مكية، غير ثلاث آيات في آخرها
وهي مئة وثمان وعشرون آية، وتسمى سورة النعم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ)].
كانوا يستعجلون ما وعدوا به من قيام الساعة أو نزول العذاب بهم يوم بدر، استهزاء وتكذيبًا بالوعد، فقيل لهم (أَتى أَمْرُ اللَّهِ) الذي هو بمنزلة الآتي الواقع وإن
_________________
(١) ـ سورة النحل وتسمى سورة النِّعَم مكية، وهي مئة وثمان وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: «أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) أي: هو بمنزلة الآتي الواقع)، الراغب: الإتيان: مجيء بسهولة، ومنه قيل للسيل المار على وجهه: أتى وأتاوىٌّ، وبه شُبه الغريبُ، فقيل: أتاويٌّ، والإتيان: يُقال للمجيء بالذات وبالأمر وبالتدبير، ويقالُ في الخير والشر، وفي الأعيان والأعراض، قال تعالى: (إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ) [الأنعام: ٤٠] أي بالأمر والتدبير، وقال: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل: ١].
[ ٩ / ٧١ ]
كان منتظرًا لقرب وقوعه (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) روى أنه لما نزلت (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ)] القمر: ١ [قال الكفار فيما بينهم إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت، فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئًا، فنزلت (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ)] الأنبياء: ١ [فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد، ما نرى شيئًا مما تخوفنا به، فنزلت أَتى (أَمْرُ اللَّهِ) فوثب رسول الله ﷺ ورفع الناس رؤوسهم، فنزلت (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) فاطمأنوا وقرئ: (تستعجلوه)، بالتاء والياء (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) تبرأ ﷿ عن أن يكون له شريك، وأن تكون آلهتهم له شركاء. أو عن إشراكهم، على أنّ «ما» موصولة أو مصدرية. فإن قلت: كيف اتصل هذا باستعجالهم؟ قلت:
_________________
(١) ـ وقال أيضًا: والعجلة: طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، وهي من مقتضى الشهوة، فلذلك صارت مذمومة في عامة التنزيل، حتى قيل: العجلة من الشيطان، وقوله تعالى: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه: ٨٤] فذكر أن عجلته وإن كانت مذمومة فالذي دعا إليها أمرٌ محمود، وهو طلب رضي الله، وقوله تعالى: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: ٣٧]، قال بعضهم: من حمأٍ، وليس بشيء، بل ذلك تنبيه على أنه لا يتعرى من ذلك، وأن ذلك إحدى القوى التي رُكبَ عليها، وعلى ذلك قال: (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا) [الإسراء: ١١]، والعُجالة: ما يُعجل أكله، كاللهنة. وهي السُّفلة، وهي ما يتعلل به الإنسان قبل إدراك الطعام. قوله: (قرئ: (تَسْتَعْجِلُوهُ) بالتاء والياء)، بالتاء الفوقانية: هي المشهورة، وبالياء: شاذة. قوله: (عن أن يكون له شريك)، هذا على أن تكون "ما": موصولة، وقوله: "وأن تكون آلهتهم شركاء" عطفٌ على سبيل البيان، وقوله: "أو عن إشراكهم" على أن "ما" مصدرية.
[ ٩ / ٧٢ ]
لأنّ استعجالهم استهزاء وتكذيب وذلك من الشرك.
_________________
(١) ـ قوله: (لأن استعجالهم استهزاء وتكذيب، وذلك من الشرك)، فـ"مِن" إما ابتدائية، فالمعنى: ذلك من أجل الشرك وبسببه، أو تبعيضية، أي: وذلك بعضُ الشرك، والمعنى على الوجهين هو: أن من استهزأ بوعد الله ووعيده، وكذبه فيما أثبت له العجز والقصور والاحتياج إلى الغير، أو أن أحدًا يحجزه من إنجاز وعده وإمضاء وعيده، قال الإمام: قال الكفار: هب أنا سلمنا لك ما تقول من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إلا أنا نعبدُ هذه الأصنام فإنها شفعاؤنا عند الله، فتشفع لنا فنتخلص من العذاب، فأجاب الله تعالى بقوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). وكذا لخص القاضي. وقلتُ: ويمكن أن يقال: إن الخطاب في قوله: (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) عام يدل عليه ما رواه لما نزلت (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ) [القمر: ١] إلى قوله: فنزلت (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، فوثب النبي ﷺ ورفع الناس رؤوسهم وظنوا أنها قد أتت حقيقة، فنزلت (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) فاطمأنوا. ورواه محيي السنة بتمامه، عن ابن عباس، كأنه يل: قرب وأتى أمر الله فلا تستعجلوه؛ لأن ما هو آتٍ، آتٍ، كما يُقال لمن يطلب الإغاثة، وقد قرب حصولها: جاءك الغوث، ثم التفت من الخطاب إلى الغيبة في قوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) نعيًا على المشركين خاصة إلى غيرهم واستبعادًا لسوء صنيعهم، يعني: ماذا يستعجل منه أولئك البُعداء مع هذه العظيمة التي ارتكبوها، كقوله تعالى: (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) [يونس: ٥٠]، فما أبعدهم من قوم، وما أجهلهم من جيل في إشراكهم بالله تعالى مع تعاضد الأدلة السمعية والعقلية في قلعه واستعجالهم فيما يُرديهم! . وإلى السمعية الإشارة بقوله: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ) [النحل: ٢] الآية، أي: يُنزل الله تعالى ملائكته المقربين ملتبسين بوحيه وكلامه الذي هو بمنزلة الروح للجسد وبمثابة الحياة
[ ٩ / ٧٣ ]
وقرئ: (يُشْرِكُونَ)، بالتاء والياء.
_________________
(١) ـ للقلوب الميتة، ويختار لرسالته والإنذار بها الخيرة من عباده، والمصطفين من خلقه ليقيموا بالدعوة إلى التوحيد وبالأمر بالتقوى الذي هو ملاك الدين. وإلى العقلية الإشارة بقوله: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ) [النحل: ٣]، و(خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ)، وهما من كلا نوعي الدليل: الآفاقي والأنفسي، وضُم إلى الأول ما ابتدئ به من قوله: (تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) تقديرًا، وإلى الثاني قوله: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) تقريعًا، أي: خصيم لربه مُنكرٌ على خالقه، وصفًا له بالإفراط في الوقاحة والجهل والتمادي في كفران النعمة، ثم شرع في بيان النعم السابغة والآلاء المتتابعة إلى آخر السورة، ولذلك سُميت السورة بسورة النعم، وفي كل ذلك إشارة للمؤمنين إلى ترك الاستعجال والتأني في الأمور والاشتغال بالأهم والأخذ في الاستعداد، وتأهب الزاد ليوم المعاد، بالتزام التوحيد، والذكر الدائم، والاكتساء بلباس التقوى، وتقرير الدلائل للإرشاد، والتذكير بآلاء الله، شاكرين مستعصمين بحبله، مستمسكين بالعروة الوثقى. فإن قلت: ما موضع قوله: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ)؟ قلت: إما حال من واو (يُشْرِكُونَ) مقررة لجهة الإشكال، وإما استئناف لبيان الاستبعاد، وكذا قوله: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ). فإن قلت: فلم خولف بين العبارتين مستقبلًا وماضيًا مع اتحاد المغزى؟ قلتُ: للإيذان بالاستمرار في الأول إنزالًا غب إنزال وإرسالًا بعد إرسال. والتحقيق في الثاني، والله أعلم. قوله: (وقرئ: (يُشْرِكُونَ)، بالياء والتاء)، حمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء، في الموضعين.
[ ٩ / ٧٤ ]
[(يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ) [.
(يُنَزِّلُ) قرئ بالتخفيف والتشديد. وقرئ (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ) أي تنزل (بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِه) ِ بما يحيى القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح
_________________
(١) ـ قال القاضي: الياء التحتانية على تلوين الخطاب، أو على الخطاب للمؤمنين، أو لهم ولغيرهم. قوله: «يُنَزِّلُ) قرئ بالتخفيف والتشديد)، بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو. قوله: (بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه)، "مِن": بيان "ما"، تلخيصه: يُنزلُ الملائكة بالوحي، شبه الوحي تارة بالروح لما فيه من حياة الروح الميتة بالجهل، وأخرى بها لما يتزين به الدين كما تتزين الروح بالجسد، ثم أقيم المشبه به مقام المشبه، فصار استعارة تحقيقية مصرحة، والقرينة الصارفة عن رادة الحقيقة: إبدال (أَنْ أَنذِرُوا) من "الروح"، قيل: (مِنْ أَمْرِهِ) مخرجُ الاستعارة إلى التشبيه، كما في قوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧]. قلتُ: بينهما بونٌ بعيد؛ لأن نفس الفجر عين المشبه الذي شُبه بالخيطين، وليس مطلق الأمر هاهنا مشبهًا بالروح حتى يكون بيانًا له؛ لأنه أمر عام بمعنى الشأن والحال، ولهذا يصح أن يُفسر الروح الحيواني به، كقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء: ٨٥] أي: من شأنه، ومما استأثر الله بعلمه، وأن يُفسر الروح المراد منه الوحي به، أي: من شأنه ومما أنزله على أنبيائه. نعم، هو مجاز أيضًا؛ لأن الأمر العام إذا أطلق على فرد من أفراده كان مجازًا، ومن ثم قال المصنف في قوله تعالى: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِي) [غافر: ١٥]: الروح من أمره الذي هو سبب الحياة من أمره،
[ ٩ / ٧٥ ]
في الجسد، و(أَنْ أَنْذِرُوا) بدل من الروح، أى ينزلهم بأن أنذروا. وتقديره: بأنه أنذروا، أي: بأن الشأن أقول لكم أنذروا. أو تكون «أن» مفسرة، لأنّ تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول. ومعنى (أنذروا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا) أعلموا بأنّ الأمر ذلك، من نذرت بكذا إذا علمته. والمعنى: يقول لهم أعلموا الناس قولي (لا إله إلا أنا فَاتَّقُونِ).
_________________
(١) ـ يريد الوحي الذي هو أمر بالخير، وبعث إليه، فاستعار له الروح. انتهى كلامه. فيكون البيان والمبين كلاهما مجازين مترادفين، ولما كان البيان والمبين كشيء واحد جمعهما في قوله: (الرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) الذي هو سبب الحياة، وأيضًا لو كان تشبيهًا لفُهم التشبيه على تقدير الوقف على أمره، والله أعلم. قوله: (بأن الشأن أقول لكم)، عن بعضهم: إنما زاد في التفسير "أقول" لأن الأمر لا يقع خبرًا للمبتدأ، وهو الشأن. وقلت: يعني أن ضمير الشأن مبتدأ، و(أُنْذِرُوا): خبره، وهو إنشاء، فلابد من تقدير القول ليصح حملُ الإنشائي على المبتدأ، وأما تقدير "يقول" في الوجه الثاني، أي: يقول لهم الله: أعلموا الناس، فهو معنى (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ)، لأنه حينئذ في تقدير القول، قال القاضي: الآية تدل على أن نزول الوحي بوساطة الملائكة، وأن حاصله التنبيه على التوحيد الذي هو كمال القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية، وأن النبوة عطائية، والآيات التي بعدها دليل على وحدانيته، من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة، ولو كان له شريك لقدر على ذلك، فيلزم التمانع. قوله: (أعلموا بأن الأمر ذلك) إنما فسر الإنذار بالإعلام ليستقيم إيقاعه على قوله: (أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا)، كقوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ).
[ ٩ / ٧٦ ]
[(خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) [.
ثم دلّ على وحدانيته وأنه لا إله إلا هو بما ذكر، مما لا يقدر عليه غيره من خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان وما يصلحه، وما لا بدّ له منه من خلق البهائم لأكله وركوبه وجرّ أثقاله وسائر حاجاته، وخلق ما لا يعلمون من أصناف خلائقه، ومثله متعال عن أن يشرك به غيره. وقرئ: (يُشْرِكُونَ)، بالتاء والياء (فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) فيه معنيان، أحدهما: فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مكافح للخصوم مبين للحجة، بعد ما كان نطفة من منىّ جمادًا لا حس به ولا حركة،
_________________
(١) ـ قوله: (من خلق البهائم)، بيان ما يصلحه، و"خلقٌ" فيه مقحمٌ للتأكيد. قوله: (وقرئ: (يُشْرِكُونَ) بالياء التحتاني: حمزة والكسائي. قوله: «فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ): فيه معنيان)، يعني: في ترتب (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) على كونه نطفة معنيان، أحدهما: الإيذان بانتهاء حالتي حقارته وعظمته، وإفراطه وتفريطه، وثانيهما: الإشعار بتعكيس أمره حيث إنه تعالى نقله من أخس أحواله إلى أشرفها ليشكر فكفر، كقوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢] وقلتُ: هذا المعنى مؤكد لما فسرنا به قوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) من قولنا: ما أجهلهم من جيل في إشراكهم بالله تعالى مع تعاضد الأدلة السمعية والعقلية في فعله.
[ ٩ / ٧٧ ]
دلالة على قدرته. والثاني: فإذا هو خصيم لربه، منكر على خالقه، قائل: (مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ)] يس: ٧٨ [، وصفًا للإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل، والتمادي في كفران النعمة. وقيل نزلت في أبىّ بن خلف الجمحي حين جاء بالعظم الرميم إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، أترى الله يحيى هذا بعد ما قد رمّ؟ !
[(وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَاكُلُونَ) [.
الْأَنْعامَ: الأزواج الثمانية، وأكثر ما تقع على الإبل، وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر، كقوله (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ)] يس: ٣٩ [ويجوز أن يعطف على (الإنسان)] النحل: ٤ [، أى: خلق الإنسان والأنعام، ثم قال (خَلَقَها لَكُمْ) أى ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان. والدفء: اسم ما يدفأ به، كما أنّ الملء اسم ما يملأ به،
_________________
(١) ـ قوله: (دلالة على قدرته)، نصبٌ؛ مفعول له لمقدر، أي: ذكر الله تعالى خلق الإنسان من نطفة وجعله خصيمًا مبينًا دلالة على قدرته تعالى، وكذا قوله: "وصفًا للإنسان"، والفرق أن القصد الأولى في سوق الآية على الأول بيان قدرة الله الكاملة، وأنه تعالى خلق من الشيء الحقير هذا الخلق الخصيم، كقوله تعالى: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) إلى قوله: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) [المرسلات: ٢٠ - ٢٣]، وعلى الثاني: القصد إلى بيان وقاحة الإنسان وتعديه طوره، كقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) [يس: ٨٧ - ٨٨]، ويؤيد الأول قوله: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) وقوله: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ)، والثاني قوله: (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)، وكذا قوله: (تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، والثاني أوفق لتأليف النظم. قوله: (وأكثر ما تقع على الإبل)، "ما": مصدرية: أي: "الأنعامُ" أكثر وقوعها على الإبل. قوله: (ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم)، دل على الحصر لام الاختصاص في (لَّكُمْ)،
[ ٩ / ٧٨ ]
وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر. وقرئ: (دفّ)، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الفاء (وَمَنافِعُ) هي نسلها ودرّها وغير ذلك. فإن قلت: تقديم الظرف في قوله (وَمِنْها تَاكُلُونَ) مؤذن بالاختصاص، وقد يؤكل من غيرها. قلت: الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم. وأما الأكل من غيرها من الدجاج والبط وصيد البر والبحر فكغير المعتدّ به وكالجاري مجرى التفكه. ويحتمل أن طعمتكم منها، لأنكم تحرثون بالبقر فالحبّ والثمار التي تأكلونها
_________________
(١) ـ مع فحوى الخطاب، ولذلك قال: "يا جنس الإنسان"، ويُمكن أن لا يُعلق (لَّكُمْ) بـ (خَلَقَهَا)، بل يكون خبر (دِفْءٌ) لتطابق قرينتها، وهي (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)، فيحصل نوع من الاختصاص من تقديم الخبر، وأما تخصيص ذكر جنس الإنسان فلإفادة الالتفات، وهو الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، وفائدة المكافحة: تتميم معنى الإنكار على كفران النعمة الذي يعطيه قوله: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ). قوله: (من صوف أو وبر أو شعر)، أي: من الغنم أو الإبل أو المعز، والدف: آلة الدفء. قوله: (التفكه)، الأساس: ومن المجاز: تفكه بكذا: تلذذ به، وفاكهت القوم مفاكهة: طايبتهم. قوله: (ويحتمل أن طعمتكم منها)، فهو من إطلاق السبب على المسبب، ويجوز أن يُقال: ومنها ينتفعون، فيكون المجاز في "تأكلون"؛ لأن الكلام مع أرباب المواشي، وعلى الأول المجاز في الأنعام من إطلاق مُعظم الشيء على كله، وكل ذلك تعسف؛ لأن التقديم لمراعاة الفواصل، ويكون من عطف الخاص على العام؛ لأن الأكل أصل الانتفاع.
[ ٩ / ٧٩ ]
منها وتكتسبون بإكراء الإبل وتبيعون نتاجها وألبانها وجلودها.
[(وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)].
منّ الله بالتجمل بها كما منّ بالانتفاع بها، لأنه من أغراض أصحاب المواشي، بل هو من معاظمها، لأنّ الرعيان إذا روّحوها بالعشي وسرحوها بالغداة - فزينت بإراحتها وتسريحها الأفنية وتجاوب فيها الثغاء والرغاء - أنست أهلها وفرحت أربابها،
_________________
(١) ـ قوله: (من الله تعالى بالتجمل بها)، الراغب: الجمال: الحسنُ الكثير، وذلك ضربان، أحدهما: جمال يختص به الإنسان في نفسه أو بدنه أو فعله، والثاني: ما يصل به منه إلى غيره، وعلى هذا الوجه ما روى: "إن الله جميل يحب الجمال"، تنبيهًا أنه منه تفيض الخيرات الكثيرة، فيحب من يختص بذلك، يقال: جاملت فلانًا وأجملت في ذا، والجمل يقال: للبعير إذا بزل، والجاملُ: قطعة من الإبل معها راعيها، وتسمية الجمل بذلك، يجوز أن يكون لما قد أشار إليه بقوله: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ)؛ لأنهم كان يعدون ذلك جمالًا لهم. قوله: (وسرحوها بالغداة)، الراغب: السرح: شجر له ثمرة، الواحدة سرحة، وسرحت الإبل: إذا أرسلت أن ترعاه السرح، ثم جُعل لكل إرسال في الرعي، قال تعالى: (حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)، والسارح: الراعي، والتسريح في الطلاق: مستعار من تسريح الإبل، كالطلاق في كونه مستعارًا من إطلاق الإبل. قوله: (الثغاء والرغاء)، الجوهري: الرغاء: صوت ذوات الخف، وقد رغا البعير يرغو رُغاء: إذا ضج، والثغاء: صوت الشاة والمعز وما شاكلها، وفي قوله: "وتجاوب فيه الثغاء والرغاء" معنى قول أبي العلاء:
[ ٩ / ٨٠ ]
وأجلتهم في عيون الناظرين إليها، وكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس. ونحوه (لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً)، (يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا)] الأعراف: ٢٦ [. فإن قلت: لم قدّمت الإراحة على التسريح؟ قلت: لأنّ الجمال في الإراحة أظهر، إذا أقبلت ملاء البطون حافلة الضروع، ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها. وقرأ عكرمة: (حينا تريحون وحينا تسرحون)، على أن (تُرِيحُونَ) و(تَسْرَحُونَ) وصف للحين. والمعنى: تريحون فيه وتسرحون فيه، كقوله تعالى (يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ)] لقمان: ٢٣ [.
[(وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) [.
قرئ: (بِشِقِّ الأَنفُسِ)، بكسر الشين وفتحها. وقيل: هما لغتان في معنى المشقة، وبينهما فرق: وهو أن المفتوح مصدر شق الأمر عليه شقا، وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع. وأما الشق فالنصف، كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد. فإن قلت: ما معنى قوله: (لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ)؟ كأنهم كانوا زمانا يتحملون المشاق في بلوغه حتى حملت الإبل أثقالهم. قلت: معناه وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه
_________________
(١) ـ معان من أحبتنا معانُ … يُجيب الصاهلات بها القيان وهو من باب التكميل، ولهذا قال: "وكسبتهم الجاه والحُرمة عند الناس، ومنه قوله: (لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) " جمع بين الانتفاع والزينة، كما جمع بين ستر العورة والزينة قوله تعالى: (يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا) [الأعراف: ٢٦]، لأن الريش: الجمال والزينة. قوله: (ملاء البطون)، الجوهري: والملء بالفتح: مصدر قولك: ملأت الإناء، فهو مملوء، والملء بالكسر: اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ، يقال: أعطى ملأه وملأيه، وضرعٌ حافل، أي: ممتلئ لبنًا.
[ ٩ / ٨١ ]
في التقدير لو لم تخلق الإبل إلا بجهد أنفسكم، لا أنهم لم يكونوا بالغيه في الحقيقة. فإن قلت: كيف طابق قوله: (لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ) قوله: (وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ)؟ وهلا قيل: لم تكونوا حامليها إليه؟ قلت: طباقه من حيث أن معناه:
وتحمل أثقالكم إلى بلد بعيد قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة، فضلا أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم. ويجوز أن يكون المعنى: لم تكونوا بالغيه بها إلا بشق الأنفس. وقيل: (أثقالكم) أجرامكم. وعن عكرمة: البلد مكة (لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل وتيسير هذه المصالح.
[(وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ)].
_________________
(١) ـ قوله: (لم تكونوا بالغيه بها)، أي: بالأثقال، والباء فيه، ظرف لغوٍ للتعدية، وفي بشق الأنفس مستقر، قال أبو البقاء: (بِشِقِّ): في موضع الحال من الضمير المرفوع في (بَالِغِيهِ)، أي: مشقوقًا عليكم، وأما توجيه السؤال: كيف ناسب قوله: (لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ) قوله: (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ)؛ لأن المناسب أن يقال: لم تكونوا حامليه، لأن الحمل شيء، والبلوغ شيء آخر؟ وأجاب: أن المناسبة بحسب المعنى، وهو على وجوه ثلاثة، أحدها: أن تجعل التنكير في (بَلَدٍ) للتفخيم والتكثير، أي: بلدٍ بعيدٍ شاسع، ليناسبه البلوغ، ويلزم منه الحديث في نفي الحمل بالطريق الأولى، كما قال: فضلًا أن تحملوا على ظهوركم. وثانيها: أن يُقدر في (بَالِغِيهِ) ما يعود إلى الأثقال. وثالثها: أن يُحمل الأثقال على الأجرام. قال في "الانتصاف": ويمكن أن يقال: إنه استغنى بذكر البلوغ عن ذكر حملها؛ لأن ذلك معلوم من العادة؛ لأن المسافر لا يستغني عن أثقال يستصحبها، والأول أولى.
[ ٩ / ٨٢ ]
(وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ) عطف على (الأنعام)] النحل: ٥ [، أي: وخلق هؤلاء للركوب والزينة، وقد احتج على حرمة أكل لحومهن
_________________
(١) ـ قوله: «وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ): عطف على "الأنعام")، الراغب: الخيال أصله الصورة المجردة كالصورة المتصورة في المنام وفي المرآة، وفي القلب بعد غيبوبة المرئي، ثم يستعمل في صورة كل أمر متصور، وفي كل شخص دقيق يجري مجرى الخيال، والتخييل: تصوير خيال الشيء في النفس، والتخيل: تصور ذلك، وخلت: بمعنى ظننت، يقالُ اعتبارًا بتصور خيال المظنون، ويقال: خيلت السماء: أبدت خيالًا للمطر، وفلانٌ مخيل بكذا أي: خليق، وحقيقته أنه مظهر خيال ذلك، والخيلاء: التكبر على تخيل فضيلة تراءت للإنسان في نفسه، ومنه الخيل لما قيل: إنه لا يركب أحدٌ فرسًا إلا وجد في نفسه نخوة. قوله: (وقد احتج على حرمة أكل لحومهن)، قال الإمام: واحتج القائلون بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية، قالوا: منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب، ولو كان أكل لحم الخيل جائزًا لكان هذا المعنى أولى بالذكر، وحيث لم يُذكر علمنا تحريمه، ولأنه تعالى قال في صفة الأنعام: (وَمِنْهَا تَاكُلُونَ)، والتقديم يفيد الحصر، ثم قرن بعده الخيل مع البغال والحمير، وذكر أنها مخلوقة للركوب والزينة، ولأن قوله: (لِتَرْكَبُوهَا) يقتضي أن يكون تمام المقصود من خلق هذه الأشياء هو الركوب والزينة، ولو حل أكلها لم يكن تمام المقصود من خلقها الركوب والزينة. وقال: أجاب الواحدي بجواب حسن، قال: لو دلت الآية على تحريم أكل هذه الحيوانات، لكان هذا التحريم معلومًا في مكة، لأن السورة مكية، ولو كان كذلك، لكان قول عامة المفسرين والمحدثين: إن لحوم الحُمر الأهلية حرمت عام خيبر غير صحيح؛ لأن التحريم لما كان حاصلًا قبل يوم خيبر، لم يبق لتخصيصه بذلك اليوم فائدة.
[ ٩ / ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ .. ويعضده ما رُوينا عن الترمذي وأبي داود وابن ماجه، عن المقداد قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا غني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتُم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا أكل ذي ناب من السباع"، والحديث صرح أن الحمار ما حُرم بالكتاب، بل بالسنة. وقال محي السنة: واحتج بهذه الآية من حرم لحوم الخيل، وهو قول ابن عباس، وتلا هذه الآية فقال: هذه للركوب، وإليه ذهب الحكم ومالك وأبو حنيفة، وذهب جماعة إلى إباحتها، وهو قول الحسن وشريح وعطاء وسعيد بن جبير، وبه قال الشافعي واحمد وإسحاق، ومن أباحها قال: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل المراد منه تعريف الله عباده نعمه، وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، واحتجوا بما روى جابر، أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه، والتحقيق هذا. وبيانه: أنه ﷾ لما نهى المشركين عن استعجال نزول العذاب استهزاء بقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) كأنه ما التفت إلى استهزائهم، وأخرج الكلام على الأسلوب الحكيم، أي: لم تستعجلون بنزول ما يُرديكم ويستأصلكم؟ فهلا تنتفعون بنزول ما يحييكم، وينجيكم منه، وهو هذا القرآن الذي هو بمثابة الروح لحياة القلوب الميتة، وهذا الرسول الكريم، وبالمؤمنين رؤوف رحيم، يدعوكم إلى التوحيد والتقوى، ويبصركم الدلائل الدالة على وحدانيته لئلا تشركوا به شيئًا، وينبهكم على النعم السابغة التي توجب أن تشكروه
[ ٩ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ .. وتعبدوه من دلائل الآفاق والأنفس وما خلق لكم من الأنعام وغيرها لانتفاعكم بها بالأكل والركوب وجر الأثقال والزينة على ما ألفتم واتخذتم شعارًا لأنفسكم وافتخرتم بها؟ يدل عليه قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ). وأما الجواب عن قولهم: "لو كان أكل لحوم الخيل جائزًا لكان هذا المعنى أولى بالذكر"، فقد أشار إليه القاضي بأن قال: لا دليل فيه، إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يُقصد به غالبًا أن لا يقصد منه غيره أصلًا، وأما الجواب عن الحصر بتقديم معمول (يَاكُلُونَ)، فهو النظر إلى رعاية الفواصل لا غير، كما سبق هذا، ولو فهم الصحابة رضوان الله عليهم من هذه الآيات غير ما هي عليه من بيان الامتنان، لم يكن فعلهم يوم خيبر رشيدًا، على ما روينا في "صحيح البخاري"، عن البراء بن عازب وعبد الله بن أبي أوفى: أنهم كانوا مع النبي ﷺ، فأصابوا حمرًا فطبخوها، فنادى منادي رسول الله ﷺ: أكفئوا القدور. فإن قلت: لم لا يجوز أن يستنبط التحريم على طريقة إشارة النص؟ قلت: إشارة النص من الدلائل الدقيقة اللطفة المستخرجة من الأحكام، والكلام مسوق للامتنان كما سبق. نعم، فيه إشارة إلى جُل الغرض فيها، ومعظم الانتفاع منها ما ذكر من الركوب والزينة، وأما التحريم فلا، ولابد من دليل منفصل للتحريم والتحليل، والدليل من جانبنا، ولولا أن ورود الآية للامتنان بحسب ما ألفوا واعتادوا لم يذكر الزينة أصلًا، وكيف ذلك وقد ورد النهي عنها على ما روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والنسائي، عن أبي هريرة في حديث طويل: قال رسول الله ﷺ: "الخيل ثلاثة: هي لرجل أجرن ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله"، وساق الحديث إلى قوله: "ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي لذلك الرجل ستر، ورجل ربطها فخرًا ورياء ونواء على أهل الإسلام، فهي على ذلك وزر" الحديث.
[ ٩ / ٨٥ ]
بأن علل خلقها بالركوب والزينة، ولم يذكر الأكل بعد ما ذكره في الأنعام. فإن قلت: لم انتصب (وَزِينَةً)؟ قلت: لأنه مفعول له، وهو معطوف على محل (لتركبوها). فإن قلت: فهلا ورد المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد؟ قلت: لأنّ الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق. وقرئ: (لتركبوها زينة)، بغير واو، أي: وخلقها زينة لتركبوها. أو تجعل (زينة) حالا منها، أي: وخلقها لتركبوها وهي زينة وجمال (وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ) يجوز أن يريد به: ما يخلق فينا ولنا مما لا نعلم كنهه وتفاصيله ويمنّ علينا بذكره كما منّ بالأشياء المعلومة مع الدلالة على قدرته. ويجوز أن يخبرنا بأن له من الخلائق ما لا علم لنا به، ليزيدنا دلالة على اقتداره
_________________
(١) ـ قوله: (ما ذكره في الأنعام)، أي: في شأن الأنعام، وهو قوله تعالى: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ). قوله: (وأما الزينة ففعل الزائن، وهو الخالق)، يعني: يكفي في شرط حذف اللام أن يكون مصدرًا وفعلًا لفاعل الفعل المعلل، وفيه دليل على أن المقارنة ليست بشرط، قال صاحب "التخمير": "المقارنة ليست بشرط، بدليل قوله: (وَزِينَةٌ) فـ"زينة" منصوب بمعنى اللام، ولم تكن موجودة وقت الخلق، فالمعنى: بالمقارنة أن لا يكون متقدمًا، ولا بأس بالتأخر، نحو: شربت الدواء إصلاحًا للبدن، والإصلاح متأخر غير واقع عند الشرب". وقال السجاوندي في "شرح المفصل": ولابد من أن يكون المصدر واقعًا بعد الفعل. وقال صاحب "الانتصاف": والجواب القوي أن الركوب هو المقصود الأصلي من هذه الأشياء، والتزيين تابع، فاقترن المقصود باللام الصريحة؛ لأنه أهم الغرضين، وحُذفت من الزينة لأنها تبع، وكذا عن القاضي. قوله: (وخلقها زينة لتركبوها)، أي: خلق بمعنى: جعل، وزينة: ثاني مفعولية.
[ ٩ / ٨٦ ]
بالإخبار بذلك، وإن طوى عنا علمه لحكمة له في طيه، وقد حمل على ما خلق في الجنة والنار، مما لم يبلغه وهم أحد، ولا خطر على قلبه.
[(وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) [.
المراد بالسبيل: الجنس، ولذلك أضاف إليها القصد وقال (وَمِنْها جائِرٌ). والقصد مصدر بمعنى الفاعل وهو القاصد. يقال: سبيل قصد وقاصد، أى: مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه. ومعنى قوله (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) أنّ هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه، كقوله (إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى)] الليل: ١٢ [. فإن قلت: لم غير أسلوب الكلام في قوله (وَمِنْها جائِرٌ)؟ قلت: ليعلم ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز، ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقيل: وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر. وقرأ عبد الله:
_________________
(١) ـ قوله: (ولذلك أضاف)، يعني: دلت الإضافة، وقوله: (وَمِنْهَا جَائِرٌ)، على أن المراد بالسبيل الجنس، وهو من إضافة الخاص إلى العام، ونحوه: خاتم الفضة، سحق الثوب، لأن السبيل إما مستقيم وهو المراد من القصد، وإما معوج وهو الجائر. وقال أبو البقاء: وقصد: مصدر بمعنى إقامة السبيل أو تعديل السبيل، وليس مصدر قصدته بمعنى أتيته. قوله: (كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك)، وهو من باب: طريق سائر ونهر جار. قوله: (ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقيل … وعليه جائرها)، قال الإمام: أجاب أصحابنا عنه بأن المراد: على الله- بحسب الفضل والكرم- بيان الدين الحق، والمذهب الصحيح، فأما بيان كيفية الإغواء والإضلال فذاك غير واجب. وقلت: ويجوز أن يكون التقدير: على الله بيان استقامة الطريق بالآيات والبراهين على سبيل التفضل والكرم، وبيان اعوجاج الطريق، فمنها مستقيم كطريق الإسلام ليهتدوا بها،
[ ٩ / ٨٧ ]
(ومنكم جائر)، يعنى: ومنكم جائر جار عن القصد بسوء اختياره، والله بريء منه (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) قسرًا وإلجاء.
_________________
(١) ـ ومنها جائرٌ كطريق سائر الأمم الضالة ليتجنبوا منها، فاختصر على تقدير اللف والنشر التقديري، وإضافة طريق الحق دون الجائر إلى الله تعالى على أسلوب قوله تعالى: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) [الفاتحة: ٧]. وقوله: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء: ٨٠] ويعضد ما ذكرنا من أن على الله تمييز الطريقين وبيان السبيلين تفضلًا قول محيي السنة: (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) يعني: بيان طريق الهدى من الضلالة، فالقصد من السبيل: دين الإسلام، والجائر منها: اليهودية والنصرانية وسائر ملل الكفر. قال في "الانتصاف": أين يذهب الزمخشري عن تتمتها: (وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)؟ لو كان بزعم القدرية لقال: فقد هديناكم أجمعين، (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)، ففسروها بالقسر والإلجاء وحرفوا الكلم عن مواضعه، وأما المخالفة بين الأسلوبين، فلإقامة حجة الله على الخلق، وأنه بين السبيل القاصد والجائر، وهدى قومًا اختاروا الهدى، وأضل قومًا اختاروا الضلال، وقد عُلم أن للفعل اعتبارين، فإضافته على الله تعالى باعتبار خلقه له، وإضافته إلى العبد باعتبار اختياره له. قوله: (جائر جار عن القصد)، الراغب: الجار: من يقرب مسكنه منك، وهو من الأسماء المتضايقة، ولما استعظم حق الجار شرعًا وعقلًا عُبر عن كل من يعظم حقه أو يستعظم حق غيره بالجار. قال تعالى: (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) [النساء: ٣٦] ويقال: استجرت فلانًا فأجارني، وقال: (وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ) [الأنفال: ٤٨]، وقال: (وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ
[ ٩ / ٨٨ ]
[(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ* يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [.
(لَكُمْ) متعلق (بأنزل)، أو ب (شراب)، خبرًا له. والشراب ما يشرب (شَجَرٌ) يعنى الشجر الذي ترعاه المواشي. وفي حديث عكرمة: لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت. يعنى الكلأ (تُسِيمُونَ) من سامت الماشية إذا رعت، فهي سائمة، وأسامها صاحبها، وهو من السومة وهي العلامة، لأنها تؤثر بالرعي
_________________
(١) ـ عَلَيْهِ [المؤمنون: ٨٨]، وباعتبار القرب، قيل: جار عن الطريق، ثُم جعل ذلك أصلًا في العدول عن كل حق، فبنى منه الجور. قال تعالى: (وَمِنْهَا جَائِرٌ) أي: عادل عن المحجة. قوله: (والشراب: ما يُشرب)، عن بعضهم: الشرب: تناول كل مائع، ماء كان أو غيره، والشريب: المشارب والشراب. قوله: (وفي حديث عكرمة: لا تأكلوا ثمن الشجر)، يعني: الكلأ، "النهاية": وفي الحديث: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" الكلأ: النبات، والعشب، سواء رطبه ويابسه، ومعناه: أن البئر تكون في البادية ويكون قريبًا منه الكلأ، فإذا ورد عليها وارد، فغلب على مائها، ومنع من يأتي بعده من الاستقاء منها، فهو بمنعه الماء، مانع من الكلأ، لأنه متى ورد عليه رجل بإبله فأرعاها ذلك الكلأ، ثم لم يسقها، قتلها العطش، فالذي يمنع ماء البئر يمنع النبات القريب منه، وقال الزجاج: كل ما نبت من الأرض فهو شجر، قال الراجز: نعلفها اللحم إذا عز الشجر … والخيل في إطعامها اللحم ضرر
[ ٩ / ٨٩ ]
علامات في الأرض. وقرئ: (ينبت)، بالياء والنون. فإن قلت: لم قيل (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ)؟ قلت: لأنّ كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وإنما أنبت في الأرض بعض من كلها للتذكرة (يَتَفَكَّرُونَ) ينظرون فيستدلون بها عليه وعلى قدرته وحكمته. والآية: الدلالة الواضحة. وعن بعضهم: (ينبت)، بالتشديد. وقرأ أبىّ بن كعب: (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب)، بالرفع.
[(وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [.
قرئت كلها بالنصب على: وجعل النجوم مسخرات. أو على أنّ معنى تسخيرها
_________________
(١) ـ قوله: «يُنْبِتُ): بالياء والنون)، بالنون: أبو بكر. قوله: (لأن كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة)، أي: إنما قيل: (مِنْ كُلِّ) بزيادة "مِنَ" التبعيضية ليدل على أن كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وإنما أنبت في الأرض بعض من كلها. قوله: (بعض من كلها: للتذكرة)، أي: إذا رأوا ما في الجنة من الثمرات ذكروا ما في الدنيا ليعلموا التفاوت، كما ذكر في أول البقرة في قوله تعالى: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) [البقرة: ٢٥]. قوله: (على: وجعل النجوم مسخرات)، أي: يجعل ناصب النجوم مضمرًا وهو جعل، ومسخرات: ثاني مفعوليه، والجملة معطوفة على جملة قوله: (وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)، ولا يجوز على هذا أن يُعطف على المنصوبات بـ (وَسَخَّرْ)، وهي (اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ)؛ لأن (مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) حينئذ: حال من المذكورات، وقيل:
[ ٩ / ٩٠ ]
للناس: تصييرها نافعة لهم، حيث يسكنون بالليل، ويبتغون من فضله بالنهار، ويعلمون عدد السنين والحساب بمسير الشمس والقمر، ويهتدون بالنجوم. فكأنه قيل: ونفعكم بها في حال كونها مسخرات لما خلقن له بأمره. ويجوز أن يكون المعنى: أنه سخرها أنواعا من التسخير جمع مسخر، بمعنى تسخير، من قولك: سخره الله مسخرًا، كقولك: سرحه مسرحًا، كأنه قيل: وسخرها لكم تسخيرات بأمره. وقرئ بنصب (الليل والنهار) وحدهما، ورفع ما بعدهما على الابتداء والخبر. وقرئ: (والنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ)، بالرفع. وما قبله بالنصب، وقال (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فجمع الآية. وذكر العقل، لأنّ الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة.
_________________
(١) ـ للفعل، فكان المعنى: سخر هذه الأشياء في حال كونها مسخرات بأمره، فهو خلق. نعم، يجوز أن يُستعار سخر لكم لقوله: نفعكم؛ لأن الغرض من تسخيرها النفع، فكأنه قيل: ونفعكم بها في حال كونها مسخرات لما خلقن له. قوله: (أنه سخرها أنواعًا من التسخير)، أي: جعل "مسخرات": مفعولًا مطلقًا، على تأويل مسخر بمعنى تسخير، ونما جمع لإرادة الأنواع. قوله: (وقرئ: (وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ) بالرفع، وما قبله بالنصب): ابن عامر: "والشمس والقمر والنجوم مسخرات" بالرفع في الأربعة، وحفص: برفع (وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ) فقط، والباقون: بالنصب، وقال القاضي: هذا على الابتداء والخبر، فيكون تعميمًا للحكم بعد تخصيصه. قوله: (لأن الآثار العلوية أظهر دلالة)، أي من السفلية، يعني: حين ذكر الآثار
[ ٩ / ٩١ ]
[(وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) [.
(وَما ذَرَأَ لَكُمْ) معطوف على (اللَّيْلَ والنَّهَارَ). يعنى: ما خلق فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك مختلف الهيئات والمناظر.
[(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [.
(لَحْمًا طَرِيًّا) هو السمك، ووصفه بالطراوة، لأنّ الفساد يسرع إليه، فيسارع إلى أكله خيفة للفساد عليه. فإن قلت:
_________________
(١) ـ السفلية أفرد الآية، وذكر التفكر، وحين ذكر العلوية جمعها، وذكر العقل، وذلك أن الآثار السفلية مخفية، فتحتاج إلى إمعان النظر، ودقة الفكر، والآثار العلوية تدرك في بدو العقل، وهي مع ذلك متشعبة، وفيها أنواع من الدلالات. قوله: (ووصفه بالطراوة، لأن الفساد يُسرع إليه فيسارع إلى أكله)، الراغب: طريًا: غضًا، من الطراء والطراوة، يقال: طريت كذا فطرى، ومنه: المطراة من الثياب، والإطراء: مدحٌ يجدد ذكره، وطرأ بالهمز: طلع. الانتصاف: وفيه إرشاد لأن يتناول طريًا، فقد قال الأطباء: أكله بعد ذهاب طراوته من أضر ما يكون.
[ ٩ / ٩٢ ]
ما بال الفقهاء قالوا: إذا حلف الرجل لا يأكل لحمًا، فأكل سمكًا، لم يخنث. والله تعالى سماه لحمًا كما ترى؟ قلت: مبنى الإيمان على العادة، وعادة الناس إذا ذكر اللحم على الإطلاق أن لا يفهم منه السمك، وإذا قال الرجل لغلامه: اشتر بهذه الدراهم لحمًا فجاء بالسمك، كان حقيقًا بالإنكار. ومثاله أن الله تعالى سمى الكافر دابة في قوله: (إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا)] الأنفال: ٥٥ [، فلو حلف حالف لا يركب دابة فركب كافرًا لم يحنث. (حِلْيَةً) هي اللؤلؤ والمرجان». والمراد بلبسهم: لبس نسائهم، لأنهنّ من جملتهم، ولأنهنّ إنما يتزينّ بها من أجلهم، فكأنها زينتهم ولباسهم. المخر: شق الماء بحيزومها. وعن الفراء: هو صوت جرى الفلك بالرياح. وابتغاء الفضل: التجارة.
[(وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)].
_________________
(١) ـ قوله: (ما بال الفقهاء) قيل: "ما" مبتدأ، و"بالُ": خبره، و"قالوا": حال من "الفقهاء"، لأنه في المعنى: فاعل، لأن قولك: ما بالك؟ معناه: ما تصنع؟ نحو: ما شأنك؟ قوله: (ولأنهن إنما يتزين بها من أجلهم، فكأنها زينتهم ولباسهم)، الانتصاف: لله در مالك حيث جعل للزوج الحجر على زوجته فيما له [بالٌ] من مالها، وهو مقدار الثلث، فحقه فيه بالتجمل، وفي هذه الآية جعل حظ المرأة من زينتها للزوج، فجعل لباسها لباسه. قوله: (بحيزومها)، أي: السفينة، والحيزوم: وسط الصدر، وما يُضم عليه الحزام.
[ ٩ / ٩٣ ]
(أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) كراهة أن تميل بكم وتضطرب. والمائد: الذي يدار به إذا ركب البحر. قيل: خلق الله الأرض فجعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ أَحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال، لم تدر الملائكة ممّ خلقت (وَأَنْهارًا) وجعل فيها أنهارًا، لأن (أَلْقى) فيه معنى: جعل. ألا ترى إلى قوله (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا وَالْجِبالَ أَوْتادًا)] النبأ: ٦ - ٧ [؟ . (وَعَلاماتٍ) هي معالم الطرق وكل ما تستدل به السابلة من جبل ومنهل وغير ذلك. والمراد بالنجم: الجنس، كقولك.
_________________
(١) ـ قوله: (والمائد الذي يُدار به)، أي: الشخص الذي يدور رأسه، "الأساس": والدهر بالإنسان دوار أي يدور بأحواله المختلفة، قال القاضي: إن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كالكرة بسيطة الطبع، وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك، أو أن تتحرك بأدنى سبب، فلما خلق عليها الجبال تفاوتت جوانبها، وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز، فصارت كالأوتاد التي تمنعها من الحركة. قوله: (لأن (أَلْقَى) فيه معنى: جعل)، يعني: لا يقالُ: ألقى فيها أنهارًا، لكن لما تضمن (أَلْقَى) معنى جعل، صح عطف (أَنْهَارًا) على (رَوَاسِيَ)، قلت: ويجوز أن يكون من باب قوله: علفتها تبنًا وماءً باردًا أي: وأجرى فيها أنهارًا. قوله: (والمراد بالنجم: الجنس)، الراغب: أصل النجم: الكوكب الطالع، وجمعه نجوم، ونجم: طلع، نجمًا ونجومًا، فصار النجم مرة اسمًا ومرة مصدرًا، ومنه شبه به طلوع النبات، والرأي، فقيل: نجم النبت والقرن، ونجم لي رأي نجمًا ونجومًا، ونجم فلان على السلطان: صار عاصيًا، ونجمت المال عليه: إذا وزعته، كأنك فرضت أن يدفع عند طلوع كل نجم
[ ٩ / ٩٤ ]
كثر الدرهم في أيدى الناس. وعن السدى: هو الثريا، والفرقدان، وبنات نعش، والجدى. وقرأ الحسن: (وبالنجم)، بضمتين، وبضمة وسكون، وهو جمع نجم، كرهن ورهن، والسكون تخفيف. وقيل حذف الواو من النجوم تخفيفًا. فإن قلت: قوله (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) مخرج عن سنن الخطاب، مقدم فيه (النَّجْمِ)،
_________________
(١) ـ نصيبًا، ثم صار متعارفًا في تقدير دفعه بأي شيء قدرت ذلك. قوله: (هو الثريا والفرقدان وبنات نعش)، الثريا: هي أنجم ستة منتظمة تشبه عنقود الكرم. والفرقدان: نجمان متوقدان من نجوم البنات، والجدي: نجم عند القطب تعرف به القبلة. المغرب: يقال: لكوكب القبلة: جديُ الفرقد، بفتح الجيم وسكون الدال، ومنه قول ابن المبارك في تحري القبلة: أهل الكوفة يجعلون الجدي خلف القفا. والمنجمون يسمونه جُديا، على التصغير، فرقًا بينه وبين البرج. قوله: (وقرأ الحسن)، بضمتين، قال ابن جني: قرأ الحسن: "وبالنُّجُم"، وقرأ يحيى: "وبالنُّجْم" بضم النون وسكون الجيم، النجم: جمع نجم، ومثله مما كسر من "فعل" على "فُعُل": سقف وسُقفٌ، ورهنٌ ورُهُنٌ، وإن شئت [قل:] أراد النجوم فقصر الكلمة فحذف واوها، ومثله من المقصور من فعول: قول أبي بكر في أسُدٍ: إنه مقصور من أسودٍ، فصار أسُدًا ثم أُسكن. قوله: «وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) مخرج عن سنن الخطاب)، يعني: أن هذا التركيب مشتمل على خواص فن المعنى بالمسند إليه، أحدها: إن الآيات السابقة من لدن فاتحة السورة إلى هاهنا واردة على سنن الخطاب، فما بال هذه أخرجت عن الخطاب إلى الغيبة؟ وثانيها: فيه
[ ٩ / ٩٥ ]
مقحم فيه (هُمْ)، كأنه قيل: وبالنجم خصوصًا هؤلاء خصوصًا يهتدون، فمن المراد ب (هُمْ)؟ قلت: كأنه أراد قريشًا: كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم، وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم، فكان الشكر أوجب عليهم، والاعتبار ألزم لهم، فخصصوا.
[(أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)].
فإن قلت: (كَمَنْ لا يَخْلُقُ) أريد به الأصنام، فلم جيء بمن الذي هو لأولى العلم؟ قلت:
فيه أوجه، أحدها: أنهم سموها آلهة وعبدوها، فأجروها مجرى أولي
_________________
(١) ـ تقديم المجرور، وهو (وَبِالنَّجْمِ) على عامله، وهو (يَهْتَدُونَ)، وثالثها: توكيد التركيب بقوله: (هُمْ)، فدل تلون الخطاب على امتياز هؤلاء عن السابق ذكرهم، ودل تقديم (وَبِالنَّجْمِ) على اختصاص هؤلاء بالاهتداء بالنجم دون غيرها مما يُهتدى به، ودل التوكيد بإقحام (هُمْ) على اختصاصهم بهذه الهداية، دون غيرهم. وأجاب عن تلوين الخطاب بقوله: "كأنه أراد قريشًا"، وعن التوكيد بقوله: "كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم"، وعن التخصيص بقوله: "وكان لهم بذلك علمٌ لم يكن مثله لغيرهم". وقلت: ويمكن أن يُقال: إن قوله: "ألقى في الأرض سُبلًا" عام في أهل القرى والمدن والبوادي (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) إما أن يتعلق بأول الآية أو بقوله: (سُبُلًا)، ويكون (لَعَلَّ) للتحقيق، وأما الاهتداء بالنجم فمختص بمن هو حاذق في سلوك البحر، والمهامه: البيدُ التي لا منار لها ولا سبيل، وتقديم (وَبِالنَّجْمِ) لأن معناه: وبالنجم خصوصًا لا بغيره يهتدون، أو لمراعاة الفواصل، وإقحام (هُمْ) لتقوي الحكم، والعدول إلى الغيبة للالتفات، والإيذان بأن هذا الاهتداء أغربُ من الأول، والمعرضُ عنه أدخلُ في الكفران، والفاء في "فكان الشكر": للسببية، وكذا في قوله: "فخصصوا".
[ ٩ / ٩٦ ]
العلم. ألا ترى إلى قوله على أثره (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ)] النحل: ٢٠ [والثاني: المشاكلة بينه وبين من يخلق. والثالث: أن يكون المعنى أنّ من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولى العلم، فكيف بما لا علم عنده، كقوله (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها) يعنى أنّ الآلهة حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب، لأنّ هؤلاء أَحياء وهم أموات، فكيف تصح لهم العبادة؟ لا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصحّ أن يعبدوا فإن قلت: هو إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيهًا بالله، فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق،
_________________
(١) ـ قوله: (المشاكلة بينه وبين من يخلق)، يعني: جيء بـ"مَنْ" الذي هو مختص بأولي العلم للجماد الذي هو أصنام؛ لأنها مصحوبة مع ذكر من يخلق، كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) [الشورى: ٤٠]. قوله: (لا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يُعبدوا)، يريد أن الآيتين من باب المبالغة والإلزام بالطريق الأولى، لا لتصحيح العبودية للأصنام بحصول ما هو مفقود عنها موجود في الناس. الانتصاف: الزمخشري يجزم على أن العباد يخلقون أفعالهم، فالمراد ظهور التفاوت بينهم وبين من يخلق ومن لا يخلُقُ منهم، كالعاجزين والزمنى، حتى يثبت أن التفاوت بينهم وبين ما لا يخلق، كالأصنام، أولى. قوله: (هو إلزام للين عبدوا الأوثان)، وجهُ السؤال: أن المشركين ما شبهوا الخالق بالأصنام حتى ينكر عليهم بقوله: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ)، وإنما شبهوا الأصنام بالخالق، فكان حق الإلزام أن يُقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ ووجه الجواب: أن وجه التشبيه إذا قوي بين الطرفين، أعني المشبه والمشبه به، يرجع التشبيه إلى التشابه، فيُقال:
[ ٩ / ٩٧ ]
فكان حق الإلزام أن يقال لهم: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ قلت: حين جعلوا غير الله مثل الله في تسميته باسمه والعبادة له وسوّوا بينه وبينه، فقد جعلوا الله تعالى من جنس المخلوقات وشبيهًا بها، فأنكر عليهم ذلك بقوله: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ).
[(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ* وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ)].
لا تُحْصُوها لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم، فضلا أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر، أتبع ذلك ما عدّد من نعمه تنبيهًا على أنّ وراءها ما لا ينحصر ولا ينعدّ (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر النعمة،
_________________
(١) ـ وجه الخليفة كالقمر، والقمرُ كوجه الخليفة، والمشركون لما تعاملوا مع الأصنام بما ينبغي أن يُعامل به الإله الحق من تسميتها بالآلهة، والتوجه بالعبادة إليها، فلم يبق عندهم فرق بينها وبينه، تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، حصل التشابه، فقيل ما قيل، أو ذهب إلى التعكيس: لأن من حق المشبه أن يكون أحط من المشبه به فيما وقع فيه الشبه، فإذا قُلبَ انعكس مزيدًا للتقريع والتجهيل. قوله: (اتبع ذلك)، أي: أتبع قوله: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) ما عدد، أي: جميع ما عدد من أول السورة إلى هاهنا من النعم، فقوله: (ذَلِكَ): مفعول أول، وقوله: "ما عدد": مفعول ثانٍ، يعني: لما عدد النعم المتكاثرة، وأريد استيفاء جميع أقسامها، وأنواعها، وكانت مما لا تنحصر بحسب العباد، ختم بجامع يحتويها كلها تنبيهًا على أن وراء المذكورة مما لا يُعد، كقوله تعالى: (وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ). قوله: «إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) حيث يتجاوز عن تقصيركم)، إلى آخره، فيه إشارة إلى أن التعليل بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) للتذييل، وفي قوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) إشعارٌ بوجود تقصير في أداء شكر ما أولاهم من النعم، وذلك من مفهوم
[ ٩ / ٩٨ ]
ولا يقطعها عنكم لتفريطكم، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها (وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ) من أعمالكم، وهو وعيد.
[(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ* أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)].
(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ) والآلهة الذين يدعوهم الكفار (مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقرئ بالتاء. وقرئ:
يدعون، على البناء للمفعول. نفى عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون وعالمين بوقت البعث، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون وأنهم أموات وأنهم جاهلون بالغيب. ومعنى (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ) أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي غير جائز عليها الموت كالحي الذي لا يموت وأمرهم على العكس من ذلك. والضمير في (يُبْعَثُونَ) للداعين، أي لا يشعرون متى تبعث عبدتهم. وفيه تهكم بالمشركين وأنّ آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم، فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم. وفيه دلالة على أنه لا
_________________
(١) ـ قوله: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا)، يعني: أن أنعام الله لا نهاية لها، فإذًا لا يقدر أحد أن يقوم بحقها، كما هو حقها، وهو يقتضي سلب تلك النعمة، وإنزال النقمة بدلها، (وَاللَّهُ غَفُورٌ) يتجاوز عن التقصير عاجلًا، (رَحِيمٌ) لا يقطع النعمة، لكن لابد أن يُجازيكم آجلًا على أعمالكم، لأنه يعلم (مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)، وفيه إشعارٌ بأن تكليف ما لا يطاق جائز، لكن غير واقع من الله تعالى تكرمًا وتفضلًا. قوله: (ومعنى: (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ) أنهم لو كانوا آلهة)، يعني: كان يكفي أن يُقال: هم أمواتٌ، فقرن بقوله: (غَيْرُ أَحْيَاءٍ) ليكون تعريضًا بالإله الحق في أنه حي لا يموت، فمن كان بعكسه لا يكون إلها. قوله: (وفيه دلالة)، أي: في قوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) إدماج، يعني: أنه لابد من البعث، وأن البعث من لوازم التكليف، يعني: من شأن المعبود أن يُجازي عابده
[ ٩ / ٩٩ ]
بدّ من البعث وأنه من لوازم التكليف. ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى أن الناس يخلقونهم بالنحت والتصوير، وهم لا يقدرون على نحو ذلك، فهم أعجز من عبدتهم أموات جمادات لا حياة فيها، (غير أحياء) يعنى أنَّ من الأموات ما يعقب موته حياة، كالنطف التي ينشئها الله حيوانا، وأجساد الحيوان التي تبعث بعد موتها. وأمّا الحجارة فأموات لا يعقب موتها حياة، وذلك أعرق في موتها (وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) أي وما يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكما بحالها، لأنّ شعور الجماد محال، فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم سبحانه، ووجه ثالث: وهو أن يراد بالذين يدعون الملائكة، وكان ناس منهم يعبدونهم، وأنهم أموات: أي لا بدّ لهم من الموت، (غير أحياء): غير باقية حياتهم. (وما يشعرون): ولا علم لهم بوقت بعثهم. وقرئ: إيان، بكسر الهمزة.
_________________
(١) ـ الذي كلفه على عبادته، وهو في الدنيا مفقود كما نشاهد في ظاهر الحال، فلابد من دار الجزاء وبعث الخلق للثواب والعقاب، ثم إذا كان كذلك، لابد للإله من العلم بالكائن الواجب، فنفى عنهم ذلك العلم لتنتفي إلهيتهم، وعليه قوله تعالى: (ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ) [يونس: ٣ - ٤]. قوله: (ووجه آخر، وهو: أن يكون المعنى)، عطف على قوله: "نفي عنهم خصائص الإلهية". قوله: (وأنهم (أَمْوَاتٌ)، أي: لابد لهم من الموت، (غَيْرُ أَحْيَاءٍ): غير باقية حياتهم)، اعلم أن المؤلف حين أثبت الموت للأصنام، وكانت جمادات أول توكيده بقوله تعالى: (غَيْرُ أَحْيَاءٍ) بقوله: "أنه غير جائز عليها الحياة"، تنبيهًا على أنها أقل من الحيوان ودون النامي، لجواز إثبات الحياة لهما حقيقة ومجازًا، وحين أثبته للملائكة وجعله مجازًا باعتبار ما يؤول، أكده بما يناسبه من قوله: "غير باقية حياتهم"، كقوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) [الزمر: ٣٠].
[ ٩ / ١٠٠ ]
[(إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)].
(إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) يعنى أنه قد ثبت بما تقدّم من إبطال أن تكون الإلهية لغيره، وأنها له وحده لا شريك له فيها، فكان من نتيجة ثبات الوحدانية ووضوح دليلها: استمرارهم على شركهم، وأنّ قلوبهم منكرة للوحدانية، وهم مستكبرون عنها وعن الإقرار بها (لا جَرَمَ) حقا (أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) سرّهم وعلانيتهم فيجازيهم، وهو
_________________
(١) ـ قوله: (يعني أنه قد ثبت بما تقدم)، فاعل "ثبت" ضمير يرجع إلى قوله تعالى: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ): يريد أن قوله: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) فذلكة لما سبق وإعادة للمدعي مجملًا بعد إقامة الحجة عليها مُفصلان المعنى: قد ثبت بالدلائل الدالة على أن الإلهية مختصة بالله تعالى، وأنه واحد متفرد بالألوهية، وهو المعبود الحق، وإذا كان كذلك، فمن حقه أن يختص بالعبادة، وان لا تنكر إلهيته، وهؤلاء عكسوا واستمروا على شركهم وقلوبهم منكرة للوحدانية، فقوله: "أنه قد ثبت بما تقدم" إلى آخر قوله: "وعن الإقرار بها" تفسيرٌ لقوله تعالى: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ)، فالفاء في قوله: "فكان من نتيجة" هي الفاء في قوله: (فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)، ومجاز هذه الفاء، كمجاز اللام في قوله: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) [القصص: ٨]. قوله: (وهم مستكبرون عنها وعن الإقرار بها)، الراغب: الكبر والتكبر والاستكبار والكبرياء متقارب، فالكبر: الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه، وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره، وأعظم التكبرِ التكبرُ على الله بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة. ويقال: التكبر على وجهين، أحدهما: أن تكون الأفعال الحسنة كثيرة في الحقيقة وزائدة على محاسن غيره، وعلى هذا وصفُ الله بالمتكبر، فهو محمود، يؤيده قوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [الأعراف: ١٤٦]. وثانيهما: أن يكون متكلفًا لذلك متشبعًا، وذلك في وصف عامة الناس، في قوله تعالى: (فَلَبِئْسَ مَثْوَى
[ ٩ / ١٠١ ]
وعيد (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) يجوز أن يريد المستكبرين عن التوحيد يعنى المشركين. ويجوز أن يعمّ كل مستكبر، ويدخل هؤلاء تحت عمومه.
[(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ)].
_________________
(١) ـ الْمُتَكَبِّرِينَ) [النحل: ٢٩]. والاستكبار يقال على وجهين: أحدهما: أن يتحرى الإنسان ويطلب أن يصير كبيرًا، وذلك متى كان على ما يجب وفي مكان يجب وفي زمان يجب فمحمود، والثاني: أن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له، وهو مذموم، وعليه قوله تعالى: (أَبَى وَاسْتَكْبَرَ) [البقرة: ٣٤] ن وقال: (الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [الأعراف: ١٤٦]، وقال تعالى: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) [يونس: ٧٥]، نبه بقوله: (فَاسْتَكْبَرُوا) على إعجابهم بأنفسهم وتعظمهم عن الإصغاء إليه، ونبه بقوله: (وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) [هود: ١١٦] أن الذي حملهم عليه هو ما قدموا من جُرمهم، وأن ذلك كان دأبهم. والكبرياء: الترفع عن الانقياد، وذلك لا يستحقه غير الله، قال تعالى: (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [الجاثية: ٣٧]. قوله: (ويجوز أن يعم كل مستكبر)، يعني: أن قوله: (الْمُسْتَكْبِرِينَ) إما من وضع المظهر موضع ضمير المشركين، ويُراد بالاستكبار: الاستكبار عن التوحيد فقط، لقرائن المقام، والمراد منه من عرف الحق أيًا كان واستكبر، وتعرف النعمة فغمط وكفر، فيكون من المستكبرين مطلقًا، على منوال: فلان يُعطي ويمنع، ويدخل في هذا العام من سيق له الكلام دخولًا أوليًا.
[ ٩ / ١٠٢ ]
(ماذا) منصوب (بأنزل)، بمعنى: أى شيء (أَنْزَلَ رَبُّكُمْ)،
_________________
(١) ـ قوله: «مَاذَا): منصوب بـ (أَنزَلَ)، بمعنى: أي شيء (أَنزَلَ)؟)، قال صاحب "الفرائد": الوجه أن يكون مرفوعًا بالابتداء، بدليل قوله: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) بالرفع؛ لأن جواب المرفوع مرفوع، وجواب المنصوب منصوبٌ، ولم يقرأ أحد: "أساطير الأولين" بالنصب. وقال صاحب "التقريب": في كلام المصنف نظر، إذ لا مقتضى للتقدير في أحدهما بما فيه صورة فعل، وهو ما (يَدْعُونَ) وفي الآخر: "بالمنزل". وأيضًا، لم خالف بين لفظي الدعوى والإنزال في التقديرين مع انه حمل الإنزال على السخرية؟ ويُمكن أن يجاب عن الأول بأن الرفع أدل على ثبات الإنزال من النصب؛ لأنه جملة اسمية، فقال فيه: "المُنزل (أَسَاطِيرُ) "، وفي النصب: "ما يدعون أساطير"، أو أن (أَنزَلَ) في النصب باقٍ على فعليته فيقتضي في الجواب فعلًا، ولم يمكن مطابقة الجواب السؤال مطلقًا؛ لأن أساطير مرفوع، فأتى بما فيه صورة فعل على الجملة، وهو "ما يدعون"، "و(أَنزَلَ) في الرفع مقدرٌ بمفرد؛ لأنه خبر، أي: أي شيء المنزل؟ فأتى في الجواب بما يُجانسه، فقال: "المنزلُ: أساطير الأولين". تم كلامه. وقلت: مدار المطابقة بين السؤال والجواب على موافقة السائل المجيب ومخالفته، كما ذكره المصنف بعيد هذا في قوله: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا)، إنما نصب هذا ورفع الأول للفصل بين جواب المُقر وجواب الجاحد، فالمجيب بقوله: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) هاهنا: المشركون قطعًا، وأما السائل فيحتمل أن يكون أيضًا منهم، كما قال: "وهو كلامُ بعضهم لبعض"، وأن يكون من المسلمين أو الوافدين كما صرح بهما، والمجيب في تلك الآية ليس إلا المسلمون، فلذلك طابقوا في الجواب، فههنا على الأول، وهو أن يكون كلام بعضهم لبعض المطابقة اللازمة، فالوجه الرفع، وأن يجاب بقوله: "المنزلُ: أساطيرُ" فيردُ عليه
[ ٩ / ١٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … السؤال الذي ذكره، وأجاب: أنه من باب السخرية، وعلى الثاني والثالث: الموافقة بين السائل والمجيب مفقودة، فيجب الاختلاف، وهو ما قدره: "ما تدعون نزوله أساطير الأولين"، فلا يردُ عليه السؤال، ولهذا قال القاضي: وإنما سموه منزلًا على التهكم أو على الفرض، أي: على تقدير أنه منزل، فهو أساطير الأولين، لا تحقيق فيه. وتمام التحقيق في المسألة ما ذكره ابن الحاجب، قال: وذكر- أي: الزمخشري- في ماذا صنعت؟ وجهين، وقال: جواب أحدهما بالرفع والآخر بالنصب على ما ذكر، وهذا على سبيل الاختيار، وإلا فالوجهان، ثُم المناسب في النصب أن يُقدر الفعل المذكور فينصب به، وفي الرفع أن يقدر مبتدأ على حسب المعنى، ليطابق الجواب السؤال، وهذا كله إذا كان المجيب موافقًا للسؤال في أحد جزأيه فيحذفه ويستغني بدلالة كلام السائل عليه، مثل قوله: ما كتبت؟ وهو قد كتب، فيقول: مصحفًا أو شبهه، فأما إذا لم يكن موافقًا له في الفعل تعذر تقديره لإخلاله بالمعنى، إذ يُفهم منه الإثبات، وهو غير مريد له، كما إذا قال له، وقد سمع صوتًا نه ضربًا منه، فيقول: من ضرب؟ فيقول له القائل: هو صوت مناد، فالنصب هاهنا لا يستقيم؛ لأنه قاصد نفيه في المعنى مثبت لغيره، فهو يفسد المعنى، ومنه قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)، فلو نصب هاهنا لم يستقم؛ لأنهم ليسوا مقرين بإنزال من الله، متعلق بـ"أساطير الأولين"، بل منكرون الإنزال من الله مطلقًا، وقولهم: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ): في المعنى الإنزال، أي: هذا الذي تقول: إنه إنزال هو أساطير الأولين، فيفسد تقدير الفعل على هذا. وقلت: ولهذا الأمر لما جعله من كلام بعضهم لبعض وطابق الجواب السؤال، قال: هو على السخرية، ويجوز ان يقال: هو من أسلوب القول بالموجب على التهكم، كأنهم لما
[ ٩ / ١٠٤ ]
أو مرفوع بالابتداء، بمعنى: أي شيء أنزله ربكم، فإذا نصبت فمعنى (أَساطِيرُ الْأَوَّلِين) ما يدّعون نزوله أساطير الأوّلين، وإذا رفعته فالمعنى: المنزل أساطير الأوّلين، كقوله (ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) [البقرة: ٢١٩] فيمن رفع. فإن قلت: هو كلام متناقض، لأنه لا يكون منزل ربهم وأساطير؟ قلت: هو على السخرية كقوله: إنّ رسولكم وهو كلام بعضهم لبعض، أو قول المسلمين لهم. وقيل: هو قول المقتسمين: الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله ﷺ، إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله ﷺ، قالوا أَحاديث الأوّلين وأباطيلهم (لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ) أي قالوا ذلك إضلالا للناس وصدًّا عن رسول الله ﷺ، فحملوا أوزار ضلالهم (كامِلَةً) وبعض أوزار من ضلّ بضلالهم، وهو وزر الإضلال، لأن المضلّ والضال شريكان: هذا يضله، وهذا يطاوعه على إضلاله،
_________________
(١) ـ سألوا: (مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ) أجابوا: المنزل أساطير الأولين، أي: هو منزل، لكن أساطير، كما قال تعالى: (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) [التوبة: ٦١]. قوله: (لأن المضل والضال شريكان)، تعليل لحمل المضل بعض أوزار الضال، الذي هو سبب فيه، كأن ما يعمله الضال مشترك بينه وبين المضل، وهما متحاملان الوزر، وإليه ينظر قوله تعالى: (وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) [الأنعام: ١٢٨]، فإن استمتاع الناس بالجن: دلالتهم إياهم على استيفاء اللذات والتمتع بالشهوات، واستمتاع الجن بالإنس: اعترافهم بكونهم رؤساء متبوعين، وإليه أشار بقوله: "هذا يُضله وهذا يطاوعه"، وأما قوله: "وبعض أوزار من ضل بضلالهم" فمبنيٌّ على أن "مِن" في قوله تعالى: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ): تبعيض، وأن المضل غير حاملٍ كل أوزار الضال، وهذا غير مخالف لما روينا عن مسلم ومالك وأبي داود والترمذي، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى هدى كان له من الجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك
[ ٩ / ١٠٥ ]
فيتحاملان الوزر. ومعنى اللام التعليل من غير أن يكون غرضًا، كقولك: خرجت من البلد مخافة الشر (بِغَيْرِ عِلْمٍ حال) من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.
_________________
(١) ـ من آثامهم شيئًا"؛ لأن المراد ببعض أوزار من ضل: الذي تسبب المضل فيه، وكذلك الآثام في الحديث، وذهب أبو البقاء إلى أن "مِن": زائدة، على مذهب الأخفش. قوله: (خرجت من البلد مخافة الشر)، ويجوز أن يكون اللام للصيرورة، قال القاضي: قالوا ذلك إضلالًا للناس، فحملوا أوزار ضلالهم كاملة، فإن إضلالهم نتيجة رسوخهم في الضلال، فعلى هذا اللام للصيرورة، كقوله: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) [القصص: ٨]، ويجوز أن يكون لام الأمر الذي هو للغيبة. قوله: (وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه)، أي: إنما نسب التابع إلى الضلال في قوله: (الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ)، وأضيف الأوزار إليهم في قوله: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ) أي: من أوزار الضالين، والحال أنهم غير عالمين بذلك لتقصيرهم، والواحدي جعل (بِغَيْرِ عِلْمٍ) حالًا من الفاعل، حيث قال: إنهم يفعلون ذلك جهلًا منهم بما كانوا يكسبون، ومثل أوزار من تبعهم، ثم ذم صنيعهم فقال: (أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ). ويمكن أن يُجعل حالًا منهما، كما قال ابن جني في قوله تعالى: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا
[ ٩ / ١٠٦ ]
[(قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ* ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ* الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ) عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)].
القواعد: أساطين البناء التي تعمده. وقيل: الأساس وهذا تمثيل، يعنى: أنهم سوّوا منصوبات ليمكروا بها الله ورسوله، فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات،
_________________
(١) ـ تَحْمِلُهُ) [مريم: ٢٧]: (تَحْمِلُهُ): يجوز أن يكون حالًا من كل واحد منهما، ومنهما معًا. وهذا أنسب لاقتضاء المقام، ثم قول الواحدي أنسب منهما؛ لأن التذييل بقوله: (أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) لا يحسن إلا على ذلك التقدير، وكذلك قوله: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وتعقيبه بقوله: (وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ)، لأن الكلام وارد في ذم المشركين الذين اقتسموا مداخل مكة يضلون الوافدين والمسلمين، فتجب المبالغة في ذمهم وتجهيلهم. قوله: (منصوبات)، قال المصنف: المنصوبة الحيلة، يقال: سوى فلان منصوبه، وفي الأصل صفة للشبكة أو الحبالة، فجرت مجرى الأسماء كالدابة والعجوز، وفي الكلام حذف، أي: هذا تمثيل حالهم في أنهم سووا منصوبات ليمكروا الله، فجعل الله هلاكهم فيها، كحال قوم بنوا، إلى آخره، وهو استعارة تمثيلية؛ لأن التشبيه إنما وقع في الحال والأمور المنتزعة، وعلى هذا كان من الواجب فيه مراعاة مفردات المعاني من الجانبين، وعلى ما قرره أخل
[ ٩ / ١٠٧ ]
كحال قوم بنوا بنيانًا وعمدوه بالأساطين «فأتى البنيان من الأساطين بأن ضعضعت، فسقط عليهم السقف وهلكوا. ونحوه: من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا. وقيل: هو نمرود بن كنعان حين بني الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع. وقيل فرسخان، فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا. ومعنى إتيان الله: إتيان أمره. (مِنَ الْقَواعِدِ) من جهة القواعد. (مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون. وقرئ: فأتى الله بيتهم. فخرّ عليهم السقف، بضمتين يُخْزِيهِمْ بذلهم بعذاب الخزي (رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران: ١٩٢]، يعني: هذا لهم في الدنيا، ثم العذاب في الآخرة (شُرَكائِيَ) على الإضافة
_________________
(١) ـ في المشبه به معنى في المشبه؛ لأن من بنى بُنيانًا وعمده بالأساطين، لا يعمد فيه المكر كمن يسوى المنصوبات. نعمن لو قدر بأن يبنى بنيانًا ويسوي فيه شبه المنصوبات بلطائف الحيلن ويتخذ مأدبة ليكيد بها عدوه فينقلب عليه من حيث لا يشعرن ويسلم العدو، ونحو بناء نمرود الصرح، كما ذكر، لصح، ولعله قصد ذلك، ولذلك استشهد بها، وفي ذكر لفظة فوق مع الاستغناء عنه ظاهرًا؛ لأن خرور السقف لا يكون إلا من فوق، مزيدٌ لتقرير التهويل. قوله: (فأتى البنيان)، أي: خرب، "الأساس": أتى عليهم الدهر: أفناهم. قوله: (بنى الصرح)، الجوهري: الصرحُ: القصر، وكل بناء عال. قوله: «مِنَ الْقَوَاعِدِ): من جهة القواعد)، يُشير إلى أن (مِنَ): ابتدائية، أي: نشأ تخريب بنيانهم من القواعد مبالغة في الهدم؛ لأن المتعارف في التخريب الأخذ من السقف إلى أن ينتهي إلى القواعد، وكان أمرهم على العكس، وإليه الإشارة بقوله: "بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف"، الجوهري: أي: هدمه حتى الأرض، وضعضعت أركانه: أي: اتضعت. قوله: (هذا لهم في الدنيا، ثم العذاب في الآخرة)، أي: العذاب الكامل، وهو الخزيُ
[ ٩ / ١٠٨ ]
إلى نفسه حكاية لإضافتهم، ليوبخهم بها على طريق الاستهزاء بهم (تُشَاقُّونَ فِيهِمْ) تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم ومعناهم. وقرئ: (تشاقون)، بكسر النون، بمعنى: تشاقونني؛ لأنّ مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله (قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم،
_________________
(١) ـ والهوان، لدلالة "ثُمَ" على التفاوت بين العذابين، وفيه أيضًا معنى التراخي في الزمان، كما هو موضوع "ثُمَ"، فيجب أن يعتبر فيها معنى الكناية؛ وهو مطلق البعد، لا المجاز، لئلا يجتمع إرادة الحقيقة والمجاز معًا. قوله: (حكاية لإضافتهم)، بالرفع: خبر (شُرَكَائِي) على الحكاية، هو الصحيح، والنسخة الشائعة: بالنصب، والمعنى على الأول: هذا القول حكاية لإضافتهم، يعني كانوا يقولون: هؤلاء شركاء الله، فحكى الله الإضافة على ما كانوا يضيفونه. وعلى الثاني: قال الله تعالى: (شُرَكَائِي) على الإضافة حكاية، فهو إما حال أو مفعول له. قوله: «تُشَاقُّونَ فِيهِمْ): تعادون)، الراغب: الشقاق: المخالفة، وكونُك في شق غير شق صاحبك، أو من: شق العصا بينك وبينه، قال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ويقال: المال بينهما شق الشعرة وشق الأبلمة، أي: مقسوم كقسمتهما. قوله: (وقرئ: "تشاقون" بكسر النون)، قرأها نافع، يقولون ذلك، أي: (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ). قوله: (من أممهم)، "من": ابتدائية، أي: من جهة أممهم، كما في قوله: (مِنَ الْقَوَاعِدِ)،
[ ٩ / ١٠٩ ]
فلا يلتفتون إليهم ويتكبرون عليهم ويشاقونهم، يقولون ذلك شماتة بهم وحكى الله ذلك من قولهم ليكون لطفًا لمن سمعه. وقيل: هم الملائكة. قرئ: تتوفاهم، بالتاء والياء. وقرئ: (الذين توفاهم)، بإدغام التاء في التاء (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ) فسالموا وأخبتوا، وجاءوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق والكبر، وقالوا: (ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) وجحدوا ما وجد منهم من الكفر والعدوان، فردّ عليهم أولو العلم (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فهو يجازيكم عليه، وهذا أيضًا من الشماتة وكذلك (فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ).
_________________
(١) ـ أي: قال الأنبياء من جهة أممهم المكذبة: (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ) شماتة بهم. قوله: (قرئ: (تَتَوَفَّاهُمْ) بالتاء والياء)، قرأ حمزة في الموضعين بالياء التحتاني، والباقون: بالتاء. قوله: (وقرئ: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ) بإدغام التاء في التاء)، قرأها البزي. قوله: (وأخبتوا)، الجوهري: الإخبات: الخشوع، يقال: اخبت لله، أي: تواضع، وأصله: الإلقاء في الأجسام، فاستعمل في إظهارهم الانقياد، إشعارًا بغاية خضوعهم واستكانتهم، وأنها كالشيء الملقي بين يدي الغالب القاهر. قوله: (وهذا أيضًا من الشماتة، وكذلك (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ)، فالشماتة الأولى قولهم: (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ)، أي الذين يموتون على الشرك، لقوله: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]، فلما ألقوا السلم، أي: ذلوا وخضعوا قائلين: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) رد عليهم أولو العلم:
[ ٩ / ١١٠ ]
[(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)].
(خَيْرًا) أنزل خيرًا. فإن قلت: لم نصب هذا ورفع الأول؟ قلت: فصلًا بين جواب المقرّ وجواب الجاحد، يعنى أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفًا،
_________________
(١) ـ بل كنتم تعملون السوء (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) تحقيقا لذلك الرد وتعليلًا له على وجه استتبع إيجاب العقاب وشماتة الأعداء، وإليه الإشارة بقوله: "فهو يجازيكم عليه"، فلما ألزموهم بذلك عقبوه بقوله: (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) تتميمًا للشماتة. وقال محي السنة: قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) من قول الملائكة، وقال صاحب "المرشد": إن جعلت (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ) في موضع جر صفة للكافرين، لم يكن الوقف على الكافرين حسنًا ولا كافيًا، وإن جعلته في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، كان الوقف على الكافرين تامًا، والوقف على (ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ) في هذا الوجه أصلح، وعلى ذلك الوجه صالح ليس بكافٍ ولا حسن. قوله (لم نصب هذا-أي: (خَيْرًا) - ورفع الأول؟)، أي: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) في قوله: (مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ). قوله: (لم يتلعثموا)، أبو زيد: تلعثم الرجل في الأمر: إذا تمكث فيه. قوله: (بينا)، صفة مصدر محذوف، أي: طباقًا بينا.
[ ٩ / ١١١ ]
مفعولا للإنزال، فقالوا خيرًا: أي أنزل خيرًا، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأوّلين، وليس من الإنزال في شيء. وروى أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي ﷺ، فإذا جاء الواقد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف وقالوا: إن لم تلقه كان خيرًا لك، فيقول: أنا شرّ وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه، فيلقى أصحاب رسول الله ﷺ فيخبرونه بصدقه، وأنه نبيّ مبعوث، فهم الذين قالوا خيرًا. وقوله (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) وما بعده بدل من خيرًا، حكاية لقوله (الذين اتقوا)، أي: قالوا هذا القول، فقدّم عليه تسميته خيرًا ثم حكاه. ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ عدة للقائلين، ويجعل قولهم من جملة إحسانهم ويحمدوا عليه (حَسَنَةٌ) مكافأة في الدنيا بإحسانهم، ولهم في الآخرة
_________________
(١) ـ قوله: (مفعولًا)، حال مترادف، أو مفعول له، أي: نُصب هذا فصلًا بين الجوابين مفعولًا للإنزال. قوله: (بدل من (خَيْرًا) حكاية) خبران لقوله: "وقوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) ". قوله: (أي: قالوا هذا القول، فقدم عليه تسميته خيرًا ثُم حكاه)، يريد أن جواب المتقين عن قولهم: (مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ) كأن أنزل (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ) إلى آخره، فقدم تعالى عليه (خيرًا) وجعله توطئة لقولهم، ثم حكى قولهم: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) إلى آخره. قال القاضي: فعلى هذا قوله: (خَيْرًا): مفعول (قَالُوا). قوله: (ويجوز أن يكون كلامًا مبتدأ)، عطف على قوله: "بدل"، فعلى هذا هو من كلام الله تعالى يمدح القائلين ويعدهم على ما أحسنوا فيه من القول، وجاء به عامًا في جميع ما أحسنوا ليدخل هذا القول فيه أيضًا. و(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) مُظهر وُضع موضع المضمر للإشعار بأنهم مستأهلون بأن يحسن إليهم دُنيا وعُقبى.
[ ٩ / ١١٢ ]
ما هو خير منها، كقوله (فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ)] آل عمران: ١٤٨ [(وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ) دار الآخرة، فحذف المخصوص بالمدح لتقدّم ذكره. وجَنَّاتُ عَدْنٍ خبر مبتدإ محذوف. ويجوز أن يكون المخصوص بالمدح طَيِّبِينَ طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي، لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ قيل: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فقال: السلام عليك يا ولىّ الله، الله يقرأ عليك السلام، وبشره بالجنة.
[(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ* فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)].
(تأتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ) قرئ بالتاء والياء، يعنى: أن تأتيهم لقبض الأرواح. ومْرُ رَبِّكَ لعذاب المستأصل، أو القيامة.
_________________
(١) ـ قوله: (لأنه في مقابلة (ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ)، يعني: يجب تفسير طيبين بطاهرين من ظُلم أنفسهم بالكفر والمعاصي للتقابل، أما الكفر فإن قوله: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ) إما مجرور: صفة للكافرين، أو مرفوع: خبر مبتدأ محذوف، والجملة بيان للكافرين، كما سبق، وأما المعاصي فإن قوله: (ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ) مجاب بقولهم: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ)، فظهر من هذا أن قوله: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ) عطف على قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ) على التقابل، فينبغي أن يُراعي مضامين القصتين، ولذلك خُتمت الأولى بقوله: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ)، ولما كان ذكر المؤمنين واردًا على سبيل الاستطراد للتقابل، وفرغ منه، عاد إلى نوع آخر من حديث الكفار، أعني قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ) والله أعلم.
[ ٩ / ١١٣ ]
(كذلِكَ) أي: مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب (فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
بتدميرهم (لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) لأنهم فعلوا ما استوجبوا به التدمير سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا جزاء سيئات أعمالهم. أو هو كقوله وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشورى: ٤٠].
[(وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)].
هذا من جملة ما عدّد
_________________
(١) ـ قوله: (أي: مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب)، يعني: المشار إليه بقوله ذلك في (كَذَلِكَ) ما دل عليه الآيات السابقة من الشرك والتكذيب، فعلى هذا لا يحسن ترتب قوله: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) على قوله: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) حسنه لو كان المشار إليه ما دل عليه قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ)؛ لأنه نوع آخر من قبائحهم كما سبق، وأي: ما لهم استمروا على الكفر والاستهزاء، ولم يُؤمنوا مع هذه البيانات الشافية والدلالات الواضحة هل ينظرون إلا مجيء الآيات الملجئة حين (لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) [الأنعام: ١٥٨]، (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)، فيكون قوله: (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) معترضًا بين السبب والمسبب. قوله: (أو هو كقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ) [الشورى: ٤٠] يعني: قوله: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) دل على أن ما أصابهم سيئة، وليس بهن فيجب أن يُقدر مضاف أو يُجعل من باب المشاكلة. قوله: (هذا من جملة ما عدد)، يعني قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) معطوف من حيث المعنى على ما سبق من أول السورة من أصناف كفرهم وعنادهم وشركهم بالله،
[ ٩ / ١١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … وإنكار وحدانيته بعد قيام الجج وإنكار البعث واستعجاله، وتكذيبهم الرسول وشقاقهم واستكبارهم. أما إنكار البعث واستعجاله ففهم من قوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ). وأما شركُهم: فهو ما يلزم من استعجالهم العذاب على ما سبق. وأما إنكار وحدانيته: فهو ما دل عليه (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) وأما الحجج السابقة، على هذا الإنكار، فهي من قوله: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ) ومن قوله: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ) وخلق الإنسان والأنعام والخيل والبغال، ومن قوله: (أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً)، وقوله: (وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، و(سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ) [الجاثية: ١٢]، ومن قوله: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ). وأما تكذيبهم الرسول، فمن قوله: (قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ). وأما استكبارهم عن قبول الحق، فمن قوله: (فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)، وفيه إنكارُ البعث. وخلاصته أن هذه السورة من مفتتحها إلى هذا المقام، واردة في بيان تعداد أصناف قبائح المشركين، ما قد تخلل بينها من ذكر أجنبي، فللتأكيد لإلزام الحجة وبيان العناد والإستكبار، وهذا كلام عالٍ وبيان شاف، لكن قوله: "وهذا مذهب المجبرة بعينه" جاء عقيبه خارجًا عن سنن الحق ومحض فيه التعصب، فخرم ذلك النظم السري، وذلك أنه تعالى لما عدد كُفرهم وشركهم وتكذيبهم إلى غير ذلك على ما سبق، أتى بقوله: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، ولما ذكر ما يدل على إفحامهم، وأن الحجة قد لزمتهم، ولم يبق لهم متشبث إلا التعليل بالمشيئة، وهو قولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ)، كما استقصينا القول فيه في "الأنعام"، أعاد قوله: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ليريك أن
[ ٩ / ١١٥ ]
من أصناف كفرهم وعنادهم، من شركهم بالله وإنكار وحدانيته بعد قيام الحجج وإنكار البعث واستعجاله، استهزاء منهم به وتكذيبهم الرسول، وشقاقهم، واستكبارهم عن قبول الحق، يعنى: أنهم أشركوا بالله وحرّموا ما أحل الله، من البحيرة والسائبة وغيرهما، ثم نسبوا فعلهم إلى الله وقالوا: لو شاء لم نفعل، وهذا مذهب المجبرة بعينه. (كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي أشركوا وحرموا حلال الله، فلما نبهوا على قبح فعلهم ورّكوه على ربهم (فهَلْ عَلَى الرُّسُلِ) إلا أن يبلغوا الحق، وأن الله لا يشاء الشرك والمعاصي بالبيان والبرهان، ويطلعوا على بطلان الشرك وقبحه وبراءة الله تعالى من أفعال العباد، وأنهم فاعلوها بقصدهم وإرادتهم واختيارهم، والله تعالى باعثهم على جميلها وموفقهم له، وزاجرهم عن قبيحها وموعدهم عليه.
[(وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)].
ولقد أمدّ إبطال قدر السوء ومشيئة الشر بأنه ما من أمة إلا وقد بعث فيهم
_________________
(١) ـ أحوال هؤلاء المشركين وأقوالهم لم تتجاوز عن أفعال الأمم الخالية، ولا عن أقوالهم حذو القُذة بالقذة، ثم بين أن الرسل سلفًا وخلفًا ما قصروا في الإنذار والتبليغ بقوله: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) ثم عقب المجمل بالتفصيل بقوله: (ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا) تسلية للرسول ﷺ وتحريضًا للقوم على الاعتبار، وأن ينظروا إلى وخامة عاقبة المكذبين وسوء خاتمتهم، وأن لاتذهب نفسه عليهم حسرات، ومن ثم خاطبه صلوات الله عليه بقوله: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ) فأين يدخل في الكلام حديث إني لا أقدر الشر ولا أشاؤه. قوله: (وركوه)، الجوهري: ورك فلان ذنبه على غيره، أي: قرفه به. قوله: (ولقد أمد إبطال قدر السوء)، يعني: أبطل الله تعالى في قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ
[ ٩ / ١١٦ ]
رسولا يأمرهم بالخير الذي هو الإيمان وعبادة الله، وباجتناب الشر الذي هو طاعة الطاغوت (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ) أي لطف به لأنه عرفه من أهل اللطف و(مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) أي ثبت عليه الخذلان والترك من اللطف، لأنه عرفه مصمما على الكفر لا يأتي منه خير فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أنى لا أقدّر الشر ولا أشاؤه، حيث أفعل ما أفعل بالأشرار.
[(إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ)].
ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله ﷺ على إيمانهم، وعرّفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه (لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) أي لا يلطف بمن يخذل، لأنه عبث، والله تعالى متعال عن العبث، لأنه من قبيل القبائح التي لا تجوز عليه.
_________________
(١) ـ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا) إلى آخره، نسبة أفعال السوء إلى قدر الله تعالى، ثم أمد ذلك الإبطال بقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا). الانتصاف: وجه استدلاله بها أن الله قسم العباد قسمين، والأمر والنهي يرجعان إلى المشيئة، بناء على زعمهم في إنكار كلام النفس، فعنده أن الله شاء أن تعبدوه وشاء أن يجتنبوا الطاغوت، ولم يشأ إشراكهم، ومبنى استدلاله على إنكار كلام النفس، والعجب غفلته عن قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ)، كما قال في الأنعام: (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنعام: ١٤٩]، وتقدم هناك ما فيه كفاية. قوله: (في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه حيث أفعل ما أفعل بالأشرار)، يريد أن النظر في أحوال الأشرار من الهلاك والدمار، يدل على أني ما قدرت الشر فيهم ولا قضيته عليهم، لأني لو فعلت ذلك، ثم عاقبتهم به، لم أكن عادلًا، لكنهم إنما استحقوا ذلك لأنهم هم الذين فعلوا ما استحقوا به الهلاك، وعُلم من قبل أن ما ذكره خارج عن مقتضى المقام.
[ ٩ / ١١٧ ]
وقرئ: (لا يهدى)، أي: لا تقدر أنت ولا أحد على هدايته وقد خذله الله. وقوله (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) دليل على أنّ المراد بالإضلال: الخذلان الذي هو نقيض
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "لا يُهدى")، على ما لم يُسم فاعله، الكوفيون: (لا يَهْدِي) بفتح الياء وكسر الدال. والباقون بضم الياء وفتح الدال، قال أبو البقاء: في قراءة الضم وجهان، أحدهما: أن (مَنْ يُضِلُ) مبتدأ، و(لا يَهْدِي): خبره. والثاني: أن (لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) بأسره: خبر (إنَّ)، كقولك: إن زيدًا لا يُضربُ أبوه يعني: أن التركيب سببين ومعناه: أن زيدًا بمكان من الشرف والكرامة بحيث استحق أن يُكرم أبوه ولا يُهان بالضرب، ونظيره في المعنى: خولان فانكح، ثُم ما في التنزيل مع ذلك التقدير واقع جزاء للشرط ولم يكن يصلح جزاء إلا بتأويل الإعلام والإخبار، وقد تقرر أن مثل هذا الأسلوب غنما يردُ للتقريع، أو التنبيه على أمر خطير خفي على السامع، ولا سيما في جعل اسم "عن" الاسم الجامع للأسماء الحسنى، كأنه قيل: (إِنْ تَحْرِصْ) أنت وكل مخلوق على هداية من أراد الله إضلاله، فاعلم وتنبه أنك قد حاولت مزاولة أمر لا يُرام، ومُحالٍ لا يُستطاع، هذا معنى قوله: "لا تقدرُ أنت ولا أحدٌ على هدايته"، ووجدتُ لبعض الفضلاء على الحاشية: هذه كلمة حق، وقد أخرجها الله تعالى من فمه بلا اختيار منه. قوله: «وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان)، كأنه قيل: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ)، فاعلم أن الله لا يهدي من يخذله، وما له من ناصر ينصره. وقلتُ: ليس تأويل (مَنْ يُضِلُ) بالخذلان أولى من تأويل (مِنْ نَاصِرِينَ) بالهادين، أي: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ)، فاعلم أن الله لا يهدي من يضله وما له من هاد قط، لا أنت
[ ٩ / ١١٨ ]
النصرة. ويجوز أن يكون (لا يَهْدِي) بمعنى: لا يهتدي. يقال: هداه الله فهدى. وفي قراءة أبىّ: فإنّ الله لا هادى لمن يضل، ولمن أضلّ، وهي معاضدة لمن قرأ (لا يَهْدِي) على البناء للمفعول. وفي قراءة عبد الله: يهدى، بإدغام تاء يهتدى، وهي معاضدة للأولى. وقرئ «يضل» بالفتح. وقرأ النخعي: إن تحرص، بفتح الراء، وهي لغية.
[(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ* ِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ)].
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ) معطوف على (وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا)] النحل: ٣٥ [إيذانًا
_________________
(١) ـ ولا غيرك، وهذا أولى؛ لأن أول الكلام في الهداية لا في النصرة والخذلان، وأما الختم بعد النصرة فللمبالغة في عدم توخي الهداية والخيبة فيه وعدم الاهتداء. قوله: (ويجوز أن يكون (لا يَهْدِي) بمعنى: لا يهتدي)، الجوهري: هدى واهتدى بمعنى، قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ)، قال الفراء: يريد: "لا يهتدي"، يعني: "لا يهتدي من يُضله". قوله: (هداه الله فهدى)، أي: "هدى" مطاوع "هداه"، كما أن "اهتدى" مطاوعه. قوله: (وهي مُعاضدة لمن قرأ: "لا يُهدى"، أي: لا هادي موجود لمن يُضله، فإذا لم يكن هاديه موجودًا فلا يُهدي أبدًا. قوله: (وهي معاضدة للأولى)، أي: قراءة من قرأ: "لا يهدي" بمعنى: لا يهتدي.
[ ٩ / ١١٩ ]
بأنهما كفرتان عظيمتان موصوفتان، حقيقتان بأن تحكيا وتدوّنا: توريك ذنوبهم على مشيئة الله، وإنكارهم البعث مقسمين عليه. وبَلى إثبات لما بعد النفي، أي: (بلى) يبعثهم. ووعد الله: مصدر مؤكد لما دلّ عليه بلى. لأن يبعث موعد من الله، وبين أنّ الوفاء بهذا الموعد حق واجب عليه في الحكمة (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أنهم يبعثون أو أنه وعد واجب على الله، لأنهم يقولون: لا يجب على الله
_________________
(١) ـ قوله: (كفرتان)، الجوهري: الكفر، بالفتح: التغطية، قال ابن السكيت: ومنه سُمي الكافر؛ لأنه يستر نعم الله تعالى عليه، وفي التخصيص فائدة، وهي أن الكفار يحاولون تغطية ما هو في غاية الظهور والجلاء، والأولى أن يعطف الجملة كما هي على جملة الشرط والجزاء، كأنه تعالى يخبر عن مبالغة حرص النبي ﷺ على هدايتهم، وعن تناهي ضلالهم مفوضًا ترتب إحدى الجملتين على الأخرى إلى فهم السامع. قوله: (أو أنه وعد واجب)، أي: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أنه وعد واجب على الله، لأنهم يقولون: "لا يجب على الله شيء، لا ثواب عامل ولا غيره"، وفيه تعريض بأهل السنة، قال صاحب "الفرائد": لا دلالة في الآية على ما قال، لكن المعنى: لا يعلمون كمال قدرته، وبالغ حكمته في بعثه بعد إماتته. وقلت: الذي دل عليه السياق أن معناه: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ذلك الوعد الحق والقول الصدق لقوله: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا) كقوله تعالى: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ) [يونس: ٤]، فالمقدر الوعد الواجب بحسب أنه تعالى لا يخلف الميعاد، لا أن العبد يوجب عليه ذلك بسبب عمله. وأما الجزاء من الثواب والعقاب، فهو تابع للبعث، أو (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أنه تعالى يبعثهم، أي: بمسألة البعث التي مبناها على كونه تعالى عالمًا بكل المعلومات، قادرًا على كل المقدورات، كالفلاسفة وأضرابهم خذلهم الله.
[ ٩ / ١٢٠ ]
شيء، لا ثواب عامل ولا غيره من مواجب الحكمة. (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ) متعلق بما دل عليه «بلى» أى يبعثهم (ليبين) لهم. والضمير لمن يموت، وهو عام للمؤمنين والكافرين، والذي اختلفوا فيه هو الحق (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ) كذبوا في قولهم: (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء)، وفي قولهم: لا يبعث الله من يموت. وقيل: يجوز أن يتعلق بقوله (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا) أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه، وأنهم كانوا على الضلالة قبله، مفترين على الله الكذب.
[(إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)].
(قَوْلُنا) مبتدأ، (وأَنْ نَقُولَ) خبره. (كُنْ فَيَكُونُ) من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود، أي: إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له: أحدث، فهو يحدث عقيب ذلك لا يتوقف، وهذا مثل لأنّ مرادًا لا يمتنع عليه، وأنّ وجوده عند إرادته تعالى غير متوقف، كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل، ولا قول ثم، والمعنى: أنّ إيجاد كل مقدور على الله تعالى بهذه السهولة،
_________________
(١) ـ ويؤيد أن الكلام في البعث قوله: (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) أي: في البعث، (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ) أي: في قولهم: (لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ)، وكذا قوله: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)؛ لأن فيه إثبات القدرة الكاملة والإرادة الشاملة، وإليه الإشارة بقوله: "والمعنى: أن إيجاد كل مقدور على الله بهذه السهولة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من شق المقدورات؟ ". قوله: (لأن مرادًا)، نكرة، واللام متصل بـ "مثل"، أي: أي مراد يكون؟ وقوله: (وأن وجوده عند إرادته غير متوقف)، عطف تفسيري، على أن مرادًا لا يمتنع عليه.
[ ٩ / ١٢١ ]
فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من شق المقدورات. وقرئ: (فيكون)، عطفًا على (نَقُولَ).
[(وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ* الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)].
(وَالَّذِينَ هاجَرُوا) هم رسول الله ﷺ وأصحابه، ظلمهم أهل مكة ففرّوا بدينهم إلى الله، منهم من هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فجمع بين الهجرتين. ومنهم من هاجر إلى المدينة. وقيل: هم الذين كانوا محبوسين معذبين بعد هجرة رسول الله ﷺ،
_________________
(١) ـ قوله: (في شق المقدورات)، فيه توهين لأمر البعث، "الأساس": قعد في شق الدار: في ناحية منها، وخُذ من شق الثياب، من عُرضها ولا تختر. قوله: (وقرئ: "فيكون")، ابن عامر والكسائي: بالنصب، والباقون: بالرفع، قال الزجاج: فالرفع: على فهو يكون، أي ما أراد الله فهو يكون، والنصب: إما على: (إِنْ نَقُولُ)؛ أي: نقول فيكون، أو على أنه جواب (كُن). و(قَوْلُنَا): رفع بالابتداء، وخبره (إِنْ نَقُولُ) معناه: ماذا أراد الله فهو كائن على كل حال، ولو أراد خلق الدنيا والسماوات والأرض في قدر لمح البصر لقدر، لكن العباد خوطبوا بما يعقلون، فأعلمهم الله سهولة خلق الأشياء، فُعلِم أنه متى أراد الشيء كان، وليس أن الشيء قبل أن يُخلق موجودٌ. وقال أبو علي: (كُن) وإن كان على لفظ الأمر، فليس القصد هنا الأمر وإنما هو والله أعلم: الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإلى هذا ذهب أبو العباس، وسيجيء تمام بحثه في "يس".
[ ٩ / ١٢٢ ]
وكلما خرجوا تبعوهم فردّوهم: منهم بلال، وصهيب، وخباب، وعمار. وعن صهيب أنه قال لهم: أنا رجل كبير، إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضرّكم، فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر ﵁ قال له: ربح البيع يا صهيب. وقال له عمر: نعم الرجل صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه، وهو ثناء عظيم: يريد لو لم يخلق الله نارًا لأطاعه، فكيف وقد خلق! (فِي اللَّهِ) في حقه ولوجهه حَسَنَةً صفة للمصدر، أي لنبو أنهم تبوئه حسنة. وفي قراءة على ﵁: (لنثوّينهم). ومعناه: أثوأة حسنة. وقيل: لتنزلنهم في الدنيا منزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، وعلى العرب قاطبة، وعلى أهل المشرق والمغرب. وعن عمر ﵁ أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك ربك في الدنيا، وما ذخر لك في الآخرة أكثر. وقيل: لنبوّئنهم
_________________
(١) ـ قوله: (فكيف)، متعلقة بمحذوف، تقديره: لو لم يخلق الله نارًا لأطاعه، فكيف وقد خلق، أي: لا يُطيع الله لخوف النار فتكون طاعته لأغراض وعلل، والعارف من يطيع الله لله، ومعنى (لو) في الحديث ليس لامتناع الشيء لامتناع غيره، بل لمجرد الفرض والتقدير. قوله: «فِي اللَّهِ): في حقه)، أي: الذين هاجروا مخلصين لوجه الله، لا لأمر آخر دنيوي، كقوله صلوات الله عليه: "فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إليه"، رواه الشيخان وغيرهما. قوله: (لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة)، يريد أن التبوئة في المكان بمعنى إعطاء المنزلة، فيجوز أن يُستعمل في التمكين في الأرض، نحو: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ) [الأعراف: ١٠]، ولذلك قال: وهي "الغلبة على أهل مكة" إلى قوله: "وعلى أهل المشرق المغرب"، ولا يبعدُ أن يُقال: إن هذا هو الوعد المذكور في قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) الآية [النور: ٥٥]، والله أعلم.
[ ٩ / ١٢٣ ]
مباءةً حسنة وهي المدينة، حيث آواهم أهلها ونصروهم (لَوْ كانُوا يَعْلَمُون) الضمير للكفار، أي: لو علموا أنّ الله يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم الدنيا والآخرة، لرغبوا في دينهم. ويجوز أن يرجع الضمير إلى المهاجرين، أي: لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم الَّذِينَ صَبَرُوا على: هم (الذين صبروا). أو أعنى الذين صبروا، وكلاهما مدح، أي: صبروا على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله المحبوب في كل قلب، فكيف بقلوب قوم هو مسقط رؤسهم، وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل الله.
[(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)].
قالت قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، فقيل: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) على ألسنة الملائكة (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) وهم أهل الكتاب، ليعلموكم أن الله لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشرًا. فإن قلت: بم تعلق قوله (بِالْبَيِّناتِ)؟ قلت: له متعلقات شتى، فإما أن يتعلق بـ (ما أرسلنا) داخلًا تحت حكم الاستثناء مع رجالًا أي: وما أرسلنا إلا رجالًا بالبينات، كقولك: ما ضربت إلا زيدًا بالسوط،
_________________
(١) ـ قوله: (و(الَّذِينَ صَبَرُوا) على: هم الذين صبروا)، أي: (الَّذِينَ صَبَرُوا) واردٌ على: هم الذين صبروا، أو: أعني، كلاهما لإرادة المدح. قوله: (قالت قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا)، هذا التقرير يقتضيه قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا) من جهة "ما" و"إلا"، لأنهما إنما يتلقى بهما المخطئ المُصرُّ على خطابه، المبالغُ في إنكاره.
[ ٩ / ١٢٤ ]
لأن أصله: ضربت زيدًا بالسوط وإما بـ (رجالًا)، صفة له: أي رجالا ملتبسين بالبينات. وإما بـ (أرسلنا) مضمرًا، كأنما قيل: بم أرسلوا؟ فقلت بالبينات، فهو على كلامين، والأوّل على كلام واحد. وإما بـ (يوحى)، أي:
يوحى إليهم بالبينات. وإما بـ (لا تعلمون)، على أن الشرط في معنى التبكيت والإلزام، كقول الأجير: إن
_________________
(١) ـ قوله: (لأن أصله: ضربت بالسوط)، يعني: "إلا" من حيثُ اللفظ لغوٌ، والاستثناء على خلاف المشهور، عن بعضهم، التقدير: لم يوجد ضرب منه أصلًا، لا بالسوط ولا غيره. وقال أبو البقاء: في تعلق (بِالْبَيِّنَاتِ) بـ (أَرْسَلْنَا) بمعنى: أرسلناهم بالبينات ضعفٌ؛ لأن ما قبل إلا لا يعملُ فيما بعدها إذا تم الكلام على (إِلاَّ) وما يليها، إلا انه قد جاء في قول الشاعر: نبئتهم عذبوا بالنار جارتهم … ولا يُعذب إلا الله بالنار وقال صاحب "المفتاح": لك أن تقول: ما ضرب إلا عمرًا زيدٌ، وما ضرب إلا زيدٌ عمرًا، فتقدم وتؤخر، إلا أن هذا التقديم والتأخير لما استلزم قصر الصفة قبل تمامها على الموصوف، قل دوره في الاستعمال. قوله: (والأول)، قال: في الأولين والأول، نظرًا إلى أنه لا إضمار فيه. قوله: (وإما بـ (لا تَعْلَمُونَ»، على أن الشرط في معنى التبكيت والإلزام، لأن (إن) استعملت في أمر مقطوع معلوم، وذلك أن الكلام مع قريش كما قال: "قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا"، فقيل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا
[ ٩ / ١٢٥ ]
كنت عملت لك فأعطني حقي. وقوله (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) اعتراض على الوجوه المتقدّمة، وأهل الذكر: أهل الكتاب. وقيل للكتاب الذكر، لأنه موعظة وتنبيه للغافلين ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ يعنى ما نزل الله إليهم في الذكر مما أمروا به ونهوا عنه ووعدوا وأوعدوا (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وإرادة أن يصغوا إلى تنبيهاته فيتنبهوا ويتأملوا.
[(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ* أَوْ يَاخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ* أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ)].
مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أي: المكرات السيئات، وهم أهل مكة، وما مكروا به
_________________
(١) ـ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ)، وقد علم وحقق أن قريشًا لم يكونوا عالمين بالبينات والزبر، فتعليقه بالسؤال يفيد التبكيت والإلزام، يعني: لا ارتياب في أنكم غير عالمين بها، ولستم أيضًا مما تسألون عنهم، لأنكم تعلمون أنهم لا يجبونكم إلا بما ذكرنا، من أنا ما أرسلنا من قبله إلا رجالًا يُوحى إليهم، فلم يبق لكم طريق سوى التسليم والإذعان، وعليه قوله: "إن كنتُ عملتُ لك فأعطني حقي"، وصاحب "المفتاح" أخرج هذا المثال في معرض النفي، حيث قال: ومنه ما قد يقول العامل عند القاضي بالعمالة إذا امتد التسويف وأخذ يُترجم عن الحرمان: إن كنتُ لم أعمل فقولوا: أقطع الطمع، نزلهم لتوهم أن يحرموه منزلة من لا يعتقد أنه عمل مُجهلًا. قوله: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ): اعتراض على الوجوه المتقدمة)، يعني: في هذا الوجه، ليس باعتراض وليس بجواب للشرط، لتقدمه عليه، لكنه دال عليه. قوله: (وهم أهل مكة وما مكروا به)، أي: الضمير في (مَكَرُوا) لأهل مكة، والمراد
[ ٩ / ١٢٦ ]
رسول الله ﷺ (فِي تَقَلُّبِهِمْ) متقلبين في مسايرهم ومتاجرهم وأسباب دنياهم (عَلى تَخَوُّفٍ) متخوفين، وهو أن يهلك قوما قبلهم فيتخوّفوا فيأخذهم بالعذاب وهم متخوفون متوقعون، وهو خلاف قوله (مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) وقيل: هو من قولك: تخوفنه وتخونته، إذا تنقصته: قال زهير:
تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكًا قَرِدًا … كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النّبْعة السَّفَنُ
أي يأخذهم على أن يتنقصهم شيئًا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا. وعن عمر ﵁. أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا: التخوّف التنقص. قال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا. وأنشد البيت. فقال عمر: أيها الناس، عليكم
_________________
(١) ـ بالمكر: ما مكروا به في دار الندوة، الراغب: المكرُ: صرفُ الغير عما يقصده بحيلة. قوله: (وهو خلاف قوله: (مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ»، كأنه قيل: أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ومن حيث يشعرونه. قوله: (من قولك: تخوفته وتخونته)، الراغب: تخوفناهم: تنقصناهم تنقصًا اقتضاه الخوف منه، والتخوف: ظهور الخوف من الإنسان، قال الله ﷿: (أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ). قوله: (تخوف الرحل منها)، البيت: تامكا: أي: سناما مُشرفًا. الأساس: صوفٌ قردٌ: ملتصق متلبد. الجوهري: سحابٌ قردٌ: يركب بعضه بعضًا، والنبع: شجر يتخذ منه القسي، والسفن، بالتحريك: المبرد، يصف ناقة أثر الرحل في سنامها، وتنقصن كما ينقص المبرد من العود.
[ ٩ / ١٢٧ ]
بديوانكم لا يضل. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) حيث يحلم عنكم، ولا يعاجلكم مع استحقاقكم.
[(أوَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ)].
قرئ: (أولم يروا) و(يتفيؤا)، بالياء والتاء. و(ما) موصولة بـ (خلق الله)، وهو مبهم بيانه: (مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ). واليمين: بمعنى الأيمان. (وسُجَّدًا) حال من الظلال. وَهُمْ داخِرُونَ حال من الضمير في (ظلاله)، لأنه في معنى الجمع؛
_________________
(١) ـ قوله: (بديوانكم)، المُغرب: الديوان: الجريدة، من دون الكتُبَ: إذا جمعها، لأنه قطعٌ من القراطيس مجموعة. ويُروى أن عمر ﵁ أول من دون الدواوين، أي: رتب الجرائد للولاة والقُضاة. قوله: (لا يضل)، مجزومٌ؛ لأنه جواب لقوله: عليكم، وهو بمعنى الأمر، وفي "اللباب": عليكم بديوانكم لا تضلوا. قوله: (قرئ: "أولم يروا" و"يتفيؤا")، "أو لم تروا" بالتاء الفوقاني: حمزةُ والكسائي، والباقون: بالياء. أبو عمرو: "تتقيأ" بالتاء الفوقاني، والباقون: بالياء. قوله: «سُجَّدًا): حال من الظلام، (وَهُمْ دَاخِرُونَ): حال من الضمير في (ظِلالُهَ»، فالمعنى: ظلالهم ساجدة، وهم في أنفسهم متواضعون صاغرون، فيتفق الباطن مع الظاهر. فإن قلت: لم جعل الحال الثانية حالًا من الضمير في (ظِلالُهَ)، ولم يُجعل من الضمير المرفوع المحذوف العائد إلى الموصول؟
[ ٩ / ١٢٨ ]
وهو ما خلق الله من كل شيء له ظل، وجمع بالواو، لأن الدخور من أوصاف العقلاء، أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب. والمعنى: أو لم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها، أي عن جانبي كل واحد منها. وشقيه استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء، أي: ترجع الظلال من جانب إلى
_________________
(١) ـ قلت: لأنه حال مؤكدة، فإذا جعلت الظلال ساجدة، يلزم منه المبالغة في سجود الأجرام بالطريق الأولى، وهو معنى الدخور، فيقع الحال تأكيدًا، كما في قوله: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥] ولايفيد الأول هذا المعنى، وفيه إدماج لمعنى تسخير الأجرام العلوية، لأن الظل إنما يحصل من حركات الكواكب والشمس، ولما بين ذلك، وأراد أن يُبين الاختصاص وأنها تسجد لله لا لغيره، قال: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ)، قال القاضي: قوله: (سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ) هما حالان من الضمير في (ظِلالهُ)، والمراد من السجود الاستسلام، سواء كان بالطبع أو الاختيار، يقال: سجدت النخلة: إذا مالت لكثرة الحمل، وسجد البعير إذا طأطأ رأسه ليُركب، والمعنى: ترجعُ الظلالُ بارتفاع الشمس وانحدارها منقادة لما قُدر لها من التفيؤ، أو واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد، والأجرام في أنفسها أيضًا صاغرة منقادة لأفعال الله فيها. قال أبو البقاء: (سُجَّدًا) حال من الظلال، (وَهُمْ دَاخِرُونَ) حال من الضمير في (سُجَّدًا)، ويجوز أن يكون حالًا ثانية معطوفة. قوله: (وجُمع بالواو؛ لأن الدخور من أوصاف العقلاء)، وذلك أن من لا يعقل إذا وُصف بصفة العقلاء أجرى مجرى العقلاء في الاستعمال، وإذا حُكم على العقلاء، وغير العقلاء، تغلب العقلاء على غيرهمز قوله: (استعارة)، خبر مبتدأٍ محذوف، أيمان الظلال وشمائل الظلال في قوله تعالى:
[ ٩ / ١٢٩ ]
جانب منقادة لله، غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ، والأجرام في أنفسها داخرة أيضًا، صاغرة منقادة لأفعال الله فيها، لا تمتنع.
[(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ* يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ)].
(مِنْ دابَّةٍ) يجوز أن يكون بيانا لما في السموات وما في الأرض جميعا، على أنّ في السموات خلقا لله يدبون فيها كما يدب الأناسي في الأرض، وأن يكون بيانا لما في الأرض وحده، ويراد بما في السموات: الملائكة. وكرّر ذكرهم على معنى: والملائكة خصوصا من بين الساجدين، لأنهم أطوع الخلق وأعبدهم. ويجوز أن يراد بما في السموات: ملائكتهنّ. وبقوله (والملائكة): ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم، فإن قلت: سجود المكلفين مما انتظمه هذا الكلام خلاف سجود غيرهم، فكيف
_________________
(١) ـ (عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ): استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء. قوله: (من التفيؤ)، بيان ما سخرها له، تتفيأ: تنفعل من الفيء، يقال: فاء يفيء فيئًا، إذا رجع. قوله: (الخلق الذي يُقال له: الروح)، فعلى هذا الروح غير الملائكة، وقال فيه: الروح جبريل، أو أفرده عنهم لشرفه، لقوله تعالى (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ) وقيل: خلقٌ من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة. قوله: (والملائكة خصوصًا من بين الساجدين)، يريد أنه تعالى لما عم من يتأتى منه السجود في قوله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، ثم خص من بينهم هذا الجنس من المكلفين في قوله: (وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ)، دل على أنهم أولى وأقدم في هذا النوع من العبادة، ثم تممه بقوله: (وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ).
[ ٩ / ١٣٠ ]
عبر عن النوعين بلفظ واحد؟ قلت: المراد بسجود المكلفين: طاعتهم وعبادتهم، وبسجود غيرهم: انقياده لإرادة الله وأنها غير ممتنعة عليها، وكلا السجودين يجمعها معنى الانقياد فلم يختلفا، فلذلك جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد. فإن قلت: فهلا جيء بمن دون (ما) تغليبًا للعقلاء من الدواب على غيرهم؟ قلت: لأنه لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب، فكان متناولا للعقلاء خاصة،
_________________
(١) ـ قوله: (وكلا السجودين يجمعهما معنى الانقياد فلم يختلفا)، "الانتصاف": استدل بالآية من أجاز استعمال المشترك في معنييه وفي حقيقته ومجازه شمولًا، والزمخشري يُنكره في مواضع من كتابه، فحمله على القدر المشترك وجعله متواطئًا ليسلم من الجمع بين الحقيقة والمجاز، ويبطله أن الآية آية سجدة، وفيه دليل على أن المراد من السجود المذكور: ما هو منسوب إلى المكلف من الفعل المتعارف شرعًا، فيبطل القول بالقدر المشترك. قلت: ويمكن أن يقال: إن قوله: (يَسْجُدُ) واردٌ على عموم المجاز الذي يكون كل من الحقيقة والمجاز فردًا من أفراده، والمكلف إنما يسجدُ لمقتضى ما يناسبه. الراغب: السجود أصله: التطامن والتذلل، وجُعل ذلك عبارة عن التذلل لله وعبادته، وهو عام في الإنسان وغيره، وذلك ضربان: اختياري: وليس ذلك إلا للإنسان وبه يستحق الثواب، قال الله تعالى: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا). وتسخيري، وهو للإنسان وغيره، وعلى ذلك قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) [الرعد: ١٥] الآية، وهو الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة، وأنها خلق فاعل حكيم، قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) ينطوي على النوعين. قوله: (لم يكن فيه دليل على التغليب)، قلت: ما أبينه من دليل، فإنه لو جيء
[ ٩ / ١٣١ ]
فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم، إرادة العموم (يَخافُونَ) يجوز أن يكون حالا من الضمير في لا (يَسْتَكْبِرُونَ) أي: لا يستكبرون خائفين، وأن يكون بيانا لنفى الاستكبار وتأكيدًا له، لأنّ من خاف الله لم يستكبر عن عبادته مِنْ فَوْقِهِمْ إن علقته بـ (يخافون)، فمعناه: يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، وإن علقته بربهم حالا منه فمعناه: يخافون ربهم عاليًا لهم قاهرًا، كقوله (وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ
_________________
(١) ـ بـ "مِن"، وبُيِّنَ بقوله: (مِنْ دَابَّةٍ)، والدابة كما صرح في قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) الآية، بقوله: "ولما كان اسم الدابة موقعًا على المميز وغير المميز" لكفى به دليلًا ظاهرًا على التغليب، ولكن إنما اختير "ما" للوصفية المشعرة بالتواضع والاستصغار، لاقتضاء السجود ذلك، كما في قوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) كأنه جاء بت "ما" دون "مَن" تحقيرًا لهم وتصغيرًا لشأنهم. ومما يعضده أن هذه الآية معطوفة على الآية السابقة عطف الخاص على العام، وقد فُصلت السابقة بقوله: (وَهُمْ دَاخِرُونَ). وأما تكرير ذكر الملائكة على الوجه الثاني في الكتاب فتعريض بمن عند الملائكة، وأنهم أحرياء بأن يخضعوا لله تعالى، ويتضاءلوا لجلاله ﷿، ومن ثمة: أتبعه بقوله: (لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ). والله أعلم. قوله: «يَخَافُونَ) يجوز أن يكون حالًا)، وأن يكون بيانًا لنفي الاستكبار وتأكيدًا له، الانتصاف: الثاني أصح؛ لأن الحال تُعطي انتقالًا وتوهم تقييدًا، والواقع عدم استكبارهم مطلقًا غير مقيد بحال. قوله: (إن علقته بـ (يَخَافُونَ»، أي: جعلته متصلًا به وتتمة لمعناه، ولم تُرد به تعلق المعمول بالعامل، فعلى هذا (مِنْ فَوْقِهِمْ): متعلق بمتعلق (يَخَافُونَ)، يدل عليه جعل المصنف "أن يُرسل" بدلًا من الضمير في "يخافونه"، ويمكن أن يُقدر: ويخافون عذاب ربهم كائنًا من فوقهم.
[ ٩ / ١٣٢ ]
عِبادِهِ) [الأنعام: ١٨، ٦١]، (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ) [الأعراف: ١٢٧] وفيه دليل على أنّ الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهى والوعد والوعيد كسائر المكلفين، وأنهم بين الخوف والرجاء.
[(وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)].
فإن قلت: إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين، فقالوا عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة، لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص. وأما رجل ورجلان وفرس وفرسان، فمعدودان فيهما دلالة على العدد، فلا حاجة إلى أن يقال: رجل واحد ورجلان اثنان، فما وجه قوله (إلهين اثنين)؟ قلت: الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين: على الجنسية والعدد المخصوص، فإذا أريدت الدلالة على أنّ المعنىّ به منهما، والذي يساق إليه الحديث هو العدد شفع بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به. ألا ترى أنك
_________________
(١) ـ قوله: (دال على شيئين، على الجنسية والعدد)، وفيه أن العدد عار عن الدلالة على ماهية المعدود، فيجوز أن يكون بيانًا لأحد مفهوميه. قوله: (والذي يُساق غليه الحديث هو العدد)، "هو العدد": خبر "أنَّ"، و"الذي يُساق إليه الحديث" تفسير لقوله: "المعنى به"، و"شُفع": جواب "إذا". قوله: (شُفع بما يؤكده)، لا ينافي قول صاحب "المفتاح": ففسر (إِلَهَيْنِ) بـ (اثْنَيْنِ) و(إِلَهٍ) بـ (وَاحِدَ)، بيانًا لما هو الأصل في الغرض، فإن التأكيد أيضًا بيان من وجه، ألا ترى إلى قول المصنف قبيل هذا في قوله: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ): "هو بيان لقوله: (وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) وتأكيدٌ له؛ لأن من خاف الله لم يستكبر عن عبادته".
[ ٩ / ١٣٣ ]
لو قلت: (إنما هو إله)، ولم تؤكده بـ (واحد): لم يحسن، وخيل أنك تثبت الإلهية لا
_________________
(١) ـ قوله: (لو قلت: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ)، ولم تؤكده بـ (وَاحِدٌ)، لم يحسنْ، وخيل أنك تثبتُ الإلهية لا الوحدانية)، قال صاحب "التقريب": فيه نظرٌ، إذ "إلهٌ" يُطلقُ على الجنس مجردًا عن العدد، فجاء فيه التخييل، وأما (إِلَهَيْنِ) فلا يتخيل فيه غير التثنية، مع أنه المبحث، وفي حاشية "التقريب": وفي الأصل نظرٌ؛ لأن نحو إلهٍ وُضع للجنسية، والوحدة لا يجيء التخيل أيضًا إذا جُرد عن الواحد، وإن وُضع للجنسية المطلقة لم يكن شفعه بالواحد تأكيدًا، إذ التأكيد: تقوية ما فهم من الأول، والمقدر عدم دلالته على الوحدة. وقلت: إن المصنف لما بين دلالة الوضع أولًا، وأن مثل رجل ورجلين معدودان فيهما دلالة على العدد، بُني عليه معنى التأكيد، واستدل باستواء مؤدى اللفظين-أعني: ثلاثة رجال، ورجلين-في المقصود من إرادة المعدود من العدد، فلو لم يحمل شفعة بالواحد على التأكيد وبيان الغرض، لكان زائدًا، فوجب المصير إلى التأكيد، ولأن التأكيد إنما يصار إليه لاحتمال ما عسى أن يتوهم السامع خلاف المقصود، وكل لفظٍ أخلي عن التأكيد لا يمنع الاحتمال، وقد نص الزجاج: أن (اثْنَيْنِ): توكيد لقوله: (إِلَهَيْنِ)، كـ"الواحد" في قوله: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ). وقال الإمام: إن (إِلَهَيْنِ): لفظ واحد يدل على أمرين: ثبوت الإله، وثبوت التعدد، فإذا قيل: (لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ) لم يعرف منه أن النهي وقع عن إثبات الإله أو عن إثبات التعدد أو عن مجموعهما، فلما شُفع بقوله: (اثْنَيْنِ) ثبت أن النهي عن إثبات التعدد فقط، وكذا عن صاحب "المفتاح".
[ ٩ / ١٣٤ ]
الوحدانية (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) نقل للكلام عن الغيبة إلى التكلم، وجاز لأنّ الغالب هو المتكلم، وهو من طريقة الالتفات، وهو أبلغ في الترهيب من قوله: وإياه فارهبوه، ومن أن يجيء ما قبله على لفظ المتكلم.
_________________
(١) ـ وأما بيان النظم فإن قوله: (وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) الآية، معطوف على قوله: (مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ)، على منوال قوله: "متقلدًا سيفًا ورمحًا"، أي: أولم ينظروا إلى ما خلق الله من الدلائل المنصوبة الشاهدة على وحدانية الله تعالى، وأنه لا معبود سواه، وأولم يسمعوا إلى ما قال وأوحاه الله في الكتب المنزلة، من بيان التوحيد، ونفي الشركاء؟ قوله: (وجاز لأن الغائب)، أي: وجاز انقل؛ لأن الغائب في قوله: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) هو بعينه المتكلم في قوله: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)؛ لأن شريطة الالتفات هو الانتقال من إحدى الصيغ الثلاث إلى الأخرى، لمفهوم واحد. قوله: (وهو أبلغ في الترهيب من قوله: فإياه فارهبون)، لما أنك تجدُ في الانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازًا من نفس المخاطب ما لا تجدُ إذا استمررت على لفظ الغيبة. وقوله: (ومن أن يجيء ما قبله على لفظ المتكلم)، أي: هذا الانتقال والاختلاف أبلغ من أن يُجاء به على سنن واحد، وهو أن يجيء على لفظ الغيبة ما يقال: إنما هو إلهٌ واحدٌ فإياه فارهبون، وأن يجيء ما قبله على لفظ التكلم، كما يقال: إنما أنا إلهٌ واحدٌ فإياي فارهبون. قال صاحب "الفرائد": فائدة الالتفات أن يُعلم أن ذلك الواحد هو المتكلم، لا غيره؛ لأنه لما أفاد قوله: (لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ)، وأفاد قوله: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) الأمر باتخاذ الواحد، وجب أن يبين أن ذلك الواحد هو المتكلم، فعبر عن ذلك بقوله: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ).
[ ٩ / ١٣٥ ]
[(وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ)].
الدِّينُ الطاعة واصِبًا حال عمل فيه الظرف. والواصب: الواجب الثابت، لأنّ كل نعمة منه فالطاعة واجبة له على كل منعم عليه. ويجوز أن يكون من الوصب، أي: وله الدين ذا كلفة ومشقة، ولذلك سمى تكليفا. أو: وله الجزاء ثابتا دائما سرمدا لا يزول، يعنى الثواب والعقاب.
_________________
(١) ـ وقلتُ: وتحريره أن قوله تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) إلى آخر الآيات، مفرغٌ في قالب واحد؛ لأن أصل الكلام: لا تُشركوا بي شيئًا في العبادة؛ لأن المعبود واحد، فانظروا بنظر الإنصاف أنه مَن هو؟ فإذا أدّاكُم النظرُ إلى أن ذلك المعبود أنا، فخصوني بالرهبة، مثله في الانتقال والتخصيص قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة ٤] بعد قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، وإجراء الصفات عليه تعالى. ثُم عطف قوله: (وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) على قوله: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) بعدما رتب عليه التقوى، ليؤذن بأن عظمة الإلهية، كما تقتضي الخوف، كذلك المالكية، فعلق به قوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ)، ثم وبخهم وأنكر عليهم بعد الشرك كُفرانهم نعم الله تعالى بقوله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ)، ثم استبعده بقوله: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) قال ابن الحاجب: الآية جيء بها لإخبار قوم استقرت بهم نعمٌ جهلوا معطيها، أو شكوا فيه، أو فعلوا ما يؤدي إلى أن يكونوا شاكين، فاستقرارها مجهولة أو مشكوكة سببٌ للإخبار بكونها من الله تعالى. قوله: (أو: ولهُ الجزاء [ثابتًا] دائمًا) ن عطفٌ على قوله: " (الِدَيْنِ): الطاعةُ … والواصب: الواجب الثابت"، والدين إذا فُسر بالطاعة، والواصب يجوز أن يكون بمعنى الواجب، فيكون المعنى: الطاعة واجبة لله تعالى؛ لأن كل نعمة منهُ، وأن يكون بمعنى الكلفة والمشقة، ويكون المعنى: وله الطاعة التي فيها كلفة ومشقة، ابتلاء للعباد ليتميز المخلص من غيره، وإذا فُسر بالجزاء كقوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: ٣] فالواجب
[ ٩ / ١٣٦ ]
[(وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ* ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ* لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ*)].
(ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَة) وأي شيء حل بكم، أو اتصل بكم من نعمة، فهو من الله (فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ) فما تتضرعون إلا إليه، والجؤار: رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة. قال الأعشى يصف راهبا:
يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِيـ … ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا
وقرئ: (تجرون)، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الجيم. وقرأ قتادة: كاشف الضرّ على: فاعل بمعنى فعل، وهو أقوى من كشف، لأن بناء المغالبة يدل على المبالغة. فإن قلت: فما معنى قوله (إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ)؟ …
_________________
(١) ـ بمعنى: الثابت فقط، والمعنى: وله الجزاء دائمًا ثابتًا، والضمير في قوله: "ولذلك سُمي" (الدِّينِ) المفسر بالطاعة. الراغب: الوصب: السُّقْم الدائم، وقد وصب فهو وصبٌ، وأوصبته كذا فهو يتوصب، نحو: يتوجع، قال تعالى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ) [الصافات: ٩]، وقوله: (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا) فتوعد لمن اتخذ إلهين، تنبيه أن جزاء من فعل ذلك لازم شديد، ومعنى الواصب: الدائم، أي: حق الإنسان أن يطيعه دائمًا في جميع أحواله. قوله: (يُراوحُ من صلوات)، البيت، يصف راهبًا. المراوحة في العملين: أني عمل هذا مرة وهذا مرة. قوله: (فما معنى قوله: (إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ)؟)، أتى في السؤال بالفاء للإيذان بالإنكار
[ ٩ / ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … على الكلام السابق، يعني: مقتضى قوله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) الإخبار عن قوم استقرت بهم نعم جهلوا مُعطيها، وقد ذكرت أن قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا) ردٌّ لطعن قريش في رسالته صلوات الله عليه، وقولهم: "الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا"، وذكرتُ ثانيًا أن قوله: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ) نازلة فيهم، وهي متصلة بتلك الآية، بمعنى: أفأمن منكرو الرسالة الباذلون جهدهم في المكر بإبطالها أن يخسف بهم وكيت وكيت؟ وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ) عطف على قوله: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا)، وقوله: (وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) عطفٌ على (أَوَلَمْ يَرَوْا) على منوال قوله: مُتقلدًا سيفًا ورمحًا، أي: أو لم يروا إلى دلائله الدالة على القدرة القاهرة المسخرة لكل شيء، وأولمْ يسمعوا بآياته الشافية في إثبات التوحيد، وأن له الملك الواسع، والدين الواصب، ليعرفوا أن لابد من رسول ليقرر لهم تلك الدلائل، ويبلغ إليهم ذلك القول البليغ، ويُمهد لهم ذلك الدين الواصب، وان يضع الشريعة المستقيمة ليوضح منهاج الطريقة القويمة، وخصوصًا توبيخ هؤلاء أولًا على ما هم فيه من الإشراك بقوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ)، وثانيًا على كفرانهم نعمة الله بقوله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ)، وثالثًا على تعكيسهم الأمر بقوله: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ). وإذا كان كذلك فكيف يدخلُ في المعنى ذكرُ فريق وكأن بعضًا من أولئك الموبخين ما أشركوا؟ وأجاب بأنه يجوز أن يكون الخطاب (بِكُمْ) عامًا ويُرادُ بالفريق أولئك المشركون، على أن الناس كلهم فعلوا ما يؤدي إلى أن يستجهلوا أو يُنسبوا إلى الكفران، خصوصًا هؤلاء المشركين؛ ضموا مع الجهل والكفران ما هو أعظم منها، من أنهم إذا مسهم الضر تضرعوا إلى الله، ثم إذا كشف الله عنهم ذلك الضر ليوحدوه بدلوا بالشرك، وأن يكون الخطاب خاصًا في أولئك المشركين، ثم (مِنْ) إما بيانٌ، والمعنى على التجريد، وإليه الإشارة بقوله: "وهم أنتُم"، أو: تبعيض، على أن المراد من لم يصدر منه ذلك الإشراك الخاص فهو المقتصد المتوسط الذي خفض من غلوائه في الكفر، فظهر من هذا البيان أن (ثُمَّ) في قوله: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ) للتراخي في المرتبة. والثانية: على حقيقتها.
[ ٩ / ١٣٨ ]
قلت: يجوز أن يكون الخطاب في قوله (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) عامًا، ويريد بالفريق: فريق الكفرة وأن يكون الخطاب للمشركين (ومنكم) للبيان، لا للتبعيض، كأنه قال فإذا فريق كافر، وهم أنتم. ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر، كقوله (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ)] لقمان: ٣٢ [، (لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ) من نعمة الكشف عنهم،
كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة (فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) تخلية ووعيد. وقرئ: (فيمتعوا)، بالياء مبنيا للمفعول، عطفا على (لِيَكْفُرُوا) ويجوز أن يكون: (ليكفروا) فيمتعوا، من الأمر الوارد في معنى الخذلان والتخلية، واللام لام الأمر.
_________________
(١) ـ وأما قطعُ قوله: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) فلأنه جملة طبية واردة كالطبع على جملة الكلام، وكالتخلص إلى نوع آخر من قبائح المشركين، ولذلك عدل من الخطاب على الغيبة إيذانًا بالإياس عن إيمانهم، ونعيًا عليهم بسوء الخاتمة، وبان يقال لهم: دوموا على كفركم فسوف تعلمون وخامة عاقبة أمركم. ولله دَرُّ فاءٍ فائقة، جلبت هذه المعاني الرائقة، رحم الله واضعها في هذا المقام، والله أعلم. قوله: (تخلية ووعيدٌ)، نشر لقوله: (فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)، يعني: خليناكم وأمهلناكم ونمتعكم بالدنيا ولذاتها، وعن قريب يظهر لكم سوء مغبته ووخامة عاقبته. قال أبو البقاء: الجمهور (فَتَمَتَّعُوا): على أنه أمرٌ، ويُقرأ بالياء، وهو معطوف على (لِيَكْفُرُوا) ثم رجع إلى الخطاب فقال: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)، وقُرئ بالياء أيضًا. قوله: (من الأمر الوارد في معنى الخذلان والتخلية)، وهو كقوله تعالى: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا) [الزمر: ٨].
[ ٩ / ١٣٩ ]
[(وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ)].
(لِما لا يَعْلَمُونَ) أي: لآلهتهم. ومعنى لا يعلمونها: أنهم يسمونها آلهة، ويعتقدون فيها أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله، وليس كذلك. وحقيقتها أنها جماد لا يضر ولا ينفع، فهم إذًا جاهلون بها. وقيل: الضمير في (لا يَعْلَمُونَ) للآلهة. أي: لأشياء غير موصوفة بالعلم، ولا تشعر اجعلوا لها نصيبًا في أنعامهم وزروعهم أم لا؟ وكانوا يجعلون لهم ذلك تقربا إليهم (لَتُسْئَلُنَّ) وعيد (عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ) من الإفك في زعمكم أنها آلهة، وأنها أهل للتقرب إليها.
[(ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ* وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ)].
كانت خزاعة وكنانة تقول: الملائكة بنات الله (سُبْحانَهُ) تنزيه لذاته من نسبة الوالد إليه. أو تعجب من قولهم. (وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ) يعني البنين. ويجوز في (ما يَشْتَهُونَ) الرفع على الابتداء، والنصب على أن يكون معطوفًا على البنات، أي: وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. و(ظَلَّ) بمعنى صار كما يستعمل بات
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: الضمير في: (لا يَعْلَمُونَ) للآلهة)، يعني: لما نفوا عنها ما يصح أن يُنفى عن ذوي العلم، أجروها مجرى أولي العلم، وعلى الأول: الضمير للمشركين، ومفعول (لا يَعْلَمُونَ): ضمير "ما" المعبر عن الأصنام، وعلى الثاني: مفعول (لا يَعْلَمُونَ) غير منوي، ولذلك قال: "لأشياء غير موصوفة بالعلم"، وقوله: "لا تشعر، أجعلوا لها نصيبًا": صفة أخرى لأشياء، وعلى هذا الراجع إلى الموصول ضمير الفاعل في (لا يَعْلَمُونَ). قوله: (الرفع على الابتداء، والنصب على أن يكون معطوفًا على (الْبَنَاتُ)، أي: وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور)، نقل الإمامُ عن الفراء أنه قال: المختار الرفع؛ لأنه لو كان
[ ٩ / ١٤٠ ]
وأصبح وأمسى بمعنى الصيرورة. ويجوز أن يجيء ظل، لأن أكثر الوضع يتفق بالليل، فيظل نهاره مغتما مربد الوجه من الكآبة والحياء من الناس (وَهُوَ كَظِيمٌ) مملوء
_________________
(١) ـ نصبًا لقال: لأنفسهم ما يشتهون، لأنك تقول: جعلت لنفسك كذا ولا تقول: جعلت لك كذا، وقال الزجاج: لا يجوز النصب؛ لأن العرب تقول: جعل لنفسه ما يشتهي، [ولا تقولُ: جعلَ لهُ ما يشتهي]، وهو يعني نفسه، وقال أبوا لبقاء: وضعف قومٌ هذا الوجه، وقالوا: لو كان ذلك لقال: ولأنفسهم، وفيه نظرٌ. وقال القاضي: يجوز النصب عطفًا على البنات، على أن الجعل بمعنى الاختيار، وهو وإن أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد، لكنه لا يبعد تجويزه في المعطوف. قوله: (ويجوز أن يجيء: ظل)، أي: بمعناه، الجوهري: ظللت اعمل كذا، بالكسر ظلولًا: إذا عملته بالنهار دون الليل، قال صاحب "الانتصاف": وكذا الاحتمال في قوله: (فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ) [الحجر: ١٤] إما صاروا، وإما أن يُراد نهارًا لقصد المبالغة في الوضوح. قوله: (فيظل نهاره)، "نهاره": بالنصب والرفع، بالنصب: ظرف، وبالرفع: على الإسناد المجازي، نحو: نهاره صائم. قوله: (مربد الوجه)، الجوهري: تربد وجه فلان، أي: تغير من الغضب، وتربد أيضًا: تعبس. قوله: (من الكآبة)، الكآبة: سوء الحال والانكسار من الحزن.
[ ٩ / ١٤١ ]
حنقًا على المرأة (يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ) يستخفى منهم (مِنَ) أجل (سُوءِ) المبشر به، ومن أجل تعييرهم ويحدث نفسه وينظر أيمسك ما بشر به عَلى هُونٍ على هوان وذل (أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ) أم يئده؟ وقرئ: (أيمسكها على هون أم يدسها)، على التأنيث. وقرئ: (على هوان). (أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ) حيث يجعلون الولد الذي هذا محله عندهم لله، ويجعلون لأنفسهم من هو على عكس هذا الوصف.
[(لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)].
(مَثَلُ السَّوْءِ) صفة السوء: وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهن خشية الإملاق، وإقرارهم على أنفسهم بالشح البالغ (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى) وهو الغنى عن العالمين، والنزاهة عن صفات المخلوقين وهو الجواد الكريم.
[(وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)].
(بِظُلْمِهِمْ) بكفرهم ومعاصيهم ما (تَرَكَ عَلَيْها) أي على الأرض (مِنْ دَابَّةٍ) قط ولأهلكها كلها بشؤم ظلم الظالمين. وعن أبى هريرة: أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضرّ إلا نفسه، فقال: بلى والله، حتى إنّ الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم.
_________________
(١) ـ قوله: (وهو الغني عن العالمين)، مقابل لقوله: "وهي الحاجة إلى الأولاد"، وقوله: "والنزاهة عن صفات المخلوقين" في مقابل: "ووأدهن خشية الإملاق"، وقوله: "وهو الجواد الكريم" في مقابل: "وإقرارهم على أنفسهم بالشح البالغ"، وكل ذلك نتيجة قوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ)، وقوله: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى) إلى قوله: (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ). قوله: (فقال: بلى والله، حتى إن الحُبارى لتموتُ في وكرها)، النهاية: وفي حديث أنس:
[ ٩ / ١٤٢ ]
وعن ابن مسعود ﵁: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم أو من دابة ظالمة. وعن ابن عباس (مِنْ دَابَّةٍ) من مشرك يدب عليها. وقيل: لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء.
[(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ)].
(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ) لأنفسهم من البنات ومن شركاء في رياستهم، ومن الاستخفاف برسلهم والتهاون برسالاتهم، ويجعلون له أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ) مع ذلك (أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى) عند الله كقوله (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى)] فصلت: ٥٠ [، وعن بعضهم أنه قال لرجل من ذوى اليسار: كيف تكون يوم القيامة
_________________
(١) ـ "إن الحُبارى تموتُ هزلًا بذنب بني آدم"، يعني: أن الله تعالى يحبس القطر بشؤم ذنوبهم، إنما خصها بالذكر لأنها أبعدُ الطير نجعة، فربما تُذبح بالبصرة ويوجدُ في حوصلتها الحبة الخضراء، وبين البصرة وبن منابتها أيام. وقلت: "بلى" إيجابٌ لما بعد النفي، والنفي هاهنا مستفاد من دليل الحصر، كأنه قيل: يضُر نفسه، ولا يتعدى الضرر إلى غيره، فأجاب: بلى والله، يتعدى الضرر إلى غيره حتى الحبارى، فظهر أن "حتى" غاية تتعدى المقدر. قوله: (أو من دابة ظالمة)، عطفٌ على قوله: "من دابة قط"، فعلى الأول التنكير فيها للجنس، وعلى هذا للنوع. قوله: (ومن الاستخفاف برسلهم)، أي: برسل المشركين الذين كانوا يرسلونهم.
[ ٩ / ١٤٣ ]
إذا قال الله تعالى: هاتوا ما دفع إلى السلاطين وأعوانهم، فيؤتى بالدواب والثياب وأنواع الأموال الفاخرة. وإذا قال: هاتوا ما دفع إلىّ فيؤتى بالكسر والخرق ومالا يؤبه له، أما تستحيي من ذلك الموقف؟ وقرأ هذه الآية. وعن مجاهد: أنّ لهم الحسنى، هو قول قريش: لنا البنون، (وأن لهم الحسنى): بدل من الكذب. وقرئ (الْكَذِبَ) جمع كذوب، صفة للألسنة (مُفْرَطُونَ) قرئ مفتوح الراء ومكسورها مخففًا ومشدّدًا، فالمفتوح بمعنى مقدّمون إلى النار معجلون إليها، من أفرطت فلانا، وفرّطته في طلب الماء، إذا قدمته. وقيل. منسيون متروكون، من أفرطت فلانا خلفي إذا خلفته ونسيته. والمكسور المخفف، من الإفراط في المعاصي. والمشدّد، من التفريط في الطاعات وما يلزمهم.
[(تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)].
(فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ): حكاية الحال الماضية التي كان يزين لهم الشيطان أعمالهم فيها. أو فهو وليهم في الدنيا فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا. ومعنى (وَلِيُّهُمُ) قرينهم وبئس القرين.
_________________
(١) ـ قوله: (إذا قال الله: هاتُوا)، أي: قال للحفظة: هاتوا. قوله: «مُفْرَطُونَ)، قرئ مفتوح الراء)، نافع: "مفرطون" بكسر الراء، والباقون: بفتحها مُشددًا ومخففًا، والمشدد شاذ، فالمفتوح بمعنى: مقدمون، يريد مخففًا ومشددًا.
[ ٩ / ١٤٤ ]
أو يجعل (فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ) حكاية للحال الآتية، وهي حال كونهم معذبين في النار، أي فهو ناصرهم اليوم لا ناصر لهم غيره، نفيًا للناصر لهم على أبلغ الوجوه. ويجوز أن يرجع الضمير إلى مشركي قريش، أنه زين للكفار قبلهم أعمالهم، فهو
_________________
(١) ـ قوله: (أو يُجعل (فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ)، عطف على قوله: " (فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ) حكاية الحال الماضية"، بناء على أن هذا الكلام إما أن يُقال: في الآخرة أو في الدنيا. أما الأول: فعلى وجهين، أحدهما: أن يُراد باليوم: يوم الآخرة استحضارًا لما جرى على الكفرة في الدنيا من متولي أمورهم، الذي هو الشيطان وما زين لهم من سوء أعمالهم، وسول لهم من المعاصي والكفر، كأن السامع حينئذ يستحضر يوم الدنيا وتلك الحالة فيتعجب منها. وثانيهما: أن يُراد باليوم حينئذ: الزمان الممتد في الدنيا، فالتعريف في اليوم: للعهد، والمعنى بالولي: القرين، الذي هو قرينهم في الدنيا، وليس في هذا الوجه ذلك الاستحضار، بل مجرد الإخبار. وأما الثاني: فعلى أن إخبار الله عن الكائن بمنزلة الواقع الثابت، فيستحضر الآن ما يجري عليهم في القيامة، وهذا على عكس الوجه الأول. والوليُّ حينئذ بمعنى: الناصر، وإثبات النصرة على سبيل التهكم، وإليه أشار بقوله: "نفيًا للناصر لهم على أبلغ الوجوه"، ومثله قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [سبأ: ٣١]، والغرض استحضار صورة الظالمين موقوفين عند ربهم متقاولين تلك المقالة. قوله: (ويجوز أن يرجع الضمير)، يعني في قوله: (وَلِيُّهُمَ)، وهو عطفٌ على قوله: (فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ) حكاية الحال الماضية؛ لأن الضمير على الأول، لكل من والاه الشيطان، المعني الشيطان قبل قريش، زين للأمم الماضية من الكفار أعمالهم، فهو الآن ولي هؤلاء الخلف؛ لأنهم متصلون بهم في الدينن كقوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [التوبة: ٦٧].
[ ٩ / ١٤٥ ]
ولي هؤلاء، لأنهم منهم. ويجوز أن يكون على حذف المضاف، أى: فهو ولى أمثالهم اليوم.
[(وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)].
(وَهُدىً وَرَحْمَةً) معطوفان على محل (لِتُبَيِّنَ) إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعول لهما، لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب. ودخل اللام على (لِتُبَيِّنَ): لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل. وإنما ينتصب مفعولا له ما كان فعل فاعل الفعل المعلل. والذي اختلفوا فيه: البعث، لأنه كان فيهم من يؤمن به، ومنهم عبد المطلب، وأشياء من التحريم والتحليل والإنكار والإقرار (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) سماع إنصاف وتدبر، لأنّ من لم يسمع بقلبه، فكأنه أصم لا يسمع.
_________________
(١) ـ وقلت: هذا هو الوجه، وعليه النظم الفائق؛ لأن في تصدر القسمية بقوله: (تَاللَّهِ) بعد إنكارهم الرسالة، وتعداد قبائحهم، الإشعار بأنها كالتسلية لرسول الله ﷺ، فإن الأمم الخالية مع الرسل السالفة لم تزل على هذه الوتيرة فلك أسوة بتلك الأنبياء، وقومك خلفٌ لتلك الأمم، فلا تهتم لذلك، فإن ربك ينتقم لك منهم بالقتل والدمار في الدنيا، وبعذاب النار في العقبى، فاشتغل أنت عنهم بتبليغ ما أُنزل عليك من الكتاب الفيصل بين الحق والباطل، الهادي إلى الصراط المستقيم، والرحمة للمؤمنين، وبتقرير أنواع الدلائل المنصوبة على الوحدانية، وبالتنبيه على إقامة الشكر على نعم الله المتظاهرة، وهذا التقرير يؤاخي التقرير في فاتحة هذه السورة الكريمة، والله أعلم. قوله: (وإنما ينتصب مفعولًا له)، قوله: "مفعولًا له" تمييزٌ، والفاعل "ما" في "ما كان". قوله: (وأشياء من التحريم)، عطفٌ على قوله: "البعث".
[ ٩ / ١٤٦ ]
[(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشَّارِبِينَ)].
ذكر سيبويه الأنعام في باب مالا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم: ثوب أكياش، ولذلك رجع الضمير إليه مفردًا. وأمّا (فِي بُطُونِها في) سورة المؤمنين، فلأنّ معناه الجمع. ويجوز أن يقال: في (الأنعام) وجهان: أحدهما: أن يكون تكسير نعم، كأجبال في جبل، وأن يكون اسمًا مفردًا مقتضيًا لمعنى الجمع، كنعم، فإذا ذكر فكما يذكر «نعم» في قوله:
في كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَه … يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وَتَنْتِجُونَهْ
وإذا أنث؛ ففيه وجهان: أنه تكسير نعم، وأنه في معنى الجمع. وقرئ: (نسْقِيكُم) بالفتح والضم، وهو استئناف، كأنه قيل: كيف العبرة؟ فقيل نسقيكم. (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ
_________________
(١) ـ قوله: (ثوب أكياش)، وفي الحاشية: الأكياش: ضربٌ من الثياب تُغزل مرتين. قوله: (في كل عام نعمٌ) البيت، وبعده: هيهات هيهات لما يرجونه أربابه نوكي، فلا يحمونه ولا يلاقون طعانًا دونه يروى: "أفي كل عام"، ذكر الضمير في "تحوونه"، الراجع إلى "نعم"؛ لأنه اسمٌ مفرد بمعنى الجمع، يخاطب لصوصًا، يقول لهم: تحوون كل عام نعمًا لقوم ألقحوه، وأنتم تنتجونه في حكيم. قوله: «نُسْقِيكُمْ) بالفتح والضم)، بالضم: كلهم إلا نافعًا وابن عامر وأبا بكر،
[ ٩ / ١٤٧ ]
وَدَم) أي: يخلق الله اللبن وسيطًا بين الفرث والدم يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة، بل هو خالص من ذلك كله. قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقرّ في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثا، وأوسطه
_________________
(١) ـ قال الزجاج: سقيته وأسقيته بمعنى. وقال سيبويه والخليل: سقيته- كقولك: ناولته- فشرب، وأسقيته: جعلت له سُقيا، وكذلك قول لبيد يحتمل المذهبين: سقى قومي بني مجدٍ وأسقى … نُميرًا والقبائل من هلال وهذا البيتُ وضعهُ النحويون على أن "سقى" و"أسقى" بمعنى، وهو يحتمل التفسير الثاني. وقيل: لا يريد الشاعر بسقي قومه: أن يروى عطاشهم، يريد: رزقهم الله سقيًا لبلادهم يخصبون منها، وبعيدٌ أن يسأل لقومه ما يروي العطاش ولغيرهم ما يخصبون، ومعنى (نُسْقِيكُمْ) بالضم: جعلناه في كثرته وإدامته كالسقيا، فهو كقوله: أسقيته نهرًا. الجوهري: سقيته لشفته، وأسقيته لماشيته وأرضه، والاسم السقي بالكسر، والجمع الأسقية. قوله: (قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها) إلى آخره. وقيل: الأطباء يزعمون على خلافه، قال الإمام: المراد من الآية هو أن اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم، والدم يتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهي من الأشياء الحاصلة في الكرش، فاللبن يتولد من الأجزاء التي كانت حاصلة فيما بين الفرث أولًا ثم مما كانت حاصلة فيما بين الدم ثانيًا، فصفاه الله تعالى عن تلك الجزاء الكثيفة الغليظة، فإذا تناول الحيوان الغذاء ووصل إلى معدته أو إلى كرشه، فإذا طُبخ وحصل الهضم الأول فيه، فما
[ ٩ / ١٤٨ ]
لبنا، وأعلاه دَمًَا. والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها، فتجرى الدم في العروق، واللبن في الضرع، وتبقى الفرث في الكرش. فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمّل! وسئل شقيق عن الإخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب، كتمييز اللبن من بين فرث ودم. (سائِغًا): سهل المرور في الحلق. ويقال: لم يغص أحد باللبن قط. وقرئ: (سيغًا) بالتشديد. و(سيغًا) بالتخفيف، كهين ولين. فإن قلت: أي فرق بين «من» الأولى والثانية؟ قلت: الأولى للتبعيض؛ لأن اللبن بعض ما في بطونها، كقولك: أخذت من مال زيد ثوبًا. والثانية لابتداء الغاية؛ لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذي منه يبتدأ، فهو صلة لـ (نسقيكم)، كقولك: سقيته
_________________
(١) ـ كان صافيًا انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفًا نزل إلى الأمعاء، والحاصل في الكبد ينهضم ثانيًا ويصير دمًا، ثم الدم يدخل في الوردة، وهي العروق النابتة من الكبد، وهناك يحصل الهضم الثالث، وبين الكبد والضروع عروق، فيصب الدم منها إلى الضرع، وفيه لحمٌ غُدديٌّ رخوٌ أبيضُ، فينقلب الدم فيه إلى اللبن، وذلك تقدير العزيز العليم. قال القاضي بعد ما ذكر نحوًا من هذا: "ومن تدبر صُنع الله في إحداث الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب المولدة لها والقوى المتصرفة فيها كل وقتٍ على ما يليق به، اضطر إلى الإقرار بكمال حمته وتناهي رحمته، وعلى هذا الأقرب أن يكون (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ) حالًا من (لَبَنًا خَالِصًا) ولا يكون ظرفًا لغوًا. قوله: (لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء)، رُوي: "مكان" بالرفع. وقيل: "بين": اسمٌ لا ظرف وانتصابه على الحكاية، وليس (أن) بعامل هذا النصب، وإنما هو عاملُ نصبٍ آخر مقدر، والتقدير: لأن محل الفرث والدم مكان الإسقاء، أو أن المتوسط والمتخلل بين الفرث والدم مكان الإسقاء، وفيه نظر، لأنه حينئذ: ظرفٌ لا اسم، والظاهر أن التقدير: أن
[ ٩ / ١٤٩ ]
من الحوض، ويجوز أن يكون حالا من قوله: (لَبَنًا) مقدما عليه، فيتعلق بمحذوف، أي: كائنًا من بين فرث ودم.
ألا ترى أنه لو تأخر فقيل: لبنًا من بين فرث ودم كان صفة له؟ وإنما قدم؛ لأنه موضع العبرة، فهو قمن بالتقديم. وقد احتج بعض من يرى أن المنى طاهر على من جعله نجسا؛ لجريه في مسلك البول بهذه الآية، وأنه ليس بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر، كما خرج اللبن من بين فرث ودم طاهرًا.
[(وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)].
فإن قلت: بم تعلق قوله: (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ)؟ قلت: بمحذوف تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، أي: من عصيرها، وحذف لدلالة (نسقيكم) قبله عليه، وقوله (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا) بيان وكشف عن كنه الإسقاء. أو تعلق بـ (تتخذون). و(منه) من تكرير الظرف للتوكيد، كقولك: زيد في الدار فيها. ويجوز أن يكون (تَتَّخِذُونَ) صفة موصوف محذوف، كقوله:
_________________
(١) ـ وسط الفرث والدم مكان الإسقاء، كقراءة من قرأ: "لقد تقطع بينكم" بالرفع. قوله: (أو تعلق بـ (تَتَّخِذُونَ»، أي: قوله: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ)، وقلت: البيان والكشف أولى لمقابلته قوله: (نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَ) وهو بيان لقوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً)، ولذلك جعل (وَمِنْ ثَمَرَاتِ) متعلقًا بالمحذوف لا بهذا الظاهر، لكونه غير صالح للبيان. قال أبو البقاء: وقيل: التقدير: وتتخذون من ثمرات النخيل سكرًا، وأعاد (مِن) لما قدم وأخر وذكر الضمير؛ لأنه عاد على شيء المحذوف، أو على معنى الثمرات، وهو الثمرُ، أو على النخل، أي: من ثمر النخل، أو على الجنس أو على البعض أو على المذكور. قوله: (زيدٌ في الدار فيها)، قال في سورة "الأنبياء": "أورد سيبويه- في باب ما يُثنى فيه
[ ٩ / ١٥٠ ]
جادت بكفي كَانَ مِنْ أرْمَى الْبَشَرْ
تقديره: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرًا ورزقا حسنًا؛ لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر. فإن قلت: فإلام يرجع الضمير في (منه) إذا جعلته ظرفا مكرّرًا؟ قلت: إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير، كما رجع في قوله تعالى (أَوْ هُمْ قائِلُونَ) [الأعراف: ٤] إلى الأهل المحذوف. والسكر: الخمر، سميت بالمصدر من سكر سكرًا وسكرًا. نحو رشد رشدًا ورشدًا. قال:
وَجَاؤُونَا بهم سَكَرٌ عَلَيْنَا … فَأَجْلَى اليَوْمُ وَالسَّكْرَانُ صَاحِي
_________________
(١) ـ المستقر توكيدًا: عليك زيدٌ حريص عليك، وغير ذلك". قوله: (بكفي كان من أرمى البشر)، وقبله: ما لك مني غير سهم وحجر … وغير كبداء شديدة الوتر جادت بكفي كان من أرمى البشر كبد القوس: مقبضها، والضمير في "جادت" راجعٌ إلى "كبداء"، أي: صارت جيدة، قوله: "بكفي كان"، أي: بكفي رجل كان من أرمى البشر. قوله: (فإلام يرجع الضمير في (مِنْهُ)؟)، في السؤال إنكار بشهادة الفاء، يعني: إذا جعلت (مِنْ ثَمَرَاتٍ) من باب: زيدٌ في الدار فيها، كان الضمير في "منه" لغير مدخول (مِن) والثمرات مؤنثة، وأجاب بأنها في تأويل العصير. قوله: (إلى الأهل المحذوف)، أي: في قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَاسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) أي: ومن عصير ثمرات النخيل. قوله: (وجاؤونا بهم سكرٌ)، البيت، الضمير في "جاؤونا": للجنس، "سكرٌ": غضب
[ ٩ / ١٥١ ]
وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون منسوخة. وممن قال بنسخها: الشعبي والنخعي.
والثاني: أن يجمع بين العتاب والمنة. وقيل: السكر: النبيذ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتدّ، وهو حلال عند أبى حنيفة إلى حدّ السكر، ويحتج بهذه الآية، وبقوله ﷺ: «الخمر حرام لعينها
_________________
(١) ـ وسفه، أراد بصحوهم: علمهم بعجزهم عن مقاومتنا، "سكَر": مبتدأٌ، و"بهم" خبرٌ مقدمٌ عليه، و"علينا": متعلقٌ بـ"سَكَر"، والجملة: حال، فأجلى بمعنى جلى، أي: انكشف، قيل: استشهد بالبيت على أن السكر مصدرٌ في الأصل. قوله: (وفيه وجهان)، أي: في الجمع بين السكر والرزق الحسن، من عليهم قبل النسخ بتمكينهم على أن يتخذوا منه السكر والرزق الحسن كسائر ما عدد عليهم من النعم لقوله: "لأنهم كانوا يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر" ثم نسخ السكر. قوله: (أن يجمع بين العتاب والمنة)، يعني: خلقنا لكم ثمرات النخيل والأعناب، بأن تجعلوها ذريعة إلى الطاعات، فجعلتم بعضًا منها مادة المعاصي، ولهذا قيد إحدى القرينتين بقوله: (حَسَنًا). قوله: (وهو حلالٌ عند أبي حنيفة، ﵁ إلى حد السُّكر، ويحتج بهذه الآية)، وعن محيي السنة: وأولى الأقاويل قولُ من قال: إنها منسوخة؛ لأنها نازلة قبل تحريم الخمر، وإلى هذا ذهب ابن مسعود وابن عمر وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، وقلتُ: في الآية نفسها دلالة على قبح تناولها تعريضًا، وذلك من عطف قوله: (وَرِزْقًا حَسَنًا) عليه، وقد فُسر بالخل والرُّب. قوله: (الخمرُ حرامٌ لعينها)، فيحرم قليلها وكثيرها.
[ ٩ / ١٥٢ ]
والسكر من كل شراب»، وبأخبار جمة. ولقد صنف شيخنا أبو على الجبائي قدّس الله روحه غير كتاب في تحليل النبيذ، فلما شيخ وأخذت منه السنّ العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوى به، فأبى. فقيل له: فقد صنفت في تحليله، قال: تناولته الدعارة فسمج في المروءة. وقيل: السكر: الطعم، وأنشد:
جَعَلْتُ أَعْرَاضَ الكِرَامِ سَكَرَا
أي: تنقلت بأعراضهم. وقيل هو من الخمر، وإنه إذا ابترك في أعراض الناس، فكأنه تخمر بها. والرزق الحسن: الخل والرب والتمر والزبيب وغير ذلك. ويجوز أن يجعل السكر رزقًا حسنًا، كأنه قيل: تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن.
_________________
(١) ـ قوله: (والسكر من كل شراب)، أي: السكر أيضًا حرامٌ من كل شراب، فلا يحرم شربه إلا إذا انتهى إلى حد السكر فيحرم. قوله: (تناولته الدعارة)، الأساس: رجلٌ داعر: خبيث فاجر، وفيه دعارة، فهو على حذف المضاف، أي: طعمه أصحاب الدعارة، فقبح في المروءة التشبه بهم. قوله: (أي: تنقلت)، أي: جعلت أعراضهم نُقلا. "وقيل: هو" أي: "سكرًا" في البيت. قوله: (إذا ابترك)، قيل: ابترك فلانٌ في عرض فلان: إذا اعتمد في ذمه. الأساس: وابترك الفرس في عدوه: اعتمد فيه واجتهد. قوله: (ويجوز أن يُجعل السكر رزقًا حسنًا)، عطفٌ على قوله: "أن يجمع بين العتاب والمنة"، فعلى هذا العطف من باب البيان والتفسير.
[ ٩ / ١٥٣ ]
[(وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ* ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)].
الإيحاء إلى النحل: إلهامها والقذف في قلوبها وتعليمها على وجه هو أعلم به، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه، وإلا فنيقتها في صنعتها، ولطفها في تدبير أمرها، وإصابتها فيما يصلحها، دلائل بينة شاهدة على أنّ الله أودعها علمًا بذلك وفطنها، كما أولى أولي العقول عقولهم. وقرأ يحيى بن وثاب: (إِلَى النَّحْلِ) بفتحتين. وهو مذكر كالنحل، وتأنيثه على المعنى. (أَنِ اتَّخِذِي) هي (أن) المفسرة؛ لأنّ الإيحاء فيه معنى القول. وقرئ: «بيوتا» بكسر الباء؛ لأجل الياء. و(يَعْرِشُونَ) بكسر الراء وضمها: يرفعون من سقوف البيوت. وقيل: ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن التي تتعسل فيها. والضمير في (يَعْرِشُونَ) للناس. فإن قلت: ما معنى
_________________
(١) ـ قوله: (وإلا فنيقتها)، أي: حُسنُ صُنعها، وعن بعضهم: أي: إن لم يقل: بعلمها وإدراكها، لم يصح؛ لأن نيقتها دليل ظاهر على علمها، فأقام سبب الجواب مقام الجواب، أو يُقال (إنْ) شرطية، ولذلك دخلت الفاء في الجزاء، أي: وإن لم تصدقني على ما ذكرتُ فنيقتها ولطفها وإصابتها دلائل بينة على أن الله تعالى أودعها علمًا، أما نيقتها في صنعتها فهي ما ترى في بنائها البيوت المسدسة من أضلاع متساوسة لا يزيد بعضها على بعض، فإنها لو كانت مربعة بقيت فُرجٌ ضائعة عند دخولها فيها، ولو كانت مستديرة بقيت الفرج بين البيوت ضائعة، وأما فطنتها كما أعطى أولي العلم، فهي ما ذكره الإمام: أنلها مقدمًا كالرئيس يكون أعظم جثة منها، نافذ الحكم بينها، وأنها إذا نفرت عن أوكارها، ذهبت بأجمعها، ثم إذا أريد عودها ضربوا لها آلات الملاهي والموسيقا، وبواسطة تلك الألحان ترد إلى أوكارها.
[ ٩ / ١٥٤ ]
(من) في قوله: (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)؟ وهلا قيل: في الجبال وفي الشجر؟ قلت: أريد معنى البعضية، وأن لا تبنى بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش ولا في كل مكان منها. (مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) إحاطة بالثمرات التي تجرسها النحل وتعتاد أكلها، أي ابني البيوت، ثم كلى من كل ثمرة تشتهينها، فإذا أكلتها (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ) أي: الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل. أو: فاسلكي ما أكلت في سبل ربك، أي: في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المرّ عسلا من أجوافك ومنافذ مآكلك. أو: إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من
_________________
(١) ـ قوله: «مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ): إحاطة بالثمرات)، مبتدأ وخبر، أي: هذا اللفظ مفيد للإحاطة العرفية، كقوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ٢٣]. قوله: (تجرسها النحل)، الجوهري: الجرس: الصوت الخفي، ويقال: سمعت جرس الطير: إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله. قوله: (من أجوافك ومنافذ مآكلك)، فيه إشارة إلى الخلاف في أن العسل هل يخرج من بطونها أو من منافذ مآكلها كالأفواه؟ قال القاضي: واحتج بالآية من زعم أن النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة فتستحيل في باطنها عسلًا، ثم تقيء ادخارًا للشتاء، ومن زعم أنها تتلقط بأفواهها أجزاء طلية حلوةً صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار وتضعها في بيوتها ادخارًا، فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير منها كان العسل، فسر البطون بالأفواه وكذا عن الإمام، وقال: يُسمى كل تجويف داخل البدن بطنًا، ألا تراهم يقولون: بطون الدماغ، والذي يدل على أنها تحاول بما تفعل الادخار، أن صاحبها بعدما يشتار منه يترك لغذائها بقية في بيوتها.
[ ٩ / ١٥٥ ]
بيوتك، فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك، لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها، فقد بلغني أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة. أو أراد بقوله: (ثُمَّ كُلِي): ثم اقصدي أكل الثمرات فاسلكي في طلبها في مظانها سبل ربك (ذُلُلًا) جمع ذلول، وهي حال من السبل، لأنّ الله ذللها لها ووطأها وسهلها، كقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا) [الملك: ١٥] أو من الضمير في (فَاسْلُكِي)، أي: وأنت ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة. (شَرابٌ): يريد العسل؛ لأنه مما يشرب
_________________
(١) ـ قوله: (أو أراد بقوله: (ثُمَّ كُلِي) ثم اقصدي)، عطفٌ على قوله: "كلي من كل ثمرة تشتهينها"، وهو على أسلوب قوله: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ) [النحل: ٩٨]، وعلى الأول: أي: على غير هذا الأسلوب، الفاء جواب شرط محذوف. وعلى الثاني: سلوك السبيل على الحقيقة قطعًا، وعلى الأول تحتمل المجاز أيضًا، وهو على وجهين، أحدهما: المرادُ: استعمال الصنعة الغريبة في العمل، ومنه سلوك العارف، ومن ثم قال: الطرق التي ألهمك، وثانيهما: المراد استعمال المأكول في أجوافها ومسالكها التي تُحيل فيها النور المر عسلًا، ومنه: سلكت الخيط في الإبرة. وأما الحقيقة فهو قوله: "فاسلكي إلى بيوتك راجعة (سُبُلَ رَبِّكِ) "، والفرق بين هذا الوجه وبين قوله: ثم اقصدي، أن السلوك على هذا من مراعيها إلى البيوت راجعة، وعلى ذلك: من بيوتها إلى مراعيها قاصدة. الانتصاف: وكل الأكل إلى شهوتها فلم يحجر عليها، كما حجر في البيوت؛ لأن مصلحة الأكل حاملة على الإطلاق. وأما البيوت، فلايحصل مصلحتها في كل موضع، ولذلك دخلت (ثُم) لتفاوت الأمر في الحجر في البيوت، والإطلاق في الأكل، كما تقول: راعِ الحلال فيما تأكله، ثم كل مما شئت. وقلتُ: إنما عدل من خطابها إلى الغيبة في قوله: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا) للتخلص إلى امتنان الناس؛ لأن المقصود من خلق النحل وإلهامه: انتفاعهم به. قوله: (وأنت ذللٌ)، جمع الخبر، والمبتدأ مفرد؛ لأن الخطاب في قوله تعالى: (فَاسْلُكِي
[ ٩ / ١٥٦ ]
(مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ) منه أبيض وأسود وأصفر وأحمر، (فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ)؛ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة، وقلّ معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل، وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض، كما أن كل دواء كذلك. وتنكيره: إمّا لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، وكلاهما محتمل. وعن النبي ﷺ أن رجلا جاء إليه فقال: إن أخي يشتكى بطنه، فقال: «اذهب واسقه العسل» فذهب ثم رجع، فقال: قد سقيته فما نفع، فقال: «اذهب واسقه عسلا، فقد صدق الله
_________________
(١) ـ سُبُلَ رَبِّكِ) لجنس النحل بدليل قوله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)، وقوله: "وتأنيثه على المعنى"، الجوهري: النحل والنحلة: الدبر، يقع على الذكر والأنثى، ونظيره قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) [الانشقاق: ٦ - ٧]، ويجوز أن يكون الخطاب لكل واحدةٍ منها فجمع الخبر للمبالغة في الذلة كجمع الوصف في قوله تعالى: (شِهَابًا رَصَدًا) [الجن: ٩]، وقوله: "ومعي جياعًا" والأول هو الوجه. قوله: (أن رجلًا جاء إليه فقال: إن أخي) الحديث، رواه البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي سعيد، مع تغيير فيهن وليس في آخره: "كأنما أنشط من عقال". النهاية: أنشط، أي: حل، يقال: نشطت العقدة: إذا عقدتها، وأنشطتها وأنشطتها: إذا حللتها، وكثيرًا ما يجيء: كأنما نشط من عقال، وليس بصحيح لما ذكرنا.
[ ٩ / ١٥٧ ]
وكذب بطن أخيك)، فسقاه فشفاه الله فبرأ، كأنما أنشط من عقال. وعن عبد الله بن مسعود:
العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين: القرآن والعسل.
ومن بدع تأويلات الرافضة: أن المراد بالنحل علىّ وقومه. وعن بعضهم: أنه قال عند المهدي:
إنما النحل بنو هاشم، يخرج من بطونهم العلم، فقال له رجل: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم. فضحك المهدي وحدث به المنصور، فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم.
[(وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)].
(إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ): إلى أخسه وأحقره، وهو خمس وسبعون سنة، عن علىّ ﵁، وتسعون سنة، عن قتادة؛ لأنه لا عمر أسوأ حالا من عمر الهرم (لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ
_________________
(١) ـ قوله: (وكذب بطن أخيك)، النهاية: الكذب هاهنا مجازٌ، حيث هو ضد الصدق، والكذب يختص بالأقوال، فجعل بطن أخيه حيث لم ينجع فيه العسل كاذبًا؛ لأن الله تعالى قال: (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) يريد أنه من المقابلة والمشاكلة، فلما قال: صدق الله، حسن أن يقول: كذب بطن أخيك. قوله: (وعن عبد الله بن مسعود: العسل شفاء)، الحديث، رواه ابن ماجه عن عبد الله مرفوعًا، رزين أيضًا. قوله: (أنه قال عند المهدي)، هو أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور، ثالث خلفاء بني العباس، كان أبوه أبو جعفر المنصور خليفة، عمه أبو العباس السفاح خليفة، وأخوه موسى الهادي، وابنه هارون الرشيد وإخوته وأولاده كلهم خلفاء.
[ ٩ / ١٥٨ ]
عِلْمٍ شَيْئًا): ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولة في النسيان، وأن يعلم شيئا ثم يسرع في نسيانه فلا يعلمه إن سئل عنه. وقيل: لئلا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئًا: وقيل: لئلا يعلم زيادة علم على علمه.
[(وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَة ِاللَّهِ يَجْحَدُونَ)].
أي: جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم وإخوانكم، فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم، حتى تتساووا في الملبس والمطعم، كما يحكى عن أبى ذرّ: أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إنما هم إخوانكم
_________________
(١) ـ قوله: (ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولة)، يعني: قوله: (لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا) كناية عن النسيان؛ لأن الناسي يعلمُ الشيء ثم ينساه، فلا يعلمه بعد ما علمه، وهذه صفة الأطفال. قال تعالى: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ)، والعلم بمعنى الإدراك والتعقل، المعنى: لا يترقى في إدراك عقله الأول؛ لأن الشاب في الترقي، والشيخ في التوقف والنقصان، وعلى هذا إذا أجرى العلم على معناه، كما في الوجه الأخير، وإنما خص الزيادة به؛ لان العلم يزداد بالترداد. قال الشيخ الشاطبي: وخيرُ جليس لايمل حديثه … وترداده يزداد فيه تجملا قوله: (كما يُحكى عن أبي ذر ﵁)، الحديث من رواية البخاري ومسلم، قال
[ ٩ / ١٥٩ ]
فاكسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تطعمون)، فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت. (أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) فجعل ذلك من جملة جحود النعمة. وقيل: هو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء، فقال لهم: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟ ! وقيل: المعنى: أنّ الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعًا، فهم في رزقي سواء، فلا تحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئًا من الرزق، فإنما ذلك رزقي أجريه إليهم
_________________
(١) ـ المعرور بن سويد: رأيت أبا ذر وعليه حلة، وعلى غلامه حُلة مثلها، فسألته عن ذلك، فذكر انه ساب رجلًا فقال له النبي ﷺ: "إنك امرؤ فيك جاهلية"، قلت: على ساعتي هذه من كير السن؟ فقال: "نعم، هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم". قوله: (فجعل ذلك)، أي: عدم المساواة أو الرد بفضل ما رزقوهم عليه، المعنى: الله الذي فضل بعضكم على بعض في الرزق، فشكر ذلك أن تواسوا إخوانكم فيه، فما بالكم لا تواسون، أولا تردون رزقكم عليهم فتستووا في الرزق؟ فسر الآية بوجوه، أحدها: بين فيه حكم حسن الملكة كما سبق. وثانيها: أن يكون تمثيلًا، والممثل به ما تُعورف بين الناس من أحوال السادات مع المماليك، فذكره لتوبيخ المشركين. وثالثها: بين أن جميع النعم التي عدها من أول السورة، واصلة من الله تعالى إلى العبيد، سواء كانوا أحرارًا أو مماليك، لئلا يمن أحدٌ على أحد. فإن قلت: لا يجوز أن يكون تمثيلًا لخلو الكلام عن القرينة الداعية إلى التمثيل؟ قلت: يمكن أن تُجعل القرينة كون الآية تخلصًا إلى نوع آخر من بيان قبائح الكفار وكفرانهم نعم الله المتواترة، وهو قوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) إلى قوله: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ)، والتنبيه على القرينة قوله: (أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ).
[ ٩ / ١٦٠ ]
على أيديهم. وقرئ: (يجحدون) بالتاء والياء.
[(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ)].
(مِنْ أَنْفُسِكُمْ): من جنسكم. وقيل: هو خلق حواء من ضلع آدم. والحفدة: جمع حافد؛ وهو الذي يحفد، أي: يسرع في الطاعة والخدمة. ومنه قول القانت: وإليك نسعى ونحفد. وقال:
حَفَدَ الْوَلَائِدَ بَيْنَهُنَّ وَأُسْلِمَتْ … بِأَكُفِّهِنَّ أزِمَّةَ الأَجْمَالِ
واختلف فيهم؛ فقيل: هم الأختان على البنات، وقيل: أولاد الأولاد، وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل، وقيل: المعنى: وجعل لكم حفدة، أي: خدما يحفدون
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: (يَجْحَدُونَ) بالياء والتاء)، الفوقانية: أبو بكر، والباقون: بالياء. قوله: (وهو الذي يحفد، أي: يسرع في الطاعة)، الراغب: الحافد: المتحرك المتبرع بالخدمة، أقارب كانوا أو أجانب. قال المفسرون: هم الأسباط ونحوهم، وذلك أن خدمتهم أصدق، وفلان محفود، أي: مخدوم، وسيفٌ محتفد، أي: سريع القطع. قال الأصمعي: أصل الحفد: مقاربة الخطو. قوله: (حفد الولائد) البيت، الولائد: الإماء، يقول: إن الإماء يسرعن بينهن، وأزمة الجمال أسلمت بأكفهن، يريد أنهن متنعمات مخدومات ذوات الإماء والأجمال. قوله: (وقيل: المعنى: وجعل لم حفدة، أي: خدمًا)، عطفٌ على قوله: "وهو الذي
[ ٩ / ١٦١ ]
في مصالحكم ويعينونكم، ويجوز أن يراد بالحفدة: البنون أنفسهم؛ كقوله: (سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) كأنه قيل: وجعل لكم منهنّ أولادًا هم بنون وهم حافدون، أي: جامعون بين الأمرين (مِنَ الطَّيِّباتِ): يريد بعضها، لأنّ كل الطيبات في الجنة، وما طيبات الدنيا إلا أنموذج منها. (أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ) وهو ما يعتقدون من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها، وما هو إلا وهم باطل لم يتوصلوا إليه بدليل ولا أمارة، فليس لهم إيمان إلا به، كأنه شيء معلوم مستيقن. ونعمة الله المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها لذي عقل وتمييز: هم كافرون بها منكرون لها كما ينكر المحال الذي لا يتصوره العقول. وقيل: الباطل ما يسوّل لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة
_________________
(١) ـ يحفد، أي: يُسرع في الطاعة"، فعلى الأول: الحفدة عام فيمن يسرع في الطاعة والخدمة من القرائب، وعلى هذا: في معنى الخدم نفسه، وعلى الوجه الأخير يون العطف من باب قوله تعالى: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) [الأنفال: ٤٩]. قوله: (إلا أنموذج منها)، المغرب: النموذج - بالفتح- والأنموذج- بالضم- تعريب نموذجه. قوله: «أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) وهو ما يعتقدون)، إلى آخره، فيه إنكار وتوبيخ على ما آمنوا وعلى ما كفروا، وفي التركيب الأول تقديم، فيفيد التخصيص، وتكرير فيؤذن بالتأكيد والتحقيق؛ لأن الفاء تستدعي فعلًا يُعطف المذكور عليه، أي: كفروا بالحق فآمنوا بالباطل، وإلى التخصيص الإشارة بقوله: "فليس لهم يمان إلا به"، وإلى التحقيق بقوله: "كأنه شيء معلوم مستيقن". والتركيب الثاني أيضًا كذلك: التأكيد من بناء يكفرون على هم، وإلى التخصيص الإشارة بقوله: "ونعمة الله المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها لذي عقل وتمييز هم كافرون بها"؛ لأنهم إذا كفروا نعمة الله مع وجود ما يوجب الشكر من جلائها وظهورهان وأنها كالمحسوس المشاهد، فكأنهم أنكروا أنها نعمةٌ، أو أنها من الله، وإليه الإشارة بقوله:
[ ٩ / ١٦٢ ]
وغيرهما. ونعمة الله: ما أحل لهم.
[(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ)].
الرزق يكون بمعنى المصدر، وبمعنى ما يرزق، فإن أردت المصدر نصبت به (شَيْئًا): كقوله (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيمًا) [البلد: ١٤]، على: لا يملك أن يرزق شيئًا. وإن أردت المرزوق؛ كان (شيئًا) بدلًا منه بمعنى قليلًا. ويجوز أن يكون تأكيدًا لـ (لا يملك)، أي: لا يملك شيئًا من الملك. و(مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) صلة للرزق إن كان مصدرًا، بمعنى: لا يرزق من السماوات مطرا، ولا من الأرض نباتًا. أو صفة إن كان اسما لما يرزق. والضمير في (وَلا يَسْتَطِيعُونَ) لـ (ما)؛ لأنه في معنى الآلهة، بعد ما قيل: (لا يَمْلِكُ) على اللفظ. ويجوز أن يكون للكفار، يعني:
_________________
(١) ـ "منكرون لها كما ينكر المحال" وإلى التأكيد الإشارة بقوله: "هم يكفرون بها ومنكرون لها"، وقوله: "نعمة الله": مبتدأ، وقوله: "هم كافرون بها": خبره، وفيه ضرب من التأكيد. قوله: (ونعمة الله ما أحل لهم)، قيل: "ما": مصدرية، أي: إحلال الله، أو موصولة، أي: أحله الله، والأولى الثاني؛ لأنه مقابل لقوله: "الباطل ما يسول لهم الشيطان"، وهي موصولة؛ لأن "مِن" في قوله: "من تحريم البحيرة" بيان لها. قوله: (تأكيدًا لـ (لا يَمْلِكُ) ") أي: (شَيْئًا) مفعول مطلق، ولذلك بينه بقوله: "من الملك" بكسر الميم، كما تقول: ضربت نوعًا منا لضرب. قوله: (بعدما قيل: (لا يَمْلِكُ» على اللفظ إشارة إلى خلاف ذكرناه عن ابن جني. قال صاحب "الانتصاف" فيما سبق: إن العود إلى المعنى بعد الحمل على اللفظ أنكره بعضهم، لما يلزم من الإجمال بعد البيان، وهو خلاف البلاغة. وهو مردود لمجيئه في أفصح الكلام.
[ ٩ / ١٦٣ ]
ولا يستطيع هؤلاء - مع أنهم أحياء متصرفون أولو ألباب - من ذلك شيئًا، فكيف بالجماد الذي لا حس به! فإن قلت: ما معنى قوله: (وَلا يَسْتَطِيعُونَ) بعد قوله: (لا يَمْلِكُ)؟ وهل هما إلا شيء واحد؟ قلت: ليس في (ولا يَسْتَطِيعُونَ) تقدير راجع، وإنما المعنى: لا يملكون أن يرزقوا، والاستطاعة منفية عنهم أصلا؛ لأنهم موات، إلا أن يقدر الراجع ويراد بالجمع بين نفى الملك والاستطاعة للتوكيد، أو يراد: أنهم لا يملكون الرزق ولا يمكنهم أن يملكوه، ولا يتأتى ذلك منهم ولا يستقيم.
[(فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)].
(فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ): تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به؛ لأنّ من يضرب الأمثال مشبه حالا بحال وقصة بقصة، (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) كنه ما تفعلون وعظمه، وهو معاقبكم عليه بما يوازيه في العظم؛ لأنّ العقاب على مقدار الإثم، (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) كنهه وكنه عقابه، فذاك هو الذي وجرّكم إليه وجرأكم عليه، فهو تعليل للنهي عن
_________________
(١) ـ قوله: (ما معنى قوله: (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ)؟)، وجه السؤال أن مفعول (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) محذوف، وهو الضمير الراجع إلى الرزق، بدليل سياق الكلام عليه، فيلزم عطف الشيء على نفسه. وأجاب: "ليس في (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) " أي: لا نسلم اشتماله على الراجع، بل هو مطلق من باب: فلانٍ يُعطي ويمنع، فيكون "فلا يستطيعون" تذييلًا للكلام السابق، ثم قال: "إلا أن يقدر"، أي: ولن سُلم اشتماله على الراجع فيكون من باب التأكيد، نحو قوله تعالى: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: ٦] أو من باب الترقي، فإن قوله تعالى: (لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا) دل على نفي مُلك الرزق عنهم مطلقًا، وقوله: (لا يَسْتَطِيعُونَ) على نفي استطاعة أن يكونوا مالكين، وإليه الإشارة بقوله: "لا يملكون الرزق ولا يمكنهم أن يملكوه"، ولا يتأتى ذلك فيهم. ويجوز أن يكون تتميمًا. قوله: (وجرأكم عليه)، الجوهري: الجُرأة: الشجاعة، وتقول: جرأتك على فلان حتى اجترأت عليه.
[ ٩ / ١٦٤ ]
الشرك. ويجوز أن يراد: فلا تضربوا لله الأمثال، إنّ الله يعلم كيف يضرب الأمثال، وأنتم لا تعلمون.
[(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)].
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يُراد: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ)، عطف على قوله: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ): تمثيل"، وعلى التمثيل لا قول ثمة، ولا مثل، ولا ضرب، لأن الفاء في: (فَلا تَضْرِبُوا) رتب النهي على قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الآية، كأن حالهم في مزاولة عبادة الأصنام المستلزم لتشبيه حالها بحال المعبود الحق في استحقاق العبادة، حالُ من يحاول انتزاع أمور متعددة غير حقيقية بين المشبه والمشبه به ليلحقه به ويقيمه مقام تشبيه، وإليه الإشارة بقوله: "لأن من يضرب الأمثال مشبه حالًا بحال"، وقوله: (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ): تعليل للنهي، كأنه قيل: لا تُشركوا بالله شيئًا وانتم قومٌ جهلة، ولذلك صدر منكم هذه الغفلة. وإليه الإشارة بقوله: "فذاك هو الذي جركم إليه". وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ): اعتراض وارد على الوعيد والتهديد، وهو المراد من قوله: "إن الله يعلم كنه ما تعملون، وهو معاقبكم عليه". وعلى الثاني: النهي واردٌ على مثل ضربوه، وتشبيه انتحلوه، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) برمته: تعليل، أي: ضربُ الأمثال من العلوم الدقيقة يستدعي لطف إدراك وخبرة لا سيما في ذات الله ﷿، فلا يقدر على الشروع فيه إلا الله والراسخون في العلم. ومن ثم عقبه بقوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا)، وأشار المصنف إليه بقوله: "ثم علمهم كيف تُضرب". وأما بيان اتصاله على الوجه الأول، فإنه تعالى لما نهاهم عن ضرب المثل الفعلي، وهو الإشراك بالله المستلزم له، عقبه بما يكشف لذي البصيرة عن حالهم في تلك الفعلة، وحال من يخالفهم فيها من قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا) الآية.
[ ٩ / ١٦٥ ]
ثم علمهم كيف تضرب فقال: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان: مثل من سوّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حرّ مالك قد رزقه الله مالا فهو يتصرف فيه وينفق منه كيف شاء. فإن قلت: لم قال: (مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) وكل عبد مملوك، وغير قادر على التصرف؟ قلت: أما ذكر المملوك؛ فليميز من الحرّ؛ لأن اسم العبد يقع عليهما جميعا؛ لأنهما من عباد الله. وأما (لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ)؛ فليجعل غير مكاتب ولا مأذون له؛ لأنهما يقدران على التصرف. واختلفوا في العبد: هل يصح له ملك؟ والمذهب الظاهر: أنه لا يصحّ له.
_________________
(١) ـ قوله: (واختلفوا في العبد: هل يصح له ملك؟ والمذهب الظاهر أنه لا يصح له)، الانتصاف: مالك ﵀ يرى أنه يملك، والآية تعضده، أي: مملوكًا ليس ممن ملكه سيده فملك، بل هو على أصل الملكة، عاجزٌ، فلو لم يتصور له مُلكٌ، لكان قوله: (لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) تكرارًا، وقوله: "احترازا من المكاتب" بعيدٌ من فصاحة القرآن، إذ لو لم يملك من العبيد إلا مكاتب لكانت إرادته باللفظ إيجازًا مع إخلال لا يليق بالبلاغة. وأنكر إمام الحرمين حمل قوله ﷺ: "أيما امرأة نُكحت بغير إذن وليها" على المكاتبة، لبُعد القصد إليها على شذوذها. وأما المأذون فينبني على القول بان المراد بعدم القدرة عدم المكنة من التصرف أوالملك، وبُعد الأول عن مطابقة قوله: (وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا). ولقائل أن يقول: إن قوله: (لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) صفة لازمة، كالإيضاح لفائدة ضرب المثل، أي: إنما ضربت المثل به؛ لأن حقيقته اللازمة له المعروفة به أنه لا يقدر على شيء، ومنه: (وَمَنْ
[ ٩ / ١٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) [المؤمنون: ١١٧]، وكل مدعو مع الله لا برهان له به، إنما المراد به أنه من لوازم دعائه مع الله إلها. ولنا أن نقول في دفعه: الأصل في الصفة والحال التخصيص والتقييد، وما ورد بخلاف ذلك فهو خلاف الأصل. وقال الإمام: احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يُملكُ شيئًا، فإن قالوا: ظاهر الآية يدل على أن عبدًا من العبيد لا يقدر على شيء، فلم قلتم: إن كل عبدٍ كذلك؟ فنقول: الذي يدل عليه وجهان، الأول: أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، كونه عبدًا وصفٌ مشعرٌ بالذل والمقهورية، وقوله: (لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) حُكمٌ مذكور عقيبه، فهذا يقتضي أن العلة لعدم القدرة على الشيء، هو كونه عبدًا، وبهذا الطريق ثبت العموم. والثاني: أنه تعالى قال بعده: (وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا) فميز هذا القسم الثاني على القسم الأول، وهو العبد بهذه الصفة، وهو أنه يرزقه رزقًا، فوجب ألا يحصل هذا الوصف للعبد حتى يحصل الامتياز بين القسم الثاني وبين القسم الأول، ولو مُلك العبدُ لكان الله قد آتاه رزقًا حسنًا؛ لان الملكَ الحلالَ رزقٌ حسن، سواء كان قليلًا أو كثيرًا. وقلت: لا شك أن قوله: (وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا) مقابل لقوله: (عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ)، والمقصود من ذكرهما الحجرُ والمنعُ والإطلاق والتوسعة؛ لأن التمثيل في الأصنام والملك العلام، فلابد من تصور العجز التام، فإذا أجريناه على ما قال، لزم التصرف المحذور. والحاصل أن إتيان صفتين لمزيد التصوير والكشف عن حالة العجز لا للتمييز والتفصلة، ألا ترى كيف ترقى في التمثيل الثاني، وزاد البكم والكل، وعدم الإنجاح في المهمات ليدل على كمال ذلك المعنى؟ وكذا في
[ ٩ / ١٦٧ ]
فإن قلت: (مَنْ) في قوله: (وَمَنْ رَزَقْناهُ) ما هي؟ قلت: الظاهر أنها موصوفة، كأنه قيل: وحرًا رزقناه؛ ليطابق عبدًا. ولا يمتنع أن تكون موصولة. فإن قلت: لم قيل (يَسْتَوُونَ) على الجمع؟ قلت: معناه: هل يستوي الأحرار والعبيد؟
[(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)].
الأبكم: الذي ولد أخرس، فلا يَفهم ولا يُفهم. (وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ) أي: ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله، (أَيْنَما يُوَجِّهْهُ): حيثما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة أو كفاية مهم، لم ينفع ولم يأت بنجح، (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ) هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات، مع رشد وديانة، فهو (يَامُرُ) الناس (بِالْعَدْلِ) والخير،
_________________
(١) ـ جانب المشبه به، فإنه ترقى من تصرفه كيف شاء إلى كونه آمرًا بالعدل، ومن كونه مرزوقًا، إلى كونه مهديًا إلى صراط مستقيم. قوله: (ولا يمتنعُ أن تكون موصولة) يريد أن الآية من باب التضاد والطباق، فيحتمل من أن تكون موصوفة، كما يُقال: عبدًا مملوكًا وحرًا مرزوقًا، وأن تكون موصولة، بأن يقال: والحر الذي رزقناه، لكن المطابع ممن رُزق الذوق السليم لا يعرج عنه إليه، وهذا ينظر إلى قول المصنف في قوله تعالى: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ) [البقرة: ٨]: "و"مَن" في (مَنْ يَقُولُ) [موصوفة] إن جعلت اللام للجنس، وإن جعلتها للعهد فموصولة". قوله: «هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ) هو سليم الحواس؟)، يعني: لابد من المقابل بين العدل وما سبق، ولا يأمر بالعدل إلا من يكون موصوفًا بصفات الكمال، وتخصيص المذكورات للتقابل.
[ ٩ / ١٦٨ ]
(وَهُوَ) في نفسه (عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ): على سيرة صالحة ودين قويم. وهذا مثل ثان ضربه الله لنفسه ولما يفيض على عباده ويشملهم من آثار رحمته وألطافه ونعمه الدينية والدنيوية، وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع وقرئ: (أينما يوجه)، بمعنى: أينما يتوجه، من قولهم: (أينما أوجه ألق سعدًا). وقرأ ابن مسعود: (أينما يوجه)، على البناء للمفعول.
[(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].
(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي: يختصّ به علم ما غاب فيهما عن العباد وخفي عليهم علمه. أو: أراد بغيب السموات والأرض: يوم القيامة، على أن علمه غائب عن أهل السموات والأرض لم يطلع عليه أحد منهم. (إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) أي: هو عند الله وإن تراخى، كما تقولون أنتم في الشيء الذي تستقربونه: هو كلمح البصر أو هو أقرب، إذا بالغتم في استقرابه. ونحوه قوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج: ٤٧] أي: هو
_________________
(١) ـ قوله: (أينما أوجه ألق سعدًا)، يُضربُ لمن يتلقى الشر أية سلك، وعن بعض: أصله أن أضبط كان سيد قومه، فأصابه منهم جفوة، فارتحل عنهم إلى آخرين، فرآهم يصنعون بساداتهم مثل صنيع قومه، فقال: "أينما أوجه ألق سعدًا"، وسعد كان شريرًا. قوله: (ونحوه قوله: (يَسْتَعْجِلُونَكَ»، أي: نحوه في استعمال الله تعالى ما يستقرب المدة فيما هو بعيد عند الناس، قوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج: ٤٧]، أي: ألف سنةٍ عندكم بعيدٌ، وعند الله مقدار يومٍ على عرفكم وعادتكم.
[ ٩ / ١٦٩ ]
عنده دان وهو عندكم بعيد. وقيل: المعنى: أن إقامة الساعة وإماتة الأحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين، يكون في أقرب وقت وأوحاه، (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو يقدر على أن يقيم الساعة ويبعث الخلق؛ لأنه بعض المقدورات. ثم دل على قدرته بما بعده.
[(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)].
قرئ (أُمَّهاتِكُمْ) بضم الهمزة وكسرها، والهاء مزيدة في أمهات، كما زيدت في أراق، فقيل: أهراق. وشذت زيادتها في الواحدة، قال:
_________________
(١) ـ قوله: (وأوحاه)، أي: أسرعه، الأساس: استوحيته: استعجلته. "النهاية": في الحديث: "إذا أردت أمرًا فتدبر عاقبته، فإن كان شرًا فانته، وإن كان خيرًا فتوحه" أي: أسرع غليه، والهاء للسكت. قوله: «إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو يقدر على أن يقيم الساعة)، إشارة إلى أنه كالتعليل لإثبات أمر الساعة وسهولة تأتيها. ولما كان البعث والحشر موقوفًا على مسألتي العلم والقدرة، عطف جملة (أَمْرُ السَّاعَةِ) على جملة (غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) عطف "جبريل" على "الملائكة"، ثم علله بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فكما عطف ذلك عقب قوله: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وأتى بالواو إيذانًا بأن مقدور الله لا نهاية له، والمذكور بعض منها. وإليه أشار بقوله: "ثم دل على قدرته بما بعده". قوله: (قرئ (أُمَّهَاتِكُمْ) بضم الهمزة)، كلهم إلا حمزة والكسائي.
[ ٩ / ١٧٠ ]
أُمَّهَتِي خِنْدِفٌ وَالْيَاسُ أبي
(لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) في موضع الحال، ومعناه: غير عالمين شيئًا من حق المنعم الذي خلقكم في البطون، وسوّاكم وصوّركم، ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة. وقوله: (وَجَعَلَ لَكُمُ) معناه: وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي
_________________
(١) ـ قوله: (أمهتي خندف والياس أبي)، لقُصي بن كلاب، قبله: إني لدى الحرب رخي اللبب … معتزم الصولة عالي النسب يقال: فلان في لبيبٍ رخي، أي: في حال واسعة، "الاعتزام": لزوم القصد. قوله: (وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل)، الحصر مستفاد من فحوى الكلام وانصبابه في قالب جوامع الكلم، وهو أنه تعالى ما خلق الخلق إلا ليعبد، ويُعرف لقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦]، فأخبر تعالى أنه أخرجهم من ظلمات الرحم إلى فضاء عالم التكليف وهم غير عالمين لما خلقوا له، كما قال: غير عالمين شيئًا من حق المنعم، فخلق لهم السمع ليسمعوا آياته البينات، وبصرًا لينظروا إلى الدلائل الدالة على وجوده، وفؤادًا ليتفكروا في آلائه وحكمته، فيجعلوها وسيلة إلى ما خُلقوا له من الشكر والعبادة، كما قال: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فظهر أن هذه آلات ما خُلقت إلا لاجتلاب العلم والعمل به، فمن جعلها آلات لغير ذلك فقد أبطل حكمة الله في خلقها، وانخرط في سلك (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الأعراف: ١٧٩]. قال القاضي: (لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) جُهالًا مستحصبين جهل الجمادية (وَجَعَلَ لَكُمْ) أداة تعلمون بها فتحسون بمشاعركم جزئيات الأشياء فتدركونها، ثم تتنبهون بقلوبكم لمشاركات ومباينات بينها بتكرير الإحساس، حتى تحصل لكم العلوم البديهية وتتمكنوا من
[ ٩ / ١٧١ ]
ولدتم عليه، واجتلاب العلم والعمل به؛ من شكر المنعم، وعبادته، والقيام بحقوقه، والترقي إلى ما يسعدكم. والأفئدة في فؤاد، كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة، والقلة إذا لم يرد في السماع غيرها، كما جاء: شسوع في جمع شسع لا غير، فجرت ذلك المجرى.
[(أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)].
قرئ: (لم يروا) بالتاء والياء. (مُسَخَّراتٍ): مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية لذلك. والجوّ: الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلوّ والسكاك أبعد منه، واللوح مثله (ما يُمْسِكُهُنَّ) في قبضهن وبسطهن ووقوفهن (إِلَّا اللَّهُ) بقدرته.
_________________
(١) ـ تحصيل المعالم الكسبية بالنظر فيها لكي تعرفوا ما أنعم عليكم طورًا بعد طور فتشكروه. وفي هذا التقرير إشعارٌ بأن قوله: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) تعليل للجعل لا للإخراج، فيفيد معنى الحصر الذي قرره المصنف، كأنه قيل: خلقكم وأنتم كالجماد، ثم جعل لكم أدوات لتتميزوا عنه. قوله: (جرت مجرى جموع الكثرة والقلة)، أي: هي مشتركة تستعمل تارة في القلة وأخرى في الكثرة، واستعملت هنا في الكثرة؛ لأن الخطاب في (أَخْرَجَكُمْ) عام. قوله: «مَا يُمْسِكُهُنَّ) في قبضهن وبسطهن ووقوفهن (إلا الله»، كقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ) [الملك: ١٩]، قال القاضي: إن ثقل جسدها يقتضي سقوطها، ولا علاقة فوقها، ولا دعامة تحتها تمسكها، وخلق الجو بحيث يمكن الطيران فيه.
[ ٩ / ١٧٢ ]
[(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ)].
(مِنْ بُيُوتِكُمْ) التي تسكنونها من الحجر والمدر والأخبية وغيرها. والسكن: فعل بمعنى مفعول، وهو ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف. (بُيُوتًا) هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع، (تَسْتَخِفُّونَها): ترونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ) أي: يوم ترحلون خف عليكم حملها ونقلها، ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها. أو: هي خفيفة عليكم في أوقات السفر والحضر جميعًا،
_________________
(١) ـ قوله: «مِنْ بُيُوتِكُمْ) التي تسكنونها)، الراغب: أصل البيت: مأوى الإنسان بالليل، ثم قد يقال بغير اعتبار الليل، وجمعه أبيات وبيوت، والبيوت بالسكن أخص، والأبيات بالشعر، وشبه به بيت الشعر، وصار "البيت" مطلقًا متعارفًا في آل النبي ﷺ، ونبه ﷺ بقوله: "سلمان منا أهل البيت" أن مولى القوم يصح نسبته إليهم، كما قال: "مولى القوم منهم، وابنه من أنفسهم". قوله: (خفيفة المحمل) الراغب: الخفيف بإزاء الثقيل، ويقال ذلك باعتبار المضايفة بالقرن، وقياس أحد الشيئين إلى الآخر، تقول: درهم خفيف ودرهم ثقيل، وباعتبار مضايفة الزمان، نحو: فرس خفيف وفرس ثقيل، إذا عدا أحدهما أكثر في زمان واحد، وقد مر مبسوطًا في سورة التوبة.
[ ٩ / ١٧٣ ]
على أنّ اليوم بمعنى الوقت. (وَمَتاعًا): وشيئًا ينتفع به (إِلى حِينٍ): إلى أن تقضوا منه أوطاركم. أو: إلى أن يبلى ويفنى، أو: إلى أن تموتوا. وقرئ: (يوم ظعنكم) بالسكون.
[(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَاسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)].
(مِمَّا خَلَقَ): من الشجر وسائر المستظلات. (أَكْنانًا): جمع كنّ، وهو ما يستكنّ به من البيوت المنحوتة في الجبال والغيران والكهوف. (سَرابِيلَ): هي القمصان والثياب من الصوف والكتان والقطن وغيرها، (تَقِيكُمُ الْحَرَّ) لم يذكر البرد؛ لأنّ الوقاية من الحرّ أهمّ عندهم، وقلما يهمهم البرد؛ لكونه يسيرًا محتملا. وقيل: ما يقي من الحرّ يقي من البرد، فدل ذكر الحرّ على البرد، (وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ
_________________
(١) ـ قوله: (على أن اليوم بمعنى الوقت)، أي: الزمان الممتد؛ لأن عادتهم إما الإقامة أو الظعن، كقوله تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: ٦٢]، وإليه الإشارة بقوله: "في أوقات السفر والحضر جميعًا". الانتصاف: الوجه الأول أولى، إذ ظهور المنة في خفتها في السفر أتم، أما المقيم فلا عليه من ثقلها. قوله: (وقرئ: (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ): بالسكون)، ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. قوله: (وقيل: ما يقي من الحر يقي من البرد)، الانتصاف: الوجه الأول أولى؛ لأنه قدم المنة بالظلال الواقية من الضحى بقوله: (مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا)، فالأهم إذن وقاية الحر، وليس ل ما يقي الحر يقي البرد كشفوف القمصان، بل لو لبس إنسان لبوس الحر في البرد أو عكس لعد من الثقلاء.
[ ٩ / ١٧٤ ]
بَاسَكُمْ) يريد الدروع والجواشن، والسربال عامّ يقع على كل ما كان من حديد وغيره. (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) أي: تنظرون في نعمه الفائضة فتؤمنون به وتنقادون له. وقرئ: (تسلمون) من السلامة،: أي تشكرون فتسلمون من العذاب. أو: تسلم قلوبكم من الشرك. وقيل: تسلمون من الجراح بلبس الدروع.
[(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ * يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ)].
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) فلم يقبلوا منك فقد تمهد عذرك بعد ما أدّيت ما وجب عليك من التبليغ، فذكر سبب العذر، وهو البلاغ؛ ليدل على المسبب. (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ) التي عددناها حيث يعترفون بها وأنها من الله (ثُمَّ يُنْكِرُونَها) بعبادتهم غير المنعم بها، وقولهم: هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا. وقيل: إنكارهم: قولهم: ورثناها من آبائنا. وقيل: قولهم: لولا فلان ما أصبت كذا، لبعض نعم الله. وإنما لا يجوز التكلم بنحو هذا إذا لم يعتقد أنها من الله، وأنه أجراها على يد فلان وجعله سببًا في نيلها (وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ) أي: الجاحدون غير المعترفين. وقيل: (نِعْمَتَ اللَّهِ) نبوّة محمد عليه
_________________
(١) ـ قوله: «تُسْلِمُونَ) أي: تنظرون)، أي: الإسلام هاهنا بمعنى الاستسلام والانقياد، وضع موضع سببيه، وهو ينظرون ويتفكرون، المعنى: مُنحوا كذا وكذا من النعم الظاهرة والباطنة يتفكروا وينظروا ويعرفوا المنعم فينقادوا له، يدل عليه قوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)؛ لأن من تولى أبي الانقياد، ثم ترقى إلى بيان عنادهم وأنهم يعرفون المنعم المولى، ثم ينكرونها. قوله: (فذر سبب العُذر …، ليدل على المسبب)، يعني: كان من الظاهر أن يقال: فإن لم ينقادوا لله تعالى بعد تذكيرك إياهم آيات الله، فقد تمهد عذرك، لأنك قد أديت ما عليك من الواجب، فوضع موضع المذكور قوله: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) وضعا للسبب موضع المسبب، ففي العدول الإشعار بإلزام الحجة واستئهال العقاب، وفي الظاهر تمهيدٌ للعذر.
[ ٩ / ١٧٥ ]
الصلاة والسلام، كانوا يعرفونها ثم ينكرونها عنادًا، وأكثرهم الجاحدون المنكرون بقلوبهم. فإن قلت: ما معنى ثم؟ قلت: الدلالة على أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة، لأنّ حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر.
[(وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ* وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ)].
(شَهِيدًا) نبيا يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق، والكفر والتكذيب، (ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) في الاعتذار، والمعنى: لا حجة لهم، فدل بترك الإذن على أن لا حجة لهم ولا عذر، وكذا عن الحسن ﵀. (وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ): ولا هم يسترضون، أي: لا يقال لهم: أرضوا ربكم؛ لأن الآخرة ليست بدار عمل. فإن قلت: فما معنى (ثم) هذه؟ قلت: معناها أنهم يمنون بعد شهادة الأنبياء بما هو أطم منها، وهو أنهم يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة. وانتصاب اليوم بمحذوف، تقديره: واذكر يوم نبعث، أو: يوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه، وكذلك إذا رأوا العذاب بغتهم وثقل عليهم (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) كقوله: (بَلْ تَاتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ) الآية [الأنبياء: ٤٠].
_________________
(١) ـ قوله: (لا يقالُ لهم: أرضوا ربكم)؛ لأن الاستعتاب: طلب إزالة العتاب، وعتاب الله عبارة عن سخطه وعدم رضاه، أي: لا يطلب منهم غزالة سخط الله عنهم. قوله: (أنهم يمنون)، أي: يبتلون، الجوهري: منوته ومنيته، أي: ابتليته. قوله: (وكذلك إذا رأوا العذاب)، قيل: "إذا رأوا العذاب" أيضًا منصوب بمحذوف، ويقال: إن وجه الشبه يقتضي أيضًا تأخير المحذوف في التقدير، أي: يوم يُبعث وقعوا فيما وقعوا، وكذلك إذا رأوا العذاب وقعوا فيما وقعوا أيضًا، وإليه أشار بقوله: "بغتهم" وكذا وكذا، وفي تركيبه- أعني: إذا راوا العذاب بغتهم وثقل عليهم، فلا يُخفف-إيذانٌ
[ ٩ / ١٧٦ ]
[(وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ* وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)].
إن أرادوا بالشركاء آلهتهم؛ فمعنى (شُرَكاؤُنَا): آلهتنا التي دعوناها شركاء. وإن أرادوا الشياطين؛ فلأنهم شركاؤهم في الكفر وقرناؤهم في الغيّ: (ونَدْعُوا): بمعنى نعبد. فإن قلت: لم قالوا (إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ) وكانوا يعبدونهم على الصحة؟ قلت: لما كانوا غير راضين بعبادتهم فكأن عبادتهم لم تكن عبادة.
_________________
(١) ـ بأن قوله: (الَّذِينَ ظَلَمُوا)، مُظهر وُضع موضع المضمر للإشعار بأن العذاب إنما لم يخفف عنهم؛ لأنهم ظلموا، وأن الفاء في: (فَلا يُخَفَّفُ) فصيحة، وليست بجواب "إذا"، والجزاء المقدر، هو قوله: "بغتهم وثقل عليهم"، والشاهد على المقدر قوله: (بَلْ تَاتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ) [الأنبياء: ٤٠]، فقوله: "بغته" مثل (تَاتِيهِمْ بَغْتَةً)، وقوله: "ثقل عليهم" مثل (فَتَبْهَتُهُمْ)، وقوله: (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ) مثل (فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا)، وقوله: (وَلا هُمْ يُنظَرُونَ) مثله في الآية المستشهد [بها]. قوله: (لما كانوا غير راضين)، يعني: المراد بالشركاء في قوله: (وَإِذَا رءا الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ)، وهم كل من عُبد من دون الله من الملائكة والمسيح وعُزير والجن والإنس والشياطين كما سبق آنفًا، إذ المقامُ يقتضي العموم لقوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا)، ومن هو مثل الملائكة يكذبونهم لوجهين: أحدهما: يكذبونهم لما أنهم كانوا معرضين غير راضين بعبادتهم. وثانيهما: التكذيب راجعٌ على تسميتهم شركاء، وقولهم: (هَؤُلاء شُرَكَاؤُنَا) وعلى الأول إلى فعلهم وعبادتهم لهم، وإنما قلنا: مثلُ الملائكة لاستشهاده بقوله: (كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ).
[ ٩ / ١٧٧ ]
والدليل عليه: قول الملائكة: (كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) [سبأ: ٤١] يعنون: أن الجن كانوا راضين بعبادتهم لا نحن، فهم المعبودون دوننا. أو كذبوهم في تسميتهم شركاء وآلهة؛ تنزيها لله من الشريك. وإن أريد بالشركاء الشياطين؛ جاز أن يكون كاذبين في قولهم: (إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ) كما يقول الشيطان: (إنى كفرت بما أشركتمون من قبل) [إبراهيم: ٢٢]، (وَأَلْقَوْا): يعنى: الذين ظلموا. وإلقاء السلم: الاستسلام لأمر الله وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا، (وَضَلَّ عَنْهُمْ): وبطل عنهم (ما كانُوا يَفْتَرُونَ) من أن لله شركاء، وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرؤوا منهم.
[(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ)].
(الَّذِينَ كَفَرُوا) في أنفسهم، وحملوا غيرهم على الكفر: يضاعف الله عقابهم كما ضاعفوا كفرهم. وقيل في زيادة عذابهم: حيات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفا. وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار (بِما كانُوا يُفْسِدُونَ) بكونهم مفسدين الناس بصدّهم عن سبيل الله.
_________________
(١) ـ قوله: (جاز أن يكونوا كاذبين)، أي: الشياطين قالوا للمشركين: إنكم لكاذبون فيما تقولون علينا، فالشياطين كاذبون في هذا التكذيب؛ لأنهم في الدنيا زينوا وسولوا ووسوسوا وما قصروا فيه: (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ) [الأعراف: ٢٠٢]، كما قال: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ) [إبراهيم: ٢٢]، وكذب في هذا القول، وهذا لا يصح في حق الملائكة. قوله: (حُمَتَها)، الجوهري: حُمةُ العقرب: سُمها وضُرها، وأصلها حموٌ وحُمى، والهاءُ عوض.
[ ٩ / ١٧٨ ]
[(وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ)].
(شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) يعنى: نبيهم؛ لأنه كان يبعث أنبياء الأمم فيهم منهم، (وَجِئْنا بِكَ) يا محمد (شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ): على أمتك. (تِبْيانًا): بيانا بليغًا ونظير، «تبيان»: «تلقاء» في كسر أوله، وقد جوز الزجاج فتحه في غير القرآن. فإن قلت: كيف كان القرآن تبيانا لِكُلِّ شَيْءٍ؟ قلت: المعنى: أنه بين كل شيء من أمور الدين، حيث كان نصا على بعضها وإحالة على السنة، حيث أمر فيه بإتباع رسول الله ﷺ وطاعته. وقيل: (وما ينطق عن الهوى) (النجم: ٣). وحثًا على الإجماع في قوله: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء: ١١٥]، وقد رضي رسول الله ﷺ لأمته اتباع أصحابه، والاقتداء بآثارهم في قوله ﷺ: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤوا طرق القياس والاجتهاد، فكانت السنة والإجماع والقياس والاجتهاد، مستندة إلى تبيان الكتاب، فمن ثمّ كان تبيانا لكل شيء.
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى) [النجم: ٣]، عطفٌ على قوله: "أمر فيه باتباع الرسول وطاعته"، يعني: أُحيل البيان على السنة بوجهين حيث أمر فيه، أي: في قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) [النور: ٥٤] ن وحيث قيل في حقه: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى). قوله: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، مثله في "جامع الأصول"، رواه رزين العبدري عن ابن المسيب، وفي رواية "أخبار الشهاب": "أصحابي مثلُ النجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى"، وذكره الصغاني في قسم الحِسان.
[ ٩ / ١٧٩ ]
[(إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)].
العدل: هو الواجب؛
_________________
(١) ـ قوله: (العدلُ هو الواجب)، فيه إيماءٌ إلى مذهبه، فكنى عن الواجب بالعدل؛ لأن الواجب ملزوم العدل؛ لأن الله تعالى جعل ما فرض على عباده واقعًا تحت طاقتهم، أي: لا يلفهم فوق طاقتهم، لئلا يون جورًا، ومن ثم سموا أنفسهم بالعدلية. هذا تخصيص من غير دليل، سيما المقام يقتضي العموم، ولهذا قال ابن مسعود: اجمع آية في القرآن هذه الآية. وقال القاضي: لو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهُدى ورحمة للعالمين، ولعل إيرادها عقيب قوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ) للتنبيه عليه. وقال الإمام: إنما يحسن تفسيرُ اللفظ بمعنى إذا حصل بينهما مناسبة، وإلا كان فاسدًا، وبناء على مجرد التحكم، فإن الله تعالى أمر بالعدل والإحسان، فالعدل عبارة على المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وذلك أمرٌ واجبٌ في جميع ما يصح فيه هذا المعنى، والواجبات إما في الاعتقتاد، وغما في الأعمال، أو في الخلاق، فالعدل في الاعتقاد: أما في التوحيد فيجب أن يعتقد أن الإله موصوفٌ بصفات الكمال، فهذا وسطٌ بين التعطيل والتشبيه. وأما في الأفعال: فيجب أن يعتقد أن العبد يصدر عنه الفعل كسبًا بواسطة داعية وقدرة يخلقها الله تعالى؛ لأنه وسطٌ بين الجبر والقدر. أما الأعمال: فالعدل فيها أن يأتي بالطاعات علاى الطريق السوي. قال الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦].
[ ٩ / ١٨٠ ]
لأن الله تعالى عدل فيه على عباده، فجعل ما فرضه عليهم واقعًا تحت طاقتهم. وَالْإِحْسانِ: الندب؛ وإنما علق أمره بهما جميعًا؛ لأنّ الفرض لابدّ من أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ - لمن علمه الفرائض فقال: والله لا زدت فيها ولا نقصت: «أفلح إن صدق»، فعقد الفلاح بشرط الصدق والسلامة من
_________________
(١) ـ روينا عن البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "أيها الناس: خُذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله تعالى ما يملُّ حتى تملوا". وعن أبي داود، عن سهل، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تُشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم … الحديث. وأما الأخلاق: فالعدل في الجود: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) [الفرقان: ٦٧]، وفي الشجاعة: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: ٢٩] (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [المائدة: ٥٤]، ثُم الزيادةُ على العدل قد تكون إحسانًا، وقد تكون إساءة، والإحسان إما أن يكون بحسب الكمية أو الكيفية. فالكمية: كالتطوع بالنوافل، والكيفية: كالاستغراق في شهود مقامات العبودية والربوبية، قال ﷺ: "الإحسان أن تعبُد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنهُ يراك"، وهذه الآية استئناف، كالبيان لكون الكتاب تبيانًا لكل شيء. قوله: (فقال: والله لا زدتُ فيها ولا نقصت)، وفي رواية البخاري ومسلم: "لا أزيدُ على هذا ولا أنقص". قوله: (فعقد الفلاح)، أي: قيده، من قولهم: عقدتُ الحبل والبيع.
[ ٩ / ١٨١ ]
التفريط، وقال ﷺ: «استقيموا ولن تحصوا» فما ينبغي أن يترك ما يجبر كسر التفريط ممن النوافل. والفواحش: ما جاوز حدود الله. وَالْمُنْكَرِ: ما تنكره العقول
_________________
(١) ـ قوله: (استقيموا ولن تُحصوا)، الحديث، من رواية مالك وأحمد بن حنبل وابن ماجه، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن". النهاية: أي: استقيموا في كل شيء حتى لا تملوا، ولن تطيقوا الاستقامة، من قوله تعالى: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) [المزمل: ٢٠] أي: تطيقوا عده وضبطه. قوله: (فما ينبغي أن يُترك ما يجبُرُ كسر التفريط من النوافل)، هذا متصلٌ بقوله: "ولذلك قال"؛ وهو تعليلٌ قوله: "ولابد من أن يقع تفريط فيجبره الندب، أي: ولن تطيقوا، وجيء بـ"لن" التي للتوكيد، وإذا كان الأمر على هذا فلابد مما يجبر به هذا التفريط، وليس ذلك إلا النوافل، لما روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ: "أول ما يُحاسب به العبدُ صلاتُه، فإن كان أتمها كُتبت له تامة، فإن لم يكن أتمها قال الله تعالى: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع، فتُكملوا بها فريضته؟ ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمالُ على حسب ذلك"، ورواه أبو داود عن أنس بن حكيم. قوله: (والمنكر: ما تُنكره العقول)، الانتصاف: هذا اعتزالٌ، والمنكر: ما أنكره الشرع.
[ ٩ / ١٨٢ ]
وَالْبَغْيِ: طلب التطاول بالظلم، وحين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير
_________________
(١) ـ الراغب: المنكر: كل فعلٍ تحكم العقول السليمة بقبحه أو تتوقف في استقباحه، فتحكم بقبحه الشريعة، وإلى ذلك قصد بقوله تعالى: (الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ) [التوبة: ١١٢]، وقال في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) يحثُّ على فعل الخير، وينهى عن الشر، وذلك بعضه بالشرع الذي شرعه لنا وبعضه بالعقل الذي ركبه فينا؛ والنهي حينئذ أعمُّ من حيث اللفظ والمعنى، فأما المعنى فكما في قوله: (وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى) [النازعات: ٤٠] لأنه لم يعن أن يقول لنفسه: لا نفعلُ، بل أراد قمعها عن شهوتها ودفعها عما نزعت إليه، وهمت به، وكذا النهيُ عن المنكر يكون تارة باليد وتارة باللسان وتارة بالقلب. وأما اللفظ فكما تقول: اجتنب كذا، وأصل النهي: الزجرُ عن الشيء، وهو من حيث المعنى لا فرق بين أن يكون بالقول أو بغيره. قوله: (والبغي: طلب التطاول بالظلم)، الانتصاف: البغي أصله الطلب، ومنه (ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) [البقرة: ٢٠٧]، وإطلاقه في العُرف مخصوص بالظلم. قوله: (وحين أسقطت من الخُطب لعنة الملاعين)، ذكر صاحبُ "الكامل في التاريخ": كان بنو أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، إلى أن وُليَّ عمر بنُ عبد العزيز الخلافة، فترك ذلك وكتب إلى العُمال في الآفاق بتركه، وكان سببث محبته عليًا أنه قال: كنتُ بالمدينة أتعلمُ العلم، وكنتُ الزمُ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ﵁، فبلغه عني شيء من ذلك، فأتيته يومًا وهو يصلي، فأطال الصلاة، فقعدت أنتظرُ فراغه، فلما فرغ التفت إليّ، وقال: متى علمت أن الله تعالى غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان
[ ٩ / ١٨٣ ]
المؤمنين عليّ ﵁؛ أقيمت هذه الآية مقامها. ولعمري إنها كانت فاحشة ومنكرًا وبغيًا، ضاعف الله لمن سنها غضبًا ونكالا وخزيا؛ إجابة لدعوة نبيه: «وعاد من عاداه»
_________________
(١) ـ بعد أن رضي عنهم؟ قلتُ: لم أسمع بذلكن قال: فما الذي بلغني عنك في علي؟ فقلت: معذرة إلى الله وإليك، وتركتُ ما كنتُ عليه. وكان أبي إذا خطب فنال من علي تلجلج في كلامه، فقلت: يا أبتِ، إنك تمضي في خُطبتك فإذا أتيت إلى ذر عليٍّ عرفتُ منك تقصيرًا. قال: أو فطنت ذلك؟ قلتُ: نعمْ. فقال: يا بُني، إن الذين حولنا لو يعلمون من علي ما نعلم لتفرقوا عنا إلى أولاده، فلما وُلي الخلافة لم تكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكب هذا الأمر العظيم لأجلها، فترك ذلك، وكتب بتركه، وقرأ عوضه: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) الآية، فحل هذا الفعل عند الناس محلا عظيمًا، وأكثروا مدحهُ، فمنه قول كُثير: وليت فلم تشتم عليا ولم تُخف … بريا ولم تتبع مقالة مجرم تكلمت بالحق المبين وإنما … تبين آيات الهدى بالتكلم فصدقت معروف الذي قلت بالذي … فعلت فأضحى راضيًا كل مسلم ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه … من الأود البادي ثقاف المقوم فقال عمر ﵀ حين أنشده هذا الشعر: أفلحنا إذن. قوله: (وعاد من عاداه)، ذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب"، قال: روى بريدة وأبو هريرة وجابر والبراء بن عازب وزيد بن أرقم، كل واحد منهم، عن النبي ﷺ أنه قال يوم غدير خم: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه"، وبعضُهم
[ ٩ / ١٨٤ ]
وكانت سبب إسلام عثمان بن مظعون.
[(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ* وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)].
عهد الله: هي البيعة لرسول الله ﷺ على الإسلام، (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما
_________________
(١) ـ لا يزيد على: "من كنتُ مولاه فعلي مولاه". ورواه أحمد بن حنبل عن البراء وحده. قوله: (وكانت سبب إسلام عثمان بن مظعون)، وروى الإمام في "تفسيره" عن ابن عباس: أن عثمان بن مظعون الجُمحي قال: ما أسلمت أولًا إلا حياء من رسول الله ﷺ، ولم يتقرر الإسلام في قلبين فحضرته ذات يوم، فبينا هو يحدثني غذ رأيت بصره شخص إلى السماء، ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك، فسألته، فقال: بينا أنا أحدثك إذ نزل جبريل عن يميني فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) إلى آخره، فقال عثمان: فوقع الإيمان في قلبي، وأتيت أبا طالب فأخبرته، فقال: يا معشر قريش: اتبعوا ابن أخي، إن كان صادقًا أو كاذبًا فنه ما يأمركم إلا بمكارم الأخلاق. ونحوه رأيت بخط مولاي المرحوم بهاء الدين القاشي ﵀. قوله: (عهد الله: هي البيعة لرسول الله ﷺ)، وإنما أسند إلى الله لأن عهد رسول الله ﷺ عهدُ الله، لقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: ١٠] وهو مستشهد لفظًا ومعنى؛ لأنه في أهل بيعة الرضوان، وإنما خصه ببيعة الرضوان لأن قوله: (أَنْ تَكُونَ
[ ٩ / ١٨٥ ]
يُبايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: ١٠]. (وَلا تَنْقُضُوا) أيمان البيعة (بَعْدَ تَوْكِيدِها) أي: بعد توثيقها باسم الله. وأكد ووكد: لغتان فصيحتان، والأصل الواو، والهمزة بدل. (كَفِيلًا): شاهدًا ورقيبًا؛ لأن الكفيل مراع لحال المكفول به مهيمن عليه. (وَلا تَكُونُوا) في نقض الأيمان كالمرأة التي أنحت على غزلها بعد أَن أحكمته وأبرمته فجعلته (أَنْكاثًا) جمع نكث؛ وهو ما ينكث فتله. قيل: هي ريطة بنت سعد
_________________
(١) ـ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ) في قريش يعني: أوفوا بما عاهدتم الله، ولاتنقضوه مخافة الأعداء من قريش، وتوفر عددهم وعُددهم، وإنما جعلكم مستضعفين، وأعداءكم أقوياء، ليتميز الثابت منكم والناكص على عقبيه، وإليه أشار بقوله: (إِنَّمَا يَبْلُوكُمْ اللَّهُ بِهِ)، وقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ): عطفٌ من حيث المعنى على قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، الآية، عطف الخاص على العام اهتمامًا بوفاء العهد والثبات عليه، ولذلك عقبه بالتمثيلين، وجيء بقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) اعتراضًا بين المعطوف والمعطوف عليه. قوله: «بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)، أي: بعد توثيقها)، الراغب: وكدتُ القول والعهد وأكدته بمعنى أحكمته. والسير الذي يُشد به القربوس يُسمى التأكيد، ولا يقال: توكيدٌ، قال الخليل: "أكدتُ في عقد الأيمان" أجود، و"وكدتُ في القول" أجود، تقول: إذا عقدت فأد، وإذا حلفت فوكد. ووكد وكده: إذا قصد قصده وتخلق بخلُقِه. قوله: (أنحت على غزلها)، الأساس: أنحى عليه بالسوط: أقبل عليه. قوله: «أَنكَاثًا): جمع نكث)، الأساس: نكث الحبل، ومن المجاز: نكث العهد والبيعة. الراغب: نكث الأكسية والغزل قريب من النقص، واستعير لنقض العهد، والنكث كالنقض، والنكيثة كالنقيضة، وكل خصلةٍ ينكث فيها القوم، يقال لها: نكيثة. قال أبو البقاء: (أَنكَاثًا): جمعُ نكث، بمعنى: المنكوث، أي: المنقوض، ونُصبَ
[ ٩ / ١٨٦ ]
ابن تيم وكانت خرقاء؛ اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة على قدرها، فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهنّ فينقضن ما غزلن. (تَتَّخِذُونَ) حال، و(دَخَلًا): أحد مفعولي اتخذ. يعنى: ولا تنقضوا أيمانكم متخذيها
_________________
(١) ـ على الحال من (غَزْلَهَا)، ويجوزُ أن يكون مفعولًا ثانيًا على المعنى؛ لأن معنى (نَقَضَتْ): صيرت. وفي الحاشية: (أَنكَاثًا): نصب على المصدر؛ لأن معنى "نكثت": نقضت، وعلى ما في الكتاب: هو مفعولٌ به لفعل محذوف، لقوله: "فجعلته أنكاثًا"، وهذا أولى الوجوه، وأدخلُ في معنى التمثيل؛ لأن التركيب من باب: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) [المائدة: ٦]، ولذلك قد أنحت على غزلها، وجاء بالفاء في "فجعلته" فجمع بين القصد والفعل، والتشبيه التمثيليُّ كلما كان أكثر تفصيلًا وأوفر تصويرًا كان أحسن، ولذلك أوثر الجمع في: (أَنكَاثًا) على الإفراد لتنويع النكوث، وأقيم الوصف في قوله: (كَالَّتِي نَقَضَتْ) منزلة الموصوف ليشعر بأن الناقضة جامعة لمعانٍ، توجبُ انحطاط شأنها من كونها خرقاء عاجزة عجوزًا إلى غير ذلك. وهذا التمثيل بجملته توكيدٌ لقوله: (وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)، وهو إما استعارة مكنية بأن تكون الاستعارة في الأيمان، والنقض القرينة، وتوكيدها الترشيح، أو تمثيلية، والتمثيلان، أعني: "لا تنقضوا"، و(وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا)، وأراد أن على الأمر بوفاء العهد، أعني: وأوفوا بالعهد، على اطرد والعكس؛ لأن منطوق الأمر بإيفاء العهد مؤكدٌ لمفهوم النهي عن النقض وبالعكس، فظهر أن الغرض من التشبيه إبراز حال ناقض العهد، وأنه خارج من جملة الرجال الكملة والعقلاء المراجيح، داخل في زمرة النساء، بل في أدونها حالًا وأنقصها عقلًا. قوله: (صُنارة)، الجوهري: "الصُّنارة: رأسُ المغزل".
[ ٩ / ١٨٧ ]
دخلًا، (بَيْنَكُمْ) أي: مفسدة ودغلًا، (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ): بسبب أن تكون أمة، يعنى: جماعة قريش، (هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ): هي أزيد عددًا وأوفر مالا. من أمة من جماعة المؤمنين، (إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ) الضمير لقوله: (أن تكون أمة)، لأنه في معنى المصدر، أى: إنما يختبركم بكونهم أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وما عقدتم على أنفسكم ووكدتم من أيمان البيعة لرسول الله ﷺ، أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقوّتهم وقلة المؤمنين وفقرهم وضعفهم، (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ) إنذار وتحذير من مخالفة ملة الإسلام.
[(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)].
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) حنيفة مسلمة على طريق الإلجاء والاضطرار، وهو قادر على ذلك، (وَلكِنْ) الحكمة اقتضت أن يضلّ (مَنْ يَشاءُ)؛ وهو أن يخذل من علم أنه يختار الكفر ويصمم عليه، (وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) وهو أن يلطف بمن علم أنه يختار الإيمان. يعني: أنه بني الأمر على الاختيار وعلى ما يستحق به اللطف والخذلان، والثواب والعقاب، ولم يبنه على الإجبار الذي لا يستحق به شيء من ذلك، وحققه بقوله: (وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ولو كان هو المضطرّ إلى الضلال والاهتداء، لما أثبت لهم عملًا يسألون عنه.
_________________
(١) ـ قوله: «دَخَلًا بَيْنَكُمْ) أي: مفسدةً ودغلًا)، الراغبُ: الدخلُ كنايةٌ عن الفساد والعداوة المستبطنة، كالدغل، وعن الدعوة في النسب، يقال: دخل دخلًا، ويقال: دُخِلَ فلانٌ فهو مدخول، كناية عن بلهٍ في عقله، وفسادٍ في أصله، ومنه قيل: شجرة مدخولة. قوله: (ولو كان هو المضطر إلى الضلال والاهتداء لما أثبت لهم عملا يُسألون عنه)، "المُضطر": اسم فاعل. وقلتُ: إثبات العمل لهم على طريق الكسب، لا يدفع السؤال.
[ ٩ / ١٨٨ ]
[(وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)].
ثم كرر النهى عن اتخاذ الأيمان دخلا بينهم، تأكيدًا عليهم، وإظهارًا لعظم ما يركب منه، (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها) فتزلّ أقدامكم عن محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها، (وَتَذُوقُوا السُّوءَ) في الدنيا بصدودكم (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) وخروجكم من الدين. أو: بصدّكم غيركم، لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدّوا، لاتخذوا نقضها سنة لغيرهم يستنون بها، (وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) في الآخرة.
[(وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)].
كأن قومًا ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين، وإيذائهم لهم، ولما كانوا يعدونهم إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله ﷺ، فثبتهم الله، (وَلا تَشْتَرُوا) ولا تستبدلوا
_________________
(١) ـ قال الإمام: اعلم أنه تعالى لما كلف القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه، أتبعه ببيان أنه تعالى قادرٌ على أن يجمعهم على هذا الوفاء بالعهد وعلى سائر أبواب الإيمان، ولكنه تعالى بحكم الإلهية يُضل من يشاء، ويهدي من يشاء. يريد أن قوله: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ) الآية، دخلت معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، أعني قوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ) توكيد لمعنى الابتلاء، وأنه بحم الإلهية يختبر القليل الضعيف القديم بالقوي الكثير ذي الشوكة كما أشار إليه بقوله: "هي أزيدُ عددًا وأوفر مالًا" إلى آخره، كما أنه بحكم الإلهية يُضل من يشاء ويهدي من يشاء، فقوله: (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) مقابل لقوله: (وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ). قوله: (أن ينقضوا ما بايعوا)، متعلق بقوله: "زين لهم الشيطانُ".
[ ٩ / ١٨٩ ]
(بِعَهْدِ اللَّهِ) وبيعة رسول الله ﷺ (ثَمَنًا قَلِيلًا): عرضًا من الدنيا يسيرًا، وهو ما كانت قريش يعدونهم ويمنونهم إن رجعوا، (إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ) من إظهاركم وتغنيمكم، ومن ثواب الآخرة (خَيْرٌ لَكُمْ).
[(ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
(ما عِنْدَكُمْ) من أعراض الدنيا (يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّه) من خزائن رحمته (باقٍ) لا ينفد. وقرئ: (لَنَجْزِيَنَّ) بالنون والياء، (الَّذِينَ صَبَرُوا) على أذى المشركين ومشاقّ الإسلام. فإن قلت: لم وحدت القدم ونكرت؟ قلت: لاستعظام أن تزلّ قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه، فكيف بأقدام كثيرة؟
[(مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
فإن قلت: (مَنْ) متناول في نفسه للذكر والأنثى، فما معنى تبيينه بهما؟ قلت: هو مبهم صالح على الإطلاق للنوعين، إلا أنه إذا ذكر كان الظاهر تناوله للذكور، فقيل (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى) على التبيين، ليعمّ الموعد النوعين جميعًا (حَياةً طَيِّبَةً) يعني:
_________________
(١) ـ قوله: «لَنَجْزِيَنَّ) بالنون والياء)، بالنون: ابن كثير وعاصم. قوله: (ليعم الموعدُ النوعين جميعًا)، قال صاحب "الفرائد": لو لم يذكر الأنثى لكانت داخلة في الحكم بطريق التغليب، ألا ترى إلى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) دخلت
[ ٩ / ١٩٠ ]
في الدنيا، وهو الظاهر، لقوله: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ)، وعده الله ثواب الدنيا والآخرة، كقوله: (فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ) [آل عمران: ١٤٨]؛ وذلك أنّ المؤمن مع العمل الصالح موسرًا كان أو معسرًا يعيش عيشًا طيبًا؛ إن كان موسرًا، فلا مقال فيه. وإن كان معسرًا، فمعه ما يطيب عيشه؛ وهو القناعة والرضا بقسمة الله. وأمّا الفاجر فأمره على العكس: إن كان معسرًا؛ فلا إشكال في أمره، وإن كان موسرًا؛ فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه. وعن ابن عباس ﵄: الحياة الطيبة: الرزق الحلال. وعن الحسن: القناعة. وعن قتادة: يعنى في الجنة. وقيل: هي حلاوة الطاعة والتوفيق في قلبه.
[(فَإِذا قَرَاتَ الْقُرْآنَ (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ)].
لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه، وصل به قوله: (فَإِذا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) إيذانًا بأن الاستعاذة من جمله الأعمال الصالحة التي يجزل الله عليها الثواب.
_________________
(١) ـ النساء في الخطاب بطريق التغليب؟ ولما كان المراد من (مَن) العموم والاستيعاب لحصول التسوية بينهما في الحكم، لا بطريق التغيب بين بقوله: (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى). وقال الإمام: إنه تعالى لما رغب المؤمنين في الصبر على ما التزموه من فعل الواجبات والمندوبات دون المباحات بقوله: (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا) ثم رغبهم في الإيمان بكل ما كان من شرائع الإسلام بقوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا)، أتبع ذلك بقوله: (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) تقريرًا للوعد وإزالة لوهم التخصيص كرمًا وفضلًا. قوله: (لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه، وصل به قوله: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) إيذانًا بأن الاستعاذة من جملة الأعمال الصالحة)، قال القاضي: وفيه دليلٌ على أن
[ ٩ / ١٩١ ]
والمعنى: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، كقوله: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦]، وكقولك: إذا أكلت فسمّ الله. فإن قلت: لم عبر عن إرادة
_________________
(١) ـ المصلي يستعيذ في كل ركعة؛ لأن الحكم المترتب على شرط يتكرر بتكرره قياسًا. قلت: ويمكن أن يُقال: إن قوله: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ) متصل بالفاء بما سق من قوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)، وذلك أنه تعالى لما من عليه صلوات الله عليه بإنزال كتاب جامع لصفات الكتاب، وأنه تبيان لكل شيء، ونبه على كونه تبيانًا لكل شيء بالكلمة الجامعة، وهي قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) الآية، وعطف عليه: (أَوْفُوا بِالْعَهْدِ) وأكده ذلك التأكيد، قال بعد ذلك: (فَإِذَا قَرَاتَ) أي: إذا شرعت في قراءة هذا الكتاب الشريف الجامع الذي نُبهت على بعض ما اشتمل عليه، ونازعك فيه الشيطان بهمزه ونفخه ونفثه، فاستعذ بالله، والمقصود: إرشاد الأمة، ويظهر بهذا فائدة وضع القرآن موضع المضمر؛ لأن القرآن: الجمع والضم، ولهذا قلنا: الكتاب الشريف الجامع، وينتظم معه قوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ)، فإن ذلك من منشأ النزع الذي يورده حزب الشيطان، ويقول: لو كان من عند الله لما تطرق إليه النسخ والتبديل، والله أعلم. قوله: (كقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦]، قال صاحب "الفرائد": المستشهد ليس من قبيل ما نحن فيه؛ لأن هناك تركًا للظاهر بدليل، وهنا بغير دليل. قلت: دليله إجماع الفقهاء، وسنده ما رواه أبو داود وابن ماجه، عن جبير بن مطعم، أنه رأى النبي ﷺ يقول بعد تكبير الصلاة: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من نفخه ونفثه وهمزه".
[ ٩ / ١٩٢ ]
الفعل بلفظ الفعل؟ قلت: لأن الفعل يوجد عند القصد والإرادة بغير فاصل وعلى حسبه، فكان منه بسبب قوىّ وملابسة ظاهرة. وعن عبد الله بن مسعود ﵁: قرأت على رسول الله ﷺ، فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي: «يا ابن أمّ عبد. قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبريل ﵇ عن القلم عن اللوح المحفوظ» (لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ) أى: تسلط وولاية على أولياء الله، يعنى:
أنهم لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع خطواته. (إِنَّما سُلْطانُهُ) على من يتولاه ويطيعه (بِهِ مُشْرِكُونَ) الضمير يرجع إلى (ربهم). ويجوز أن يرجع إلى (الشيطان)، على معنى: بسببه وغروره ووسوسته.
[(وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)].
تبديل الآية مكان الآية: هو النسخ، والله تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع؛ لأنها مصالح، وما كان مصلحة أمس يجوز أن يكون مفسدة اليوم، وخلافه مصلحة. والله تعالى عالم بالمصالح والمفاسد، فيثبت ما يشاء وينسخ ما يشاء بحكمته. وهذا معنى قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ) (قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ) وجدوا مدخلًا للطعن
_________________
(١) ـ قوله: (تبديل الآية مكان الآية هو النسخ)، يعني: أنه تعالى عبر عن النسخ بهذه العبارة. قال الإمام: التبديل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى مكانها، وهو نسخها بآية سواها. وقلت: فيكون التبديل مضمنًا معنى الوضع، أي: وضعنا آية مكان آية تبديلا. وقال القاضي: وإذا بدلنا آية بالنسخ فجعلنا الآية الناسخة مكان المنسوخة. قوله: (وهذا معنى قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ»، قال الإمام: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[ ٩ / ١٩٣ ]
فطعنوا، وذلك لجهلهم وبعدهم عن العلم بالناسخ والمنسوخ، وكانوا يقولون: إن محمدا يسخر من أصحابه: يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، فيأتيهم بما هو أهون، ولقد افتروا؛ فقد كان ينسخ الأشق بالأهون، والأهون بالأشق، والأهون بالأهون، والأشق بالأشق، لأنّ الغرض المصلحة، لا الهوان والمشقة. فإن قلت: هل في ذكر تبديل الآية بالآية دليل على أن القرآن إنما ينسخ بمثله، ولا يصح بغيره من السنة والإجماع والقياس؟ قلت: فيه أن قرآنًا ينسخ بمثله، وليس فيه نفى نسخه بغيره، على أن السنة المكشوفة المتواترة مثل القرآن في إيجاب العلم، فنسخه بها كنسخه بمثله، وأمّا الإجماع والقياس والسنة غير المقطوع بها فلا يصح نسخ القرآن بها.
[(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ)].
في (يُنَزِّلُ) و(نَزَّلَهُ) وما فيهما من التنزيل شيئًا فشيئًا على حسب الحوادث والمصالح: إشارة إلى أن التبديل من باب المصالح، كالتنزيل، وأنّ ترك النسخ بمنزلة
_________________
(١) ـ بِمَا يُنَزِّلُ) اعتراض دخل بين الشرط وجزائه، أي: هو أعلم بما يُنزل من الناسخ والمنسوخ والتغليظ والتخفيف لمصالح العباد، وهذا توبيخ لكفار على قولهم: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) أي: إذا كان هو أعلم بما يُنزل فما بالهم ينسبون محمدًا إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ، وقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) معناه: لا يعلمون حقيقة القرآن، وفائدة النسخ والتبديل، كما أن الطبيب الحاذق يأمر المريض بشربة، ثم بعد ذلك ينهاه عنها ويأمر بضد تلك الشربة. قوله: (إن السنة المكشوفة المتواترة مثل القرآن)، وقد سبق الكلام عليه في سورة البقرة.
[ ٩ / ١٩٤ ]
إنزاله دفعة واحدة في خروجه عن الحكمة. و(رُوحُ الْقُدُسِ): جبريل ﵇، أضيف إلى القدس؛ وهو الطهر، كما يقال: حاتم الجود، وزيد الخير، والمراد: الروح المقدّس، وحاتم الجواد، وزيد الخير. والمقدّس: المطهر من المآثم. وقرئ: بضم الدال وسكونها. (بِالْحَقِّ) في موضع الحال، أي نزله ملتبسًا بالحكمة، يعنى: أن النسخ من جملة الحق؛ (لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا): ليبلوهم بالنسخ، حتى إذا قالوا فيه: هو الحق من ربنا والحكمة، حكم لهم بثبات القدم وصحة اليقين وطمأنينة القلوب، على أن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب، (وَهُدىً وَبُشْرى) مفعول لهما
_________________
(١) ـ قوله: (حكم لهم بثبات القدم)، جزاء لقوله: "إذا قالوا فيه، وحتى: داخلة على الجملة الشرطية"، وهي غاية لمقدر هو تعليل لقوله: (نزَلَهُ) في الحقيقة. وقوله: (على أن الله حكيم)، متعلق بـ"قالوا"، أي قالوا فيه ذلك، بناء على معتقدهم أن الله حكيم. وقيل: متعلق بثبات القدم، وفيه ضعف. المعنى: (نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ) ملتبسًا بالحق، ليبلو المؤمنين بالنسخ فيجتهدوا، ويعلموا أنه لمصالح العباد حتى إذا قالوا فيه: هو الحق من ربنا، حكم لهم بثبات القدم، ويمكن أن يقال: إن من عرف أن الله تعالى أنزل كلامه المجيد على سيد المرسلين بواسطة الروح المقدسة، علم أن ذلك لا يكون إلا نورًا وهدى، وإن لم يقف على حقيقة المراد، حتى إذا قال: هو الحق من ربنا، وآمن به ووكل علمه إلى الله تعالى، سواء كان من قسم المتشابه، أو تبديل آية مكان آية، فحينئذ حُكم له بثبات القدم والرسوخ في العلم، كقوله تعالى: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) [آل عمران: ٧]. ويعضد هذا التأويل مجيء قوله: (وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) عقيب هذا، أي: هُدى وبُشرى للذين ينقادون لحكم ربهم ويتسلمون لما ورد من جنابه الأقدس، لا كالزائغين الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وكالذين يطعنون في النسخ،
[ ٩ / ١٩٥ ]
معطوفان على محل (ليثبت). والتقدير: تثبيتا لهم وإرشادا وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم. وقرئ: (ليثبت)، بالتخفيف.
[(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)].
أرادوا بالبشر: غلاما كان لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش أو يعيش، وكان صاحب كتب. وقيل: هو جبر، غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي. وقيل عبدان: جبر ويسار، كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآان التوراة
_________________
(١) ـ هذا مُوافق لما ذهب إليه القاضي في "المنهاج" في الناسخ والمنسوخ: أن حُكمه أن يتبع المصالح فيتغير بتغيرها، وغلا فله كيف يشاء. قوله: (وفيه تعريض) أي: في إثبات التثبيت والهدى والبشارة للمؤمنين تعريض بحصول أضدادها في المشركين والزائغين، وذلك أن قوله: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ) الآية جواب عن قول المشركين: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ)، وهو قريب من باب الأسلوب الحكيم، فإنهم أرادوا بقولهم: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ): أن هذا ليس من كلام الله تعالى؛ لأن الله تعالى لا يسخر من أحد، يأمرهم اليوم بشيء وينهاهم غدًا عنه، بل هو من تلقاء نفسك، فأجيبوا بان هذا من الله، فزيد في التصوير بأن قيل: (نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ) ثم زيد قوله: (بِالْحَقِّ) لينبه على الدفع عن الطعن بألطف الوجوه، أي: تنزيله ملتبس بالحق والحكمة ومصالح الخلق، ثم النعي على قبح أفعالهم بأن قيل: (لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا) إلى آخره تعريضًا بأن أضداد هذه الخصال حاصلة فيهم، وأنهم متزلزلون ضالون موبخون منذرون بالخزي والنكال واللعن في الدنيا والآخرة، وأن أعداءهم على خلاف ذلك، ليزيد في غيظهم وحنقهم، ما أحسن هذا البيان! لله دره.
[ ٩ / ١٩٦ ]
والإنجيل، فكان رسول الله ﷺ إذا مرّ وقف عليهما يسمع ما يقرآان، فقالوا: يعلمانه، فقيل لأحدهما، فقال: بل هو يعلمني. وقيل: هو سلمان الفارسي. واللسان: اللغة. ويقال: ألحد القبر ولحده، وهو ملحد وملحود، إذا أمال حفره عن الاستقامة، فحفر في شق منه، ثم استعير لكل إمالة عن استقامة، فقالوا:
ألحد فلان في قول، وألحد في دينه. ومنه الملحد، لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها، لم يمله عن دين إلى دين.
_________________
(١) ـ قوله: (فقيل لأحدهما)، يعني: قيل لأحد هذين العبدين: أتعلمه أنت؟ فقال: بل هو يعلمني. وقيل: هذا المجيب هو سلمان الفارسي، وهو غير صحيح؛ لأن سلمان أتى النبي ﷺ بالمدينة، والآية مكية. قوله: (ثم استعير لكل إمالة عن استقامة)، الراغب: الإلحاد ضربان: إلحاد إلى الشرك بالله، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب، فالأول ينافي الإيمان ويبطله، والثاني يوهن عُراه ولا يبطله، وقال: (الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) والإلحاد في أسمائه على وجهين، أحدهما: أن يوصف بما لا يصح وصفه به، والثاني: أن يتأول أوصافه بما لا يليق به. قوله: (ومنه الملحد؛ لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها). قال الشهرستاني في كتاب "الملل والنحل": "وفرق الباطنية أوردهم أصحاب التصانيف في كتب المقالات إما خارجة عن الفرق وإما داخلة فيها، وبالجملة هم قوم مخالفون، اثنين وسبعون فرقة، ثم إن الباطنية القديمة خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة وصنفوا كتبهم على ذلك المنهاج، وسموا باطنية لأنهم يقولون: لكل ظاهر باطن، ولكل تنزيل تأويل، ولهم ألقاب كثيرة، فبالعراق: يسمون الباطنية والقرامطة والمزدكية، وبخراسان: التعليمية والملحدة، وهم يقولون: نحن إسماعيلية؛ لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الاسم وبهذا الشخص، وقال: الإسماعيلية امتازت عن الموسوية والاثني عشرية بإثبات الإمامية لإسماعيل بن جعفر، وهو ابنه الكبر المنصوص عليه في بدء الأمر".
[ ٩ / ١٩٧ ]
والمعنى: لسان الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه لسان (أَعْجَمِيٌّ): غير بين، (وَهذا) القرآن (لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ): ذو بيان وفصاحة ردّا لقولهم وإبطالا لطعنهم. وقرئ (يُلْحِدُونَ) بفتح الياء والحاء. وفي قراءة الحسن: (اللسان الذي يلحدون إليه) بتعريف اللسان. فإن قلت: الجملة التي هي قوله: (لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ) ما محلها؟ قلت: لا محل لها، لأنها مستأنفة جواب لقولهم. ومثله قوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) بعد قوله: (وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ) [الأنعام: ١٢٤].
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "يلحدون" بفتح الياء والحاء)، قرأها حمزة. قوله: (مستأنفة: جواب لقولهم)، فإنه تعالى لما قال: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) ومرجعه أنه مُفترٍ، وأن ما جاء به ليس من عند الله، اتجه لقائل أن يقول: فماذا أجاب الله عن ذلك؟ فقيل: قال: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ). قوله: (ومثله قوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: ١٢٤]، وجه التشبيه: هو أن قولهم: (لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ) [الأنعام: ١٢٣] كقولهم: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) في إثبات الشيء على خلاف ما ينبغي أن يكون عليه، ومرجعهما: أن رسول الله ﷺ مفتر، وأن ما جاء به ليس من عند الله، بل من قبل غيره، ألا ترى كيف عقبه بقوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ)؟ وخلاصة الردين: تجهيل القوم، وعدم تمييزهم بين الحق الصُّراح والباطل المحض، وأن كلامهم من الجُزاف الذي يُرمى من غير فكر وروية، ألا ترى إلى قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ) كأنه قيل: عن النبوة ليست بالمال والحسب، وإنما هي بفضائل نفسانية يختص بها من يمثله من عباده، فيجتبي لرسالته من علم أنه يصلح لها؟ فكيف تؤتونها وأنتم لستم بمكانها، بل تستحقون أن يُفعل بكم كل هوان وخزي ونكال بقولكم: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ)؛ لأن المتعلم إنما يستفيد من المعلم ما هو أعلم به، وأقدم منه، وما أتى به صلوات الله عليه كلامٌ
[ ٩ / ١٩٨ ]
[(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ * إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ)].
(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّه) أى: يعلم الله منهم أنهم لا يؤمنون (لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ) لا يلطف بهم، لأنهم من أهل الخذلان في الدنيا والعذاب في الآخرة، لا من أهل اللطف والثواب (إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ) ردّ لقولهم: (إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ) يعنى: إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن، لأنه لا يترقب عقابًا عليه، (وَأُولئِكَ) إشارة إلى قريش (هُمُ الْكاذِبُونَ) أي: هم الذين لا يؤمنون، فهم
_________________
(١) ـ عربي مبين: أي: بليغٌ فصيحٌ بلغ غايته في البلاغة والفصاحة، حيث عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله، فكيف يؤخذ من عجمي ألكن جاهل؟ قوله: «لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ): لا يلطف بهم)، وعند أهل السنة على الحقيقة. قوله: «وَأُوْلَئِكَ) إشارة إلى قريش)، اعلم أن المشار إليه بقوله: (وَأُوْلَئِكَ) إما قوله: (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) لأنه المذكور، أو قريش؛ لأن سياق الكلام فيهم، لأنهم هم الذين قالوا: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ)، وقالوا: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ). فعلى الأول عام في قريش وغيرهم، وحينئذ يكون التعريف في (الْكَاذِبُونَ) للجنس، وإليه الإشارة بقوله: (هُمْ الْكَاذِبُونَ) على الحقيقة، الكاملون في الكذب، فيدخل في هذا العام قريش دخولًا أوليًا، يعني: المفتري مطلقًا من لا يؤمن بالله ولا بآياته، وهو الكامل فيه؛ لأن تكذيب آيات الله لا شيء أعظم منه. وأما الثاني فعلى وجهين: أحدهما: (الْكَاذِبُونَ): مطلق فلا يقدر في أي شيء كذبوا، وهو أيضًا على وجهين: إما أن يكون قوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) عامًا والكلام واردٌ على الاستدراج، المعنى: اعلموا أن المفتري منا ومنكم: الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا بعقابه، فلا يبالي بالكذب، وقد ظهر أنكم الموصوفون بذلك، فيلزم أنكم الكاذبون، ودل على هذا الاستلزام الفاء في قوله: "فهم الكاذبون". وإما أن يُراد
[ ٩ / ١٩٩ ]
الكاذبون، أو: إلى الذين لا يؤمنون، أي: أولئك هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأنّ تكذيب آيات الله أعظم الكذب. أو: أولئك هم الذين عادتهم الكذب لا يبالون به في كل شيء، لا تحجبهم عنه مروءة ولا دين. أو: أولئك هم الكاذبون في قولهم: (إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ) [النحل: ١٠١].
[(مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ* ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ* أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ* لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ)].
(مَنْ كَفَرَ) بدل من (الذين لا يؤمنون بآيات الله) [سورة النحل: ١٠٥]، على
_________________
(١) ـ بالذين لا يؤمنون: قريش، وكان من حق الظاهر: لم يؤمنوا، فعدل إلى: (لا يُؤْمِنُونَ) لإفادة الاستمرار، أي: المفتري: من استمر على الكفر ولم يتوقع منه تجدد الإيمان، فيستمر على الكذب ويصير دأبه وعادته؛ لأن الرادع من الكذب المروءة، ومن لا إيمان له لا مروءة له، وإليه الإشارة بقوله: "أولئك هم الذين عادتهم الكذب" لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين. وثانيهما: (الْكَاذِبُونَ) مقيدٌ بحسب اقتضاء المقام، وهو المراد من قوله: (أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ) في قولهم: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ). قوله: «مَنْ كَفَرَ): بدل من: (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ»، فإن قلت: كيف يصح البدل، وأن قوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ) رد لقول قريش: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) وهم ما كفروا بعد الإيمان؟ قلت: كلما كان الرد أبلغ كان في الإفحام أدخل. وإنما عدل من ظاهر قوله: "بل أنتم مفترون" إلى قوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ
[ ٩ / ٢٠٠ ]
أن يجعل (وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ) [النحل: ١٠٥] اعتراضًا بين البدل والمبدل منه. والمعنى: إنما يفترى الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه. واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال (وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا) أي: طاب به نفسا واعتقده، (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ) ويجوز أن يكون بدلا من المبتدأ الذي
_________________
(١) ـ لا يُؤْمِنُونَ) ليكون إشعارًا بأن بين الإيمان وبين الكذب منافاة، والكذب من شيمة من عدم الإيمان، تعريضًا بهم، وبعثًا على التفكر في أن الكاذب منه ومنهم من هو، ثم إذا ذهب إلى إبدال: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) [النحل: ١٠٦] منه على أن المراد: من كان متمكنًا من الإيمان، ثم أعرض للعناد والتمرد، كقوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: ١٦] بلغ الغاية القُصيا في المطلوب، وأيضًا جعل ذلك سُلمًا وتخلصًا إلى ما فعلوا بأولئك السادة من المثلة، والصد عن الدين، فإنه أشنع وأقبح. قوله: «شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا) أي: طاب به نفسًا)، بين بهذا مآل معناه وإعرابه، أما المعنى، فلأن الشرح هو الكشف، تقول: شرحت الغامض: إذا فسرته، فإن الغامض مما يضيق به الصدر ولا تطيب به النفس. وأما الإعراب، فلأن (نَفْسًا): منصوب على التمييز، كذا (صَدْرًا)، وفي "اللباب"، أي: شرح صدره، فصرف الفعل إلى المضاف فانتصب على التمييز، فكأنه قال: شرحه صدرًا، أي: قبله على اختيار. الراغب: أصل الشرح: بسط اللحم ونحوه، يقال شرحت اللحم وشرحته، ومنه شرح الصدر، أي: بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح: ١]، وشرح المشكل من الكلام: بسطه وإظهار معانيه. قوله: (ويجوز أن يكون بدلًا من المبتدأ)، عطف على قوله: " (وَمَنْ كَفَرَ): بدل من (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) ".
[ ٩ / ٢٠١ ]
هو (أُولئِكَ) على: ومن كفر بالله من بعد إيمانه هم الكاذبون. أو من الخبر الذي هو (الكاذبون)، على: وأولئك هم من كفر بالله من بعد إيمانه. ويجوز أن ينتصب على الذمّ. وقد جوّزوا أن يكون (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ) شرطًا مبتدأ، ويحذف جوابه، لأنّ جواب (مَنْ شَرَحَ) دال عليه، كأنه قيل: من كفر بالله فعليهم غضب، إلا من أكره، ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب. روى: أنّ ناسًا من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان، منهم عمار، وأبواه ياسر وسمية، وصهيب، وبلال،
_________________
(١) ـ قوله: (وقد جوزوا أن يكون (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ) شرطًا مبتدأ)، وهو قول أبي علي الجبائي، أي: من كفر استحق الغضب والعقاب إلا من أكره. قوله: (رُوي أن ناسًا من أهل مكة فُتنوا) إلى آخره، ذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب": عن ابن عمر: كان عمار وأمه سمية ممن عُذب في الله، ثم أعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه واطمأن قلبه بالإيمان، فنزلت الآية، وهذا مما اجتمع عليه أهل التفسير. وروى النسائي، عن عمر بن شرحبيل، عن رجل من الصحابة، قال: قال رسول الله ﷺ: "مُلئ عمارٌ إيمانًا إلى مُشاشه". المُشاش، بالضم: جمعُ مشاشةٍ، وهي رؤوس العظام اللينة. قوله: (منهم عمارٌ)، مبتدأ وخبرٌ، "وأبواه" مع ما بعده معطوف على "عمار"، وقوله: "عُذبوا": جملة مستأنفة، فكأنه قيل: ما فُعل بهم؟ فقيل: عُذبوا، ونظيره قوله تعالى: (مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا) [الأحزاب: ٢٣] إلا أن صدقوا: صفة لرجال، هذا على أن عمارًا ممن عُذب على ما روي في "الاستيعاب"، فقوله: "فأما سُمية وأما عمارٌ" تفصيلٌ لقوله: "عُذبوا"، وقيل أبواه: مبتدأ والخبر: "عُذبوا"، وأن عمارًا ما عُذبَ على ما عليه ظاهر كلام المصنف.
[ ٩ / ٢٠٢ ]
وخباب، وسالم: عذبوا، فأمّا سمية: فقد ربطت بين بعيرين ووجيء في قبلها بحربة، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال. فقتلت، وقتل ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها. فقيل: يا رسول الله، إن عمارًا كفر، فقال: «كلا، إنّ عمارًا مليء إيمانًا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» فأتى عمار رسول الله ﷺ وهو يبكى، فجعل النبي ﷺ يمسح عينيه، وقال: «مالك؟ ! إن عادوا لك فعد لهم بما قلت» ومنهم جبر مولى الحضرمي، أكرهه سيده فكفر، ثم أسلم مولاه وأسلم، وحسن إسلامهما، وهاجرا. فإن قلت: أي الأمرين أفضل، أفعل عمار أم فعل أبويه؟ قلت: بل فعل أبويه، لأنّ في ترك التقية والصبر على القتل إعزازًا للإسلام. وقد روى: أنّ مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال رسول الله. قال: فما تقول في؟ قال: أنت أيضا، فخلاه. وقال للآخر: ما تقول في محمد؟
_________________
(١) ـ قوله: (إعزازًا للإسلام)؛ لأن المخالف إذا رأى أن المسلم يبذلُ ماله وروحه دون دينه أيقن أن مثل هذا الدين لا يكون إلا حقًا، ينصره قوله تعالى: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، أي: يشكون في دينهم، يقولون: ما رجعوا، وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمرٍ قد تبين لهم. يؤيده ما روينا في "صحيح البخاري" و"مسلم"، عن أبي سفيان: أن هرقل سأله عن رسول الله ﷺ وأصحابه: "هل يرتد أحدٌ منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال: … وكذلك الإيمانُ إذا خالط بشاشته القلوب … " الحديث.
[ ٩ / ٢٠٣ ]
قال: رسول الله. قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنا أصمّ. فأعاد عليه ثلاثًا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «أما الأوّل فقد أخذ برخصة الله. وأمّا الثاني فقد صدع بالحق فهنيئًا له» (ذلِكَ) إشارة إلى الوعيد، وأنّ الغضب والعذاب يلحقانهم بسبب استحبابهم الدنيا على الآخرة، واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم، (وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ): الكاملون في الغفلة، الذين لا أحد أغفل منهم، لأنّ الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها.
_________________
(١) ـ قوله: (واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم)، جعل سبب وعيد من شرح بالكفر صدرًا - وهم الذين ارتدوا بعدما دخلوا في الإسلام - شيئين؛ أحدهما: استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، وفيه إشارة إلى فضل ما فعل أبو عمار على عمار. وثانيهما: استحقاق خذلان الله بكفرهم، وإنما علل الخذلان بالكفر؛ لأن قوله: (لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) من وضع المظهر موضع المضمر للعلية. ثم آذن بأنهم أحقاء بأن يطبع على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم لذلك الوصفين بقوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ)، وتمم بقوله: (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ)، واللام للجنس، ليفيد ما قال: "أولئك هم الكاملون في الغفلة"، أي: إن تصور حقيقة الغافلين، فهم لا يعدون تلك الحقيقة، ومن ثم قال: "الذين لا أحد أغفل منهم، ثم لما أراد أن يبين البون بين الفريقين والبُعد بين المرتبتين، أعني: الثابتين على الإسلام، والناكصين عنه، قيل: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا) الآية، وإليه الإشارة بقوله: "دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك". وقوبل تلك التوكيدات السابقة بمجرد اللام في قوله: (لِلَّذِينَ هَاجَرُوا) حيث أوقعه خبرًا لـ "إن"، على ما قال: "إنه لهم لا عليهم، بمعنى أنه وليهم وناصرهم لا عدوهم وخاذلهم"، يدل على المقابلة تفسير المؤلف قوله: (وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) بقوله: "واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم"، ووضع المظهر موضع المضمر في المتقابلين؛ لأن قوله: (لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا) وُضع موضع الراجع إلى قوله: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)، ففي الآيات جمعٌ مع التقسيم والتفريق، فالجمع:
[ ٩ / ٢٠٤ ]
[(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ* يَوْمَ تَاتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)].
(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ) دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك، وهم عمار وأصحابه. ومعنى: إنّ ربك لهم، أنه لهم لا عليهم، بمعنى أنه وليهم وناصرهم لا عدوّهم وخاذلهم، كما يكون الملك الرجل لا عليه، فيكون محميًا منفوعًا غير مضرور. (مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا) بالعذاب والإكراه على الكفر.
وقرئ: (فُتِنُوا) على البناء للفاعل، أي: بعد ما عذبوا المؤمنين،
_________________
(١) ـ قوله: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ)، والتقسيم: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ)، (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا)، والتفريق: (وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي)، و(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا)، والله أعلم بمراده من كلامه. ونحن إنما ساعدنا تفسيره (لا يَهْدِي) بالخذلان، وتعليله بالكفر، ليقابله قوله: (لِلَّذِينَ هَاجَرُوا) إلى قوله: (لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)؛ لأن الغفران مقابل للخذلان؛ لأنا نثبت للعبد أيضًا قدرة تميز بين الفعل الاختياري والقسري لتقوم حجة الله على عباده، وعُلم من مفهوم كلامه أن قوله: (ِلَّذِينَ هَاجَرُوا): خبرُ "إن"، والمقدر نحو ناصرٌ وولي للذين هاجروا، لقرينة قوله: خذلان الله بكفرهم، لأنه مقابل له، كما سبق. وقال أبو البقاء: خبر "إن": (لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، و"إن" الثانية واسمها: تكرير للتوكيد، ومثله في هذه السورة: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) [النحل: ١١٩] الآية. وقيل: خبره محذوف؛ لأن خبر الثانية أغنى عن ذلك. قوله: (وقرئ: "فتنوا"، على البناء للفاعل)، قرأها ابن عامر.
[ ٩ / ٢٠٥ ]
كالحضرمي وأشباهه. (مِنْ بَعْدِها): من بعد هذه الأفعال؛ وهي الهجرة والجهاد والصبر. (يَوْمَ تَاتِي) منصوب بـ (رحيم). أو بإضمار: اذكر. فإن قلت: ما معنى النفس المضافة إلى النفس؟ قلت: يقال لعين الشيء وذاته: نفسه، وفي نقيضه غيره، والنفس: الجملة كما هي، فالنفس الأولى: هي الجملة، والثانية عينها وذاتها، فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره، كل يقول: نفسي نفسي.
_________________
(١) ـ قوله: (كالحضرمي وأشباهه)، بيان للفاعل في"عذبوا"، فإن الحضرمي كما سبق في "الكشاف" عذب عبده جبرًا وأكرهه على الكفر، ثم أسلم الحضرمي. قوله: «مِنْ بَعْدِهَا) من بعد هذه الأفعال، وهي الهجرة والجهاد والصبر)، بناء على أن الثانية ليست بتكرير، وعلى قول أبي البقاء: التقدير (إِنَّ رَبَّكَ) من بعد الفتنة والجهاد والصبر. قوله: «يَوْمَ تَاتِي): منصوب بـ (رَّحِيمُ) أو بإضمار: اذكر)، والأول أدخل في تأليف النظم، ليقابل قوله: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ) [النحل: ١٠٩]. قوله: (فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته)، قال صاحب "الفرائد": المغايرة شرط بين المضاف والمضاف إليه لامتناع النسبة بدون المنتسبين، فلذلك قالوا: يمتنع إضافة الشيء إلى نفسه، إلا أن المغايرة قبل الإضافة كافية، وهي محققة هاهنا؛ لأن من مطلق النفس لا يلزم نفسك، ومن نفسك يلزم النفس، فلما أضيف ما لا يلزم أن يكون نفسك إلى نفسك، ومن نسك يلزم النفس، فلما أضيف ما لا يلزم أن يكون نفسك إلى نفسك صحت الإضافة، وإن اتحدتا بعد الإضافة، فلهذا جاز "عين الشيء"، و"نفس الشيء"، و"كل الشيء"، ونحوها، ولما لم تكن المغايرة قبل الإضافة في الأسد والليثن والحبس والمنع، لم يجز: أسد الليث: وحبس المنع، وإنما قلنا: إن الاتحاد بعد الإضافة لا
[ ٩ / ٢٠٦ ]
ومعنى المجادلة عنها: الاعتذار عنها، كقوله: (هؤُلاءِ أَضَلُّونا) [الأعراف: ٣٨]، (ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣]، ونحو ذلك.
[(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَاتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ* وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ)].
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً) أي جعل القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم الله
_________________
(١) ـ يُخل بالإضافة؛ لأن الاتحاد يحصل بالاختصاص، والاختصاص يحصل بالإضافة، فيكون الاتحاد أثر الإضافة، فكيف يكون مانعًا للإضافة؟ وقلت: قول المصنف: "فالنفس الأولى هي الجملة، والثانية عينها، معناه: أن اعتبار الماهية غير اعتبار الجملة، فإن الجملة يقع فيها اعتبار الماهية مع اعتبار أفرادها. قوله: (أي: جعل القرية التي هذه حالها مثلًا)، ضمن (ضَرَبَ) معنى (جعلَ) ليصح المعنى؛ لأن معنى ضرب المثل: اعتماده وصنعهن من ضرب اللبن والخاتم، كأنه جعل القرية الموصوفة بما يليها مفعولًا أولًا، و"مثلًا": مفعولًا ثانيًا، وقريبٌ منه ذكر مكي في قوله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ) [يس: ١٣] قال: أصح ما يعطي القياس والنظر في "مثل" و"أصحاب" أنهما مفعولان لـ"اضرب"، دليله قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ) [يونس: ٣٤]، فلا اختلاف أن (مَثَلَ الْحَيَاةِ): ابتداء و(كَمَاءٍ): خبره. وقال في موضع آخر: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ) [الكهف: ٤٥]، فدخل "اضرب" على الابتداء والخبر، فعمل فيهما، فقد تعدى "اضرب" الذي هو لتمثيل الأمثال إلى مفعولين بلا خلاف في هذا، فوجب أن يجري في غير هذا الموضع على ذلك. والفاء في قوله: "فيجوز أن يُراد قرية" تفصيلية، والفاء في "فضربها الله مثلًا" متعلق بقوله: "أن يكون في قرى الأولين قرية".
[ ٩ / ٢٠٧ ]
عليهم فأبطرتهم النعمة، فكفروا وتولوا، فأنزل الله بهم نقمته. فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون في قرى الأوّلين قرية كانت هذه حالها، فضربها الله مثلا لمكة؛ إنذارًا من مثل عاقبتها (مُطْمَئِنَّةً): لا يزعجها خوف، لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف. (رَغَدًا): واسعًا. والأنعم: جمع نعمة، على ترك الاعتداد بالتاء، كدرع وأدرع. أو: جمع نعم، كبؤس وأبؤس. وفي الحديث: نادى منادى النبي ﷺ بالموسم بمنى: «إنها أيام طعم ونعم فلا تصوموا». فإن قلت: الإذاقة واللباس استعارتان، فما وجه صحتهما؟ والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار، فما وجه صحة إيقاعها عليه؟ قلت: أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى
_________________
(١) ـ قوله: (إنها أيام طُعم ونُعم)، وفي رواية لمسلم: أنه صلوات الله عليه أمر خادمه أن ينادي أيام التشريق: إنها أيام أكل وشرب. قوله: (الإذاقة واللباس استعارتان)، خلاصة السؤال: أنه سأل عن بيان استعارة (فَأَذَاقَهَا) واستعارة (لِبَاسَ الْجُوعِ)، وعن نسبة أحداهما إلى الأخرى، فإنه تعالى أوقع إحدى الاستعارتين مفعولًا للأخرى. قوله: (أما الإذاقة)، يريد أن الإذاقة بعدما كانت مستعارة للإدراك والإصابة، صارت حقيقة في الإصابة بسبب كثرة استعمالها وشيوعها فيها، ثم انتهض لبيان الجواب عن الاستعارة الأولى على سبيل الاستئناف، بأن قال: شبه ما يدرك، أي: شبه ما يدرك الإنسان من أثر الضرر بما يحس من طعم أمر والبشع، ثم أدخل المشبه في جنس ما يدرك من الطعم ثم أطلق ما يدرك بالفعل على اسم ما يحس بالفم، هذا تقرير أصل الاستعارة، وأنها مسبوقة لمثل هذا التشبيه، لا بيان أنها استعارة تبعية؛ لأن قوله: "ما يدرك من أثر الضرر"، بفتح
[ ٩ / ٢٠٨ ]
الحقيقة؛ لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمسّ الناس منها، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب؛ شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم
_________________
(١) ـ الراء، اسم مفعول، وهو مثل الفعل في امتناع إيقاع الاستعارة فيه لامتناع وقوعه موصوفًا، ولو أريد تقرير التبعية لقيل: شُبهت إصابة العذاب ولحوقه بهم بإذاقة الطعم البشع المر، ثم سرت الاستعارة من الإذاقة إلى "أذاق"، فيكون استعارة مصرحة تبعية؛ لأن المشبه المتروك أمرٌ عقلي، وإنما اضطر إلى هذا التأويل، لأن الاستعارة وقعت في لباس الجوع، وقد فرع عليها (فَأَذَاقَهَا)، وهو لا يناسبها ترشيحًا ولا تجريدًا فيُجعل بمعنى الإصابة ليكون تجريدًا. الراغب: الذوق: وجود الطعم بالفم، وأصله فيما يقل تناوله دون ما يكثر، فإن ما يكثر منه يقال له: الأكل، واختير في التنزيل لفظ الذوق في العذاب لأن ذلك وإن كان في التعاريف للقليل فهو مستصلح للكثير، فخصه بالذكر ليعم الأمرين، وكثر استعماله في العذاب نحو: (لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) [النساء: ٥٦]، وقد جاء في الرحمة نحو: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً) [هود: ٩] ويعبر به عن الاختبار، فيقال: أذقته كذا فذاق. ويقال: فلان ذاق كذا، وأنا أكلته، أي: خبرته أكثر مما خبر. وقال: الطعم: تناول الغذاء، ويسمى ما يتناول منه طعم وطعام، ورجل طاعم: حسن الحال. وقوله تعالى: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ)، فاستعمال الذوق مع اللباس من أجل أنه أريد به التجربة والاختبار، أي: فجعلها بحيث تمارس الجوع والخوف. وقيل: إن ذلك على تقدير كلامين، كأنه قيل: أذاقها الجوع والخوف وألبسها لباسهما.
[ ٩ / ٢٠٩ ]
المرّ والبشع. وأما اللباس فقد شبه به؛ لاشتماله على اللابس: ما غشى الإنسان والتبس به من بعض الحوادث. وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس، فكأنه قيل: فأذاقه ما غشيهم من الجوع والخوف، ولهم في نحو هذا طريقان لا بد من الإحاطة بهما، فإن الاستنكار لا يقع إلا لمن فقدهما، أحدهما: أن ينظروا فيه إلى المستعار له، كما نظر إليه هاهنا، ونحوه قول كثير:
_________________
(١) ـ قوله: (وأما اللباس)، هذا هو الجواب عن بيان الاستعارة الثانية، أي: شبه ما يغشى الإنسان ويتلبس به من أثر الجوع والخوف باللباس الحقيقي، والجامع: كونهما مشتملين على الإنسان وغاشيين له، ثم أطلق اسم اللباس على ما يغشى الإنسان من أثرهما، وجعل إضافته إليهما قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة، فهي استعارة مصرحة أصلية تحقيقية، لكون المشبه المتروك عقليًا. قوله: (وأما إيقاعُ)، هو الجواب عن نسبة إحدى الاستعارتين إلى الأخرى، وتقريره أن نسبة الاستعارة الأولى إلى الثانية بعدما جُعلت حقيقة في الإصابة والإدراك بسبب كثرة الاستعمال نسبة تفريع شيء على أصلن ولما كانت الإذاقة التي هي بمعنى الإصابة صفة ملائمة لغشيان الجوع والخوف المشبه باللباس جُعلت تجريدًا لها، وهذا هو المراد من قوله: "فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى-أي: فلان اللباس لما وقع عبارة عما يغشى - منهما" فكأنه قيل: فأذاقهم، أي: أصابهم ما غشيهم. قوله: (ولهم في نحو هذا)، أي: العرب في نحو تفريع أذاقها على لباس الجوع، طريقان: طريق التجريد، وهو أن يُفرع على الاستعارة بعد تمامها صفة ملائمة للمستعار له كما نحن بصدده. وطريق الترشيح، وهي أن يُقرع عليها صفة ملائمة للمستعار منه كما في المثال الآتي،
[ ٩ / ٢١٠ ]
غَمْرُ الرِّدَاءِ إذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكًا … غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقَابُ المَالِ
استعارة الرداء للمعروف، لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه. ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال، لا صفة الرداء، نظر إلى المستعار له. والثاني: أن ينظروا فيه إلى المستعار، كقوله:
يُنَازِعُنِي رِدَائِي عَبْدُ عَمْرٍو … رُوَيْدَكَ يَا أَخَا عَمْرِو بْنِ بَكْر
لِيَ الشّطْرُ الَّذِى مَلَكَتْ يَمِينِى … وَدُونَكَ فَاعْتَجِرْ مِنْهُ بِشَطْرِ
_________________
(١) ـ قوله: (غمرُ الرداء إذا تبسم) البيت، "غمر الرداء" أي: كثيرُ العطاء، يقال: غلق الرهن: إذا استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يفتك في الوقت المشروط. قال زهير: وفارقتك برهن لا فكاك له … يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا أي: ارتهنت قلبه فذهبت به، يقول: إذا ضحك ضحكة أيقن السائل أنه بذلك التبسم استغلق رقاب ماله ويعطي بلا خلاف. قوله: (ووصفه بالغمر الذي هو وصف للمعروف)، أي: فرع على المستعار له، لأن الغمر مناسب للمعروف لا على المستعار؛ لأن الغمر غير مناسب للرداء. وقلت: وفيه عدول عن الظاهر؛ لأن الغمر ليس صفة حقيقية للنوال والمعروف، بل هو وصف للبحر المستعار أولًا للمعروف، يقال: غمره الماء يغمره غمرًا، أي: علاه، والغمر: الماء الكثير، فهو هاهنا تجريد للاستعارة بعد أن كان ترشيحًا، وهذا المثال المستشهد به يشبه استعماله استعمال الآية في أن التجريد ليس تجريدًا محضًا. قوله: (ينظروا فيه إلى المستعار)، أي: المستعار منه. قوله: (ينازعني ردائي)، البيتين، الاعتجار: لف العمامة من غير إدارة تحت الحنك.
[ ٩ / ٢١١ ]
أراد بردائه سيفه، ثم قال: (فاعتجر منه بشطر)، فنظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقيل: فكساهم لباس الجوع والخوف، ولقال كثير: ضافي الرداء إذا تبسم ضاحكا. (وَهُمْ ظالِمُونَ) في حال التباسهم بالظلم، كقوله: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) [النحل: ٢٨] نعوذ بالله من مفاجأة النقمة والموت على الغفلة. وقرئ: (وَالْخَوْفِ) عطفًا على اللباس، أو على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. أصله: ولباس الخوف. وقرئ: (لباس الخوف والجوع).
[(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ* إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
لما وعظهم بما ذكر من حال القرية وما أوتيت به من كفرها وسوء صنيعها،
_________________
(١) ـ الجوهري: الاعتجار: لف العمامة على الرأس. قال الراجز: جاءت به معتجرًا ببرده يقول: يجاذبني سيفي عبد عمرو، يريد أن يأخذه مني، فقلت: رويدك! فلي النصف الأعلى منه الذي هو في يميني، وخُذ أنت النصف الأخير منه، فلف على راسك. ومثله قول الآخر: تقاسمهم أسيافنا شر قسمة … ففينا غواشيها وفيهم صدورها قوله: (ضافي الرداء)، أي: سابغه. قوله: (وما أوتيت به من كفرها)، أي: أهلكت، الضمير في (به) للموصول، يقال: أتى عليهم الدهر، أي: اهلكهم وأفناهم، وأصله من إتيان العدو.
[ ٩ / ٢١٢ ]
وصل بذلك بالفاء في قوله: (فَكُلُوا)؛ صدّهم عن أفعال الجاهلية ومذاهبهم الفاسدة التي كانوا عليها، بأن أمرهم بأكل ما رزقهم الله من الحلال الطيب، وشكر
_________________
(١) ـ قوله: (وصل بذلك بالفاء في قوله: (فَكُلُوا) صدهم عن أفعال الجاهلية ومذاهبهم الفاسدة)، بيان لربط الآيات من لدن مفتتح السورة، ولقد أسلفنا أن هذه السورة في بيان سوء أفعال قريش وقبائحهم، وفي تذكارهم ما خول الله لهم من أنواع النعم، وفي إنذارهم بنقم الله، وما حل بمن سبق من الأمم الخالية، ولما عدد عليهم النعم المتكاثرة من ذكر الأنعام وفوائدها وثمرات النخيل ومنافع ما يصل إليهم من النحل، وأنذرهم بأنواع من النذر، ثم نعى عليهم ما كانوا يفترون على الله من اتخاذ البنات، وقال: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمْ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى) [النحل: ٦٢]، وأراد أن يذكر نوعًا آخر من أفعالهم، وهو تحليلهم بأهوائهم ما حرم الله من أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وتحريمهم ما أحله الله من البحائر والسوائب والوصائل والحام، وقولهم: (مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا) [الأنعام: ١٣٩]، عقب ذلك ضرب المثل بقوله: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً) الآية، ليكون التخلص إلى قوله: (فَكُلُوا)، فردف بقوله: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ)، ويدل عليه تكرير قوله: (تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ). فظهر من هذا التقرير أن المأمور به هو ما عدد الله من أول السورة من المأكول والمشروب. أما المأكول فمنها قوله: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ) إلى (وَمِنْهَا تَاكُلُونَ) [النحل: ٥] ومنها قوله: (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) [النحل: ١١]، ومنها قوله: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) [النحل: ١٤]، وأما المشروب فمنها قوله: (أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ) [النحل: ١٠]، ومنها قوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) [النحل: ٦٦]،
[ ٩ / ٢١٣ ]
إنعامه بذلك، وقال: (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) يعنى: تطيعون. أو إن صحّ زعمكم أنكم تعبدون الله بعبادة الآلهة، لأنها شفعاؤكم عنده. ثم عدد عليهم محرمات الله، ونهاهم عن تحريمهم وتحليلهم بأهوائهم وجهالاتهم، دون اتباع ما شرع الله على لسان أنبيائه.
[(وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ* مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)].
وانتصاب (الْكَذِبَ) بـ (لا تقولوا)، على: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم: (ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا) من غير استناد ذلك الوصف إلى وحى من الله أو إلى قياس مستند إليه. واللام مثلها في قولك: ولا تقولوا لما أحل الله هو حرام. وقوله: (هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ) بدل من (الكذب). ويجوز أن يتعلق بـ (تصف) على إرادة القول، أى: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم، فتقول: هذا
_________________
(١) ـ ومنها: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا) [النحل: ٦٧]، ومنها: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) [النحل: ٦٩]، والله أعلم. قوله: (أو إن صح زعمكم أنكم تعبدون الله)، يعني: جاءت الشرطية مؤكدة للكلام، فإما أن تُحمل العبادة على الطاعة ليطابق الأمر، وهو: (فَكُلُوا)، أو أن تُجرى على حقيقتها، لكن على الزعم الكاذب. قوله: (وانتصاب "الكذب" بـ (لا تَقُولُوا»، وهو يحتمل أن يكون مفعولًا به، وأن يكون مفعولًا مطلقًا، وقد مضى عن ابن الحاجب أن مثل هذا يبتني على أن القول يتعدى أو لا يتعدى، ففيه قولان: فإن تعدى فهو مفعول به، وإلا فمفعول مطلق. قوله: (ويجوز أن يتعلق- أي: (هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) - بـ (تَصِفُ) على إرادة القول)،
[ ٩ / ٢١٤ ]
حلال وهذا حرام. ولك أن تنصب (الكذب) بـ (تصف)، وتجعل «ما» مصدرية، وتعلق (هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ) بـ (لا تقولوا)، على: ولا تقولوا: هذا حلال وهذا حرام؛ لوصف ألسنتكم الكذب، أى: لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم ويجول في أفواهكم، لا لأجل حجة وبينة، ولكن قول ساذج ودعوى فارغة. فإن قلت: ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت: هو من فصيح الكلام وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه، فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب
_________________
(١) ـ فالفاء في: "فتقول" في الكتاب كالفاء في قوله: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤]. قوله: (ولك أن تنصب (الْكَذِبَ) بـ (تَصِفُ)، عطف على قوله: "وانتصاب الكذب بـ (لا تَقُولُوا) "، و(مَا): مصدرية، واللام بمعنى: لأجل، وعلى الأول موصولة، واللام صلة لقوله: (لا تَقُولُوا). قوله: (جعل قولهم كأنه عينُ الكذب ومحضه)، قال الإمام والقاضي: كأن ماهية الكذب وحقيقته مجهولة، وكلامهم يكشف عن حقيقة الكذب ويوضح ماهيته، أراد أن قوله: (تَصِفُ) بمعنى: توضح وتبين؛ لأن بعض الصفات بمنزلة الكاشف عن المحدود، والتعريف في الكذب للجنس، فكأن ألسنتهم إذا أخذت في النطق وصفت ذلك الجنس وكشفت عن حقيقته، عليه قول أبي العلاء: سرى برق المعرة بعد وهن … فبات برامة يصف الكلالا هذا، وأما ما عليه ظاهر كلام المصنف، فهو أن أصل الكلام لا تقولوا: هذا حلال وهذا حرامٌ، لأجل قولكم الكذب. فالقول وصف بالكذب في قوله: "لأجل قول تنطق به ألسنتكم" ليؤذن بأن ذلك تفوه وتقول من غير تحقيق، كقوله: (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ) [الأحزاب: ٤]، وإليه الإشارة بقوله "لا لأجل حجة وبينة"، ثم زيد في المبالغة بأن قيل: (تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ) ليُعلم أن قولهم- لكثرة اتصافه بالكذب- صار بمنزلة
[ ٩ / ٢١٥ ]
بحليته وصوّرته بصورته، كقولهم: ووجهها يصف الجمال. وعينها تصف السحر، وقرئ: «الكذب» بالجرّ صفة لـ (ما) المصدرية، كأنه قيل: لوصفها الكذب، بمعنى
_________________
(١) ـ الواصف له، فإذا نطقت ألسنتهم بالكذب، فقد حلت الكذب بحليته، ونحوه في المبالغة: نهاره صائم وليله قائم، فوصف اليوم الذي يصوم فيه هذا الشخص بصفته، لكثرة صدور هذا الفعل فيه، ولذلك وجهها كان موصوفًا بالجمال الفائق، ثم صار حقيقة الجمال ومنبعه، بحيث هو الذي يصف الجمال، كقول القائل: أضحت يمينك من جود مصورة … لا بل يمينك منها صورة الجود فالأسلوب من الإسناد المجازي. أو تقول: إن وجهها يصف الجمال بلسان الحال، على الاستعارة المكنية، بأن تقول: إنما بي من الشكل والغنج والدلال والملاحة، هو الجمال بعينه، وقريب منه: وبي ظبي أنس كمل الله حسنه … وقال لأبصار الخلائق عوذي وعن بعضهم: يعني وجهه يذكر ويظهر فيه شيئًا فيه الجمال، وهو الملاحة التي هي سبب الجمال. قوله: (صفة لـ"ما" المصدرية)، وهي حرف، والحروف لا توصف، والمراد وصف "ما" مع مدخولها، وهو وصف ألسنتكم، ويُعلم منه أن "ما" مع ما بعدها معرفة؛ لأنها شبيهة بـ"أن" المصدرية وهي حرف والحروف لا توصف، وهي مع ما بعدها معرفة. قال أبو البقاء في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا): الجمهور على فتح اللام على أن اسم "كان" ما بعد "غلا"، وهو أقوى من أن يُجعل خبرًا، والأول اسمًا؛ لأن (أَنْ قَالُوا) يُشبه
[ ٩ / ٢١٦ ]
الكاذب، كقوله تعالى: (بدَمٍ كَذِبٍ) [يوسف: ١٨] والمراد بالوصف: وصفها البهائم بالحل والحرمة. وقرئ: «الكذب» جمع كذوب بالرفع، صفة للألسنة، وبالنصب على الشتم. أو بمعنى: الكلم الكواذب، أو هو جمع الكذاب من قولك: كذب كذابا، ذكره ابن جني. واللام في (لِتَفْتَرُوا) من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض. (مَتاعٌ قَلِيلٌ) خبر مبتدأ محذوف، أى منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة وعقابها عظيم.
[(وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)].
_________________
(١) ـ المضمر في أنه لا يوصف وهو أعرف، وذهب هنا إلى أن الكذب: بدل من "ما"، سواء جعلتها مصدرية أو بمعنى "الذي". وكذا عن ابن جني. قوله: «بِدَمٍ كَذِبٍ) [يوسف: ١٨]، قال أي: ذي كذب، أو وصفٌ بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب. قوله: (أو هو جمع الكذاب)، قال أبو البقاء: ويقرأ بضم الكاف والذال وفتح الباء، وهو جمع كذاب، بالتخفيف، مثل: كتاب وكتب، وهو مصدرٌ. وهي معنى قراءة من قرأ بفتح الكاف والباء وكسر الذال، وهو منصوب بـ (تَصِفُ) و"ما" مصدرية. قوله: (ذكره ابن جني)، وعن بعضهم: ابن جنين بسكون الياء، وليست بياء النسب، وهو في الأصل ك ني فعُرب وبُني بالسكون، وكذا وجدت بخط مولاي بهاء الدين القاشي ﵀. قوله: (من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض)، فيكون للعاقبة والصيرورة.
[ ٩ / ٢١٧ ]
(ما قَصَصْنا عَلَيْكَ) يعني: في سورة الأنعام.
[(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)].
(بِجَهالَةٍ) في موضع الحال، أى: عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه، أو: غير متدبرين للعاقبة؛ لغلبة الشهوة عليهم (مِنْ بَعْدِها) من بعد التوبة.
[(إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)].
(كانَ أُمَّةً) فيه وجهان، أحدهما: أنه كان وحده أمّة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير، كقوله:
وَلَيْسَ عَلَى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ … أنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِى وَاحِدِ
_________________
(١) ـ قوله: (يعني: في سورة الأنعام)، أي: قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) [الأنعام: ١٤٦] الآية، واتصال هذه بما قبلها كاتصالها به، وسيجيء بيان الربط إن شاء الله. قوله: (ليس من الله بمستنكر) البيت، يروى "لله"، يعني: أن الله تعالى قادرٌ على أن يجمع في واحد ما في اناس من معاني الفضل والكمال.
[ ٩ / ٢١٨ ]
وعن مجاهد: كان مؤمنًا وحده والناس كلهم كفار. والثاني: أن يكون (أمّة) بمعنى: مأموم، أي: يؤمّه الناس؛ ليأخذوا منه الخير، أو بمعنى: مؤتم به كالرحلة والنخبة، وما أشبه ذلك مما جاء من فعلة بمعنى مفعول، فيكون مثل قوله: (قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا) وروى الشعبي عن فروة بن نوفل الأشجعى عن ابن مسعود أنه قال: إنّ معاذًا كان أمّة قانتًا لله، فقلت: غلطت، إنما هو إبراهيم. فقال: الأمّة: الذي يعلم الخير. والقانت: المطيع لله ورسوله، وكان معاذ كذلك. وعن عمر ﵁- أنه قال حين قيل له: ألا تستخلف؟ -: لو كان أبو عبيدة حيًا لاستخلفته، ولو كان معاذ حيا لاستخلفته. ولو كان سالم حيا لاستخلفته فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
_________________
(١) ـ قوله: (بمعنى: مأموم)، أي: مقصود، "يؤمه الناس" أي: يقصدونه ليأخذوا منه الخير. الجوهري: الأم، بالفتح: القصد. يقال: أمه وأممه وتأممه؛ إذا قصده. قوله: (أو بمعنى: مؤتم به)، الجوهري: أممت القوم في الصلاة إمامة، وائتم به، أي: اقتدى به. قوله: (كالرحلة النخبة)، الجوهري: الرحلة بالضم: الوجه الذي يريده، يقال: أنتم رحلتي، أي: الذين أرتحل إليهم، والانتخاب: الاختيار، والنخبة مثل النجبة، يقال: جاءني في نجب من أصحابه، أي: خيارهم. قوله: (وروى الشعبي عن فروة بن نوفل)، الحديث بتمامه روى قريبًا منه ابن عبد البر في "الاستيعاب". قوله: (ولو كان سالمٌ حيًا لاستخلفته)، وفي "الكامل" لابن الأثير: أن عمر ﵁ قيل له لو استخلفت؟ قال: لو كان أبو عبيدة حيًا لاستخلفته، وقلت لربي إن سألني:
[ ٩ / ٢١٩ ]
«أبو عبيدة أمين هذه الأمّة، ومعاذ أمّة قانت لله، ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلون، وسالم شديد الحب لله، لو كان لا يخاف الله لم يعصه. وهو ذلك المعنى، أي: كان إماما في الدين، لأنّ الأئمة معلمو الخير. والقانت: القائم بما أمره الله. والحنيف: المائل إلى ملة الإسلام غير الزائل عنه. ونفى عنه الشرك تكذيبا لكفار
_________________
(١) ـ سمعت نبيك يقول: "إنه أمين هذه الأمة"، ولو كان سالمٌ مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته، وقلت لربي إن سألني: سمعت نبيك يقول: "إن سالمًا شديدُ الحب لله"، ولم يذكر فيه حديث معاذ. وهذا مؤولٌ لما ذكر في "الاستيعاب"، عن عمر أنه قال: لو كان سالمٌ ما جعلته شورى، وذلك بعد أن طُعن، وهذا عندي أنه كان يصدر فيها عن رأيه، يريد أنه لم يكن ممن يستحق الخلافة؛ لأن الأئمة من قريش، وسالمٌ كان مولى. قوله: (أبو عبيدة أمين هذه الأمة)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "إن لكل أمة أمينًا، وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح". قوله: (وهو ذلك المعنى)، أي: قول عمر ﵁: "ومعاذ أمة، قانت لله، ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلون"، ذلك المعنى الذي قاله ابن مسعود، وهو الأمة الذي يُعلم الخير. قوله: (والقانت: القائم بما أمره الله)، الراغب: القنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع، وفُسر بكل واحد منهما في قوله: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: ٢٣٨]، وقوله تعالى: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) [البقرة: ١١٦] قيل: خاضعون، وقيل: طائعون، وقيل: ساكنون، ولم يعن به كل السكوت، وإنما عني به ما قال ﷺ: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، وإنما هي
[ ٩ / ٢٢٠ ]
قريش في زعمهم أنهم على ملة أبيهم إبراهيم. (شاكِرًا لِأَنْعُمِه) روى: أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف، فلم يجد ذات يوم ضيفًا، فأخر غداءه، فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر، فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أنّ بهم جذامًا؟ فقال: الآن وجبت مواكلتكم شكرًا لله على أنه عافاني وابتلاكم (اجْتَباهُ): اختصه واصطفاه
_________________
(١) ـ قرآن وتسبيح"، وعلى هذا سُل: أي الصلاة أفضل؟ فقال: "طول القنوت"، أي: الاشتغال بالعبادة ورفض كل ما سواه، وقال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا). قوله: (الآن وجبت مؤاكلتكم شُكرًا لله تعالى)، يعني: إنما يصح الشكر في المؤاكلة إذا كان فيها التكلف والمشقة، ولا شك أن المؤاكلة مع المجذوم مما يتقزز منه الناس وتنفر منه النفس. قوله: «اجْتَبَاهُ): اختصه)، قال الراغب: جببت الماء في الحوض: جمعته، والاجتباء: الجمعُ على سبيل الاصطفاء، واجتباء العبد: تخصيصه إياه بفيض إلهي، يتحصل له منه أنواعٌ من النعم بلا سعي من العبد، وذلك للأنبياء ومن يقاربهم من الصديقين والشهداء، قال تعالى: (يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) [الشورى: ١٣].
[ ٩ / ٢٢١ ]
للنبوّة، (وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيم) إلى ملة الإسلام. (حَسَنَةً) عن قتادة: هي تنوبه الله بذكره، حتى ليس من أهل دين إلا وهم يتولونه. وقيل: الأموال والأولاد، وقيل: قول المصلى منا: كما صليت على إبراهيم (لَمِنَ الصَّالِحِينَ) لمن أهل الجنة.
[(ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)].
(ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) في «ثم» هذه ما فيها من تعظيم منزلة رسول الله» ﷺ، وإجلال محله، والإيذان بأنّ أشرف ما أوتى خليل الله إبراهيم من الكرامة، وأجلّ ما أولى من النعمة: اتباع رسول الله ﷺ ملته، من قبل أنها دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة من بين سائر النعوت التي أثنى الله عليه بها.
[(إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)].
_________________
(١) ـ قوله: (هي تنويه الله بذكره)، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، ناه ينوه: إذا ارتفع، ونوهته تنويها: إذا رفعته، ونوهت باسمه: إذا رفعت بذكره. قوله: (في (ثُمَّ) هذه ما فيها)، إبهامية، نحوها في قوله: (فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) [طه: ٧٨]، وفيها تكرير للظرف، نحو قولهم: فيك زيدٌ راغبٌ فيك، أي: حصل من إتيان (ثم) التي تُعطي معنى التراخي في علو الرتبة مجازًا، تعظيم منزلة رسول الله ﷺ، وإيذان أن أشرف ما أوتي خليل الله اتباع رسول الله ملته، يعني: لما أُمر حبيب الله باتباع ملة خليل الله حصلت لخليل الله منزلة عالية لا يُدانيها ما وُصف به من ابتداء قوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا) إلى هنا. قال صاحب "الانتصاف": كأنه قال: وههنا ما هو أعلى من ذلك قدرًا ورتبة، وهو أن سيد البشر مأمور بالوحي باتباعه، ونصيب النبي ﷺ في هذا التعظيم أوفر وأكبر.
[ ٩ / ٢٢٢ ]
(السَّبْتُ) مصدر سبتت اليهود؛ إذا عظمت سبتها. والمعنى: إنما جعل وبال السبت؛ وهو المسخ (عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) واختلافهم فيه: أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرّموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة بعد ما حتم الله عليهم الصبر عن الصيد فيه وتعظيمه. والمعنى في ذكر ذلك، نحو المعنى في ضرب القرية التي كفرت بأنعم الله مثلا، وغير ما ذكر، وهو الإنذار من سخط الله
_________________
(١) ـ قوله: (وبالُ السبت)، أي: وبالُ ترك تعظيم السبت. قال محيي السنة: قيل: معناه إنما جُعل السبتُ لعنةً على الذين اختلفوا فيه، أي: خالفوا فيه، وقيل: معناه: ما فرض الله تعظيم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه. قوله: (والمعنى في ذكر ذلك نحو المعنى في ضرب القرية التي كفرت بأنعم الله مثلًا وغير ما ذُكر)، عطفٌ على أنعم الله، أي: كفرتُ بأنعمِ الله وبغيرِ أنعم الله، ويأباهُ بيان غير ما ذُكر بقوله: "وهو الإنذار من سخط الله" إلى آخره؛ لأن مثل هذا الإنذار من أجل النعم. ويُمكنُ أن يقال: إنه عطفٌ على قوله: "في ضربِ القرية" من حيث المعنى، يريد: المعنى في ذكر هذه الآية نحو المعنى المذكور في قوله: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً) الآية، وهو الاعتبار، وإيتاء النعمة والأمن والاطمئنان وكُفرانها، ثم استئصالها في الدنيا، ونحو غير ما ذُكر فيه، وهو أن أهل هذه القرية أنذرتهم أنبياؤهم بأن يُعظموا أمر السبت ولا يتعرضوا لسخط الله بهتك حرمته، فخالفوهم وخلعوا ربقة الطاعة عن أعناقهم، فيجبُ أن يقدر فيها هذا المعنى لكون الآيتين واردتين في الفريقين من المشركين واليهود، بعدما نعى عليهما تحريم ما أحله الله وتحليل ما حرمه، وبعدما أُنذروا وكفروا بنعم الله وادعوا أنهم متبعون ملة إبراهيم، فكُذبوا بقوله: إن إبراهيم ﵇ كان حنيفًا وشاكرًا، وهؤلاء مشركون يعبدون من دون الله، واليهود يكفرون نعمه، ولم يكن متابعًا له إلا هذا النبي كما قال: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ) [آل عمران: ٦٨].
[ ٩ / ٢٢٣ ]
على العصاة والمخالفين لأوامره والخالعين ربقة طاعته. فإن قلت: ما معنى الحكم بينهم إذا كانوا جميعًا محلين أو محرّمين؟ قلت: معناه أنه يجازيهم جزاء اختلاف فعلهم في كونهم محلين تارة ومحرّمين أخرى ووجه آخر: وهو أنّ موسى ﵇ أمرهم
_________________
(١) ـ قوله: (فما معنى الحُكم بينهم؟)، يعني: إنما يحسنُ إطلاقُ الاختلافِ والحكمُ بين الفريقين إذا وقع التنازعُ بينهم، بأن كان بعضهم مُحلين، وبعضهم محرمين. وأما إذا كانوا جميعًا محلين تارة، ومحرمين أخرى، فلا يقع التنازع والاختلاف، فما معنى قوله تعالى: (لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ)؟ ووجه الجواب أن الاختلاف ما يقع بين المتنازعين، يقع أيضًا بين فعلين وإن لم يقع التنازع بين القوم. قوله: (ووجه آخرُ، وهو أن موسى ﵇ أمرهم)، إلى آخره، هذا الوجه رواه الإمام عن ابن عباس، وقال: معنى "اختلفوا على نبيهم" حيثُ أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، لأن اختلافهم في السبت كان اختلافهم على نبيهم في ذلك اليوم. وينصر هذا التأويل، ما رواه البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "نحنُ الآخرونَ السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثُمّ هذا يومهم الذي فُرض عليهم، يعني: الجمعة، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، وأضل الناس عنه، فالناس لنا فيه تبع، اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، إن فيه لساعة لا يوافقها مؤمن يُصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه".
[ ٩ / ٢٢٤ ]
أن يجعلوا في الأسبوع يوما للعبادة، وأن يكون يوم الجمعة، فأبوا عليه وقالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السموات والأرض؛ وهو السبت، إلا شر ذمة منهم قد رضوا بالجمعة، فهذا اختلافهم في السبت؛ لأن بعضهم اختاره وبعضهم اختار عليه الجمعة، فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة، فكانوا لا يصيدون فيه، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك، وهو يحكم (بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) فيجازى كل واحد من الفريقين بما يستوجبه. ومعنى (جعل السبت): فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه. وقرئ: إنما جعل السبت، على البناء للفاعل. وقرأ عبد الله: (إنا أنزلنا السبت).
[(ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)].
(إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ): إلى الإسلام (بِالْحِكْمَةِ): بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة (وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم فيها. ويجوز أن يريد القرآن، أي: ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة، (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): بالطريقة
_________________
(١) ـ وقال الإمام: إنهُ تعالى أمر محمدًا صلوات الله عليه بمتابعة إبراهيم ﵇، وهذه المتابعة إنما تحصلُ إذا قلنا: إن إبراهيم ﵇ قد اختار يوم الجمعة. وعند هذا للسائل أن يسأل: فلم اختار اليهود السبت؟ فأجيب: (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ). قوله: (ومعنى (جُعِلَ السَّبْتُ): فُرض عليهم تعظيمه)، فعلى هذا ضمن (جُعِلَ) معنى: فُرض، فأوجب باستعانة (عَلَى)، وعلى الوجه الأول قدر مضافًا لتعلق الجار به، وهو قوله: "جُعِلَ وبالُ السبت على الذين اختلفوا فيه".
[ ٩ / ٢٢٥ ]
التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين، من غير فظاظة ولا تعنيف (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ) بهم، فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل والنصيحة اليسيرة، ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل، وكأنك تضرب منه في حديد بارد.
_________________
(١) ـ قوله: «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ)، إلى آخره، وضع المُضمر موضع قوله: (مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، ثم فصله بفحوى القرينتين، ليؤذن بان المدعو في قوله: (إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ) عام، وكذلك المجادل في قوله: (وَجَادِلْهُمْ)، كأنه تعالى يسليه صلوات الله عليه وسلامه على إذهاب نفسه حسراتٍ على إيمان القوم، أي: ما عليك إلا الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة على طريق اللين. وأما الهداية والإيمان فلا عليك. وأشار إلى التسلية بالإياس في قوله: "وكأنك تضربُ منه في حديد بارد"، وإنما قدم في التنزيل ذكر الضالين؛ لأن الكلام فيهم، وبه تقع التسلية، وأخره المصنف بناء على قضية النظم ظاهرًا، ثُم إنه صلوات الله عليه لما جد في الإبلاغ، وبالغ فيه وفي مجادلتهم حرصًا منه على إيمانهم، وظنًا منه أنه المسيطر على الكل، والقادر على إيجاد الهداية فيهم، أُمر بالدعوة إلى الله بالحكمة والمجادلة باللين والرفق، وعلل الأمرين بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ)، وكرر العلم، أي: ما عليك إلا البلاغ بالحكمة والمجادلة باللين، فمن علم الله فيه خيرًا كفاه ذلك البلاغُ، ومن عَلِمَ أنه لا خير فيه، لا تُجديه تلك المبالغة. قوله: (كأنك تضرب منه في حديد بارد)، قال الميداني: هذا مثل يُضربُ لمن طمع في غير مطمع. قال الشاعر: فإذا تساعدت النفوس على الهوى … فالخلقُ يضرب في حديد بارد (مِن) فيقوله: "مِنهُ": تجريدية؛ لأنه جرد منه مثل الديد البارد، و"في حديد" كـ"في" في قوله تعالى: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) [الأحقاف: ١٥].
[ ٩ / ٢٢٦ ]
[(وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ* وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ* إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)].
سمي الفعل الأول باسم الثاني؛ للمزاوجة. والمعنى: إن صنع بكم صنيع سوء؛ من قتل أو نحوه، فقابلوه بمثله ولا تزيدوا عليه. وقرئ: وإن عقبتم فعقبوا، أى: وإن قفيتم بالانتصار فقفوا بمثل ما فعل بكم.
روى أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد: بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحدًا غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب، فوقف رسول الله ﷺ على حمزة وقد مثل به، وروى: فرآه مبقور البطن،
_________________
(١) ـ قوله: (سُمي الفعل الأول)، أي: (فَعَاقِبُوا) باسم الثاني، وهو: (بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ)، وهو من باب المشاكلة، سماه المزاوجة لغة، وإنما المزاوجة: بين معنيين في الشرط والجزاء، كقول الشاعر: إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى … أصاخ إلى الواشي فلج به الهجر قوله: (إن صُنع بكم صنيع سوء من قتل أو نحوه، فقابلوه بمثله)، قال القاضي: لما أمره ﷺ بالدعوة وبين له طرُقها، أشار إليه وإلى من يُتابعه بترك المخالفة، ومراعاة العدل مع من يناصبهم، فإن الدعوة لا تنفك عنه، من حيث إنها تتضمن رفع العادات وترك الشهوات، والقدح في دين الأسلاف، والحكم عليهم بالكفر والضلال. قوله: (حنظلة بن الراهب)، وفي "الاستيعاب": هو حنلة بن أبي عامر، الراهب الأنصاري، أبوه: أبو عامر، يُعرف بالراهب في الجاهلية، قدم مع قريش يوم أحد محاربًا، فسماه رسول الله ﷺ أبا عامر الفاسق، مات بالروم كافرًا.
[ ٩ / ٢٢٧ ]
فقال: «أما والذي أحلف به، لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك»؛ فنزلت، فكفر عن يمينه وكفّ عما أراده. ولا خلاف في تحريم المثلة. وقد وردت الأخبار بالنهى عنها حتى بالكلب العقور. إما أن رجع الضمير في (لَهُوَ) إلى صبرهم وهو مصدر (صبرتم). ويراد بالصابرين: المخاطبون، أي: ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فوضع (الصابرون) موضع الضمير؛ ثناء من الله عليهم بأنهم صابرون على
_________________
(١) ـ وأما ابنه حنظلة فهو المعروف بغسيل الملائكة، قُتل يوم أحدٍ شهيدًا. قالت امرأته: حنظلة أجنب وغسلت إحدى شقي رأسه، فلما سمع الهيعة خرج، فقُتل، فقال رسول الله ﷺ: "رأيت الملائكة تُغسله". قوله: (فوضع "الصابرون" موضع الضمير ثناء من الله)، الراغب: الصبر: الإمساك في ضيق، يقال: صبرت الدابة؛ حبستها بلا علف، وصبرتُ فلانًا: خلفته خلفةً لا خروج له منها، والصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع أو كلاهما، فالصبر: لفظ عام، وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس النفس لمصيبة، سُمي صبرًا لا غير، ويُضاده الجزع، وإن كان في محاربة سُمي شجاعة، ويُضاده الجُبن، وإن كان في نائبة مضجرة، سُمي رحبَ الصدر، ويُضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سُمي كتمانًا، ويُضاده المذلُ، وقد سمى الله تعالى كل ذلك صبرًا، ونبه عليه بقوله: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ) [البقرة: ١٧٧]، يقالث: رجُلٌ مذلٌ، أي: باذل لما عنده من مال أو سر.
[ ٩ / ٢٢٨ ]
الشدائد. أو وصفهم بالصفة التي تحصل لهم إذا صبروا عن المعاقبة. وإما أن يرجع إلى جنس الصبر - وقد دل عليه (صبرتم) - ويراد بالصابرين جنسهم، كأنه قيل: وللصبر خير للصابرين. ونحوه قوله تعالى (فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)] الشورى: ٤٠ [، (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى)] البقرة: ٢٣٧ [ثم قال لرسول الله ﷺ: (وَاصْبِرْ) أنت فعزم عليه بالصبر (وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) أى بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبك (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي على الكافرين، كقوله (فَلا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ)] المائدة: ٦٨ [أو على المؤمنين وما فعل بهم الكافرون (وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ) وقرئ:
_________________
(١) ـ قوله: (أو وصفهم بالصفة)، عطفٌ على قوله: "ثناء عليهم من الله"، يعني: وضع "الصابرين" موضع ضمير المخاطبين مجازًا؛ لأنهم عند الخطاب ما كانوا صابرين، فسماهم الله به، إما لمجرد المدح والثناء؛ لأن الصبر من أعم أوصاف المتقين، وإما لاكتسائهم بلباس الصبر جُعلوا صابرين ترغيبًا على الصبر، وعلى أن يُراد بالصابرين الجنس لا يكون من وضع المظهر موضع المضمر، فلا يكون مجازًا بل يكون من باب الكناية، فيدخل في هذا العام المخاطبون دخولًا أوليًا. قوله: (كأنه قيل: وللصبر خير للصابرين)، حاصل الوجوه: أن معنى التركيب أن الصبر عن المعاقبة وترك المقابلة خير من استيفائها، كقوله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [البقرة: ٢٣٧]، (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [الشورى: ٤٠]. قوله: (فعزم عليه بالصبر)، الأساس: عزمتُ عليك لما فعلت كذا، بمعنى: أقسمت، أي: وكد عليه أمر الصبر بأن أمره وحده بالصبر، بعدما حثهم عليه بالتركيب القسمي؛ لأن اللام في (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ) موطئة للقسم، وفيه معنى الأمر، ثم بين بأداة الحصر أن الصبر عليه سهل لكونه بتوفيق الله وتسديده. قوله: (وما فعل بهم الكافرون)، أي: من المثلة.
[ ٩ / ٢٢٩ ]
و(لا تكن في ضيق)، أي: ولا يضيقن صدرك من مكرهم. والضيق: تخفيف الضيق، أي: في أمر ضيق. ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدرين، كالقيل والقول. (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي هو ولىّ الذين اجتنبوا المعاصي وَولى (الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) في أعمالهم. وعن هرم بن حيان أنه قيل له حين احتضر: أوص. فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي، وأوصيكم بخواتيم سورة النحل.
_________________
(١) ـ قوله: (ولا يضيقن صدرك)، وهو من باب "لا أرينك هاهنا"، أي: ولا تكن بحيثُ يضيق صدرك إذا نابك منهم مكروه، أي: لا تباشر القلق والضجر، وذلك مستفاد من نهي كينونته في ضيقن والعدول من: "ولا يضيق صدرك". قوله: (والضيق تخفيف الضيق)، قال أبو البقاء: (ضَيْقٍ)، بفتح الضاد، فيه وجهان: أحدهما: أنه مصدر ضاق، مثل: سار سيرًا، والثاني: هو مخفف من الضيق، أي: في أمر ضيق، مثل سيد وميت. قوله: (أي: هو وليُّ الذي اجتنبوا المعاصي، وولي (الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) في أعمالهم)، راعى المطابقة في تفسير الصلتين، ففسر الفعلية بالفعلية، والاسمية بالاسمية. فإن قلت: ما الوجه في تخصيص إحدى الصلتين في كونها فعلية، والأخرى اسمية؟ قلت: ليؤذن بأن التقوى مقدمة الإحسان، فمن حاول ملازمة الإحسان والمواظبة عليه يجب استحداث التقوى قبله؛ لأن التحلية بعد التصفية، ثم تخصيص الإحسان بالذكر، وإيراد الجملة اسمية، وبناء (مُحْسِنُونَ) على (هُمْ) على سبيل تقوى الحكم: مؤذن باستدامة الإحسان واستحكامه، وهو مستلزم لاستمرار التقوى؛ لأن الإحسان إنما يتم إذا لم يعد إلى ما كان عليه من الإساءة. وإليه الإشارة بما ورد "من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وقطعُ متعلقِ التقوى والإحسان - على طريقة قوله: "فلانٌ يعطي ويمنع - مشعرٌ باتحاد حقيقتهما، فلا تختص بمُتقٍ دون متقٍن وبمحسنٍ دون محسن، فيجبُ أن
[ ٩ / ٢٣٠ ]
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله بما أنعم عليه في دار الدنيا، وإن مات في يوم تلاها أو ليلته، كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية".
_________________
(١) ـ يتناول جميع ما يجب أن يُتقى منه، وما يجب أن يؤتى به من الإحسان، ومن ثم قدر المصنفُ متعلقهما جمعًا محلى باللام الاستغراقي، ومضافًا إلى المعرفة. والمعني بهذه المعية: معية المحبة كما ورد: "فإذا أحببته كنتُ سمعه … " الحديث. وهذه التقوى بمنزلة التوبة للعارف، والإحسان بمنزلة السير والسلوك في الأحوال والمقامات إلى أن ينتهي إلى محو الوهم والوصول إلى مخدع الإنسان. وأما بيانُ النظم فإن الله تعالى لما أمر حبيبه بالصبر على أذى المخالفين، ونهاه عن الحزن على عنادهم وإبائهم الحق، وعما يلحقه من مكرهم وخداعهم، علله بقوله: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا) الآية، أي: لا تُبال بهم وبمكرهم؛ لأن الله وليك ومحبك وناصرك، ومبغضهم وخاذلهم، فعم الحكم إرشادًا للمحسنين المتقين اقتداء بسيد المرسلين صلوات الله عليه، وفيه تعريض بالمخالفين وبخذلانهم، كما صرح تعالى في قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد: ١١]. تمت السورة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه والله أعلم
[ ٩ / ٢٣١ ]