مدنية وهي مائة وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ)].
يقال وفى بالعهد وأوفى به ومنه: (والموفون بعهدهم) [البقرة: ١٧٧]. والعقد: العهد الموثق، شبه بعقد الحبل ونحوه، قال الحطيئة:
قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمِ … شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا
_________________
(١) ـ سورة المائدة مئة وثلاث وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (قومٌ إذا عقدوا عقدًا) البيت، العناج في الدلو العظيمة: حبلٌ أو بطان يشد في أسفلها، ثم يشد بالعراقي فيكون عونًا وللأوذام، فإذا انقطعت الأوذام أمسكها العناج، فإذا كانت الدلو خفيفة فعناجها خيط يشد في إحدى آذانها إلى العرقوة، والكرب:
[ ٥ / ٢٥٢ ]
وهي عقود اللَّه التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف. وقيل: هي ما يعقدون بينهم من عقود الأمانات ويتحالفون عليه ويتماسحون من المبايعات ونحوها، والظاهر أنها عقود اللَّه عليهم في دينه من تحليل حلاله، وتحريم حرامه، وأنه كلام قدم مجملًا، ثم عقب بالتفصيل وهو قوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ) وما بعده.
_________________
(١) ـ الحبل الذي يُشد في وسط العراقي ثم يُثنى ثم يُثلث ليكون هذا يلي الماء فلا يعفن الحبل الكبير، والوذم: السيور التي بين آذان الدلو وأطراف العراقي، والعراقي: بفتح العين والراء والقاف مقصورة، والعرقوتان: الخشبتان اللتان تعرضان على الدلو كالصليب، يصف قومه بوفاء العهد، استعار للعهد عقد الحبل على الدلو، ثم رشح الاستعارة مرة بشد العناج وأخرى بشد الكرب؛ لأنهما للتوثيق والاحتياط، بوعده: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم … ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا قوله: (من مواجب التكليف)، الأساس: وجب البيع وأوجبته: ألزمته، وفعلت ذلك إيجابًا لحقك، وهذا أقل مواجب الأخوة، فعلى هذا المراد بوفاء العهود جميع ما ألزمه الله تعالى من التكاليف، ولا يختص بتحليل الحلال ولا بتحريم الحرام. قوله: (والظاهر أنها عقود الله [عليهم] في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه). قال الكواشي: ذكر هذه المقدمة ثم عقبها بالأحكام ليلتزموا العمل بها، كقولك للرجل: افعل ما آمرك به، ثم تذكر له ما تريده منه، وذلك أنه تعالى أمر المكلفين بوفاء العقود وأتى بقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ مفصولًا عنه على سبيل البيان، وعقبه بما هو مشتمل على تحريم الحرام وتحليل الحلال.
[ ٥ / ٢٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقلت: الظاهر هو الأول، لأن "العقود" جمعٌ محلي باللام مستغرق لجميع ما يصدق عليه أنه عقود الله تعالى من الأصول والفروع، ولكن المذكور في السورة أمهاتها وأصولها منصوصًا. وسائر ما يستتبعه مفهومًا ومرموزًا، فقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨] وقوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، ثم كَرَّ إلى ذكر الصلاة وعلق به قرينتها التي هي الزكاة في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: ١٢]، وأومأ إلى الحج بتعظيم شعائر الله في قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، وأما المعاملات فقد أدمج في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] ما يمكن أن يستنبط منه بعض أحكامها، وكذا المناكحات في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]. هذا، وإن قسم الجراحات والحدود والجهاد والأطعمة والأشربة والحكومات وغيرها، السورة مملوءة منها مشحونة بها، ومن أراد أن يستوعب جميع ما يتعلق بربع الجراح فلا يعوزه ذلك نصًا وإشارة، ولأمر ما أخر نزول هذه السورة وفذلكت بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. روينا عن الترمذي، عن عبد الله بن عمرو: آخر سورة أنزلت: المائدة.
[ ٥ / ٢٥٤ ]
البهيمة: كلّ ذات أربع في البرّ والبحر، وإضافتها إلى الأنعام للبيان، وهي الإضافة التي بمعنى «من» كخاتم فضة. ومعناه: البهيمة من الأنعام.
_________________
(١) ـ وعنه، عن ابن عباس أنه قرأ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، وعنده يهودي، فقال: لو أنزلت علينا هذه الآية لاتخذناها عيدًا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين، في يوم جمعة، ويوم عرفة. ونحوه عند البخاري ومسلم، عن عمر ﵁. الراغب: العقود باعتبار المعقود والعاقد ثلاثة أضرب: عقد بين الله وبين العبد، وعقد بين العبد ونفسه، وعقد بينه وبين غيره من البشر، وكل واحد باعتبار الموجب له ضربان: ضربٌ أوجبه العقل، وهو ما ذكر الله معرفته في الإنسان فيتوصل إليه إما ببديهة العقل وإما بأدنى نظر، دل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]، وضرب أوجبه الشرع، وهو ما دل عليه كتاب الله وسنة نبيه، فذلك ستة أضرب، وكل واحد من ذلك إما أن يلزم ابتداء، أو يلزم بالتزام الإنسان إياه، والثاني أربعة أضرب، فالأول: واجب الوفاء؛ كالنذور المتعلقة بالقرب، نحو أن يقول: عليَّ أن أصوم إن عافاني الله، والثاني: مستحب الوفاء به ويجوز تركه، كمن حلف على ترك فعل مباح فإن له أن يكفر عن يمينه ويفعل ذلك، والثالث: مستحب ترك الوفاء به، وهو ما قال صلى الله عليه سلم: "إذا حلف أحدكم على شيء فرأى غيره خيرًا منه فليأت الذي هو خير منه وليكفر عن يمينه"، والرابع: واجب ترك الوفاء به، نحو أن يقول: عليَّ أن أقتل فلانًا المسلم، فيحصل من ضرب ستة في أربعة أربعةٌ وعشرون ضربًا، وظاهر الآية يقتضي كل عقد سوى ما كان تركه قربة أو واجبًا. قوله: (ومعناه البهيمة من الأنعام). قال الزجاج: كل حي لا يميز فهو بهيمة، لأنه أبهم عن
[ ٥ / ٢٥٥ ]
(إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ إلا محرّم): ما يتلى عليكم من القرآن، من نحو قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣]، أو (إلا ما يتلى عليكم) آية تحريمه. والأنعام: الأزواج الثمانية.
_________________
(١) ـ أن يميز، فأعلم الله ﷿ أن الذي أحل لنا مما أبهم هذه الأشياء. الراغب: البهيمة: ما لا نطق له من الحيوان، ثم اختص في التعارف بما عدا السباع والطير، ثم استعملت في الأزواج الثمانية إذا كانت معها الإبل، ولا يدخل في لك الخيل والبغال والحمير، ووجه إضافتها إلى الأنعام كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. قوله: (﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ آية تحريمه) عطفٌ على قوله: "إلا محرم ما يتلى عليكم"، وإنما قدر ذلك لأنه لابد من المناسبة بين المستثنى والمستثنى منه في الاتصال، فلا يستقيم استثناء الآيات من البهيمة، فيقدر إما المضاف كما يقال: إلا محرم ما يتلى عليكم، أي: الذي حرمه المتلو، وإما الفاعل، بأن يقال: إلا البهيمة التي يتلى عليكم آية تحريمها، فقوله: "آية تحريمه" يشعر بأن الأصل هذا ثم حُذف المضاف الذي هو آية، وأقيم المضاف إليه مقامه وهو "تحريمه"، ثم حذف المضاف ثانيًا وأقيم الضمير المجرور مقامه فانقلب الضمير المجرور مرفوعًا واستتر في ﴿يُتْلَى﴾ وعاد إلى ﴿ما﴾ كقوله: أسال البحار فانتحى للعقيق أي: أسال سُقيا سحابه. وقال أبو البقاء: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ استثناء متصل، والتقدير: أحلت لكم بهيمة النعام إلا الميتة، وما أهل لغير الله مما ذكر في الآية الثالثة من السورة.
[ ٥ / ٢٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقال محيي السنة: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: ما ذُكِر في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا هو المراد من قول المصنف: "إلا محرم ما يُتلى عليكم من القرآن من نحو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ ". انظر أيها المتأمل في نظم هذه الآيات، فإنها مدمج بعضها في بعض وارد على أسلوب عجيب ونمط بديع، وذلك أنه تعالى لما أراد أن يشرع في عقد من العقود المعتبرة فيا لدين، وهو شرعية مناسك الحج، وتعظيم شعائر الله، على وجه يستتبع أحكامًا جمة، ذكر تحليل بهيمة الأنعام توطئة وتسبيبًا لذكر تعظيم شعاره، واستثنى منها ما هي محرمة على الإبهام المستدعي للتفصيل والبيان، وجعل قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ قيدًا للتوطئة ليتخلص منها إلى المقصود بسببه مشتملًا على معنى رفع الحرج امتنانًا، كما قال تعالى: أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون لئلا نحرج عليكم، ثم أتى بما اجري له الكلام معظمًا مفخمًا، فكرر النداء والتنبيه، وذكر المؤمنين بعد استهلال السورة به اعتناء بشأن المتلو بعده وعم النهي في تحليل شعائر الله، واستطرد قصة حجاج اليمامة، ليشير به إلى أن الحيلولة بين الشعائر وبين المتنسكين بها وإن كانوا مخالفين بل مجرمين: تحليل لشعائر الله المنهي عنها، وأوقع ما كان موافقًا لمعنى القيد والتخلص من قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] اعتراضًا بين القصة ليكون إشارة وإدماجًا إلى أن القاصدين ما داموا محرمين مبتغين فضلًا من ربهم كانوا كالصيد عند المحرم فلا تتعرضوا لهم، وإذا حللتم أنتم وهم فشأنكم وإياهم؛ لأنهم صاروا كالصيد المباح أبيح لكم تعرضهم حينئذ. ولما فرغ من بيان ما أجري له الكلام أصالة شرع في بيان ما أجمل فيما أتى به، تمهيدًا وتوطئة، وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وكما أورد ما كان متصلًا بالتوطئة في
[ ٥ / ٢٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ المعنى اعتراضًا في القصة؛ أورد ما هو متصل بالمقصود معنى اعتراضًا في التفصيل ليصير الأصل والفرع شيئًا واحدًا، وذلك قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وإنما قلنا: إنه متصل بالمقصود لأن التعريف في ﴿الْيَوْمَ﴾ إشارة إلى ذلك اليوم الذي نهوا فيه عن تحليل شعائر الله وتعريض القاصدين، وأشار بالاعتراض الأول، وهو قوله: ﴿إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] إلى معنى دقيق، وهو أن هذا يوم لكم اليد والسلطان على الناس فلا تخيفوهم وإن كانوا مجرمين؛ وإليه الإشارة بقوله: "ومعنى الاعتداء: الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم، وتعاونوا على العفو والإغضاء ولا تعاونوا على الانتقام والتشفي"، وبالاعتراض الثاني، وهو قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿دِينًا﴾ [المائدة: ٣] إلى أن لا تخافوا الناس أيضًا وأبشروا بإكمال الدين الحنيفي وهدم منار الجاهلية كلها، ومنها إبطال مناسكهم. وعن محيي السنة، عن سعيد بن جبير وقتادة: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فلم يحج معكم مشرك، وإليه أشار المصنف بقوله: "وهدم منار الجاهلية ومناسكهم وإن لم يحج معكم مشرك". وأبرز هذا الاعتراض في معرض الإيجاز الجامع، لأنه متضمن لجميع ما هو مفتقر إليه من أمور الدين من الأصول والفروع، وأمور الدنيا من الفتح والظفر والأمن من الأعداء على سبيل الإدماج، فاجتمع في هذا المقام أساليب جمة، فنذكر بعض ما يحضرنا الآن، منها: حسن المطلع، ضمن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ معنى براعة الاستهلال لاشتمال السورة مفتتحًا ومختتمًا على العقود. ومنها: حُسن المطلب حيث جيء بـ"يا" الدالة على نداء البعيد وقرنت بحرف التنبيه تنبيهًا على أن المتلو بعدها معني به جدًا.
[ ٥ / ٢٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ومنها: أنه أوقع الموصولة متصلة بصلة تحث على الوفاء بالعهد وإن من حق من اتصف بوصف الإيمان الوفاء بالعهد، ومنها: أنه خص العقد بالذكر ليؤذن بالالتزام التام، ثم ذيل الكلام بما يشد من عضد الطلب وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾، لأنه عزل به آمر العقل وداعي الهوى، ورفع به منصب النص ومتابعة الهدى. ومنها: التكرير، وهو: إعادة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٢] تأكيدًا وتشديدًا لتعظيم شعائر الله. ومنها: حُسن المخلص، والتسبيب، والإيهام، والتفصيل، والاعتراض، والإدماج، والإيجاز الجامع، والاستطراد على ما سبق بيانها. ومنها: التتميم، وهو: توخي المبالغة في النهي عن تعرض القاصدين مع كونهم مشركين وإن كانوا مجرمين. ومنها: عكس التغليظ، وهو وصف الكافرين بصفة المؤمنين من الوصف بابتغاء الفضل والرضوان وإن حصل في العدو المناوئ. ومنها: التكميل، وهو تعقيب ﴿أَكْمَلْتُ﴾ بـ ﴿وَأَتْمَمْتُ﴾، وسيجيء بيان ثلاثتها. ومنها: التذييل، وهو قوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، لأن من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته، كما ذكره في سورة الفاتحة. ومنها: المطابقة: طابق بين قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ وبين قوله: ﴿لا تُحِلُّوا﴾ [المائدة: ٢] بالنفي والإثبات تارة، وبينه وبين ﴿حُرِّمَتْ﴾ [المائدة: ٣] بحسب التضاد أخرى. ومنها: المقابلة المعنوية، وهي في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
[ ٥ / ٢٥٩ ]
وقيل: (بهيمة الأنعام): الظباء وبقر الوحش ونحوها، كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب، فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه.
(غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) نصب على الحال من الضمير في: (لَكُمْ) أي: أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد.
وعن الأخفش أن انتصابه عن قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).
وقوله: (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) حال عن (مُحلّى الصيد) كأنه قيل: أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون، لئلا نحرج عليكم.
_________________
(١) ـ ومنها: عطف الخاص على العام، عطف ﴿الْقَلائِدَ﴾ على ﴿الْهُدَى﴾، ثم ﴿الْهُدَى﴾ على "الشعائر"، قال في سورة الحج: "الشعائر وهي الهدايا، لأنها من معالم الحج". قوله: (وقيل: ﴿بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾: الظباء وبقر الوحش)، الراغب: لما علم في سورة الأنعام تحليل الأنعام نبه بقوله: ﴿بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ على تحليل البهيمة الجارية مجرى الأنعام، فيكون لهذه الآية دلالة على تحليل البهيمة وتحليل الأنعام؛ لأن المخاطبة للمسافرين إذا كانوا حلالًا، وعلى ذلك قول من قال: بهيمة الأنعام هي بقر الوحش والظباء. قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حال عن ﴿مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾، ومحلي: اسم فاعل مضاف إلى المفعول، وحذف النون للإضافة، والحالان متداخلان. قوله: (أحللنا لكم بعض الأنعام) وإنما صرح بالبعض نظرًا على المعنى، وإلى ما الاستثناء أبقاه. قوله: (وأنتم محرمون) أي: داخلون في الإحرام أو في الحرم.
[ ٥ / ٢٦٠ ]
(إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ) من الأحكام، ويعلم أنه حكمة ومصلحة. و"الحُرم": جمع حرامٍ وهو المحرم.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)].
الشعائر: جمع شعيرة وهي: اسمُ ما أشعر، أي: جعل شعارًا وعلمًا للنسك من مواقف الحج ومرامي الجمار، والمطاف والمسعى، والأفعال التي هي علامات الحج يعرف بها من الإحرام، والطواف والسعي والحلق والنحر. والشهر الحرام: شهر الحج.
_________________
(١) ـ قوله: (ويعلم أنه حكمة ومصلحة) يريد أن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ تذييل للكلام السابق وتعليل لشرعية العقود والأحكام كلها، وفيه دلالة على أن إرادة العموم من قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ - وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف - هي الوجه، وأن أحكام الله تعالى تعبدية لا مجال للعقل فيها، ومن ثم عقبه بما يتعلق بمناسك الحج من مواقفه ومرامي الجمار، والمطاف والمسعى والأفعال التي تقف عندها العقول، وتتحير دونها الأوهام. الراغب: الحكم والحكمة من أصل واحد، إلا أنه إذا كان في القول قيل له: حُكمٌ وقد حَكم، وإذا كان في الفعل قيل له: حكمةٌ وحُكم وله حِكم؛ فإذا قلت: حكمت بكذا فمعناه: قضيت فيه بما هو حكمة، وإن كان يقال: حكم فلان بالباطل، بمعنى أجرى الباطل مجرى الحكمة، فحكم الله تعالى مقتض للحكمة لا محالة، فنبه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ على أن
[ ٥ / ٢٦١ ]
والهدي: ما أُهدي إلى البيت وتقرب به إلى اللَّه من النسائك، وهو جمع هديةٍ كما يقال: جديٌ في جمع جدية السرج. والقلائد: جمع قلادةٍ، وهي ما قلد به الهدي من نعلٍ أو عروةٍ مزادةٍ، أو لحاء شجرٍ أو غيره.
وآمّوا المسجد الحرام: قاصدوه، وهم الحجاج والعمار. وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر، وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها، وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدّون به الناس عن الحج، وأن يتعرض للهدي بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله.
وأما (القلائد) ففيها وجهان:
أحدهما: أن يراد بها ذوات القلائد من الهدي، وهي البدن، وتعطف على (الهدى) للاختصاص، وزيادة التوصية بها لأنها أشرف الهدي، كقوله: (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) [البقرة: ٨٩] كأنه قيل: والقلائد منها خصوصًا.
_________________
(١) ـ ما يريده يجعله حكمة حثًا للعباد على الرضا به، فالله تعالى يحكم ما يريد، وحكمه ماض، ومن رضي بحكمه استراح في نفسه وهدي لرشده، ومن سخط نفذ حكمه واكتسب بسخطه سخط الله وإهانته، كما ورد: "من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر لنعمائي فليطلب ربًا سواي". قوله: (جدية السرج)، النهاية: الجدية: بسكون الدال: شيء يُحشى ثم يربط تحت دفتي السرج والرحلن ويجمع على جديات وجدي بالكسر.
[ ٥ / ٢٦٢ ]
والثاني: أن يُنهى عن التعرض لقلائد الهدى مبالغة في النهى عن التعرض للهدى، على معنى: ولا تحلوا قلائدها فضلًا أن تحلوها كما قال: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) [النور: ٣١] فنُهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهى عن إبداء مواقعها.
(وَلَا آمِّينَ): ولا تحلوا قوما قاصدين المسجد الحرام (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ): وهو الثواب (وَرِضْوانًا): وأن يرضى عنهم، أي: لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، تعظيمًا لهم واستنكارًا أن يتعرض لمثلهم. قيل: هي محكمة. وعن النبي ﷺ «المائدة من آخر القرآن نزولًا، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها». وقال الحسن: ليس فيها منسوخ. وعن أبي ميسرة: فيها ثماني عشرة فريضةً وليس فيها منسوخ. وقيل: هي منسوخةٌ. وعن ابن عباسٍ: كان المسلمون والمشركون يحجون جميعًا،
_________________
(١) ـ قوله: (تعظيمًا) مفعول له لقول مقدر، أي: قال الله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ الآية، تعظيمًا لهم، وقوله: "استنكارًا أن يتعرض لمثلهم" عطف تفسيري لقوله: "تعظيمًا لهم". روى محيي السنة أن هذه الآية نزلت في الحُطم شُريح بن ضُبيعة، دخل المدينة وحده، وخلف خيله خارج المدينة، فقال للنبي ﷺ: إلام تدعو الناس؟ قال: "إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة"، قال: حسنٌ، إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرًا دونهم، لعلي أسلم وآتي بهم، ثم خرج، فقال رسول الله ﷺ: "دخل بوجه كافر، وخرج بوجه غادر"، فمر بسرح المدينة فاستاقه، فتبعوه فلم يدركوهن فلما كان العام القابل خرج حاجًا معه تجارة عظيمة، وقد قلدوا الهدي، فقال المسلمون: يا رسول الله، هذا الحطم قد خرج، فقال النبي ﷺ: "إنه قد قلد الهدي"، فقالوا: هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية، فأبى النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى الآية.
[ ٥ / ٢٦٣ ]
فنهى اللَّه المسلمين أن يمنعوا أحدا عن حج البيت بقوله (لا تُحِلُّوا)، ثم نزل بعد ذلك (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: ٢٨]، (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ) [التوبة: ١٧].
وقال مجاهد والشعبي: (لا تُحِلُّوا) نسخ بقوله: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥]. وفسر ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الرضوان بأنّ المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على سداد من دينهم، وأنّ الحج يقربهم إلى اللَّه، فوصفهم اللَّه بظنهم.
وقرأ عبد اللَّه: (ولا آمي البيت الحرام) على الإضافة
_________________
(١) ـ قوله: (وابتغاء الرضوان: بأن المشركين كانوا يظنون بأنفسهم أنهم على سداد من دينهم). وقلت: الفائدة في الذكر المبالغة في عدم التعرض، وفي تعظيم الوصف، كما قال: لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، يعني: انظروا على الوصف ولا تنظروا إلى من اتصف به، فعظموه أين وجدتموه وإن كان في عدو مناوئ، فإنه حقيق بالتعظيم، وهذا يُضاد التغليظ في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران: ٩٧] حثًا للمسلمين على الاتصاف به، وتأليفًا لقلوب المخالفين، وفيه إشارة إلى أن الرغبة في الحج هي علامة الإيمان، وعنه أمارة الكفر. قوله: (ولا آمي البيت الحرام). قال أبو البقاء: ﴿وَلا آمِّينَ﴾: ولا قتال آمين أو أذى آمين، وقرئ في الشواذ: "ولا آمي البيت" بحذف النون والإضافة، ﴿يَبْتَغُونَ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿آمِّينَ﴾ ولا يجوز أن تكون صفة لـ ﴿آمِّينَ﴾، لأن اسم الفاعل إذا وُصِفَ لم يعمل في الاختيار.
[ ٥ / ٢٦٤ ]
وقرأ حميد بن قيس والأعرج: تبتغون، بالتاء على خطاب المؤمنين.
(فَاصْطادُوا) إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم، كأنه قيل: وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادوا.
وقرئ بكسر الفاء. وقيل: هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء. وقرئ: وإذا أحللتم، يقال حلّ المحرم وأحلّ.
«جرم» يجرى مجرى «كسب» في تعديه إلى مفعول واحد واثنين. تقول: جرم ذنبًا، نحو كسبه، وجرمته ذنبًا، نحو: كسبته إياه. ويقال: أجرمته ذنبًا،
_________________
(١) ـ قوله: (حُميد بن قيس والأعرج) وفي نسخة: "الأعرج" بلا واو، وهو الأصح. في "جامع الأصول" قال: أبو صفوان حُميد بن قيس الأعرج المكي مولى لآل الزبير، ويقال: مولى لبني فزارة، سمع مجاهدًا وعطاء، وروى عنه مالك والثوري. قوله: ("تبتغون" بالتاء على خطاب المؤمنين) وهذا أبلغ من الأول في الإنكار، لأنه تعالى أثبت للكفار الفضل الكائن من خالقهم ورازقهم، ثم أنكر على المسلمين ابتغاء ذلك، وفيه شمة من معنى الحسد، كما تقول: تُعارضني فيما رزقني ربي، ويظهر على الخطاب فائدة تخصيص الرب بالذكر. قوله: (إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم). قال الزجاج: ومثله: لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها، فإذا أديت فادخلها، أي: إذا أديت أبيح لك دخولها. قوله: (وقرئ بكسر الفاء) أي: فاصطادوا، وقيل: كسر الفاء إمالة لإمالة ما بعده، نحو: "عمادًا" على مذهب من يميله.
[ ٥ / ٢٦٥ ]
على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين، كقولهم: أكسبته ذنبًا. وعليه قراءة عبد اللَّه: (ولا يجرمنكم) بضم الياء، وأوّل المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين، والثاني: (أَنْ تَعْتَدُوا). و(أَنْ صَدُّوكُمْ) بفتح الهمزة متعلق بالشنآن بمعنى العلة، والشنآن: شدّة البغض. وقرئ: بسكون النون، والمعنى: ولا يكسبنكم بغض قومٍ لأن صدّوكم الاعتداء، ولا يحملنكم عليه. وقرئ: (إن صدوكم) على «إن» الشرطية. وفي قراءة عبد اللَّه: (إن يصدوكم).
_________________
(١) ـ قوله: (وقُرِئَ بسكون النون) أي:: "شنآن": أبو بكر وابن عامر في الموضعين، والباقون: بفتحها. قوله: (لأن صدوكم) هو متعلق بقوله: "بُغضُ قوم" على التعليل "والاعتداء" مفعول "يُكسبنكم". تلخيص المعنى: لا يحملنكم على الاعتداء بُغض قوم تبغضونهم لأجل أن صدوكم عن المسجد الحرام. قال الواحدي: لا يحملنكم بُغض كفار مكة أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام أن تعتدوا على حُجاج اليمامة فتستحلوا منهم محرمًا. قوله: (على "إن" الشرطية) ابن كثير وأبو عمرو، والباقون: بفتحها، وقيل: فيه ضعف من حيث إنهم لا يقدرون على الصد بعد فتح مكة، ويمكن أن يُحمل على الفرض والتقدير للمبالغة، وبيانه: أن قريشًا وصدهم إياكم يوم الحديبية كان عنادًا وبغيًا؛ لان من شأن البيت الحرام وتعظيم شعائر الله وحُرمتها أن لا يصد من يقصده، فصدهم ذلك في عدم الاعتداد كلا صد فحقه أن يُفرض كما يُفرض المحالات، قال صاحب "المفتاح" في قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمْ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]: فيمن قرأ: (إن
[ ٥ / ٢٦٦ ]
ومعنى صدّهم إياهم عن المسجد الحرام: منع أهل مكة رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، ومعنى الاعتداء: الانتقام منهم بإلحاق مكروهٍ بهم.
(وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى): على العفو والإغضاء (وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ): على الانتقام والتشفي، ويجوز أن يراد العموم لكل برّ وتقوىً، وكل إثمٍ وعدوانٍ، فيتناول بعمومه العفو والانتصار.
[(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ٣].
_________________
(١) ـ كنتم)، بالكسر لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب الإسراف وتصوير أن الإسراف من العاقل في مثل هذا المقام واجب الانتفاء حقيق أن لا يكون ثبوته له إلا على مجرد الفرض. قوله: (ويجوز أن يُراد العموم لكل بر وتقوى)، وهذا أولى لتصير الآية من جوامع الكلم ويكون تذييلًا للكلام السابق، فيدخل في البر والتقوى جميع مناسك الحج، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] والعفو والإغضاء أيضًا، وفي النهي عن الإثم والعدوان عدم التعرض لقاصدي البيت الحرام دخولًا أوليًا، وعلى الوجه الأول يكون عطفًا على ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ من حيث المعنى، لأنه من باب لا أرينك ها هنا، كأنه قيل: لا تعتدوا على قاصدي البيت الحرام لأجل أن صدكم قريش عن البيت الحرام، وتعاونوا على العفو والإغضاء، ومن ثم قيل: الوقف على ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ لازم؛ لأن الاعتداء منهيٌّ عنه والتعاون
[ ٥ / ٢٦٧ ]
كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات؛ البهيمة التي تموت حتف أنفها، والفصيد وهو الدم في المباعر، يشوونها ويقولون: لم يحرم من فزد له.
(وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) أي: رفع الصوت به لغير اللَّه، وهو قولهم: باسم اللات والعزى عند ذبحه.
(وَالْمُنْخَنِقَةُ): التي خنقوها حتى ماتت، أو انخنقت بسببٍ. (وَالْمَوْقُوذَةُ): التي أثخنوها ضربًا بعصا، أو حجرٍ حتى ماتت. (وَالْمُتَرَدِّيَةُ): التي تردّت من جبلٍ، أو في بئرٍ فماتت. (وَالنَّطِيحَةُ): التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح
_________________
(١) ـ على البر مأمور به. و"تقوى" أصلها "وَقْيا" من وقيت، فقلبت ياؤه واوًا على قياس باب فعلى من الياء اسمًا، ثم قُلبت واوُ الأولى تاء كما في قولك: تقي وهي غير منصرفة. قوله: (تموت حتف أنفها)، النهاية: الحتف: كانوا يتخيلون أن روح المريض تخرج من أنفه، فإن جُرح تخرج من جراحته. قوله: (في المباعر) هي موضع البعر، وهي الأمعاء. قوله: (من فزدله) قال الميداني: الفصيد. دمٌ كان يُجعل في معي- من: فصد عرق البعير - ثم يُشوى ويطعم الضيف، النهاية: أصله فُصدَ له، فصار "فُزد له" بالزاي، ثم خفف بالزاي على لغة طييء، وأول من تكلم به حاتم، معناه: لم يُحرم من الضيافة من عُمل له الفصيد، وهذا مثلٌ، ومعناه: لم يُحرم من نال بعض حاجته وإن لم ينلها كلها.
[ ٥ / ٢٦٨ ]
(وَما أَكَلَ السَّبُعُ) بعضه (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ): إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح، وتشخب أوداجه. وقرأ عبد اللَّه: (والمنطوحة). وفي روايةٍ عن أبي عمرو: (السَّبُعُ) بسكون الباء. وقرأ ابن عباسٍ:
(وأكيل السبع).
(وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) كانت لهم حجارةٌ منصوبةٌ حول البيت يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها، تسمى الأنصاب، والنصب واحد. قال الأعشى:
_________________
(١) ـ قوله: (﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ بعضه) أي: وما أكل منه السبع فمات، قال القاضي: هذا يدل على أن جوارح الصيد إذا الصيد إذا أكلت مما اصطادته لم تحل. قوله: (إلا ما أدركتم ذكاته). قال الزجاج: التذكية: أن يدرك ما يباح أكله من الحيوان وفيه بقية تشخب معها الأوداج وتضطرب اضطراب المذبوح الذي أدرك ذكاته، وأصل الذكاة في اللغة: تمام الشيء، فمنه الذكاء في السن، والذكاء في الفهم، وهو أن يكون تمامًا سريع القبول، وذكيت النار: تممت اشتعالها، فمعنى ﴿مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: أدركتم ذبحه على التمام، وقال القاضي: ومعنى ﴿مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: ما أدركتم ذكاته وفيه حياة مستقرة، والذكاة شرعًا: قطع الحلقوم والمريء بمحدد. قوله: (وتشخب أوداجه)، النهاية: السيلان، وأصل الشخب: ما يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة لضرع الشاة، الأوادح: هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح، واحدها: ودجٌ بالتحريك.
[ ٥ / ٢٦٩ ]
وَذَا النَّصْبِ الْمَنْصُوبِ لَا تَعْبُدَنَّهُ … لِعَاقِبَةٍ وَاللَّهَ رَبَّكَ فَاعْبُدَا
وقيل: هو جمع، والواحد نصاب. وقرئ (النُّصُبِ) بسكون الصاد.
(وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ): وحُرِّم عليكم الاستقسام بالأزلام؛ أي: بالقداح، كان أحدهم إذا أراد سفرًا، أو غزوًا، أو تجارةً، أو نكاحًا، أو أمرًا من معاظم الأمور ضرب بالقداح، وهي مكتوبٌ على بعضها: نهاني ربي، وعلى بعضها: أمرني ربي، وبعضها غُفلٌ، فإن خرج الآمر مضى لطيته، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أجالها عودًا. فمعنى الاستقسام بالأزلام: طلب معرفة ما قُسم له مما لم يقسم له بالأزلام. وقيل: هو الميسر. وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة.
_________________
(١) ـ قوله: (وذا النصب المنصوب لا تعبدنه) البيت. تمامه: لعاقبة والله ربك فاعبدا ولو لم يكن النصب واحدًا لقال: المنصوبات أو المنصوبة، ولقال: ذي مكان ذا، ولقال: لا تعبدنها. قوله: (فاعبُدا) أصله فاعبد، فأبدل النون ألفًا. قوله: (غُفلٌ) أي: لاسمة عليها، النهاية: الأغفال: الأرض المجهولة التي ليس فيها أثرٌ تُعرف به. قوله: (مضى لطيته)، النهاية: فعلة من: طوى، وفي الحديث لما عرض رسول الله ﷺ نفسه على قبائل العرب، قالوا: يا محمد، اعمد لطيتك، أي: امض لوجهك وقصدك. قوله: (أجالها عودًا) أي: عائدًا، أو: أعادها عودًا.
[ ٥ / ٢٧٠ ]
(ذلِكُمْ فِسْقٌ): الإشارة إلى الاستقسام، أو إلى تناول ما حرّم عليهم؛ لأنّ المعنى: حرّم عليكم تناول الميتة وكذا وكذا.
فإن قلت: لم كان استقسام المسافر وغيره يالأزلام- لتعرف الحال- فسقًا؟ قلت: لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوم وقال: (لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [النمل: ٦٥] واعتقاد أنّ إليه طريقًا وإلى استنباطه. وقوله: أمرني ربي، ونهاني ربي، افتراءٌ على اللَّه، وما يدريه أنه أمره أو نهاه؟ ! والكهنة والمنجمون بهذه المثابة. وإن كان أراد بالرب الصنم، فقد روي أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم، فأمره ظاهر.
(الْيَوْمَ) لم يرد به يومًا بعينه، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، كقولك: كنت بالأمس شابًا، وأنت اليوم أشيبُ، فلا تريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك، ولا بـ"اليوم" يومك، ونحوه «الآن» في قوله:
_________________
(١) ـ قوله: (والكهنة والمنجمون بهذه المثابة). قال الزجاج: لا فرق بين ذلك وبين المنجمين، فلا يقال: لا أخرج من أجل نجم كذا، وأخرج من أجل طلوع نجم كذا، لأنه دخول في علم الله تعالى الذي هو غيب، وهو حرام كالأزلام، والاستقسام بالأزلام فسق، والفسق: اسم لكل ما أعلم الله ﷿ أنه مخرج عن الحلال إلى الحرام، نقل الشيخ محي الدين النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم" عن القاضي: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب، أحدها: أن يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء، وهذا
[ ٥ / ٢٧١ ]
الآنَ لمَّا ابْيَضَّ مَسْرُبَتِى … وَعَضَضْتُ مِنْ نَابِى عَلَى لَجذَمِ
وقيل: أريد يوم نزولها، وقد نزلت يوم الجمعة- وكان يوم عرفة- بعد العصر في حجة الوداع.
_________________
(١) ـ القسم بطل من حين بعث الله نبينا ﷺ، والثاني: أن يخبره بما يطرأ ويكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما، ولا استحالة في ذلك ولا بُعد في وجوده، ولكنهم يصدقون ويكذبون، والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام، والثالث: المنجمون، وهذا الضرب يخلق الله في بعض الناس قوة ما لكن الكذب فيه أغلب، ومن هذا الفن العرافة، وصاحبها عراف: وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعى معرفتها بها كالزجر بالطير والطرق بالحصا، وهذه الأضرب كلها سميت كهانة، وقد أكذبهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم. قوله: (الآن لما ابيض مسربتي، وعضضت من نابي على جذم)، المسربة، بضم الراء: الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر إلى السرة، والجذم: الأصل، ويريد هنا أصل الأسنان، يقول: تحاتت أسناني من الكبير حتى عضضت على أصله، قال الميداني: يُضرب للمنجذ المحنك، أي: المُجرب. قوله: (وقد نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة)، روينا عن الترمذي، عن عمر ﵁: أنزلت يوم عرفة، وفي رواية: بعرفات في يوم الجمعة. رواه أحمد بن حنبل في "مسنده" أيضًا.
[ ٥ / ٢٧٢ ]
(يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ): يئسوا منه أن يبطلوه، وأن ترجعوا محللين لهذه الخبائث بعد ما حرّمت عليكم.
وقيل: يئسوا من دينكم أن يغلبوه، لأن اللَّه ﷿ وفى بوعده من إظهاره على الدين كله. (فَلا تَخْشَوْهُمْ) بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار، وانقلابهم مغلوبين مقهورين بعد ما كانوا غالبين (وَاخْشَوْنِي): وأخلصوا لي الخشية. (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ): كفيتكم أمر عدوّكم وجعلت اليد العليا لكم، كما تقول الملوك: اليوم كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد: إذا كفوا من ينازعهم الملك، ووصلوا إلى أغراضهم ومباغيهم. أو: أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على الشرائع وقوانين القياس وأصول الاجتهاد.
(وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين،
_________________
(١) ـ قوله: (وأخلصوا لي الخشية) دل على الخلوص ورود الأمر بعد النهي. قوله: (كفيتكم أمر عدوكم) يريد أن قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] جُملة مستأنفة لبيان موجب نهي الخشية، وهو بظاهره لا يدل على ذلك، فأولها بقوله: "كفيتكم أمر عدوكم" على سبيل الكناية، أي: لا تخشوهم واخشوني لأني كفيت شرهم، وجعلت اليد العليا لكم. قوله: (وقوانين القياس وأصول الاجتهاد)، قال الإمام: المرادُ بإكمال الدين: أنه تعالى بيَّن حُكم جميع الوقائع، بعضها بالنص، وبعضها بطريق يُعرف الحكم بها، وأمر بالاستنباط وتعبد المكلفين به، فكان ذلك بيانًا في الحقيقة. قوله: (﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بفتح مكة) متفرعٌ على قوله: "كفيتكم أمر عدوكم" على
[ ٥ / ٢٧٣ ]
وهدم منار الجاهلية ومناسكهم وأن لم يحجّ معكم مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. أو أتممت نعمتي عليكم بإكمال أمر الدين والشرائع كأنه قال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) بذلك، لأنه لا نعمة أتمّ من نعمة الإسلام.
_________________
(١) ـ التكميل؛ لما عُلم من الأول: زوال الخوف وحصول الأمن، ومن الثاني: الغلبة وقهر الأعداء، فإنه لما وصفهم بحصول الأمن وكفاية شر الأعداء رأى الوصف غير تام فكمل بالفتح والنصرة وقهر الأعداء. قوله: (أو أتممت عليكم نعمتي بإكمال أمر الدين والشرائع) متفرعٌ على قوله: "أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم"، والإتمام بمعنى التتميم الاصطلاحي، فإن قوله: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ دل بمفهومه على نعمة خطيرة فتنبه، وتممه بقوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بذلك"، أي: بإكمال الدين، وقوله: "لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام". روى الإمام عن القفال أنه قال: الشرع أبدًا كان كاملًا وإن الشرائع في كل وقت كانت كافية بحسب اقتضاء ذلك الوقت، لكن بحسب النسبة على بعضها كانت كاملة وأكمل، ولهذا كان يُزاد في كل وقت ويُنسخ، وأما في آخر زمان المبعث فإنه تعالى أنزل شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة، ولذلك قال تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، ويمكن أن يقال: إن الشرائع كانت كاملة في كل زمان بالنسبة إلى أهله، وكل من كان مكلفًا فيه، لكن كمالها بالنسبة إلى جميع المكلفين إلى آخر الزمان إنما حصل في ذلك اليوم. الراغب: قيل: إن الأديان الحق كلها جارية مجرى دين واحد، وكان قبل الإسلام في النقص
[ ٥ / ٢٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ بين إفراط وتفريط بالإضافة إلى شريعتنا، وذلك على حسب ما كنت تقتضي حكمة الله تعالى في كل زمان، فكمله الله تعالى بالنبي ﷺ، وجعله وسطًا مصونًا عن الإفراط والتفريط، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وكما قال ﷺ: "مثلُ الأنبياء كرجل بني دارًا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، وجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع تلك اللبنة" أخرجه البخاري والترمذي عن جابر، وزاد مسلم في حديثه، قال: قال رسول الله ﷺ: "فأنا موضع تلك اللبنة جئت فختمت الأنبياء". قال الراغب: هذا هو الذي يقتضي أن تكون شريعته مؤبدة ولا تُنسخ ولا تغير، فالأشياء في التغيير والتنقل مالم تكمل، فإذا كمُلت فتغييرها فسادٌ لها، ولهذا قال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢]. فإن قيل: كيف يقال: إن الأديان كلها ناقصة قبل المبعث وأن يكون دينه ﷺ قبل ذلك اليوم ناقصًا؟ قيل: الكامل والناقص من الأسماء المتضايفة التي تُقال باعتبار بعضها ببعض، كالصبي إذا اعتبر بالرجل فهو غير كامل، وإذا اعتبر بمن هو على سنه فهو كامل إذا لم يكن مؤوفًا، فكذلك دين الأنبياء قبل النبي ﷺ: إذا اعتبر بأهل زمانهم كان كاملًا، وإذا اعتبر بدين النبي ﷺ وزمانه لم يكن كاملًا، وليس النقصان المستعمل هو النقص المذموم، فلفظة ناقص تستعمل على وجهين. فإن قيل: كيف يقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ﴾ ودينه دين إبراهيم عليهما الصلاة والسلام حيث قال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]؟ قيل: إن هذا الدين
[ ٥ / ٢٧٥ ]
(وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا) يعني: اخترته لكم من بين الأديان، وآذنتكم بأنه هو الدين المرضى وحده (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) [آل عمران: ٨٥]، (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) [الأنبياء: ٩٢].
فإن قلت: بم اتصل قوله (فَمَنِ اضْطُرَّ)؟ قلت: بذكر المحرّمات. وقوله:
_________________
(١) ـ هو دين إبراهيم من حيث إنهما داعيان إلى الحق ومشتركان في الأصول، لكن الذي شُرع على لسان إبراهيم كان مبدأ الإسلام، وما شُرع على لسان محمد ﷺ كان خاتمة الإسلام، ولهذا كان مؤبدًا ناسخًا لفروع ما تقدم، وإليه أشار بقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] وهذا ظاهر لمن عرف قوانين الكلام. قوله: (اخترته لكم من بين سائر الأديان) يعني ضمن "رضى" معنى "اختار" لتعديته باللام دون "عن"، ودل الاختيار على المختار منه، وهو سائر الأديان. قوله: (وآذنتكم) عطفٌ على قوله: "اخترته"، وفيه إيذان إلى معنى الإدماج وإشارة النص، يعني: إنما خصصت الإسلام الذكر وأوقعت الدين تمييزًا عنه لأوذنكم بأنه هو الدين المرتضى دون غيره لما عرفتم من قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وإنما أوردت لفظ ﴿لَكُمْ﴾ لأعلمكم أني ما اخترت لغيركم هذا الدين، كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وذلك لما عرفتم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢]. قال في تفسيره: "هذه إشارة إلى ملة الإسلام، أي: أن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها يشار إليها ملة واحدة غير مختلفة". ومثل دلالة قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ على قوله: "إنه
[ ٥ / ٢٧٦ ]
(ذلِكُمْ فِسْقٌ) اعتراض أكد به معنى التحريم، وكذلك ما بعده لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره من الملل. ومعناه: فمن اضطرّ إلى الميتة أو إلى غيرها (فِي مَخْمَصَةٍ): في مجاعةٍ (غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ): غير منحرفٍ إليه، كقوله: (غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ) [البقرة: ١٧٣] (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): لا يؤاخذه بذلك.
[(يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ)].
_________________
(١) ـ هو الدين المرضي وحده" بالاختصاص مع انضمام قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] دلالة قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، على أن مدة الحمل ستة أشهر. الراغب: نبه بقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ على أن الإسلام هو الدين المرتضى على الإطلاق لا تبديل له ولا تغيير، وسائر الأديان قبله كان مرتضى وقتًا دون وقت، وعلى وجه دون وجه، ولقوم دون قوم، وهذا الدين بعد أن شُرع كان مرتضى في كل وقت، ولهذا قال رسول الله ﷺ في موسى: "لو كان حيًا ما وسعه إلا اتباعي"، ولأجل ذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. قوله: (﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾: اعتراض) وكذلك ما بعده، وهي سبع جُمل، وفي هذا الاعتراض البليغ، وتقدم بيان تحريما المطعم على سائر الأحكام إيذانٌ باهتمام أمر المطعم، وأن قاعدة الأمر
[ ٥ / ٢٧٧ ]
في السؤال معنى القول؛ فلذلك وقع بعده (مَاذا أُحِلَّ لَهُمْ)، كأنه قيل: يقولون لك ماذا أحلّ لهم؟ وإنما لم يقل:ماذا أحلّ لنا؛ حكاية لما قالوه، لأنّ (يسألونك) بلفظ الغيبة، كما تقول أقسم زيد ليفعلنّ. ولو قيل: لأفعلنّ وأُحِلَّ لنا، لكان صوابًا.
و(ماذا) مبتدأ، و(أُحِلَّ لَهُمْ) خبره كقولك: أي: شيء أحل لهم؟ ومعناه:ماذا أحل لهم من المطاعم كأنهم حين تلا عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحلّ لهم منها، فقيل: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) أي: ما ليس بخبيث منها، وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد.
_________________
(١) ـ وأساس الدين مبني عليه، لأن به يتمكن المكلف من العبادة، ويؤيده ما روينا عن مسلم والترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُم ذكر الرجل يُطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك؟ "، ومسلم لم يذكر الملبس، انظر إلى الحديث أيضًا كيف كر إلى قوله: "وغُذي بالحرام" بعد قوله: "ومطعمه حرام". قوله: (وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة)، الراغب: الطيب التام هو الذي يستلذ عاجلًا وآجلًا، وذلك هو الحلال الذي لا يعقب مأثمًا.
[ ٥ / ٢٧٨ ]
(وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ) عطف على (الطيبات) أي: أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف. أو تجعل (ما) شرطية، وجوابها (فَكُلُوا).
والجوارح: الكواسب من سباع البهائم والطير، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين.
_________________
(١) ـ قوله: (أو تجعل ﴿مَا﴾ شرطية) عطفٌ على قوله: "وصيد ما علمتم فحذف المضاف"، فعلى الأول: ﴿ما﴾ موصولة، و﴿مِنْ الْجَوَارِحِ﴾ بيانية، وعلى هذا: ﴿ما﴾ شرطية على تقدير المضاف أيضًا، رُوي عن المصنف أنه سُئل عنه وقيل: فإذن يبطل كونها شرطية؟ فقال: لا، لأن المضاف إلى الاسم الحامل لمعنى الشرط في حكم المضاف إليه، تقول: غلام من تضرب أضرب. وقال صاحب "اللباب": فإن تقدم أسماء الشرط الجار فالمعنى الموجب لها التصدر، فقدر قبله لاتحاده بها، فعلى هذا يكون تقدير غلام من تضرب أضرب: إن تضرب غلام زيد أضرب، وفيه بحث؛ لأنه ليس من مواضع وضع المظهر موضع المضمر في الجزاء- يعني قوله: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وُضع موضع ضمير"صيد ما علمتم" لما دل ذلك على التعظيم والفخامة- لكن هو من التكرير الذي لا يُناط به حكم آخر من قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآية. ويُمكن أن يقال: إن السائل كأنه كان مترددًا في حل ما أمسكه الضواري، فتقدم في الجواب ﴿أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ وعطف عليه "صيد ما علمتم" اختصاصًا له، ثم زيد في المبالغة بأن جعل الجزاء عين الشرط، ويجوز أن لا يُقدر المضاف فتكون الجملة الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، فعلى هذا "أو تجعل" في الكتاب عطفٌ على قوله: " ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ﴾ عطفٌ على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ ".
[ ٥ / ٢٧٩ ]
والمكلب: مؤدّب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها، ورائضها لذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف، واشتقاقه من الكلب، لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتقّ من لفظه لكثرته من جنسه. أو لأن السبع يسمى كلبًا. ومنه قوله ﵇ «اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك» فأكله الأسد.
أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة. يقال: هو كلب بكذا، إذا كان ضاريا به. وانتصاب (مُكَلِّبِينَ) على الحال من (علمتم).
فإن قلت. ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بـ (علمتم) قلت: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرًا في علمه،
_________________
(١) ـ قوله: (ومُضريها بالصيد) التضرية: الإضراء، الأساس: سبعٌ ضار، وقد ضري بالصيد ضراوة، وأضرى الصائد الكلب والجارح، ومن المجاز: ضري فلان بكذا وعلى كذا: إذا لهج به، وأضريته وضريته وضريت عليه. قوله: (والتثقيف) الأساس: ومن المجاز: أدبه وثقفه، ولولا تثقيف، ولولا تثقيفك وتوفيقك لما كنت شيئًا، وهل تهذبت وتثقفت إلا على يدك؟ النهاية: غلام ثقف، أي: ذو فطنة وذكاء. قوله: (اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك)، الحديث موضوع، وسيجيء الكلام عليه في سورة النجم.
[ ٥ / ٢٨٠ ]
مدرّبا فيه، موصوفا بالتكليب. و(تُعَلِّمُونَهُنَّ) حالٌ ثانيةٌ، أو استئناف. وفيه فائدة جليلةٌ: وهي أن على كلّ آخذ علمًا أن لا يأخذه إلا من أقتل أهله علمًا وأنحرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل، فكم من آخذ عن غيره متقن، قد ضيع أيامه وعضّ عند لقاء النحارير أنامله!
(مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ) من علم التكليب، لأنه إلهام من اللَّه ومكتسب بالعقل. أو مما عرفكم
_________________
(١) ـ قوله: (مُدربًا) من الدربة: التجربة، الأساس: درب بالأمر دُربة، وتدرب، وهو دربٌ به: عالم، وهو مجرب مُدرب. قوله: (اقتل أهله علمًا) أي: أبلغهم، يقال: قتل أرضًا عالمها، أي: ذللها بالعلم، ورجلٌ مُقتل: مجرب. الأساس: ومن المجاز: دابة مقتلة: مذللة قد مرنت على العمل وقتلته خُبرًا وعلمًا. قوله: (أن يضرب إليه أكباد الإبل) أي: تُركب الإبل وتُضرب على أكبادها بالرجل، مقتبس من قوله صلوات الله وسلامه عليه: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدًا أعلم من عالم المدينة"، اخرجه الترمذي عن أبي هريرة، قال عبد الرزاق: هو مالك بن أنس، وكذا قال ابن عيينة. قوله: (﴿مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ﴾ من علم التكليب، لأنه إلهام من الله تعالى ومكتسب بالعقل، أو مما عرفكم الله أن تعلموه) إلى آخره، هذا الثاني أولى، فدلت الحال الأولى على أن معلم الكلب ينبغي أن يكون مدربًا في تلك الصفة، يعلم لطائف الحيل وطرق التأديب فيها كما عليه جملة الصيادين، ولا شك أن ذلك لا يتم إلا بالإلهام والعقل الذي منحه الله تعالى، والحال الثانية
[ ٥ / ٢٨١ ]
أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه، وانزجاره بزجره، وانصرافه بدعائه، وإمساك الصيد عليه، وأن لا يأكل منه. وقرئ: (مُكَلِّبِينَ) بالتخفيف. وأفعل وفعل يشتركان كثيرًا. والإمساك على صاحبه: أن لا يأكل منه، لقوله ﷺ لعديّ بن حاتم: «وإن أكل منه، فلا تأكل، إنما أمسك على نفسه» وعن علي ﵁: إذا أكل البازي فلا تأكل.
_________________
(١) ـ على أنه ينبغي أن يكون فقيهًا عالمًا بالشرائط المعتبرة في الشرع "من اتباع الصيد بإرسال صاحبه، وانزجاره بزجره، وانصرافه بدعائه، وإمساك الصيد عليه، وأن لا يأكل منه"، وفيه إدماج لتلك الفائدة الجليلة التي ذكرها مع الإشارة إلى أن العالم وإن كان أوحديًا متبحرًا في العلوم ينبغي أن يكون محدثًا ملهمًا من عند الله تعالى، مجانبًا مشارب علمه عن كدوره الهوى ولوث النفس الأمارة، مستعدًا لفيضان العلوم اللدنية، مقتبسًا من مشكاة الأنوار النبوية. والذي يؤيد هذا التأويل ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، عن عدي: سألت رسول الله ﷺ، قلت: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب، فقال: "إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلبٌ من غيرها فلا تأكل". قوله: (أن تُعلموه) هو مفعول ثان لقوله: "مما عرفكم"، والضمير المنصوب في "تعلموه" عائد إلى "ما"، والمفعول الثاني محذوف، أي: مما عرفكم الله أن تعلموه الكلب، وقوله: "من اتباع" بيان "ما. قوله: (على نفسه) حالٌ، أي: مستعليًا ومستوليًا عليها كما تقتضي طبيعته وجبلته، لا على
[ ٥ / ٢٨٢ ]
وفرق العلماء، فاشترطوا في سباع البهائم ترك الأكل لأنها تؤدّب بالضرب، ولم يشترطوه في سباع الطير. ومنهم من لم يعتبر ترك الأكل أصلًا، ولم يفرق بين إمساك الكل والبعض. وعن سلمان وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة ﵃: إذا أكل الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وذكرت اسم اللَّه عليه فكل.
فإن قلت: إلام رجع الضمير في قوله: (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ)؟ قلت. إما أن يرجع إلى (مما أمسكن) على معنى: وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى (وما علمتم من الجوارح) أي: سموا عليه عند إرساله.
[(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ)].
(وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) قيل: هو ذبائحهم. وقيل: هو جميع مطاعمهم، ويستوي في ذلك جميع النصارى. وعن علي ﵁: أنه استثنى نصارى بني تغلب وقال: ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر، وبه أخذ الشافعي. وعن ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس. وهو قول عامة التابعين، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه.
وحكم الصابئين حكم أهل الكتاب عند أبى حنيفة. وقال صاحباه: هم صنفان: صنف يقرؤون الزبور ويعبدون الملائكة. وصنف لا يقرؤون كتابًا ويعبدون النجوم، …
_________________
(١) ـ أنفسكم، فعُلِم أن العقل لا استقلال له في أمور الدين، وأن العلوم الدينية المشوبة بهوى النفس لا اعتداد بها.
[ ٥ / ٢٨٣ ]
فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب. وأما المجوس فقد سُنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. وقد روي عن أبي المسيب أنه قال: إذا كان المسلم مريضًا فأمر المجوسي أن يذكر اسم اللَّه ويذبح، فلا بأس. وقال أبو ثور: وإن أمره بذلك في الصحة فلا بأس وقد أساء.
(وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) فلا عليكم أن تطعموهم، لأنه لو كان حرامًا عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم. (والْمُحْصَناتُ): الحرائر، أو العفائف. وتخصيصهن بعث على تخير المؤمنين لنطفهم. والإماء من المسلمات يصح نكاحهن بالاتفاق، وكذلك نكاح غير العفائف منهن، وأما الإماء الكتابيات؛ فعند أبي حنيفة: هن كالمسلمات، وخالفه الشافعي. وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات ويحتج بقوله (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ) [البقرة: ٢٢١] ويقول: لا أعلم شركًا أعظم من قولها: إن ربها عيسى. وعن عطاء: قد أكثر اللَّه المسلمات،
_________________
(١) ـ قوله: (وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات)، الراغب: وإذا سُئل عن ذلك يقرأ: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ويقول في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: من الذين كانوا منهم وأسلموا، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]، وغيره حمل قوله: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] على أهل الأديان والمجوس، وأكد ذلك بقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، والنكاح يقتضي المودة، كقوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، وقال من جوز التزوج بهن: إن المودة المنهي عنها هي المودة الدينية، وأما المودة الزوجية فهي غير محظورة.
[ ٥ / ٢٨٤ ]
وإنما رخص لهم يومئذٍ. (مُحْصِنِينَ): أعفاء. (وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ): صدائق، والخدن يقع على الذكر والأنثى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ) بشرائع الإسلام وما أحلّ اللَّه وحرّم.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)].
(إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) كقوله: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللَّه) [النحل: ٩٨] وكقولك: إذا ضربت غلامك فهوّن عليه، في أن المراد إرادة الفعل.
فإن قلت: لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل؟ قلت: لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له، وهي قصده إليه وميله وخلوص داعيته، فكما عبر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم: الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر؛ أي: لا يقدران على الطيران والإبصار، ومنه قوله تعالى: (نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) [الأنبياء: ١٠٤].
_________________
(١) ـ قوله: (﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ﴾: بشرائع الإسلام وما أحل الله وحرم) يريد أن قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ إلى آخره كالتذييل والتأكيد لقوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ تعظيمًا لشأن ما أحله الله وما حرمه، وتغليظًا على من خالف ذلك. قوله: (الإنسان لا يطير) وضع "يطير"، الذي هو المسبب عن القدرة، موضع السبب الذي هو القدرة عليه، وهو الذي عناه بقوله: "فكما عُبر عن القدرة على الفعل بالفعل".
[ ٥ / ٢٨٥ ]
يعني: إنا كنا قادرين على الإعادة، كذلك عُبر عن إرادة الفعل بالفعل، وذلك أن الفعل مسبب عن القدرة والإرادة، فأقيم المسبب مقام السبب للملابسة بينهما، ولإيجاز الكلام، ونحوه من إقامة المسبب مقام السبب قولهم: كما تدين تدان؛ عبر عن الفعل المبتدأ الذي هو سبب الجزاء بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه.
وقيل: معنى (قمتم إلى الصلاة): قصدتموها؛ لأنّ من توجه إلى شيءٍ وقام إليه كان قاصدًا له لا محالة، فعبر عن القصد له بالقيام إليه.
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: معنى ﴿قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾: قصدتموها) عطفٌ على قوله: " ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ كقوله: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] "، وقيل في الفرق: إن المعنى على الأول: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وقصدتموها، وعلى هذا: إذا أردتم الصلاة وقصدتموها، وفيه نظرٌ، لأن الإرادة هي القصد المخصوص لما فسرها بقوله: "وهو قصده إليه وميله وخلوص داعيه" بل المراد من القصد مطلق الميل من غير الداعية الخالصة التي تستلزم النية. وأيضًا يُفهم من إرادة القيام إلى الصلاة الأخذ في مقدمتها وشرائطها، ومن ثم عقبها بقوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ وليس كذلك القصد إلى مُطلق الصلاة والأول أوجه. وقال القاضي: وفائدة هذه الطريقة التنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة. الراغب: ظاهر الآية يقتضي أن لا يجب في الوضوء النية، والقول بوجوبها يقتضي زيادة في النص، والزيادة في النص تقتضي النسخ، ونسخ القرآن لا يجوز اتفاقًا بخبر الواحد وبالقياس، فلا يصح إذًا إثبات النية، وقال بعض الشافعية: بل الآية تقتضي إيجاب النية، لأن معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾: إذا أردتم، ولو لم يكن معناه ذلك لم يكن لذكره فائدة،
[ ٥ / ٢٨٦ ]
فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة محدث وغير محدث، فما وجهه؟ قلت: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة، وأن يكون للندب. وعن رسول اللَّه ﷺ والخلفاء بعده، أنهم كانوا يتوضؤون لكل صلاة.
_________________
(١) ـ وقال بعضهم: الآية تقتضي الترتيب، لأن الفاء في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ تقتضي ترتب غسل الوجه على القيام، فإذا ثبت ترتب غسل الوجه على القيام ثبت في غيره؛ لأن أحدًا لم يفصل، وليس ذلك بشيء، فإن الفاء وإن اقتضى الترتيب فإن مقتضى ذلك في الجملة لا في البعض، ولم يقتض ترتيب الأعضاء المأمور بغسلها بعضها على بعض، والأظهر أن الترتيب اقتضاه قول النبي ﷺ: "أبدأ بما بدأ الله به"، وفعله الذي فعله بيانًا للآية، وقد رتب ثم قال: "هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصلاة إلا به". ويمكن أن يقال: والنظم أيضًا يقتضي الترتيب؛ لأنه لو لم يرد ذلك لأوجب تقديم الممسوح أو تأخيره عن المغسول، ولأنهم يقدمون الأهم فالهم، فالأحوط مراعاة الترتيب. الانتصاف: قوله: "لان الفعل يوجد بقدرة القادر … " إلى آخره يستقيم من السُّني والمعتزلي، السني يقول: الفعل يوجد بقدرة العبد مقارنًا لها، والمعتزلي يقول: مخلوقًا بها. قوله: (وأن يكون للندب). قال صاحب "الفرائد": لا يجوز أن يكون للندب، لأن الإجماع مُنعقد على أن الوضوء للصلاة فرض، لأن الأمر للوجوب إلا لمانع، وقال: أما الجواب عن السؤال الذي أورده في "الكشاف" فهو أن يقال: تقدير الآية: وأنتم محدثون، بوجهين، أحدهما: أنه يستحيل بدون هذا التقدير أن يتفصى المكلف عن عهدة التكليف؛ لأنه إذا
[ ٥ / ٢٨٧ ]
وعن النبي ﷺ: "من توضأ على طهر كتب اللَّه له عشر حسناتٍ".
وعنه ﵇: أنه كان يتوضأ لكل صلاةٍ، فلما كان يوم الفتح مسح على خفيه فصلى الصلوات الخمس بوضوءٍ واحدٍ، فقال له عمر: صنعت شيئًا لم تكن تصنعه! فقال: «عمدًا فعلته يا عمر» يعنى بيانًا للجواز.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون الأمر شاملًا للمحدثين وغيرهم، لهؤلاء على وجه الإيجاب، ولهؤلاء على وجه الندب؟ قلت: لا، لأنّ تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية.
_________________
(١) ـ أراد القيام إلى الصلاة وجب عليه أن يتوضأ، فإذا توضأ وأراد القيام إلى الصلاة وجب عليه مرة أخرى أن يتوضأ، وهلم جرًا، وثانيهما: أن التيمم بدل من الوضوء، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، والبدل لا يمكن أن يكون مخالفًا للمبدل منه في السبب، وإلا لا يكون البدل بدلًا، فلما كان موجب التيمم عند عدم الماء حالة الحدث كان كذلك في الوضوء؛ لأنه إما سببٌ أو شرط. قوله: (من توضأ على طهر) الحديث أخرجه الترمذي عن ابن عمر. قوله: (فلما كان يوم الفتح مسح على خفيه) الحديث رواه بريدة، وأورده مسلم وأبو داود والترمذي، وليس فيه أنه كان يتوضأ لكل صلاة. قوله: (الإلغاز والتعمية) لم يرد به الإلغاز المتعارف، وهو أن يطلق لفظة لها معنيان: قريبٌ وبعيد، ويراد بها البعيد غير مصحوبة بالقرينة، بل مراده أن اللفظ عند إرادة الحقيقة لا
[ ٥ / ٢٨٨ ]
وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجبًا أوّل ما فرض، ثم نسخ.
و(إلى) تفيد معنى الغاية مطلقًا. فأما دخولها في الحكم وخروجها، فأمر يدور مع الدليل، فمما فيه دليل على الخروج قوله: (فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ)
_________________
(١) ـ يحتاج إلى القرينة، وعند إرادة المجاز يفتقر إليها، فلا يُعلم المقصود قطعًا، ومن قال بالقدر المشترك، وهو رجحان الفعل على الترك، لا يلزمه الإلغاز. الانتصاف: قد أجاز ذلك الشافعي ﵁ وغيره، ثم ما ذكره الزمخشري مبني على أن الأمر مشترك بين الوجوب والندب، أما إذا قلنا: إنه بمجرد الطلب، وهو القدر المشترك، صح تناولهما، فللمحدثين وجوبًا، وللمتطهرين ندبًا. قوله: (وقيل: كان الوضوء) عطف على قوله: "يحتمل أن يكون". قوله: (كان الوضوء لكل صلاة واجبًا أول ما فُرض ثم نُسخ)، قال القاضي: وهو ضعيف، لقوله ﷺ: "المائدة من آخر القرآن نزولًا، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها"، وروينا في "مسند أحمد بن حنبل"، عن جبير بن نفير، قال: دخلت على عائشة ﵂، فقالت: هل تقرأ سورة المائدة؟ قلت: نعم، قالت: فإنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه. وعن الترمذي، عن عبد الله بن عمرو، قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة. قوله: ﴿إِلَى﴾ تفيد معنى الغاية مطلقًا)، قال صاحب "الفرائد": ذكر صاحب "الكشاف"
[ ٥ / ٢٨٩ ]
لأن الإعسار علة الإنظار، وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو دخلت الميسرة فيه لكان مُنظرًا في كلتا الحالتين معسرًا وموسرًا. وكذلك (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] لو دخل الليل لوجب الوصال. ومما فيه دليل على الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره؛ لأنّ الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه قوله تعالى: (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) [الإسراء: ١] لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله.
وقوله: (إِلَى الْمَرافِقِ) و(إِلَى الْكَعْبَيْنِ) لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل. وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها. وعن النبي ﷺ أنه كان يدير الماء على مرفقيه.
_________________
(١) ـ في "المفصل"، أن "إلى" لا يدخل ما بعدها فيما قبلها، بخلاف "حتى"، وذكر هاهنا أن "إلى" لمطلق الغاية. وقلت: الذي ذكره في "المفصل": و"حتى" في معناه، إلا أنها تفارقها في أن مجرورها يجب أن يكون آخر جزء من الشيء أو ما يلاقي آخر جزء منه. وقال أيضًا: إن من حق "حتى" أن يدخل ما بعدها فيما قبلها، وهذا لا يدل على أن حكم "إلى" ما ذكره، بل حكمها أعم كما ذكره في "الكتاب". وفي "الإقليد": و"إلى" مطلقة تستعمل في كل غاية. نعم، هو مما خالف فيه النحويون على ما ذكره ابن الحاجب: وقد جاءت "إلى" وما بعدها داخل في الحكم فيما قبلها، وجاءت ما بعدها غير داخل، فمنهم من حكم بالاشتراك، ومنهم من حكم بظهور الدخول، ومنهم من حكم بظهور انتفاء الدخول، وعليه النحويون، ووجوب دخول المرافق في وجوب الغسل ليس من ظاهر الآية، وإنما حملُ ذلك من السنة. قوله:) فأخذ كافة العلماء بالاحتياط، فحكموا بدخولها في الغسل، واخذ زفر وداود
[ ٥ / ٢٩٠ ]
(وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ): المراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه، فقد أخذ مالكٌ بالاحتياط فأوجب الاستيعاب أو أكثره على اختلاف الرواية. وأخذ الشافعي باليقين، فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح وأخذ أبو حنيفة ببيان رسول اللَّه ﷺ وهو ما روى: أنه مسح على ناصيته. وقدر الناصية بربع الرأس.
قرأ جماعة: (وَأَرْجُلَكُمْ) بالنصب، فدل على أن الأرجل مغسولة.
فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها،
_________________
(١) ـ بالمتيقن). وفي "الهداية": المرفقان والكعبان يدخلان في الغسل عندنا، خلافًا لزفر، وهو يقول: إن الغاية لا تدخل تحت المُغيا، كالليل في الصوم. ولنا: أن هذه الغاية لإسقاط ما وراءها، إذ لولاها لاستوعبت الوظيفة الكل، وفي باب الصوم لمد الحكم إليها، إذ اسم الصوم على الإمساك ساعة. وعني بالمتيقن: ما يقابل الاحتياط، وهو ما يفيده الخطاب بمنطوقه ولا زيادة عليه. قوله: (والمراد إلصاق المشح بالرأس). قال القاضي: والباء تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنه قيل: وألصقوا المسح برؤوسكم، وذلك لا يقتضي الاسيتعاب، بخلاف ما لو قيل: وامسحو رؤوسكم، فإنه كقوله: واغسلوا وجوهكم. قوله: (قرأ جماعة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب): نافع وابن عامر واكسائي وحفص، والباقون: بالجر.
[ ٥ / ٢٩١ ]
فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها
_________________
(١) ـ قوله: (فعطفت على الرابع)، وفي نسخة: "على الثالث"، وقيل: هذا أشبه بإيراد القرآن، ولكن لما كانت الأعضاء الثلاثة المغسولة عبارة عن الوجه واليدين والرجلين فالرابع هذا. وقلت: الرابع أحسن لإيراد الكتاب، لأنه جعل المغسول ثلاثة، فالرابع هو الممسوح ونحوه سبق في تفسير قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، قال: "قد رجع الضمير في هذا الوجه إلى المنافقين، فما مرجعه في الثاني؟ " إلى الأول. وميل المصنف في عبارته إلى أن الجر على الجوار، قال ابن الحاجب: والخفض على الجوار ليس بجيد؛ إذ لم يأت في الكلام الفصيح، وإنما هو شاذ في كلام من لا يؤبه له من العرب. قال القاضي: والخفض على الجوار كثيرٌ في القرآن والشعر، كقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤]، ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالجر في قراءة حمزة والكسائي، وقوله: "جُحر ضب خرب" وللنحاة باب في ذلك، وفائدته: التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليها ويغسل غسلًا يقرب من المسح. وقال أبو البقاء: (وحور عين) على قراءة من جر، معطوف على قوله: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨]، والمعنى مختلف، إذ ليس المعنى يطوف عليهم ولدان مخلدون بحور عين، والجوار مشهور عندهم في الإعراب، والصفات، وقلب الحروف، والتأنيث، فمن الإعراب: ما ذكروا من الصفات، قوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وإنما العاصف الريح، ومن قلب
[ ٥ / ٢٩٢ ]
وقيل إِلَى الْكَعْبَيْنِ فجيء بالغاية إماطة لظنّ ظانّ يحسبها ممسوحة، لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة.
_________________
(١) ـ الحروف: إنه ليأتينا بالغدايا والعشايا، ومن التأنيث: ذهبت بعض أصابعه، ومنه قولهم: قامت هند؛ فلم يجيزوا حذف التاء إذا لم يفصل بينهما فإن فصلوا أجازوا، ولا فرق بينهما إلا المجاورة وعدم المجاورة. قوله: (وقيل ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾) عطف على قوله: "فعُطفت"، ويمكن أن يُجعل هذا جوابًا عن قول ابن الحاجب، وذلك أن العطف على الجوار إنما يكون محذورًا إذا وقع الإلباس، وأما إذا انتهضت القرينة على توخي المراد وارتفع بها اللبس فلا بأس، كما أنه تعالى لما عطف الأرجل على الرؤوس وأوهم اشتراكًا في المسح استدرك ذلك بضرب الغاية في الأرجل ليؤذن أن حكمها حكم المغسولة مع رعاية الاقتصاد في صب الماء. وحمل الزجاج الجر على غير الجوار وقال: ويجوز "أرجلكم" بالخفض على معنى: فاغسلوا، لأن قوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قد دل عليه، لأن التحديد يفيد الغسل كما في قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ولو أريد المسح لم يحتج إلى التحديد، كما قال في الرؤوس: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ من غير تحديد وتنسيق الغسل على المسح، كما قال الشاعر: يا ليت بعلك قد غدا … متقلدًا سيفًا ورمحًا أي: حاملًا رمحًا، واختار صاحب "الانتصاف" هذا الوجه، وكذا ابن الحاجب في "الأمالي" ورد الأول، وقال: هذا الأسلوب، أي: عطف "أرجلكم" على "رؤوسكم" مع
[ ٥ / ٢٩٣ ]
وعن علي ﵁: أنه أشرف على فتية من قريشٍ، فرأى في وضوئهم تجوزًا، فقال: ويل للأعقاب من النار، فلما سمعوا جعلوا يغسلونها غسلًا، ويدلكونها دلكًا. وعن ابن عمر: كنا مع رسول اللَّه ﷺ فتوضأ قوم وأعقابهم بيض تلوح، فقال:
_________________
(١) ـ إرادة كونه مغسولًا، من باب الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر، والعرب إذا اجتمع فعلان متقاربان في المعنى ولكل واحد متعلق جوزت ذكر أحد الفعلين وعطفت متعلق المحذوف على المذكور حسب ما يقتضيه لفظه، حتى كأنه شريكه في أصل الفعل، كقوله: علفتها تبنًا وماء باردًا. وقلت: هذا الوجه والعطف على الجوار متقاربان في المعنى، لان صاحب المعاني إذا سئل عن فائدة إضمار قوله: حاملًا والاكتفاء بقوله: متقلدًا دون العكس لابد أن يزيد على فائدة الإيجاز بأن يقول: إن الرمح صار في عدم الكلفة في حمله بمنزلة السيف، لا سيما إذا ورد مثل هذا التركيب في كلام الحكيم ﷾، وهنا سر أدق منه، وذلك أنه تعالى لما بين حد الأيدي راعى المطابقة بين الأيدي والمرافق بالجمع، وحين بين حد الأرجل وضع التثنية موضع الجمع، وأنت قد عرفت أن البلغاء إنما يعدلون عن مقتضى الظاهر إلى خلافه لنكتة، والنكتة هاهنا: أنه تعالى لما قرن الرجل مع الرأس الممسوح واهتم بشأنه، أخرجه بهذا المخرج لئلا يتوهم متوهم أن حكمه حكم الممسوح بخلاف المرفقين، كأنه قيل: يا أمة محمد، اغسلوا أيديكم إلى المرافق، ويعمد كل واحد منكم إلى غسل ما يشمل الكعبين من الرجل الواحدة. قوله: (تجوزا)، النهاية: "تجوزوا في الصلاة": خففوها وأسرعوا بها، والمراد بها هنا: التخفيف في الوضوء.
[ ٥ / ٢٩٤ ]
«ويل للأعقاب من النار»، وفي رواية جابر: «ويل للعراقيب». وعن عمر أنه رأى رجلًا يتوضأ، فترك باطن قدميه، فأمره أن يعيد الوضوء، وذلك للتغليظ عليه. وعن عائشة ﵂: لأن تقطعا أحب إليّ من أن أمسح على القدمين بغير خفين. وعن عطاءٍ: واللَّه ما علمت أن أحدًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ مسح على القدمين. وقد ذهب بعض الناس إلى ظاهر العطف فأوجب المسح. وعن الحسن: أنه جمع بين الأمرين. وروي عن الشعبي: نزل القرآن بالمسح والغسل سنة. وقرأ الحسن: (وأرجلكم) بالرفع بمعنى: وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة إلى الكعبين. وقرئ (فَاطَّهَّرُوا) أي: فطهروا أبدانكم، وكذلك (ليطهركم)، وفي قراءة عبد اللَّه: (فأمّوا صعيدًا).
_________________
(١) ـ قوله: (ويل للأعقاب من النار) الحديث من رواية البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقبيه، قال: "ويل للأعقاب من النار"، وفي رواية: "ويلٌ للعراقيب من النار". قوله: (بمعنى: وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة) يعني دل على الإضمار قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ أو ﴿وَامْسَحُوا﴾ فلا شك أن تغيير الجملة من الفعلية إلى الاسمية وحذف خبرها يدل على إرادة ثبوتها وظهورها، وأن مضمونها مسلم الحكم ثابت لا يلتبس، وإنما يكون كذلك إذا جُعلت القرينة ما عُلم من منطوق القراءتين ومفهومهما وشوهد وتعورف من فعل الرسول ﷺ وأصحابه وسُمع منه واشتهر فيما بينهم، كما سبق عن عطاء: والله ما علمت أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ مسح على القدمين، كل هذا دافع لتفسير هذه القراءة
[ ٥ / ٢٩٥ ]
(ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) في باب الطهارة، حتى لا يرخص لكم في التيمم (وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء.
(وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ): وليُتمّ برخصه إنعامه عليكم بعزائمه (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمته فيثيبكم.
[(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)].
(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) وهي نعمة الإسلام (وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ) أي: عاقدكم به عقدًا وثيقًا، هو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر، والمنشط والمكره، فقبلوا وقالوا: سمعنا وأطعنا. وقيل: هو الميثاق ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان.
_________________
(١) ـ بقوله: "وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة" على الترديد؛ لا سيما العدول عن الإنشائية إلى الإخبارية كأنهم: سارعوا فيه وهو يخبر عنه كما مر مرارًا. قوله: (أعوزكم) يقال: أعوزني المطلوب: أعجزني واشتد علي، النهاية: العوز، بالفتح: العدم، وهو سوء الحال. قوله: (وليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه) المعنى: جعل الله نعمة الرخصة تتميمًا لنعمة العزائم، ثم تمم بهما نعمة الإسلام، ويخلص إلى قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. النهاية: عوازم الأمور: فرائضها التي عزم الله عليكم، والعزائم: الجد والصبر. قوله: (على السمع والطاعة) عن البخاري ومسلم وغيرهما، عن عُبادة بن الصامت، قال: بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره.
[ ٥ / ٢٩٦ ]
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ* وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ)].
عدّى (يَجْرِمَنَّكُمْ) بحرف الاستعلاء مضمنا معنى فعل يتعدّى به،
_________________
(١) ـ النهاية: المنشط: مفعل من النشاط، وهو الأمر الذي تنشط له وتؤثر فعله، وهو مصدر بمعنى النشاط، وروى الإمام أحمد بن حنبل ﵁ في "مسنده"، عن عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله ﷺ إذ بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه: وعلى أن ننصر رسول الله ﷺ إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة، قال ابن الجوزي: كانت هذه المبايعة في العقبة الثانية في سنة ثلاث عشرة من النبوة، وأما العقبة الأولى ففي سنة إحدى عشرة، قال عبادة بن الصامت: فبايعناه بيعة النساء: أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، وأما بيعة الرضوان: فقد روينا عن مسلم والترمذي والدارمي والنسائي، عن جابر، في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] قال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت، ولمسلم: سُئل جابر: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مئة، فبايعناه وعمر ىخذ بيده تحت الشجرة.
[ ٥ / ٢٩٧ ]
كأنه قيل: ولا يحملنكم. ويجوز أن يكون قوله: (أَنْ تَعْتَدُوا) بمعنى على أن تعتدوا، فحذف مع أن ونحوه قوله ﷺ: «من اتبع على مليءٍ فليتبع»؛ لأنه بمعنى: أحيل.
وقرئ (شَنَآنُ) بالسكون. ونظيره في المصادر (ليان)، والمعنى: لا يحملنكم بغضكم للمشركين على أن تتركوا العدل،
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يكون قوله: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ بمعنى: على أن تعتدوا) يريد أن قوله: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لما عُدي هاهنا بـ "على" على تضمين "لا يحملنكم" يجوز أن يُعدى أيضًا في أول السورة عند قوله: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] بالتضمين وتقدير "على" لاستوائهما في تأدية المعنى، وكان مفعولًا ثانيًا فيما سبق. قوله: (من أُتبع على ماليء فليتبع) أي: عدى "أتبع" بـ "على" لما تضمن معنى "أحيل"، وألا فالقياس "أتبع مليا" كقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]. النهاية: في حديث الحوالة: "إذا أتبع أحدكم على مليء فيتبع"، أي: إذا أحيل على قادر فليحتل، قال الخطابي: أصحاب الحديث يروونه "اتبع" بتشديد التاء، وصوابه بسكون التاء بوزن: "أكرم"، وليس هذا أمرًا على الوجوب، وإنما هو على الرفق والأدب. قوله: (ونظيره في المصادر: ليان): والليان بالفتح: المصدر من اللين، نقول: هو في ليان من العيش، أي: في نعيم. الجوهري: ولواه بدينه ليًا وليانًا، أي: مطله. قوله: (لا يحملنكم بغضكم للمشركين) وذلك أن الله تعالى لما فتح مكة أمر المسلمين بان لا يكافئوا كفار مكة بما سلف منهم، وأن يعدلوا في القول والفعل والحكم.
[ ٥ / ٢٩٨ ]
فتعتدوا عليهم بأن تنتصروا منهم وتتشفوا بما في قلوبكم من الضغائن بارتكاب ما لا يحل لكم من مثله، أو قذفٍ، أو قتل أولاد أو نساءٍ، أو نقض عهدٍ، أو ما أشبه ذلك. (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى): نهاهم أوّلًا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرّح لهم بالأمر بالعدل؛ تأكيدًا وتشديدًا، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل، وهو قوله: (هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) أي: العدل أقرب إلى التقوى، وأدخل في مناسبتها، أو: أقرب إلى التقوى لكونه لطفًا فيها. وفيه تنبيهٌ عظيمٌ على أن وجود العدل مع الكفار الذين هم أعداء اللَّه إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظنّ بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه؟ (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ): بيان للوعد بعد تمام الكلام قبله، كأنه قال: قدّم لهم وعدًا فقيل: أي: شيء وعده لهم؟ فقيل: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ).
_________________
(١) ـ قوله: (أو: أقرب إلى التقوى) أي: أنتم متقون والعدل أنسب إليكم من غيركم، أو: أنتم طالبون للتقوى فاعدلوا فإنه سبب فيها ووسيلة إليها، وهو المراد من قوله: "لكونه لطفًا فيها". الراغب: إن قيل: كيف قال: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ و"أفعل" إنما تقال في شيئين اشتركا في أمر واحد لأحدهما مزية؟ وقد علمنا أن لا شيء من التقوى ومن فعل الخير إلا وهو من جملة العدالة، فما معنى قوله: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾؟ قيل: إن "أفعل"- وإن كان كما ذكرت -وقد تستعمل على تقدير بناء الكلام على اعتقاد المخاطب في الشيء في نفسه قطعًا لكلامه وإظهارًا لتبكيته، فيقال لمن اعتقد مثلًا في زيد فضلًا، وإن لم يكن فيه فضل، ولكن لا يمكنه أن ينكر أن عمرًا أفضل منه، فقال: اخدم عمرًا هو أفضل من زيد، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] وقد عُلم أن لا خير فيما يشركون. قوله: (كأنه قال: قدم لهم وعدا) يعني: لما كان قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ بيانًا لقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ على سبيل الاستئناف، وكان الواجب
[ ٥ / ٢٩٩ ]
أو يكون على إرادة القول بمعنى وعدهم وقال لهم مغفرة. أو على إجراء (وعد) مجرى "قال" لأنه ضرب من القول. أو يجعل (وعد) واقعًا على الجملة التي هي لهم مغفرة، كما وقع (تركنا) على قوله: (سَلامٌ عَلى نُوحٍ) [الصافات: ٧٩] كأنه قيل:
_________________
(١) ـ رعاية المطابقة بين البيان والمبين، وقد أتى في البيان باللام، فوجب أن يؤول المبين بما يشتمل عليها، ولذلك قال: "كأنه قيل: قدم لهم وعدًا" ليون موردًا للسؤال المتضمن للام، وهو قوله: "أي شيء وعده لهم؟ ونظيره قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦ - ٨٧]، قال الإمام: هذا محمول على المعنى، لأن معناه: لمن السماوات؟ فقيل: لله، ونحوه قول الشاعر: معاوي إننا بشر فأسجح … فلسنا بالجبال ولا الحديدا قوله: (أو على إجراء ﴿وَعَدَ﴾ مجرى "قال" (. قال الزجاج: "وعد" بمنزلة "قال"؛ لأن الوعد لا ينعقد إلا بالقول. قوله: (واقعًا على الجملة) أي: هو مفعول به، أي: وعد هذا القول وهو قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾. قوله: (كما وقع "تركنا")، قال المصنف: هذه الكلمة، وهي ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩]، يعني: يسلمون عليه تسليمًا ويدعون له، من الكلام المحكي، كقولك: قرأت ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]، قيل: لو لم يكن على الحكاية لكان القياس "سلامًا"؛ لأنه مفعول "تركنا"، أي: تركنا سلامًا عليه.
[ ٥ / ٣٠٠ ]
وعدهم هذا القول وإذا وعدهم من لا يخلف الميعاد هذا القول، فقد وعدهم مضمونه من المغفرة والأجر العظيم، وهذا القول يتلقون به عند الموت ويوم القيامة، فيسرون به ويستروحون إليه ويهوّن عليهم السكرات والأهوال قبل الوصول إلى الثواب.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ)]. الْمُؤْمِنُونَ)].
روي أن المشركين رأوا رسول اللَّه ﷺ وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معًا، وذلك بعسفان في غزوة ذي أنمار،
_________________
(١) ـ قوله: (وإذا وعدهم من لا يخلف الميعاد هذا القول فقد وعدهم مضمونه) يريد أن هذه الآية تفيد ما أفاده قوله تعالى في الفتح: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وإن كان القصد هاهنا القول وهناك الموعود؛ لأن الكريم إذا نطق بالوعد لا يخلف وعده، وكان الموعود حاصلًا، ولهذه الطريقة فائدة زائدة، وهي استرواح السامع باللفظ مع توطين النفس بإنجازه، فيسهل عليه تحمل المشاق، ولذلك جاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] واسترواحًا عند حضور الموت. قوله: (ويستروحون إليه)، الجوهري: أراح الرجل: رجعت نفسه إليه بعد الإعياء، وأروح واستروح واستراح بمعنى، فيا لكلام لف ونشر بغير ترتيب. قوله: (أن المشركين رأوا رسول الله ﷺ وأصحابه قاموا) قيل: "قاموا": حال، و"قد" مُقدرة، ولو كان من رؤية القلب لكان مفعولًا ثانيًا.
[ ٥ / ٣٠١ ]
فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا: إنّ لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، يعنون: صلاة العصر وهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها، فنزل جبريل بصلاة الخوف، وروي أن رسول اللَّه ﷺ أتى بني قريظة ومعه الشيخان وعليّ ﵃ يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، اجلس حتى نطعمك ونقرضك، فأجلسوه في صفةٍ وهموا بالفتك به، وعمد عمرو بن جحاشٍ إلى رحىً عظيمةٍ يطرحها عليه، فأمسك اللَّه يده ونزل جبريل فأخبره، فخرج. وقيل: نزل منزلًا وتفرق الناس في العضاه يستظلون بها، فعلق رسول اللَّه ﷺ سلاحه بشجرةٍ، فجاء أعرابي فسلّ سيف رسول اللَّه ﷺ ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك منى؟ قال: "اللَّه"، قالها ثلاثًا. فشام الأعرابي السيف فصاح رسول اللَّه ﷺ بأصحابه فأخبرهم وأبى أن يعاقبه. يقال: بسط إليه لسانه: إذا شتمه، وبسط إليه يده: إذا بطش به. (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ) [الممتحنة: ٢] ومعنى بسط اليد: مدّها إلى المبطوش به. ألا ترى إلى قولهم: فلان
_________________
(١) ـ قوله: (ألا كانوا أكبوا عليهم) أي: هلا كانوا، وهي كلمة التنديم، فالجملة مبينة لقوله: "ندموا"ن وقيل: أصله: ندموا على أن لا كانوا، فحذف "على" ثم أدغم النون في اللام. قوله: (وهموا بالفتك به)، النهاية: الفتك: هو أن يأتي صاحبه وهو غافل فيشد عليه فيقتله. قوله: (وقيل: نزل منزلًا تفرق الناس) نحوه رواه الشيخان عن جابر. قوله: (في العضاه)، النهاية: العضاه: شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك، الواحدة: عضة بالتاء. قوله: (فشام) شام السيف: سلها، وشامها: أغمدها، وهو من الأضداد.
[ ٥ / ٣٠٢ ]
بسيط الباع، ومديد الباع، بمعنى. (فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ): فمنعها أن تمدّ إليكم.
[(وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ* فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)].
لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم اللَّه بالمسير إلى أريحاء أرض الشام، وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم: إني كتبتها لكم دارًا قرارًا فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها، وإني ناصركم، وأمر موسى ﵇ بأن يأخذ من كل سبط نقيبًا يكون كفيلًا على قومه بالوفاء بما أمروا به؛ توثقةً عليهم، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل، وتكفل لهم به النقباء، وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون، فرأوا أجرامًا عظيمة وقوّة وشوكةً، فهابوا ورجعوا وحدّثوا قومهم، وقد نهاهم موسى ﵇ أن يحدثوهم، فنكثوا الميثاق، إلا كالب بن يوفنا، من سبط يهوذا، ويوشع بن نون من سبط أفراييم بن يوسف، وكانا من النقباء. والنقيب: الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها، كما قيل له: عريف، لأنه يتعرفها.
_________________
(١) ـ قوله: (والنقيب: الذي يُنقب عن أحوال القوم). قال الزجاج: النقب: الطريق في الجبل، وإنما قيل: نقيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعرف مناقبهم، وهو الطريق إلى معرفة أمورهم، يقال: فلان حسن النقيبة، أي: جميل الخليقة، وهذا الباب كله معناه التأثير في الشيء الذي له عُمق، من ذلك نقبت الحائط، أي: بلغت في النقب آخره.
[ ٥ / ٣٠٣ ]
(إِنِّي مَعَكُمْ) أي: ناصركم ومعينكم. (وعَزَّرْتُمُوهُمْ): نصرتموهم ومنعتموهم من أيدي العدوّ. ومنه: التعزير: وهو التنكيل والمنع من معاودة الفساد. وقرئ: بالتخفيف، يقال: عزرت الرجل: إذا حطته وكنفته. والتعزير والتأزير من وادٍ واحدٍ، ومنه: لأنصرنك نصرًا مؤزرًا، أي: قويًا.
_________________
(١) ـ قوله: (وهو التنكيل والمنع). قال الزجاج: عزرتموه: نصرتموه، لأن العزر في اللغة: الرد، وعزرت فلانًا أي: أدبته، معناه: فعلت به ما يردعه عن القبيح، كما أن نكلت به معناه: فعلت به ما يجب أن يُنكل عن المعاودة، والناصر يرد عن صاحبه أعداءه، وهو يستلزم التعظيم والتوقير، ومن فسر التعزير بالتعظيم أراد هذا، قلت: فهو حقيقة في الرد والمنع، وكناية عن التعظيم والنصرة. وقال الراغب: التعزير: النصرة مع التعظيم، قال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، والتعزير: ضربٌ دون الحد، وذلك يرجع إلى الأول، فإنه تأديب والتأديب نصرة ما، لكن الأول: نصرة بقمع العدو عنه، والثاني: نصرة لقهره عن عدوه، فإن أفعال الشر عدو للإنسان، فمتى قمعته عنها فقد نصرته، وعلى هذا قوله ﷺ: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، فقال: أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: "تكفه عن الظلم"، وقلت: الحديث من رواية البخاري والترمذي عن أنس، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا أفرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال رسول الله ﷺ: "تحجزه أو تمنعه عن الظلم، فإن ذلك نصره". قوله: (نصرًا مؤزرًا)، قاله ورقه بن نوفل، وهو ابن عم خديجة في حديث مشهور أخرجه الشيخان.
[ ٥ / ٣٠٤ ]
وقيل: معناه: ولقد أخذنا ميثاقهم بالإيمان والتوحيد وبعثنا منهم اثني عشر ملكًا يقيمون فيهم العدل ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر. واللام في (لَئِنْ أَقَمْتُمُ) موطئة للقسم، وفي (لَأُكَفِّرَنَّ) جواب له، وهذا الجواب سادّ مسدّ جواب القسم والشرط جميعًا
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: معناه: ولقد أخذنا ميثاقهم) عطف على قوله: "لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون". اعلم أن أخذ الميثاق هاهنا يحتمل معنيين، أحدهما: ميثاق الأمر بالجهاد والتأكيد فيه، فالنقباء على هذا نُقباء العسكر وعُرفاؤه، والمناسب أن تفسر ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ بقوله: "أي: ناصركم ومعينكم" و"عزرتموهم" بقوله: "منعتموهم ونصرتموهم"، وثانيهما: يحتمل العهد بالإيمان وتوثيق أمر التوحيد، فالنقيب على هذا: معلم الخير، والحاكم العدل، والمناسب بقوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أن يقال: إني أوفقكم على الخير، وبقوله: عزرتموهم: وقرتموهم، كقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: ٩]. فإن قلت: الإيمان بالرسل مقدم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فلم أخر ذكره في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ﴾ الآية؟ قلت: هذه الجملة، اعني قوله: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ كناية إيمائية عن المجاهدة ونصرة دين الله ورسله والإنفاق في سبيله، كأنه قيل: لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وجاهدتم في سبيل الله. يدل عليه قوله: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١]، قال: أي: "لا ترتدوا على أدباركم في دينكم لمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم"، وإنما وقع الاهتمام بشأن هذه القرينة دون الأوليين وأبرزت في معرض الكناية لأن القوم كانوا يتقاعدون عن القتال ويقولون لموسى ﵊: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، وينصر هذا حمل النقباء على نُقباء العسكر.
[ ٥ / ٣٠٥ ]
(بَعْدَ ذلِكَ): بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم. فإن قلت: من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضلّ سواء السبيل
_________________
(١) ـ قوله: (بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم) قيل: ينهي من ظن أن المراد بالوعد هاهنا الوعيد، لأن الشرط ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ﴾ إلى قوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾، والوعد ﴿لأكَفِّرَنَّ﴾ إلى آخره، وانظر إليهم كم خبطوا في الحواشي؟ وكادوا يُضلون كثيرًا بعد أن ضلوا، لولا أن الله تعالى أعطى القوس باريها! وقلت: لو أريد هذا المعنى لقيل: "بعد ذلك الشرط المعلق به الوعد العظيم"، كما قال القاضي، لأنه لا يقال: الشرط معلق بالجزاء معلق بالشرط، والحق أن الوعد العظيم هو قوله تعالى: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾، وأي وعد أعظم من ذلك؟ لأنه مشتمل على جميع ما يصح فيه الوعد من النصرة، وتكفير الذنوب، وإدخال الجنة، والغفران والرضوان، والرؤية وغيرها، وتعلق الشرط به، وهو قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمْ﴾ إلى آخره، من حيث المعنى، كما تقول لصاحبك: أنا معنى في حقك جدًا إن خدمتني لم أضيع سعيك، أفعل بك وأصنع بك وكيت وكيت، فالشرط مع الجزاء مقرر لمعنى الجملة الأولى، وحاصل معنى قوله: "الشرط المعلق بالوعد" يعود إلى الشرط المتعلق بالوعد، لأن المعنى الصحيح: ومن كفر بعد ذلك الميثاق، وذلك البعث، وقول الله تعالى: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ لأن قوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ عطف على ﴿أَخَذْ﴾ على سبيل البيان والتوضيح؛ لأنه مشتمل على الشرط، وهو قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ﴾ إلى آخره، وقد سبق في البقرة أن العهد: الموثق، وعهد إليه: إذا وصاه به، واستعهد منه: إذا اشترط عليه. وكرر فيه اسمه الجامع لمزيد التوكيد والتقرير، وأن وعدًا وعده الله ﷿ لا خلاف فيه البتة، وأن من نقض ذلك العهد فقد ضل ضلالًا بعيدًا.
[ ٥ / ٣٠٦ ]
قلت: أجل، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم، لأنّ الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وتمادى (لَعَنَّاهُمْ): طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا. وقيل: مسخناهم. وقيل: ضربنا عليهم الجزية.
(وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً): خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى قست قلوبهم. أو أملينا لهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى قست. وقرأ عبد اللَّه: (قسية) أي: ردية مغشوشة، من قولهم: درهم قسىّ وهو من القسوة لأنّ الذهب والفضة الخالصين فيهما لين والمغشوش فيه يبس وصلابة، والقاسي والقاسح - بالحاء - أخوان في الدلالة على اليبس والصلابة وقرئ: (قسية) بكسر القاف للإتباع.
(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ): بيان لقسوة قلوبهم؛ لأنه لا قسوة أشدّ من الافتراء على اللَّه وتغيير وحيه. (وَنَسُوا حَظًّا): وتركوا نصيبًا جزيلًا وقسطًا وافيًا (مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ): من التوراة؛ يعني: أن تركهم وإعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم، أو قست قلوبهم وفسدت فحرّفوا التوراة،
_________________
(١) ـ قوله: (أجل، ولكن الضلال بعده أظهر) اعتزال خفي، لأنه مبني على قاعدة الحسن والقبح العقلي. قوله: (وقرأ عبد الله: "قسية") بتشديد الياء من غير ألف، وكذا حمزة والكسائي، والباقون: بتخفيفها وبالألف. قوله: (أوقست قلوبهم وفسدت فحرفوا) عطف على قوله: " ﴿يُحَرِّفُونَ﴾: بيان لقسوة قلوبهم"، وقوله: "لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله تعالى" تعليل لاتحاد معنى البيان والمبين، لأن معنى قولهم: قلوبهم قاسية، فيه نوع خفاء من حيث إن من قسا قلبه فعل أفعال أهل العناد، فأزال بقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ الإبهام، نحوه قوله: " ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا
[ ٥ / ٣٠٧ ]
وزالت أشياء منها عن حفظهم. وعن ابن مسعود ﵁: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية، وتلا هذه الآية. وقيل: تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به
_________________
(١) ـ بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ﴾ [البقرة: ٨ - ٩] لم يعطف ﴿يُخَادِعُونَ﴾ على ما قبله لكونه مبينًا له من حيث إنهم حين كانوا يوهمون بألسنتهم أنهم آمنوا وما كانوا مؤمنين بقلوبهم قد كانوا في حكم المخادعين، قاله صاحب "المفتاح"، فقوله: قد كانوا في حكم المخادعين مثل قول المصنف: "لا قسوة أشد من الافتراء"، وعلى الوجه الثاني: ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ استئناف لبيان المقتضي وما حالهم بعد التحريف، ولذلك أتى بالفاء السببية في قوله: "فحرفوا" كأنه قيل: ما فعلوا إذًا؟ فقيل: يحرفون الكلم ونسوا حظًا مما ذكروا به، كما قال ابن مسعود: ينسى المرء بعض العلم بالمعصية. وقلت: وفيه أن بركة الطاعة، والعمل بما علم موجبة لازدياد العلم، ما قيل: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، وأشار المصنف بقوله: "فحرفوا التوراة وزالت أشياء منها" إلى أن قوله: "نسوا"، من النسيان، وهو ماض عطف على ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ وجاء على المضارع بمعنى الاستمرار ليناسبه، كما قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [فاطر: ٢٩]: "يُداومون على تلاوته وهي شأنهم وديدنهم"، وعلى الوجه الأول: أي: إذا كان نسوا بمعنى تركوا، يكون حالًا من فاعل ﴿يُحَرِّفُونَ﴾، وقد: مُقدرة. قوله: (وقيل: تركوا نصيب أنفسهم) عطف على قوله: "وتركوا نصيبًا جزيلًا"، فعلى
[ ٥ / ٣٠٨ ]
من الإيمان بمحمدٍ ﷺ وبيان نعته. (وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ) أي: هذه عادتهم وهجيراهم، وكان عليها أسلافهم، كانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونونك، ينكثون عهودك، ويظاهرون المشركين على حربك، ويهمون بالفتك بك، وأن يسموك.
(عَلى خائِنَةٍ) على خيانةٍ، أو على فعلةٍ ذات خيانةٍ، أو على نفسٍ أو فرقةٍ خائنةٍ. ويقال: رجلٌ خائنةٌ، كقولهم: رجلٌ راوية للشعر؛ للمبالغة. قال:
_________________
(١) ـ الأول التنكير في قوله: ﴿وَنَسُوا حَظًّا﴾، للتكثير والتعظيم، ولهذا قال: "إغفال حظ عظيم" يعني: نبذوا التوراة وراء ظهورهم ولم يعملوا بما فيها فكان إعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم، وعلى الثاني: التنكير للنوع، والمتروك بعض ما فيها؛ وهو الإيمان بمحمد ﷺ، فالنصيب بمعنى المفروض، ولهذا بينه بقوله: "مما أمروا به من الإيمان بمحمد ﷺ". قوله: (ويظاهرون المشركين على حربك) يعني: يوم الأحزاب "ويهمون بالفتك بك"، يعني يوم أتيت بني قريظة ومعك الشيخان وعلي، "وأن يسموك" يعني: يوم خيبر، والذي يقتضيه النظم أن قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الثاني جيء به مكررًا لإناطة قصد فتك اليهود بالرسول صلى الله عليه وسل ونجاته منهم به، ثم بيان نقضهم ميثاقهم قديمًا وحديثًا واستحقاقهم لذلك اللعن وضرب الذلة والمسكنة، وجعل قلوبهم قاسية حتى حرفوا كتاب الله؛ ليجتنب المؤمنون عن مثل فعلهم، ويحفظوا عهد الله ومواثيقه، وقد سبق في الكتاب في إحدى الروايات أن سبب نزول الآية: إتيان رسول الله ﷺ بني قريظة والشيخين وعلي ليعينوهم على الدية، وروى محيي السنة، عن مجاهد وعكرمة والكلبي وابن يسار، أنه بعث رسول الله ﷺ المنذر ابن عمرو الساعدي، وهو احد النقباء يوم العقبة، في ثلاثين راكبًا إلى بني عامر، فلقوا عامر ابن الطفيل فاقتتلوا فقتل المنذر وأصحابه إلا عمرو بن امية الضمري وآخر لقيا رجلين من بني سُليم، وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ موادعة، فانتسبا إلى بني عامر فقتلاهما، وقدم
[ ٥ / ٣٠٩ ]
حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُنْ … لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مَضَلَّ الْأُصْبُعِ
وقرئ: (على خيانة مِنْهُمْ). (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ): وهم الذين آمنوا منهم. (فَاعْفُ عَنْهُمْ) بعث على مخالفتهم. وقيل هو منسوخ بآية السيف. وقيل: فاعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم.
_________________
(١) ـ قومهما إلى رسول الله ﷺ يطلبون الدية، فخرج ﷺ ومعه أبو بكر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف ﵃، ودخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستعينهم على عقلهما، وكانوا قد عاهدوا النبي ﷺ على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات، وساق الحديث على نحو ما ساقه المصنف قبل هذا. وأما قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ﴾ فقد أتى به تمهيدًا وتوطئة لقوله: ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ وتقريرًا بأن اليهود دأبهم وديدنهم قديمًا وحديثًا نقض العهود. ثم المناسب إلى النظم أن يحمل الميثاق على ميثاقهم بالإيمان والتوحيد، ويؤيده قوله بعيد هذا: "أي: مثل ميثاقهم بالإيمان بالله وبالرسل وبأفعال الخير"، والفاء في ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ فصيحة، أي: أخذ الله ميثاقهم وأكده وكيت وكيت فما ثبتوا على الميثاق، وما التفتوا إلى تلك التشديدات ونقضوا الميثاق فبنقضهم لعناهم. قوله: (حدثت نفسك بالوفاء) البيت، قبله: أقرين إنك لو رأيت فوارسي … بغمايتين إلى جوانب ضلفع قرين: اسم ضيف نزل على القائل وطمع في جاريته، ومُغل الأصبع: نصبٌ على النداء.
[ ٥ / ٣١٠ ]
[(وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ)].
(أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ): أخذنا من النصارى ميثاق من ذكر قبلهم من قوم موسى، أي: مثل ميثاقهم بالإيمان باللَّه والرسل وبأفعال الخير، وأخذنا من النصارى ميثاق أنفسهم بذلك.
_________________
(١) ـ قال الزجاج: "خائنة" على المبالغة، لأن الشاعر يخاطب رجلًا يقول: لا تخن فتغل إصبعك في المتاع، أي: تدخلها للخيانة، وقيل: مُغل الأصبع: خائن اليد، يقول: لو رأيت فوارسي لخفت وما غدرت فطمعت في جاريتي، غمايتين: جبلين متناوحين، أي: متقابلين. قوله: (أو أخذنا من النصارى ميثاق أنفسهم) يريد أن الضمير المضاف إليه في ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ لليهود على حذف المضاف لقوله: "أي: مثل ميثاقهم" ليستقيم المعنى، إذ لا يكون ميثاق النصارى غير ميثاق اليهود، أو للنصارى من غير حذف، فعلى الأول قد شبه أخذ ميثاق النصارى بأخذ ميثاق اليهود، والوجه أن يكون الضمير للنصارى لاختلاف العبارتين والحالتين، أتى في الأولى بالجملة القسمية، وهي ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا﴾ [المائدة: ١٢]، وعرى الثانية عن التوكيد، وقيل ثمة: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ مع "ما" المؤكدة إلى ذُكروا به، وهاهنا ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. ثم انظر كم التفاوت بين جزاء النقيضين لتقف على تمام المراد، وذلك أن اليهود لما كانوا قومًا بهتًا شديدي الشكيمة جيء بما يدل على قوة الأمر ليؤذن بالقسر والقهر، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]. قال المصنف: " ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ بالعمل على ما في التوراة، ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ﴾
[ ٥ / ٣١١ ]
فإن قلت: فهلا قيل: من النصارى؟ قلت: لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاءً لنصرة اللَّه، وهم الذين قالوا لعيسى: نحن أنصار اللَّه، ثم اختلفوا بعد: نسطورية، ويعقوبية، وملكانية. أنصارا للشيطان.
(فَأَغْرَيْنا): فألصقنا وألزمنا من غرى بالشيء إذا لزمه ولصق به وأغراه غيره
_________________
(١) ـ حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق". وأما النصارى فلسهولة مأخذهم ولين جانبهم عرى ما نُسب إليهم عن التوكيد والتشديد، وينصره قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] أي: كونوا مثلهم في القبول بنشاط قلب ووفور رغبة، وإنما قدم الجار والمجرور على العامل وأثرت الصلة والموصول على العبارة المختصرة، أي: النصارى، للتعريض بالمؤمنين ليثبتوا على عهودهم ولا ينسوا ما ذكرهم الله تعالى به، أي: لا يكونوا مثل هؤلاء المدعين المخصوصين من بين سائر المدعين بأخذ الميثاق منهم، ونسيانهم حظًا مما ذكروا به، وتلخيصه: كما أمرناكم في تلك الآية أن تكونوا مثلهم في تلك الخصلة نحذركم في هذه الآية أن تقفوا أثرهم في تلك الهناة، وإنما سميناهم مُدعين لقوله: "إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله"، والله أعلم. قوله: (فهلا قيل: من النصارى؟) يعني: ما فائدة العدول عن النصارى إلى الإطناب؟ وأجاب: أنه إنما عدل لتصور تلك الحالة في ذهن السامع وتقرر عنده أنهم ادعوا نُصرة دين الله، نحو قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣]، عدل عن اسمها زيادة لتقرير المُراودة. الانتصاف: لما كان المقصود في هذه الآية ذمهم بنقض الميثاق المأخوذ عليهم بنصرة الله، وبما يدل على أنهم لم يوفوا بما عاهدوا عليه من النصرة عدل عن قوله: من "النصارى" إلى قوله: ﴿وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، فحاصل ما صدر منهم قولٌ بلا فعل.
[ ٥ / ٣١٢ ]
ومنه الغراء الذي يلصق به بَيْنَهُمُ بين فرق النصارى المختلفين. وقيل: بينهم وبين اليهود، ونحوه. (وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا) [الأنعام: ١٢٩]، (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَاسَ بَعْضٍ) [الأنعام: ٦٩].
[(يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)].
(يا أَهْلَ الْكِتابِ): خطاب لليهود والنصارى. (مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ) من نحو صفة رسول اللَّه ﷺ، ومن نحو الرجم.
_________________
(١) ـ قوله: (ومنه: الغراء)، الجوهري: هو ما يتخذ من السمك ليلصق به الشيء، إذا فتحت الغين قصرت، وغن كسرت مددت. قوله: (﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾) هذا إذا أريد به التولية، قال المصنف: "نخليهم حتى يتولى بعضهم بعضًا كما فعل الشياطين وغواة الإنس". قوله: (﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾)، قال: "يخلطكم فرقًا مختلفين على أهواء شتى". روى الواحدي عن الزجاج: قال: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ أي: صاروا فرقًا يكفر بعضهم بعضًا.
[ ٥ / ٣١٣ ]
(وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) مما تخفونه لا يبينه إذا لم تضطر إليه مصلحة دينية، ولم يكن فيه فائدة إلا اقتضاء حكم وصفته مما لا بدّ من بيانه، وكذلك الرجم وما فيه إحياء شريعة وإماتة بدعة. وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه.
(قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ) يريد: القرآن لكشفه ظلمات الشرك والشك، ولإبانته ما كان خافيًا عن الناس من الحق. أو لأنه ظاهر الإعجاز.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مما تُخفونه لا يبينه إذا لم تضطر إليه مصلحة دينية) إلى آخره، هذا يؤذن أن صفة الرسول ﷺ وأمر الرجم مما اضطر إليهما لمصالح، وفيهما فوائد جمة، ولذلك لم يعف عنهما. قوله: (وصفته) وهو مبتدأ، والخبر: "مما لابد من بيانه"، "وما فيه إحياء شريعة وإماتة بدعة" من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قوله: (لكشفه ظلمات الشرك) تعليل لتسمية القرآن بالنور، وقوله: "لإبانته" تعليل لوصفه بالمبين. قوله: (أو لأنه ظاهر الإعجاز) على أن ﴿مُبِينُ﴾ من: بان الشيء، وعن الواحدي، عن قتادة: ﴿نُّورٌ﴾، يعني النبي ﷺ، وهو اختيار الزجاج، وما ذهب إليه المصنف أوفق لتكرير قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ بغير عاطف، فعلق به أولًا: وصف الرسول ﷺ، وثانيًا: وصف الكتاب، وأحسن منه ما سله الراغب حيث قال: بين في الآية الأولى والثانية النعم الثلاث التي خص بها العباد، وهي النبوة والعقل والكتاب، وذكر في الآية الثالثة ثلاثة أحكام يرجع كل واحد إلى نعمة مما تقدمن فقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ يرجع إلى قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾، أي: يهدي
[ ٥ / ٣١٤ ]
(مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ): من آمن به (سُبُلَ السَّلامِ): طرق السلامة والنجاة من عذاب اللَّه أو سبل اللَّه.
[(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].
قولهم إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ معناه بت القول، على أن حقيقة اللَّه هو المسيح لا غير. قيل:
كان في النصارى قوم يقولون ذلك. وقيل: ما صرّحوا به ولكن مذهبهم يؤدّى إليه، حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيى ويميت ويدبر أمر العالم.
_________________
(١) ـ بالبيان إلى طريق السلامة من اتبعه وتحرى مرضاة الله، وقوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ يرجع إلى قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ﴾، وقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يرجع إلى قوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، كقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وسيجيء تفسير هذه الآية في سورة النور. قوله: (بت القول على أن حقيقة الله هو) وذلك أن الخبر إذا عُرف باللام أفاد القصر سواء كان التعريف فيه عهدًا أو جنسًا، فإذا ضُم معه ضمير الفصل ضاعف تأكيده معنى القصر، فإذا صُدرت الجملة بـ"إن" بلغ الكمال في التحقيق. قوله: (كان في النصارى قوم يقولون ذلك)، الراغب: إن قيل: إن أحدًا لم يقل: الله هو المسيح، وإن قالوا: المسيح هو الله، وذلك أن عندهم أن المسيح من لاهوت وناسوت، فيقولون: يصح أن يُقال: المسيح هو اللاهوت وهو ناسوت، كما يصح أن يقال: الإنسان هو
[ ٥ / ٣١٥ ]
(فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا): فمن يمنع من قدرته ومشيئته شيئًا؟ (إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ) من دعوه إلها من المسيح وأمّه، دلالةً على أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد.
وأراد بعطف (مَنْ فِي الْأَرْضِ) على: (الْمَسِيحَ … وَأُمَّهُ) أنهما من جنسهم لا تفاوت بينهما وبينهم في البشرية.
_________________
(١) ـ حيوان وهو نبات لما كان مركبًا منهما، ولا يصح أن يقال: اللاهوت هو المسيح كما لا يصح أن يقال: الحيوان هو الإنسان، قيل: إنهم قالوا: هو المسيح على وجه آخر غير ما ذكرت، وهو ما رُوي عن محمد بن كعب القُرظي: أنه لما رُفع عيسى ﵊ اجتمع طائفة من علماء بني إسرائيل فقالوا: ما تقولون في عيسى؟ فقال أحدهم: أو تعلمون أن أحدًا يحيي الموتى إلا الله تعالى؟ فقالوا: لا، فقالوا: أتعلمون أن أحدًا يعلم الغيب إلا الله؟ فقالوا: لان فقالوا: أتعلمون أن أحدًا يبرئ الأكمه والأبرص إلا الله؟ قالوا: لا، قالوا: فما الله إلا من هذا وصفه، أي: حقيقة الإلهية فيه، وهذا كقولك: الكريم زيدٌ، أي: حقيقة الكرم في زيد، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾. قوله: (دلالة على أن المسيح) مفعول له، أي: قال الله تعالى هذا القول دلالة. قوله: (وأراد بعطف ﴿مَنْ فِي الأَرْضِ﴾) عطف على جملة قولنا: قال الله تعالى هذا القول دلالة، وإنما أقيم المظهر موضع المضمر في قوله: ﴿أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ﴾ وإن لم يقل: يهلكه إرادة الدلالة أنه عبدٌ مطيع؛ لأن المسيح هو الصديق، وعطف عليه أمه لمزيد الدلالة على أنه عبد مخلوق؛ لأن الخالق لا أم له، ثم عطف عليه: ﴿مَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ إرادة الدلالة على أنهما من جنس من في الأرض لا تفاوت بينهما، وكل ذلك تتميمات يزيد الكلام بها مبالغة.
[ ٥ / ٣١٦ ]
(يَخْلُقُ ما يَشاءُ) أي: يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى من غير ذكرٍ كما خلق عيسى، ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم، أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزةً له، وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك، فيجب أن ينسب إليه ولا ينسب إلى البشر المجرى على يده.
[(وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)].
(أَبْناءُ اللَّهِ) أشياع ابني اللَّه عزير والمسيح، كما قيل لأشياع أبى خبيب وهو عبد اللَّه بن الزبير «الخبيبون» وكما كان يقول رهط مسيلمة: نحن أنبياء اللَّه. ويقول أقرباء الملك وذووه وحشمه: نحن الملوك؛ ولذلك قال مؤمن آل فرعون: (لكم الملك اليوم) [غافر: ٢٩].
_________________
(١) ـ قوله: (أي: يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى) إلى آخره، يريد أن قوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ جاء هاهنا مبينًا لما هو المراد من قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بحسب اقتضاء المقام، يعني أن الله تعالى مالك العالم كله قهرًا وتصرفًا وخلقًا لها على أنحاء مختلفة، فلا ينبغي لكم حين شاهدتم خلاف العادة في المسيح أن تقولوا: هو إله، أو نظرتم إلى أنه الواسطة في خلق الطير أن تقطعوا النسبة منا وتنسبوا إليه، هذا هو المراد من قوله: "فيجب أن ينسب إليه ولا ينسب إلى البشر المُجرى على يده". قوله: (أبي خبيب، وهو عبد الله بن الزبير)، وخبيب اسم ابنه، والخبيبان: عبد الله وابنه، فمن روى "الخبيبون" على الجمع يريدهما وأخاه مصعبًا، قاله الجوهري. الإنصاف: قوله: في أصحاب أبي خبيب، فإنه جار على الانتساب حقيقة، ولو سثمي كل واحد منهم أبا خبيب لكان مثالًا صحيحًا، وفيه بحث.
[ ٥ / ٣١٧ ]
(فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) فإن صحّ أنكم أبناء اللَّه وأحباؤه، فلم تذنبون وتعذبون بذنوبكم فتمسخون وتمسكم النار أياما معدودات على زعمكم؟ ولو كنتم أبناء اللَّه، لكنتم من جنس الأب، غير فاعلين للقبائح ولا مستوجبين للعقاب، ولو كنتم أحباءه، لما عصيتموه ولما عاقبكم! (بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ) من جملة من خلقٍ من البشر، (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ): وهم أهل الطاعة، (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ): وهم العصاة.
[(يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ١٩].
_________________
(١) ـ فإن قلت: تأويله: نحن أشياع ابني الله، لا يلتئم مع قوله: "لو كنتم أبناء الله لكنتم من جنس الأب" ولا مع قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾، قلت: لما ادعوا أنهم أشياع ابني الله ثم حذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه كأنهم قالوا: نحن متصفون بهما، ولسنا من جنس عامة البشر المخلوقين، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وكذلك قالوا: نحن أبناء الله ونحن الملوك، فرد عليهم بقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾، وبينه بقوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يعاملكم معاملة سائر الناس لا مزية لكم عليهم، روى الواحدي عن ابن قتيبة: يعنون أنه تعالى من دبه وعطفه علينا كالأب المشفق. وقلت: أما اتصال هذه الآية بما قبلها فهو أنه تعالى لما أجاب عن قول القائلين في المسيح: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ بقوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ [المائدة: ١٧] أتى بما يناسبها من حديث الغلاة من أهل الكتاب وادعائهم أنهم أبناء الله، وأجاب بما يقرب من ذلك الجواب، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾، والله أعلم.
[ ٥ / ٣١٨ ]
(يُبَيِّنُ لَكُمْ) إما أن يقدّر: المبين، وهو الدين والشرائع، وحذفه لظهور ما ورد الرسول لتبيينه. أو يقدّر: ما كنتم تخفون، وحذفه لتقدّم ذكره، أو لا يقدر ويكون المعنى: يبذل لكم البيان، ومحله النصب على الحال؛ أي: مبينًا لكم.
(وعَلى فَتْرَةٍ) متعلق بـ (جاءكم) أي: جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحى. (أَنْ تَقُولُوا): كراهة أن تقولوا (فَقَدْ جاءَكُمْ) متعلق بمحذوفٍ، أي: لا تعتذروا فقد جاءكم. وقيل: كان بين عيسى ومحمد صلوات اللَّه عليهما خمسمائة وستون سنة. وقيل: ستمائة. وقيل: أربعمائة ونيف وستون.
_________________
(١) ـ قوله: (لتقدم ذكره) وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٥]. قوله: (﴿عَلَى فَتْرَةٍ﴾ متعلق: بـ ﴿جَاءَكُمْ﴾). وقال أبو البقاء: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿يُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، ويجوز أن يكون حالًا من الضمير المجرور في ﴿لَكُمْ﴾ و﴿مِنْ الرُّسُلِ﴾: نعت لفترة. وقال الإمام: يقال: فتر الشيء فتورًا: إذا سكنت حدته وصار أقل مما كان عليه، وسميت المدة التي بين الأنبياء "فترة" لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع. الراغب: إن بعثة الأنبياء من ضرورات العباد التي لا يُستغنى عنها، فعامة الناس يجهلون جزئيات مصالحهم وكلياتها، وخاصتهم يعرفون كلياتها دون جزئياتها، ولا يمكنهم أن يعرفوا الكليات على التحقيق إلا بعد انقضاء كثير من عمرهم، فسهل الله السبيل عليهم بمن يهديهم إلى مصالحهم.
[ ٥ / ٣١٩ ]
وعن الكلبي: كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنةٍ، وألف نبي وبين عيسى ومحمد صلوات اللَّه عليهم أربعة أنبياءٍ، ثلاثة من بني إسرائيل، وواحدٌ من العرب: خالد بن سنان العبسي. والمعنى: الامتنان عليهم، وأن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي أحوج ما يكون إليه ليهشوا إليه ويعدّوه أعظم نعمةٍ من اللَّه، وفتح بابٍ إلى الرحمة، وتلزمهم الحجة فلا يعتلوا غدًا بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم عن غفلتهم.
_________________
(١) ـ قوله: (خالد بن سنان العبسي). قال صاحب "الكامل في التاريخ": إن خالد بن سنان العبسي كان نبيًا، ومن معجزاته أن نارًا ظهرت بأرض العرب فافتتنوا بها وكادوا يتمسحون، فأخذ خالد عصاه ودخلها حتى توسطها ففرقها فطفئت وهو في وسطها، وقيل: إن النبي ﷺ، قال فيه: "ذلك نبي ضيعه قومه"، فأتت ابنته النبي ﷺ فآمنت به. قوله: (أحوج ما يكونون إليه). أحوج منصوب على الظرفية بدلًا من قوله: "حين انطمست" و"ما": مصدرية، و"كان": تامة، أي: أحوج أوقاتهم، على أن إسناد الاحتياج إلى الوقت مجازٌ كما في: أخطب ما يكون الأمير قائمًا، فأحوج الأوقات عبارة عن الوقت الذي كانوا فيه. قوله: (ليهشوا)، الجوهري: وقد هششت بفلان، بالكسر: أهش هشاشة: إذا خفقت إليه وارتحت له، ورجلٌ هش بش، ويناسب هذا المقام ما قال الإمام في"المعالم": إنه عند مقدم النبي ﷺ كان العالم مملوءًا من الكفر والضلالة، أما اليهود: فكانوا في المذاهب الباطلة في
[ ٥ / ٣٢٠ ]
[(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ* يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ* قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ* قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ)].
(جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ): لأنه لم يبعث في أمّة ما بعث في بنى إسرائيل من الأنبياء (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه، وبعد الجبابرة ملكهم ولأنّ الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء. وقيل: كانوا مملوكين في أيدى القبط فأنقذهم اللَّه، فسمى إنقاذهم ملكًا. وقيل: الملك: من له مسكنٌ واسعٌ فيه ماءٌ جارٍ. وقيل: من له بيت وخدم.
_________________
(١) ـ التشبيه والافتراء على الأنبياء، وتحريف التوراة، وأما النصارى: فقد قالوا بالتثليث والأب والابن والحلول والاتحاد، وأما المجوس: فأثبتوا إلهين: يزدان وأهرمن، وتحليل نكاح الأمهات، وأما العرب فانهمكوا في عبادة الأصنام، والفساد في الأرض، فلما بُعث صلوات الله عليه انقلبت الدنيا من الباطل إلى الحق، ومن الظلمة إلى النور، وانطلقت الألسنة بتوحيد الله، واستنارت العقول بمعرفة الله، ورجع الخلق من حب الدنيا إلى حب المولى، وإذا كان لا معنى للنبوة إلا تكميل الناقصين في القوة: العلمية والعملية، ورأينا أنه حصل هذا الأثر بمقدم سيدنا محمد صلوات الله عليه أكثر مما ظهر بمقدم سائر الأنبياء، علمنا أنه سيدهم وقدوتهم. قوله: (من له بيت وخدم). روى البخاري عن عبد الله بن عمرو أنه سأله رجلٌ فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك
[ ٥ / ٣٢١ ]
وقيل: من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق. (ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ): من فلق البحر، وإغراق العدوّ، وتظليل الغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الأمور العظام، وقيل: أراد عالمي زمانهم.
_________________
(١) ـ مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادمًان قال: فأنت من الملوك. الراغب: الملك ضربان: ملك هو التملك والتولي، وملك هو القوة على ذلك تولى أو لم يتول، فمن الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤]، ومن الثاني: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]، فجعل النبوة مخصصة والملك فيهم عامًا، فإن الملك هنا هو القوة التي ترشح بها للرياسة لا أنه جعل كلهم متولين للأمر، فذلك مناف للحكمة، كما قيل: لا خير في كثرة الرؤساء، وقال بعضهم: الملك: اسم لكل من يملك السياسة، إما في نفسه، وذلك بالتمكين من زمام قواه وصرفها عن هواها، وإما في غيره، سواء تولى ذلك أو لم يتول على ما تقدم، وقلت: يؤيد الأول ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "كلكم راع ولكم مسؤول عن رعيته" الحديث. قوله: (وقيل: أراد عالمي زمانهم) عطف من حيث المعنى على قوله: " ﴿مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ من فلق البحر" يعني: إن جعلت ﴿الْعَالَمِينَ﴾ عامًا وجب تخصيص ﴿مَا﴾، لئلا
[ ٥ / ٣٢٢ ]
(الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ): أرض بيت المقدس. وقيل: الطور وما حوله. وقيل: الشام. وقيل: فلسطين ودمشق وبعض الأردن. وقيل: سماها اللَّه لإبراهيم ميراثًا لولده حين رفع على الجبل، فقيل له: انظر فلك ما أدرك بصرك، وكان بيت المقدس قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين. (كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ): قسمها لكم وسماها، أو خط في اللوح أنها لكم.
(وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ): ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبنًا وهلعًا، وقيل: لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ليتنا متنا بمصر، وقالوا: تعالوا نجعل علينا رأسًا ينصرف بنا إلى مصر. ويجوز أن يراد: لا ترتدوا على أدباركم في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم، وعصيانكم نبيكم: فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة.
_________________
(١) ـ يلزم أنهم أوتوا ما لم تؤت هذه الأمة من الكرامة والفضل وغير ذلك، وإن خصصته بعالمي زمانهم، فـ ﴿مَا﴾ باقية على عمومها، إذ لا محذور، والتقدير قيل: أراد بـ ﴿الْعَالَمِينَ﴾: عالمي كل زمان، وبالإيتاء: ما اختص ببني إسرائيل، وقيل: أراد به: عالمي زمانهم، وبالإيتاء: ما اشترك به غيرهم. قوله: (بعض الأردن)، الجوهري: هو اسم نهر وكورة بالشام. قوله: (أو خط في اللوح أنها لكم) عطف على قوله: "قسمها"، و"قسمها" و"سماها" واردان على أن ﴿كَتَبَ﴾ مجاز عنهما. الأساس: ومن المجاز: كُتب عليه كذا: قضي عليه، وكتب الله الأجل والرزق، وكتب على عباده الطاعة، وعلى نفسه الرحمة، وهذا كتاب الله أي: قدره، وسألني بعض المغاربة ونحن في الطواف عن القدر، فقلت: هو في السماء مكتوب وفي الأرض مكسوب، ومنه ما روينا في حديث القدر: "ثم يبعث الله ملكًا بأربع كلمات، بكتب: رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد"، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود.
[ ٥ / ٣٢٣ ]
الجبار: «فعال» من: جبره على الأمر بمعنى: أجبره عليه، وهو العاتي الذي يُجبر الناس على ما يريد.
(قالَ رَجُلانِ): هما كالب ويوشع (مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ) الله ويخشونه، كأنه قيل: رجلان من المتقين، ويجوز أن تكون الواو لبني إسرائيل، والراجع إلى الموصول محذوف، تقديره: من الذين يخافهم بنو إسرائيل، وهم الجبارون، وهما رجلان منهم (أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا) بالإيمان فآمنا، قالا لهم: إن العمالقة أجسامٌ لا قلوب فيها، فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم، يشجعانهم على قتالهم.
_________________
(١) ـ واعلم أنه حين عد الأقوال الأربعة في تفسير الأرض المقدسة، كان من حقه أن يفسر بعده معنى ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ على الوجهين المذكورين في معنى ﴿كَتَبَ﴾ من أنه "خط في اللوح أو سماها" لكن أوقع في البين للاهتمام قولًا يفهم منه ترجيح القول الأول من الأقوال الأربعة، يشهد له قوله: "وكان بيت المقدس قرار الأنبياء"، وأولوية الوجه الأول من الوجهين المذكورين في تفسير ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يدل عليه قوله: "سماها الله لإبراهيم". وأما الجبل الذي رُفع عليه الخليل ﵇، فقد روى الإمام: أنه جبل لبنان، والله أعلم. الراغب: معنى ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: أوجبها عليكم، إن قيل: فقد كان يجب أن يقول: كتب الله عليكم على هذا، قيل: إنما ذكر ﴿لَكُمْ﴾ لمعنى لطيف، وهو أنه نبه أنه أوجب عليهم وجوبًا يستحقون به ثوابًا يحصل لهم، وذلك كقولك لمن يرى متأذيًا بشيء أوجب، فيقال: هذا لك لا عليك؛ تنبيهًا على الغاية التي هي الثواب، وإذا قيل: كتب عليه فليس اللفظ يقتضي معنى الغاية التي هي الثواب، بل يقتضي مجرد الإيجاب والله أعلم. قوله: (عن العمالقة أجسام)، قال صاحب "الكامل": قال ابن إسحاق: هم أولاد عمليق
[ ٥ / ٣٢٤ ]
وقراءة من قرأ: (يخافون) بالضم شاهدةٌ له، وكذلك (أنعم اللَّه عليهما) كأنه قيل: من المخوفين. وقيل: هو من الإخافة، ومعناه: من الذين يخوفون من اللَّه بالتذكرة والموعظة. أو يخوّفهم وعيد اللَّه بالعقاب.
فإن قلت: ما محل (أنعم اللَّه عليهما)؟ قلت: إن انتظم مع قوله: (من الذين يخافون) في حكم الوصف لـ (رجلان) فمرفوع، وإن جعل كلامًا معترضًا فلا محلّ له.
فإن قلت: من أين علما أنهم غالبون؟ قلت: من جهة إخبار موسى بذلك، وقوله تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) وقيل: من جهة غلبة الظن،
_________________
(١) ـ ابن لاوذ بن سام، ومنهم كانت الجبابرة بالشام الذين يقال لهم: الكنعانيون، والفراعنة بمصر، وأن أهل البحرين وعمان منهم. قوله: (وقراءة من قرأ: "يخافون"، بالضم شاهدة له) أي: شاهدة لأن تكون الواو في ﴿يَخَافُونَ﴾ لبني إسرائيل؛ لما يلزم أن يكون الرجلان من العمالقة، وكذلك ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ﴾، لأن هذا القيد إنما يليق بمن أسلم من الكفار لا بمن هو مؤمن كما في الوجه السابق. قوله: (وقيل: هو من الإخافة) أي: يخافون بالضم، فعلى هذان المراد بالذين يخافون: بنو إسرائيل، وعلى الأول: العمالقة، فيكون مجهولًا من: خاف يخاف. قال أبو البقاء: يُقرأ (يُخافون) بضم الياء، وله معنيان، أحدهما: أنه من قولك: خيف الرجل، أي: خوف، والثاني: أن يكون المعنى: يخافهم غيرهم، كقولك: فلان مخوف، أي: يخافه الناس. قوله: (إن انتظم). انتظم متعديًا ولازمًا. الجوهري: طعنه فانتظمه، أي: اختله.
[ ٥ / ٣٢٥ ]
وما تبينا من عادة اللَّه في نصرة رسله، وما عهدا من صنع اللَّه لموسى في قهر أعدائه، وما عرفا من حال الجبابرة. و(الباب): باب قريتهم. (لَنْ نَدْخُلَها) نفى لدخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس.
و(أَبَدًا): تعليقٌ للنفي المؤكد بالدهر المتطاول، و(ما دامُوا فِيها): بيان للأبد. (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ) يحتمل أن لا يقصدوا حقيقة الذهاب، ولكن كما تقول: كلمته فذهب يجيبني، تريد: معنى الإرادة والقصد للجواب، كأنهم قالوا: أريدا قتالهم. والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة باللَّه ورسوله وقلة مبالاةٍ بهما واستهزاءً، وقصدوا ذهابهما حقيقة بجهلهم وجفاهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل وسألوا بها رؤية اللَّه ﷿ جهرة، والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم.
ويحكى أنّ موسى وهرون ﵉ خرّا لوجوههما قدّامهم لشدّة ما ورد عليهما، فهموا برجمهما، ولأمرٍ ما قرن اللَّه اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) [المائدة: ٨٢].
[(قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) ٢٥ - ٢٦].
_________________
(١) ـ قوله: (﴿مَا دَامُوا فِيهَا﴾: بيان للأبد)، قال الشاعر: وأكرم أخاك الدهر ما دمتما معًا … كفى بالممات فرقة وتنائيا قوله: "ما دمتما" بدل من "الدهر". قوله: (أريدا) بفتح الهمزة وكسر الراء، أمر من: أراد. قوله: (لوجوههما) قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
[ ٥ / ٣٢٦ ]
لما عصوه وتمرّدوا عليه وخالفوه وقالوا ما قالوا من كلمة الكفر ولم يبق معه مطيع موافق يثق به إلا هارون؛ (قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ) لنصرة دينك (إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) وهذا من البث والحزن والشكوى إلى اللَّه والحسرة ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة، ونحوه قول يعقوب ﵇: (إنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) [يوسف: ٨٦].
وعن علي ﵁: أنه كان يدعو الناس على منبر الكوفة إلى قتال البغاة، فما أجابه إلا رجلان فتنفس الصعداء ودعا لهما، وقال: أين تقعان مما أريد!
وذكر في إعراب (وأخى) وجوهٌ: أن يكون منصوبًا عطفًا على (نفسي) أو على الضمير في (إنى) بمعنى: ولا أملك إلا نفسي، وإن أخي لا يملك إلا نفسه.
ومرفوعًا عطفًا على محل إن واسمها، كأنه قيل: أنا لا أملك إلا نفسي، وهارون كذلك لا يملك إلا نفسه، أو على الضمير في (لا أملك)، وجاز للفصل.
ومجرورًا عطفًا على الضمير في (نفسي) وهو ضعيفٌ لقبح العطف على ضمير المجرور إلا بتكرير الجار.
_________________
(١) ـ قوله: (فتنفس الصعداء) وهي التنفس البارد الطويل الممدود. قوله: (أو على الضمير في ﴿إِنِّي﴾ بمعنى: ولا أملك). قال أبو البقاء: المعنى: لا أملك إلا نفسي، ولا يملك أخي إلا نفسه. قوله: (ومجرورًا عطفًا على الضمير في ﴿نَفْسِي﴾. قال الزجاج: جائز أن يكون المعنى: لا أملك إلا نفسي ولا أملك إلا نفس أخي، لأن أخاه إذا كان مطيعًا له فهو ملك طاعته.
[ ٥ / ٣٢٧ ]
فإن قلت: أما كان معه الرجلان المذكوران؟ قلت: كأنه لم يثق بهما كل الوثوق، ولم يطمئن إلى ثباتهما، لما ذاق على طول الزمان واتصال الصحبة من أحوال قومه وتلونهم وقسوة قلوبهم، فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في أمره.
ويجوز أن يقول ذلك لفرط ضجره عند ما سمع منهم تقليلًا لمن يوافقه. ويجوز أن يريد: ومن يؤاخينى على ديني؟
(فَافْرُقْ) فافصل (بَيْنَنا) وبينهم، بأن تحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما يستحقون، وهو في معنى الدعاء عليهم؛ ولذلك وصل به قوله: (فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ) على وجه التسبيب. أو: فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم، كقوله: (وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [التحريم: ١١].
(فَإِنَّها): فإن الأرض المقدسة (مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ): لا يدخلونها ولا يملكونها.
_________________
(١) ـ قوله: (أما كان معه الرجلان المذكوران؟) أي: كيف قال: لا أملك إلا نفسي وأخي على الحصر، وكان معه كالبٌ ويوشع مطيعين متقين؟ قوله: (ولذلك وصل به قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ على وجه التسبيب)، يعني: لما دعا موسى ﵇ بقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ عقب ﷾ ما يدل على استجابة دعائه بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾، ولا شك أن الحصول في التيه، والمنع من الدخول في الأرض المقدسة، من أشد البلاء، ولولا اشتمال دعائه على الدعاء عليهم لم يحسن هذا الترتيب، هذا إذا قدر أن موسى ﵊ كان معهم في التيه وكان روحًا له وسلامًا لا عقوبة، وقوله: "أو فباعد بيننا وبينهم" هذا إذا قيل: إنه ﵊ لم يكن معهم فيها كما سيجيء.
[ ٥ / ٣٢٨ ]
فإن قلت: كيف يوفق بين هذا وبين قوله: (الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)؟ [المائدة: ٢١] قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يراد: كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا أهلها فلما أبوا الجهاد قيل: (فإنها محرمة عليهم).
والثاني: أن يراد فإنها محرمةٌ عليهم أربعين سنةً، فإذا مضت الأربعون كان ما كتب. فقد روي أن موسى سار بمن بقي من بني إسرائيل، وكان يوشع على مقدمته، ففتح أريحاء وأقام فيها ما شاء اللَّه، ثم قبض صلوات اللَّه عليه. وقيل: لما مات موسى بعث يوشع نبيًا، فأخبرهم بأنه نبيّ اللَّه، وأن اللَّه أمره بقتال الجبابرة، فصدقوه وبايعوه وسار بهم إلى أريحاء، وقتل الجبارين وأخرجهم، وصار الشام كله لبني إسرائيل.
وقيل: لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال: (إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها) وهلكوا في التيه ونشأت نواشئ من ذرّياتهم فقاتلوا الجبارين ودخلوها.
والعامل في الظرف إما (مُحَرَّمَةٌ) وإما (يَتِيهُونَ)، ومعنى (يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ): يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقًا. والتيه: المفازة التي يتاه فيها.
_________________
(١) ـ قوله: (كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا) يؤيد هذا الوجه عطف قوله: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ على قوله: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فإنهم لما خالفوا النهي هذا خسروا وتاهوا، فقوله: " بشرط أن تجاهدوا" مستنبط من الجملة المنهية، وفي هذا العطف دلالة على جواز تقييد المطلق به فليتأمل. قوله: (والعامل في الظرف) أي: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ (إما ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ وإما ﴿يَتِيهُونَ﴾) قال أبو البقاء: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف لـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾، فالتحريم على هذا مؤقت، و﴿يَتِيهُونَ﴾ حال من الضمير المجرور، وقيل: هي ظرف لـ ﴿يَتِيهُونَ﴾، فالتحريم على هذا غير مؤقت، وقال الزجاج: نصبه بـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ خطأ، لأنه جاء في التفسير أنها محرمة عليهم أبدًا فنصبه
[ ٥ / ٣٢٩ ]
روي أنهم لبثوا أربعين سنة في ستةً فراسخ يسيرون كل يوم جادين، حتى إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان الغمام يظللهم من حرّ الشمس، ويطلع لهم عمود من نورٍ بالليل يضيء لهم، وينزل عليهم المنّ والسلوى، ولا تطول شعورهم، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله.
فإن قلت: فلم كان ينعم عليهم بتظليل الغمام وغيره وهم معاقبون؟ قلت: كما ينزل بعض النوازل على العصاة عركًا لهم، وعليهم مع ذلك النعمة متظاهرة.
ومثل ذلك مثل الوالد المشفق يضرب ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف، ولا يقطع عنه معروفه وإحسانه.
فإن قلت: هل كان معهم في التيه موسى وهرون ﵉؟ قلت: اختلف في ذلك، فقيل لم يكونا معهم لأنه كان عقابًا، وقد طلب موسى إلى ربه أن يفرق بينهما وبينهم. وقيل: كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحًا لهما وسلامًا، لا عقوبةً، كالنار
_________________
(١) ـ بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾، قيل: عذبهم الله ﷿ بأن مكثوا في التيه أربعين سنة سيارة لا يقر بهم القرار، إلى أن مات البالغون الذين عصوا الله، ونشأ الصغار وولد من لم يدخل في جملتهم في المعصية. قوله: (ثوب كالظفر). النهاية: وفي الحديث: "كان لباس آدم ﵊ الظفر"، أي: شيء يشبه الظفر في بياضه وصفائه وكثافته. قوله: (عركًا لهم) من قولهم: عرك أذنيه، تأديبًا. قوله: (ويثقب) أي: يتقدم ويستوي.
[ ٥ / ٣٣٠ ]
لإبراهيم، وملائكة العذاب. وروي أن هرون مات في التيه، ومات موسى بعده فيه بسنةٍ، ودخل يوشع أريحاء بعد موته بثلاثة أشهرٍ، ومات النقباء في التيه بغتة، إلا كالب ويوشع.
(فَلا تَاسَ). فلا تحزن عليهم، لأنه ندم على الدعاء عليهم، فقيل: إنهم أحقاء - لفسقهم - بالعذاب، فلا تحزن ولا تندم.
[(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ* لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ* إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ* فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ* فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ* مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)].
هما ابنا آدم لصلبه: قابيل وهابيل، أوحى اللَّه إلى آدم أن يزوّج كل واحدٍ منهما توأمة الآخر، وكانت توأمة قابيل أجمل، واسمها إقليما، فحسد عليها أخاه وسخط فقال لهما آدم: قرّبا قربانًا، فمن أيكما تقبل زوّجها، فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته، فازداد قابيل حسدًا وسخطًا وتوعده بالقتل. وقيل: هما رجلان من بني إسرائيل.
_________________
(١) ـ قوله: (فمن أيكما ُقبل) قيل: الفاء جزاء شرط محذوف، والجملة من الشرط والجزاء جواب الأمر، أي: قربا قربانًا فإنكما إن تقربا قربانًا فمن أيكما قبل زوجها. قوله: (وقيل: هما رجلان من بني إسرائيل) عطف على قوله: "هما ابنا آدم لصلبه" أي: من
[ ٥ / ٣٣١ ]
(بِالْحَقِّ): تلاوةً ملتبسةً بالحق والصحة، أو: اتله نبأ ملتبسًا بالصدق موافقًا لما في كتب الأوّلين، أو: بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد؛ لأن المشركين وأهل الكتاب كلهم كانوا يحسدون رسول اللَّه ﷺ ويبغون عليه، أو: اتل عليهم وأنت محق صادقٌ. و(إِذْ قَرَّبا) نصب بالنبأ، أي: قصتهم وحديثهم في ذلك الوقت. ويجوز أن يكون بدلًا من النبأ، أي: اتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت؛ على تقدير حذف المضاف.
_________________
(١) ـ صُلبه، وقيل: "لصُلبه": بدل من "آدم"، واللام في "الصلبه" هي معنى الإضافة، أي: هما ابنا صلبه، وفيه نوع مجاز. قوله: (تلاوة ملتبسة بالحق)، قال صاحب "التقريب": الباء في ﴿بِالْحَقِّ﴾ إما للملابسة، أي: ملتبسًا بالحق والصدق، وهو إما صفة للتلاوة، أو حال من النبأ، أو عن فاعل "اتل"، وإما للسببية، أي: اتل بالغرض الصحيح. وقلت: هذا تلخيص كلام المصنف! لكن ليس الباء في قوله: "بالغرض الصحيح" لتسبيب، بل هي صلة "ملتبسًا"، لأن "بالغرض": عطف بالواو، وفي الأصح على "بالصدق"، يدل عليه قوله في "الأحقاف" في قوله: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣]: "إلا خلقًا ملتبسًا بالحكمة والغرض الصحيح". واعلم أن "الحق" يجيء على معانٍ. الأساس: حق الله الأمر حقًا: أثبته وأوجبه، وهذا قول حق، وأحق الرجل: إذا قال حقًا وادعاه، وهو محق غير مبطل، ومن المجاز: كلام محقق، أي: محكم النظم، فقوله: "أو تلاوة ملتبسة بالحق والصحة" مبني على المجاز، لأن ﴿بِالْحَقِّ﴾ حينئذٍ: صفة للتلاوة، ومن حق التلاوة أن تكون على الصحة والاستحكام عُريًا عن الفساد، وقوله ثانيًا: "نبأ ملتبسًا بالصدق" مبني على قول: "هذا قول حق" لأن ﴿بِالْحَقِّ﴾ حينئذ: صفة للنبأ، ومن حق النبأ أن لا يتطرق إليه كذب بل يكون صدقًا محضًا، ومع ذلك لا يكون عبثًا باطلًا بل يكون لغرض صحيح، ونحوه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] قال:
[ ٥ / ٣٣٢ ]
والقربان: اسم ما يتقرّب به إلى اللَّه من نسيكة أو صدقة، كما أنّ الحلوان اسم ما يحلى؛ أي: يعطى.
يقال: قرّب صدقة وتقرّب بها؛ لأن "تقرّب" مطاوع "قرّب"، قال الأصمعى: تقربوا قرف القمع فيعدى بالباء حتى يكون بمعنى قرب.
_________________
(١) ـ "ما خلقته خلقًا باطلًا بغير حكمة، بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لمعرفتك". وقوله ثالثًا: "وأنت محق صادق" مبني على قوله: أحق الرجل: إذا قال حقًا وادعاه، وهو محق غير مبطل، لأن ﴿بِالْحَقِّ﴾ حينئذ: صفة للتالي، لأن الحال في الحقيقة وصف، فينبغي للنبي أن يكون صادقًا فيما يُنبئ عنه وأن يكون محقًا في نفسه، ولما كان جل الحكمة من إيراد القصص في هذا الكتاب الكريم تسلية للرسول ﷺ وتهذيبًا للأمة، والمشركون وأهل الكتاب كانوا يحسدونه، فجيء بهذه القصة المتضمنة لسوء مغبة الحاسد تقبيحًا لهم على حدسهم، وتصبيرًا للرسول ﷺ من شر كيدهم. قوله: (والقربان: اسم ما يتقرب به إلى الله تعالى). قال أبو البقاء: هو في الأصل مصدر، وقد وقع هاهنا موقع المفعول به، والأصل: إذ قربا قربانين، ولم يثن للمح الأصل. وقال أبو علي: تقديره: إذ قرب كل واحد منهما قربانًا. قوله: (تقربوا قرف القمع)، النهاية: القرف: الوسخ، والقمع: الإناء الذي يُترك في رؤوس الظروف لتُملأ بالمائعات، وفي حاشية "الصحاح" بخط ابن الحبيب الكاتب من تصحيح الصاغاني: قال الأصمعي: حدثني أبو عمرو بن العلاء، قال سيف بن ذي يزن الحميري ين قاتل الحبشة: قد علمت ذات مْ نطع … أتى إذا م موت نع أضربهم بذا مْ قلعْ … اقتربوا قرف مْ قمع
[ ٥ / ٣٣٣ ]
فإن قلت: كيف كان قوله: (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) جوابًا لقوله: (لَأَقْتُلَنَّكَ)؟ قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل، قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلي، فلم تقتلني؟ وما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى اللَّه التي هي السبب في القبول؟ فأجابه بكلام حكيمٍ مختصرٍ جامعٍ لمعانٍ.
وفيه دليل على أنّ اللَّه تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، فما أنعاه على أكثر
_________________
(١) ـ قال: أراد: ذات النطع فإذا الموت كنع، وبذا القلع، وقرف القمع، فأبدل من لام التعريف ميمًا، وقوله: قرف القمع: أراد أنهم أوساخ أذلاء كالوسخ الذي يُقرف من القمع، ونصب "قرف" على النداء، قوله: كنع، أي: قرب، وقلع: سيف منسوب إلى مرج القلعة بالتحريك، وهو موضع بالبادية. قوله: (بكلام حكيم) أي: ذي حكمة، أي: وصف بصفة صاحبه، كقوله تعالى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢] أي: هذا الجواب واردٌ على أسلوب الحكيم لأنه تلقاه بغير ما يتطلب وبما هو أهم له من القتل، وإليه الإشارة بقوله: "وما لك لا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول". قوله: (فما أنعاه!)، الجوهري: فلان ينعي على فلان ذنوبه، أي: يُظهرها ويشهرها، والضمير يعود على قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ على تأويل القول، وهو منصوب، كزيد في قولك: ما أحسن زيدًا، والفعل منسوب إليه، كذا قال ابن الحاجب في "شرح المفصل"، و"أعمالهم" أيضًا منصوب به لاقتضاء النفي مفعولًا، إذ الأصل الآية ناعية على العاملين أعمالهم.
[ ٥ / ٣٣٤ ]
العاملين أعمالهم! وعن عامر بن عبد اللَّه: أنه بكى حين حضرته الوفاة، فقيل له: ما يبكيك فقد كنت وكنت؟ قال: إني أسمع اللَّه يقول: (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).
(ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ): قيل: كان أقوى من القاتل وأبطش منه، ولكنه تخرج عن قتل أخيه واستسلم له خوفًا من اللَّه؛ لأنّ الدفع لم يكن مباحًا في ذلك الوقت؛ قاله مجاهد وغيره.
(إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ): أن تحتمل إثم قتلى لك لو قتلتك وإثم قتلك لي.
فإن قلت: كيف يحمل إثم قتله له، ولا تزر وازرة وزر أخرى؟ قلت: المراد بمثل إثمي؛ على الاتساع في الكلام، كما تقول: قرأت قراءة فلانٍ، وكتبت كتابته؛ تريد: المثل، وهو اتساع فاشٍ مستفيض، لا يكاد يستعمل غيره،
_________________
(١) ـ قوله: (قد كنتَ وكنتَ) أي: كنت عابدًا صالحًا ونحوهما. قوله: (أن تحتمل إثم قتلى لك) تأويل لقوله: ﴿أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾، وليس بتفسيره، يعني أنه كناية عن إرادة تمكنه منه، قال تعالى: ﴿بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦] أي: حل مبوأ ومعه غضب الله، ونحوه قولك: تربع فلان في لحمه، ومنه ما ورد في "الصحيح": "أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي"، وتأويلهم إياه بـ "أعترف"، وقال الشاعر: أنكرت باطلها وبؤت بحقها أي: أقررت بحقها. قوله: (المراد: بمثل إثمي؛ على الاتساع)، ومعنى الاتساع: أن ينسب إلى شيء ما لا تصح استقامته إلا بتقدير، نحو: ما مر في قوله تعالى: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]،
[ ٥ / ٣٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ و"أبو يوسف أبو حنيفة" و"قضية ولا أبا حسن"، وسبق قبيل هذا في قوله: ﴿وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٤]، على أن يراد ميثاق اليهود، وصحح بقوله: "بمثل ميثاقهم"، فلو أريد هاهنا بقوله: ﴿أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾: أن تحمل عين ما جنيته فيصح تصحيحه بقوله: "بمثل إثمي"، لكن تنظيره بقوله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] مشكل؛ لأنه فسره في فاطر بقوله: "إن كل نفس في القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته، لا تؤخذ نفس بذنب نفس"، اللهم إلا أن لا يحمل قوله: "لاتؤخذ نفس بنفس" على التفسير، بل على أن مرجع المعنى إليه. وذكر القاضي المعنيين، قال: المعنى: إنما أستسلم لك إرادة أن تحمل إثمي لو بسطت إليك يدي وإثمك ببسطك يدك إليّ، ونحوه: "المستبان .. " الحديث، ويجوز أن يكون المراد بالإثم عقوبته، وإرادة عقاب العاصي جائزة، وهاهنا معنى آخر رواه محيي السنة عن مجاهد: إني أريد أن يكون عليك خطيئتي التي عملتها إذا قتلتني وإثمك فتبوء بخطيئتي ودمي جميعًا. وفي "النهاية": في الحديث: "أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي" أي: ألتزم وأرجع وأقر، وأصل البواء: اللزوم، ومنه الحديث: فقد باء به أحدهما، أي: التزمه ورجع به.
[ ٥ / ٣٣٦ ]
ونحوه قوله ﷺ: «المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم» على أنّ البادي عليه إثم سبه، ومثل إثم سب صاحبه، لأنه كان سببًا فيه، إلا أن الإثم محطوطٌ عن صاحبه، معفوّ عنه، لأنه مكافئ مدافع عن عرضه، ألا ترى إلى قوله: «ما لم يعتد المظلوم؟» لأنه إذا خرج من حدّ المكافأة واعتدى لم يسلم.
فإن قلت: فحين كف هابيل قتل أخيه واستسلم وتحرج عما كان محظورًا في شريعته من الدفع، فأين الإثم حتى يتحمل أخوه مثله، فيجتمع عليه الإثمان؟ قلت: هو مقدّرٌ، فهو يتحمل مثل الإثم المقدّر، كأنه قال: إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت يدي إليك.
وقيل: (بِإِثْمِي) بإثم قتلي (وَإِثْمِكَ): الذي من أجله لم يتقبل قربانك.
فإن قلت: فكيف جاز أن يريد شقاوة أخيه وتعذيبه بالنار؟ قلت: كان ظالما وجزاء الظالم حسن جائز أن يراد. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ)؟ وإذا جاز أن يريده اللَّه، جاز أن يريده العبد، لأنه لا يريد إلا ما هو حسن
_________________
(١) ـ قوله: (المستبان ما قالا). قال الصاغاني في "كشف الحجاب": الحديث أخرجه مسلم من رواية أبي هريرة وأنس: "المستبان ما قالا، فهو على البادي حتى يعتدي المظلوم". "المستبان": مبتدأ، وقوله: "ما قالاه فعلى البادي" جملة شرطية خبر له، و"ما" في قوله: "ما لم يعتد المظلوم" في رواية الكتاب: مصدرية، فيها معنى المدة، وهي ظرف لمتعلق الجار والمجرور الذي هو خبر المبتدأ، المعنى: المستبان الذي قالا: استقر ضرره على الذي بدأ بالسب مدة عدم اعتداء المظلوم، أي: ما لم يتجاوز المظلوم حد ما سبه البادي، فإذا جاوز استقر ضرر ما قالا عليهما معًا. قوله: (وإذا جاز أن يريده الله تعالى جاز أن يريده العبد)، الانتصاف: فيه ما يدل على أن
[ ٥ / ٣٣٧ ]
والمراد بالإثم: وبال القتل وما يجره من استحقاق العقاب. فإن قلت: لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل، وهو قوله: (لَئِنْ بَسَطْتَ … ما أَنَا بِباسِطٍ)؟ قلت: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع. ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي.
_________________
(١) ـ في الكائنات ما لا يريده الله، وهو القبائح كلها، وهو الشرك الخفي، وإنما أراد إثم أخيه وعقوبته لأنه أراد: لا أعاقبك ولا أقتلك، ولما لم يكن بد من إرادة أحد الأمرين؛ إما إثمه بتقدير دفعه عن نفسه فيقتل أخاه، أو إثم أخيه، وكان غير مريد للأول، اضطر إلى الثاني، ولم يرد إثم أخيه بعينه، بل أراد ترك المدافعة، فيلزم منها ذلك، وهو كما يتمنى المسلم الشهادة فيتضمن ذلك أن يبوء الكافر بإثمه لكن لم يقصد إثم الكافر بعينه بل أراد بذل نفسه لله تعالى، وجاء إثم الكافر ضمنًا. قوله: (أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع) أي: لا أفعل فعلًا يُشتق منه هذا الوصف، وهو أن يقال مثلًا: هو باسط اليد، فإن الفعل الصادر عن الشخص ملزوم كونه فاعلًا، فإذا انتفى اللازم لينتفي الملزوم على الكناية كان أبلغ وأدل على شناعة الفعل. الانتصاف: صيغة الفعل لا تُعطي إلا حدوث معناه من الفاعل لا غيرن أما اتصاف الذات به فذلك لما كان يعطيه اسم الفاعل عدل من الفعل إلى الاسم تغليطًا، إذ يصير ذلك كالسمة العلامة الثابتة. قلت: قصده أن يبالغ في الامتناع، ولو وجه على هذا لكان العكس أولى، إذ لا يلزم من نفي الاتصاف المذكور نفي الحدوث، وفي التركيب أيضًا تأكيد ومبالغة، لأن اللام في ﴿لَئِنْ﴾ موطئة للقسم و﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ﴾ جواب القسم وسد مسد جواب الشرط.
[ ٥ / ٣٣٨ ]
(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ): فوسعته له ويسرته. من طاع له المرتع: إذا اتسع.
وقرأ الحسن: (فطاوعت) وفيه وجهان: أن يكون مما جاء من فاعل بمعنى "فعل"، وأن يراد أنّ قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع، و(له) لزيادة الربط، كقولك: حفظت لزيدٍ ماله. قيل: قتل وهو ابن عشرين سنةً، وكان قتله عند عقبة حراء. وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.
(فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا): روي أنه أوّل قتيلٍ قتل على وجه الأرض من بني آدم، ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به، فخاف عليه السباع، فحمله في جرابٍ على ظهره سنةً، حتى أروح وعكفت عليه السباع،
_________________
(١) ـ قوله: (﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾: فوسعته له ويسرته). قال الزجاج: طوعت: فعلتن من الطوع، والعرب تقول: طاع لهذه الظبية أصول هذه الشجرة، وطاع له كذا وكذا، أي: أتاه طوعًا. قوله: (و﴿لَهُ﴾ لزيادة الربط)، وهو مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، وقوله: حفظت لزيد ماله، أي: حفظت مال زيد. قوله: (حراء)، قال الخطابي: أخطؤوا فيه في ثلاثة مواضع، قالوا: حرى ففتحوا الحاء وهي مكسورة، وأمالوا في غير موضع الإمالة، لأن الراء قبل الألف مفتوحة كراشد، فإنه لا يجوز فيه الإمالة، ولا تجوز إمالته، لأن الراء قبل الألف مفتوحة، كما لا يجوز إمالة راشد ورافع، وقصروا الألف وهي ممدودة. قوله: (بالعراء) بالمد: الفضاء بلا سُترة.
[ ٥ / ٣٣٩ ]
فبعث اللَّه غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة (قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ).
ويروى أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلًا! فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك. وروي أنّ آدم مكث بعد قتله مئة سنةٍ لا يضحك، وأنه رثاه بشعرٍ! وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صحّ أن الأنبياء ﵈ معصومون من الشعر. (لِيُرِيَهُ): ليريه اللَّه، أو ليريه الغراب، أي: ليعلمه، لأنه لما كان سبب تعليمه، فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز. (سَوْأَةَ أَخِيهِ): عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده. والسوأة: الفضيحة لقبحها. قال:
يَا لَقَوْمِ لِلسَّوْأةِ السَّوْآء
_________________
(١) ـ قوله: (رثاه بشعر)، وهو على ما رواه محيي السنة: تغيرت البلاد ومن عليها … فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون … وقل بشاشة الوجه الصبيح ورُوي عن ابن عباس أنه قال: من قال: إن آدم قال شعرًا فقد كذب، إن محمدًا صلوات الله عليه وسلامه والنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، لكن رثاه آدم بالسريانية فلم يزل يُنقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وهو اول من خط بالعربية، فنظر في المرثية فقدم وأخر وجعله شعرًا عربيًا. قوله: (يا لقوم للسوأة)، الأساس: ووقعت في السوأة السواء، قال أبو زبيد:
[ ٥ / ٣٤٠ ]
أي: للفضيحة العظيمة، فكنى بها عنها. (فَأُوارِيَ) بالنصب على جواب الاستفهام. وقرئ بالسكون على: فأنا أواري. أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف. (مِنَ النَّادِمِينَ) على قتله لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره، وتبين له من عجزه وتلمذه للغراب، واسوداد لونه، وسخط أبيه، ولم يندم ندم التائبين.
(مِنْ أَجْلِ ذلِكَ): بسبب ذلك وبعلته. وقيل: أصله من أجل شرًا: إذا جناه يأجله أجلًا، ومنه قوله:
_________________
(١) ـ لم يهب حرمة النديم وحقت … يا لقومي للسوأة السوآة الجوهري: السوأة السواء: الخلة القبيحة، وامرأة سواء: قبيحة. قوله: (أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف) قال المبرد: هذا من الضرورات الحسنة التي يجوز مثلها في النثر. قوله: (ولم يندم ندم التائبين)، الراغب: الندم والندامة: التحسر من تغير رأي في أمر فائت، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ﴾، وأصله من منادمة الحزن له، والنديم والندمان والمنادم متقارب. قوله: (وقيل: أصله من: أجل شرًا: إذا جناه). قال الحريري في "درة الغواص": معنى قولهم: فعلته من جرائك، أي: من جريرتك، كما أن معنى قولهم: من أجلك، أي: من كسبك وجنايتك، والعرب تقول: فعلته من أجلك بفتح الهمزة وكسرها، وفي الحديث: "أن امرأة دخلت النار من جراء هرة ربطتها، فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض". وأُنشد للحياني بالمد والقصر:
[ ٥ / ٣٤١ ]
وَأَهْلِ خِبَاءٍ صَالحٍ ذَاتُ بَيْنِهِمْ … قَدم احْتَرَبُوا فِى عَاجِلٍ أَنَا آجِلُهْ
كأنك إذا قلت: من أجلك فعلت كذا، أردت: من أن جنيت فعله وأوجبته، ويدل عليه قولهم: من جراك فعلته، أي: من أن جررته بمعنى: جنيته، وذلك إشارةً إلى القتل المذكور؛ أي: من أن جنى ذلك القتل الكتب وجرّه (كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ)، و(مِنْ) لابتداء الغاية، أي: ابتدأ والكتب نشأ من أجل ذلك، ويقال: فعلت كذا لأجل كذا، وقد يقال: أجل، كذا، بحذف الجار وإيصال الفعل قال: أجل أنّ اللَّه قد فضلكم.
_________________
(١) ـ أمن جرًا بني أسد غضبتم … ولو شئتم لكان لكم جوار ومن جراء ناصرتم عبيدًا … لقوم بعدما وُطيء الخُبارُ الخبار: الأرض اللينة. قوله: (وأهل خباء) البيت، رُوي "أهل" بالحركات الثلاث، أنا آجله: أي: جالبه وكاسبه، يقول: أهل خباء كانوا ذوي صلح وأمن قد وقعوا في الحرب عاجلًا، وأنا جالب عليهم ذلك الحرب وجانيه، يصف نفسه بأنه مهياج للفتنة. قوله: (من أن جنيت فعله وأوجبته) أي: فعلت كذا بسبب أن جنيت فعله وأوجبته. قوله: (من جراك)، الجوهري: فعلت ذلك من جراك وجرائك، أي: من أجلك، لغة في جراك بالتشديد. قوله: (أجل أن الله قد فضلكم) تمامه، أنشد الجوهري لعدي بن زيد يصف جارية: فوق من أحكأ صلبًا بإزار
[ ٥ / ٣٤٢ ]
وقرئ: (من أجل ذلك) بحذف الهمزة وفتح النون لإلقاء حركتها عليها.
وقرأ أبو جعفر: (من أجل ذلك) بكسر الهمزة، وهي لغةٌ، فإذا خفف كسر النون ملقيًا لكسرة الهمزة عليها. (بِغَيْرِ نَفْسٍ): بغير قتل نفس، لا على وجه الاقتصاص. (أَوْ فَسادٍ) عطفٌ على (نفسٍ) بمعنى: أو بغير فساد (فِي الْأَرْضِ) وهو الشرك، وقيل: قطع الطريق. (وَمَنْ أَحْياها): ومن استنقذها من بعض أسباب الهلكة، قتلٍ أو غرقٍ أو حرقٍ أو هدمٍ أو غير ذلك.
فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع وجعل حكمه كحكمهم؟ قلت: لأن كل إنسان يدلي بما يدلي به الآخر من الكرامة على اللَّه وثبوت الحرمة، فإذا قتل فقد أهين ما كرم على اللَّه وهتكت حرمته، وعلى العكس، فلا فرق إذًا بين الواحد والجميع في ذلك.
_________________
(١) ـ أي: فضلكم بحسب وعفة، أحكأت العقدة وأحكيتها، أي: شددتها. قوله: (وقرئ: "من أجل ذلك") قرأها ورش عن نافع. قوله: (يُدلي بما يُدلي به الآخر) أي: يتوصل، النهاية: ومنه حديث استسقاء عمر ﵁: وقد دلونا به إليك مستشفعين به، يعني: العباس ﵁، وهو من الدلو؛ لأنه يتوصل به إلى الماء. الراغب: إن الناس لما كانوا كجسم واحد، ونسبة أحدهم إليه كنسبة أعضاء الجسم الواحد إليه، صار الساعي في إهلاك بعض الجسم كالساعي في إهلاكهم؛ كما أن اساعي في إهلاك بعض الجسم كالساعي في إهلاك كله، صار قتل الواحد كقتل الناس.
[ ٥ / ٣٤٣ ]
فإن قلت: فما الفائدة في ذكر ذلك؟ قلت: تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها؛ لأنّ المتعرّض لقتل النفس إذا تصوّر قتلها بصورة قتل الناس جميعًا عظم ذلك عليه فثبطه،
_________________
(١) ـ قوله: (فما الفائدة في ذكر ذلك؟) أي: في ذكر المذكور من تشديد أمر قتل النفس وإحيائها، وإيراد التشبيهين؟ يُعلم ذلك من الجواب وبيان التصوير المستفاد من التشبيهين، هذا ما عليه كلام الناس، والأظهر أن يكون المشار إليه بذلك تنزيل الواحد منزلة الجماعة، والفاء شاهدة عليه، أي: أن تنزيل الواحد منزلة الجماعة خلاف الظاهر، فما الفائدة في ذلك؟ وكذا قوله في الجواب: "لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور" إلى آخره. فإن قلت: فما المشار إليه بذلك في التنزيل؟ قلت: قال الواحدي: القتل، أي: بسبب قتل قابيل أخاه فرضنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس وجب عليه القصاص، والظاهر أن المشار إليه تعظيم أمر القتل، وعن بعض المفسرين: وإنما ذكر بني إسرائيل دون الناس لأن الكتاب نزل عليهم بهذا ووجب عليهم، وكانت التوراة أول كتاب نزل فيه تعظيم القتل، وفي كلام المصنف: "المسفرون في القتل لا يبالون بعظمته" إيماء إلى هذا المعنى، وقلت: وفي تخصيص ذكرهم دون الناس إيذانٌ بأنهم أشد تماديًا في الطغيان، والمعني: بسبب هذه العظيمة وبغلتها كتبنا في التوراة تعظيم القتل وشددنا عليهم وأرسلنا رسلنا تترًا، وأنزلنا عليهم البينات توصية فيه لعلهم يرجعون، ثم إن كثيرًا منهم بعد هذه التوكيدات لمجاوزون في القتل حده ولا يبالون بعظمته. قوله: (عظم ذلك) إشارة إلى المتصور، والضمير المستتر في "فثبطه" عائد إلى المتصور، أو إلى العظيم، والضمير المنصوب عائد إلى "المتعرض".
[ ٥ / ٣٤٤ ]
وكذلك الذي أراد إحياءها. وعن مجاهدٍ: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب اللَّه والعذاب العظيم، ولو قتل الناس جميعًا لم يزد على ذلك. وعن الحسن: يا ابن آدم، أرأيت لو قتلت الناس جميعًا، أكنت تطمع أن يكون لك عمل يوازي ذلك، فيغفر لك به؟ كلا إنه شيءٌ سوّلته لك نفسك والشيطان، فكذلك إذا قتلت واحدًا.
(بَعْدَ ذلِكَ) بعد ما كتبنا عليهم وبعد مجيء الرسل بالآيات (لَمُسْرِفُونَ) يعني: في القتل لا يبالون بعظمته.
[(إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ* إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
(يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ): يحاربون رسول اللَّه ﷺ، ومحاربة المسلمين في حكم محاربته. (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا): مفسدين، أو لأنّ سعيهم في الأرض لما كان على طريق الفساد، نزل منزلة: (ويفسدون في الأرض)، فانتصب (فسادًا) على المعنى، ويجوز أن يكون مفعولًا له، أي: للفساد.
_________________
(١) ـ قوله: (ومحاربة المسلمين في حكم محاربته) أي: محاربة رسول الله ﷺ، ففيه تمهيد بعد تمهيد، فذكر الله تعالى تمهيد لذكر رسول الله ﷺ، وذكر رسول الله ﷺ تمهيد لذكر المسلمين، لأن قطاع الطريق إنما يحاربون غير رسول الله ﷺ. قوله: (أو لأن سعيهم في الأرض) أي: ﴿فَسَادًا﴾، إما حال بمعنى: مفسدين، أو مفعول مطلق، لأن قوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ﴾ بمعنى: يفسدون، لأن سعيهم في الأرض لم يكن غير الفساد.
[ ٥ / ٣٤٥ ]
نزلت في قوم هلال بن عويمرٍ، وكان بينه وبين رسول اللَّه ﷺ عهدٌ، وقد مرّ بهم قوم يريدون رسول اللَّه، فقطعوا عليهم. وقيل: في العرنيين، فأوحي إليه: أنّ من جمع بين القتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن أفرد القتل قتل، ومن أفرد أخذ المال قطعت يده لأخذ المال ورجله لإخافة السبيل، ومن أفرد الإخافة نفى من الأرض.
وقيل: هذا حكم كل قاطع طريقٍ، كافرًا كان أو مسلمًا. ومعناه: (أَنْ يُقَتَّلُوا) من غير صلب، إن أفردوا القتل (أَوْ يُصَلَّبُوا) مع القتل إن جمعوا بين القتل والأخذ.
قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه: يصلب حيًا ويطعن حتى يموت (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ) إن أخذوا المال، (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) إذا لم يزيدوا على الإخافة.
وعن جماعةٍ منهم الحسن والنخعي: أن الإمام مخير بين هذه العقوبات في كل قاطع طريقٍ من غير تفصيلٍ. والنفي: الحبس عند أبى حنيفة، وعند الشافعي: النفي من بلدٍ إلى بلدٍ لا يزال يطلب وهو هارب فزعًا. وقيل: ينفى من بلده،
_________________
(١) ـ قوله: (فأوحي إليه: أن من جمع بين القتل) إلى آخره، وعلى هذا ﴿أَوْ﴾ في الآية للتنويع. قوله: (أن الإمام مخير بين هذه العقوبات في كل قاطع طريق من غير تفصيل)، قال شارح "البزدوي": نظر هذا القائل أن كلمة ﴿أَوْ﴾ للتخيير حقيقة، فيجب العمل بها إلى أن يقوم دليل المجاز، ولأن قطع الطريق في ذاته جناية واحدة، وهذه الجزية ذُكرت بمقابلتها فيصلح كل واحد جزاء له، فيثبت التخيير كما في كفارة اليمين، والجواب: لا يمكن القول بالتخيير هاهنا، لأن الجزاء على حسب الجناية ويزداد بزيادتها وينقص بنقصانها، قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، فيبعد أن يُقال: عند غلظ الجناية يُعاقب بأخف الأنواع وعند خفتها بأغلظها، وذلك أن المحاربة تتفاوت أنواعها في صفة الجناية من تخويف، أو أخذ مال، أو قتل نفس، أو جمع بين القتل وأخذ المال، والمذكور في الآية أجزية متفاوتة في
[ ٥ / ٣٤٦ ]
وكانوا ينفونهم إلى دهلك؛ وهو بلدٌ في أقصى تهامة، وناصع؛ وهو بلدٌ من بلاد الحبشة. (خِزْيٌ): ذلّ وفضيحة. (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا): استثناءٌ من المعاقبين؛ عقاب قطع الطريق خاصةً، وأما حكم القتل والجراح وأخذ المال، فإلى الأولياء، إن شاءوا عفوا، وإن شاءوا استوفوا. وعن علي ﵁: أنه الحرث بن بدر جاءه تائبًا بعد ما كان يقطع الطريق، فقبل توبته ودرأ عنه العقوبة.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)].
الوسيلة: كل ما يتوسل به؛ أي: يتقرّب من قرابةٍ أو صنيعة أو غير ذلك، فاستعيرت لما يتوسل به إلى اللَّه تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي. وأنشد للبيد:
أَرَى النَّاسَ لَا يَدْرُونَ مَا قَدْرُ أمْرِهِمْ … أَلَا كُلُّ ذّي لُبٍ إلىَ اللَّهِ وَاسِلُ
_________________
(١) ـ معنى التشديد والغلظة، فوقع الاستغناء بتلك المقدمة عن بيان تقسيم الأجزية على أنواع الجناية نصًا، وهذا التقسيم يرجع إلى أصل لهم، وهو أن الجملة إذا قوبلت بالجملة ينقسم البعض على البعض، كما يقال لمن يسأل عن حدود الكبائر: هي جلد مئة، أو ثمانين، أو الرجم، أو القطع، يُفهم منه التقسيم والتفصيل لا التخيير، فكذا هاهنا، فظهر أن معنى الآية: أن جزاء المحاربين لا يخلو من هذه الأنواع: إما أن يُقتلوا من غير صلب إن أفردوا القتل، أو يُصلبوا مع القتل إن جمعوا بين أخذ المال والقتل، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أفردوا الأخذ، أو ينفوا من الأرض إن أفردوا إخافة السابلة. قوله: (دهلك) غير منصرف، للعجمة والتأنيث. قوله: (أرى الناس لا يدرون) البيت، أوله.
[ ٥ / ٣٤٧ ]
[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ)].
(لِيَفْتَدُوا بِهِ): ليجعلوه فديةً لأنفسهم، وهذا تمثيلٌ للزوم العذاب لهم، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجهٍ.
وعن النبي ﷺ: «يقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبًا، أكنت تفتدى به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك».
و(لو) مع ما في حيزه خبر (إن).
_________________
(١) ـ ألا كل شيء ما خلا الله باطل … وكل نعيم لا محالة زائل المعنى: الناس لا يدرون ما هم فيه من خطر الدنيا وسرعة فنائها، فكل ذي لب يتوسل إلى الله بطاعة وعمل صالح، واسل: ذو وسيلة، نحو لابنٍ وتامر، أي: متقرب. قوله: (وهذا تمثيل للزوم العذاب لهم) يعني قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ إلى آخر الآية إذا أخذته بجملته كان كناية عن لزوم العذاب لهم من غير نظر إلى مفردات التركيب. وقلت: ويمكن أن يكون كناية عن أن الوسائل حينئذ غير نافعة، فيكون وزان الآية مع قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وزان قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. قوله: (يقال للكافر يوم القيامة) الحديث، رواه البخاري ومسلم مع تغيير يسير.
[ ٥ / ٣٤٨ ]
فإن قلت: لم وحد الراجع في قوله: (لِيَفْتَدُوا بِهِ) وقد ذكر شيئان؟ قلت: نحو قوله:
فَإنِّى وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ
أو على إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل: ليفتدوا بذلك. ويجوز أن يكون الواو في: (مِثْلَهُ) بمعنى «مع» فيتوحد المرجوع إليه.
فإن قلت: فبم ينصب المفعول معه؟ قلت: بما يستدعيه (لو) من الفعل، لأن التقدير: لو ثبت أن لهم ما في الأرض.
قرأ أبو واقدٍ: (أن يخرجوا) بضم الياء من (أخرج)، ويشهد لقراءة العامّة قوله: (بِخارِجِينَ).
وما يروى عن عكرمة: أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: يا أعمى البصر أعمى القلب، تزعم أن قوما يخرجون من النار
_________________
(١) ـ قوله: (فإني وقيار بها لغريب) قبله دعاك الهوى والشوق لما ترنحت … هتوف الضحى بين الغصون طروب تجاوبها ورق الحمام لصوتها … فكل لكل مسعد ومجيب فمن يك أمسى بالمدينة رحله … فإني وقيار بها لغريب أي: إني لغريب وقيار كذل، قيل: قيار: اسم جمله، وقيل: فرسه، وقيل: غلامه الأسود. قوله: (الواو في ﴿وَمِثْلَهُ﴾ بمعنى "مع") قال المصنف: جوزوا أن يقال جاءني زيد وعمرو، أي: مع عمرو. قلت: فعلى هذا ﴿مَعَهُ﴾ في التنزيل تأكيد.
[ ٥ / ٣٤٩ ]
وقد قال اللَّه تعالى: (وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها) فقال: ويحك، اقرأ ما فوقها. هذا للكفار؛ فمما لفقته المجبرة وليس بأول تكاذيبهم وفراهم، وكفاك بما فيه من مواجهة ابن الأزرق ابن عمّ رسول اللَّه ﷺ وهو بين أظهر أعضاده من قريش وأنضاده من بني عبد المطلب، وهو حبر الأمّة وبحرها ومفسرها بالخطاب الذي لا يجسر على مثله أحدٌ من أهل الدنيا، ويرفعه إلى عكرمة دليلين ناصين أن الحديث فرية ما فيها مرية.
[(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].
_________________
(١) ـ قوله: (أعضاده)، الأساس: ومن المجاز: هم أعضاد وأنضاد لغديده وأنصاره، وهم نضده وأنضاده: لأعمامه وأخواله. قوله: (وبرفعه إلى عكرمة، دليلين ناصين أن الحديث فرية)، "برفعه": عطف على "بما فيه"، يعني: أن عكرمة مولى لابن عباس، كيف ينقل هذا الكلام بهذه العبارة في حق مولاه؟ قال صاحب "الجامع": عكرمة كان مولى لابن عباس، أصله من بربر، أحد فقهاء مكة وتابعيها، قيل لسعيد بن جبير: هل أحد أعلم منك؟ قال: عكرمة؟ فيقال: إن أهل السنة ما نقلوها ولا يتمسكون بها، بل بالأحاديث الصحيحة المخرجة في كتب الأئمة المتقنين مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم، وبالتقديم المؤذن بالاختصاص في قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] كما سبق في البقرة، فلينظر هناك، وروينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن طلق بن حبيب قريبًا مما رُوي من حديث عكرمة، قال:
[ ٥ / ٣٥٠ ]
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) رفعهما على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه، كأنه قيل: وفيما فرض عليكم السارق والسارقة؛ أي: حكمهما. ووجه آخر وهو أن يرتفعا بالابتداء، والخبر: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما)، ودخول الفاء لتضمنهما معنى الشرط، لأنّ المعنى: والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما، والاسم الموصول يضمن معنى الشرط.
وقرأ عيسى بن عمر بالنصب، وفضلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر لأنّ (زيدًا فاضربه) أحسن من (زيدٌ فاضربه).
_________________
(١) ـ كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله فقرأت عليه كل آية ذكر الله فيها خلود أهل النار، قال: فإن الذي قرأت هم أهلها المشركون، لكن قومًا أصابوا ذنوبًا فعذبوا بها ثم أخرجوا، صُمتا - وأهوى بيديه إلى أذنيه - إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "يخرجون من النار"، ونحن نقرأ ما تقرأ. قوله: (لأن "زيدًا فاضربه" أحسن من "زيد فاضربه"). عن المصنف: "أن الفاء في قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] لمعنى الشرط، كأنه قيل: وما كان فلا تدع تكبيره"، فعلى هذا يُقدر للمثال: زيدًا أي شيء كان فلا تدع فاضربه؛ لأن كليهما لمعنى الشرط، وإنما كان أحسن؛ لأن الشرط يختص بالفعل، والمنصوب أدعى للفعل من المرفوع. وقال الزجاج: الجماعة أولى بالاتباع ولا أحب القراءة بالنصب، لأن اتباع القراءة سُنة، والذي يدل على أن الرفع أجود في: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: والاختيار أن يكون "السارق والسارقة" رفعًا بالابتداء، لأن القصد لا إلى واحدٍ بعينه وليس هو مثل: زيدًا
[ ٥ / ٣٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ فاضربه، وإنما هو كقولك: من سرق فاقطع يده، ومن زنى فاجلده، وقال شارح "اللباب" في قوله: وقائلة: خولان فانكح فتاتهم إن "خولان": مبتدأ، و"فانكح: خبره، وقد أدخل عليه الفاء، والتقدير: هؤلاء خولان فانكح، كما تقول: زيدٌ فليقم إليه، أي: هذا زيد، فدخول الفاء يدل على أن وجود هذه القبيلة علة لأن يتزوج منها ويتقرب إليها لحسن نسائها وشرفها. وقلت: رجع معنى قوله زيد فاضربه، بالرفع، إلى استحقاق زيد للضرب بما اكتسب ما يستوجبه، وإن ذلك معهود بين المخاطب والمتكلم، فيكون من باب ترتب الحكم على الوصف المناسب مثل قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾، وليس كذلك: زيدًا فاضربه، لأنه من باب الاختصاص مع التأكيد كما سبق في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] فصح قول المبرد: وليس هو مثل زيدًا فاضربه. وقال صاحب "الفرائد": الأمر لا يصلح أن يكون خبرًا، فيتأول إما بقوله: فمقول فيهما، أي: اقطعوا، أو أن المبتدأ لما كان متضمنًا للشرط وأنه جواب له صح أن يكون خبرًان كأنه قيل: إن يسرقا فاقطعوا. قوله: (وفضلها سيبويه على قراءة العامة)، الانتصاف: الاستقراء يدل على أن العامة لا تتفق على غير الأفصح، وجدير بالقرآن ذلك، وسيبويه يُحاشي من اعتقاد ورود القرآن على غير الأفصح، وحمله على الشاذ، وهذا لفظ سيبويه ليُعلم براءته من ذلك، قال في باب الأمر والنهي بعد أن ذكر المواضع التي يختار فيها النصب، وتلخيصه: أن من بني الاسم على فعل الأمر فذلك موضع اختيار النصب، ثم قال كالموضح لامتياز هذه الآية عما اختار فيه
[ ٥ / ٣٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ النصب، أما قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] فلم بُين على الفعل لكن على مثال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، ثم قال بعده: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد: ١٥]، يريد سيبويه تمييز هذه الآية عما اختار فيه النصب بأنه في هذه الآية ليس الاسم مبنيًا على الفعل بخلاف غيرها، ثم قال سيبويه: وإنما وضع المثل للحديث الذي ذكره بعده، فكأنه قال: ومن القصص مثل الجنة، فهو محمول على هذا، وكذلك ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ثم جاء ﴿فَاجْلِدُوا﴾ بعد أن مضى فيهما الرفع، يريد سيبويه انه لم يكن الاسم مبنيًا على الفعل المذكور بعده، بل بُني على محذوف، وجاء الفعل طارئًا عليه. قال سيبويه: وقد جاء: وقائلةٍ: خولان فانكح فتاتهم فجاء بالفعل بعد أن عمل فيه المضمر، كذلك ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ أي: فيما فرض عليكم. وقد قرأ ناس: "والسارق والسارقة" بالنصب، وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوة، ولكن أبت العامة إلا الرفع. يريد أن قراءة النصب جاء الاسم فيها مبنيًا على الفعل وغيرُ معتمدٍ على متقدم، فكان قويًا بالنسبة إلى الرفع حيث بنى الاسم على الفعل لا على الرفع حين يعتمد الاسم على المحذوف المتقدم، وقد سبق منه أنه يخرجه من الباب الذي يختار فيه النصب، والتبس على الزمخشري، لأنه ظن أن الكل باب واحد، ألا تراه قال: "زيدًا فاضربه، أحسن من: زيدٌ" رجح النصب مطلقًا، وسيبويه صرح أن الكلام في الآية مع الرفع مبني على كلام متقدم، وحققه بأن الكلام واقع بعد قصص وأخبار، ولو كان كما نه الزمخشري لم يحتج سيبويه إلى تقدير إضمار خبر، بل يرفعه بالابتداء والأمر خبره، فتلخيصه: أن النصب له وجه واحد على الفعل، والرفع على وجهين أضعهما بناء الكلام على الفعل، وأقواهما رفعه بخبر مبتدأ محذوف فتحمل القراءة المشهورة على القوي.
[ ٥ / ٣٥٣ ]
(أَيْدِيَهُما): يديهما، ونحوه (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) [التحريم: ٤]، اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف، وأريد باليدين اليمينان، بدليل قراءة عبد اللَّه: (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم). والسارق في الشريعة: من سرق من الحرز.
والمقطع. الرسغ. وعند الخوارج: المنكب. والمقدار الذي يجب به القطع عشرة دراهم عند أبي حنيفة، وعند مالك والشافعي رحمهما اللَّه ربع دينارٍ. وعن الحسن: درهمٌ. وفي مواعظه: احذر من قطع يدك في درهمٍ.
_________________
(١) ـ قوله: (اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف). قال الزجاج: وحقيقة هذا الباب أن ما كان في الشيء منه واحد لم يثن ولفظ به على لفظ الجمع، لأن الإضافة تبينه، فإذا قلت: أشبعت بطونهما، عُلم أن للاثنين بطنين فقط، وأصل التثنية الجمع، لأنك إذا ثنيت الواحد فقد جمعت واحدًا إلى واحد، وكان الأصل أن يقال في "رجلان": اثنا رجال، ولكن "رجلان" يدل على جنس الشيء وعدده، والتثنية يحتاج إليها للاختصار، فإذا لم يكن اختصار رد الشيء إلى أصله، فإذا قلت: قلوبهما، فالتثنية في "هما" قد أغنتك عن تثنية قلب فصار الاختصار هاهنا ترك تثنية قلب، وقال الشاعر: ظهراهما مثل طيور الترسين فجاء بالتثنية والجمع في بيت واحد. وحُكي عن سيبويه أنه قال: قد يُجمع المفرد الذي ليس منه شيء إذا أردت به التثنية، وحُكي عن العرب: وضعا رحالهما، يريد رحلي راحلتيهما، وقلت: فعلى هذا لا يستقيم تشبيه ما في الآية بقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] لأن لكل من السارق والسارقة يدين اثنتين، فيجوز الجمع وأن تقطع الأيدي جميعًا من حيث ظاهر
[ ٥ / ٣٥٤ ]
(جَزاءً) و(نَكالًا) مفعولٌ لهما. (فَمَنْ تابَ) من السرّاق (مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ): من بعد سرقته (وَأَصْلَحَ) أمره بالتقصي عن التبعات؛ (فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) ويسقط عنه عقاب الآخرة. وأمّا القطع فلا تسقطه التوبة عند أبي حنيفة وأصحابه. وعند الشافعي في أحد قوليه: تسقطه.
(مَنْ يَشاءُ): من يجب في الحكمة تعذيبه، والمغفرة له من المصرين والتائبين.
وقيل: يسقط حدّ الحربي إذا سرق بالتوبة؛ ليكون أدعى له إلى الإسلام وأبعد من التنفير عنه، ولا يسقط عن المسلم؛ لأن في إقامته الصلاح للمؤمنين والحياة (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [البقرة: ١٧٩].
فإن قلت: لم قدّم التعذيب على المغفرة؟ قلت: لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة.
_________________
(١) ـ اللغة، فحينئذ يُحتاج إلى تخصيص اليدين باليمينين، بدليل خارجي من نحو قراءة عبد الله كما في "الكشاف". قوله: (ولا يسقطه عن المسلم، لأن في إقامته الصلاح للمؤمنين). قال الزجاج: التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم، ليكون ذلك أدعى إلى الدخول في الإسلام، وأما توبة المؤمنين من الزنا والقتل والسرقة لا تدفع عنهم إقامة الحدود، وتدفع عنهم العذاب في الآخرة، لأن في إقامة الحدود الصلاح للمؤمنين والحياة، لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقيل: حق الله من الحد يسقط إن تاب قبل الظفر ولا يسقط بعده، وحق الآدمي كالقود فهو إلى الولي، وإن تاب بعد الظفر لم تقبل توبته ولا يسقط حده. قوله: (لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة)، يريد أن في الآية لفًا ونشرًا، الانتصاف:
[ ٥ / ٣٥٥ ]
[(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَاتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ)].
قرئ: (لا يحزنك) بضم الياء و(يسرعون)، والمعنى: لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين (فِي الْكُفْرِ) أي: في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيدِ للإسلام، ومن موالاة المشركين، فإني ناصرك عليهم وكافيك شرّهم.
_________________
(١) ـ عنده أن المغفور لهم هم: التائبون، والمعذبون: السراق، فلا تكون المغفرة تبعًا للمشيئة، بل المشيئة تابعة للتوبة، ونحن نعتقد أن المغفرة تابعة للمشيئة في حق غير التائب، فيدخل السارق في عموم قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وإن لم يتب، وإنما قدم التعذيب لأن السياق للوعيد. وقلت: الحق هذا، لأن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تذييل للكلام السابق من لدن قصة موسى، ومقابلته الجبارين، وقصة قابيل وهابيل، وأحكام قطاع الطريق، وتحريض المؤمنين على الجهاد، وقطع السراق، وقد يخلص به إلى نوع آخر من الكلام، كأنه قيل له: الحكم في ملكه كيف شاء منع أو أعطي، عذب أو عفا، وهو على كل شيء قدير. قوله: (والمعنى: لا تهتم) في تفسيره: ﴿لا يَحْزُنْكَ﴾ بقوله: "لا تهتم"، وتعليله بقوله:
[ ٥ / ٣٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ "فإني ناصرك" نظرٌ، لأن النهي عن الحزن لم يكن لأنه خاف شرهم فحزن حتى يقال: "إني ناصرك وكافيك شرهم"، وإنما نُهي عن الحزن لأجل مسارعتهم في الكفر، ثم بين بقوله: ﴿مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ بقوله: ﴿وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ إلى آخر الآية على سبيل التعليل، حيث أوقع تلك الصفات صلات للموصولات، أي: سبب مسارعتهم في الكفر: النفاق وسماع الكذب وتحريف كتاب الله وتغيير أحكامه وكتمان نبوته، وذلك الذي أوقعه في الحزن، ألا ترى كيف أوقع ﴿وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا﴾ اعتراضًا مؤكدًا لمعنى المعترض فيه؟ ومما يشد من عضد هذا التأويل ما روينا عن مسلم وأحمد وأبي داود وابن ماجه، عن البراء، قال: مر على رسول الله ﷺ يهودي محممٌ مجلود، فدعاهم، فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ "، قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزنا في كتابكم؟ " قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، فحده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه"، فأمر به فرُجم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يقول: ائتوا محمدًا، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] في الكفار كلها، وسيجيء الكلام فيه.
[ ٥ / ٣٥٧ ]
يقال: أسرع فيه الشيب، وأسرع فيه الفساد، بمعنى: وقع فيه سريعًا، فكذلك مسارعتهم في الكفر ووقوعهم وتهافتهم فيه أسرع شيءٍ إذا وجدوا فرصةً لم يخطئوها. و(آمَنَّا) مفعول (قالوا)، و(بِأَفْواهِهِمْ) متعلق بـ (قالوا) لا بـ (آمنا)، و"مِنَ الَّذِينَ هادُوا" منقطعٌ مما قبله، خبرٌ لـ (سماعون)؛ أي: ومن اليهود قومٌ سماعون، ويجوز أن يعطف على (مِنَ الَّذِينَ قالُوا) ويرتفع (سماعون) على: هم سماعون، والضمير للفريقين، أو للذين هادوا.
ومعنى (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ): قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على اللَّه، وتحريف كتابه، من قولك: الملك يسمع كلام فلانٍ. ومنه: (سمع اللَّه لمن حمده).
(سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَاتُوكَ) يعني: اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول اللَّه ﷺ وتجافوا عنه؛ لما أُفرط فيهم من شدة البغضاء وتبالغٍ من العداوة، أي: قابلون
_________________
(١) ـ قوله: (وتهافتهم فيه)، النهاية: التهافت: من الهفت، وهو السقوط قطعة قطعة، وأكثر ما يستعمل التهافت في الشر. قوله: (أسرع شيء) قيل: هو حال، أي: حين وجدوا فرصة تساقطوا على الكفر مسرعين، وأفعل التفضيل يقعُ حالًا إذا كان مضافًا إلى النكرة، نحو: جاءني زيدٌ أحسن ما كان هو عليه، والصحيح أن الظرف، أعني "إذا"، معمول لقوله: "لم يخطئوها"، والجملة مبينة لما قبلها. قوله: (﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾: قابلون لما يفتريه الأحبار). قال الزجاج: الإنسان يسمع الحق والباطل، لكن يقال له: لا تسمع من فلان، أي: لا تقبل قوله، ومنه: سمع الله لمن حمده، أي: تقبل الله منه حمده.
[ ٥ / ٣٥٨ ]
من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك.
وقيل: سماعون إلى رسول اللَّه ﷺ لأجل أن يكذبوا عليه، بأن يمسخوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان، والتبديل والتغيير، سماعون من رسول اللَّه لأجل قومٍ آخرين من اليهود وجهوهم عيونًا ليبلغوهم ما سمعوا منه. وقيل: السماعون: بنو قريظة، والقوم الآخرون: يهود خيبر.
(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ): يميلونه ويزيلونه (عَِنْ مَواضِعِهِ) التي وضعه اللَّه تعالى فيها، فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا مواضع.
_________________
(١) ـ قوله: (الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك) يعني ذمهم أولًا: أنهم سماعون من أعداء الله، قائلون عمن يحرفون كتاب الله، ثم ذمهم ثانيًا: أنهم سماعون من أعداء رسول الله ﷺ الذين لا يقدرون أن ينظروا إليه فكنى بقوله: ﴿لَمْ يَاتُوكَ﴾ عن أنهم لم يقدروا أن ينظروا إليه صلوات الله عليه لأنهم إذا لم يأتوه لم ينظروا إليه، ودل ذلك على شدة بغضهم له، وذلك على إفراط العداوة. قوله: (وقيل: سماعون إلى رسول الله ﷺ لأجل أن يكذبوا عليه) عطف على قوله: "قابلون لما يفتريه"، فعلى هذا صلة ﴿سَمَّاعُونَ﴾ في الموضعين محذوفة، واللام للتعليل، وعلى الأول صلة. الجوهري: قولهم: سمعك إليَّ، أي: اسمع مني، واستمعت له أي: أصغيت، يقال: تسمعت إليه وسمعت له كله بمعنى، وقرئ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإٍ الأَعْلَى﴾ [الصافات: ٨] مخففًا. قال الواحدي: أي: فريق سماعون للكذب يسمعون منك ليكذبوا عليك: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَاتُوكَ﴾، يعني يهود خيبر. قال الزجاج: هؤلاء عيون أولئك الغُيب. قوله: (فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا مواضع) معناه ما قال في سورة النساء:
[ ٥ / ٣٥٩ ]
(إِنْ أُوتِيتُمْ هذا) المحرف المزال عن مواضعه (فَخُذُوهُ) واعلموا أنه الحق، واعملوا به، (وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ) وأفتاكم محمدٌ بخلافه (فَاحْذَرُوا) وإياكم وإياه، فهو الباطل والضلال.
وروي أن شريفًا من خيبر زنى بشريفةٍ وهما محصنان وحدّهما الرجم في التوراة، فكرهوا رجمهما لشرفهما، فبعثوا رهطًا منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول اللَّه ﷺ عن ذلك، وقالوا: إن أمركم محمدٌ بالجلد والتحميم فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، فقال: "هل تعرفون شابًا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا"؟ قالوا: نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض! ورضوا به حكمًا. فقال له رسول اللَّه ﷺ: "أنشدك اللَّه الذي لا إله إلا هو، الذي فلق البحر لموسى، ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون، والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه،
_________________
(١) ـ "أما ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾، فالمعنى: أنه كانت له مواضع هو قمنٌ بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره". قوله: (﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ المحرف المزال عن مواضعه) هذا ليس بمقول لهم، بل المصنف وضعه موضع مقولهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧]؛ قال: "يجوز أن يضع الله تعالى الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح". قوله: (والتحميم) وهو تسويد الوجه، النهاية: وهو من الحممة، وهي الفحمة. قوله: (كتابه وحلاله وحرامه) عطف الخاص على العام، نحو: ملائكته وجبريل، وليس الحلال والحرام أشرف ما فيه، لكن مقام حكم الزنا وأن الزنا محرم يقتضي ذلك.
[ ٥ / ٣٦٠ ]
هل تجدون فيه الرجم على من أحصن"؟ قال: نعم، فوثب عليه سفلة اليهود فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب، ثم سأل رسول اللَّه ﷺ عن أشياء كان يعرفها من أعلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنك رسول اللَّه، النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون، وأمر رسول اللَّه ﷺ بالزانيين فرجما عند باب مسجده.
(وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ): تركه مفتونًا وخذلانه (فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) فلن تستطيع له من لطف اللَّه وتوفيقه شيئًا. (أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ) أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم؛ لأنهم ليسوا من أهلها؛ لعلمه أنها لا تنفع فيهم ولا تنجع؛ (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ) (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ) [آل عمران: ٨٦].
[(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) ٤٢ - ٤٣].
_________________
(١) ـ قوله: (تركه مفتونًا وخذلانه)، والعجب أن قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] وقع اعتراضًا بين الإعلام بتحريفهم كتاب الله وبين التسجيل بأن ذلك لجل أنه تعالى لا يريد أن يُطهر قلوبهم؛ لأن لفظة ﴿أُوْلَئِكَ﴾ علمٌ بأن الذي يرد عقيبه هو الحامل لمن سبق على اتصافه بذلك الوصف، وموقع هذا الاعتراض بعد إعطاء معنى التوكيد: التعليل، لئلا يتوهم القدري خلاف ما عليه النص القاطع فيحرف كتاب الله ويسلك طريق المجاز، ومع ذلك يقول: "أولئك لم يرد الله أن يمنحهم من ألطافه؛ لأنهم ليسوا من أهلها؛ لعلمه أنها لا تنفع فيهم" نعوذ بالله من الزيغ!
[ ٥ / ٣٦١ ]
السُّحْت: كل ما لا يحل كسبه، وهو من سحته: إذا استأصله، لأنه مسحوت البركة، كما قال تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا) [البقرة: ٢٧٦] والربا بابٌ منه.
وقرئ: (لِلسُّحْتِ) بالتخفيف والتثقيل. و(السحت) بفتح السين على لفظ المصدر، من: سحته و(السحت) بفتحتين و(السحت) بكسر السين.
وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام. وعن الحسن: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوةٍ جعلها في كمه، فأراها إياه وتكلم بحاجته، فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيأكل الرشوة ويسمع الكذب.
وحُكي أن عاملًا قدم من عمله فجاءه قومه، فقدم إليهم العراضة وجعل يحدّثهم بما جرى له في عمله، فقال أعرابي من القوم: نحن كما قال اللَّه تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ).
وعن النبي ﷺ: «كل لحمٍ أنبته السحت فالنار أولى به».
_________________
(١) ـ قوله: (﴿لِلسُّحْتِ﴾، بالتثقيل والتخفيف): التثقيل: ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، والباقون: بالتخفيف. قوله: (العُراضة) وهي هدية القادم من سفره. النهاية: قالت امرأة معاذ وقد رجع من عمله: أين ما جئت به مما يأتي به العمال من عراضة أهلهم؟ . قوله: (كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به) الحديث، أخرجه أحمد بن حنبل، عن جابر في "مسنده".
[ ٥ / ٣٦٢ ]
قيل: كان رسول اللَّه ﷺ مخيرًا - إذا تحاكم إليه أهل الكتاب - بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم. وعن عطاءٍ والنخعي والشعبي: أنهم إذا ارتفعوا إلى حكام المسلمين، فإن شاءوا حكموا، وإن شاؤوا أعرضوا. وقيل: هو منسوخ بقوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ).
وعند أبي حنيفة رحمةُ اللَّه عليه: إن احتكموا إلينا حملوا على حكم الإسلام، وإن زنى منهم رجلٌ بمسلمةٍ، أو سرق من مسلم شيئًا أقيم عليه الحدّ. وأما أهل الحجاز فإنهم لا يرون إقامة الحدود عليهم، يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم، وهو أعظم الحدود، ويقولون: إنّ النبي ﷺ رجم اليهوديين قبل نزول الجزية.
(فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا) لأنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأيسر
_________________
(١) ـ قوله: (بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم بينهم) منع الحريري مثل هذا التكرير في "درة الغواص"، قال: يقولون: المال بين زيد وبين عمرو، بتكرير بين، فيوهمون فيه، والصواب: بين زيد وعمرو، كما قال تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦]، والعلة أن لفظة "بين" تقتضي الاشتراك ولا تدخل إلا على مثنى أو مجموع، كقولك: المال بينهما، والدار بين الإخوة، وأظن أن الذي أوهمهم لزوم تكريره مع الظاهر، وجوب تكريره مع المضمر في مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، فقد وهموا فيه في المماثلة بين الموطنين، وهو أن المعطوف على الضمير المجرور من شرط جوازه تكرير الجار فيه، نحو: مررت بك وبزيد. قوله: (﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ﴾، لأنهم كانوا)، اعلم أن أصل الكلام: فإن جاؤوك فأنت مخير بين أن تحكم بينهم وأن تُعرض عنهم، فلا تخف منهم، فإنهم لن يضروك شيئًا، فوضع "لن يضروك" موضع "لا تخف"، وإنما قدر "لا تخف": "لأنهم كانوا لا يتحاكمون إليه" إلى آخره.
[ ٥ / ٣٦٣ ]
والأهون عليهم، كالجلد مكان الرجم فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم وتكرهوا إعراضه عنهم، وكانوا خلقاء بأن يعادوه ويضاروه، فأمن اللَّه سربه.
(بِالْقِسْطِ): بالعدل والاحتياط كما حكم بالرجم. (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ): تعجيبٌ من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدّعون الإيمان به.
(ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ): ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم لا يرضون به.
(وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) بكتابهم كما يدّعون، أو: وما أولئك بالكاملين في الإيمان على سبيل التهكم بهم.
فإن قلت: (فِيها حُكْمُ اللَّهِ) ما موضعه من الإعراب؟ قلت: إمّا أن ينتصب حالًا من (التوراة) وهي مبتدأٌ خبره "عندهم"
_________________
(١) ـ قوله: (فأمن الله سربه)، النهاية: فلان آمنٌ في سربه، بالكسر، أي: في نفسه، ويروى بالفتح، وهو المسلك والطريق، يقال: خل سربه، أي: طريقه، فعلى هذا كناية. قوله: (حالًا من ﴿التَّوْرَاةَ﴾، وهي مبتدأ خبره "عندهم"). قال أبو البقاء: ﴿كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ ﴿كَيْفَ﴾: حال من ضمير الفاعل في ﴿يُحَكِّمُونَكَ﴾، ﴿وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ﴾: الجملة في موضع الحال، ﴿التَّوْرَاةُ﴾: مبتدأ، و"عندهم": الخبر، ويجوز أن ترتفع ﴿التَّوْرَاةُ﴾ بالظرف، و﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ أيضًا: حال، والعامل فيها ما في "عند" من معنى الفعل، و﴿حُكْمُ اللَّهِ﴾: مبتدأ أو معمول الظرف. وقلت: في الكلام أحوال متداخلة، وقول المصنف: "حالًا من ﴿التَّوْرَاةُ﴾ " أي: من الضمير في الخبر للتوراة.
[ ٥ / ٣٦٤ ]
وإما أن يرتفع خبرًا عنها، كقولك: وعندهم التوراة ناطقةٌ بحكم اللَّه، وإمّا أن لا يكون له محل، وتكون جملة مبينةٌ؛ لأنّ عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، كما تقول: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب، فما تصنع بغيره؟
فإن قلت: لم أنثت التوراة؟ قلت: لكونها نظيرة لموماة ودوداة
_________________
(١) ـ قوله: (وإما أن يرتفع خبرًا عنها). قال صاحب "التقريب": ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾: خبر للتوراة، و"عند": متعلق بالخبر مقدمًا عليه، وفيه تعقيد. وقلتُ: ويمكن أن يقال: إن قوله: ﴿التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ جملة في تأويل المفرد، يعني: عندهم هذه القضية، وفائدته أن هذا الحكم بين في التوراة غير مخفي، ولهذا قال: "ناطقة بحكم الله". قوله: (جملة مبينة، لأن عندهم) اللام مبينة، يعني: قوله: ﴿عِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ﴾ معناه: "عندهم ما يغنيهم"، وكذلك قوله: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ متضمن لهذا المعنى، ويحتمل أن يكون تعليلًا، وبيانه: أن قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ﴾ إنكار عليهم وتعجب في تحكيمهم لمن لا يؤمنون به، و﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ إثبات لاستغنائهم عن التحكيم، ودل عليه تقديم الخبر، أي: الحكم الذي يريدونه منصوص فيها لا يحتاجون إلى كتاب آخر، وهو معنى قوله: "عندهم ما يُغنيهم"، وكان بيانًا له بهذا التقدير أيضًا. فإن قلت: قوله: "وعندهم ما يغنيهم" يوهم أن ما في التوراة ثابت، وأنهم يستغنون به عما جاء به رسول الله ﷺ، وكذا قوله في المثال: "فما تصنع بغيره؟ "، قلت: هذا إنما يقال في مقام التعجب وذم من يركب متن الباطل ويتعرج عن المنهج الواضح المستقيم ويسأل غير من يرشده إليه تعنتًا ولبسًا للحق الجلي. قوله: (لموماة)، الجوهري: الموماة واحدة الموامي، وهي: المفاوز، أصلها: موموة، على فعللة، وهو مضاعف قلبت واوه ألفًا، وأما الدوداة فما وجدته في كتب اللغة، وفي "الحاشية": أنها أرجوحة الصبي.
[ ٥ / ٣٦٥ ]
ونحوها في كلام العرب. فإن قلت: علام عطف (ثم يتولون)؟ قلت: على (يحكمونك).
[(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)].
(فِيها هُدىً) يهدى للحق والعدل (وَنُورٌ) يبين ما استبهم من الأحكام. (الَّذِينَ أَسْلَمُوا): صفةٌ أجريت على "النبيين" على سبيل المدح كالصفات الجارية على القديم سبحانه، لا للتفصلة والتوضيح، وأريد بإجرائها التعريض باليهود وأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث، وأنّ اليهودية بمعزلٍ منها،
_________________
(١) ـ قوله: ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾: صفة أجريت على "النبيين" على سبيل المدح … لا للتفصلة والتوضيح)، الانتصاف: وفيه نظر، فلا يجوز مدح نبي على كونه رجلًا مسلمًا؛ لأن النبوة أعظم من الإسلام، فالوجه: أن الصفة ذُكرت لتعظيم نفسها، وتنويه شأنها، إذا وُصف بها عظيم القدر، ومنه وصف الأنبياء بالصلاح، والملائكة بالإيمان في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧]، وقد قيل: أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف، وقال: فلئن مدحت محمدًا بقصيدتي … فلقد مدحت قصيدتي بمحمد ولولا حملها على هذا لخرجنا عن قانون البلاغة في الترقي من الأدنى إلى الأعلى لا النزول على عكسها، ما قال المتنبي: شمس ضحاها هلال ليلتها … در تقاصيرها زبرجدها
[ ٥ / ٣٦٦ ]
وقوله: (الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا) منادٍ على ذلك. (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ): والزهاد والعلماء من ولد هارون، الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ): بما سألهم أنبياؤهم حفظه من التوراة؛
_________________
(١) ـ فنزل عن الشمس إلى الهلال وعن الدر إلى الزبرجد فمضغت الألسن عرض بلاغته ومزقت أديم صناعته. وقلت: والذي يقضي العجب من هذا الفاضل قوله: إن الصفة ذُكرت لتعظيم نفسها وتنويه شأنها إذا وُصف بها عظيم القدر، وليست بصفة مدح، فيقال: إذا لم تكن صفة مدح فهل تكون للتي للتفصلة والتمييز، أو الكشف والتوضيح، أو للتقرير والتوكيد؛ إذ لا خامس! أو كيف يتسنى لك ما تقصد به من التعظيم والتنويه، وكونها مرغوبًا فيها إذا لم تحملها على المدح وتقول: إذا كان النبيون مع جلالة قدرهم ورفعة منصبهم يتمدحون بوصف الإسلام فما بال الغير؟ فعند ذلك يحصل التنويه والتغريب، وإليه أشار صاحب "المفتاح" بقوله: لو أريد اختصاره لما انخرط في الذكر ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧] إذ ليس أحدٌ من مصدقي حملة العرش يُرتاب في إيمانهم، ووجه حسن ذكره إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه. قوله: (﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ منادٍ على ذلك) يعني: في وصف الأنبياء بكونهم مسلمين بعد ذكر التوراة تعريض باليهود وأنهم بعداء عن ملة الإسلام ودين الإسلام ودين الأنبياء، ثم في اقتران ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ بقوله: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾، لإرادة أن الأنبياء المسلمين يحملون اليهود على أحكام التوراة تصريح فيما عرض به أولًا، والحاصل أن في كل من اللفظتين واختصاصه بالذكر رمزًا لى معنى وإشارة إلى دقيقة على سبيل الإدماج.
[ ٥ / ٣٦٧ ]
أي: بسبب سؤال أنبيائهم إياهم أن يحفظوه من التغيير والتبديل. و(مِنْ) في (مِنْ كِتابِ اللَّهِ) للتبيين. (وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ): رقباء كي لا يبدل؛ والمعنى: يحكم بأحكام التوراة النبيون بين موسى وعيسى، وكان بينهما ألف نبيّ (للذين هادوا) يحملونهم على أحكام التوراة لا يتركونهم أن يعدلوا عنها، كما فعل رسول اللَّه ﷺ من حملهم على حكم الرجم وإرغام أنوفهم، وإبائه عليهم ما اشتهوه من الجلد،
_________________
(١) ـ قوله: (و﴿مِن﴾ في ﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ للتبيين)، وهذا لا يوافق تفسيره، وهو قوله: "بسبب سؤال أنبيائهم"، لأن "مِنَ" التبيينية تستدعي موصوله، وقد فُسر بما يُنبئ عن كونها مصدرية لكن مراده تلخيص المعنى. قوله: (وعيسى) معطوف على فاعل الحكم، وهو النبيون. قوله: (﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ يحملونهم على أحكام التوراة)، الجوهري: حكم بينهم بحكم، أي: قضى، وحكم له وعليه، والمصنف أتى في كلامه بعلى، وهو موهم مبدل من اللام، وليس به، لأن اللام في ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ بمعنى "لأجل" وليست بصلة، مثلها في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، قال المصنف: " ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: لأجلهم"، ولا ارتياب بأن النبيين المسلمين إذا حكموا لأجل من يخالفهم إلى وصف اليهودية حملوهم على ما هم عليه من الحق، ولا يتركونهم أن يعدلوا عنه إلى هواهم، كما فعل رسول الله ﷺ حين حكم لأجل اليهود في الزانيين دعا ابن صوريا وقال له: "والذي أنزل عليكم الكتاب، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟ " قال: نعم، فأمر رسول الله ﷺ بالزانيين فرُجما عند باب مسجده، فرجع مآل المعنى إلى: حكم له، فاللام للعاقبة.
[ ٥ / ٣٦٨ ]
وكذلك حكم الربانيون والأحبار والمسلمون بسبب ما استحفظهم أنبياؤهم من كتاب اللَّه والقضاء بأحكامه، وبسبب كونهم عليه شهداء.
ويجوز أن يكون الضمير في: (اسْتُحْفِظُوا) للأنبياء والربانيين والأحبار جميعا ويكون الاستحفاظ من اللَّه، أي: كلفهم اللَّه حفظه، وأن يكونوا عليه شهداء. (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ): نهيٌ للحكام
_________________
(١) ـ قوله: (وكذلك حكم الربانيون) عطف على جملة قوله: "يحكم بأحكام التوراة النبيون"، وقوله: "كما فعل رسول الله ﷺ" كالمستطردة. وقال أبو البقاء: الربانيون: مرفوع المحل بفعل محذوف، أي: ويحكم، هذا إذا علق ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ بـ ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ فقط، وإنما قال المصنف: "حكم" وفي التنزيل: ﴿يَحْكُمْ﴾ ليؤذن أن ما في التنزيل لحكاية الحال الماضية. قوله: (ويجوز أن يكون الضمير في ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾ للأنبياء والربانيين والأحبار) عطفٌ من حيث المعنى على قوله: "بما سألهم أنبياؤهم"، وكان الضمير على الأول: للربانيين والأحبار، يعني: استحفظوا سؤال الأنبياء الأحبار والربانيين أن لا يُضيعوا أحكام الكتاب ولا يُهملوا شرائعه، وإليه الإشارة بقوله: "أن يحفظوه من التغيير والتبديل"، وإنما سماهم المصنف مسلمين في قوله: و"كذلك حكم الربانيون والأحبار المسلمون" لأنهم حينئذ خلفاء الأنبياء في ذلك المعنى، وإليه الإشارة بقوله: "الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود"، وعلى الثاني ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾ معناه: كلفوا حفظه لئلا يُنسى، والمأمور إذن كلهم، والآمر الله ﷿، و﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ على هذا الظاهر أن يكون بدلًا من ﴿بِهَا﴾ بإعادة الباء، قاله أبو البقاء. ﴿وَكَانُوا﴾: عطف على ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾، وعلى الأول: الباء في ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ للسببية. قال أبو البقاء: في وجه آخر: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ مفعول به، أي: يحكمون بالتوراة
[ ٥ / ٣٦٩ ]
عن خشيتهم غير اللَّه في حكوماتهم وإدهانهم فيها، وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطانٍ ظالمٍ، أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء.
(وَلا تَشْتَرُوا): ولا تستبدلوا ولا تستعيضوا (بآيات الله) وأحكامه (ثَمَنًا قَلِيلًا): وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس، كما حرّف أحبار اليهود كتاب اللَّه، وغيروا أحكامه رغبة في الدنيا وطلبا للرئاسة، فهلكوا.
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ) مستهينًا به (فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)، و(الظالمون) و(الفاسقون): وصفٌ لهم بالعتوّ في كفرهم حين ظلموا آيات اللَّه بالاستهانة، وتمرّدوا بأن حكموا بغيرها. وعن ابن عباسٍ ﵄: أنّ الكافرين والظالمين والفاسقين أهل الكتاب. وعنه: نعم القوم أنتم، ما كان من حلوٍ فلكم، ومن كان من مرّ فهو لأهل الكتاب، من جحد حكم اللَّه كفر، ومن لم يحكم به وهو مقرّ فهو ظالمٌ فاسقٌ.
_________________
(١) ـ بسبب استحفاظهم ذلك، و"ما" بمعنى "الذي"، ومن ثم قال المصنف في الأول: "بسبب كونهم شهداء"، وفي الثاني: "وأن يكونوا عليه شهداء"، وقال صاحب "المفتاح": والمفعول المتعدي إليه بغير واسطة أصله التقديم على المتعدي إليه بواسطة، نحو: ضربت الجاني بالسوط. قوله: (وإدهانهم)، الأساس: ومن المجاز: أدهن في الأمر وداهن: صانع ولاين. قوله: (لخشية سلطان) ينازع فيه قوله: "إدهانهم وإمضائها". قوله: (ما كان من حلو فهو لكم) يعني: أيها المسلمون، إن الله تعالى لما أراد مدحكم التي بصفتكم التي هي الإسلام وأوقعها صفة مدح للأنبياء، وحين أراد ذم أهل الكتاب كفرهم وظلمهم وفسقهم. قوله: (من جحد حكم الله كفر) من كلام ابن عباس ﵁، روى الواحدي عن
[ ٥ / ٣٧٠ ]
وعن الشعبي: هذه في أهل الإسلام، و(الظالمون) [المائدة: ٤٥] في اليهود، و(الفاسقون) [المائدة: ٤٧] في النصارى. وعن ابن مسعود: هو عام في اليهود وغيرهم. وعن حذيفة: أنتم أشبه الأمم سمتًا ببني إسرائيل، …
_________________
(١) ـ الوالبي، عن ابن عباس: من جحد شيئًا من حدود الله فقد كفر، ومن أقر بها ولم يحكم بها فهو ظالم فاسق. وقال طاووس: قلت لابن عباس: ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر؟ قال: هو به كافر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله. ومما يُقوي أن هذه الآيات نازلة في أهل الكتاب، الحديث الذي روينا في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦] عن البراء. قوله: (وعن الشعبي: هذه في أهل الإسلام) عطف على قوله: "وصف لهم بالعُتو في كفرهم" وهو خبر قوله: ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و﴿الْفَاسِقُونَ﴾، وكلام ابن عباس وارد على لك المعنى، فيلزم على قول الشعبي أن يكون المؤمنون أسوأ حالًا من اليهود والنصارى، ويمكن أن يقال: إن المسلمين إذا نُسب إليهم الكفر حُمل على التشديد والتغليظ، والكافر إذا وُصف بالظلم والفسق أشعر بعتوهم في الكفر وتمردهم فيه، ثم الخطاب بقوله: ﴿فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ﴾ إن كان مع أهل الكتاب كما يؤدي إليه قول ابن عباس، والفاء جزاء شرط محذوف، أي: إذا استحفظتم أيها الأحبار كتاب الله فلا تخشوا الناس، وإن كان مع المسلمين كما يُنبئ عنه قول الشعبي فالفاء فصيحة، إذ المعنى حينئذ: أنتم أيها المسلمون حين تليت عليكم أخبار النبيين والربانيين والأحبار واستحفاظهم كتاب الله وما عرض باليهود الذين غيروا دين الله وبدلوا كتابه وحكموا بغير ما أنزل الله رغبة في الدنيا ورهبة عن الناس وعرفتم حالهم؛ فلا تكونوا مثلهم فتخشوا الناس وتشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا. قوله: (وعن حذيفة: أنتم أشبه الأمم سمتًا ببني إسرائيل) الحديث من رواية أبي واقد
[ ٥ / ٣٧١ ]
لتركبن طريقهم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، غير أنى لا أدرى أتعبدون العجل أم لا؟
[(وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)].
في مصحف أبيّ: (وأنزل اللَّه على بني إسرائيل فيها)،
_________________
(١) ـ الليثي، في "جامع الأصول": أن رسول الله ﷺ، قال: "والذي نفسي بيده، لتركبن سنن من كان قبلكم" أخرجه الترمذي، وزاد رزين: "حذو النعل بالنعل والقُذة بالقُذة، حتى إن كان فيهم من أتى أمه يكون فيكم، فلا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ ". قوله: (لتركبن) أي: تتبعن، النهاية: في الحديث: "فإذا عُمر قد ركبني" أي: تبعني وجاء على أثري؛ لأن الراكب يسير بسير المركوب، يقال: ركب أثره وطريقه: إذا تبعه، وقال الميداني: "حذو القُذة بالقُذة" أي: مثلًا بمثل، يُضرب في التسوية بين الشيئين، ومثله: حذو النعل بالنعل، والقُذة لعلها من القذ وهو القطع يعني به قطع الريشة المقذوذة على قدر صاحبتها في التسوية، وهي "فُعلة" بمعنى "مفعولة" كاللقمة والغُرفة. قوله: (في مصحف أبي: "وأنزل الله على بني إسرائيل فيها") يعني: في مصحفه بدل ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾: "وأنزل الله على بني إسرائيل فيها".
[ ٥ / ٣٧٢ ]
وفيه: (وأن الجروح قصاص). والمعطوفات كلها قرئت منصوبةً، ومرفوعةً، والرفع للعطف على محل (أن النفس) لأن المعنى: وكتبنا عليهم النفس بالنفس- إما لإجراء "كتبنا" مجرى "قلنا"، وإما لأن معنى الجملة التي هي قولك: النفس بالنفس مما يقع عليه الكتابة، كما تقع عليه القراءة، تقول: كتبت: (الحمد للَّه)، وقرأت: (سورة أنزلناها) [النور: ١]، ولذلك قال الزجاج: لو قرئ: إن النفس بالنفس- بالكسر- لكان صحيحًا، أو للاستئناف، والمعنى: فرضنا عليهم فيها
_________________
(١) ـ قوله: (وفيه) أي: في مصحف أبي بدل ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾: (وأن الجروح قصاص). قوله: (والمعطوفات كلها قرئت منصوبة)، الكسائي: (والعين بالعين)، وما بعده بالرفع، ورفع ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو، (والجروح) فقط، والباقون كل ذلك بالنصب، قال الزجاج: والرفع على وجهين: أحدهما: العطف على موضع ﴿بِالنَّفْسِ﴾ والعامل فيها معنى وكتبنا عليهم: النفس بالنفس، أي: قلنا لهم: النفس بالنفس، ويجوز كسر "إن" ولا أعلم أحدًا قرأ بها، وثانيهما: (رفعُ العين بالعين) على الاستئناف، ويجوز أن يكون عطفًا على المضمر في قوله: ﴿بِالنَّفْسِ﴾، المعنى: أن النفس مأخوذة هي بالنفس، و(العين) معطوفة على"هي". قوله: (كما تقع عليه القراءة) يعني: يكون محل "إن النفس بالنفس" مرفوعًا على الحكاية، و"العين بالعين" معطوف عليه على هذا التقدير، وفيه بحث. قوله: (أو: للاستئناف) وهو عطف على قوله: "والرفع للعطف".
[ ٥ / ٣٧٣ ]
(أَنَّ النَّفْسَ) مأخوذةٌ (بِالنَّفْسِ): مقتولةٌ بها إذا قتلتها بغير حق، (وَ) كذلك (الْعَيْنَ) مفقوءةٌ (بِالْعَيْنِ)، و(الْأَنْفَ) مجدوعٌ (بِالْأَنْفِ)، (وَالْأُذُنَ) مصلومةٌ (بِالْأُذُنِ)، (وَالسِّنَّ) مقلوعةٌ (بِالسِّنِّ)، (وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ): ذات قصاصٍ، وهو المقاصة، ومعناه: ما يمكن فيه القصاص وتعرف المساواة. وعن ابن عباس ﵄؛ كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت.
(فَمَنْ تَصَدَّقَ) من أصحاب الحق (بِهِ) بالقصاص وعفا عنه (فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ). فالتصدق به كفارةٌ للمتصدق يكفر اللَّه من سيئاته ما تقتضيه الموازنة، كسائر طاعاته. وعن عبد اللَّه بن عمرو: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به. وقيل: فهو كفارةٌ للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحق، سقط عنه ما لزمه. وفي قراءة أُبيّ: (فهو كفارته له) يعني: فالمتصدق كفارته له، أي: الكفارة التي يستحقها له، لا ينقص منها، وهو تعظيمٌ لما فعل، كقوله تعالى: (فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [الشورى: ٤٠]، وترغيب في العفو.
[(وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ* وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) ٤٦ - ٤٧].
_________________
(١) ـ قوله: (ومعناه: ما يمكن فيه القصاص) يعني: جاء قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ مطلقًا في استيفاء القصاص من كل ما يسمى جرحًا، لكنه مقيد فيما يمكن فيه القصاص وتُعرف المساواة كالمذكورات، وفيما لم تعرف المساواة المحكومة لا غير. قوله: (ما تقتضيه الموازنة) مذهبه. قوله: (فالمتصدق كفارته له) أي: فالمتصدق يصدقه له. قوله: (كقوله: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ يعني كأن قوله: "فالمتصدق كفارته له" وعدٌ من الله تعالى
[ ٥ / ٣٧٤ ]
قفيته مثل: عقبته: إذا اتبعته، ثم يقال: قفيته بفلانٍ، وعقبته به، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء.
فإن قلت: فأين المفعول الأول في الآية؟ قلت، هو محذوفٌ، والظرف الذي هو (عَلى آثارِهِمْ) كالسادّ مسدّه؛ لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه، والضمير في (آثارهم) للنبيين في قوله: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) [المائدة: ٤٤].
وقرأ الحسن: (الإنجيل) بفتح الهمزة فإن صح عنه فلأنه أعجمى خرج لعجمته عن زناة العربية، كما خرج هابيل وآجر. (وَمُصَدِّقًا) عطفٌ على محل (فِيهِ هُدىً) ومحله النصب على الحال. (وَهُدىً وَمَوْعِظَةً) يجوز أن ينتصبا على الحال. كقوله: (مُصَدِّقًا) وأن ينتصبا مفعولًا لهما، كقوله: (وَلْيَحْكُمْ) كأنه قيل: وللهدى والموعظة آتيناه الإنجيل، وللحكم بما أنزل اللَّه فيه من الأحكام.
فإن قلت: فإن نظمت "هُدىً" و"مَوْعِظَةً" في سلك (مصدقًا) فما تصنع بقوله: (وليحكم)؟ قلت: أصنع به ما صنعت بـ"هدى" و"موعظة"
_________________
(١) ـ مؤكدًا بقوله: ﴿لَهُ﴾، كما تقول: زيدٌ ماله له، فإن "له" تأكيدٌ لدفع توهم من يزعم أن المال الذي لزيد وبيده لغيره، كما أن "على" في قوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ تأكيد للوعد لما يقتضيه من الوجوب. قوله: (فأين المفعول الأول؟) إشارة إلى أن الأصل: فقفيناهم على آثارهم، كقولك: قفيته بفلان. قوله: (يجوز أن ينتصبا على الحال)؛ لأن ما تقدمهما من قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾: حالٌ، ويجوز أن ينتصبا مفعولًا لهما؛ لأن ما تأخر فيهما من قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ مفعول له، فيكون التقدير: وللهدى والموعظة والحكم بما أنزل الله فيه من الأحكام، آتيناه الإنجيل، وإنما فصل المصنف ببين التعليلين والثالث لوقوع الفصل في التنزيل بقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، ولينبه على أن الثالث ليس فعلًا لفاعل الفعل المعلل ومن ثم أتى باللام.
[ ٥ / ٣٧٥ ]
حين جعلتهما مفعولًا لهما، فأقدّر: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه آتيناه إياه.
وقرئ: (وليحكم) على لفظ الأمر بمعنى: وقلنا ليحكم. وروى في قراءة أبى: (وأن ليحكم) بزيادة (أن) مع الأمر على أنّ «أن» موصولةٌ بالأمر: كقولك: أمرته بأن قم كأنه قيل: وآتيناه الإنجيل وأمرنا بأن يحكم أهل الإنجيل.
وقيل: إن عيسى ﵇ كان متعبدًا بما في التوراة من الأحكام لأن الإنجيل مواعظ وزواجر والأحكام فيه قليلة. وظاهر قوله (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) يردّ ذلك، وكذلك قوله: (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا) [المائدة: ٤٨]
_________________
(١) ـ قوله: (على أن "أن" موصولة بالأمر) أراد بالموصول: ما لا يتم إلا بما بعده، نحو: أريد أن أفعل وجاءني الذي عرفته. قوله: (وكذلك قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، الراغب: الشرعة والشريعة: الطريقة الظاهرة التي توصل إلى الماء، فهي للدين الذي يوصل إلى الحياة الأبدية كما سُمي به كناية الماء، والمنهاج: الطريق المستقيم، وقيل: الشرعة: إشارة إلى الدين وهو الشرع، والمنهاج إشارة إلى الدليل الذي يوصل إلى معرفته، وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: دينًا وسبيلًا. إن قيل: كيف قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ فاقتضى ذلك أن لكل واحد من الأنبياء شريعة غير شريعة الآخر، وقال في موضع: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] إلى قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، فذكر أنه شرع لجميعهم شريعة واحدة؟ قيل: الذي استوى فيه الشرائع هو
[ ٥ / ٣٧٦ ]
وإن ساغ لقائلٍ أن يقول: معناه: وليحكموا بما أنزل اللَّه فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة.
[(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)].
فإن قلت: أي: فرق بين التعريفين في قوله (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) وقوله: (لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ)؟ قلت: الأول تعريف العهد، لأنه عنى به القرآن. والثاني تعريف الجنس، لأنه عنى به جنس الكتب المنزلة: ويجوز أن يقال: هو للعهد؛
_________________
(١) ـ أصول الإيمان والإسلام، أعني: التوحيد والصلاة والزكاة والصوم؛ فإن أصول هذه الأشياء لا ينفك منها شرع بوجه، فأما الذي ذُكر أنه تفرد كل واحد من الأنبياء بفروع العبادات من كيفياتها وكمياتها، فإن ذلك مشروع على حسب مصالح كل أحد، وعلى مقتضى الحكمة في الأزمنة المختلفة، ووجه آخر: أن الشرائع إذا اعتبرت بالشارع ومقتضى حمته يصح أن يقال: إن كلها واحدة، وكذا إذا اعتبرت بالغرض والقصد الذي هو مصلحة المشروع له، وإذا اعتبرت بذوات الأفعال فهي شرائع كثيرة، وعلى هذين النظرين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وقال في موضع آخر: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. قوله: (لقائل أن يقول: معناه: وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة).قال القاضي: هذا خلاف الظاهر، والآية تدل على أن الإنجيل مشتمل على الأحكام، وأن اليهودية منسوخة ببعثة عيسى ﵊، وأنه كان مستقلًا بالشرع.
[ ٥ / ٣٧٧ ]
لأنه لم يرد به ما يقع عليه اسم الكتاب على الإطلاق وإنما أريد نوع معلومٌ منه، وهو ما أنزل من السماء سوى القرآن.
(وَمُهَيْمِنًا): ورقيبًا على سائر الكتب لأنه يشهد لها بالصحة والثبات. وقرئ (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) بفتح الميم، أي: هو من عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل، كما قال: (لا يَاتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) [فصلت: ٤٢] والذي هيمن عليه اللَّه ﷿ أو الحفاظ في كل بلدٍ،
_________________
(١) ـ قوله: (نوع معلوم منه، وهو ما أنزل الله من السماء سوى القرآن) وحاصل الوجه الأول يرجع إلى هذا؛ لأن ﴿الْكِتَابَ﴾ مطلق فيما يصح أن يقال له: كتابٌ، ولا ارتياب أن الكتب الباطلة غير محصورة، فلا يكون القرآن مصدقًا لها، فرجع إلى أن الكتب السماوية هي التي تستحق أن تسمى كتابًا لكمالها، وأن غيرها كأنها ليست بكتاب كما ذكره في قوله: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢]. نعم، الفرق من حيث المبالغة. قوله: ("ومهيمنًا عليه" بفتح الميم) فعلى هذا لا يكون فيه ضمير، والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ يعود إلى الكتاب الأول، وعلى تقدير كسر الميم الضمير يعود إلى الكتاب الأول وفي ﴿عَلَيْهِ﴾ إلى الكتاب الثاني. قوله: (أي: هو من عليه). قال أبو البقاء: أصل مهيمن: ميمن، لأنه مشتق من الأمانة لأن المهيمن الشاهد، وليس في الكلام "همن" حتى تكون الهاء أصلًا. قوله: (والذي هيمن عليه)، الأساس: هيمن على كذا: إذا كان رقيبًا عليه حافظًا، والله ﷿ مهيمن. قوله: (أو الحفاظ في كل بلد). قلت: هذا أيضًا من حفظ الله، وفي الحقيقة: الله هو الحافظ
[ ٥ / ٣٧٨ ]
لو حُرِّف حَرْفٌ منه، أو حركةٌ أو سكونٌ لتنبه عليه كل أحدٍ ولاشمأزوا رادّين ومنكرين.
ضمن (وَلا تَتَّبِعْ) معنى: ولا تنحرف فلذلك عُدّي بـ"عن"، كأنه قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم.
(لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ) أيها الناس (شِرْعَةً) شريعةً. وقرأ يحيى بن وثابٍ: بفتح الشين. (وَمِنْهاجًا): وطريقًا واضحًا …
_________________
(١) ـ وحده، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. قال المصنف: "وهو حافظه في كل وقت من كل زيادة ونقصان وتحريف وتبديل، بخالف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتول حفظها، وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغيًان فكان التحريف، ولم يكل القرآن إلى غير حفظه". قوله: (لا تنحرف عما جاءك من الحق متبعًا أهواءهم)، هذه الضوابط المذكورة هي التي يعول عليها في التضمين، حيث أوقع الفعل المضمن فيه حالًا، وأقام المضمن مقامه لتعم الفائدة، قال في الكهف: "الغرض في هذا الأسلوب إعطاء مجموع المعنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى واحد". فإن قلت: هلا حمله على الحال ليكون المعنى: لا تتبع أهواءهم منحرفًا عما جاءك من الحق؟ قلت: المقام يستدعي ذم القوم، وهذا أدخل في الذم، كأنه نهى عن الانحراف عن الحق مطلقًا، ثم أتى بما ظهر أن ذلك الانحراف هو متابعة أهواء أولئك الزائغين؛ إيذانًا بأن أولئك أعلام في الانحراف عن الحق، وكذلك الحال، فإنه قيدٌ للفعل فيوهم أنه تجوز المتابعة إذا زال الانحراف، ويقرب منه قولك: "هل أدلك على أفضل الناس وأكرمهم؟ فلان، فإنه أبلغ من قولك: هل أدلك على فلان الأفضل الأكرم؟ " ذكره المصنف في سورة الفاتحة.
[ ٥ / ٣٧٩ ]
في الدين تجرون عليه. وقيل: هذا دليلٌ على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا.
(لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً): جماعة متفقةً على شريعةٍ واحدةٍ. أو ذوي أمةٍ واحدةٍ؛ أي: دينٍ واحدٍ لا اختلاف فيه، (وَلكِنْ) أراد (لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) من الشرائع المختلفة، هل تعملون بها مذعنين معتقدين أنها مصالح
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: هذا دليل على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا). قال الإمام: احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية [المائدة: ٤٤]، وتقريره: أنه تعالى قال: إن في التوراة هدى ونورًا، والمراد هدى ونور في أصول الشرع وفروعه، ولو كان الحكم غير معتبر بالكلية لما كان فيه هدى ونور، ولأن هذه الآية نزلت في مسالة الرجم فيجب أن تدخل الأحكام أيضًا في الهدى والنور. وقال أيضًا في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: احتج أكثر العلماء بهذه الآية على أن شرع من قبلنا لم يلزمنا، لأنها تدل على أنه يجب أن يكون كل رسول مستقلًا بشريعة خاصة، فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]؟ والجواب: أنا الثانية مصروفة إلى ما يتعلق بأصول الدين، والأولى بفروعه، وقال: الخطاب في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾: للأمم الثلاث: أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد صلوات الله عليهم وسلامه، لأن الآيات السابقة اللاحقة فيهم، وقال: الشرعة: عبارة عن مطلق الشريعة، والمنهاج: عن مكارم الشريعة.
[ ٥ / ٣٨٠ ]
قد اختلفت على حسب الأحوال والأوقات، معترفين بأن اللَّه لم يقصد باختلافها إلا ما اقتضته الحكمة؟ أم تتبعون الشبه وتفرطون في العمل؟
(فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ): فابتدروها وتسابقوا نحوها. (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ): استئنافٌ في معنى التعليل لاستباق الخيرات. (فَيُنَبِّئُكُمْ): فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم، وعاملكم ومفرطكم في العمل.
[(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ) ٤٩].
_________________
(١) ـ وقلت: أما الاستدلال بقوله: إن الله وصف التوراة بكونها فيها نور وهدى، ثم عقبه بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ فدل على أن بعض أحكامها معتبر، فضعيف؛ لأنه يكفي في صدق كونها هدى أن يكون هدى قبل النسخ، وأما مسألة الرجم فإنه صلوات الله عليه وسلامه أمر أولًا بالرجم، ولما أبوا دعا بالتوراة تقريرًا، وأما آية الرجم فقد ذكرناها في قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] عن البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن عباس، عن عمر، وفي رواية ابن ماجه: "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" مَا نَنسَخْ مِنْ آيَة. قوله: (﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات)، يعني: هو جواب مع ما يعقبه بسؤال مورده ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ مع ما هو مترتب عليه بالفاء، يعني: أنه تعالى لما خاطب الأمم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم بقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ أي: شريعة بحسب ما تقتضيه الأوقات من المصالح؛ ليختبركم أيكم يعتقد أنها
[ ٥ / ٣٨١ ]
فإن قلت: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ) معطوفٌ على ماذا؟ قلت: على: (الْكِتابَ) في قوله: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) [المائدة: ٤٨] كأنه قيل: وأنزلنا إليك أن احكم على أنّ «أن» وصلت بالأمر، لأنه فعلٌ كسائر الأفعال، ويجوز أن يكون معطوفًا على: (بِالْحَقِّ) [المائدة: ٤٨] أي: أنزلناه بالحق وبأن احكم.
(أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ): أن يضلوك عنه، ويستزلوك، وذلك أن كعب بن أسيدٍ وعبد اللَّه بن صوريا وشاس بن قيسٍ من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمدٍ نفتنه عن دينه؛ فقالوا له: يا محمد، قد عرفت أنا أحبار اليهود، وأنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود كلهم ولم يخالفونا، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم، ونحن نؤمن بك ونصدّقك، فأبى ذلك رسول اللَّه ﷺ، فنزلت.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الحكم بما أنزل اللَّه إليك وأرادوا غيره (فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) يعني: بذنب التولي عن حكم اللَّه وإرادة خلافه فوضع (بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) موضع ذلك، وأراد أنّ لهم ذنوبًا جمةً كثيرة العدد،
_________________
(١) ـ حكمة من الله تعالى وإن خفي عليه وجه الحكمة فيستبق إلى ما شرعه الله تعالى في كل وقت، ولا يتبع هواه، وأيكم يتبع هواه؟ اتجه لهم أن يسألوا: ما تلك الحكمة؟ ومتى تُعلم حقيقتها؟ فأجيبوا: إذا ما رجعتم إلى الله تعالى في دار الجزاء فيجازيكم إما بالثواب أو بالعقاب ليفصل بين المحق والمبطل وبين العامل والمفرط، وحينئذ تعلمون وجه الحكمة ولا تشكون فيه، مثاله: إذا قلت: فما ادري من المقبول منا ومن المردود عند الأمير؟ فيقال لك: إذا رأيت أنه خلع على فلان وعاقب فلانًا علمت المقبول والمردود ولا تشك فيه. قوله: (ويجوز أن يكون معطوفًا على ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: أنزلناه بالحق وبأن احكم). قلت: ولو جعله عطفًا على ﴿فَاحْكُمْ﴾ من حيث المعنى ليكون التكرير لإناطة قوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ كان أحسن.
[ ٥ / ٣٨٢ ]
وأنّ هذا الذنب - مع عظمه بعضها وواحدٌ منها، وهذا الإيهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه. ونحو "البعض" في هذا الكلام ما في قول لبيدٍ:
أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا
أراد: نفسه، وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام، كأنه قال: نفسا كبيرة، ونفسًا أي: نفس، فكما أن التنكير يعطى معنى التكبير وهو معنى البعضية، فكذلك إذا صرح بالبعض.
_________________
(١) ـ قوله: (أو يرتبط بعض النفوس حمامها)، أوله: تراك أمكنة إذا لم أرضها وقبله: أو لم تكن تدري نوار بأنني … وصال عقد حبائل جذامها تراك: ترتفع على الإتباع لـ "وصال" و"جذام"، أو يرتبط: مجزوم عطف على "أرضها" أي: الم تدر المحبوبة أني وصال عقد من يحاول مودتي، وقطاع لمن يقطع محبتي، وأني جوال الفيافي قطاع المهامه، وأني تراك أماكن إذا لم أرضها، أو: ألم يقدر أني أموت فيها؟ يعني: أنه مجتهد في الرحلة إذا لم تعق العوائق، والظاهر أن "أو" بمعنى "بل"، وقد جاء في "الصحاح": ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] أي: بل يزيدون، وقال الزوزني: المعنى: إني لا أترك الأماكن اجتويها وأقليها، إلى أن أموت. قوله: (فكذلك إذا صرح بالبعض) يعني: كما وضع التنكير للتعليل الذي فيه معنى البعضية، وقد يُراد به في مثل قوله تعالى حكاية عن السحرة: ﴿إِنَّ لَنَا لأَجْرًا﴾ [الأعراف: ١١٣]
[ ٥ / ٣٨٣ ]
(لَفاسِقُونَ): لمتمرّدون في الكفر معتدون فيه، يعنى أنّ التولي عن حكم اللَّه من التمرّد العظيم والاعتداء في الكفر.
[(أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)].
(أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) فيه وجهان:
أحدهما: أنّ قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى. وروي أنّ رسول اللَّه ﷺ قال لهم «القتلى بواء» قال: فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت.
والثاني: أن يكون تعبيرًا لليهود بأنهم أهل كتابٍ وعلمٍ، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل، لا تصدر عن كتاب ولا ترجع إلى وحي من اللَّه تعالى.
_________________
(١) ـ التكثيرُ، كما يُراد من "رب" وهو للتقليل في نحو قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] التكثير، كذلك حكم البعض، وهو استعارة تمليحية ضد التهكمية. قوله: (طلبوا إليه) أي: جاؤوا إليه وانتهوا أو توجهوا إليه طالبين. قوله: (أن يكون تعبيرًا لليهود) وعلى الأول كان توبيخًا، أي: يريدون أن يحكموا كما حكم أولئك القوم. ولم يكن مفهوم الجاهلية منظورًا إليه بخلافه في الثاني ليصح التعبير بالجهل، ولذلك قال: "بأنهم أهل كتاب وعلم" وقدر المضاف في الأول: الأهل، وفي الثاني: الملة، كالرجل إذا سُمي بأحمد له اعتباران: مجرد العلمية تارة، ومع الوصف أخرى، ويجوز أن لا يُراد بالجاهلية المشركون، بل كل من نسب إلى الجهل بسبب ابتغائه غير حكم الله تعالى، كما قال الحسن: والحكم حكمان: حكم بعلم، فهو حكم الله، وحكم بجهل، فهو حكم الشيطان.
[ ٥ / ٣٨٤ ]
وعن الحسن: هو عامّ في كل من يبغى غير حكم اللَّه. والحكم حكمان: حكمٌ بعلمٍ، فهو حكم اللَّه، وحكمٌ بجهل فهو حكم الشيطان. وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، فقرأ هذه الآية.
وقرئ: (تبغون) بالتاء والياء. وقرأ السلمي: (أفحكم الجاهلية يبغون) برفع "الحكم" على الابتداء، وإيقاع "يبغون" خبرًا، وإسقاط الراجع عنه كإسقاطه عن الصلة في (أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) [الفرقان: ٤١] وعن الصفة في: الناس رجلان، رجل أهنت، ورجل أكرمت. وعن الحال في «مررت بهندٍ يضرب زيد».
وقرأ قتادة: (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ) على أنّ هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به أفعى نجران، أو نظيره من حكام الجاهلية، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكما كأولئك الحكام.
اللام في قوله (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) للبيان كاللام في: (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣] أي: هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرأ قتادة: أفحكم الجاهلية)، وقال أبو البقاء: يُقرأ بفتح الحاء المهملة والكاف والميم، وهو منصوب بـ ﴿يَبْغُونَ﴾، أي: أحكم حكم الجاهلية. قوله: (اللام في قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [للبيان] كاللام في: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أي: بيان لا صلة، وفي ﴿هَيْتَ﴾ ضمير مستتر هو فاعله، و﴿لَكَ﴾ بيان للمهيت به. قال أبو البقاء: ﴿لْقَوْمٍ﴾ هو في المعنى عند قوم يوقنون، وليس المعنى: أن الحكم لهم، وإنما المعنى: أن الموقن يتدبر حكم الله فيحسن عنده، ومثله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧].
[ ٥ / ٣٨٥ ]
فإنهم هم الذين يتيقنون أن لا أعدل من اللَّه ولا أحسن حكما منه.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ* وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ)].
لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين. ثم علل النهى بقوله: (بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) أي: إنما يوالي بعضهم بعضًا لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر، فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم؟ !
_________________
(١) ـ للموقنين، وقيل: هي على أصلها، أي: حكم الله للمؤمنين على الكافرين، وكذلك الآية لهم، أي: الحجة لهم، يقول المصنف: "هم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله" هو معنى قول أبي البقاء: إن الموقن يدبر حكم الله فيحسن عنده، أي: هم الذين ينتفعون به. قوله: (ولا أحسن حكمًا منه) إشارة إلى أن الاستفهام في قوله: "من أحسن" للإنكار، والجملة حال مقررة لجهة الإشكال، والخطاب عام أي: أيبتغون حكم أهل الجاهلية؟ والحال أنه لا أحسن حكمًا من الله لمن له إيقان بتدبير حكم الله تعالى ويعلم أنه لا أعدل من الله، قال أبو البقاء: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾: مبتدأ وخبرٌ، وهو استفهام في معنى النفي. قوله: (فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم) أي: فما يصنع من دينه خلاف دينهم مع موالاتهم ومصافاتهم؟
[ ٥ / ٣٨٦ ]
(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ) من جملتهم، وحكمه حكمهم، وهذا تغليظ من اللَّه وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله، كما قال رسول اللَّه ﷺ: «لا تراءى ناراهما»، ومنه قول عمر ﵁ لأبي موسى في كاتبه النصراني: لا تكرموهم إذ أهانهم اللَّه، ولا تأمنوهم إذ خوّنهم اللَّه، ولا تدنوهم إذ أقصاهم اللَّه.
وروي أنه قال له أبو موسى: لا قوام للبصرة إلا به، فقال: مات النصراني والسلام، يعني هب أنه قد مات، فما كنت تكون صانعًا حينئذٍ فاصنعه الساعة، واستغن عنه بغيره.
(إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) يعني: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر يمنعهم اللَّه ألطافه ويخذلهم مقتًا لهم.
_________________
(١) ـ قوله: (لا تراءى ناراهما) روينا عن الترمذي وأبي داود، عن جرير بن عبد الله، قال: بعث رسول الله ﷺ إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فأمرهم بنصف العقل، وقال: "أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: "لا تتراءى ناراهما". النهاية: الترائي: تفاعل من الرؤية، يقال: تراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضًا، فإسناد الترائي إلى النارين، جاز من قولهم: داري تنظر إلى دار فلان، أي: تقابلها، يقال: ناراهما مختلفتان، هذه تدعو إلى الله وهذه تدعو إلى الشيطان فكيف يتفقان؟ والأصل في تراءى: تتراءى، فحذف إحدى التاءين تخفيفًا، والمعنى: لا ينبغي لمسلم أن ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت فيه ناره تهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله، ولكنه م المسلمين في دارهم.
[ ٥ / ٣٨٧ ]
(يُسارِعُونَ فِيهِمْ): ينكمشون في موالاتهم ويرغبون فيها ويعتذرون بأنهم لا يأمنون أن تصيبهم دائرةٌ من دوائر الزمان؛ أي: صرف من صروفه ودولة من دوله، فيحتاجون إليهم وإلى معونتهم.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال لرسول اللَّه ﷺ: إنّ لي موالي من يهود كثيرًا عددهم، وإني أبرأ إلى اللَّه ورسوله من ولايتهم وأُوالى اللَّه ورسوله فقال عبد اللَّه بن أُبيّ: إني رجلٌ أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية مواليّ وهم يهود بنى قينقاع.
(فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ) لرسول اللَّه ﷺ على أعدائه وإظهار المسلمين (أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ) يقطع شأفة اليهود ويجلبهم عن بلادهم،
_________________
(١) ـ قوله: (ينكمشون في موالاتهم)، الجوهري: انكمش وتكمش: أسرع. قوله: (ودولة من دوله) عطف على "صرف من صروفه"، وهو تفسير للدائرة. الأساس: والدهر دول وعقب ونوب، والله يداول الأيام بين الناس مرة لهم ومرة عليهم. لم يفرق المصنف بين الدولة والدائرة، وفرق بينهما الراغب حيث قال: الدائرة: عبارة عن الخط المحيط، يقال: دار دورانًا، ثم عبر بها عن الحادثة، والدواري: الدهر الدائر بالإنسان، ولذلك قال الشاعر: والدهر بالإنسان دواري والدورة والدائرة: في المكروه، كما يقال: "دولة" في المحبوب، قال تعالى: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. قوله: (شأفة اليهود)، الجوهري: الشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب، يقال في المثل: استأصل الله شأفته، أي: أذهبه الله كما أذهب تلك القرحة بالكي.
[ ٥ / ٣٨٨ ]
فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم، وذلك أنهم كانوا يشكون في أمر رسول اللَّه ﷺ ويقولون: ما نظن أن يتم له أمرٌ، وبالحرى أن تكون الدولة والغلبة لهؤلاء.
وقيل: (أو أمر من عنده): أو أن يؤمر النبيّ ﷺ بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم، فيندموا على نفاقهم. وقيل: أو أمرٍ من عند اللَّه لا يكون فيه للناس فعلٌ كبني النضير الذين طرح اللَّه في قلوبهم الرعب، فأعطوا بأيديهم من غير أن يوجف عليهم بخيلٍ ولا ركابٍ.
_________________
(١) ـ قوله: (فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم)، الراغب: خص لفظ الإصباح لأمرين أحدهما: أنه لما كان أكثر محارباتهم وغاراتهم وقت الصباح كثر عباراتهم عن التعبيرات به، وعلى هذا قول الشاعر: يا راقد الليل مسرورًا بأوله … إن الحوادث قد يطرقن أسحارا والثاني: أنه لما كان بالإصباح انحماء الظلمة وانتشار الأشعة وظهور ما كان بالليل مستترًا، خُص "فأصبحوا" تنبيهًا على زوال غمة الجهالة وظهور الخفاء، وعليه قولهم: بدا الصبح لذي العينين. قوله: (﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾: أو أن يؤمر النبي ﷺ) عطف على قوله: " ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ يقطع شأفة اليهود"، فعلى الأول: الأمر بمعنى الشأن، وعلى الثاني: واحد الأمور. قوله: (يوجف عليهم)، الجوهري: وجف الشيء، أي: اضطرب، وقال تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ﴾ [الحشر: ٦] أي: ما أعلمتم، "فأعطوا بأيديهم" أي: انقادوا وذلوا.
[ ٥ / ٣٨٩ ]
(وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا) قرئ بالنصب عطفًا على أن يأتى، وبالرفع على أنه كلام مبتدأ، أى: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت.
وقرئ: (يقول) بغير واوٍ، وهي في مصاحف مكة والمدينة والشام كذلك،
_________________
(١) ـ قوله: (﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: قرئ بالنصب عطفًا على ﴿أَنْ يَاتِيَ﴾ وهي قراءة أبي عمرو. فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: "عسى الله أن يقول الذين آمنوا" لأن ﴿أَنْ يَاتِيَ﴾ خبر "عسى"، والمعطوف عليه في حكمه فيفتقر إلى ضمير يرجع إلى اسم "عسى" ولا ضمير في قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فيصير كقولك: "عسى الله أن يقول الذين آمنوا"، قيل: هو محمول على المعنى لأن معنى "عسى الله أن يأتي بالفتح" ومعنى "عسى أن يأتي الله بالفتح" واحد، كأنه قال: "عسى أن يأتي الله بالفتح ويقول الذين آمنوا"، كما قال: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] أو أن يبدل ﴿أَنْ يَاتِيَ﴾ من اسم الله، كما أبدل ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ من الضمير في قوله: ﴿وَمَا أَنْسَانِي إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، أو يعطف على لفظ ﴿أَنْ يَاتِيَ﴾ على حذف الضمير، أي: ويقول الذين آمنوا به، أو يعطف على "الفتح" أي: عسى الله أن يأتي بالفتح وبأن يقول الذين آمنوا، وقريب من كل ذلك ما ذكره أبو البقاء. قوله: (على أنه كلام مبتدأ) المعنى: عسى الله أن يأتي بالفتح فيصير الكافرون نادمين ويقول الذين آمنوا تشفيًا عن الغيظ: أهؤلاء الذين أقسموا كيت وكيت؟ قوله: (في ذلك الوقت) أي: وقت الفتح لرسول الله ﷺ وإظهار المسلمين أو أمر من عنده. قوله: (وقرئ: "يقول" بغير واو) نافع وابن كثير وابن عامر.
[ ٥ / ٣٩٠ ]
على أنه جواب ٍقائل يقول:فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ؟ فقيل: يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا؟
فإن قلت: لمن يقولون هذا القول؟ قلت: إمّا أن يقوله بعضهم لبعضٍ تعجبًا من حالهم، واغتباطًا بما منّ اللَّه عليهم من التوفيق في الإخلاص (أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا) لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار. وإمّا أن يقولوه لليهود، لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة، كما حكى اللَّه عنهم (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) [الحشر: ١١].
_________________
(١) ـ قوله: (إما أن يقوله بعضهم لبعض) قال القاضي: أن يقول المؤمنون بعضهم لبعض تعجبًا من حال المنافقين، وتبجحًا بما من الله عليهم من الإخلاص. وقال الإمام: المؤمنون يقولون متعجبين من حال المنافقين عندما أظهروا الميل إلى موالاة أهل الكتاب. أي: كانوا يقسمون بالله جهد أيمانهم إنهم معنا ومن أنصارنا، والآن كيف صاروا موالين لأعدائنا؟ قوله: (﴿أَقْسَمُوا﴾ لكم بأغلاظ الأيمان) وهو معنى قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، قال في سورة النور: "جهد يمينه: مستعار من جهد نفسه: إذا بلغ وُسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ شدتها ووكادتها"، وقد شرحناه هناك. قوله: (أن يقولوه لليهود، فإن المنافقين حلفوا لهم بالمعاضدة) قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرى إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١].
[ ٥ / ٣٩١ ]
(حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ): من جملة قول المؤمنين، أي: بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأي أعين الناس وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم! فما أخسرهم! أو من قول اللَّه ﷿ شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجبًا من سوء حالهم.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ)].
وقرئ (مَنْ يَرْتَدَّ) و(من يرتدد) وهو في الإمام بدالين، وهو من الكائنات التي أخبر عنها في القرآن قبل كونها.
وقيل: بل كان أهل الردّة إحدى عشرة فرقة: ثلاث في عهد رسول اللَّه ﷺ:
بنو مدلج ورئيسهم ذو الخمار، وهو الأسود العنسي، وكان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلاده،
_________________
(١) ـ قوله: (﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ من جملة قول المؤمنين) كأن الحاضر لما شاهد فرط اغتباط المؤمنين وتعجبهم من حال المنافقين وسمع قولهم: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ سئل: فماذا تكلموا بعد هذا الكلام؟ فقال: قالوا: حبطت أعمالهم تعجبًا إلى تعجبهم واغتباطًا إلى اغتباطهم. قوله: (قرئ: ﴿مَنْ يَرْتَدِ﴾ و"من يرتدد" بالفك: نافع وابن عامر، وغيرهما: بالإدغام، قال الزجاج: الفك هو الأصل، لأنه إذا سُكن الثاني من المضاعف ظهر التضعيف. قوله: (وهو الأسود العنسي) وفي حديث الرؤيا عن النبي ﷺ: "رأيت في المنام كأن في يدي سوارين، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي يقال لأحدهما: مسيلمة صاحب اليمامة،
[ ٥ / ٣٩٢ ]
وأخرج عمال رسول اللَّه ﷺ، فكتب رسول اللَّه ﷺ إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن، فأهلكه اللَّه على يدي فيروز الديلمي بيته فقتله وأخبر رسول اللَّه ﷺ بقتله ليلة قتل، فسرّ المسلمون وقبض رسول اللَّه ﷺ من الغد. وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.
وبنو حنيفة قوم مسيلمة، تنبأ وكتب إلى رسول اللَّه ﷺ: من مسيلمة رسول اللَّه إلى محمدٍ رسول اللَّه، أمّا بعد: فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك. فأجاب ﵊: «من محمد رسول اللَّه إلى مسيلمة الكذاب. أما بعد، فإن الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين»، فحاربه أبو بكر ﵁ بجنود المسلمين، وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة، وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية، وشرّ الناس في الإسلام، أراد في جاهليتى وإسلامى.
وبنو أسدٍ قوم طليحة بن خويلدٍ، تنبأ فبعث إليه رسول اللَّه ﷺ خالدًا فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.
وسبعٌ في عهد أبي بكر ﵁: فزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان قوم قرّة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة، التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وفيها يقول أبو العلاء المعرى في كتاب "استغفر واستغفري":
_________________
(١) ـ والعنسي صاحب صنعاء"، رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة، وفي "الجامع": العنسي بفتح العين وسكون النون: منسوب إلى عنس، وهو يزيد بن مذحج بن أدد بن زيد ابن يشجب. قوله: (في كتاب "استغفر واستغفري") كتابٌ التزم في قصائده: استغفر واستغفري.
[ ٥ / ٣٩٣ ]
أمَّتْ سجَاحٌ وَوَالاهَا مُسَيْلِمَةٌ … كَذَّابَةٌ فِى بَنِى الدُّنْيَا وَكَذَّابُ
وكندة قوم الأشعث بن قيسٍ، وبنو بكر بن وائلٍ بالبحرين قوم الحطيم بن زيدٍ، وكفى اللَّه أمرهم على يد أبي بكر ﵁. وفرقةٌ واحدةٌ في عهد عمر ﵁: غسان قوم جبلة ابن الأيهم نصرته اللطمة وسيرته إلى بلاد الروم بعد إسلامه.
(فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ) قيل: لما نزلت أشار رسول اللَّه ﷺ إلى أبي موسى الأشعري فقال: «قوم هذا».
وقيل: هم ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة، وثلاثة آلاف من أفناء الناس جاهدوا يوم القادسية. وقيل: هم الأنصار.
وقيل: سئل رسول اللَّه ﷺ عنهم فضرب يده على عاتق سلمان وقال: «هذا وذووه» ثم قال: "لو كان الإيمان معلقًا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس".
_________________
(١) ـ قوله: (أمت سجاح) أمت: بالتخفيف والتشديد من الأيمة والإمامة، الأساس: وقد آمت ايمة وتأيمت، ورجل أيم: طالت عزوبته، وكان رسول الله ﷺ يتعوذ من الأيمة، يقال: هي أيم ما لها قيم. قوله: (ووالاها مسيلمة) أي: وافقها وتزوجها، وجبلة بن الأيهم مضت قصته في أول البقرة عند قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]. قوله: (ووالاها مسيلمة) أي: وافقها وتزوجها، وجبلة بن الأيهم مضت قصته في أول البقرة عند قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]. قوله: (لو كان الإيمان معلقًا بالثريا) الحديث، وقريب منه ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي هريرة.
[ ٥ / ٣٩٤ ]
(يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته، وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه. ومحبة اللَّه لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم، وأما ما يعتقده أجهل الناس وأعداهم للعلم وأهله، وأمقتهم للشرع وأسوؤهم طريقةً، وإن كانت طريقتهم عند أمثالهم من الجهلة والسفهاء شيئًا، وهم الفرقة المفتعلة المتفعلة من الصوف وما يدينون به من المحبة والعشق والتغني على كراسيهم خربها اللَّه، وفي مراقصهم عطلها اللَّه، بأبيات الغزل المقولة في المردان الذين يسمونهم شهداء، وصعقاتهم التي أين عنها صعقة موسى عند دكّ الطور، فتعالى اللَّه عنه علوًا كبيرًا، ومن كلماتهم: كما أنه بذاته يحبهم، كذلك يحبون ذاته، فإنّ الهاء راجعة إلى الذات دون النعوت والصفات. ومنها: الحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة، فإذا لم يكن ذلك لم تكن فيه حقيقةٌ.
فإن قلت: أين الراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن لمعنى الشرط؟ قلت: هو محذوف معناه: فسوف يأتي اللَّه بقومٍ مكانهم، أو بقومٍ غيرهم، أو ما أشبه ذلك.
_________________
(١) ـ قوله: (وأما ما يعتقده أجهل الناس) عاد إلى التعصب البارد، وتحقيق القول في المحبة ما ذكره في آل عمران. قوله: (المفتعلة)، الأساس: هذا الكتاب مفتعل، أي: مختلق مصنوع، ويقال للشعر المبتدع الذي أغرب فيه قائله، ويقولون: أعذب الشعر ما كان مفتعلًا. قوله: (أين عنها؟) استفهام وقع صلة للموصول على تأويل: المقول في حق تلك الصعقات: أين عنها صعقة موسى؟ وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنه بحسب زعماتهم، أي: أن هذه أرفع شأنًا منها، والثاني: بحسب زعم المصنف، أي: صعقة موسى أرفع شأنًا منها.
[ ٥ / ٣٩٥ ]
(أَذِلَّةٍ): جمع ذليلٍ، وأما ذلول فجمعه: ذلل، ومن زعم أنه من الذلّ الذي هو نقيض الصعوبة فقد غبي عنه أنّ ذلولًا لا يجمع على أذلة.
فإن قلت: هلا قيل: أذلةٍ للمؤمنين أعزةٍ على الكافرين؟ قلت: فيه وجهان:
أحدهما: أن يضمن الذلّ معنى الحنوّ والعطف، كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع. والثاني: أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم، ونحوه قوله ﷿: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: ٢٩] وقرئ: (أذلةً) و(أعزةً) بالنصب على الحال. (وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) يحتمل أن تكون الواو للحال؛ على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، فإنهم كانوا موالين لليهود - لعنت - فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يعملون شيئًا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم. وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه اللَّه لا يخافون لومة لائم قط
_________________
(١) ـ قوله: (والثاني: أنهم مع شرفهم) يعني استعير ﴿عَلَى﴾ بدل اللام ليؤذن بأنهم غلبوا غيرهم من المؤمنين في التواضع حتى علوهم بهذه الصفة، وإلى المبالغة أشار بقوله: "خافضون لهم أجنحتهم" وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وإنما قال: "مع شرفهم وعلو طبقتهم" ليؤذن بمعنى التكميل، فإنه لما قيل: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أوهم أنهم أذلاء محقرون مصغرون، فكمل بقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ بمعنى أنهم مع عزتهم وعلو طبقتهم متواضعون مبالغون فيه لمن يجب أن يتواضع له، نحوه قول الشاعر: جلوس في مجالسهم رزان … وإن ضيف ألم فهم خفوف
[ ٥ / ٣٩٦ ]
وأن تكون للعطف على أن من صفتهم المجاهدة في سبيل اللَّه، وأنهم صلابٌ في دينهم، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين إنكار منكرٍ، أو أمرٍ بمعروف، مضوا فيه كالمسامير المحماة لا يزعهم قول قائلٍ، ولا اعتراض معترضٍ، ولا لومة لائمٍ يشق عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم.
_________________
(١) ـ قوله: (إنكار مُنكر) مجرور بدل من "أمر"، وقوله: "يشق عليه": صفة "لائم"، فإن قلت: أي فرق بين أن يكون قوله: ﴿وَلا يَخَافُونَ﴾ حالًا وبين أن يكون عطفًا، قلت: إذا جعل حالًا كان قيدًا لـ ﴿يُجَاهِدُونَ﴾، فيكون تعريضًا بمن يجاهد ولم يكن له حال كذلك، ومن ثم قال: "وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين"، وإذا جُعل عطفًا على تتميمًا لمعنى ﴿يُجَاهِدُونَ﴾، فيفيد المبالغة والاستيعاب، وإلى المبالغة الإشارة بقوله: "مضوا فيه كالمسامير المحماة". والعجب أن قوله: "المحماة" أيضًا تتميم لقوله: "مضوا فيه كالمسامير"، قال امرؤ القيس: حملت ردينيًا كأن سنانه … سنا لهب لم يتصل بدخان وقد ألم إلى معنى "الاستيعاب" بقوله: "لايزعهم قول قائل، ولا اعتراض معترض" وهلم جرا إلى قوله: "لا يخافون شيئًا قط". قوله: (لا يزعهم)، الجوهري: وزعته أزعه وزعًا: كففته. قوله: (يشق عليه) الظاهر أن الضمير في "عليه" راجع إلى كل واحد من هؤلاء، وفي "جدهم" إلى المجاهدين، أي: يصعب على كل واحد من القائل والمعترض واللائم جد هؤلاء المجاهدين في إنكارهم المنكر وصلابتهم في أمرهم بالمعروف، ويروي: "ويشق عليهم" وقيل: الضمير في "جدهم" عائد إلى اللائم والمعترض والقائل، فعلى هذا "يشق" لا يكون صفة "لائم" كما في الأول ولا يلتئم مع قوله: ﴿لا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾.
[ ٥ / ٣٩٧ ]
واللومة: المرّة من اللوم، وفيها وفي التنكير مبالغتان، كأنه قيل: لا يخافون شيئًا قط من لوم أحد من اللوام. و(ذلِكَ): إشارةٌ إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة، والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة. (يُؤْتِيهِ) يوفق له (مَنْ يَشاءُ) ممن يعلم أنّ له لطفًا (واسِعٌ): كثير الفواضل والألطاف. (عَلِيمٌ): بمن هو من أهلها.
[(إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ)].
عقب النهى عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم بقوله تعالى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) ومعنى (إنما): وجوب اختصاصهم بالموالاة
_________________
(١) ـ قوله: (وفيها وفي التنكير مبالغتان) لأنه ينتفي بانتفاء الخوف من اللومة الواحدة خوف جميع اللومات، لأن النكرة في سياق النفي تعم، ثم إذا انضم معها تنكير فاعلها يستوعب انتفاء خوف جميع اللوام، وهذا تتميم في تتميم، أي: لا يخافون شيئًا من اللوم من أحد من اللوام. قوله: (أن له لطفًا) أي: أن لطفًا نافع له، فقدم الظرف لكون الاسم نكرة، يعني: يوفق للمحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء الخوف من يعلم أن الألطاف المحصلة والمقربة تجدي فيه ونافع له، فخص العام بما يؤدي إليه مذهبه، وجعل المشيئة تابعة للطف والحكم، على العكس على مذهب أهل السنة، والمعنى: ذلك المذكور من منح الله وفضله، ليس لأحد فيه سعي، يختص بها من يشاء من عباده؛ لأنه تعالى فعال لما يريد، وأنه كثير الفواضل، عليم بكل الأشياء وإن خفي على الخلق وجه حكمته. قوله: (عقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم) إشارة إلى أن اتصال قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، وما توسط بينهما من الآيات: يشد من أعضاد النهي.
[ ٥ / ٣٩٨ ]
فإن قلت: قد ذكرت جماعةٌ، فهلا قيل إنما أولياؤكم؟ قلت: أصل الكلام: إنما وليكم اللَّه، فجعلت الولاية للَّه على طريق الأصالة، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول اللَّه ﷺ والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قيل: إنما أولياؤكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبعٌ.
وفي قراءة عبد اللَّه: (إنما مولاكم).
فإن قلت: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ) ما محله؟ قلت: الرفع على البدل من "الذين آمنوا" أو على: هم الذين يقيمون. أو النصب على المدح،
_________________
(١) ـ قوله: (أصل الكلام: إنما وليكم الله، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة)، قال صاحب "الفرائد": ما ذكره بعيد عن قاعدة الكلام؛ لأنه جعل ما لا يستوي فيه الواحد والجمع جمعًا، وهو الولي، ويمكن أن يقال: التقدير: إنما وليكم الله، ورسوله والذين آمنوا أولياؤكم، فحذف الخبر لدلالة السابق عليه، وفائدة الفضل في الخبر هي التنبيه على أن كونهم أولياء بعد كونه تعالى وليًا لهم بجعله إياهم أولياء ففي الحقيقة هو الولي فحسب، وقلت: مراد المصنف من قوله: "ثم نُظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله ﷺ والمؤمنين" غير ما قدره لا أن قوله: ﴿وَلِيُّكُمْ اللَّهُ﴾ جمع؛ لأنه هرب من هذا المعنى إلى التبعية، فكأنه قال: "إنما وليكم الله وكذلك رسوله والمؤمنون" لتصح التبعية، ففيه مع ما ذكره صاحب "الفرائد" رعاية حسن الأدب مع حضرة الرسالة؛ لأن ذكر المؤمنين بعد ذكر الرسول حينئذ لم يكن للتبعية بل لمجرد الأفضلية. قوله: (الرفع على البدل … أو على: هم الذين …، أو النصب على المدح)، وإنما عدل عن الوصف لأن الموصول وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، والوصف لا يوصف إلا بالتأول، ولذلك قال القاضي: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾ صفة لـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه جرى مجرى الاسم.
[ ٥ / ٣٩٩ ]
وفيه تمييز للخلص من الذين آمنوا نفاقًا، أو واطأت قلوبهم ألسنتهم إلا أنهم مفرطون في العمل.
(وَهُمْ راكِعُونَ) الواو فيه للحال، أي: يعملون ذلك في حال الركوع، وهو الخشوع والإخبات والتواضع للَّه، إذا صلوا وإذا زكوا.
وقيل: هو حال من (ويؤتون الزكاة) بمعنى: يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة، وإنها نزلت في عليّ كرم اللَّه وجهه حين سأله سائلٌ وهو راكعٌ في صلاته،
_________________
(١) ـ قوله: (تمييز للخلص من الذين): متعلق بتمييز، وقوله: "أو واطأت": عطف على "آمنوا"، ففي الكلام لف ونشر، فقوله: "تمييز للخلص من الذين آمنوا نفاقًا" وارد على أن يكون ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾ بدلًا من "الذين آمنوا" تعريضًا بالمنافقين، وقوله: "أو واطأت" أي: تمييز لخلص من المؤمنين الذين واطأت قلوبهم ألسنتهم المفرطين في العمل، على أن يكون مدحًا مرفوعًا، أو منصوبًا تعريضًا بالمفرطين من المؤمنين، والمعنى على الأول: لا يكون مؤمنًا من آمن نفاقًا، وعلى الثاني: لا يكون ممدوحًا مقربًا عند الله من آمن ولم يضم معه العمل الصالح، إنما جعلناه تعريضًا لما قال: "تمييز"؛ لأن المدح لا يكون تمييزًا إلا على التعريض. قوله: (وإنها نزلت في علي ﵁)، نحوه روى صاحب "الجامع" عن رزين.
[ ٥ / ٤٠٠ ]
فطرح له خاتمه. كأنه كان مرجًا في خنصره، فلم يتكلف لخلعه كثير عملٍ تفسد بمثله صلاته.
فإن قلت: كيف صح أن يكون لعليّ ﵁ واللفظ لفظ جماعةٍ؟ قلت: جيء به على لفظ الجمع، وإن كان السبب فيه رجلًا واحدًا؛ ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان وتفقد الفقراء، حتى إن لزهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة، لم يؤخروه إلى الفراغ منها.
[(وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ)].
(فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ) من إقامة الظاهر مقام المضمر، ومعناه: فإنهم هم الغالبون، ولكنهم بذلك جعلوا أعلامًا لكونهم حزب اللَّه. وأصل الحزب: القوم يجتمعون لأمر حزبهم، ويحتمل أن يريد بـ (حِزب اللَّه): الرسول والمؤمنين،
_________________
(١) ـ قوله: (مرجًا) أي: مضطربًا، المرج بالتحريك: مصدر قولك: مرج الخاتم في إصبعي بالكسر: إذا قلق، قاله الجوهري. قوله: (ليرغب الناسُ) يعني به تعظيم ذلك الفعل وأن لا يباشره من الناس إلا من يكون عظيمًا ينزل منزلة الجماعة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] وأنه مما لا يختص به أحد دون أحد فيتسارع الناس فيه لنيل الكمال. قوله: (ولينبه على أن سجية المؤمنين) فيه تعظيم الفاعل، يعني: يجب على من اتسم بسمة الإيمان أن يتخلق بخلقه هذا ﵁ ويجعله سجيته وعادته. قوله: (لزهر أمر)، الجوهري: لزه يلزه لزًا أي: شده وألصقه. قوله: (ويحتمل أن يريد بـ ﴿حِزْبُ اللَّه﴾: الرسول والمؤمنين): عطف على قوله: " ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ من إقامة المظهر موضع المضمر"، يعني: أقيم ﴿حِزْبُ اللَّه﴾ موضع المضمر من غير
[ ٥ / ٤٠١ ]
ويكون المعنى: ومن يتولهم فقد تولى حزب اللَّه، واعتضد بمن لا يغالب.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا وَلَعِبًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)].
روي أن رفاعة بن زيدٍ وسويد بن الحرث كانا قد أظهرا الإسلام، ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما، فنزلت؛ يعني أن اتخاذهم دينكم هزوًا ولعبًا لا يصح أن يقابل باتخاذكم إياهم أولياء، بل يقابل ذلك بالبغضاء والشنآن والمنابذة. وفصل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار، وإن كان أهل الكتاب من الكفار إطلاقًا للكفار على المشركين خاصةً، والدليل عليه قراءة عبد اللَّه (ومن الذين أشركوا). وقرئ: (والكفار) بالنصب والجرّ. وتعضد قراءة الجر قراءة أُبيّ: (ومن الكفار).
(وَاتَّقُوا اللَّهَ) في موالاة الكفار وغيرها (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) حقًا؛ لأن الإيمان حقًا يأبى موالاة أعداء الدين. (اتَّخَذُوها) الضمير للصلاة، أو للمناداة
_________________
(١) ـ لفظه السابق للإعلام بأنهم أعلام فيه، لما أن قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ متضمن لكونهم حزب الله مصرح به ليؤذن بأنهم مشاهير فيه، أو للإشعار بالعلية، والإعلام بأن كونهم غالبين لكونهم حزب الله، ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]، أو جُعل جزاء الشرط في معنى الشرط، كقوله: من أدرك الصمان فقد أدرك المرعي، أي: من تولاهم فقد تولى من يحق له الولاية، وهو المراد بقوله: "فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب"، وعلى التقديرين: ذكرُ الله تمهيد وتوطئة. قوله: (وقرئ: ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ بالنصب والجر)، الجر أبو عمرو والكسائي، والباقون: بالنصب
[ ٥ / ٤٠٢ ]
قيل: كان رجلٌ من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: «أشهد أنّ محمدًا رسول اللَّه» قال: حرّق الكاذب، فدخلت خادمه بنارٍ ذات ليلةٍ وهو نائم فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله. وقيل: فيه دليلٌ على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده.
(لا يَعْقِلُونَ): لأنّ لعبهم وهزؤهم من أفعال السفهاء والجهلة، فكأنه لا عقل لهم.
_________________
(١) ـ قوله: (فدخلت خادمه)، الجوهري: الخادم واحد الخدم غلامًا كان أو جارية. قوله: (وقيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده)، وذلك أنه تعالى أخبر أن نداء الصلاة سبب لاتخاذهم إياها هزوا، وعلله بجهلهم، فدلت الآية على سبيل الإدماج وإشارة النص على ثبوته، ولقائل أن يقول: إن قوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا﴾ إخبار بحصول الاستهزاء عند النداء، والظاهر أن يكون الأذان قبل نزول الآية، والواقع كذلك؛ لأن الأذان شُرع بعيد مقدم النبي ﷺ المدينة لما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن ابن عمر رضي الله عُمر ﵄، قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون للصلاة وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يومًا في ذلك .. إلى قوله: فقال رسول الله ﷺ: "يا بلال، قم فناد بالصلاة"، والسورة كما سبق آخر سورة نزلت من القرآن. وفي قول المصنف: "لا بالمنام وحده" إشعار بأن الحديث غير مستقل، والظاهر أن الآية معاضدة للسنة، وأما حديث المنام فمما رويناه عن أبي داود، عن أبي عمير بن أنس، قال: اهتم رسول الله ﷺ للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل: انصب راية عند حضور الصلاة، فلم يعجبه، فذكر له القنع، وهو: شبور اليهود، فلم يعجبه، فذُكر له الناقوس فقال: "هو من
[ ٥ / ٤٠٣ ]
[(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ)].
قرأ الحسن (هل تنقمون) بفتح القاف، والفصيح كسرها. والمعنى: هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان بالكتب المنزلة كلها؟ (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ) فإن قلت: علام عطف قوله (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ)؟
قلت: فيه وجوهٌ، منها: أن يعطف على (أن آمنا)، بمعنى:
_________________
(١) ـ النصارى"، فانصرف عبد الله بن زيد الأنصاري وهو مهتم لهم رسول الله ﷺ، فأرِيَ الأذان في منامه، فغدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: يا رسول الله، إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آتِ فأراني الأذان، وكان عمر ﵁ رآه قبل ذلك فكتمه، فقال رسول الله ﷺ: "قُمْ يا بلال فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعل"، فأذن بلال … الحديث. النهاية: الشبور: البوق، وفسر أيضًا بالقنع، واللفظة عبرانية. قوله: ("هل تنقمون" بفتح القاف) إلى قوله: (هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان؟)، قال الزجاج: ﴿نَقَمُوا﴾ [البروج: ٨]- بالفتح والكسر- معناه: بالغت في كراهة الشيء، وأنشد لقيس الرقيات في المعنى: ما نقموا من بني أمية إلا … أنهم يحلمون إن غضبوا وقلت: وفي الألفاظ النبوية: "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا إذ أغناه الله"، أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، يعني: غناه أداه إلى كفران النعمة، كقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢].
[ ٥ / ٤٠٤ ]
وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم وخروجكم عن الإيمان! كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الإسلام، وأنتم خارجون منه! ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف؛ أي: واعتقاد أنكم فاسقون.
ومنها: أن يعطف على المجرور، أي: وما تنقمون منا إلا الإيمان باللَّه وبما أنزل وبأنّ أكثركم فاسقون!
ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع" أي: وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أنّ أكثركم فاسقون!
ويجوز أن يكون تعليلًا معطوفًا على تعليل محذوفٍ، كأنه قيل: وما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم الشهوات! ويدل عليه تفسير الحسن: بفسقكم نقمتم ذلك علينا.
وروي أنه أتى رسول اللَّه ﷺ نفرٌ من اليهود فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ فقال: (آمنا بالله وما أنزل إلينا) إلى قوله: (ونحن له مسلمون) [البقرة: ١٣٦] فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى ﵇: ما نعلم أهل دينٍ أقل حظًا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينًا شرًا من دينكم، فنزلت. وعن نعيم بن ميسرة: (وإنّ أكثركم) بالكسر. ويحتمل أن ينتصب (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ) بفعلٍ محذوف يدل عليه
_________________
(١) ـ قوله: (وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم)، قال أبو البقاء: هذا كقولك للرجل: ما كرهت مني إلا أني محبب إلى الناس وأنك مُبغض، وإن كان قد لا يعترف بأنه مبغض. قوله: ("وإن أكثركم" بالكسر) وعلى هذا يجوز أن يكون حالًا من ضمير ﴿تَنقِمُونَ﴾ أي: هل تنقمون منا إلا الإيمان والحال أنكم فاسقون، وفيه رائحة من معنى التعليل.
[ ٥ / ٤٠٥ ]
(هل تنقمون) أي: ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع على الابتداء والخبر محذوفٌ، أي: وفسقكم ثابت معلوم عندكم، لأنكم علمتم أنا على الحق وأنكم على الباطل، إلا أن حب الرياسة وكسب الأموال لا يدعكم فتنصفوا.
[(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ* وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ)].
(ذلِكَ): شارة إلى المنقوم، ولا بدّ من حذف مضاف قبله، أو قبل (من) تقديره: بشرّ من أهل ذلك، أو دين من لعنه اللَّه، و(مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ) في محل الرفع على قولك: هو من لعنه اللَّه، كقوله تعالى: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ) [الحج: ٧٢]، أو في محل الجر على البدل من "شرّ".
وقرئ: (مَثُوبَةً) (ومَثْوَبةً) ومثالهما: مَشُورَة ومَشْوَرَة
_________________
(١) ـ قوله: (ولابد من حذف مضاف قبله) أي: قبل ﴿ذَلِكَ﴾، وهو "المنقوم" أو قبل ﴿مَنْ﴾ أي: قبل ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾؛ لأن الإيمان المشار إليه غيرُ مطابق لقوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ في معنى يشترك فيه لفظة "شر"، فيقدر: "الأهل" عند الإيمان أو "الدين" عند من لعنه الله، ليطابقه، فالمعنى: هل أنبئكم بشر من أهل الإيمان بزعمكم؟ هو من لعنه الله، أو: هل أنبئكم بشر من الإيمان بزعمكم؟ هو دين من لعنه الله. قوله: (في محل الرفع)، قال الزجاج: ومن رفع بإضمار "هو"، كأن قائلًا قال: من ذلك؟ فقيل: هو من لعنه الله.
[ ٥ / ٤٠٦ ]
فإن قلت: المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف جاءت في الإساءة؟ قلت: وضعت المثوبة موضع العقوبة على طريقة قوله:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ
ومنه (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: ٢١].
فإن قلت: المعاقبون من الفريقين هم اليهود، فلم شورك بينهم في العقوبة؟ قلت: كان اليهود - لعنوا - يزعمون أن المسلمين ضالون مستوجبون للعقاب، فقيل لهم: من لعنه اللَّه شر عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم.
_________________
(١) ـ قوله: (على طريقة قوله: تحية بينهم ضرب وجيع) على طريقة الادعاء في المبالغة والتهكم، لا أن المثال من الاستعارة كالآية؛ لأن المشبه هو التحية والمشبه به الضرب، وهما مذكوران بخلافه في الآية، فإن المشبه فيها العقوبة والمشبه به المذكورة المثوبة. نعم، الآية المستشهد بها استعارة تهكمية. قوله: (من لعنه الله شرٌّ عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم)، فإن قلت: أليس هذا مشعرًا بأن لفظة "شر" مستعمل بالنسبة إلى ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ بالحقيقة، وبالنسبة إلى أهل الإسلام بالمجاز؟ قلت: لا؛ لأنه تعالى جعل المفضل والمفضل عليه من جنس واحد على سبيل المبالغة، أحدهما: بالحقيقة، والآخر: بالادعاء على زعم الكفرة، ثم فضل أحدهما على الآخر جريًا على سنن إرخاء العنان، وكلام المصنف ومثله في الأسلوب جعل المال والبنين وسلامة القلب من جنس واحد، ثم استثنى أحد الجنسين من الآخر في قوله تعالى ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، وهو قريبٌ من القول بعموم المجاز.
[ ٥ / ٤٠٧ ]
(وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) عطف على صلة (من) كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت. وفي قراءة أبيّ: (وعبدوا الطاغوت) على المعنى. وعن ابن مسعودٍ: (ومن عبدوا). وقرئ: (وعابد الطاغوت) عطفًا على (القردة)، و(عابدي)، و(عباد)، و(عُبَّد)، و(عَبُد)، ومعناه: الغلوّ في العبودية، كقولهم: رجلٌ حذرٌ وفطنٌ للبليغ في الحذر والفطنة قال:
أَبَنِي لُبَيْنَى إنَّ أُمَّكُمُ … أَمَةٌ وَإنَّ أبَاكُمُو عَبْدُ
و(عبد) بوزن: حطم، و(عبيد) و(عبد) بضمتين جمع عبيد، و(عبدة) بوزن: كفرة، و(عبد) وأصله عبدةٌ، فحذفت التاء للإضافة، أو هو كخدمٍ في جمع خادمٍ، و(عبد)، و(عباد)، و(أعبد)، و(عبد الطاغوت) على البناء للمفعول، وحٌذف الراجع بمعنى: وعبد الطاغوت فيهم، أو بينهم، و(عبد الطاغوت) بمعنى:
_________________
(١) ـ قوله: (عبد الطاغوت) قرأ حمزة بضم الباء وكسر التاء، والباقون: بفتح الباء على صيغة الماضي ونصب التاء، وباقي القراءات شواذ، قال الزجاج: ضم الباء وخفض "الطاغوت" ليس بالوجه؛ لأن "عبدًا" على فعل ليس من أمثلة الجمع لأنهم فسروه: خدم الطاغوت، ووجهه أن الاسم بُني على فعل، كرجل حذر، أي: حذور، أي: مبالغ في الحذر، بمعنى أنه بالغ في طاعة الشيطان، واللفظ واحد والمعنى جمع، كما تقول للقوم: منكم عبدُ العصا، أي: عبيد العصى. قوله: (أبني لبيني) وهو اسم امرأة. قوله: (فحذفت التاء للإضافة) مثل: أبو عُذرة، الأصل: عُذرية، فحذفت الياء كراهة اجتماع الزائد من الياء والمضاف إليه في عَجُزِ الكلمة.
[ ٥ / ٤٠٨ ]
صار الطاغوت معبودًا من دون اللَّه، كقولك: "أمر": إذا صار أميرًا، و(عبد الطاغوت) بالجر عطفًا على (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ).
فإن قلت: كيف جاز أن يجعل اللَّه منهم عُباد الطاغوت؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه خذلهم حتى عبدوه. والثاني: أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به، كقوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا) [الزخرف: ١٩].
وقيل الطاغوت: العجل لأنه معبودٌ من دون اللَّه، ولأن عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان، فكانت عبادتهم له عبادة للشيطان وهو الطاغوت. وعن ابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنه: أطاعوا الكهنة، وكل من أطاع أحدًا في معصية اللَّه فقد عبده.
وقرأ الحسن: (الطواغيت).
وقيل: (وجعل منهم القردة): أصحاب السبت (والخنازير): كفار أهل مائدة عيسى. وقيل: كلا المسخين من أصحاب السبت، فشبانهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير.
وروي أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم.
(أُولئِكَ) الملعونون الممسوخون (شَرٌّ مَكانًا) جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله. وفيه مبالغة
_________________
(١) ـ قوله: (حكم عليهم بذلك ووصفهم به) أي: قال في حقهم: إنهم عبدة الطاغوت وسماهم به، هذا مذهبه، ويلزم منه استعمال لفظ المشترك في مفهوميه، لأنه في المعطوف عليه بمعنى "صبر"، وفي المعطوف بمعنى "سمى". قوله: (جُعلت الشرارة للمكان، وهي لأهله) وفيه وجهان؛ لأنه إذا نُظر إلى أن التمييز فاعل في الأصل؛ أي: شر مكانهم، كان إسنادًا مجازيًا، نحو: فلان يطؤهم الطريق، وإذا نظر
[ ٥ / ٤٠٩ ]
ليست في قولك: أولئك شر وأضل، لدخوله في باب الكناية التي هي أخت المجاز.
نزلت في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم يظهرون له الإيمان نفاقًا، فأخبره اللَّه تعالى بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا، لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا به من تذكيرك بآيات اللَّه ومواعظك.
وقوله: (بِالْكُفْرِ) و(بِهِ) حالان؛ أي: دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين، وتقديره: ملتبسين بالكفر. وكذلك قوله: (وَقَدْ دَخَلُوا) (وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا) ولذلك دخلت (قَدْ) تقريبًا للماضي من الحال. ولمعنى آخر: وهو أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم،
_________________
(١) ـ إلى المعنى في إثبات الشر للمكان، والمراد أهله، كان من الكناية، لأن المكان من حيث هو: لا يوصف بالشر، بل بسبب من حل فيه، فإذا وُصف به يلزم إثباته للحال فيه بالطريق البرهاني، ولما كان الانتقال من الملزوم إلى اللازم مجازًا، ومن عكسه كناية، قال: "أخت المجاز". قوله: (وكذلك قوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا﴾ ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا﴾ يعني: أنهما حالان أيضًا، فعلى هذا في الكلام حالان مترادفان، وكل واحدة منهما مشتملة على حال فتكونا متداخلتين. الانتصاف وفي تصدر الجملة الثانية بالضمير تأكيد لاتحاد حالتهم في الكفر، تقول: لقيت زيدًا لما جاء من سفره وهو هو وعبد الحميد عبد الحميد. وقلت: ليس بذلك، بل هو من تقديم الفاعل المعنوي لإفادة الاختصاص، وخُصت القرينة الثانية به دلالة على [أن] حُكم غير المنافقين من الكفار خلاف ذلك، فإنهم إذا دخلوا كافرين خرجوا مؤمنين لما سمعوا من الذكر والموعظة الناجعة فيهم. قوله: (ولمعنى آخر): عطف على قوله: "ولذلك دخلت"، قال ابن الحاجب: قد يُسمى
[ ٥ / ٤١٠ ]
وكان رسول اللَّه ﷺ متوقعًا لإظهار اللَّه ما كتموه، فدخل حرف التوقع وهو متعلق بقوله: (قالُوا آمَنَّا) أي: قالوا ذلك وهذه حالهم.
[(وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ) ٦٢ - ٦٣].
_________________
(١) ـ حرف تقريب، ويُسمى حرف توكيد ويُسمى حرف تحقيق، وأما معنى التقريب فهو أنك إذا قلت: قد قام زيدٌ، كان دالًا على أن قيامه قريب من إخبارك، بخلاف: قام زيدٌ، وأما معنى التوكيد فهو أنه جواب قولك: هل فعل ولما يفعل، وأما معنى التوقع فكما ذكره الخليل: هذا الكلام لقوم ينتظرون الخبر، أي: إنما يُخبر بذلك من ينتظر الإخبار به في ظنك أو علمك، ومنه: قد قامت الصلاة. وقلت: ومن حق الظاهر أن يدخُل على ما يتوقعه المخاطب من الفعل والمتوقع هاهنا- كما قال- إظهار ما كتم المنافقون، لكن لما كان قوله: ﴿قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] إخبارًا عن نوع من نفاقهم وإظهارًا لخديعتهم "وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا، لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا من تذكيرك بآيات الله"، كان إظهارًا لما يتوقعه من كتمانهم، نحو: توقعك خروج الأمير من داره، فقيل لك: قد ركب الأمير. قوله: (وكان رسول الله ﷺ متوقعًا لإظهار الله ما كتموه)، فإن قلت: إن "قد" موضوعة لتوقع مدخولها، وهاهنا مدخولها عين النفاق، فكيف قال: "لإظهار الله ما كتموه"؟ قلت: لاشك أن المتوقع ينبغي ألا يكون حاصلًا، وكونهم منافقين كان معلومًا عنده ﷺ، بدليل قوله: "إن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم"، فيجب المصير إلى المجاز والقول بإظهار الله ما كتموه، أي: إظهار النفاق.
[ ٥ / ٤١١ ]
الإثم الكذب بدليل قوله تعالى: (عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ). وَالْعُدْوانِ: الظلم. وقيل: الإثم: كلمة الشرك. وقولهم عزيز ابن اللَّه. وقيل: الإثم: ما يختص بهم. والعدوان: ما يتعداهم إلى غيرهم.
والمسارعة في الشيء: الشروع فيه بسرعةٍ. (لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ) كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير لأن كلٍ عامل لا يسمى صانعًا،
_________________
(١) ـ قوله: (الإثم: الكذب بدليل قوله: ﴿عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ﴾، الانتصاف: هذا الاستدلال لا يصح؛ لأن الإثم مقول يحتمل كونه كذبًا وشركًا، وقلت: الظاهر الأول، ولذلك قال بعده: "وقيل: الإثم: كلمة الشر"، وبيانه: أن الإثم في قوله: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ﴾ مطلق متأول لجميع المعاصي والمنهيات، وكان من حق الظاهر أن يُقال بعده: لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عما تنازعوا فيه، فلما أعيد الإثم وخُص بالقول احتمل كلمة الشرك وقول الكذب أيضًا، فدل قرائن الكلام، وهو قولهم: آمنًا، على أن المراد الكذب، فخُص به، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ٨ - ١٠]. وليس في الكلام ما يُنبئ عن ذلك المعنى، فلا يُحمل عليه إلا بالتعسف، وإنما ترك العدوان في الثانية وخص الإثم بالقول - والعلم عند الله- ليؤذن بأن قول الكذب وأكل السحت أفحشها، وهما الأصل في العدوان لا سيما من العلماء، روينا عن الإمامين: مالك وأحمد ﵄، عن مالك، عن صفوان ﵁، قال: قيل: يا رسول الله، أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: "نعم"، قلنا: أيكون المؤمن بخيلًا؟ قال: "نعم"، قيل: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: "لا". قوله: (جُمعوا آثم من مرتكبي المناكير). آثم: مفعولٌ ثانٍ لـ"جُعل"، أُفرد لأن أفعل التفضيل استعمل بـ "مِن".
[ ٥ / ٤١٢ ]
ولا كل عملٍ يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرّب وينسب إليه، وكأن المعنى في ذلك أن مواقع المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها، وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره، فإذا فرط في الإنكار كان أشدّ حالًا من المواقع، ولعمري إن هذه الآية مما يقذ السامع وينعى على العلماء توانيهم
_________________
(١) ـ قوله: (ولا كل عمل يُسمى صناعة حتى يتمكن فيه)، الراغب: الصُّنع أخص من العمل، كما أن العمل أخص من الفعل، وذلك أن الفعل يقال فيما كان من الحيوان وغير الحيوان، وبقصد وعن غير قصد، والعمل لا يُقال إلا ما كان من الحيوان وبقصد، والصنع لا يقال إلا ما كان من الإنسان بقصد واختيار وبعد فكرٍ وتحري إجادة، ولهذا يقال: رجلٌ صانع، أي: حاذق، وثوب صنيع، أي: مُجاد. قوله: (يقذ السامع)، الجوهري: وقذه يقذه وقذًا: ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت. هذا إذا رُوي "يقذ" بكسر القاف مخففة، ومن روى بضمها مشددة يكون من: قذه يقذه. الأساس: قذ الريش بالمقذ: حذف أطرافه، وسهمٌ مقذوذ: مريش، وقذه السهام يقذه، فقوله: "يقذ السامع" أي: يحرضه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويردعه عن التواني في ذلك، فإن السهم إذا قُذ كان أصوب إلى الرمية، ومثله ما مر في آل عمران في قصة نعيم بن مسعود: "لم يخل ناس يضامونه ويصلون جناح كلامه". قوله: (وينعي على العلماء توانيهم) إشارة إلى أن ﴿لَوْلا﴾ للتحضيض، قال ابن الحاجب: "لولا" و"لوما" و"هلا" و"إلا": معناها الأمر إذا وقع بعدها المضارع، والتوبيخ إذا وقع بعدها الماضي، فإذا قلت: هلا تُسلم، فأنت حاض على ما وقع بعدها طالب له، وإذا قلت: هلا ضربت زيدًا، فأت توبخ على تركه ذلك.
[ ٥ / ٤١٣ ]
وعن ابن عباس ﵄: هي أشدّ آية في القرآن. وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها.
[(وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)].
غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى:
_________________
(١) ـ وقال الإمام: استبعد من علماء أهل الكتاب عدم نهيهم عوامهم وسفلتهم عن المعاصي، وذم تارك النهي عن المنكر أقوى من مرتكبه؛ ولهذا قال في الأول: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفي الثاني: ﴿يَصْنَعُونَ﴾، والأمر في الحقيقة كذلك؛ لأن المعصية مرض الروح وعلاجه العلم بالله وصفاته وأحكامه؛ فإذا حصل ذلك ولم تزل المعصية يكون كمن شرب الدواء ولم يزل المرض، فدل ذلك على أن المرض صعب شديد. قوله: (غل اليد وبسطها: مجاز عن البخل والجود) هذا مخالف لما في طه في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: "لما كان الاستواء على العرش مما يردف الملك جعلوه كناية عن الملك، ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة يد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواز أو بخيل". قلت: قد مر له في قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] أن أمثال هذه النسب بالنظر إلى من يصح إجراؤها عليه: كناية عن عدم المبالاة، وبالنظر على من لا يجوز عليه النظر: مجاز.
[ ٥ / ٤١٤ ]
(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) [الإسراء: ٢٩] ولا يقصد من يتكلم به إثبات يدٍ ولا غل ولا بسطٍ، ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازًا عنه لأنهما كلامان متعاقبان على حقيقةٍ واحدةٍ حتى أنه يستعمله في ملكٍ لا يعطي عطاءً قط ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يدٍ وبسطها وقبضها، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاءً جزيلًا لقالوا: ما أبسط يده بالنوال! لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل والجود، وقد استعملوهما حيث لا تصح اليد كقوله:
جَادَ الْحِمَى بَسْطُ الْيَدَيْنِ بِوَابِلِ … شَكَرَتْ نَدَاهُ تِلَاعُه وَوِهَادُهُ
_________________
(١) ـ قوله: (ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازًا عنه) يعني: سواء عند المتكلم أن يقول: فلان مغلول يده، وبين أن يقول: إنه بخيل، وكأن هذين اللفظين كالمترادفين وردا على معنى واحد وهو المنع من الإعطاء، ولما كانت الملازمة متساوية، أعني بين قوله: البخل وغل اليد، جاز استعماله تارة مجازًا وأخرى كناية بحسب مقتضى المقام. الانتصاف: هذا المجاز يُصور الحقيقة بصورة حسية تلازمها غالبًا، والصورة الحسية أثبت في الذهن من المعاني، والجود والبخل معنيان مثلا للحس، وقلت: قد أنصف وما أنصف صاحب "الانتصاف" حيث رد النبأ على التخييل والتصوير مطلقًا في كثير من المواضع من كتابه واستحسنه هاهنا، ولعل رده بحسب اللفظ لا المعنى. قوله: (جاد الحمى) البيت. جاد: من الجود، جاد المطر فهو جائد والجمع: جود، كصاحب وصحب، والوهاد: جمع الوهدة، وهي ما اطمأن من الأرض، والتلعة: ما ارتفع منها، وقال أبو عمرو: التلاع: مجاري ما ارتفع من الأرض إلى بطون الأودية.
[ ٥ / ٤١٥ ]
ولقد جعل لبيد للشمال يدًا في قوله:
إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشِّمَالِ زِمَامُهَا
ويقال: بسط اليأس كفيه في صدري، فجعلت لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفان،
ومن لم ينظر في علم البيان عمى عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية، ولم يتخلص من يد الطاعن إذا عبثت به.
فإن قلت: قد صح أن قولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) عبارةٌ عن البخل. فما تصنع بقوله: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) ومن حقه أن يطابق ما تقدمه، وإلا تنافر الكلام وزل عن سننه؟ قلت: يجوز أن يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل والنكد، ومن ثم كانوا أبخل خلق اللَّه وأنكدهم، ونحوه بيت الأشتر:
_________________
(١) ـ قوله: (إذ أصبحت بيد الشمال زمامها)، أوله: وغداة ريح قد كشفت وقرة والقرة، بالكسر: البرد، شبه الشمال ف تصرفها في القرة على حكم طبيعتها بالإنسان المتصرف لما يكون زمامه بيده، وأثبت لها على سبيل التخييل يدًا - وهي من لوازم الإنسان - ليكون قرينة، وحكم الزمام في استعارته للقرة حكم اليد في استعارتها للشمال، فجعل للقرة زمامًا ليكون أتم في إثباتها متصرفة، كما جعل للشمال يدًا ليكون أبلغ في تصييرها متصرفة فوفى المبالغة حقها من الطرفين، والضمير في "أصبحت" و"زمامها" للقرة، وقيل: للغداة، والأول أظهر. قوله: (بسط اليأس كفيه). قال: وقد رابني وهن المُنى وانقباضها … وبسط حديد اليأس كفيه في صدري
[ ٥ / ٤١٦ ]
بَقِيتُ وَفْري وَانْحَرَفْتُ عَنِ الْعُلَا … وَلَقِيتُ أضْيَافِى بِوَجْهِ عَبُوسِ
ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدى حقيقة، يغللون في الدنيا أسارى، وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم: والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز، كما تقول: سبني سب اللَّه دابره، أي: قطعه، لأنّ السب أصله القطع.
_________________
(١) ـ قوله: (بقيت وفري وانحرفت عن العُلا) تمامه: ولقيت أضيافي بوجه عبوس وبعده: إن لم أشن على ابن حرب غارة … لم تخل يومًا من نهاب نفوس "بقيت وفري وانحرفت عن العُلا": اللفظ لفظ الخبر، والمعنى معنى الدعاء، كقوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾، الوفر: المال الكثير، والعبوس: الكلوح عن الغضب، وشن الغارة وأشن: إذا فرقها على العدو من كل وجه، وابن حرب: معاوية بن أبي سفيان بن حرب، يقول: ادخرت مالي ولم أفرقه فيما يكتسب لي حمدًا فعل البخلاء وزهدت في اكتساب المعالي إن لم أشُن على معاوية غارة لا تخلو يومًا من اختلاس نفوس. قوله: (والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز)، يعني: تُعتبر المطابقة في قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ مع قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ في إرادة الحقيقة في الثاني مع ملاحظة أصل المجاز في الأول، وهو غَلُّ اليد لا البخل الذي هو المراد منه الآن، لاستوائهما في التلفظ، كما أن "سب الله" من حيث اللفظ مطابق لقوله: "سبني"، على أن المراد من سب الله قطع الدابر، وهذا نوع من المشاكلة لطيف المسلك بخلافه في قول الشاعر:
[ ٥ / ٤١٧ ]
فإن قلت: كيف جاز أن يدعو اللَّه عليهم بما هو قبيحٌ وهو البخل والنكد؟ قلت: المراد به: الدعاء بالخذلان الذي تقسو به قلوبهم، فيزيدون بخلًا إلى بخلهم ونكدًا إلى نكدهم، أو بما هو مسببٌ عن البخل والنكد من لصوق العار بهم، وسوء الأحدوثة التي تخزيهم وتمزق أعراضهم.
فإن قلت: لم ثنيت اليد في قوله تعالى: (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) وهي مفردة في: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)؟ قلت: ليكون ردّ قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، وذلك أنّ غاية ما يبذله السخي بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعًا فبني المجاز على ذلك.
وقرئ: (وَلُعِنُوا) بسكون العين. وفي مصحف عبد اللَّه:
_________________
(١) ـ قالوا: اقترح شيئًا نجد لك طبخه … قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا فإنه وضع اطبخوا موضع خيطوا لمجرد مراعاة اللفظ دون المعنى. الانتصاف: والحق أن الله تعالى يدعو عليهم بالبخل، ودعاؤه عبارة عن خلق الشح في قلوبهم والقبض في أيديهم، فليت الزمخشري لم يتحدث في تفسير القرآن إلا من حيث علم البيان، فإنه فيه فارس الفرسان. قوله: (المراد به: الدعاء بالخذلان). خلاصة الجواب: أنه يجوز أن يدعو عليهم بعدما يصدر منهم ما يوجبه، فإنه تعالى غنما يدعو عليهم بالخذلان إذا صدر عنهم الكفر والمعاصي وبلحوق العار إذا صدر عنهم بالخبل، وأما ابتداء فلا، هذا مذهبه. قوله: (والنكد)، الجوهري: رجل نكد: عسر، وكدت الركية: قل ماؤها.
[ ٥ / ٤١٨ ]
(بل يداه بسطان) يقال: يده بسط بالمعروف. ونحوه مشية سجح، وناقة صرح.
(يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ): تأكيد للوصف بالسخاء، ودلالة على أنه لا يتفق إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة. روى أن اللَّه ﵎ كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس ما لا، فلما عصوا اللَّه في محمد ﷺ وكذبوه كف اللَّه تعالى ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء: يد اللَّه مغلولة، ورضي بقوله الآخرون فأشركوا فيه.
(وَلَيَزِيدَنَّ) أي: يزدادون عند نزول القرآن لحسدهم تماديًا في الجحود وكفرًا بآيات اللَّه.
(وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ) فكلمهم أبدًا مختلف، وقلوبهم شتى، لا يقع اتفاق بينهم ولا تعاضد (كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا): كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا ولم يقم لهم نصر من اللَّه على أحد قط، وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس
_________________
(١) ـ قوله: (سُجُح) بضم السين والجيم ثم الحاء المهملة، الجوهري: يقال: إذا سألت فأسجح، أي: سهل ألفاظك، "وناقة سُرح" ومنسرحة، أي: سريعة، يعني: جمع الخبر والمبتدأ مفرد على تصوير الكثرة فيه مبالغة على أسلوب قوله: ومعي جياعًا. قوله: (ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة) تقييد للمطلق، وهو ﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، يعني: من مقتضى الحكمة ألا يؤدي بسط اليدين في العطاء إلى التبذير والإسراف والاصطناع إلى غير الهل، وهو شرط السخاء في الشاهد، وهذا تكميل لا تأكيد، كقوله: حليم إذا ما الحلم زين أهله … مع الحلم في عين العدو مهيب
[ ٥ / ٤١٩ ]
وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث اللَّه عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط اللَّه عليهم فطرس الروميّ، ثم أفسدوا فسلط اللَّه عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط اللَّه عليهم المسلمين. وقيل: كلما حاربوا رسول اللَّه ﷺ نصر عليهم. وعن قتادة ﵁ لا تلقى اليهود ببلدةٍ إلا وجدتهم من أذل الناس.
(وَيَسْعَوْنَ): ويجتهدون في الكيد للإسلام ومحو ذكر رسول اللَّه ﷺ من كتبهم.
[(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ* وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ) ٦٥ - ٦٦].
_________________
(١) ـ والتأكيد أن يقال: ينفق كيف يشاء لا يمنعه مانع ولا يكفه من الإنفاق نقص ولا إعدام، لا يبالي بكثرة العطاء، فالإنفاق على الإطلاق مستتبع للحكمة ومشتمل عليها، كما قال صلوات الله عليه وسلامه: "يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما بيده" أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة. سحاء: خبر بعد خبر، والليل: ظرف، يقال: سح يسح سحًا: هطل، ولما كان ينفق تأكيدًا لقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ فصله ولم يأت بالواو ولا قيده بها حالًا، قال أبو البقاء: ﴿يُنفِقُ﴾: مستأنفٌ، فلا يجوز أن يكون حالًا من الهاء لأنها مضاف إليها، ولأن الخبر فاصل بينهما، ولا من اليدين، إذ ليس فيها ضمير يعود إليهما. قوله: (فطرس الرومي) بالفاء والراء، كذا في الحاشية.
[ ٥ / ٤٢٠ ]
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ) مع ما عددنا من سيئاتهم (آمَنُوا) برسول اللَّه ﷺ وبما جاء به، وقرنوا إيمانهم بالتقوى التي هي الشريطة في الفوز بالإيمان (لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ) تلك السيئات ولم نؤاخذهم بها (وَلَأَدْخَلْناهُمْ) مع المسلمين الجنة.
وفيه إعلامٌ بعظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم، ودلالة على سعة رحمة اللَّه تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيئات اليهود والنصارى، وأن الإيمان لا ينجي ولا يسعد إلا مشفوعًا بالتقوى، كما قال الحسن: هذا العمود فأين الأطناب؟
_________________
(١) ـ قوله: (وفيه إعلامٌ بعظم معاصي اليهود)، يعني: فيه إشارة إلى هذا المعنى على سبيل الإدماج، وذلك أنه تعالى لما عدد سيئاتهم وقبائحهم كان من حق الظاهر أن يُقال: ولو أن أهل الكتاب تابوا لكفرناها عنهم، فوضع موضع تاب: آمن، وصرح بذكر سيئاتهم إيذانًا بأن ليس لهم التنصل من تلك الذنوب العظام إلا بأن يدخلوا في الإسلام؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله، وفي قوله: ﴿وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ إشارة إلى أن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم، ويؤيده ما روينا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"، أخرجه مسلم. قوله: (هذا العمود)، قاله للفرزدق حين اجتمع مع الحسن في جنازة، فقال: ما أعددت لهذا المقام؟ قال: شهادة ألا إله إلا الله منذ كذا سنة، فقال له: هذا العمود فأين الأطناب؟ الفاء في "فأين الأطناب" كالفاء في "خولان فانكح"؛ على تأويل: هؤلاء خولان، يعني: هذه الكلمة مستدعية للأعمال الصالحة كما أن هذه القبيلة تستوجب أن تُنكح نساؤها لجمالها، شبه الإسلام بخيمة، وجعل عمودها: كلمة التوحيد، والأعمال الصالحة: الأطناب، فكما أن الخيمة
[ ٥ / ٤٢١ ]
(وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ): أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول اللَّه ﷺ. (وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ) من سائر كتب اللَّه، لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها، فكأنها أنزلت إليهم -وقيل: هو القرآن- لوسع اللَّه عليهم الرزق وكانوا قد قحطوا. وقوله: (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ): عبارةٌ عن التوسعة، وفيه ثلاث أوجهٍ: أن يفيض عليهم بركات السماء وبركات الأرض،
_________________
(١) ـ لا تقوم إلا بالعمود فكذا لا يستقيم الإسلام إلا بالشهادتين، وكما لم يرتفع العمود إلا بالأطناب، كذا الكلمة لا ترتفع إلا بالعمل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، والاستقامة فيها الأوتاد، والتشبيهات مفرقة، تحقيقه: إذا اعتبر مفرداتها مستقلة، وإذا انتزع المشبه من المجموع، كان تمثيلًا، وما في قول الحسن، الشطر الأول منه التشبيه لذكر الطرفين، والثاني: استعارة؛ لأن المشبه المتروك هو الأعمال. الانتصاف: لما اشترط في هذه الآية مجموع الإيمان والتقوى فالإجماع منا ومنه أن الإيمان يجب ما قبله، فلو مات رجل عقيب دخوله في الإيمان لكفرت عنه سيئاته ولدخل جنات النعيم، فدل على أن اجتماعهما ليس شرطًا؛ هذا إن كانت التقوى الأعمال، وإن كانت أصل وضعها في الخوف من الله، فهذا ثابت لكل مؤمن ولو قارف الكبيرة. قوله: (﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: عبارة عن التوسعة) لام حسن مبين، لكن تأويله بالوجوه الثلاثة ضعيف، وذلك أن اختصاص الأكل من دون ذكر سائر المنافع لكونها أعظمها ومستتبع سائرها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء: ١٠] ثم تكرير قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ لاستيعاب جميع الأحوال والأزمان، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] يوجب ألا يقتصر على المذكورات، ولهذا قال القاضي: لوسع عليهم وجعل لهم خير الدارين.
[ ٥ / ٤٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقلت: هذا في حق من عدد سيئاتهم من أهل الكتاب إذا أقاموا مجرد حدود التوراة والإنجيل، فما ظنك بالسالك العارف إذا قمع هوى النفس وانكمش من عالم الإدبار إلى معارج القدس معتصمًا بحبل الله وسنة حبيب الله؟ فإنه تعالى يُفيض على قلبه سجال فضائله وسائب بركاته، فتكمن فيه كمون الأمطار في الأراضي فتظهر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه كلها، وفي تعليق الأكل من فوق على إقامة التوراة والإنجيل ومن تحت الأرجل، واختصاص ﴿مِنْ﴾ الابتدائية ما يلوح إلى معنى قوله: "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم"؛ لأنهم إذا أقاموا العمل بكتاب الله استنزل ذلك من فوقهم البركات، فإذا استجدوا العمل بتلك البركات المنزلة وأقاموا عليها بثبات أقدامهم الراسخة استنزل لهم من الله بركات هي أزكى من الأولى، فلا يزال العمل والعلم يتناوبان إلى أن ينتهي السالك على مقام القرب ومنازل العارفين، وفي ذكر الأرجل إشارة إلى حصول ثبات القدم ورسوخ العلم، وفي اقترانها مع "تحت" دلالة على مزيد الثبات، وأنهم من الراسخين المقتبسين علومهم من مشكاة النبوة دون المتزلزلين الذين أخذوا علومهم من الأوهام، ولهذا كتب بعض العارفين بهذه الآية إلى الإمام إرشادًا له إلى معرفة طريقة أهل الله تعالى. فإن قلت: كيف تلتئم هذه الآية مع السابقة، وهي قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾؟ قلت: الآيتان واردتان على إظهار الشكوى، ناعيتان قبائحهم، فقيل أولًا: ولو أن أهل الكتاب آمنوا برسول الله وبما جاء به من المعجزات التي ثبتت بمثلها الرسالة كسائر الناس، وخافوا الله وتركوا العناد، لكفر الله عنهم تلك القبائح، ثم ثنى على الترك، أي: دعوا تلك الدلائل الباهرة! ولو أنهم عملوا بمقتضى ما عندهم من النصوص
[ ٥ / ٤٢٣ ]
وأن يكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلة وأن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجتنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم.
(مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ): طائفةٌ حالها أمم في عداوة رسول اللَّه ﷺ. وقيل: هي الطائفة المؤمنة عبد اللَّه بن سلام وأصحابه وثمانيةٌ وأربعون من النصارى، و(ساءَ ما يَعْمَلُونَ) فيه معنى التعجب، كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم! وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم.
[(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) ٦٧].
_________________
(١) ـ المتظاهرة وما ثبت عندهم من نعته ﷺ وتركوا التحريف والتبديل، لوسع الله عليهم خير الدارين، ورُوعي فيهما مع معنى التنزيل الترقي أيضًا. قوله: (اليانعة الثمار)، الجوهري: ينع يينع: إذا نضج، ولم تسقط الياء في المستقبل لتقويها بأختها، وتهدلت أغصان الشجرة، أي: تدلت. قوله: (حالها أمم في عداوة رسول الله ﷺ) أي: متوسط، قال ابن السكيت: الأمم: بين القريب والبعيد، وهو من المقاربة، وقال الإمام: الذين يكونون عدولًا في دينهم ليس فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]. قوله: (و﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ ليس الواو في نظم القرآن، وإنما هو من قول المصنف. قوله: (ما أسوأ عملهم) أي: كثيرٌ منهم يقول فيحقهم: ما أسوأ عملهم!
[ ٥ / ٤٢٤ ]
(بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ). جميع ما أنزل إليك، وأى شيءٍ أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحدًا، ولا خائفٍ أن ينالك مكروهٌ. (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ): وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك (فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) - وقرئ: (رسالاته) - فلم تبلغ إذًا ما كلفت من أداء الرسالات، ولم تؤدّ منها شيئًا قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعضٍ، وإن لم تؤدّ بعضها، فكأنك أغفلت أداءها جميعًا، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها وكونها كذلك في حكم شيءٍ واحدٍ، والشيء الواحد لا يكون مبلغًا غير مبلغٍ، مؤمنًا به غير مؤمنٍ به. وعن ابن عباس ﵄: إن كتمت آية لم تبلغ رسالاتي. وروي عن رسول اللَّه ﷺ: "بعثني اللَّه برسالاته فضقت بها ذرعًا، فأوحى اللَّه إليّ: إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك، وضمن لي العصمة فقويت".
فإن قلت: وقوع قوله: (فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) جزاء للشرط ما وجه صحته؟
_________________
(١) ـ قوله: (جميع ما أنزل إليك) إنما قدر المضاف لأنه صلوات الله عليه وسلامه كان مُبلغًا، فعلى هذا فائدة الأمر المبالغة والكمال، يعني: ربما أتاك الوحي بما تكره أن تُبلغه خوفًا من قومك، فبلغ الكل ولاتخف. الراغب: فإن قيل: كيف قال: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾؟ وذلك كقولك: إن لم تُبلغ فما بلغت، قيل: معناه: وإن لم تبلغ كل ما أنزل إليك تكون في حكم من لم يُبلغ شيئًا تنبيهًا على أن تقصيرك في بعض ما أمرت به يحبط عملك. واستدل بهذه الآية أنه ﷺ لا يتم شيئًا مما أنزل الله، بخلاف ما قالت الشيعة: إنه قد كتم أشياء على سبيل التقية، وعن بعض الصوفية: ما يتعلق به مصالح العباد وأمر بإطلاعهم عليه فهو منزه عن كتمانه، وأما ما يخص به من الغيب ولم تتعلق به مصالح أمته فله، بل عليه كتمانه.
[ ٥ / ٤٢٥ ]
قلت: فيه وجهان؛ أحدهما: أنه إذا لم يمتثل أمر اللَّه في تبليغ الرسالات وكتمها كلها كأنه لم يبعث رسولًا كان أمرًا شنيعًا لا خفاء بشناعته. فقيل: إن لم تبلغ منها أدنى شيءٍ وإن كان كلمةً واحدة فأنت كمن ركب الأمر الشنيع الذي هو كتمان كلها،
_________________
(١) ـ وقلت: روى السلمي، عن جعفر في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] قال: بلا واسطة فيما بينه وبينه سرًا إلى قلبه، ولا يعلم به أحدٌ سواه إلا في العقبى حتى يعطيه الشفاعة لأمته، وقال الواسطي: ألقى إلى عبده ما ألقى ولم يظهر ما الذي أوحى لأنه خصه به، وما كان مخصوصًا به كان مستورًا، وما بعثه الله إلى الخلق كان ظاهرًا. وإلى هذا يُنظر معنى ما روينا في "صحيح البخاري" عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم. قال البخاري: البُلعوم: مجرى الطعام. قوله: (إن لم تُبلغ منها أدنى شيء وإن كان كلمة واحدة، فأنت كمن ركب الأمر الشنيع)، قال ابن الحاجب: الشرط والجزاء إذا اتحدا كان المراد بالجزاء المبالغة، فوضع قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ موضع أمر عظيم، أي: فإن لم تفعل فقد ارتكبت أمرًا عظيمًا. الانتصاف: قال: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾، ولم يقل: وإن لم تبلغ ليتغايرا لفظًا وإن اتحدا معنى، وهو أحسن بهجة من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء، وهذا من محاسن علم البيان. وقال الإمام: الجمهور على أن المراد من قوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾: إن لم
[ ٥ / ٤٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ تبلغ واحدًا منها كنت كمن لم يبلغ شيئًا منها، وهذا ضعيف، لأن من أتى بالبعض وترك البعض فلو قيل: إنه ترك الكل لكان كذبًا، ولو قيل أيضًا: إن مقدار الجرم في ترك البعض مثل مقدار الجرم في ترك الكل، لكان هذا أيضًا محالًا. وقال القاضي: معناه: أن كتمان بعضها يُضيع ما أُدي منها، كترك بعض أركان الصلاة، فإن غرض الدعوة ينتقض منه، أو يقال: إن لم تفعل كأنك ما بلغت شيئًا منها، كقوله تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ من حيث إن كتمان البعض والكل سواء في الشناعة واستجلاب العذاب. وقلتُ: والذي عليه كلام المصنف أنه صلوات الله عليه وسلامه كان مأمورًا بتبليغ ما أنزل الله تعالى إليه، وهو إنما يكون ممتثلًا للأمر إذا لم يخالف شيئًا من المأمور به، وإليه الإشارة بقوله: "فلم تُبلغ إذًا ما كلفت من أداء الرسالات ولم تؤد منها شيئًا قط، وذلك أن بعضها ليس أولى من بعض بالأداء". ومن ثم شبه المسألة بالإيمان في قوله: "كما أن من لم يؤمن ببعضها كان من لم يؤمن بكلها"، وذكر في "النساء" أن إيمان أهل الكتاب ببعض الكتب لا يصح إيمانًا به، لأن طريق الإيمان إنما هو المعجزة، ولا اختصاص لها ببعض الكتب دون بعض، فلو كان إيمانهم بما آمنوا به إيمانًا لأجل المعجزة لآمنوا به كله، فحين آمنوا ببعضه عُلم أنهم لم يعتبروا المعجزة، فلم يكن إيمانهم إيمانًا، هذا هو المعنى بقوله في هذا المقام: "لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها". وفي تمثيل المسألة بالإيمان نكتة سرية، وهي كما أن على الرسول إبلاغ الكل كذا على المرسل إليه الإيمان بالله، والضمير في "منها" و"غيرها" راجعٌ إلى الرسالات. المُغرِب: يقال: فلان يدلي إلى الميت بذكر، أي: يتصل، ودلى من السطح حبلًا، أي: أرسله فتدلى.
[ ٥ / ٤٢٧ ]
كما عظم قتل النفس بقوله: (فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة: ٣٢].
والثاني: أن يراد: فإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحى كله من العقاب فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده قوله ﵊: «فأوحى اللَّه إلىّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك».
(وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ): عدةٌ من اللَّه بالحفظ والكلاءة. والمعنى: واللَّه يضمن لك العصمة من أعدائك، فما عذرك في مراقبتهم؟ فإن قلت: أين ضمان العصمة وقد شجّ في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته صلوات اللَّه عليه؟ قلت: المراد أنه يعصمه من القتل.
وفيه: أن عليه أن يحتمل كل ما دون النفس في ذات اللَّه، فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وقيل: نزلت بعد يوم أحدٍ، و(الناس): الكفار؛ بدليل قوله:
_________________
(١) ـ قوله: (كما عظم) صفة مصدر محذوف من غير لفه، كأنه قال: عظم ترك تبليغ البعض تعظيمًا مثل تعظيم قتل النفس. قوله: (في ذات الله) أي: في الله، عن البخاري، عن أبي هريرة ﵁، قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة منهم خبيب الأنصاري، فأسر ولما خرج المشركون به من الحرم ليقتلوه، قال: ولست أبالي حين أقتل مسلمًا … على أي شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع قوله: (وقيل: نزلت بعد يوم أحد) عطف على قوله: "والله يضمن لك العصمة من أعدائك"، وعلى الأول: العصمة عامة في كل الأحوال، خاصة من حيث إرادة العصمة من
[ ٥ / ٤٢٨ ]
(إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ)، ومعناه: أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك. وعن أنس: كان رسول اللَّه ﷺ يحرس حتى نزلت
_________________
(١) ـ القتل، وعلى الثاني: خاصة بحسب الزمان عامة في مقتضاها، يعني: أن الله تعالى لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك، لكن يشكل هذا بما استتب لليهود من تمكنهم من أن سموه، ولهذا فسروا قوله تعالى: ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ بقولهم: إنهم يبذلون جهدهم في قتله ولذلك سموه، ويمكن أن يقال: إن المعنى: يا أيها الذي تصدى لمنصب الرسالة وتبليغ ما أُنزل إليه، امض لشأنك وأد ما عليك ولا تهتم بأعدائك، فإنه تعالى ضمن لك العصمة من الهلاك بسبب تبليغ الوحي؛ لأنه لا يهدي القوم الكافرين إلى إطفاء نور الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَيَابَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، ففي وضع قوله: ﴿الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ موضع ضمير ﴿النَّاسَ﴾ وإن لم يقل: لا يهديهم إشعارٌ بذلك، ولم يكن تمكين اليهود مما أرادوا به من الهلاك يوم خيبر لأجل التبليغ، بل للذب عن البلاد والأموال والأنفس، وسبق في "البقرة" الحديث الوارد فيه في تفسير قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]. الراغب: عصمة الأنبياء: حفظه إياهم أولًا: بما خصهم به من صفاء الجوهر، ثم بما أولاهم من الفضائل والأخلاق، ثم بالنصرة وتثبيت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم، وبالتوفيق. قوله: (كان رسول الله ﷺ يُحرس حتى نزلت) الحديث أخرجه الترمذي عن عائشة ﵂، فعلى هذا التخصيص بحسب الزمان دون الأشخاص كما في الثاني، والمراد بالعصمة: سائر ما يرومه الأعداء من السوء.
[ ٥ / ٤٢٩ ]
فأخرج رأسه من قبة أدم وقال: "انصرفوا يا أيها الناس، فقد عصمنى اللَّه من الناس".
[(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا فَلا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ)].
(لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ) أي: على دين يعتد به حتى يسمى شيئًا لفساده وبطلانه، كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه. وفي أمثالهم: أقل من لا شيء.
(فَلا تَاسَ): فلا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم.
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)].
(وَالصَّابِئُونَ) رفع على الابتداء، وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك، وأنشد سيبويه شاهدًا له:
وَإلّا فَاعْلمُوا أنَّا وأنْتُمْ … بُغَاةٌ مَا بَقِينَا فِى شِقَاقِ
_________________
(١) ـ قوله: (وإلا فاعلموا) البيت، بعد: إذا جُزت نواصي آل بدر … فأدوها وأسري في الوثاق الشقاق: العداوة، وسببه أن قومًا من آل بدر من الفزاريين جاوروا بني لأم من طييء، فعمد بنو لأم إليهم فجزوا نواصيهم وقالوا: مننا عليكم ولم نقتلكم، وحبسوهم، فقال بشر
[ ٥ / ٤٣٠ ]
أي: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك.
فإن قلت: هلا زعمت أن ارتفاعه للعطف على محل (إن) واسمها؟ قلت: لا يصح ذلك قبل الفراغ من الخبر. لا تقول: إن زيدًا وعمرو منطلقان.
فإن قلت: لم لا يصح والنية به التأخير، فكأنك قلت: إنّ زيدًا منطلقٌ وعمروٌ. قلت: لأني إذا رفعته رفعته عطفًا على محل (إن) واسمها: والعامل في محلهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العامل في الخبر، لأن الابتداء ينتظم الجزأين في عمله كما تنتظمها "إن" في عملها، فلو رفعت (والصابئون) المنويّ به التأخير بالابتداء، وقد رفعت الخبر بـ (إنّ)، لأعملت فيهما رافعين مختلفين.
_________________
(١) ـ ابن أبي خازم البيتين، أي: قد جززتم نواصيهم فاحملوا غرامة الجز إلينا وأطلقوا من أسرتم منهم، وإن لم تفعلوا فاعلموا أنا نظلمكم كما أنكم ظلمتمونا، وقدم أنتم للإيذان بأنهم أوغل في البغي؛ لأن بغي القاتل جزاء لبغيهم. قوله: (للعطف على محل ﴿إنَّ﴾ واسمها)، قال ابن الحاجب: وذلك أن موضع ﴿إنَّ﴾ وما عملت فهي الرفع، لكون المعنى لم يتغير، فجاء العطف لذلك، وأما سائر أخواتها فمخالفة لها في المعنى الذي من أجله صح العطف. قوله: (لأعملت فيهما) أي: في المبتدأ والخبر، ومعناه: أنه لو رُفع "الصابئون" بالابتداء بأن يكون عطفًا على محل ﴿إنَّ﴾ واسمها، لكان العامل في المبتدأ التجريد، وفي الخبر: ﴿إنَّ﴾، فيلزم أن يكون العامل في المبتدأ غير العامل في الخبر، والواجب أن يكون الخبر مرفوعًا بما ارتفع به المبتدأ كما قرر، ولا يمكن تقدير عملين فيه بأن يقال: إنه مرفوع بـ"إن" والابتداء معًا، للقطع بأن اسمًا واحدًا لا يكون فيه رفعان، قال صاحب "الفرائد": لا يستقيم قوله في الجواب: "لأني إذا رفعته" إلى آخره؛ لأنه لما اعتبر التأخير وجب أن يكون العامل فيه وفي الخبر
[ ٥ / ٤٣١ ]
فإن قلت: فقوله (والصابئون) معطوفٌ لا بد له من معطوفٍ عليه فما هو؟ قلت: هو مع خبره المحذوف جملةٌ معطوفةٌ على جملة قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) إلى آخره، ولا محل لها، كما لا محل للتي عطفت عليها.
فإن قلت: ما التقديم والتأخير إلا لفائدة، فما فائدة هذا التقديم؟ قلت:
_________________
(١) ـ الابتداء، وإنما لزم إعمال عاملين مختلفين إذا لم ينووا التأخير فيقال له: إن قولك: وجب أن يكون العامل فيه وفي الخبر الابتداء هذا إذا قُدر له خبر آخر كما اختار المصنف وحمل الآية عليه، لكن الكلام فيه أن يكون الخبر هو المذكور بعينه، نعم، رد عليه أن الآية ليست من قبيل: إن زيدًا وعمرو منطلقان؛ لأن قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ صالح لكل المذكورين، فهو من قبيل إن زيدًا وعمرو منطلق، قال ابن الحاجب: وليس قول من قال: إن زيدًا وعمرو قائم من قبيل الممنوع؛ لأن قائم إما أن يُقدر خبرًا عن "عمرو"، فيون خبر زيد مقدما، وإما أن يُجعل خبرًا عن الاسم الأول وخبر الثاني محذوف، فعلى التقديرين لم يعطف إلا بعد مُضي الخبر، بخلاف: إن زيدًا وعمرو منطلقان، فإن ذلك غير ممكن لتشريكهما جميعًا في خبر واحد، وقال أيضًا في شرح قول المصنف في "المفصل": فعلى التقديم والتأخير كأنه ابتدأ بعد ما مضى الخبر، الكلام يحتمل أمرين، أحدهما: ما ذكره في "الكشاف": " ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾: رفع على الابتداء وخبره محذوف"، والآخر: أن قوله: فعلى التقديم والتأخير، أي: فعلى تقدير الخبر مقدمًا على "الصابئون" وتقدير "الصابئون" مؤخرًا عنه، ويصح في مثل هذا أن يعبر بالتقديم والتأخير، وهذا أولى لما يلزم فيه الحذف فقط، وفي ذلك الحذف وتغيير الموضع، ولأن مذهب سيبويه في قولك: زيد وعمرو قائم أن الخبر للثاني، وخبر الأول محذوف، واستدل على ذلك بقوله:
[ ٥ / ٤٣٢ ]
فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان، والعمل الصالح، فما الظن بغيرهم؟ وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالًا وأشدّهم غيًا، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبؤا عن الأديان كلها، أي: خرجوا، كما أن الشاعر قدم قوله «وأنتم» تنبيهًا على أن المخاطبين أو غل في الوصف بالبغاة من قومه حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو «بغاة»؛ لئلا يدخل قومه في البغي قبلهم مع كونهم أو غل فيه منهم وأثبت قدمًا.
_________________
(١) ـ نحن بما عندنا وأنت بما … عندك راضٍ والقول مختلف لأنه لو كان خبرًا عن "نحن" لقال: راضون، هذا تلخيص كلامه. ونقل أبو البقاء عن سيبويه في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]: بأن ﴿أَحَقُّ﴾: خبر "الرسول"، وخبر الأول محذوف، وهذا أقوى من عكسه؛ لأنه لا يلزم منه التفريق بين المبتدأ والخبر، فيقال: إن قول المصنف: "إنما يقال: تقديم وتأخير للمُزال لا للقار في مكانه": جواب عما عسى أن يتوهم متوهم مثل ما توهم ابن الحاجب في ذلك التقديم والتأخير، ولأنه يفوت على ذلك التقدير الغرض المطلوب من التقديم والتأخير، وهو الاهتمام، وأن الصابئين أشد غيًا من هؤلاء، قال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يقال: هذا على حد قول من قال: ولا سابق شيئًا، وحق الكلام أن يقول: ولا سابقًا، لأنه بعد قوله: "بدا لي أني لست مدرك ما مضى"، ولكنه قال: ولا سابق؛ لأنه ساغ له أن يقول: لست بمدرك
[ ٥ / ٤٣٣ ]
فإن قلت: فلو قيل: "والصابئين وإياكم" لكان التقديم حاصلًا. قلت: لو قيل هكذا لم يكن من التقديم في شيءٍ، لأنه لا إزالة فيه عن موضعه، وإنما يقال مقدّم ومؤخر للمزال لا للقارّ في مكانه، ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض في الكلام.
_________________
(١) ـ ما مضى، فكأنه قال كذلك، فكذلك هاهنا كأنه قيل: الذين آمنوا والذين هادوا. ولا يلزم هاهنا إعمال عاملين مختلفين؛ لأن الخبر، وهو: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ إلى آخره، جُعل خبرًا لـ"الصابئون والنصارى"، وخبر ﴿إنَّ﴾ محذوف بدلالة المذكور بعده، وأما فائدة العدول عن النصب إلى الرفع فهي أن مظنة العفو والتجاوز في حق المنافقين وهم المعنيون بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على ما قيل، وفي حق اليهود، أبعد منها في حق الصابئين والنصارى؛ لأن عناد الفريقين واستهزاءهما أكبر، فوجب في حقهما أن يُذكرا في صدر الكلام، ولا يجب في الأخيرين. قلت: هذا الكلام مبني على أن "النصارى" معطوف على "الصابئون"، لا على ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾، ولكن سياق الآية يأبى هذا التقدير؛ لأنها سيقت في شأن أهل الكتاب، وذكر "الصابئون" استطرادًا، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾، وكذا الآيات السابقة واللاحقة، وحين كان السياق في سورة الحج على العموم جيء بـ "الصابئين" منسوقًا نسق أخواته، وهاهنا "النصارى" عطف على ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ لا على "الصابئون"؛ لأنهما مقصودان بالذكر متبوعان دونه فلابد من التزام التقديم. قوله: (ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض في الكلام)، وذلك أن الاعتراض هو مما يتخلل في أثناء الكلام لتأكيد مضمون المعترض فيه، وهذا تأكيد لما يلزم من إيراد الكلام لا من مضمونه، ومن ثم قال: كان جاريًا "مجرى الاعتراض"، وقلنا: إنه استطراد. الانتصاف: صدق الزمخشر، لكن يرد عليه أنه لو عطف "الصابئين" ونصبه كما قرأ
[ ٥ / ٤٣٤ ]
فإن قلت: كيف قال: (الَّذِينَ آمَنُوا) ثم قال: (مَنْ آمَنَ)؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يراد بـ (الذين آمنوا): الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون، وأن يراد بـ (من آمن): من ثبت على الإيمان واستقام ولم يخالجه ريبة فيه.
فإن قلت: ما محل (من آمن)؟ قلت: إما الرفع على الابتداء وخبره (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، ثم الجملة كما هي خبر (إن) وإما النصب على البدل من اسم (إن) وما عطف عليه، أو من المعطوف عليه.
_________________
(١) ـ ابن كثير، لأفاد دخولهم في جملة المتوب عليهم، وفُهم من تقديم ذكرهم على "النصارى" ما يُفهم من الرفع، وهو أنهم أوغل في الكفر، وقد تيب عليهم، فالنصارى أولى، ويكون الكلام جملة واحدة مختصرة، والعطف إفرادي، فلم عدل إلى جعله جملتين؟ وجوابه: أنه لو عطفه ونصبه لم يحصل فهم الخصوصية لهؤلاء؛ لأن الأصناف كلها عطف بعضها على بعض عطف المفردات، وهذا الصنف من جملتها، والخبر عنها واحد، وأما الرفع فيقطع عن العطف الإفرادي، وتختص بقية الأصناف بالخبر المذكور، وخبر هذا الصنف مفرد مستقل فيقيد المقصود السابق ذكره، ويفهم من تقديم الخبر من قوة الدلالة ما لا يفيده تأخيره. وأما قراءة ابن كثير - وإن كان هو من الأئمة - فشاذة بحمل النصب على الاختصاص، أي: أذكر، لئلا تكون مخالفة لقراءته المشهورة ولسائر الأئمة. قوله: (فيه وجهان)، والظاهر يوهم أنه جواب واحد، لكن المراد من الإيراد: أن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إن أريد به المنافقون يحمل قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ على من أخلص الإيمان، وإن أُريد به المؤمنون الخلص يحمل ﴿مَنْ آمَنَ﴾ على من ثبت على الإيمان، والجواب الأول أقرب إلى الغرض؛ لأن الذي سيقت الآية له التشديد على اليهود والنصارى، فإنهم مع ذلك إن آمنوا
[ ٥ / ٤٣٥ ]
فإن قلت: فأين الراجع إلى اسم (إن)؟ قلت: هو محذوفٌ، تقديره: من آمن منهم، كما جاء في موضع آخر.
وقرئ: (والصابيون) بياء صريحةٍ، وهو من تخفيف الهمزة، كقراءة من قرأ:
_________________
(١) ـ وعملوا الصالحات فلهم الفوز العظيم، وذكر المنافقين والصابئين على المبالغة كما سبق، فإذن لم يكن لذكر المؤمنين المخلصين مدخل في الغرض والأسلوب، ولذلك أخره، ولأنهم إذا شركوهم في الخبر، وهو: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ بمعنى ثبت على الإيمان، يلزم وجوب اشتراكهم في الخلوص في الإيمان في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وذلك بعيد، ولذلك جعل ﴿مَنْ آمَنَ﴾: بدلًا من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وحده في وجه قوله: "على البدل من اسم ﴿إنَّ﴾ وما عُطف عليه أو من المعطوف عليه". قالوا: أراد أن ﴿مَنْ آمَنَ﴾ إما بدل من المجموع من المعطوف عليه والمعطوف، أو بدل من اسم ﴿إنَّ﴾ فحسب. قلتُ: إذا كان بدلًا من المجموع فالمعنى على ما سبق: أن الصابئين أشد غيًا، وأما إذا كان بدلًا من اسم ﴿إنَّ﴾ وحده لزم أن يكون حكم ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ حُكم ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ في الرفع والقطع، وتقدير الخبر على ما سبق في "الصابئون" وحده، كأنه قيل: إن الذين آمنوا من آمن منهم فلا خوف عليهم، والذين هادوا والصابئون والنصارى كذلك، فحينئذ يخرج الكلام عن المقصود ويكون ابعد من اختيار صاحب "الفرائد"، وقيل: أراد بقوله: "أو من: المعطوف عليه" المعطوف ففيه ضمير يعود إلى اللام، والضمير المجرور عائد إلى اسم ﴿إنَّ﴾، وليس بوجه حسن لما يلزم منه أن يكون بدلًا من المعطوف عيه. أيضًا، لما صرح المصنف في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥] فحينئذ يلزم التكرار. قوله: (فأين الراجع؟) هذا على تقدير البدلية لا الخبر، لوجود الراجع من قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾.
[ ٥ / ٤٣٦ ]
(يستهزيون)، (والصابون) وهو من: صبوت؛ لأنهم صبوا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم ولم يتبعوا أدلة العقل والسمع. وفي قراءة أبيّ ﵁: (والصابئين) بالنصب، وبها قرأ ابن كثيرٍ، وقرأ عبد اللَّه: (يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون).
[(لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ)].
(لَقَدْ أَخَذْنا) ميثاقهم بالتوحيد (وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا) ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم. (كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ) جملة شرطية وقعت صفة لـ (رسلًا) والراجع محذوف؛ أي: رسول منهم (بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ): بما يخالف هواهم ويضادّ شهواتهم من مشاق التكليف والعمل بالشرائع.
فإن قلت: أين جواب الشرط، فإن قوله: (فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) ناب عن الجواب، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه لا يحسن أن تقول إن أكرمت أخى أخاك أكرمت.
_________________
(١) ـ قوله: (ولأنه لا يحسن أن تقول: إن أكرمت أخي، أخاك أكرمت). قال صاحب "التقريب": إنما لم يحسن لأن محل تأثير الشرط هو الفعل، وبتقدم المفعول يبعد عن المؤثر، ولأنها تتوهم بادي الرأي بتقدم المفعول شبهها بالجملة الاسمية التي يجب فيها الفاء. وقلت: الظاهر أن المراد من السؤال برمته طلب المطابقة ومراعاة المناسبة بين الشرط والجزاء من حيث المعنى لا تصحيحه من جهة الإعراب، ومن ثم قال: "لا يحسن"، ألا ترى كيف ذهب أبو البقاء والقاضي إلى أن جواب الشرط: ﴿كَذَبُوا﴾، وتقدير السؤال من وجهين:
[ ٥ / ٤٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ أحدهما: أن المذكور في الشرط رسول واحد؛ لأن قوله: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ بيان لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ وتفصيل لصيغة الجمع، أي: كلما جاءهم رسول من الرسل، وفي المذكور فريقان منهم فلا مطابقة. وثانيهما: أن تقديم المفعول مفيد للاختصاص ولا دلالة في الشرط عليه، والواجب المطابقة أيضًا. وأجاب عنه: أن الجواب محذوف والجملة مستأنفة على تقدير الجواب عن سؤال مورده الجملة الشرطية مع موصوفها، وذلك أن في إيقاع قوله: "كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ناصبوه" بعثًا للسامع على أن يقول: كيف كانت مناصبتهم معهم وهم جاؤوا تترى أشتاتًا؟ فقيل مجيبًا: بذلوا جهدهم في تكذيب فريق، وانتهزوا فرصًا لقتل آخرين بما أمكن من الكيد، وأما تقديم المفعول في قوله: "فريقًا يقتلون" فللمحافظة على الفاصلة، وفي ﴿كَذَّبُوا﴾ للمطابقة بين القرينتين، نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ في وجه، وعلى المثال لا تقتضي التقديم أصلًا. وقال صاحب "الانتصاف": يدل على حذف الجواب مجيئه ظاهرًا في الآية التي هي توأمة هذه: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، ولو قدر الزمخشري المحذوف بما ظهر في هذه فقال عوض ناصبوه: استكبروا، لكان أولى. وقلت: لو أتى به لاحتاج إلى تأويل الاستكبار بالمناصبة؛ لأن المقاتلة والتكذيب مسبوقان بالمناصبة، والمناصبة نتيجة الاستكبار وسبب عنه، فقدر المسبب تعليلًا للاعتبار، ألا ترى كيف جيء بالفاء الفصيحة في قوله: ﴿فَفَرِيقًا﴾، أي: استكبرتم فناصبتموهم ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧].
[ ٥ / ٤٣٨ ]
قلت: هو محذوفٌ يدل عليه قوله: (فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) كأنه قيل: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه، وقوله: (فَرِيقًا كَذَّبُوا) جواب مستأنف لقائل يقول: كيف فعلوا برسلهم؟
فإن قلت: لم جيء بأحد الفعلين ماضيًا وبالآخر مضارعًا؟ قلت: جيء بـ (يقتلون) على حكاية الحال الماضية استفظاعًا للقتل، واستحضارًا لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها.
[(وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) ٧١].
_________________
(١) ـ فإن قلت: كيف ذكر المصنف في البقرة وجهين، حيث قال: "إنما لم يقل: وفريقًا قتلتم؟ لان المراد إما حكاية الحال الماضية أو الاستمرار، أي: فريقًا تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد صلوات الله عليه وسلامه"، وقصر هاهنا على وجه واحد؟ قلت: خصص هذه الآية بحكاية حال أسلافهم لقرينة ضمائر الغيب، وترك تلك الآية على الاحتمالين لقرينة ضمائر المخاطبين، ليكون توبيخًا للحاضرين وتعبيرًا لهم بفعل آبائهم، ومن ثم عقب هذه الآية بقصة عيسى ﵊ وبقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآية [المائدة: ٧٨]، وتلك بقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، وبقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ الآيات [البقرة: ٨٨ - ٨٩]. قوله: (ناصبوه)، الأساس: ومن المجاز: نصبنا لهم حربًا، وناصبناهم مناصبة، وناصبت لفلان: عاديته نصبًا.
[ ٥ / ٤٣٩ ]
قرئ: (ألا تكون) بالنصب على الظاهر، وبالرفع على: "أن" هي المخففة من الثقيلة، أصله: أنه لا يكون فتنة فخففت «أن» وحذف ضمير الشأن.
فإن قلت كيف دخل فعل الحسبان على "أن" التي للتحقيق؟ قلت: نزل حسبانهم لقوّته في صدورهم منزلة العلم.
فإن قلت: فأين مفعولًا "حسب"؟ قلت: سدّ ما يشتمل عليه صلة "أن" و"أنّ" من المسند والمسند إليه مسدّ المفعولين، والمعنى: وحسب بنو إسرائيل أنه لا يصيبهم من اللَّه فتنة، أي: بلاء وعذاب في الدنيا والآخرة.
(فَعَمُوا) عن الدين (وَصَمُّوا) حين عبدوا العجل، ثم تابوا عن عبادة العجل فـ (تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا) كرةً ثانيةً
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: ﴿أَلاَّ تَكُونَ﴾ بالنصب): كلهم سوى أبي عمرو وحمزة والكسائي، فإنهم قرؤوا بالرفع. قوله: (على الظاهر) أي: على "أن" في ﴿أَلاَّ تَكُونَ﴾ هي الناصبة للفعل. اعلم أن الفعل الواقع قبل "أن" لا يخلو من أن لا يحتمل سوى الشك نحو: طمعت أن تقوم، فلا يجوز في مدخولها إلا النصب، لأن المخففة من الثقيلة للتحقيق، والتحقيق ينافي الشك، أو أن لا يحتمل سوى اليقين فلا تكون ناصبة بل مخففة، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠]، أو احتمل الوجهين كما في هذه الآية، فيجوز فيه الأمران. قوله: (ثم تابوا عن عبادة العجل فـ ﴿تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ كرة ثانية بطلبهم المحال). وأيضًا، عطف ﴿وَحَسِبُوا﴾ على ﴿كَذَّبُوا﴾ مؤذن أن هذا الحسبان متأخر عن التكذيب والقتل، ولا ارتياب أنهما تأخرا عن زمان موسى ﵊، ولعله يتشبث بأن الواو ليست للترتيب، والنظم غير منظور إليه، وقال الزجاج: من قرأ (ألا تكون
[ ٥ / ٤٤٠ ]
بطلبهم المحال غير المعقول في صفات اللَّه وهو الرؤية.
_________________
(١) ـ فتنة) بالرفع، فالمعنى: أنه لا تكون فتنة، أي: حسبوا فعلهم غير فاتن لهم، وذلك أنهم كانوا يقولون: نهم أبناء الله وأحباؤه فعموا وصموا، يعني أنهم لم يعملوا بما سمعوا ولم يدبروا الآيات فصاروا كالأعمى والأصم، ثم تاب الله عليهم، أي: أرسل إليهم محمدًا ﷺ يعلمهم أن الله قد تاب عليهم إن آمنوا وصدقوا فلم يؤمن أكثرهم فقيل: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ بعد أن ازداد لهم الأمر وضوحًا. قلت: يرد هذا القول ما سبق أن قوله: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ وارد في حكاية حال أسلاف اليهود دون الحاضرين، و"حسبوا": عطف على قوله: ﴿كَذَّبُوا﴾ يعني: كذبوا وقتلوا وحسبوا أن لا بلاء ولا فتنة، والقول ما ذكره الإمام: أن قوله: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ إنما كان برسول أرسل إليهم مثل داود وسليمان وغيرهما، فتاب الله عليهم فوقعت فترة فعموا وصموا، ويؤيده قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآيات [المائدة: ١٧ - ١٩]، وقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨]. قوله: (بطلبهم المحال غير المعقول في صفات الله تعالى، وهو الرؤية): تخصيص من غير دليل، على أن فائدة الفاء في الأولى ومن ثم في الثانية لم تظهر، لعل عنده طلب الرؤية أعظم من عبادة العجل، فجيء بثم للتراخي في الرتبة، أو طلب الرؤية تأخر عن عبادة العجل بمدة مديدة، لكن الذي صرح به في قوله تعالى قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]: أن القوم كانوا معه ﵊ في هذه المرة وأن طلب الرؤية كان لجلهم، وكانت عبادة العجل من المتخلفين حينئذ، لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] فلا يصح إذن.
[ ٥ / ٤٤١ ]
وقرئ: (عموا وصموا) بالضم على تقدير: عماهم اللَّه وصمهم؛ أي: رماهم وضربهم بالعمى والصمم، كما يقال: نزكته: إذا ضربته بالنيزك، وركبته: إذا ضربته بركبتك. (كَثِيرٌ مِنْهُمْ): بدلٌ من الضمير، أو على قولهم: أكلوني البراغيث، أو هو خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: أولئك كثير منهم.
[(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَاواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ)].
لم يفرق عيسى ﵊ بينه وبينهم في أنه عبد مربوبٌ كمثلهم، وهو احتجاج على النصارى. (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ) في عبادته، أو فيما هو مختص به من صفاته أو أفعاله (فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) التي هي دار الموحدين؛
_________________
(١) ـ قوله: (بالنيزك)، الجوهري: هو رمح قصير، فارسي معرب، وقد تكلمت به الفصحاء، وقد نزكه: إذا طعنه. قوله: (أو فيما هو مختص به من صفاته)، هذا من حيث اللفظ كما في إطلاق "الرحمن" على غير الله، ومن حيث المعنى وصف الغير بمعرفة علم الغيب، قال في أول السورة: "الاستقسام هو: طلب ما قسم لشخص مما لم يقسم له بالأزلام"، وهو الإشراك بالله في علم الغيب، أو أن تُنسب الحوادث إلى الكواكب كما كانوا يقولونه: مطرنا بنوء كذا، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢]، أو أن تنسب الأفعال إلى العباد، كما يقوله المعتزلة، لا كما يقوله أهل السنة: إن الله تعالى خالق الجواهر والأعراض حقيقة، فلا يقال: إن العبد خالق لأفعال نفسه حقيقة.
[ ٥ / ٤٤٢ ]
أي: حرّمه دخولها ومنعه منه، كما يمنع المحرّم من المحرّم عليه. (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ): من كلام اللَّه على أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما يقولوا على عيسى ﵇، فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم ردّه وأنكره، وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره. أو من قول عيسى ﵇، على معنى: ولا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن المعقول. أو ولا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب اللَّه.
_________________
(١) ـ قوله: (كما يمنع المحرم) أي: حرم هنا: استعارة تبعية من المنع. قوله: (﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ من كلام الله تعالى)، وقيل: صح هنا "كلام الله" بغير "من"؛ لأن ما تقدم ليس كلام الله، وفي الوجه الثاني: من قول عيسى ﵊ بإثبات "مِن"؛ لأن ما تقدمه في القرآن من كلام عيسى. وقلت: وجود "مِن" وعدمها سواء في صحة المعنى؛ لأن قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ تذييل للكلام السابق، وعلى أن يكون تذييلًا لقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ كأن قوله: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾ أيضًا كلام الله حاكيًا كلامه مقررًا لكلامه ﷿، فنه تعالى لما نعى على النصارى قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ في أنها كلمة شنعاء وقائلها كافر مبالغ في وضع الشيء غير موضعه أتى بقول عيسى ﵊ بيانًا لتبريه عنهم وخذلانه إياهم فذيله بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ تأكيدًا، وإليه الإشارة بقوله: "رده وأنكره وإن كانوا معظمين له"، وإذا كان تذييلًا لكلام عيسى ﵇، وأنه ﵊ لما سوى بينه وبينهم في العبودية بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ردًا لزعمهم أن الله هو المسيح، وعلله بقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَاوَاهُ النَّارُ﴾ زيادة للتبري عنهم ذيله بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ مزيدًا للتقرير، يعني أني بريء مما تقولون، ولا يصح لي أن أساعدكم
[ ٥ / ٤٤٣ ]
[(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَاكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)].
(مِنْ) في قوله: (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ) للاستغراق، وهي القدرة مع "لا" التي لنفي الجنس في قولك: لا إله إلا الله،
_________________
(١) ـ وأنصركم مع هذا الظلم؛ لأن العارف العالم لا يساعد أحدًا على الظلم الفاحش والباطل البين بطلانه، والوجه الأول أبلغ؛ لأن في الجملة القسمية معنى التعجبن وقد قيدت بالحال المقررة لجهة الإشكال، وهي قوله: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾، كأنه قيل: ما أكفرهم، والحال أن عيسى ﵊ وصاهم بخلافه وبالغ في الوصية وأكدها أبلغ تأكيد. قوله: (﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ للاستغراق، وهي المقدرة مع "لا" التي لنفي الجنس في قولك: لا إله إلا الله). قال صاحب "الإقليد": إن إفادة "مِن" الاستغراقية الاستغراق لأنها تدخل لابتداء الجنس إلى انتهائه، فقولك: هل من رجل؟ تقديره: هل من واحد هذا الجنس إلى أقصاه؟ إلا أنه اكتفى بذكر "مِن" عن ذكر "إلى" لدلالة إحدى الغايتين على الأخرى، وإنما قيل: إن مثل "لا رجل" متضمن لمعنى "مِنَ" الاستغراقية؛ لأن "لا رجل في الدار" أبلغ في النفي من "لا رجل في الدار" بالرفع، ومن "ليس رجل في الدار"، ولا يمكن تقدير ما يكون به كذلك إلا بحرف مؤكد مثبت للاستغراق، فوجب تقدير "مِن"، ولو كانت "لا" مفيدة للاستغراق لذاتها لما جاز قولهم: لا رجل في الدار بل رجلان. فإن قلت: هذا مخالف لقوله في آل عمران: "ومن" في "ما من إله إلا الله" بمنزلة البناء على الفتح في قوله: "لا إله إلا الله" في إفادة معنى الاستغراق"، قلت: قد وجه هناك أن الفتح
[ ٥ / ٤٤٤ ]
والمعنى: وما إلهٌ قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له، وهو اللَّه وحده لا شريك له: و"من" في قوله: (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) للبيان كالتي في قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ) [الحج: ٣٠].
_________________
(١) ـ يجوز أن يكون فرعًا على "مِن"، وأن يكون كالأصل بنفسه، وإذا كان أصلًا جاز أن يُفرع عليه، وإذا كن فرعًا جاز أن يبلغ اشتهاره في الاستعمال بحيث يعكس معه الأمر كالصلاة في عرف الشرع واللغة. قوله: (وما إله قط في الوجود إلا إله). قال أبو البقاء: ﴿مِنْ﴾ زائدة، و﴿إِلَه﴾ في موضع مبتدأ، والخبر محذوف، و﴿إِلاَّ اللَّهَ﴾ بدل من ﴿إِلَه﴾، وقال القاضي: ما في الوجود ذات مستحق للعبادة من حيث إنه مبديء جميع الموجودات إلا إله موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة، وقال الإمام: في تفسير ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾: قدر النحويون: لا إله في الوجود، وذلك غير مطابق للتوحيد الحق؛ لأن هذا نفي لوجود الإله الثاني، ولو لم يُضمر هذا الإضمار لكان "لا إله" نفيًا لماهية الإله الثاني، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود. وقلت: الإمام اختار مذهب التميمي، والمصنف لو ترك التقدير بقوله: "في الوجود" ليبقى مطلقًا فيتناول الوجود والإمكان وما يجري مجراهما، لكان أولى، وذكر في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]: "إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات، كقولك: ثابت واجب حق لازم وما أشبه ذلك، كان أقوى لإيجابه من النص على واحد".
[ ٥ / ٤٤٥ ]
فإن قلت: فهلا قيل: وللكافرين عذابٌ أليمٌ؟ قلت: في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة، وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا) وفي البيان فائدةٌ أخرى، وهي الإعلام في تفسير (الذين كفروا منهم) أنهم بمكانٍ من الكفر، والمعنى: ليمسنّ الذين كفروا من النصارى خاصة (عَذابٌ أَلِيمٌ) أي: نوع شديد الألم من العذاب كما تقول: أعطني عشرين من الثياب؛ تريد: من الثياب خاصةً لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها "عشرون"، ويجوز أن تكون للتبعيض على معنى: ليمسنّ الذين بقوا على الكفر منهم؛ لأنّ كثيرًا منهم تابوا من النصرانية.
_________________
(١) ـ قوله: (وفي البيان فائدة أخرى، وهي الإعلام في تفسير ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ أنهم بمكان من الكفر)، يعني: لما ذكر أولًا ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على أن التعريف للجنس مبهمًا ومعممًا ثم أوقع قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ تفسيرًا للمبهم وتخصيصًا للعام، أفاد أنهم علم في الكفر وبمكان منه، قال في قوله تعالى: ﴿أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ١٠ - ١١]: "سجل عليهم الظلم بأن قدم ﴿الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ثم عطفهم عليهم عطف البيان، كأن معنى ﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وترجمته: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ ". وقال في الفاتحة: "قولك: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم؟ فلان أبلغ من فلان الأفضل؛ لأنك ثنيت ذكره مجملًا أولًا ومفصلًا ثانيًا، وأوقعت فلانًا تفسيرًا للأكرم والأفضل، فجعلته علمًا في الكرم والفضل". ويمكن أن يُقال: إنه من باب رأيت منك أسدًان فجرد من نفس النصارى الذين كفروا، فعُلم أنهم من جنس ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، مبالغة لكمال الكفر فيهم. قوله: (ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم) فالتعريف على هذا: للعهد، قال أبو البقاء: منهم: في موضع الحال، إما من ﴿الَّذِينَ﴾ أو من ضمير الفاعل في ﴿كَفَرُوا﴾.
[ ٥ / ٤٤٦ ]
(أَفَلا يَتُوبُونَ): ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكرّرة عليهم بالكفر، وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه، وفيه تعجب من إصرارهم (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ): يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم.
(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) صفة لـ (رسول) أي: ما هو إلا رسولٌ من جنس الرسل الذين خلوا من قبله، جاء بآياتٍ من اللَّه كما أتوا بأمثالها، أن أبرأ اللَّه الأبرص وأحيا الموتى على يده، فقد أحيا العصا وجعلها حيةً تسعى، وفلق بها البحر وطمس على يد موسى، وإن خلقه من غير ذكر، فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى. (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) أي: وما أمه أيضًا إلا كبعض النساء المصدّقات للأنبياء، المؤمنات بهم، فما منزلتهما إلا منزلة بشرين، أحدهما نبي، والآخر صحابي، فمن أين اشتبه عليكم أمرهما حتى وصفتموهما بما لم يوصف به سائر الأنبياء وصحابتهم مع أنه لا تميز ولا تفاوت بينهما وبينهم بوجه من الوجوه؟ !
ثم صرح ببعدهما عما نسب إليهما في قوله: (كانا يَاكُلانِ الطَّعامَ) لأنّ مَنِ احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسمًا مركبًا من عظمٍ ولحمٍ وعروقٍ وأعصابٍ،
_________________
(١) ـ قوله: (ألا يتوبون؟) فسر ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ﴾ به للإيذان بأن الهمزة للإنكار، ولا: نافية، والفاء: عاطفة على محذوف، أي: أيصرون فلا يتوبون؟ ففيه معنى التعجب على الإصرار والتحضيض على التوبة. قوله: (ثم صرح ببعدهما عما نسب إليهما). قال القاضي: بين أولًا أقصى ما لهما من الكمالات، ودل على أنه لا يوجب لهما الألوهية؛ لأن كثيرًا من الناس يشاركهما، ثم نبه على نقصهما، وذكر ما ينافي الربوبية ويقتضي أن يكونا من عداد المركبات، وقلت: يمكن أن تكون
[ ٥ / ٤٤٧ ]
وأخلاطٍ وأمزجةٍ مع شهوةٍ وقرمٍ وغير ذلك؛ مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام.
(كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ) أي: الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم أَنَّى يُؤْفَكُونَ كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله؟
فإن قلت: ما معنى التراخي في قوله: (ثم انظر)؟ قلت: معناه ما بين العجبين؛ يعني أنه بين لهم الآيات بيانًا عجيبًا، وأنّ إعراضهم عنها أعجب منه.
[(قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)].
(ما لا يَمْلِكُ) هو عيسى، أي: شيئًا لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم به اللَّه من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب، ولأنّ كل ما يستطيعه البشر من المضارّ
_________________
(١) ـ الآية على منوال قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، رفع من شأنهما أولًا بأقصى ما لهما من الكمال، ثم جيء بالمطلوب، وهو إبطال إلهيتهما بأدنى ما لهما من النقصان لئلا يوحشهما إذا ووجها به ابتداء. قوله: (وقرم)، الجوهري: القرم، بالتحريك شدة شهوة اللحم، وقد قرمت إلى اللحم، بالكسر: إذا اشتهيته. قوله: (ولأن كل ما يستطيعه البشر) عطف على جملة قوله: "شيئًا لا يستطيع" من حيث المعنى، ومعلله محذوف، المعنى: لم تعبدون شيئًا لايستطيع أن يضركم ولا أن ينفعكم بمثل ما يملكه الله؟ أو: لم تعبدون ما لا يستطيع شيئًا من النفع والضر البتة؟ أي: العاجز؛ لأن كل
[ ٥ / ٤٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ما يستطيعه البشر فبإقدار الله وتمكينه، وإنما علل هذا الوجه دون الأول لأن عندهم البشر قادر على الأفعال، فأزال ذلك بقوله: "إن ذلك بإقدار الله تعالى وتمكينه". وأما الأول فاستغنى عنه بقوله: "وهذا دليل قاطع"، لاشتراكه في الوجهين، وعلى الأول: ﴿مَا﴾ في ﴿مَا لا يَمْلِكُ﴾ عامة في جميع الأشياء، نبه به على أن عيسى من جملة المخلوقين فلايصلح للإلهية، وأن يكون شريكًا لله؛ لأنه لا يضركم ولا ينفعكم بمثل ما يضركم به الله وينفعكم. قال القاضي: وإنما قال: ﴿مَا﴾، نظرًا إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه رأسًا وتنبيهًا على أنه من هذا الجنس، ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية، وإنما قدم الضر لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع، وعلى الثاني: "ما" وصف جيء به تحقيرًا؛ أي: أتعبدون من دون الله هذا الموصوف الذي لا يملك نفعًا ولا ضُرًا؟ وعلى هذين الوجهين بني المصنف قوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ على اللف والنشر حيث قال أولًا: " ﴿هُو﴾: متعلق بـ ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ "، فيكون حالًا مقررة لجهة الإشكال تهديدًا ووعيدًا، وإليه الإشارة بقوله: "أتشركون بالله ولا تخشونه وهو الذي يسمع ما تقولون؟ "، وقال ثانيًا: "أتعبدون العاجز؟ " فيون حالًا من معنى ﴿لا يَمْلِكُ﴾، ولهذا قال: "أتعبدون العاجز والله هو السميع العليم؟ " تعبيرًا وتجهيلًا، ألا ترى كيف صرح بقوله: "العاجز" ليبرشدك بأن ﴿مَا﴾ يُراد بها الوصف. فإن قلت: هب أن قوله: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ دل على التهديد؛ لأن السامع العالم إذا سمع وعلم ما يفعله المجرم يجازيه عليه، فكيف دل على التعبير؟ قلت: إذا دل على القدرة كما قال: "ولن يكون كذلك إلا وهو حي قادر" جاء التعبير كقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥]، ومثل هذين الوجهين سبق في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٦].
[ ٥ / ٤٤٩ ]
والمنافع فبإقدار اللَّه وتمكينه، فكأنه لا يملك منه شيئًا. وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية، حيث جعله لا يستطيع ضرًا ولا نفعًا، وصفة الرب أن يكون قادرًا على كل شيء لا يخرج مقدور على قدرته.
(وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) متعلق بـ (أتعبدون)، أي: أتشركون باللَّه ولا تخشونه، وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون؟ أو أتعبدون العاجز واللَّه هو السميع العليم الذي يصح منه أن يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم، ولن يكون كذلك إلا وهو حى قادر.
[(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ)].
(غَيْرَ الْحَقِّ) صفة للمصدر؛ أي: لا تغلوا في دينكم غلوًا غير الحق؛ أي: غلوًا باطلًا؛ لأنّ الغلو في الدين غلوّان:
غلوّ حق: وهو أن يفحص عن حقائقه ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد
_________________
(١) ـ قوله: (وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية)؛ لأن الإله هو الضار النافع، وهما اللذان يصححان العبودية؛ لأن المكلف إنما يعبده ليدفع عنه الضر ويجلب له النفع دنيا وعقبى، والتكرير في الضر والنفع للاستيعاب كما في قوله: ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، ومن ثم قال: "وصفة الرب أن يكون قادرًا على كل شيء". قوله: (﴿غَيْرِ الْحَقِّ﴾: صفة للمصدر). قال أبو البقاء: يجوز أن يكون حالًا من ضمير الفاعل، أي: لا تغلوا مجاوزين.
[ ٥ / ٤٥٠ ]
في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد رضوان اللَّه عليهم.
_________________
(١) ـ قوله: (كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد)، الانتصاف: يعني بهم المعتزلة الذين غلوا في التوحيد، فجحدوا الصفات، وغلوا في العدل فجعلوا إرادة الحق ﷻ مغلوبة بإرادة العبد، يعني بأهل البدع من عداهم، الذين أثبتوا الصفات ولم يثبتوا خالقًا سوى الله تعالى. وقلت: معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ومعنى قوله في النساء: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] واحد، وقد قال المصنف: "غلت اليهود في حط المسيح من منزلته حيث جعلوه مولودًا لغير رشدة، وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلها"، والطريق القصد هو ما عليه المسلمون، كذلك القدرية يثبتون القدرة لغير الله مطلقًا، والجبرية يسلبون القدرة من الغير رأسًا، وأهل السنة على الصراط المستقيم، وكذلك المعطلة لا يثبتون لله تعالى صفات، والمجسمون يشبهونه بالخلق، وأهل السنة اختاروا القصد والطريق السوي، فالمناسب أن يجعل ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾: مصدرًا مؤكدًا من حيث المعنى لا صفة للمصدر، لأن الغلو لا يكون حقًا. قال الراغب: الغلو: تجاوز الحد، من قولهم: غلا السهم وغلا السعر، ويستعمل في الإفراط دون التفريط، وكلاهما مذمومان، والخطاب لليهود والنصارى، فالنصارى غلوا في رفعه، واليهود في وضعه، وإنما جمع الهوى بينهما، على أنهم متفاوتو المراد في باطلهم.
[ ٥ / ٤٥١ ]
وغلوٌّ باطلٌ: وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه، كما يفعل أهل الأهواء والبدع.
(قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) هم أئمتهم في النصرانية، كانوا على الضلال قبل مبعث النبي ﷺ. (وَأَضَلُّوا كَثِيرًا) ممن شايعهم على التثليث. (وَضَلُّوا) لما بعث رسول اللَّه ﷺ (عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ): حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه.
[(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ* كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ* تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ* وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ) ٧٨ - ٨١].
_________________
(١) ـ قوله: (﴿وَضَلُّوا﴾: لما بعث رسول الله ﷺ). أسند ﴿ضَلُّوا﴾ أولًا إلى أسلافهم، وثانيًا إلى أعقابهم لئلا يلزم التكرار فيكون الخاطبون غيرهم، وقال الراغب: فيه وجوه: الأول: اريد: قد ضلوا عن سواء السبل، فلما فصل بينه وبين ما يتعلق به أعيد ذكره، كقوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، الثاني: أن الضال قد يعتقد أنه لا يضل غيره، وهو ضال بذلك، فبين الله تعالى أن هؤلاء ضلوا في أنفسهم وضلوا بإضلالهم غيرهم، كقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]، والثالث: أن لله تعالى هاديين: العقل والرسول، والعقل مقدم على الرسول من حيث إنه بالعقل يهتدي إلى معرفة الرسول، فقوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل، ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾: إلى ما أتى به الرسول.
[ ٥ / ٤٥٢ ]
نزّل اللَّه لعنهم في الزبور (عَلى لِسانِ داوُدَ) وفي الإنجيل على لسان عيسى.
وقيل: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود ﵇: اللهم العنهم واجعلهم آية؛ فمسخوا قردةً، ولما كفر أصحاب عيسى ﵇ بعد المائدة قال عيسى ﵇: اللهم عذب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذابًا لم تعذبه أحدًا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل، ما فيهم امرأة ولا صبيّ.
(ذلِكَ بِما عَصَوْا) أي: لم يكن ذلك اللعن الشنيع الذي كان سبب المسخ، إلا لأجل المعصية والاعتداء، لا لشيءٍ آخر، ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله: (كانُوا لا يَتَناهَوْنَ) لا ينهى بعضهم بعضًا (عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ). ثم قال: (لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) للتعجيب من سوء فعلهم مؤكدًا لذلك بالقسم. فيا حسرةً على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير وقلة عبثهم به، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيءٍ مع ما يتلون من كلام اللَّه وما فيه من المبالغات في هذا الباب.
فإن قلت: كيف وقع ترك التناهى عن المنكر تفسيرًا للمعصية والاعتداء؟ قلت:
_________________
(١) ـ قوله: (إلا لأجل المعصية [والاعتداء] لا لشيء آخر). الحصر مستفاد من إيقاع اسم الإشارة استئنافًا والجار والمجرور خبرًا له بعد إثبات اللعن والطرد لهم على المبالغة، كأن السامع لما وقف على ما فُعل بهم من اللعن والطرد على لسان نبيين معظمين، استعظم ذلك وتوهم أن له أسبابًا شتى فقال: ما سبب ذلك الأمر الفظيع والخطب الهائل؟ فقيل: ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم، وهو عدم التناهي عن المناكير. قوله: (وقلة عبثهم به) أي: عدم مبالاتهم، ما عبثت بفلان؛ أي: ما باليت به.
[ ٥ / ٤٥٣ ]
من قبل أنّ اللَّه تعالى أمر بالتناهى، فكان الإخلال به معصية وهو اعتداء، لأنّ في التناهى حسبما للفساد فكان تركه على عكسه.
فإن قلت: ما معنى وصف المنكر بـ (فعلوه) ولا يكون النهى بعد الفعل؟ قلت: معناه لا يتناهون عن منكر فعلوه، أو عن مثل منكرٍ فعلوه، أو عن منكرٍ أرادوا فعله، كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوّى وتهيأ فتنكر، ويجوز أن يراد: لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكرٍ فعلوه، بل يصبرون عليه ويداومون على فعله،
_________________
(١) ـ قوله: (ما معنى وصف المنكر بـ ﴿فَعَلُوهُ﴾؟) يعني: لا يصح أن يكون ﴿فَعَلُوهُ﴾ صفة لـ ﴿مُنكَرِ﴾؛ لأن التناهي عن منكر قد سبق ومضى محال. قوله: (معناه: لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه). قال صاحب "الانتصاف": وفي توبيخهم إشعار بأنهم فعلوا المنكر، وبأنهم لم ينهوا عن أمثاله في المستقبل، ولولا زيادة ﴿فَعَلُوهُ﴾ لما صرح بوقوعها منهم، ودلت الآية على أن متعلق النهي فعل ضد المنهي عنه؛ لأنه عبر عن ترك التناهي بقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، فسماه بقوله: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ﴾، إلى قوله: ﴿يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]، وهو أبلغ؛ لأن الصنع أبلغ. ثم كلامه. ويجوز أن يجري ﴿لا يَتَنَاهَوْنَ﴾ على حكاية الحال الماضية لاكتنافه بالماضيين، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ [فاطر: ٩]؛ تصويرًا لتناهيهم في التواني عن التناهي عنالأفعال الشنيعة، وهي تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لينزجر السامع عن ارتكاب مثلها. قوله: (ويجوز أن يُراد) عطف على معنى قوله: "لا ينهى بعضهم بعضًا"، فوضع يتفاعلون
[ ٥ / ٤٥٤ ]
يقال: تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه.
(تَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ): هم منافقو أهل الكتاب، كانوا يوالون المشركين ويصافونهم. (أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) هو المخصوص بالذمّ، ومحله الرفع، كأنه قيل: لبئس زادهم إلى الآخرة سخط اللَّه عليهم. والمعنى: موجب سخط اللَّه (وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ) إيمانًا خالصًا غير نفاق ما اتخذوا المشركين (أَوْلِياءَ) يعني: إنّ موالاة المشركين كفى بها دليلًا على نفاقهم، وإنّ إيمانهم ليس بإيمانٍ. (وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ): متمرّدون في كفرهم ونفاقهم. وقيل معناه: ولو كانوا يؤمنون باللَّه وموسى كما يدّعون، ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون.
[(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ* وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ* وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ* فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) ٨٢ - ٨٦].
_________________
(١) ـ موضع يفعلون للمبالغة، كما سبق في ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾، كأنهم كانوا في ارتكابهم المناكير مع دواعيهم وآرائهم بمنزلة الأمر الراكب، وإلى المبالغة أشار بقوله: "بل يصبرون ويداومون". قوله: (وقيل: معناه: ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى): عطف على قوله: " ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ﴾ إيمانًا خالصًا"، والمراد بـ "النبي": محمد ﷺ، وبـ"ما أنزل": القرآن، وعلى هذا المراد بـ "النبي": موسى، وبـ "ما أنزل": التوراة.
[ ٥ / ٤٥٥ ]
وصف اللَّه شدّة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق ولين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين، بل نبه على تقدّم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) [البقرة: ٩٦]، ولعمري إنهم لكذلك وأشدّ. وعن النبىّ ﷺ «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله».
وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين (بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا) أي:
_________________
(١) ـ قوله: (وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾). وقلت: وفي وضع ﴿مَا﴾ الموصولة مع صلتها موضع "النصارى"؛ لأنه في مقابلة ذكر اليهود تتميم لذلك المعنى. فإن قلت: أي فرق بين هذا المعنى في هذا المقام وبينه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٤]؟ قلت: ولا ارتياب أن المعاني تتفاوت بحسب تفاوت المقامات، فإن مقام المدح يقتضي أن يفسر بما ينبئ عن المدح وبالعكس، ولما كان ذلك المقام مقام نقض الميثاق، كان المعنى على التعبير والتأنيب، وأني قال: من الذين ادعوا على أنفسهم هذا الوصف الفاضل: أخذنا ميثاقهم فنسوا، وقد ذكرنا أن نسبة النسيان إليهم ونقص الميثاق إلى اليهود مراعاة لهذا المعنى، وهو سهولة مأخذهم وشدة شكيمة اليهود، ولكن في قول المصنف في ذلك المقام: "إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله" تسامح لما كان ينبغي له أن يقول: إنما حكى الله تعالى قولهم ذلك تعبيرًا لهم وتذكيرًا لما نسبوا إلى أنفسهم ثم نسوه، قال صاحب "الانتصاف": إنما قال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ تعريضًا لشدة ضلالة اليهود في الكفر إذ قيل لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ الآية [المائدة: ٢١]، فقالوا: اذهب أنت
[ ٥ / ٤٥٦ ]
علماء وعبادًا (وَأَنَّهُمْ) قومٌ فيهم تواضع واستكانةٌ، ولا كبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك. وفيه دليل بين على أنّ التعلم أنفع شيءٍ وأهداه إلى الخير، وأدله على الفوز حتى علم القسيسين، وكذلك غم الآخرة والتحدّث بالعاقبة، وإن كان في راهبٍ، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني، ووصفهم اللَّه برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن، وذلك نحو ما يحكى عن النجاشيّ ﵁ أنه قال لجعفر بن أبي طالب - حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة
_________________
(١) ـ وربك، وقالت النصارى: نحن أنصار الله، وأما التي مرت ﴿وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ١٤] فللتنبيه على أنهم ما وفوا بما عاهدوا عليه، وها هنا لبيان أنهم أقرب حالًا من اليهود. قوله: (﴿وَأَنَّهُمْ﴾ قوم فيهم تواضع واستكانة ولا كبر فيهم) تفسير لقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وكان من الظاهر أن يُقال: بأن بعضهم قسيسين ورهبانًا وكلهم متواضعون، فعدل إلى ما عليه التلاوة من إعادة "أن" والإتيان بالمضارع لمزيد التحقيق والدلالة على الاستمرار، وأنهم قوم عادتهم التواضع، نحو: فلان يقري الضيف. قوله: (وكذلك غم الآخرة) عطف على "أن العلم"، "والبراءة من الكبر"عطف على "غم الآخرة"، وذلك وصف لـ ﴿قِسِّيسِينَ﴾، وذاك لـ "رهبانا"، وهذا لعامتهم، أي: فيه دليل بين على أن العلم وغم الآخرة والبراءة من الكبر أنفع شيء وأهداه إلى الخير وأدله علىلفوز. قوله: (ما يحكى عن النجاشي) ستجيء قصته مع جعفر بن أبي طالب ﵄ في سورة التوبة عند قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠].
[ ٥ / ٤٥٧ ]
والمشركون وهم يغرونه عليهم ويتطلبون عنتهم عنده -: هل في كتابكم ذكر مريم؟ قال جعفر: فيه سورة تنسب إليها، فقرأها إلى قوله: (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) [مريم: ٣٤] وقرأ سورة طه إلى قوله: (وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى) [طه: ٩] فبكى النجاشي، وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول اللَّه ﷺ وهم سبعون رجلًا حين قرأ عليهم رسول اللَّه ﷺ سورة يس، فبكوا.
فإن قلت: بم تعلقت اللام في قوله: (لِلَّذِينَ آمَنُوا)؟ قلت: بـ (عداوة) و(مودّة) على أنّ عداوة اليهود التي اختصت المؤمنين أشدّ العداوات وأظهرها، وأن مودّة النصارى التي اختصت المؤمنين أقرب المودّات، وأدناها وجودًا، وأسهلها حصولًا. ووصف اليهود بالعداوة والنصارى بالمودّة مما يؤذن بالتفاوت، ثم وصف العداوة والمودّة بالأشدّ والأقرب.
فإن قلت: ما معنى قوله: (تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ)؟ قلت: معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة
المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أي: تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك: دمعت عينه دمعًا.
_________________
(١) ـ قوله: (ثم وصف العداوة والمودة بالأشد والأقرب) يريد أن هذا الوصف تتميم لذلك المعنى، على أن "أقرب" محمول على قرب الحال لا التفضيل؛ لأن اليهود ليسوا من المودة في شيء. قوله: (أو قصدت المبالغة) هذا يوهم أن الوجه الأول ليس فيه مبالغة، وكيف به وإنه من المجاز المرسل؟ لكن مراده أن الثاني أبلغ؛ لأنه من الإسناد المجازي، من قولك: نهر جار وطريق سائر. الانتصاف: هذه العبارة أبلغ العبارات، فأولها: فاض دمع عينه، وهو الأصل،
[ ٥ / ٤٥٨ ]
فإن قلت: أي: فرق بين "مِن" و"مِن" في قوله (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ)؟ قلت: الأولى: لابتداء الغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وبسببه، والثانية: لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا. وتحتمل معنى التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق، فأبكاهم وبلغ منهم، فكيف إذا عرفوه كله وقرءوا القرآن وأحاطوا بالسنة؟
وقرئ (ترى أعينهم) على البناء للمفعول.
(رَبَّنا آمَنَّا) المراد به إنشاء الإيمان، والدخول فيه. (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ): مع أمّة محمدٍ ﷺ الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة. (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة: ١٤٣] وقالوا ذلك؛ لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك.
(وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ): إنكارٌ استبعادٌ لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام اللَّه عليهم بصحبة الصالحين: وقيل: لما رجعوا إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك، أو أرادوا: وما لنا لا نؤمن باللَّه وحده لأنهم كانوا مثلثين،
_________________
(١) ـ والثانية: المحولة: فاضت عينه دمعًا، حول الفاعل تمييزًا مبالغة، والثالثة: فاضت عينه من الدمع فلم ينبه على الأصل كما في الثانية، بل أبزر به تعليلًا، وهذا أبلغ؛ لأن التمييز قد اطرد وضعه في هذا الباب موضع الفاعل، نحو: تصبب زيد عرقًا، واشتعل الرأس شيبًا، وتفجرت الأرض عيونًا، والتعليل لم يعهد فيه ذلك، فيجوز: فاضت عينه من ذكر الله، كما تقول: فاضت من الدمع، وقد نبه المصنف بقوله: "من أجله وبسببه" على أن من الابتدائية سببيه. قوله: (وقيل: لما رجعوا). الضمير للوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ من عند النجاشي.
[ ٥ / ٤٥٩ ]
وذلك ليس بإيمانٍ باللَّه، ومحل (لا نُؤْمِنُ) النصب على الحال، بمعنى: غير مؤمنين، كقولك مالك قائمًا، والواو في (وَنَطْمَعُ) واو الحال. فإن قلت: ما العامل في الحال الأولى والثانية؟ قلت: العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل، كأنه قيل: أي: شيء حصل لنا غير مؤمنين، وفي الثانية معنى هذا الفعل، ولكن مقيدًا بالحال الأولى لأنك لو أزلتها وقلت: وما لنا ونطمع، لم يكن كلامًا، ويجوز أن يكون (وَنَطْمَعُ) حالًا من (لا نؤمن)، على أنهم أنكروا على نفوسهم أنهم لا يوحدون اللَّه، ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين، وأن يكون معطوفًا على (لا نؤمن) على معنى: وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين، أو على معنى:
_________________
(١) ـ قوله: (والواو في ﴿وَنَطْمَعُ﴾ واو الحال)، أي: ونحن نطمع؛ لأن المضارع المثبت لا يحتاج إليها. قوله: (مقيدًا بالحال الأولى) فيعود المعنى: أي شيء حصل لنا غير مؤمنين طامعين؟ أي: لِمَ لم نكن مؤمنين طامعين؟ وهو موافق للوجه الثاني في العطف كما سيأتي، وهو لـ "ما لنا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام". قوله: (ويجوز أن يكون ﴿وَنَطْمَعُ﴾ حالًا من ﴿لاَّ نُؤْمِنَ﴾)، فعلى هذا الوجه يكونان حالين متداخلتين كما كانتا على الأول مترادفتين، والمعنى: أي شيء حصل لنا غير مؤمنين في حال الطمع؟ وتحريره: ما لنا لا نوحد الله ونطمع مع ذلك مصاحبة الصالحين. قوله: (وما لنا نجمع بين التثليث) إلى آخره، أي: أي شيء لنا نجمع بين عدم الإيمان والطمع؟ أو: لم لا نجمع بين الإيمان والطمع؟ قال صاحب "التقريب": فعلى الأول ورد المع على النفي، وعلى الثاني ورد النفي على الجمع.
[ ٥ / ٤٦٠ ]
وما لنا لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام، لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في صحبة الصالحين.
قرأ الحسن: (فآتاهم اللَّه).
(بِما قالُوا): بما تكلموا به عن اعتقاد وإخلاص، من قولك: هذا قول فلان، أي: اعتقاده وما يذهب إليه.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)].
(طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ): ما طاب ولذ من الحلال، ومعنى (لا تُحَرِّمُوا): لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم، أو لا تقولوا: حرّمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدًا منكم وتقشفًا. وروي أنّ رسول اللَّه ﷺ وصف القيامة لأصحابه يومًا فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار،
_________________
(١) ـ قوله: (لأن الكافر لا ينبغي له أن يطمع) تعليل لقوله: "لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام"، ويمكن أن ينزل على الوجوه بأسرها. قوله: (وتقشفا)، النهاية: التقشف: يبس العيش، وقد قشف يقشف، ورجل متقشف أي: تارك للنظافة والترفه. قوله: (وروى أن رسول الله ﷺ وصف القيامة) إلى آخره، نحوه روينا عن البخاري ومسلم، عن أنس، قال: سمع رسول الله ﷺ أن نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ، قال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، قال: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن
[ ٥ / ٤٦١ ]
فرقوا واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون، واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين، وأن لا يناموا على الفُرُش، ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويرفضوا الدنيا ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض، ويجبوا مذاكيرهم،
_________________
(١) ـ رغب عن سنتي فليس مني"، وأما قوله: "إن لأنفسكم عليكم حقًا" فروى أحمد بن حنبل وأبو داود والدارمي، عن عائشة ﵂؛ قال رسول الله ﷺ لعثمان بن مظعون في حديث طويل: "إن لأهلك عليك حقًا، وإن لضيفك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، فصُم وأفطر، وصل ونم". قوله: (في بيت عثمان بن مظعون)، قال صاحب "الجامع": هو أبو السائب عثمان بن مظعون الجمحي القرشي، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وكان حرم الخمر في الجاهلية، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة، وقيل: بعد اثنين وعشرين شهرًا، وقبل النبي ﷺ وجهه بعد موته، ولما دفن قال: "نعم السلف هو لنا"، ودفن بالبقيع. قوله: (المسوح)، الجوهري: المسح: البلاس، والجمع أمساح ومسوح. والمذاكير: جمع الذكر على غير قياس، كأنهم فرقوا بين الذكر الذي هو العضو في الجمع وبين الذكر الذي هو خلاف الأنثى.
[ ٥ / ٤٦٢ ]
فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال لهم: "إني لم أؤمر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقًا، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" ونزلت.
وروي أنّ رسول اللَّه ﷺ كان يأكل الدجاج والفالوذ. وكان يعجبه الحلواء والعسل، وقال: «إن المؤمن حلو يحب الحلاوة»، وعن ابن مسعود أن رجلا قال له: إنى حرمت الفراش فتلا هذه الآية، وقال: نَمْ على فراشك وكفر عن يمينك. وعن الحسن: أنه دُعي إلى طعام ومعه فرقد السبخي وأصحابه، فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك، فاعتزل فرقد ناحيةً، فسأل الحسن: أهو صائمٌ؟ قالوا: لا، ولكنه يكره هذه الألوان، فأقبل الحسن عليه وقال: يا فريقد، أترى لعاب النحل بلباب البرّ، بخالص السمن يعيبه مسلمٌ؟ ! وعنه: أنه قيل له: فلانٌ لا يأكل الفالوذ ويقول: لا أؤدّي شكره، قال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم. قال: إنه جاهلٌ، إن نعمة اللَّه عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ. وعنه: إن اللَّه تعالى أدّب عباده فأحسن أدبهم. قال اللَّه تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) [الطلاق: ٧] ما عاب اللَّه قومًا وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا، ولا عذر قومًا زواها عنهم فعصوه.
(وَلا تَعْتَدُوا): ولا تتعدوا حدود ما أحل اللَّه لكم إلى ما حرّم عليكم،
_________________
(١) ـ قوله: (وكان يعجبه الحلواء والعسل)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل. قوله: (ولا تتعدوا). اعلم أن "لا تعتدوا" إما من المجاوزة، وإما من الظلم، قال الجوهري: التعدي: مجاوزة الشيء إلى غيره، يقال: عديته فتعدى، أي: تجاوز، وعدا عليه: من الظلم،
[ ٥ / ٤٦٣ ]
أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات، أو جعل تحريم الطيبات اعتداء وظلمًا، فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهى عن تحريمها دخولًا أوليًا لوروده على عقبه، أو أراد: ولا تعتدوا بذلك (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) أي: من الوجوه الطيبة التي تسمى رزقًا.
_________________
(١) ـ يعدو عداء واعتدى عليه بمعنى، فعلى الأول فيه وجهان، أحدهما: لا تجاوزوا حدود ما عين الله لكم، يعني: من أحل الله له تناول الطيبات ينبغي أن يكون في حيزه، فإذا تجاوز عنه وقع في حيز ما حرمه عليه، كذا فسر قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ في البقرة [الآية: ٢٢٩]، وقال: "من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق، فنهي أن يتعداه؛ لأن من تعداه وقع في حيز الباطل"، وثانيهما: لا تسرفوا؛ لأن الإسراف أيضًا تجاوز الحد، والمعنى ظاهر، وعلى أن يكون بمعنى الظلم فيه وجهان أيضًا: ألا يقدر للاعتداء متعلق ليكون مطلقًا فيتناول جميع ما يسمى اعتداء، ويدخل فيه هذا الاعتداء الخاص دخولًا أوليًا لوروده عقيبه، وثانيهما: أن يُقدر ما يُنبئ عنه السياق، وإليه الإشارة بقوله: "ولا تعتدوا بذلك" أي: بتحريم الطيبات. قوله: (التي تسمى رزقًا)، يعني الحلال، فإن الحرام لا يسمى رزقًا عنده، قال القاضي: ﴿حَلالًا﴾ إما مفعول "كلوا"؛ و﴿مما﴾: حال منه تقدمت عليه، أو: حال من الموصول، أو: صفة لمصدر محذوف، وعلى الوجوه: لو م يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة. الراغب: الرزق: يقال لما يجعل غذاء، ويقال للعطية جميعًا، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] أي: ما تتغذى به، وقال تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] أي: ما أعطيناهم، قال بعضهم: هذه الآية تقتضي أن الرزق يقع على الحرام
[ ٥ / ٤٦٤ ]
(حَلالًا): حالٌ مما رزقكم اللَّه
_________________
(١) ـ أيضًا؛ لأنه خص فقال: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾، فلولا أنه يتناولهما لما كان لتخصيصه فائدة، وقال مخالفه: ﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾، انتصابه على أنه حال مؤكدة، كأنه قيل: كلوا مما رزقكم الله وهو حلال طيب. قوله: (﴿حَلالًا﴾: حال مما رزقكم الله)، وقال في البقرة [الآية: ١٦٨]: " ﴿حَلالًا﴾: مفعول ﴿كَّلُوا﴾، أو حال ﴿مِمَّا فِي الأَرْضِ﴾ "، لعل اختصاص الحال بهذا المقام دون ذلك المقام؛ لأن الخطاب هنالك عام يدل عليه مجيء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] بعده، وهاهنا خاص بالمؤمنين الذين ضيقوا على أنفسهم وتحرجوا من الحلال، فاقتضى لذلك حالًا مؤكدة، ولهذا أكد بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وبقوله: ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. وقلت: الأولى ما قاله أبو البقاء: أن ﴿حَلالًا﴾: صفة مصدر محذوف، أي: أكلا حلالا، ليكون توسعة في الكل ورفعًا للتضييق، سيما إذا اعتبر معنى ﴿طَيِّبًا﴾ معه، وذلك أن ورود هذا الأمر عقيب النهي عن التحريم للطيبات والتشديد فيه بقوله: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يقتضي ما يقابله من التوسعة. وبيان النظم ما أشار إليه الراغب، قال: لما ذكر حال الذين قالوا: إنا نصارى، ذكر أن منهم قسيسين ورهبانا، فمدحهم بذلك، وكانت الرهبانية قد حرموا على أنفسهم طيبات ما أحل الله لهم، ورأى الله قومًا تشوفوا إلى حالهم وهموا أن يقتدوا بهم، نهاهم عن ذلك، وقوله
[ ٥ / ٤٦٥ ]
(وَاتَّقُوا اللَّهَ): تأكيدٌ للتوصية بما أمر به، وزاده تأكيدًا بقوله: (الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)، لأنّ الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر وعما نهى عنه.
[(لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ٨٩].
_________________
(١) ـ تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ يجوز أن يكون حكمًا لما دل عليه قوله: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ إلى تناول المحظورات، وأن يكون نهيًا عن الطرفين في التفريط والإفراط وحملًا على القصد، فإن قيل: لَِم لم يقل: والله يبغض المعتدين، ليكون أبلغ؟ قيل: بل المذكور أبلغ؛ لأن من المعتدين من لا يوصف بأن الله يبغضه ويوصف بأن الله لا يحبه، وهو من لم يكن اعتداؤه كبيرًا. قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: تأكيد للتوصية بما أمر به)؛ لأن الأمر بالتقوى أمر بالامتثال بجميع ما يجب أن يأتمر به المكلف ونهي عن جميع ما يجب أن يحترز منه، فمنه الأمر بأكل الحلال، أو ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ذلك ما سبق في ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾، ولأنه مثله في الإطلاق والتقييد، وكذا في ترتب هذا الحكم على قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ مزيد توكيد لذلك الأمر، يعني: اختصاص الله بإيمانكم يوجب الامتثال بما أمر به والانتهاء عما نهى عنهن ومن جملتها هذا المأمور، وإنما قدرنا الانتهاء ثانيًا ولم يقدر المصنف، بل عدى الانتهاء الواحد تارة بـ"إلى"، وأخرى بـ"عن" صورة، ومراده بالثاني غير الأول؛ لأن الأول بمعنى الإفضاء، والثاني مطاوع نهاه فانتهى، فلابد من إضمار؛ لأنه ليس من قبيل: شهد لزيد على عمرو، ورغب عنه إليه، بل من باب قوله:
[ ٥ / ٤٦٦ ]
اللغو في اليمين: الساقط الذي لا يتعلق به حكم: واختلف فيه، فعن عائشة ﵂ أنها سئلت عنه فقالت: هو قول الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه، وهو مذهب الشافعي.
وعن مجاهد: هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك، وليس كما ظن، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀.
و(بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ): بتعقيدكم الأيمان، وهو توثيقها بالقصد والنية.
وروي أن الحسن ﵁ سئل عن لغو اليمين، وكان عنده الفرزدق فقال: يا أبا سعيد، دعني أجب عنك فقال:
وَلَسْتُ بِمَاخُوذٍ بِلَغوٍ تَقُولُهُ … إذَا لَمْ تَعَمَّدْ عَاقِدَاتِ الْعَزَائِمِ
وقرئ: (عقدتم) بالتخفيف، و(عاقدتم)، والمعنى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم، فحذف وقت المؤاخذة؛ لأنه كان معلومًا عندهم، أو بنكث ما عقدتم، فحذف المضاف. (فَكَفَّارَتُهُ): فكفارة نكثه،
_________________
(١) ـ متقلدًا سيفًا ورمحا قوله: ("عقدتم"، بالتخفيف): حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم: بالتخفيف، وابن عامر: "عاقدتم"، وهو من فاعل بمعنى فَعَل. قوله: (فكفارة نكثه) يجوز أن يكون الضمير منه عائدًا إلى العقد المدلول عليه بالفعل المتقدم، ويجوز أن يعود إلى الأيمان، قال صاحب "الكشف": ولم يقل: فكفارتها؛ لأن أفعالًا
[ ٥ / ٤٦٧ ]
والكفارة: الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة؛ أي: تسترها.
(مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ): من أقصده، لأنّ منهم من يسرف في إطعام أهله، ومنهم من يقتر. وهو عند أبي حنيفة ﵀ نصف صاعٍ من برّ، أو صاعٌ من غيره لكل مسكينٍ، أو يغديهم ويعشيهم.
_________________
(١) ـ إن كان جمعًا فهو في حم المفرد، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]، وقال المصنف في سورة النحل: ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم: ثوب أكياس، ولذلك رجع الضمير إليه مفردًا، وأما في ﴿فِي بُطُونِهَا﴾ في سورة المؤمنين فلأن معناه الجمع. قوله: (﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾: من أقصده؛ لأن منهم من يُسرف …، ومنهم من يُقتر)، الأساس: من المجاز: قصد في معيشته واقتصد، وقصد في المر: إذا لم يجاوز فيه الحد ورضي بالتوسط، وهو يحتمل أن يكون بيانًا للنوع كما روى محيي السنة، عن عبيدة السلماني: الأوسط: الخبز والخل، والأعلى: الخبز واللحم، والأدنى: الخبز البحت، والكل مجز، أو للمقدار، كما قال القاضي: من أقصده في النوع أو القدر معًا، والذي ذكره المصنف: "وهو عند أبي حنيفة نصف صاع من بر، أو صاع من غيره" جامع لهما؛ لأن المراد من قوله: "من بُر أو غيره" بيان النوع، ومن قوله: "نصف صاع أو صاع" بيان المقدار، وهو القصد أيضًا.
[ ٥ / ٤٦٨ ]
وعند الشافعي ﵀: مدّ لكل مسكينٍ. وقرأ جعفر بن محمدٍ: (أهاليكم) بسكون الياء. والأهالي: اسم جمعٍ لأهل: كالليالي في جمع ليلةٍ، والأراضي في جمع أرضٍ. وقولهم: (أهلون) كقولهم: (أرضون) بسكون الراء. وأما تسكين الياء في حال النصب فللتخفيف كما قالوا: رأيت معدي كرب تشبيهًا للياء بالألف.
(أَوْ كِسْوَتُهُمْ): عطفٌ على محل (مِنْ أَوْسَطِ). وقرئ: بضم الكاف، ونحوه: قدوةٌ في: قدوةٍ،
_________________
(١) ـ قوله (﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾: عطف على محل ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾)، ونقل في الحواشي عن المصنف: وجهه أن يكون ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾: بدلًا من "الإطعام"، والبدل هو المقصود، ولذلك كان المبدل منه في حكم المنحى، فكأنه قيل: فكفارته من أوسط ما تطعمون. وقال القاضي: محله النصب؛ لأنه صفة مفعول محذوف، أي: إن تطعموا عشرة مساكين طعامًا من أوسط ما تطعمون، أو الرفع على البدل من ﴿إِطْعَامُ﴾، ﴿َوْ كِسْوَتُهُمْ﴾: عطف على ﴿إِطْعَامُ﴾ أو على ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ إن جعل بدلًا. وقال صاحب "التقريب": قول صاحب "الكشاف": إنما يصح إذا كان محله مرفوعًا إما بدلًا من ﴿إِطْعَامُ﴾ على حذف موصوف، أي: إطعام من أوسط، أو خبر مبتدأ محذوف، أو خبرًا بعد خبر، والأظهر أن ﴿كِسْوَتُهُمْ﴾: عطف على ﴿إِطْعَامُ﴾؛ لأن المشهور التخيير بين الخصال الثلاث وعدوا الكسوة منها، و﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾: إما منصوب على صفة المصدر المقدر، أي: إطعامًا من أوسط، أو على المفعول بإضمار: أعني، أو على المفعول الثاني لـ ﴿إِطْعَامُ﴾، أي: أن تُطعمهم من الأوسط، أو مرفوع كما سبق، ولعله إنما عدل عن الأظهر لأن الكسوة اسم ظاهر لا مصدر.
[ ٥ / ٤٦٩ ]
وأسوة في: إسوة، والكسوة: ثوبٌ يغطى العورة. وعن ابن عباس ﵄: كانت العباءة تجزئ يومئذٍ. وعن ابن عمر ﵄: إزارٌ، أو قميصٌ، أو رداءٌ، أو كساءٌ. وعن مجاهدٍ: ثوبٌ جامعٌ. وعن الحسن: ثوبان أبيضان.
_________________
(١) ـ قال الراغب: والكساء والكسوة: اللباس، فلا يليق عطفه على المصدر، أو لأدائه إلى ترك ذكر كيفية الكسوة، وهو كونها أوسط، ويمكن أن يجاب عن الأول بأن الكسوة إما مصدر، قال الزجاج في "تفسيره": والكسوة: أن يكسوهم نحو إزاره، أو يضمر مصدرًا نحو: وإلباس الكسوة، وعلى الثاني بأن يقدر: أو كسوتهم من أوسط ما تكسون، فحذف لقرينة ذكرها في المعطوف عليه، أو بأن تُترك على إطلاقها إما بإرادة إطلاقها أو بإحالة بيانها إلى غيره، أي: غرما ذكر، وأيضًا، العطف على محل ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ لا يفيد هذا المقصود، وهو تقدير الأوسط في الكسوة، فالإلزام مشترك ويؤدي إلى صحة إقامته مقام المعطوف عليه، وهو غير سديد، تم كلام صاحب "التقريب". ويُمكن أن يقال: إنما يصار إلى البلد إذا اعتبر معنى المبدل، على نحو: زيد رأيت غلامه رجلًا صالحًا، لا أن يُنحى معناه كما في الحواشي، ولأن أهل المعاني يعتبرون معنى المبدل وجوبًا، والنحوي يقول: إن البدل ليس في حكم المنحى من جميع الوجوه، وكذا يوجبون ضمير المبدل في بدل البعض والاشتمال، فالتقدير: فكفارته إطعام من أوسط ما تطعمون أهليكم لعشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين من أوسط ما تكسون أهليكم، هذا وإن المصير إلى البدل يورث الكلام إبهامًا وتبينًا وتوكيدًا وتقريرًا بخلافه إذا خلا عنه. قوله: (وأسوة في: إسوة)، النهاية: الأسوة، بكسر الهمزة وضمها: القدوة، والمواساة: المشاركة والمساهمة في المعاش.
[ ٥ / ٤٧٠ ]
وقرأ سعيد بن المسيب واليماني: (أو كأسوتهم) بمعنى: أو مثل ما تطعمون أهليكم إسرافًا كان أو تقتيرًا لا تنقصونهم عن مقدار نفقتهم، ولكن تواسون بينهم وبينهم.
فإن قلت: ما محل الكاف؟ قلت: الرفع، تقديره: أو طعامهم كأسوتهم، بمعنى: كمثل طعامهم إن لم يطعموهم الأوسط.
(أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ): شرط الشافعي ﵀ الإيمان قياسًا على كفارة القتل، وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد جوّزوا تحرير الرقبة الكافرة في كل كفارة سوى كفارة القتل.
فإن قلت: ما معنى (أو)؟ قلت: التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث على الإطلاق، بأيتها أخذ المكفر فقد أصاب.
(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) إحداها (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) متتابعاتٍ عند أبي حنيفة ﵀، تمسكًا بقراءة أُبيّ وابن مسعود ﵄ "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، وعن مجاهد: كل صوم متتابع إلا قضاء رمضان ويخير في كفارة اليمين. (ذلِكَ) المذكور (كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ) ولو قيل: تلك كفارة أيمانكم، لكان صحيحًا بمعنى تلك الأشياء، أو لتأنيث الكفارة. والمعنى: (إِذا حَلَفْتُمْ) وحنثتم. فترك ذكر الحنث لوقوع العلم بأنّ الكفارة إنما تجب بالحنث في الحلف، لا بنفس الحلف، والتكفير قبل الحنث لا يجوز عند أبى حنيفة وأصحابه ويجوز عند الشافعي بالمال إذا لم يعص الحانث.
_________________
(١) ـ قوله: (والتكفير قبل الحنث لا يجوز عند أبي حنيفة …، ويجوز عند الشافعي بالمال إذا لم يعص الحانث)، أي: بالحنث، كما إذا حلف أن يترك الصلاة، قال الإمام: الآية دلت على أن كل واحد من هذه الأشياء كفارة لليمين عند وجود الحلف، فإذا أداها قبل الحنث أو بعده
[ ٥ / ٤٧١ ]
(وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ): فبروا فيها ولا تحنثوا أراد الأيمان التي الحنث فيها معصيةٌ، لأن الأيمان اسم جنسٍ يجوز إطلاقه على بعض الجنس وعلى كله. وقيل: احفظوها بأن تكفروها. وقيل: احفظوها كيف حلفتم بها، ولا تنسوها تهاونا بها.
_________________
(١) ـ وجب أن يخرج عن العهدة. نعم، فيها أن تقديم الكفارة على اليمين غير جائز، ويؤيد هذا ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، عن أبي موسى: أن النبي ﷺ قال: "إني والله - إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير". قوله: (لأن الأيمان اسم جنس) تعليل لقوله: "أراد الأيمان التي الحنث فيها معصية"، يعني: لما قيد المطلق بقوله: ﴿وَاحْفَظُوا﴾ علم خصوصية الأيمان، وأن المراد بها ما الحنث فيها معصية، وذلك ما يلزم من الحنث فيها تحليل حرام الله أو تحريم حلاله. واعلم أن حفظ الأيمان هو مراعاة حقها وتعظيم شأنها، فيتفرع عليها جميع ما ذكر، قال القاضي: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾: بأن تضنوا بها ولا تبذلوها لكل أمر، وقالوا: معنى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾: أمر بترك اليمين بالكلية، وقال الشاعر: قليل الألايا حافظ ليمينه … وإن بدرت منه الألية برت الراغب: وجملة الأمر: أن الإنسان مندوب إلى أن لا يحلف، ومتى حلف على ألا يفعل فعلًا يجب أو يستحب أن يفعل فحقه ألا يحنث، ومتى حلف على ما يجب ألا يفعل أو يستحب
[ ٥ / ٤٧٢ ]
(كَذلِكَ): مثل ذلك البيان (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ): أعلام شريعته وأحكامه (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)].
أكد تحريم الخمر والميسر وجوها من التأكيد منها تصدير الجملة بـ (إنما)، ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام، ومنه: قوله ﵊:
_________________
(١) ـ فحقه أن يحنث في يمينه ويكفر، ومتى حلف على ما يستوي فعله وتركه فإن شاء حنث وكفر، وإن شاء حفظ اليمين. قوله: (ويسهل عليكم المخرج منه) قيل: الضمير المجرور عائد إلى ما هو عبارة عن الحنث، وقوله: "فما يعلمكم" تقييد لمفعول ﴿تَشْكُرُونَ﴾ به، والظاهر أنه مطلق النعمة، وتقييده إنما يُعلم من مفهوم قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾؛ لأن هذه الخاتمة كالتذييل للكلام السابق، أي: تشكرون نعمة بياناته الشافية في أمور دينكم. قوله: (أكد تحريم الخمر والميسر وجوهًا) نصب على المصدر، نحو: ضربت أنواعًا. قوله: (ومنه قوله ﷺ) أي: من باب قران الخمر بعبادة الأصنام، وليس بوجه آخر.
[ ٥ / ٤٧٣ ]
«شارب الخمر كعابد الوثن»، ومنها: أنه جعلهما رجسًا، كما قال تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ) [الحج: ٣٠]، ومنها: أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت، ومنها: أنه أمر بالاجتناب، ومنها: أنه جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحًا كان الارتكاب خيبةً ومحقةً، ومنها: أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر والقمر، وما يؤدّيان إليه من الصدّ عن ذكر اللَّه، وعن مراعاة أوقات الصلاة.
وقوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون؟ أم أنتم على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا ولم تزجروا.
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: (فَاجْتَنِبُوهُ)؟ قلت:
_________________
(١) ـ قوله: (أنه جعلهما رجسًا)، الراغب: النجس والرجس متقاربان، لكن النجس يقال فيما يستقذر بالطبع، والرجز والرجس أكثر ما يقال فيما يستقذر بالعقل، ولهذا فسر بالإثم والسخط. قوله: (من الصد عن ذكر الله)، الراغب: إن قيل: الذي يصد عن ذكر الله هوا لشرب الكثير دون القليل، كما قال تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فيجب أن يكون هو المحرم، قيل: بل ذلك منهما، فإن القليل داعٍ إلى الكثير، وشُرب الكثير داع إلى ذلك.
[ ٥ / ٤٧٤ ]
إلى المضاف المحذوف، كأنه قيل: إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك. ولذلك قال: (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ).
فإن قلت: لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولا ثم أفردهما آخرًا؟ قلت: لأن الخطاب مع المؤمنين. وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذكر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر، وإظهار أنّ ذلك جميعًا من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، فوجب اجتنابه بأسره، وكأنه لا مباينة بين من عبد صنما وأشرك باللَّه في علم الغيب، وبين من شرب خمرًا أو قامر،
_________________
(١) ـ قوله: (ولذلك قال: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾) أي: ولأن المقدر: الشأن أو التعاطي أو ما يشبهه قال: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ليصح الحمل، قال أبو البقاء: إنما أفرد لأن التقدير: إنما فعل هذه الأشياء رجس. قال القاضي: إفراده لأنه خبر الخمر، وخبر المعطوفات محذوف، أو كأنه قال: نما تعاطي الخمر على الأول يلزم المبالغة، لأنه تعالى أمر بالاجتناب عن أعيانها، وإنما قال: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ لأنه مسبب عن تسويله وتزيينه. قوله: (وأشرك بالله في علم الغيب)، وفي الحاشية: أنه متعلق بقوله: "لا مباينة"، أي: لا فرق بين الشرك وشرب الخمر في علم الله تعالى، التحقيق أنه متعلق بقوله: "أشرك بالله"، والمراد به الأزلام، وذكر في أول السورة: "أن الاستقسام هو: طلب ما قسم للشخص مما لم يقسم له بالأزلام"، وهو الإشراك بالله في علم الغيب، وقال أيضًا: "إن الاستقسام بالأزلام دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوب".
[ ٥ / ٤٧٥ ]
ثم أفردهما بالذكر ليرى أن المقصود بالذكر الخمر والميسر. وقوله: (وَعَنِ الصَّلاةِ) اختصاص للصلاة من بين الذكر كأنه قيل: وعن الصلاة خصوصًا.
[(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ)].
(وَاحْذَرُوا): وكونوا حذرين خاشين، لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر
_________________
(١) ـ قوله: (ثم أفردهما بالذكر): عطف على "ذكر الأنصاب والأزلام" يعني: أن الكلام إنما سيق لبيان تحريم الخمر والميسر، لا بيان النصاب والأزلام؛ لأن حرمتهما ضروري عند المسلمين، وإنما قرنهما معهما لتأكيد تحريمهما بناء على أن المعطوف عليه يكتسب من معنى المعطوف، وإليه الإشارة بقوله: "وكأنه لا مباينة بين من عبد صنمًا وأشرك بالله، وبين من شرب الخمر أو قامر"، والذي يدل على أن ذكر الخمر والميسر هو الأصل، وذكر النصاب والأزلام تابع: إفراد ذكرهما بعد ذلك، وهو قوله ﴿أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾. قوله: (اختصاص للصلاة) هذا من باب قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] من حيث الاختصاص بالذكر ومن حيث التكرير؛ لأن تكرير ﴿عن﴾ في قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ﴾ كتكرير ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾، وقال القاضي: خص الصلاة للإشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن الإيمان من حيث إنها عماده، والفارق بينه وبين الكفر، وهو المراد من قوله: "وعن الصلاة خصوصًا". قوله: (﴿وَاحْذَرُوا﴾: وكونوا حذرين)، اعلم أن ﴿وَاحْذَرُوا﴾ مطلق، فاعتبر فيه الوجوه الثلاثة من كون معموله غير منوي تارة، وعامًا تارة، وخاصًا أخرى، فليتأمل.
[ ٥ / ٤٧٦ ]
إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة. ويجوز أن يراد: واحذروا ما عليكم في الخمر والميسر، أو في ترك طاعة اللَّه والرسول. (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا) أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول؛ لأنّ الرسول ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتم.
[(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)].
رفع الجناح عن المؤمنين في أي: شيء طعموه من مستلذات المطاعم ومشتهياتها إِذا (مَا اتَّقَوْا) ما حرم عليهم منها (وَآمَنُوا): وثبتوا على الإيمان والعمل الصالح وازدادوه (ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا) ثم ثبتوا على التقوى والإيمان (ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا) ثم ثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا أعمالهم، أو أحسنوا إلى الناس: واسوهم بما رزقهم اللَّه من الطيبات. وقيل: لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة: يا رسول اللَّه،
_________________
(١) ـ قوله: (﴿وَآمِنُوا﴾ وثبتوا)، وتكرير الثبات على الإيمان والتقوى مؤذن بأن التكرير في الآية ليس لتعليق ما علق بها مرة بعد أخرى على ما قررناه، بل لمجرد التأكيد، وقال القاضي: ويحتمل أن يكون هذا التكرير باعتبار الحالات الثلاث: استعمال الإنسان التقوى والإيمان بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وبينه وبين الله تعالى، ولذلك بدل الإيمان بالإحسان في الكرة الثالثة إشارة إلى ما قال ﷺ في تفسيره، أو باعتبار المراتب الثلاث: المبدأ والمنتهى والوسط، أو باعتبار ما يُتقى، فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقيًا من العقاب، والشبهات تحرزًا عن الوقوع في الحرام، وبعض المباحات تحفظًا للنفس عن الخسة وتهذيبًا لها عن دنس الطبيعة. قوله: (وقيل: لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة): عطف على قوله: "رفع الجُناح عن
[ ٥ / ٤٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ المؤمنين"، وعلى الوجه الثاني الآية عامة وردت في أمر خاص، فيدخل فيه من نزلت بسببه دخولا أوليًا، وعلى الأول مطلق، فيدخلون فيه كسائر الناس، وعلى التقديرين الآية مقررة لمعنى التوسعة في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨]؛ لأن معناه: اجمعوا بين أكل الطيبات والاحتراز عن المحظورات، ومعنى هذه الآية على ما فسره المصنف "رفع الجناح عن المؤمنين في أي شيء طعموه من مستلذات المطاعم ومستهياتها إذا ما اتقوا ما حُرم عليهم"، فالمعنيات متقاربان، وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] إرشادٌ إلى طريق إزالة الحنث بما عقدوه من الأيمان على ألا يزالوا صائمين قائمين، كما أوردناه في الحديث الوارد في بيان النزول لتلك الآية، أو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، بيان للنهي عن بعض ما يجب أن ينتهي عنه، وهو الأصل في البواقي لتسميتهم الخمر بأم الخبائث، وهداية إلى بعض ما يجب أن يمتثل به، وهو أم العبادات والعمود والفارق، لقوله ﷺ: "وعمود الصلاة"، ثم كان قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية، بمنزلة قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ في البقرة [الآية: ١٧٣]، لمجيئهما عقيب تحريم الطيبات ردًا لزعمهم أن المستلذات من الأطعمة منخرطة في سلك المذكورات، فقصر التحريم عليها دونها، وقد سبق تمام تقريره هناك، وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، تفصيل لما مر، إذ المعنى: ليس المطلوب من المؤمنين الزهادة عن المستلذات وتحريم الطيبات، وإنما المطلوب منهم الترقي في مدارج التقوى والإيمان إلى مرات الإخلاص واليقين ومعارج القدس والكمال،
[ ٥ / ٤٧٨ ]
فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر فنزلت.
يعني: أن المؤمنين لا جناح عليهم في أي: شيء طعموه من المباحات إذا ما اتقوا المحارم، (ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا)، على معنى: أنّ أولئك كانوا على هذه الصفة.
_________________
(١) ـ وذلك بأن يثبتوا على الاتقاء عن الشرك وعلى الإيمان بما يجب الإيمان به وعلى الأعمال الصالحات، لتحصل الاستقامة التامة فيتمكن بالاستقامة من الترقي إلى مرتبة المشاهدة ومعارج "أن تعبد الله كأنك تراه"، وهو المعني بقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾، وبها تُمنح الزلفى عند الله ومحبته. ﴿اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وفي هذا النظم مسحة من معنى قوله ﷺ: "ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك"، رواه الترمذي وابن ماجه. قوله: (فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون؟)، روينا عن الترمذي، عن البراء، قال: مات رجال من أصحاب النبي ﷺ قبل أن تُحرم الخمر، فلما حرمت، قال رجال: كيف بأصحابنا وقد ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فنزلت. قوله: (على معنى: أن أولئك كانوا على هذه الصفة)، يعني: قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عام، وقد ورد في هذا الوجه جوابًا عن سؤالهم، وكان من الظاهر أن يُقال: ليس عليهم جناح في أي شيء طعموه من المباحات إذا ما اتقوا المحارم، فعدل إلى ذكر الكلمة وبيان أوصافهم ليدل على رفع الجناح عنهم بالطريق البرهاني، وفيه أن من يكون له أمثال هذه الأوصاف الفاضلة لا جُناح عليه من المباحات، وإليه ينظر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] فقد جمع في المثال، وهو: "ليس على أحد جناح في المباح إذا اتقى المحارم وكان مؤمنًا محسنًا"، العموم والوصف.
[ ٥ / ٤٧٩ ]
ثناءً عليهم وحمدًا لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان. ومثاله أن يقال لك: هل على زيد فيما فعل جناح؟ فتقول - وقد علمت أن ذلك أمرٌ مباحٌ -: ليس على أحدٍ جناحٌ في المباح إذا اتقى المحارم، وكان مؤمنًا محسنًا، تريد: أن زيدًا تقيّ مؤمن محسنٌ، وأنه غير مؤاخذٍ بما فعل.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ)].
نزلت عام الحديبية، ابتلاهم اللَّه بالصيد وهم محرمون، وكثر عندهم حتى كان يغشاهم في رحالهم، فيستمكنون من صيده أخذًا بأيديهم وطعنًا برماحهم. (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ): ليتميز من يخاف عقاب اللَّه- وهو غائبٌ منتظرٌ في الآخرة فيتقى الصيد- ممن لا يخافه فيقدم عليه. (فَمَنِ اعْتَدى): فصاد (بَعْدَ ذلِكَ) الابتلاء، فالوعيد لاحق به.
فإن قلت: ما معنى التقليل والتصغير في قوله: (بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ)؟ قلت: قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنةٍ من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام الثابتين، كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، وإنما هو شبيهٌ بما ابتلي به أهل أيلة من صيد السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده، فكيف شأنهم عند ما هو أشدّ منه وقرأ إبراهيم:
(يناله) بالياء.
_________________
(١) ـ قوله: (قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام)، الانتصاف: وردت مثل هذه الصيغة في الفتن العظيمة في قوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، بل هو إشارة إلى ما يقع به الابتلاء من هذه الأمور، فهو بعض من كل بالإضافة إلى مقدور الله تعالى، فإنه تعالى قادر على أن يبتليهم بأعظم وأهول منه ليبعثهم بذلك على الصبر، ويدل على ذلك أنه سبق الوعد به قبل حلوله لتوطين النفوس عليه، فإن المفاجأة بالشدائد شديدة الألم، وإذا فكر العاقل وجد ما صرف عنه من البلايا أثر مما وقع فيه بأضعاف لا تقف عنده غايته، فسبحان اللطيف بعباده.
[ ٥ / ٤٨٠ ]
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ)].
(حُرُمٌ): محرمون؛ جمع حرام، كردح في جمع رداحٍ. والتعمد: أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه، أو عالم أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناس لإحرامه أو رمى صيدًا وهو يظن أنه ليس بصيد فإذا هو صيد، أو قصد برميه غير صيدٍ فعدل السهم عن رميته فأصاب صيدا فهو مخطئٌ.
_________________
(١) ـ قوله: (في جمع رداح)، الجوهري: الرداح: المرأة الثقيلة الأوراد، والجفنة العظيمة، وكتيبة راح: ثقيلة السير لكثرتها. قوله: (أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه أو عالم أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله)، قيل: في هذا التعريف إشكال؛ لأن الترديد يوهم أنه تعريفان مستقلان، وليس به؛ لأن قوله: "أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه" ليس بمانع؛ لأنه إذا رمى غير صيد وأصاب صيدًا وهو ذاكر لإحرامه، ينبغي أن يكون عمدًا، وليس به، فإن قيل: قوله: "أن يقتله وهو ذاكر" يُراد به القصد، فلا يرد مثل هذه الصورة، يقال: مع التسليم يدخل فيه ما إذا لم يعلم أن ما قتله، ولأن الفاء في قوله: "فإن قتله وهو ناس" لتفصيل ما أُجمل في التعريف، والذي يقال في العُذر: إن "أو" هاهنا بمنزلة واو الجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٥ - ٦] وقوله تعالى: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]، قال القاضي: واختلف في هذا النهي: هل يلغى حكم الذبح فيلحق مذبوح المحرم بالميتة ومذبوح الوثني أو لا فيكون كالشاة المغصوبة إذا ذبحها الغاصب؟، وفي "الحاوي": ومذبوحه ميتة.
[ ٥ / ٤٨١ ]
فإن قلت: فمحظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ، فما بال التعمد مشروطًا في الآية؟ قلت: لأن مورد الآية فيمن تعمد فقد روى أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش، فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله، فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت ولأن الأصل فعل التعمد، والخطأ لاحق به للتغليظ. ويدل عليه قوله تعالى: (لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ) (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ).
وعن الزهري: نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ. وعن سعيد بن جبيرٍ: لا أرى في الخطأ شيئًا أخذًا باشتراط العمد في الآية. وعن الحسن روايتان.
_________________
(١) ـ قوله: (أنه عن لهم في عمرة الحديبية حمار وحش، فحمل عليه أبو اليسر)، والصحيح أبو قتادة على ما رويناه عن البخاري ومسلم ومالك والترمذي والنسائي، عن أبي قتادة، قال: كنت في منزل في طريق مكة والقوم محرمون وأنا غير محرم، عام الحديبية، فأبصروا حمار وحش وأنا مشغول، فلم يؤذنوني، فأبصرته فقمت وركبت الفرس ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني إياهما، قالوا: لا والله! فنزلت فأخذتهما، فشددت على الحمار فعقرته فوقعوا فيه يأكلونه، فأدركنا رسول الله ﷺ، فقال: "هل معكم منه شيء منه؟ " فناولته العضد فأكلها وهو محرم … الحديث مختصر، وما وجدت حديث أبي اليسر في الأصول. قوله: (ويدل عليه) أي: على أن الخطأ مُلحق بالعمد، أن الخطأ لا يترتب عليه الوبال والانتقام ضرورة، فحين رتب عليه الوبال عُلم أنه ملحق بالعمد تغليظًا للحكم وتشديدًا له. قوله: (وعن سعيد بن جبير) جواب آخر عن السؤال، يعني: إنما قيد بقوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾
[ ٥ / ٤٨٢ ]
(فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ): برفع (جزاء) و(مثل) جميعًا، بمعنى: فعليه جزاءٌ يماثل ما قتل من الصيد. وهو عند أبي حنيفة قيمة المصيد يقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد، وبين أن يشتري بقيمته طعامًا، فيعطى كل مسكين نصف صاع من برّ أو صاعًا من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكينٍ يومًا، فإن فضل ما لا يبلُغ طعام مسكين صام عنه يومًا أو تصدّق به. وعند محمدٍ والشافعي رحمهما اللَّه: مثله: نظيره من النعم، فإن لم يوجد له نظير من النعم عدل إلى قول أبي حنيفة ﵀.
فإن قلت: فما يصنع من يفسر المثل بالقيمة بقوله: (مِنَ النَّعَمِ) وهو تفسيرٌ للمثل، وبقوله: (هديًا بالغ الكعبة)؟
_________________
(١) ـ ليؤذن أن المخطيء ليس عليه شيء، وهو مذهب داود، والأول: مذهب الجمهور، ودليلهم: قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، ولا تسقط الحرمة بالخطأ والجهل، كما في حلق الرأس وضمان المال. قوله: (يُماثل ما قتل من الصيد)، الراغب: المثل يقع على الند الذي هو المماثلة في الجنس، وعلى الشبيه الذي يماثله في الكيفية، وعلى المساواة التي هي المماثلة في الكمية، وعلى المشاكلة التي هي الماثلة في الهيئة، فلما كانت المماثلة لا تختص، صار اللفظ مشتركًا، فاختلف فيه، واعتبر ابن عباس المماثلة في الخلقة، وإليه ذهب سعيد بن جبير وقتادة ومالك والشافعي ﵃، واعتبر عطاء ومجاهد المماثلة في القيمة، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ﵃، واللفظ بالأول أليق لقوله: ﴿مِنْ النَّعَمِ﴾.
[ ٥ / ٤٨٣ ]
قلت: قد خير من أوجب القيمة بين أن يشتري بها هديًا، أو طعامًا، أو يصوم، كما خير اللَّه تعالى في الآية، فكان قوله: (مِنَ النَّعَمِ) بيانًا للهدي المشترى بالقيمة في أحد وجوه التخيير؛ لأن من قوم الصيد واشترى بالقيمة هديًا وأهداه، فقد جزى بمثل ما قتل من النعم. على أن التخيير الذي في الآية بين أن يجزى بالهدى أو يكفر بالإطعام أو بالصوم، إنما يستقيم استقامة ظاهرة بغير تعسف
_________________
(١) ـ قوله: (قد خير من أوجب القيمة)، يعني: من فسر قوله: ﴿جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ بمعنى: جزاء يماثل ما قُتل من الصيد بالقيمة، لم يقتصر عليه، بل خير بأن يشتري بالقيمة هديًا أو طعامًا أو يصوم كما سبق، فالجزاء حينئذ أحد هذه الأشياء على التخيير، فكان قوله: ﴿مِنْ النَّعَمِ﴾ بيانًا للهدي الذي هو أحد هذه الأشياء المرادة من قوله: ﴿جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ والحاصل أن قوله: ﴿جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ لما كان محتملًا لكل من الثلاثة على البدل، ولم يُعلم بعينه، فجيء بقوله: ﴿مِنْ النَّعَمِ﴾ بيانًا لكون المراد به الهدي المشترى، وإنما كان من النعم بيانًا لمثل ما قُتل، وهو كما قيلن وهو على ما ذهب إليه القيمة لا الحيوان، لأن من قوم الصيد واشترى بالقيمة هديًا فأهداه فقد جزى بمثل ما قتل من النعم، وهذا البيان مثل البيان الذي ذكره في قوله تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ﴾ [يونس: ٩]، قال: "قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ﴾ بيان لقوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ يعني: أن من هداه الله، أي: أقامه على الإيمان وسدده، سبب له الوصول إلى الثواب"، فكان قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ﴾ بيانًا لمسبب قوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾، وهو: الوصول إلى الثواب، فكذا هاهنا ﴿مِنْ النَّعَمِ﴾: بيان لمسبب قوله: ﴿جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾، وهو الهدى المشترى إذا فسر الجزاء بالقيمة. قوله: (على أن التخيير) أي: الجواب مع ما ذكرت: مع أن التخيير في الآية يطابق هذا التقدير وينبو عن تقدير الخصم هذه الخاتمة، كالتتميم للجواب.
[ ٥ / ٤٨٤ ]
إذا قوّم ونظر بعد التقويم: أي: الثلاثة يختار؟ فأما إذا عمد إلى النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير، فإذا كان شيئًا لا نظير له قوّم حينئذٍ ثم يخير بين الإطعام والصوم، ففيه نبوّ عما في الآية! ألا ترى إلى قوله تعالى: (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا) كيف خير بين الأشياء الثلاثة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقويم؟
_________________
(١) ـ قلت: لا خفاء في تعسف هذا التقرير وارتكاب خلاف الظاهر مع عدم الفائدة، وأما قوله: "إذا عمد إلى النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير" إلى آخره، فلا يُعرف هذا من مذهب الشافعي، والمنقول عن الأصحاب بخلافه، قال الإمام الرافعي ﵀: الصيد ينقسم إلى مثلي، ويعني به: ما له مثل من النعم، وإلى ما ليس بمثلي، أما الأول فجزاؤه على التخيير والتعديل، فيخير بين أن يذبح مثله فيتصدق به على مساكين الحرم، ولا يجوز أن يخرجه حيًا، وبين أن يقوم المثل دراهم ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم، ولكن يشتري بها طعامًا ويتصدق به على مساكين الحرم، وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يومًان حيث كان، وأما غير المثلي، كالعصافير، فتُقدر قيمته ولا يتصدق بثمنها، بل يجعلها طعامًا، ثم إن شاء تصدق بها وإن شاء صام عن كل مُد يومًا. وقال صاحب "الروضة": فحصل من هذا أنه في المثل مخير بين الحيوان والطعام والصيام، وفي غيره بين الطعام والصوم، هذا هو المذهب المقطوع به في كتب الشافعي والأصحاب. وقلت: الفرق بين قولي الإمامين: هو أن أبا حنيفة ﵁ ارتكب المجاز في قوله تعالى: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ حيث جعله القيمة كما سبق، وأصحاب الشافعي في قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ﴾ كما سبق عن الرافعي، فيخير بين أن يذبح مثله وبين ني قوم المثل دراهم، وروى الإمام
[ ٥ / ٤٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ عن الشافعي ﵄: تقويم مثل الصيد أدخل في الضبط من تقويم نفس الصيد؛ لأن هذا عذر للمجاز، وبيان المجاز أن التخيير واقع بين الجزاء الذي هو المثل وبين كفارة طعام، والكفارة لا يجوز أن تكون دراهم لما بينت بقوله: ﴿طَعَامُ﴾، فوجب التأويل، والقول بأن من قوم الصيد واشترى بقيمته طعامًا وتصدق به أو عدل الصوم بالطعام فقد كفر بقيمة المثل، وعليه ظاهر الآية؛ لأن ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ﴾ عطف على "جزاء"؛ لا على ﴿مِثْلَ﴾، أو ﴿عَدْلُ ذَلِكَ﴾: عطف على ﴿طَعَامُ﴾ لا على ﴿كَفَّارَةٌ﴾، وفيه أن معرفة كمية الصيام موقوفة على معرفة كمية الأمداد، ومعرفة كمية الأمداد متوقفة على معرفة كمية قيمة المثل، فالثالث فرع للثاني، والثاني فرع للأول، وعليه ما روى الإمام عن الشافعي، أنه قال: إن المثل من النعم هو الجزاء والطعام بناء عليه، فعدل به كما عدل الصوم بالطعام، وهذا هو المراد من قول الرافعي: فجزاؤه على التخيير والتعديل، فحينئذ وقع التخيير بين ذبح المثل وبين أن يقوم المثل بالدراهم، ثم بين الإطعام وبين الصيام، فكأنه قيل: ومن قتله فعليه جزاء أو كفارة، والكفارة إما صدقة أو صيام. فعلى هذا التخيير في الآية ليس من باب: جالس الحسن أو ابن سيرين، بل من باب قولك: جالس السلطان أو الوزير أو العامي. ونقل الرافعي أيضًا عن أبي ثور قولًا عن الشافعي: إنها على الترتيب، وهو أضعف الروايتين عن أحمد، وهذا القول أدعى لاقتضاء المقام وأجرى على سنن البلاغة، ومن ثم فرق الله عز شأنه في العبارة بين هذه الآية وبين ما قبلها، وهي قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وذلك أن الجناية هاهنا هي هتك ما شرع الله تعالى لتعظيم شأن
[ ٥ / ٤٨٦ ]
وقرأ عبد اللَّه: (فجزاؤه مثل ما قتل)، وقرئ. (فجزاء مثل ما قتل) على الإضافة، وأصله: فجزاءٌ مثل ما قتل، بنصب "مثل" بمعنى: فعليه أن يجزى مثل ما قتل، ثم أضيف كما تقول: عجبت من ضربٍ زيدًا، ثم: من ضَربِ زيدٍ. وقرأ السُّلمي على الأصل. وقرأ محمدُ بن مقاتلٍ: (فجزاءً مثل ما قتل) بنصبهما بمعنى: فليجز جزاءً مثل ما قتل. وقرأ الحسن: (من النعم) بسكون العين، استثقل الحركة على حرف الحلق فسكنه.
_________________
(١) ـ الكعبة، فالواجب في الخبر رعاية الترتيب فيما يقرب إلى ما فوقه من الحيوان للتعظيم، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، وإليه يُلمح قول الشافعي ﵁: لا يجوز أن يخرجه حيًا. ثم الإطعام؛ لأنه بدل منه، ولهذا شرط الشافعي أن يتصدق على مساكين الحرم، ولما كان الصوم لا يناسب هذا المعنى جعله فرعًا للفرع. انظر إلى هذه الأسرار اللطيفة وإلى تدقيق نظر الإمام الشافعي ﵁، واقطع بأنه كان محدثًا مُلهمًا مؤيدًا بتأييد الله وتسديده. قوله: ("فجزاء مثل ما قتل" على الإضافة)، قال الإمام: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿فَجَزَاءٌ﴾ بالتنوين، و﴿مِثْلُ﴾ بالرفع على أنه صفة لـ "جزاءٌ"، والباقون: على الإضافة، والمعنى على الأول ظاهر، وأما على الثاني فيجب التأويل؛ لأنه ليس عليه جزاء مثل ما قتل في الحقيقة؛ لأن المثل غير مقتول، إنما عليه جزاء المقتول، لأنه قتله، فهو كما تقول: أنا أكرم مثلك وتريد أنا أكرمك، فالتقدير: فجزاء ما قتل من النعم، على الكناية، فالقراءتان دلتا على مذهب الشافعي. وأيضًا، قراءة عبد الله بن مسعود: (فجزاؤه مثل ما قتل من النعم)، صريح فيما قلناه، وحجة أبي حنيفة ﵁ هي: أن لا نزاع أن الصيد المقتول إذا لم يكن له مثل
[ ٥ / ٤٨٧ ]
(يَحْكُمُ بِهِ): بمثل ما قتل (ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ): حكمان عادلان من المسلمين. قالوا: وفيه دليلٌ على أن المثل: القيمة، لأنّ التقويم مما يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة. وعن قبيصة: أنه أصاب ظبيًا وهو محرمٌ فسأل عمر،
_________________
(١) ـ فإنه يضمن بالقيمة، فوجب أن تُحمل الآية عليه ليشملها، فإن اللفظ الواحد لا يجوز حمله إلا على المعنى الواحد، والجواب: أن الممالة معلومة، والشارع أوجبها فوجب رعايتها بأقصى الإمكان وإن لم يمكن وجب الاكتفاء بالغير. تم كلام الإمام. وقال صاحب "الكشف": قال قوم: إنه إذا قرئ (فجزاء مثل ما قتل)، على تقدير: فجزاء مثل المقتول، لا يدخل تحته جزاء المقتول، ألا ترى إلى قول الشاعر: وقاك الله يا ابنة آل سعد … من الأخوال أمثالي ونفسي فقال: أمثالي عطف عيه نفسي، ولو كان هو داخلًا في أمثالي لم يقل: ونفسي، ألا ترى أنهم قالوا في رجل قال لعبده: إن دخل داري هذه أحد فأنت حر، فدخل هو: لم يعتق؛ لأنه لما أضاف الدار إلى نفسه خرج عن الحكم المتعلق بدخول أحد. قوله: (وفيه دليل على أن المثل: القيمة؛ لأن التقويم مما يحتاج إلى النظر)، أجاب الإمام: أن وجوه المشابهة بين النعم والصيد مختلفة، فلابد من الاجتهاد في تمييز الأقوى من الأضعف، ولهذا احتيج إلى الحكمين. قوله: (وعن قبيصة أنه أصاب ظبيًا) الحديث، نحوه روى مالك في "الموطأ"، وفيه
[ ٥ / ٤٨٨ ]
فشاور عبد الرحمن بن عوفٍ، ثم أمره بذبح شاةٍ، فقال قبيصة لصاحبه: واللَّه ما علم أمير المؤمنين حتى سأل غيره، فأقبل عليه ضربًا بالدرّة وقال: أتغمص الفتيا وتقتل الصيد وأنت محرم، قال اللَّه تعالى: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) فأنا عمر، وهذا عبد الرحمن.
وقرأ محمد بن جعفر: (ذو عدل منكم) أراد: يحكم به من يعدل منكم ولم يرد الوحدة. وقيل أراد الإمام.
_________________
(١) ـ دلالة ظاهرة على مذهب الشافعي، وكذا قوله: هديًا بالغ الكعبة، أي: يُساق إليها ويُنحر هناك؛ لأنه إما حال عن جزاء، أو بدل من مثل كما قدر، فتقييد المثل بها إذا كان نظيرًا للصيد ظاهر؛ لأن الحال مؤكدة، وأما تقييد القيمة بها فبعيد، والهدي يصح تفسيرًا للمثل إذا كان حيوانًا لا قيمة؛ لأنها ليست منه، قوال الرافعي: إن المثل ليس معتبرًا على التحقيق، فإنما هو على التقريب وليس معتبرًا في القيمة بل في الصورة والخلقة؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم حكموا في النوع الواحد من الصيد، بالنوع الواحد من النعم مع اختلاف البلاد وتفاوت الأزمان واختلاف القيم بسببها. قوله: (ضربًا بالدرة): حال، قال في قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣]: أي: فضربهم ضربًا، أو"ضربًا" بمعنى: ضاربًا. قوله: (أنغمص الفُتيا)، النهاية: في حديث عمر لقبيصة: "أتقتل الصيد وتغمص الفتيا؟ "، أي: تحتقرها وتستهين بها، الفتيا: هي الفتوى، يقال: أفتاه في المسألة يفتيه: إذا أجابه، والاسم الفتوى والفتيا. قوله: (وقرأ جعفر بن محمد)، وفي بعض النسخ: "محمد بن جعفر"، والأول هو
[ ٥ / ٤٨٩ ]
(هَدْيًا) حال عن (جزاء) فيمن وصفه بـ (مثل)؛ لأنّ الصفة خصصته فقرّبته من المعرفة، أو بدلٌ عن (مثل) فيمن نصبه، أو عن محله فيمن جرّه، ويجوز أن ينتصب حالًا عن الضمير في (به). ووصف (هديًا) بـ (بالِغَ الْكَعْبَةِ) لأن إضافته غير حقيقية. ومعنى بلوغه الكعبة: أن يذبح بالحرم، فأما التصدّق به: فحيث شئت عند أبي حنيفة، وعند الشافعي: في الحرم.
فإن قلت: بم يرفع (كَفَّارَةٌ) من ينصب (جزاءً)؟ قلت: يجعلها خبر مبتدأ محذوفٍ، كأنه قيل: أو الواجب عليه كفارة، أو يقدر: فعليه أن يجزى جزاء أو كفارة. فيعطفها على "أن يجزي". وقرئ: (أو كفارة طعام مساكين) على الإضافة،
_________________
(١) ـ الصحيح، ذكر ابن جني في "المحتسب": ومن ذلك قراءة محمد بن علي وجعفر بن محمد "يحكم به ذو عدل منكم"، وقال: ولم يوحد "ذو" لأن الواحد يكفي في الحكم، لكن أراد معنى "مَنْ"، أي: يحكم به من يعدل، و"مَن" تكون للاثنين كما تكون للواحد، قال: نكن مثل من يا ذئب يصطحبان قوله: ﴿هَدْيًا﴾: حال عن "جزاء" فيمن وصفه بـ ﴿مِثْلَ﴾) هذا إنما يستقيم على مذهب الأخفش، وهو أن يكون التقدير: فعليه جزاء مثل ما قتل هديًا، فهو: حال عن فاعل الجار والمجرور من غير اعتماد. قوله: (وقرئ: "أو كفارة طعام مساكين" على الإضافة) نافع وابن عامر، قال الإمام: إنه تعالى لما خير المكلف بين ثلاثة أشياء: الهدي والطعام والصيام، حسنت الإضافة، فكأنه
[ ٥ / ٤٩٠ ]
وهذه الإضافة مبينة كأنه قيل: أو كفارةٌ من طعام مساكين، كقولك: خاتم فضةٍ، بمعنى خاتم من فضةٍ. وقرأ الأعرج: (أو كفارة طعام مساكينٍ) وإنما وحد لأنه واقعٌ موقع التبيين، فاكتفى بالواحد الدال على الجنس. وقرئ: (أو عدل ذلك) بكسر العين، والفرق بينهما أن عدل الشيء: ما عادله من غير جنسه كالصوم والإطعام، وعدله: ما عدل به في المقدار، ومنه عدلًا الحمل؛ لأن كل واحدٍ منهما عدل بالآخر حتى اعتدلا، كأن المفتوح تسمية بالمصدر، والمكسور بمعنى المفعول به، كالذبح ونحوه، ونحوهما الحمل والحمل. و(ذلِكَ): إشارةٌ إلى الطعام (صِيامًا) تمييز للعدل كقولك: لي مثله رجلًا. والخيار في ذلك إلى قاتل الصيد عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمدٍ إلى الحكمين. (لِيَذُوقَ): متعلق بقوله: (فَجَزاءٌ) أي: فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام. والوبال: المكروه والضرر الذي يناله في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه، كقوله تعالى: (فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا) [المزمل: ١٦]: ثقيلًا. والطعام الوبيل: الذي يثقل على المعدة فلا يستمرأ.
_________________
(١) ـ قيل: كفارة طعام لا كفارة صيام، وإليه الإشارة بقوله: "وهذه الإضافة مبينة"، وأما قراءة الباقين: ﴿كَفَّارَةٌ﴾ بالتنوين فهو عطف على ﴿فَجَزَاءٌ﴾، و﴿طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾: عطف بيان. قوله: (واقع موقع التبيين) أي: التمييز، نحو: عشرون درهمًا. قوله: (إن عدل الشيء: ما عادله من غير جنسه)، الراغب: العدالة والمعادلة لفظ يقتضي المساواة، ويستعمل باعتبار المضايفة، والعدل والعدل متقاربان، لكن العدل يستعمل فيما يدرك بالبصيرة، كالأحكام، على ذلك قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، والعدل والعديل فيما يدرك بالحاسة، كالموزونات والمعدودات والمكيلات، فالعدل هوا لقسط على سواء، وعلى هذا
[ ٥ / ٤٩١ ]
(عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) لكم من الصيد في حال الإحرام قبل أن تراجعوا رسول اللَّه ﷺ وتسألوه عن جوازه. وقيل: عما سلف لكم في الجاهلية منه، لأنهم كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرمًا. (وَمَنْ عادَ) إلى قتل الصيد وهو محرم بعد نزول النهي (فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) ينتقم: خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره: فهو ينتقم اللَّه منه، ولذلك دخلت الفاء، ونحوه (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ) [الحجر: ١٣]؛ يعني: ينتقم منه في الآخرة.
واختلف في وجوب الكفارة على العائد، فعن عطاءٍ وإبراهيم وسعيد بن جبير والحسن: وجوبها، وعليه عامة العلماء. وعن ابن عباس وشريحٍ: أنه لا كفارة عليه تعلقًا بالظاهر، وأنه لم يذكر الكفارة.
_________________
(١) ـ روي: بالعدل قامت السماوات والأرض، تنبيهًا على أنه لو كان ركن من الأركان الأربعة في العالم زائدًا على الآخر أو ناقصًا عنه على خلاف مقتضى الحكمة، لم يكن العالم منتظمًا. قوله: (ولذلك دخلت الفاء) يعني: "ينتقم": خبر مبتدأ محذوف، فهو جملة اسمية تحتاج إلى الفاء، ولو لم تكن خبر مبتدأ محذوف لم يحتج إلى الفاء؛ لأن الشرط إذا كان ماضيًا والجزاء مضارعًا جاز الرفع وترك الفاء. قوله: (تعلقًا بالظاهر وأنه لم يذكر الكفارة). قال الإمام: ودليله أنه أعظم من أن يكفر
[ ٥ / ٤٩٢ ]
[(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)].
(صَيْدُ الْبَحْرِ): مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل (وَطَعامُهُ): وما يطعم من صيده. والمعنى: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه، وهو السمك وحده عند أبى حنيفة. وعند ابن أبي ليلى: جميع ما يصاد منه، على أن تفسير الآية عنده: أحل لكم صيد حيوان البحر وأن تطعموه.
(مَتاعًا لَكُمْ) مفعولٌ له، أي: أحل لكم تمتيعًا لكم، وهو في المفعول له بمنزلة قوله تعالى: (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً) [الأنبياء: ٧٢] في باب الحال،
_________________
(١) ـ بالتصدق، بل الله ينتقم منه؛ لأن قوله: ﴿فَيَنتَقِمُ اللَّهُ﴾ جزاء، والجزاء كاف، وكونه كافيًا يمنع وجوب شيء آخر. قوله: (وعند ابن أبي ليلى: جميع ما يُصاد منه). قال القاضي: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾: ما صيد فيه مما لا يعيش إلا في الماء، وهو حلال كله، لقوله ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه، والحل ميتته"، وقيل: يحل السمك وما يؤكل نظيره في البر، وقلت: الحديث رواه مالك وأبو داود والترمذي والنسائي، عن أبي هريرة ﵁: سأل رجل رسول الله ﷺ، فقال: إننا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".
[ ٥ / ٤٩٣ ]
لأن قوله: (مَتاعًا لَكُمْ) مفعول له مختص بالطعام كما أن (نافلة) حال مختصةٌ بـ (يعقوب)؛ يعني: أحل لكم طعامه تمتيعًا لتنائكم يأكلونه طريًا، ولسيارتكم يتزوّدونه قديدًا، كما تزوّد موسى ﵇ الحوت في مسيره إلى الخضر ﵉. وقرئ: (وطعمه).
و(صيد البر): ما صيد فيه، وهو ما يفرّخ فيه، وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات كطير الماء عند أبي حنيفة. واختلف فيه فمنهم من حرّم على المحرم كل شيء يقع عليه اسم الصيد، وهو قول عمر وابن عباسٍ، وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير: أنهم أجازوا للمحرم أكل ما صاده الحلال، وإن صاده لأجله إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵀، وعند مالك والشافعي وأحمد ﵏: لا يباح له ما صيد لأجله.
_________________
(١) ـ قوله: (لأن قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ … مختص بالطعام)، لعل ذلك على التقدير الثاني، وهو "أحل لكم صيد حيوان البحر وأن تطعموه"؛ لأن قوله: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ حينئذ توطئة لذكر ﴿وَطَعَامُهُ﴾: على طريقة: أعجبني زيدٌ وكرمه، فلا يتعلق به المفعول له، وأما على التقدير الأول فالظاهر أنه لا يختص بالطعام؛ لأن كلا من المعطوف والمعطوف عليه مقصودان بالذكر، ولذلك قُدر "وأحل لكم أكل المأكول منه". قال أبو البقاء: الضمير في ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ضمير ﴿الْبَحْرِ﴾، وقيل: ضمير الصيد، والمعنى: أباح لهم صيد البحر وأكل صيده، بخلاف صيد البر، و﴿مَتَاعًا﴾: مفعول له، وقيل: مصدر، أي: متعتم بذلك تمتيعا. قوله: (لتنائكم)، الجوهري: تنأت بالبلد تنوءا: إذا قطنته، وهم تناءة البلد، والاسم: التناءة.
[ ٥ / ٤٩٤ ]
فإن قلت: ما يصنع أبو حنيفة بعموم قوله: (صيد البر)؟ قلت: قد أخذ أبو حنيفة ﵀ بالمفهوم من قوله: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا) لأن ظاهره أنه صيد المحرمين دون صيد غيرهم، لأنهم هم المخاطبون فكأنه قيل: وحرم عليكم ما صدتم في البر، فيخرج منه مصيد غيرهم، ومصيدهم حين كانوا غير محرمين. ويدل عليه قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ).
وقرأ ابن عباسٍ ﵁: (وحرّم عليكم صيد البرّ)؟ أي: اللَّه ﷿. وقرئ (ما دُمْتُمْ) بكسر الدال، فيمن يقول دام يدام.
[(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
(الْبَيْتَ الْحَرامَ): عطف بيانٍ على جهة المدح لا على جهة التوضيح، كما تجيء
_________________
(١) ـ قوله: (قد أخذ أبو حنيفة بالمفهوم)، قيل: هذا استدلال ضعيف؛ لأن المفهوم عنده ليس بحجة، إلا أن يقال: ليس المراد هاهنا المفهوم المخالف، بل المراد ما يُعلم من الآية ويفهم منها، وقلت: يرده قوله: "فيخرج منه مصيد غيرهم ومصيدهم حين كانوا غير محرمين"، ولو أريد الاستدلال بظاهر الآية لكان من باب الاستدلال بعبارة النص، وهو العمل بظاهر ما سيق الكلام له، والأولى أنه خُص بفعل النبي ﷺ، ولهذا توقفت الصحابة، روينا عن البخاري، عن أبي قتادة: فأحرموا ولم أحرم، فبصروا بحمار وحش، فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني، فطعنته فأثبته فأكلنا منه، فقلنا: يا رسول الله، إنا صدنا حمار وحش، وإن عندنا فاضلة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "كلوا" وهم محرمون. قوله: ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح، كما تجيء
[ ٥ / ٤٩٥ ]
الصفة كذلك. (قِيامًا لِلنَّاسِ): انتعاشًا لهم في أمر دينهم ودنياهم، ونهوضًا إلى أغراضهم ومقاصدهم في معاشهم ومعادهم، لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم، وأنواع منافعهم. وعن عطاء ابن أبى رباح: لو تركوه عامًا واحدًا لم ينظروا ولم يؤخروا (وَالشَّهْرَ الْحَرامَ): الشهر الذي يؤدى فيه الحج، وهو ذو الحجة، لأنّ لاختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأنًا قد عرّفه اللَّه تعالى. وقيل عنى به جنس الأشهر الحرم. (وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ): والمقلد منه خصوصًا، وهو البدن؛ لأن الثواب فيه أكثر، وبهاء الحج معه أظهر ذلِكَ إشارة إلى جعل الكعبة قيامًا للناس، أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره. (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) كل شيءٍ، وهو عالمٌ بما يصلحكم وينعشكم
_________________
(١) ـ الصفة كذلك)، وذلك أن الأصل في الصفة تمييز الموصوف عن غيره وتخصيصه عما عداه، اللهم إلا إذا كان الموصوف معلومًا مشهورًا، فحينئذ يُعدل إلى المدح، ومن ثم أجرى صفات الله تعالى على المدح، وعلى هذا قول المصنف. قوله: (انتعاشًا لهم)، الجوهري: نعشه الله ينعشه نعشًا: رفعه، وانتعش العاثر: إذا نهض من عثرته، قال أبو البقاء: ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾ بمعنى: صير، ﴿قِيَامًا﴾: حال. قوله: (ونهوضًا إلى أغراضهم): معطوف على "انتعاشًا" على البيان والتفسير، وقوله: "لما يتم" تعليل لقوله: "انتعاشًا ونهوضًا"، كما تقول: جعلت هذا الكتاب مشتملًا على معرفة الإعراب ليتم لمقتبسه الاحتراز عن اللحن في كلامهم. قوله: (﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ كل شيء، وهو عالم بما يصلحكم وينعشكم): بيان لكيفية تعليل قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ لقوله ذلك، أتى بالعام ليندرج
[ ٥ / ٤٩٦ ]
مما أمركم به وكلفكم شَدِيدُ الْعِقابِ لمن انتهك محارمه غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن حافظ عليها.
[(ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ)].
(ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ): تشديدٌ في إيجاب القيام بما أمر به، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ، وقامت عليكم الحجة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط.
_________________
(١) ـ تحته هذا العلم الخاص، ويمكن أن يكون المعنى: إنما جعلنا الكعبة انتعاشًا لهم في أمر دينهم ودنياهم، أو ذكرنا حفظ حرمة الإحرام ليعلموا أنا نعلم مصالح دنياهم ودينهم فيستدلوا بهذا العلم الخاص على أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض، ويعلموا أنه تعالى عالمٌ بما وراء ذلك كله. قال القاضي: ليعلموا أن شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المترتبة عليها دليل على حكمة الشارع وكمال علمه، وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد إطلاق. قوله: (تشديد): خبر ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾. قوله: (وأن الرسول ﷺ قد فرغ)، قيل: هو عطف على "تشديد"، أي: تشديد في إيجاب القيام وإيذان أن الرسول، ففي الكلام حذف، وقلت: الوجه أن يكون عطفًا تفسيريا ًعلى "إيجاب القيام"، المعنى: أن حكمة بعثة الرسل هي ألا يكون للناس على الله حجة، فإن الله تعالى أرسله إليكم ليبلغ إليكم ما أرسل به من شرائعه، ولا سيما تعظيم شعائره وأعلام دينه، فبلغ وأنذر، فارتفع العذر وأزيحت العلة، وبقي الأمر من جانبكم، إن أطعتموه فاعلموا أن الله غفور رحيم، وإن عصيتموه فإن الله شديد العقاب، هذا هو المعنى بقوله: "تشديد في إيجاب
[ ٥ / ٤٩٧ ]
[(قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)].
البون بين الخبيث والطيب بعيد عند اللَّه تعالى وإن كان قريبا عندكم، فلا تعجبوا بكثرة الخبيث حتى تؤثروه لكثرته على القليل الطيب، فإنّ ما تتوهمونه في الكثرة من الفضل، لا يوازى النقصان في الخبيث، وفوات الطيب، وهو عام في حلال المال وحرامه، وصالح العمل وطالحه، وصحيح المذاهب وفاسدها، وجيد الناس ورديهم
_________________
(١) ـ القيام بما أمر به"، ثم إيقاع هذه الجملة، أعني: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾، معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذه التأكيدات في إثبات العلم تدل دلالة ظاهرة على أن جعل المشار إليه بقوله: "ذلك ما ذكره الله تعالى من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره" أولى من جعل الكعبة قيامًا، بل كل ما ذكره الله من أول السورة، بل كل ما بلغه صلوات الله عيه وسلامه وما جاء به من الوحي وغيره ليدخل فيه ما تضمنته السورة بالطريق الأولى؛ لأن التأكيدات في إثبات العلم بقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ثم التعميم بقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]، ثم الوعيد والوعد بقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]، ثم التخصيص بما أجرى هذه التشديدات لأجله من قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، وتوسيط هذا الاعتراض، يدل على أن الخطب عظيم، وإلى هذا المعنى ينظر قول المصنف: "وأنا لرسول قد فرغ مما قد وجب عليه من التبليغ" إلى آخره. قوله: (لا يوازي النقصان [في الخبيث] وفوات الطيب)، يعني: لا يساوي بين كثرة الخبيث وفوات الطيب، فإن الكثرة قوبلت بالخبيث الذي في نفسها، وبفوات الطيب الذي هو خارج منها، فلن يغلب الواحد الاثنين. قوله: (وهو عام في حلال المال وحرامه)، الراغب: الخبيث هو: الباطل في الاعتقاد والكذب في المقال والطالح في الفعال، وأصله الرديء الدخلة الذي تظهر رداءته في الاختبار. ولهذا قال الشاعر:
[ ٥ / ٤٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ سبكناه ونحسبه لجينًا … فأبدى الكير عن خبث الحديد ومتى اعتبر الطيب بالخبيث فهو كالدائرة من النقطة بل كالشيء الذي لا قدر له بالمرئي، فبين الله تعالى أن الطيب وإن استقللتموه فهو خير من الخبيث وإن استكثرتموه حتى يعجبكم كثره، ونبه أن الاعتبار في الأشياء ليس بالقلة والكثرة، بل إنما ذلك بالجودة والرداءة، فالمحمود القليل خير من الذميم الكثير، ولهذا قيل: أقلل وأطب. إن قيل: كيف جعل الخبيث هاهنا كثيرًا وقد جعله قليلًا في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]؟ قيل: استكثاره للخبيث هو على نظر المغترين بالدنيا، واستقلاله هو ما عليه حقيقة الأمر، وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ ليس بخطاب للنبي ﷺ فقط، بل هو خطاب لكل مغتر، كقول الشاعر: تراه إذا ما جئته متهللًا … كأنك تعطيه الذي أنت سائله ولأجل أن الخطاب عام من حيث المعنى، قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ بلفظ الجمع، والمعنى: استعملوا التقوى راجين أن تبلغوا الفلاح، تنبيهًا على أن التقوى هي التي يُبلغ بها الفلاح. وقلت: ينبغي تخصيص الجمع بعد تعميم الخطاب؛ يدل عليه الفاء في ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، أي: لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك أيها المخاطب كثرة الخبيث، فإذا كان كذلك فقضية ذي اللب التمييز بينهما لتحري حصول الفلاح. الراغب: اللب: أشرف أوصاف العقل، وهو اسم الجزء الذي بإضافته إلى سائر أجزاء
[ ٥ / ٤٩٩ ]
(فَاتَّقُوا اللَّهَ) وآثروا الطيب، وإن قل، على الخبيث وإن كثر. ومن حق هذه الآية أن تكفح بها وجوه المجبرة إذا افتخروا بالكثرة كما قيل:
وَكَاثِرْ بِسَعْدٍ إنَّ سَعْدًا كَثِيرَةٌ … ولَا تَرْجُ مِنْ سَعْدٍ وَفَاء وَلَا نَصْرَا
وكما قيل:
لَا يَدْهَمَنَّكَ مِنْ دَهْمَائِهِمْ عَدَدٌ … فَإنَّ جُلَّهُمُ بَلْ كُلَّهُمْ بَقَرُ
وقيل: نزلت في حجاج اليمامة، حين أراد المسلمون أن يوقعوا بهم، فنهوا عن الإيقاع بهم وإن كانوا مشركين.
_________________
(١) ـ الإنسان كلُب الشيء إلى القشور، وباعتباره قيل لضعيف العقل: يراعة، وقصبة، ومنخوب، وخاوي الصدر. قوله: (تكفح بها وجوه المجبرة)، المكافحة: مصادفة الوجه. الجوهري: كفحته كفحًا: إذا استقبلته كفة كفة، وقال الأصمعي: كافحوهم: إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس ولا غيره. قوله: (وكاثر بسعد) البيت من الحماسة، بعده: يروعك من سعد بن عمرو جسومها … وتزهد فيها حين تقتلها خُبرًا قوله: (لا يدهمنك) البيت لأبي تمام، دهمه أمر: إذا غشيه، والدهماء: الجماعة الكثيرة، جانس بين الكلمتين. وقلت: ما أكثر مكافحته مع أهل السنة والجماعة! ألا يردعه قوله صلوات الله وسلامه
[ ٥ / ٥٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ عليه: "لا تجتمع أمة محمد على الضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار" أخرجه الترمذي؟ ألا يزجره قوله: "اتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار"؟ أما ينبهه من الرقدة قوله: "من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه"؟ وما روى مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية"؟ والأحاديث المنقولة من الأئمة المتقنين فيه لا تحصى! أم كيف يتجاسر على تسمية من مدحهم الله في كتابه العزيز بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وعلى لسان حبيبه: "مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره" بالخبيث! . هذا، وإن الآية إن أجريت على العموم لتكون مبنية على إرادة العموم في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾، أو على الخصوص مبنية على خصوصه، ولا يدل على شيء مما ذكره، فتقدير الكلام على الأول: يا أيها الذين تدعون أنكم أرباب النهي وأصحاب العقول، انظروا بعد ما بلغتكم من بيان التوحيد ونفي الشرك، والإرشاد إلى مكارم الأخلاق وقلع الرذائل: هل يستوي ما أدعوكم إليه وما أنتم عليه من اتباع دين آبائكم وقطع الأرحام والفساد في الأرض؟ فاستعملوا قواكم وابذلوا جهدكم في التمييز بين الحق والباطل، واتقوا الله وأنصفوا
[ ٥ / ٥٠١ ]
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَلَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ* قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ)].
الجملة الشرطية والمعطوفة عليها أعني قوله: (إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ، وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَلَكُمْ) صفة لـ (لأشياء). والمعنى: لا تكثروا مسألة رسول اللَّه ﷺ حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم، إن أفتاكم بها وكلفكم إياها
_________________
(١) ـ من نفوسكم لعلكم تفوزون بالهدى عاجلًا وبالفلاح آجلًا، فعلى هذا: الكلام في الدعوة إلى مُتابعة الحق وطاعة الله ورسوله، وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ كالتتميم لعدم الاستواء، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ من باب إرخاء العنان والبعث على التفكير والحث على التدبر. ونحن نقول أيضًا: يا أمة محمد، هلموا إلى النظر والتفكر فيمن يتبع سنة رسول الله ﷺ منا ومنكم، ومن ينكص على عقبيه ويتبع هواه الذي يُضله ولا يعمل بالأحاديث الصحيحة المروية عنه حتى يتبين الخبيث منا والطيب! . وأما تقرير الكلام على الثاني، وهو أن الآية نازلة في حجاج اليمامة كما قال: "وقيل: نزلت في حجاج اليمامة حين أراد المسلمون أن يوقعوا بهم فنهوا"، وقال محي السنة: نزلت في شريح بن ضبيعة البكري وحجاج بكر بن وائل، وقد مضت القصة في أول السورة، وفيها: فلما كان العام القابل خرج، يعني شريحًا، في حجاج بكر بن وائل ومعه تجارة عظيمة، فهموا بهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢]، ففيه: النهي عن التعرض للمشركين القاصدين لزيارة حرم الله لغرض الدنيا، فسماه خبيثًا، وإذا كان التعرض لهم غير جائز في مثل ذلك المقام كيف جاز التعرض لأعراض المسلمين في تفسير كلام الله المجيد؟ تاب الله علينا وعليه.
[ ٥ / ٥٠٢ ]
تغمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها. وذلك نحو ما روى أن سراقة بن مالك أو عكاشة بن محصن قال: يا رسول اللَّه، الحج علينا كل عام؟ فأعرض عنه رسول اللَّه ﷺ حتى أعاد مسألته ثلاث مرّاتٍ، فقال ﷺ: «ويحك ما يؤمنك أن أقول نعم، واللَّه لو قلت: نعم؛ لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه».
(وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ) وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي، وهو ما دام الرسول بين أظهركم
_________________
(١) ـ قوله: (ما روي عن سراقة بن مالك أو عكاشة)، روى أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه، عن عي ﵁، قال: لما نزلت ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآية، قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ قال: "لا، ولو قلت: نعم، لوجبت"، فأنزل الله تعالى ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية. قوله: (ويحك)، الجوهري: ويح: كلمة رحمة، وويل عكسه، وقال اليزيدي: هما بمعنى واحد، تقول: ويح لزيد وويل لزيد ترفعهما على الابتداء. قوله: (وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي) إلى آخره، تقريره يؤذن أن المعطوف عليه، وهو قوله: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، كالتوطئة والبناء، والثانية كالتفسير للأولى، ولذلك قال: " ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾: صفة لـ ﴿أَشْيَاءَ﴾ "، وعم زمان الوحي حيث قال: "ما دام الرسول بين أظهركم يوحى إليه"، قال محيي السنة:
[ ٥ / ٥٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ﴿إِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾ معناه: إن صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهي، وليس في ظاهره شرح ما بكم إيه حاجة ومست حاجتكم إليه، فإذا سألتم عنها حينئذ تُبد لكم، وقرر هذا المعنى الإمام حيث قال: السؤال على نوعين، أحدهما: ما لم يجر ذكره في الكتاب والسنة بوجه ما فهو منهي عنه، وثانيهما: ما نزل به القرآن ولكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فهاهنا يجوز السؤال، والفائدة في الذكر أنه تعالى لما منع السؤال أوهم أن جميع السؤال ممنوع، فذكر ذلك تمييزًا لهذا القسم ثم كلامه. فإن قيل: فإذن يرد سؤال عكاشة، لأن سأل بعد نزول آية الحج كما سيجيء في حديثه، يقال: ما أنكر عليه لسؤاله: أن الأمر يحتمل التكرار أو المرة في المراد منهما، بل لأنه ما تفكر في أن إفادة التكرار مما يصعب على الأمة سيما على سكان القاصية، والدين مبني على اليسر: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وكان ذلك مشهورًا عندهم كما روى الإمام، عن أبي ثعلبة الخُشني: "إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تتنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها". قال الراغب: إن الأشياء في البحث عنها وسؤالها ثلاثة أضرب: ضرب يجب السؤال عنه، وهو ما كلف الإنسان به وبه أمر، وإياه توجه أن أفتى الجريح بالاغتسال، فقال: "قتلتموه، هلا سألتموني عنه، شفاء العي السؤال"، وضرب يُكره أو يُحظر السؤال عنه،
[ ٥ / ٥٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وإياه توجه قوله ﷺ: "اتركوني ما تركتم، إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم الأنبياء"، وضرب يجوز السؤال والسكوت عنه، وهو ما يستحب أن يحمد ولا يؤخذ به الإنسان إن بحث عنه واستكشف. وقال القاضي: الجملة الشرطية وما عطف عيها صفتان لـ ﴿أَشْيَاءَ﴾، المعنى: لا تسألوا عن أشياء إن تظهر لكم تغمكم، وإن تسألوا عنها في زمان الوحي تظهر لكم، وهما كمقدمتين تنتجان ما يمنع السؤال، وهو أنه مما يغمهم، والعاقل لا يفعل ما يغمه. وقلت: وهذا النوع عند علماء البيان يسمى بالكناية الإيمائية، فيفيد القطع بامتناع السؤال، وليس بوجه في الآية، وتقرير المصنف أقرب لما يفهم من دليل الخطاب، والتقييد بالوصف: أن هناك سؤالًا لا يغمهم وهو ما لا يتعلق بالتكاليف الشاقة والأمور التي إن ظهرت أوقعتهم في الحرج والضيق، هذا حسن لولا أن قوله: ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾ يقتضي أن يُخص كقوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن أنس، قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"، قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم وجوههم ولهم خنين، فقال رجل: من أبي؟ فقال: "فلان"، فنزلت هذه الآية:
[ ٥ / ٥٠٥ ]
يُوحى إليه، تُبد لكم تلك التكاليف الصعبة التي تسؤكم، وتؤمروا بتحملها، فتعرّضون أنفسكم لغضب اللَّه بالتفريط فيها.
(عَفَا اللَّهُ عَنْها): عفا اللَّه عما سلف من مسألتكم، فلا تعودوا إلى مثلها.
(وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ): لا يعاجلكم فيما يفرط منكم بعقوبته.
فإن قلت: كيف قال: (لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ) ثم قال: (قَدْ سَأَلَها)
_________________
(١) ـ ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، وفي رواية: فسألوا النبي ﷺ حتى أخفوه في المسالة، فصعد ذات يوم المنبر، فقال: "لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم"، فلما سمعوا ذلك أزموا ورهبوا أن يون بين ييدي أمر قد حضر، قال أنس: فجعلت انظر يمينًا وشمالًا فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان إذا لاحى يدعي إلى غير أبيه، قال: يا نبي الله، من أبي؟ قال: "أبوك حذافة"، ثم أنشأ عمر ﵁، فقال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا، نعوذ بالله من الفتن، قال رسول الله ﷺ: "ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط"، قال قتادة: يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. وقد روى الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي هريرة ﵁، وقال فيه: فرجع عبد الله بن حذافة إلى أمه، فقال: ويحك! ما حملك على الذي صنعت؟ قالت: كنا أهل جاهلية وأهل أعمال قبيحة. أزموا: من أزم الإنسان: إذا أطرق ساكتًا من خوف. قوله: (وتؤمروا) عطف تفسيري على قوله: "تبد لكم".
[ ٥ / ٥٠٦ ]
ولم يقل: قد سأل عنها؟ قلت: الضمير في: (سَأَلَها) ليس براجع إلى (أشياء) حتى تجب تعديته بـ"عن"، وإنما هو راجع إلى المسألة التي دل عليها (لا تَسْئَلُوا) يعني: قد سأل قوم هذه المسألة من الأولين، (ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها) أي: بمرجوعها أو
_________________
(١) ـ قوله: (راجع إلى المسألة) أي: إلى المصدر لا إلى المفعول ليُحتاج إلى تعديته بـ "عَنْ". الراغب: ﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾ يحتمل وجهين، أحدهما: أنه استخبار إشارة إلى نحو قول أصحاب البقرة حيث سألوا عن أوصافها، فعلى هذا لا فرق بين قوله: "قد سألها" وبين قوله: "قد سأل عنها"، والثاني: أنه استعطاء، إشارة إلى نحو المستنزلين للمائدة من عيسى والسائلين من صالح الناقة؛ فعلى هذا لا يصح أن يقال سأل عنها، وقوله: ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ أي: كفروا ولم يعترفوا. واعلم أن الطلب والسؤال والاستخبار والاستفهام والاستعلام ألفاظ متقاربة، ومرتب بعضها على بعض، فالطلب أعمها؛ لأنه قد يقال فيما تسأله من غيرك، وفيما تطلبه من نفسك، والسؤال لا يقال إلا فيما تطلبه من غيرك، فكل سؤال طلب، وليس كل طلب سؤالًا، والسؤال يقال في الاستعطاف، فيقال: سألته كذا، ويقال في الاستخبار فيقال: سألته عن كذا، وأما الاستخبار فاستدعاء الخبر، وذلك أخص من السؤال، فكل استخبار سؤال وليس كل سؤال استخبارًا، والاستفهام: طلب الإفهام، وهو أخص من الاستخبار، فإن قول الله تعالى: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] استخبار وليس باستفهام، وكل استفهام استخبار وليس كل استخبار استفهامًا، والاستعلام: طلب العلم، فهو أخص من الاستفهام، إذ ليس كل ما يفهم يعلم، بل قد يظن ويخمن، وكل استعلام استفهام وليس كل استفهام استعلامًا. قوله: (بمرجوعها) أي: بما تؤول المسألة به وترجع إليه عند تحقيقها.
[ ٥ / ٥٠٧ ]
بسببها (كافِرِينَ)، وذلك أنّ بنى إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا.
[(ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)].
كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر، بحروا أذنها، أي: شقوها وحرّموا ركوبها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، وإذا لقيها المعيى لم يركبها، واسمها البحيرة، وكان يقول الرجل: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضى فناقتى سائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها.
وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبدًا قال: هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث. وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرًا فهو لآلهتهم، فإن ولدت ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعي.
ومعنى (ما جَعَلَ): ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير والتسييب وغير ذلك، ولكنهم بتحريمهم ما حرّموا (يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) فلا ينسبون التحريم إلى اللَّه حتى يفتروا، ولكنهم يقلدون في تحريمها كبارهم.
_________________
(١) ـ قوله: (نُتجت الناقة خمسة أبطن)، المغرب: وقد نتجت الناقة نتجًا: إذا رُبي نتاجها حتى وضعت، فهو ناتج، وهو للبهائم كالقابلة للنساء، والأصل: نتجها ولدًا، يثعدى إلى مفعولين، فإذا بُني للمفعول الأول قيل: نتجت ولدًا: إذا وضعته. النهاية: يقال: نتجت الناقة: إذا ولدت فهي منتوجة، وأنتجت: إذا حملت فهي نتوج، ولا يقال: منتج بكسر التاء.
[ ٥ / ٥٠٨ ]
[(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ)].
الواو في قوله: (أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ) واو الحال قد دخلت عليها همزة الإنكار. وتقديره:
أحسبهم ذلك ولو كان (آباؤهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ)؟ والمعنى: أنّ الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدى، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ واو الحال). قال أبو البقاء: وجواب "لو" محذوف، أي: أولو كانوا لا يعلمون يتبعونهم، وذهب الراغب إلى أن الواو للعطف والهمزة للتعجب من جهلهم، أي: أيكفيهم ذلك وإن كان آباؤهم لا يعلمون فيفعلون ما يقتضيه علمهم ولا يهتدون بمن له علم؟ وأشير بأنهم من جملة الفرقة الثالثة الذين وُصفوا فيما روي: الناس عالمٌ ومتعلم وحائر بائر لا يطيع مرشدًا، وروي عن علي ﵁: الناس ثلاثة: عالم ربانين ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع وأتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، ولم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق فيمتنعوا. وقوله: ﴿لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ إشارة إلى أنهم هم الرعاع والأتباع. قوله: (الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي)، وفيه معنى قول الإمام والقاضي: التقليد المذموم هو أن المقلد لا يعرف بالدليل أن مقلده على الحق أو على الباطل، وأما من عرف اهتداء مقلده بالدليل فهو ليس بمقلد.
[ ٥ / ٥٠٩ ]
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)].
كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتوّ والعناد من الكفرة، يتمنون دخولهم في الإسلام، فقيل لهم: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طرق الهدى. (لا يَضُرُّكُمْ) الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين، كما قال ﷿ لنبيه ﵊: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) [فاطر: ٨]، وكذلك من يتأسف على ما فيه الفسقة من الفجور والمعاصي، ولا يزال يذكر معايبهم ومناكيرهم، فهو مخاطبٌ به، وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركهما مع القدرة عليهما فليس بمهتد، وإنما هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم وبينه.
وعن ابن مسعودٍ: أنها قرئت عنده فقال: إن هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة. ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم. فهي على هذا تسليةٌ لمن يأمر وينهى فلا يقبل منه، وبسط لعذره
_________________
(١) ـ قوله: (وإنما هو بعض الضلال) أي: من تركهما مع القدرة فليس بمهتد. (بل هو بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم)، وذلك أن قيل في حق البعض: ﴿مَنْ ضَلَّ﴾، وخوطب البعض بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وأثبت لهم الاهتداء بقوله: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وإنما يكونون مؤمنين مهتدين إذا قاموا بمواجبهما من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يقصروا فيهما، بل إنما يحسن هذا الخطاب إذا بذلوا جهدهم في ذلك وتحسروا على فوات الإنجاع في القوم، ولذلك استشهد بقوله: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، فمن نظر إلى ظاهر الآية وأمسك عن الأمر بالمعروف ابتداء دخل في زمرة من قيل في حقه: ﴿مَنْ ضَلَّ﴾. قوله: (إن هذا ليس بزمانها) أي: هذا الزمان ليس بزمان العمل بمقتضى ظاهر الآية، وهو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الإمرة والحسبة اليوم مقبولة.
[ ٥ / ٥١٠ ]
وعنه: ليس هذا زمان تأويلها. قيل: فمتى؟ قال: إذا جعل دونها السيف والسوط والسجن. وعن أبي ثعلبة الخشني: أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيرًا، سألت رسول اللَّه ﷺ عنها فقال: "ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا ما رأيت شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرةً وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك، ودع أمر العوام، وإنّ من ورائكم أيامًا الصبر فيهنّ كقبضٍ على الجمر، للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله".
وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك، ولاموه، فنزلت.
_________________
(١) ـ قوله: (وعن أبي ثعلبة الخشني) بضم الخاء المعجمة والنون، الحديث بتمامه رواه الترمذي وابن ماجه. قوله: (عن ذلك) أي: عن العمل بمقتضى الآية، وقوله: سألت عنها، أي: عن الآية، أي: عن العمل بمقتضاها. قوله: (ائتمروا بالمعروف) أي: هموا به ولاتشاوروا فيه. النهاية: قيل لكل من فعل فعلًا من غير مشاورة: ائتمر، كأن نفسه أمرته بشيء فائتمر، أي: أطاعها. قوله: (شحًا مطاعًا). النهاية: الشح: أشد البخل مع الحرص، وفيه أن الشح من جبلة الإنسان، والكامل من لا يطيعه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩]. قوله: (ودنيا مؤثرة) أي: مختارة على الآخرة. قوله: (كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت أباك) أي: نسبته إلى السفه. الراغب: قال أبو بكر ﵁: إني أراكم تناولون هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ وقد عهدنا رسول الله ﷺ عامنا هذا على هذه الأعواد وهو يقول: "إن الناس إذا تركوا الأمر بالمعروف
[ ٥ / ٥١١ ]
(عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) عليكم: من أسماء الفعل، بمعنى: الزموا إصلاح أنفسكم، ولذلك جزم جوابه. وعن نافع: عليكم أنفسكم، بالرفع. وقرئ (لا يَضُرُّكُمْ) وفيه وجهان أن يكون خبرًا مرفوعًا وتنصره قراءة أبي حيوة، لا (يضيركم) وأن يكون جوابًا للأمر مجزومًا، وإنما ضمت الراء اتباعًا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة. والأصل: لا يضروكم. ويجوز أن يكون نهيا، ولا يضركم، بكسر الضاد وضمها من ضاره يضيره ويضوره.
_________________
(١) ـ والنهي عن المنكر عمهم الله بعقابه، وما بينكم وبين أن يعمكم الله بعقابه إلا أن تتأولوا هذه الآية على غير تأويلها"، وإنما المعنى: لاتقتدوا بآبائكم، واحفظوا أنفسكم، وإذا اهتديتم فليس عليكم من ضلال من خالفكم شيء، كقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقوله: ﴿وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]. وقلت: حديث أبي بكر أخرجه الترمذي وأبوداود، عن قيس بن أبي حازم، ويعضده النظم، فإن قوله: ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ يرمي إلى ذلك. قوله: (وعن نافع: "عليكم أنفسكم"، بالرفع) هي من طريق شاذة. قوله: (أن يكون خبرًا مرفوعًا)، قال الزجاج: إعراب ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ الأجود أن يكون رفعًا على جهة الخبر، أي ليس يضركم من ضل، ويجوز أن يكون جزمًا، أي: لا يضرركم، إلا أن الراء الأولى أدغمت في الثانية فضمت الثانية لالتقاء الساكنين، ويجوز على جهة النهي: "لا يضركم"، بفتح الراء وكسرها، وهذا نهي للغائب ويراد به المخاطبون، فإذا قلت: لا يضرركم كفر الكافر، معناه: لا تعدن أنت كفره ضررًا عليك.
[ ٥ / ٥١٢ ]
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ* فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ* ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَاتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ)].
ارتفع (اثنان) على أنه خبر للمبتدأ الذي هو (شَهادَةُ بَيْنِكُمْ) على تقدير:
_________________
(١) ـ قلت: وأما زيادة التقرير فهو أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ لا يخلو من أن يكون مجزومًا على جواب الأمر، فالمعنى: احفظوا أنفسكم والزموا صلاحها لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، أي: إذا حفظتموها لا يضركم من ضل، فإن لم تحفظوها بأن تصروا على ذكر مثالبهم يكن سببًا لأن تتضرروا بالملازمة عليها، أو أن يكون نهيًا للضلال عن إيصال الضرر إلى المؤمنين على منوال قولهم: لا أرينك هاهنا، أو أن يكون خبرًا مرفوعًا على تقدر سؤال، كأنه لما قيل لهم: الزموا أنفسكم واحفظوها عن أن تشتغلوا بمساوئهم قالوا: لِمَذا؟ فأجيبوا: لئلا يضركم ضلال من ضل، هذا وإن الظاهر: الزموا أنفسكم ولا تهتموا بشأنهم ولا تتأسفوا على ما فيه الفسقة من الفجور، فإنا لا نؤاخذكم بفعلهم كأنهم من فرط حرصهم وتهالكهم على صلاحهم حسبوا أنهم يتضررون بفسقهم، فرد عليهم، ولهذا ابتدأ بقوله: "كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتو"، وعليه قوله تعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]. قوله: (الذي هو ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾) اتسع في "بين" وأضيف إليه المصدر، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] بالرفع.
[ ٥ / ٥١٣ ]
شهادة بينكم شهادة اثنين. أو على أنه فاعل (شهادة بينكم) على معنى: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان.
وقرأ الشعبي: (شهادة بينكم) بالتنوين. وقرأ الحسن: (شهادة) بالنصب والتنوين، على: ليقم شهادة اثنان، (وإِذا حَضَرَ) ظرفٌ للشهادة، و(حِينَ الْوَصِيَّةِ) بدل منه، إبداله منه دليل على وجوب الوصية، وأنها من الأمور اللازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها مسلمٌ ويذهل عنها. وحضور الموت: مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل (مِنْكُمْ): من أقاربكم. و(مِنْ غَيْرِكُمْ): من الأجانب.
_________________
(١) ـ قوله: (وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية)، قال الإمام: قالوا: قوله تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ دليل على وجوب الوصية؛ لأنه تعالى جعل زمان حضور الموت حين زمان الوصية، وهذا إنما يكون إذا كانا متلازمين، وإنما تحصل هذه الملازمة حين وجوب الوصية. وقلت: والأظهر أن قول المؤلف: "وأنها من الأمور اللازمة التي لا ينبغي أن يتهاون بها" عطف تفسيري على قوله: "وجوب الوصية"، ودلالة على أن الإبدال فيه للتأكيد والتقرير والثبوت دون الوجوب المتعارف، ولهذا اقتصر القاضي وصاحب "التقريب" على التفسير دون المفسر، حيث قالا: وفي إبداله منه تنبيه على أن الوصية مما ينبغي ألا يتهاون فيها، ولم يذكر لفظ الوجوب، ومثله في دلالة الإخباري المنظور فيه المبالغة على الوجوب قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣]، قال: فيه معنى النهي، ولكن أبلغ وآكد من "لا ينكح".
[ ٥ / ٥١٤ ]
(إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ): يعني: إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية، جعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بأحوال الميت وبما هو [له] أصلح، وهم له أنصح. وقيل: (مِنْكُمْ): من المسلمين، و(مِنْ غَيْرِكُمْ) من أهل الذمة. وقيل: هو منسوخٌ لا تجوز شهادة الذمي على المسلم، وإنما جازت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر. وعن مكحولٍ: نسخها قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢].
وروي: أنه خرج بديل بن أبى مريم مولى عمرو بن العاص وكان
_________________
(١) ـ قوله: (وروي أنه خرج بديل بن أبي مريم)، والصحيح: بُزيلُ بن أبي مريم بالياء المنقوطة من تحت والضم وفتح الزاي في "تاب الترمذي"، والذي جاء في "كتاب ابن أمير ماكولا": يزيل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص في "الجامع"، وفي "صحيح البخاري" والترمذي وأبي داود، عن ابن عباس ﵄، قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي في أرض ليس بها مسلم، فلما قدموا فقدوا جاما من فضة مخوصًا بذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ، ثم وُجد الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي بن بداء، فقام رجلان من أوليائه فحلفا: لشهادتههما أحق من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية.
[ ٥ / ٥١٥ ]
من المهاجرين مع عدي بن زيد وتميم بن أوسٍ- وكانا نصرانيين- تجارًا إلى الشام، فمرض بديلٌ وكتب كتابًا فيه ما معه، وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله، ومات ففتشا متاعه فأخذا إناءً من فضةٍ فيه ثلاث مئة مثقالٍ منقوشًا بالذهب، فغيباه، فأصاب أهل بديلٍ الصحيفة فطالبوهما بالإناء، فجحدا، فرفعوهما إلى رسول اللَّه ﷺ؛ فنزلت.
(تَحْبِسُونَهُما): تقفونهما وتصبرونهما للحلف، (مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ): من بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس.
وعن الحسن: بعد صلاة العصر أو الظهر؛ لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. وفي حديث بديلٍ أنها لما نزلت صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة العصر ودعا بعديّ وتميمٍ فاستحلفهما عند المنبر فحلفا، ثم وجد الإناء بمكة، فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي.
وقيل: هي صلاة أهل الذمّة وهم يعظمون صلاة العصر.
(إِنِ ارْتَبْتُمْ): اعتراضٌ بين القسم والمقسم عليه. والمعنى: إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما.
_________________
(١) ـ قوله: (فيه ثلاث مئة مثقال) تجريد، نحو قولك: في البيضة عشرون رطلًا من حديد، أي: هي نفسه هذا المقدار. قوله: (وتصبرونهما للحلف). النهاية: في الحديث: "من حلف على يمين صبرًا"، أي: ألزم بها وحبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم.
[ ٥ / ٥١٦ ]
وقيل: إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين، وإن أريد الوصيان فليس بمنسوخ تحليفهما.
وعن علي ﵁: أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما.
والضمير في (به) للقسم، وفي (كانَ) للمقسم له يعني: لا نستبدل بصحة القسم باللَّه عرضًا من الدنيا؛ أي: لا نحلف كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريبًا لنا. على معنى: أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبدًا، وأنهم داخلون تحت قوله تعالى: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) [النساء: ١٣٥].
(شَهادَةَ اللَّهِ) أي: الشهادة التي أمر اللَّه بحفظها وتعظيمها. وعن الشعبي أنه وقف على "شهادة" ثم ابتدأ "اللَّه" بالمدّ على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه. وروي عنه بغير مدّ على ما ذكر سيبويه أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزةً الاستفهام، فيقول: اللَّه لقد كان كذا. وقرئ: (لملاثمين) بحذف الهمزة وطرح حركتها على اللام وإدغام نون "من" فيها، كقوله: (عاد لولى).
_________________
(١) ـ قوله: (فقد نُسخ تحليف الشاهدين)، قيل: الناسخ قوله ﷺ: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، والله أعلم. وقيل: أول من قاله قس بن ساعدة الإيادي. قوله: (أن هذه عادتهم في صدقهم)، والدلالة على العادة والتوكيد بقوله: "أبدًا"، انضمام ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [المائدة: ١٠٦] مع قوله: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ تتميمًا ومبالغة، يعني: إذا لم يحلف لذي القربى فبالطريق الأولى ألا يحلف للغير أبدًا، وهذا إنما يستقيم إذا أريد تحليف الشاهدين دون الوصيين، وذلك أن الشرطية، وهي قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ جيء بها لتأكيد المقسم به، أي: لم يكن من عادتنا أن نشتري به ثمنًا ولو وُجد ذو قربى.
[ ٥ / ٥١٧ ]
فإن قلت: ما موقع (تحبسونهما)؟ قلت: هو استئناف كلامٍ، كأنه قيل: بعد اشتراط العدالة فيهما، فكيف نعمل إن ارتبنا بهما، فقيل: تحبسونهما فإن قلت: كيف فسرت (الصلاة) بصلاة العصر وهي مطلقة؟ قلت: لما كانت معروفة عندهم بالتحليف بعدها، أغنى ذلك عن التقييد، كما لو قلت في بعض أئمة الفقه: إذا صلى أخذ في الدرس علم أنها صلاة الفجر. ويجوز أن تكون اللام للجنس، وأن يقصد بالتحليف على أثر الصلاة أن تكون الصلاة لطفًا في النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: ٤٥].
(فَإِنْ عُثِرَ): فإن اطلع (عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) أي: فعلا مّا أوجب إثما، واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين (فَآخَرانِ) فشاهدان آخران (يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ) أي: من الذين استحق عليهم الإثم. معناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته. وفي قصة بديلٍ: أنه لما ظهرت خيانة الرجلين، حلف رجلان من ورثته أنه إناء صاحبهما وأنّ شهادتهما أحق من شهادتهما: و(الْأَوْلَيانِ): الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، وارتفاعهما على: هما الأوليان كأنه قيل ومن هما؟ فقيل: الأوليان
_________________
(١) ـ قوله: (﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: فإن اطلع). الأساس: دابة بها عثار: لا تزال تعثر، وخرج متعثرًا في أذياله، ومن المجاز: عثر على كذا: اطلع عله، وأعثره على كذا: أطلعه. اعلم أن هذه الآية من أشكل ما في القرآن من الإعراب، قاله الزجاج، وقال الواحدي ﵀: روى عن عمر ﵁: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، وقال الإمام: اتفق المفسرون على أن هذه الآية في غاية الصعوبة إعرابًا ونظمًا وحكمًا.
[ ٥ / ٥١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقال القاضي: ومعنى الآيتين أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يُشهد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيته، فإن لم يجدهما، بأن كان في سفر، فآخران من غيرهم، ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة أو مظنة، حلف آخران من أولياء الميت، والحكم منسوخ، إن كان الإثنان شاهدين فنه لا يحلف الشاهدان، لا تعارض يمينهما يمين الوارث، وإن كانا وصيين تُرد اليمين على الورثة إما لظهور خيانة الوصيين، فإن تصديق الوصي باليمين لأمانته، أو لتغيير الدعوى. وقلت: هذا تلخيص المعنى، وهو في غاية من الجودة، وأما حل مشكل الآية فقد أشار إليه المصنف بحيث لا مزيد عليه. قال أبو البقاء: قوله: ﴿عَلَى أَنَّهُمَا﴾، قائم مقام الفاعل، و"آخران": فاعل فعل محذوف، أي: فليشهد آخران، و﴿يَقُومَانِ﴾: صفة "آخران"، و﴿مِنْ الَّذِينَ﴾: صفة أخرى لـ "آخران". قلت: فعلى هذا ﴿الأَوْلَيَانِ﴾: خبر مبتدأ محذوف والجملة مستأنفة على تقدير سؤال، كأنه لما قيل: فإن عُلم أن الشاهدين قد خانا فيقم شاهدان آخران من الذين جُني عليهم فقيل: من هما؟ فأجيب: الحقان بالشهادة من أقرباء المجني عليه. وقال الزجاج: قيل: معنى: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وقيل: استحق منهم كقوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: ٢]، أي: منهم.
[ ٥ / ٥١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقال صاحب "الكشف": أما ما يُسند إليه استحق فلا يخلو من أن يكون الإيصاء أو الوصية أو الإثم أو الجار والمجرور، وإنما جاز استحق الإثم لأن أخذه ثم فسُمي إثمًا كما يسمى ما يؤخذ منك بغير حق مظلمة، قال سيبويه: الملمة: اسم ما أخذ منك، وكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر، وأما معنى ﴿عَلَيْهِمْ﴾ فيحتمل أن يكون بمنزلة على في قولك: استحق على زيد مال بالشهادة، أي: لزمه ووجب عليه الخروج منه؛ لأن الشاهدين لما عُثر على خيانتهما استحق عليهما ما ولياه من أمر الشهادة والقيام بها ووجب عليهما الخروج منها وترك الولاية لها، فصار إخراجهما منها مستحقًا عليهما كما يستحق على المحكوم عليه الخروج مما وجب عليه، وأن يكون بمنزلة في، أي: استحق فيهم، وأن يكون بمنزلة من، أي: استحق منهم الإثم. وقلت: الحق أن يكون استحق مسندًا إلى الإثم، وأن يكون من باب المشاكلة والتضمين لقوله: "ومعناه: من الذين جُني عليهم"، والذي دعاه إلى هذا دعاه إلى هذا التأويل ابتناء قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ على قوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنْ الآثِمِينَ﴾؛ لأن المعنى: إن كتمنا الحق كنا من الخائنين، ثم إن اطلع على أنهما قد خانا وجنيا على المشهود عليه واستحقا إثمًا بذلك فآخران يقومان مقامهما بالشهادة، فكني عن قوله: "قد خانا وجنيا" بقوله: ﴿اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ ليُشاكل الكلام السابق وهو: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنْ الآثِمِينَ﴾، يدل عليه قوله: "واستوجبا أن يقال: إنهما لمن الآثمين"، ثم عبر عن المشهود عليهم بقوله: "استحق عليهم الإثم" ليشاكل ما عبر به عن الجاني، وهو ﴿اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾؛ لأن الجاني إذا كُني عنه بأنه استحق الإثم فالمناسب أن يثكنى عن المجني عليه بقوله: استحق الإثم عليه، فقول المصنف: "من الذي جنى عليهم" تخليص المعنى وزُبدته.
[ ٥ / ٥٢٠ ]
وقيل: هما بدل من الضمير في (يقومان) أو من (آخران). ويجوز أن يرتفعا بـ (استحق) أي: من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال. وقرئ: (الأوّلين) على أنه وصف لـ (الذين استحق عليهم) مجرورٌ، أو منصوبٌ على المدح.
ومعنى الأولية: التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها،
_________________
(١) ـ قوله: (هما: بدل من الضمير في ﴿يَقُومَانِ﴾. قال الزجاج: ﴿الأَوْلَيَانِ﴾: في قول أكثر البصريين مرتفعان على البدل من الضمير في ﴿يَقُومَانِ﴾، المعنى: فليقم الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين فيقسمان بالله. قوله: (ويجوز أن يرتفعا بـ ﴿اسْتَحَقَّ﴾) أي: ﴿الأَوْلَيَانِ﴾: يكون فاعل ﴿اسْتَحَقَّ﴾ لا "الإثمُ"، فعلى هذا ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بمعنى: استوجب، ولابد من تقدير المضاف؛ لأن الواجب على أهل الميت أن يختاروا من بينهم شخصين من أقارب الميت موصوفين بالأولوية من غيرهم لاطلاعهم على حقيقة الحال، وإليه الإشارة بقوله: " ﴿مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ﴾ انتداب الأوليين". الجوهري: ندبه لأمر فانتدب له، أي: دعاه له، فأجاب. الأساس: رجل ندب: إذا نُدب لأمر خف له، وفلان مندوب لأمر عظيم وندب لكذا، وإلى كذا، فانتدب له. قوله: (وقرئ: "الأولين") أي: بالجمع: أبو بكر وحمزة، والباقون: ﴿الأَوْلَيَانِ﴾ على التثنية. قوله: (على أنه وصف لـ ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ﴾)، المعنى: آخران يقومان من الذين جُني عليهم المقدمين على الأجانب، وقوله: "مجرور" صفةٌ "لوصف".
[ ٥ / ٥٢١ ]
وقرئ: (الأولين) على التثنية، وانتصابه على المدح. وقرأ الحسن: (الأولان) ويحتج به من يرى رد اليمين على المدعي. وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون ذلك، فوجهه عندهم أن الورثة قد ادعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة، لإنكارهم الشراء.
فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: (استحق عليهم الأوليان) على البناء للفاعل، وهم على وأبيّ وابن عباس؟
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "الأولين" بالتثنية، وانتصابه على المدح)، فعلى هذا هو جار على ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ﴾، لا على ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ﴾ لعدم المطابقة، وإنما يجعله وصفًا كما في قراءة "الأولين"، لاختلافهما نكرة ومعرفة. قوله: (فوجه عندهم) أي: أصحاب أبي حنيفة ﵀، فإن رد اليمين على المدعي غير سائغ عندهم، لكن قوله: "فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما تما، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة"، ليس في رواية البخاري والترمذي وأبي داود ما ينبئ عنه، وظاهر التنزيل يأباه؛ لأن ترتب الجزاء، وهو قوله: ﴿فَآخَرَانِ﴾، على ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾، ثم ترتبه على قوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنْ الآثِمِينَ﴾ مانع من تخلل هذا الأجنبي في البين، على أنه تعالى صرح بالرد والتعقيب في قوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ وجعله قانونًا لمثل هذا الحكم، والله أعلم. قوله: (من قرأ ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الأَوْلَيَانِ﴾ على البناء للفاعل) قراها حفص، أي: حق ووجب عليهم افثم، حق واستحق بمعنى في "المعالم".
[ ٥ / ٥٢٢ ]
قلت: معناه: من الورثة الذين (استحق عليهم الأوليان) من بينهم بالشهادة أن يجرّدوهما للقيام بالشهادة، ويظهروا بهما كذب الكاذبين (ذلِكَ) الذي تقدم من بيان الحكم
_________________
(١) ـ قوله: (أن يجردوهما) قيل: هو مفعول ﴿اسْتَحَقَّ﴾، والفاعل ﴿الأَوْلَيَانِ﴾، وقلت: معنى هذا يعود إلى قوله: "استحق عليهم انتداب الأوليين"، و"من بينهم": حال من الفاعل، و"بالشهادة": متعلق بـ ﴿الأَوْلَيَانِ﴾، أي: الأحقان بالشهادة، والواو في "ويظهروا" كالواو في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] في إفادة تعويل الترتيب إلى الذهن على مذهب صاحب "المفتاح"، أي: يشهدوا ويظهروا بهما. قوله: (﴿ذَلِكَ﴾ الذي تقدم من بيان الحكم) وهو ما ذكر من رد اليمين أو تغيير الحكم على الاختلاف أجدر وأحرى أن يأتوا بالشهادة على وجه التحقيق، و﴿عَلَى وَجْهِهَا﴾: حال من الشهادة، أي: محققة، المعنى: أن من حق الشهادة أن تشهد على ما هي عليه أو أن تترك إذا لم تكن محققة مخافة أن يفتضح الشاهد إذا ظهر خلافها، أو "إلى" مقدرة قبل ﴿أَنْ يَاتُوا﴾، والتقدير: ذلك الحكم الذي ذكرناه أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها مما كنتم تفعلونه، وأقرب إلى خوف الفضيحة، فتمتنعوا من ذلك، فعلى هذا ﴿أَوْ يَخَافُوا﴾: عطف على ﴿أَنْ يَاتُوا﴾، فيكون من باب قوله: علفتها تبنًا وماءً باردًا، والمعنى ما قاله الواحدي: ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين أدنى إلى الإتيان بالشهادة على ما كانت عليه، أو أقرب إلى أن ترد أيمان على أولياء الميت بعد أيمانهم فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرموا فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم.
[ ٥ / ٥٢٣ ]
(أَدْنى) أن يأتي الشهداء على نحو تلك الحادثة (بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ): أن تكرّ أيمان شهودٍ آخرين بعد أيمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم كما جرى في قصة بديل. (وَاسْمَعُوا) سمع إجابة وقبول.
[(يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ* إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)].
(يَوْمَ يَجْمَعُ) بدل من المنصوب في قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) [المائدة: ١٠٨] وهو من بدل الاشتمال، كأنه قيل: واتقوا اللَّه يوم جمعه، أو ظرف لقوله: (لا يَهْدِي) [ألمائدة: ١٠٨] أي: لا يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يفعل بغيرهم. أو ينصب على إضمار اذكر. أو (يوم يجمع اللَّه الرسل) كان كيت وكيت
_________________
(١) ـ قوله: (أن تكر)، ويروي "تكر" بغير "أن". الجوهري: يقال كره وكر بنفسه، يتعدى ولا يتعدى. قوله: (وهو من بدل الاشتمال). الانتصاف: يكون منصوبًا مفعولًا به لا ظرفًا. الإنصاف: لا يتصور هاهنا بدل الاشتمال؛ لأنه لابد من اشتمال البدل أو المبدل منه على الآخر، وهاهنا يستحيل ذلك، وإنما يتم ذلك ببيان المضمر، فإن تقديره: واتقوا عذاب الله يوم، وحينئذ يصح البدل لاشتمال ﴿يَوْمَ﴾ على العذاب.
[ ٥ / ٥٢٤ ]
و(ماذا) منتصب بـ (أجبتم) انتصاب مصدره على معنى: أي إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم؟ فإن قلت: ما معنى سؤالهم؟ قلت: توبيخ قومهم، كما كان سؤال الموؤدة توبيخًا للوائد.
فإن قلت: كيف يقولون: (لا عِلْمَ لَنا) وقد علموا بما أجيبوا؟ قلت: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم، فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم وكابدوا من سوء إجابتهم إظهارًا للتشكى واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة وأفت في أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم؛ إذا اجتمع توبيخ اللَّه وتشكى أنبيائه عليهم.
_________________
(١) ـ قوله: (على معنى: أي إجابة أجبتم؟ ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم؟)، قال صاحب "المفتاح": أي: سؤال عما يميز أحد المتشاركين عن أمر يعمهما بقول القائل: عندي ثياب، فيقول: أي ثياب هي؟ فيطلب منه وصفًا يميزها عندك عما يشاركها في الثوبية. فالمعنى: أي إجابة أجبتم: إجابة تصديق أو تكذيب، أو إجابة رد أو قبول، طاعة أو عصيان؟ ولو أريد السؤال عن مقولهم بمعنى: ما قالوا لكم؟ لقيل: بماذا، بإدخال الباء، قال القاضي: ماذا: في موضع المصدر، أو بأي شيء أجبتم، فحذف الجار، والمصنف لم يلتفت إلى الثاني. قوله: (بما منوا به). الجوهري: منوته ومنيته: إذا ابتليته. قوله: (وأفت في أعضادهم). الأساس: فت في عضده: إذا كسر قوته وفرق أعوانه. قوله: (وسقوطهم في أيديهم)، الأساس: سقط في يده وأسقط وسقط على المبني للفاعل: ندم، وهو مسقوط في يده وساقط في يده: نادم.
[ ٥ / ٥٢٥ ]
ومثاله أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصةً من خواصه نكبةً قد عرفها السلطان واطلع على كنهها وعزم على الانتصار له منه، فيجمع بينهما ويقول له: ما فعل بك هذا الخارجي وهو عالم بما فعل به، يريد توبيخه وتبكيته، فيقول له: أنت أعلم بما فعل بي تفويضًا للأمر إلى علم سلطانه، واتكالا عليه، وإظهارًا للشكاية، وتعظيمًا لما حل به منه. وقيل: من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعد ما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم. وقيل: معناه علمنا ساقط مع علمك ومغمور به، لأنك علام الغيوب، ومن علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة الأمم لرسلهم، فكأنه لا علم لنا إلى جنب علمك
_________________
(١) ـ قوله: (أن ينكب)، الأساس: نكب عنه ينكب ونكبت الريح: مالت عن مهاب الرياح، ومن المجاز: نكب في عدوه. قوله: (للشكاية)، الجوهري: شكوت فلانًا أشكوه شكاية وشكوى وشكاة بفتح الشين المعجمة: إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك. قوله: (وقيل: من هول ذلك اليوم)، ويروي: "هو من هول ذلك اليوم"، الضمير راجع إلى القول، وهو ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾، أي: وقيل: هذا القول صدر منهم من هول ذلك اليوم، ثم استأنف بقوله: "يفزعون"، فكأنه قيل: ما بالهم تكلموا به وقد سئلوا عن شيء وأجابوا بما لم يطابق السؤال، فأجيب: لأنهم "يفزعون ويذهلون عن الجواب"، فقوله: "وقيل: هو من هول ذلك اليوم" معطوف على قوله: "يعلمون أن الغرض" أي: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه قائلين: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾، ويجوز أنهم يذهلون عن الجواب ويقولون: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾، ثم بعد ما ترجع إليهم عقولهم يجيبون بالشهادة على أممهم. قوله: (معناه: علمنا ساقط مع علمك)، هذا جواب آخر، على طريقة الأسلوب الحكيم، لأنه جواب بإثبات العلم لله على طريقة يُعلم منها المقصود، وذلك قوله: "لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة الأمم لرسلهم".
[ ٥ / ٥٢٦ ]
وقيل: لا علم لنا بما كان منهم بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة، وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه زرق العيون موبخين؟
وقرئ: (علام الغيوب) بالنصب على أنّ الكلام قد تم بقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ) أي: إنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره، ثم نصب (علام الغيوب) على الاختصاص، أو على النداء، أو هو صفةٌ لاسم "إنّ".
_________________
(١) ـ قوله: (وكيف يخفى عليهم أمرهم؟) رد واعتراض على القول اخير، وفيه إضمار، وذلك أنه تعالى لما سألهم بقوله: أي إجابة أجبتم، إجابة قبول أم رد، طاعة او عصيان؟ فقالوا: لا علم لنا بما كان منهم بعدنا، يعني: ما دمنا فيهم أجاب بعضهم إحابة طاعة وقبول، وبعضهم إجابة معصية ورد، فلما توفيتنا كنت أنت الرقيب عليهم، نحن لا نعلم ما كان منهم بعدنا: هل بدلوا وغيروا أم ثبتوا وداموا؟ لأن الحكم للخاتمة، وهذا لا يصح؛ لأن أمارات سوء الخاتمة لائحة من وجوههم وعيونهم، فكيف يقولون: نحن لا نعلم الخاتمة؟ قوله: (أي: إنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره)، فالتركيب حينئذ من باب قوله: أنا أبو النجم وشعري شعري قوله: (أو هو صفة لاسم "إن")، قيل: فيه نظر؛ لان اسم "إن" ضمير، والضمير لا يوصف. وأجيب أن النظر مدفوع؛ لأنه يذكر الأقوال المذكورة، وبعضهم جوز وصف الضمير، وهذا بناء على ذلك المذهب. الانتصاف: هو كقوله: أنا أبو النجم وشعري شعري الإنصاف: وقع في كلام الزمخشري أنه منصوب على النداء أو الاختصاص أو نعت لاسم
[ ٥ / ٥٢٧ ]
(إِذْ قالَ اللَّهُ) بدلٌ من (يَوْمَ يَجْمَعُ). والمعنى: أنه يوبخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم، وبتعديد ما أظهر على أيديهم من الآيات العظام،
_________________
(١) ـ "إن" وهو بعيد؛ لأن المضمرات لا توصف، واسم "إن" ضمير واحد. وفر صاحب "الانتصاف" من ذلك ولم ينبه عليه، وهو من المشكلات. وقلت: ولا ارتياب أن الكلام إذا قُطع عند قوله: ﴿أَنْتَ﴾، كما صرح به وعقبه بقوله: "ثم نُصب" لم يكن لقوله: "علام الغيوب" تعلق إعرابي به، فلا وجه لجعله صفة نحوية، فيكون التقدير: يا علام الغيوب، على النداء، أو: اذكر علام الغيوب، على المدح، او: أعني علام الغيوب، على الوصف والتفسير. فإذن: الجملة الثانية بيان للجملة الأولى من حيث الصفة التي يستدعيها المقام، على طريقة: أنا أبو النجم، وأنت تعلم أن نحو هذا التركيب لا يفيد معنى بنفسه ما لم يستند إلى ما ينبئ عن وصف خاص، وها هنا لما قيل: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾، يعني إنك أنت الموصوف بأوصافك، لم يُعلم أن الصفة التي يقتضيها المقام ما هي؟ فقيل: "علام الغيوب" للكشف والبيان، والبيان يدل عليه إيقاع قوله: "من العلم وغيره" بيانًا لقوله: "بأوصافك المعروفة"، ليكون شاملًا لجميع الأصواف، فيحتاج حينئذ إلى تعيين ما يقتضيه المقام، وكذلك دل قوله: "وشعري شعري" على الوصف الذي يستدعيه "أنا"، أي: أنا ذلك المشهور بالبلاغة والفصاحة، وشعري هو البالغ في الكمال. قوله: (﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾، وقلت: ولما كان البدل كالتفسير للمبدل ولم يعلم من قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ هل السؤال عن تمييز أحد المتشاركين عن أمر يعمهما أو عن مقول الكافرين على تقدير الباء، كما قال القاضي، والذي عيه ظاهر كلام المصنف أن قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ مبهم في إجابة قبول أو رد، أتى بقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ إلى آخر السورة بيانًا وتفصيلًا لذلك المجمل، وأوضح أن السؤال على طريق التمييز وبيان أن
[ ٥ / ٥٢٨ ]
فكذبوهم وسموهم سحرةً، أو جاوزوا حدّ التصديق إلى أن اتخذوهم آلهةً، كما قال بعض بني إسرائيل فيما أظهر على يد عيسى ﵇ من البينات والمعجزات: (هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) [الأحقاف: ٧] واتخذه بعضهم وأمه إلهين.
(أَيَّدْتُكَ): قويتك. وقرئ (أيدتك) على: أفعلتك. (بِرُوحِ الْقُدُسِ): بالكلام الذي يحيا به الدين وأضافه إلى القدس، لأنه سبب الطهر من أو ضار الآثام، والدليل عليه قوله تعالى: (تُكَلِّمُ النَّاسَ) و(فِي الْمَهْدِ) في موضع الحال، لأنّ المعنى تكلمهم طفلًا وَكَهْلًا، إلا أن (في المهد) فيه دليلٌ على حدّ من الطفولة. وقيل روح القدس: جبريل صلوات الله عليه أيد به لتثبيت الحجة.
فإن قلت: ما معنى قوله: (فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)؟ قلت:
_________________
(١) ـ الجواب جواب رد لا قبول، ولهذا قال: "والمعنى: أنه توبيخ للكافرين يومئذ"، وختم الآية بقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وهو الوجه الأول من الوجوه المذكورة في جواب سؤاله: "كيف يقولون: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ وقد علموا؟ " ألا ترى كيف بين معنى التمييز بقوله: "فكذبوهم وسموهم سحرة، أو جاوزوا حد التصديق"، حيث ميز احتمال السؤال من التصديق والتكذيب بأحدهما وهو التكذيب؟ قوله: (أو جاوزوا حد التصديق): عطف على "فكذبوهم"، وقوله: "كما قال بعض بني إسرائيل" إلى آخره، نشر لهذين المعنيين. قوله: (والدليل عليه) أي: على أن المراد بروح القدس: الكلام: إيقاع قوله: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ إما بيانًا للجملة الأولى أو استئنافًا. قوله: (إلا أن ﴿فِي الْمَهْدِ﴾) يعني كان المراد من قوله: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾: حال الطفولية، لكن في تخصيص ذكر المهد تتميم ومبالغة، ولهذا نكر قوله: "على حد من الطفولة"، ولو قيل: طفلًا، لم تكن تلك المبالغة؛ لأن الطفولية تنتهي وقت البلوغ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٩].
[ ٥ / ٥٢٩ ]
معناه: تكلمهم في هاتين الحالتين، من غير أن يتفاوت كلامك في حين الطفولة وحين الكهولة الذي هو وقت كمال العقل وبلوغ الأشد والحدّ الذي يستنبأ فيه الأنبياء.
(وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) خصا بالذكر مما تناوله الكتاب والحكمة، لأن المراد بهما جنس الكتاب والحكمة. وقيل الْكِتابَ: الخط. والْحِكْمَةَ: الكلام المحكم الصواب. (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) هيئةٍ مثل هيئة الطير. (بِإِذْنِي) بتسهيلي. (فَتَنْفُخُ فِيها) الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى ﵇ وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا من نفخه في شيء. وكذلك الضمير في (فتكون). (تُخْرِجُ الْمَوْتى): تخرجهم من القبور وتبعثهم. قيل: أخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية.
(وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ) يعني: اليهود حين هموا بقتله. وقيل: لما قال اللَّه تعالى لعيسى: (اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ) كان يلبس الشعر ويأكل الشجر،
_________________
(١) ـ قوله: (معناه: تكلمهم في هاتين الحالتين) يعني: فائدة انضمام "كهلًا" مع ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ هنا، فعلى هذا يكون الثاني تابعًا للأول، والأحسن ما في كلام الإمام أن الثاني أيضًا معجزة مستقلة؛ لأن المراد: يكلم الناس في الطفولة وفي الكهولة حين ينزل من السماء في آخر الزمان؛ لأنه حين رفع لم يكن كهلًا. قوله: (لأن المراد بهما جنس الكتاب): تعليل للتخصيص، يعني هو من باب عطف الخاص على العام لمزيد الفضل والشرف. قوله: (ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها)، يعني: في قوله: "هيئة مثل هيئة الطير"؛ لأن الثانية مشبهة بها، وهي من خلق الله، بل على الأولى المشبه؛ لأنها من تقديره ومن نفخه. قوله: (وقيل: لما قال الله لعيسى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي﴾: عطف على قوله: " ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾ "، فيكون هذا الخطاب في الدنيا.
[ ٥ / ٥٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وفي كلام المصنف لطيفة، وهي أنه تعالى من عليه بقوله: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾، وما كانت تلك النعمة نعمة دنيوية؛ لأنه كان يلبس حينئذ الشعر ويأكل الشجر. وفيه أن هذه النعمة أيضًا من التأييدات القدسية والمنح الإلهية، روي أن فتحا الموصلي ﵀ رجع ليلة إلى بيته فلم يجد عشاء ولا سراجًا ولا حطبًا، فأخذ يحمد الله تعالى ويتضرع إليه ويقول: إلهي، لأي سبب ووسيلة واستحقاق عاملتني بما تعامل به أنبياءك وأولياءك؟ وقضية النظم على هذا الوجه هو أنه تعالى لما خوف الشاهدين خصوصًا والناس عمومًا بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ [المائدة: ١٠٨] بمعنى: واتقوه يوم جمعه الرسل وسؤاله إياهم: بـ ﴿مَاذَا أَجَبْتُمْ﴾ في الدنيا حين أرسلتم إلى القوم؟ وقول الرسل من الهيبة والذهول: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾، اتجه لسائل: ما ذاك السؤال والجواب في الدنيا لا علم لي بذلك؟ فقيل له: اذكر وقت بعثة عيسى ﵊ إلى القوم وتأييده بالمعجزات الباهرة، وجواب بعض القوم له: هذا سحر مبين، وبعضهم: ثالث ثلاثة، ليعلم ذلك السؤال والجواب، يدل على الأول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، و"من" في ﴿مِنْهُمْ﴾: تبعيضية، وعلى الثاني قوله: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ﴾، ويدل على أن الوجه هو الأول قول عيسى ﵊: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾، قول الله ﷿: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ الآية [المائدة: ١١٦]. وتقرير الكلام على هذا الوجه: اذكر أيها السائل ذلك الوقت الذي أراد الله ﷾ أن يرسل عيسى ﵊، وحين أيده بالكتاب والحكمة وضم معه المعجزات، وأمره بدعوة القوم إلى الحكمة والعمل بما في الكتاب، فامتثل الأمر وادعى الرسالة وأظهر المعجزات القاهرة وأفحمهم، فأظهروا العجز، وقال بعضهم: إن هذا إلا سحر مبين، وقال
[ ٥ / ٥٣١ ]
ولا يدخر شيئًا لغدٍ، يقول: مع كل يومٍ رزقه، لم يكن له بيتٌ فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.
[(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ* إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَاكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ* قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ* قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ)].
(أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ): أمرتهم على ألسنة الرسل. (مُسْلِمُونَ): مخلصون. من: أسلم وجهه للَّه.
_________________
(١) ـ بعضهم: ثالث ثلاثة على منوال هذا، فأفسح في الوجه الأول وراعى فيه ما يستدعيه المقام من الكلام. قوله: (لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت) عقده المعري: سعد المسيح يسيح في الغبراء لا … ولد يموت ولا بناء يخرب قوله: (﴿أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾: أمرتهم)، قال الزجاج: وأنشدوا: الحمد لله الذي استقلت … بإذنه السماء واطمأنت وحي لها القرار فاستقرت
[ ٥ / ٥٣٢ ]
(عِيسَى): في محل النصب على إتباع حركة الابن كقولك: يا زيد بن عمروٍ، وهي اللغة الفاشية، ويجوز أن يكون مضموما كقولك: يا زيد بن عمرو. والدليل عليه قوله:
أَحَارِ بْنَ عَمْرٍو كَأَنِّى خَمِرْ
لأنّ الترخيم لا يكون إلا في المضموم.
فإن قلت: كيف قالوا: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) بعد إيمانهم وإخلاصهم؟ قلت: ما وصفهم اللَّه بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله:
_________________
(١) ـ أي: أمرها أن تقر فامتثلت. قوله: (في محل النصب) أي: الفتح؛ لأن حركته حركة بناء. قوله: (أن يكون مضمومًا كقولك: يا زيد بن عمرو) قيل: هذه لغة قليلة. قوله: (أحار بن عمرو كأني خمر)، بعده: ويعدو على المرء ما يأتمر الخمر: الذي ضربه الخمار، وقيل: الخمر: نبت طيب ترعى فيه الأنعام ويلجأ إليه الناس إذا لم يجدوا طعامًا، ما يأتمر: من الائتمار، أي: مادام يمتثل الأمر، القائل يعابت الحارث ويقول: كأني ذلك النبت يأكلني كل أحد؛ لأني أوافقهم فيما يأمرونني. قوله: (لأن الترخيم لا يكون إلا في المضموم)، وذلك أن المفتوح مع ما بعده بمنزلة الاسم الواحد كالمركب فلا يُرخم منه، لأنه لو رخم آخر الأول لكان الحذف من الوسط وهو غير سائغ.
[ ٥ / ٥٣٣ ]
"إِذ قالوا" فإذن إنّ دعواهم كانت باطلةً، وإنهم كانوا شاكين، وقوله: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم، وكذلك قول عيسى ﵇ لهم معناه: اتقوا اللَّه ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه، ولا تتحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها.
_________________
(١) ـ قوله: (أن دعواهم كانت باطلة، وأنهم كانوا شاكين)، قال الزجاج: يحتمل أنهم أرادوا أن يزدادوا تثبيتًا، كقوله ﷺ: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وأن استنزال المائدة كان قبل علمهم أنه أبرأ الأكمه والأبرص، وأما قول عيسى ﵊: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فالمراد: لا تقترحوا الآيات ولا تقدموا بين يدي الله ورسوله، وقال الواحدي: لا يدل قولهم على الشك، هذا كما تقول لصاحبك: هل تستطيع أن تقوم؟ أي: هل يسهل عليه إنزال هذه المائدة؟ وقال محيي السنة: لم يكونوا شاكين في قدرة الله، ولكن معناه: هل ينزل أم لا؟ وقيل: ﴿يَسْتَطِيعُ﴾ بمعنى يُطيع، يقال: أطاع واستطاع بمعنى، كقولهم: أجاب واستجاب، معناه: هل يطيعك ربك بإجابة سؤالك؟ وفي الآثار: من أطاع الله أطاعه الله، وأجرى بعضهم على ظاهره. الانتصاف: هل تستطيع؟: هل تفعل؟ تقول للقادر: هل تستطيع كذا؟ مبالغة في التقاضي، عبر عن المسبب بالسبب؛ لأن الاستطاعة من أسباب الإيجاد، ومنه تأويل أبي حنيفة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ﴾ [النساء: ٢٥] أي: ومن لم يملك، وحمل النكاح على الوطء،
[ ٥ / ٥٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وجعل الاستطاعة نفس الملك، حتى إن القادر غير المالك عادم للطول، وكنت أستبعد احتمال اللفظ حتى وقفت على هذا القول عن الحواريين، وهو قول الحسن ﵀، ويقوي قول الزجاج والواحدي قوله: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾؛ ولأن وصفهم بالحواريين ينافي أن يكونوا على الباطل، وأن الله تعالى أمر المؤمنين بالتشبه بهم والاقتداء بسنتهم في قوله: ﴿كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] ن ورسول الله ﷺ مدح الزبير بقوله: "إن لكل نبي حواريًا، وإن حواري الزبير بن العوام"، أخرجه الترمذي، عن جابر، وقال في الصف: "والحواريون: أصفياؤه، وهم أول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلًا، وحواري الرجل: صفيه وخلصاؤه"، وقراءة الكسائي فإنه قرأ بالتاء وإدغام اللام فيها ونصب الباء، والباقون: بالياء ورفع الباء، أي: هل تستطيع سؤال ربك ما قال، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقلت: ويمكن أن تنزل تلك القراءة على هذه، و﴿هَلْ﴾ مثلها في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان: ١] تقديره: قد يستطيع ربك أن يُنزل علينا مائدة فاسأله حتى ينزل؟ فإن قلت: كيف يطابقه قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؟ قلت: لها أسوة بقراءة الكسائي، وبالرد على إبراهيم منكرًا عليه بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ في سؤاله: ﴿كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فحينئذ يكون قولهم: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَاكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ مطابقًا لقوله: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، والله أعلم.
[ ٥ / ٥٣٥ ]
(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة. وقرئ: (هل تستطيع ربك) أي: هل تستطيع سؤال ربك، والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله. والمائدة: الخوان إذا كان عليه الطعام، وهي من مادّه: إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدّم إليه. (وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ): نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين للَّه بالوحدانية ولك بالنبوّة، عاكفين عليها، على أن (عليها) في موضع الحال،
_________________
(١) ـ قوله: (إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة)، وقلت: على التأويل الصحيح: واتقوا الله لأنكم مؤمنون، وسيجيء بيان أمثال هذا الشرط في قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا﴾ [الممتحنة: ١]. قوله: (وهي من مادة: إذا أعطاه)، روى الزجاج عن أبي عبيدة: أنها مفعولة، ولفظها فاعلة نحو: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، قال الزجاج: إنها فاعلة من ماد يميد: إذا تحرك، فكأنها تميد بما عليها. قوله: (على أن ﴿عَلَيْهَا﴾ في موضع الحال) لا يخلو إما أن يكون حالًا من اسم "كان" على رأي من يجوز إعمال "كان" في الحال، كما مر في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٩٤]، أو أن يكون حالًا من الضمير في الظرف الذي هو خبر "كان"، ولا يجوز الثاني لما يلزم من تقدم الحال على العامل المعنوي، فتعين الأول، قال ابن الحاجب: وقد اختلف في مثل: زيد في الدار قائمًا، فجوز بعضهم تقديمه؛ لأن التقدير: استقر، أو: مستقر، وبعضهم يجعلون المقدر نسيًا منسيًا والظرف هو العامل في المعنى، وهو أرجح؛ لأنه لم يثبت مثل: زيدٌ قائمًا في الدار، في فصيح الكلام، ولأنه إذا صار من قبيل المنسي صار في حكم العدم وصارت المعاملة مع النائب عنه، كذلك مذهب
[ ٥ / ٥٣٦ ]
وكانت دعواهم لإرادة ما ذكروا كدعواهم الايمان والإخلاص.
وإنما سأل عيسى وأجيب ليلزموا الحجة بكمالها ويرسل عليهم العذاب إذا خالفوا. وقرئ: (ويعلم) بالياء على البناء للمفعول. (وتعلم) (وتكون) بالتاء، والضمير للقلوب.
(اللَّهُمَّ) أصله: يا اللَّه، فحذف حرف النداء، وعوضت منه الميم، و(رَبَّنا) نداء ثان. (تَكُونُ لَنا عِيدًا) أي: يكون يوم نزولها عيدًا. قيل: هو يوم الأحد ومن ثم اتخذه …
_________________
(١) ـ المحققين في قولك: سقيا زيدًا، أن "زيدًا" معمول "سُقيا" لا الفعل المحذوف؛ لأنه في حكم المنسي، بخلاف قولك: ضربًا زيدًا؛ لأن حكم الفعل باق، فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون حالًا من الضمير في ﴿الشَّاهِدِينَ﴾؟ قلت: لا يجوز؛ لأن ما في حيز الصلة ومعمولها لا يتقدم على الموصول. قوله: (كدعواهم الإيمان)، قيل: كما أن دعواهم للإيمان والإخلاص كانت باطلة، كذلك دعواهم ما ذكروا من قوله: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَاكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ باطلة، ثم أجاب عن سؤال مقدر، وهو أنه إذا كانت دعواهم باطلة كدعوتهم، فلم سأل عيسى ﵊ المائدة؟ ولم أجابه الله تعالى؟ فأجاب بأن ذلك لإلزام الحجة. قوله: (و﴿رَبِّنَا﴾ نداء ثان). قال الزجاج: زعم سيبويه أن "اللهم" كالصوت، وأنه لا يوصف، وأن ﴿رَبِّنَا﴾ منصوب على نداء آخر، وقد سبق في سورة آل عمران في قوله: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] الكلام فيه.
[ ٥ / ٥٣٧ ]
النصارى عيدًا. وقيل: العيد: السرور العائد، ولذلك يقال: يوم عيدٍ، فكان معناه تكون لنا سرورًا وفرحًا. وقرأ عبد اللَّه (تكن) على جواب الأمر، ونظيرهما (يَرِثُنِي) و(يَرِثْني).
(لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا) بدل من (لنا) بتكرير العامل، أي: لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتى بعدنا. وقيل: يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم. ويجوز للمتقدمين منا والأتباع. وفي قراءة زيد: (لأولانا وأخرانا) والتأنيث بمعنى الأمّة والجماعة. (عَذابًا) بمعنى تعذيبًا، والضمير في: (لا أُعَذِّبُهُ) للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به، لم يكن بدّ من الباء.
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: العيد: السرور)، فعلى هذا الضمير يعود إلى "المائدة"، ولم يحتج إلى تقدير المضاف، قال أبو البقاء: يجوز أن يكون ﴿لَنَا﴾ خبر "كان"، ويكون ﴿عِيدًا﴾: حالًا من الضمير في الظرف، أو: حالًا من الضمير في "كان" على قول من يقول: إنها عامل في الحياة. قوله: (وقيل: يأكل منها آخر الناس) يريد أن التكرير في ﴿لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ لرفع التفاوت بين قوم وقوم، يعني: لا تفاوت بين من يأكل أولًا ومن يأكل آخرًا لإنزال الله البركة فيها، ولذا قدم المصنف آخر الناس على أولهم، ومثله في التكرير المعنوي قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، قال: "يريد الديمومة ولا يقصد الوقتين المعلومين". قوله: (﴿عَذَابًا﴾ بمعنى: تعذيبًا)، قال أبو البقاء: ﴿عَذَابًا﴾: اسم المصدر الذي هو التعذيب، كالسلام بمعنى التسليم فيقع موقعه، ويجوز أن يكون مفعولًا به على السعة. قوله: (والضمير في ﴿لا أُعَذِّبُهُ﴾ للمصدر)، قال صاحب "الكواشي": المعنى: لا أعذب مثل تعذيب الكافر بالله وبعيسى- بعد نزول المائدة - أحدًا من العالمين. وقال أبو البقاء:
[ ٥ / ٥٣٨ ]
روي أن عيسى ﵇ لما أراد الدعاء لبس صوفًا ثم قال: اللهم أنزل علينا، فنزلت سفرةٌ حمراء بين غمامتين؛ غمامة فوقها، وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى ﵇ وقال: اللهم اجعلنى من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مُثلةً وعقوبةً، وقال لهم: ليقم أحسنكم عملًا يكشف عنها ويذكر اسم اللَّه عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك، فقام عيسى وتوضأ وصلى وبكى، ثم كشف المنديل وقال: بسم اللَّه خير الرازقين، فإذا سمكةٌ مشويةٌ بلا فلوسٍ ولا شوكٍ تسيل دسمًا، وعند رأسها ملحٌ، وعند ذنبها خلٌ، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكرّاث، وإذا خمسة أرغفةٍ على واحدٍ منها زيتونٌ، وعلى الثاني عسلٌ، وعلى الثالث سمنٌ،
_________________
(١) ـ يجوز أن تكون الهاء للعذاب، وفيه وجهان: أن يكون على حذف حرف الجر، أي: لا أعذب به أحدًا، وأن يكون مفعولًا به على السعة، ويجوز أن يكون ضمير المصدر المؤكد، نحو: ظننته زيدًا منطلقًا ولا تعود الهاء على العذاب الأول، فإن قلت: ﴿لا أُعَذِّبُهُ﴾ صفة لعذاب، وحينئذ لا راجع من الصفة إلى الموصوف، قلت: لماوقع الضمير موقع المصدر والمصدر جنس عام، و﴿عَذَابًا﴾: نكرة، كان الأول داخلًا في الثاني نحو: زيد نعم الرجل. قوله: (ولا تجعلها مثلة وعقوبة)، أراد بالمثلة: العقوبة الغريبة مثل المسخ، قال في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]: "لما في المثل من الغرابة قالوا: فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن"، ومنه أنه ﷺ نهى عن المثلة. النهاية: يقال: مثلت بالحيوان أمثل به مثلًا: إذا قطعت أطرافه وشوهت به، ومثلت بالقتيل: إذا جدعت أنفه وأذنه أو شيئًا من أطرافه، والاسم: المثلة.
[ ٥ / ٥٣٩ ]
وعلى الرابع جبنٌ، وعلى الخامس قديدٌ. فقال شمعون: يا روح اللَّه، أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ فقال: ليس منهما، ولكنه شيءٌ اخترعه اللَّه بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم اللَّه ويزدكم من فضله: فقال الحواريون: يا روح اللَّه، لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال: يا سمكة احيى بإذن اللَّه، فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشويةً، ثم طارت المائدة، ثم عصوا بعدها فمسخوا قردة وخنازير.
وروي أنهم لما سمعوا بالشريطة وهي قوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ) قالوا لا نريد فلم تنزل. وعن الحسن: واللَّه ما نزلت، ولو نزلت لكان عيدًا إلى يوم القيامة، لقوله: (وَآخِرِنا). والصحيح أنها نزلت.
[(وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)].
_________________
(١) ـ قوله: (وعن الحسن: والله ما نزلت)، نقل القاضي عن مجاهد: أن هذا مثل ضربه الله تعالى لمقترحي المعجزات. قوله: (والصحيح أنها نزلت) أي: المائدة، لقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾، ولما روينا عن الترمذي، عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله ﷺ: "أنزلت المائدة من السماء خُبزًا ولحمًا، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير".
[ ٥ / ٥٤٠ ]
(سُبْحانَكَ) من أن يكون لك شريك. (ما يَكُونُ لِي): ما ينبغي لي. (أَنْ أَقُولَ) قولًا لا يحق لي أن أقوله، (فِي نَفْسِي): في قلبي: والمعنى: تعلم معلومى ولا أعلم معلومك، ولكنه سلك بالكلام طريق المشاكلة وهو من فصيح الكلام وبينه، فقيل:
_________________
(١) ـ قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ من أن يكون لك شريك)، فإن قلت: قوله: ﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لا يقتضي الشركة، بل يقتضي أنهم اتخذوهما إلهين من دون الله، على أنه يوهم إنكار الإفراد، ولأنهم لو اتخذوهما إلهين معه لكان جائزًا؛ لأنك إذا قلت: اتخذت فلانًا دوني حبيبًا: جاز إنكار إفراده بالاتخاذ، وأجاب الراغب: أن قوله: "من دوني" يحتمل وجهين، أحدهما: إنكار اتخاذهما معبودين وعدم اتخاذه معبودًا، وذلك أنهم لما عبدوهما معه كان عبادتهما له غير معتد بها؛ لأن الله تعالى لا يرضى أن يعبد معه غيره، والثاني: أن دون هاهنا للقاصر عن الشيء، وهم عبدوا المسيح وأمه، فهما توصلا إلى عبادة الله كما عبد الكفار الأصنام حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فكأنه قيل: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ﴾ متوصلين بنا إلى الله؟ ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ متنزهين عن ذلك. قوله: (سلك بالكلام طريق المشاكلة)، يعني: لو لم تُقل: ﴿مَا فِي نَفْسِي﴾، لم يجز أن يقال: ﴿وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾؛ لأنه لا يجوز أن يُطلق على الله ابتداء اسم النفس، قال الزجاج: النفس في كلامهم لمعنيين، أحدهما: قولهم: خرجت نفس فلان، وفي نفس فلان أني فعل كذا، وثانيهما: جملة الشيء وحقيقته، تقول: فلان قتل نفسه، أي: ذاته، وليس معناه أن القتل وقع ببعضه، فمعنى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي: ما أضمره ولا علم ما في حقيقتك وما عندك علمه، أي: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم. وقلت: ولابد من الإقرار بالمشاكلة؛ لأن "ما في النفس"- إن أريد المضمرات - فلا مطابقة من جانب الله، فيجب القول بالمشاكلة، وإن أريد ما في الحقيقة والذات فالمشاكلة من حيث
[ ٥ / ٥٤١ ]
(فِي نَفْسِكَ) لقوله: (في نفسي). (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ): تقريرٌ للجملتين معًا، لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب، ولأن ما يعلمه علام الغيوب لا ينتهى إليه علم أحدٍ.
[(ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ* إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)].
(أن) في قوله: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بد من مفسر،
_________________
(١) ـ الإدخال في الظرفية على أن لابد من القول به من جانب العبد؛ لأن المراد ما في الضمير؛ لقوله: ﴿فِي نَفْسِي﴾: في قلبي، الراغب: ويجوز أيضًا أن يكون القصد إلى نفي النفس عنه، فكأنه قال: تعلم ما في نفسي ولا نفس لك فأعلم ما فيها، كقول الشاعر: لا ترى الضب بها ينجحر أي: لا ضب ولا جُحر بها، فيكون من الضب الانجحار. قوله: (﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾: تقرير للجملتين معًا). قال القاضي: تقرير للجملتين باعتبار مفهومه ومنطوقه. وقلت: دل تصدر الجملة بإن، وتوسيط الفصل، وبناء المبالغة، والجمع المحلي باللام، أن شيئًا من الغيب لا يعزب عن علمه البتة. قوله: (في قوله: ﴿أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إن جعلتها مفسرة) إلى آخره، قال صاحب "الفرائد" ﵀: قوله: "لم تخل من أن تكون بدلًا من ﴿أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ أو من الهاء" مختل؛ لأن الوجه أن
[ ٥ / ٥٤٢ ]
والمفسر إما فعل القول وإما فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له، أما فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير، لا تقول: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا اللَّه. ولكن: ما قلت لهم إلا اعبدوا اللَّه. وأما فعل الأمر، فمسند إلى ضمير اللَّه ﷿. فلو فسرته بـ (اعبدوا اللَّه ربي وربكم)، لم يستقم لأن اللَّه تعالى لا يقول: اعبدوا اللَّه ربى وربكم، وإن جعلتها موصولة بالفعل لم تخل من أن تكون بدلًا من (ما أمرتنى به) أو من الهاء في (به) وكلاهما غير مستقيم، لأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه. ولا يقال: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا اللَّه، بمعنى ما قلت لهم إلا عبادته لأن العبادة لا تقال. وكذلك إذا جعلته بدلا من الهاء لأنك لو أقمت (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) مقام الهاء، فقلت: إلا ما أمرتنى بأن اعبدوا اللَّه، لم يصح، لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته.
_________________
(١) ـ يقال: إن جعلتها موصولة بالفعل لم يخل من أن يكون بدلًا أو عطف بيان، فإن كان بدلًا لم يخل من أن يكون بدلًا من ﴿مَا أَمَرْتَنِي﴾ أو من الهاء في ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، وكذا إن كان عطف بيان للهاء، ثم أقول: تأويل القول لا يصح منه إذا كان في التقسيم قسم يصح، وهو أن يكون عطف بيان؛ لأن التأويل عند الضرورة، وفائدة التقسيم ثبوت الضرورة ليثبت جواز التأويل. قوله: (هو الذي يقوم مقام المبدل منه) غير سديد؛ لأنه قال في "المفصل": لا يجب ذلك؛ لأنك تقول في "زيد رأيت غلامه رجلًا صالحًا": إن "رجلًا صالحًا" بدل من "غلامه"، مع أنه لا يقوم مقامه؛ لأنك لو قلت: زيد رأيت رجلًا صالحًا، كان فاسدًا. سلمنا، ولكن لم لا يجوز أن يكون بدلًا من ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، ويصح أن يقوم مقامه؟ قوله: (ولا يقال: ما قلت لهم إلا: أن اعبدوا الله، بمعنى: ما قلت لهم إلا عبادته؛ لأن العبادة لا تقال). قلت: لا نُسلم ذلك، ويمكن أن يقال معناه: ما قلت لهم إلا عبادته بالنصب، أي:
[ ٥ / ٥٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الزموا عبادته، ويكون هو المراد من ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، وتكون الجملة وهي: الزموا عبادته: بدلًا من ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ من حيث إنها في حكم المفرد؛ لأنها مقولة، و﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ مفرد لفظًا وجملة. يعني سلمنا ولكن لم لا يجوز أن يكون بدلًا من الهاء مع أنه لم يصح أن يقال: إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله؛ لما مر أنه يصح أني قال: زيد رأيت غلامه رجلًا صالحًا بدل من غلامه، مع أنه لم يصح أن يقال: زيد رأيت رجلًا صالحًا، لعدم الراجع إلى المبتدأ، وقد ذكر مختصرًا منه صاحب "التقريب". وقال القاضي: يجوز أن يكون ﴿أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أو: مفعول مضمر، أي: هو، أو: أعني. وقلت: في قوله: "لم يستقم؛ لأن الله تعالى لا يقول: اعبدوا الله ربي وربكم" نظر لما لا يجوز أن ﵊ نقل معنى كلام الله بهذه العبارة، كأنه قيل: قلت لهم شيئًا سوى قولك لي: قل لهم: اعبدوا الله كما سبق في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] على قراءة الياء التحتانية، وقد نص الزجاج أن ﴿أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من الهاء، و﴿أنِ﴾: موصولة بـ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ومعناه: إلا ما أمرتني به بأن يعبدوا الله، ويجوز أن يكون موضعها نصبًا على البدل من ﴿مَا﴾، المعنى: ما قلت لهم شيئًا إلا أن اعبدوا الله، أي: ما ذكرت لهم إلا عبادة الله، وهذا قريب من قول المصنف: "ما أمرتهم إلا بما أمرتني به بأن اعبدوا الله"؛ لأنه أيضًا وضع ذكرت موضع القول، قال المصنف: كان الأصل ما أمرتهم إلا بما أمرتني به، فوضع القول موضع الأمر نزولًا على قضية الأدب الحسن لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معًان ودل على الأصل بإقحام ﴿أَن﴾ المفسرة.
[ ٥ / ٥٤٤ ]
فإن قلت: فكيف يصنع؟ قلت يحمل فعل القول على معناه لأن معنى (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ): ما أمرتهم إلا بما أمرتنى به، حتى يستقيم تفسيره بـ (أن اعبدوا اللَّه ربي وربكم). ويجوز أن تكون (أن) موصولة عطف بيان للهاء لا بدلًا.
(وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا): رقيبًا كالشاهد على المشهود عليه، أمنعهم من أن يقولوا ذلك ويتدينوا به (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) تمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلة، وأنزلت عليهم من البينات، وأرسلت إليهم من الرسل.
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن تكون ﴿أَن﴾ موصولة عطف بيان للهاء)، قال في "الانتصاف": أراد بعطف البيان السلامة من طرح الأول وخلو الصلة من عائد، ولم يفصل في "المفصل" بين عطف البيان والبدل، إلا في مثل قوله: أنا ابن التارك البكري بشر وأنا المعتمد في عطف البيان الأول، والثاني موضح، وفي البدل المعتمد الثاني، والأول بساط له. قوله: (﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾: رقيبًا)، فإن قلت: إذا كان "الشهيد" بمعنى "الرقيب" لم عدل منه إلى "الرقيب" في قوله: ﴿كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ مع أنه ذيل الكلام بقوله: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؟ قلت: خولف بين العبارتين يميز بين الشهيدين والرقيبين، فكونه ﵊ رقيبًا ليس كالرقيب الذي يمنع ويلزم، بل هو كالشاهد على المشهود عليه ومنعه بمجرد القول، وأنه تعالى هو الذي يمنع منع الإلزام بنصب الأدلة وإنزال البينات وإرسال الرسل.
[ ٥ / ٥٤٥ ]
(إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ) الذين عرفتهم عاصين جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك. (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ): القوى القادر على الثواب والعقاب (الْحَكِيمُ): الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصوابٍ.
_________________
(١) ـ فإن قلت: قوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ بعد قوله: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ن أليس من قبيل قول المصنف قبل هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]: "لا علم لنا بما كان منهم بعدنا وأن الحكم للخاتمة"، فكيف رده هناك بقوله: "وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه"، كما سبق بيانه؟ قلت: ليس منه؛ لأن عيسى ﵊ في صدد التنصل والتبري عما نسب إليه من الكلمة الشنعاء وإثباتها فيهم، يدل عليه قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ أي: "الذين عرفتهم عاصين وجاحدين لآياتك ومكذبين لأنبيائك"، كما قال، فأين هذا من ذلك؟ قوله: (﴿عِبَادُكَ﴾: الذين عرفتهم) جعل الإضافة في ﴿عِبَادُكَ﴾ بمنزلة التعريف باللام للعهد. الراغب: إن قيل: كيف قال: ﴿عِبَادُكَ﴾ و"العبد" أكثر ما يقال فيمن عبد لا فيمن ملك، وهم لم يعبدوا الله في الحقيقة، إذ قد عبدوا عيسى وأمه؟ قيل: بل "العباد" مستعمل مع الله، فيقال: الناس عباد الله ولا يقال: عباد الأمير إلا على التشبيه، و"العبيد" يقال في الله وفي غيره، ثم الناس كلهم يعبدون الله تسخيرًا وقهرًا وإن لم يعبدوه طوعًا، فإنهم إذا عبدوا غيره على أنه المنعم عليهم فهم يعبدون الله لأنه هو المنعم، وعلى هذا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] ن فإن قيل: لو كانوا يعبدون الله بفعلهم لما ذموا؟ قيل: إنما يذمون بقصدهم فيما يفعلون؛ لأنهم يقصدون عبادة غير الله، والإنسان مثاب ومعاقب بنيته، ولهذا قال: "الأعمال بالنيات". وإن قيل: كيف قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، وجواب الشرط إنما يصح فيما يقع في
[ ٥ / ٥٤٦ ]
فإن قلت: المغفرة لا تكون للكفار فكيف قال: (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ)؟ قلت: ما قال إنك تغفر لهم، ولكنه بنى الكلام على: إن غفرت، فقال: إن عذبتهم عدلت، لأنهم أحقاء بالعذاب، وإن غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرمٍ في المعقول. بل متى كان الجرم أعظم جرما كان العفو عنه أحسن.
_________________
(١) ـ وقوع الشرط، وقد عُلم أن هؤلاء عباده عذبهم أو لم يعذبهم؟ قيل: هذا الكلام فيه إيجاز، وتقديره: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك، أي: من أمرتهم بعبادتك: تنبيهًا أنهم لم يعبدوك فاستحقوا عقابك، إن قيل: وكيف جاز أن يقول: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فيعرض بسؤاله العفو عنهم مع علمه أنه تعالى قد حكم بأنه من شرك ابلله فقد حرم الله عليه الجنة؟ قيل: إن هذا ليس بسؤال، وإنما هو كلام على طريق إظهار قدرته تعالى على ما يريد وعلى مقتضى حكمه وحكمته، ولهذا قال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تنبيهًا أنه لا امتناع لحد من عزته، فلا اعتراض في حكمه وحكمته، ولم يقل: "الغفور الرحيم" وإن اقتضاهما الظاهر، قال: أذنبت ذنبًا عظيمًا … وأنت للعفو أهل فإن غفرت ففضل … وإن جزيت فعدل قوله: (لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول)، قال الإمام: غُفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة، قالوا: لأن العقاب حق الله تعالى على المذنب، وليس في إسقاطه على الله تعالى مضرة، فوجب أن يكون حسنًا، بل دل الدليل السمعي في شرعنا على أنه لا يقع، فلعل هذا الدليل ما كان موجودًا في شرع عيسى ﵊. وقال القاضي: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك، ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه، وإن تغفر لهم فلا عجز ولا استقباح، فإنك القادر القوي على الثواب والعقاب،
[ ٥ / ٥٤٧ ]
[(قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)].
قرئ (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ) بالرفع والإضافة، وبالنصب إما على أنه ظرف لـ (قال)،
_________________
(١) ـ وأن المغفرة مستحسنة لكل مجرم، فإن عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل، وعدم غفران الشرك بمقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذات ليمنع الترديد والتعليق. الراغب: قيل: هذا ليس بسؤال، وإنما هو كلام الله تعالى على طريق إظهار قدرته على كل ما يريد وعلى مقتضى حكمه وحكمته، وتنبيه أنه تعالى جمع القدرة والحكمة، فهو قادر على أن يفعل أي المقتضيين أراد، أي: ولهذا قال: ﴿أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ولم يقصد سؤال الغفران للكفرة منهم، وإلى نحو هذا قصد الشاعر بقوله: أذنبت ذنبًا عظيمًا … وأنت للعفو أهل فإن غفرت ففضل .. وإن جزيت فعدل الانتصاف: إنه لم يوافق السنة؛ فإنهم يجوزون العفو عن الكافر عقلًا، لكن السمع يمنع منه، ولا المعتزلة؛ إذ معتقدهم امتناعها على الله عقلًا لمناقضتها الحكمة. قوله: (وبالنصب إما على أنه ظرف لـ ﴿قَالَ﴾). أبو البقاء: أي: قال الله تعالى هذا القول في يوم ينفع الصادقين صدقهم، والقول هو: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾
[ ٥ / ٥٤٨ ]
وإما على أنّ (هذا) مبتدأٌ، والظرف خبرٌ، ومعناه: هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع (يوم ينفع). ولا يجوز أن يكون فتحا، كقوله تعالى: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) [الانفطار: ٩] لأنه مضافٌ إلى متمكنٍ. وقرأ الأعمش: (يومٌ ينفع) بالتنوين، كقوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ) [البقرة: ٤٨].
فإن قلت: ما معنى قوله: (يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) إن أريد صدقهم في الآخرة فليست الآخرة بدار عملٍ، وإن أريد صدقهم في الدنيا فليس بمطابق لما ورد فيه،
_________________
(١) وجاء على لفظ الماضي على نحو ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وليس ما بعد ﴿قالَ﴾ على الحكاية في هذا الوجه كما في الوجه الآخر. قوله: (ولا يجوز أن يكون فتحًا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾). روى أبو البقاء عن الكوفيين: ﴿يَوْمَ﴾ في موضع رفع: خبر "هذا"، ولكنه بُني على الفتح لإضافته إلى الفعل، قال: وعندهم يجوز بناؤه وإن أضيف إلى معرف، وعندنا لا يجوز إلا إذا أضيف إلى مبنى، وأنشد الإمام للنابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا وقال: بُني لإضافته إلى الماضي، وكذلك قوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ لإضافته إلى ﴿لا﴾، وقياس الأسماء أن لا تضاف إلا إلى المفردات، فلما خولف في هذه السماء القياس المذكور، وأضيف إلى الجمل، كانت مؤولة بمصدرها فهو مفرد في المعنى، والمخالفة في الثاني أكثر، فلا يرتكب إلا عند الضرورة. قوله: (فليس بمطابق لما ورد فيه)، يعني: ورود الآية لا يطابق إرادة صدق المكلفين
[ ٥ / ٥٤٩ ]
لأنه في معنى الشهادة لعيسى ﵇ بالصدق فيما يجيب به يوم القيامة؟ قلت: معناه الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم. وعن قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة، أمّا إبليس فقال: إنّ اللَّه وعدكم وعد الحق، فصدق يومئذ وكان قبل ذلك كاذبًا، فلم ينفعه صدقه، وأما عيسى ﵇ فكان صادقًا في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه.
[(لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].
فإن قلت: في السموات والأرض العقلاء وغيرهم، فهلا غلب العقلاء، فقيل: "ومن فيهنّ؟ " قلت: «ما» يتناول الأجناس كلها تناولًا عامًا، ألا تراك تقول إذا رأيت شبحًا من بعيدٍ: ما هو؟ قبل أن تعرف أعاقلٌ هو أم غيرهُ؟ فكان أولى بإرادة العموم.
_________________
(١) الحاصل في الدنيا؛ لأن قوله: ﴿يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ في بيان شأن شهادة الله تعالى بصدق عيسى ﵊ فيما يجيب به الله تعالى يوم القيامة، وهو قوله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ﴾ [المائدة: ١١٦] إلى قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، كأنه تعالى يقول: صدقت فيما أجبت به، وهذا لا يكون في الدنيا فكيف قال: ﴿يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ولم يقل: "صدقت" ليطابق مقتضى الظاهر؟ وأجاب: أن عيسى ﵊ لما مهد عذره بتلك العبارات الفائقة البالغة في التبري عما يُنسب إليه ونزه الله التنزيه، قابله الله تعالى بالشهادة له بالصدق بما هو أبلغ مما أتى به في التنصل حيث عم المكلفين كلهم وعم أوقاتهم المختصة بالصدق كلها ليدخل ﵊ في ذلك العام دخولًا أوليًا. قوله: (فكان أولى بإرادة العموم)، يعني: المقام يقتضي العموم و"ما" أعم من غيرها، فكان أولى في الإيراد. وبيان المقام ما ذكره القاضي، قال: في الآية تنبيه على كذب النصارى
[ ٥ / ٥٥٠ ]
عن رسول اللَّه ﷺ: «من قرأ سورة المائدة أعطى من الأجر عشر حسنات ومحى عنه عشر سيئاتٍ ورفع له عشر درجاتٍ، بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا».
_________________
(١) وفساد دعواهم في المسيح وأمه، وإنما لم يقل: ومن فيهن تغليبًا للعقلاء، وقال: ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾ اتباعًا لهم - غير أولى العلم - إعلامًا بأنهم في غاية القصور عن معنى الربوبية والنزول عن رتبة العبودية، وإهانة لهم وتنبيهًا على المجانسة المنافية للألوهية؛ ولأن ما يُطلق متناولًا للأجناس كلها فهو أول بإرادة العموم، والله تعالى أعلم.
[ ٥ / ٥٥١ ]