في قوله تعالى: (تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ). قوله: (وقيل: خيره بين القتل والأسر): عطفٌ على قوله: "فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام" المعنى بقوله: (أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)، وهو على الأول ظاهرٌ، فأما الأسرُ فليس فيه إحسانٌ، حتى يُقال: (أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)؛ ولهذا قال: "وسماه إحسانًا في مقابلة القتل"؛ لأن من استحق القتل فإذا صُولح معه بالأسر فقد عُوملَ معهُ بالإحسان. قال القاضي: ويؤيدُ الأول قوله: (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا) أي: اختار ذو القرنين الدعوة؛ ولذلك قال: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) أي: أما من دعوته فظلم نفسه بالإصرار على كفره وشركه؛ لأن الشرك ظُلم، فأعذبه أنا ومن معي بالقتل في الدنيا، ثم يعذبه الله في الآخرة عذابًا لم يُعهد مثله. وقلتُ: أما على الوجه الثاني فإنه تعالى لما خيره بين القتل والأسر، وكان حقه أن يقول لهم: اختاروا إما القتل وإما الأسر، فترك ذلك إلى الدعوة، وقال: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ)، (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ)، فآثر حق الله على حق نفسه، وقال من ظلم، أي: بقي على شركه، فالقتل والأسر مني (ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا)، ومن آمن وعمل صالحًا فجزاؤه عند الله الجنة، وعندي القول الميسور، فقدم في جانب العذاب ما كان منه على ما هو من الله، وعكس في جانب الرحمة.
[ ٩ / ٥٤١ ]
مقابلة القتل (فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) فله أن يجازى المثوبة الحسنى، أو: فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كلمة الشهادة. وقرئ: (فله جزاء الحسنى) أي: فله الفعلة الحسنى جزاء. وعن قتادة: كان يطبخ من كفر في القدور، وهو العذاب النكر. ومن آمن أعطاه وكساه (مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا) أي: لا نأمره بالصعب الشاق، ولكن بالسهل المتيسر من الزكاة والخراج وغير ذلك، وتقديره: ذا يسر، كقوله: (قَوْلًا مَيْسُورًا) [الإسراء: ٢٨] وقرئ: (يسرا)، بضمتين.
[(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا* حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا* كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا)].
وقرئ: (مطلع) بفتح اللام وهو مصدر. والمعنى: بلغ مكان مطلع الشمس، كقوله:
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: (فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى)، أي: فله الفعلة الحسنى جزاء)، حفصٌ وحمزة والكسائي: (فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى)، بالتنوين ونصبه. والباقون: بالرفع من غير تنوين. قال مكي: من رفع "جزاء" جعله: مبتدا، و(فَلَهُ): الخبر، أي: فله جزاءُ خلال الحُسنى، فـ (الْحُسْنَى): مضافٌ إليه، وقيل: هي على تقدير الرفع على البدل من "جزاء"، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، والحسنى: الجنةن ومن نصب ونونه، جعل (الْحُسْنَى): مبتدأ، و"لهُ": الخبرُ، و(جَزَاءُ): نُصب على الحال، أي: فله الجنة مجزيًا بها، وقيل: جزاء: نُصب على التمييز. وقيل: على المصدر، أي: يجزى بها جزاء، ومن نصب ولم ينونه، حذف التنوين لالتقاء الساكنين، والحسنى رُفع تقديرًا، وفيه بُعدٌ. قوله: ("مَطلَعَ"، بفتح اللام، وهو مصدرٌ) وفي "الكواشي": (مَطْلِعَ) بالكسر:
[ ٩ / ٥٤٢ ]
كأنّ مجرّ الرّامسات ذيولها
يريد: كأن آثار مجرّ الرامسات (عَلى قَوْمٍ) قيل: هم الزنج. والستر: الأبنية، وعن كعب: أرضهم لا تمسك الأبنية وبها أسراب، فإذا طلعت الشمس دخلوها. فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم. وعن بعضهم: خرجت حتى جاوزت الصين، فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فبلغتهم فإذا أحدهم يفرش
_________________
(١) ـ هي المشهورة، وهي اسمٌ لوقت الطلوع او لموضع الطلوع، وبالفتح: مصدرٌ، أي: مكان الطلوع، وهي شاذة. قوله: (كأن مجر الرامسات ذيولها). تمامه: عليه قضيم نمقته الصوانع قال في "المطلع": يريد كأن أثر مجر الرامسات، أي: جرهن، والرامساتُ: المثيرات للرمس، وهو الترابُ، الريا الروامس: التي تُثيرُ التراب وتدفن الآثار، ورمست الرجل وأرمسه: دفنته، والقضيم: الجلد الأبيض، ونمقت الكتاب: إذا حسنته وجودته، ولابد من تقديرالمضاف ليحسن تشبيهه بالقضيم، وذيولها: مفعول مجر، أي: جرهن ذيولها. وقضيم: خبرُ "كأن"، وهو المشبه به، أي: كأن آثار مجر ذيولها جلدٌ نمقه الكاتب، ولابد من عامل في الذيول، واسم المكان لا يعمل. قوله: (والستر: الأبنية)، وفي "إيجاز البيان": المرادُ دوام طلوعها عليهم في الصيف، وإلا فالحيوان يختارُ الكِنَّ حتى الإنسانُ، وهذا المكان وراء برزة من تلقاء بُلغار، تدور فيه الشمس بالصيف ظاهرة فوق الأرض، إلا أنها لا تُسامت رؤوسهم.
[ ٩ / ٥٤٣ ]
أذنه ويلبس الأخرى، ومعى صاحب يعرف لسانهم، فقالوا له: جئتنا تنظر كيف تطلع الشمس؟ قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي علىّ، ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت، فأدخلونا سربا لهم، فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم. وقيل: الستر اللباس. وعن مجاهد: من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض.
(كَذلِكَ) أي: أمر ذي القرنين كذلك، أي كما وصفناه تعظيما لأمره (وَقَدْ
_________________
(١) ـ قوله: «كَذَلِكَ)، أي: أمر ذي القرنين كذلك)، اعلم أن "كذلك" إما: خبرُ مبتدأ محذوف، أو: صفة لموصوف مذكور، أو: صفة مصدر محذوف، فعلى الأول المشار إليه بذلك جميعُ ما سبق من أمر ذي القرنين، وفيه تفخيم للفذلكة بعد التفصيل؛ ولهذا قال: "تعظيمًا لأمره"، وقوله: (وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا)، الجملة تكميلٌ؛ لأنه أردف التعظيم التكثير، كأنه قيل: أمرُ ذي القرنين كما وصفنا، وله أسبابٌ عدة غير ما ذُكر، لا يحيط بها علمُ أحد غير الله تعالى لقوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ) بالمدثر: ٣١]، (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) [الجن: ٢٨]. وعلى الثاني: إما هو صفة لقوله: (سِتْرًا)، وإليه الإشارة بقوله: "سترًا مثل ذلك الستر"، وليس بذلك؛ لأن قوله: (وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا) لا يحسن التئامه على هذا؛ أو صفة لـ "قوم"، والمشار إليه بذلك أحوال القوم المار ذكرهم عند قوله: (وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا) إلى آخره، ويحسن التئام قوله: (وَقَدْ أَحَطْنَا)، أي: أحطنا بما لديه خبرًا من التخبير والاختيار والدعوة والإحسان. وعلى الثالث: المشار إليه ما سبق من البلوغ في قوله: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ)، وإليه الإشارة بقوله: (بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ)، كما بلغ مغربها، ومعنى (وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ) على هذين التفسيرين: تتميم ومبالغة.
[ ٩ / ٥٤٤ ]
أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ) من الجنود والآلات وأسباب الملك (خُبْرًا) تكثيرا لذلك. وقيل: لم نجعل لهم من دونها سترا مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الجبال والحصون والأبنية والأكنان من كل جنس، والثياب من
كل صنف. وقيل: بلغ مطلع الشمس مثل ذلك، أي: كما بلغ مغربها. وقيل: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم، يعنى أنهم كفرة مثلهم، وحكمهم مثل حكمهم في تعذيبه لمن بقي منهم على الكفر، وإحسانه إلى من آمن منهم.
[(ثمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا* حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا)].
(بَيْنَ السَّدَّيْنِ) بين الجبلين، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما. قرئ: بالضم والفتح. وقيل: ما كان من خلق الله تعالى فهو مضموم، وما كان من عمل العباد فهو مفتوح؛ لأنّ السد بالضم: فعل بمعنى: مفعول، أي: هو مما فعله الله تعالى وخلقه. والسدّ بالفتح: مصدر حدث يحدثه الناس. وانتصب (بَيْنَ) على أنه مفعول به مبلوغ، كما انجرّ على الإضافة في قوله: (هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨] وكما ارتفع في قوله: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) [الأنعام: ٩٤] لأنه من الظروف التي تستعمل
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ بالضم والفتح)، نافعٌ وابن عامرٍ وأبو بكر: بضم السين، والباقون: بفتحها. قوله: (لأن "السد" بالضم: فُعلٌ)، قال صاحب "التقريب": ولا يخفى ضعفُ هذا التوجيه، قال محيي السنة: هذا قولُ عكرمة، وقاله أبو عمرو، وقيل: هما لغتان، وقيل: بالضم: اسم وبالفتح: مصدرٌ.
[ ٩ / ٥٤٥ ]
أسماء وظروفًا، وهذا المكان في منقطع أرض الترك مما يلي المشرق (مِنْ دُونِهِما قَوْمًا) هم الترك (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) لا يكادون يفهمونه إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها كما يفهم إليكم، وقرئ: (يفقهون)، أي: لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه، لأنّ لغتهم غريبة مجهولة.
[(قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)].
(يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ) اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، وقرئا مهموزين. وقرأ رؤبة: (آجوج ومأجوج)، وهما من ولد يافث. وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم (١). (مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) قيل: كانوا يأكلون الناس، وقيل: كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "يُفقهون")، حمزة والكسائي: بضم الياء وكسر القاف، والباقون: بفتحهما. قوله: (وقرئا مهموزين): عاصمٌ، والباقون: بغير همز، نقل صاحب "المطلع" عن الأنباري، قال: وجه همزه- وإن لم يُعرف له أصل-: أن العرب قد همزت ما لا أصل للهمز فيه، نحو: لبأت بالحج، ورثأت الميت. وإذا فعلوا هذا في لغتهم لا يردهم ذلك في الألفاظ الأعجمية، وأما رؤبة فقلب الياء همزة كأثربي في يثربي.
[ ٩ / ٥٤٦ ]
وكانوا يلقون منهم قتلا وأذى شديدا. وعن النبي ﷺ في صفتهم: (لا يموت أحد منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه، كلهم قد حمل السلاح). وقيل: هم على صنفين: طوال مفرطو والطول، وقصار مفرطو القصر. وقرئ: (خرجا) و(خراجا)،
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: (خْرِجَا) و"خراجا")، حمزة والكسائي: "خراجًا"، والباقون: (خْرِجَا). الراغب: قيل لما يخرج من الأرض ومن وكر الحيوان ونحو ذلك: خرجٌ وخراجٌ، قال تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) [المؤمنون: ٧٢]. فإضافته إلى الله تعالى تنبيه أنه هو الذي الزمه وأوجبه، والخرج أعم من الخراج، وجُعل الخرج بإزاء الدخل، قال تعالى: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا) [الكهف: ٩٤]، والخراجُ مختصٌّ - في الغالب - بالضريبة على الأرض. وقيل: العبد يؤدي خرجه، أي: غلته، والرعية تؤدي إلى الأمير الخراج، وقيل: "الخراج بالضمان"، أي: ما يخرج من مال البائع فهو بإزاء ما سقط عنه من ضمان المبيع، والخارجي: الذي يخرج بذاته من أحوال اقرانه، ويقال على سبيل المدح إذا خرج إلى منزلة من هو أعلى منه، وتارة يقالُ على سبيل الذم إذا خرج على منزلة من هو أدنى منه، وعلى هذا يقال: فلانٌ ليس بإنسان، مدحًا وذمًا، والخرج: لونان من سواد وبياض، يقال: ظليم أخرجُ، ونعامةٌ رجاء، وأرضٌ مخرجةٌ: ذات لونين، لكون النبات فيها في مكان دون مكان. وقال القاضي: كلاهما واحد، كالنول والنوال، وقيل: الخراج: على الأرض والذمة، والخرج: المصدر.
[ ٩ / ٥٤٧ ]
أي: جعلا نخرجه من أموالنا، ونظيرهما: النول والنوال. وقرئ: (سدا) و(سدا) بالفتح والضم.
[(قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا* آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا)].
(ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ما جعلني فيه مكينا من كثرة المال واليسار، خير مما تبذلون لي من الخراج، فلا حاجة بي إليه، كما قال سليمان صلوات الله عليه: (فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ) بالنمل: ٣٦]، قرئ بالإدغام وبفكه. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) بفعلة، وصناع يحسنون البناء والعمل، وبالآلات (رَدْمًا) حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السدّ، من قولهم: ثوب مردم، رقاع فوق رقاع. قيل: حفر الأساس حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد،
_________________
(١) ـ وقوله: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) لا ينافي رد الخراج والاتقصار على المعونة، كأن الإيتاء بمعنى المناولة، يدل عليه قراءة أبي بكر: "إيتوني" بمعنى: جيئوني. قوله: (قرئ بالإدغام وبفكه): ابن كثير: بالفك، والباقون: بالإدغام. قال صاحب "المُطلع": من فك لأن النونين اجتمعتا في كلمتين، الثانية غير لازمة، يقال: مكنه ومكنته، فلم يُدغم، ومن أدغمَ فلاجتماع المثلين.
[ ٩ / ٥٤٨ ]
بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنار، صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا. وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ. وقرئ: (سوّى)، و(سووي). وعن رسول الله ﷺ: أنّ رجلا أخبره به فقال: (كيف رأيته؟) قال كالبرد المحبر؛ طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» والصدفان بفتحتين: جانبا الجبلين، لأنهما يتصادفان، أي: يتقابلان، وقرئ: (الصدفين) بضمتين، و(الصدفين) بضمة وسكون، (الصدفين) بفتحة وضمة. والقطر، النحاس المذاب؛ لأنه يقطر (قِطْرًا) منصوب بـ (أفرغ)، وتقديره: آتوني قطرا أفرغ عليه قطرا، فحذف الأول
_________________
(١) ـ قوله: (كالبرد المحبر)، النهاية: الحبير من البرود: ما كان موشيًا مخططًا، وهو بردُ يمان. قوله: (وقرئ: "الصدفين" بضمتين"): ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، وأبو بكر: بضم الصاد وإسكان الدال، والباقون: بفتحتين، وبضم الدال: شاذ. قال القاضي: كلها لغاتٌ من الصدف، وهو الميل؛ لأن كلا منهما منعزلٌ عن الآخر، ومنه التصادف: التقابل. قله: (و(قَطِرًَا): منصوب بـ (أُفْرِغْ»، فأعمل الثاني على مذهب البصريين؛ لأنه لو أعمل الأول لقيل: آتوني أفرغه، غذ المختارُ أن لا يحذف الضمير المفعول في الثاني؛ لأنهُ
[ ٩ / ٥٤٩ ]
لدلالة الثاني عليه. وقرئ: (قال ائتوني)، أي: جيئوني، (فَمَا اسْطاعُوا) بحذف التاء للخفة؛ لأنّ التاء قريبة المخرج من الطاء. وقرئ: (فما اصطاعوا)، بقلب السين صادا. وأما من قرأ بإدغام التاء في الطاء، فملاق بين ساكنين على غير الحدّ (أَنْ يَظْهَرُوهُ) أي: يعلوه، أي: لا حيلة لهم فيه من صعود لارتفاعه وانملاسه، ولا نقب لصلابته وثخانته.
[(قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)].
(هذا) إشارة إلى السد، أي: هذا السد نعمة من الله و(رَحْمَةٌ) على عباده، أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته (فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي) يعنى: فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي جعل السد (دَكَّاءَ) أي: مدكوكا مبسوطا مسوّي بالأرض، وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد اندك. ومنه: الجمل الأدك: المنبسط السنام. وقرئ: (دكاء) بالمد؛
_________________
(١) ـ يؤدي إلى اللبس، فالهاء عائدةٌ إلى (قِطْرًا) وهو المفعول الثاني، وإن جاز حذفه لكن لا يليق بفصاحة القرآن تركُ الاختيار. قوله: (وقرئ: "قال ائتوني"، أي: جيئوني)، أبو بكر وحمزة: بهمزة ساكنة بعد اللام من باب المجيء، وإذا ابتدأ كسراص همزة الوصل، وابدلا الهمزة الساكنة ياءً، والباقون: بقطع الألف ومدةٍ بعدها في الحالين. قوله: (وأما من قرأ بإدغام التاء)، قرأ حمزة: "فما اسطاعوا" بتشديد الطاء، والباقون: بتخفيفها. قوله: (وقرئ: (دَكَّاءَ) بالمد)، الكوفيون: بالمد والهمز من غير تنوين، والباقون: بالتنوين من غير همز.
[ ٩ / ٥٥٠ ]
أي أرضًا مستوية، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) آخر حكاية قول ذي القرنين.
[(وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا)].
(وَتَرَكْنا) وجعلنا (بَعْضَهُمْ) بعض الخلق (يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) أي: يضطربون ويختلطون، إنسهم وجنهم حيارى، ويجوز أن يكون الضمير ليأجوج ومأجوج، وأنهم يموجون حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد، وروى: يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الشجر، ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس، ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس، ثم يبعث الله نغفًا في أقفائهم فيدخل في آذانهم فيموتون.
[(وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا* الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا)].
(وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ) وبرّزناها لهم فرأوها وشاهدوها (عَنْ ذِكْرِي) عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم، أو عن القرآن وتأمل معانيه وتبصرها، ونحوه (صُمٌّ بُكْمٌ
_________________
(١) ـ قوله: (نغفًا في أقفائهم)، النهاية: النغفُ، بالتحريك: دودٌ يكون في أنوف الإبل والغنم، واحدتها: نغفةٌ. قوله: (عن آياتي التي يثنظر إليها، فأذكرُ بالتعظيم)، يعني: الذكرُ لا يقال فيه: أعينهم في غطاءٍ عنه، بل في آذانهم وقرٌ، لكن النظر على الآيات الدالة على القدرة الباهرة سببٌ لذكر الله عند مشاهدتها، كما يقال: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ) [آل عمران: ١٩١]،
[ ٩ / ٥٥١ ]
عُمْيٌ) [البقرة: ١٨]، (وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) يعنى: وكانوا صما عنه، إلا أنه أبلغ؛ لأنّ الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء كأنهم أصميت أسماعهم فلا استطاعة بهم للسمع.
[(أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا)].
(عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ) هم الملائكة، يعنى: أنهم لا يكونون لهم أولياء، كما حكي عنهم: (سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ) [سبأ: ٤١]، وقرأ ابن مسعود: (أفظن الذين كفروا)، وقراءة على ﵁: (أفحسب الذين كفروا) أي: أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء، على الابتداء والخبر.
_________________
(١) ـ فأُطلق المسبب وأريد السبب، وكذلك الباصرة لا تُستعمل في الذكر إذا أريد به القرآن، بل تستعمل فيه البصيرة؛ ولذلك قال: "وتأمل معانيه وتبصرها"، فقوله: (بُكْم) مناسبٌ للتفسير الأول، و(عُمْيٌ) للثاني. قوله: (كما حكى عنهم: (سُبْحَانَكَ) [سبأ: ٤١])، وجه المشابهة بين الآيتين هو أن قوله: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ) إنكارٌ لحسبانهم فيما عبدوا الملائكة، جعلوها شفعاء لأنفسهم، وأنهم يوالونهم عند الحقيقة، وأن هذا الإنكار واقعٌ عند الحشر، لقوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا) إلى قوله: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، كما أن قوله: (سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) [سبأ: ٤١] تخييبٌ من الملائكة فيما زعم الكفارُ أنهم ينصرونهم ويشفعون لهم بعد الحشر، لقوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) [سبأ: ٤٠].
[ ٩ / ٥٥٢ ]
أو على الفعل والفاعل، لأنّ اسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل، كقولك: أقائم الزيدان، والمعنى: أنّ ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا. وهي قراءة محكمة جيدة. النزل: ما يقام للنزيل؛ وهو الضيف، ونحوه (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: ٢١].
[(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا* أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا* ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا)].
(ضَلَّ سَعْيُهُمْ) ضاع؛ وبطل وهم الرهبان. عن على ﵁، كقوله: (عامِلَةٌ ناصِبَةٌ) [الغاشية: ٣]، وعن مجاهد: أهل الكتاب، وعن علي ﵁: أنّ
_________________
(١) ـ قوله: (أو على الفعل والفاعل)، يعني: تحتمل قراءة علي ﵁ أن تُحمل على الابتداء والخبر، بأن يقال: إن حسبُ: مبتدأٌ مضافٌ إلى الذين كفروا، و(أَنْ يَتَّخِذُوا): الخبرُ، وكذا أيضًا عن أبي البقاء، أو على الفعل والفاعل، بأن يُقال: إن "حسبُ" بمعنى "المحسب"، واسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة يعمل، والفاعل (أَنْ يَتَّخِذُوا). قوله: (أقائمٌ الزيدان؟)، إنما مثل به دون: "أقائم زيدٌ"، لأنه أراد أن يُمثل بما يتعين فيه عمل اسم الفاعل في الظاهر. قوله: (وهي قراءة محكمة جيدة)، قال ابن جني: القراءة ساكنة السين غاية في الذم لهم وذلك؛ لأنه جعله غاية مرادهم ومجموع مطلبهم. قوله: (كقوله: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) [الغاشية: ٣])، أي: عملت ونصبت في أعمال لا تثجدي عليها في الآخرة.
[ ٩ / ٥٥٣ ]
ابن الكوّاء سأله عنهم؟ فقال: منهم أهل حروراء. وعن أبى سعيد الخدري: يأتي ناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا) فنزدري بهم ولا يكون لهم عندنا وزن ومقدار. وقيل: لا يقام لهم ميزان؛ لأنّ الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين. وقرئ: (فلا يقيم) بالياء. فإن قلت: الذين ضل سعيهم في أي محل هو؟ قلت:
الأوجه أن يكون في محل الرفع، على: هم الذين ضل سعيهم؛ لأنه جواب عن السؤال، ويجوز أن يكون نصبا على الذم، أو جرّا على البدل (جَهَنَّمُ) عطف بيان لقوله (جَزاؤُهُمْ).
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا* خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا)].
الحول: التحوّل. يقال: حال من مكانه حولا، كقولك: عادني حبها عودا، يعني:
_________________
(١) ـ قوله: (أهل حروراء): قرية بالكوفة، والحرورية: فرقةٌ منالخوارج منسوبة إليها. قوله: «جَهَنَّمَ) عطفُ بيان لقوله: (جَزَاؤُهُمْ» فـ (ذَلِكَ) مبتدأ، و(جَزَاؤُهُمْ): الخبر، والمشار إليه بقوله: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ)، كما تقول: هذا زيدٌ، وتحقيقه ما سبق في قوله: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)، وفيه بحث؛ لأنه لا يحسنُ أن يقال: ذلك جهنمُ. قال أبو البقاء: (ذَلِكَ)، أي: الأمر ذلك، وما بعدهُ مبتدأ وخبر، وهذا جيدٌ. قوله: (عادني حبها عودًا)، النهاية: وفي حديث فاطمة بنت قيس "فإها امرأة يكثرُ عُوادُها"، أي: زُوارُها، وكل من أتاك مرةً بعد أخرى، فهو عائدٌ، وإن اشتهر ذلك في عبادة المريض حتى كأنه مختصٌّ به.
[ ٩ / ٥٥٤ ]
لا مزيد عليها حتى تنازعهم أنفسهم إلى أجمع لأغراضهم وأمانيهم، وهذه غاية الوصف؛ لأن الإنسان في الدنيا في أي نعيم كان فهو طامح الطرف إلى أرفع منه، ويجوز أن يراد نفى التحوّل وتأكيد الخلود.
[(قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)].
المداد: اسم ما تمد به الدواة من الحبر وما يمد به السراج من السليط. ويقال: السماء مداد الأرض. والمعنى: لو كتبت كلمات علم الله وحكمته وكان البحر مدادا
_________________
(١) ـ قوله: (لو كُتِبَ) يعني: لو فُرضَ كتبتُها كما تُفرضُ المحالاتُ لابد لهذا المفروض من النفاد، مع هذا ينفدُ حبسُ البحر قبل نفادها. قوله: (كلماتُ علم الله وحكمته) يُشعرُ بأن الكلمات في قوله تعالى: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) [الكهف: ٢٧] أخصُّ منها؛ لأن المراد بها كلمات ما أوحي إلى رسول الله ﷺ، وهو القرآن المجيد، ومن اطلع على أسرار النظم، عرف موجب ذلك. والإضافة في قول المصنف: "كلمات علم الله تعالى"، تؤذن بأنها غير متناهية، ولفظة (قبلَ) توهم أن لها أيضًا نفادًا. قال الإمام: تمسكت المعتزلة بها، أن كلام الله محدث، بأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه. وأجاب: أن ذلك راجعٌ إلى الألفاظ والحروف، والجواب غير مُرضي؛ لأن التمثيل بالبحر يأباه، ولأن هذه الآية مما ساتدلوا بها على قدمها، فكيف يلتزم حدوثها؟ ألا ترى كيف استشهد بها صاحب "شرح السُّنة" في باب الرد على من قال بخلق القرآن، ووجهه أنها واردةٌ على التنزلات الربانية، حيث نزل غير المتناهي منزلة المتناهي فرضًا وتقديرًا، تفهيمًا للعباد وتقريباص لهم، وهو من التمثيل الذي يفرضُ الممثل به فرضاصح مُثلت حالةُ الكلمات التامات في سعتها وفرطِ كثرتها بحالة ما لو فُرضَ البحرُ مدادًا له لنفد قبله، ثم أدخله الممثل
[ ٩ / ٥٥٥ ]
لها، والمراد بالبحر الجنس (لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ) الكلمات (وَلَوْ جِئْنا) بمثل البحر مدادا لنفد أيضًا. والكلمات غير نافدة. و(مَدَدًا) تمييز، كقولك: لي مثله رجلا. والمدد مثل المداد، وهو ما يمدّ به. وعن ابن عباس ﵁: (بمثله مدادا)، وقرأ الأعرج: مددا، بكسر الميم؛ جمع مدّة، وهي ما يستمده الكاتب فيكتب به.
_________________
(١) ـ في جنس الممثل به فأجرى عليه حُكم الإحصاء والكتب والنفاد تنزلًا وتفهيمًا، والمعنى: لو فرضنا أن غير المتناهي داخلٌ تحت حكم المتناهي، وأنه نوعٌ من جنسه، لنفد قبل نفاده، فكيف وأنه ليس من جنسه؟ هيهات، أين الثريا من الثرى! ولذل مع كلماتٍ جمع قلةٍ تتميمًا للمعنى، أي: إذا كان حُكمُ الكلمات بهذه المثابة، فما ظنُّكَ بالكلم، ووضعُ المظهر موضع المضمر في قوله: (قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) إشعارٌ بالعلية، وأنها حقيقٌ بأن تكون غير متناهية. وأما بيانُ النظم فهو أن المخالفين لما اقترحوا على رسول الله ﷺ أن يبدل آية مكان آية، قيل له: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) [الكهف: ٢٧]، أي: دعهم وعنادهم، اشتغل بالتلاوة ودُم عليها، فإنه لا يقدر على تقدير كلمات ربك إلا هو، ثم كشف بعد ذلك من قوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) إلى قوله: (لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) عن نُبذٍ من أسرار عجيبة محتجبة وراء أستار الغيبن ثم عقبها بقوله: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا)، يعني: قللهم: لو ان البحر مدادًا لهذا الجنس من الكلمات التامات، لنفد البحرُ قبل نفادها، فكيف أبدلها من تلقاء نفسي؟ وأنا بشرٌ مثلكم لا فرق بيني وبينكم في عدم القدرة على التبديل إلا أني خُصصتُ بتلقي الوحي، وفضلت بمزية الرسالة، وغلى هذا ألمح قوله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) [الانعام: ١١٥]. وقريبٌ من هذه المعاني ما في قوله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) [يونس: ١٥].
[ ٩ / ٥٥٦ ]
وقرئ: (ينفد) بالياء. وقيل: قال حيىّ بن أخطب: في كتابكم (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة: ٢٦٩]، ثم تقرءون: (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: ٨٥]، فنزلت، يعنى: أن ذلك خير كثير، ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.
[(قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)].
(فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ) فمن كان يؤمل حسن لقاء ربه، وأن يلقاه لقاء رضا وقبول. وقد فسرنا اللقاء. أو: أفمن كان يخاف سوء لقائه. والمراد بالنهى عن الإشراك
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "ينفد": بالياء): حمزةُ والكسائي، والباقون: بالتاء الفوقاني. قوله: (قال حيي بن أخطب: في كتابكم)، إلى آخره، عن أحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن عباس، قال: قالت قريش لليهود: اعطونا شيئًا نسألُ عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، سألوه عنها فنزلت: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) الآية، قالوا: أوتينا علمًا كثيرًا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فُأنزلت: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ) الآية. قوله: (يخاف سوء لقائه)، الأساس: ومن المجاز استعمال الرجاء في الخوف والاكتراث، قال محيي السنة: الرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعًا. قال:
[ ٩ / ٥٥٧ ]
بالعبادة: أن لا يرائي بعمله، وأن لا يبتغى به إلا وجه ربه خالصا لا يخلط به غيره. وقيل: نزلت في جندب ابن زهير، قال للنبي ﷺ: إني أعمل العمل لله، فإذا اطلع عليه سرني، فقال: «إن الله لا يقبل ما شورك فيه». وروى أنه قال له: «لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية» وذلك إذا قصد أن يقتدي به. وعنه ﷺ: «اتقوا الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال «الرياء».
وعن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء»، وعنه ﷺ: «من قرأ عند مضجعه (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) كان له من مضجعه نورا يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم، وإن كان مضجعه بمكة كان له نورا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ» والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) ـ. ولا كل ما ترجو من الخير كائن … ولا كل ما ترجو من الشر واقع قوله: (وقد فسرنا اللقاء)، يعني: في سورة يونس، قال فيها: اللقاءُ مستعارٌ للعلم المحقق الذي هو العلم بالشيء موجودًا، شُبه بنظر النار وعيان المعاين. وفسره في "العنكبوت" في قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ) [العنكبوت: ٥] أبسط وأشرح من ذلك، وقلت: إذا فسرت الآية بقوله: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا) يأمل حُسن لقاء ربه، يجوز أن يجري على ظاهرها على مذهب أهل السُّنة. انتهى بحمد الله
[ ٩ / ٥٥٨ ]