مدنية، وهي مئة وست وسبعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) ١].
(يا أَيُّهَا النَّاسُ) يا بني آدم (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ): فرَّعكم مِن أصلٍ واحد، وهو نفسُ آدمَ أبيكم. فإن قلتَ: علام عطف قوله: (وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها)؟
_________________
(١) ـ سورة النساء مدنية، وهي مئة وست وسبعون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (علام عطف قوله) يعني أن قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [النساء: ١] دخل فيه حواء وغيرها من بني آدم؛ لأن المعنى: أنشأكم منها وفرعكم، فعلى أي شيء يعطف (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)؛ لئلا يلزم التكرار؟ وأجاب بقوله: إن الخطاب بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) إن كان عامًا فهو ليس بمعطوف على (خَلَقَكُمْ) لئلا يلزم التكرار؛ بل هو معطوف على
[ ٤ / ٤٠١ ]
_________________
(١) محذوف بيانًا وتفصيلًا لكيفية خلقهم، فإنه قد علم خلق الجميع من قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)، ففسر وكشف بقوله: "أنشأها وخلق منها زوجها .. وبث منهما". وإن كان الخطاب خاصًا وأريد بـ " النَّاسُ " الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ، فيكون عطفًا على (خَلَقَكُمْ)، ولا يلزم التكرار أيضًا؛ إذ المراد بالثاني غير الأول، فالمعطوفان على الأول داخلان في حيز الصلة، فلا يكون (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) مستقلًا بنفسه، وعلى الثاني: مستقل في الدلالة؛ لأنه عطف على نفس الصلة؛ وإليه الإشارة بقوله: (رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) غيركم"، وعلى الأول التفات من الخطاب في قوله: (وَبَثَّ مِنْهُمَا)؛ لاتحاد المفهومين بخلاف الثاني؛ لاختلافهما؛ لأن المخاطبين غير الغيب. قال صاحب "التقريب": "وإنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعًا للتكرار، ويحتمل أن يعطف على (خَلَقَكُمْ) من غير تخصيص بـ (النَّاسُ) ولا تكرار؛ إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منها، ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعًا". وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: إن الواو في (وَخَلَقَ) واو الحال، أي: خلقكم من نفس واحدة وقد خلق منها زوجها، فلا يحتاج إلى الإضمار والتخصيص. وقال القاضي: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ): خطاب يعم بني آدم، (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) عطف على (خَلَقَكُمْ)؛ أي: (خَلَقَكُمْ) من شخص واحد (وَخَلَقَ مِنْهَا) أمكم حواء من ضلع من أضلاعها، أو على محذوف تقديره: (مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) خلقها (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)، وهو تقدير لخلقهم من نفس واحدة، (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) بيان لكيفية تولدهم منها. والمعنى: ونشر من تلك النفس والزوج المخلوقة منها بنين وبنات كثيرة، واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء؛ إذ الحكمة تقتضي أن تكون أكثر، وذكر (كَثِيرًا) حملًا على الجمع.
[ ٤ / ٤٠٢ ]
قلتُ: فيه وَجْهانِ: أحدُهما أن يُعطَفَ على محذوفٍ، كأنه قيلَ: مِن نفْسٍ واحدةٍ أنشأَها أو ابتدَأَها، وخَلَقَ منها زوجَها، وإنما حُذِفَ؛ لدلالةِ المعنى عليه. والمعنى: شَعَّبَكم مِن نفْسٍ واحدةٍ هذه صِفتُها، وهي أنه أنشأَها مِن تُرابٍ وخَلَقَ زوجَها
_________________
(١) وقلت - والله أعلم -: نبين أولًا مقصود المصنف على وجه يعلم منه أي الأقوال أولى بالقبول، أما الوجه الثانيـ وهو أن يكون (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) عطفًا على (خَلَقَكُمْ) - فمبني على قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: ٢١] لفظًا ومعنى، ويساعد عليه في هذا المقام قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ)؛ لأن مثل هذه المخاطبات مختصة بالعرب. وأما الوجه الأول فمبني على ترتيب الحكم على الوصف المناسب؛ لأنه يستدعي العموم في الناس، والشيوع فيه، وإضمار ما يفوق الحصر من ابتداء كونه ترابًا إلى انتهاء تعلق الروح بالجسد؛ لأن الكلام سيق للتقوى، وللتنبيه على اقتدار عظيم وامتنان متبالغ، كأنه قيل: يا بني آدم اتقوا ربكم العظيم الشأن ذا القدرة الكاملة، والنعمة الشاملة، الذي ظهرت آثار قدرته، وتبينت سوابغ نعمته في إنشائكم من هذا المخلوق الفرد العجيب الشأن، الجامع لكمالات الدين والدنيا، وهذا مما لا يخفى عليكم، وظهر من هذا التقرير أن هذا الوجه أبسط وأبين للفوائد المتكاثرة إملاء، ويدخل فيه من بعث إليهم رسول الله ﷺ دخولًا أوليًا؛ فهو بالتلقي والقبول أجدر، وعلم أن إرادة الإبهام والتفسير وكذا التقييد بالحال، لا يدخل في المقصود وإن صح من جهة الإعراب؛ لأنه إذا عطف بيانًا لزم منه قصور البيان عن المبين؛ لأنه لا يعلم من قوله: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) بيان كيفية خلقة آدم المبهمة في قوله: (نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) كما بينه المصنف بقوله: "أنشأها من تراب" فضلًا عن تفصيله، فإذا جعل حالًا والمراد العموم كما قال صاحب "الفرائد"؛ دفعه قوله: (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً).
[ ٤ / ٤٠٣ ]
حوّاءَ من ضِلَعٍ من أضلاعِها (وَبَثَّ مِنْهُما) نوعَي جنسِ الإنس؛ وهما الذُّكورُ والإناث، فوَصَفَها بصفةٍ هيَ بيانٌ وتفصيلٌ لكيفيّةِ خَلْقِهم منها. والثاني: أن يُعطَف على (خَلَقَكُم)، ويكون الخطابُ في: (يا أَيُّهَا النَّاسُ) للذين بُعِثَ إليهم رسول اللَّه ﷺ. والمعنى: خَلَقَكم مِن نفسِ آدم؛ لأنهم من جُملة الجنسِ المفرَّع منه، وخَلَقَ منها أُمَّكم حوّاء (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً) غيركم من الأمم الفائتة للحَصْر.
فإنْ قلتَ: الذي يَقتضِيه سَدَادُ نظْمِ الكلامِ وجزالتُه أن يُجاء عَقِيبَ الأمرِ بالتقوى
_________________
(١) ـ قوله: (حواء من ضلع من أضلاعها)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي والدارمي، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "استوصوا بالنساء خيرًا، خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج". قوله: (فوصفها) الفاء للتعقيب، مثلها في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤] أي: أراد أن يصفها بصفة وهي أنه أنشأها من تراب .. إلى آخره، فوصفها بصفة هي بيان وتفصيل لكيفية خلقهم، فيكون قوله: "أنشأها من تراب" داخلًا في التفصيل، وهو بيان ابتداء حاله. وقوله: (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) بيان لغاية أمره مما يتعلق بالتوالد والتناسل وما يتوسط بينهما من سائر الأحوال الغريبة، فهو مقصود مراد؛ لأن الإضمار في أمثال هذه المقامات مؤذن بأن التقرير غير واف بالمقصود، وفي تخصيص الذكر بقوله: (مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) دون اسمه ﵇ إشعار بتصوير الأطوار والأحوال. قوله: (لأنهم من جملة الجنس المفرع منه) أي: من آدم؛ فصح أن يقال: خلقكم من نفس آدم وإن وجدت الوسائط. قوله: (الذي يقتضيه سداد النظم) إلى آخره، توجيهه: أن الأصل في ترتيب
[ ٤ / ٤٠٤ ]
بما يوجبها أو يدعوا إليها ويبعث عليها، فكيفَ كانَ خَلقُه إياهم مِن نفْسٍ واحدةٍ على التفصيل الذي ذَكَرَه موجِبًا للتقوى وداعيًا إليها؟ قلت: لأنّ ذلك مما يدلُّ على القُدرةِ العظيمة. ومَن قَدرَ على نحوِه كانَ قادرًا على كلِّ شيء، ومن المَقْدُوراتِ عِقابُ العُصاة، فالنظرُ فيه يؤدِّى إلى أن يُتَّقى القادرُ عليه ويُخشى عقابُه؛ ولأنه يدل على النعمةِ السابقةِ عليهم، فحقهم أن يتَّقُوه في كُفرانِها والتفريطِ فيما يلزمُهم مِنَ القيامِ بشُكرها؛ أو أرادَ بالتقوى تَقْوى خاصةً؛ وهي أن يتَّقُوه فيما يتَّصِلُ بحفظِ الحُقوقِ بينهم، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله، فقيل: اتقوا ربَّكم حيث جعلكم صنوانًا
_________________
(١) الحكم على الوصف أن يكون ذلك الوصف مما له صلاحية العلية؛ وها هنا خلقهم من نفس واحدة، كيف يصح أن يكون علة لقوله: (اتَّقُوا)، وأجاب أولًا: أن الحكم هو الاتقاء من المعاصي والكفر، ومرجع الوصف إلى إثبات العقاب الزاجر من المليك القادر. وثانيًا: أن الحكم هو الاتقاء من كفران النعم، ومرجع الوصف إلى إظهار النعمة؛ لأن من قدر على إيلائها قدر على إزالتها. اعلم أنه قال أولًا: "أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها"، وذكر بعده "موجبًا للتقوى وداعيًا" بالواو للمبالغة، يعني: تقرر عند علماء الأصول أن الترتيب على الوصف إما أن يكون موجبًا أو باعثًا على الندب، وليس ها هنا من الأمرين شيء. قوله: (أو أراد بالتقوى تقوى خاصة) عطف من حيث المعنى على قوله: "لأن ذلك مما يدل عليه القدرة"؛ لأن الوجهين السابقين مشتملان على إرادة تقوى عامة من الكفر والمعاصي في جميع ما يجب أن يتقى، ومن كفران النعمة في سائر نعم الله؛ وهذه في نعمة مختصة بما يتصل بحفظ حقوق ذوي الأرحام فقط، وعلى هذا لا يرد السؤال؛ لأن المذكور موجب للحكم بلا تأويل، و"تقوى" غير منصرفة؛ لأن ألفها للتأنيث. قوله: (جعلكم صنوانًا). النهاية: "الصنو: المثل، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق
[ ٤ / ٤٠٥ ]
مفرَّعةً مِن أرومةٍ واحدة فيما يجبُ على بعضِكم لبعض، فحافظُوا عليه، ولا تَغْفُلوا عنه. وهذا المعنى مُطابقٌ لمعاني السُّورة. وقُرئ: (وخالقٌ منها زوجَها. وباثٌّ منهما)، بلفظِ اسمِ الفاعل، وهوَ خبر مبتدأ محذوف تقديرُه: وهو خالقُ (تَساءَلُونَ بِهِ) تتساءلون به، فأُدغمتِ التاءُ في السِّين.
_________________
(١) واحد"، وكذا الأرومة، بوزن الأكولة: الأصل، وفي حديث عمير بن أفصى: "أنا من العرب في أرومة بيانها". قوله: (وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة) هذا يوهم أن الوجهين الأولين غير مطابقين، لكن مراده أن دلالته على معنى السورة بالمطابقة من حيث الخصوص؛ وذلك أن السورة مشتملة على ذكر ذوي الأرحام والعصبات كلها، ودلالة الوجهين عليه باللزوم؛ لأن الاتقاء من العقاب يوجب الاجتناب عن جميع المنكرات، ومنها قطع الرحم، والاحتراز عن كفران النعم كلها يوجب الاحتراز عن كفران نعمة الرحم؛ وينصر هذا الوجه الأخير ما رويناه عن مسلم وأحمد والدارمي عن جرير: كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ، فجاءه قوم مجتابي النمار أو العباءة، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة؛ فدخل ثم خرج فأمر بلالًا فأذن وأقام، ثم خطب، فقال: " (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) إلى قوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) " الحديث. النهاية: مجتابي النمار، أي: لابسيها، يقال: اجتبيت القميص والظلام، أي: دخلت فيهما، وكل شيء قطع وسطه فهو مجوب ومجوَّبٌ، وبه سمي جيب القميص، والنمار: جمع نمرة، وهي: كل شملة مخططة من مآزر الأعراب، كأنها أخذت من لون النمر، وتمعر، أي: تغير.
[ ٤ / ٤٠٦ ]
وقُرئ: (تَسَاءَلُونَ) بطَرْحِ التاءِ الثانية، أي: يَسألُ بعضُكم بعضًا باللَّهِ وبالرَّحِم، فيقول: باللَّهِ وبالرَّحم أفعَل كذا على سبيلِ الاستعطاف، وأُناشِدُك اللَّهَ والرَّحم؛
_________________
(١) [قوله]: «تَسَاءَلُونَ»، قرأ الكوفيون: بتخفيف السين، والباقون: بتشديدها، قال الزجاج: "أصله تتساءلون، فحذفت التاء الثانية تخفيفًا؛ لأن اجتماع التاءين مستثقل، والكلام غير ملبس". قوله: (على سبيل الاستعطاف)، قال ابن الحاجب: القسم جملة إنشائية تؤكد بها جملة أخرى؛ فإن كانت خبرية فهو القسم لغير الاستعطاف، وإن كانت طلبية فهو للاستعطاف. وقال المصنف في قوله تعالى: (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ) [القصص: ١٧]: " (بِمَا أَنْعَمْتَ): يجوز أن يكون قسمًا، أي أقسم بإنعامك علي، وأن يكون استعطافًا، أي: رب اعصمني بحق ما أنعمت علي". وقلت: فالاستعطاف يستفاد من اللفظ الذي يشعر بالعطف والحنو، ومعنى الاستعطاف ها هنا مأخوذ من لفظ (الله) و(الرحم)، فإن القرابة موجبة للتعطف والرأفة؛ يؤيد هذا التأويل قوله بعد هذا: "واتقوا الله الذي تتعاطفون بإذكاره وبإذكار الرحم". قوله: (وأناشدك الله والرحم)، يقال: نشدتك الله والرحم نشدة، وناشدتك الله، أي: سألتك بالله والرحم، وتعديه إلى المفعولين؛ إما لأنه بمنزلة: دعوت، حيث قالوا: نشدتك بالله والله كما قالوا: دعوته بزيد وزيدًا، أو لأنهم ضمنوه معنى: ذكرت، ومصداق هذا قول حسان: نشدت بني النجار أفعال والدي … إذا العان لم يوجد له من يوازعه
[ ٤ / ٤٠٧ ]
أو تسألون غيركم باللَّه والرحم، فقيل «تفاعلون» موضع «تفعلون» للجمع، كقولك: رأيت الهلال وتراءيناه. وتنصره قراءة من قرأ: تسألون به. مهموزًا وغير مهموز.
وقرئ (وَالْأَرْحامَ) بالحركات الثلاث، فالنصب على وجهين: إما على: واتقوا اللَّه
_________________
(١) أي: ذكرتهم إياها. وأنشدتك بالله: خطأ، الموازعة: المناطقة والمكالمة. قوله: (أو تسألون غيركم بالله) يريد: يجوز أن يكون التساؤل من جانب واحد، كما استعملوا تفاعلون موضع تفعلون، واللام في "للجمع" تتعلق بقوله: "فقيل"، قال المصنف: سمعت من العرب: تباصرته بمعنى: أبصرته. قوله: (رأيت الهلال وتراءيناه)، عبر بهما عن شيء واحد، وجواز الثاني لاعتبار الجمعية التي يعطيها اللفظ دون المعنى إرادة للمبالغة كما سبق في قوله تعالى: (يُخَادِعُونَ) [البقرة: ٩] بمعنى يخدعون. قوله: (وتنصره قراءة من قرأ "تسألون")، أي: ينصر الوجه الثاني، وهو أن يراد بـ (تَسَاءَلُونَ): تسألون غيركم؛ لأنها صريحة فيه. قوله: (وقرئ: (وَالأَرْحَامَ) بالحركات الثلاث): بالجر: حمزة، والباقون: بالنصب، وأما الرفع فشاذ.
[ ٤ / ٤٠٨ ]
والأرحام، أو أن تُعطف على محلِّ الجارِّ والمجرور، كقولك: مررتُ بزيدٍ وعَمرًا، وتنصرُه قراءةُ ابنِ مسعود:
(تساءلون به وبالأرحام)، والجرّ على عطف الظاهر على المضمر، وليس بسديد؛ لأنّ الضمير المتصل متصل كاسمه، والجار والمجرور كشيء واحد؛ فكانا في قولك «مررت به وزيد» و«هذا غلامه وزيد» شديدي الاتصال، فلما اشتدَّ الاتصال لتكرره أشبه العطف على بعض الكلمة، فلم يجز ووجب تكرير العامل، كقولك: «مررت به وبزيد» و«هذا غلامه وغلام زيد» ألا ترى إلى صحة قولك «رأيتك وزيدًا» و«مررت بزيد وعمرو» لما لم يقو الاتصال؛ لأنه لم يتكرر؟ وقد تمحل لصحة هذه القراءة بأنها على تقدير تكرير الجار ونظيرها قول الشاعر:
فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ
_________________
(١) ـ قوله: (متصل كاسمه) هو كقولك للمسمى بـ "شجاع": هو شجاع كاسمه، وقيل: لا زال كاسمه مسعودًا. قوله: (لتكرره) يعني اجتمع اتصالان؛ أحدهما: أنه ضمير متصل، وثانيهما: أن الجار والمجرور والمضاف مع المضاف إليه كشيء واحد، فصارت الهاء كحرف من الكلمة، فلا يجوز العطف، بخلاف المنصوب؛ لأنه لم يتكرر الاتصال. قال الزجاج: المخفوض كالتنوين في الاسم، فقبح أن يطف باسم يقوم بنفسه على ما لا يقوم بنفسه، قال المازني: كما لا تقول: مررت بزيد و"ك"، فكذلك لا تقول: مررت بك وزيد. وأنشد سيبويه: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا … فاذهب فما بك والأيام من عجب قال المصنف: (وقد تمحل)، أي: تكلف وتعسف؛ لأنه إن ارتفع قبح العطف، لكن لزم قبح آخر وهو إضمار الجار، قال السجاوندي: يقال: كيف أصبحت؟ فتقول: خير، أي: بخير، ولو قيل: بأي حال أصبحت؟ فتقول: خير، كان أحسن، فجاز أن تحمل عليه لغة القرآن،
[ ٤ / ٤٠٩ ]
_________________
(١) وإلا فقولهم: فاذهب فما بك والأيام من عجب؛ ضرورة شعر لا تحمل عليه لغة القرآن. ومعنى البيت: قد كنت مهجورًا مبعدًا، فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا، وليس هذا جزاء الإحسان، ثم عذره وقال: إني أعرف شيمة الزمان، وغدر أبنائه، فاذهب؛ فما بك من عجب ولا بالأيام أيضًا. وقال الحريري في "درة الغواص": فإن قيل: كيف جاز العطف على المضمرين: المرفوع والمنصوف بغير تكرير، وامتنع العطف على المضمر المجرور إلا بالتكرير؟ فالجواب عنه: أنه لما جاز أن يعطف ذانك الضميران على الاسم الظاهر في مثل قولك: قام زيد وهو، وزرت عمرًا وأباك؛ جاز أن يعطف الظاهر عليهما، ولما لم يجز أن يعطف المضمر المجرور على الظاهر إلا بتكرير الجار في مثل قولك: مررت بزيد وبك؛ لم يجز أن يعطف الظاهر على المضمر إلا بتكريره أيضًا، نحو: مررت بك وبزيد، وهذا من لطائف علم العربية، ومحاسن الفروق النحوية. وقال المالكي في "الشواهد": الجواز أصح من المنع؛ لضعف احتجاج المانعين وصحة استعماله نظمًا ونثرًا، وشواهدها كثيرة ذكرناها. وأما قراءة حمزة فقد اجتمع عليها: ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والنخعي والأعمش ويحيى بن وثاب وأبو رزين، ومن مؤيدات الجواز: قوله تعالى: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة: ٢١٧]، فجر المسجد بالعطف على الهاء المجرورة بالباء لا بالعطف على (سَبِيلِ)؛ لاستلزامه العطف على الموصول؛ وهو "الصد" قبل تمام صلته؛ لأن (عَنْ سَبِيلِ) صلة له؛ إذ هو متعلق به، و(وَكُفْرٌ) معطوف على "الصد"، وذلك يجوز بالإجماع، فإن عطف على الهاء؛ خلص من ذلك فحكم برجحانه، وأجاز الفراء أن يكون (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) معطوفًا على (لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) [الحجر: ٢٠].
[ ٤ / ٤١٠ ]
والرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف، كأنه قيل: والأرحام كذلك، على معنى: والأرحام مما يتقى أو: والأرحام مما يتساءل به. والمعنى أنهم كانوا يقرون بأن لهم خالقًا، وكانوا يتساءلون بذكر اللَّه والرحم، فقيل لهم: اتقوا اللَّه الذي خلقكم، واتقوا الذي تتناشدون به واتقوا الأرحام فلا تقطعوها. أو: واتقوا اللَّه الذي تتعاطفون بإذكاره وبإذكار الرحم.
وقد آذن عز وعلا - إذ قرن الأرحام باسمه - أن صلتها منه بمكان، كما قال: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا) [الإسراء: ٢٣]، وعن الحسن: إذا سألك باللَّه فأعطه، وإذا سألك بالرحم فأعطه. وللرحم حجنة عند العرش،
_________________
(١) ـ قوله: (والأرحام كذلك)، قال المصنف: إنه لما علم واشتهر بدليل الاستقراء والقياس لم يخف على أحد أنه لابد منه؛ إما منطوقًا به، وإما مقدرًا، والمقدر: إما مما يبقىبدليل قراءة النصب، وإما مما يتساءل به بدليل قراءة الجر. قوله: (والمعنى: أنهم كانوا يقرون بأن لهم خالقًا)، يعني: الكلام كله وارد على عرف المبعوث إليهم رسول الله ﷺ، وهذا يدل على اختياره الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذكرهما في أول السورة، فقوله: "واتقوا الله الذي خلقكم، واتقوا الذي تناشدون به، واتقوا الأرحام فلا تقطعوها"، معنى الآية بحسب نصب "الأرحام"، وقوله: "أو: واتقوا الله الذي تتعاطفون بإذكاره وبإذكار الرحم": بحسب جره؛ ومن ثم أعاد الجار في "بإذكار الرحم"، وترك معنى قراءة الرفع لعوده إلى أحد المعنيين. قوله: (وللرحم حجنة). النهاية: حجنة المغزل: صنارته، وهي المعوجة التي في رأسه. روينا عن الشيخين، عن أبي هريرة: "أن للرحم شجنة من الرحمن".
[ ٤ / ٤١١ ]
_________________
(١) ـ وعن أحمد بن حنبل وأبي داود والترمذي: "أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي". النهاية: شجنة، أي: قرابة مشتبكة كاشتباك العروق، [وأصل] الشجنة، بالكسر والضم: شعبة من غصن من غصون الشجرة. والتحقيق فيه: أن العرش منصة تتجلى عليه الصفة الرحمانية، لقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]، ولما كان للرحم تعلق باسم الرحمن بسبب الاشتقاق؛ جعلها حجنة عند العرش الذي هو منصة الرحمن. وروينا عن الشيخين، عن أبي هريرة في رواية، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله تعالى خلق الخلق، حتى إذا فرغهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ فقالت: بلى". الحديث. الجامع: الحقو: مشد الإزار من الإنسان، وقد يطلق على الإزار، ولما جعل الرحم شجنة من الرحمن استعار لها الاستمساك به، كما يستمسك القريب من قريبه، والنسيب من نسيبه. الراغب: ومعنى ذلك: أن الله تعالى لما جعل بين نفسه وبين عباده سببًا، كما أنه كتب على نفسه الرحمة بعباده، وأوجب عليهم في مقابلتها شكر نعمته، لما كان هو السبب
[ ٤ / ٤١٢ ]
ومعناه ما روي عن ابن عباس ﵄: الرحم متعلقة بالعرش، فإذا أتاها الواصل بشت به وكلمته، وإذا أتاها القاطع احتجبت منه. وسئل ابن عيينة عن قوله ﵊ «تخيروا لنطفكم» فقال: يقول لأولادكم؛ وذلك أن يضع ولده في الحلال، ألم تسمع قوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ)؟ وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال، فلا يقطع رحمه ولا نسبه، فإنما للعاهر الحجر، ثم يختار الصحة، ويجتنب الدعوة، ولا يضعه موضع سوء يتبع شهوته وهواه بغير هدى من اللَّه.
_________________
(١) الأول في وجودهم وخلق قواهم وقدرتهم وسائر خيراتهمـ كذا أيضًا جعل بين ذوي اللحمة بعضهم مع بعض شيئًا أوجب به على الأعلى التوفر على الأدون، وعلى الأدون توقير الأعلى؛ فصار بين الرحم والرحمة مناسبة معنوية، كما أن بينهما نسبة لفظية؛ ولهذا عظم شكر الوالدين فقرنه بشكره في قوله تعالى: (أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) [لقمان: ١٤] تنبيهًا أنهما السبب الأخير في الوجود. قوله: (أن يختار له الموضع الحلال) هذا كناية عن أن لا يكون هو زانيًا؛ لقوله: "فلا يقطع رحمه، فإنما للعاهر الحجر". النهاية: العاهر: الزاني، وقد عهر يعهر عهرًا وعهورًا: إذا أتى امرأة ليلًا للفجور، ثم غلب على الزنى مطلقًا، والمعنى: لا حظ للزاني في الولد، وإنما هو لصاحب الفراش، أي: لصاحب أم الولد وهو زوجها أو مولاها، وهو كقول الآخر: له التراب، أي: لا شيء له. قوله: (ثم يختار الصحة ويجتنب الدعوة). النهاية: الدعوة في النسبـ بالكسرـ هو: أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه وعشيرته، وكانوا يفعلونه، فنهي عنه وجعل الولد للفراش. يعني: بعد أن يصون نفسه عن الزنى ينبغي أن يتجنب موضع سوأتي الزانية؛ فإن الزانية ربما تزني فتلد فينسب إليه، لقوله: "الولد للفراش"، فلا يصح نسبه حقيقة فيكون دعيًا، فقوله: "يجتنب الدعوة" كناية عن ألا تكون المرأة زانية، والمعنى مأخوذ مما روينا عن البخاري،
[ ٤ / ٤١٣ ]
(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَاكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا) ٢].
(الْيَتامى) الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم. واليتم: الانفراد، ومنه: الرملة اليتيمة والدرّة اليتيمة. وقيل: اليتم في الأناسي من قبل الآباء، وفي البهائم من قبل الأمهات.
فإن قلت: كيف جمع اليتيم - وهو فعيل كمريض - على يتامى؟ قلت: فيه وجهان: أن يجمع على يتمى كأسرى؛ لأنّ اليتم من وادي الآفات والأوجاع، ثم يجمع فعلى فعالي كأسارى؛ ويجوز أن يجمع على فعائل لجري اليتيم مجرى الأسماء، نحو صاحب وفارس، فيقال: يتائم، ثم يتامى على القلب. وحق هذا
الاسم أن يقع على الصغار والكبار؛ لبقاء معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنه قد غلب أن يسمَّوا به قبل أن يبلغوا
_________________
(١) عن عائشة ﵂، كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن ابن وليدة زمعة مني، فاقبضه إليك. فلما كان عام الفتح أخذه سعد، فقال: ابن أخي. فقام عبد بن زمعة وقال: أخي وابن وليدة أبي؛ ولد على فراشه. فتساوقا إلى رسول الله ﷺ، فقال ﷺ: "هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر"، ثم قال لسودة: "احتجبي منه" لما رأى من شبهه بعتبة. قوله: (فيقال: يتائم)، قال المصنف: أنشدني الشريف لبشر النجدي: أأطلال حسن بالبراق اليتائم … سلام على أحجاركن القدايم حسن: امرأة، البراق: جمع برقة، وهي المكان الذي فيه حجارة ورمل وطين مختلطة.
[ ٤ / ٤١٤ ]
مبلغ الرجال، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم وانتصبوا كفاة يكفون غيرهم ويقومون عليهم، زال عنهم هذا الاسم. وكانت قريش تقول لرسول اللَّه ﷺ: يتيم أبى طالب، إمّا على القياس وإمّا حكاية للحال التي كان عليها صغيرًا ناشئًا في حجر عمه توضيعًا له. وأمّا قوله ﵇ «لا يتم بعد الحلم» فما هو إلا تعليم شريعة لا لغة، يعنى أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار. فإن قلت: فما معنى قوله: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ)؟ قلت: إما أن يراد باليتامى الصغار، وبإيتائهم الأموال
_________________
(١) ـ قوله: (استغنوا بأنفسهم عن كافل) على قوله: (زال) تفسير لقوله: "أن يبلغوا مبلغ الرجال"، أي: سموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، فإذا بلغوا زال عنهم هذا الاسم. وهذا التعريف بحسب العرف العام لا الشرع؛ لخروج حكم الحلم والسن من التعريف، ولهذا ما أوردوا قوله ﷺ سؤالًا عليه. قوله: (تعليم شريعة لا لغة) أي: لم يرد بقوله: "لا يتم بعد الحلم" اليتم اللغوي؛ فإن المقام مقام تعليم الأحكام، لا تعليم اللغة، يعني أنه منقول شرعية؛ لأن الغالب على من احتلم الاهتداء لطريق صلاحه، فلا يكون كاليتيم الذي لم يستغن بنفسه عن كفالة كافل؛ ومن ثم ضم الرشد معه في قوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) [النساء: ٦]. قوله: (فما معنى قوله: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)؟) الفاء تدل على إنكار، يعني: إذا كان معنى اليتم عدم البلوغ وصحة التصرف في الأموال والاستغناء عن الكفالة؛ فكيف قيل: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)؟ وأجاب بجوابين؛ أحدهما: أن اليتامى على ظاهره، والإيتاء على خلاف الظاهر، والثاني: عكسه.
[ ٤ / ٤١٥ ]
أن لا يطمع فيها الأولياء والأوصياء وولاه السوء وقضاته، ويكفوا عنها أيديهم الخاطفة حتى تأتي اليتامى إذا بلغوا سالمة غير محذوفة؛ وإما أن يراد الكبار؛ تسمية لهم يتامى عل القياس، أو لقرب عهدهم إذا بلغوا بالصغر، كما تسمى الناقة عشراء بعد وضعها، على أن فيه إشارة إلى أن يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ، ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن يؤتوها قبل أن يؤل عنهم اسم اليتامى والصغار.
وقيل: هي في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال، فمنعه عمه، فترافعا إلى أن النبي ﷺ، فنزلت، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا
_________________
(١) ـ الانتصاف: ويقوي الأول قوله بعد آيات: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ) [النساء: ٦]، والآية الأولى لحفظها عليهم، والثانية للإيتاء الحقيقي عند البلوغ والرشد، ويؤيده ما يعقبه: (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) [النساء: ٢] تأديبًا للوصي ما دام المال في يده، وعلى الوجه الآخر يكون معنى الآيتين واحدًا، فالأولى مجملة، والثانية مبينة بالإيناس والبلوغ. قوله: (أن لا يطمع فيها) أي: المراد من الأمر بالإيتاء رفع الطمع على سبيل الكناية؛ لأن الإيتاء إنما يتأتى إذا بقي المال ولم يهلك، وإنما يسلم من الهلاك إذا لم يتصرف فيه تصرف الملاك، ولا يتصرف في مال الغير إلا الطامع فيه. قوله: (غير محذوفة) أي: منقوصة، الأساس: فرس محذوف: مقطوع الذنب، وزق محذوف: مقطوع القوائم. قوله: (على أن فيه إشارة) يعني سموا باليتامى وإن لم يكونوا يتامى مجازًا؛ لاعتبار معنى لطيف وهو أن يؤخر الإيتاء عن البلوغ، ويسمى هذا الفن في الأصول بإشارة النص، وهو أن يساق الكلام لمعنى ويضمن معنى آخر، وإليه الإشارة بقوله: "على أن فيه إشارة".
[ ٤ / ٤١٦ ]
الرسول، نعوذ باللَّه من الحوب الكبير. فدفع ماله إليه فقال النبي ﷺ: "ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره"؛ يعنى جنته، فلما قبض ألفوا ماله أنفقه في سبيل اللَّه، فقال النبي ﷺ: ثبت الأجر، ثبت الأجر وبقي الوزر، قالوا: يا رسول اللَّه، قد عرفنا أنه ثبت الأجر
كيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل اللَّه؟ فقال: ثبت أجر الغلام، وبقي الوزر على والده
(وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ): ولا تستبدلوا الحرامـ وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم، وما أبيح لكم من المكاسب ورزق اللَّه المبثوث في الأرضـ فتأكلوه مكانه؛ أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموال اليتامىـ بالأمر الطيب؛ وهو حفظها والتورع منها. والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز، منه التعجل بمعنى الاستعجال، والتأخر بمعنى الاستئخار، قال ذو الرمّة:
_________________
(١) قوله: (فلما قبض ألفوا ماله أنفقه) أي: فلما مات الغلام، وجد الناس أن الغلام أنفق ماله في سبيل الله. قوله: (ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده) يعني جمع والده المال: إما من الحرام فعليه الظلامة، وإما من الحلال فعليه تبعة الحساب والوزر إن منع من حقوق الله شيئًا، هذا على تقدير الثاني مجمع عليه، وأما على الأول فمختلف فيه بناءً على أن الولد هل هو غاصب أيضًا أم لا؟ فعلى مذهب الشافعي: لا يثبت الأجر ما لم يرده إلى من غصب منه، أو يستحل منه. قوله: (فتأكلوه) جزم عطف على "تستبدلوا"، أو نصب جوابًا للنهي. قوله: (اختزال أموال اليتامى). النهاية: وفي الحديث: "يريدون أن يختزلونا من
[ ٤ / ٤١٧ ]
فَيَا كَرَمَ السَّكْنِ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا عَنِ الدَّارِ وَالْمُسْتَخْلَفِ الْمُتَبَدَّلِ
أراد: ويا لؤم ما استخلفته الدار واستبدلته. وقيل: هو أن يعطى رديئا ويأخذ جيدًا. وعن السدي: أن يجعل شاة مهزولة مكان سمينة، وهذا ليس بتبدل، إنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي.
_________________
(١) أصلنا"، أي: يقتطعونا ويذهبوا بنا منفردين، فعلى هذا ليس الاستبدال في المعين كما في الأول، يعني: لا تتركوا حفظ مال اليتيم إلى اختزاله. قوله: (فيا كرم السكن) البيت، السكن: أهل الدار، تحملوا: ارتحلوا، واستبدلته أي: من البقر والظباء، والمستخلف: مجرور على تقدير المضاف، واللام بمعنى الذي، والعائد محذوف، تأويله قوله: "ويا لؤم ما استخلفته". قوله: (أن يجعل شاة) أن يعطي عند الإنفاق شاة مهزولة مثلًا، ويحاسب عليه بالشاة السمينة. قوله: (وهذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل). الجوهري: تبديل الشيء: تغييره وإن لم يأت ببدل، واستبدل الشيء بغيره وتبدله: إذا أخذه مكانه. الأساس: بدل الشيء: غيره، وتبدلت الدار بأنسها وحشًا واستبدلت، فمعنى التبديل: التغيير، وهو عام في أخذ شيء وإعطاء شيء، وفي طلب ما ليس عنده، وترك ما عنده، هذا معنى قول الجوهري: تبديل الشيء: تغييره وإن لم يأت ببدل، ومعنى التبدل: الاستبدال، والاستبدال: طلب البدل، فكل تبدل تبديل، وليس كل تبديل تبدلًا، فقوله: "ولا تستبدلوا الحرامـ وهو مال اليتامىـ بالحلالـ وهو مالكم"، وقوله: "أو: ولا تستبدلوا الأمر الخبيثـ وهو اختزال أموال اليتامىـ بالأمر الطيب وهو حفظها" ليس فيهما أخذ شيء
[ ٤ / ٤١٨ ]
(وَلا تَأكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ): ولا تنفقوها معها. وحقيقته: ولا تضموها إليها في الإنفاق، حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم؛ قلة مبالاة بما لا يحل لكم، وتسوية بينه وبين الحلال. فإن قلت: قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم، فلمَ ورد النهي عن أكله معها؟ قلت: لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم اللَّه من مال حلال - وهم على ذلك يطمعون فيها؛ كان القبح أبلغ والذم أحق؛
_________________
(١) وإعطاء شيء بدله، بل هو طلب شيء ليس عنده وترك ما عنده؛ يدل عليه قوله: "وما أبيح لكم من المكاسب"، فعلى هذا قوله: "إلا أن يكارم صديقًا له" استثناء متصل من قوله: "إنما هو تبديل"، فتقدير الكلام أن يقال: جعل شاة مهزولة مكان سمينة تبديل؛ لأنه أخذ شيء وإعطاء شيء آخر، وليس بتبدل الذي هو ترك شيء بدله، كما سبق، إلا أن يحمل قول السدي على المكارمة، بأن يكون لليتيم شاة سمينة في ذمة صديق الولي، فيأخذ منه عجفاء مكان السمينة مكارمة له؛ فيصح على هذا معنى التبدل. ويؤيد ما ذهبنا إليه قوله: "مكان سمينة من مال الصبي"، قال الزجاج: (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ)، معناه: لا تأكلوا مال اليتيم بدلًا من مالكم، وكذلك "لا تأكلوا أيضًا أموالهم إلى أموالكم"، أي: لا تضيفوا أموالهم في الأكل إلى أموالكم. قوله: (لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى … كان القبح أبلغ والذم أحق)، الانتصاف: طريق البلاغة الترقي بالنهي عن الأدنى تنبيهًا على الأعلى، وها هنا أعلى درجات النهي أن يأكل ماله وهو غني، وأدناها أكلها وهو فقير، فيقال: ما وجه وروده على عكس القانون؟ وجوابه: أن أبلغ الكلام ما تعددت وجوه إفادته. وفي النهي عن الأعلى فائدة جليلة لا توجد في النهي عن الأدنى؛ فالمنهي عنه متى كان أقبح كانت النفس منه أنفر، والأكل من الغني أقبح، فإذا استبشع المنهي عنه دعاه ذلك إلى الإحجام عنه، وعن أكل ماله مطلقًا. ويحقق هذا تخصيص النهي بالأكل، مع أن وجوه الانتفاع به محرمة؛ فإن العرب كانت تذم الإكثار من الأكل، وتعيب على من جعل ذلك دأبه، بخلاف سائر الملاذ،
[ ٤ / ٤١٩ ]
ولأنهم كانوا يفعلون كذلك؛ فنعي عليهم فعلهم وسمع بهم، ليكون أزجر لهم.
والحوب: الذنب العظيم؛ ومنه قوله ﷺ: «إن طلاق أم أيوب لحوب» فكأنه قيل: إنه كان ذنبًا عظيمًا كبيرًا. وقرأ الحسن (حُوبًا) بفتح الحاء، وهو مصدر حاب، حوبًا. وقرئ: (حابًا). ونظير الحوب والحاب: القول والقال. والطرد والطرد.
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا) ٣].
ولما نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير؛ خاف الأولياء
_________________
(١) ـ فخص النهي بالأكل لكونه أقبح الملاذ؛ حتى إذا نفرت النفس بمقتضى الطبع، جر ذلك إلى النفور عن أخذ مال اليتيم بباقي الملاذ، ومثله (لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) [آل عمران: ١٣٠]. ولا يوجد مثل هذه المراعاة إلا في الكتاب العزيز، فالنهي إن خص بالأدنى فللتنبيه على الأعلى، وإن عكس فللتدرب على الانكفاف عن القبيح مطلقًا من الانكفاف عن الأقبح. قوله: (وسمع بهم). النهاية: يقال: سمعت بالرجل تسميعًا وتسمعة: إذا شهرته ونددت به، وسمع فلان بعمله: إذا أظهره ليسمع"، الجوهري: التسميع: التشنيع. قوله: ([إن] طلاق أم أيوب لحوب) هو من باب التغليظ. قوله: (ولما نزلت الآية في اليتامى، وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير؛ خاف الأولياء)، فسر هذه الآية بوجوه ثلاثة، وقدر الشرط والجزاء على ما يعطيه الوجه من المعنى:
[ ٤ / ٤٢٠ ]
_________________
(١) أولها: "إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فخافوا أيضًا ترك العدل بين النساء، فقللوا عدد المنكوحات". وثانيها: "إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا [الزنى]، فانكحوا ما حل لكم من النساء، ولا تحوموا حول المحرمات". وثالثها: "إن خفتم ألا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم". قال صاحب "الانتصاف": هذا أظهر، والآية معه مكملة لبيان حكم اليتامى، وأمر بالاحتياط وأن في غيرهن متسعًا، ويؤيده (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ) الآية [النساء: ١٢٧] فتتطابق الآيتان، وعلى التأويلين لا يطابقان. ولأن الشرط لا يرتبط معهما بالجواب إلا من وجه عام، أما الأول فلأن الجور على النساء في الحرمة كالجور على اليتامى، وأما الثاني فلأن الزنى محرم كما أن الجور على اليتامى محرم، وكم من محرم يشاركهما في التحريم، فلا خصوصية تربط الجواب كخصوصية الثالث، فإن ظاهر قوله: (مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) أنه توسعة عليهم، كأنه قيل: إن خفتم نكاح اليتامى ففي غيرهن متسع، وعلى الأول هو تضييق، كأنه قيل: إن خفتم من الجور في اليتامى فخافوا الجور في النساء، واحتاطوا في عدد النمكوحات؛ فينافي التوسعة، ووجه الإشعار بالتوسعة إطلاق (مَا طَابَ)، ثم مجيء قوله: (مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) بيانًا لما وقع إطلاقه، فلو أريد التضييق لكانت البداية بالتقييد أنسب، ولما خاف في التوسعة الميل قيل: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً). قلت: هذا تقرير لا مزيد عليه، ولهذا أتى بقوله: (مِنْ النِّسَاءِ)، فإن قلت: فما فائدة ذكر (مِنْ النِّسَاءِ) في هذه الآية وفي قوله تعالى: (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ) [النساء: ٢٢] فإن النكاح إنما يقع على النساء؟ قلت: هو من باب ترتيب الحكم على الوصف المناسب ترغيبًا وتحذيرًا؛ ومن ثم أوثر بالوصف على من
[ ٤ / ٤٢١ ]
أن يلحقهم الحوب بترك الإقساط في حقوق اليتامى، وأخذوا يتحرّجون من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج والثماني والست، فلا يقوم بحقوقهنّ ولا يعدل بينهن، فقيل لهم:
إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرّجتم منها؛ فخافوا -أيضًاـ ترك العدل بين النساء؛ فقللوا عدد المنكوحات؛ لأنّ من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرّج ولا تائب؛ لأنه إنما وجب أن يُتحرج من الذنب ويُتاب منه لقبحه، والقبح قائم في كل ذنب. وقيل:
كانوا لا يتحرّجون من الزنا وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى، فقيل: إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنا، فانكحوا ما حلّ لكم من النساء، ولا تحوموا حول المحرّمات. وقيل:
كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها، فيتزوجها ضنًا بها عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشر منهن، فيخاف - لضعفهن وفقد من يغضب لهن - أن يظلمهنّ حقوقهن ويفرط فيما يجب لهنَّ، فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم. ويقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور، وهو جمع يتيمة على القلب، كما قيل: أيامى، والأصل: أيائم ويتائم. وقرأ النخعي:
_________________
(١) في الآيتين، فـ (مِنَ): إما تبعيضية، أو ابتدائية. والتعريف في (النِّسَاءَ) لاستغراق الجنس، كأنه قيل: فاختاروا من بين سائر النساء للنكاح الطيبات المستلذات منهن توسعة لكم، ولا تختصوا من بين سائر النساء الممقوتات عند الله تعالى؛ لأن لكم عن عيبهن سعة من بين سائر النساء، تهجينًا له وتقبيحًا، ولو لم يذكر (مِنْ النِّسَاءِ) لم نعد هذه الفائدة؛ ومن ثم عقبه قوله: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) [النساء: ٢٢]. ويجوز أن تكون بيانية على التجريد؛ لقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ) [الحج: ٣٠] ونظيرهما في التوسعة قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) بعد قوله: (َكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا) [البقرة: ٣٥]. قوله: (كما قيل: أيامى، والأصل: أيائم). الأيم في الأصل: التي لا زوج لها بكرًا كانت
[ ٤ / ٤٢٢ ]
(تُقْسِطُوا) بفتح التاء على أن لا مزيدة، مثلها في (لِئَلَّا يَعْلَمَ) [الحديد: ٢٩] يريد: وإن خفتم أن تجوروا.
(ما طابَ) ما حلّ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ لأنّ منهن ما حرم كاللاتى في آية التحريم. وقيل (ما) ذهابا إلى الصفة. ولأن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء،
_________________
(١) أو ثيبًا، مطلقة كانت أو متوفى عنها زوجها. المغرب: رجل أيم أيضًا، وقد آمت أيمة، قال: كل امرئ ستئيم منـ … ـه العرس أو منها يئيم وعن محمد: هي الثيب، لقوله صلوات الله عليه: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها". قوله: ("تقسطوا" بفتح التاء على أن "لا" مزيدة)؛ وذلك أن القسط، بالكسر: العدل، تقول منه: أقسط الرجل فهو مقسط؛ فعلى هذا "لا" غير مزيدة، والقسوط: الجور، وقد قسط يقسط قسوطًا. فـ "لا"ـ على هذاـ مزيدة. قوله: (وقيل: (مَا) ذهابًا إلى الصفة). اعلم أنه قد تقرر أن "ما" لا تستعمل في ذوي العقول، فإذا استعملت فيهم أريد الوصف، نحو قوله: "سبحان ما سخركن لنا"، وتخصيصه بحسب المقام، والذي يقتضي هذا المقام من الوصف، وهو ما يشعر به نفي الحرج والتضييق كما ينبئ عنه الوجه الثالث، واختاره صاحب "الانتصاف"، فالمعنى: إن خفتم ألا تقسطوا في يتامى النساء؛ لما في تزوجهن مع كلفة حق الزواج ومراعاة حقوق اليتامى من القيام في أموالهن، وجبران قلوبهن بسبب اليتم، فانكحوا الموصوفات
[ ٤ / ٤٢٣ ]
ومنه قوله تعالى: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [المؤمنون: ٦]. (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) معدولة عن أعدادٍ مكرَّرة، وإنما مُنِعَتِ الصَّرف؛ لما فيها من العدلين: عَدْلِها عن صِيَغِها، وعَدْلِها عن تكرُّرِها، وهي نَكِراتٌ يُعرّفن بلام التعريف. تقول: فلان
_________________
(١) ـ بغير ذلك لينتفي ذلك الحرج، وتطيب به نفوسكم، فأسند (طَابَ) إلى الضمير الراجح إلى (مَا) المفسر بـ (النِّسَاءَ)، وهذا التفسير وتفسير المصنف يدوران مع تأويله قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) [البقرة: ١٧٢] لما أريد بالطيبات المستلذات تارة والحلال أخرى، والأول أرجح لاقتضاء المقام، ولما أن الأمر بالنكاح لا يكون إلا في الحلال فوجب الحمل على شيء آخر. قوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣] ويروى: "أيمانهم"، وجاء في سورة "قد أفلح": (أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [المؤمنون: ٦]، قال: لم يقل: من ملكت؛ لأنه أريد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث، فعلى هذا فيه تحقير لشأنهن، وهو على خلاف ما أجري له الكلام. قوله: (عدلها عن صيغها، وعدلها عن تكررها). قال الزجاج: إنه معدول عن التكرير، وعن التأنيث. وقال أبو البقاء: إنها نكرات لا تنصرف للعدل والوصف، وهي بدل من (مَا)، وقيل: حال من (النِّسَاءِ) ". وقال القاضي: إنها غير مصروفة للعدل والصفة؛ فإنها بنيت صفات، وإن كانت أصولها لم تبن لها، وقد استقصينا البحث فيه في "فاطر".
[ ٤ / ٤٢٤ ]
ينكح المثنى والثلاث والرباع، ومحلهن النصب على الحال مما طاب، تقديره: فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد، ثنتين ثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعًا أربعًا. فإن قلت: الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في (مَثْنَى وثُلَاثَ ورُبَاعَ)؟ (قلتُ): الخطابُ للجميعِ، فوَجَبَ التكريرُ ليصيبَ كلَّ ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له، كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال - وهو ألف درهم - درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، ولو أفردت لم يكن له معنى. فإن قلت: فلم جاء العطف بالواو دون "أو"؟ قلت: كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك. ولو ذهبت تقول: اقتسموا هذا المال درهمين درهمين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة: أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة، وليس لهم أن يجمعوا بينها فيجعلوا بعض القسم على تثنية، وبعضه على تثليث، وبعضه على تربيع؛ وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلَّت عليه الواو. وتحريره: أنّ الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع، إن شاءوا مختلفين في تلك الأعداد، وإن شاؤوا متفقين فيها، محظورًا عليهم ما وراء ذلك. وقرأ إبراهيم: وثلث وربع، على القصر من ثلاث ورباع.
(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا): بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها (فَواحِدَةً): فالزموا، أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع رأسًا؛ فإنّ الأمر كله يدور مع العدل،
_________________
(١) قوله: (أطلق للناكح) أي أبيح، المغرب: التركيب يدل على الحل والانحلال، منه: أطلقت الناقة من العقال، ورجل طلق اليدين: سخي، وفي ضده: مغلول اليدين. قوله: (كل ناكح) روي بالنصب على أنه مفعول "ليصيب"، وفاعله: "ما أراد من العدد".
[ ٤ / ٤٢٥ ]
فأينما وجدتم العدل فعليكم به. وقرئ (فَواحِدَةً) بالرفع على: فالمقنع واحدة، أو فكفت واحدة، أو فحسبكم واحدة (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) سوّى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء، من غير حصر ولا توقيت عدد، ولعمري أنهنّ أقل تبعة، وأقصر شغبا، وأخف مؤنة من المهائر، لا عليك أكثرت منهن أم أقللت، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل، عزلت عنهن أم لم تعزل. وقرأ ابن أبى عبلة:
من ملكت (ذلِكَ) إشارة إلى اختيار الواحدة والتسرى (أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) أقرب من أن لا تميلوا، من قولهم:
عال الميزان عولا، إذا مال. وميزان فلان عائل، وعال الحاكم في حكمه إذا جار. وروى أن أعرابيًا حكم عليه حاكم فقال له: أتعول علىّ؟ وقد روت عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ: «ألا تعولوا: أن لا تجوروا» والذي يحكى عن الشافعي ﵀ أنه فسر (أَلَّا تَعُولُوا) أن لا يكثر عيالكم، فوجهه: أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم، كقولهم: مانهم يمونهم، إذا أنفق عليهم؛ لأنّ من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الكسب وحدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب.
_________________
(١) قوله: (فأينما وجدتم العدل فعليكم به)، هذا تورية إلى مذهبه الذي سماه العدل. قوله: (شغبًا)، الجوهري: الشغب بالتسكين: تهييج الشر، ولا يقال: شغب. وشغبت عليهم، بالكسر، أشغب شغبًا: لغة ضعيفة فيه. قوله: (من المهائر): هي الحرائر، واحدتها: المهيرة، وهي الكثيرة المهر، الأساس: أمهر المرأة أعطاها المهر، وله مهائر وسراري. قوله: (ما يصعب عليه)، قيل: "عليه": حال من فاعل "المحافظة"، أي: محافظة الشخص
[ ٤ / ٤٢٦ ]
وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظنّ به تحريف تعيلوا إلى تعولوا، فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁: لا تظنن بكلمة خرجت من فِيْ أخيك سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملا. وكفى بكتابنا المترجم بكتاب «شافي العيّ، من كلام الشافعي» ﵁، شاهدًا بأنه كان أعلى كعبًا،
_________________
(١) ـ راكبًا على ذلك الأمر أو ملتبسًا معه، وفيه تعسف، والوجه أن "عليه": صلة "يصعب". في "الأساس": صعب عليه الأمر وتصعب واستصعب، وفي "الصحاح": واستصعب عليه الأمر: صعب. المعنى: وفي كثرة العيال ما يصعب على الرجل المحافظة معه على حدود الورع، فـ "ما" موصولة بالجملة، والعائد محذوف، والضمير المجرور عائد إلى "من"، ويؤيد هذا الوجه ما روي عن نسخة المصنف: "ما يصعب عليهم". قوله: (أعلى كعبًا) مثل لاطلاعه على علوم العربية، وكونه ذا حظ وافر فيها، وهو إما أن يكون من قولهم: "رتب رتوب الكعب في المقام الصعب"، أي: أنه أشد ممارسة لعلوم العربية وأثبت في مزالقه، أو من قولهم: "أعلى الله كعبه"، و"ذهب كعب القوم": إذا ذهب جدهم وشرفهم. النهاية: في حديث قيلة: لا يزال كعبك عاليًا، أي: لا تزالين شريفة عالية على من يعاديك. وفي "جامع الأصول": مناقب الشافعي ﵁ أكثر من أن تعد، وفضائله أكثر من أن تحصى: إمام الدنيا، وعالم الأرض شرقًا وغربًا، جمع له الله له من العلوم
[ ٤ / ٤٢٧ ]
وأطول باعًا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن للعلماء طرقًا
_________________
(١) والمفاخر ما لم يجمع لإمام قبله ولا بعده، وانتشر له من الذكر ما لم ينتشر لأحد سواه، قال أحمد بن حنبل ﵁: كان الشافعي كالشمس للنهار، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف، أو عنهما عوض؟ توفي بمصر سنة أربع ومئتين وله أربع وخمسون سنة. قوله: (وأطول باعًا) مثل لكثرة تناوله، وعموم تعاطيه، هذا تعصب للإمام الشافعي ورد على من خطأه، قال أبو بكر الرازي: وقد خطأه الناس بأنه خالف المفسرين، وبأنه لو قيل: أن لا تعيلوا، لكان تفسيره مستقيمًا. وقال صاحب "الإيجاز": إنما يقال من كثرة العيال: أعال يعيل إعالة، ولم يقولوا: أعال يعول. وقال صاحب "النظم": قال في أول الآية: فإن خفتم ألا تعدلوا فالأحسن ألا تجوروا؛ مراعاة للمطابقة. والمصنف أجابهم بحرف واحد وهو أن معناه: لا تجوروا، لكنه على سبيل الكناية، وهذا إنما يتمشى إذا قلنا بالفرق بين الحرائر والإماء في العزل، وظاهر مذهب
[ ٤ / ٤٢٨ ]
وأساليب، فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات. فإن قلت: كيف يقل عيال من تسرّى، وفي السراري نحو ما في المهائر؟ قلت: ليس كذلك؛ لأن الغرض بالتزوّج التوالد والتناسل بخلاف التسري، ولذلك جاز العزل عن السراري بغير إذنهنّ،
_________________
(١) ـ الشافعي على التسوية، وأن المراد بقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) [النساء: ٣] ما تقرر من قبل: كان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج فلا يقوم بحقوقهن، ولا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل فيهن لكثرتهن؛ فقللوا عدد المنكوحات من غيرهن، ثم نزل درجة أخرى بقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣]. وأما وجه المطابقة؛ فإن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة، فبالنظر إلى التصريح تحصل المطابقة، وبالنظر إلى الكناية تحصل المطابقة مع المبالغة التي تعطيه تصوير قول القائل: كثرة العيال فضيحة الرجال، وعلى هذا الوجه وقع السؤال: كيف يقال: عال من تسرى؟ وقريب من هذه المطابقة قوله تعالى: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) [المائدة: ٦٤] جوابًا عن قولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)، إذا أريد بغل الأيدي حقيقته؟ قال المصنف: "الطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز". وأما وجه التقرير على أن يجرى (أَلاَّ تَعُولُوا) على حقيقته، فكما قرره صاحب "الانتصاف" وآثرناه على الوجوه، وهو ظاهر مكشوف، وذكر في "الروضة": لا يحرم، أي: العزلـ في الزوجة على المذهبـ سواء الحرة والأمة، بالإذن وبغيره، وقيل: يحرم في الحرة. قوله: (وفي السراري). الجوهري: هي جمع السرية، وهي الأمة التي بوأتها بيتًا، وهي فعلية: من السر والإخفاء، وهو الجماع، وضمت سينه لأن الأبنية قد تتغير في النسبة.
[ ٤ / ٤٢٩ ]
فكان التسري مظنة لقلة الولد بالإضافة إلى التزوّج، كتزوّج الواحدة بالإضافة إلى تزوج الأربع. وقرأ طاووس: (أن لا تعيلوا)، من أعال الرجل: إذا كثر عياله. وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعي ﵀ من حيث المعنى الذي قصده.
(وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) ٤].
(صَدُقاتِهِنَّ): مهورهن، وفي حديث شريح: قضى ابن عباس لها بالصدقة. وقرئ: (صَدُقاتِهِنَّ) بفتح الصاد وسكون الدال على تخفيف (صَدُقَاتِهِنَّ). وصدقاتهن بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة بوزن غرفة. وقرئ: (صدقتهن)، بضم الصاد والدال على التوحيد، وهو تثقيل صدقة، كقولك في ظلمة: ظلمة (نِحْلَةً) من: نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلا. ومنه حديث أبي بكر ﵁: إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقًا
_________________
(١) ـ قوله: (نحلتك جداد عشرين وسقًا). المغرب: الجد في الأصل: القطع، ومنه جد النخل: صرمه، أي: قطع ثمره جدادًا فهو جاد، وفي حديث أبي بكر ﵁ أنه نحل عائشة جداد عشرين وسقًا، والسماع: جاد عشرين، وكلاهما مؤول، إلا أن الأول نظير قولهم: هذه الدراهم ضرب الأمير، والثاني: نظير (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) [الحاقة: ٢١]. والمعنى: أنه أعطاها نخلًا يجد منه مقدار عشرين وسقًا من التمر. وقلت: وفي "الجامع": عن مالك في "الموطأ"، قالت عائشة ﵂: نحلني أبو بكر جاد عشرين وسقًا من مال الغابة، فملا حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية، ما من الناس أحب إلي غنى منك بعدي، ولا أعز علي فقرًا بعدي منك، وغني كنت نحلتك جاد عشرين، ولو كنت جددته واحترزته لكان لك، وغنما هو اليوم مال الوارث. الحديث.
[ ٤ / ٤٣٠ ]
بالعالية. وانتصابها على المصدر؛ لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، فكأنه قيل: وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة، أي: أعطوهنّ مهورهنّ عن طيبة أنفسكم، أو على الحال من المخاطبين، أي: آتوهنّ صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو من الصدقات، أي: منحولة معطاة عن طيبة الأنفس. وقيل: نحلة من اللَّه: عطية من عنده وتفضلًا منه عليهن، وقيل: النحلة الملة، ونحلة الإسلام خير النحل. وفلان ينتحل كذا:
أي: يدين به. والمعنى: آتوهن مهورهن ديانة، على أنها مفعول له ويجوز أن يكون حالًا من الصدقات، أي: دينا من اللَّه شرعه وفرضه. والخطاب للأزواج، وقيل: للأولياء؛ لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم، وكانوا يقولون: هنيئًا لك النافجة؛ لمن تولد له بنت، يعنون: تأخذ مهرها فتنفج به مالك، أي تعظمه. الضمير في: (مِنْهُ) جار مجرى اسم الإشارة كأنه قيل عن شيء من ذلك، كما قال اللَّه تعالى: (قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ) [آل عمران: ١٥] بعد ذكر الشهوات، ومن الحجج المسموعة من أفواه العرب ما روي عن رؤبة أنه قيل له في قوله:
_________________
(١) قوله: "وسقًا". النهاية: الوسق، بالفتح: ستون صاعًا وهو ثلاث مئة وعشرون رطلًا، وفيه خلاف، والأصل فيه: الحمل، وكل شيء وسقته: حملته. قوله: (بالعالية). النهاية: العوالي: هي الأماكن بأعلى أراضي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد على ثمانية. قوله: (أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم) أي: نحلة، مصدر للنوع وضعت موضع الإيتاء. قوله: (ناحلين) فالمصدر بمعنى اسم الفاعل، وقوله: "طيبي النفوس" تفسير ناحلين. قوله: (وقيل: نحلة من الله) معطوف على "منحولة". قوله: (النافجة). الأساس: ومن المجاز قولهم: هنيئًا لك النافجة، وهي البنت؛ لأنه كان يأخذ مهرها فينفج ماله، أي: يوسعه ويعظمه، ومنه النفاجة للبنة القميص؛ لأنها توسعه.
[ ٤ / ٤٣١ ]
كَأنَّهُ فِى الْجِلدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ
فقال: أردت: كأن ذاك. أو يرجع إلى ما هو في معنى الصدقات وهو الصداق؛ لأنك لو قلت:
وآتوا النساء صداقهنَّ، لم تخل بالمعنى، فهو نحو قوله: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) [المنافقون: ١٠]؛ لأنه في الأصل: أصدّق مجزومًا فلما جاء بالفاء نصبه فعطف، وأكن على أصل أصدق؛ لأن الفاء عارض كأنه قيل: أصدق و(نَفْسًا) تمييز، وتوحيدها؛ لأنّ الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه. والمعنى:
فإن وهبن لكم شيئًا من الصَّداق،
_________________
(١) قوله: (كأنه في الجلد توليع البهق) مضى تمامه وشرحه في "البقرة" عند قوله: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) [البقرة: ٦٨]. قوله: (فهو كقوله: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ) [المنافقون: ١٠]. الانتصاف: في تنظيره به نظر؛ فإن المراعى ثم الأصل هو الجزم، وتقدير الأصل وإعطاؤه حكم الموجود حسن، ولا كذلك إفراد "الصداق" المتقدم، فليس بأصل بل الأصل الجمع، وقد يأتي الإفراط فيه على جهة الاختصار والاستغناء عن الجمع، ولا يراد أنهم راعوا ما ليس بأصل في قوله: بدالي أني لست مدرك ما مضى … ولا سابق شيئًا إذا كان جائيا لأن دخول الباء وإن لم يكن أصلًا إلا أنها توطنت بهذا الموضع، وكثر دخولها فيه، فصارت كالأصل. الإنصاف: والإفراد أصل في الآية؛ لأن المراد: وآتوا كل واحدة من النساء صداقها، والجمع فرع على الإفراد.
[ ٤ / ٤٣٢ ]
وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم (فَكُلُوهُ) فأنفقوه. قالوا: فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة، علم أنها لم تطب منه نفسا، وعن الشعبي: أن رجلا أتى مع امرأته شريحًا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع، فقال شريح: ردّ عليها، فقال الرجل: أليس قد قال اللَّه تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ) قال لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وعنه: أقيلها فيما وهبت ولا أقيلة؛ لأنهنّ يخدعن. وحكي أن رجلا من آل معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقًا كان لها عليه، فلبث شهرًا ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل: أعطتني طيبة بها نفسها، فقال عبد الملك: فأين الآية التي بعدها (فَلَا تَاخُذُوا مِنهُ شَيْئًا) [النساء: ٢٠]؟ ! اردد عليها. وعن عمر ﵁: أنه كَتَبَ إلى قُضاتِه: إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها» وعن ابن عباس ﵄: أنّ رسول اللَّه ﷺ سئل عن هذه الآية فقال «إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضى به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم اللَّه به في الآخرة» وروي: أن أناسًا كانوا يتأثمون أن يرجع أحد.
_________________
(١) ـ قوله: (وتجافت عنه نفوسهن) إشارة إلى التضمين، قال القاضي: جعل العمدة طيب النفسن وعداه بـ (عَن)؛ لتضمين معنى التجافي والتجاوز. قوله: (من شكاسة أخلاقكم). الجوهري: رجل شكس، أي: صعب الخلق. قوله: (الآية التي بعدها) يعني قوله: (وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) [النساء: ٢٠]. قوله: (يتأثمون). النهاية: قال: تأثم فلان؛ إذا فعل فعلًا خرج به من الإثم، كما يقال: تحرج: إذا فعل ما يخرج به من الحرج، وفي التركيب تضمين، أي: يمتنعون عن أن يرجع أحدهم تأثمًا.
[ ٤ / ٤٣٣ ]
منهم في شيء مما ساق إلى امرأته، فقال اللَّه تعالى: إن طابت نفس واحدة من غير إكراه ولا خديعة؛ فكلوه سائغًا هنيئًا.
وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك، ووجوب الاحتياط، حيث بني الشرط على طيب النفس فقيل: (فَإِن طِبنَ)، ولم يقل: فإن وهبن، أو سمحن؛ إعلامًا بأنّ المراعى هو تجافى نفسها عن الموهوب طيبة. وقيل: (فَإِن طِبنَ لَكُمْ عَن شَيءٍ مِنْهُ)، ولم يقل: فإن طبن لكم عنها، بعثًا لهنَّ على تقليل الموهوب. وعن الليث بن سعد: لا يجوز تبرعها إلا باليسير. وعن الأوزاعي: لا يجوز تبرعها ما لم تلد أو تقم في بيت زوجها سنة.
ويجوز أن يكون تذكير الضمير لينصرف إلى الصداق الواحد؛ فيكون متناولًا بعضه، ولو أنث لتناول ظاهره هبة الصداق كله؛ لأنّ بعض الصدقات واحدة منها فصاعدًا. الهنيء، والمريء: صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ: إذا كان سائغًا لا تنغيص فيه. وقيل: الهنيء: ما يلذه الآكل. والمريء ما يحمد عاقبته.
وقيل هو ما ينساغ في.
_________________
(١) قوله: (بعثًا لهن على تقليل الموهوب) لدلالة (شَيْءٍ) منكرًا تنكير تقليل عليه. قوله: (ويجوز أن يكون تذكير الضمير) يحتمل أن يكون معطوفًا على قوله: "يرجع إلى ما هو في معنى الصدقات، وهو الصداق"، والمراد به على ذلك الوجه: جنس الصداق من حيث هو هو، وعلى هذا: المراد: البعض الشائع المتناول لكل بعضن ولو أنث الضمير بقي الجنس على إطلاقه فتناول ظاهره الصداق كله، ويظهر بهذا التأويل إرادة البعث على تقليل الموهوب؛ وذلك أن الضمير إذا رجع إلى الصداق الواحد فشيء منه قليل، ولا كذلك إذا رجع إلى الجنس؛ لأن شيئًا من الجنس يحتمل كل الصداق، قال أبو البقاء: (فَكُلُوهُ)، الهاء تعود على (شَيْءٍ)، وفي (مِنْهُ) على المال؛ لأن الصدقات مال. قوله: (لأن بعض الصدقات) هو تعليل قوله: "لتناول ظاهره". قوله: (والمريء: ما يحمد عاقبته). قال الزجاج: يقال مع هناني: مراني، فإذا لم تذكر
[ ٤ / ٤٣٤ ]
مجراه. وقيل لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة «المريء»؛ لمروء الطعام فيه، وهو انسياغه، وهما وصف للمصدر، أي: أكلا هنيئًا مريئًا، أو حال من الضمير، أي: كلوه وهو هنيء مريء، وقد يوقف على (فَكُلُوهُ) ويبتدأ هَنِيئًا مريئًا) على الدعاء، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين، كأنه قيل: هنأ مرأ، وهذه عبارة عن التحليل والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة.
(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) ٥]
السُّفَهاءَ: المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا يدي لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها. والخطاب للأولياء: وأضاف الأموال إليهم؛ لأنها من
_________________
(١) ـ هنأني قلت: أمرأني بالألف، وحقيقته أن معنى: مرأني؛ تبينت أنه استهضم وأحمد مغبته، فكذا معنى أمرأني: أنه قد انهضم وحمدت مغبته. قوله: (وهما وصف للمصدر). قال أبو البقاء: (هَنِيئًا): مصدر جاء على "فعيل"، وهو نعت لمصدر محذوف، أي: أكلًا هنيئًا، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الهاء، أي: مهنأ، أي: طيبًا، و(مَرِيئًا) مثله، والمريء: فعيل بمعنى مفعل، تقول: أمرأني الشيء: إذا لم تستعمله مع هناني، فإن قلت: هناني ومراني لم تأت بالهمزة في مراني؛ لتكون تابعة لهناني. قوله: (ولا يدي لهم) أي: لا قدرة ولا طاقة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد ولا يدان؛ لأن المباشرة والدفاع إنما يكون باليد، وكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه، كذا في "النهاية"، واللام مزيدة لتأكيد معنى الإضافة، كما في قولهم: لا غلامي لك. قوله: (وأضاف الأموال إليهم) أي: إلى الأولياء، هذا سؤال وارد على قوله: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ) [النساء: ٥]، والمال ليس لهم، بل هو للسفهاء، وأجاب: أن الأموال
[ ٤ / ٤٣٥ ]
جنس ما يقيم به الناس معايشهم، كما قال: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء: ٢٩]، (فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) [النساء: ٢٥]، الدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله: (وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ).
(جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا): أي: تقومون بها وتنتعشون،
_________________
(١) ـ هنا عبارة عن الشيء الذي به يتم قوام أمر الناس، وفيه وجوه معايشهم، فهو على هذا لا يختص به أحد دون أحد. وقال الزجاج: معنى (أَمْوَالَكُمْ): الشيء الذي به قوام أمركم، وإليه الإشارة بقوله: "لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم"، ونحوه قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [النساء: ٢٩]، فليس المراد النهي عن قتل نفسه؛ بل عن قتل غيره، أي: لا تقتلوا ما يقال له: النفس وينسب إليكم، وكذا قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٢٥] أي: من جنس ما ملكته أيدي الناس؛ لأن المراد الإذن بالتزوج بأمة الغير وهي ليست مملوكة للمتزوج. قوله: «قِيَامًا» أي: يقومون بها، قال أبو البقاء: (قِيَامًا): مصدر قام، والياء بدل من الواو؛ أبدلت منها لما أعلت في الفعل لكسرة ما قبلها، أي: [التي] جعل الله لكم سبب قيام أبدانكم، أي: بقائها. وقلت: إنما أضاف الأموال إليهم في قوله: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) [النساء: ٢] ولم يضف إليهم ها هنا مع أن الأموال في الصورتين لهم؛ ليؤذن بترتب الحكم على الوصف فيهما، فإن تسميتهم يتامى هناك وإن لم يكونوا كذلك يناسب قطع الطمع؛ فيفيد المبالغة في رد الأموال إليهم، فاقتضى ذلك أن يقال: (أَمْوَالَهُمْ)، وأما الوصف ها هنا فهو السفاهة؛ فناسب ألا يختصوا بشيء من المالكية؛ لئلا يتورطوا في الأموال، فكذلك لم تضف أموالهم إليهم، وأضيفت إلى الأولياء، وفيه بيان جدوى المال، وأنه تعالى جعله مناطًا للمنافع الدنيوية
[ ٤ / ٤٣٦ ]
ولو ضيعتموها لضعتم، فكأنها في أنفسها قيامكم وانتعاشكم. وقرئ: (قِيَمًا)، بمعنى قيامًا، كما جاء "عوذا" بمعنى "عياذا". وقرأ عبد اللَّه بن عمر: (قوامًا)، بالواو. وقوام الشيء: ما يقام به، كقولك هو ملاك الأمر لما يملك به. وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن؛ ولأن أترك ما لا يحاسبني اللَّه عليه، خيرٌ من أن أحتاج إلى الناس. وعن سفيان - وكانت له بضاعة يقلبها ـ: لولاها لتمندل بى بنو العباس. وعن غيره - وقيل له:
_________________
(١) والأخروية، يتعيشون به وينفقونه في سبيل الله، وذم من ضيعه في غير وجهه روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ، قال لي: "إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة"، قال: فقلت: يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال؛ ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ، فقال: "يا عمرو، نعم المال الصالح للمرء الصالح". قوله: (لضعتم) أي: لهلكتم، الجوهري: ضاع الشيء يضيع ضيعة وضياعًا بالفتح، أي: هلك. قوله: (وقرئ: "قيمًا" بمعنى: قيامًا) قرأها نافع وابن عامر. قال أبو البقاء: إنه مصدر، مثل: الحول والعوض، وكان القياس أن تثبت الواو لتحصنها بتوسطها، كما صحت في العوض والحول، ولكن أبدلوها ياء حملًا على قيام، وعلى اعتلالها في الفعل، أو يكون الأصل قيامًا فحذفت الألف كما حذفت في خيم، ويقرأ (قوامًا) بكسر القاف وبالواو، وهو مصدر قاومت قوامًا، مثل لاوذت لواذًا، أو إنه اسم لما يقوم به الأمر وليس بمصدر. قوله: (لتمندل). الأساس: ندل المال وغيره: نقله بسرعة، ومنه المنديل، وتندلت بالمنديل:
[ ٤ / ٤٣٧ ]
إنها تدنيك من الدنيا، قال: لئن أدنتني من الدنيا لقد صانتني عنها. وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا؛ فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه. وربما رأوا رجلا في جنازة فقالوا له: اذهب إلى دكانك.
(وَارْزُقُوهُمْ فِيها): واجعلوها مكانًا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا؛ حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق.
_________________
(١) ـ تمسحت به. كنى به عن الابتذال. وقيل: هو مأخوذ من الندل؛ وهو الوسخ؛ لأنه يندل به، ويقال: تندلت بالمنديل، قال الجوهري: ويقال: تمندلت، أيضًا. قوله: (في جنازة)، ويروى: في ختارة. الأساس: هو ختار، وهو من أهل الختر، وهو أقبح الغدر. وفي "نوابغ الكلم": رب من هو محتار وهو عند الله مختار، والأولى أنسب بالمقام للمبالغة، كأنهم قالوا: إن تشييع الجنازة من فروض الكفاية، والاكتساب من فروض العين. قوله: «وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا» "في" هذه كما في قوله تعالى: (وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [طه: ٧١]، فجعل الأموال أنفسها ظروفًا للرزق، فيلزم أن يكون الإنفاق من الربح لا من المال الذي هو الظرف؛ فلو قيل: "منها" لكان الإنفاق من نفس المال، ويؤيد هذا التأويل ما روى الترمذي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ خطب الناس، فقال: "ألا من ولي يتيمًا له مال فليتجر به، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة". وأخرجه أيضًا صاحب "شرح السنة" عنه.
[ ٤ / ٤٣٨ ]
وقيل: هو أمرٌ لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى أحدٍ من السُّفهاء قريب أو أجنبي، رجل أو امرأة، يعلم أنه يضعه فيما لا ينبغي ويفسده ..
(قَوْلًا مَعْرُوفًا) قال ابن جريج: عدّة جميلة، إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم. وعن عطاء: إذا ربحت أعطيتك، وإن غنمت في غزاتى جعلت لك حظًا. وقيل: إن لم يكن ممن وجبت عليك نفقته فقل: عافانا اللَّه وإياك، بارك اللَّه فيك. وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنه عقلًا أو شرعًا من قولٍ أو عملٍ، فهو معروف. وما أنكرته ونفرت منه لقبحه، فهو منكر.
_________________
(١) ـ وفي "الموطأ" عن مالك: بلغه أن عمر بن الخطاب، قال: اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة. قوله: (وقيل: هو أمر لكل أحد) عطف على قوله: "والخطاب للأولياء"، فعلى هذا الإضافة في (أَمْوَالُكُمْ) على حقيقتها. قال القاضي: والوجه الأول هو الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة، وقيل: نهي لكل أحد أن يعمد إلى ما خوله الله من المال فيعطي امرأته وأولاده ثم ينظر إلى أيديهم، وإنما سماهم سفهاء استخفافًا بعقلهم واستهجانًا، وهو أوفق لقوله: (الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا). قوله: (قال ابن جريج: عدة جميلة إن صلحتم ورشدتم)، هذا على أن يكون الخطاب للأولياء. قوله: (وعن عطاء: إذا ربحت أعطيتك، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظًا)، هذا على أن يكون الخطاب لكل واحد.
[ ٤ / ٤٣٩ ]
(وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَاكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا) ٦].
(وَابْتَلُوا الْيَتامى): واختبروا عقولهم، وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف، قبل البلوغ
حتى إذا تبينتم منهم رشدًا - أي: هداية؛ دفعتم إليهم أموالهم من غير تأخير عن حدّ البلوغ. وبلوغ النكاح. أن يحتلم؛ لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصودٌ به وهو التوالد والتناسل.
والإيناس: الاستيضاح؛ فاستعير للتبيين. واختلف في الابتلاء والرشد، فالابتلاء عند أبي حنيفة وأصحابه: أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى يستبين حاله فيما يجيء منه. والرشد: التهدي إلى وجوه التصرف. وعن ابن عباس: الصلاح في العقل، والحفظ للمال.
_________________
(١) ـ قوله: (وكل ما سكنت إليه النفس) مبتدأ، وقوله: "فهو معروف" الخبر، والفاء لتضمنه معنى الشرط. قوله: (رشدًا أي: هداية). الراغب: الرشد والرشد: خلاف الغي، يستعمل استمال الهداية، قال تعالى: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ) [البقرة: ٢٥٦]، (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) [النساء: ٦]. وقال بعضهم: الرشد بالفتح أخص، يقال في الأمور الدنيوية والأخروية بالضم، وبالفتح يقال في الأخروية لا غير، والراشد والرشيد يقال فيهما. قوله: (الاستيضاح فاستعير للتبيين). الجوهري: استوضحت الشيء: إذا وضعت يدك على عينك تنظر هل تراه؟ ثم استعير لاستعمال الفكر في تبين المعنى استعارة محسوس لمعقول، كما استعار له الذوق حيث قال: "وذوقوا أحوالهم"، أي: تبينوا أحوالهم في الرشد تبينًا ظاهرًا مكشوفًا كالمحسوس.
[ ٤ / ٤٤٠ ]
وعند مالك والشافعي: الابتلاء أن يتتبع أحواله وتصرفه في الأخذ والإعطاء، ويتبصر مخايله وميله إلى الدين. والرشد: الصلاح في الدين؛ لأن الفسق مفسدة للمال. فإن قلت: فإن لم يؤنس منه رشدٌ إلى حدّ البلوغ؟ قلت: عند أبى حنيفة ﵀ ينتظر إلى خمس وعشرين سنة؛ لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسنّ ثماني عشرة سنة، فإذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله ﷺ: «مروهم بالصلاة لسبع» دفع إليه ماله أونس منه الرشد أو لم يؤنس. وعند أصحابه:
لا يدفع إليه أبدًا إلا بإيناس الرشد.
فإن قلت: ما معنى تنكير الرشد؟ قلت: معناه نوعا من الرشد؛ وهو الرشد
_________________
(١) قوله: (وعند مالك والشافعي: الابتلاء: أن يتتبع أحواله وتصرفه في الأخذ والإعطاء، ويتبصر مخايله وميله إلى الدين)، الانتصاف: مذهب مالك أنه لا يدفع إليهم شيء إلا بعد البلوغ، وهو أحد قولي الشافعي، والآخر يوافق ما قاله الزمخشري، وهو مذهب أبي حنيفة، إلا أن في كيفية ذلك عند الشافعي وجهين: قيل: يباشر العقد بنفسه، وقيل: يساوم ويقرر الثمن، والولي يباشر العقد، والرشد عند مالك في المال، وعند الشافعي في الدين والمال، وحجة من أجاز الابتلاء قبل البلوغ أنه جعل البلوغ غايته؛ فيكون قبله ضرورة مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها. قوله: (مخايله) جمع مخيلة. النهاية: المخيلة: موضع الخيل، وهو الظن، كالمظنة، والمخيلة: السحابة الخليقة بالمطر، وفي الحديث: كان إذا رأى في السماء اختيالًا تغير لونه، والاختيال: أن يخال فيها المطر. قوله: (فإن لم يؤنس منه رشد) شرط جزاؤه: كيف الحكم؟ أو: كيف يصنع؟
[ ٤ / ٤٤١ ]
في التصرف والتجارة، أو طرفًا من الرشد ومخيلة من مخايله؛ حتى لا ينتظر به تمام الرشد. فإن قلت: كيف نظم هذا الكلام؟ قلت: ما بعد (حَتَّى) إلى (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) جعل غاية للابتلاء، وهي «حتى» التي تقع بعدها الجمل، كالتي في قوله:
فَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَهَ أشْكَلُ
والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية؛ لأن (إِذَا) متضمنة معنى الشرط، وفعل الشرط (بَلَغُوا النِّكَاحَ) وقوله: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) جملة من شرط وجزاء واقعة جوابًا للشرط الأول الذي هو (إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ)، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم.
_________________
(١) قوله: (فما زالت القتلى) البيت، مج الماء من فيه، أي: رمى به، ومجاج المزن: مطره، والأشكل: بياض وحمرة قد اختلطا، كأنه قيل: قد أشكل عليك لون الماء، أهون الماء أو الدم؟ قوله: (فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى) إلى آخره. الانتصاف: قرر بذلك مذهب أبي حنيفة في سبق الابتلاء، والظاهر خلاف ذلك؛ لأن الغاية مركبة. قال القاضي: "إن" الشرطية جواب (إِذَا) المتضمنة معنى الشرط، والجملة غاية الابتلاء، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم؛ بشرط إيناس الرشد منهم، وهو دليل على أنه لا يدفع إليهم ما لم يؤنس منهم الرشد، خلافًا لأبي حنيفة. وعليه ظاهر كلام المصنف؛ ولهذا جيء بقوله: "واستحقاقهم" بالجر عطفًا على قوله: "بلوغهم"؛ فدخل الاستحقاق في غاية الابتلاء.
[ ٤ / ٤٤٢ ]
وقرأ ابن مسعود: (فإن أحستم) بمعنى أحسستم، قال:
أحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْه شُوسُ
وقرئ: (رشدًا)، بفتحتين. و(رشدًا)، بضمتين (إِسْرافًا وَبِدارًا): مسرفين ومبادرين كبرهم، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، تفرطون في إنفاقها، وتقولون:
_________________
(١) ـ فإن قلت: قال أولًا: "حتى هذه هي التي تقع بعدها الجمل"، و"إذا" متضمنة معنى الشرط، ثم قدر "إذا" ظرفية، و"حتى" جارة بمنزلة "إلى"؛ حيث قال: "إلى وقت بلوغهم". قلت: هو في بيان تقرير الآية وتحرير المعنى، لا في تقدير الإعراب؛ ولهذا جعل الفاء مع الجملة الشرطية في قوله: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) [النساء: ٦] بمنزلة قوله: "بشرط إيناس الرشد". قوله: (أحسن به فهن إليه شوس). أوله: خلا أن العتاق من المطايا قبله: فباتوا يدلجون وبات يسري … بصير بالدجى هاد غموس قائله: عبد الباقي يصف قومًا يسيرون في المفازة ويسوقون الإبل، والأسد يطلب فريسته منهم، والعتاق بكسر العين: النجيبات من الإبل، والغموس بالغين المعجمة: القوي الشديد، وشوس: جمع أشوس وهو الذي ينظر بمؤخر عينه، وأحسن: أصله أحسن، حذفت السين الأولى وألقيت حركتها على الحاء. قوله: (ومبادرين كبرهم) متعلق بـ "مبادرين"، أي: بدارًا أن يكبروا. قوله: (تفرطون في إنفاقها) هو معلول قوله: "أو لإسرافكم"، "وتقولوا: ننفق" معلول
[ ٤ / ٤٤٣ ]
ننفق كما نشتهي قبل أن تكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا. ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنيا وبين أن يكون فقيرًا؛ فالغنى يستعف من أكلها ولا يطمع، ويقتنع بما رزقه اللَّه من الغنى إشفاقا على اليتيم، وإبقاء على ماله. والفقير يأكل قوتا مقدرًا محتاطا في تقديره على وجه الأجرة، أو استقراضا على ما في ذلك من الاختلاف ولفظ الأكل بالمعروف والاستعفاف، مما يدل على أن للوصي حقًا لقيامه عليها. وعن النبي ﷺ: أن رجلا قال له: إن في حجري يتيما أفآكل من ماله؟ قال: «بالمعروف غير
متأثل مالا ولا واق مالك بماله»، فقال: أفأضربه قال: «مما كنت ضاربًا منه ولدك».
_________________
(١) ـ قوله: "ومبادرتكم كبرهم". وإنما عدل عن الفعل في الثاني إلى القول؛ ليؤذن بأنه أقبح وأشنع من الأول مع أنه مستلزم للإسراف أيضًا، وكذا يفهم منه الجمع بين الفعل والقول في مقام الذم، ولا ينعكس. قوله: (على ما في ذلك من الاختلاف) أي: الاختلاف الذي سيجيء في قوله: "عن محمد بن كعب: ينزل نفسه منزلة الأجير فيما لابد منه … وعن مجاهد: يستسلف، فإذا أيسر أدى" وغير ذلك. قوله: (وعن النبي ﷺ أن رجلًا قال له) ورواية الحديث عن أبي داود وابن ماجة والنسائي، عن عبد الله بن عمرو: أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ، فقال: إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم، قال: "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل". النهاية: غير متأثل، أي: غير جامع، يقال: مال مؤثل، ومجد مؤثل، أي: مجموع ذو أصل، وأثلة الشيء: أصله.
[ ٤ / ٤٤٤ ]
وعن ابن عباس: أنّ وليّ اليتيم قال له: أفأشرب من لبن إبله؟ قال: إن كنت تبغي ضالتها، وتلوط حوضها، وتهنأ جرباها، وتسقيها يوم وردها؛ فاشرب غير مضرّ بنسل، ولا ناهك في الحلب وعنه: يضرب بيده مع أيديهم؛ فليأكل بالمعروف، ولا يلبس عمامة فما فوقها. وعن إبراهيم: لا يلبس الكتان والحلل، ولكن ما سدّ الجوعة ووارى العورة. وعن محمد بن كعب: يتقرّم تقرّم البهيمة، وينزل نفسه منزلة الأجير فيما لا بدّ منه. وعن الشعبي: يأكل من ماله بقدر ما يعين فيه. وعنه:
كالميتة يتناول عند الضرورة ويقضي. وعن مجاهد: يستسلف، فإذا أيسر أدّى. وعن سعيد بن جبير: إن شاء شرب فضل اللبن وركب الظهر ولبس ما يستره من الثياب، وأخذ القوت، ولا يجاوزه فإن أيسر قضاه، وإن أعسر فهو في حلّ. وعن عمر بن الخطاب ﵁: إنى أنزلت نفسي من مال اللَّه منزلة والى اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، وإذا أيسرت قضيت» واستعف أبلغ من عفّ؛ كأنه
_________________
(١) قوله: (وتلوط حوضها) أي: تطينها وتصلحها، وأصله من اللوط، وهو اللصوق، ويقال: الولد ألوط بالقلب، أي: ألصق وأعلق، كذا في "النهاية". قوله: (وتهنأ جرباها) هنأ البعير: طلاه بالهناء، وهو القطران. قوله: (ولا ناهك) أي: مستقص متبالغ فيه. قوله: (يضرب بيده)، أي: يأكل الوصي منه كما يأكلون. قوله: (يتقرم تقرم البهيمة) أي: يأخذ شيئًا قليلًا. الجوهري: قرم الصبي والبهم قرمًا وقرومًا، وهو أكل ضعيف في أول ما تأكل البهيمة، وأولاد الضأن اسم للمذكر والمؤنث. قوله: (و"استعف" أبلغ من "عف")؛ لأنه من باب التجريد، كأنه يطلب من نفسه زيادة العفة، كاستنوق الجمل؛ فعلى هذا لا يرد عليه قول صاحب "الانتصاف" وهو بعيد؛ لأن تلك متعدية وهذه قاصرة، والظاهر أن هذه فيما جاء فيه فعل واستفعل بمعنى.
[ ٤ / ٤٤٥ ]
طالبٌ زيادة العفة (فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) بأنهم تسلموها وقبضوها وبرئت عنها ذممكم، وذلك أبعد من التخاصم والتجاحد، وأدخل في الأمانة وبراءة الساحة. ألا ترى أنه إذا لم يشهد فادعي عليه صدق مع اليمين عند أبى حنيفة وأصحابه؟ وعند مالك والشافعي لا يصدّق إلا بالبينة، فكان في الإشهاد الاحتراز من توجه الحلف المفضي إلى التهمة أو من وجوب الضمان إذا لم يقم البينة (وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا): أي: كافيا في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسبًا؛ فعليكم بالتصادق، وإياكم والتكاذب.
(لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) ٧ - ٨].
(الْأَقْرَبُونَ) هم المتوارثون من ذوى القرابات دون غيرهم. (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ) بدل (مِمَّا تَرَكَ) بتكرير العامل، و(نَصِيبًا مَفْرُوضًا) نصبت على الاختصاص، بمعنى: أعني نصيبًا مفروضًا مقطوعًا واجبًا لا بدّ لهم من أن يحوزوه، ولا يستأثر به. ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر المؤكد كقوله: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) [النساء: ١١] كأنه قيل: قسمة مفروضة. روى أن أوس بن الصامت الأنصاري
_________________
(١) قوله: (ولا يستاثر به). روي منصوبًا ومرفوعًا؛ النصب على أنه عطف على "يحوزوه" أي: لابد من الحوز وعدم اختصاص الطائفة، والرفع على جملة قوله: "ولابد لهم". قال القاضي: في الآية دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه. قوله: (روي أن أوس بن صامت الأنصاري)، وفي "معالم التنزيل": عن محيي السنة: نزلت في أوس بن ثابت الأنصاري، وذكر ما ذكره المصنف، ثم قال: فقام رجلان هما ابنا
[ ٤ / ٤٤٦ ]
_________________
(١) عم الميت ووصياه: سويد وعرفجة، فأخذا ماله، ثم ساق الحديث إلى آخر ما في الكتاب، وكذا في "الوسيط"، وليس فيهما ذكر الفضيخ، وذكر في "الاستيعاب": أن أوس بن الصامت الأنصاري أخا عبادة بن الصامت بقي إلى زمن عثمان ﵁، وكذا في "الجامع". وأما أوس بن ثابت ففي "الاستيعاب" قيل: إنه قتل يوم أحد، وقيل: إنه توفي في خلافة عثمان، والأول أصح. وروى أبو داود والترمذي، عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى جئنا امرأة من الأنصار في الأسواف، فجاءت المرأة بابنتين لها، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا ثابت بن قيس، قتل معك يوم أحد، وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما كله فلم يدع لهما مالًا، ولا ينكحان أبدًا إلا ولهما مال، قال: "يقضي الله في ذلك"، قال: ونزلت سورة النساء (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) [النساء: ١١]، فقال رسول الله ﷺ لعمهما: "أعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فلك". النهاية: استفاء: جعله فيئًا له، الأسواف: موضع بالمدينة، وكان يومئذ معروفًا، وأما الفضيخ بالضاد والخاء المعجمتين فلم أجد له ذكرًا سوى في الحاشية أنه موضع بالمدينة، فيه يفضخون البسر، أي: يعصرون، وأما أم كجة فقال صاحب "الاستيعاب": أم كجة وقع ذكرها في كتاب "ناسخ القرآن ومنسوخه" لهبة الله، وذكرها ابن المقرح في "كتاب القصص والأسباب".
[ ٤ / ٤٤٧ ]
ترك امرأته أم كجة وثلاث بنات، فزوي ابنا عمه سويد وعرفطة أو قتادة وعرفجة ميراثه عنهنّ، وكان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء والأطفال، ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، فجاءت أم كجة إلى رسول اللَّه ﷺ في مسجد الفضيخ فشكت إليه فقال: «ارجعي حتى أنظر ما يحدث اللَّه " فنزلت، فبعث إليهما «لا تفرّقا من مال أوس شيئًا فإنّ اللَّه قد جعل لهنّ نصيبا) ولم يبين حتى تبين فنزل (يُوصِيكُمُ اللَّهُ) [النساء: ١١] فأعطى أم كجة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم.
(وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ) أي: قسمة التركة، (أُولُوا الْقُرْبى): ممن لا يرث (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) الضمير لما ترك الوالدان والأقربون، وهو أمر على الندب قال الحسن: كان المؤمنون يفعلون ذلك، إذا اجتمعت الورثة حضرهم هؤلاء فرضخوا لهم
_________________
(١) ـ قوله: (وكان أهل الجاهلية لا يورثون) إلى آخره. لما أراد الله تعالى إبطال هذا الحكم، وقمع هذه الهناة؛ أعاد قوله تعالى: (وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ) [النساء: ٧] فترك الاختصار حيث عدل من قوله: "وللأولاد نصيب" فأذن باستقلال كل من الرجال والنساء في حوز الميراث، وأن لا تفاوت بينهما فيه، ثم أكد ذلك بقوله: (نَصِيبًا مَفْرُوضًا)، أي: قسمة مفروضة مقطوعة لابد لهم من أن يحوزوه. قوله: (وذاد عن الحوزة). الجوهري: الحوزة: الناحية، وحوزة الملك: بيضته. النهاية: في الحديث: "بيضتهم"، أي: مجتمعهم، وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم، وبيضة الدار: وسطها ومعظمها. قوله: (فرضخوا لهم). النهاية: الرضخ: العطية القليلة، والفاء فيه عاطفة، والمعطوف عليه "حضرهم"، وهو جواب "إذا".
[ ٤ / ٤٤٨ ]
بالشيء من رثة المتاع، فحضهم اللَّه على ذلك تأديبًا من غير أن يكون فريضة قالوا: ولو كان فريضة لضرب له حدّ ومقدار، كما لغيره من الحقوق، وروى أن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبى بكر ﵁ قسم ميراث أبيه وعائشة ﵂ حية، فلم يدع في الدار أحدًا إلا أعطاه، وتلا هذه الآية. وقيل: هو على الوجوب. وقيل: هو منسوخ بآيات الميراث كالوصية. وعن سعيد بن جبير: أن ناسًا يقولون: نسخت؛ واللَّه ما نسخت، ولكنها مما تهاون به الناس. والقول المعروف: أن يلطفوا لهم القول ويقولوا: خذوا بارك اللَّه عليكم، ويعتذروا إليهم، ويستقلوا ما أعطوهم ولا يستكثروه، ولا يمنوا عليهم. وعن الحسن والنخعي: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات والمساكين واليتامى من العين، يعنيان الورق والذهب؛ فإذا قسم الورق والذهب وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك، قالوا لهم قولا معروفا، كانوا يقولون لهم:
بورك فيكم.
(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) ٩].
(لو) مع ما في حيزه صلة ل (الَّذِينَ). والمراد بهم: الأوصياء؛ أمروا بأن
_________________
(١) قوله: (من رثة المتاع). الجوهري: الرثة: السقط من متاع البيت من الخلقان، والجمع: رثث. قوله: (وعن سعيد بن جبير: أن ناسًا يقولون: نسخت). رواية البخاري عن ابن عباس تمامه: هما واليان: وال يرث وذاك الذي يرزق، ووال لا يرث، وذاك يقول بالمعروف، ويقول: لا أملك لك أن أعطيك. قوله: (يقولون لهم: بورك فيكم) أي: فيما أعطيناكم ليكون كالجبران لقلوبهم؛ إذ لا يسهل عليهم أن يخرجوا من الأرضين والرقيق شيئًا.
[ ٤ / ٤٤٩ ]
يخشوا اللَّه فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى، ويشفقوا عليهم، خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافًا وشفقتهم عليهم، وأن يقدّروا ذلك في أنفسهم، ويصوّروه حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة. ويجوز أن يكون المعنى: وليخشوا على اليتامى من الضياع. وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من اللَّه شيئا، فقدم مالك، فيستغرقه بالوصايا، فأمروا بأن يخشوا ربهم، أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولاد أنفسهم لو كانوا، ويجوز أن يتصل بما قبله وأن يكون أمرًا للورثة بالشفقة على الذين يحضرون القسمة
_________________
(١) ـ قوله: (يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم) الفاء فيه كالفاء في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤]. قوله: (خوفهم على ذريتهم .. وشفقتهم عليهم) نشر لما لف عند قوله: "فيخافوا ويشفقوا"، أي: فيخافوا خوفهم ويشفقوا شفقتهم. قوله: (وأن يقدروا ذلك) المشار إليه: (لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ) [النساء: ٩]، وهو عطف على "يخشوا" على سبيل البيان. قال أبو البقاء: (مِنْ خَلْفِهِمْ) يجوز أن يكون ظرفًا لـ (تَرَكُوا)، أو حالًا من (ذُرِّيَّةً)، و(خَافُوا) جواب (لَوْ) ومعناه: إن. قوله: (وليخشوا على اليتامى من الضياع) أمر الأوصياء أولًا بالخشية من التورط في أكل أموال اليتامى، وثانيًا: بالتحرج عن حفظها تأثمًا، فضيعوا لذلك، وقد ألمح إلى الوجهين في قوله تعالى: (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) [النساء: ٢]. قوله: (وقيل: هم الذي يجلسون إلى المريض) عطف على قوله: "والمراد بهم الأوصياء". قوله: (ويجوز أن يتصل بما قبله) أي: بقوله: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) [النساء: ٨] فهو أمر للورثة، وعلى الوجه الأول متصل بقوله:
[ ٤ / ٤٥٠ ]
من ضعفاء أقاربهم واليتامى والمساكين، وأن يتصوّروا أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضائعين محتاجين؛ هل كانوا يخافون عليهم الحرمان والخيبة؟ فإن قلت: ما معنى وقوع (لَوْ تَرَكُوا) وجوابه صلة ل (الذين)؟ قلت: معناه: وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافا، وذلك عند
_________________
(١) (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا)، وقوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ) استطراد لذكر قوله: (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء: ٦]، وعلى هذا أيضًا هو عطف على قوله: "والمراد بهم الأوصياء"، أي: الآية متصلة بقوله: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) [النساء: ٧]، ويكون المأمور بقوله: (وَلْيَخْشَ) الأوصياء والذين يجلسون، أو متصلة بقوله: (وَإِذَا حَضَرَ) والمأمور به الورثة. قوله: (معناه وليخش الذين صفتهم وحالهم) يعني: في إيقاع (لَوْ) مع جوابهـ وهو (خَافُوا) - صلة للموصول مزيد تقرير للخشية، كأنه قيل: وليخش الذي حقه الخشية، والأصل: وليخش الوصي أو من حضر المريض أو الوارث، فعدل إلى المذكور ليتصور تلك الحالة الصعبة ويستحضرها في نفسه فيرتدع، وإليه الإشارة بقوله: "وأن يتصوروا أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضائعين محتاجين، هل كانوا يخافون عليهم الحرمان والخيبة؟ " ولو لم يعدل من هذا لفات هذا المطلوب. قال القاضي: وفي ترتيب الأمر على المذكور إشارة إلى المقصود منه والعلة فيه، وبعث على الترحم، وتهديد للمخالف. الانتصاف: إنما أوجب الزمخشري إضمار "شارفوا" في قوله: "وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافًا" لقوله: (خَافُوا عَلَيْهِمْ)، والخوف يكون قبل تركهم إياهم، وإلا كان يلزم تقديم الجواب على الشرط، وهو كقوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ) [الطلاق: ٢] أي: شارفنه، وفائدته التخويف بالحالة التي لا مطمع معها في الحياة ولا الذب عن الذرية الضعاف.
[ ٤ / ٤٥١ ]
احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم، كما قال القائل:
لَقَدْ زَادَ الْحَيَاةَ إلَىَّ حُبًّا … بَنَاتِي إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ
أُحَاذِرُ أَن يَرَيْنَ الْبُؤْسَ بَعْدِي وَأَنْ يَشْرَبْنَ رَنْقًا بَعْدَ صَافِى
وقرئ: (ضعفاء). (وضُعافى)، (وضَعافى). نحو: سُكارى وسكارى. والقول السديد من الأوصياء: أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب، ويدعوهم ب يا بنيّ ويا ولدي، ومن الجالسين إلى المريض أن يقولوا له إذا أراد الوصية: لا تسرف في وصيتك فتجحف بأولادك، مثل قول رسول اللَّه ﷺ لسعد: «إنك إن تترك ولدك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» وكان الصحابة ﵃ يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث،
_________________
(١) قوله: (لقد زاد الحياة) البيتين، فاعل "زاد": "بناتي"، "أنهن": يروى بالفتح على إضمار اللام، وبالكسر على الاستئناف والتعليل، "رنقًا" أي: ماء كدرًا. قوله: (ومن الجالسين) إشارة إلى التفسير الثاني، أي: "الذين يجلسون إلى المريض". قوله: (فتجحف). المغرب: جحفه واجتحفه وأجحف به: أهلكه وأستأصله. النهاية: أجحفت بهم الفاقة، أي: أفقرتهم الحاجة وأذهبت أموالهم. قوله: (مثل قول الرسول ﷺ لسعد بن أبي وقاص)، والحديث من رواية الشيخين وغيرهما: قال سعد: يا رسول الله، إني قد بلغ مني الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا"، قلت: فالشطر؟ قال: "لا"، قلت: فالثلث؟
[ ٤ / ٤٥٢ ]
وأن الخمس أفضل من الربع والربع من الثلث. ومن المتقاسمين ميراثهم أن
يلطفوا القول ويجملوه للحاضرين.
(إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) ١٠].
(ظُلْمًا) ظالمين، أو على وجه الظلم من أولياء السوء وقضاته، (فِي بُطُونِهِمْ) ملء بطونهم يقال: أكل فلان في بطنه، وفي بعض بطنه. قال:
_________________
(١) ـ قال: "الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن ذرهم عالة يتكففون الناس". قوله: (وأن الخمس أفضل) منصوب بفعل مضمر، والجملة معطوفة على "يستحبون"، أي: يستحبون ألا تبلغ الوصية الثلث، ويرون أن الخمس أفضل. قوله: (ومن المتقاسمين) عطف على قوله: "من الأوصياء"، وهو إشارة إلى التفسير الثالث. قوله: (ظالمين أو على وجه الظلم) أي: هو حال أو تمييز، قال أبو البقاء: (ظُلْمًا): مفعول له، أو مصدر في موضع الحال. قوله: «فِي بُطُونِهِمْ) ملء بطونهم) أي: وضع هذا مكان ذلك، وفائدة المبالغة: كأنه جعل بطونهم مكان النار ومستقرها، والدليل على أن المراد ملء بطونهم قولهم: في بطنه، أي: بعض بطنه، وفيه: أنا لمراد بالظلم ما مر في قوله تعالى: (وَلا تَاكُلُوهَا إِسْرَافًا) إلى قوله: (فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: ٦] أي: ما يسد الجوع ويواري العورة.
[ ٤ / ٤٥٣ ]
كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا
ومعنى يأكلون نارًا: ما يجرُّ إلى النار، فكأنه نارٌ في الحقيقة. وروى: (أنه يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا). وقرئ (وَسَيَصْلَوْنَ) بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها (سَعِيرا) ً نارًا من النيران مبهمة الوصف.
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) ١١].
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ): يعهد إليكم ويأمركم (فِي أَوْلادِكُمْ) في شأن ميراثهم بما
_________________
(١) ـ قوله: (كلوا في بعض بطنكم تعفوا) مضى تمامه وشرحه. قوله: ("وسيصلون" بضم الياء وتشديد اللام وتخفيفها) بالتخفيف: ابن عامر وأبو بكر، وبالتشديد شاذ. قال القاضي: يقال: صلي النار، أي: قاسى حرها، وصليته: شويته، وأصليته وصليته: ألقيته فيها، والسعير: "فعيل" بمعنى مفعول، من "سعرت النار": إذا ألهبتها. قوله: «يُوصِيكُمْ اللَّهُ) يعهد إليكم). الراغب: الوصية: التقدم إلى الغير بما يعمل فيه مقترنًا بوعظ، من قولهم: أرض واصية: متصلة النبات، ويقال: أوصاه
[ ٤ / ٤٥٤ ]
هو العدل والمصلحة، وهذا إجمال تفصيله (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) فإن قلت: هلا قيل: للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر؟ قلت: ليبدأ ببيان حظ الذكر لفضله، كما ضوعف حظه لذلك، ولأنّ قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) قصد إلى بيان فضل الذكر، وقولك:
للأنثيين مثل حظ الذكر، قصد إلى بيان نقص الأنثى، وما كان قصدًا إلى بيان فضله، كان أدلّ على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث وهو السبب لورود الآية،
_________________
(١) ووصاه، وتواصى القوم: أوصى بعضهم بعضًا. قوله: (ولأن قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ» جواب آخر، والفرق: أن التقديم على الأول جار على سنن تقديم الأفضل، ولاشك في فضل الذكر، وذكر حظه تابع لذكره، وإلى هذا المعنى أشار بقوله: "كما ضوعف حظه" أي: قدم ذكره لفضله كما ضوعف حظه لفضله، وعلى الثاني: بخلافه؛ لأنك تجعل ضعف الحظ علة لفضل الذكر، ونقصانه لنقصان الأنثى، فإنك إذا قلت: للذكر ضعف حظ الأنثى لفضلهـ كان أدل على فضل الذكر من قولك: للأنثى نصف حظ الذكر لنقصانها؛ لأن كمال الفضل أن يفضل على من له فضل، لا على الناقص. وإليه الإشارة بقوله: "وما كان قصدًا إلى بيان فضله كان أدل .. " إلى آخره، فالأفضلية على الوجه الأول تعلم من دليل خارجي، وعلى الثاني من نفس التركيب، وعليه الحديث الوارد في فضل هذه الأمة: "فقال أهل الكتابين: أي رب، أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن أكثر عملًا! قال الله تعالى: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: هو فضلي أوتيه من أشاء"، أخرجه البخاري والترمذي، عن ابن عمر ﵄. قوله: (ولأنهم كانوا يورثون) يريد: إنما قدم الذكور لأن الكلام كان فيهم؛ لأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث، فجيء بالإنكار على وفق اهتمامهم وتسليم ادعائهم، يعني:
[ ٤ / ٤٥٥ ]
فقيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن مع إدلائهن من القرابة بمثل ما يدلون به.
فإن قلت: فإن حظ الأنثيين الثلثان، فكأنه قيل: للذكر الثلثان. قلت: أريد حال الاجتماع لا الانفراد أي: إذا اجتمع الذكر والأنثيان كان له سهمان، كما أن لهما سهمين. وأما في حال الانفراد، فالابن يأخذ المال كله والبنتان يأخذان الثلثين. والدليل على أن الغرض حكم الاجتماع: أنه أتبعه حكم الانفراد، وهو قوله: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ) والمعنى: للذكر منهم، أي: من أولادكم، فحذف الراجع إليه؛ لأنه مفهوم، كقولهم: السمن منوان بدرهم.
(فَإِنْ كُنَّ نِساءً): فإن كانت البنات أو المولودات نساء خلصًا ليس معهن رجل، يعنى: بنات ليس معهن ابن. (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) يجوز أن يكون خبرًا ثانيًا ل كان وأن يكون صفة ل (نساء)، أي: نساء زائدات على اثنتين (وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً): وإن
_________________
(١) هب أن الذكور أولى كما يزعمونه، أما كفاهم أن ضوعف لهم نصيب البنات؟ وهو كالقول بالموجب. قوله: (مع إدلائهن من القرابة). المغرب: أدليت الدلو: أرسلتها في البئر، ومنه أدلى بالحجة: أحضرها، وفلاني دلي إلى الميت بذكر، أي: يتصل. قوله: (فكأنه قيل: للذكر الثلثان) يعني: مفهوم الآية يؤدي إلى أن الابن صاحب الفرض، وليس كذلك. قوله: (والمعنى: للذكر منهم)، قال أبو البقاء: الجملة، أي: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) [النساء: ١١] في موضع نصب بـ "يوصي"؛ لأن المعنى: يفرض لكم، أو يشرع في أمر أولادكم.
[ ٤ / ٤٥٦ ]
كانت البنت أو المولودة منفردة فذة ليس معها أخرى (فَلَهَا النِّصْفُ) وقرئ: واحدة بالرفع على "كان" التامّة والقراءة بالنصب أوفق لقوله: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً) وقرأ زيد بن ثابت (النِّصْفُ) بالضم. والضمير في (تَرَكَ) للميت لأنّ الآية لما كانت في الميراث، علم أن التارك هو الميت. فإن قلت: قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) كلام مسوق لبيان حظ الذكر من الأولاد، لا لبيان حظ الأنثيين، فكيف صح أن يردف قوله: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً) وهو لبيان حظ الإناث؟ قلت: وإن كان مسوقا لبيان حظ الذكر إلا أنه لما فقه منه وتبين حظ الأنثيين مع أخيهما كان كأنه مسوقٌ للأمرين جميعًا، فلذلك صح أن يقال: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً): فإن قلت. هل يصح أن يكون الضميران في (كنّ) و(كانت) مبهمين، ويكون (نساء) و(واحدة) تفسيرًا لهما، على أن كان تامة؟ قلت: لا ابعد ذلك. فإن قلت: لم قيل (فَإِنْ كُنَّ نِساءً) ولم يقل: وإن كانت امرأة؟
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "واحدة" بالرفع على "كان" التامة)، بالرفع: نافع، والباقون بالنصب، والقراءة بالنصب أنسب، ليتطابق المعطوف والمعطوف عليه، وهو قوله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً)؛ لأن "كان" حينئذ ناقصة. قوله: (وقرأ زيد بن ثابت: النصف) وهو شاذ، قال المصنف: الضم في النصف لغة أهل الحجاز، وهذا أقيس؛ لأنك تقول الثمن والعشر. قوله: (مبهمين) أي: غير منصرفين إلى شيء سبق، بل إنما للإجمال والتفصيل كضمير الشأن، وتكون "كان" فيهما تامة. قوله: (لم قيل: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً)؟) توجيه السؤال: كيف قيل: (وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً) فإنه غير مطابق لقوله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً) بل المطابق: وإن كانت امرأة، أو فإن كن ثنتين أو ثلاثًا فصاعدًا، وتلخيص الجواب: أن الغرض في قوله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً): خلوصهن إناثًا؛
[ ٤ / ٤٥٧ ]
قلت: لأنّ الغرض ثمة خلوصهن إناثا لا ذكر فيهنّ ليميز بين ما ذكر من اجتماعهن مع الذكور في قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) وبين انفرادهن، وأريد هاهنا أن يميز بين كون البنت مع غيرها وبين كونها وحدها لا قرينة لها. فإن قلت: قد ذكر حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن، وحكم البنات والبنت في حال الانفراد، ولم يذكر حكم البنتين في حال الانفراد فما حكمهما؟ وما باله لم يذكر؟ قلت: أما حكمهما فمختلف فيه، فابن عباس أبى تنزيلهما منزلة الجماعة، لقوله تعالى: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) فأعطاهما حكم الواحدة، وهو ظاهر مكشوف؛ وأما سائر الصحابة فقد
_________________
(١) لأنه قسيم لقوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) ليعلم حكم اجتماعهن مع الذكور أولًا، ثم انفرادهن إناثًا ثانيًا، ولابد من النص على خلوصهن نساء، وفي قوله: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً) الغرض: بيان العدد ليعلم الحكم حال وحدتها، يعني: إذا لم يقترن معها غيرها؛ فوجب النص على العدد، والحاصل: أن معنى الإناث على الأول مقصود بالذكر، والعدد تابع، وعلى الثاني بالعكس؛ ولهذا غير العبارتين. قوله: (فابن عباس أبي تنزيلهما منزلة الجماعة ..، فأعطاهما حكم الواحدة). الانتصاف: أجرى ابن عباس التقييد بالصفة على ظاهرها من مفهوم المخالفة. قال الزجاج: وأما ما ذكر عن ابن عباس أن البنتين بمنزلة البنت فهذا لا أحسبه صحيحًا عنه؛ لأن منزلة الاثنين منزلة الجمع، والواحد خارج عن الاثنين. وقيل: علته أيضًا أنه كما قال: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ)، قال أيضًا: (وَإِنْ كَانَتْ
[ ٤ / ٤٥٨ ]
أعطوهما حكم الجماعة، والذي يعلل به قولهم: أن قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)
_________________
(١) وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)، فإن كان الأول يأبى دخول الاثنين في حكم الجماعة؛ فكذلك الثاني، وقلت: قوله: "أبى تنزيلهما منزلة الجماعة" لقوله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) وبين قوله: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً)؛ لأن خبر الأول موصوف بصفة مؤكدة وهي (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ» لدفع ما عسى أن يتوهم متوهم أن (نِسَاءً) قد يراد بها الاثنتان، ولا كذلك خبر الثاني وهو (وَاحِدَةً)؛ فإنه عار عن القيد، فالأولى يأبى إلحاق الاثنين به، والثاني لا يمنع، ثم نقول: ليس حكم الاثنين حكم الجماعة للصارف، وليس ثم ما يدل على حكمهما ظاهرًا، ولا يمنع حكم الواحدة من الإلحاق به، فوجب الإلحاق، وإليه الإشارة بقوله: "فأعطاهما حكم الواحدة"، ثم قال: "وهو ظاهر مكشوف" والفاء في "فأعطاهما" مؤذنة بهذا التقرير. قوله: (والذي يعلل به قولهم) إلى آخره: قيل: فيه نظر؛ لأنه ذكر قبل هذا أن قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) [النساء: ١١]، بيان حال الاجتماع لا الانفراد، أي: إذا اجتمع الذكر والأنثيان، وإذا كان التقدير كما ذكر فكيف يصح أن يقال: علم منه أن للذكر حينئذ الثلثين، فإنه ليس له الثلثان. وأيضًا، فحال الانفراد مخالف لحال الاجتماع، والجواب عنه: أن كلامه مبني على دلالة إشارة النص وعبارته؛ لقوله: "وإن كان مسوقًا"، يعني قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)، "وإن كان مسوقًا لبيان حظ الذكر، إلا أنه لما فقه منه وتبين حظ الأنثيين كان كأنه مسوق للأمرين جميعًا". قال البزدوي: إشارة النص: هو العمل بما يثبت بنظمه لغة لكنه غير مقصود ولا سيق له النص وليس بظاهر من كل وجه. وروى الزجاج، عن المبرد، [وكذا] عن ابن إسحاق القاضي أنه قال: في الآية دليل على أن للبنتين الثلثين؛ لأنه إذا قال: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ
[ ٤ / ٤٥٩ ]
قد دلّ على أن حكم الأنثيين حكم الذكر؛ وذلك أن الذكر كما يجوز الثلثين مع الواحدة، فالأنثيان كذلك يجوزان الثلثين، فلما ذكر ما دلّ على حكم الأنثيين قيل (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ) على معنى: فإن كن جماعة بالغاتٍ ما بلغن من العدد
_________________
(١) ـ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) وكان أول العدد الذكر والأنثى فللذكر الثلثان وللأنثى الثلث؛ فقد بان أن للبنتين الثلثين، فأعلم الله تعالى أن ما فوق البنتين لهن الثلثان. قولت: اعتبر القاضي في كلامه فائدة الفاء في قوله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ)، وكذا المصنف بقوله: "فلما ذكر ما دل على حكم الأنثيين قيل: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً) "؛ لأن ترتيب الفاء، ومفهوم الوصف في قوله: (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) مشعران بذلك، كأنه تعالى لما قال: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) [النساء: ١١] علم منه بحسب الظاهر وعبارة النص حكم الذكر مع الأنثى حال الاجتماع، وفهم بحسب إشارته حكم الثنتين؛ لأن الذكر كما يحوز الثلثين مع الواحدة فالاثنتان كذلك تحوزان الثلثين، فأراد أن يعلم حكم الزيادة على الثنتين، فقال: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ)، فقول المصنف: "أريد حال الاجتماع لا الانفراد" محمول على عبارة النص، وقوله: "قد دل على أن حكم الأنثيين حكم الذكر" محمول على إشارته، وينصر هذا التأويل ما روينا عن أحمد بن حنبل والترمذي وأبي داود وابن ماجة، عن جابر: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد، قتل أبوهما يوم أحد معك شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالًا، ولا ينكحان إلا ولهما مال، قال: "يقضي الله في ذلك"، فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما، فقال: "أعط لابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك". ولو لم يكن في الآية ما يدل على حكم الأنثيين، وأن لهما الثلثين؛ لما قال ﷺ: "أعط لابنتي سعد الثلثين"، بعد قوله: "يقضي الله في ذلك".
[ ٤ / ٤٦٠ ]
فلهن ما للأنثيين؛ وهو الثلثان لا يتجاوزنه لكثرتهن؛ ليعلم أن حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت. وقيل: إن البنتين أمس رحمًا بالميت من الأختين؛ فأوجبوا لهما ما أوجب اللَّه للأختين، ولم يروا أن يقصروا بهما عن حظ من هو أبعد رحما منهما. وقيل: إن البنت لما وجب لها مع أخيها الثلث كانت أحرى أن يجب لها الثلث إذا كانت مع أخت مثلها، ويكون لأختها معها مثل ما كان يجب لها - أيضا - مع أخيها لو انفردت معه، فوجب لهما الثلثان (وَلِأَبَوَيْهِ) الضمير للميت، و(لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا) بدل من (لِأَبَوَيْهِ) بتكرير العامل. وفائدة هذا البدل: أنه لو قيل: ولأبويه السدس؛ لكان
_________________
(١) قوله: (وقيل: إن البنتين) عطف على قوله: "والذي يعلل به قولهم" يعني: فقد أعطوهما حكم الجماعة: إما بطريقة الاستنباط من الآية، أو القياس على الأختين أو على البنت مع أخيها؛ بيانه ما قال الإمام: إنه تعالى ذكر في الآية حكم الواحدة من البنات، وحكم الثلاث فما فوقهن، ولم يذكر حكم الثنتين، وقال في شرح ميراث الأخوات: (إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) [النساء: ١٧٦] وها هنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والاثنتين ولم يذكر ميراث الأخوات الكثيرات، فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مجملًا من وجه، ومبينًا من وجه؟ فنقول: لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بهما؛ لأنهما أقرب منهما، ولما كان نصيب البنات الكثيرات لا يزداد على الثلثين وجب ألا يزداد نصيب الأخوات على ذلك؛ لأن البنت أشد اتصالًا من الأخت، فوجب ألا يكون حكمها أضعف. قوله: (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) بدل من (لأبَوَيْهِ) بتكرير العامل)، الانتصاف: الأولى أن يقدر المبتدأ، والمعنى: لأبويه الثلث، ثم يفصل بقوله: (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ). ودل التفصيل على المبتدأ المحذوف، ويستقيم على هذا جعله من بدل التقسيم، كقولك: الدار لثلاثة: لزيد ثلثها، ولعمرو ثلثها، ولبكر ثلثها، ولا يستقيم هذا إذا لم يقدر المبتدأ.
[ ٤ / ٤٦١ ]
ظاهره اشتراكهما فيه. ولو قيل: ولأبويه السدسان؛ لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها. فإن قلت: فهلا قيل: ولكل واحد من أبويه السدس! وأي فائدة في ذكر الأبوين أوّلا، ثم في الإبدال منهما؟ قلت: لأنّ في الإبدال والتفصيل بعد الإجمال تأكيدًا وتشديدًا، كالذي تراه في الجمع بين المفسر والتفسير. و(السدس): مبتدأ، وخبره: (لِأَبَوَيْهِ). والبدل متوسط بينهما للبيان.
وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة (السُّدُسُ) بالتخفيف، وكذلك الثلث، والربع، والثُّمن. والولد: يقع على الذكر والأنثى، ويختلف حكم الأب في ذلك: فإن كان ذكرًا اقتصر بالأب على السدس، وإن كانت أنثى عُصِّبَ مع إعطاء السُّدس. فإن قلت: قد بين حكم الأبوين في الإرث مع الولد ثم حكمهما مع
عدمه، فهلا قيل: فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث! وأي فائدة في قوله: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ)؟ قلت:
معناه: فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فحسب، فلأمه الثلث مما ترك، كما قال: (لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ)؛ لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين، كان للأم ثلث ما بقي بعد إخراج نصيب الزوج، لا ثلث ما ترك، إلا عند ابن عباس. والمعنى: أن الأبوين إذا
_________________
(١) قوله: ("السدس" بالتخفيف). قال الزجاج: يجوز تخفيف هذه الأشياء لثقل الضم، ومن زعم أن الأصل التخفيف فثقل فخطأ؛ لأن الكلام مطلوب منه التخفيف. قوله: (لا ثلث ما ترك إلا عند ابن عباس)، الانتصاف: مذهب ابن عباس أن الإخوة يأخذون السدس الذي حجبوا الأم عنه مع وجود الأب، فيقيد قوله: (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ) [النساء: ١١] الاحتراز مما لو كان معهما إخوة فلها السدس، كأنه قال: إن لم يكن له إخوة فلأمه الثلث، وإن كانوا فلها السدس، وابن عباس لا يرى التقييد بعدم الزوجين؛ لأن ثلث الأم عنده لا يتغير بهما.
[ ٤ / ٤٦٢ ]
خلصا تقاسما الميراث: للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن قلت: ما العلة في أن كان لها ثلث ما بقي دون ثلث المال؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أنّ الزوج إنما استحق ما يسهم له بحق العقد لا بالقرابة، فأشبه الوصية في قسمة ما وراءه. والثاني: أن الأب أقوى في الإرث من الأم، بدليل أنه يضعف عليها إذا خلصا ويكون صاحب فرض وعصبة، وجامعًا بين الأمرين، فلو ضرب لها الثلث كَمَلا لأدى إلى حط نصيبه عن نصيبها.
ألا ترى أن امرأة لو تركت زوجا وأبوين فصار للزوج النصف وللأم الثلث والباقي
_________________
(١) ـ وقال الإمام الرافعي: إن الشيخ أبا حاتم القزويني لما حكى مذهب ابن عباس في زوج وأبوين، وهو أن للأم الثلث كاملًا؛ قال: وبه قال شيخنا، يعني أبا الحسين ابن اللبان. قوله: (ألا ترى أن امرأة لو تركت زوجًا وأبوين)، قال الزجاج: فلما أعلمنا الله تعالى أن للأم الثلث علمنا أن للأب الثلثين، فلما دخل عليهما داخل وأخذ نصف المال؛ دخل النقص عليهما جميعًا، وأيضًا إنه تعالى قال: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ) [النساء: ١١] وها هنا لم يرثه أبواه فقط، وورثه معهما الغير، فرجع ميراث الأم إلى ثلث ما يبقى. قوله: (فطار للزوج)، صح بالطاء غير المعجمة، أي: أعطي نصيبه من غير نزاع ولا افتقار إلى فكر وروية، ويفهم منه أن نصيب الأبوين محتاج فيه إلى نظر واستدلال؛
[ ٤ / ٤٦٣ ]
للأب؛ حازت الأم سهمين والأب سهمًا واحدًا، فينقلبُ الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين؟ (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ): الإخوة يحجبون الأم عن الثلث وإن كانوا لا يرثون مع الأب؛ فيكون لها السدس وللأب خمسة الأسداس، ويستوي في الحجب الاثنان فصاعدا إلا عند ابن عباس. وعنه: أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأم. فإن قلت: فكيف صحّ أن يتناول الإخوة الأخوين، والجمع خلاف التثنية؟ قلت: الإخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بغير كمية، والتثنية كالتثليث والتربيع في إفادة الكمية، وهذا موضع الدلالة على الجمع المطلق، فدل بالإخوة عليه
_________________
(١) ـ لئلا ينعكس الحكم؛ ولهذا قال: "فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين"، النهاية: في حديث أم العلاء الأنصارية: اقتسمنا المهاجرين، وطار لنا عثمان بن مظعون، أي: حصل نصيبنا منهم عثمان. قوله: (الإخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة) أي: من غير نظر إلى حقيقته في الكمية بأن أقل الجمع ثلاثة أو اثنان، بل إلى مجرد معناه، قال في "البقرة": "اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد"، وقال محيي السنة: معنى الجمع: ضم الشيء إلى الشيء، فهو صادق على اثنين فما فوقه. قوله: (الذي حجبوا عنه) ويروى: "الذين"، وقيل: هو أصح، وهو بدل من فاعل "يأخذون". قوله: (وهذا موضع الدلالة على الجمع المطلق) أي: في هذا المقام ما يوجب الحمل على الجمعية المطلقة، وهو أن الأكثرين من الصحابة أجمعوا على إثبات الحجب في الأخوين، كما في الثلاثة، سوى ابن عباس، روي أنه احتج على عثمان ﵄: الأخوان كيف يردان الأم من الثلث إلى السدس، والله تعالى يقول: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ) [النساء: ١١]،
[ ٤ / ٤٦٤ ]
وقرئ: (فلإمّه)، بكسر الهمزة اتباعًا للجرّة: ألا تراها لا تُكسر في قوله (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) [المؤمنون: ٥٠]؟ (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها، لا بما يليه وحده، كأنه قيل: قسمة هذه الأنصباء كلها من بعد وصية يوصى بها. وقرئ (يُوصِي بِها) بالتخفيف والتشديد. و(يُوصِي بِها) على البناء
_________________
(١) والأخوان ليسا بإخوة؟ فقال عثمان: لا أستطيع رد قضاء قضي به ومضى في الأمصار ذكره. هذا ما ذكره في "الشرح الكبير". وقال الزجاج: قال جميع أهل اللغة: إن الأخوين جماعة؛ لأنك إذا ضممت واحدًا إلى واحد فهما جماعة. وحكى سيبويه أن العرب تقول: قد وضعا رحالهما، يريدون رحليهما، وما كان في الشيء منه واحد فتثنيته جمع أيضًا؛ لأن الأصل إنما هو الجمع؛ قال الله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) [التحريم: ٤]. قوله: (وقرئ: "فلإمه" بكسر الهمزة) قرأها حمزة والكسائي، وأكثر القراء بالضم. قال الزجاج: والضم أكثر القراء، فإذا كان ما قبل الهمزة غير كسر فالضم لا غير، لقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) [المؤمنون: ٥٠]، وإذا كان مكسورًا كقوله: (فِي أُمِّهَا رَسُولًا) [القصص: ٥٩] (فَلأُمِّهِ السُّدُسُ) [النساء: ١١] فجاز الكسر للاستثقال، وليس في كلامهم مثل "فعل" بكسر الفاء وضم العين، فلما اختلطت اللام بالاسم شبه بالكلمة الواحدة؛ فأبدل من الضمة كسره. قوله: «يُوصِي بِهَا) بالتخفيف) قراءة السبعة، والتشديد: شاذة، "و(يوصى بها) على البناء للمفعول مخففًا" ابن كثير وابن عامر وأبو بكر.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
للمفعول مخففًا: فإن قلت: ما معنى (أو)؟ قلت: معناها الإباحة، وأنه إن كان أحدهما أو كلاهما، قدم على قسمة الميراث، كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. فإن قلت: لم قدّمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة؟ قلت: لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض؛ كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم، ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين؛ فإنّ نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدِّين؛ بعثًا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين، ولذلك جيء بكلمة «أو» للتسوية بينهما
_________________
(١) ـ قوله: (معناها الإباحة) كذا عن الزجاج، قيل: فيه نظر؛ لأنه مخالف لما في "المفصل": "أو" في الخبر للشك، وفي الأمر للتخيير والإباحة، وجوابه: أن الخبر ها هنا في معنى الأمر؛ لما سبق أن معنى (يُوصِيكُمْ اللَّهُ): يعهد إليكم ويأمركم (فِي أَوْلادِكُمْ) في شأن ميراثهم؛ ولهذا مثله بقوله: "جالس الحسن أو ابن سيرين"، ويؤكده قوله بعد ذلك: "ولذلك جيء بكلمة (أَوْ) للتسوية بينهما في الوجوب". قوله: (لم قدمت الوصية على الدين والدينُ مقدم؟ ٩ الانتصاف: وفيه عندي وجه، وهو أن الآية ما جاءت على ترتيب الواقع شرعًا؛ فإن المبدوء به الدين ثم الوصية ثم الوراثة، ولو أسقطت ذكر (بَعْدِ) فقلت: أخرجوا الميراث والوصية والدين، لم يكن ورود السؤال، وفيه نظر؛ لأن الآية واردة في حكم الميراث أصالة؛ لأنها بيان لقوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ) [النساء: ٧] كما سبق، فكان ذكر الوصية والدين كالاستطراد، وذكر (مِنْ بَعْدِ) أمارة عليه؛ فكأنهما حكم واحد في كونهما مقدمين على الميراث، والظاهر تقدم الدين على الوصية فيرد السؤال.
[ ٤ / ٤٦٦ ]
في الوجوب، ثم أكد ذلك ورغب فيه بقوله: (آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ) أي: لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، أمّن أوصى منهم أمّن لم يوص؟ يعنى: أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعًا وأحضرُ جدوى ممن ترك الوصية، فوفر عليكم عرض الدنيا وجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا؛ ذهابًا إلى حقيقة الأمر؛ لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلًا قريبًا في الصورة، إلا أنه فانٍ، فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة وإن كان آجلا إلا أنه باقٍ، فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.
وقيل: إن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه،
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: إن الابن) قيل: هو معطوف من حيث المعنى على قوله: (لا تَدْرُونَ)، والتحقيق أن يقال: هو عطف على "قيل" مقدرًا هناك، وقيل: الأصح أنه معطوف على قوله: "ثم أكد ذلك ورغب فيه". وقلت: الظاهر أنه عطف على جملة قوله: "يعني أن من أوصى ببعض ماله" إلى آخره؛ لأن المراد بالنفع في قوله: (أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) على هذا ثواب الآخرة مطلقًا، وعلى الثاني: النفع مختص بالشفاعة، وعلى الوجه الآتي، وهو قيل: فرض الله النفع مختص بالدنيا بوضع الأموال في مواقعها. وأما قوله: "وقيل: الأب تجب" عطف على الوجه الثالث، وتنزيله منه تنزيل الوجه الثاني على الأول فليتدبر. وأما قضية التأكيد فهي أن تجعل الجملة معترضة، والمعترضة تؤكد معنى الكلام السابق، والسابق في أمر الوصية، لا في الرفع إلى الجنة، ولا في النفقة؛ ومن ثم قال: "وليس شيء من الأقاويل بملائم للمعنى ولا مجاوب له". قال القاضي: هو اعتراض لأمر القسمة، وذلك أن قوله: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) وقوله: (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) كلام في حق المتوالدين، أي: لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم؛ فتحروا فيهم ما وصاكم الله به، ولا تعمدوا
[ ٤ / ٤٦٧ ]
فيرفع، وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه، سأل أن يرفع ابنه إليه، فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعًا. وقيل: قد فرض اللَّه الفرائض على ما هو عنده حكمة. ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع، فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة. وقيل: الأب تجب عليه النفقة على الابن إذا احتاج، وكذلك الابن إذا كان محتاجًا فهما في النفع بالنفقة لا يدرى أيهما أقرب نفعا.
وليس شيء من هذه الأقاويل بملائم للمعنى ولا مجاوب له؛ لأن هذه الجملة اعتراضية، ومن حق الاعتراض أن يؤكد ما اعترض بينه ويناسبه، والقول ما تقدم.
(فَرِيضَةً) نصبت نصب المصدر المؤكد، أي: فرض ذلك فرضًا. (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا) بمصالح خلقه (حَكِيمًا) في كل ما فرض وقسم من المواريث وغيرها.
(وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي
_________________
(١) ـ إلى تفضيل بعض وحرمانه. وهذا يقرب من قول من قال: قد فرض الله الفرائض … إلى آخره، وهذا أحسن؛ لأن حسن موقع الاعتراض أن يكون أعم من المعترض فيه فلا يختص بأمر الوصية وحده كما اختاره المصنف. قوله: (وقيل: الأب تجب عليه النفقة)، "عليه" متعلق بـ "تجب"، و"على الابن" بقوله: "النفقة"، والضمير المرفوع في قوله: "ما اعترض بينه" عائد إلى "الاعتراض"، والمجرور إلى "ما"، أي: حق الاعتراض أن يؤكد الكلام الذي اعترض عليه هو بين ذكر الكلام ويناسبه.
[ ٤ / ٤٦٨ ]
الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) ١٢].
(فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ) منكم أو من غيركم، جعلت المرأة على النصف من الرجل بحق الزواج، كما جعلت كذلك بحق النسب، والواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ) يعنى: الميت.
و(يُورَثُ) من: ورث، أي: يورث منه وهو صفة ل (رَجُلٌ). و(كَلالَةً) خبر (كَانَ)، أي: وإن كان رجل موروث منه كلالة، أو يجعل (يُورَثُ) خبر (كَانَ)، و(كَلَالَةً) حالا من الضمير في (يُورَثُ). وقرئ (يورث) و(يورّث) بالتخفيف والتشديد على البناء للفاعل، و(كَلَالَةً) حال أو مفعول به. فإن قلت: ما الكلالة؟ قلت: ينطلق على
_________________
(١) ـ قوله: (جعلت المرأة على النصف من الرجل بحق الزواج، كما جعلت كذلك بحق النسب). قال القاضي: هكذا قياس كل رجل وامرأة اشتركا في الجهة والقرب، ولا يستثنى منه إلا أولاد الأم، والمعتق والمعتقة. قوله: (من: ورث، أي: يورث منه) يعني: هو من الثلاثي لا من المزيد. المغرب: ورث أباه مالًا يرث وراثة، وهو وارث، والأب والمال كلاهما موروث ومنه: "إنا معشر الأنبياء لا نورث" وأورثه مالًا: تركه ميراثًا له. قوله: (على البناء للفاعل) أي: يورث رجل الوارث المال، فحذف المفعولين إلا أن يقال: إن (كَلالَةً) مفعول "يورث". قوله: (و(كَلالَةً) حال أو مفعول به) فإن قلت: لمَ لمْ يجز على هذا أن يكون (يُورَثُ) صفة رجل، و(كَلالَةً) خبر (كَانَ) كما سبق؟ قلت: لا يجوز؛ لأن التركيب حينئذ مشابه لباب التنازع؛ لأن "كان" الناقصة تستدعي خبرًا، و(يُورَثُ)
[ ٤ / ٤٦٩ ]
ثلاثة أقسام: على من لم يخلف ولدًا ولا والدًا، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد، ومنه قولهم: (ما ورث المجد عن كلالة)، كما تقول: ما صمت عن عىّ، وما كف عن جبن. والكلالة في الأصل: مصدر بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوّة من الإعياء. قال الأعشى:
فَآلَيْتُ لا أرثي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ
_________________
(١) ـ [تستدعي] مفعولًا به، ولما كانت الكلالة أقرب إلى (يُورَثُ)؛ فالأفصح إعماله فيه فلا يبقى لـ (كَانَ) خبر، ولا يصح أن يقدر (كَلالَةً) مثل المذكور، ولأن (كَلالَةً) إذا كانت مفعولًا به فالرجل حينئذ: من ليس بوالد ولا ولد، وإذا كانت خبرًا لـ (كَانَ) فالرجل: من لم يخلف ولدًا (ولا والدًا)؛ فهذا خلف، فعلم أن (كَانَ) إذا كانت تامة جاز ذلك، وبه قال أبو البقاء: (كَانَ) هي تامة، و(رَجُلٌ): فاعلها، و(يُورَثُ): صفة له، و(كَلالَةً): حال من الضمير في (يُورَثُ)، والكلالة على هذا: اسم للميت الذي لم يترك ولدًا ولا والدًا. قوله: (على من لم يخلف ولدًا ولا والدًا) إلى آخره، وقيل: الكلالة على الوجهين الأولين: اسم عين، وعلى الثالث: اسم معنى، قال أبو البقاء: قيل: الكلالة: اسم للمال الموروث؛ فعلى هذا تنتصب (كَلالَةً) على المفعول الثاني لـ (يُورَثُ) كما تقول: ورث زيد مالًا، وأحد المفعولين محذوف، والتقدير: يورث أهله مالًا. قوله: (ومنه قولهم) أي: من أن الكلالة تطلق على القرابة، و"عن" في الأمثلة كـ "عن" في قوله: ينهون عن أكل وعن شرب قوله: (فآليت لا أرثي لها من كلالة)، تمامه: ولا من حفًا حتى تلاقي محمدا
[ ٤ / ٤٧٠ ]
فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد؛ لأنها بالإضافة إلى قرابتهما كآلة ضعيفة، وإذا جعل صفة للموروث أو الوارث فبمعنى ذي كلالة، كما تقول: فلان من قرابتي، تريد من ذوى قرابتي، ويجوز أن تكون صفة، كالهجاجة والفقاقة للأحمق. فإن قلت: فإن جعلتها اسما للقرابة في الآية فعلام تنصبها؟ قلت: على أنها مفعولٌ له، أي: يورث لأجل الكلالة أو يورث غيره لأجلها، فإن قلت: فان جعلت (يُورَثُ) على البناء للمفعول من أورث، فما وجهه؟ قلت: الرجل حينئذٍ هو الوارث لا الموروث. فان قلت: فالضمير في قوله: (فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا) إلى من يرجع حينئذ؟ قلت: إلى الرجل وإلى أخيه أو أخته،
_________________
(١) قوله: "لا أرثي"، أي: لا أرحم، والضمير في "لها": للناقة، "ولا من حفًا" أي: من وجى، قيل: إن الأعشى مدح النبي ﷺ بقصيدة فيها هذا البيت، وأقبل إلى مكة ونزل على عتبة، فسمع به أبو جهل فلم يزالوا يغوونه حتى صدوه، فمات باليمامة كافرًا. قوله: (فاستعيرت للقرابة) هذا يدل على أن المنقولات الاصطلاحية كلها استعارات، يدل عليه ما شرطوا من وجود العلاقة المناسبة، وهي التشبيه، وفيه شرط آخر وهو الشهرة في المنقول إليه؛ ومن ثم لمي جعلوها من المجاز. قوله: (فإن جعلت (يُورَثُ) على البناء للمفعول) لما فرغ من تقرير معنى الثلاثي؛ شرع في تقرير المزيد. قوله: (إلى الرجل وإلى أخيه أو أخته) فالتقدير: إن كان رجل وارث يورث من جهة الكلالة، وله أخي رث معه؛ فيرث كل واحد منهما من الميت السدس، وكذا إن كان بدل الأخ الأخت، وحكم المرأة الوارثة مع أخيها أو أختها كذلك، قال القاضي: واكتفى بحكمه
[ ٤ / ٤٧١ ]
وعلى الأول إليهما.
فإن قلت: إذا رجع الضمير إليهما أفاد استواءهما في حيازة السدس من غير مفاضلة الذكر الأنثى، فهل تبقى هذه الفائدة قائمة في هذا الوجه؟ قلت: نعم؛ لأنك إذا قلت: السدس له، أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير؛ فقد سوّيت بين الذكر والأنثى.
وعن أبى بكر الصديق ﵁: أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيه برأيي، فإن كان صوابًا فمن اللَّه، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه منه بريء. الكلالة: ما خلا الولد والوالد. وعن عطاء والضحاك: أنّ الكلالة هو الموروث. وعن سعيد ابن جبير: هو الوارث.
وقد أجمعوا على أنّ المراد أولاد الأم. وتدل عليه قراءة أبىّ: وله أخ أو أخت من الأمّ. وقراءة سعد بن أبي وقاص• وله أخ أو أخت من أم). وقيل: إنما استدل على أن الكلالة هاهنا الإخوة للأم خاصة بما ذكر في آخر السورة من أنّ للأختين الثلثين وأنّ للإخوة كل المال، فعلم هاهنا - لما جعل للواحد السدس، وللاثنين الثلث،
_________________
(١) ـ عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما، ويمكن أن يقال: إن الضمير راجع إلى الرجل، وإلى المرأة، ويكون حكم كل واحد من أخيه أو أخته وأخيها أو أختها حكم كل واحد؛ لاستواء إدلائهما إلى الميت، ولا يبعد أن يجرى على التغليب. قوله: (وعلى الأول) أي: على أن قوله: (يُورَثُ) من ورث، أي: يورث منه، والضمير في "غليهما" للأخ والأخت، والتقدير: إن كان رجل يورث منه من جهة الكلالة وله أخ يرثه، أو أخت ترثه؛ فلكل من الأخ والأخت السدس. قوله: (وقد أجمعوا على أن المراد أولاد الأم) أي: في هذه الآية، يدل عليه ما بعده.
[ ٤ / ٤٧٢ ]
ولم يزادوا على الثلث شيئًا - أنه يعني بهم الإخوة للأم، وإلا فالكلالة عامة لمن عدا الولد والوالد من سائر الإخوة الأخياف والأعيان وأولاد العلات وغيرهم (غَيْرَ مُضَارٍّ): حال، أي: يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته، وذلك أن يوصى بزيادة على الثلث، أو يوصى بالثلث فما دونه، ونيته مضارّة ورثته ومغاضبتهم لا وجه اللَّه تعالى.
وعن قتادة: كره اللَّه الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه. وعن الحسن:
المضارة في الدين أن يوصى بدين ليس عليه ومعناه الإقرار
(وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) مصدر مؤكد، أي: يوصيكم بذلك وصية، كقوله: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) [النساء: ١١]، ويجوز أن تكون منصوبة ب (غَيْرَ مُضَارّ)، أي: لا يضار وصية من اللَّه وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث، أو: وصية من اللَّه بالأولاد وأن لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية. وينصر هذا الوجه قراءة الحسن:
_________________
(١) قوله: (الأخياف). الجوهري: الأخياف من الخيف، وهو اختلاف إحدى العينين، يقال: فرس خيفاء: إذا كان إحدى عينيها زرقاء والأخرى سوداء، وإخوة أخياف: إذا كانت أمهم واحدة والآباء شتى، والأعيان: هم أولاد الأب والأم، وأعيان القوم: أشراف القوم، وأولاد العلات: أولاد الرجل من نسوة شتى، سميت به لأن أباهم نهل ثم عل، ومنه حديث علي ﵁: أن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. أخرجه الترمذي وابن ماجة. قوله: (وينصر هذا الوجه) أن تكون (وَصِيَّةً) منصوبة بـ (غَيْرَ مُضَارٍّ)؛ لأن
[ ٤ / ٤٧٣ ]
(غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) بالإضافة (وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بمن جار أو عدل في وصيته (حَلِيمٌ) عن الجائر لا يعاجله، وهذا وعيد. فإن قلت: في: (يُوصي) ضمير الرجل إذا جعلته الموروث، فكيف تعمل إذا جعلته الوارث؟ قلت: كما عملت في قوله تعالى: (فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ) [النساء: ١١]؛ لأنه علم أن التارك والموصي هو الميت. فإن قلت: فأين ذو الحال فيمن قرأ (يُوصَى بِهَا) على ما لم يسم فاعله؟ قلت: يضمر يوصي فينتصب عن فاعله؛ لأنه لما قيل (يُوصَى بِهَا) علم أن ثم موصيا، كما قال: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها) [النور: ٣٦] على ما لم يسمّ فاعله؛ فعلم أن ثمَّ مسبحا؛ فأضمر يسبح فكما كان (رِجَالٌ) [النور: ٣٦] فاعل ما يدل عليه (يُسَبّحُ)، كان غَيْرَ مُضَارٍّ) حالًا عما يدل عليه (يُوصَى بِهَا).
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ*
_________________
(١) ـ قراءة الحسن: (غير مضار وصية من الله) بالإضافة من إضافة العامل إلى المعمول. قال أبو البقاء: في قراءة الحسن: (غير مضار) وجهان، أحدهما تقديره: غير مضار أهل وصية، أو ذي وصية؛ فحذف المضاف، والثاني تقديره: غير مضار وقت وصية، فحذف، وهو من إضافة الصفة إلى الزمان، ويقرب منه قولهم: هو فارس حرب، أي: فارس في الحرب، فالتقدير: غير مضار الورثة في وقت الوصية. قوله: (فكيف تعمل إذا جعلته الوارث؟) يعني: إذا جعل (يُورَثُ) من: ورث، أي: يورث فيه؛ يكون فاعل (يوصي) ضمير الموروث فيستقيم المعنى، وأما إذا جعل من أورث على بناء المفعول فلا يصح؛ لأن الموصي الموروث لا الوارث، وأجاب: أضمر فيه ضمير الموروث ولا يكون من الإضمار قبل الذكر؛ لأنه علم أن التارك والموصي هو الميت.
[ ٤ / ٤٧٤ ]
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ) ١٣ - ١٤].
(تِلْكَ): إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث، وسماها حدودًا؛ لأن الشرائع كالحدود المضروبة الموقتة للمكلفين؛ لا يجوز لهم أن يتجاوزوها ويتخطوها إلى ما ليس لهم بحق (يُدْخِلْهُ) قرئ بالياء والنون، وكذلك (يُدْخِلْهُ نارًا) وقيل: (يُدْخِلهُ)، و(خَالِدينَ) حملا على لفظ «من» ومعناه. وانتصب (خَالِدينَ) و(خَالِدًا) على الحال. فان قلتَ: هل يجوزُ أن يكونا صفتين ل (جَنَّاتٍ) و(نَارًا)؟ قلت: لا؛ لأنهما جريا على غير من هما له، فلا بدّ من الضمير وهو قولك: خالدين هم فيها، وخالدًا هو فيها.
(وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَالَّذانِ يَاتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّابًا رَحِيمًا) ١٥ - ١٦].
(يَاتِينَ الْفاحِشَةَ): يرهقنها، يقال أتى الفاحشة وجاءها وغشيها ورهقها بمعنى. وفي قراءة ابن مسعود: يأتين بالفاحشة، والفاحشة: الزنا لزيادتها في القبح على
_________________
(١) قوله: (بالياء والنون). بالنون: نافع وابن عامر، وبالياء: الباقون. قوله: (فلابد من الضمير) وذلك أن الخلود ليس بفعل لها، وإنما هو فعل أهلها؛ فلو جعل صفة لجيء بالضمير ظاهرًا، كما ذكره في المتن، ولما لم يظهر علم أنه حال. قال القاضي: هي حال مقدرة، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا.
[ ٤ / ٤٧٥ ]
كثير من القبائح (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ): قيل: معناه: فخلدوهن محبوساتٍ في بُيوتكم، وكانَ ذلك عقوبتهن في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي …) الآية [النور: ٢]، ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذكر الحدّ؛ لكونه معلوما بالكتاب والسنة، ويوصى بإمساكهن في البيوت، بعد أن يحددن؛ صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا): هو النكاح الذي يستغنين به عن السفاح. وقيل: السبيل هو الحد؛ لأنه لم يكن مشروعًا ذلك الوقت. فإن قلت: ما معنى (يَتَوفَّاهُنَّ المَوتُ) - والتوفي والموت
_________________
(١) قوله: (فخلدوهن محبوسات في بيوتكم)، فسر "أمسكوهن" بمعنى الحبس، ثم وضع "خلدوهن" مكان "أحبسوهن" باستعانة قوله: (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) حيث جعل الموت غاية للإمساك في البيوت. قوله: (ويوصى بإمساكهن في البيوت)، ومنه ما روى أبو داود والنسائي، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إن لي امرأة لا ترد يد لامس، فقال النبي ﷺ: "طلقها"، فقال: إني أحبها، وهي جميلة، قال: "فأمسكها إذًا". النهاية: قيل: معنى "لا ترد يد لامس": إجابتها لمن أرادها، وخاف النبي ﷺ إن هو أوجب عليه طلاقها أن تتوق نفسه إليها فيقع في الحرام، وقيل: معناه: أنها تعطي من ماله من يطلب منها، وهذا أشبه. قال أحمد: لم يكن ليأمره بإمساكها وهي تفجر. وقلت: إذا حمل الحديث على معنى الآية لم يحتج إلى مثل هذا التأويل البعيد.
[ ٤ / ٤٧٦ ]
بمعنى واحد، كأنه قيل: حتى يميتهن الموت! قلت: يجوز أن يراد حتى يتوفاهنَّ ملائكة الموت، كقوله: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) [النحل: ٢٨]، (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) [النساء: ٩٧]، (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) [السجدة: ١١]، أو حتى يأخذهن الموت ويستوفى أرواحهن.
(وَالَّذانِ يَاتِيانِها مِنْكُمْ): يريد الزاني والزانية (فَآذُوهُما): فوبخوهما وذمّوهما وقولوا لهما: أما استحييتما، أوما خفتما اللَّه! (فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا) وغيرا الحال (فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) واقطعوا التوبيخ والمذمة، فإن التوبة تمنع استحقاق الذم والعقاب. ويحتمل أن يكون خطابًا للشهود العاثرين على سرهما، ويراد بالإيذاء ذمهما وتعنيفهما وتهديدهما بالرفع إلى الإمام والحد. (فَإن تَابَا) قبل الرفع إلى الإمام (فَأَعرِضُوا عَنْهُمَا) ولا تتعرضوا لهما. وقيل: نزلت الأولى في السحاقات وهذه في اللواطين
_________________
(١) ـ قوله: (حتى يتوفاهن ملائكة الموت) فهو من الإسناد المجازي، كقوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [محمد: ٤] أي: أصحابها. قوله: (أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن) وعلى هذا فهو استعارة تبعية أو مكنية: جعل الموت كالشخص المتوفي، والتوفي كأخذ الرجل حقه، على التخييلية. قوله: (ويحتمل أن يكون خطابًا للشهود) عطف على قوله: "فوبخوهما"، والمخاطبون الحكام، أو كل واحد، أي: واللذان يأتيانها منكم أيها المؤمنون فوبخوهما وذموهما، أو: واللذان يأتيانها من جنسكم ومما يتصل بكم أيها الشهود فهددوهما بالرفع إلى الحكام. وفي الكلام حذف، أي: (فَآذُوهُمَا): خطاب لكل واحد، ويحتمل أن يكون خطابًا للشهود. قوله: (وهذه في اللواطين). قال الإمام: هذا القول اختيار أبي مسلم الأصفهاني، واحتج بأن قوله: (وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ) [النساء: ١٥] إشارة إلى النسوان، وقد ذكر فيها (مِنْ نِسَائِكُمْ)، وقوله: (وَاللَّذَانِ) إشارة إلى الرجال، ومذكور فيها (مِنكُمْ)، وعلى
[ ٤ / ٤٧٧ ]
وقرئ: (واللذانّ) بتشديد النون. (واللذانّ): بالهمزة وتشديد النون.
(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا) ١٧ - ١٨].
(التَّوْبَةُ) من: تاب اللَّه عليه؛ إذا قبل توبته وغفر له، يعنى إنما القبول والغفران
_________________
(١) هذا التقدير لا يحتاج إلى النسخ. وقال القاضي: هذه الآية سابقة على الأول نزولًا، وكان عقوبة الزنى الأذى ثم الحبس ثم الجلد. قوله: (وقرئ: "واللذان" بتشديد النون): ابن كثير، والقراءة الأخرى: شاذة، ونظيرها: الذأبة والشأبة. قوله: «التَّوْبَةُ) من: تاب الله عليه). الجوهري: تاب إلى الله توبة نصوحًا ومتابًا، وقد تاب الله عليه، أي: وفقه لها، وتحقيقه: أن العبد إذا أذنب أعرض الله عنه، وإذا تاب ورجع إلى الله أقبل الله عليه بقبول توبته. وقوله: (عَلَى اللَّهِ) متعلق بمحذوف وهو: "واجب". روى الإمام عن القاضي أنه قال: يجب على الله قبول التوبة عقلًا، ولأن "على" كلمة الوجوب، ولأنه لو حمل قوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله: (فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) فرق، ولو حمل ذلك على الوجوب، وهذا على الوقوع؛ ظهر الفرق. ثم قال الإمام: إنه تعالى وعد بقبول التوبة، فإذا وعد شيئًا لابد أن ينجز وعده؛ لأن الخلف في وعده محال، ولما كان ذلك شبيهًا
[ ٤ / ٤٧٨ ]
واجب على اللَّه تعالى لهؤلاء. (بِجَهالَةٍ): في موضع الحال، أي: يعملون السوء جاهلين سفهاء؛ لأنَّ ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه والشهوة، لا مما تدعو إليه الحكمة والعقل. وعن مجاهد: من عصى اللَّه فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته (مِنْ قَرِيبٍ): من زمانٍ قريب. والزمان القريب:
ما قبل حضرة الموت، ألا ترى إلى قوله: (حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) فبين أنّ وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة فبقي ما وراء ذلك في حكم القريب. وعن ابن عباس: قبل أن ينزل به سلطان الموت. وعن الضحاك: كل توبة قبل الموت فهو قريب. وعن النخعي: ما لم يؤخذ بكظمه
_________________
(١) بالواجب قيل: وجب على الله، مجازًا. فقوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) إعلام بأن الله يقبل التوبة على سبيل التفضل، وقوله: (فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) إخبار بأن الله تعالى سيفعل ذلك. أو أن قوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) معناه: إنما الهداية إلى التوبة والإرشاد إليها، وقوله: (فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) إخبار بقبول التوبة، هذا هو الجواب على السؤال الآتي. وأما قول المصنف: "كما يجب على العبد بعض الطاعات" قياسًا على أنه تعالى يلام على الترك؛ فقياس من غير جامع. الانتصاف: هذا مما تقشعر منه الجلود، ومن لطف الله تعالى أن حاكي البدعة ليس بمبتدع، ووجهه عندنا: أن الله تعالى وعدنا قبول التوبة بشروطها، ووقوع الموعود به واجب لصدق الخبر، فكل ما ورد من صيغ الوجوب فهو منزل على وجوب صدق الوعد، وقولنا: صدق الخبر واجب، كقولنا: وجود الله واجب. قوله: (ما لم يؤخذ بكظمه). الكظم، بفتحتين: مجرى النفس. الجوهري: أخذت بكظمه أي: بمخرج نفسه. الراغب: يقال: أخذ بكظمه، والكظوم: احتباس النفس، ويعبر به عن السكوت،
[ ٤ / ٤٧٩ ]
وروى أبو أيوب عن النبي ﷺ «إنّ اللَّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» وعن عطاء: ولو قبل موته بفواق ناقة. وعن الحسن: أنّ إبليس قال حين أهبط إلى الأرض: وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده، فقال تعالى: وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر. فإن قلت: ما معنى (مِنْ) في قوله: (مِنْ قَرِيبٍ)؟ قلت: معناه التبعيض، أي: يتوبون بعض زمان قريب؛ كأنه سمي ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زمانًا قريبًا، ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد. فإن قلت: ما فائدة قوله (فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) بعد قوله: (إِنَّمَا التَّوبَةُ عَلَى اللَّهِ) لهم؟ قلت: قوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) إعلامٌ بوجوبها عليه كما يجب على العبد بعض الطاعات، وقوله: (فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ) عدةٌ بأنه يفي بما وجب عليه، وإعلامٌ بأن الغفران كائن لا محالة كما يعد العبد الوفاء بالواجب. (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ) عطفٌ على (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)؛ سوّى بين الذينَ سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم؛ لأنّ حضرة الموت أول أحوال الآخرة؛ فكما أنّ المائتَ على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت؛ لمجاوزة كل واحد منهما أوان التكليف والاختيار.
_________________
(١) كقولهم: فلان لا يتنفس: إذا وصف بالمبالغة في السكوت. قوله: (وروى أبو أيوب) الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة عن ابن عمر ﵄. غرغر المريض: إذا ترددت روحه في حلقه. قوله: (بفواق) قال في "الفائق": هو ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب، يقال: ما أقام عنده إلا فواقًا.
[ ٤ / ٤٨٠ ]
(أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ) في الوعيد، نظير قوله: (فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) في الوعد؛ ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة. فإن قلت: مَنِ المراد ب (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)؛ أهم الفساقُ من أهل القبلة أم الكفار؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يراد الكفار، لظاهر قوله: (وَهُمْ كُفَّارٌ)؛ وأن يراد الفساق؛ لأن الكلام إنما وقع في الزانيين، والإعراض عنهما إن تابا وأصلحا، ويكون قوله: (وَهُمْ كُفَّارٌ) واردًا على سبيل التغليظ كقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) [آل عمران: ٩٧] وقوله: «فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا» «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر»؛ لأن من كان مصدقًا
_________________
(١) ـ قوله: (من المراد بـ (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)؟) فإن قلت: هذا السؤال مستدرك؛ لأنه ذكر أن قوله: " (وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ) عطف على (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ) "، وقال: "سوى بين الذين سوفوا توبتهم إلى حضرة الموت وبين الذين ماتوا على الكفر"؛ فعلم منه أن الذين يعملون السيئات هم الفساق، والذين يموتون وهم كفار هم الكفار؟ قلت: لا، لأن قوله: (لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) لا توقيت فيه، فكما صح أن يكون السياقـ وهو قوله: (وَهُمْ كُفَّارٌ) - قرينة للقيد لذلك السياق، وهو قوله: (وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ) [النساء: ١٥]، وقوله: (وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنْكُمْ) [النساء: ١٦]، فلما تعارضا تساقطا. وقلت: وليس كذلك؛ لأن قوله: (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ) قسيم لقوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ) [النساء: ١٧] فدلت الآية الأولى على أن توبة المؤمن إنما تقبل قبل غرغرة الموت، والثانية [على] أنها غير مقبولة عندها؛ يشهد لذلك قوله: (مِنْ قَرِيبٍ) [النساء: ١٧] وقوله: (إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ). قوله: (من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر) أخرجه أحمد بن حنبل في "مسنده".
[ ٤ / ٤٨١ ]
ومات وهو لم يحدث نفسه بالتوبة؛ حاله قريبة من حال الكافر؛ لأنه لا يجترئ على ذلك إلا قلب مصمت.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَاتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) ١٩].
(يَا أَيُّهَا الَّذينَ) كانوا يبلون النساء بضروب من البلايا ويظلمونهن بأنواع من الظلم، فزجروا عن ذلك: كان الرجل إذا مات له قريب من أب أو أخ أو حميم عن امرأة، ألقى ثوبَه علَيها وقال أنا أحقُّ بها من كلّ أحد، فقيل (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا) أي: أن تأخذوهنَّ على سبيل الإرثِ كما تُحاز المواريثُ وهن كارهات لذلك: أو مكرهات. وقيل: كان يمسكها حتى تموت، فقيل: لا يحل لكم أن تمسكوهنّ حتى ترثوا منهنَّ وهنّ غير راضيات بإمساككم
_________________
(١) قوله: (قلب مصمت)، الأساس: صمت الرجل وأصمت وأصمته وصمته. وقفل مصمت: قد أبهم إغلاقه. وقال: ومن دون ليلى مصمتات المقاصر قوله: (كان الرجل إذا مات له قريب) وما عطف عليه، وقوله: "وكان الرجل إذا تزوج"، وقوله: "وكانوا يسيئون معاشرة النساء"، وقوله: "وكان الرجل إذا طمحت عينه"، وقوله: "وكانوا ينكحون روابهم" بيان وتفصيل لما أبهم وأجمل بقوله: "وكانوا يبلون النساء بضروب من البلايا"، والمعطوفات على الترتيب تفسير للآيات المتلوات، أولها قوله: (لا يَحِلُّ لَكُمْ) [النساء: ١٩] إلى آخر الآية، إلى قوله: (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) الآية [النساء: ٢٢]. قوله: (حتى ترثوا منهن) معنى قوله تعالى: (أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ) [النساء: ١٩]، يجوز حمله على: يرثوا أنفسهن كما يأخذون المواريث، أو على: أن يرثوا أموالهن.
[ ٤ / ٤٨٢ ]
وكان الرجل إذا تزوّج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العشرة والقهر، لتفتدي منه بمالها وتختلع، فقيل: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَاءَاتَيْتُمُوهُنَّ). والعضل: الحبس والتضييق. ومنه: عضَّلت المرأة بولدها، إذا اختنقت رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه.
(إِلَّا أَنْ يَاتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) وهي النشوز، وشكاسة الخلق، وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء والسلاطة، أي: إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع. وتدل عليه قراءة أبىّ: إلا أن يفحشن عليكم. وعن الحسن: الفاحشة: الزنا، فإن فعلت حلّ لزوجها أن يسألها الخلع. وقيل: كانوا إذا أصابت امرأت فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها. وعن أبي قلابة ومحمد بن سيرين: لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها. وعن قتادة: لا يحل أن يحبسها ضرارًا حتى تفتدي منه، يعنى: وإن زنت. وقيل: نسخ ذلك بالحدود. وكانوا يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم: (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وهو النصفة في المبيت والنفقة، والإجمال في القول (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ) فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها فربما كرهت
_________________
(١) ـ قوله: (ومنه: عضلت المرأة بولدها) الراغب: العضلة: كل لحم في عصب، ورجل عضل: مكتنز اللحم، وعضلته: شددته بالعضل المتناول من الحيوان نحو عصبته، وتجوز به في كل منع شديد، قال تعالى: (فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) [البقرة: ٢٣٢]، وعضلت الدجاجة ببيضها والمرأةب ولدها: إذا تعسر خروجهما، وداء عضال: صعب البرء، والعضلة: الداهية المنكرة. قوله: (فربما كرهت) تفسير لقوله تعالى: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا)، وهو علة لقوله: "فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس" وهو الجزاء، والحاصل أن قوله: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا) وقع في التنزيل جزاء لقوله: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ)، لكنه علة للجزاء المحذوف، المعنى: فإن
[ ٤ / ٤٨٣ ]
النفس ما هو أصلح في الدين، وأحمد وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك، ولكن للنظر في أسباب الصلاح.
(وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَاخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا) ٢٠ - ٢١].
وكان الرجل إذا طمحت عينه إلى استطراف امرأة، بهت التي تحته ورماها بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها؛ ليصرفه إلى تزوّج غيرها. فقيل: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ) الآية. والقنطار: المال العظيم، من قنطرت الشيء إذا رفعته. ومنه القنطرة؛ لأنها بناء مشيد. قال:
كَقَنْطَرَةِ الرُّومِىِّ أقْسَمَ رَبُّهَا لَتُكْتَنَفَنْ حَتَّي تُشَادَ بِقِرْمِدِ
_________________
(١) كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)، يتبين هذا بعيد هذا عند قوله: "فإن قلت: من أي وجه صح قوله: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا) جزاء للشرط؟ ". قوله: (إلى استطراف امرأة) الأساس: استطرفت شيئًا وأطرفته: أخذته طريفًا، وهذه طرفة من الطرف للمستحدث المعجب. وامرأة طرفة: لا تثبت على زوج، تستطرف الرجال. قوله: (بهت التي تحته) الأساس: بهته بكذا وباهته به: رماه بالبهتة، وهي البهتان. قوله: (والقنطار: المال العظيم) الانتصاف: هو تنبيه بالأدنى على الأعلى، ومعنى قوله: (وَآتَيْتُمْ) أي: وكنتم آتيتم؛ إذ إرادة الاستبدال في الظاهر بعد إيتاء المال. قوله: (كقنطرة الرومي) البيت، ربها، أي: صاحبها، لتكتنفن، أي: تكتنفها
[ ٤ / ٤٨٤ ]
وعن عمر ﵁ أنه قام خطيبًا فقال: أيها الناس لا تغالوا بصدق النساء، فلو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند اللَّه لكان أولاكم بها رسول اللَّه ﷺ، ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأةٌ فقالت له: يا أمير المؤمنين؛ لِمَ تمنعنا حقًا جعله اللَّه لنا واللَّه يقول (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا)، فقال عمر: كل أحد أعلم من عمر ثم قال لأصحابه: تسمعونني أقول مثل هذا القول فلا تنكرونه علىّ حتى تردّ علىّ امرأة ليست من أعلم النساء!
والبهتان: أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بريء منه؛ لأنه يبهت
عند ذلك، أي: يتحير. وانتصب (بُهْتانًا) على الحال، أي: باهتين وآثمين، أو على أنه ..
_________________
(١) الفعلة، من اكتنفوا به أي: أحاطوا به، تشاد أي: ترفع، القرمد: الآجر، شبه الناقة في تراصف عظامها وتداخل أعضائها بقنطرة، أي: قصر لرجل رومي، أو القنطرة المعروفة. قوله: (وعن عمر ﵁: أنه قام خطيبًا) إلى قوله: (اثنتي عشرة أوقية) مذكور في "سنن الترمذي" و"أبي داود" وغيرهما، وليس في الروايات الفصل الأخير، يعني: فقامت … إلى آخره. قوله: (من اثنتي عشرة أوقية) الجوهري: الأوقية في الحديث: أربعون درهمًا، وكذلك كان فيما مضى؛ فأما اليوم فيما يتعارفه الناس فالأوقية: وزن عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم. قوله: (أي: باهتين) أي: رامين إياهن بالبهتان، "وآثمين": تفسير قوله: (إِثْمًا
[ ٤ / ٤٨٥ ]
مفعول له، وإن لم يكن غرضًا، كقولك: قعد عند القتال جبنًا.
والميثاق الغليظ: حق الصحبة والمضاجعة، كأنه قيل: وأخذن به منكم ميثاقًا غليظًا، أي: بإفضاء بعضكم إلى بعض. ووصفه بالغلظ لقوّته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يومًا قرابة، فكيف بما يجرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟ وقيل: هو قول الوليّ عند العقد: أنكحتك على ما في كتاب اللَّه من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وعن النبي ﷺ: استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهن عوان في أيديكم؛ أخذتموهن بأمانة اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه".
_________________
(١) ـ مُبِينًا). قال الزجاج: البهتان: الباطل الذي يتحير من بطلانه، وهو حال موضوعة موضع المصدر. وقلت: البهتان: الباطل هنا بمعنى الظلم والإثم والفعل الباطل، لا قذف البريء، فيكون قوله: (وَإِثْمًا مُبِينًا) عطفًا تفسيريًا لـ (بُهْتَانًا). قوله: (والميثاق الغليظ: حق الصحبة والمضاجعة) الراغب: الميثاق الغليظ هو: ما قال ﷺ: "أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله". قوله: (أي: بإفضاء بعضكم إلى بعض) الراغب: أفضى فلان إلى فلان، أي: وصل إلى فضاء منه، أي: سعة غير محظورة، فمن الفقهاء من جعل ذلك عبارة عن الخلوة حصل معها المسيس أو لم يحصل، ومنهم من جعله كناية عن المسيس، وإليه ذهب ابن عباس ومجاهد، ونبه أن المهر بإزاء ذلك المعنى، وقد نلتموه منهن، فال حق لكم إذًا عليهن. قوله: (استوصوا بالنساء) روينا عن الترمذي وابن ماجة، عن عمرو بن الأحوص، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا فاستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عوان عندكم، وليس تملكون
[ ٤ / ٤٨٦ ]
(وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا) ٢٢].
وكانوا ينكحون روابهم، وناس منهم يمقتونه من ذوي مروآتهم، ويسمونه نكاح
المقت، وكان المولود عليه يقال له: المقتي. ومن ثم قيل (وَمَقْتًا) كأنه قيل: هو فاحشة في دين اللَّه بالغةٌ في القبح، قبيح ممقوت في المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين.
وقرئ: لا تحل لكم بالتاء، على (أَن ترثوا) بمعنى الوراثة
_________________
(١) منهن غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة" الحديث، قيل: "استوصى" مطاوع "أوصى"، كأنه قال: أوصيكم بالنساء خيرًا فاقبلوا وصيتي فيهن، الاستيصاء: قبول الوصية. المغرب: وفي حديث الظهار: "استوصي بابن عمك خيرًا"، أي: اقبلي وصيتي فيه. النهاية: العاني: الأسير، وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنا يعنو، وهو عان، والمرأة عانية، وجمعها: عوان، أي: أسرى أو كالأسرى، وهو مرفوع على أنه خبر "إن". قوله: (روابهم) الرواب: جمع الرابة، الجوهري: والرابة: امرأة الأب. قوله: (على ما يجمع القبحين) أي: العقلي والشرعي، مذهبه. قوله: (وقرئ: "لا تحل لكم"، بالتاء) وهي شاذة. قوله: «أَنْ تَرِثُوا) بمعنى الوراثة) وفي بعض النسخ: "على أن (تَرِثُوا) "، والمراد: أن توجيه القراءة بالتاء: أن يكون (تَرِثُوا) بمعنى الوراثة؛ لأن (أَن تَرِثُوا) في موضع رفع
[ ٤ / ٤٨٧ ]
و(كَرْهًا) بالفتح، والضم، من الكراهة والإكراه. وقرئ (بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) من أبانت بمعنى تبينت أو بينت، كما قرئ (مُبَيِّنَةٍ) بكسر الياء وفتحها. و(يجعل الله) بالرفع، على أنه في موضع الحال: (وآتيتم إحداهن) بوصل همزة (إحْدَاهُنَّ)، كما قرئ (فَلَثْمَ عليه) [البقرة: ١٧٣].
_________________
(١) ـ فاعل "تحل"، وفي أكثر النسخ: "على (أَنْ تَرِثُوا) بمعنى الوراثة"، والمعنى على ما مر، و"أن" مقدرة، وعلى القراءة بالياء: على أن (أَن تَرِثُوا) بمعنى الإرث. قال أبو البقاء: (النِّسَاءِ) هو المفعول الأول بمعنى الموروثات، فكانت العرب في الجاهلية ترث نساء آبائها وتقول: نحن أحق بنكاحهن. قوله: (و(كَرْهًا) بالفتح والضم) بالضم: حمزة والكسائي، والباقون: بفتحها. قال أبو البقاء: وهما لغتان بمعنى، وقيل: الفتح بمعنى الكراهية؛ فهو مصدر، والضم: اسم المصدر، وقيل: الضم بمعنى المشقة. قوله: «مُبَيِّنَةٍ) بفتح الياء وكسرها) بالفتح: ابن كثير وأبو بكر، والباقون: بكسرها. قال أبو البقاء: في هذه القراءة وجهان، أحدهما: أنها هي الفاعلة؛ أي: تبين حال مرتكبها، والثاني: أنه من اللازم، يقال: بان الشيء وأبان وتبين، واستبان وبيَّن، بمعنى واحد. قوله: «ويجعلُ الله) بالرفع، على أنه في موضع الحال)، قيل: فلا حاجة إذن إلى الواو؛ لأنه مضارع مثبت، إلا أن يقال: لو لم تذكر الواو لالتبس بأن يكون صفة لقوله: (شَيْئًا) كقوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ) [الحجر: ٤] قلت: هذا مخالف لمذهبه؛ لأنه يجوز إدخال الواو بين الصفة والموصوف، فكذلك جوز ها هنا إدخال الواو في
[ ٤ / ٤٨٨ ]
فإن قلت: (تَعْضُلُوهُنَّ)، ما وجه إعرابه؟ قلت: النصب عطفا على (أَن تَرِثُوا). و(لَا) لتأكيد النفي، أي: لا يحلُّ لكم أن ترثوا النساءَ ولا أن تعضلوهن. فإن قلتَ: أي فرق بين تعدية ذهب بالباء، وبينها بالهمزة؟ قلت: إذا عدي بالباء فمعناه الأخذ والاستصحاب، كقوله تعالى (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ) [يوسف: ٥] وأما الإذهاب: فكالإزالة. فإن قلت: (إِلَّا أَنْ يَاتِينَ) [النساء: ١٩] ما هذا الاستثناء؟ قلت: هو استثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له، كأنه قيل: ولا تعضلوهن في جميع الأوقات إلا وقت أن يأتين بفاحشة، أو: ولا تعضلوهنّ لعلة من العلل إلا لأن يأتين بفاحشة.
فإن قلت: من أي وجه صح قوله: (فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا) جزاء للشرط؟ قلت: من حيث أنّ المعنى: فإن كرهتموهن فاصبروا عليهنَّ مع الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهونه خيرًا كثيرًا ليس فيما تحبونه.
فإن قلت كيف استثني (مَا قَدْ سَلَفَ) مما نكح آباؤكم؟ قلت: كما استثنى «غير أن سيوفهم» من قوله:
_________________
(١) المضارع إذا وقع حالًا، وإن خالف المفصل. قال فخر المشايخ: وقد جاء مع الواو، كقوله تعالى: (أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٤٤] فإن قيل: لم لا يجوز: وأنتم تنسون أنفسكم؛ فتكون الجملة اسمية؟ يقال: لا يستقيم هذا المعنى فيما نحن بصدده إلا على التعسف، بأني قال: أصله: والله يجعل فيه خيرًا، ثم حذف المبتدأ وأظهر الفاعل في "يجعل". قوله: (فمعناه: الأخذ والاستصحاب): قال الحريري في "درة الغواص": اختلف النحويون هل بين حرفي التعدية فرق أم لا؟ فقال: الأكثرون هما بمعنى واحد، وقال أبو العباس المبرد: بل بينهما فرق، وهو أنك إذا قلت: أخرجت زيدًا، كان بمعنى: حملته على الخروج، وإذا قلت: خرجت به، فمعناه: أنك خرجت واستصحبته معك؛ والقول الأول أصح بدلالة قوله تعالى: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) [البقرة: ١٧]، وقد مر الكلام فيه في البقرة.
[ ٤ / ٤٨٩ ]
ولا عيبَ فيهم
يعنى: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف، فانكحوه، فلا يحل لكم غيره وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه وسدّ الطريق إلى إباحته، كما يعلق بالمحال في التأبيد نحو قولهم: حتى يبيض القار، وحتى يلج الجمل في سم الخياط.
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ٢٣].
معنى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ): تحريم نكاحهن؛ كقوله: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) [النساء: ٢٢]؛ ولأن تحريم نكاحهن هو الذي يفهم من تحريمهن، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها، ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله. وقرئ (وبنات الأخت) بتخفيف الهمزة.
_________________
(١) قوله: (ولا عيب فيهم) للنابغة، تمامه: غير أن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب فلول: جمع فل، وهو كسر في حده، يعني: إذا لم يكن العيب إلا الشجاعة، وهي من أخص أوصاف المدح؛ فإذًا لا عيب فيهم. قوله: ("وبنات الأخت" بتخفيف الهمزة) رواية ورش عن نافع، نقلت حركة همزة "أخت" إلى لام التعريف وحذفت الهمزة.
[ ٤ / ٤٩٠ ]
وقد نَزَّل اللَّه الرضاعة منزلة النسب، حتى سمى المرضعة أمّا للرضيع، والمراضعة أختًا، وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه، وأخته عمته، وكل ولد وُلد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه، وأم المرضعة جدّته، وأختها خالته، وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه، ومنه قوله ﷺ «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وقالوا: تحريم الرضاع كتحريم النسب إلا في مسألتين: إحداهما: أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب ويجوز أن يتزوّج أخت ابنه من الرضاع؛ لأن المانع في النسب وطؤه أمَّها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع؛ والثانية: لا يجوز أن يتزوج أم أخيه من النسب، ويجوز في الرضاع؛ لأن المانع في النسب وطء الأب إياها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع.
(مِنْ نِسائِكُمُ) متعلقٌ بربائبكم. ومعناه أن الربيبة من المرأة المدخول بها محرمة على الرجل، حلال له إذا لم يدخل بها. فإن قلت: هل يصح أن يتعلق بقوله:
_________________
(١) ـ قوله: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) الحديث، أخرجه الترمذي عن علي ﵁. قال القاضي: استثناء أخت ابن الرجل وأم أخيه من الرضاع من هذا الأصل ليس بصحيح؛ فإن حرمتهما في النسب بالمصاهرة دون النسب. تم كلامه. وقيل: يلحق بهما الحفدة، كما لو أرضعت أجنبية ولد ولدك: لم تحرم عليك، فلو كانت من النسب لحرمت؛ لأنها زوجة ابنك أو بنتك، وكذا الجدة كما لو أرضعت أجنبية ولدك ولها أم؛ فإنها جدة الولد من الرضاع ولم تحرم، ولو كانت من النسب لحرمت؛ لأنها أمك أو أم زوجتك.
[ ٤ / ٤٩١ ]
(وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ)؟ قلت: لا يخلو إمّا أن يتعلق بهن وبالربائب غير مبهمتين جميعًا؛ وإما أن يتعلق بهن دون الربائب فيكون حرمتهن غير مبهمة، وحرمة الربائب مبهمة، فلا يجوز الأوّل؛ لأن معنى «من» مع أحد المتعلقين، خلاف معناه مع الآخر؛ ألا تراك أنك إذا قلت: وأمّهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فقد جعلت «من» لبيان النساء، وتمييز المدخول بهنّ من غير المدخول بهنّ.
وإذا قلت "وربائبكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ" فإنك جاعل «من» لابتداء الغاية، كما تقول: بنات رسول اللَّه ﷺ من خديجة، وليس بصحيح أن يعنى بالكلمة الواحدة في خطاب واحد معنيان مختلفان! ولا يجوز الثاني؛ لأن ما يليه هو الذي يستوجب التعليق به، ما لم يعترض أمر لا يرد، إلا أن تقول: أُعلِّقه بالنساء والربائب، وأجعل «من» للاتصال
_________________
(١) قوله: (إما أن يتعلق) لم يرد به تعلق المعمول بالعامل؛ بل أراد به التقييد، يشهد له قوله: "غير مبهمتين" أي: مطلقتين. الإبهام: الإطلاق والإرسال، أي: غير مقيدتين بالدخول، وهذا مذهب بعض الصحابة وقراءتهم كما سيأتي. قوله: (فإنك جاعل "من" لابتداء الغاية) قيل: هذا على خلاف ما في "المفصل": أن معنى الكل راجع إلى ابتداء الغاية، ويندفع بأن "من" الابتدائية مجردة لها، وغيرها متضمنة لها، مع ما يختص به. وقلت: "من" البيانية تقتضي اتحاد الثاني بالأول، والابتدائية توجب إنشاء الأول من الثاني فبينهما تناف. قوله: (ما لم يعترض أمر) أي: الأصل أن يعلق بالأقرب، إلا أن يعترض صارف قوي لا يرد، وهذا مبني على أن المعطوفات المستعقبات للقيد هل يتعلق ذلك القيد بالأخير أم بالمجموع؟ ففيه الخلاف المشهور. قوله: (إلا أن تقول: أعلقه بالنساء والربائب) الاستثناء منقطع، ولابد فيه من تقدير
[ ٤ / ٤٩٢ ]
كقوله تعالى: (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [التوبة: ٦٧].
فإنى لست منك ولست منى
ما أنا من ددٍ ولا الدد منى: وأمهات النساء متصلات بالنساء؛ لأنهنّ أمهاتهنّ كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن؛ لأنهنّ بناتهنّ. هذا وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات
_________________
(١) ـ مضاف؛ أي: أعلقه بأمهات النساء والربائب؛ لاستقامة المعنى، ولأن الكلام سابقًا ولاحقًا وارد في الأمهات والربائب، أما سابقًا: فقوله: "هل يصح أن يتعلق بقوله: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) "، وأما لاحقًا فقوله: "وأمهات النساء متصلات بالنساء". قوله: (فإني لست منك ولست مني) للنابغة، أوله: إذا حاولت في أسد فجورًا قوله: (ما أنا من دد). النهاية: الدد: اللهو واللعب وهي محذوفة اللام، ولا يخلو من أن يكون ياء، كقولهم: "يد" في "يدي"، أو نونًا كقولهم في "لدن": "لد"، ومعنى التنكير في الأول الشياع، أي: ما أنا في شيء من اللهو، والتعريف في الثاني للعهد، كأنه قال: ولا ذلك النوع مني، وإنما لم يقل: ولا هو مني؛ لأن التصريح أبلغ. قوله: (هذا وقد اتفقوا) "هذا": فصل الخطاب، أي: يصح ما قلت على قوانين النحويين، ولكن الإجماع يدفعه. الانتصاف: في الفرق بين الأم تحرم بالعقد وبين البنت لا تحرم إلا بالدخول سر؛ فالمتزوج بالبنت لا يخلو من محاورات ومراجعات تقع بينه وبين أمها بعد العقد وقبل الدخول، فحرمت بالعقد لينقطع شوقه من الأم فيعاملها معاملة المحرم، ولا كذلك عكسه؛ إذ لا يحصل مظنة خلطة الربيبة إلا بالدخول. تم كلامه.
[ ٤ / ٤٩٣ ]
النساء مبهم دون تحريم الربائب، على ما عليه ظاهر كلام اللَّه تعالى وقد روى عن النبي ﷺ في رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها أنه قال «لا بأس أن يتزوج ابنتها، ولا يحل له أن يتزوج أمها» وعن عمر وعمران بن الحصين ﵄: أن الأم تحرم بنفس العقد. وعن مسروق: هي مرسلة فأرسلوا ما أرسل اللَّه. وعن ابن عباس: أبهموا ما أبهم اللَّه، إلا ما روى عن على وابن عباس وزيد وابن عمر وابن الزبير: أنهم قرءوا: وأمّهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن. وكان ابن
_________________
(١) وألطف منه ما يعزى إلى الإمام: أن البنت إذا أبدلت بالأم وأوثرت عليها لم يلحقها المشقة والغيرة ما يلحق البنت إذا أوثرت الأم عليها؛ لشفقة الأم وحنوها، وأنشد في المعنى لأبي الطيب: إنما أنت والد والأب القا … طع أحنى من واصل الأولاد فإن قلت: كيف يستقيم قولك: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) متصلات بـ (نِسَائِكُمْ)؟ قلت: على أن يكون حالًا، أي: متصلات بـ (نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)؛ فيكون قيدًا للمطلق؛ لأن اتصالهن بهن سبب لقيدهن. وأما الزجاج فلم يجوز مثل هذا النحو، أي: أن يكون (مِنْ نِسَائِكُمْ) متعلقًا بالأمهات والربائب، وإن كانت اتصالية، قال: لا يجيز النحويون: مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن تكون "الظريفات" نعتًا لهؤلاء ولهؤلاء، والجيد أن أمهات نسائكم من تمام التحريمات المبهمات، والربائب هن اللاتي يحللن إذا لم يدخل بأمهاتهن فقط دون أمهات نسائكم. قوله: (إلا ما روي عن علي)، قيل: استثناء من قوله: "اتفقوا"، وقلت: التقدير: اتفق آراء العلماء على التحريم بناءً على القراءة المشهورة، لكن رويت قراءة مخالفة لها عن الصحابة، وهي شاذة؛ فلا يعمل بها وتترك المشهورة.
[ ٤ / ٤٩٤ ]
عباس يقول: واللَّه ما نزل إلا هكذا، وعن جابر روايتان، وعن سعيد بن المسيب عن زيد: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثَها، كره أن يخلف على أمّها، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل. أقام الموت مقام الدخول في ذلك، كما قام مقامه في باب المهر. وسمى ولد المرأة من غير زوجها ربيبا وربيبة؛ لأنه يربهما كما يربُّ ولده في غالب الأمر، ثم اتسع فيه فسميا بذلك وإن لم يربهما. فإن قلت: ما فائدة قوله (فِي حُجُوركُم)؟ قلت: فائدته التعليل للتحريم، وأنهن لاحتضانكم لهن،
_________________
(١) ـ قوله: (أن يخلف على أمها) أي: يتزوج الأم بعد موت البنت. الأساس: يقال: مات عنها زوجها فخلف عليها فلانًا: إذا تزوجها بعده. قوله: (ربيبًا وربيبة) "فعيل" بمعنى مفعول؛ لحقه التاء لأنه صار اسمًا. قوله: (ما فائدة [قوله:] (فِي حُجُورِكُمْ)؟) يعني: قد تقرر في العرف أن الربائب: ولد الزوجة سواء رباهن الزوج أو لا، وهن محرمات عليه إذا دخل بأمهاتهن مطلقًا، فالكلام مستغن عن ذكر (فِي حُجُورِكُمْ) فأي فائدة فيه؟ وأجاب عنه بجوابين، أحدهما: أنه وإن استغني عنه ظاهرًا لكن في ذكره نكتة لطيفة، وهي الإشارة إلى حسن التعليل وتصوير ما ينفر الرجل من إرادة نكاحهن تتميمًا لمعنى التحريم، يعني: كيف يتصور من العقل نكاح من بصدد الاحتضان، وحكم التقلب في الحجور الذي هو مظنة لتربية الأولاد وأفلاذ الأكباد، وخلاصته: أنه جعل صلة الموصول ذريعة إلى استهجان نكاحهن، وتعليلًا للتحريم، وقوله: "خليقة بأن تجروا" مؤذن بأن التعليل ليس حقيقيًا، ونحوه ما مر قبيل هذا: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ) [النساء: ٩]. قال المصنف: " (لَوْ) مع ما في حيزه: صلة للذين أمروا بأن يخشوا الله تعالى فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى"، قال: "وأن يقدروا ذلك في أنفسهم ويصوروه حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة". وحاصل هذا الوجه يعود إلى أن التقييد بالصفة لا يدل على نفي الحكم
[ ٤ / ٤٩٥ ]
أو لكونهن بصدد احتضانكم، وفي حكم التقلب في حجوركم إذا دخلتم بأمّهاتهن، وتمكن بدخولكم حكم الزواج وثبتت الخلطة والألفة، وجعل اللَّه بينكم المودة والرحمة، وكانت الحال خليقة بأن تجروا
أولادهن مجرى أولادكم، كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم.
وعن علي ﵁: أنه شرط ذلك في التحريم، وبه أخذ داود. فإن قلت: ما معنى (دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)؟ قلت: هي كنايةٌ عن الجماع، كقولهم: بنى عليها وضرب عليها الحجاب، يعنى أدخلتموهن الستر، والباء للتعدية واللمس. ونحوه يقوم مقام الدخول عند أبي حنيفة. وعن عمر ﵁: أنه خلا بجارية فجردها، فاستوهبها ابن له فقال: إنها لا تحلّ لك. وعن مسروقٍ أنه أمر أن تباع جاريته بعد موته، وقال: أما إني لم أصِبْ منها إلا ما يُحَرِّمها على ولدي من اللمس والنظر. وعن الحسن في الرجل يملك الأمة فيغمزها لشهوة أو يقبلها أو يكشفها: أنها لا تحل لولده بحال وعن عطاء وحماد بن أبي سليمان: إذا نظر إلى فرج امرأةٍ فلا ينكح أمّها ولا بنتها. وعن الأوزاعي: إذا دخل بالأم فعرّاها ولمسها بيده وأغلق الباب وأرخى الستر،
_________________
(١) ـ عما عداها؛ لأن شرط تلك الدلالة أن يكون لذكر الصفة فائدة أخرى سوى التخصيص. وذهب علي ﵁ على أنه شرط، وهو الوجه الثاني في الجواب. قوله: (أو لكونهن بصدد احتضانكم) مبني على قوله: "وإن لم يربهما"، وقوله: "كأنكم في العقد" خبر "وأنهن"، واستغنى عن العائد إلى اسم "إن" بقوله: "على بناتهن"؛ لأنه في معنى عليهن، أيك على الربائب، فأقيم المظهر مقام المضمر، وقوله: "لاحتضانكم" إلى آخره تعليل مقدم لكون هذا العقد كالعقد على البنات، و"إذا دخلتم" ظرف "لاحتضانكم". قوله: (وعن علي ﵁ أنه شرط ذلك) عطف على قوله: "فائدة التعليل"، أي: فائدته أنه لابد من الحضانة لتحرم، وإلا لم تحرم.
[ ٤ / ٤٩٦ ]
فلا يحلّ له نكاح ابنتها. وعن ابن عباس وطاووس وعمرو بن دينار: أن التحريم لا يقع إلا بالجماع وحده الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ دون من تبنيتم. وقد تزوج رسول اللَّه ﷺ زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب حين فارقها زيد بن حارثة، وقال ﷿ (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ) [الأحزاب: ٣٧]. (وَأَنْ تَجْمَعُوا) في موضع الرفع عطف على المحرمات، أي: وحرّم عليكم الجمع بين الأختين. والمراد حرمة النكاح، لأنّ التحريم في الآية تحريم النكاح وأما الجمع بينهما في ملك اليمين، فعن عثمان وعلي ﵄ أنهما قالا: أحلتهما آية وحرّمتهما آية، يعنيان هذه الآية وقوله: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) [النساء: ٣].
_________________
(١) ـ قوله: (إن التحريم لا يقع إلا بالجماع قال القاضي: ويؤثر ما ليس بزنى، كالوطء بشبهة أو ملك يمين. وعند أبي حنيفة ﵁: لمس المنكوحة ونحوه كالدخول. وقوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) تصريح بعد إشعار دفعًا للقياس، يعني: كان من حق الظاهر أن يقال: فإن لم يكن كذلك بدل قوله: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) مع أنه أخصر؛ فعدل إليه دفعًا لإرادة المجاز أو الكناية، فيقال حينئذ: لا تجوز العبارة عنه بالجماع ولا باللمس ونحوهما، فعلى هذا كلام الأوزاعي أظهر والله أعلم. قوله: (أميمة) بيان "عمته"، الاستيعاب: زينب بنت جحش أمها أميمة بنت عبد المطلب، عمة النبي ﷺ، تزوجها رسول الله ﷺ في سنة خمس من الهجرة، وقيل: في سنة ست. قوله: (فعن عثمان وعلي ﵄ أنهما قالا: أحلتهما آية وحرمتهما آية)، عن الإمام مالك في "الموطأ"، عن قبيصة بن ذؤيب، أن رجلًا سأل عثمان عن أختين مملوكتين لرجل: هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية، فأما أنا فلا أحب أن أصنع
[ ٤ / ٤٩٧ ]
فرجح على التحريم، وعثمانُ التحليل. (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله: (إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا).
_________________
(١) ذلك. فخرج من عنده فلقي رجلًا من الصحابة فسأله عنه فقال: أما أنا فلو كان لي من الأمر شيء لم أجد أحدًا فعل ذلك إلا جعلته نكالًا. قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب ﵁. قوله: (وعثمان) أي: رجح عثمان ﵁ جانب التحليل لقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٢٤] وقوله تعالى: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [المعارج: ٣٠]. قال القاضي: قول علي أرجح؛ لأن آية التحليل مخصوصة في غير ذلك. وقيل: الاحتياط الترك؛ لقوله ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة، ولأنه ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام على الحلال. قوله: (ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا» يريد أن الاستثناء منقطع، وتحقيقه ما ذكره أبو البقاء في الآية السابقة: (مَا) في (مَا قَدْ سَلَفَ) مصدرية، والاستثناء منقطع؛ لأن النهي للمستقبل، وما سلف ماض فلا يكون من جنسه، وهو في موضع نصب، ومعنى المنقطع أنه لا يكون داخلًا في الأول، بل في حكم المستأنف، وتقدر "إلا" فيه بـ "لكن"، أي: لا تتزوجوا من تزوجه آباؤكم، لكن ما سلف من ذلك فمعفو عنه، نحو قولك: ما مررت برجل إلا بامرأة، أي: لكن بامرأة، والغرض منه بيان معنى زائد؛ لأن قولك: ما مررت برجل صريح في نفي المرور برجل ما، غير متعرض لإثبات المرور بامرأة أو نفيه، فإذا قلت: بامرأة، كان إثباتًا لمعنى مسكوت عنه غير معلوم
[ ٤ / ٤٩٨ ]
_________________
(١) ـ بالكلام الأول نفيه ولا إثباته. فإن قلت: لم فرق المصنف بين هذا الاستثناء حيث جعله منقطعًا وبين ما سبق حيث جعله من باب "ولا عيب فيهم"؟ قلت: لاقتضاء المقام، والفرق بين نكاح الأمهات، والجمع بين الأختين، واستدعاء كل من التعليلين؛ أعني قوله: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) [النساء: ٢٢] وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: ٢٣] ما يقتضيه من المعنى؛ فإن التعليل بالغفران والرحمة يستدعي كلامًا متضمنًا للذنب والخطأ؛ ولذلك قال: "ما مضى مغفور، بدليل قوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) "، كأنه قيل: حرم عليكم الجمع بين الأختين؛ لأنه خطأ وذنب، ومن يفعل ذلك يؤاخذ به، لكن ما قد سلف فإنه مغفور غير مؤاخذ به؛ لأن الله تعالى كان غفورًا رحيمًا. والتعليل بالفاحشة والمقت وسوء السبيل يوجب تأويل الكلام السابق بما ينبئ عن المبالغة في القبح والفحش، وأن المنهي عنه مما ينبغي ألا يوجد أصلًا، وأنه مناف لحال المؤمنين وأصحاب المروءة وأرباب التمييز، وذلك لا يتم إلا بجعل التركيب من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح، وإليه الإشارة بقوله: "والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته"، ويؤيده ما روينا عن الترمذي وأبي داود وابن ماجة والدارمي والنسائي، عن البراء قال: بيناأنا أطوف يومًا على إبل ضلت بي، رأيت فوارس معهم لواء دخلوا بيت رجل من العرب فضربوا عنقه، فسألت عن ذنبه فقالوا: عرس بامرأة أبيه وهو يقرأ سورة النساء: (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ) [النساء: ٢٢]. وما قاله القاضي: (إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) استثناء من معنى اللازم للنهي،
[ ٤ / ٤٩٩ ]
(وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) ٢٤].
(وَالْمُحْصَناتُ) القراءة بفتح الصاد.
وعن طلحة بن مصرف: أنه قرأ بكسر الصاد، وهنّ ذوات الأزواج؛ لأنهنّ أحصنّ فروجهنّ بالتزويج، فهنّ محصِنات ومحصَنات.
_________________
(١) ـ كأنه قيل: تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف، أو استثناء منقطع، ومعناه: لكن ما قد سلف فإنه لا مؤاخذة عليه لا أنه مقرر، وإن كان كلامًا حسنًا، لكن عز المرام بمنازل، وعز اقتضاء المقام بمراحل، والقول ما قالت حذام. قوله: (لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج فهن محصِنات ومحصَنات). الراغب: الحصن جمعه: حصون، قال الله تعالى: (مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ) [الحشر: ٢] وتحصن: إذا اتخذ الحصن مسكنًا، ثم تجوز في كل تحرز، ومنه: درع حصينة؛ لكونها حصنًا للبدن، وفرس حصان؛ لكونه حصنًا لراكبه، ومن هذا قال الشاعر: إن الحصون الخيل لا مدر القرى ويقال: حصان للعفيفة ولذات حرمة، قال تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) [النساء: ٢٥] أي: تزوجن، وأحصن: زوجن، والحصان في الجملة: المحصنة إما بعفتها أو تزوجها أو بمانع من شرفها وحريتها، يقال: امرأة محصن: إذا تصور حصنها من نفسها، والمحصن: إذا تصور حصنها من غيرها. قوله تعالى: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ)
[ ٤ / ٥٠٠ ]
(إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) يريد: ما ملكت أيمانهم من اللاتي سبين ولهنّ أزواج في دار الكفر فهنّ حلال لغزاة المسلمين وإن كنّ محصنات. وفي معناه قول الفرزدق:
وَذَاتُ حَلِيلٍ أنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا حَلَالٌ لِمَنْ يَبْنِى بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ
_________________
(١) ـ [النساء: ٢٥] وبعده: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ)، ولهذا قيل: المحصنات: المزوجات، تصورًا أن زوجها هو الذي أحصنها، والمحصنات بعد قوله: (حُرِّمَتْ) بالفتح لا غير، وفي سائر المواضع: بالكسر والفتح؛ لأن اللواتي حرم التزوج بهن المزوجات دون العفيفات، وفي سائر المواضع يحتمل الوجهين. قوله: (ولهن أزواج في دار الكفر) فيه تفصيل، فعلى مذهب أبي حنيفة: أن المسبيات إنما تحل إذا أحرزن من دار الكفر إلى دار الإسلام. وقال الشافعي: تحل بمجرد السبي، وعلى مذهب أبي حنيفة: لو سبي الزوجان لم يرتفع النكاح، ولم تحل للسابي. قال القاضي: وإطلاق الآية حجة عليه. قوله: (وذات حليل) البيت، سميت الزوجة حليلة لحلها أو لحلولها مع الزوج، "لمن يبني بها": من: بنى الرجل بأهله: إذا نزل بها. روي أنه سئل الحسن وعنده الفرزدق: ما تقول فيمن يقول: لا والله، وبلى والله؟ فقال الفرزدق: أما سمعت قولي في ذلك؟ فقال الحسن: ما قلت؟ فقال: قلت: فلست بمأخوذ بلغو تقوله … إذا لم تعمد عاقدات العزائم
[ ٤ / ٥٠١ ]
(كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) مصدر مؤكد، أي: كتب اللَّه ذلك عليكم كتابًا، وفرضه فرضًا، وهو تحريم ما حرّم. فإن قلت: علام عطف قوله (وَأُحِلَّ لَكُمْ)؟ قلت: على الفعل المضمر الذي نصب (كِتابَ اللَّهِ)، أي: كتب اللَّه عليكم تحريم ذلك، وأحلّ لكم ما وراء ذلكم. ويدل عليه قراءة اليماني: (كتب اللَّه عليكم وأحلّ لكم). وروي عن اليماني: (كتب اللَّه عليكم)، على الجمع والرفع، أي: هذه فرائض اللَّه عليكم.
ومن قرأ (وَأُحِلَّ لَكُم) على البناء للمفعول فقد عطفه على (حُرِمَتْ) [النساء: ٢٣]. (أَنْ تَبْتَغُوا): مفعول له بمعنى: بين لكم ما يحلّ مما يحرم، إرادة أن يكون ابتغاؤكم (بِأَمْوالِكُمْ) التي جعل اللَّه لكم قياما في حال كونكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ؛ لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم، ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين. والإحصان: العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، والأموال: المهور وما يخرج في المناكح. فإن قلت: أين مفعول (تَبْتَغُوا)؟
_________________
(١) ـ فقال الحسن: أحسنت، ثم قال: ما تقول فيمن سبى امرأة ولها حليل؟ فقال الفرزدق: أما سمعت قولي؟ وأنشد: وذات حليل .. البيت، فقال الحسن: أحسنت، كنت أراك أشعر؛ فإذا أنت أشعر وأفقه. قوله: (التي جعل الله لكم قيامًا) "قيامًا": ثاني مفعولي "جعل"، والمفعول الأول ضمير الأموال الراجع إلى الموصول، أي: التي جعلها الله. قوله: (والأموال: المهور وما يخرج في المناكح) قال القاضي: واحتج أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية على أن المهر لابد أن يكون مالًا، ولا حجة فيه؛ ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم وغيرهما، عن سهل بن سعد، أن رسول الله ﷺ سأل رجلًا خطب الواهبة نفسها لرسول الله ﷺ: "ماذا معك من القرآن؟ "، قال: معي سورة كذا وكذا، عددهن، قال: "تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ " قال: نعم، قال: "اذهب، فقد ملكتكها بما معك من القرآن".
[ ٤ / ٥٠٢ ]
قلت: يجوز أن يكون مقدّرًا؛ وهو النساء، والأجود أن لا يقدر، وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم. ويجوز أن يكون (أَنْ تَبْتَغُوا) بدلًا من (وَراءَ ذلِكُمْ). والمسافح: الزاني، من السفح وهو صبّ المنىّ. وكان الفاجر يقول للفاجرة: سافحينى وماذينى من المذي (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ): فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو خلوة صحيحة أو عقد عليهنّ (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) عليه، فأسقط الراجع إلى «ما» لأنه لا يلبس، كقوله: «إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [لقمان: ١٧] بإسقاط منه. ويجوز أن يكون
_________________
(١) قوله: (والأجود أن لا يقدر، وكأنه قيل)، "وكأنه": عطف على "أن لا يقدر" على سبيل البيان، وإنما كان أجود لأنه إذا لم يقدر له مفعول يبقى مطلقًا معطى معنى التصرف، فيتناول إعطاء مهور الحرائر، وأثمان السراري، والإنفاق عليهن، وغير ذلك من سائر التصرفات، ويكون المعنى: بين لكم ما يحل مما يحرم إرادة أن تبتغوا بما أوليناكم من الأموال التي جعل الله لكم قيامًا في معايشكم في حال الصلاح دون الفساد. وفيه مع الترغيب في الحلال والتنفير عن الحرام الإشعار بأن التمتع بالمال إنما يكون معتدًا به إذا أنفق على العيال، وأن الغرض الأول منه الإنفاق عليهم. روينا عن مسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "دينار تنفقه في سبيل الله، ودينار تنفقه في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار تنفقه على أهلك، أعظمها أجرًا الذي تنفقه على أهلك". وعند أبي داود والنسائي، عن أبي هريرة، قال: أمر رسول الله ﷺ قومًا بالصدقة، فقال رجل: عندي دينار، قال: "تصدق به على نفسك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على ولدك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على زوجتك أو زوجك"، قالك عندي آخر، قال: "تصدق به على خادمك"، قال: عندي آخر، قال: "أنت أبصر". قوله: (ويجوز أن يكون (أَنْ تَبْتَغُوا) بدلًا) عطف على قوله: " (أَنْ تَبْتَغُوا) مفعولٌ له".
[ ٤ / ٥٠٣ ]
«ما» في معنى النساء، و«من» للتبعيض أو البيان، ويرجع الضمير إليه على اللفظ في (بِهِ)، وعلى المعنى في: (فَآتُوهُنَّ)، وأجورهن مهورهن؛ لأن المهر ثواب على البضع.
(فَرِيضَةً) حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو وضعت موضع إيتاء؛ لأن الإيتاء مفروض أو مصدر مؤكد، أي: فرض ذلك فريضة (فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) فيما تحط عنه من المهر، أو تهب له من كله أو يزيد لها على مقداره.
_________________
(١) قوله: (و"من" للتبعيض) المعنى: فما استمتعتم به بعض النكوحات، وعلى أن يكون بيانًا؛ المعنى: فما استمتعتم به اللاتي هن المنكوحات. وقدر الزجاج: فما نكحتموه منهن، و"ما"ـ على أن يكون في معنى النساءـ يراد به الوصف لا غير، والذي يقتضيه المقام من التأويل: أن يجرى على كونها مستلذات وشهوات، كقوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ) [آل عمران: ١٤]، كما يقتضي "ما" في (مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٢٥] أن يجرى على المملوكية والمالية. قوله: (ويرجع الضمير إليه) أي: إلى "ما" على اللفظ في (بِهِ)؛ لأنه مفرد لفظًا، وعلى المعنى في (فَآتُوهُنَّ)؛ لأن "ما" بمعنى النساء. قوله: (على البضع). النهاية: البضع يطلق على عقد النكاح والجماع معًا، وعلى الفرج. قوله: (أو مصدر مؤكد) والفرق بين هذا والأول أن هذا منصوب بفعل مقدر بمعناه، والأول منصوب بفعل مذكور من غير لفظه. قوله: (تحط عنه) أي: عن الزوج من المهر؛ بيانُ "ما".
[ ٤ / ٥٠٤ ]
وقيل فيما تراضيا به من مقام أو فراق. وقيل: نزلت في المتعةِ التي كانت ثلاثة أيام حين فتح اللَّه مكة على رسوله ﵊ ثم نسخت، كان الرجل ينكح المرأة وقتًا معلومًا ليلة أو ليلتين أو أسبوعًا بثوبٍ أو غير ذلك، ويقضى منها وطره ثم يسرحها. سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها. وعن عمر: لا أوتى برجل تزوّج امرأة إلى أجلٍ إلا رجمتهما بالحجارة. وعن النبي ﷺ أنه أباحها، ثم أصبح يقول: «يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء: ألا إن اللَّه حرّم ذلك إلى يوم القيامة» وقيل: أبيح مرتين وحرّم مرتين. وعن ابن عباس: هي محكمة، يعنى لم تنسخ، وكان يقرأ: (فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمى)، ويروى: أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللهم إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقولي في الصرف.
_________________
(١) قوله: (نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام)، روينا عن البخاري ومسلم، عن سلمة ابن الأكوع، قال: رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثًا، ثم نهى عنها. قال أبو موسى: "لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عمرو مع جيش إلى أوطاس، فلقي دريد ابن الصمة فقتل دريدًا"، أخرجه البخاري ومسلم. قوله: (وعن عمر ﵁: لا أوتى برجل)، وفي "معالم التنزيل": أن عمر ﵁، قال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ عنها، لا أجد أحدًا نكحها إلا رجمته بالحجارة. قوله: (وقولي في الصرف)، أي: في ربا النقد دون النسيئة. المغرب: صرف الدراهم:
[ ٤ / ٥٠٥ ]
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ٢٥].
الطول: الفضل، يقال: لفلانٍ على فلانٍ طول أي: زيادة وفضل، وقد طاله طولًا فهو طائل. قال:
لَقدْ زَادَنِي حُبًّا لِنَفْسِي أنَّنِي بَغِيضٌ إلَى كُلِّ امْرِئٍ غيْرِ طَائِلِ
ومنه قولهم: ما حلا منه بطائل، أي: بشيء يعتد به مما له فضل وخطر، ومنه: الطول في الجسم؛ لأنه زيادة فيه، كما أن القصر قصور فيه ونقصان.
والمعنى: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرّة فلينكح أمة. قال ابن عباس: من ملك ثلاث مائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح الإماء، وهو الظاهر، وعليه مذهب الشافعي ﵀، وأمّا أبو حنيفة ﵀ فيقول: الغنىّ والفقير سواء في جواز نكاح الأمة، ويفسر الآية بأن من لم يملك فراش الحرّة،
_________________
(١) ـ باعها بدراهم أو دنانير، واصطرفها: اشترى بها، وللدرهم على الدرهم صرف في الجودة والقيمة، أي: فضل. وقيل لمن يعرف هذا الفضل ويميز هذه الجودة: صراف وصيرفي، وأصله من الصرف: النقل؛ لأن ما فضل صرف عن النقصان، وإنما سمي بيع الأثمان صرفًا؛ إما لأن الغالب على عاقده طلب الفضل والزيادة، أو لاختصاص هذا العقد بنقل كلا البدلين من يد إلى يد في مجلس العقد.
[ ٤ / ٥٠٦ ]
على أن النكاح هو الوطء؛ فله أن ينكح أمة. وفي رواية عن ابن عباس أنه قال: ومما
_________________
(١) ـ قوله: (على أن النكاح هو الوطء)، هو: حال منا لضمير في "يفسر"، وسط الحال بين "من" وخبره، وإنما فعل كذلك لأن تفسير (ومن لم يستطع منكم طولًا) الآية بعدم ملك فراش الحرة مبني على أن النكاح هو الوطء، المعنى: من لم يستطع منكم أن يملك وطء الحرة وذلك عندما لا يكون تحته حرة؛ فإنه يجوز له نكاح الأمة، و(طَوْلًا): مفعول به بمعنى القدرة وهي فضل، كما أنا لنكاح قوة وفضل، وقوله: (أَن يَنكِحَ) بدل منه. قال أبو البقاء: (طَوْلًا) مفعول (يَسْتَطِعْ)، وقيل: هو مفعول له، وفيه حذف مضاف، أي: لعدم طول. و(أَن يَنكِحَ) فيه وجهان، أحدهما: هو بدل من (طَوْلًا) بدل الكل لأن الطول هو القدرة أو الفضل، والنكاح قوة وفضل، وثانيهما: أن يكون منصوبًا بـ (طَوْلًا)، أي: ومن لم يستطع أن ينال نكاح المحصنات، من قولك: طلته، أي: نلته، ويجوز أن يقدر حرف الجر؛ أي: ومن لم يستطع وصلة إلى نكاح المحصنات. وقال الإمام: الأكثرون ذهبوا إلى أن الطول هو الغنى والفضل؛ لأن تأثير عدم الغنى في عدم القدرة على العقد أولى وأقوى من عدم القدرة على الوطء. وأيضًا أنه تعالى ذكر عدم القدرة على طول الحرة، ثم ذكر عقيبه التزوج بالأمة، وهذا الوصف يناسب هذا الحكم؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى التزوج، فإذا لم يقدر على الحرة بسبب كثرة مؤنتها وغلاء مهرها يؤذن له في نكاح الأمة، وإليه أشار المصنف بقوله: "وهو الظاهر"، وعليه مذهبا لشافعي ﵁. وقال المطرزي: الطول: الفضل، يقال: لفلان على فلان طول، أي: زيادة وفضل، أي: ومن لم يستطع زيادة فيا لمال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة. وهذا تفسير قول
[ ٤ / ٥٠٧ ]
وسع اللَّه على هذه الأمّة نكاح الأمة واليهودية والنصرانية وإن كان موسرًا. وكذلك قوله: (مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) الظاهر أن لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، وهو مذهب أهل الحجاز. وعند أهل العراق يجوز نكاحها، ونكاح الأمة المؤمنة أفضل، فحملوه على الفضل لا على الوجوب، واستشهدوا على أن الإيمان ليس بشرط بوصف الحرائر به، مع علمنا أنه ليس بشرط فيهن على الاتفاق، ولكنه أفضل.
_________________
(١) ـ الزجاج: إن الطول: القدرة على المهر. وقد قيل: هو الغنى فيصير إلى الأول، ومنهم من فسر الطول بكون الحرة تحته، وفيه نظر. ومحل (أَن يَنكِحَ) النصب أو الجر على حذف الجار أو إضماره، وهو "على" أو "إلى"، ونظيره: (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ) [الممتحنة: ١٠]. والإضمار قول الخليل، وإليه ذهب الكسائي. وعن الشعبي: إذا وجد الطول إلى الحرة بطل نكاح الأمة فعداه بـ "إلى". وكذا عن ابن عباس وجابر وسعيد بن جبير: لا يتزوج الأمة من لم يجد طولًا إلى الحرة. وأما قولهم: طول الحرة فمتسع فيه. تم كلامه. قوله: (وكذلك)، أي: كما أن قوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ) ظاهر فيما مر، كذلك قوله: (مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ) ظاهر في أنه لا يجوز نكاح الأمة. قوله: (بوصف الحرائر به)، أي: بالإيمان، يعني: واستشهدوا لدعواهم بوصف الحرائر في قوله تعالى: (أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) فإن الوصف بالمؤمنات هنا ليس إلا لعلة الأفضلية اتفاقًا، وكذا في قوله: (مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ) قياسًا عليه. والجواب: أن الأصل في أمثال هذه الصفات اعتبار فائدة التقييد بالصفة، وهو التخصيص، إلا أن يمنع مانع كما في (الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ)، وهو قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ
[ ٤ / ٥٠٨ ]
فإن قلت: لم كان نكاح الأمة منحطًّا عن نكاح الحرة؟ قلت: لما فيه من اتباع الولد الأم في الرق، ولثبوت حق المولى فيها وفي استخدامها، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة، وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة، والعزة من صفات المؤمنين.
_________________
(١) ـ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥]، ولا مانع من الثاني، فوجب الحمل على التخصيص. وقال بعض الحنفية: فائدة تعليق الجواز بهذا الشرط مع أن النكاح يجوز بدونه: هي كراهة نكاح الأمة حال طول الحرة، قال: فإن نكاح الأمة وإن جاز حال الطول لكن المستحب لمن قدر على تزوج الحرة أن لا يتزوج الأمة، ويكره له ذلك؛ إذ هو شرط خرج على وفاق العادة لقوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) [النور: ٣٣]، (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ) [النساء: ١٠١]، (وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ) [النساء: ٢٣]، وذلك أن الرجل لا يتزوج الأمة في الغالب إلا عند العجز عن نكاح الحرة، ويستنكف عن ذلك، فأخرج الله تعالى هذا الكلام على وفاق العادة. وقلت: بل الظاهر أن الوصف جار على المدح، وفيه تنبيه على تحري الأصوب فالأصوب وتوخي الأكمل والأفضل؛ وذلك أنه تعالى لما بين المحرمات من النساء وذكر منهن المحصنات من النساء، وكانت مطلقة محتملة للمؤمنات والكتابيات، أتبعه قوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) الآية، يعني: الإيمان هو المطلوب الأولي، فطالبه طالب النسل للمعرفة والعبادة، وطالب مجرد قضاء الشهوة مذموم، فعليكم بالإيمان حيث كان، إلا أن الحاكم الاضطرار إلى قضاء الشهوة؛ فلا ينبغي التجاوز عن المنصوص عليها في نحو قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) [المائدة: ٥]، والذي يؤيد أن هذه الصفة جارية على المدح قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) [النساء: ٢٥]، وتفسيره: "وحق المؤمنين ألا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب".
[ ٤ / ٥٠٩ ]
وقوله: (مِنْ فَتَياتِكُمُ) أي: من فتيات المسلمين لا من فتيات غيركم، وهم المخالفون في الدين. فإن قلت: فما معنى قوله (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ)؟ قلت: معناه: أن اللَّه أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة، والمرأة أفضل في الإيمان من الرجل وحق المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب، وهذا تأنيسٌ بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه. (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي: أنتم وأرقاؤكم متواصلون متناسبون لاشتراككم في الإيمان لا يفضل حر عبدًا إلا برجحان فيه (بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ): اشتراط لإذن الموالي في نكاحهن. ويحتج به لقول أبي حنيفة: أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن؛ لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم.
(وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ): وأدّوا إليهن مهورهن بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء واللز.
_________________
(١) ـ قوله: (وأرقاؤكم متواصلون)، يريد أن (مِنْ) في قوله تعالى: (مِنْ بَعْضٍ) للاتصال. قوله: (ويحتج به لقول أبي حنيفة: إن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن العاقد آذن في الاستحلال، فلعله المراد. وقال القاضي: واعتبار إذنهم لا إشعار له على ذلك. الانتصاف: فيحمل على الإذن للوكيل في العقد على أمته، فلا يلزم مباشرتها العقد. قوله: (واللز). الأساس: لز الشيء بالشيء: قرن به وألصق، فالتز به، ومن المجاز: لزه إلى كذا: اضطره، وجعلتكم لزازًا لفلان: لا تدعه يخالف.
[ ٤ / ٥١٠ ]
فإن قلت: الموالي هم ملاك مهورهن لا هن، والواجب أداؤها إليهم لا إليهن، فلم قيل: (وَءَاتُوهُنَّ)؟ قلتُ: لأنهنَّ وما في أيديهن مال الموالي، فكان أداؤها إليهنَّ أداء إلى الموالي، أو على أن أصله: فآتوا مواليهنَّ، فحذف المضاف. ا (مُحْصَناتِ) عفائف. والأخدان: الأخلاء في السرّ، كأنه قيل: غير مجاهرات بالسفاح ولا مسرات له (فَإِذا أُحْصِنَّ) بالتزويج. وقرئ: أحصن (نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ) أي: الحرائر (مِنَ الْعَذابِ) من الحدّ كقوله: (وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما) [النور: ٢]، و(يَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ) [النور: ٨] ولا رجم عليهن؛ لأن الرجم لا يتنصف. (ذلِكَ) إشارةٌ إلى نكاح الإماء (لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ) لمن خاف الإثم الذي تؤدي إليه غلبة الشهوة. وأصل العنت: انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم. وقيل: أريد به الحدّ؛ لأنه إذا هويها خشي أن يواقعها فيُحدَّ
_________________
(١) قوله: (لأنهن وما في أيديهن مال الموالي)، وقلت: الفائدة في الأمر بالأداء إليهن الدلالة على وكادة إيجاب مهور النساء لاسيما الحرائر؛ لأنها أجور لأبضاعهن، والسيد إنما يأخذ من جهة ملك اليمين؛ لأنهن وما في أيديهن مال الموالي، لا من جهة أجور أبضاعهن صيانة من الوصمة. قوله: «أُحْصِنَّ) بالتزويج) أي: جعلن أنفسهن بالتزويج في حصن الأمان، و(أحصن) أزواجهن، قال محيي السنة: لا فرق في حد المملوك بين أن يتزوج أو لم يتزوج عند الأكثرين، وذهب بعضهم إلى أنه لا حد على من لم يتزوج؛ لأنه تعالى قال: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ)، وروي ذلك عن ابن عباس وطاووس، ومعنى الإحصان عند الآخرين: الإسلام، والمراد من قوله: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) التنبيه على أن المملوك وإن كان محصنًا بالتزويج فلا رجم عليه، وإنما حده الجلد. قوله: (وقيل: أريد به الحد) عطف على قوله: "الإثم" أي: لمن خاف الحد.
[ ٤ / ٥١١ ]
فيتزوجها. (وَأَنْ تَصْبِرُوا) في محل الرفع على الابتداء، أي: وصبركم عن نكاح الإماء متعففين (خَيْرٌ لَكُمْ)، وعن النبي ﷺ «الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت».
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا) ٢٦ - ٢٨].
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أصله: يريد اللَّه أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة
_________________
(١) ـ قوله: (فيتزوجها) الرواية بالرفع جوابًا لشرط محذوف، أي: إذا كان كذلك فهو يتزوجها فيترتب على "خشي". قوله: (هلاك البيت) وأنشدوا: ومن لم يكن في بيته قهرمانة … فذلك بيتـ لا أبالكـ ضائع قوله: (فزيدت اللام مؤكدة) قال صاحب "الفرائد": قيل: لا يبعد أن يكون مفعول (يُرِيدُ) محذوفًا للعلم به، كأنه قيل: يريد إيراد هذه الأحكام ليبين لكم، وكذا في قوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) [الصف: ٨]، أي: يريدون كيدهم وعنادهم ليطفئوا، وقال: هذا أقرب إلى التحقيق؛ لأنه فعل متعد فلابد له من مفعول به. وقال ابن الحاجب في "شرح المفصل": يجوز: لزيد ضربت، وامتنع: ضربت لزيد؛ لأن المقتضي إذا تقدم كان أقوى منه إذا تأخر، والجواب: أن المقام إذا اقتضى التأكيد لابد من المصير إليه، وإذا كان المعنى على ما قال: "يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم، وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم" إلى آخره، فخلو الكلام عن التأكيد بعيد عن قضاء حق البلاغة. قال الزجاج: اللام في (لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) كاللام في "لكي" في قوله:
[ ٤ / ٥١٢ ]
لإرادة التبيين، كما زيدت في: "لا أبالك"؛ لتأكيد إضافة الأب. والمعنى: يريد اللَّه أن يبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم، وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين، والطرق التي سلكوها في دينهم؛ لتقتدوا بهم (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ): ويرشدكم إلى طاعاتٍ إن قُمتم بها كانت كفاراتٍ
_________________
(١) ـ أردت لكيما لا ترى لي عثرة … ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل وقال صاحب "اللباب": إن اللام في: شكرت لزيد، مكملة للفعل. والمراد من التكميل غير التعدية لجعله الباء المكملة قسيمًا لباءا لتعدية في قوله: الباء للإلصاق، وإما مكملة للفعل في نحو: مررت بزيد. وقال الشارح: إذ معنى المرورـ وهو المجاوزةـ يقتضي متعلقًا، والباء تكميل لذلك المعنى، بخلاف التعدية، نحو: خرجت بزيد، فإن معنى الخروج لا يقتضي متعلقًا بل حصل اقتضاؤه المتعلق بحرف الجر فتلك هي المعدية. قوله: (يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم) فيه إشعار بتلفيق الآيات اللاحقة بالسابقة؛ فإن السوابق كانت في بيان النساء والمناكحات، واللواحق في بيان الأموال والتجارات، وهي قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) [النساء: ٢٩]، فهذه الآيات التي توسطت بينهما كالتخلص من باب إلى باب لجامع التبيين. قوله: (ويرشدكم إلى طاعات) إشارة إلى أن قوله: (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٢٦] من وضع المسبب موضع السبب، وذلك من عطف (وَيَتُوبَ) على قوله: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) على سبيل البيان، كأنه قيل: ليبين لكم ويهديكم ويرشدكم إلى الطاعات، فوضع موضعه (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ). وإلى السبب الإشارة بقوله: "إن قمتم بها كانت كفارات لسيئاتكم فيتوب عليكم"، فقوله: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٢٧] وتفسيره إياه بقوله: "إن تفعلوا ما تستوجبون به" فجرى على هذه الطريقة؛ لأن قوله:
[ ٤ / ٥١٣ ]
لسيئاتكم؛ فيتوب عليكم ويكفر لكم، (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ): أن تفعلوا ما تستوجبون به أن يتوب عليكم، (وَيُرِيدُ) الفجرة (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا): وهو الميل عن القصد والحق - ولا ميل أعظم منه - بمساعدتهم وموافقتهم على اتباع الشهوات، وقيل: هم اليهود، وقيل: هم المجوس كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهنّ اللَّه قالوا: فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة، والخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت، فنزلت. يقول تعالى: يريدون أن تكونوا زناة مثلهم.
(يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) بإحلال نكاح الأمة وغيره من الرخصّ (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا): لا يصبر عن الشهوات وعلى مشاق الطاعات.
وعن سعيد بن المسيب: ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلا أتاهم من قبل النساء،
_________________
(١) ـ (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٢٧] تكرير لقوله: (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٢٦] للتأكيد، وقد قوبل بقوله: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) [النساء: ٢٧]، وذلك هو الزيغ والميل عن الطريق القويم؛ فوجب أن يفسر المقابل بما يوافقه من الإرشاد إلى الصراط المستقيم، وإنما بني (وَاللَّهُ يُرِيدُ) على تقوي الحكم، وقدم الاسم، وفي المؤكد الفعل مقدم؛ ليفرق بين الإرادتين، أي: إرادة الله وإرادة الزائغين. قوله: (بمساعدتهم وموافقتهم) يتعلق بقوله: "وهو الميل"، وقوله: "ولا ميل أعظم منه" اعتراض. قوله: (ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلا أتاهم من قبل النساء)، إن قيل: إن ظاهر الاستثناء يوجب حصول يأس الشيطان من قبل إتيان النساء؛ لأن التقدير: ما أيس الشيطان في الأزمنة الماضية أبد الأزمان إتيانه النساء؛ لأن "قط" بمعنى "لابد" للماضي من
[ ٤ / ٥١٤ ]
فقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشو بالأخرى، وإن أخوف ما أخاف علىّ فتنة النساء.
وقرئ: أن يميلوا بالياء. والضمير ب (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ)، وقرأ ابن عباس (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ) على البناء للفاعل ونصب الإنسان وعنه ﵁: ثماني آياتٍ في سورة النساء هي خير لهذه الأمّة مما طلعت عليه الشمس وغربت: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ)، (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)، (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ) [النساء: ٣١]، (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) [النساء: ٤٨]، (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) [النساء: ٤٠]، و(مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) [النساء: ١١٠]، (ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ). [النساء: ١٤٧].
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) ٢٩ - ٣٠].
(بِالْباطِلِ): بما لم تبحه الشريعة من نحو: السرقة، والخيانة، والغصب، والقمار،
_________________
(١) الزمان، وهو فاسد. قلنا: بل المعنى: ما حصل للشيطان اليأس من إغواء بني آدم بمزاولة الحيل قط إلا أتى بهذه الحيلة؛ فهو استثناء مفرغ، ونظيره قولك: ما احتجت قط إلا زرتك، أي: لم يكن احتياجي ملتبسًا بفعل من الأفعال إلا بزيارتك، هذا مما يدل عليه ظاهر التركيب، وهل زال ذلك الاحتياج أم لا؟ فلا يدل عليه إلا المقام، فإذا كان المقام مقام مدح دل على الزوال، وإلا فدل على خلافه، وما نحن بصدده يدل على الزوال لما قد قيل: "النساء حبائل الشيطان".
[ ٤ / ٥١٥ ]
وعقود الربا. (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً) إلا أن يقع تجارة. وقرئ: (تجارة) على: إلا أن تكون التجارة تجارة (عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) والاستثناء منقطع. معناه: ولكن اقصدوا كون تجارة عن تراض منكم. أو: ولكن تجارة عن تراض غير منهي عنه. وقوله: (عَنْ تَراضٍ) صفة (لتجارة)، أي: تجارة صادرة عن تراض. وخص التجارة بالذكر، لأنّ أسباب الرزق أكثرها متعلق بها. والتراضي: رضا المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال البيع وقت الإيجاب والقبول، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه اللَّه تعالى. وعند الشافعي:
_________________
(١) قوله: (وقرئ: (تِجَارَةً» عاصم وحمزة والكسائي. قوله: (والاستثناء منقطع) أي: على التقديرين. قال أبو البقاء: الاستثناء منقطع ليس من جنس الأول، وقيل: هو متصل؛ أي: لا تأكلوها بسبب إلا أن تكون تجارة، وهذا ضعيف؛ لأنه قال: (بِالْبَاطِلِ)، والتجارة ليست من جنس الباطل. وفي الكلام حذف مضاف، أي: إلا في حال كونها تجارة، و(تجارة) بالرفع: على أن "كان" تامة، وبالنصب على أنها الناقصة، أي: إلا أن تكون المعاملة أو التجارة تجارة، وقيل: التقدير: إلا أن تكون الأموال تجارة. وأما المصنف فبنى على التغاير بين الكلامين: نفيًا وإيجابًا، وقدر "لكن"، فقوله تعالى: (لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) يقتضي إيجاب الأمر بعد "لكن"، ولهذا قال: "ولكن اقصدوا كون تجارة عن تراض" أو أن قوله: (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) بدل بحسب المفهوم على أن عدم المراضاة منهي عنه؛ ومن ثم قدر: "ولكن كون تجارة عن تراض منكم غير منهي عنه"، فكأنه قيل: المنهي هو أن يكون التصرف بالباطل وعدم الرضا، لكن غير المنهي هو أن يكون التصرف بالحق وحصول المراضاة، هذا حاصل المعنى على التقديرين، لا بيان التقدير اللفظي. قوله: (بما تعاقدا عليه) قيل: يعني أن الرضا عند أبي حنيفة هو رضا المتعاقدين وقت الإيجاب والقبول حتى لا يؤثر الندم بعد ذلك وإن كانا في مجلس العقد، وعند الشافعي:
[ ٤ / ٥١٦ ]
تفرّقهما عن مجلس العقد متراضيين (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ): من كان من جنسكم من المؤمنين. وعن الحسن: لا تقتلوا إخوانكم، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة. وعن عمرو بن العاص: أنه تأوله في التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقرأ علي ﵁ (وَلا تَقْتُلُوا) بالتشديد. (إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا): ما نهاكم عما يضركم إلا لرحمته عليكم. وقيل: معناه: أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم؛ ليكون توبة لهم وتمحيصًا لخطاياهم، وكان بكم - يا أمة
_________________
(١) الرضا محمول على تفرقهما عن مجلس العقد متراضيين؛ فعلم أن التفرق الذي في الحديث "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" تفرق فعلي عند الشافعي، وقولي عند أبي حنيفة، بأن يتركا كلام البيع، ويشرعا في كلام آخر. قوله: (أو: لا يقتل الرجل نفسه) معطوف على "من كان من جنسكم"، وقول الحسن متفرع على الأول، وقول عمرو على الثاني. قوله: (ما نهاكم عما يضركم إلا لرحمته عليكم) قال القاضي: جمع الله تعالى في التوصية بين حفظ النفس والمال الذي هو شقيقها من حيث إنه سبب قوامها استبقاء لهم ريثما تستكمل النفوس وتستوفى فضائلها رأفة بهم ورحمة، كما أشار إليه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا). قوله: (وقيل: معناه: أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم) إلى آخره، يريد أن قوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) تعليل لقوله: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)، ولما نظر إلى مجيء (وَلا تَقْتُلُوا) [النساء: ٢٩] عقيب آيات التوبة، وهي قوله: (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [النساء: ٢٦]، (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٢٧] دعاه أن يحمل القتل على التوبة ويعلله بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا). والوجه الأول، وهو قوله: (وَلَا
[ ٤ / ٥١٧ ]
محمد - رحيمًا حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة. (ذلِكَ) إشارة إلى القتل، أي: ومن يقدم على قتل الأنفس (عُدْوانًا وَظُلْمًا) لا خطأ ولا اقتصاصًا. وقرئ (عُدْوانًا) بالكسر، و(نُصْلِيهِ) بتخفيف اللام وتشديدها. و(نُصْلِيهِ) بفتح النون من صلاه يصليه. ومنه شاة مصلية، ويصليه بالياء والضمير للَّه ﷿، أو: ل (ذَلِكَ)؛ لكونه سببًا للصلي. (نارًا) أي: نارًا مخصوصة شديدة العذاب (وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا)؛ لأنّ الحكمة تدعو إليه، ولا صارف عنه من ظلم أو نحوه.
(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) ٣١].
(كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ) وقرئ: كبير ما تنهون عنه، أي: ما كبر من المعاصي التي ينهاكم اللَّه عنها والرسول. (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) نمط ما تستحقونه من
_________________
(١) ـ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) من كان من جنسكم من المؤمنين ليجمع بين حفظ النفس وحفظ المال في التوصية؛ لأن قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) [النساء: ٢٨] إلى قوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) [النساء: ٣٤] كالاعتراض [بين حديث] النساء ونكاحهن والقيام عليهن؛ فيكون تأكيدًا لمعنى التعليل في قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) [النساء: ٢٤]، كما قررنا أن فيه إشعارًا بأن التمتع بالمال إنما يكون معتدًا به إذا أنفق على العيال؛ ومن ثم ضم مع حفظ المال لأجل الإنفاق على العيال حفظ النفس، مزيدًا لإرادة التحريض على طلب الإحصان والاجتناب عن السفاح، والله أعلم. قوله: (ونصليه: بفتح النون) قال ابن جني: هي قراءة إبراهيم والأعمش وحميد، يقال: صلاه يصليه: إذا شواه، فيكون منقولًا من صلي نارًا وصليته نارًا، نحو: كسي ثوبًا وكسوته ثوبًا، وأما قراءة العامة بضم النون فهو منقول من صلي أيضًا؛ إلا أنه منقول بالهمزة لا بالمثال، نحو: علم الخبر وأعلمته إياه.
[ ٤ / ٥١٨ ]
العقاب في كل وقت على صغائركم، ونجعلها كأن لم تكن؛ لزيادة الثواب المستحق على اجتنابكم الكبائر وصبركم عنها، على عقاب السيئات، والكبيرة والصغيرة إنما وصفتا بالكبر والصغر بإضافتهما: إما إلى طاعة أو معصية أو ثواب فاعلهما.
_________________
(١) قوله: (على صغائركم) يتعلق بقوله: "من العقاب"، و"لزيادة الثواب" بقوله: "نمط"، و"على عقاب" بقوله: "لزيادة الثواب". المعنى: إن تجتنبوا الكبائر نمط من صغائركم بسبب زيادة الثواب الذي حصل لكم من اجتناب الكبائر على عقاب الصغائر، وهذا على القول بالموازنة على مذهبه، وهو أن العبد يستحق بسبب الطاعة الثواب، وبسبب المعصية العقاب، وتحصل بينهما الموازنة؛ فاستحقاق العقاب يحط بقدره من استحقاق الثواب، وبالعكس؛ فإن تساوى الاستحقاقان تساقطًا، وإن زاد أحدهما على الآخر بقي من الزائد شيء بعد الموازنة. قوله: (بإضافتهما: إما إلى طاعة أو معصية أو ثواب فاعلهما) أي: الكبيرة والصغيرة أمران نسبيان؛ فلابد من أمر آخر يقاس عليه، وهو أحد هذه الأمور الثلاثة، أما الطاعة: فهي إذا كان العذاب المستحق بسببها أزيد من الثواب المستحق بسبب طاعة فعلها فهي كبيرة، وإلا فصغيرة؛ فكل ما يكفر بمثل الصلاة فهو من الصغائر، يدل عليه حديث أبي اليسر، روى الترمذي عنه أنه قال: أتتني امرأة تبتاع تمرًا، فقلت: إن في البيت تمرًا أطيب منه، فدخلت معي البيت فأهويتها فقبلتها .. إلى قوله: فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "أخلفت غازيًا في سبيل الله بمثل هذا؟ " حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، وحتى ظن أنه من أهل النار، قال: وأطرق رسول الله ﷺ طويلًا حتى أوحى الله إليه: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: ١١٤]، قال أبو اليسر: فأتيته فقرأ علي، فقال أصحابه: ألهذا خاصة أول لناس عامة؟ فقال: "بل للناس عامة". وما في قوله ﷺ: "ما من مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كان كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله". أخرجه الشيخان عن
[ ٤ / ٥١٩ ]
_________________
(١) ـ حمران. وكل ما يكفر بمثل الإسلام والهجرة فهو من الكبائر؛ لما روى مسلم عن عبد الرحمن عن رسول الله ﷺ: "أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله". وأما المعصية: فكل معصية يستحق فاعلها بسببها عقابًا أزيد من العقاب المستحق بسبب معصية أخرى؛ فهي كبيرة، وتلك صغيرة. وأما ثواب فاعلها: فهو أن فاعل المعصية إن كان من المقربين فالصغيرة بالنسبة إليه كبيرة؛ لما روي: "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، وأنشد: لا يحقر الرجل الرفيع دقيقة … في السهو فيها للوضيع معاذر فكبائر الرجل الصغير صغائر … وصغائر الرجل الكبير كبائر وقال: زلة العالم زلة العالم، وفي الناس من لشرفه يؤاخذ على حديث النفس. وقال القاضي: واختلف في الكبائر، والأقرب أن الكبيرة: كل ذنب رتب عليه الشارع حدًا أو صرح بالوعيد، وقيل: ما علم حرمته بقاطع، وقيل: صغر الذنوب وكبرها بالإضافة على ما فوقها وما تحتها، فأكبر الكبائر الشرك، واصغر الصغائر حديث النفس، وبينهما وسائط يصدق عليها الأمران، فمن عن له أمران منهما، ودعت نفسه غليهما بحيث لا يتمالك؛ فإن كفها عن أكبرهما كفر عنه ما ارتكبه من أصغرهما لما استحق من الثواب على اجتناب الأكبر، ولعل هذا مما يتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال، ألا ترى أنه تعالى عاتب نبيه صلوات الله وسلامه عليه في كثير من خطراته التي لم تعد على غيره خطيئة فضلًا عن أن يؤاخذه؟ .
[ ٤ / ٥٢٠ ]
والتكفير: إماطة المستحق من العقاب بثواب أزيد أو بتوبة. والإحباط: نقيضه، وهو إماطة الثواب المستحق بعقابٍ أزيد أو بندم على الطاعة. وعن علي ﵁: الكبائر سبع: الشرك، والقتل، والقذف، والربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة. وزاد ابن عمر: السحر، واستحلال البيت الحرام. وعن ابن عباس: أن رجلًا قال له: الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى سبع مئة أقرب؛ لأنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. وروي إلى سبعين. وقرئ: يكفر، بالياء. و(مُدْخَلًا) بضم الميم وفتحها، بمعنى المكان والمصدر فيهما.
(وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا
_________________
(١) ـ قوله: (الكبائر سبع)، روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والزنى، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". وهذا هو المراد من قول القاضي: وما علم حرمته بقاطع. الزحف: الجيش الداهم الذي يرىـ لكثرتهـ كأنه يزحف، أي: يدب دبيبًا، سمي بالمصدر. قوله: (والتعرب بعد الهجرة). النهاية: في الحديث: "ثلاث من الكبائر، منها: التعرب بعد الهجرة". وهو: أن يعود إلى البادية، ويقيم مع الأعراب، بعد ما كان مهاجرًا، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد.
[ ٤ / ٥٢١ ]
وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) ٣٢].
(وَلا تَتَمَنَّوْا): نهوا عن التحاسد وعن تمني ما فضل اللَّه به بعض الناس على بعض من المال والجاه؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من اللَّه صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما يصلح المقسوم له من بسط في الرزق أو قبض (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) [الشورى: ٢٧]، فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له
_________________
(١) ـ قوله: (نهوا عن التحاسد)، جعل تمني ما فضل الله حسدًا لدلالة (مَا)؛ لأن تمني ما فضل الله طلب عين ذلك الشيء، ولا يصح حصوله إلا بعد الزوال منه والانتقال إليه، وذلك هو الحسد؛ لأن الحسد: هو أن يرى لأخيه نعمة فيتمنى أن تزول عنه وتكون له دونه، وأما الغبطة: فهو أن يمنى أن يكون له مثله، ولا يتمنى زواله. فإن قلت: يحتمل أن يكون المنهي تمني ما لأخيه ومثله على تقدير المضاف، وتمني المثل من غير زوال ما لأخيه غير مذموم؟ قلت: اللفظ يحتملهما، لكن النهي عنه والأمر بقوله: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) فيه إعلام أن الأول مذموم والثاني محمود، وغليه الإشارة بقوله: "ولا تتمنوا أنصباء غيركم من الفضل، ولكن سلوا الله من خزائنه التي لا تنفد"، وغنما قال في جانب الغبطة: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) دون: تمنوا من فضله ليريك أن التمني مذموم، والغبطة بلفظ التمني ملحق بالحسد، وأيضًا كما أن الحاسد في طلبه ذلك يروم ما لا يمكن حصوله، كقولهم: ليت الشباب يعود، كذلك المستمنح لفضل الله غير خائب البتة؛ لأن سائل الكريم لا يخيب. عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: "إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، وليعظم الرغبة في الإجابة"، رواه مسلم. قال القاضي: تمني ما لم يقدر له معارضة لحكمة القدر، وتمني ما قدر له يكسب بطالة وتضييع حظ، وتمني ما قدر له بغير كسب ضياع ومحال.
[ ٤ / ٥٢٢ ]
علمًا بأن ما قسم له هو مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له؛ ولا يحسد أخاه على حظه (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا) جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف اللَّه من حاله الموجبة للبسط أو القبض كسبًا له (وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) ولا تتمنوا أنصباء غيركم من الفضل، ولكن سلوا اللَّه من خزائنه التي لا تنفد. وقيل: كان الرجال قالوا: إن اللَّه فضلنا على النساء في الدنيا: لنا سهمان ولهن
_________________
(١) ـ قوله: (علمًا بأن ما قسم له) قيل: "علمًا" حال من ضمير "يرضى" أو مفعول له، ويجوز الوجهان من فاعل "قسم" أي: عليه أن يرضى بما قسم الله تعالى حال كونه تعالى عالمًا بالمصلحة، أو لعلمه بها. قوله: (جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء … كسبًا له) يعني قوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ)، جملتان مبينتان لقوله تعالى: (فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: لكل من الرجال والنساء نصيب من تلك القسمة التي قدرناها لهم، وهي تفضيل بعضهم على بعضن فوضع موضعه قوله: (مِمَّا اكْتَسَبُوا)، و(مِمَّا اكْتَسَبْنَ) مبالغة في وقوع المقدر، يعني: نحن قسمنا بينهم الفضل، فلابد أن يكتسبوا ما به ينالون تلك الفضيلة المقسومة، ولولا الفضل لم يوجد الكسب. وفي توخي كسب الخيرات، وتحري فعل المبرات دفع لزعم من ينكل على المقدر، ويتقاعد عن الكسب، وكذا في جعل الفضل مقدمة للكسب تلويح إلى أن الكسب لا يجدي؛ إذا لم يسبقه الفضل، وإنما عقب بهذه الآية قوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) ليؤذن أن الفضل لا يحصل بالتمني والحسد؛ بل بالاجتهاد في الطاعات وتحري الفاضلات من الأخلاق، والاجتناب عن المعاصي والرذائل. قوله: (وقيل: كان الرجال قالوا) عطف على قوله: "ما فضل الله به بعض الناس" المبين بقوله: "من الجاه والمال"، فكان تخصيص ذكر الرجال والنساء للتمثيل، وإلحاق ما لا يعلم بما علم، واشتهر نحوه في التمثيل قوله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) [النور: ٢٦] في أحد
[ ٤ / ٥٢٣ ]
سهم واحد، فنرجو أن يكون لنا أجران في الآخرة على الأعمال ولهنّ أجر واحد، فقالت أم سلمة ونسوة معها: ليت اللَّه كتب علينا الجهاد كما كتبه على الرجال، فيكون لنا من الأجر مثل ما لهم. فنزلت.
(وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) ٣٣].
(مِمَّا تَرَكَ): تبيين ل (كل)، أي: ولكل شيء مما ترك الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ
_________________
(١) ـ وجهيه، وعلى الثاني الكسب محمول على كسب الطاعات وتحري المبرات، والحسد على المجاز كما ورد "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار، فسمعه جار له، فقال: يا ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان؛ فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه في حقه، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان؛ فعملت مثل ما يعمل". أخرجه البخاري عن أبي هريرة. فإن قلت: فكيف يصح خطابهن بقوله: (وَلا تَتَمَنَّوْا)؟ قلت: لا بأس أن يكون السبب خاصًا والحكم عامًا؛ إذ أكثر الأحكام وارد على هذا المنهج، فإن قلت: إذا كان مثل هذا الحسد محمودًا كيف نهوا عنه؟ قلت: كان المتمنى أن يكتب عليهن الجهاد كما كتب على الرجال، وهذا متمنى غير جائز؛ لأنه تعالى كتب لكل من الرجال والنساء على حسب حاله واستعداده، ولكن استدركه بقوله: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)، أي: اسألوا الله ما يليق بحالكم وما يصلحكم، ألا ترى كيف ذيل بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)؟ قوله: (أي: ولكل شيء) يعني: المضاف إليه لـ "كل" محذوف وهو شيء، والمفعول الأول لـ (جَعَلْنَا) هو (مَوَالِيَ)، والثاني (وَلِكُلٍّ)، و(مِمَّا تَرَكَ) متعلق بمحذوف
[ ٤ / ٥٢٤ ]
من المال (جعلنا موالي) وراثا يلونه ويحرزونه؛ أو: ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب (مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ)؛ على أن (جَعَلْنا مَوالِيَ) صفة ل"كل"، والضمير الراجع إلى "كل" محذوف، والكلام مبتدأ وخبر، كما تقول: لكل من خلقه اللَّه إنسانا من رزق اللَّه، أي: حظ من رزق اللَّه، أو: ولكل أحد جعلنا موالي مما ترك، أي: ورّاثا مما ترك، على أن «من» صلة موالي؛ لأنهم في معنى الورّاث، وفي: (تَرَكَ) ضمير كلّ، ثم فسر الموالي بقوله: (الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ)، كأنه قيل: من هم؟ فقيل: الوالدان والأقربون (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمانُكُمْ): مبتدأ ضمن معنى الشرط؛ فوقع خبره مع الفاء؛ وهو قوله (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ)، ويجوز أن يكون منصوبًا على قولك: زيدًا فاضربه. ويجوز أن يعطف على (الوَالِدَانِ)، ويكون المضمر في: (فَآتُوهُمْ) للموالي، والمراد بالذين عاقدت أيمانكم: موالي الموالاة؛ كان الرجل يعاقد الرجل،
_________________
(١) هو صفة لـ "كل"، المعنى: وجعلنا لكل مال تركه الوالدان وارثًا يحوونه، وهو المراد بقوله: "ولكل شيء مما ترك" إلى آخره. قال السجاوندي: وفيه ضعف للفصل بين الموصوف والصفة؛ إذ يصير بمنزلة من يقول: لكل رجل جعلت درهمًا فقير. قوله: (أو: ولكل قوم) فعلى هذا "لكل قوم" خبر، والمبتدأ متعلق (مِمَّا تَرَكَ)، وهو نصيب المقدر، و(جَعَلْنَا): صفة لـ "كل"، ومفعوله الأول محذوف وهو ضمير الموصوف، و(مَوَالِيَ) ثاني مفعوليه، المعنى: لكل من جعلناه وارثًا نصيب من التركة. قوله: (أو ولكل أحد جعلنا موالي)، فعلى هذا "لكل أحد": مفعول (جَعَلْنَا)، و(مَوَالِيَ) بمعنى الوارث، و(مِمَّا تَرَكَ): صلته، المعنى: جعلنا لكل موروث وارثًا حائزًا لتركته، ثم قيل: ومن الوارث؟ فقيل: الوالدان والأقربون. قال القاضي: وفيه خروج الأولاد؛ فإن الأقربين لا يتناولهم، كما لم يتناول الوالدين. قوله: (ويكون المضمر في (فَآتُوهُمْ) للموالي) فيدخل فيه "الذين عاقدت"، وعلى
[ ٤ / ٥٢٥ ]
فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك، وثأرى ثأرك، وحربى حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، فنسخ. وعن النبي ﷺ: أنه خطب يوم الفتح فقال: «ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، فإنه لم يزده الإسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حلفا في الإسلام» وعند أبي حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا؛ صح عنده، وورث بحق الموالاة خلافا للشافعي، وقيل: المعاقدة التبني. ومعنى عاقدت أيمانكم: عاقدتهم أيديكم وماسحتموهم. وقرئ (عَقَدَتْ) بالتشديد والتخفيف بمعنى عقدت عهودهم أيمانكم.
(الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) ٣٤].
_________________
(١) ـ الوجهين الأولين الضمير مختص بـ "الذين عاقدت"، وعلى هذا الوجه الفاء جزاء شرط مقدر، و"من": صلة (مَوَالِيَ)، أي: جعلنا لكل موروث وارثًا حائزًا لتركته، فقيل: من هم؟ قيل: (الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ) والمعاقدون، ثم قيل: وإذا كان كذلك (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). قوله: (وقرئ: "عقدت" بالتشديد) وهي شاذة، "والتخفيف": عاصم وحمزة والكسائي، والباقون: (عاقدت) بالألف. قوله: (بمعنى: عقدت عهودهم أيمانكم) فحذف العهود، وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه، ثم حذف حذفه في القراءة الأخرى وهي: (عاقدت أيمانكم)، أي: عاقدتهم أيديكم. قوله: (عهودهم) أي: عهود الموالي، وهو مفعول (عَقَدَتْ) وفاعله (أَيْمَانُكُمْ).
[ ٤ / ٥٢٦ ]
(قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ) يقومون عليهن آمرين ناهين، كما يقوم الولاة على الرعايا. وسموا قوّما لذلك. والضمير في (بَعْضَهُمْ) للرجال والنساء جميعًا، يعنى: إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل اللَّه بعضهم - وهم الرجال ـ، على بعض - وهم النساء. وفيه دليل على أنّ الولاية إنما تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر. وقد ذكروا في فضل الرجال: العقل، والحزم، والعزم، والقوّة، والكتابة في الغالب، والفروسية، والرمي، وأنّ منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى، والجهاد، والأذان، والخطبة، والاعتكاف، وتكبيرات التشريق عند أبي حنيفة، والشهادة في الحدود، والقصاص، وزيادة السهم، والتعصيب في الميراث،
_________________
(١) قوله: (وسموا "قومًا" لذلك) الراغب: القوم: جماعة الرجال دون النساء؛ ولذلك قال تعالى: (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) [الحجرات: ١١]، قال الشاعر: أقوم آل حصن أم نساء وفي عامة التنزيل: أريدوا به وبالنساء جميعًا، وحقيقته للرجال لما نبه عليه قوله ﷿: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ). قوله: (مسيطرين) أي: متسلطين. قوله: (وفيه دليل) يعني: في تعليل تسلط الرجال على النساء بالأمر والنهي بقوله: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ)، (وَبِمَا أَنفَقُوا) إدماج لمعنى الإمامة الكبرى، نحوه قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة: ١٢٤]. قوله: (والحمالة) وهي الدية التي يتحملها الرجل، ويغرمها ويسعى في تحصيلها،
[ ٤ / ٥٢٧ ]
والحمالة، والقسامة، والولاية في النكاح والطلاق والرجعة، وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب، وهم أصحاب اللحى والعمائم (وَبِما أَنْفَقُوا): وبسبب ما أخرجوا في نكاحهنّ من أموالهم في المهور
والنفقات. وروي أنّ سعد بن الربيع - وكان نقيبا من نقباء الأنصار - نشرت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها، فانطلق بها أبوها إلى رسول اللَّه ﷺ وقال: أفرشته كريمتي فلطمها فقال: «لتقتصّ منه»، .
_________________
(١) ـ و"القسامة" هي الأيمان، يقسم على الأولياء في الدم. النهاية: القسامة بالفتح: اليمين، كالقسم، وحقيقتها: أن يقسم من أولياء الدم خمسون نفرًا على استحقاقهم دم صاحبهم إذا وجدوه قتيلًا بين قوم ولم يعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين أقسم الموجودون خمسين يمينًا، ولا يكون فيهم صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا عبد، أو يقسم بها المتهمون على نفي القتل عنهم، فإن حلف المدعون استحقوا الدية، وإن حلف المتهمون لم تلزمهم الدية، وقد أقسم يقسم قسمًا وقسامة: إذا حلف، وقد جاءت على بناء الغرامة والحمالة؛ لأنها تلزم أهل الموضع الذي يوجد فيه القتيل، وفي حديث الحسن: "القسامة جاهلية" أي: كان أهل الجاهلية يدينون بها، وقد قررها الإسلام. قوله: (أن سعد بن الربيع، وكان نقيبًا من نقباء الأنصار). الاستيعاب: هو سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك الخزرجي الأنصاري، عقبي بدري، وكان أحد نقباء الأنصار، قتل يوم أحد شهيدًا، بعث رسول الله ﷺ أبي بن كعب يأتيه بخبره، قال: اذهب فأقرئه مني السلام، وأخبره أني قد طعنت اثنتي عشرة طعنة، وأني قد انفذت مقاتلي، واقرأ على قومي السلام وقل لهم: يقول لكم سعد: الله الله! وما عاهدتم عليه رسول الله ﷺ ليلة العقبة، فوالله ما لكم عند الله عذر إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف.
[ ٤ / ٥٢٨ ]
فنزلت؛ فقال ﷺ: «أردنا أمرًا وأراد اللَّه أمرا، والذي أراد اللَّه خير»، ورفع القصاص. واختلف في ذلك، فقيل: لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شجها، ولكن يجب العقل. وقيل: لا قصاص إلا في الجرح والقتل. وأما اللطمة ونحوها فلا (قانِتاتٌ): مطيعات قائمات بما عليهنّ للأزواج، (حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ): الغيب خلاف الشهادة، أي: حافظات لمواجب الغيب إذا كان الأزواج غير شاهدين لهنّ حفظهن ما يجب عليهنّ حفظه في حال الغيبة، من الفروج والبيوت والأموال. وعن النبي ﷺ: «خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرّتك، وإن أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها» وتلا الآية وقيل (لِلْغَيْبِ): لأسرارهم (بِما حَفِظَ اللَّهُ): بما حفظهنّ اللَّه حين أوصى بهنّ الأزواج في كتابه وأمر رسوله ﵊ فقال: «استوصوا بالنساء خيرًا» أو بما حفظهنّ اللَّه وعصمهنّ ووفقهنّ لحفظ الغيب، أو بما حفظهنّ حين وعدهنّ الثواب العظيم على حفظ الغيب،
_________________
(١) قوله: (لمواجب الغيب) قيل: المواجب: جمع الموجب، والمراد بـ "موجب الغيب": ما يوجبه الغيب، أي: ما يجب المحافظة عليه في حال غيبة الزوج. قوله: (في مالها) أراد في مالك، ولما كانت هي المتصرفة فيه في حال الغيبة، وأنه مما ينفق عليها؛ كأنه مالها، نحو قوله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ) [النساء: ٥] بعثًا لها على الحفظ، أي: ليحفظن حفظًا مثل حفظ أموالهن. قوله: (أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب) فسر الحفظ بوجوه ثلاث، أحدها: أنه مجاز، من إطلاق السبب على المسبب؛ لأن الظاهر أن يقال: حافظات للغيب بسبب أن الله تعالى وصى الأزواج بحفظهن رعاية لحقهن؛ فهن قضين حق تلك النعمة بحفظ غيب الأزواج، وعلى هذا يجوز أن يكون مشاكلة لقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) [الشورى: ٤٠]، والثاني: أنه حقيقة، أي: حافظات للغيب لأن الله تعالى حفظهن من أن يقعن في الذنب
[ ٤ / ٥٢٩ ]
وأوعدهنّ بالعذاب الشديد على الخيانة. وما» مصدرية. وقرئ (بِما حَفِظَ اللَّهُ) بالنصب على أنّ ما موصولة، أي: حافظات للغيب بالأمر الذي يحفظ حق اللَّه وأمانة اللَّه، وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم. وقرأ ابن مسعود: فالصوالح قوانت حوافظ للغيب بما حفظ اللَّه فأصلحوا إليهنّ. نشوزها ونشوصها: أن تعصي زوجها ولا تطمئن إليه وأصله الانزعاج. (فِي الْمَضاجِعِ):
_________________
(١) ـ وعصمهن، فقوله: "وعصمهن" عطف تفسيري. وثالثها: أنه من باب الكناية، أي: أنهن حافظات للغيب لأن الله تعالى وعدهن الثواب عليه؛ ولذلك سعين في حفظ الغيب، كأنه قيل: احفظن الغيب حتى لا أضيع أجركن لما يلزم من عدم ضياعهن إيتاء أجورهن. قوله: (وقرئ: (بما حفظ الله) بالنصب على أن "ما" موصولة) قال أبو البقاء: "ما" على قراءة النصب بمعنى الذي، أو نكرة والمضاف محذوف، والتقدير: بما حفظ الله أو دين الله، وقال قوم: هي مصدرية، والتقدير: بحفظهن الله، وهذا خطأ؛ لأنه إذا كان كذلك خلا الفعل عن ضمير الفاعل؛ لأن الفاعل هنا جمع المؤنث، فكان يجب أن يكون بما حفظن الله، وقد صوب هذا القول وجعل الفاعل فيه للجنس، وهو مفرد مذكر، فلا يظهر له ضمير. قوله: (فالصوالح قوانت حوافظ للغيب … فأصلحوا إليهن). الأساس: ومن المجاز: وأصلح إلى دابته: أحسن إليها وتعهدها. وفي هذه القراءة إيذان بأن الآية فيها إجمال وتفصيل، فالمجمل قوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)، وتفصيله: فالصالحات، وقوله: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ)، وأن قوله: في هذه القراءة: "فأصلحوا إليهن" مقابل لقوله: (فَعِظُوهُنَّ)، يعني: قوموا عليهن، فاللاتي صلحت، فأحسنوا إليهن، واللاتي نشزت فعظوهن، واضربوهن. قوله: ٠ ونشوصها). الجوهري: نشصت المرأة من زوجها، مثل نشزت، فهي ناشز
[ ٤ / ٥٣٠ ]
في المراقد، أي: لا تدخلوهن تحت اللحف، أو هي كناية عن الجماع. وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع وقيل: (في المضاجع): في بيوتهن التي يبتن فيها. أى: لا تبايتوهن. وقرئ: (في المضجع)، و(في المضطجع)؛ وذلك لتعرّف أحوالهن وتحقق أمرهن في النشوز. أمر بوعظهن أوّلا، ثم بهجرانهن في المضاجع، ثم بالضرب إن لم ينجع فيهن الوعظ والهجران.
_________________
(١) ـ وناشص، ونشصت عن بلدي: انزعجت. الراغب: النشز: المرتفع من الأرض، ونشز فلان: إذا قصد نشزًا، ومنه: نشز فلان عن مقره، ويعبر عن الإحياء بالنشز والإنشاز لكونه ارتفاعًا بعد اتضاع، ونشوز المرأة: بغضها لزوجها ورفع نفسها عن طاعته وعينها إلى غيره. قوله: (أمر بوعظهن) جملة مستأنفة على سبيل البيان، لقوله: "وذلك لتعرف أحوالهن"؛ لأن المشار بها تلك المأمورات التي تضمنها قوله تعالى: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) على قوله: (وَاضْرِبُوهُنَّ). الانتصاف: الترتيب الذي أشار إليه الزمخشري غير مأخوذ من الآية؛ لأنها واردة بواو العطف، وإنما استفيد من أدلة خارجية. وقلت: ما أظهر دلالة الفاء في قوله: (فَعِظُوهُنَّ) عليه! وكذا قضية الترتيب في الرفق والنظم، فإن قوله: (فَالصَّالِحَاتُ) وقوله: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) تفصيل لما أجمل في قوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)، كما سبق، أخبر الله تعالى بتفضيل الرجال على النساء، وقوامهم عليهن، ثم فصل النساء قسمين: إما أنهن قانتات صالحات يحفظن أزواجهن في الحضور والغيبة؛ فعلى الرجال الشفقة عليهن والنصيحة لهن، وإما أنهن ناشزات غير مطيعات؛ فعلى الرجال الترفق بهن أولًا بالوعظ والنصيحة، فإن لم ينجع الوعظ فيهن، فبالهجران والتفرق
[ ٤ / ٥٣١ ]
وقيل: معناه أكرهوهن على الجماع واربطوهن، هجر البعير إذا شدّه بالهجار، وهذا من تفسير الثقلاء! وقالوا: يجب أن يكون ضربًا غير مبرِّح لا يجرحها ولا يكسر لها عظمًا ويجتنب الوجه، وعن النبىّ ﷺ: «علق سوطك حيث يراه أهلك»، وعن أسماء بنت أبى بكر الصدّيق ﵄: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوّام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها. ويروى عن الزبير أبيات منها:
وَلَوْلَا بَنُوهَا حَوْلَهَا لَخَبَطْتُهَا
(فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا): فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ والتجني،
_________________
(١) ـ في مضاجعهن ثانيًا، ثم التأديب بالضرب؛ لأن المقصود الإصلاح والدخول في الطاعة؛ لقوله: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ)، فرتب الوعظ على الخوف من النشوز، فلابد من تقديمه على قرينيه، ومنه نبه على ترتيب قرينيه. قوله: (بالهجار). الأساس: الهجار: حبل يشد به يده إلى رجله، يخالف الشكال. قوله: (بعود المشجب). النهاية: المشجبـ بكسر الميم وفتح الجيمـ: عيدان تضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها، وتوضع عليها الثياب، وقد تعلق عليها الأسقية لتبريد الماء. قوله: (ولولا بنوها حولها لخبطتها)، تمامه: كخبطة فروج ولم أتلعثم خبطت الشجر خبطًا: إذا ضربتها بالعصال يسقط ورقها، يتلعثم الرجل في الأمر: إذا تمكث فيه وتأنى. قوله: (والتجني) الجوهري: التجني: التجرم، وهو أن يدعي عليك ذنبًا لم تفعله.
[ ٤ / ٥٣٢ ]
وتوبوا عليهنَّ، واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن بعد رجوعهن إلى الطاعة والانقياد وترك النشوز. (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) فاحذروه، واعلموا أنّ قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم.
ويروى أن أبا مسعود الأنصارى رفع سوطه ليضرب غلاما له، فبصر به رسول اللَّه ﷺ، فصاح به: أبا مسعود، للَّه أقدر عليك منك عليه، فرمى بالسوط وأعتق الغلام.
أو: (إن اللَّه كان عليًا كبيرًا) وإنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه، ثم تتوبون فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عمن يجيء عليكم إذا رجع.
(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) ٣٥].
(شِقاقَ بَيْنِهِما) أصله: شقاقا بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على طريق الاتساع، كقوله: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) [سبأ: ٣٣] وأصله: بل مكر في الليل والنهار؛ أو على أن جعل البين مشاقًا والليلُ والنهارُ ماكرين، على قولهم: نهارك صائم. والضمير للزوجين. ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء.
_________________
(١) قوله: (ويروى: أن أبا مسعود الأنصاري) الحديث من رواية مسلم وأبي داود والترمذي: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط، فسمعت صوتًا من خلفي: "اعلم أبا مسعود"، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني فإذا هو رسول الله ﷺ يقول: "اعلم أبا مسعود، الله أقدر عليك منك على هذا الغلام"، فسقط من يدي السوط، فقلت: يا رسول الله، هو حر لوجه الله، فقال: "أما لو لم تفعل للفحتك النار". قوله: (جعل البين مشاقًا). مشاقًا: اسم فاعل، نحو: مختار، ونحوه قوله تعالى: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) [الأنعام: ٩٤] برفع "بين".
[ ٤ / ٥٣٣ ]
(حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ): رجلا مقنعًا رضيًا يصلح لحكومة العدل والإصلاح بينهما، وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما؛ لأنّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للصلاح، وإنما تسكن إليهم نفوس الزوجين، وتبرز إليهم ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة وموجبات ذلك ومقتضياته، وما يزويانه عن الأجانب ولا يحبان أن يطلعوا عليه. فإن قلت: فهل يليان الجمع بينهما والتفريق إن رأيا ذلك؟ قلت: قد اختلف فيه، فقيل: ليس إليهما ذلك إلا بإذن الزوجين؛ وقيل: ذلك إليهما، وما جعلا حكمين إلا وإليهما بناء الأمر على ما يقتضيه اجتهادهما. وعن عبيدة السلماني: شهدت عليًا ﵁ وقد جاءته امرأة وزوجها ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما، فقال عليّ ﵁
_________________
(١) قوله: (رجلًا مقنعًا رضًا). الأساس: فلان لنا مقنع رضًا، أي: مقنع بقوله وقضائه، وشاهد مقنع، وشهود مقانع. قوله: (ذلك غليهما) قال القاضي: قال مالك: لهما أن يتخالعا إن وجدا الصلاح فيه، قلت: وينصره تكرير ذكر الحكمين في التنزيل ومتعلقهما وإن لم يقل: حكمين من أهليهما، وهو أخصر. قوله: (وعن عبيدة السلماني) بفتح اللام في رواية الكتاب، وفي "جامع الأصول": هو جاهلي إسلامي، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ ولم يلقه، سمع أكابر الصحابة، واشتهر بصحبة علي ﵁. عبيدة: بفتح العين وكسر الباء الموحدة وسكون الياء، والسلماني: بفتح السين المهملة وسكون اللام والنون. قوله: (فئام من الناس) فئام: جماعة، ولا واحد له من لفظه، النهاية: الفئام مهموز: الجماعة الكثيرة.
[ ٤ / ٥٣٤ ]
للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما، فقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علىّ: كذب واللَّه لا تبرح حتى ترضى بكتاب اللَّه لك وعليك، فقالت المرأة: رضيت بكتاب اللَّه لي وعليّ. وعن الحسن: يجمعان ولا يفرقان. وعن الشعبي: ما قضى الحكمان جاز. والألف في (إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا) للحكمين، (وفي يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما) للزوجين؛ أي: إن قصدا إصلاح ذات البين، وكانت نيتهما صحيحة، وقلوبهما ناصحة لوجه اللَّه، بورك في وساطتهما، وأوقع اللَّه بطيب نفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والألفة، وألقى في نفوسهما المودّة والرحمة.
وقيل: الضميران للحكمين، أي: إن قصدا إصلاح
_________________
(١) ـ قوله: (كذب، والله لا تبرح) فيه التفات. قال الزجاج: على الحكمين أن يقصدا الإصلاح، وليس لهما طلاق ولا إقرار، وما فعل علي ﵁ فهو فعل للإمام، وللإمام أن يفعل ما رأى فيه؛ فعلي وكلهما فيه وأولاهما ذلك. وفي "المعالم": أصح القولين: أن بعث الحكمين على رضاهما، فيتوقف التطليق على رضاه، والاختلاع بمالها على رضاها، وعليه أصحاب الرأي، لقول علي ﵁ حين قال الزوج: أما الفرقة فلاـ: كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به؛ فثبت أن تقييد الأمر موقوف على رضاه. والقول الثاني: أن لا يتوقف على رضاهما كالحاكم يحكم على الخصمين بلا رضاهما، ومن قال بهذا قال: ليس المراد بقوله للرجل: "حتى تقر" أن رضاه شرط؛ بل معناه: أن المرأة رضيت بما في كتاب الله، فقال الرجل: أما الفرقة فلا، يعني: ليست الفرقة في كتاب الله؛ فقال علي ﵁: كذبت؛ حيث أنكرت وقلت: إن الفرقة ليست في كتاب الله؛ فإن قوله: (يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) يشتمل على الفراق وغيره؛ لأن التوفيق أن يخرج كل واحد منهما من الوزر؛ وذلك يكون تارة بالفراق، وتارة بصلاح حالهما في الوصلة. هذا معنى كلام "المعالم". قوله: (الضميران للحكمين). قال الإمام: وها هنا قسم رابع: وهو أن الأول للزوجين
[ ٤ / ٥٣٥ ]
ذات البين والنصيحة للزوجين يوفق اللَّه بينهما، فيتفقان على الكلمة الواحدة، ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتم المراد. وقيل: الضميران للزوجين، أي: إن يريدا إصلاح ما بينهما، وطلبا الخير، وأن يزول عنهما الشقاق يطرح اللَّه بينهما الألفة، وأبدلهما بالشقاق وفاقًا وبالبغضاء مودة. (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا): يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين. (لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) [الأنفال: ٦٣].
(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا) ٣٦].
(وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا) وأحسنوا بهما إحسانا (وَبِذِي الْقُرْبى): وبكل من بينكم وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما، (وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى): الذي قرب جواره، (وَالْجارِ الْجُنُبِ): الذي جواره بعيد، وقيل الجار القريب: النسيب، والجار الجنب: الأجنبى، وأنشد لبلعاء ابن قيس:
لَا يَجْتَوِينَا مُجَاوِرٌ أَبَدًا ذُو رَحِمٍ أَوْ مُجاوِرٌ جُنُبُ
_________________
(١) والثاني للحكمين، أي: أن يرد الزوجان إصلاحًا يوفق الله بين الحكمين إصلاحًا حتى يعملا بالصلاح. وقال القاضي: وفيه تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتحراه، أصلح الله مبتغاه. قوله: (وأحسنوا بهما). الأساس: أحسن على أخيه وأحسن به. قوله: (لا يجتوينا) البيت، أي: لا يكرهنا، من: اجتويت البلاد: إذا كرهتها.
[ ٤ / ٥٣٦ ]
وقرئ: (والجار ذا القربى)، نصبا على الاختصاص، كما قرئ (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) [البقرة: ٢٣٨]؛ تنبيها على عظم حقه؛ لإدلائه بحق الجوار والقربى.
(وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ): هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك؛ إما رفيقًا في سفر، وإما جارًا ملاصقًا، وإما شريكًا في تعلم علم أو حرفة، وإما قاعدًا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه، فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه، وتجعله ذريعة إلى الإحسان. وقيل: الصاحب بالجنب: المرأة (وَابْنِ السَّبِيلِ): المسافر المنقطع به، وقيل: الضيف، والمختال: التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، فلا يتحفى بهم، ولا يلتفت إليهم. وقرئ: والجار الجنب، بفتح الجيم وسكون النون.
_________________
(١) ـ قوله: (أو غير ذلك من أدنى صحبة التأمت)، "أو غير" عطف على المنصوبات. وقوله: "من أدنى صحبة" وصف له، ومن: ابتداء أو بيان، أي: غير ذلك كائنًا أو حاصلًا من أدنى صحبة، يعني: في تقييد (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) تعميم معناه، وأريد به أصل الاستعمال لا المتعارف المشهور؛ لأنه لا يقال عرفًا: هو صاحب فلان، إلا إذا رافقه والتزمه، أو وافقه في مذهب؛ فهذا القيد نحو القيد (فِي الأَرْضِ) لـ (دَابَّةٍ) في قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ) [الأنعام: ٣٨] ونظير لـ (طَائِرٍ) في قوله: (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ). قوله: (المنقطع به) الجوهري: وانقطع به فهو منقطع به؛ إذا عجز عن سفره من نفقة ذهبت، أو قامت عليه راحلته، وأتاه أمر لا يقدر أن يتحرك. قوله: (فلا يتحفى بهم ولا يلتفت إليهم) أي: لا يتلطف بهم ولا يرحمهم. قوله: (وقرئ: "والجار الجنب") أي: الجار ذي الجنب، أي: الملتصق داره بجنب
[ ٤ / ٥٣٧ ]
(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا) ٣٧].
(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ): بدل من قوله: (مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا) [النساء: ٣٦]، أو نصب على الذم. ويجوز أن يكون رفعًا عليه، وأن يكون مبتدأ خبره محذوف، كأنه
_________________
(١) دارك. الجوهري: قعدت إلى جنب فلان وإلى جانب فلان بمعنى، وهذه القراءة تنصر قول من قال: الجار القريب النسب والجار الأجنبي. قوله: (وأن يكون مبتدأ خبره محذوف)، فإن قلت: ما الفرق بين هذا، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف كما عليه الوجه الثاني؟ قلت: على الثاني يتصل بقوله: (مُخْتَالًا فَخُورًا) محكوم عليهم بأنهم هم الذين لا يحبهم الله، وهو أبلغ من البدل؛ لما يؤذن بأن البخل أخس أوصافهم، وهو الذي حملهم على أن تكبروا عن إكرام أقاربهم وأصحابهم، وأنهم معروفون مشهورون بكونهم مختالين فخورين؛ لما تقرر أن النصب أو الرفع على المدح أو الذم يقتضي أني كون الموصوف مشهورًا معروفًا، والصفة صالحة للمدح أو للذم. وعلى أن يكون مبتدأ خبره محذوف، والجملة منقطعة عما قبلها جيء بها مستطردة لحكاية من يمنع إحسانه عن الوالدين والأقربين، والوجه الاتصال؛ لأن قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) تذييل لقوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، وقد رمز إليه تفسيره "المختال" بـ "التياه: الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه"، ثم لابد من انضمم قوله: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) ليتم به المقصود، ولو جعل (وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ) [النساء: ٣٨] عطفًا على (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ)؛ ليدخل معنى قوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء: ٣٦] في معنى المذيلـ ليكمل النظم ويبلغ الغاية، ويؤيده قوله بعد هذا: " (وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ)، قيل: نزلت في مشركي قريش". وقوله: "حيث حملهم على البخل والرياء" جعلهما وصفين لموصوف واحد، والواو
[ ٤ / ٥٣٨ ]
قيل: الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون، أحقاء بكل ملامة. وقرئ (بِالْبُخْلِ) بضم الباء وفتحها، وبفتحتين. وبضمتين، أي: يبخلون بذات أيديهم، وبما في أيدى غيرهم. فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتًا للسخاء ممن وجد. وفي أمثال العرب: أبخل من الضنين بنائل غيره. قال:
وَإن امْرَا ضَنَّتْ يَدَاهُ عَلَى امْرِئٍ بِنَيْلِ يَدٍ مِنْ غَيْرِهِ لَبَخِيلُ
_________________
(١) توسطت بينهما؛ ليدل على أنهم جامعون بين وصفين كل واحد منهما مستقل في الرذالة، وأيضًا، المرائي لا يكون إلا فخورًا؛ فكان الذهاب إلى العطف على (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) واتصاله بقوله: (كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) أحرى، فإن قلت: هل يجوز في الموصول الأول القطع للاستئناف؟ قلت: لا يحسن ذلك الحسن؛ لأنه لا يخلو من أن يكون استئنافًا بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث أو صفته، والأول ظاهر البطلان؛ لأن "الذي" وضع وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، والثاني يوجب أن يكون الموصوف بحيث ينبئ عن الوصف؛ ليكون ذريعة لبيان الموجب ليصح التعليل به، كقوله تعالى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: ٢ - ٣]، ولا دلالة في قوله: (مُخْتَالًا فَخُورًا) على هذا الوصف، بل فيه ما يدفعه؛ لأن التياه الفخور أغلب ما يكون جوادًا، اللهم إلا أن يقال: إن قوله: (مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) - لما كان تذييلًا للكلام السابق أو استئنافًاـ تضمن معنى البخل الذي يعطيه قوله: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) إلى آخره، وهذا لا يصير إليه صاحب ذوق. قوله: (قرئ: (بِالْبُخْلِ) بضم الباء): كلهم إلا حمزة والكسائي، وبفتحها وسكون الخاء: شاذ، وبفتحتين: حمزة والكسائي، وبضمتين: شاذ. قوله: (وإن امرأ ضنت يداه على امرئ) البيت، يداه: عبارة عن جملته، كقوله تعالى:
[ ٤ / ٥٣٩ ]
ولقد رأينا ممن بلى بداء البخل من إذا طرق سمعه أنّ أحدا جاد على أحد، شخص به، وحلّ حبوته، واضطرب، ودارت عيناه في رأسه، كأنما نهب رحله وكسرت خزانته، ضجرًا من ذلك وحسرة على وجوده. وقيل: هم اليهود، كانوا يأتون رجالًا من الأنصار يتنصحون لهم ويقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون؟ وقد عابهم اللَّه بكتمان نعمة اللَّه وما آتاهم من فضل الغنى والتفاقر إلى الناس. وعن النبي ﷺ «إذا أنعم اللَّه على عبد نعمة أحب
_________________
(١) (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) [المسد: ١]، قال: جعلت يداه هالكتين، والمراد هلاك جملته، الجوهري: قولهم: هذا كما قدمت يداك، وهذا ما جنت يداك، أي: جنيته أنت. يقول: إن امرؤ ضن على امرئ بسبب نائل غيره، لشديد البخل. قوله: (شخص به). الجوهري: يقال للرجل إذا ورد عليه أمر أقلقه: شخص به. قوله: (حل حبوته). النهاية: الاحتباء: هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب ويجمعهما مع ظهره، ويشده عليها، وقد يكون الاحتباء باليدين؛ فهو كناية عن الاضطراب والقلق والانزعاج؛ لأن المحتبي متمكن مطمئن ساكن. قوله: (وحسرة على وجوده) أي: وجود الجود، دل بقوله أولًا: "مقتًا للسخاء ممن وجد"، وآخرًا: "وحسرة على وجوده" على أن السخاء عندهم مبغوض بالذات، كما أن البخل محبوب بالذات. قوله: (يتنصحون) أي: يتشبهون بالنصحاء. قوله: (وقد عابهم بكتمان نعمة الله) أي: عابهم الله بقوله: (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمْ اللَّهُ) بكتمان نعمة الله، "والتفاقر إلى الناس"، والتفاقر: عطف على "كتمان" على سبيل التفسير. قوله: (إذا أنعم الله على عبد) الحديث مخرج في "مسند" الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
[ ٤ / ٥٤٠ ]
أن يرى نعمته على عبده». وبنى عامل للرشيد قصرًا حذاء قصره، فنمّ به عنده، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته، فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك، فأعجبه كلامه.
وقيل: نزلت في شأن اليهود الذين كتموا صفة رسول اللَّه ﷺ.
(وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا) ٣٨ - ٣٩].
(رِئاءَ النَّاسِ): للفخار، وليقال: ما أسخاهم وما أجودهم، لا ابتغاء وجه اللَّه. وقيل: نزلت في مشركي مكة المنفقين أموالهم في عداوة رسول اللَّه ﷺ (فَساءَ قَرِينًا) حيث حملهم على البخل والرياء وكل شر، ويجوز أن يكون وعيدًا لهم بأنّ الشيطان يقرن بهم في النار (وَماذا عَلَيْهِمْ): وأي تبعة ووبالٍ عليهم في الايمان والإنفاق في سبيل اللَّه! والمراد الذم والتوبيخ، وإلا فكل منفعة ومفلحة في ذلك، وهذا كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت! وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت بارًا! وقد علم أنه لا مضرة ولا مرزئة في العفو والبر
_________________
(١) قوله: (وأي تبعة ووبال عليهم!) قال الزجاج: "وماذا عليهم" يصلح أن يكون اسمًا واحدًا، المعنى: وأي شيء عليهم؟ ويجوز أن يكون "ذا" في معنى "الذي"، و"ما" وحدها اسمًا. قوله: (ولا مرزئة في العفو). الأساس: ما رزاته شيئًا مرزئة ورزءًا: ما نقصته، وما رزأته زبالًا، أي: ما نلت من ماله شيئًا، ولا أصبت منه خيرًا.
[ ٤ / ٥٤١ ]
ولكنه ذم وتوبيخ وتجهيل بمكان المنفعة. (وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا): وعيد.
(إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ٤٠ - ٤٢].
الذرّة: النملة الصغيرة، وفي قراءة عبد اللَّه: مثقال نملة. وعن ابن عباس: أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة. وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة ذرة. وفيه دليل على أنه لو نقص من الأجر أدنى شيء وأصغره، أو زاد في العقاب لكان ظلمًا، وأنه لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرة. (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً): وإن يكن مثقال ذرّة حسنة وإنما أنث ضمير المثقال لكونه مضافًا إلى مؤنث. وقرئ بالرفع على كان التامة.
_________________
(١) ـ قوله: (ذم وتوبيخ) وإنما نشأ التوبيخ من تقاعد المخاطب على أمر فيه منفعته، وأنه لا غنى له عن فعله، ولا مانع يمنعه من تحصيله، وها هنا ذم الله ﷾ البخلاء حين أبدل قوله: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) من قوله: (مُخْتَالًا فَخُورًا)، وأوعدهم بالعذاب المهين وسماهم كافرين، وذم المرائين بقوله: (وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ) وأوعدهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار، ثم أتبع ذلك ما يحرضهم على الإيمان بالله والإنفاق، وأنهم لا يظلمون مثقال ذرة، ووعدهم باتصال أجر عظيم من لدن رب كريم، فوقع قوله: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا)، (وَأَنفَقُوا) منبهًا لخطأ آرائهم، وتجهيلًا لهم وتوبيخًا على التواني والتقاعد، وأصل استعمال "ماذا عليك" أن يوقع في أمر يجب على المخاطب أن يفعله لما فيه نفعه ومصلحته، فيجعله المتكلم مظنة للوبال والتبعة إرخاء للعنان موبخًا له على التكاسل، كما تقول للمنتقم: ما ضرك لو عفوت؟ قوله: (أنث ضمير المثقال) أي: في (تَكُ) لكونها مضافًا إلى مؤنث، قال صاحب
[ ٤ / ٥٤٢ ]
(يُضاعِفْها): يضاعف ثوابها لاستحقاقها عنده الثواب في كل وقت من الأوقات المستقبلة غير
المتناهية. وعن أبي عثمان النهدي أنه قال لأبى هريرة: بلغني عنك أنك تقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إن اللَّه تعالى يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة» قال أبو هريرة:
لا، بل سمعته يقول «إن اللَّه تعالى يعطيه ألفي ألفي حسنة»، ثم تلا هذه الآية. والمراد: الكثرة لا التحديد (وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا): ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل عطاءً عظيمًا وسماه (أَجْرًا)؛ لأنه تابع للأجر
_________________
(١) ـ "الفرائد": ولا يمكن أن يكون تأنيثه لتأنيث الخبر، وقال الزجاج: الأصل في (تَكُ): تكون، فسقطت الضمة للجزم، والواو لسكونها وسكون النون، وأما سقوط النون فلكثرة الاستعمال تشبيهًا بحروف اللين؛ لأنها ساكنة، فحذفت استخفافًا كما قالوا: لا أدر ولم أبل، والأجود: لا أدري ولم أبال. قوله: (لاستحقاقها عنده الثواب في كل وقت) يريد أن لابد من المضاعفة؛ لأن الحسنة إذا جوزيت بمثلها انقطعت ويلزم منها انقطاع الزمان، وإذا ضوعفت أديمت فيدوم الزمان بحسب المضاعفة إلى غير المتناهي؛ ولهذا قال: "المراد: الكثرة لا التحديد" وفيه بحث. قوله: (ويعط صاحبها من عنده) جعل (مِن لَّدُنْهُ) بمعنى: من عنده، قال الزجاج: "لدن" لا تتمكن تمكن "عند"؛ لأنك تقول: هذا القول عندي صواب، ولا تقول: لدني صواب، وتقول: عندي مال عظيم، والمال غائب، ولدن: لما يليك لا غير. النهاية: "لدن": ظرف بمعنى: "عند"، إلا أنه أقرب مكانًا من "عند"، وأخص منه؛ فإن "عند" تقع على المكان وغيره، تقول: لي عند فلان مال، أي: في ذمته، ولا يقال ذلك في "لدن". قوله: (وسماه (أَجْرًا) لأنه تابع للأجر) أي: هو مجاز عن التفضل؛ لأنه تعالى قال: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) ومضاعفة الحسنة هي الأجر؛ لأنها جزاء الحسنة، وقال بعده:
[ ٤ / ٥٤٣ ]
لا يثبت إلا بثباته. وقرئ: (يضعفها) بالتشديد والتخفيف، من أضعف وضعف.
_________________
(١) (وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا)، فوجب حمله على معنى زائد على الأجر، وليس ذلك إلا التفضل؛ ولهذا قرن معه (مِن لَّدُنْهُ)، وهذا القيد أيضًا يوجب تقدير الثواب، وأنه بالاستحقاق لا بالتفضل، وتسمية التفضل بالأجر تسمية للشيء باسم مجاوره، وقلت: هذا التعسف إنما يصار إليه إذا قدر مضافًا، وفسر "يضاعفها" بـ: يضاعف ثوابها، وتأول القرآن بالرأي والمذهب، وأما إذا جعلت الحسنة بنفسها مضاعفة، ويترك (مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) على ظاهره ليعلم أن الأجر تفضل منه، وأنه من لدنه لا باستحقاق العمل؛ كما عليه مذهب أهل الحق، فأي حاجة لنا إلى ارتكاب تلك التعسفات! وكان لنا مخلصًا من تلك الورطات! ومما يدل على إمكان مضاعفة الحسنة نفسهاـ وإن لم يعلم كيفيتهاـ ما روينا عن البخاري ومسلم وغيرهما، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما تصدق أحد بصدقة عن طيبـ ولا يقبل الله إلا الطيبـ إلا أخذها الرحمن بيمينهـ وإن كانت تمرةـ فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه وفصيله"، الفلو: المهر الصغير، والمراد بتضاعفها أي: يكتب ثوابها مضاعفًا، ويثبت في صحف كرام الكاتبين، ثم يؤتي في الآخرة (مِن لَّدُنْهُ) - أي: من فضلهـ (أَجْرًا عَظِيمًا). وينصره ما رويناه في "صحيح البخاري" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، والسيئة بمثلها"، وفي رواية أخرى: "إلا أن يتجاوز الله عنها"، والعجب من القاضي وصاحب "التقريب" كيف قررا في هذا المقام كلام المصنف ولم ينبه عليه صاحب "الانتصاف". قوله: (وقرئ: "يضعفها" بالتشديد)، ابن كثير وابن عامر، والباقون: بالتخفيف.
[ ٤ / ٥٤٤ ]
وقرأ ابن هرمز: (نضاعفها) بالنون. (فَكَيْفَ) يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم (إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) يشهد عليهم بما فعلوا، وهو نبيهم، كقوله: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ) [المائدة: ١١٧]. (وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ) المكذبين (شَهِيدًا).
وعن ابن مسعود: أنه قرأ سورة النساء على رسول اللَّه ﷺ حتى بلغ قوله: (وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا) فبكى رسول اللَّه ﷺ وقال: «حسبنا».
_________________
(١) ـ قوله: «فَكَيْفَ) يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم؟) يريد أن الإشارة بقوله: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) إلى جميع من بعث إليهم رسول الله ﷺ، فإذًا هذه الآية ناظرة إلى فاتحة السورة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ) [النساء: ١]، وهي كالتخلص إلى قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) [النساء: ٤٣]، كما كان قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ) [النساء: ٢٦] إلى قوله: (أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ٤٠] تخلصًا إلى قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [النساء: ٢٩]. قوله: (وعن ابن مسعود: أنه قرأ سورة الساء)، روينا عن البخاري ومسلم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "اقرأ علي القرآن"، ثم ساق الحديث إلى قوله: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا)، قال: "حسبك الآن"، فالتفت فإذا عيناه تذرفان، وفي رواية مسلم: قال ﷺ: "شهيدًا ما دمت فيهم "أو" كنت فيهم"، وهذا يدل على أن البكاء كان للإشفاق كما قال عيسى ﵇ حين عوتب بقوله: (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [المائدة: ١١٦]: (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) [المائدة: ١١٧]. وروي عن المصنف أن هذا كان بكاء فرح، لا بكاء جزع؛ لأنه تعالى جعل أمته شهداء على سائر الأمم، وقال الشاعر: طفح السرور علي حتى إنه … من فرط ما قد سرني أبكاني
[ ٤ / ٥٤٥ ]
(لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ): لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، وقيل: يودّون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء، وقيل: تصير البهائم ترابًا، فيودّون حالها.
(وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا): ولا يقدرون على كتمانه؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم، وقيل الواو للحال، أي: يودون أن يدفنوا تحت الأرض وأنهم لا يكتمون اللَّه حديثًا. ولا يكذبون في قولهم: (واللَّهِ رَبِنَا مَا كُنَّا مُشركِينَ [الأنعام: ٢٣]؛ لأنهم إذا قالوا
_________________
(١) ـ قوله: (كما تسوى بالموتى). المغرب: وفي الحديث: قدم زيد بشيرًا بفتح بدر حين سوينا على قرية، يعني: دفناها وسوينا تراب القبر، هذا يدل على أن الباء في (تُسَوَّى بِهِمْ) بمعنى "على"، كقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينَارٍ) [آل عمران: ٧٥]، ويجوز أن تكون للسببية، أي: بسبب دفنهم، وعلى القولين الآخرين بمعنى "مع". قوله: (وقيل: الواو للحال) أي: في (وَلا يَكْتُمُونَ)، وهو على الأول عطف على قوله: (لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأَرْضُ)، قال صاحب "المرشد": الوقف على (الأَرْضُ) كاف وليس بحسن؛ لأن قوله: (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) داخل في التمني؛ لأن جوارحهم تنطق بما فعلوه من الشرك وسوء الأفعال، يتمنون أن الأرض لو سويت بهم، وأنهم لا يكتمون الله حديثًا؛ لأن قوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣] كذب كتمان؛ فإذا ظهر عليهم وشهدت جوارحهم ودوا أنهم لم يكذبوا ولم يكتموا الله حديثًا، فإن حمل (وَلَا يَكْتُمُونَ) على الاستئنافـ لأن ما عملوا ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه ولا يكون داخلًا في التمنيـ حسن الوقف. قوله: (ولا يكذبون) وهو عطف على قوله: (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) على سبيل البيان والتفسير؛ لأن المعني بالكتمان هو جحدهم شركهم؛ وذلك أدى إلى أن ختم على أفواههم وتكلمت جوارحهم بتكذيبهم فافتضحوا لذلك، وعنده تمنوا أن تسوى بهم الأرض، وأنهم لم يتفوهوا بالكذب.
[ ٤ / ٥٤٦ ]
ذلك وجحدوا شركهم، ختم اللَّه على أفواههم عند ذلك، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك فلشدة الأمر عليهم يتمنون أن تسوى بهم الأرض: وقرئ: تسوى، بحذف التاء من تتسوى. يقال: سويته فتسوّى نحو: لوّيته فتلوى. وتسوى بإدغام التاء في السين، كقوله: (يَسَّمَّعٌونَ) [الصافات: ٨]، وماضيه أسوى كأزكى.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ (تسوى) بحذف التاء) حمزة والكسائي، وبإدغام التاء: نافع وابن عامر، والباقون: بضم التاء مخففًا. ***
[ ٤ / ٥٤٧ ]
[) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا (].
روي أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا فدعا نفرا من أصحاب
_________________
(١) ـ قوله: (روي أن عبد الرحمن بن عوف)، روينا عن الترمذي وأبي داود، عن عليٌّ ﵁، قال: صنع لنا ابن عوفٍ طعامًا فأكلنا، وسقانا خمرًا قبل أن تحرم فأخذت منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، قال: فخلطت، فنزلت: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنتُمْ سُكَارَى). اعلم أنه تعالى بعد ما أتم بيان أحكام ذوي الأرحام، وأطنب فيه وفيما يتعلق بها؛ أخذ في بيان شرع آخر من الأحكام التي تتعلق بالعبادة، وهي: إما أن تتعلق بالقلوب، أو بالجوارح، والأول: إما أن يختص بالله ﷿، أو بالخلق؛ فالذي يختص بالله هو المراد بقوله: (واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء: ٣٦] والذي يتعلق بالخلق هو المراد بقوله: (وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وبِذِي القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ والْجَارِ) [النساء: ٣٦]، ثم حث على التواضع والجود بذم الكبر والبخل بقوله: (إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) [النساء: ٣٦]، (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) [النساء: ٣٧]، وذم الإنفاق الذي لا يكون لوجه الله، وقرنه بالكفر حيث قال: (والَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ) [النساء: ٣٨]، وبالغ في قلع الرياء وقمع الشرك الخفي حيث ترقى إلى نفي الشرك الجلي بقوله: (ومَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ) [النساء: ٣٩]، ثم حرض على الإخلاص في الإنفاق بقوله: (إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) الآية [النساء: ٤٠]، ثم أتى
[ ٥ / ٥ ]
رسول اللَّه ﷺ حين كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا، فلما ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب قدموا أحدهم ليصلي بهم، فقرأ: أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، فنزلت. فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون. ثم نزل تحريمها.
ومعنى) لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ (لا تغشوها ولا تقوموا إليها، واجتنبوها، كقوله: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى) [الإسراء: ٣٢]، (لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ) [الأنعام: ١٥١]. وقيل معناه: ولا تقربوا مواضعها وهي المساجد، لقوله ﵊: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم) وقيل: هو سكر النعاس وغلبة النوم، كقوله:
وَرَانُوا … بِسُكْرِ سِنَاتِهِمْ كُلَّ الرُّيُونِ
_________________
(١) من الأعمال ما يتعلق بالجوارح وخص بالصلاة التي هي أعظمها، وقدم ذكر ما هو متوقفٌ عليه من رفع الجنابة والحدث بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ). قوله: (ثملوا)، الجوهري: ثَمِلَ الرجل- بالكسر- ثَمَلًا: إذا أخذ فيه الشراب، فهو ثَمِلٌ، أي: نشوان. قوله: (كل الريون)، الرين والغين: ما يركب القلب، ران الرجل بالشراب وران الشراب بالرجل: إذا جعله راينًا، أي: ثقيلًا، والسنات: جمع سنة، وهي مقدمة النوم. قوله: «رانوا» من المصراع الأول، و«بسكر» من المصراع الثاني، ووجد في «ديوان الطرماح» ممن قصيدته: وركب قد بعثت إلى ردايا … طلائح مثل أخلاق الجفون مخافة أن يرين النوم فيهم … بسكر سناتهم كل الريون الردية: الناقة المهزولة. طلائح: جمع طليحة، وهي ناقةٌ جهدها السير وهزلها.
[ ٥ / ٦ ]
وقرئ: (سكارى) بفتح السين. (وسكرى) على أن يكون جمعًا، نحو: هلكى وجوعى، لأن السكر علة تلحق العقل. أو مفردًا بمعنى: وأنتم جماعةٌ سكرى، كقولك: امرأة سكرى وسكرى بضم السين كحبلى على أن تكون صفة للجماعة. وحكى جناح بن حبيش: كسلى وكسلى بالفتح والضم. (وَلا جُنُبًا): عطفٌ على قوله: (وَأَنْتُمْ سُكارى)؛ لأن محل الجملة مع الواو النصب على الحال، كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبًا، والجنب: يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث؛ لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب. (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ): استثناء من عامة أحوال المخاطبين، وانتصابه على الحال. فإن قلت: كيف جمع بين هذه
_________________
(١) ـ قوله: (لأن السكر علة)، أي: باب فعلٍ للعلل والأمراض. قوله: (كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبًا)، فإن قلت: ما فائدة المخالفة بين الحالين؟ قلت- والعلم عند الله-: فائدتها: الإشعار بأن قربان الصلاة مع السكر منافٍ لحال المسلمين، ومن يناجي الحضرة الصمدانية، دل عليه الخطاب ب «أنتم»؛ ولهذا قرنه بقوله: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)، والمجنبون لا يعدمون إحضار القلب؛ ومن ثم رخص لهم بالأعذار. قوله: (والجنب يستوي) إلى آخره. من هذا يعلم أن كل اسمٍ يقع موقع المصدر يجري فيه ما ذكر، ولا تختص به المصادر، كرجلٍ عدلٍ وامرأةٍ عدل؛ ولهذا وصف الجنب بالجمع في قوله: «بالجنب الذين لم يغتسلوا»، قال أبو البقاء:: والجنب يفرد مع التثنية، والجمع في اللغة الفصحى يذهب به مذهب الوصف بالمصادر، ومنه من يجمعه ويثنيه. قوله: (من عامة أحوال المخاطبين)، أراد بالمخاطبين: المجنبين، ولهم أحوالٌ جمةٌ ما عدا حال السفر، فنهوا عن قربا الصلاة إلا في حال السفر، يعني: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنبٌ على تقديرٍ من التقادير، وفي حالٍ من الأحوال إلا في حال السفر.
[ ٥ / ٧ ]
الحال والحال التي قبلها؟ قلت: كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة، إلا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها، وهي حال السفر، وعبور السبيل عبارة عنه. ويجوز أن لا يكون حالًا، ولكن صفة لقوله: (جُنُبًا)، أي: ولا تقربوا الصلاة جنبًا غير عابري سبيل، أي: جنبًا مقيمين غير معذورين. فإن قلت: كيف تصح صلاتهم على الجنابة لعذر السفر؟ قلت: أريد بالجنب: الذين لم يغتسلوا كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة غير
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن لا يكون حالًا ولكن صفة) و«إلا» - على الصفة- بمعنى «غير»، والفرق بين أن يكون حالًا وبين أن يكون صفةً هو أنه- على الحال- يفيد أنه لا يجوز قربان الصلاة في حال الجنابة قط؛ إلا أن يكون مسافرًا؛ فدل الحصر على أن العذر غير متعدد، ثم مجيء قوله: (وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) يبطل معنى الحصر، بخلافه إذا جعل صفة، ويكون المعنى: لا تقربوا الصلاة جنبًا مقيمين، فيحسن: (وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ)؛ لجواز ترادف القيد. قال صاحب «المفتاح»: إذا قلت: زيدٌ المنطلق، أو: المنطلق زيدٌ؛ لزم ألا يكون غير زيدٍ منطلقًا؛ ولذلك ينهى أن يقال: زيدٌ المنطلق وعمرو، بالواو، ولا ينهى: زيدٌ المنطلق لا عمرو. قوله: (كيف تصح صلاتهم على الجنابة لعذر السفر؟) هذا السؤال واردٌ على مفهوم قوله: «لا تقربوا الصلاة جنبًا مقيمين غير معذورين»؛ لأن ضمير «صلاتهم» راجعٌ إليهم؛ فدل مفهوم الوصف على جواز قربان الصلاة للجنب عند طرآن السفر، وأجاب: أن ليس المراد بالجنب كل من أجنب، بل أريد: الجنب المقيم الواجد للماء؛ لقرينة (حَتَّى تَغْتَسِلُوا)، ولذلك قدر: «غير مغتسلين حتى تغتسلوا». المعنى: لا تقربوا الصلاة مع هذا القيد حتى تغتسلوا، إلا أن تكونوا مسافرين، فإن الحكم حينئذٍ غير ما ذكر، وهو جواز قربان الصلاة مع كونه جنبًا فاقدًا للماء.
[ ٥ / ٨ ]
مغتسلين حتى تغتسلوا، إلا أن تكونوا مسافرين. وقال: من فسر الصلاة بالمسجد: معناه: لا تقربوا المسجد جنبًا إلا مجتازين فيه، إذا كان الطريق فيه إلى الماء، أو كان الماء فيه أو احتلمتم فيه. وقيل إن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فتصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرّا إلا في المسجد فرخص لهم. وروي أن رسول اللَّه ﷺ لم يأذن لأحد أن يجلس في المسجد أو يمرّ فيه وهو جنب إلا لعلي ﵁، لأن بيته كان في المسجد. فإن قلت: أدخل في حكم الشرط أربعة؛ وهم: المرضى، والمسافرون، والمحدثون، وأهل الجنابة فبمن تعلق الجزاء الذي هو الأمر بالتيمم عند عدم الماء منهم؟ قلت: الظاهر أنه تعلق بهم جميعًا، وأنّ المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه؛ فلهم أن يتيمموا، وكذلك السفر إذا عدموه لبعده، والمحدثون وأهل الجنابة كذلك إذا لم يجدوه لبعض الأسباب. وقال الزجاج: الصعيد: وجه الأرض ترابا كان أو غيره، وإن كان صخرًا لا تراب عليه؛ لو ضرب
_________________
(١) ـ قوله: (إذا كان الطريق فيه إلى الماء). هذا مذهب أبي حنيفة ﵀، وجوز الشافعي ﵀ للجنب عبور المسجد مطلقًا. قوله: (أو يمر به وهو جنبٌ لعلي ﵁). روينا عن الترمذي، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «يا علي، لا يحل لأحدٍ يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك»، وقال علي بن المنذر: قلت لضرار بن صرد: ما معنى الحديث؟ قال: لا يحل لأحدٍ يستطرقه جنيًا غيري وغيرك. قوله: (الصعيد: وجه الأرض). قال الزجاج: قال الله تعالى: (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) [الكهف: ١٠٧]، أعلم الله أن الصعيد يكون زلقًا، والصعدات: الطرقات، وإنما سمي
[ ٥ / ٩ ]
المتيمم يده عليه ومسح، لكان ذلك طهوره، وهو مذهب أبى حنيفة رحمة اللَّه عليه. فإن قلت: فما يصنع بقوله تعالى في سورة المائدة: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) [المائدة: ٦] أي: بعضه، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه؟ قلت. قالوا: إنّ «من» لابتداء الغاية. فإن قلت: قولهم إنها لابتداء الغاية قول متعسف، ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب إلا معنى التبعيض، قلت: هو كما تقول. والإذعان للحق أحق من المراء.
_________________
(١) ـ صعيدًا لأنها نهاية ما يصعد عليه من باطن الأرض، ولا أعلم بين أهل اللغة اختلافًا في أن الصعيد: وجه الأرض. واستدل الشافعي بأن التركيب يدل على الارتفاع والعلو، ولا يكون الارتفاع إلا من الغبار. قوله: (من المراء) المراء: المجادلة، وأصل استعماله في الشك، وقد أنصف المصنف من نفسه في هذه المسألة وهو حنفي! الانتصاف: ويحتمل أن تعود الهاء في (مِنْهُ) على الحدث المذكور، كما تقول: تيممت من الجنابة؛ وهي إما للتعليل، أو لابتداء الغاية. قلت: يبعد أن يترك اللفظ الصريح القريب ويعتبر البعيد المتأول، على أن قوله: (فَتَيَمَّمُوا) متسببٌ عن كونهم محدثين؛ لأنه جواب الشرط فلا يحتاج إلى تعليلٍ آخر، وعليه قول أبي العلاء: سطوت ففي وظيف الصعب قيدٌ … بذاك وفي وتيرته عران إذا جعل المشار إليه الاستعصاء لا السطو؛ لئلا يلزم التكرار في التعليل.
[ ٥ / ١٠ ]
(إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا): كناية عن الترخيص والتيسير، لأنّ من كانت عادته أن يعفو عن الخطائين ويغفر لهم آثر أن يكون ميسرًا غير معسر. فإن قلت: كيف نظم في سلكٍ واحدٍ
_________________
(١) ـ الوظيف: مستدق الذراع، والصعب: نقيض الذلول، والوتيرة: حجاب ما بين المنخرين، والعران: العود الذي يجعل في وتيرة أنف البختي. قوله: (كنايةٌ عن الترخيص والتيسير) يريد أن قوله: (إنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًا غَفُورًا) كالتعليل بقوله: (وإن كُنتُم مَّرْضَى) إلى آخره، والعفو والغفران يستدعيان سبق جرم، وليس في ذلك الإعذار ما يشم منه رائحته؛ فلا يصح إجراؤه على ظاهره، فوجب العدول إلى الترخيص والتيسير، ويؤيده مجيء قوله: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ولَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦] في مثل هذه الآية في المائدة، وفي تخصيص الوصفين إدماجٌ لشدة لإيجاب الطهارة في الصلاة، وأن أصل الأمر أن لا يؤتى بها إلا بالطهارة الكاملة؛ لأنها مثولٌ بين يدي جبار السماوات والأرض، وأن الترخيص بالطهارة بالتراب بابٌ من العفو والغفران، وإذا كان حال الطهارة الظاهرة إلى هذه المثابة، فما بال الطهارة الباطنة! ثم في مثل هذا التشديد في مقدمات الصلاة إيذانٌ بعلو منزلتها ورفعة مرتبتها، وكيف لا وهي أعظم العبادات التي ما خلقت الكائنات إلا لها! ومن ثم فصلت آية المائدة بقوله: (ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: ٦] والله أعلم. قوله: (كيف نظم في سلكٍ واحد؟) أي: هذه المذكورات الأربعة أسبابٌ لأشياء مختلفة، فكيف جمعها بحرف النسق والجهة الجامعة مفقودة؟ وخلاصة الجواب: أن المسببات وإن اختلفت لكن جمعها حكمٌ واحد، وهو الرخصة في التيمم؛ لأن الخطاب بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) لجميع الأمة الذين وجب عليهم التطهر، وأعوزهم الماء لأعذار جمةٍ من المرض، والسفر، والخوف من العدو السبع، والحبس، وعدم آلة الاستقاء، وغير ذلك مما يدخل تحت هذا المعنى، وأقدمها في استحقاق الرخصة وأغلبها وقوعًا: السفر والمرض،
[ ٥ / ١١ ]
_________________
(١) ـ [فخصهما] بالذكر أولًا بقوله: (وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ)، ثم عطف عليهما قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) على إرادة أنهما مشتملان على سائر ما يدخل تحت العذر على طريقة قوله: (ولَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي والْقُرْآنَ العَظِيمَ) [الحجر: ٨٧] عطف القرآن- وهو مجموع التنزيل- على قوله: (سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي) وهو الفاتحة؛ ليؤذن بتقدمها على مزيد شرفها؛ فعلى هذا (أَوْ) في قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم) غير التي في قوله: (أَوْ عَلَى سَفَرٍ)، لأنها عطفت على مجموع جنسٍ واحد، وهو على كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء على نوعيه، قال القاضي: ووجه هذا التقسيم أن المترخص بالتيمم إما محدثٌ أو جنب، والحال المقتضية في غالب الأمر مرضٌ أو سفر، والجنب لما سبق ذكره اقتصر على بيان حاله، والمحدث لما لم يجر ذكره ذكر من أسبابه ما يحدث بالذات وما يحدث بالعرض، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب وبيان العذر مجملًا؛ كأنه قيل: وإن كنتم جنبًا: مرضى أو على سفر، أو محدثين جئتم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً. وقلت: هذا التفسير متفرعٌ على مذهب الشافعي ﵁؛ لأن الملامسة على هذا بمعنى المس لا الجماع. روى مالكٌ عن ابن عمر، أنه كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء. وعنه أيضًا، عن ابن مسعودٍ أنه كان يقول: من قبلة الرجل امرأته الوضوء. وبيان ذلك أن قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) عطفٌ من حيث المعنى على قوله: (جُنُبًا)، فلما ذكر المقتضي للترخص في المعطوف عليه- أعني المرض والسفر- استغنى عن ذكره في المعطوف؛ فحينئذٍ التقدير: لا تقربوا الصلاة وأنتم
[ ٥ / ١٢ ]
بين المرضى والمسافرين، وبين المحدثين والمجنبين، والمرض والسفر سببان من أسباب الرخصة، والحدث سبب لوجوب الوضوء، والجنابة سبب لوجوب الغسل؟ قلت: أراد سبحانه أن يرخص للذين وجب عليهم التطهر وهم عادمون للماء في التيمم بالتراب، فخص أوّلًا من بينهم مرضاهم وسفرهم؛ لأنهم المتقدّمون في استحقاق بيان الرخصة لهم بكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة، ثم عم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء؛ لخوف عدو أو سبع أو عدم آلة استقاء أو إرهاق في مكان لا ماء فيه وغير ذلك بما لا يكثر كثرة المرض والسفر. وقرئ: من غيط، قيل هو تخفيف غيط، كهين في هين. والغيط بمعنى الغائط.
[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ* وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا)].
_________________
(١) ـ سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنبًا حتى تغتسلوا، ولا محدثين من الغائط أو اللمس حتى تتوضؤوا وإن كنتم مرضى أو على سفر، سواءٌ كنتم مجنبين أو محدثين فلم تجدوا ماءً فتيمموا، هذا أبعد من التعسف وأقرب إلى حسن النظم؛ لأن المقصود من الآية بيان النهي عن قربان الصلاة للموانع الثلاثة؛ أعني: السكر والجنابة والحدث، وبيان الترخص في المانعين الأخيرين عند طرآن العذر، ولا يلزم أيضًا التكرير في حكم المجنبين. قوله: (أو إرهاق) الجوهري: يقال: أرهقني فلانٌ إثمًا حتى رهقته، أي: حملني إثمًا حتى حملته له. قوله: (وقرئ: من غيط) قال أبو البقاء: وهي قراءة ابن مسعود، وفيه وجهان، أحدهما: هو مصدر يغوط، وكان القياس غوطًا فقلبت الواو ياءً وأسكنت وانفتح ما قبلها لخفتها، وثانيهما: أنه أراد الغيط فخفف، مثل: سيد وميت، والجمهور: الغائط، على فاعل، والفعل منه: غاط المكان يغوط: إذا اطمأن.
[ ٥ / ١٣ ]
(أَلَمْ تَرَ) من رؤية القلب، وعدى بـ (إلى) على معنى: ألم ينته علمك إليهم؟ أو بمعنى: ألم تنظر إليهم؟ (أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ) حظًا من علم التوراة، وهم أحبار اليهود (يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ): يستبدلونها بالهدى، وهو البقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوّة رسول اللَّه ﷺ، وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل. (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا) أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، وتنخرطوا في سلكهم لا تكفيهم ضلالتهم بل يحبون أن يضل معهم غيرهم. وقرئ: (أن يضلوا) بالياء؛ بفتح الضاد وكسرها.
(وَاللَّهُ أَعْلَمُ) منكم (بِأَعْدائِكُمْ) وقد أخبركم بعداوة هؤلاء وأطلعكم على أحوالهم وما يريدون بكم فاحذروهم، ولا تستنصحوهم في أموركم، ولا تستشيروهم (وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا) فثقوا بولايته ونصرته دونهم، ولا تبالوا بهم فإن اللَّه ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم.
[(مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ
_________________
(١) ـ قوله: (على معنى: ألم ينته علمك إليهم؟)، وذلك أن فعل القلوب يتعدى بنفسه إلى مفعولين، وحيثما تعدى- «إلى» وجب أن يجعل بمعنى النظر، أو يضمن معنى الانتهاء. قال الزجاج: (أَلَمْ تَرَ) بمعنى: ألم تخبر؟ وقال أهل اللغة: ألم تعلم؟: ألم ينته علمك إلى هؤلاء، ومعناه: اعرفهم. قوله: (ويُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا): السبعة، و«(أن يضلوا» بالياء؛ بفتح الضاد وكسرها): شاذ، وهو من قولهم: ضللت الدار والمسجد: إذا لم تعرف موضعها. قوله: (ولا تستنصحوهم) أي: لا تقبلوا نصيحتهم.
[ ٥ / ١٤ ]
غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا)].
(مِنَ الَّذِينَ هادُوا): بيان لـ (لذين أوتوا نصيبًا من الكتاب)؛ لأنهم يهود ونصارى، وقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ)، وقوله: (وَكَفى بِاللَّهِ)، (وَكَفى بِاللَّهِ): جُمل توسطت بين البيان والمبين على سبيل الاعتراض؛ أو بيان لـ"أعدائكم"، وما بينهما اعتراض أو صلة لـ (نصيرًا) [النساء: ٤٥]، أي: ينصركم من الذين هادوا، كقوله: (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ
_________________
(١) ـ قوله: (لأنهم يهودٌ ونصارى) يهودٌ صح بالتنوين، وإن كان فيه علميةٌ وتأنيث؛ لأنه أريد التنكير، وفي نسخةٍ بغير تنوين، قال المصنف: من الأسماء ما يتعاقب عليه التعريفان: التعريف باللام وبالعلمية، كاليهود والمجوس. قوله: (أو بيان ل «أعدائكم» وما بينهما اعتراض) بيانه: أن قوله تعالى: (واللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) [النساء: ٤٥] بعد قوله: (الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الكِتَابِ) [النساء: ٤٤] المشتمل على الفريقين: اليهود والنصارى، مشعرٌ بتهديدٍ عظيم، ووعيدٍ شديدٍ لبعضٍ منهم على سبيل الإبهام، فبين بقوله: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) ذلك البعض المبهم، والآية تنظر إلى معنى قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى) [المائدة: ٨٢]. وعلل العداوة على طريقة الاستئناف بقوله: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ) [المائدة: ١٣]، كأن سائلًا سأل: لم تفردت اليهود بعداوة النبي ﷺ دون النصارى؟ فقيل: لأنهم حرفوا اسمه ووصفه من التوراة وكتموا الحق وأخذوا على ذلك الرشى وأظهروا المسبة بقولهم: (رَاعِنَا) [البقرة: ١٠٤] إخفاءٍ لأمره، وحطا لمنزلته، ولما كان الكلام فيه تسليةٍ لرسول الله ﷺ، ووعدٌ على نصرته وقهر أعدائه؛ كان قوله: (وكَفَى بِاللَّهِ ولِيًا وكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) [النساء: ٤٥] اعتراضًا ومؤكدًا له، وفي تكرير الاعتراض دلالةٌ على الانتقام الشديد والتسلية التامة. قال الزجاج: (واللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ)، أي: هو أعرف بهم فيعلمكم ما هم عليه.
[ ٥ / ١٥ ]
الَّذِينَ كَذَّبُوا) [الأنبياء: ٧٧]، ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ، على أن (يُحَرِّفُونَ) صفة مبتدأ محذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون. كقوله:
وَمَا الدَّهْرُ إلّا تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا … أَمُوتُ وَأُخْرَى أَبْتَغِى الْعَيْشَ أَكْدَحُ
_________________
(١) ـ قوله: (وكَفَى بِاللَّهِ ولِيًا وكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) أعلمهم الله تعالى أن عداوة اليهود وغيرهم من الكفار لا تضرهم شيئًا؛ إذ ضمن لهم النصرة والولاية، وظهر بهذا التقدير ضعف قول صاحب «الانتصاف»: إن المراد بتحريف الكلم ها هنا مثل قولهم: (غَيْرَ مُسْمَعٍ ورَاعِنَا)، ولم يقصد ها هنا تبديل الأحكام لقوله تعالى: (لَيًا بِأَلْسِنَتِهِمْ)، وأما في المائدة فالظاهر أن المراد الأحكام وتبديلها كالرجم؛ لقوله عقبه: (إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ) [المائدة: ٤١]، فظهر مناسبة (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) [المائدة: ٤١] في المائدة؛ لأنهم نقلوا الحكم عن موضعه الذي وضعه الله تعالى فيه، واستقر فيه؛ فصار بنقله كالغريب، ولا يوجد مثله في تحريف الكلم إلا على بعد، ولولا اشتمال لفظهم على السخرية لما عظم أمره. وقلت: والعجب أنه كيف ذهل عن قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) [النساء: ٤٤] وهل الاشتراء والإضلال إلا في التبديل والتحريف وأخذ الرشى عليه؟ وكذا عطف (يَقُولُونَ) على (يُحَرِّفُونَ) يقتضي المغايرة. قوله: «ونَصَرْنَاهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا»، قال المصنف: «هو النصر الذي مطاوعه: انتصر». الأساس: نصره الله على عدوه ومن عدوه، وانتصرت منه، ويجوز أن يكون مضمنًا معنى انتقم. الجوهري: نصره الله على عدوه ينصره نصرًا، وانتصر منه: انتقم. قوله: (وما الدهر إلا تارتان) البيت، الكدح: العمل والسعي والكسب، أي: الدهر قسمان: قسمٌ يموت فيه الشخص، وقسم يعيش فيه ولكن في تعب؛ يريد أنه لا راحة فيه.
[ ٥ / ١٦ ]
أي: فمنهما تارة أموت فيها. (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ): يميلونه عنها ويزيلونه؛ لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما غيره، فقد أمالوه عن مواضعه التي
_________________
(١) ـ قوله: «يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ): يميلونها عنها). الراغب: حرف الشيء: طرفه، وحروف الهجاء: أطراف الكلمة، وانحرف عن كذا وتحرف واحترف، والاحتراف: طلب حرفةٍ للمكتسب، والحرفة: الحالة التي يلزمها في ذلك نحو القعدة والجلسة، وتحريف الشيء: إمالته كتحريف القلم، وتحريف الكلام: أن تجعله على حرفٍ من الاحتمال، يمكن حمله على الوجهين، قال تعالى: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ). قوله: (لأنهم إذا بدلوه) تعليلٌ لتأويل (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) بقوله: «يزيلونه»؛ لأن حقيقته يحرفونه ويميلونه. المغرب: الحرف: الطرف، ومنه الانحراف والتحرف: الميل إلى الحرف، وفي التنزيل: (مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ) [الأنفال: ١٦]، أي: مائلًا له وأن يصير بحرفٍ لأجله، وهو من مكائد الحرب. ف (يُحَرِّفُونَ) إذا كان بمعنى «يزيلون» كان كناية؛ لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما غيره لزم أنهم أمالوه عن مواضعه وحرفوه. واختلاف التفسيرين بحسب اختلاف القول في فعل اليهود بتغيير التوراة. قال الإمام: وفي كيفية التحريف وجوه: الأول: أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظٍ آخر، نحو تحريفهم «أسمر ربعة» عن موضعه ووضع «آدم طوالٌ» موضعه، ونظيره قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ) [البقرة: ٧٩]، فإن قيل: كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر؟ قلنا: لعل القوم كانوا قليلين وكذا العلماء فتواطؤوا على التبديل. الثاني: أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة، وجر اللفظ من
[ ٥ / ١٧ ]
وضعها اللَّه فيها، وأزالوه عنها. وذلك نحو تحريفهم «أسمر ربعة» عن موضعه في التوراة بوضعهم: «آدم طوال» مكانه، ونحو تحريفهم: «الرجم» بوضعهم «الحدّ» بدله. فإن قلت: كيف قيل هاهنا (عَنْ مَواضِعِهِ) وفي المائدة: (مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ) [المائدة: ٤١]؟ قلت: أمّا (عَنْ مَواضِعِهِ) فعلى ما فسرناه من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة اللَّه وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه. وأمّا (مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ) فالمعنى: أنه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين
_________________
(١) ـ معناه الحق إلى باطلٍ بوجوه الحيل اللفظية؛ كما تفعله المبتدعة في زماننا. الثالث: أنهم كانوا يحرفون كلام رسول الله ﷺ. وقلت: يؤيد الأول ما روينا في «صحيح البخاري» عن عبد الله بن عباس، قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيءٍ وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث تقرؤونه محضًا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله، لشتروا به ثمنًا قليلًا! قوله: (طوال) الطوال بالضم: الطويل، يقال: طويلٌ وطوال، يعني به رسول الله ﷺ، قال محيي السنة: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ)، (مَّوَاضِعِهِ) يعني: صفة محمدٍ صلوات الله عليه. وفي قوله: «أسمر ربعةٌ» نظرٌ؛ لأنه كان ربعةً من القوم، أبيض مشربًا بحمرة، رواه الترمذي عن إبراهيم بن محمدٍ من ولد علي. قوله: (هو قمنٌ) بالتحريك والكسر، أي: خليق. الجوهري: يقال: أنت قمنٌ أن تفعل كذا بالتحريك، أي: خليقٌ وجدير، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث.
[ ٥ / ١٨ ]
حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقارّه، والمعنيان متقاربان. وقرئ: "يحرّفون الكلام" والكلم - بكسر الكاف وسكون اللام-: جمع كلمة؛ تخفيف كلمة. قولهم: (غَيْرَ مُسْمَعٍ) حال من المخاطب، أي: اسمع وأنت غير مسمع، وهو قول ذو وجهين، يحتمل الذمّ، أي: اسمع منا مدعوا عليك بـ: لا سمعت؛
_________________
(١) ـ قوله: (والمعنيان متقاربان) وذلك أن «عن» للمجاوزة و«بعد» نقيض قبل، والمجاوزة عن الشيء مسبوقٌ باستقباله والوصول إليه بعد أن يكون [ذلك] الشيء قارًّا في مكانه. ومعنى قوله: (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) [المائدة: ٤١]: من بعد أن كان قارًّا في موضعه ثابتًا فيه لا ينبغي أن يزال عنه. نعم، الثاني أبلغ؛ لأن اقتضاء الاستقرار فيه من مقتضى ذلك الشيء، ولهذا قال: «هو قمنٌ بأن يكون فيها»، وفي الأول: من أمرٍ خارجيٍّ وهو المراد بقوله: «أوجبت حكمة الله وضعه فيها». قوله: (تخفيف كلمة). قال المصنف: كما يقال: اللبن في جمع اللبنة تخفيف اللبنة. قوله: (وهو قولٌ ذو وجهين) وهو المسمى في البديع بالتوجيه، وهو: إيراد كلامٍ محتملٍ لوجهين مختلفين الذم والمدح. الراغب: السمع: قوةٌ في الأذن بها تدرك الأصوات، وفعله يقال له: السمع أيضًا، وقد سمع سمعًا، ويعتبر تارةً بالسمع عن الأذن، قال تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) [البقرة: ٧]، وتارةً عن الطاعة؛ تقول: اسمع ما أقول لك، و: لم تسمع ما قلت، أي: لم تفهم، وقوله: (سَمِعْنَا وعَصَيْنَا) [النساء: ٤٦] أي: فهمنا ولم نأتمر بك، وقوله: (واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) [النساء: ٤٦] إما دعاءٌ للإنسان أو دعاءٌ عليه، فالأول نحو: أسمعك الله، أي: لا جعلك الله أصم، والثاني نحو: أسمعت فلانًا، إذا سببته، وروي أن أهل الكتاب كانوا يقولون للنبي ﷺ ذلك، ويوهمون أنهم يدعون له وهم يدعون عليه بذلك.
[ ٥ / ١٩ ]
لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع، فكان أصم غير مسمع، قالوا ذلك اتكالًا على أنّ قولهم: لا سمعت، دعوة مستجابة؛ أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، ومعناه: غير مسمعٍ جوابًا يوافقك، فكأنك لم تسمع شيئًا؛ أو اسمع غير مسمعٍ كلامًا ترضاه، فسمعك عنه نابٍ. ويجوز على هذا أن يكون (غَيْرَ مُسْمَعٍ) مفعول "اسمع"، أي: اسمع كلامًا غير مسمع إياك؛ لأن أذنك لا تعيه نبوًّا عنه. ويحتمل المدح، أي: اسمع غير مسمع مكروهًا، من قولك: أسمع فلان فلانًا: إذا سبه. وكذلك قولهم (راعِنا) يحتمل: راعنا نكلمك، أي: ارقبنا وانتظرنا. ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانيةٍ كانوا يتسابون بها، وهي: راعينا، فكانوا سخرية بالدين، وهزؤا برسول اللَّه ﷺ يكلمونه بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والإهانة، ويظهرون به التوقير والإكرام.
_________________
(١) ـ قوله: (لأنه لو أجيبت) تعليل قوله: «يحتمل الذم» أي: (غَيْرَ مُسْمَعٍ) يحتمل الذم؛ لأنه لو أجيبت دعوتهم لكان أصم، فعلى هذا (غَيْرَ مُسْمَعٍ) يجري مجرى اللازم واردٌ على الدعاء، ولهذا لم يقدر له معمولًا كما قدره في الوجوه الآتية. قوله: (ويجوز على هذا) أي: على أن يكون المعنى: اسمع غير مسمع كلامًا ترضاه لجامع نبو السمع عن المسموع. واعلم أن قوله: (غَيْرَ مُسْمَعٍ) إما حالٌ من فاعل «اسمع»، أو مفعولٌ به؛ وعلى الأول: إما هو من حذف المتعلق للتعميم، أو مُجَرى مجرى اللازم، وهو المراد من قوله: «وأنت غير مسمع» أو يقدر له معمولٌ إما جوابًا أو كلامًا. ولما كان هذا المعنى الأخير موافقًا لتقدير المفعول به قرنه به. قوله: (يحتمل: راعنا نكلمك) إلى آخره، جملةٌ مستأنفةٌ على سبيل البيان لوجه التشبيه، أي: قولهم هذا أيضًا قولٌ ذو وجهين يحتمل إذا أريد (رَاعِنَا) نكلمك، والذم إذا كانت شبه كلمةٍ عبرانية. قوله: (فكانوا سخريةً) مسببٌ عن قوله، وهو قوله: (قولٌ ذو وجهين»، يعني: إذا كان هذا القول ذا وجهين فهم أهل سخرية، أو كانوا يكلمونه سخريةً واستهزاءً.
[ ٥ / ٢٠ ]
(لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ): فتلا بها وتحريفًا، أي: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل، حيث يضعون (راعِنا) موضع (انْظُرْنا)، و(غَيْرَ مُسْمَعٍ) موضع: لا أسمعت مكروها. أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقًا. فإن قلت: كيف جاؤوا بالقول المحتمل ذى الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا: (سمعنا وعصينا)؟ قلت: جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان. ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء، ويجوز أن يقولوه فيما بينهم، ويجوز أن لا ينطقوا بذلك، ولكنهم لما لم يؤمنوا جعلوا كأنهم نطقوا به. وقرأ أبيّ: (وأنظرنا)، من الإنظار وهو الإمهال. فان قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: (لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ)؟ قلت إلى (أَنَّهُمْ قالُوا)؛ لأن المعنى: ولو ثبت قولهم: (سمعنا وأطعنا) لكان قولهم ذلك (خيرًا لهم وَأَقْوَمَ) وأعدل وأسدّ، (وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) أي: خذلهم بسبب كفرهم، وأبعدهم عن ألطافه، (فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا) إيمانًا (قَلِيلًا)، أي: ضعيفًا ركيكًا لا يعبأ به، وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره، أو أراد بالقلة العدم، كقوله:
_________________
(١) ـ قوله: (أي: يفتلون بألسنتهم) إشارةً إلى أن (لَيًا) حالٌ من فاعل (يَقُولُونَ)، قال أبو البقاء والكواشي: (لَيًا بِأَلْسِنَتِهِمْ) مفعولٌ له، أو مصدرٌ في موضع الحال، أي: لاوين ألسنتهم استهزاءً وكذلك (وطَعْنًا)، والأصل في «ليّ»: لوي؛ فقلبت الواو ياءً وأدغمت. قوله: (ويجوز أن يقولوه) أي: سمعنا وعصينا. قوله: (لأن المعنى: ولو ثبت قولهم) يريد أنه ثبت في النحو أن الواقعة بعد «لو» في تأويل الفاعل للفعل المقدر؛ لأن «لو» لابد أن يليها الفعل. قال القاضي: وإنما يجب حذف الفعل بعد «لو» في مثل ذلك لدلالة «أن» عليه ووقوعه موقعه.
[ ٥ / ٢١ ]
قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ
أى عديم التشكي، أو (إلا قليلًا) منهم قد آمنوا.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا)].
(أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا) أي: نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم (فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) فنجعلها على هيئة أدبارها، وهي الأقفاء مطموسة مثلها. والفاء للتسبيب، وإن جعلتها للتعقيب على أنهم توعدوا بعقابين أحدهما عقيب الآخر، ردها على أدبارها بعد طمسها؛ فالمعنى: أن نطمس وجوها فننكسها، الوجوه
_________________
(١) ـ قوله: (قليل التشكي للمهم يصيبه). تمامه: كثير الهوى شتى النوى والمسالك أي: هو كثير الهم مختلف الوجوه والطرق لا يقف أمله على فنٍّ واحد؛ بل يتجاوز إلى فنونٍ مختلفةٍ، صبورٌ على النوائب، لا يكاد يشتكي منها، واستعمل لفظ القليل وقصد به إلى نفي الكل، والمعنى على هذا: ليس لهم إيمانٌ إلا إيمانًا يدل على أن لا إيمان لهم ألبتة، كقوله تعالى: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إلاَّ المَوْتَةَ الأُولَى) [الدخان: ٥٦]. قوله: (أو (إلاَّ قَلِيلًا) منهم قد آمنوا) فعلى الأول (إلاَّ قَلِيلًا) مستثنىً من مصدر (يُؤْمِنُونَ)، وعلى هذا «من» فاعله. قوله: (والفاء للتسبيب) فيكون إرادة الطمس سببًا لردها على أدبارها، أي: أردنا أن نردها إلى أدبارها ففعلنا، فلا يكون الرد غير الطمس؛ ولهذا قال: «فنجعلها على هيئة أدبارها». قوله: (فالمعنى: أن نطمس وجوهًا) جزاءٌ لقوله: «وإن جعلتها للتعقيب».
[ ٥ / ٢٢ ]
إلى خلف، والأقفاء إلى قدّام؛ ووجه آخر وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة؛ وبالوجوه رؤوسهم ووجهاؤهم، أي: من قبل أن نغير أحوال وجهائهم، فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم، ونكسوهم صغارهم وإدبارهم، أو نردهم إلى حيث جاءوا منه، وهي: أذرعات الشام، يريد: إجلاء بنى النضير.
فإن قلت: لمن الراجع في قوله: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ) قلت: للوجوه؛ إن أريد الوجهاء، أو لأصحاب الوجوه؛ لأن المعنى: من قبل أن نطمس وجوه قوم أو يرجع إلى (الَّذِين َأُوتُوا الْكِتابَ) على طريقة الالتفات. (أَوْ نَلْعَنَهُمْ): أو نجزيهم بالمسخ كما مسخنا
_________________
(١) ـ قوله: (ووجهٌ آخر) عطفٌ على قوله: «أي: نمحو تخطيط صورها»، يريد أن الطمس مشتركٌ بين محو الأثر وقلب الحقيقة. الأساس: طمس الأثر وانطمس، وطمسته الريح، وطمس على أموال آل فرعون، ذكره في قسم الحقيقة. والمعنى الثاني: لما لم يكن ظاهرًا في الوجوه جعلها عبارةً عن الوجهاء، وفسر الطمس بتغيير أحوالهم وقلب العز إلى ذل؛ لذلك قال: «فنسلبهم إقبالهم ونكسوهم صغارهم». قوله: (أو نردهم) عطفٌ على قوله: «فنسلبهم»، والفاء في «فنسلبهم» للتسبيب لا غير كما سبق؛ لأن معنى سلب إقبالهم ومعنى تغيير حال وجهائهم واحد، والفاء في «نردهم» المقدر قيل: يحتمل التعقيب أيضًا، على معنى أن يكون الإجلاء بعد تغيير أحوالهم، فيكون عقابًا غب عقاب، والتسبب أظهر لقوله بعده: «فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام». قوله: (وجوه قوم) فعلى هذا التنوين في قوله تعالى: (وجُوهًا) عوضٌ من المضاف إليه، وعلى الأول: للتفخيم؛ ولهذا قال: «وجهائهم». قوله: (على طريقة الالتفات) أراد الالتفات من الخطاب المستفاد من البدء في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ) إلى الغيبة في قوله: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ).
[ ٥ / ٢٣ ]
أصحاب السبت. فإن قلت: فأين وقوع الوعيد؟ قلت: هو مشروط بالإيمان، وقد آمن منهم ناس، وقيل: هو منتظر، ولا بدّ من طمسٍ ومسخٍ لليهود قبل يوم القيامة؛ ولأنّ اللَّه أوعدهم بأحد الأمرين؛ بطمس وجوه منهم، أو بلعنهم- فإن الطمس تبديل أحوال رؤسائهم- أو إجلائهم إلى الشام، فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن، فإنهم ملعونون بكل لسان، والظاهر اللعن المتعارف دون المسخ؛ ألا ترى إلى قوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ) [المائدة: ٦٠].
(وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا): فلا بدّ أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا.
[(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا)].
فإن قلت:
_________________
(١) ـ قوله: (هو مشروطٌ بالإيمان) صح من الأصل، أي: بعدم الإيمان، كقوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا) [النساء: ١٧٦]، أي: كراهة أن تضلوا. قوله: (ولأن الله أوعدهم) جوابٌ آخر، يعني أنه تعالى جاء ب «أو» في قوله: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ) فلابد من وقوع أحد الأمرين: إما الطمس، وإما اللعنة. ثم الطمس إن أريد به سلب الإقبال أو الإجلاء إلى الشام فقد حصلا، أما الإجلاء فلا ارتياب فيه، وأما سلب الإقبال فهو بضرب الجزية عليهم، وإن أريد طمس وجوههم على أدبارهم حقيقةً كما في الوجه الأول، فهو وإن لم يحصل؛ فقد حصل اللعن. قوله: (والظاهر) عطفٌ على قوله: «أو نجزيهم بالمسخ)، والسؤال لا يرد على هذا؛ لأن اللعن واقعٌ، فإنهم ملعونون بكل لسان، وبين وجه الظهور بقوله تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ …) الآية [المائدة: ٦٠] لأنه تعالى عطف (وجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ والْخَنَازِيرَ) - وهو المسخ- على قوله: (لَّعَنَهُ اللَّهُ)؛ فالظاهر المغايرة بين المعطوفين.
[ ٥ / ٢٤ ]
قد ثبت أن اللَّه ﷿ يغفر الشرك لمن تاب منه، وأنه لا يغفر ما دون الشرك من
_________________
(١) ـ قوله: (قد ثبت أن الله تعالى يغفر الشرك لمن تاب) إلى آخره، توجيهه: أنه ثبت عند علماء أهل العدل أن حكم الشرك وما دونه من الكبائر سواءٌ في أنهما لا يغفران قبل التوبة ويغفران بعدها، فما وجه قوله: (لا يَغْفِرُ) و«يغفر»؟ وما فائدة التقييد بقوله: (لِمَن يَشَاءُ)؟ وجه الجواب: أن فائدة التقييد أن يبين به عدم التوبة في الأول، والتوبة في الثاني. انظر إلى هذا التعسف حيث جعل الأمرين المتنافيين متوجهين إلى معنىً واحد، يراد به معنيان متضادان معًا! الانتصاف: عسر الآية بتفسيرها على مذهبه؛ لأنه إن كان المراد «لمن لم يتب» فيهما، فلم قيد ما دون الشرك؟ وإن كان المراد «لمن تاب» فلم أطلق الشرك؟ فتأولها كما ترى، على أن التوبة عندهم موجبةٌ للعفو؛ فلا يجوز تعليقها بالمشيئة. وقال القاضي: فيه تقييدٌ بلا دليل؛ إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى من الوعد، ونقضٌ لمذهبهم؛ فإن تعليق الأمر بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة، ووجوب الصفح بعدها، فالآية كما هي حجةٌ عليه. وقلت: أما المثال الذي ذكره وهو «أن الأمير لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله ويبذل القنطار لمن يستأهله»؛ فلا يصح للاستشهاد؛ لأنه يحتمل أن يراد به أن الملك حكيمٌ حازمٌ في أموره عازفٌ بما يفعله لا يعطي إلا من يستحقه ولا يمنع إلا من لا يستحقه؛ لأنه يضع الشيء في موضعه، وأن يراد أنه ذو جبروتٍ مستبدٌّ برأيه، ومتصرفٌ في ملكه كيف شاء أو أراد، على أن المقام يقتضي الثاني كما سبق في سورة آل عمران عند قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) [آل عمران: ١٢٨]. الراغب: إن قيل لمَ لم يشترط في قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) التوبة؟ قيل: إن المشرك إنما يلزمه الاسم ما دام يلزمه الوصف؛ فإذا زال وصفه زال اسم الشرك
[ ٥ / ٢٥ ]
الكبائر إلا بالتوبة، فما وجه قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)؟ قلت: الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعًا موجهين إلى قوله تعالى: (لِمَنْ يَشاءُ)، كأنه قيل: إن اللَّه لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك، على أنّ المراد بالأول من لم يتب، وبالثاني من تاب، ونظيره قولك: إنّ الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء، تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله. (فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا) أي: ارتكبه وهو مفترٍ مفتعل ما لا يصح كونه.
_________________
(١) ـ عنه؛ فإذا كان كذلك فالمشرك ما دام مشركًا لا يغفر له، ومن تاب زال عنه اسم الشرك، فإذًا التائب الذي يغفر له ليس هو المشرك، بل هو المؤمن في الحقيقة، ومتى أطلق عليه اسم المشرك فعلى اعتبار الماضي. وقوله: (أَن يُشْرَكَ بِهِ) موضعه النصب، أي: لا يغفر الشرك، وقيل: لا يغفر من أجل أن يشرك به، أي: لا يغفر من أجل الشرك شيئًا من الذنوب. تنبيه: إن الذنوب قد تغفر مع انتفاء الشرك كما قال: (إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ) [الأعراف: ٥٦]. قوله: «فَقَدِ افْتَرَى إثْمًا)، أي: ارتكبه) قال القاضي: أي: ارتكب ما يستحقر دونه الآثام، وهو إشارةٌ إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الآثام، والافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل، وكذلك الاختلاق. وقلت: لا يعلم منه أنه مشتركٌ أو مجازٌ وحقيقةٌ. والظاهر من كلام المصنف أنه- أي: ارتكبه- استعارةٌ تبعية، شبه ما لا يصح كونه من الفعل بما لا يصح ثبوته من القول، ثم استعمل في الفعل ما كان مستعملًا في القول من الافتراء، وإليه الإشارة بقوله: «مفتعلٌ ما لا يصح كونه».
[ ٥ / ٢٦ ]
[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا* انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا)].
(الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ): اليهود والنصارى، قالوا: (نحن أبناء اللَّه وأحباؤه) [المائدة: ١٨]، (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى) [البقرة: ١١١]، وقيل: جاء رجال من اليهود إلى رسول اللَّه ﷺ بأطفالهم، فقالوا: هل على هؤلاء ذنب؟ قال: "لا"، قالوا: واللَّه ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار، فنزلت. ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند اللَّه. فإن قلت: أما قال رسول اللَّه ﷺ: «واللَّه إني لأمين في السماء أمين في الأرض»؟ قلت: إنما قال ذلك حين قال له المنافقون: اعدل في القسمة؛ إكذابًا لهم، إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه، وشتان
_________________
(١) ـ قوله: (ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله تعالى) عطفٌ على «زكى نفسه» على سبيل البيان، كأن الذي ذكره هو حد التزكية، قال القاضي: التزكية: نفي ما يستقبح فعلًا أو قولًا. وقال الراغب: التزكية: إما بالفعل؛ وهو أن يتحرى الإنسان ما فيه تطهير بدنه، وذلك يصح أن ينسب إلى العبد، كقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) [الشمس: ٩]، وإلى من يأمره بفعله، كقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِم بِهَا) [التوبة: ١٠٣]. وإما بالقول؛ وذلك بالإخبار عنه بذلك، ومدحه به، ومحظورٌ على الإنسان أن يفعل ذلك بنفسه، لا بالشرع فقط؛ بل بمقتضى العقل أيضًا من غير داعٍ إلى ذلك، فالتزكية في الحقيقة هي: الإخبار عما ينطوي عليه الإنسان، ولا يعرف ذلك إلا الله؛ ولهذا قال: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ). قوله: (إنما قال ذلك حين قال له المنافقون: اعدل في القسمة) يعني أنه صلوات الله
[ ٥ / ٢٧ ]
من شهد اللَّه له بالتزكية، ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم.
(بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ): إعلام بأن تزكية اللَّه هي التي يعتدّ بها، لا تزكية غيره؛
_________________
(١) ـ عليه ما قال ذلك افتخارًا؛ بل قاله إخبارًا عما شرفه الله بتلك الكرامة، وردًّا لمن وصفه بخلاف ما وصفه الله تعالى إبلاغًا لما أوحي إليه، روينا عن البخاري ومسلمٍ وأبي داود والنسائي، عن أبي سعيدٍ في حديثٍ طويل، وفيه: بعث عليٌّ ﵁ وهو باليمن إلى النبي ﷺ بذهبيةٍ في تربتها؛ فقسمها بين أربعة، وفيه: فأقبل رجلٌ غائر العينين ناتئ الجبين، كث اللحية، مشرف الوجنتين، محلوق الرأس، فقال: يا محمد، اتق الله! فقال: «فمن يطيع الله إذا عصيته؟ فيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني!»، فسأل خالد بن الوليد قتله، فمنعه، وفي روايةٍ لمسلم: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءًا!». قوله: (إعلامٌ بأن تزكية الله هي التي يعتد بها) يعني: قوله تعالى: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) كلامٌ واردٌ على الإضراب لما سبق، فوجب تنزيل ما قبل كلمة الإضراب على ما يصح أن يكون مضربًا عما بعدها، وهو إثبات تزكيةٍ منهم لأنفسهم لا يعتد بها؛ لأجل أنهم جاهلون عاجزون، كأنهم لما زكوا أنفسهم ادعوا أنهم عارفون بأحوال أنفسهم وأنها صالحةٌ للتزكية، لما فيها من الخلال المرضية، وأنهم قادرون أيضًا على استيفاء جميع ما يستحقونه من الثواب على ما لأجله زكوا أنفسهم، وهو العمل والطاعة والتقوى، فرد عليهم ذلك بأن قيل لهم: ليس كما تزعمون؛ بل الله هو وحده يزكي، ولا يزكي إلا من يشاء وأراده واصطفاه لذلك بأن وفقه لقمع رذائل النفس الأمارة، وهداه إلى العروج إلى مدارج الكمال ومعارج القدس، وأنه هو وحده قادرٌ على الوفاء بما يستأهلونه من الزلفى عنده والكرامات، فيوفيهم على النقير والقطمير، هذا على أن يجعل (ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) تكميلًا لقوله: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) وإليه لمح بقوله: «يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم».
[ ٥ / ٢٨ ]
لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية. ومعنى (يزكي من يشاء): يزكي المرتضين من عباده الذين عرف منهم الزكاء فوصفهم به. (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) أي: الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم، أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم، ونحوه (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى) [النجم: ٣٢].
(كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) في زعمهم أنهم عند اللَّه أزكياء! (وَكَفى) بزعمهم هذا (إِثْمًا مُبِينًا) من بين سائر آثامهم.
[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا* أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا)].
الجبت: الأصنام وكل ما عبد من دون اللَّه، والطاغوت: الشيطان. وذلك أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشًا على محاربة رسول اللَّه ﷺ، فقالوا: أنتم أهل كتابٍ وأنتم أقرب إلى
_________________
(١) ـ وإذا جعل تأكيدًا لمعنى الإنكار والتعجب المتولد من الوعيد في قوله: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ)؛ كان تذييلًا له، وإليه الإشارة بقوله: «يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم»، واتصال قوله: (انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ) بما قبله من حيث إنه تعالى لما عجبه صلوات الله عليه من تزكيتهم أنفسهم ونسبهم إلى الجهل والعجز؛ أمره بالتفكر في مآل [تلك] التزكية، وأنها تؤدي إلى الافتراء على الله، وادعاء أنهم مقربون عند الله ذوو زلفى؛ لأن المزكى من طهره الله من جميع الآثام ومحضه من الرذائل، واصطفاه لقربه، وهذا أعظم ما ينبئ عن الجهل والعجز؛ ولذلك قال تعالى: (وكَفَى بِهِ إثْمًا مُّبِينًا)، وأشار المصنف إليه بقوله: «(وكَفَى) بزعمهم هذا (إثْمًا مُّبِينًا) من بين آثامهم». ثم إنه تعالى كرر كلمة التعجب، وهو قوله: (أَلَمْ تَرَ) لإناطة نوعٍ آخر من قبائح أهل الكتاب بها.
[ ٥ / ٢٩ ]
محمدٍ منكم إلينا فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا فهذا إيمانهم بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ؛ لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا. وقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلًا أم محمد؟ فقال كعب:ماذا يقول محمد؟ قالوا يأمر بعبادة اللَّه وحده، وينهى عن الشرك. قال: وما دينكم؟ قالوا: نحن ولاة البيت، نسقي الحاج، ونقري الضيف، ونفك العاني، وذكروا أفعالهم، فقال: أنتم أهدى سبيلًا.
[(أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا* أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا* فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا)].
وصف اليهود بالبخل والحسد وهما شرّ خصلتين؛ يمنعون ما أوتوا من النعمة ويتمنون أن تكون لهم نعمة غيرهم فقال: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ) على أن (أم) منقطعة، ومعنى الهمزة لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك ثم قال: (فَإِذًا لا يُؤْتُونَ)
_________________
(١) ـ قوله: (أنتم أهدى سبيلًا) فيه إشعارٌ بأن قوله تعالى: (هَؤُلاءِ) وضع موضع (أَنتُمْ) ليميزه أكمل تمييز؛ فعلى هذا قوله: (لِلَّذِينَ كَفَرُوا) معناه: أنهم يخاطبون غيرهم لأجل الذين كفروا، وأن سبيل هؤلاء ظهر ظهور المحسوس فلا يبقى مع أحدٍ فيه شكٌّ عنادًا منهم، وتغطيةً للحق الواضح الجلي، ولعل الله تعالى وضع موضع قولهم الدال على الظلم قوله: (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) إشعارًا بأنهم ظلموا في ذلك حيث وضعوا الذم موضع المدح. قوله: (وهما شر خصلتين) أي: إذا اعتبر الخصال خَصْلتَيْنِ خَصْلتَيْنِ، فهما شر كل خَصْلتَيْنِ خَصْلتَيْن، وأما إفراد «شر» فلجواز إفراده ومطابقته، والإفراد أخصر. قوله: (فقال: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ) يتعلق بقوله: «وصف اليهود» يعني: أراد أن يصفهم بالبخل فقال: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ)، وبالحسد فقال: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ).
[ ٥ / ٣٠ ]
أي: لو كان لهم نصيب من الملك فإذًا لا يؤتون أحدًا مقدار نقير؛ لفرط بخلهم، والنقير: النقرة في ظهر النواة، وهو مثل في القلة كالفتيل والقطمير.
والمراد بالملك: إما ملك أهل الدنيا، وإما ملك اللَّه كقوله: (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ) [الإسراء: ١٠٠]، وهذا أوصف لهم بالشح، وأحسن لطباقه نظيره من القرآن، ويجوز أن يكون معنى الهمزة في (أم) لإنكار أنهم قد أوتوا نصيبًا من الملك وكانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة، كما تكون أحوال الملوك. وأنهم لا يؤتون أحدًا مما يملكون شيئًا. وقرأ ابن مسعود: (فإذًا
_________________
(١) ـ قوله: (لطباقه) الضمير ل «هذا»، وقد أضاف إلى الفاعل، و«نظيره»: مفعوله، وإنما كان أوصف لهم بالشح وأحسن لطباق القرآن؛ لأنه أعرق في بيان شحهم حيث جعل نصيبهم من الملك ما ليس شيءٌ أوسع منه، وهو ملك الله، ووصف منعهم لشيءٍ ليس شيءٌ أقل منه، وهو النقرة في النواة، فأعرق في طرفي الإفراط والتفريط. قوله: (الإنكار أنهم قد أوتوا) والفرق بين الوجهين أن الإنكار على الأول متوجهٌ إلى أن يكون لهم نصيبٌ من الملك فقط، أي: ليس لهم نصيب، فالفاء جزاءٌ لشرطٍ محذوف، يعني: إن قدر أن لهم نصيبًا فإذًا لا يؤتون الناس نقيرًا، وإليه أشار بقوله: «لو كان لهم نصيبٌ من الملك»، وعلى الثاني متوجهٌ إلى أن يكون لهم نصيب، وإلى أنهم لا يؤتون أحدًا شيئًا؛ فالإنكار منصبٌ على الأمرين، يعني: أوتوا نصيبًا من الملك ليشكروا وينفقوا في سبيل الله؛ فجعلوه سببًا للإمساك، كقوله تعالى: (وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢]، فالفاء سببيةٌ، نحو اللام في قوله: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا) [القصص: ٨]. قوله: (وكانوا أصحاب أموالٍ وبساتين)، واستشهادٌ لإثبات الملك لهم، وهي جملةٌ حالية؛ فالهمزة على الثاني للإنكار والتقرير، ومعناه: لما كان، وعلى الأول للإنكار فقط، ومعناه: لم يكن.
[ ٥ / ٣١ ]
لا يؤتوا)، على إعمال "إذن" عملها الذي هو النصب، وهي ملغاة في قراءة العامة، كأنه قيل: فلا يؤتون الناس نقيرًا إذن. (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ): بل أيحسدون رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين؟ على إنكار الحسد واستقباحه! وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم اللَّه من النصرة والغلبة وازدياد العزّ والتقدّم كل يوم. (فَقَدْ آتَيْنا): إلزام لهم بما عرفوه من
_________________
(١) ـ قوله: (على إعمال «إذن» عملها الذي هو النصب، وهي ملغاةٌ في قراءة العامة)، قال الزجاج: وأما رفع (يُؤْتُونَ) فعلى معنى: فلا يؤتون الناس نقيرًا إذن، ومن نصب قال: فإذن لا يؤتوا، وهو شاذ، والمصحف لا يخالف. قال سيبويه: «إذن: في عوامل الأفعال بمنزلة «أظن» في عوامل الأسماء»، فإذا ابتدأت «إذن» وأنت تريد الاستقبال نصبت لا غير، تقول: إذن أكرمك، فإذا جعلتها معترضةً ألغيتها فقلت: أنا إذن أكرمك، فإن أتيت بها مع الواو والفاء قلت: فإذن أكرمُك، وإن شئت: فإذن أكرمَك، فمن نصب بها جعل الفاء ملصقةً بها في اللفظ والمعنى، ومن رفع «أكرمُك» جعل «إذن» لغوًا، وجعل الفاء في المعنى معلقةً ب «أكرمُك»، المعنى: فأكرمُك إذن، وتأويل «إذن»: إذا كان الأمر كما ذكرت أو كما جرى. قوله: (كأنه قيل: فلا يؤتون الناس نقيرًا إذن) ولما كان «إذن» جوابًا وجزاءً فلابد من السؤال، والسؤال هنا مقدر، فكأنه لما قيل منكرًا: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ)، أي: ليس لهم ذلك ولا ينبغي، اتجه لسائلٍ أن يقول: فلو قدر أن يكون لهم نصيبٌ من الملك فماذا يكون حينئذٍ؟ فقيل: فلا يؤتون الناس نقيرًا، ثم أقحم «إذن» توكيدًا. قوله: (على إنكار الحسد) متعلقٌ بقوله: «بل أيحسدون» من حيث المعنى، يعني: «أم» منقطعةٌ بمعنى «بل»، والهمزة واردةٌ على إنكار الحسد. قوله: «فَقَدْ آتَيْنَا): إلزامٌ لهم بما عرفوه) فالفاء في (فَقَدْ) مثلها في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ) [المائدة: ١٩] وقول القائل:
[ ٥ / ٣٢ ]
إيتاء اللَّه الكتاب والحكمة. (آلَ إِبْراهِيمَ): الذين هم أسلاف محمد ﷺ وأنه ليس ببدع أن يؤتيه اللَّه مثل ما أوتي أسلافه. وعن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان. وقيل: استكثروا نساءه، فقيل لهم: كيف استكثرتم له التسع وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟ (فَمِنْهُمْ): فمن اليهود، (مَنْ آمَنَ بِهِ) أي: بما ذكر من حديث آل إبراهيم. (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) وأنكره مع علمه بصحته؛ أو: من اليهود من آمن برسول اللَّه ﷺ، ومنهم من أنكر نبوّته؛ أو: من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر كقوله:
_________________
(١) ـ قالوا: خراسان أقصى ما يراد بنا … ثم القفول، فقد جئنا خراسانا أي: إن صح ما قلتم من أن خراسان المقصد؛ فقد جئناه، وأين لنا الخلاص؟ فالمعنى: إن حسدتموه على إيتاء الكتاب والحكمة والملك؛ فقد علمتم أن ذلك ليس ببدع؛ لأن أسلافه قد أوتوا ذلك. قوله: (ما أوتي أسلافه) صح بالرفع؛ لأن «أوتي» مسندٌ إليه، ومفعوله الثاني محذوفٌ، أي: أوتي أسلافه إياه. قوله: (وقيل: استكثروا نساءه) ولا يبعد أن يعد هذا من بدع التفاسير لما يلزم من اختصاص الناس برسول الله ﷺ كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) [آل عمران: ١٧٣] والمراد نعيم بن مسعود، كما يقال: فلانٌ يركب الخيل. وتأويل (يَحْسُدُونَ): يتعيبون؛ لأنهم ما حسدوه ﷺ باستكثار النساء بل عابوه، وأبعد من ذلك تأويل قوله: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبْرَاهِيمَ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ وآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا) [النساء: ٥٤] بقوله: «وقد كان لداود مئةٌ» إلى آخره، والتفسير هو الأول.
[ ٥ / ٣٣ ]
(فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) [الحديد: ٢٦].
[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا)].
(بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها) أبدلناهم إياها. فإن قلت: كيف تعذب مكان الجلود العاصية جلود لم تعص؟ قلت: العذاب للجملة الحساسة، وهي التي عصت لا للجلد. وعن فضيل: يجعل النضيج غير نضيج. وعن رسول اللَّه ﷺ: «تبدّل جلودهم كل يوم
_________________
(١) ـ قوله: (فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ) قبله: (ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وإبْرَاهِيمَ وجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ والْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ) [الحديد: ٢٦]. هذا هو الوجه؛ لأن الفاء تفصيليةٌ لابد من سبق مجمل، وذلك هو قوله: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبْرَاهِيمَ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ) [النساء: ٥٤] لقوله: (وجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ والْكِتَابَ)، وآل إبراهيم يدخل فيه المسلمون والمشركون واليهود والنصارى. قوله: (العذاب للجملة الحساسة) قال الإمام: المعذب هو الإنسان، والجلد ليس منه، بل هو كالشيء الملتصق به، فإذا جدد الله الجلد حتى صار سببًا لوصول العذاب إليه لم يكن ذلك تعذيبًا إلا للعاصي، وكذا عن القاضي والزجاج. وقلت: هذا مبنيٌّ على أن الإنسان غير البدن. قوله: (وعن فضيل: يجعل النَّضيج غير نَضيج) فالمغايرة في الصفة لا في الذات، كقولك: بدلت الخاتم قرطًا، والوجه ما قال الإمام أيضًا: أنه لا يسأل عما يفعل، بل إنه تعالى قادرٌ على أن يوصل إلى أبدانهم آلامًا عظيمةً من غير إدخالهم النار مع أنه تعالى أدخلهم النار.
[ ٥ / ٣٤ ]
سبع مرّات». وعن الحسن: سبعين مرّة يبدّلون جلودًا بيضاء كالقراطيس (لِيَذُوقُوا الْعَذابَ): ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع، كقولك للعزيز: أعزّك اللَّه أي: أدامك على عزّك وزادك فيه. (عَزِيزًا): لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين (حَكِيمًا) لا يعذب إلا بعدل من يستحقه.
[(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا* إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)].
ظَلِيلٌ: صفة مشتقة من لفظ الظلّ؛ لتأكيد معناه. كما يقال: ليل أليل، ويوم أيوم، وما أشبه ذلك؛ وهو ما كان فينانًا لا جوب فيه، ودائمًا لا تنسخه الشمس، وسجسجًا لا حرّ فيه ولا برد، وليس ذلك إلا ظل الجنة، رزقنا اللَّه بتوفيقه لما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك الظل! وفي قراءة عبد اللَّه: "سيدخلهم" بالياء. (أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ) الخطاب عامّ لكل أحد في كل أمانة. وقيل: نزلت في عثمان بن طلحة بن عبد الدار، وكان سادن الكعبة. وذلك: أنّ رسول اللَّه ﷺ حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة
_________________
(١) ـ قوله: (فينانًا) أي: كثير الأفنان منبسطًا متصلًا لا فرج فيه لالتفات الأشجار. قوله: (وسجسجًا). النهاية: وفي الحديث: «ظل الجنة سجسج»، أي: معتدلٌ لا حر فيه ولا قر، ومنه حديث ابن عباس: «هواؤها السجسج». قوله: (سادن الكعبة). النهاية: سدانة الكعبة: خدمتها وتولى أمرها وفتح بابها وإغلاقه، يقال: سدن يسدن سدانة فهو سادنٌ، والجمع: سدنة.
[ ٥ / ٣٥ ]
وصعد السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: لو علمت أنه رسول اللَّه لم أمنعه، فلوى علي بن أبي طالب ﵁ يده، وأخذه منه وفتح، ودخل رسول اللَّه ﷺ وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة، فنزلت، فأمر عليًّا أن يردّه إلى عثمان ويعتذر إليه، فقال عثمان لعليّ: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق، فقال: لقد أنزل اللَّه في شأنك قرآنًا، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، فهبط جبريل وأخبر رسول اللَّه ﷺ أن السدانة في أولاد عثمان أبدًا. وقيل هو خطاب للولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل. وقرئ: (الأمانة) على التوحيد. (نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ): «ما» إما أن تكون منصوبة موصوفة بـ (يعظكم) به، وإما أن تكون مرفوعة موصولة به، كأنه قيل: نعم شيئًا يعظكم به،
_________________
(١) ـ قوله: (فلوى عليٌّ ﵁ يده) فإن قلت: كيف لوى يده وهو على سطح الكعبة، والباب مغلقٌ وعليٌّ ﵁ لم يتخلص إليه؟ قلت: في الكلام حذف، يعني: صعد عثمان سطح الكعبة من خوف دخول رسول الله ﷺ مكة، فطلب رسول الله ﷺ المفتاح، فقيل له: إنه مع عثمان، فدعاه فنزل وجاء، فطلب منه فامتنع وأبى … إلى آخره. وفي «معالم التنزيل» ما يقارب من هذا المعنى، ومن هذا الأسلوب: قوله تعالى: (فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) وقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ) [يوسف: ٤٩ - ٥٠] أي: فرجع إليه الرسول وأخبره بمقالة يوسف، وسمع الملك به، ونزع إليه وقال: إيتوني به. قوله: (موصولة به) أي: ب (يَعِظُكُم) أي: «ما» موصولةٌ صلتها (يَعِظُكُم)، قال أبو البقاء: (نِعِمَّا يَعِظُكُم): الجملة خبر (إنَّ)، و«ما» إما بمعنى الشيء معرفةٌ تامة و(يَعِظُكُم) صفة موصوفٍ محذوفٍ وهو المخصوص بالمدح، أي: نعم الشيء شيءٌ يعظكم به، ويجوز: نعم الشيء شيئًا يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف، أو «ما» بمعنى «الذي» وما بعدها صلتها، وهو فاعل «نعم» والمخصوص محذوف، أي: نعم الذي يعظكم به بتأدية الأمانة
[ ٥ / ٣٦ ]
أو نعم الشيء الذي يعظكم به. والمخصوص بالمدح محذوف، أي: نعما يعظكم به ذاك، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم. وقرئ (نعما) بفتح النون.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا)].
لما أمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها، وأن يحكموا بالعدل؛ أمر الناس بأن يطيعوهم، وينزلوا على قضاياهم. والمراد بأولي الأمر منكم: أمراء الحق؛ لأن أمراء الجور اللَّه ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على اللَّه ورسوله في وجوب الطاعة لهم، واختيار الحق، والأمر بهما، والنهي عن أضدادهما، كالخلفاء الراشدين، ومن تبعهم بإحسان. وكان الخلفاء يقولون: أطيعونى ما عدلت فيكم، فإن خالفت فلا
_________________
(١) ـ والحكم بالعدل، قيل: في كلامه نظر؛ لأنه قد تقرر أن فعل نعم إذا كان مظهرًا التزم أن يكون محلىًّ بلام الجنس أو مضافًا إليه، خرجه في «المفصل»، والجواب ما قال ابن الحاجب في قوله تعالى: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ) [البقرة: ٩٠] جاز أن يكون «ما» بمعنى: الذي، وجاز أن تقع فاعله، لما فيها من الإبهام، كالمعرف باللام، أي: لام الجنس. قوله: (وقرئ: «نعما» بفتح النون): ابن عامرٍ وحمزة والكسائي؛ لأن أصله: «نعم» فأتى به على الأصل. قوله: (لأن أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم) مذهبه، لما روينا عن مسلمٍ والدارمي، عن عوف بن مالك، عن
[ ٥ / ٣٧ ]
طاعة لي عليكم. وعن أبى حازم: أن مسلمة بن عبد الملك قال له: ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله: (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)؟ قال: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)! وقيل: هم أمراء السرايا.
_________________
(١) ـ رسول الله ﷺ، أنه قال: «من ولي عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة الله». قوله: (وعن أبي حازم) الجامع: هو أبو حازمٍ سلمة بن دينارٍ المدني القاضي، من عباد أهل المدينة وثقاتهم والمشهور من تابعيهم، روى عنه مالكٌ والثوري وابن عيينة وغيرهم. قوله: (أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: (فَإن تَنَازَعْتُمْ» يعني: الفاء في (فَإن تَنَازَعْتُمْ) متصلةٌ بالأخير، مستدعيةٌ لما ترتب عليه من جملةٍ بأن يقال: وأطيعوا أولي الأمر منكم إن لم تنازعوهم في شيءٍ من الحق بما كانوا على المنهج المستقيم، فإن تنازعتم فيه بانحرافهم عن العدل: فلا؛ ولذلك لم يعد «أطيعوا» كما أعاد في (وأَطِيعُوا الرَّسُولَ)؛ ليؤذن بأنه لا استقلال لهم في الطاعة استقلال الرسول، ألا ترى كيف عقب بقوله: (إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ) [النساء: ٥٩] إلهابًا وتهييجًا؟ يعني: قضية الإيمان بالله، وبأن لا مصير إلا إليه؟ وأن لا حكم إلا له: أن لا يأخذكم في الله لومة لائم، وأن لا تجاملوهم بصدق الأمير، بل خاصموهم ونازعوهم وردوهم إلى الحق البحت والصدق المحض، وذلك خيرٌ لكم وأحسن عاقبةً. قوله: (السرايا). النهاية: السرية: طائفةٌ من الجيش يبلغ أقصاها أربع مئة، تبعث إلى العدو، وسموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السري أي: النفيس.
[ ٥ / ٣٨ ]
وعن النبي ﷺ: «من أطاعنى فقد أطاع اللَّه ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن يطع أميرى فقد أطاعنى ومن يعص أميرى فقد عصاني». وقيل: هم العلماء الدينون الذين يعلمون الناس الدين، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر. (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ): فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر منكم في شيء من أمور الدين، (فردّوه إلى اللَّه ورسوله)، أى: ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة. وكيف تلزم طاعة أمراء الجور.
_________________
(١) ـ قوله: (من أطاعني فقد أطاع الله)، الحديث رواه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة. قوله: (هم العلماء الدينون). روى محيي السنة، عن ابن عباسٍ وجابرٍ: أولو الأمر: هم الفقهاء والعلماء الذين يعلمون الناس معالم دينهم، وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد، ودليله: (ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: ٨٣]. وروى الدارمي عن عطاءٍ، أنه قال: (أُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ): أولي العلم والفقه، وطاعة الرسول: إتباع الكتاب والسنة. قال القاضي: قوله تعالى: (فَإن تَنَازَعْتُمْ) أي: أنتم وأولو الأمر منكم (فِي شَيْءٍ) من أمور الدين، هذا يؤيد أن يراد بأولي الأمر: أمراء المسلمين؛ إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس، إلا أن يقال: الخطاب لأولي الأمر على طريقة الالتفات، أي: إن تنازعتم في شيءٍ فيرد العلماء إلى الكتاب والسنة. واستدل به منكرو القياس لأنه أوجب رد المختلف إلى الكتاب والسنة دون القياس. وأجيب بأن رد المختلف إنما يكون بالتمثيل والبناء على الكتاب والسنة، وهو القياس. وقال الزجاج: لا يخلو الرد من أحد الأمرين إما القياس، وإما أن يقولوا: الله ورسوله أعلم.
[ ٥ / ٣٩ ]
وقد جنح اللَّه الأمر بطاعة أولي الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أن أمرهم أولًا بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم، وأمرهم آخرًا بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل. وأمراء الجور لا يؤدّون أمانة، ولا يحكمون بعدل، ولا يردون شيئًا إلى كتابٍ ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند اللَّه ورسوله، وأحق أسمائهم اللصوص المتغلبة. (ذلِكَ): إشارة إلى الرد، أي: الرد إلى الكتاب والسنة (خَيْرٌ) لكم وأصلح، (وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا): وأحسن عاقبة. وقيل: أحسن تأويلًا من تأويلكم أنتم.
_________________
(١) ـ قوله: (جنح الله الأمر بطاعة أولي الأمر). الأساس: ومن المجاز: هو مقصوص الجناح: للعاجز، وهو في جناح طائر: إذا وصف بالقلق والدهش، وركب جناحي نعامةٍ: إذا جد في الأمر وعجل. جعل الأمر بطاعة أولي الأمر بمنزلة الطائر الذي يحتاج في نهوضه للطيران إلى جناحين، وجعل أحد جناحيه أداء الأمانة والعدل، والآخر التمسك بالكتاب والسنة؛ فهو من الاستعارة المكنية المستلزمة للتخييلية، ووجه التشبيه هو افتقار ما به يقدر على سرعة المشي المطلوب، فكما أن الطائر يفتقر في طيرانه إلى الجناحين؛ فكذا الأمير في تنفيذ أمره يفتقر إلى هاتين الخصلتين؛ ولذا قيل: الدين والملك توأمان، وفيه إدماجٌ، لافتقار المتصدي لأمر الخلافة إلى هاتين الخصلتين. قوله: (بما لا يبقى معه شكٌّ) أي: في أنه لا يلزم طاعة أمراء الجور. قوله: (وأحسن عاقبةً). الأساس: ومن المجاز: طبخت الدواء حتى آل المنوان منه إلى منٍّ واحد، وتقول: لا تعول على الحسب تعويلًا فتقوى الله أحسن تأويلًا، أي: عاقبةً. قوله: (من تأويلكم أنتم) أي: رد المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة ليعلم الحكم بهما: أحسن من جهة الحكم من الرد إلى تأويلكم ليعلم الحكم من تأويلكم، وفيه أن الكتاب
[ ٥ / ٤٠ ]
[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا* وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا* فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا* أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا)].
روي أن بشرًا المنافق خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى رسول اللَّه ﷺ ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول اللَّه ﷺ فقضى لليهودي، فلم يرضَ المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب، فقال اليهودي لعمر: قضى لنا رسول اللَّه فلم يرض بقضائه، فقال للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه، ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد، ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء اللَّه ورسوله، فنزلت. وقال جبريل: إنّ عمر فرق بين الحق والباطل، فقال له رسول اللَّه ﷺ: "أنت الفاروق". والطاغوت: كعب بن الأشرف، سماه اللَّه طاغوتًا لإفراطه في الطغيان، وعداوة رسول اللَّه ﷺ؛
_________________
(١) ـ والسنة مقدمان على القياس والاجتهاد؛ ولذا أكد الضمير المجرور بالمرفوع تتميمًا للمعنى، فالتأويل على حقيقةٌ. الأساس: أول القرآن وتأوله، وأول الحكم إلى أهله: رده إليهم. ذكره في الحقيقة. قوله: حتى برد). النهاية: أي: مات. قوله: (سماه الله طاغوتًا لإفراطه في الطغيان). الأساس: فلانٌ طاغٍ باغٍ، وتمادى به الطغيان والطغوى، وأطغاه ماله. النهاية: الطاغوت: الشيطان، أو: ما يزين لهم أن يعبدوه من الأصنام، والطاغوت يكون واحدًا وجمعًا.
[ ٥ / ٤١ ]
أو على التشبيه بالشيطان، والتسمية باسمه؛ أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول اللَّه على التحاكم إليه تحاكمًا إلى الشيطان، بدليل قوله: (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ).
وقرئ (بما أنزل)، و(ما أنزل) على البناء للفاعل. وقرأ عباس بن الفضل: (أن يكفروا بها) ذهابًا بالطاغوت إلى الجمع، كقوله: (أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ) [البقرة: ٢٥٧]. وقرأ الحسن (تعالوا) بضم اللام، على أنه حذف اللام من تعاليت تخفيفًا، كما قالوا: ما باليت به بالة، وأصلها بالية، كعافية، وكما قال الكسائي في: "آية": إن أصلها «آيية» فاعلة، فحذفت اللام، فلما حذفت وقعت واو الجمع بعد اللام، من
_________________
(١) ـ قوله: (أو على التشبيه) عطفٌ على قوله: «لإفراطه في الطغيان» من حيث المعنى، وقوله: «أو جعل اختيار التحاكم» عطفٌ على قوله: «الطاغوت: كعب بن الأشرف»، يعني: الطاغوت، يجوز أن يراد به كعب بن الأشرف لطغيانه؛ سمي به إما مراعاةً لوجه التناسب بين الاسم والمسمى، أو على التشبيه بالشيطان واستعارة اسمٍ له كتسمية الرجل بالأسد؛ لما وجد فيه من الخداع [والجريرة] كالشيطان، وأن يراد به الشيطان نفسه، فيكون حكمًا عامًّا فمن يختار التحاكم إلى غير الرسول ﷺ، فيدخل فيه كعب بن الأشرف دخولًا أوليًا، وينصر هذا الوجه إيقاع قوله: (وقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ) حالًا من الضمير المرفوع في (يَتَحَاكَمُوا) وإيراد قوله: (ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ) عطفًا على الحال، أو حالًا من الضمير المرفوع في (يَكْفُرُوا)، والشيطان مظهرٌ وضع موضع المضمر، وعلى الوجهين الأولين لا يلتئم هذا الالتئام؛ لأنهم إنما أمروا أن يكفروا بالشيطان لا بكعبٍ في قوله تعالى: (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ [البقرة: ٢٥٦]. قوله: (وقرأ عباس بن الفضل). في «أسماء الرجال» للذهبي: هو عباس بن الفضل الأنصاري المقرئ بالموصل، ولي القضاء، وهو واهي الحديث.
[ ٥ / ٤٢ ]
تعال، فضمت فصار (تعالوا)، نحو تقدموا، ومنه قول أهل مكة: تعالي، بكسر اللام للمرأة، وفي شعر الحمداني:
تَعَالِي أُقَاسِمْك الْهمُومَ تَعَالِي
والوجه فتح اللام. (فَكَيْفَ) يكون حالهم؟ وكيف يصنعون؟ يعني أنهم يعجزون عند ذلك فلا يصدرون أمرًا ولا يوردونه .. (إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) من التحاكم إلى غيرك، واتهامهم لك في الحكم. (ثُمَّ) حين يصابون فيعتذرون إليك، و(يَحْلِفُونَ) ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك (إِلَّا إِحْسانًا) لا إساءة (وَتَوْفِيقًا) بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك، ولا تسخطًا لحكمك، ففرج عنا بدعائك، وهذا وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم، ولا يغني عنهم الاعتذار عند حلول بأس اللَّه. وقيل: جاء أولياء المنافق
يطلبون بدمه
_________________
(١) ـ قوله: (وفي شعر الحمداني) هو أبو فراسٍ سعيد بن حمدان يخاطب حمامةً قبله: أيا جارةً ما أنصف الهر بيننا … تعالي أقاسمك الهموم تعالي تعالي تري روحًا لدي ضعيفةً … تردد في جسم يعذب بال أيضحك مأسورٌ وتبكي طليقةٌ … ويسكت محزونٌ ويندب سال قوله: (ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك (إلاَّ إحْسَانًا) لا إساءةً) من التراكيب التي منعها صاحب «المفتاح». قوله: (وقيل: جاء أولياء المنافق) عطفٌ على قوله: «فكيف يكون حالهم وكيف يصنعون؟»، فعلى الأول: الاستفهام في (فَكَيْفَ): تعجيبٌ للسامع من حال عجزهم عند الاعتذار، والثاني: استبعادٌ لما يصدر منهم من الأفعال التي كل واحدٍ منها أبعد وأنكر
[ ٥ / ٤٣ ]
وقد أهدره اللَّه، فقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به. (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ): لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم، ولا تزد على كفهم بالموعظة والنصيحة عما هم عليه، (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا): بالغ في وعظهم بالتخفيف والإنذار. فإن قلت: بم تعلق قوله: (فِي أَنْفُسِهِمْ)؟ قلت: بقوله: (بَلِيغًا) أي: قل لهم قولًا بليغًا في أنفسهم، مؤثرًا في قلوبهم، يغتمون به اغتمامًا، ويستشعرون منه الخوف استشعارًا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق وأطلع قرنه، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند اللَّه، وأنه لا فرق بينكم وبين المشركين، وما هذه المكافة إلا لإظهاركم الإيمان، وإسراركم الكفر وإضماره، فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف؛ أو يتعلق بقوله: (قُلْ لَهُمْ) أي: قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغًا،
_________________
(١) ـ من الآخر، يعني: ألا ترى إلى مكابرتهم كيف تحاكموا إلى غير الرسول ﷺ ثم علموا أن صاحبهم مهدر الدم جاؤوا يطلبون بدمه، والعاقل لا يفعل شيئًا مثل هذا الفعل. قوله: (نجم منهم النفاق وأطلع قرنه) مقتبسٌ من الحديث: «الشمس تطلع بين قرني الشيطان»، قال خباب: «هذا قرنٌ قد طلع» أراد قومًا أحداثًا نبغوا بعد أن لم يكونوا، يعني القصاص. قوله: (وأنه لا فرق بينكم) عطفٌ على قوله: «أن ما في نفوسهم»، وفيه التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، وهو قريبٌ من قوله تعالى: (سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ) [آل عمران: ١٢] بالتاء والياء. قوله: (وما هذه المكافة؟) أي: المحاجزة عن الحرب. الأساس: كففته عن الشر، فكف عنه، فهو كافٌّ ومكفوف، كافوهم أي: حاجزوهم، وتكافوا: تحاجزوا.
[ ٥ / ٤٤ ]
وأنّ اللَّه يعلم ما في قلوبكم، لا يخفى عليه فلا يغني عنكم إبطانه، فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم، وداووها من مرض النفاق وإلا أنزل اللَّه بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرًا من ذلك وأغلظ؛ أو قل لهم في أنفسهم خاليًا بهم ليس معهم غيرهم، مسارًّا لهم بالنصيحة؛ لأنها في السر أنجع، وفي الإمحاض أدخل (قولًا بليغًا): يبلغ منهم ويؤثر فيهم.
_________________
(١) ـ قوله: (وأن الله يعلم ما في قلوبكم) عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: «بليغًا»، فالبليغ: من البلاغة، ولهذا أتى بالكلام الشافي والبيان الوافي، قال الزجاج: يقال: قولٌ بليغ، وقد بلغ القول، وبلغ الرجل يبلغ بلاغةً، وهو بليغٌ: إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه. الراغب: القول البليغ: إذا اعتبر بنفسه، فهو ما يجمع أوصافًا ثلاثةً: أن يكون صوابًا، وطبقًا للمعنى المقصود به لا زائدًا ولا ناقصًا عنه، وصدقًا في نفسه، وإذا اعتبر بالمقول له والقائل فهو الذي يقصد به قائله الحق ويجد من المقول له قبولًا، ويكون وروده في الموضع الذي يجب أن يورد فيه. وعلى الأول، أي: إذا تعلق: (فِي أَنفُسِهِمْ) بقوله: (بَلِيغًا)، البليغ: من البلوغ والوصول؛ ولهذا قال: مؤثرًا في قلوبهم، فجعل (أَنفُسِهِمْ) ظرفًا ليتمكن القول في قلوبهم تمكن المظروف في الظرف. قوله: (أو قل لهم في أنفسهم خاليًا بهم) عطفٌ على قوله: «قل لهم في معنى أنفسهم» هذا الوجه مشتركٌ مع الوجه الثاني من حيث إن (فِي أَنفُسِهِمْ) متعلقٌ ب «قل»، ومع الوجه الأول في التأثير، والفرق بين التأثيرين اختلاف الجهة، وهو أن المؤثر هناك إيقاع (أَنفُسِهِمْ) ظرفًا للقول، وها هنا النصيحة في السر. قوله: (ويؤثر فيهم) عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: «يبلغ منهم» يعني: يتمكن منهم من جهة الإبلاغ. النهاية: في حديث عائشة، قالت لعليٍّ ﵄ يوم الجمل: قد بلغت منا البلغين، بكسر الباء والغين المعجمة مع فتح اللام على الجمع، ومعناه قد بلغت منا كل المبلغ.
[ ٥ / ٤٥ ]
[(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا* فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)].
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ): وما أرسلنا رسولًا قط (إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ): بسبب إذن اللَّه في طاعته، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه؛ لأنه مؤدّ عن اللَّه؛ فطاعته طاعة اللَّه، ومعصيته معصية اللَّه. و(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) [النساء: ٨٠]. ويجوز أن يراد: بتيسير اللَّه وتوفيقه في طاعته.
(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالتحاكم إلى الطاغوت
_________________
(١) ـ قوله: (أن يراد بتيسير الله تعالى) فالباء في (بِإذْنِ اللَّهِ) على هذا كما في قولك: كتبت بالقلم، يعني: جرت سنة الله بأن يوفق الأمة علة طاعة نبيه، والمعنى على الأول: وما أرسلنا من رسولٍ إلا ليظهر المعجزة، ويثبت النبوة، ثم يأتي للقوم بكتابٍ لإثبات الرسالة، وفيه مثل قوله: (أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ) [النساء: ٥٩]، وهو المراد من قوله: «أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه». قوله: «إذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ) بالتحاكم إلى الطاغوت) إشارةٌ إلى اتصال هذه الآية بقوله: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ) إلى قوله: (يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ) [النساء: ٦٠] وذلك أنه تعالى لما نعى عليهم نفاقهم وأمر نبيه ﷺ بالإعراض عنهم وأن يهددهم بالقول البليغ، جاء بقوله تعالى: (ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ) [النساء: ٦٤] للتعليل والتخلص إلى التوبة، يعني: لم يكن ذلك التشنيع والقول البليغ إلا لعصيانهم وترك التحاكم إليك، والانتهاء إلى الطاغوت، والصدور عما أنزله الله إلى الرسول، ولو أنهم مع هذا الظلم العظيم تابوا بأن يعتذروا إليك ويتوسلوا بشفاعتك إلى الله تعالى لتاب الله عليهم؛ لأنا ما أرسلناك لأمرٍ من الأمور إلا لتطاع ولا لتخالف قطعًا؛ ففيه تعظيمٌ لشأن متابعيه وتوبيخٌ عظيمٌ لمخالفيه، ثم رشح هذا التعظيم بالالتفات تتميمًا لتعظيم جانبه، وتنبيهًا على علو
[ ٥ / ٤٦ ]
(جاؤُكَ) تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا، (فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ) من ذلك
_________________
(١) ـ مكانته، وفي قوله: «إلى طريقة الالتفات» إشعارٌ بأن هذا الأسلوب- وهو وضع المظهر موضع المضمر- من وادي الالتفات، وليس بالالتفات حقيقةً، كما دل وضع الرسول مكان ضميره على فخامة شفاعة الرسول؛ دل وضع اسم الله الجامع في قوله: (لَوَجَدُوا اللَّهَ) موضع ضميره، بحسب تجليه في هذا المقام على فخامة قبولها من جانب الله تعالى، قال في قوله تعالى: (ومَن تَابَ وعَمِلَ صَالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ مَتَابًا) [الفرقان: ٧١] أي: «فإنه تائبٌ إلى الله تعالى الذي يعرف حق التائبين، والذي يحب التوابين ويحب المتطهرين». قوله: «جَاءُوكَ) تائبين من النفاق) إلى قوله: (فاستغفروا): إذنٌ بأن ما بعد الفاء في (فَاسْتَغْفَرُوا) إما مسببٌ عن محذوف، وهو حالٌ عن فاعل (جَاءُوكَ)، أو متعقبٌ له؛ فعلى الأول الاستغفار غير التوبة، وعلى الثاني عينها كما في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤]. الراغب: استغفار الإنسان وتوبته يمكن أن يقال: هما في الحقيقة واحدٌ لكن اختلافهما بحسب اعتبارهما بغيرهما، فالاستغفار يقال إذا استعمل في الفزع إلى الله تعالى وطلب الغفران منه، والتوبة تقال إذا اعتبر بترك العبد ما لا يجوز فعله وفعل ما يجب، ولا يكون الإنسان طالبًا في الحقيقة لغفران الله تعالى إلا بإتيان الواجبات وترك المحظورات، ولا يكون تائبًا إلا إذا حصل على هذه الحالة. ويمكن أن يقال: الاستغفار مبدأ التوبة والتوبة تمام الاستغفار؛ ولهذا قال تعالى: (واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ) [هود: ٩٠]. فإن قلت: هذا مخالفٌ لما ذهبت إليه أن الاستغفار متعقبٌ للتوبة. قلت: إذا اعتبر في التوبة الندم فقط فلا شك بتقدمها، وإذا اعتبر فيها المجموع لابد من تأخرها، وأما معنى ثم في قوله: (ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ) فلتفاوت الرتبة. قوله: (متنصلين). الأساس: أنصلت السهم: نزعت نصله، ونصلته: ركبت نصله،
[ ٥ / ٤٧ ]
بالإخلاص، وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك بردّ قضائك حتى انتصبت شفيعًا لهم إلى اللَّه ومستغفرًا؛ (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا) لعلموه توابًا، أي: لتاب عليهم. ولم يقل: واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات، تفخيمًا لشأن رسول اللَّه ﷺ وتعظيمًا لاستغفاره، وتنبيهًا على أن شفاعة من اسمه الرسول من اللَّه بمكان. (فَلا وَرَبِّكَ) معناه: فو ربك، كقوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ) [الحجر: ٩٢]، و«لا» مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في: (لِئَلَّا يَعْلَمَ) [الحديد: ٢٩]؛ لتأكيد وجود العلم. و(لا يُؤْمِنُونَ): جواب القسم. فإن قلت: هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر "لا" في (لا يُؤْمِنُونَ)؟ قلت: يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه؛ وذلك قوله:
_________________
(١) ـ ونصلته تنصيلًا، ومن المجاز: نصل بحقي صاغرًا: أخرجه، وتنصل من ذنبه، وفي الحديث: «من لم يقبل من متنصلٍ صادقًا أو كاذبًا لم يرد على الحوض». قوله: (يأبى ذلك استواء النفي والإثبات) يريد أن «لا» في: (فَلا ورَبِّكَ) جاءت لتوكيد معنى القسم، لا لتوافق «لا» في (لا يُؤْمِنُونَ)؛ لأن إثبات «لا» في القسم، سواءٌ كان الجواب منفيًّا أو مثبتًا جائز، فإن قوله تعالى: (إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) [الحاقة: ٤٠] مثبت، وقد جيء بالقسم مؤكدًا ب «لا» في قوله: (فَلا أُقْسِمُ)، فلو كان للتظاهر لما جاءت في المثبت، قال صاحب «التقريب»: وفيه نظر؛ إذ يحتمل أن يقال: إنه تأكيد النفي في المنفي فقط، بل وجه المنع أن «لا» حينئذٍ تتمة الجواب، فيلزم الفصل بين أجزاء الجواب بالجملة القسمية، فيقال: إن القسم لما اتحد مع الجواب اتحاد المفرد في قوله تعالى: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ) [النساء: ٧٢] حتى اكتفى الجواب في إيقاعه صلةً للموصول اغتفر الفصل فيه، قال أبو البقاء: فيه وجهان، أحدهما: أن الأولى زائدة، وقيل: إن الثانية زائدة، والقسم معترضٌ بين النفي والمنفي، وثانيهما: أن «لا» لنفي مقدر، أي: فلا يفعلون، ثم قال: (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ).
[ ٥ / ٤٨ ]
(فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ* وَما لا تُبْصِرُونَ* إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) [الحاقة: ٣٨ - ٤٠]. (فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ): فيما اختلف بينهم واختلط، ومنه: الشجر؛ لتداخل أغصانه. (حَرَجًا): ضيقًا، أي: لا تضيق صدورهم من حكمك، وقيل: شكًا، لأنّ الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين. (وَيُسَلِّمُوا): وينقادوا ويذعنوا لما تأتي به من قضائك، لا يعارضوه بشيء، من قولك: سلم الأمر للَّه، وأسلم له، وحقيقة "سلم نفسه وأسلمها": إذا جعلها سالمة له خالصة. و(تَسْلِيمًا): تأكيد للفعل بمنزلة تكريره،
_________________
(١) ـ الانتصاف: أراد الزمخشري أنها لما زيدت حيث لا يكون القسم نفيًا دلت على أنها إنما تزاد لتأكيد القسم؛ فجعلت كذلك في النفي، والظاهر عندي أنها هنا لتوطئة القسم، وهو لم يذكر مانعًا منه؛ إنما ذكر مجملًا لغير هذا، وذلك لا يأبى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة، على أن دخولها على المثبت فيه نظر، فلم يأت في الكتاب العزيز إلا مع القسم بالفعل: (لا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ) [البلد: ١]، (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ) [القيامة: ١]، (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) [الواقعة: ٧٥]، (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ) [الحاقة: ٣٨]، ولم يأت إلا في القسم بغير الله، وله سرٌّ ثانٍ: أن يكون ها هنا لتأكيد القسم، وذلك أن المراد بها تعظيم المقسم به في الآيات المذكورة؛ فكأنه بدخولها يقول: إعظامي لهذه الأشياء المقسم بها كلا إعظام؛ إذ هي تستوجب فوق ذلك، وإنما يذكر هذا التوهم وقوع عدم تعظيمها فيؤكد بذلك ويفعل القسم ظاهرًا، وفي القسم بالله الوهم زائلٌ فلا يحتاج إلى تأكيد، فتعين حملها على الموطئة، ولا تكاد تجدها في غير الكتاب العزيز داخلةً على قسمٍ مثبت، أما في النفي فكثير. قوله: (وحقيقة سلم نفسه له) يعني: «سلم» متعدٍّ إلى مفعولين أحدهما: بالواسطة، والآخر: بغير واسطة، فحذف الأول للإطلاق، والثاني لقرينة الكلام، ولذلك قدر «ويذعنوا لما تأتي به من قضائك». قوله: (و(تَسْلِيمًا): تأكيدٌ للفعل بمنزلة تكريره). قال الزجاج: المصادر المؤكدة
[ ٥ / ٤٩ ]
كأنه قيل: وينقادوا لحكمه انقيادًا لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم. قيل: نزلت في شأن المنافق واليهودي، وقيل: في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول اللَّه ﷺ في شراجٍ من الحرّة كانا يسقيان بها النخل،
_________________
(١) ـ بمنزلة ذكرك الفعل ثانيًا، كأنك إذا قلت: سلمت تسليمًا فقد قلت: سلَّمتُ سلَّمت. قوله: (نزلت في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة) هذا خطأٌ، لما روينا عن البخاري ومسلمٍ وغيرهما، عن عروة بن الزبير، قال: خاصم الزبير رجلًا من الأنصار في شراج الحرة … الحديث، إلى قوله: «في صريح الحكم»، وجل جانب حاطبٍ أن يتكلم بما يتغير به رسول الله ﷺ ويلحقه من الحفيظة ما لحقه، وقد شهد الله له بالإيمان في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) [الممتحنة: ١] وأنه شهد بدرًا والحديبية، وقال رسول الله ﷺ: «لا يدخل النار أحدٌ شهد بدرًا والحديبية»، وأنه حليف الزبير بن العوام، ذكره في «الاستيعاب»، وقال صاحب «الجامع»: هو حاطب بن راشدٍ اللخمي، وهو حليف قريش، ويقال: إنه من مذحج، وقيل: هو حليف الزبير بن العوام، وقيل: هو من أهل اليمن، والأكثر أنه حليفٌ لبني أسد بن عبد العزى، وقلت: فلا خلاف إذًا أنه لم يكن أنصاريًّا. قوله: (شراج الحرة)، النهاية: الشرجة: مسيل الماء من الحرة إلى السهل، والشرج جنسٌ لها، والشراج: جمعها، والحرة: أرضٌ ذات حجارةٍ سود، والجدر: المسناة، وهو ما رفع حول المزرعة كالجدار.
[ ٥ / ٥٠ ]
فقال: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك» فغضب حاطبٌ وقال: لأن كان ابن عمتك، فتغير وجه رسول اللَّه ﷺ، ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك». كان قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه، فلما أحفظ
رسول اللَّه ﷺ، استوعب للزبير حقه في صريح الحكم، ثم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟ فقال الأنصاري: قضى لابن عمته ولوى شدقه، ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل اللَّه هؤلاء يشهدون أنه رسول اللَّه ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم! وأيم اللَّه لقد أذنبنا ذنبًا مرّةً في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه، وقال: اقتلوا أنفسكم، ففعلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفًا في طاعة ربنا حتى رضي عنا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما واللَّه إنّ اللَّه ليعلم مني الصدق، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها. وروي أنه قال ذلك ثابت وابن مسعود وعمار بن ياسر، فقال
_________________
(١) ـ قوله: (لأن كان ابن عمتك) أي: لأجل أن الزبير ابن عمتك حكمت له بأن يسقي أرضه قبلي، و«أن» مخففةٌ من الثقيلة، أم الزبير وهي: صفية بنت عبد المطلب بن هاشم. قوله: (ثم خرجا فمرا على المقداد …، فقال: قاتل الله هؤلاء) إلى آخره. هكذا في أكثر النسخ، وفي نسخةٍ معتمدة: «ثم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟ فقال الأنصاري: قضى لابن عمته ولوى شدقه، ففطن يهوديٌّ كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء» إلى آخره. هذا هو الصحيح، وعليه التعويل، وكذا في «معالم التنزيل»؛ لأن الرواية الأولى توهم أن المقداد كان يهوديًّا أسلم، وليس كذلك، فإن صاحبي «الاستيعاب» و«الجامع» ذكرا أنه كان كنديًّا، وقيل: قضاعيًّا، وقيل: حضرميًّا، وقيل: زهريًّا، والصحيح أنه بهراوي.
[ ٥ / ٥١ ]
رسول اللَّه ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ من أمتى رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي». وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: واللَّه لو أمرنا ربنا لفعلنا، والحمد للَّه الذي لم يفعل بنا ذلك، فنزلت الآية في شأن حاطبٍ ونزلت في شأن هؤلاء.
[(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا* وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا* وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا)].
(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل، (ما فَعَلُوهُ إِلَّا) ناس (قَلِيلٌ مِنْهُمْ) وهذا توبيخ عظيم، والرفع على البدل من الواو في (فَعَلُوهُ)، وقرئ: (إلا قليلًا) بالنصب على أصل الاستثناء، أو على "إلا فعلًا قليلًا". (ما يُوعَظُونَ بِهِ) من اتباع رسول اللَّه ﷺ وطاعته والانقياد لما يراه
_________________
(١) ـ قوله: (أي: لو أوجبنا عليهم) هذا تفسير قوله: (ولَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ)، قال الزجاج: حق «لو» أن تليها الأفعال إلا أن المشددة تقع بعدها؛ لأنها تنوب عن الاسم والخبر، تقول: ظننت أنك عالمٌ، أي: ظننت علمك، فناب هنا- أي: في هذه الآية- عن الفعل والاسم كما نابت هناك عن الاسم والخبر. قوله: (وقرئ: «إلا قليلًا»، بالنصب): ابن عامر، وبالرفع: الباقون، قال أبو البقاء: بالرفع بدلٌ من الضمير المرفوع وعليه المعنى؛ لأن المعنى: فعله قليلٌ منهم، و(مِّنْهُمْ): صفة (قَلِيلٌ). قوله: (أو على: إلا فعلًا قليلًا) فعلى هذا الاستثناء مفرغ، و(مِّنْهُمْ): بيانٌ للضمير
[ ٥ / ٥٢ ]
ويحكم به؛ لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى. (لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ) في عاجلهم وآجلهم، (وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) لإيمانهم، وأبعد من الاضطراب فيه. (وَإِذًا): جواب لسؤال مقدرٍ، كأنه قيل:وماذا يكون لهم أيضًا بعد التثبيت؟ فقيل: وإذن لو ثبتوا (لَآتَيْناهُمْ)؛ لأن "إذن" جواب وجزاء، (مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا)، كقوله:
_________________
(١) ـ في «فعلوا»، كقوله تعالى: (لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) [المائدة: ٧٣] على التجريد، وعلى أصل الاستثناء (مِّنْهُمْ): للتبعيض، قال الزجاج: والنصب جائزٌ في غير القرآن على (مَا فَعَلُوهُ)، استثنى قليلًا منهم. وقلت: في كلامه إشعارٌ بأن النصب غير مختار، فلا يحمل القرآن عليه، وقال ابن الحاجب: لا بعد أن يكون أقل القراء على الوجه الأقوى وأكثرهم على الوجه الذي هو دونه، بل التزم بعض الناس أنه يجوز أن يجمع القراء على غير الأقوى. وقلت: بل يكون إجماعهم على قراءتهم دليلًا على أن ذلك هو القوي؛ لأنهم هم المتقنون الآخذون عن مشكاة النبوة، وأن تعليل النحاة غير ملتفتٍ إليه. قوله: (لأن «إذن» جوابٌ وجزاء) تعليلٌ للتقدير، يعني: لما قال تعالى: (لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتًا) اتجه لسائلٍ أن يسأل عن جزاء التثبيت على الإيمان فأوقع (إذًا لآتَيْنَاهُم) جوابًا لهذا السؤال وجزاءً لتثبيت، واللام في (لآتَيْنَاهُم) جواب ل «لو» محذوفًا كما قدره، وفي هذا التقدير تكلفاتٌ شتى، إحداها: أنه لم يعلم أن المعطوف عليه لهذه الجملة- يعني (وإذًا لآتَيْنَاهُم) - ماذا؟ وثانيها: تقدير السؤال و«نحن» مستغنيً عنه، وثالثها: حذف «لو»، والظاهر أنها معطوفةٌ على قوله: (لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ) ليكون جوابًا آخر لقوله: (ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ)، كأنه قيل: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم في الدنيا، وأشد تثبيتًا في الدين، وإذًا لآتيناهم في الآخرة أجرًا عظيمًا تفضلًا من عندنا، لا وجوبًا. هذا هو الوجه ذهابًا ومذهبًا، ويؤيده ما قال المرزوقي في قوله:
[ ٥ / ٥٣ ]
(وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ٤٠] في أنّ لمراد العطاء المتفضل به من عنده، وتسميته أجرًا؛ لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته، (وَلَهَدَيْناهُمْ): وللطفنا بهم ووفقناهم لازدياد الخيرات.
[(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا* ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا)].
الصديقون: أفاضل صحابة الأنبياء الذين تقدموا في تصديقهم؛ كأبي بكرٍ الصديق ﵁، وصدقوا في أقولهم وأفعالهم،
_________________
(١) ـ إذن لقام بنصري معشرٌ خشنٌ إذن لقام: جواب «لو»، كأنه أجيب بجوابين، وهذا كما تقول: لو كنت حراًّ لاستقبحت ما يفعله العبيد، إذن لاستحسنت ما يفعله الأحرار، وقال المرزوقي: واللام في «لقام» جواب يمينٍ مضمرة، والتقدير: إذن والله لقام. وأما قوله: (ولَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) بعد فعل (مَا يُوعَظُونَ) وتثبيت الإيمان والوعد بالأجر؛ فللدلالة على أن فعل الطاعات سببٌ لجلب التوفيق، وهو لاستزادة عملٍ يستجد توفيقًا إلى أن ينتهي السالك إلى مخدع القرب والانخراط في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. اللهم وفقنا لذلك بمنك وكرمك! قوله: (العطاء المتفضل به من عنده). الراغب: إنما قال: (مِّن لَّدُنَّا)؛ لأنه تعالى لا يكاد ينسب إلى نفسه من النعم إلا ما كان أجلها قدرًا وأعظمها خطرًا.
[ ٥ / ٥٤ ]
وهذا ترغيب للمؤمنين في الطاعة؛ حيث وعدوا مرافقة أقرب عباد اللَّه إلى اللَّه وأرفعهم درجات عنده (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا)
_________________
(١) ـ قوله: (وهذا ترغيبٌ للمؤمنين في الطاعة حيث وعدوا مرافقة أقرب عباد الله إلى الله تعالى وأرفعهم درجاتٍ عنده). الراغب: قيل: قسم الله تعالى عباده في هذه الآية أربعة أقسام، وجعل لهم أربعة منازل بعضها دون بعض، وحث كافة الناس أن لا يتأخروا عن منزلٍ واحدٍ منهم: الأول: هم الأنبياء الذين تمدهم قوةٌ إلهية، ومثلهم كمن يرى الشيء عيانًا من قريب ولذلك قال تعالى في صفة نبينا ﷺ: (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى) [النجم: ١٢]. والثاني: الصديقون، وهم الذين يتأخرون عن الأنبياء في المعرفة، ومثلهم كمن يرى الشيء عيانًا من بعيد، وإياه عنى عليٌّ ﵁ حيث قيل له: هل رأيت الله؟ فقال: ما كنت لأعبد ربًّا لم أره! ثم قال: لم تره العيون بشواهد العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. والثالث: الشهداء، وهم الذين يعرفون الشيء بالبراهين، ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب، كحال حارثة حيث قال: كأني انظر إلى عرش ربي بارزًا، وإياه قصد النبي ﷺ حيث قال: «اعبد الله كأنك تراه». الرابع: الصالحون، وهم الذين يعملون الشيء بالتقليد، ومثلهم كمن يرى الشيء من بعيدٍ في مرآة، وإياه قصد النبي ﷺ بقوله: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، أي: كن من الشهداء بما تكتسبه من العلم والعمل الصالح، فإن لم تكن منهم فكن من الصالحين.
[ ٥ / ٥٥ ]
فيه معنى التعجب؛ كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقًا! ولاستقلاله بمعنى التعجب. قرئ: (وحسن) بسكون السين، يقول المتعجب: حسن الوجه وجهك، وحسن الوجه وجهك؛ بالفتح والضم مع التسكين. والرفيق: كالصديق والخليط في استواء
_________________
(١) ـ قوله: (فيه معنى التعجب)، كقول القائل: وجارة جساسٍ أبأنا بنابها … كليبًا غلت نابٌ كليبٌ بواؤها قال المصنف: وفي فحوى هذا الفعل دليلٌ على التعجب من غير لفظ تعجب، ألا ترى أن المعنى: ما أغلى نابًا بواؤها- أي: كفؤها- كليب! قوله: (يقول المتعجب: حسن الوجه) أي: بسكون السين. الجوهري: وقد حسن الشيء، وإن شئت خففت الضمة فقلت: حسن الشيء، ولا يجوز أن تنقل الضمة إلى الحاء لأنه خبرٌ، وإنما يجوز النقل إذا كان بمعنى المدح أو الذم؛ لأنه يشبه في جواز النقل ب «نعم» و«بئس»، وذلك أن الأصل فيهما نعم وبئس، فسكن ثانيهما ونقلت حركته إلى ما قبله، وكذلك كل ما كان في معناهما. وقال الراغب: الحسن عبارةٌ عن كل مبهجٍ مرغوب إما عقلًا أو هوى أو حسًّا، والحسنة يعبر بها عن كل ما يسر من نعمةٍ تنال الإنسان في نفسه وبدنه وأحواله، والسيئة تضادها. والحسن أكثر ما يقال في تعارف العامة في المستحسن بالبصر، يقال: رجلٌ حسنٌ وحسانٌ، وامرأةٌ حسناء وحسانةٌ، وأكثر ما جاء في التنزيل من الحسن فللمستحسن من جهة البصيرة، منه قوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [الزمر: ١٨]. قوله: (والرفيق كالصديق). قال الزجاج: (رَفِيقًا) منصوبٌ على التمييز ينوب عن رفقاء، وقال بعضهم: لا يجوز أن ينوب الواحد عن الجميع إلا أن يكون من أسماء الفاعلين،
[ ٥ / ٥٦ ]
الواحد والجمع فيه، ويجوز أن يكون مفردًا بين به الجنس في باب التمييز. وروي: أنّ ثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ كان شديد الحب لرسول اللَّه ﷺ قليل الصبر عنه، فأتاه يومًا وقد تغير وجهه، ونحل جسمه، وعرف الحزن في وجهه، فسأله رسول اللَّه ﷺ عن حاله فقال: يا رسول اللَّه ما بي من وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشةً شديدةً حتى ألقاك، فذكرت الآخرة، فخفت أن لا أراك هناك؛ لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين، وإن أدخلت الجنة كنت في منزلٍ دون منزلك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبدًا، فنزلت، فقال رسول اللَّه ﷺ: «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبدٌ
_________________
(١) ـ فلو قال: حسن القوم رجلًا، لم يجز عنده، ولا فرق بين «رفيقٍ» و«رجل» في هذا المعنى؛ لأن الواحد في التمييز ينوب عن الجماعة، وكذلك في المواضع التي لا تكون إلا جماعةً نحو قولك: هو أحسن فتىً وأجمله، المعنى: هو أحسن الفتيان وأجملهم إذا كان الموضع لا يلبس، كقوله: في حلقكم عظمٌ وقد شجينا أراد: في حلوقكم عظام. قوله: (إن ثوبان مولى رسول الله ﷺ). الاستيعاب: هو أبو عبد الله ثوبان بن بجدد، من أهل السراة، والسراة: موضعٌ بين مكة واليمن، أصابه سبيٌ فاشتراه رسول الله ﷺ فأعتقه ولم يزل يكون معه إلى أن توفي رسول الله ﷺ. قوله: (فذاك) أي: فذاك الوقت الذي أخاف أني لا أراك، وروي: «حين» منصوبًا. قوله: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبدٌ) الحديث من رواية البخاري ومسلم، عن أبي هريرة: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».
[ ٥ / ٥٧ ]
حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين»، وحكي ذلك عن جماعةٍ من الصحابة. (ذلِكَ): مبتدأ، و(الْفَضْلُ): صفته، و(مِنَ اللَّهِ): الخبر، ويجوز أن يكون (ذلك): مبتدأ، و(الفضل من اللَّه): خبره، والمعنى: أنّ ما أعطي المطيعون من الأجر العظيم، ومرافقة المنعم عليهم من اللَّه؛ لأنه تفضل به عليهم تبعًا لثوابهم، (وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا) بجزاء من أطاعه؛ أو أراد أنّ فضل المنعم
_________________
(١) ـ قوله: «ذَلِكَ): مبتدأ و(الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ): خبره). الراغب: هو كقولك: ذاك الرجل وهذا المال، تنبيهًا على كماله، فإن الشيء إذا عظم أمره يوصف باسم جنسه، وقوله: (مِنَ اللَّهِ) في موضع الحال، أو خبر مبتدأٍ مضمر. قوله: (أو أراد أن فضل المنعم) عطفٌ على قوله: «والمعنى: أن ما أعطي المطيعون»، يريد أن المشار إليه بقوله: (ذَلِكَ الفَضْلُ): إما مضمون الآيات الثلاث من قوله: (وإذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ٦٧] إلى قوله: (وحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا) [النساء: ٦٩]، فيكون قوله: (ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ) الآية [النساء: ٦٩] كالتذييل لقوله: (وإذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) ولَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا)؛ لأن الهداية إلى الصراط المستقيم هو السبب في المرافقة مع المنعم عليهم، يدل عليه إبدال (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) من (الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ) في الفاتحة، فيدخل في هذا المقام المطيعون الذين منحوا الأجر العظيم دخولًا أوليًّا، أو المشار إليه ما دل عليه قوله: (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ) [النساء: ٦٩]، فعلى هذا فائدة الإشارة التحريض على اكتساب ما اكتسبوه، والإيذان بالتجرد عما يشغلهم عن الله والتبتل إليه، والانقطاع عما سوى الله، وفائدته على الأول مزيد الامتنان عليهم، وأما قوله: (وكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا): بجزاء من يطع»، وثانيًا: «وكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) بعباده؛ فهو يوفقهم على حسب أحوالهم»، والوجه هو أن يكون المشار إليه مضمون الآيات الثلاث؛ لأن هذه الآية كالفذلكة لها مقررةٌ لمعناها ومقاصدها، قال في قوله تعالى: (فَصِيَامُ
[ ٥ / ٥٨ ]
عليهم ومزيتهم من اللَّه؛ لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه (وكفى باللَّه عليمًا) بعباده، فهو يوفقهم على حسب أحوالهم.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا)].
(خُذُوا حِذْرَكُمْ): الحذر والحذر بمعنى كالإثر والأثر، يقال: أخذ حذره: إذا تحفظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه؛ والمعنى: احذروا واحترزوا من العدوّ ولا تمكنوه من أنفسكم، (فَانْفِرُوا) إذا نفرتم إلى العدوّ؛
_________________
(١) ـ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة: ١٩٦]: وفائدة الفذلكة في كل حساب: أن يعلم العدد جملةً كما علم تفصيلًا ليحاط به من جهتين فيتأكد العلم، وهذا المعنى يهدم القاعدة التي بناها في تفسير الأجر اللدني في قوله: (وإن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ويُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ٤٠] وقوله: (وإذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) بالتفضل به من عنده وتسميته أجرًا؛ لأنه تابعٌ للأجر من وجهين، أحدهما: تعرف الفضل، وهو خبر (ذَلِكَ) الدال على الحصر؛ فدل على دفع إرادة المجاز من الأجر اللدني، أي: ذلك هو الفضل لا شيءٌ آخر، وثانيهما: تعلق (مِنَ اللَّهِ) به، أي: ذلك من الله لا من العامل، والله أعلم: قوله: (جعل الحذر آلته) أي: استعار للسلاح الحذر بقرينة (خُذُوا) كقوله تعالى: (والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ) [الحشر: ٩]، جعل الإيمان متبوأ بمنزلة الدار، يعني: أنهم متمكنون في الإيمان تمكن الرجل في الدار. قوله: (إذا نفرتم إلى العدو). النهاية: وفي الحديث: «وإذا استنفرتم فانفروا»،
[ ٥ / ٥٩ ]
إما (ثُباتٍ): جماعاتٍ متفرّقةً سريةً بعد سرية، وإما (جَمِيعًا) أي: مجتمعين كوكبةً واحدة، ولا تتخاذلوا فتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة. وقرئ: (فانفروا) بضم الفاء.
[(وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا* وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا)].
اللام في: (لَمَنْ) للابتداء بمنزلتها في قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ) [النحل: ١٨]، وفي (لَيُبَطِّئَنَّ) جواب قسم محذوف، تقديره: وإنّ منكم لمن أقسم باللَّه ليبطئن، والقسم وجوابه صلة "من"، والضمير الراجع منها إليه ما استكن في: (لَيُبَطِّئَنَّ)، والخطاب
_________________
(١) ـ والاستنفار: الاستنجاد والاستنصار، أي: إذا طلب منكم النضرة فأجيبوا وانفروا خارجين إلى الإعانة، ونفير القوم: جماعتهم الذين ينفرون في الأمر. قوله: (ثُبَاتٍ): جماعات متفرقة). قال الزجاج: واحدته: ثبةٌ، قال سيبويه: ثبةٌ: تجمع ثبون وثبين في الرفع والنصب والخفض جمعت بالواو والنون؛ لأنهما جعلتا عوضًا من حذف آخر الكلمة. قوله: (كوكبةً واحدةً). الجوهري: كوكب الشيء: معظمه، وكوكب الروضة: نورها، وإيراده ها هنا مجاز؛ لأن القوم إذا اجتمعوا متوافقين متعاضدين فالرائي: إما العدو فيمتلئ خلده هيبةً، أو الولي فتقر عينه زينةً. قوله: (والقسم وجوابه صلة «من»)، وبهذا يعلم أن الجملة القسمية مع جوابها خبرية، فلا يمتنع وقوعه صلةً للموصول، وقيل: الصلة بالحقيقة جواب القسم، والقسم كالتأكيد، قال ابن الحاجب في «شرح المفصل»: القسم جملةٌ إنشائيةٌ يؤكد بها جملةٌ أخرى. وقال الزجاج: (من): موصولةٌ بالجالب للقسم، تقديره: وإن منكم لمن- أحلف والله- ليبطئن.
[ ٥ / ٦٠ ]
لعسكر رسول اللَّه ﷺ والمبطئون منهم: المنافقون؛ لأنهم كانوا يغزون معهم نفاقًا. ومعنى (لَيُبَطِّئَنَّ): ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد. وبطأ: بمعنى أبطأ، كغتم: بمعنى: أغتم؛ إذا أبطأ. وقرئ: (لَيُبَطِّئَنَّ) بالتخفيف يقال: بطأ عليَّ فلان وأبطأ عليَّ وبطؤ نحو: ثقل، ويقال: ما بطأ بك؟، فيعدى بالباء، ويجوز أن يكون منقولًا من بطؤ، نحو ثقل من ثقل، فيراد: ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو، وكان هذا ديدن المنافق عبد اللَّه ابن أبيّ، وهو الذي ثبط الناس يوم أحد. (فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ): من قتلٍ أو هزيمة. (فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ): من فتح أو غنيمة. (لَيَقُولَنَّ) وقرأ الحسن: (ليقولن) بضم اللام إعادةً للضمير إلى معنى (من)؛ لأن قوله: (لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) في معنى الجماعة. وقوله:
_________________
(١) ـ والنحويون مجمعون على أن «ما» و«من» و«الذي» لا يوصلن بالأمر والنهي إلا بما يضمر معها من ذكر الخبر، وأن لام القسم إذا جاءت مع هذه الحروف فلفظ القسم وما أشبه لفظه مضمرٌ معها. قوله: (ويجوز أن يكون منقولًا) أي: متعديًا بالتثقيل، وهو عطفٌ على قوله: «ومعنى (لَّيُبَطِّئَنَّ): ليتثاقلن». قوله: (وقرأ الحسن: «ليقولن»). قال ابن جني: قرأ الحسن: «ليقولن» بضم اللام على الجمع، أعاد الضمير على معنى «من»، لا على لفظها التي هي قراءة الجماعة؛ وذلك أن قوله تعالى: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ) لا يعني به رجلًا واحدًا، ولكن معناه: أن هناك جماعةً هذا وصف كل واحدٍ منهم، فلما كان جمعًا في المعنى أعيد الضمير إلى معناه دون لفظه، كقوله تعالى: (ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ) [يونس: ٤٢]. الانتصاف: في هذه القراءة نكتةٌ غريبة، وهي العود إلى معنى «من» بعد الحمل على لفظها، وأنكر بعضهم وجوده في القرآن؛ لما يلزم من الإجمال بعد البيان، وهو خلاف
[ ٥ / ٦١ ]
(كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) اعتراض بين الفعل الذي هو (لَيَقُولَنَّ) وبين
_________________
(١) ـ البلاغة؛ لأنه يؤدي إلى أن العود إلى لفظها ليس بمفصح عن معناها، بل تناوله للمعنى المبهم، فوقوعه بعد البيان عسر، ومنهم من عد موضعين وهذه القراءة ثالثة. قوله: «كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) اعتراض)، قيل: هذا الاعتراض في غاية الجزالة؛ إذ يفيد أنهم يحسدونكم مما يصل إليكم من الخير، كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة، وقلت: التحقيق فيه: أن قولهم: (يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) طلبٌ لما لا يمكن حصوله، وهذا القول منهم يشبه قول من فاته مصاحبة من كان يرافقه ويصل إليه منه المبرات فأيس من ذلك، فكان قوله: (كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) أي: مصاحبةٌ، مؤكدًا لهذا المعنى، وإلى هذا المعنى ينظر قوله: «لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر»، لكن إنما يحسن استعماله فيما إذا استعمل في مودةٍ صافية ومحبةٍ صادقة؛ إما تلهفًا وتحسرًا على فوات المحبوب ومصافاته، قال: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر أو تعبيرًا لمن نسي ذلك وانقلب إلى البغضاء والعداوة بعد تلك المصافاة. ولما لم يكن حال المنافقين من هذين الوصفين في شيءٍ قال: «فكيف يوصفون بالمودة إلا على وجه العكس؟»، أي: الاستعارة التهكمية، قال الإمام: إنه تعالى حكى عن هذا المنافق سروره وقت نكبة المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولتهم بسبب أنه فاتته الغنيمة؛ فقبل أن يتم قوله: (ولَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ …) إلى قوله: (يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) ألقى في البين قوله: (كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ)، والمراد التعجب، كأنه تعالى يقول: انظروا إلى ما يقول هذا المنافق، كأنه ليس بينكم أيها المؤمنون وبينه مودةٌ ولا مخالطةٌ أصلًا.
[ ٥ / ٦٢ ]
مفعوله؛ وهو (يا لَيْتَنِي)؛ والمعنى: كأن لم تتقدم له معكم موادّة، لأن المنافقين كانوا يوادّون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر، وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن، والظاهر أنه تهكم؛ لأنهم كانوا أعدى عدوّ للمؤمنين وأشدهم حسدًا لهم، فكيف يوصفون بالمودّة إلا على وجه العكس تهكمًا بحالهم.
وقرئ: (فأفوز) بالرفع عطفًا على (كنت معهم)؛ لينتظم الكون معهم. والفوز معنى التمني؛ فيكونا متمنيين جميعًا، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، بمعنى فأنا أفوز في ذلك الوقت.
[(فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا* وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا* الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي
_________________
(١) ـ الراغب: قيل: قوله: (كَأَن لَّمْ تَكُن) اعتراضٌ متعلقٌ بالجملة الأولى وتقديره: قال: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدًا، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة؛ فأخر ذلك، وذلك مستقبحٌ في العربية؛ فإنه لا يفصل بين بعض الجملة التي دخل في إثباتها، ويجوز أن يكون حكايةً عنهم، أي: ليقولن لمن ثبطهم: كأن لم تكن بينكم وبين محمدٍ مودة؛ حيث لم يستعينوا بكم ثم يقولون: يا ليتني كنت معهم، فيكون القول الأول منهم إثارةً للشر، والقول الثاني منهم إظهارًا للحسد، وقيل: في قوله: (قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ) منةٌ منه على قومه من المنافقين؛ إذ ثبطهم عن الخروج وأنه قد ظهر ثمرة نصيحته، وفي قوله: (يَا لَيْتَنِي) إيهامٌ للذين قالوا لهم: إن ذلك كان بإيثار الرسول لمن أخرجهم من دونهم. وفي الآيتين تنبيهٌ على أن عامة الناس لا يعتدون إلا أعراض الدنيا.
[ ٥ / ٦٣ ]
سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا)].
(يَشْرُونَ): بمعنى يشترون ويبيعون قال ابن مفرغ:
وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِى … مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ
_________________
(١) ـ قوله: «يَشْرُونَ) بمعنى: يشترون ويبيعون) والفاء في قوله: «فالذين يشترون» تفصيليةٌ، بدليل قوله: «والذين يبيعون»، وقيل: هذا مبنيٌّ على جواز استعمال اللفظ المشترك في معنيين معًا، وهو مختلفٌ فيه، والجواب: أن التفصيل مبنيٌّ على تفسير (الَّذِينَ يَشْرُونَ) فإذا عبر به عن المبطئين كان بمعنى يشترون، وإذا عبر به عن الثابتين المخلصين كان بمعنى يبيعون، وهذا يدور على معنى الفاء في قوله: (فَلْيُقَاتِلْ) إن جعلت للتعقيب رجع المعنى إلى يشترون لأنها رابطةٌ لهذا المعنى بقوله: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ) الآية، فيكون تعييرًا لهم بما يفعلون من النفاق والتثبيط، وذلك من وضع قوله: (الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ) موضع الضمير، يعني: هلا قاتل هؤلاء المبطئون الذين أثروا الحياة الدنيا على الآخرة! وإليه الإشارة بقوله: «وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق». وإن جعلت جزاءً لشرطٍ محذوفٍ فالمعنى راجعٌ على يبيعون فإنه تعالى لما حرض المؤمنين على القتال بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًَا) أتى بذكر المنافقين المبطئين، فقال: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ)، ثم قال: (فَلْيُقَاتِلْ) لئلا يؤثر فيهم تثبيطهم، يعني: إن صد هؤلاء عن القتال لمرض في قلوبهم وضعفٍ في نياتهم فقاتلوا أنتم أيها المخلصون، فوضع موضعه: (الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ» للإشعار بالعلية، يعني: إن صد هؤلاء المبطئون فليقاتل البذالون أنفسهم في سبيل الله، الذين آثروا الحياة الباقية على هذه الفانية، واستبشارًا بما يحصل لهم من الفوز بالربح العظيم على بيعهم أنفسهم في سبيل الله، (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ) [التوبة: ١١١]، وقوله: (ومَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ) [النساء: ٧٤] تذييلٌ؛ لأنه تأكيدٌ للتحريض. قوله: (وشريت بردًا) البيت، بعده:
[ ٥ / ٦٤ ]
فالذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة هم المبطئون، وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق، ويخلصوا الإيمان باللَّه ورسوله، ويجاهدوا في سبيل اللَّه حق الجهاد؛ والذين يبيعون هم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها، والمعنى: إن صدّ الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون. ووعد المقاتل في سبيل اللَّه ظافرًا أو مظفورًا به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين اللَّه. (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ): فيه وجهان أن يكون مجرورًا عطفًا على (سبيل اللَّه) أي: في سبيل اللَّه وفي خلاص المستضعفين، ومنصوبًا على اختصاص، يعني: واختص من سبيل اللَّه خلاص المستضعفين؛ لأنّ سبيل اللَّه عام في كل خير، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه. والمستضعفون: هم الذين أسلموا بمكة وصدّهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد، وكانوا يدعون اللَّه بالخلاص ويستنصرونه، فيسر اللَّه لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل اللَّه لهم من لدنه خير ولى وناصر؛ وهو محمد ﷺ فتولاهم أحسن التولي، ونصرهم أقوى النصر، ولما خرج استعمل على أهل مكة عتاب بن أسيد،
_________________
(١) ـ هامةً تشكو الصدى … بين المشقر واليمامه وبردًا: اسم غلام القائل، باعه فندم على بيعه فتمنى الموت؛ لأن الهامة عندهم عبارةٌ عن الموت، ومن زعماتهم أن عظام الميتة تصير هامةً وتطير، وأن الرجل إذا قتل خرجت روحه من رأسه فتصيح: وافلاناه؛ إذا لم يطلب ثأره وأخذ ديته، والصدى: العطش، المشقر واليمامة: موضعان. قوله: (ونصرهم أقوى النصر). قال المصنف: لما صبروا جاء بالمهاجرين إليهم لحسن صبرهم، قال:
[ ٥ / ٦٥ ]
فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا، قال ابن عباس: كان ينصر الضعيف من القوي، حتى كانوا أعز بها من الظلمة. فإن قلت: لم ذكر الولدان؟ قلت: تسجيلًا بإفراط ظلمهم؛ حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين، إرغامًا لآبائهم وأمهاتهم، ومبغضةً لهم لمكانهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم، استنزالًا لرحمة اللَّه بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا، كما فعل قوم يونس، وكما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء. وعن ابن عباسٍ: كنت أنا وأمى من المستضعفين من النساء والولدان. ويجوز أن يراد بالرجال والنساء: الأحرار والحرائر، وبالولدان: العبيد والإماء، لأنّ العبد والأمة يقال لهما: الوليد والوليدة. وقيل للولدان والولائد: الولدان؛ لتغليب الذكور على الإناث، كما يقال: الآباء والإخوة. فإن قلت: لم ذكر الظالم وموصوفه مؤنث؟ قلت: هو وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها، فأعطي إعراب القرية؛
_________________
(١) ـ وليس الذي يتبع الوبل رائدًا … كمن جاءه في داره رائد الوبل قوله: (كان ينصر الضعيف من القوي)، وقد سبق أن «نصر» إذا عدي ب «من» كان مضمنًا معنى انتقم. قوله: (إرغامًا) نصب مفعولٍ له؛ لقوله: «بلغ»، وحذف اللام؛ لأن «بلغ أذاهم» في معنى يؤذون، فيكون فعلًا لفاعل الفعل المعلل. قوله: (ولأن المستضعفين) عطفٌ على قوله: «تسجيلًا»، وإنما جاء باللام؛ لأنه ليس فعلًا لفاعل الفعل المعلل الذي هو: ذكر، المحذوف لدلالة قوله: «لم ذكر الولدان» لأجل بلوغ أذى المشركين إليهم أيضًا، «ولأنهم كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم» يعني: أن قوله تعالى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا) الآية، وقع صفةً للجمع فوجب لذلك أن يدخلوا في الحكم؛ لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات؛ ولهذا قال: «كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم؛ استنزالًا لرحمة الله تعالى». قوله: (هو وصفٌ للقرية) قيل: إذا كانت الصفة فعلًا لنفس الموصوف تبعته في:
[ ٥ / ٦٦ ]
لأنه صفتها، وذكر؛ لإسناده إلى الأهل، كما تقول: من هذه القرية التي ظلم أهلها، ولو أُنث فقيل: الظالمة أهلها؛ لجاز، لا لتأنيث الموصوف، ولكن لأن الأهل يذكر ويؤنث. فإن قلت: هل يجوز: من هذه القرية الظالمين أهلها؟ قلت: نعم، كما تقول: "التي ظلموا أهلها" على لغة من يقول: أكلونى البراغيث، ومنه: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنبياء: ٣] رغب اللَّه المؤمنين ترغيبًا، وشجعهم تشجيعًا بإخبارهم أنهم إنما
_________________
(١) ـ التذكير والتأنيث، والتعريف والتنكير، والتثنية والجمع والإفراد، والإعراب، وإذا كانت فعلًا لما هو من سببه لم تتبعه إلا في التعريف والتنكير والإعراب، فلما كان الظالم صفةً للقرية، وفعل ما هو من سببها؛ تبعته في الإعراب والتعريف ولم تتبعه في التأنيث، وذكر لتذكير الفاعل وهو الأصل. الانتصاف: ها هنا نكتة؛ وهي أن الظلم ينسب في القرآن إلى القرية مجازًا: (وكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ) [الطلاق: ٨]، (وكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ) [القصص: ٥٨]، (قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ) [النحل: ١١٢]، وها هنا نسب الظلم إلى أهلها؛ إذ المراد مكة، فرفعت عن نسبة الظلم إليها. قوله: (رغب الله المؤمنين ترغيبًا وشجعهم تشجيعًا) وذلك من ترتب حكم المقاتلة في قوله: (فَقَاتِلُوا) على الوصفين، أعني قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وقوله: (والَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ)، أي: من شأن المؤمنين أن يقاتلوا في سبيل الله فيكون الله ناصرهم ومقويهم، ومن شأن الكفار أن يقاتلوا في سبيل الشيطان فناصرهم الشيطان، وإذا كان كذلك فأنتم أيها المؤمنون ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، وفي شأن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؟ ولم تقاعدتم عن حرب حزب الشيطان مع قيام موجب الظفر وخذلان العدو؟ وفي وضع المظهر- وهو الشيطان- موضع المضمر من غير لفظه السابق وهو الطاغوت، وتعليل المقاتلة معه بقوله: (إنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا): مزيد تهييجٍ وتشجيع.
[ ٥ / ٦٧ ]
يقاتلون في سبيل اللَّه، فهو وليهم وناصرهم، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان فلا وليّ لهم إلا الشيطان، وكيد الشيطان للمؤمنين إلى جنب كيد اللَّه للكافرين أضعف شيءٍ وأوهنه.
[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا)].
(كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ)، أي: كفوها عن القتال؛ وذلك أن المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة، وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه، (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ) بالمدينة كع فريق منهم؛ لا شكا في الدين، ولا رغبة عنه، ولكن نفورًا من الإخطار
_________________
(١) ـ قوله: (كع فريقٌ). النهاية: يقال: كع الرجل عن الشيء يكع كعًّا، فهو كاعٌّ: إذا جبن عنه وأحجم، فإن قلت: هذا يدل على أن فريقًا ممن كانوا يتمنون أن يؤذن لهم في القتال ما جبنوا، بل ثبتوا وقضوا ما كان عليهم، وشكر الله سعيهم، فإذًا ما معنى التوبيخ والتعجب في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ)؟ كأنهم كانوا متجاوزين حد ما أمروا به مثل أولئك الفريق! قلت: نعم؛ إنما دخلوا في حكم أولئك لأنهم شاركوهم في طلب ما كفوا عنه، ودخلوا في زمرة الذين قيل فيهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ) [الحجرات: ١]، وإنما ذكر الفرقة التي جبنت دون الأخرى للتعيير، وأنهم ما وفوا بما تمنوا من طلبتهم وترك الممتثلين بما كتب عليهم؛ لأنهم وإن أخطؤوا في ذلك التمني، لكنهم صدقوا في ما عزم عليهم من القتال، فالأولون أخطؤوا خطأين، وهؤلاء خطأً واحدًا. والفاء في (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ) فصيحةٌ؛ إذ التقدير: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ)، كيف تمنوا القتال؟ فلما كتب عليهم القتال جبن فريقٌ منهم، وإليه الإشارة بقوله: «وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم». وفي صلة الموصول- أعني قوله: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ) - معنى قوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ) [الكافرون: ٦]، ولذلك قال: «كانوا مكفوفين عن قتال الكفار ما داموا بمكة».
[ ٥ / ٦٨ ]
بالأرواح، وخوفًا من الموت. (كَخَشْيَةِ اللَّهِ): من إضافة المصدر إلى المفعول. فإن قلت ما محل (كَخَشْيَةِ اللَّهِ) من الإعراب؟ قلت: محله النصب على الحال من الضمير في (يَخْشَوْنَ)، أي: يخشون الناس مثل أهل خشية اللَّه، أي: مشبهين لأهل خشية اللَّه، (أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) بمعنى: أو أشد خشية من أهل خشية اللَّه. و(أشد) معطوفٌ على الحال. فإن قلت: لم عدلت عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدر: يخشون خشية مثل خشية اللَّه، بمعنى: مثل ما يخشى اللَّه؟ قلت: أبى ذلك قوله: (أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً)؛ لأنه وما عطف عليه في حكم واحد، ولو قلت: يخشون الناس أشد خشية لم يكن إلا حالًا عن ضمير الفرق، ولم ينتصب انتصاب المصدر، لأنك لا تقول: خشي فلانٌ أشد خشية، فتنصب "خشية"، وأنت تريد المصدر، إنما تقول: أشد خشيةٍ فتجرّها، وإذا نصبتها لم يكن (أشد خشية) إلا عبارة عن الفاعل حالًا منه، اللهم إلا أن تجعل
_________________
(١) ـ قوله: (أبى ذلك قوله: (أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً)؛ لأنه وما عطف عليه في حكم واحد). قال ابن الحاجب في «الأمالي»: وفيه نظر، لم لا يجوز أن يكون (أَشَدَّ) منصوبًا بفعلٍ مضمرٍ دل عليه (يَخْشَوْنَ) الأول؟ أي: يخشون الناس خشيةً مثل خشية الله، أو يخشون الناس أشد خشيةً، فتكون الكاف نعتًا لمصدرٍ محذوف، و(أَشَدَّ): حالًا، وهذا أولى؛ لأنها جرت الكاف على ظاهرها، ولا يلزم ما ذكروه من أن المعطوف يشارك المعطوف عليه في العامل؛ لأن ذلك في المفردات وهذه جمل، ولأن قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) [البقرة: ٢٠٠] لا يجوز فيه الحال، ولا يستقيم إلا على هذا، فينبغي أن يكون هذا مثله لموافقته في اللفظ. قوله: (لا تقول: خشي فلانٌ أشد خشيةً، فتنصب «خشيةً»، وأنت تريد المصدر، إنما تقول: أشد خشيةٍ فتجرها). قال أبو البقاء في قوله تعالى: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا): «أفعل» تضاف إلى ما بعدها إذا كان من جنس ما قبلها، كقولك: ذكرك أشد ذكرٍ، ووجهك أحسن وجهٍ، أي: أشد الأذكار وأحسن الوجوه، وإذا نصبت ما بعدها كان غير الذي قبلها،
[ ٥ / ٦٩ ]
الخشية خاشية وذات خشية، على قولهم جد جده، فتزعم أن معناه: يخشون الناس خشية مثل خشية اللَّه، أو: خشية أشد خشية من خشية اللَّه، ويجوز على هذا أن يكون محل (أَشَدَّ) مجرورًا عطفًا على (كَخَشْيَةِ اللَّهِ) تريد: كخشية اللَّه أو كخشيةٍ أشد خشية منها. (لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ): استزادة في مدة الكف، واستمهال إلى وقتٍ آخر، كقوله: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ) [المنافقون: ١٠].
(وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) ولا تنقصون أدنى شيءٍ من أجوركم على مشاق القتال، فلا ترغبوا عنه، وقرئ: (ولا يظلمون) بالياء.
[(أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا
_________________
(١) ـ كقولك: زيدٌ أفره عبدًا، فالفراهة للعبد، لا لزيد، والمذكور قبل (أَشَدَّ) هو الذكر، والذكر لا يذكر حتى يقال: الذكر أشد ذكرًا، وإنما يقال: أشد ذكرٍ بالإضافة؛ لأن الثاني هو الأول. والذي قاله أبو عليٍّ وابن جني وغيرهما: أنه جعل الذكر ذاكرًا على المجاز، كما يقال: زيدٌ أشد ذكرًا من عمرو. وقال ابن الحاجب: إن أفعل التفضيل إذا ذكر بعده ما هو من جنسه وجب أن يكون محفوظًا؛ لأن الغرض نسبة شيءٍ إلى شيءٍ اشترك هو وهم في ذلك المعنى وزاد عليهم، وهو في هذا مخالفٌ لباب الإضافة من حيث إنه يجب إضافته إلى شيءٍ هو بعضه، فالتقدير: يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله أو أشد، ف (أَشَدَّ) على هذا في موضع نصبٍ عطفًا على الكاف. ويجوز أن يكون: (كَخَشْيَةِ اللَّهِ) على ظاهرها: نعتًا لمصدرٍ محذوف، فيكون (أَشَدَّ) من باب قولهم: جد جده؛ لأنه جعل للخشية خشيةً مبالغةً، فيكون ذكر (خَشْيَةً) بعد (أَشَدَّ) على معنى أنه للخشية. قوله: (استزادةٌ في مدة الكف) يعني: في (لَوْلا) معنى التمني والطلب، والمعنى: ليتنا أخرنا، فولد (لَوْلا) معنى السؤال.
[ ٥ / ٧٠ ]
هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا* ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا)].
قرئ: (يُدْرِكْكُمُ) بالرفع وقيل: هو على حذف الفاء، كأنه قيل: فيدرككم الموت، وشبه بقول القائل:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا
ويجوز أن يقال: حمل على ما يقع موقع (أَيْنَما تَكُونُوا) وهو: أينما كنتم، كما حُمِلَ:
ولا ناعب
على ما يقع موقع «ليسوا مصلحين» وهو: ليسوا بمصلحين، فرفع كما رفع زهير:
_________________
(١) ـ قوله: (من يفعل الحسنات الله يشكرها). تمامه: والشر بالشر عند الله مثلان وفي رواية: سيان، واستشهد بأنه على تقدير حذف الفاء، أي: فالله يشكرها. قوله: (وهو: أينما كنتم) فإن الشرط إذا وقع ماضيًا يجوز في الجزاء الرفع والجزم؛ وإنما جاز الرفع لأن العامل لما لم يعمل (في القريب منه فلأن لا يعمل) في البعيد أولى. قوله: (كما حمل: ولا ناعبٍ) أي: في قول الشاعر: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرةً … ولا ناعبٍ إلا ببينٍ غرابها «ولا ناعبٍ»: عطفٌ على محل «مصلحين»؛ إذ التقدير: ليسوا بمصلحين، فإنه يوهم أن الباء في «بمصلحين» موجودةٌ، ثم عطف عليه مجرورًا.
[ ٥ / ٧١ ]
يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ
_________________
(١) ـ قوله: (يقول: لا غائبٌ مالي ولا حرم)، أوله: وإن أتاه خليلٌ يوم مسألةٍ قبله: هو الجواد الذي يعطيك نائله … عفوًا ويظلم أحيانًا فينظلم الخليل: الفقير، والخلة: الحاجة والفقر، أي: محتاج مختل، ويوم مسألة، أي: حاجة، قائله: زهير يمدح هرم بن سنان، يقول: لا يعتل إذا أتاه اخلي وسأله من ماله بعلةٍ حتى يحرمه، بل يقول: لا غائب مالي بل هو حاضر، ولا حرم أي: لا حرمان لك مني، رفع «يقول» وهو جزاء الشرط لما ذكرنا. وقد خاف ها هنا ما ذكره في آل عمران عند قوله: (ومَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ) [آل عمران: ٣٠] قال: لا يصح أن تكون «ما» شرطية، لارتفاع (تَوَدُّ)، ولم يجعل هن رفع (يُدْرِككُّمُ) مانعًا على أنه أول الشرط بالماضي. الانتصاف: في قوله: «حمل على ما يقع موقع (أَيْنَمَا تَكُونُوا) وهو: أينما كنتم» نظرٌ، أما «ولا ناعبٍ» فلأن الباء اطرد دخولها في خبر «ليس» توطئةً فجاز الحمل عليه. وأما تقدير (أَيْنَمَا) في معنى كلامٍ آخر يرتفع معه (يُدْرِككُّمُ) فلم يشتهر ولم يوجد له نظير، وبيت زهيرٍ محمولٌ بنقل سيبويه على التقديم والتأخير، أي: يقول: لا غائبٌ مالي ولا حرمٌ إن أتاه خليلٌ، كقول الشاعر: يا أقرع بن حابسٍ يا أقرع … إنك إن يصرع أخوك تصرع فليس من قبيل: ولا ناعبٍ.
[ ٥ / ٧٢ ]
وهو قول نحوي سيبوي. ويجوز أن يتصل بقوله: (وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا)، أي: ولا تنقصون شيئًا مما كتب من آجالكم، أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها،
_________________
(١) ـ قوله: (أي: ولا تنقصون شيئًا مما كتب من آجالكم، أينما تكونوا في ملاحم حروبٍ أو غيرها)، فعلى هذا: «أين»: ظرف (لا يُظْلَمُونَ)، و(يُدْرِككُّمُ): استئناف، وعلى الأول: (أَيْنَمَا): شرط، وجزاؤه (يُدْرِككُّمُ)، والجملة استئنافية. الانتصاف: هذا حجةٌ واضحةٌ عليه في أن القتل في المعركة لا يعارض الأجل المقدر. وقلت: قد مضى في آل عمران عند قوله تعالى: (فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [آل عمران: ١٦٨] بيان مذهبه، وهو أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود، وعلى هذا التفسير قوله: (يُدْرِككُّمُ المَوْتُ) تقريرٌ لمعنى قوله: (ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) [النساء: ٧٧]، على طريقة الطرد والعكس؛ لأن منطوق الأول على هذا التفسير: أن آجالكم مقدرةٌ لا تنقص وإن أقحمتم أنفسكم في الأخطار، ومفهومه: أنها لا تزيد وإن أحصنتموها في بروجٍ مشيدة الأقطار، وبالعكس في قوله: (يُدْرِككُّمُ المَوْتُ ولَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ)، فمعنى قوله: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) [النساء: ٧٧] على هذا أن التمتع في الدنيا إنما يكون في أزمنةٍ قلائل، وقوله: (ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا» تتميمٌ له. علم من الأول أن الحياة في وشك الزوال، ومن الثاني أنها مع ذلك مقدرة الآجال، والجملتان جوابٌ عن قولهم: (لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ). وقريبٌ منه قوله تعالى: (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفِرَارُ إن فَرَرْتُم مِّنَ المَوْتِ أَوِ القَتْلِ وإذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إلاَّ قَلِيلًا) [الأحزاب: ١٦]، وعلى أن يتم الكلام عند قوله: (ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) قوله: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) جاء على عمومه، والمراد من قوله: (ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا)، لا ينقص من سعيكم في نصرة الدين وسائر أعمالكم، ويكون قوله: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ» ردعًا لهم على جبنهم وخوفهم من الناس لمحبة الدنيا، والركون إلى حطامها، وإيثارها على الجهاد الذي هو الحياة الأخروية، وهو كالتمهيد للجواب، يعني: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ)، وهو استئنافٌ لبيان أن جبنهم وخوفهم من الناس لا ينفعهم البتة؛ لأن الآجال مقدرة، لا ينفع الحذر إذا جاء القدر.
[ ٥ / ٧٣ ]
ثم ابتدأ قوله: (يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)، والوقف على هذا الوجه على (أينما تكونوا).
والبروج: الحصون. (مشيدةٍ) مرفعة. وقرئ: (مُشَيَّدَةٍ) من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجصّ. وقرأ نعيم بن ميسرة: (مُشَيَّدَةٍ) بكسر الياء؛ وصفًا لها بفعل فاعلها، مجازًا كما قالوا: قصيدةٌ شاعرة، وإنما الشاعر فارضها.
السيئة تقع على البلية والمعصية، والحسنة على النعمة والطاعة
_________________
(١) ـ قوله: (والبروج: الحصون. (مُّشَيَّدَةٍ): مرفعةٌ). الراغب: البروج: القصور، وسمي بروج النجوم لمنازلها المختصة بها، وقوله تعالى: (ولَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) يصح أن يراد بها بروجٌ في الأرض، وتكون إشارةً إلى ما قال الشاعر: ولو كنت في غمدان يحرس بابه … أراجيل أحبوشٌ وأسود آلف إذًا لأتتني حيث كنت منيتي … يحث بها هادٍ لإثري قائف وأن يراد بها (بروج النجوم)، ويكون لفظ المشيدة فيها على سبيل الاستعارة، وتكون الإشارة بالمعنى إلى نحو ما قال زهير: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه … ولو نال أسبب السماء بسلم قوله: (السيئة تقع على البلية والمعصية، والحسنة على النعمة والطاعة). الراغب: الحسنة والسيئة من الألفاظ المشتركة؛ ك «الحيوان» الذي يقع على الإنسان والفرس والحمار، أو من الأسماء المختلفة كالعين، ولو أن قائلًا قال: الحيوان متكلم، والحيوان غير متكلم، وأراد بالأول الإنسان، وبالثاني الفرس والحمار: لم يكن مناقضًا؛ وكذا إذا قيل: العين في الوجه، والعين ليس في الوجه، وأريد بالأولى الجارحة، وبالثانية عين الميزان أو السحاب، وكذلك
[ ٥ / ٧٤ ]
_________________
(١) ـ الآية: إذا أريد بالحسنة والسيئة في الآية الثانية غير الذي أريد بهما في الآية الأولى. وقلت: ويمكن أن يقال: لما عقب (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) بقوله: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ) ناسب أن تحمل الحسنة الأولى على النعمة، والسيئة على البلية، ولما أردف قوله: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) بقوله: (وأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا) ناسب أن يحملا على ما يتعلق بالتكليف من المعصية والطاعة؛ ولذلك غير العبارة في قوله: (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) وقوله: (مَا أَصَابَكَ). قال الراغب: فإن قيل: ما الفرق بين قولك: هذا من عند الله، وهذا من الله؛ حتى قال في الأول: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) وقال في الثاني: (فَمِنَ اللَّهِ)؟ قيل: إن قوله: من عند الله أعم؛ فإنه قد يقال فيما كان يرضاه ويسخطه، وفيما يحصل، وقد أمر به ونهى، ولا يقال: هو من الله إلا فيما يرضاه ويأمره، وبهذا النظر قال عمر ﵁: إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن الشيطان. فالنفس المذكورة في قوله تعالى: (إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) [يوسف: ٥٣]، ومقتضى الآية كقوله: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا) [القصص: ٨٩]، وقوله: (ومَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) الآية: [القصص: ٩٠]. فإن قيل: إذا كان معنى الآية على ما ذكرت في أنه أريد به الثواب والعقاب؛ فهلا قال: ما أصابك من حسنة وسيئة فمن نفسك، إذا كان مقتضى ثوابه وعقابه فعل العبد؟ قيل: إنما نسب الله تعالى الحسنة إلى نفسه في الثواب تنبيهًا على أنه سبب الخيرات، ولولاه لما حصل بوجهٍ، فإنه يكسبه العبد بإرادةٍ من الله تعالى وأمرٍ وحثٍّ وتوفي، وأما السيئة وإن كانت بإرادةٍ من الله تعالى فليس بأمرٍ منه ولا حثٍّ ولا توفي، ومع ذك أدب بذلك عباده يراعوا فيما ينالهم من نعمته عليهم وينسبوا الحسنات إليه ويعملوا أنه سبب كل خيرٍ
[ ٥ / ٧٥ ]
_________________
(١) ـ آت، وأنه لولاه لما حصل منها شيء، وعلى هذا قول عليٍّ رضي الله تعالى عنه: لا تخش إلا ذنبك، ولا ترج إلا ربك، وقال القاضي: الآيتان كما ترى لا حجة لنا فيهما ولا للمعتزلة. وأما الإمام فقد أطنب فيه كل الإطناب بتعديد الأقوال والتراجيح، فاختار منها العموم، قال: قوله: (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ) يفيد العموم في كل الحسنات من النعم والطاعات، (وإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) يفيد العموم في كل السيئات من البلايا والمعاصي، ثم قوله: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) صريحٌ في أن الجميع من الله، فكانت الآية دالةً على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله تعالى وهو المطلوب. وما اختاره المصنف من اختصاصهما بالنعمة والبلية أولى، والمقام له أدعى، لا سيما سبب النزول، ولفظة الإصابة إنما تستعمل فيما ذكر شائعًا ذائعًا، وفي الطاعة والمعصية نادرًا، لكن يشكل بما أنه تعالى إنما نفى أن تكون الحسنة والسيئة المخصوصتان من عند غيره بقوله: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)، ثم أثبت أن تلك الحسنة من الله والسيئة من نفس العبد، والتقصي منه إنما يحصل ببيان فائدة ذكر (عِندِ)، والتمييز بلفظة (هَذِهِ)، وليست إلا لاستقلال الاستناد، كأنه قيل: ليست هذه السيئة المشخصة إلا من تلقاء نفسك ومن قبلك، وليس لله تعالى فيها قضاءٌ ولا قدر، ونحوه قوله: (وعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف: ٦٥]، أي: بغير واسطة تعليم معلم، قال في قوله تعالى: (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) [البقرة: ١٠٩]: «تمنيهم ذلك من عند أنفسهم، ومن قبل شهواتهم، ولا من قبل التدين والميل مع الحق»، ألا ترى كيف أثبت ونفى، وكان يلزم منه تعدد الخالق كمذهب المجوس؟ ولما لم يكن قصد اليهود في الإيراد هذا- بل ما ذكره المصنف من قوله: «أضافوها إليك وقالوا: هي من عندك وما كانت إلا بشؤمك» لكن لزم منه ذلك- رد الله تعالى عليهم بقوله: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) هذا المؤدي اللازم أولًا، لكونه أهم؛ لأنه ذبٌّ عما يلزم نسبته إلى
[ ٥ / ٧٦ ]
_________________
(١) ـ الله تعالى من الشرك ظاهرًا، ثم وبخهم وعنفهم حيث رتب عليه بالفاء قوله: (فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)، وجاء باسم الإشارة تحقيرًا، وخص الفقه بالذكر تسجيلًا عليهم بعدم الفطنة، أي: فما لهؤلاء الجهلة لا يفطنون ما يتفوهون من لزوم تعدد الخالق المستلزم للشرك المؤدي إلى فساد العالم، ثم استؤنف بما هو حقيقة الجواب قائلًا: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) على الخطاب العام، ليدخلوا فيه دخولًا أوليًّا مشتملًا على نوعٍ من الالتفات، أخبر عنهم أولًا على سبيل الغيبة في قوله: (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا)، ثم جعلهم كالحاضرين المشاهدين في قوله تعالى: (فَمَالِ هَؤُلاءِ) نعيًا عليهم سوء مقالتهم إلى غيرهم، ثم صيرهم كالمخاطبين في قوله: (مَا أَصَابَكَ) مزيدًا للتوبيخ على ما نسبوا إلى رسول الله ﷺ من إضافة الشؤم إليه، وأبرز الجواب على صورة القول بالموجب، قرر أولًا ما أرادوا من قولهم، ثم كر إلى إبطاله وقلعه من سنخه، أي: صدقت أيها القائل فيما قلت: هذه من عند الله، لكن كذبت فيما زعمت: هذه من عندك؛ بل هو من شؤم نفسك الخبيثة وتكذيبك الحق الجلي بقولك: إن محمدًا ليس بمبعوثٍ إلى الكل، وإن بعثته مختصةٌ بالعرب، فظهر من هذا التقرير اختلاف جهتي نفي المشيئة وإثباتها من حيث الإيجاد والسبب، وإلى الأول يلمح قوله: «فرد الله عليهم بقوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) يبسط الأرزاق ويقبضها» وإلى الثاني بقوله: «لأنك السبب فيها». ولما فرغ ﷾ من رد القوم في الأمرين؛ شرع يسلي حبيبه صلوات الله عليه وسلامه مما أضافوا إليه من أن السيئة بسببك ومن قولهم: إنك لست بمبعوثٍ إلى الكل بقوله: (وأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا)، فإنه دل بعبارة النص على ما قال المصنف: «لست برسول العرب وحدهم، أنت رسول العرب والعجم»، ودل بإشارته بواسطة لفظ الإرسال والعموم وإيثار صيغة التعظيم وخطاب الرسول على معنى قوله تعالى: (ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: ١٠٧]، يعني: كيف يتصور فيه السوء؟ وإنه رحمةٌ مهداةٌ للعالمين. وكفى بقوله تعالى: (وكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) على إرادة التسلي، والله تعالى أعلم بمراده من كلامه.
[ ٥ / ٧٧ ]
قال اللَّه تعالى: (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الأعراف: ١٦٨]. وقال: (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) [هود: ١١٤] والمعنى: وإن تصبهم نعمة من خصبٍ ورخاءٍ نسبوها إلى اللَّه، وإن تصبهم بليةٌ من قحطٍ وشدة أضافوها إليك، وقالوا: هي من عندك وما كانت إلا بشؤمك، كما حكى اللَّه عن قوم موسى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ) [الأعراف: ١٣١]، وعن قوم صالح: (قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ) [النمل: ٤٧]. وروي عن اليهود - لعنت - أنها تشاءمت برسول اللَّه؛ فقالوا: منذ دخل المدينة نقصت ثمارها، وغلت أسعارها، فردّ اللَّه عليهم بقوله: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يبسط الأرزاق ويقبضها على حسب المصالح. (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) فيعلموا أن اللَّه هو الباسط القابض، وكل ذلك صادر عن حكمةٍ وصواب.
ثم قال: (ما أَصابَكَ) يا إنسان، خطابًا عامًا (مِنْ حَسَنَةٍ) أي: من نعمةٍ وإحسانٍ (فَمِنَ اللَّهِ): تفضلًا منه وإحسانًا وامتنانًا وامتحانًا (وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ): من بليةٍ ومصيبةٍ (فَمِن نَّفْسِكَ): لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك، (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى: ٣٠].
وعن عائشة ﵂: "ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة
_________________
(١) ـ قوله: (ثم قال تعالى: (مَا أَصَابَكَ) يا إنسان، خطابًا عامًّا) يعني: أنه من باب قوله: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته … وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا أي: الخطاب لعامته بحيث لا يختص بأحدٍ دون أحد. قوله: (وعن عائشة ﵂: «ما من مستلم») الحديث من رواية البخاري ومسلمٍ وغيرهما، قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما من مصيبةٍ تصيب المؤمن إلا كفر الله عنه بها، حتى الشوكة يشاكه».
[ ٥ / ٧٨ ]
يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب، وما يعفو اللَّه أكثر".
(وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا)، أي: رسولًا للناس جميعًا، لست برسول العرب وحدهم،
_________________
(١) ـ الجوهري: شاكتني الشوكة: إذا دخلت في جسده. قوله: (أي: رسولًا للناس جميعًا) يريد أن تقديم (لِلنَّاسِ) على عامله وهو (رَسُولًا) يفيد في هذا المقام معنى القصر القلبي، وبيانه أن اللام في (لِلنَّاسِ) للاستغراق، وهو في مقابلة البعض؛ لأنه رد لزعم اليهود أنه مبعوثٌ إلى العرب خاصةً دون كل الناس، وإليه الإشارة بقوله: «لست برسول العرب وحدهم، أنت رسول العرب والعجم» أي: جميع أصناف الناس؛ لأن معنى القصر القلبي: رد المخاطب إلى إثبات ما ينفيه، ونفي ما يثبته من الحكم. والظاهر أن القائلين اليهود؛ لأنه تعالى لما رد عليهم ما قالوه في حقه ﷺ: (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ) بقوله: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)، كما يدل عليه قول المصنف: «روي عن اليهود- لعنت- أنها تشاءمت برسول الله ﷺ، فقالوا: منذ دخل المدينة نقصت ثمارها، فرد الله عليهم بقوله: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ»)، وكان ذلك أمرًا يتعلق بالأمور الدنيوية، أتى برد آخر على ما يتعلق بالأمور الدينية استطرادًا، وهو قوله تعالى: (وأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا). وإنما أوثر التعريف الاستغراقي على العهد والجنس؛ لأنه إذا جعل للعهد والمقام فقد أثبت بعثته إلى بعضٍ دون بعض، وإذا رد زعمهم أنه لم يبعث إليهم بل بعث إلى العرب فتنتفي بعثته عن العرب ويختص، وهو خلف. وأما الجنس فلا يصح أيضًا، لأن الكلام حينئذٍ مع جنس الناس وجنس الجن، ولا قائل: إنه لم يبعث إلى الإنس بل بعث إلى الجن. وأما قصر الإفراد فلا يصح أيضًا؛ لأنه لا يزعم أحدٌ من المخالفين أنه بعث إلى الجن والإنس، فيرد أنه مختصٌّ بالإنس. قال أبو البقاء: (رَسُولًا): حالٌ مؤكدة، أي: ذا رسالة، ويجوز أن يكون مصدرًا، و(لِلنَّاسِ) متعلقٌ بـ (أَرْسَلْنَا).
[ ٥ / ٧٩ ]
أنت رسول العرب والعجم، كقوله: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) [سبأ: ٢٨]، (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) [الأعراف: ١٥٨]. (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا) على ذلك، فما ينبغي لأحدٍ أن يخرج عن طاعتك واتباعك.
[(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا)].
(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ)؛ لأنه لا يأمر إلا بما أمر اللَّه به، ولا ينهى إلا عما نهى اللَّه عنه فكانت طاعته في امتثال ما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه طاعة اللَّه.
وروي أنه قال: «من أحبنى فقد أحبّ اللَّه، ومن أطاعنى فقد أطاع اللَّه» فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل، لقد قارف الشرك وهو ينهى أن يعبد
_________________
(١) ـ وقال القاضي: (رَسُولًا): حالٌ قصد بها التأكيد إن علق الجار بالفعل، والتعميم إن علق بها: رسولًا للناس. وإنما اختار المصنف هذا الوجه ليطابق المقام؛ لأن الكلام مع اليهود كما سبق؛ ولهذا استشهد بالآيتين الدالتين على العموم، على أن يكون (كَافَّةً) صفة مصدرٍ محذوف، أي: إلا رسالةً كافةً عامةً محيطةً بهم، وعلى أن يكون حالًا من الكاف، أي: جامعًا للناس في الإنذار على: وما أرسلناك إلا كافًّا للناس عن الكفر والمعاصي. قوله: «فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله) إلى آخره. هذا التعليل يفيده لفظ (الرَّسُولَ)؛ لأنه من وضع المظهر موضع الضمير للإشعار بعلية إيجاب الطاعة له، يدل عليه السياق وهو قوله: (وأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا)، والسياق وهو قوله: (ومَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا)، وكان من الظاهر: ومن تولى فقد عصى الله؛ بقوله: (فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، فوضع موضعه (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) ليدل على المبالغة؛ لأن هذا الكلام إنما يخاطب به من ظن أنه حفيظٌ عليهم وعلى أن يردهم من العصيان إلى الطاعة، وهذا يبنى على أن القوم قد أوغلوا في العصيان.
[ ٥ / ٨٠ ]
غير اللَّه، ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فنزلت.
(وَمَنْ تَوَلَّى) عن الطاعة فأعرض عنه، (فَما أَرْسَلْناكَ) إلا نذيرًا لا حفيظًا ومهيمنًا عليهم، تحفظ عليهم أعمالهم، وتحاسبهم عليها، وتعاقبهم، كقوله: (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) [الأنعام: ١٠٧].
[(وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا)].
(وَيَقُولُونَ) إذا أمرتهم بشيءٍ: (طاعَةٌ) بالرفع، أي: أمرنا وشأننا طاعة، ويجوز النصب بمعنى: أطعناك طاعةً، وهذا من قول المرتسم: سمعًا وطاعةً، وسمعٌ وطاعةٌ. ونحوه قول سيبويه: وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمد اللَّه وثناءٌ عليه، كأنه قال: أمري وشأني حمد اللَّه، ولو نصب حمد اللَّه وثناءً عليه كان على الفعل، والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها.
(بَيَّتَ طائِفَةٌ): زورت طائفة وسوت (غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) خلاف ما قلت وما
_________________
(١) ـ قوله: (من قول المرتسم). الأساس: ومن المجاز: رسمت له أن يفعل كذا فارتسمه، وأنا أرتسم مراسمك لا أتخطاها، ومنه: ارتسم: إذا دعا، كأنه أخذ بما رسم الله له من الالتجاء إليه. قوله: (زورت طائفةٌ) يروى بالراء والزاي بعد الواو، يقال: زورت في نفسي كلامًا ثم قلته، أي: دبرت، ومنه قول عمر ﵁: زورت في نفسي كلامًا أقوم به يوم السقيفة، فقام به أبو بكرٍ ﵁. ورواه أبو عبيدة بتقديم الزاي على الراء، وقد خطئ، وليس بخطأٍ؛ لأن المصنف ذكره في «الفائق» في كتاب الزاي، في سقيفة بني
[ ٥ / ٨١ ]
أُمرت به، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة؛ لأنهم أبطلوا الرد لا القبول، والعصيان لا الطاعة، وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون، والتبييت: إما من البيتوتة؛ لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، يقال: هذا أمر بيت بليلٍ، وإما من أبيات الشعر؛ لأن الشاعر يدبرها ويسويها. (وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ): يثبته في صحائف أعمالهم، ويجازيهم عليه على سبيل الوعيد؛ أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك، فيطلعك على أسرارهم فلا يحسبوا أن إبطانهم يغني عنهم. (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ): ولا تحدّث نفسك بالانتقام منهم، (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) في شأنهم، فإنّ اللَّه يكفيك معرّتهم، وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام وعز أنصاره. وقرئ: (بَيَّتَ طائِفَةٌ) بالإدغام وتذكير الفعل؛ لأنّ تأنيث الطائفة غير حقيقي، ولأنها في معنى الفريق والفوج.
[(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا)].
تدبُّر الأمر: تأمُّله والنظر في إدباره وما يؤل إليه في عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل
_________________
(١) ـ ساعدة حين اختلفت الأنصار على أبي بكر، فجاء أبو بكرٍ ﵁ فما ترك شيئًا مما كنت زورته، قال أبو زيد: كلامٌ مزورٌ ومزوق أي: محسن، وقيل: مهياٌ مقوًّى. من قول ابن الأعرابي: الزور: القوة، وليس له زور، أي: قوة رأي. وفي «النهاية» في باب الزاي: في حديث عمر: كنت زورت في نفسي مقالةً، أي: هيأت وأصلحت. قوله: (معرتهم). النهاية: المعرة: الأمر القبيح المكروه والأذى، وهي مفعلةٌ من العر، وأصل المعرة: موضع العر، وهو الجرب. قوله: (وقرئ: «بيت طائفةٌ» بالإدغام): قرأ أبو عمروٍ وحمزة بإدغام التاء في الطاء، والباقون بفتح التاء من غير إدغام. قوله: (تدبر الأمر: تأمله)، قال المصنف: في قوله: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ) الآية،
[ ٥ / ٨٢ ]
في كل تأمل، فمعنى تدبر القرآن: تأمل معانيه وتبصر ما فيه.
(لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا): لكان الكثير منه مختلفًا متناقضًا، قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان بعضه بالغًا حدّ الإعجاز، وبعضه قاصرًا عنه يمكن معارضته، وبعضه إخبارًا بغيبٍ قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارًا مخالفًا للمخبر عنه، وبعضه دالًا على معنى صحيحٍ عند علماء المعاني،
_________________
(١) ـ فوائد، منها: وجوب النظر في الحجج والدلالات، وبطلان التقليد، وبطلان وقل من يقول: القرآن لا يفهم المراد بظاهره، وبطلان قول من يقول: إن المعارف الدينية ضرورية، وفيها الدلالة على صحة القياس، والدلالة على أن أفعال العباد ليست بخلق الله تعالى لوجود التناقض فيها، وفيه نظر. الراغب: التدبر: النظر في دبر الأمور وتأملها، وأصله من الدبر، ومنه الدبور، وقد يقال ذلك في تأمل الشيء بعد حصوله، ومعرفة خيره من شره، وصلاحه من فساده، كقولك: تدبرت فيما فعل فلان فوجدته سديدًا، وإلى هذا نظر المصنف في قوله: «ثم استعمل في كل تأمل». قوله: (دالاًّ على معنًى صحيحٍ عند علماء المعاني). إنما خص علماء المعاني؛ لأن جل التركيب التنزيلي وارد لا على مقتضى الظاهر، فمن لم يمارس هذا العلم وما منح الفضل الإلهي من سلامة فطرةٍ واستقامة طبيعةٍ وشدة ذكاءٍ وصفاء قريحة: بادر إلى بيان الاختلاف وإظهار التناقض، وإذا نظر صاحبه إليه استنبط من ذلك الاختلاف معاني تحرق منها الأوهام وتسلب بها العقول. قال السجاوندي: الاختلاف هو الذي يرجع به إليه عيب التناقض لا التجنس وبسط وجوه المعاني وتشعب الآراء في التفسير والتأويل، وهو برهان الكمال، واختلاف الجاهل فيه لا يؤثر في كماله كما لم يصر كذبًا بتكذيب الجاهلين، وقد قال الله تعالى: (ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) [هود: ١١٠].
[ ٥ / ٨٣ ]
_________________
(١) ـ وها نحن نبين لك بلسانهم ما تقتضيه الحال في هذا المقام؛ وهو أن «لو» لامتناع الشيء لامتناع غيره، فإذا دخلت على المثبت جعلته منفيًّا وبالعكس، فإذن المعنى: ما وجدوا في القرآن اختلافًا كثيرًا؛ لأنه كان من عند الله، فمن ذهب إلى أن الوصف تخصيصٌ وإثبات للحكم فيما عدا المذكور؛ التزم الاختلاف في القليل، لكن غير مخل، كالناسخ والمنسوخ والمتشابه والعام والخاص ونحو ذلك. قلت: كلا، إنما يذهب إلى ذلك إذا لم يوجد للتخصيص فائدةٌ سواه، وها هنا الكلام في قومٍ مخصوصين في شأن البلاغتين؛ لأنهم تحدوا بهذا القرآن، وعجزوا عن الإتيان بمثله، ومع ذلك تقاعدوا عن الإيمان به، فأنكر عليهم، وقيل في حقهم: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ) الآية، وفائدة الوصف: أن الواجب من حيث الظاهر أن يجدوا اختلافًا كثيرًا؛ لكونهم أكثر من حصى البطحاء ورمال الدهناء مع كونهم فرسان البلاغة لا يشق غبارهم في ميدان الطراد مع تهالكهم وحرصهم على الدفع بإظهار الاختلاف، فلما لم يظفروا بشيء منه؛ علم أن القرآن ليس من كلام البشر، بل هو من كلام خالق القوى والقدر، فوجب عليهم أن يتدبروا في ذلك، ويظهروا الإيمان به، نحو قوله تعالى: (لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً) [آل عمران: ١٣٠]، وقوله: (ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إمْلاقٍ) [الإسراء: ٣١]. هذا وأما من جهة المعاني: فإن قولك: ما وجدوا في القرآن اختلافًا كثيرًا؛ فمن باب قوله: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: ١٨]، وقول الشاعر: على لا حبٍ لا يهتدى بمناره فيحتمل أن لا يكون ثمة اختلافًا ولا كثرة، وأن يكون اختلافًا غير كثير؛ فدل على الأول اقتضاء المقام على ما سبق. ووجهٌ آخر؛ وهو أن يكون في الكلام حذف، أي: يتغافلون، وهم الذين لا يصطلي بنارهم في المعرفة والفطنة، فلا يتفكرون في هذا القرآن وأنه من عند الله؛ إذ ليس فيه اختلافٌ قط، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، فما لهم لا يؤمنون به؟ ! فتكون الجملة الشرطية معطوفةٌ على هذا المقدر. والله أعلم.
[ ٥ / ٨٤ ]
وبعضه دالًا على معنى فاسدٍ غير ملتئم، فلما تجاوب كله بلاغة معجزةً فائتةً لقوى البلغاء، وتناصر صحة معانٍ وصدق إخبار، علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه. فإن قلت: أليس نحو قوله: (فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) [الأعراف: ١٠٧]، (كَأَنَّها جَانٌّ) [النمل: ١٠]؛ (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر: ٩٢]، (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) [الرحمن: ٣٩]؛ من الاختلاف؟ قلت: ليس باختلافٍ عند المتدبرين.
_________________
(١) ـ قوله: (ليس باختلافٍ عند المتدبرين). قال على الأول: إن العصا كانت عند انقلابها حيةً صغيرةً، ثم تزايد جرمها حتى صارت ثعبانًا، فالجان أول حالها والثعبان مآلها، أو كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان. وعلى الثاني: إن يوم القيامة يومٌ طويل، وفيه مواطن، فيسألون في مواطن ولا يسألون في أخر. الراغب: إن للإنسان هاديين: الشرع والعقل، أحدهما أصلٌ للآخر، فبين تعالى أن الذي أتاكم به من الشرع لو كان من عند غير الله لكان مقتضى العقل يخالفه، فلما لم يوجد بينه وبين العقل منافاةٌ علم أنه من عند الله، فإن قيل: فقد ورد في الشرع أشياء يقتضي العقل خلافها، قيل: كلا، فإن جميع ما ورد به الشرع لا ينفك من وجهين: إما شيءٌ يحكم به العقل لكونه حسنًا، مثل: الاشتغال بعبادة الرب مطلقًا، أو يكون غير مهتدٍ إلى معرفته لا أنه يستقبحه، فبين الشرع حسنه، وذلك كأعداد الصلوات وهيئاتها وأركانها في كونها عبادةً على وجهٍ دون وجه، وأما أن يأتي الشرع بشيءٍ قد قضى العقل بكونه قبيحًا فليس بموجود، وبعض الناس يصور أشياء ينفر الطبع منها، كعاداتٍ جارية أو اعتقاداتٍ فاسدة؛ وذلك أنهم لم يفرقوا بينه وبين حكم العقل، وظنوا أن حكم العقل حكمٌ بضد الشرع كذبح البهائم.
[ ٥ / ٨٥ ]
[(وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلًا* فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا)].
هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان
_________________
(١) ـ قوله: (هم ناسٌ من ضعفة) أي: «هم» في (وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ)، وقوله: «كانوا إذا بلغهم» جملةٌ مبنيةٌ ومن ثم لم يجئ بالعاطف، فإن قلت: كيف اتصال هذه الآية بما قبلها؟ قلت- والله أعلم-: إنه تعالى لما حرض المؤمنين على القتال بقوله: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا) [النساء: ٤]، وزاد التحريض ثانيًا بقوله: (ومَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ) [النساء: ٥]، وترقى فيه ثالثًا إلى قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) [النساء: ٦]، وربع بالتعيير لبعض من جبن عن القتال من المؤمنين، وبالغ في الرد عليه حتى بلغ إلى أن قال: إن الآجال مقدرةٌ والحذر لا يزيد في العمر، والاقتحام في المهالك لا ينقص منه، وكان حديثًا مناسبًا للقضاء والقدر، فاستطرد ذكر المنافقين القائلين بما ينافي القدر، وأجاب عنهم: أن الكل بقضائه وقدره، وزجرهم ونسبهم إلى الجهل كما سبق، ثم أرشدهم إلى التفكر في النصوص الواردة في القرآن في ذلك بقوله: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ) [النساء: ٨٢] عاد إلى حديث الذين كفوا وجبنوا وأمثالهم، وعيرهم بنوعٍ آخر حيث قال: (وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ)، ولما فرغ من حديثهم كر إلى التحريض في القتال قائلًا: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ) مزيدًا لإلهاب المؤمنين؛ حيث خص رسول الله ﷺ بالخطاب وبالأمر بالقتال، وختم به أمر المقاتلة والمعاملة مع أعداء الله، ولما أراد أن يأخذ في شرعٍ آخر، وهو حن المعاشرة مع أولياء الله- وهو قوله تعالى: (وإذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ) - جعل قوله: (مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً)
[ ٥ / ٨٦ ]
للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول اللَّه ﷺ من أمنٍ وسلامة، أو خوفٍ وخللٍ (أَذاعُوا بِهِ)، وكانت إذاعتهم مفسدة. ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول اللَّه وإلى أولي الأمر منهم وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور، أو الذين كانوا يؤمرون منهم؛ (لَعَلِمَهُ): لعلم تدبير ما أخبروا به (الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ): الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم، ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها. وقيل: كانوا يقفون من رسول اللَّه وأولي الأمر على أمنٍ ووثوقٍ بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعارٍ فيذيعونه، فينتشر فيبلغ الأعداء، فتعود إذاعتهم مفسدة. (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر) وفوّضوه إليهم، وكانوا كأن لم يسمعوا، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه؟ وقيل: كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئًا من الخبر عن السرايا مظنونًا غير معلوم الصحة فيذيعونه، فيعود
_________________
(١) ـ تخلصًا إليه؛ لأن الشفاعة الحسنة: هي التي روعي بها حقٌّ، ودفع بها شرٌّ، وجلب خير، (واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [الأحزاب: ٤]. قوله: (أو الذين كانوا يؤمرون منهم) عطفٌ على قوله: «كبراء الصحابة» أي: علماؤهم المجتهدون منهم، والوجهان مبنيان على تفسير قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) [النساء: ٥٩] على ما سبق. قوله: «الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ): الذين يستخرجون تدبيره). الراغب: الاستنباط: خرج الشيء من أصله كاستنباط الماء من البئر، والجوهر من المعدن، وذلك كالإثارة في خرج التراب، واستعير للحديث، ومنه النبط، لاستنباطهم الأرض وعمارتها، والآية تقتضي أن لا يقدم الإنسان على ما لا يتحقق جواز الإقدام عليه، ولا يقول إلا عن بصيرة، وعلى ذلك قوله تعالى: (ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء: ٣٦]. قوله: (وقيل: كانوا يسمعون من أفواه المنافقين) عطفٌ على قوله: «وقيل: كانوا يقفون
[ ٥ / ٨٧ ]
ذلك وبالًا على المؤمنين، (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر)، وقالوا: نسكت حتى نسمعه منهم، ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع؟ (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) لعلم صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع؛ هؤلاء المذيعون، وهم (الذين
_________________
(١) ـ من رسول الله ﷺ وأولي الأمر» وهو عطفٌ على قوله: «كانوا إذا بلغهم خبرٌ عن سرايا رسول الله ﷺ». اعلم أن ما ذاعت به ضعفة المسلمين مما يجب إخفاؤه: إما أن يكون من أسرار المؤمنين أو المنافقين، والأول: إما أن تكون الأسرار التي سمعوها في أمر المسلمين من غيرهم، أو سمعوها من الرسول ﷺ وأولي الأمر. أما المعنى على الوجه الأول: فهو أن الضعفة إذا سمعوا من أمر عساكر المسلمين شيئًا من الخير والشر أفشوا وأورث ذلك فسادًا في أمر المؤمنين، فقيل لهم: لو سكتوا عن ذلك ولم يعلموا سوى الرسول والصحابة لتداركوا ذلك بحيث لا يؤدي إلى الفساد. وعلى الثاني: أنهم إذا وقفوا على أحوال الرسول ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم من الأمن أو الخوف أظهروها، وكان ذلك خللًا في أمورهم، ولو فوضوا ذلك إلى الرسول ﷺ وأصحابه لدبروا وأصلحوا ذلك الخلل. وعلى الثالث: إذا سمع النبي ﷺ وأصحابه من المنافقين أراجيف في سرايا المؤمنين بادرت الضعفة إلى الإشاعة ولم يصبروا حتى ينظر الرسول ﷺ وأصحابه: هل هو مما يذاع أم لا؟ ف «من» في (يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) على الوجهين الأولين: بيانيةٌ تجريدية، وعلى الثالث: ابتدائية؛ ولهذا قال في هذا الوجه: «(الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ) من الرسول وأولي الأمر، أي: يتلقونه ويستخرجون علمه من جهتهم»، فعلى هذا (الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ): الضعفة، وعلى الوجهين الأولين: المراد بهم الرسول ﷺ وكبراء الصحابة، فيكون من وضع المظهر موضع المضمر للإشعار بالعلية، وفيه تنبيهٌ على علو منزلة المجتهدين. قوله: (هؤلاء المذيعون) فاعل «لعلم»، وقوله: «وفوضوه إليهم»، وقوله: «وقالوا: نسكت» كلاهما من عطف التفسير.
[ ٥ / ٨٨ ]
يستنبطونه) من الرسول وأولي الأمر، أي: يتلقونه منهم، ويستخرجون علمه من جهتهم. يقال: أذاع السر وأذاع به، قال:
أَذَاعَ بِهِ فِى النَّاسِ حتَّى كَأَنَّهُ … بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثَقُوب
_________________
(١) ـ قوله: (وأذاع به). الانتصاف: في اجتماع الهمزة والباء نظر؛ لأنهما تتعاقبان، وهو الذي اقتضى الزمخشري أن يقول: «فعلوا به الإذاعة» ليخرجها عن الباء المعاقبة للهمزة. الإنصاف: على الأول لا تجعل الهمزة للتعدية؛ بل ذاع وأذاع بمعنًى، ولا يمنع اجتماعهما مع الباء نحو: سرى به وأسرى به. وقلت: ويعضده قراءة من قرأ: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) [المؤمنون: ٢٠] بضم الباء، وسيجيء الكلام فيه. وقال أبو البقاء: الألف في (أَذَاعُوا) بدلٌ من ياء، يقال: ذاع الأمر يذيع، والباء زائدة، وقيل: حمل على معنى: تحدثوا به. الانتصاف: في هذه الآية تأديبٌ حسنٌ لمن يحدث بكل ما سمع وكفى به كذبًا، وخصوصًا عن مثل الأعداء الناصبين. وقلت: نحوه في الحديث: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»، أخرجه مسلمٌ وأبو داود، عن أبي هريرة. قوله: (أذاع به في الناس) البيت، قبله:
[ ٥ / ٨٩ ]
ويجوز أن يكون المعنى: فعلوا به الإذاعة وهو أبلغ من أذاعوه. وقرئ: (لعَلِمَهُ) بإسكان اللام كقوله:
فَإنْ أَهْجُهُ يَضجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ … مِنَ الْأُدْمِ دَبْرَتْ صَفْحَتَاهُ وَغَارِبُهْ
والنبط: الماء يخرج من البئر أول ما تحفر، وإنباطه واستنباطه: إخراجه واستخراجه، فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل ويهم.
_________________
(١) ـ أمنت على السر امرأ غير حازمٍ … ولكنه في النصح غير مريب علياء: اسم موضع، والثقوب: ما ثقبت به النار. قوله: (فعلوا به الإذاعة) يريد أن قوله: (أَذَاعُوا) على باب قول الشاعر: .. يجرح في عراقبيها نصلي جعل لازمًا، ثم عومل معه معاملة اللازم فعدي بالباء، المعنى: جعلوه موضعًا للإذاعة ومكانها؛ ولهذا قال: «وهو أبلغ من أذاعوه». وروي عن سيبويه: ظننت بك ذاك، أي: جعلتك مكانًا للظن. قوله: (فإن أهجه) البيت، يضجر: من ضجر الرجل بالشيء يضجر: إذا تبرم به، والبازل: الشاب من البعير، والأدم: البيض؛ وإنما خصها لأنها أرق جلودًا، يقال: أدبرت العير تدبر، أي: تقرح، صفحتاه، أي: جانبا ظهره وغاربه، يقول: إن أهجه يضجر كما يضجر من الدبر النوق. قوله: (فيما يعضل ويهم) نشرٌ للمعاني والتدابير.
[ ٥ / ٩٠ ]
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) وهو إرسال الرسول وإنزال الكتاب والتوفيق، (لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ): لبقيتم على الكفر (إِلَّا قَلِيلًا) منكم، أو: إلا اتباعًا قليلًا.
_________________
(١) ـ قوله: (لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ): لبقيتم على الكفر (إلاَّ قَلِيلًا) منكم، أو: إلا إتباعًا قليلًا)، الأول: استثناءٌ من فاعل «اتبعتم»، والثاني من مصدره. الانتصاف: في قول الزمخشري نظر؛ إذ جعل الاستثناء من الجملة التي وليها بناءً على ظاهر الإعراب، ويفسد المعنى؛ إذ يلزم منه جواز أن ينتقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان، ومن إتباع الشيطان إلى معصيته؛ وليس لله تعالى عليه فضلٌ في ذلك معاذ الله منه؛ لأن لولا: حرف امتناعٍ لوجود، يدل على أن امتناع إتباع المؤمنين الشيطان في الكفر إنما كان لوجود فضل الله عليهم، فالفضل منع من إتباع الشيطان، فإذا استثنيت منها فقد سلبت تأثير فضل الله في امتناع الإتباع عن البعض المستثنى وجعلتهم مستبدين بإتباع الإيمان وعصيان الشيطان الداعي إلى الكفر بأنفسهم لا بفضل الله، كما تقول: لولا مساعدتي لك لسلبت أموالك إلا قليلًا، فلا تجعل لمساعدتك أثرًا في إبقاء القليل وإنما مننت عليه ببقاء تأثير المساعدة في أكثر ماله؛ ومن ثم أعاد القاضي أبو بكرٍ الاستثناء على ما قبل الجملة الأخيرة ثم اتخذها دليله في الرد على من جزم بعود الاستثناء إذا تعقب، حملًا إلى الجملة الأخيرة. وقال الإمام: ظاهر هذا الاستثناء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل الله ولا برحمته، ومعلومٌ أن ذلك محال؛ فعند ذلك اختلف المفسرون، قيل: الاستثناء راجعٌ إلى قوله: (أَذَاعُوا)، فالتقدير: إذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلًا، فأخرج من هذه الإذاعة بعضهم، قيل: راجعٌ إلى قوله: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) إلا القليل، قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى؛ لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله، وقيل: الاستثناء متعلقٌ بقوله: (ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ)؛ لأن حرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى؛ فهذا القول لا يتمشى إلا إذا فسرنا الفضل والرحمة
[ ٥ / ٩١ ]
لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال، وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها؛
_________________
(١) ـ بشيءٍ خاص، وفيه وجهان، الأول: وهو قول جماعة من المفسرين: إن المراد بفضل الله ورحمته إنزال القرآن وبعثة محمدٍ ﷺ، المعنى: لولا بعثة محمدٍ وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان وكفرتم بالله إلا القليل منكم، فإنهم ما تبعوا الشيطان وما كفروا، مثل قس ابن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل. وثانيهما: ما ذكر أبو مسلم، وهو أن المراد بفضل الله ورحمته النصرة والمعونة، المعنى: لولا حصول النصرة والظفر على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين إلا القليل منكم، وهم أهل البصائر النافذة والعزائم المتمكنة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كون الدين حقًّا حصول الدولة في الدنيا، أو باطلًا الانكسار والانهزام؛ بل مدار الأمر في كونه حقًّا أو باطلًا على الدليل. وهذا أحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق. وقلت: يشهد للقول الأول من هذين القولين قوله تعالى: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ) [النساء: ٨٠] وقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ)، وللقول الثاني قوله تعالى: (وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ)، وبعده: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ). وأما كلام المصنف فلا يمكن تصحيحه لتقييده بالتوفيق. قوله: (لما ذكر في الآي قبلها تثبيطهم عن القتال) وهي قوله تعالى: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ) [النساء: ٧٧] الآيات، وسبيل هذه الآية والفاء في (فَقَاتِلْ) مع الآيات السابقة سبيل الفاء في قوله: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ) [النساء: ٧٤] مع ما قبله، وهو قوله تعالى: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ …) الآية [النساء: ٢]، لكن هذا الخطاب مع الرسول ﷺ وذلك مع المؤمنين كما سبق. وقال الزجاج: الفاء في (فَقَاتِلْ) جواب قوله: (ومَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الآية [النساء: ٤]، ويجوز أن يكون متصلًا بقوله تعالى: (ومَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [النساء: ٥] أي: أي شيءٍ لكم في ترك القتال؟ (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، فأمره بالجهاد ولو قاتل وحده؛ لأنه
[ ٥ / ٩٢ ]
قال: (فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إن أفردوك وتركوك وحدك (لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ): غير نفسك وحدها أن تقدّمها إلى الجهاد، فإنّ اللَّه هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف. وقيل: دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان واعد رسول اللَّه اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا؛ فنزلت، فخرج وما معه إلا سبعون لم يلو على أحد، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده. وقرئ: (لا تكلف) بالجزم على النهي، و(لا نكلف) بالنون وكسر اللام، أي: لا نكلف نحن
_________________
(١) ـ ضمن له النصر، وروي عن أبي بكرٍ الصديق ﵁ في الردة قال: لو خالفتني يميني جاهدتها بشمالي. الراغب: إن قيل: كيف قال: (لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ) وقد بعث لتكليف الناس؟ قيل: لم يعن بالتكليف الاستدعاء الذي رشح له؛ بل للتحريض وتحريض الناس على الخروج معه، ألا ترى أنه قال: (وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ)؟ وهذه الآية تقتضي أن على الإنسان أن لا يني في نصرة الحق وإن تفرد. وقال بعض العارفين: من طلب رفيقًا في سلوك طريق الحق فلقلة يقينه وسوء معرفته، فالمحقق للسعادة والعارف بالطريق إليها لا يعرج على رفيقٍ ولا يبالي بطول طريق، فمن خطب الحسناء لم يغله المهر. قوله: (غير نفسك وحدها) لم يرد به أن «إلا» هنا بمعنى: غير؛ بل إنها من الاستثناء المفرغ وفيه معنى الحصر؛ ولهذا أكده بقوله: «وحدها» أي: لا تكلف شيئًا إلا أن تقدم نفسك إلى الجهاد، وقوله: «أن تقدمها للجهاد» بيانٌ لقوله: «غير نفسك». قوله: (لم يلو على أحد). الأساس: ومر لا يلوي على أحد: لا يقيم عليه ولا ينتظره.
[ ٥ / ٩٣ ]
إلا نفسك وحدها. (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ): وما عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب لا التعنيف بهم. (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا): وهم قريش، وقد كف بأسهم، فقد بدا لأبي سفيان وقال: هذا عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا السويق، ولا يلقون إلا في عامٍ مخصبٍ فرجع بهم. (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاسًا) من قريشٍ (وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) تعذيبًا.
[(مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا)].
الشفاعة الحسنة: هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه اللَّه، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمرٍ جائزٍ، لا في حدّ من حدود اللَّه، ولا في حق من الحقوق، والسيئة: ما كان بخلاف ذلك. وعن مسروقٍ أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع جاريةً فغضب وردها، وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها. وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم، لأنها في معنى الشفاعة إلى اللَّه. وعن النبي: «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له؛ قال له الملك: ولك مثل ذلك» فذلك النصيب. والدعوة
_________________
(١) ـ قوله: (وقد كف بأسهم) أتى بقوله: «قد» للتحقيق، مشيرًا به إلى أن (عَسَى) استعمل للتحقيق. قال الزجاج: «عسى» في اللغة للطمع، والطمع والإشفاق من الله تعالى واجبٌ، كأنه قال: إن الله سيكف بأس الذين كفروا. قوله: (من دعا لأخيه) وفي روايةٍ لمسلم، عن أبي الدرداء، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ما من عبدٍ يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل»، والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعًا للكلام وتمكينًا، قاله صاحب «النهاية». قوله: (فذلك النصيب) يريد أن معنى النصيب في قوله: (يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا)
[ ٥ / ٩٤ ]
على المسلم بضد ذلك. (مُقِيتًا): شهيدًا حفيظًا. وقيل: مقتدرًا، وأقات على الشيء قال الزبير بن عبد المطلب:
وَذِى ضِغْنٍ نَفَيْتُ السُّوءَ عَنْهُ … وَكُنْتُ عَلَى إسَاءَتِهِ مُقِيتَا
_________________
(١) ـ هذا المذكور، وفيه أن معنى الكفل بضد ذلك؛ ولذلك قال: «والدعوة على المسلم بضد ذلك». الراغب: فإن قيل: فلم فرق بينهما في الحسنة: (نَصِيبٌ)، وفي السيئة: (كِفْلٌ)؟ قيل: يجوز أنه لما كان النصيب يقال فيما يقل ويكثر، والكفل لا يقال إلا في المثل، جاء في السيئة بلفظ الكفل؛ تنبيهًا على معنى المماثلة، وإشارةً؟ إلى ما قال: (ومَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا) [الأنعام: ١٦٠]، وقد قيل: الكفل أكثر ما يقال في الشيء الرديء، فنبه بلفظه على ذلك تنبيهًا على قوله: (وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) [الشورى: ٤٠]، فإن قيل: فقد قال: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ) [الحديد: ٢٨] وليس ذلك بمذموم، قيل: إنه عنى ها هنا بالكفلين: الكفلين من رحمته يتكفلان به من العذاب، فضارع اللفظان والمعنيان مختلفان، فلما حث الله تعالى في الآية المتقدمة على تكليف ما أمره وتحريض المؤمنين ورجائه الظفر بالكفار، بين ها هنا أن من أعان غيره في فعلٍ حسنٍ فله نصيبٌ في ثوابه، وإن أعانه في فعلٍ سيئ فله كفلٌ منه. وقلت: في الآية حثٌّ على الشفاعة الحسنة في حق الإخوان رجاء الثواب؛ ولهذا قال الشاعر: ومن يفرد الإخوان فيما ينوبهم … تصبه الليالي مرةً وهو مفرد قوله: (وذي ضغنٍ) البيت، الضغن: الحقد، يقول: رب ذي ضغنٍ علي كففت السوء عنه مع القدرة.
[ ٥ / ٩٥ ]
وقال السموأل:
أَلِي الْفَضْلُ أَمْ عَلَيّ إذَا حُو … سِبْتُ إنِّى عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ
واشتقاقه من القوت؛ لأنه يمسك النفس ويحفظها.
[(وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا)].
الأحسن منها أن يقول: وعليكم السلام ورحمة اللَّه، إذا قال: السلام عليكم،
_________________
(١) ـ قوله: (ألي الفضل أم علي) البيت، قبله: ليت شعري- وأشعرن- إذا ما … قربوها منشورةً ودعيت وأشعرن: جملةٌ معترضة، قربوها منشورة: عبارةٌ عن الصحف، كقوله تعالى: (وإذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) [التكوير: ١٠] ودعيت: أي: حين يدعى كل أناسٍ بإمامهم، وقوله: «إني على الحساب مقيت» جملةٌ أخرى وقعت سادةً مسد معمولي «ليت شعري»، وعلقت بهمزةٍ مقدرةٍ يدل عليها قوله: «ألي الفضل». قوله: (واشتقاقه من القوت). قال الزجاج: (مُّقِيتًا): مشتقٌ من القوت، يقال: قت الرجل أقوته قوتًا: إذا حفظت نفسه بما يقوته، والقوت: اسم لذلك الشيء الذي يحفظ به النفس، والله الحفيظ؛ لأنه تعالى يعطي الشيء على قدر الحاجة من الحفظ. قوله: (الأحسن منها أن يقول: وعليكم السلام)، فسر التحية بالسلام لكونه سببًا للحياة، ثم عبر عنه بها عرفًا. الراغب: التحية من قولهم: حيا الله فلانًا، أي: جعل له حياةً، وذلك إخبارٌ ثم يجعل دعاءً، ثم يقال: وحيا فلانٌ فلانًا: إذا قال له ذلك وحكم به، كما يقال: أضللت فلانًا
[ ٥ / ٩٦ ]
وأن يزيد: وبركاته إذا قال: ورحمة اللَّه. وروي: أنّ رجلًا قال لرسول اللَّه ﷺ: السلام عليك، فقال: «وعليك السلام ورحمة اللَّه». وقال آخر: السلام عليك ورحمة اللَّه، فقال: «وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته»، وقال آخر: السلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته، فقال «وعليك» فقال الرجل: نقصتنى، فأين ما قال اللَّه؟ وتلا الآية، فقال: "إنك لم تترك لي فضلًا فرددت عليك مثله". (أَوْ رُدُّوها): أو أجيبوها بمثلها، ورد السلام ورجعه: جوابه بمثله؛ لأن المجيب يرد قول المسلم ويكره، وجواب التسليمة واجب، وعن أبي يوسف ﵀: من قال لآخر: أقرئ فلانًا السلام، وجب عليه أن يفعل. وعن النخعي: السلام سنة والردّ فريضة، وعن ابن عباس: الردّ واجب، وما من رجلٍ يمرّ على قومٍ مسلمين فيسلم عليهم ولا يردّون عليه، إلا نزع عنهم روح القدس، وردّت عليه الملائكة. ولا يرد السلام في الخطبة وقراءة القرآن جهرًا، ورواية
_________________
(١) ـ وأرشدته، إذا حكمت بذلك. وأصل التحية من الحياة، ثم يقال لكل دعاءٍ: «تحيةٌ»، لكون جميعه غير خارجٍ عن كونه حياةً أو سبب حياة: إما دنيوية وإما أخروية. وإن قيل: على أي وجهٍ جعل قولهم: «السلام» تحية الملتقيين؟ قيل: السلام والسلم واحد، بدليل قوله: (فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ) [الذاريات: ٢٥]، ولما كان الملتقيان من الأجانب قد يحذر أحدهما الآخر؛ استعمل هذه اللفظة تنبيهًا من المخاطِب أني بذلت لك ذلك وطلبته منك، ونبه المجيب إذا قال: وعليك السلام على نحو ذلك، ثم صار ذلك مستعملًا في الأجانب والأقارب والأعادي والأصادق، تنبيهًا أني أسأل الله ذلك لك. قوله: (وجواب التسليمة واجب) ثم قوله: (والرد فريضة)، يدل على أن الفرض والواجب سيان. قوله: (نزع عنهم روح القدس). النهاية: أصل النزع: الجذب والقلع، ومنه نزع القوس: إذا جذبها، قيل: معناه: نزع التأييد والتوفيق والبركة، وروح القدس: جبريل، ومنه
[ ٥ / ٩٧ ]
الحديث، وعند مذاكرة العلم، والأذان، والإقامة. وعن أبي يوسف: لا يسلم على لاعب النرد والشطرنج، والمغني، والقاعد لحاجته، ومطير الحمام، والعاري من غير عذرٍ في حمام أو غيره. وذكر الطحاوي أن المستحب ردّ السلام على الطهارة. وعن النبي ﷺ أنه تيمم لردّ السلام. قالوا:
ويسلم الرجل إذا دخل على امرأته، ولا يسلم على أجنبية، ويسلم الماشي على القاعد، والراكب على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر، وإذا التقيا ابتدرا. وعن أبي حنيفة: لا يُجهر بالرد. يعني: الجهر الكثير. وعن النبي ﷺ: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم»، أي: وعليكم ما قلتم؛ لأنهم كانوا يقولون: السام عليكم.
_________________
(١) ـ ما جاء في حديث عائشة ﵂ لحسان: «إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله». أي: إن شعرك الذي تنافح به عن الله وعن رسوله يلهمك الملك سبيله، نافح أي: دافع، والمنافحة والمكافحة: المدافعة والمضاربة. قوله: (وعن النبي ﷺ: أنه تيمم لرد السلام) عن أبي الجهيم قال: أقبل رسول الله ﷺ من الغائط، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه حتى أقبل على الحائط، فوضع يده على الحائط ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد على الرجل السلام، رواه البخاري ومسلم وغيرهما. قوله: (ويسلم الماشي على القاعد) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير»، أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود. قوله: (إذا سلم عليكم أهل الكتاب) عن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك، فقل: وعليك»، أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.
[ ٥ / ٩٨ ]
وروي: «لا تبتدئ اليهوديّ بالسلام، وإن بدأك فقل: وعليك». وعن الحسن: يجوز أن تقول للكافر: وعليك السلام، ولا تقل: ورحمة اللَّه؛ فإنها استغفار. وعن الشعبي:
_________________
(١) ـ ورووا عن أنس، أن النبي ﷺ قال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم»، قال صاحب «الجامع»: السام: الموت. قال الخطابي: عامة المحدثين يروون هذا الحديث بإثبات الواو في «وعليكم»، وكان سفيان بن عيينة يرويه بغير واو، وقال: هو الصواب؛ لأنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودًا عليهم خاصة، وإذا أثبت الواو وقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه؛ لأن الواو تجمع بين الشيئين. وقلت: روينا في «صحيح البخاري» من عدة نسخ مقروءة، عن أنس بن مالكٍ رضي اله عنه، قال: مر يهوديٌّ برسول الله ﷺ، فقال: السام عليك، فقال رسول الله ﷺ: «وعليك»، قال رسول الله ﷺ: «أتدرون ما يقول؟ قال: السام عليك»، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال: «لا، إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» في الموضعين بالواو، وقد تكرر أن بدخول الواو العاطفة قد تقطع عن ما عطفت عليه لإفادة العموم بحسب اقتضاء المقام، فيقدر: عليك اللعنة وعليك الغضب وعليك السام ونحوها، يؤيده ما روينا أيضًا في «الصحيح» عن عائشة قالت: استأذن رهطٌ من اليهود على النبي ﷺ، فقالوا: السام عليك، فقلت: بل عليكم السام واللعنة، فقال: «يا عائشة، إن الله ﷿ رفيقٌ يحب الرفق بالأمر كله»، قلت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: «قلت: وعليكم» يريد- والله أعلم- أني قلت ما قلت وزدت عليه لكن بالرفق. قوله: (يجوز أن تقول للكافر: وعليكم السلام). الراغب: حق من يؤتى شيئًا أن يؤتي مثله وأحسن منه، والسلام ها هنا السلم، وهو أصله، قال: وهذا أمرٌ منه تعالى أن من
[ ٥ / ٩٩ ]
أنه قال لنصراني سلم عليه: وعليك السلام ورحمة اللَّه، فقيل له، فقال: أليس في رحمة اللَّه يعيش؟
وقد رخص بعض العلماء في أن يبدأ أهل الذمة بالسلام إذا دعت إلى ذلك حادثة تحوج إليهم، وروي ذلك عن النخعي. وعن أبي حنيفة: لا تبدأه بالسلام في كتابٍ ولا غيره. وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم، وإذا دخلت فقل: السلام على من اتبع الهدى، ولا بأس بالدعاء له بما يصلحه في دنياه. (عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) أي: يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها.
[(اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)].
(لا إِلهَ إِلَّا هُوَ): إما خبر مبتدأ، وإما اعتراض، والخبر (لَيَجْمَعَنَّكُمْ)، ومعناه: (اللَّه) - واللَّه - (ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ)،
_________________
(١) ـ بذل لكم السلام من الكفار- بأن يروم الدخول في الشرع- فابذلوا له، كقوله تعالى: (وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) [الأنفال: ٦١] وأمره بأن يرد على باذلها مثلها، وذلك بأن يبذل له الأمان مما خافه أو أكثر منه، بأن يبين أن له ما له وعليه ما عليه من النصرة والموالاة. قوله: (وقد رخص بعض العلماء في أن يبدأ أهل الذمة بالسلام). روينا عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه»، أخرجه مسلمٌ وأبو داود والترمذي. قوله: «اللَّهُ) - والله- (لَيَجْمَعَنَّكُمْ» فالقسم مع جوابه خبر (اللَّهُ)، تأويله ما مضى في قوله: (لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ) [النساء: ٧٢].
[ ٥ / ١٠٠ ]
أي: ليحشرنكم إليه. والقيامة والقيام، كالطلابة والطلاب، وهي: قيامهم من القبور، أو قيامهم للحساب، قال اللَّه تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) [المطففين: ٦]. (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)؛ لأنه عز وعلا صادق لا يجوز عليه الكذب؛ وذلك أنّ الكذب مستقل بصارفٍ عن الإقدام عليه وهو قبحه،
_________________
(١) ـ قوله: (أي: ليحشرنكم إليه)، قال أبو البقاء: (إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)، قيل: التقدير: في يوم القيامة، وقيل: هي على بابها، أي: ليجمعنكم من القبور، فعلى هذا يجوز أن يكون حالًا، أي: يجمعنكم مفضين إلى حساب يوم القيامة. والمصنف ما ذهب إلى الحال ولا إلى التضمين؛ بل سلك فيه طرق المجاز بحسب مقتضى التركيب، فإن القسم في قوله: «والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة» يوجب اضطرار الناس إلى أن يجتمعوا فيه، وهو معنى «ليحشرنكم إليه» أي: يضطركم إلى المحشر، قال في «الأساس»: حشرت السنة الناس: أهبطتهم إلى الأمصار. قوله: (لأنه عز وعلا صادقٌ) تعليلٌ لمعنى المبالغة الذي يعطيه قوله: (ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)، وذلك من تخصيص اسمه الجامع، و«من» الاستفهامية وبناء أفعل لمطلق الزيادة، يعني أن من اسمه الله كيف يجوز عليه الكذب؟ لأنه كاملٌ في ذاته منزهٌ عن النقائص، والكذب نقيصةٌ فبينهما تناف. قوله: (مستقلٌّ بصارف). قال الجوهري: يقال: أقل الجرة: أطاق حملها. النهاية: وفي حديث العباس: «فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع». يقال: أقل الشيء يقله: إذا رفعه وحمله، وقال: الاستقلال بمعنى الارتفاع والاستبداد، فقوله: «مستقلٌّ بصارف» أي: مستبدٌّ بما يصرف القائل عن الإقدام عليه وهو قبحه، أي: قبحه وحده يصرف الكذاب عن التكلم به.
[ ٥ / ١٠١ ]
ووجه قبحه الذي هو كونه كذبًا وإخبارًا عن الشيء بخلاف ما هو عليه، فمن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب؛ ليجرّ منفعةً أو يدفع مضرة، أو هو غنيٌّ عنه، إلا أنه يجهل غناه، أو هو جاهلٌ بقبحه، أو هو سفيهٌ لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره، ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق. وعن بعض السفهاء: أنه عوتب على الكذب فقال: لو غرغرت لهواتك به ما فارقته. وقيل لكذاب: هل صدقت قط؟ فقال: لولا أني صادق في قولي: لا، لقلتها. فكان الحكيم
_________________
(١) ـ قوله: (ووجه قبحه) مبتدأ، والخبر: الموصول مع صلته، والضمير المرفوع في الصلة عائدٌ إليه، أو يقال: إن الموصول مقحم، كقراءة من قرأ: «الذين من قبلكم»، قال: أقحم الموصول الثاني من الأول وصلته، وفي بعض النسخ: «وجه قبحه هو كونه كذبًا» وهو الوجه، وقيل: ووجه قبحه، معطوفٌ على قوله: «قبحه»، ودل الموصول على هذا؛ أي: الصارف هو قبحه ووجه قبحه أي: سبب قبحه، ثم وصف قوله: «وجه قبحه» بقوله: «الذي …» إلى آخره، فكأنه أشار إلى أن قبح الكذب ذاتيٌّ، ففيه تعسف. قوله: (لو غرغرت لهواتُك)، وروي: «لهَواتِك» بالنصب على أنه مفعول، يقال: الراعي يغرغر بصوته، أي: يردده في حلقه. النهاية: اللهوات: جمع لهاتٍ، وهي لحماتٌ في سقف أقصى الفم، وإنما خصها بالذكر لأنه ما يتلذذ به الإنسان من المأكول والمشروب ينتهي إليها، قال ابن هانئ: إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى … دعا همه من صدره برحيل وخص الغرغرة لإرادة الإكثار منه، ولعل هذا القائل ما أطرق سمعه ما روينا عن الترمذي، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلًا من نتن ما جاء به».
[ ٥ / ١٠٢ ]
الغني الذي لا يجوز عليه الحاجات، العالم بكل معلومٍ منزهًا عنه كما هو منزه عن سائر القبائح.
[(فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا)].
(فِئَتَيْنِ) نصب على الحال، كقولك: مالك قائمًا. روي أنّ قوما من المنافقين استأذنوا رسول اللَّه ﷺ في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلةً مرحلةً حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون فيهم، فقال
_________________
(١) ـ قوله: (فِئَتَيْنِ) نصبٌ على الحال) قال القاضي: عامله (لَكُمْ) كقولك: ما لك قائمًا، و(فِي المُنَافِقِينَ) حالٌ من (فِئَتَيْنِ) أي: متفرقين فيهم، أو من الضمير، أي: فما لكم تفترقون فيهم، ومعنى الافتراق يفيده قوله: (فِئَتَيْنِ)، قال أبو البقاء: يجوز أن يكون (فِي المُنَافِقِينَ» حالًا من (فِئَتَيْنِ) أي: فئتين مفترقتين في المنافقين، فلما قدمه نصبه على الحال. وقال الزجاج: قال سيبويه: إذا قلت: ما لك قائمًا؟ فمعناه: لم قمت؟ ونصب على تأويل: أي شيءٍ يستقر لك في هذه الحال؟ قوله: (باجتواء المدينة). النهاية: في حديث العرنيين: «فاجتووا المدينة»، أي: أصابهم الجوى، وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها، ويقال: اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة. المغرب: عرنة: وادٍ بحذاء عرفات، وبتصغيرها سميت عرينة، وهي قبيلةٌ ينسب إليها العرنيون.
[ ٥ / ١٠٣ ]
بعضهم: هم كفار. وقال بعضهم: هم مسلمون. وقيل: كانوا قومًا هاجروا من مكة ثم بدا لهم، فرجعوا وكتبوا إلى رسول اللَّه: إنا على دينك، وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا. وقيل:
هم قوم خرجوا مع رسول اللَّه يوم أُحدٍ ثم رجعوا. وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا بسارًا. وقيل: هم قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة. ومعناه: ما لكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقًا ظاهرًا، وتفرقتم فيه فرقتين؟ وما لكم لم تبتوا القول بكفرهم؟ (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ)، أي: ردهم في حكم المشركين كما كانوا. (بِما كَسَبُوا) من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين، واحتيالهم على رسول اللَّه ﷺ، أو: (أركسهم) في الكفر بأن خذلهم حتى ارتكسوا
_________________
(١) قوله: (إنا على دينك) حكاية ما كتبوا، لكن قوله: «وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة» لا يستقيم مع قوله: «كانوا قومًا هاجروا من مكة»، إلا أن يقال: هاجروا من مكة إلى المدينة، ثم بدا لهم فرجعوا. قوله: (أغاروا على السرح) أي: النعم السارحة. النهاية: السرح: اسم جمعٍ وليس بتكسير «سارح»، أو هو تسميةٌ بالمصدر مبالغة. قوله: (قتلوا يسارًا). الاستيعاب: يسار: مولى رسول الله ﷺ، وكان نوبيًا، وهو الراعي الذي قتله العرنيون الذين استاقوا ذود رسول الله ﷺ فقطعوا يديه ورجليه وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات. قوله: «أَرْكَسَهُم) أي: ردهم في حكم المشركين). الراغب: الركس والنكس: الرذل، والركس أبلغ؛ لأن النكس: ما جعل أسفله أعلاه، والركس: ما جعل رجيعًا بعد ما كان طعامًا، فهو كالرجس، يقال: أركسه وركسه، وأركس أبلغ، كما أن «أسقاه» أبلغ من «سقاه».
[ ٥ / ١٠٤ ]
فيه لما علم من مرض قلوبهم. (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا): أن تجعلوا من جملة المهتدين (مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ): من جعله من جملة الضلال وحكم عليه بذلك، أو خذله حتى ضلّ. وقرئ: (رَكَسَهم)، و(رُكِسوا فيها).
[(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا
_________________
(١) قوله: (مَن جعَله مِن جُملةِ الضُّلاّل) مبنيُّ على تفسيرِ ﴿أرّكَسَهُم﴾ بقوله: "رَدَّهم في حُكم المشركين"، وقوله: "أو خَذَلَه حتَّى ضَلَّ" على تفسيرِه بقولهِ: أرّكَسَهُم﴾ في الكُفر بأن خَذَلَهم"، فعلى الأول: ﴿أرّكَسَهُم﴾ مُطلق؛ ولذلك أدخَلَهم في زُمرةِ المشركين، وعلى الثاني: متعلقُهُ ما يُعْلَمُ من الإنكارِ في قولهِ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ أي: فِرقتَيْن، يقولون: أهم مؤمنونَ أم كافرون؟ ثم قولُه: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ إنكار بعدَ إنكار، وقولُه: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ تذييلٌ للتأكيد بقَلْعِ قاعدةِ بناءِ الاعتزالِ وبهَدْمِ بناءِ التفسيرين عليها، ألا ترى كيف أعادَ الاسمَ الجامعَ المفيدَ في هذا المقام معنى الجَبَروتِ مرَّتينِ وعدَلَ من خطابِ الجماعةِ إلى خطابِ العامِّ ليَدخُلَ فيه كلُّ من يتأَتَّى منهُ الوِجْدان، ومِن جُملتِهم الضُّلال! ونكَّر ﴿سَبيلًا﴾ أي: لا تجدُ أيُّها المخاطبُ أي سبيلٍ تريد بأي وجهٍ كان. قوله: (ورُكِسوا فيها) يعني: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩١]، فإنه قُرئ هناك: "ورُكِسُوا فيها"، وإنما ذكره هاهنا لن كليهما بابُ الإفعال، وقُرِئ في القراءة الشاذة بالتفعيل مع أنهما من أصلٍ واحد، ولا يجوزُ أن يقال: قُرِئَ: "ورُكِسوا" فيها- أي: في هذه الآية - لفسادِ المعنى.
[ ٥ / ١٠٥ ]
نَصِيرًا* إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا* سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَامَنُوكُمْ وَيَامَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا)].
(فَتَكُونُونَ): عطف على (تَكْفُرُونَ)، ولو نصب على جواب التمني لجاز. والمعنى: ودّوا كفركم فكونكم معهم شرعًا واحدًا فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء. فلا تتولوهم وإن آمنوا حتى يظاهروا إيمانهم بهجرة صحيحةٍ هي للَّه
_________________
(١) قوله: (فكَوْنكُم معهم شَرعًا). النِّهاية: في الحديثِ "أنتُم فيه شَرَعٌ سواءٌ"، أي: مُتساوونَ لا فضلَ لأحدِكم فيه على الآخَر. قولُه: (فلا تتوَلَّوهُم وإن آمنوا حتَّى يُظاهِروا) تفسيرٌ لقوله: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، جعل ﴿حَتَّى﴾ غاية للمقدار، وهُو الإيمان؛ لأن الهجرة غيرُ نافعةٍ بدونِه، قوله: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ مسبب عن قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، و﴿وَدُّوا﴾ بدلٌ من قوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء ٨٨]، والكلام مصبوبٌ في قالبٍ واحد، يعني: ما لكم تختلفونَ في أمرِ أقوام منافقينَ؟ والحالُ أن اللهَ تعالى رَدَّهم في حُكم المشركينَ بسببِ ما كسبوا، وهُو وِدادتُهم كُفرَكم، وإذا كان كذلك فلا تختلفوا فيهم ولا تتولَّوْهم حتى يُهاجِروا في سبيل الله، أي: يَرجِعوا من جميع ذلك رُجوعًا كالمُهاجَرةِ منَ الأوطان، فإن توَلَّوا عن هذه المُهاجَرةِ فحُكمُهم حُكمُ المشركينَ بأن يُقتَلوا حيثُ وُجدوا، وبأن يُجانبوا مُجانبةً كُلِّية. ولا يُستبعَدُ حملُ المُهاجَرةِ على المُجانبة عنِ الذنوب والمخالفةِ لأمرِ الله؛ لما ورَدَ عن النبيِّ ﷺ: "المسلمُ مَن سَلِمَ المسلمونَ مِن لسانهِ ويَدِه، والمُهاجِر مَن هجرَ ما نهى اللهُ عنه". أخرجَه البخاريُ وأبو داود، عن عبدِ الله بن عَمْرو.
[ ٥ / ١٠٦ ]
ولرسوله، لا لغرضٍ من أغراض الدنيا، مستقيمةٍ ليس بعدها بداء ولا تعرّب. (فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا في الحلّ والحرم، وجانبوهم مجانبةً كليةً، وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم. (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ): استثناء من قوله: (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ)، ومعنى: (يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ): ينتهون إليهم ويتصلون بهم. وعن أبي عبيدة:
هو من الانتساب، وصلت إلى فلانٍ واتصلت به: إذا انتميت إليه. وقيل: إن الانتساب لا أثر له في منع القتال، فقد قاتل رسول اللَّه بمن معه من هو من أنسبائهم. والقوم هم الأسلميون؛ كان بينهم وبين رسول اللَّه عهد؛ وذلك أنه وادع
_________________
(١) الراغب: الهجرة: تَرْكُ الشيءِ والإعراضُ عنه، مكانًا كان أو خليطًان وسُمِّي القبيحُ منَ الكلامِ هُجْرا، وسُمِّي المُهاجِرُ، لتركه وطنه، وصار اسم مدحٍ في الإسلام، وسُمِّي مَن رفضَ فُضولاتِ شهواتِه: مُهاجرًا. ثم إن المصنفَ وضعَ موضعَ ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ قوله: "يُقتلُونَ حيث وُجدوا"، وموضعَ ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ "جانبوهم مجانبة كلية" إلى آخره؛ بيانًا لمعنى الاستمرار. وأما قولُه: "جانبوهم مجانبةً كلية" فإخراجٌ للكلامِ على غيرِ مقتضى الظاهر؛ إذ الظاهر "وتجانبون"؛ ليقعا خبرينِ للإيذانِ بشدةِ المجانبة، وذلك من تكرير قوله: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾؛ ومِن ثمَّ بالغَ فيه حيثُ قال: "مجانبةً كلية وإن بذلَوا لكُم الولايةَ والنصرةَ" يعني: لا يوجد منكم ولايةٌ لهم قط؛ فداوموا على العداوة. قوله: (ليس بعَدها بداءٌ ولا تعرُّب) مثل لترك التذبذب لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاء، وبداء أي: نزول بالبادية، ولا تعرب، أي: عودٌ إلى العرب الذين يسكنون المدن. قوله: (استثناء من قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ أي: من الضمير في ﴿فَخُذُوهُمْ﴾، لا من الضمير في ﴿فَلا تَتَّخِذُوا﴾ وإن كان أقربَ لأن اتخاذَ الوليِّ منهم حرامٌ.
[ ٥ / ١٠٧ ]
وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أنّ من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال. وقيل: القوم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح أَوْ جاؤُكُمْ لا يخلو من أن يكون معطوفًا على صفة قوم، كأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم؛ أو على صلة (الذين)، كأنه قيل: إلا الذين يتصلون بالمعاهدين، أو الذين لا يقاتلونكم. والوجه العطف على الصلة لقوله: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) بعد قوله: (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، فقرّر أن كفهم عن القتال أحد سببى استحقاقهم لنفي التعرض
_________________
(١) قوله: (ممسكينَ عن القتال، لا لكم ولا عليكم) تفسيرٌ لقوله: ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي: لأجلكم. قوله: (والوجه العطفُ على الصِّلة) لقوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ يعني: مجيء قوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ يشعر بأن السبب عن المنع عن التعرض لهم شيئان، أحدهما: اتصالهم بقوم معاهدين، وثانيهما: كفهم عن القتال بسبب إظهار أن قلوبهم تنقبض عن مقاتلتكم، فيكونُ قوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ مقررا للسبب الثاني، يعني: إن جاؤوكم يريدون الإمساك عن القتال لا لكم ولا عليكم فإن تموا على هذا بأن اعتزلوكم وألقوا إليكم السَّلَمَ؛ فلا تتعرضوا لهم البتة. وإذا عطفَ على الصفة يبقى سببُ عدم التعرُّضِ واحدًا، وهو أن يصلوا إلى قوم معاهدين أو إلى قوم كافِّينَ فلا يكون قوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ﴾ مقررًا لقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾؛ لأن ذلك وصف لقول آخرين غير من ترتب عليه قوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾؛ لأنه مترتب على قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ ثم أورد السؤال وقال: "كل واحدٍ من الاتصالين له تأثير" إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: (فقرر أن كفهم عن القتال) فاعله: مجيء قوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ﴾، وعلى هذا قوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ تقرير لحكم اتصالهم.
[ ٥ / ١٠٨ ]
عنهم، وترك الإيقاع بهم. فإن قلت: كل واحدٍ من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء، واستحقاق إزالة التعرّض الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالمكافين، لأنّ الاتصال بهؤلاء أو هؤلاء دخول في حكمهم، فهلا جوزت أن يكون العطف على صفة (قوم)، ويكون قوله: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ) تقريرًا لحكم اتصالهم بالمكافين واختلاطهم بهم وجريهم على سننهم! قلت: هو جائزٌ ولكن الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام. وفي قراءة أبيّ: (بينكم وبينهم ميثاق جاؤوكم حصرت صدورهم) بغير "أو"، ووجهه أن يكون: (جاؤُكُمْ)، بيانًا لـ (يصلون)، أو بدلًا، أو استئنافًا، أو صفة بعد صفةٍ لـ (قوم). (حصرت صدورهم) في موضع الحال بإضمار "قد"؛ والدليل عليه قراءة من قرأ: (حصرةً صدورهم) و(حصرات صدورهم). و(حاصراتٍ صدورهم)، وجعله المبرد صفة لموصوف محذوفٍ على: أو جاؤوكم قومًا حصرت صدورهم. وقيل:
_________________
(١) قوله: (أظهرُ وأجرى على أسلوب الكلام)، وذلك أن قوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَامَنُوكُمْ وَيَامَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ مشابه لقوله: ﴿جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾، وقد رتب عليه قوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ﴾ الآية، فالأولى جرى الكلام على أسلوب واحد وأن يترتب قوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ على قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ حتى يكون المراد من قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ وقول: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ هم الذين تولوا وأعرضوا عن الإيمان، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ جملة معترضة للامتنان على المؤمنين، وتعليل بأن حصر صدورهم ما كان إلا لقذف الله الرعب فيها. قوله: (أو جاؤوم قومًا حصرت صدورهم) فعلى هذا "قومًا" حال موطئة، كقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢].
[ ٥ / ١٠٩ ]
هو بيان لـ (جاؤكم)، وهم بنو مدلج؛ جاءوا رسول اللَّه غير مقاتلين، والحصر: الضيق والانقباض. (أَنْ يُقاتِلُوكُمْ): عن أن يقاتلوكم، أو كراهة أن يقاتلوكم.
فإن قلت: كيف يجوز أن يسلط اللَّه الكفرة على المؤمنين؟ قلت: ما كانت مكافتهم إلا لقذف اللَّه الرعب في قلوبهم، ولو شاء لمصلحةٍ يراها من ابتلاءٍ ونحوه لم يقذفه، فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين، فذلك معنى التسليط. وقرئ: (فلقتلوكم) بالتخفيف والتشديد. (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ): فإن لم يتعرضوا لكم، (وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ)، أي: الانقياد والاستسلام. وقرئ بسكون اللام مع فتح السين، (فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا): فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم. (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ): هم قوم من أسدٍ وغطفان، وكانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم. (كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ) كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين (أُرْكِسُوا فِيها): قلبوا فيها أقبح قلبٍ وأشنعه، وكانوا شرًا فيها من كل عدوّ. (حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ): حيث تمكنتم منهم. (سُلْطانًا مُبِينًا): حجةً واضحةً لظهور عداوتهم، وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام أو تسلطا ظاهرًا حيث أذنا لكم في قتلهم.
[(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ
_________________
(١) قوله: (هو بيان لـ ﴿جَاءُوكُمْ﴾ وذلك أن مجيئهم غير مقاتلين، و﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ في معنى واحد. قوله: (وهم بنو مدلج) بالضم، قيل: بنو مدلج: قبيلة من كنانة، وهم القافة. قوله: (﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه) الأساس. أركَسَه ورَكَسَه: قلبه على رأسه، وهو مركوسٌ منكوس.
[ ٥ / ١١٠ ]
رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا* وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا)].
(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ) وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله، كقوله: (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) [آل عمران: ١٦١]، (وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها) [الأعراف: ٨٩]. (أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا) ابتداءً غير قصاص (إِلَّا خَطَأً): إلا على وجه الخطأ.
فإن قلت: بم انتصب (خطأ)؟ قلت: بأنه مفعول له، أي: ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده. ويجوز أن يكون حالًا بمعنى لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، وأن يكون صفةً للمصدر إلا قتلًا خطأ. والمعنى أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد؛ بأن يرمى كافرًا فيصيب مسلمًا، أو يرمى شخصًا على أنه كافر فإذا هو مسلم.
وقرئ: (خطاءً) بالمد، و(خطًا) بوزن "عمىً" بتخفيف الهمزة.
وروي أنّ عياش بن أبي ربيعة - وكان أخا أبي جهلٍ لأمّه - أسلم وهاجر خوفًا من قومه إلى المدينة، وذلك قبل هجرة رسول اللَّه ﷺ، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا يؤويها سقفٌ حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبى أنيسة فأتياه وهو في أُطم، ففتل منه أبو جهلٍ في الذروة والغارب، وقال: أليس محمد يحثك
_________________
(١) قوله: (في أُطُم). النهاية: الأطمُ بالضم: بناء مرتفع، وجمعه: آطامٌ. قوله: (ففتَلَ منه أبو جهل). النهاية: وفي حديث الزبير: فما زال يَفِتلُ في الذروةِ والغاربش حتى أجابته عائشةُ ﵂ إلى الخروج، والغاربُ: مقدمُ السَّنام، والذِّروة:
[ ٥ / ١١١ ]
على صلة الرحم؟ انصرف وبرّ أمك، وأنت على دينك، حتى نزل وذهب معهما، فلما فسحا عن المدينة كتفاه وجلده كل واحدٍ مائة جلدة، فقال للحارث: هذا أخي فمن أنت يا حارث؟ للَّه عليّ إن وجدتك خاليًا أن أقتلك، وقدما به على أمه، فحلفت لا يحل كتافه أو يرتد، ففعل ثم هاجر بعد ذلك وأسلم. وأسلم الحارث وهاجر، فلقيه عياشٌ بظهر قباء، ولم يشعر بإسلامه، فأنحى عليه فقتله، ثم أخبر بإسلامه فأتى رسول اللَّه ﷺ فقال: قتلته ولم أشعر بإسلامه؛ فنزلت. (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) فعليه تحرير رقبة، والتحرير: الإعتاق، والحر والعتيق: الكريم؛ لأن الكرم في الأحرار، كما أن اللؤم في العبيد، ومنه: عتاق الخيل وعتاق الطير؛ لكرامها، وحرّ الوجه: أكرم موضعٍ منه، وقولهم للئيم: عبد، وفلان عبد الفعل، أي: لئيم الفعل. والرقبة: عبارة
_________________
(١) أعلاه، أي: لا زال يُخادعُها ويتلطَّفُها حتى أجابته. والأصل فيه أن الرجل إذا أراد أن يؤنس البعير الصعب ليزمه فينقاد له، جعل يمر يده عليه ويمسح غاربه ويفتل وبره حتى يستأنس ويضع عليه الزمام. قوله: (كتافُه) كتفت الرجلَ: شددت يديه إلى خلفٍ بالكتاف، وهو حبل. قوله: (فسحا عن المدينة) أي: بعدا. النهاية: وفي حديث أم زرع: وبيتها فساح، أي: واسع. قوله: (قباء). المُغرب: قُباءُ بالضم والمد: من قُرى المدينة، يُنَوَّنُ ولا يُنوَّن. قوله: (فأنحَى عليه) أي: أقبل عليه. الأساس: أنحى عليه باللوائم: إذا أقبل عليه، وأنحى عليه بالسوط والسيف.
[ ٥ / ١١٢ ]
عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا رأسا من الرقيق. والمراد برقبة مؤمنة: كل رقبة كانت على حكم الإسلام عند عامة العلماء. وعن الحسن: لا تجزئ إلا رقبة قد صلت وصامت ولا تجزئ الصغيرةن وقاس عليها الشافعي كفارة الظهار، فاشترط الإيمان. وقيل: لما أخرج نفسا مؤمنة عن جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار؛ لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار. ﴿مسلمة إلى أهله﴾: مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء؛ يقضى منها الدين، وتنفذ الوصية، وإذا لم يبق وارثا فهي لبيت المال؛ لأن المسلمين يقومون مقام الورثة، كما قال رسول الله ﷺ: (أنا وارث من لا وارث له)، وعن عمر ﵁: أنه قضى بدية المقتول، فجاءت امرأته تطلب ميراثها من عقله، فقال: لا أعلم لك شيئا، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: كتب إلي رسول الله ﷺ يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم، فورثها عمر. وعن ابن مسعود: يرث كل وارث من الدية غير القاتل.
_________________
(١) قوله: (عن النسمة). النهاية: النسمةُ: النفس والروح، وكل دابة فيها روح فهي نسمة، وإنما يُراد الناس. قوله: (كانت على حكم الإسلام) أي: محكومًا عليها بالإسلام؛ وإن كانت صغيرة. قاله القاضي. قوله: (يعقلون عنه). المغُرب: عقلتُ القتيل: أعطيت ديته، وعقلت عن القاتل: لزمته ديته فأديتها عنه. النهاية: العقل: الدية، وأصله أن القاتل كان إذا قتل قتيلًا جمع الدية من الإبل، فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي: شدها في عقلها ليسلمها إليهم، فسميت الدية عقلًا بالمصدر.
[ ٥ / ١١٣ ]
وعن شريك: لا يقضى من الدية دين، ولا تنفذ وصية. وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها، وذلك خلاف قول الجماعة. (فإن قلت): على من تجب الرقبة والدية؟ قلت: على القاتل إلا أن الرقبة في ماله، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن له عاقلة فهي في بيت المال، فإن لم يكن، ففي ماله (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا): إلا أن يتصدقوا عليه بالدية، ومعناه: العفو، كقوله: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) [البقرة: ٢٣٧]، ونحوه: (وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: ٢٨٠]. وعن النبي ﷺ: «كل معروف صدقة». وقرأ أبيّ: (إلا أن يتصدقوا). فإن قلت: بم تعلق (أن يصدقوا) وما محله؟ قلت: تعلق بـ"عليه"، أو بـ (مسلمة)؛ كأنه قيل: وتجب عليه الدية، أو يسلمها إلا حين يتصدقون عليه، ومحلها النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان، كقولهم: أجلس ما دام زيد جالسًا، ويجوز أن يكون حالًا من (أهله)، بمعنى: إلا متصدقين.
(مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ) من قومٍ كفارٍ أهل حرب؛ وذلك نحو رجل أسلم في قومه الكفار، وهو بين أظهرهم لم يفارقهم، فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ، وليس على عاقلته لأهله شيء، لأنهم كفار محاربون. وقيل: كان الرجل يسلم ثم يأتي قومه وهم مشركون، فيغزوهم جيش المسلمين، فيقتل فيهم خطأ؛ لأنهم يظنونه كافرًا مثلهم.
_________________
(١) قوله: (العاقلة). النهاية: هم العصبة والأقارب من قبل الأب الذين يُعطون دية قتيل الخطأ، وهي صفة جماعة عاقلة، وأصلها: اسم فاعلة من العقل، وهي من الصفات الغالية. قوله: (بم تعلق ﴿أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾؟) إشارة إلى أن الاستثناء مفرغ، و"إلا" لغوٌ، كقولك: قرأت إلا يوم الجمعة. قوله: (تعلق بـ "عليه")، قيل: بـ "عليه" المحذوف عند قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، هذا باطل؛ لأن تحرير الرقبة حق الله لا يسقط بعفو الولي. نعم، يجوز أن تتعلق بـ"عليه" المقدر في قوله: ﴿وَدِيَةٌ﴾؛ لأنها عطف على "تحرير"، وإليه أشار بقوله: "ويجب عليه الدية، أو يُسلمها إلا حين يتصدقون عليه". وإذا عُلِّق بـ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ يكون عطف "دية" على "تحرير" من قبيل الانسحاب عطف مفرد على مفرد.
[ ٥ / ١١٤ ]
(وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ) كفرةٍ لهم ذمة؛ كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين، وأهل الذمة من الكتابيين فحكمه حكم مسلم من مسلمين. (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) رقبةً، بمعنى: لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها؛ فعليه صِيامُ (شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ): قبولًا من اللَّه ورحمة منه، من "تاب اللَّه عليه" إذا قبل توبته، يعني: شرع ذلك توبةً منه، أو نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه.
هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم، وخطب غليظ.
_________________
(١) قوله: (فحكمه حكمُ مسلم من المسلمين) في وجوب الكفارة والدية، ولعل ذلك فيما إذا كان المقتول معاهدًا وكان له وارث مسلم، قاله القاضي، وفيه نظرٌ. قوله: (شرع ذلك توبةً منه). قال القاضي: توبة: نصبٌ على المفعول له، أي: شرع ذلك توبة، أو على المصدر، أي: وتاب الله عليه توبة. قوله: (والإبراق والإرعاد). النهاية: في حديث ابني مليكة: إن أمنا ماتت حين رعد الإسلام وبرق، أي: حين جاء بوعيده وتهديده، يقال: رعد وبرق وأرعد وأبرق: إذا توعد وتهدد. روى شارح "الفصيح" عن أبي عمرو أنه احتج بقول الكميت: أرعد وأبرق ما تريد … ـد فما عيدك لي بضمائر الراغب: البرقُ: لمعان السحاب، يقال: برق وأبرق وبرق، يقال في كل ما يلمع كسيف: بارق، وبرق يقال في العين إذا اضطربت وجالت من خوف، قال تعالى: ﴿فَإِذَا
[ ٥ / ١١٥ ]
ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي: من أن توبة قاتل المؤمن عمدًا غير مقبولة. وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، وذلك محمولٌ منهم على الاقتداء بسنة اللَّه في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنبٍ ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلًا. وفي الحديث: «لزوال الدنيا أهون على اللَّه من قتل امرئ مسلم». وفيه: «لو أن رجلًا قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه». وفيه: «إن هذا الإنسان بنيان اللَّه، ملعون من هدم بنيانه». وفيه «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم
_________________
(١) بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] وتصور من البرق ما يظهر من تخويفه فقيل: برق فلان وأبرق: إذا تهدد. قوله: (عن ابن عباس: أن توبة قاتل المؤمن عمدًا غير مقبولة)، هو ما روينا عن الترمذي وابن ماجه والنسائي، عن ابن عباس، أنه سئل عن من قتل مؤمنًا متعمدا ًثم تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى، فقال ابن عباس: فأنى له التوبة وقد سمعت نبيكم ﷺ يقول: "يجيء المقتول متعلقًا بالقاتل تشخب أوداجه دمًا فيقول: أي رب، سل هذا: فيم قتلني؟ " في قوله: "نبيكم" توبيخ للسائل. قوله: (لزوال الدنيا) الحديث رواه الترمذي وأبو داود، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ. قوله: (بشطر كلمة) الحديث أخرجه ابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁،
[ ٥ / ١١٦ ]
القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة اللَّه». والعجب من قوم يقرؤون هذه الآية، ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة؛ ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة، واتباعهم هواهم، وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة؟ (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) [محمد: ٢٤]. ثم ذكر اللَّه ﷾ التوبة في قتل الخطأ لما عسى يقع من
_________________
(١) قيل: قال سفيان: هو أن يقول في اقتل: اق. قوله: (أشعبيتهم وطماعيتهم) الثاني تفسير للأول، قال الميداني: أشعب: رجلٌ من المدينة يقال له: أشعب بن جبير، مولى عبد الله بن الزبير، وعن أبي عبيدة أنه اجتمع عليه غلمة يعاتبونه، وكان مزاحًا ظريفًا فآذاه الغلمة، فقال لهم: إن في دار فلان عرسًا فانطلقوا إليه ثمة فهو أنفع لكم؛ فانطلقوا وتركوه، فلما مضوا قال: لعل الذي قلت حق فمضى في أثرهم فلم يجد شيئًا وظفروا به فآذوه. قوله: (ثم ذكر الله) قيل: هو عطف على الجملة المتقدمة من حيث المعنى، أي: ترك ذكر التوبة في هذه الآية مع الاحتياج إليها مانع عن الطمع، ثم ذكر التوبة في قتل الخطأ مع أنها غير محتاج إليها حسم للطمع؛ لأن معنى قوله: "والعجب … " إلى آخره: هو أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إلى آخره مانع عن الطمع. وقلت: هو عطف على قوله: "هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم" يعني: في هذه الآية من الدلالة على التهديد والوعيد ما بلغت غايتها حتى قال ابن عباس: إن توبة قاتل المؤمن عمدًا غير مقبولة، وتعاضدت فيها بالأحاديث، ثم في مقارنتها مع الآية السابقة المشتملة على التوبة مع أنها مستغنية عنها - حسم للأطماع وأي حسم، فعلى هذا الآية الأولى كالتتميم للثانية، ولفظة "ثم" في كلام المصنف مشعرة بأن دلالة الاقتران أبلغ من سائر ما ساعدت الآية من الأحاديث.
[ ٥ / ١١٧ ]
نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ فيه؛ حسم للأطماع وأي حسم؟ ولكن لا حياة لمن تنادي! فإن قلت: هل فيها دليلٌ على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل فيها، وهو تناول قوله: (وَمَنْ يَقْتُلْ) أي قاتل كان من مسلمٍ أو كافرٍ، تائبٍ أو غير تائبٍ، إلا أن التائب أخرجه الدليل، فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله.
_________________
(١) قوله: (ولكن لا حياة لمن تنادي) أوله: لقد أسمعت لو ناديت حيًّا قبله: ونار لو نفخت بها أضاءت … ولكن أنت تنفخ في رماد قال أهل السنة: الله أكرم من أن يجمع من يوحده ومن يجحده في العذاب السرمد، وقد وعد بأنه يغفر ما دون الشرك، وإن رغم أنف من يتحجر الواسع! قوله: (فليأت بدليل مثله). قال الإمام: هذه الآية مخصوصة في موضعين، أحدهما: أن يكون القتل العمد غير عدوان كما في القصاص، والثاني: أن يكون القتل العمد العدوان متداركًا بالتوبة، وإذا ثبت [دخول] التخصيص فيه في الصورتين بالاتفاق فنحن نخصص أيضًا فيما إذا حصل العفو، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. وقال القاضي: الجمهور أن هذه الآية مخصصة بمن لم يتب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢] ونحوه، وهو عندنا إما مخصوص بالمستحل له كما ذكره عكرمة وغيره، وروى أنه نزل في مقيس بن صبابة وجد أخاه قتيلًا في بني النجار ولم يظهر قاتله، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يدفعوا إليه ديته، فدفعوا إليه، ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة
[ ٥ / ١١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ مرتدًا، أو المراد بالخلود: المُكثُ الطويل؛ فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم. والذي يمكن أن يُقال- والعلم عند الله - أن الذي يقتضيه نظم الآيات أن الآية من أسلوب التغليظ، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فإنه قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: لم يحج، تغليظًا وتشديدًا على تاركه. وقوله ﷺ للمقداد بن الأسود حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب: "لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال". أخرجه البخاري ومسلم. وبيانه: أن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ دل على أن قتل المؤمن ليس من شأن المؤمن، ولا يستقيم منه ولا يصح له ذلك، فإنه إن فعل خرج عن أن يقال: إنه مؤمن، ثم استثنى من هذا العام قتل الخطأ تأكيدًا ومبالغة، أي: لا يصح ولا يستقيم إلا في هذه الحالة، وهذه الحالة منافية لقتل العمد، فإذا لا يصح منه قتل العمد البتة، ثم ذيل هذه المبالغة تغليظًا وتشديدًا بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، يعني: كيف يستقيم من المؤمن قتل المؤمن عمدًا وأنه من شأن الكفار الذين جزاؤهم الخلود في النار وحلول غضب الله ولعنته عليهم، وإن شئت أن تحقق هذا المعنى فانظر إلى تفسيره لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] وإلى ما لخصناه فيه، ثم إلى قوله في تفسيره قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]: "كيف جعل ترك الزكاة من صفات
[ ٥ / ١١٩ ]
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)].
_________________
(١) ـ الكفار، أي: الكافرون هم الذين يتركون الزكاة"، فعلى المؤمن أن لا يتصف بصفتهم، وكتابه مشحون من هذا الأسلوب. والعجب أنه حمل قول ابن عباس في الآية على التغليظ والتشديد ونسي ذلك في الآية، لكن شغفه بمذهبه يدعوه إلى التناسي، والحق أنه إن صدر عن المؤمن مثل هذا الذنب فمات ولم يتب فحكمه إلى الله تعالى: إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه بقدر ما يشاء ثم يخرجه إلى الجنة، روينا في "سنن أبي داود"، عن أبي مجلز: هي جزاؤه، فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل، قال الواحدي: والأصل في هذا أن الله تعالى يجوز أن يُخلف الوعيد وإن كان لا يجوز أن يخلف الوعد، وبهذا وردت السنة، وأنشد للأول: وإني وإن أوعدته ووعدته … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فإذن لا مدخل لذكر التوبة وتركها في الآية، ولا يُفتقر لإخراج المؤمن من النار إلى دليل كما قال، ولا إلى تخصيص العام كما ذهب إليه الإمام، ولا إلى تفسير الخلود بالمكث الطويل كما قال القاضي، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾
[ ٥ / ١٢٠ ]
(فَتَبَيَّنُوا)، وقرئ: (فتثبتوا)، وهما من التفعل بمعنى الاستفعال، أي: اطلبوا بيان الأمر وثباته، ولا تتهوكوا فيه من غير روية. وقرئ: (السلم) و(السلام) وهما الاستسلام، وقيل: الإسلام. وقيل: التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام.
(لَسْتَ مُؤْمِنًا)، وقرئ: (مؤمنًا) بفتح الميم، من آمنه، أي: لا نؤمنك، وأصله: أن مرادس بن نهيكٍ رجلًا من أهل فدك، أسلم ولم يسلم من قومه غيره، فغزتهم سرية لرسول اللَّه ﷺ كان عليها غالب بن فضالة الليثي، فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقولٍ من الجبل وصعد فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل، وقال: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه، فأخبروا رسول اللَّه فوجد وجدًا شديدًا، وقال: "قتلتموه إرادة ما معه"، ثم قرأ الآية على أسامة، فقال: يا رسول اللَّه استغفر لي، قال: "فكيف بلا إله إلا اللَّه"؟ قال أسامة: فما زال يعيدها حتى وددت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي، وقال: "أعتق رقبة". (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا): تطلبون الغنيمة التي هي
_________________
(١) ـ قوله: (ولا تتهوكوا). النهاية: التهوك: التحير، وفي الحديث: "أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ ". قوله: (فغزتهم سريةٌ … كان عليها غالب بن فضالة)، وفي "الاستيعاب": أن مرداس ابن نهيك الفزاري كان يرعى غنمًا، فهجمت عليه سرية رسول الله ﷺ وفيها أسامة بن زيد وأميرها سلمة بن الأكوع، ثم ذكر ما ذكره المصنف مع تغيير فيه. قوله: (عاقول من الجبل). الجوهري: العاقول من النهر والوادي والرمل: المعوج منه. قوله: (فكيف بلا إله إلا الله؟ !) أي: كيف تصنع لو خاصمتك هذه الكلمة؟
[ ٥ / ١٢١ ]
حطام سريع النفاد، فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه. (فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ) يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوّذ به من التعرض له لتأخذوا ماله. (كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ): أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم. (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بالاستقامة والاشتهار بالإيمان والتقدم، وإن صرتم أعلامًا فيه، فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكافة، ولا تقولوا: إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سلمًا إلى استباحة دمه وماله وقد حرّمهما اللَّه. وقوله: (فَتَبَيَّنُوا) تكرير للأمر بالتبين؛ ليؤكد عليهم. (إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك.
[(لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا* دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)].
(غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) قرئ بالحركات الثلاث،
_________________
(١) ـ قوله: (فعليكم أن تفعلوا) تفسير لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، أي: كذلك كنتم فمن الله عليكم، وإذا كان كذلك "فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فُعل بكم" من عدم تكشف حالكم وما تنجز بكم. قوله: (﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ قُرئ بالحركات الثلاث) بالنصب: نافع وابن عامر والكسائي، والباقون بالرفع، وبالجر شاذ. وأما حديث زيد بن ثابت فرواه البخاري والترمذي وأبو داود والنسائي.
[ ٥ / ١٢٢ ]
فالرفع صفة لـ (لقاعدون)، والنصب استثناء منهم، أو حالٌ عنهم، والجرّ صفة لـ (المؤمنين). والضرر: المرض أو العاهة من عمى أو عرجٍ أو زمانةٍ أو نحوها. وعن زيد بن ثابت: كنت إلى جنب رسول اللَّه، فغشيته السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، حتى خشيت أن ترضها، ثم سُري عنه فقال: "اكتب"، فكتبت في كتفٍ: (لا يَسْتَوِي
_________________
(١) ـ قوله: (فالرفع: صفة لـ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ لأن القاعدين غير معين، يعني: هو مثل قولهم: ولقد أمر على اللئيم يَسُبُّني. قال الزجاج: ﴿غَيْرُ﴾ صفة للقاعدين، وإن كان أصلها أن تكون صفة للنكرة، المعنى: لا يستوي القاعدون الذين هم غيرُ أولي الضرر، أي: الأصحاء والمجاهدون وإن كانوا كلهم مؤمنين، والرفع أيضًا يجوز على الاستثناء، أي: لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين؛ لأن الذي أقعدهم عن الجهاد الضرر. وتبعه الواحدي في هذا الوجه. قوله: (أو حال عنهم). قال الزجاج: المعنى: لا يستوي القاعدون في حال صحتهم والمجاهدون، كما تقول: جاءني زيدٌ غير مريض، أي: صحيحًا، ويجو الخفض صفة لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾. قوله: (فغشيته السكينة). النهاية: السكينة: الوقار والسكون، يريد ما كان يعرض له من السكون والغيبة عند نزول الوحي، وقيل: أراد به هاهنا الرحمة. قوله: (سُرِّى عنهُ). النهاية: أي: كُشِفَ عنه وأزيل، يقال: سَروتُ الثوب وسريتُه: إذا خلعته، والتشديد فيه للمبالغة، أي: أزيل عنه ما نزل به من بَرْحاءِ الوحي.
[ ٥ / ١٢٣ ]
الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ)، فقال ابن أمّ مكتومٍ وكان أعمى: يا رسول اللَّه، وكيف بمر لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فغشيته السكينة كذلك، ثم قال: "اقرأ يا زيد" فقرأت: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، فقال: (غير أولى الضرر)، قال زيد: أنزلها اللَّه وحدها، فألحقتها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدعٍ في الكتف. وعن ابن عباس: لا يستوي القاعدون عن بدرٍ والخارجون إليها. وعن مقاتل: إلى تبوك. فإن قلت: معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان، فما فائدة نفي الاستواء؟ قلت: معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم، والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته، ونحوه: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [الزمر: ٩] أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم، ولينهض بنفسه عن ضعة الجهل إلى شرفِ العلم. (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ): جملة موضحة لما نفي من استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل: ما لهم لا يستوون، فأجيب بذلك. والمعنى على القاعدين غير أولي الضرر؛ لكون الجملة بيانًا للجملة الأولى المتضمنة لهذا الوصف
_________________
(١) ـ قوله: (صدع في الكتف) يقال: صدعت الرداء صدعًا: إذا شققته، والاسم: الصدع بالكسر، والصدع في الزجاجة، بالفتح. كانوا يكتبون في كتف الشاة لقلة القراطيس عندهم. قوله: (ليهاب به إلى التعلم). النهاية: أهبت بالرجل: إذا دعوته إليك، وفي حديث الدعاء: "وقويتني على ما أهبت به إليه من طاعتك"، وقيل: هو من: أهاب الراعي بغنمه، أي: صاح بها لتقف أو ترجع قوله: (عن ضعة). النهاية: هي الذم والهوان والدناءة، وقد وضُعَ ضعة فهو وضيع، والهاء عوضٌ من الواو المحذوفة. قوله: (والمعنى: على القاعدين غير أولي الضرر) قيل: فيه نظر، بل الصواب: على القاعدين أولي الضرر، يدل عليه قول الواحدي: فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم
[ ٥ / ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ على القاعدين، يعني: من أهل العُذر درجة، وقوله أيضًا: أما المفضلون درجة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء. والحاصل أن المراد بقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ أن بين المجاهدين والقاعدين غير الأضراء بونًا بعيدًا، وأن ليس بين المجاهدين والقاعدين الأضراء هذا البون، لكن بينهم تفاوت؛ فاحتاج هذا التفاوت إلى البيان، فبين بقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ في الموضعين هذا التفاوت، وكلتا الجملتين بيان، لا الجملة الأولى كما يشعر به كلام صاحب "الكشاف"، وفي كلامه اضطراب متناف! وقال صاحب "التقريب" بعد ما حكى كلام المصنف: المفضلون درجة من فضلوا على القاعدين الأضراء، ودرجات من فضلوا على المتخلفين بإذن، وفيه نظر؛ لأنه فسر القاعدين بغير أولي الضرر، وإنما يستقيم على تفسيره بالأضراء كما في "المعالم" و"اللباب". وقلت- والله أعلم-: إن كلام المصنف والواحدي إن أمعن النظر فيهما متوافقان، ولا مخالفة إلا في كلمات لا ضرر فيها. وأما قول المصنف: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ جملة موضحة لما نُفي من استواء القاعدين والمجاهدين" فالمراد منه أنه وما عطف عليه من قوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ الثاني كلاهما بيان وإيضاح للجملة الأولى، وهو قوله: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾، ولابد من التطابق بين البيان والمبيَّن، والمذكور في البيان شيئان وليس في المبين سوى ذكر ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾، فالواجب أن يقدر ما يوافقه من قوله: لا يستوي القاعدون أولو الضرر وغير أولي الضرر، وهو من أسلوب الجمع التقديري؛ لدلالة التفضيل على المفضل، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ
[ ٥ / ١٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ أُجُورَهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٧٢ - ١٧٣]، فعلى هذا قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ جملة موضحة، معناه: الكلام الذي ذُكر فيه هذا اللفظ، أي: فضل الله وهو مجموع الآيتين، وقوله: "والمعنى: على القاعدين غير أولي الضرر" معناه على من اشتمل عليه هذا الكلام مذكورًا ومقدرًا، وهو على ما سبق منطوٍ على أولي الضرر (وغير أولي الضرر)، و"على" في قوله: "والمعنى: على القاعدين غير أولي الضرر" متعلق بهذا المقدر وهو مطلق فضل الله، لا المذكور في التنزيل أولًا وثانيًا، أي: فضل الله المجاهدين على القاعدين أولي الضرر وغير أولي الضرر، وتحرير المعنى: مطلق فضل الله المجاهدين: جملة موضحة بناء على إطلاق قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾، يدل عليه أنه لم يقيد قوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ بأحد القيدين، أعني: ﴿دَرَجَةً﴾ و﴿دَرَجَاتٍ﴾، بل أورده مطلقًا ومبهمًا؛ ومن ثم توجه عليه السؤال الذي أورده وأجاب عنه بالتفصيل، ولو كان الكلام مفصلًا كان السؤال الذي أورده وأجاب عنه بالتفصيل، ولو كان الكلام مفصلًا كان السؤال مستدركًا والفاء في قوله: "فمن هم" يدل على الإنكار، ويؤيد هذا القول ما روى البخاري والترمذي، عن ابن عباس ﵄: لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر، والخارجون ليها. وفي رواية الترمذي: لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله؛ فهل لنا رخصة؟ فنزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ و﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر، فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.
[ ٥ / ١٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقال القاضي: كرر تفضيل المجاهدين وبالغ فيه إجمالًا وتفصيلًا، وتعظيمًا للجهاد وترغيبًا فيه. وقيل: الأول ما خولهم في الدنيا من الغنيمة والظفر وجميل الذكر، والثاني ما جعل لهم في الآخرة. وهذا يوافق ما ذكره الراغب، وهو قوله: إن قيل: لم كرر الفضل وأوجب في الأول درجة وفي الثاني درجات وقيدها بقوله: ﴿وَمِنْهُ﴾ وأردفها بالمغفرة والرحمة؟ قيل: عني بالدرجة: ما يؤتيه في الدنيا من الغنيمة ومن السرور بالظفر وجميل الذكر، وبالدرجات: ما يُنجز لهم في الآخرة، ونبه بالإفراد في الأول والجمع في الثاني: أن ثواب الدنيا في جنب ثواب الآخرة يسير، وقيدها بقوله: ﴿وَمِنْهُ﴾ ليعظمها، وأردفها بالمغفرة والرحمة إيذانًا بالوصول إلى الدرجات بعد الخلاص من التبعات، وقيل: إن المغفرة تقال اعتبارًا بإزالة الذنوب، والرحمة تقال اعتبارًا بإيجاب التوبة وإدخال الجنة، والدرجات: هي المنازل الرفيعة بعد إدخال الجنة. وقلت: والذي تقتضيه البلاغة وسداد النظم هذا، وبيانه: أن قوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ جملة موضحة لما نُفي" الاستواء فيه، والقاعدون على التقييد السابق من أن المراد به غير الأضراء فحسبن وإنما كرر ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ ليناط به من الزيادة ما لم يُنط به أولًا، فالفضل الأول: الظفر والغنيمة والذكر الجميل في الدنيا، والثاني: المقامات السنية والدرجات العالية والفوز بالرضوان والغفران في العقبى؛ يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ﴾ أي: وكل فريق من القاعدين غير أولي الضرر والمجاهدين ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ في الجنة، يعني: لهم الفضل في الدنيا ثم الجميع في الجنة؛ لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم، وإنما التفاوت في الأجر الجزيل والدرجات العالية وفي الفوز بالرضوان، كما قال تعالى: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾، ويعضده ما ورد في الحديث: "إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر". رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد.
[ ٥ / ١٢٧ ]
(وَكُلًّا): وكل فريقٍ من القاعدين والمجاهدين (وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى)، أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة، وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة. وعن النبي ﷺ: «لقد خلفتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم». وهم الذين صحت نياتهم ونصحت جيوبهم، وكانت أفئدتهم تهوي إلى الجهاد، وبهم
_________________
(١) ـ هذا تفسيرٌ مبين موافقٌ للنظم ولا تعقيد فيه، ولا يحتاج أيضًا إلى جعل المجاهدين صنفين كما ينبئ عنه ظاهر كلامه: "أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء، وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا .. "إلخ، ويطابقه أيضًا سبب النزول المذكور في الكتاب عن زيد بن ثابت، وأخرجه أبو داود بتمامه وذكر البخاري طرفًا منه، وملائم لحديث الأضراء على ما روينا عن البخاري وأبي داود وابن ماجه عن أنس، عن النبي ﷺ: "ولقد خلفتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم"، قاله حين رجع من غزوة تبوك فدنًا من المدينة، فالحديثان يؤذنان بالمساواة بين المجاهدين والأضراء، وعليه دلالة مفهوم الصفة والاستثناء في ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾، وكلام الزجاج: إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين، كذا في "المعالم". وعلى الجواب الذي أجاب به المصنف وذهب إليه الواحدي لا يلزم المساواة، فيلزم خلاف ما تقتضيه الصفة أو الاستثناء. قوله: (صحت نياتهم ونصحت جيوبهم) هو من باب قولهم: نهاره صائم وليله قائم، مبالغةً في غخلاصهم ونقاء سريرتهم عن الدخل، ويجوز أن يكون كناية، كقوله:
[ ٥ / ١٢٨ ]
ما يمنعهم من المسير من ضررٍ أو غيره. فإن قلت: قد ذكر اللَّه تعالى مفضلين درجة ومفضلين درجات، فمن هم؟ قلت: أما المفضلون درجةً واحدةً فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء، وأما المفضلون درجاتٍ فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم في التخلف؛ اكتفاء بغيرهم، لأن الغزو فرض كفاية.
فإن قلت: لم نصب (دَرَجَةً) و(أَجْرًا) و(دَرَجاتٍ)؟ قلت: نصب قوله: (دَرَجَةً)؛ لوقوعها موقع المرة من التفضيل؛ كأنه قيل: فضلهم تفضيلة واحدة، ونظيره قولك: ضربه سوطًا، بمعنى: ضربه ضربةً، وأما (أَجْرًا) فقد انتصب بـ"فضل" لأنه في معنى: أجرهم أجرًا، و(درجات)، و"مغفرة"، "ورحمة" بدل من (أجرًا)، ويجوز أن ينتصب (دَرَجاتٍ) نصب (درجة)، كما تقول: ضربه أسواطًا بمعنى: ضرباتٍ؛ كأنه قيل: وفضله تفضيلاتٍ، ونصب (أَجْرًا عَظِيمًا) على أنه حالٌ عن النكرة التي هي: درجات مقدمة عليها، وانتصب (مغفرة ورحمة) بإضمار فعلهما، بمعنى: وغفر لهم ورحمهم (مغفرة ورحمة).
_________________
(١) ـ تبينت بمنجاةٍ من اللوم بيتها قوله: (الأضراء) جمع ضرير. النهاية: في الحديث: جاء ابن أم مكتوم يشكو ضرارته، الضرارة هاهنا: العمى، والرجل ضرير، وهو من الضر: سوء الحال. الراغب: الضر: اسم عام لكل ما يضر الإنسان في بدنه ونفسه، وعلى سبيل الكناية عبر عن الأعمى بالضرير. وقال ابن عباس: ﴿أُوْلِي الضَّرَرِ﴾: أهل العذر، وقد ذكر عامة ما أجمله هاهنا في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية [النور: ٦١].
[ ٥ / ١٢٩ ]
[(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَاواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا* إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا* فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا)].
(تَوَفَّاهُمُ) يجوز أن يكون ماضيا كقراءة من قرأ: (توفتهم)؛ ومضارعًا، بمعنى: تتوفاهم، كقراءة من قرأ: (توفاهم) على مضارع وفيت؛ بمعنى: أن اللَّه يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها، أي: يمكنهم من استيفائها فيستوفونها (ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ): في حال ظلمهم أنفسهم. (قالُوا) قال الملائكة للمتوفين: (فِيمَ كُنْتُمْ): في أي شيء كنتم من
_________________
(١) ـ قوله: (﴿تَوَفَّاهُمْ﴾ يجوز أن يكون ماضيًا، كقراءة من قرأ: (توفتهم)، ومضارعًا، بمعنى: تتوفاهم). قال الزجاج: المعنى: إن الذين توفتهم الملائكة، وذُكر الفعل لأنه فعل جميع، ويجوز أن يكون استقبالًا، أي: إن الذين تتوفاهم الملائكة، وحذفت التاء الثانية لاجتماع التاءين. وقلت: إذا حُملَ ﴿تَوَفَّاهُمْ﴾ على المضارع يكون من باب حكاية الحال الماضية؛ ولذلك أوقع ﴿قَالُوا﴾ خبرًا لـ ﴿إِنَّ﴾. قال أبو البقاء: والعائد محذوفٌ، أي: قالوا لهم، ويجوز أن يكون ﴿قَالُوا﴾ حالًا من ﴿الْمَلائِكَةُ﴾، و"قد" معه مقدرة، وخبر ﴿إِنَّ﴾: ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾، ودخلت الفاء لما في ﴿الَّذِينَ﴾ من الإبهام المشابه للشرط، وأن لا يمتنع ذلك؛ لأنها لا تُغير معنى الابتداء. قوله: (في حال ظلمهم أنفسهم). قال الزجاج: والأصل: ظالمين أنفسهم، فحذفت النون استخفافًا، والمعنى على ثبوتها.
[ ٥ / ١٣٠ ]
أمر دينكم؟ وهم ناسٌ من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة. فإن قلت: كيف صح وقوع قوله: (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) جوابًا عن قولهم: (فِيمَ كُنْتُمْ) وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا، أو لم نكن في شيء؟ قلت: معنى (فِيمَ كُنْتُمْ): للتوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيءٍ من الدين، حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا: (كنا مستضعفين)؛ اعتذارًا مما وبخوا به، واعتلالًا بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء، فبكتتهم الملائكة بقولهم: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) أرادوا: أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، ومن الهجرة إلى رسول اللَّه ﷺ، كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة، وهذا دليلٌ على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب- والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر- أو علم
_________________
(١) ـ قوله: (حين كانت الهجرة فريضة)، عن البخاري عن مجاهد قال: قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر إلى الشام، فقال: لا هجرة بعد الفتح، أو قال: بعد رسول الله ﷺ، ولكن جهاد ونية، فانطلق فاعرض نفسك، فإن وجدت شيئًا وإلا رجعت. قوله: (لم يكونوا في شيء من الدين)، أي: من أمر الدين لا من أمر الجهاد ولا من الهجرة، ولا من نصر المؤمنين ولامن ترك الكفار إرغامًا لهم، كأنه قيل: في أي أمر كنتم من أمور الدين؟ يعني: لو تركتم الجهاد والهجرة والنصرة، قالوا: تركنا ذلك؛ لأنا لم نتمن منها لضعفنا. قوله: (والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر) جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، "وحقت": جواب "إذا". وقوله: "بلده" مُظهرٌ وُضع موضع المضمر الراجع إلى "بلد".
[ ٥ / ١٣١ ]
أنه في غير بلده أقوم بحق اللَّه، وأدوم على العبادة؛ حقت عليه المهاجرة، وعن النبي ﷺ: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرًا من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد». اللهم إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني فاجعلها سببًا في خاتمة الخير، ودرك المرجوّ من فضلك، والمبتغى من رحمتك، وصل جواري لك بعكوفى عند بيتك بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة.
ثم استثنى من أهل الوعيد المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة في الخروج؛ لفقرهم وعجزهم، ولا معرفة لهم بالمسالك.
وروي: أنّ رسول اللَّه ﷺ بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة، فقال جندب بن ضمرة- أو ضمرة بن جندب - لبنيه: احملوني، فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي الطريق، واللَّه لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سريرٍ متوجهًا إلى المدينة، وكان شيخًا كبيرًا فمات بالتنعيم.
_________________
(١) ـ قوله: (استوجبت) قيل: معناه: وجبت، وحقيقته: طلبت الجنة له الوجوب، ويروى: استوجبت، مجهولًا. قوله: (جندب بن ضمرة، أو ضمرة بن جندب) والصحيح في "الاستيعاب": جُندبُ ابن ضمرة الجندعي، لما نزلت ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ فقال: اللهم قد أبلغت في المعذرة والحجة ولا معذرة لي ولا حجة، ثم خرج وهو شيخ كبير فمات في بعض الطريق، فقالت الصحابة: مات قبل أن يهاجر، فلا ندري أعلى ولاية هو أم لا؟ فنزلت الآية. قوله: (فمات بالتنعيم). المغرب: التنعيم: موضع قريب من مكة عند مسجد عائشة ﵂.
[ ٥ / ١٣٢ ]
فإن قلت: كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد فكأنهم كانوا
_________________
(١) ـ قوله: (كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين؟) تلخيصه: كيف أدخل الولدان في جملة الذين استثناهم من أهل الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾؟ فالاستثناء يوهم أن الولدان داخلون في الوعيد دخول الرجال والنساء إذا استطاعوا واهتدوا؟ فأجاب عن السؤال بوجوه ثلاثة: أحدها: أن الاستطاعة والاهتداء إنما يُتصور في الرجال والنساء؛ لأنهم قد يكونون مستطيعين ومهتدين، وقد لا يكونون، وأما الولدانُ فلايتصور فيهم ذلك؛ إذ العجز متمكن فيهم لا ينفك عنهم، فكانوا خارجين من جملتهم في الوعيد ضرورة، فإذا لم يدخلوا فيه لم يخرجوا بالاستثناء. ويتوجه على هذا التقرير سؤال وهو: أنهم إذا لم يخرجوا بالاستثناء كيف قرنهم في جملة المستثنين؟ قالوا في الجواب: إنما قرنهم بهم ليبين أنا لرجال والنساء الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، صاروا في انتفاء الذنب بمنزلة الولدان مبالغة؛ لأن المعطوف عليه يكتسب معنى المعطوف لمشاركتهما في الحكم، ويقرب منه ما ذكره في تفسير قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] في قراءة الجر، قال: "فعطفت الأرجل على الرؤوس لا لتمسح، لكنه لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها"، وقال أيضًا في قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١٨١]: "جعل قتلهم الأنبياء قرينة لقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] إيذانًا بأنهما في العظم أخوان، وبأن هذا ليس بأول ما ارتكبوه من العظائم". وثانيها: أن الولدان وإن لم يكونوا داخلين حقيقة؛ فهم داخلون مجازًا، قال القاضي: إنما قرنهم بهم للمبالغة في الأمر والإشعار بأنهم على صدد وجوب الهجرة، فإنهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة فلا محيص لهم عنها، وأن أقوامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت.
[ ٥ / ١٣٣ ]
يستحقون الوعيد مع الرجال والنساء لو استطاعوا حيلة واهتدوا سبيلًا؟ قلت: الرجال والنساء قد يكونون مستطيعين مهتدين، وقد لا يكونون كذلك، وأما الولدان فلا يكونون إلا عاجزين عن ذلك؛ فلا يتوجه عليهم وعيد؛ لأن سبب خروج الرجال والنساء من جملة أهل الوعيد إنما هو كونهم عاجزين، فإذا كان العجز متمكنًا في الولدان لا ينفكون عنه، كانوا خارجين من جملتهم ضرورة، هذا إذا أريد بالولدان الأطفال، ويجوز أن يراد المراهقون منهم الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء؛ فيلحقوا بهم في التكليف، وإن أريد بهم العبيد والإماء البالغون فلا سؤال.
فإن قلت: الجملة التي هي (لا يَسْتَطِيعُونَ) ما موقعها؟ قلت: هي صفةٌ لـ (المستضعفين)، أو لـ (الرجال والنساء والولدان)، وإنما جاز ذلك والجمل نكرات، لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس لشيءٍ بعينه، كقوله:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِى
فإن قلت: لم قيل (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) بكلمة الإطماع؟ قلت: للدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيقٌ لا توسعة فيه، حتى أن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول: عسى اللَّه أن يعفو عني، فكيف في غيره!
[(وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)].
(مُراغَمًا): مهاجرًا وطريقًا يراغم بسلوكه قومه؛ أي: يفارقهم على رغم أنوفهم.
_________________
(١) ـ وقلت: فعلى هذا المبالغة راجعة إلى وجوب الهجرة، وأنها خارجة عن حكم سائر التكاليف؛ حيث أوجبت على من لم يجب عليه شيء. قوله: (﴿مُرَاغَمًا﴾: مهاجرًا). قال الزجاج: معنى "مُراغم": مهاجر؛ لأن المهاجر لقومه والمراغم بمنزلة واحدة، وإن اختلفت الكلمتان، قال:
[ ٥ / ١٣٤ ]
والرغم: الذلّ والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام، وهو التراب، يقال: راغمت الرجل: إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلةٍ تلحقه بذلك، قال النابغة الجعدي:
كَطَوْدٍ يُلَاذُ بِأَرْكَانِهِ … عَزِيزِ الْمَرَاغِمِ وَالْمَذْهَبِ
وقرئ: (مرغمًا). وقرئ (ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقيل: رفع الكاف منقول من الهاء، كأنه أراد أن يقف عليها، ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف، كقوله:
مِنْ عَنَزِيّ سَبَّنِى لَمْ أضْرِبْهُ
_________________
(١) ـ إلى بلد غير داني المحل … بعيد المراغم والمضطرب ليس المُراغم إلا المضطرب في حال الهجرة، وإن كان مشتقًا من الرغام: التراب، فمعنى راغمت فلانًا: هجرته وعاديته. قوله: (كطود يُلاذ بأركانه) البيت، الطود: الجبل، يُلاذ: أي يلجأ، عزيز المراغم: صعب المسالك. قوله: (من عنزي سبني لم أضربه)، قبله: عجبت والدهر كثيرٌ عجبه. وعنزيٌّ: منسوبٌ إلى عنزة، وهي قبيلة. قال ابن جني: أراد "لم يُدركه" جزمًا، غير أنه قوي الوقف على الكلمة فنَقَل الحركة من الهاء إلى الكاف؛ فلما نُقلت الضمة صار "يدركه" فحرك الهاء بالضم على أول حالها، ثم لم يعد إليها الضمة التي كان نقلها إلى الكاف عنها بل أقر الكاف على ضمها فقال: يدركه الموت. وأنشد محمد بن الحسن:
[ ٥ / ١٣٥ ]
وقرئ: (يُدْرِكْهُ) بالنصب على إضمار "أن"، كقوله:
وَأَلْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا
(فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ): فقد وجب ثوابه عليه. وحقيقة الوجوب: الوقوع
_________________
(١) ـ إن ابن أحوص معروفًا فبلغه … في ساعديه إذا رام العلا قصر أي: فبلغه، ثم نقل الضمة من الهاء إلى الغين؛ فصار: فبلغه، ثم حرك الهاء بالضم وأقر ضمة الغين عليها بحالها فقال فبلغه؛ وذلك أنهم قد أكثروا نقل هذه الضم عن هذه الهاء، فإذا نُقلت إلى موضع قرت عليه وثبتت ثبات الواجب فيه فاعرفه. قوله: ("يدركه"، بالنصب). قال ابن جني: وهي قراءة الحسن، وهي على إضمار "أن"، ومن أبيات "الكتاب": سأترك منزلي لبني تميم … وألحق بالحجاز فأستريحا قال ابن جني: والآية على كل حال أقوى من ذلك لتقدم الشرط قبل المعطوف. وقيل: هو مثل أكرمني وأكرمك، أي: ليكن من إكرام وإكرام مني. المعنى: من يكن له خروج من بيته وأدركه الموت، والتقدير في البيت: سيكون ترك وإلحاق، وقيل: نصب "وألحق" ضعيف؛ لأنه ليس في جواب الأشياء الستة؛ وأجيب: أن فعل المضارع كالتمني والترجي. قوله: (فقد وجب ثوابه عليه) تلخيص معنى الجزاء، وقوله: "فقد علم الله كيف يثيبه وذلك واجب عليه" تحرير معناه وتقرير ما يؤدي إليه التركيب من المبالغة؛ لأن قوله:
[ ٥ / ١٣٦ ]
والسقوط، (فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها) [الحج: ٣٦]، ووجبت الشمس: سقط قرصها. والمعنى: فقد علم اللَّه كيف يثيبه، وذلك واجب عليه.
_________________
(١) ـ ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ مردوف قوله: "فقد علم الله كيف يثيبه"، كما أن قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] مقابل له؛ لأن معناه: لنعلمه علمًا يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمه موجودًا ثابتًا، فأطلق العلم الخاص وأراد ثبوت المعلم الخاص وهو التمييز بين الثابت والناكص، وها هنا بالعكس؛ أطلق المعلوم الخاص وهو وقوع الأجر العظيم على العلم الخاص وهو العلم بكيفية الثواب، وهو من باب الكناية التي اللازم فيها مساوٍ؛ لأن العلم تابع للمعلوم والمعلوم كذلك، ثم في انضمام إقامة المظهر موضع المضمر في الجزاء وهو قوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ معه؛ لأن الأصل: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ شبه الدلالة على أنه وقع أجر عظيم لا يُقادر قدره ولا يكتنه كنهه، ولا يعلم كيفية إثابته إلا من هو مسمى بذلك الاسم الجامع، فدل ذلك على أن العمل الذي هذا ثوابه أمرٌ عظيم وخطب جسيم، وفي مقارنة هذا الشرط مع الشرط السابق الدلالة على أن من هاجر له إحدى الحسنيين: إما أن يورث عدو الدين مذلة وهوانًا بسبب مفارقته إياه واتصاله إلى الخير والسعة، وغما أن يدركه الموت ويصل إلى السعادة الحقيقية والنعيم الدائم. قال الإمام: كأنه قيل: أيها الإنسان، إن كنت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفًا من أن تقع في المشقة فلا تخف؛ فإن الله تعالى يمنحك من النعم الجليلة والمراتب العظيمة في مهاجرتك ما يصير سببًا لرغم أنوف أعدائك ولسعة عيشك؛ وإنما قدم ﴿مُرَاغَمًا﴾ على السعة؛ لأن ابتهاج الإنسان برغم العداء أشد من ابتهاجه بسعة عشه، وفيه أن من قصد طاعة ثم عجز عن إتمامها كتب الله له ثواب تلك الطاعة، كالمريض يعجز عما يفعله في حال صحته من الطاعة فيكتب له ثواب ذلك العمل. وأما الكلام في إيجاب الثواب
[ ٥ / ١٣٧ ]
وروي في قصة جندب بن ضمرة: أنه لما أدركه الموت أخذ يصفق بيمينه على شماله، ثم قال: اللهم هذه لك، وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعك عليه رسولك، فمات حميدًا، فبلغ خبره أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقالوا: لو توفي بالمدينة لكان أتم أجرًا. وقال المشركون وهم يضحكون: ما أدرك هذا ما طلب؛ فنزلت.
وقالوا: كل هجرة لغرض ديني من طلب علم، أو حج، أو جهاد، أو فرارٍ إلى بلدٍ يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهدًا في الدنيا، أو ابتغاء رزق طيب؛ فهي هجرة إلى اللَّه ورسوله، وإن أدركه الموت في طريقه، فأجره واقع على اللَّه.
[(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوَا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا)].
الضرب في الأرض: هو السفر. وأدنى مدة السفر الذي يجوز فيه القصر عند أبي حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام ولياليهنّ سير الإبل
_________________
(١) ـ على الله تعالى فإنا لا نُنازع في الوجوب؛ لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم، لا بحكم الاستحقاق. وقال المصنف: إنما قيل: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ﴾ لبيان أن الأجر إنما يستقيم إذا لم يحبط العمل، حتى جاء الموت. وقلت: ويمكن أن يقال: إن مقتضى الظاهر هو أن يقال: ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ومات يُثبه؛ فوضع موضع مات: ﴿يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ إشعارًا بمزيد الرضا عن الله تعالى؛ وأن الموت الهداية من الله تعالى؛ لأنه سبب الوصول إلى ذلك الأمر العظيم الذي لا ينال إلا بالموت؛ ثم عدل من العطف بالواو ﴿ثُمَّ﴾ تتميمًا لهذه الدقيقة وأن مرتبة الخروج دون هذه المرتبة.
[ ٥ / ١٣٨ ]
ومشي الأقدام على القصد، ولا اعتبار بإبطاء الضارب وإسراعه، فلو سار مسيرة ثلاثة أيام ولياليهنّ في يوم، قصر، ولو سار مسيرة يوم في ثلاثة أيام؛ لم يقصر. وعند الشافعي ﵁: أدنى مدة السفر أربعة بُرُدٍ مسيرة يومين.
وقوله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) ظاهره التخيير بين القصر والإتمام، وأن الإتمام أفضل، وإلى التخيير ذهب الشافعي ﵁. وروي عن النبي ﷺ: أنه أتم في السفر. وعن عائشة ﵂: اعتمرت مع رسول اللَّه ﷺ من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت مكة قلت: يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي! قصرت وأتممت، وصمت وأفطرت. فقال: "أحسنت يا عائشة"، وما عاب عليّ. وكان عثمان ﵁ يتم ويقصر. وعند أبي حنيفة: القصر في السفر عزيمة غير رخصةٍ، لا
_________________
(١) ـ قوله: (ومشى الأقدام على القصد)، الأساس: ومن المجاز: قصد في الأمر؛ إذا لم يجاوز فيه الحد ورضي بالتوسط؛ لأنه في ذلك يقصد الأسد. قوله: (أربعة بُردٍ)، النهاية: البريد: فرسخان، وقيل: أربعة. ومضى تفسيره مستقصى في أول البقرة. قوله: (وعن عائشة ﵂) الحديث مذكور في "سسن النسائي"، قال القاضي: قول عمر ﵁: صلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم، إن صح فمؤول بأنه كالتام في الصحة والإجزاء. وقول عائشة: أول ما فُرضت الصلاة فُرضت ركعتين، لا ينفي جواز الزيادة؛ فلا حاجة إلى تأويل الآية، فإنهم ألغوا الأربع فكان منة أن يخطر ببالهم أن ركعتي السفر فيهما قصر ونقصان.
[ ٥ / ١٣٩ ]
يجوز غيره. وعن عمر ﵁: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم. وعن عائشة ﵂: أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر وزيدت في الحضر. فإن قلت: فما تصنع بقوله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا)؟ قلت: كأنهم ألفوا الإتمام؛ فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصانًا في القصر فنفى عنهم الجناح؛ لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه. وقرئ: (تقصروا) من أقصر، وجاء في الحديث إقصار الخطبة، بمعنى: تقصيرها؛ وقرأ الزهري (تقصروا) بالتشديد. والقصر ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصة؛ وهو قوله (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، وأمّا في حال الأمن فبالسنة.
وفي قراءة عبد اللَّه: (من الصلاة أن يفتنكم) ليس فيها (إِنْ خِفْتُمْ)، على أنه مفعول له، بمعنى: كراهة أن يفتنكم. والمراد بالفتنة: القتال والتعرّض بما يكره.
[(وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَاتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا* فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَانَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا) ١٠٢ - ١٠٣].
_________________
(١) ـ قوله: "والقصر ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصة"، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ﴾). قال القاضي: أن يفتنكم شريطة باعتبار الغالب في ذلك الوقت؛ ولذلك لم يعتبر مفهومها كما لم يعتبر في قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وتظاهرت السنن على جوازه أيضًا في حال الأمن.
[ ٥ / ١٤٠ ]
(وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) يتعلق بظاهره من لا يرى صلاة الخوف بعد رسول اللَّه ﷺ؛ حيث شرط كونه فيهم، وقال من رآها بعده: إن الأئمة نواب عن رسول اللَّه ﷺ في كل عصر، قوّام بما كان يقوم به؛ فكان الخطاب له متناولًا لكل إمام يكون حاضر الجماعة في حال الخوف، فعليه أن يؤمّهم كما أمّ رسول اللَّه ﷺ الجماعات التي كان يحضرها. والضمير في (فِيهِمْ) للخائفين. (فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ): فاجعلهم طائفتين، فلتقم إحداهما معك، فصل بهم. (وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ): الضمير إمّا للمصلين وإمّا لغيرهم؛ فإن كان للمصلين، فقالوا: يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة، كالسيف والخنجر ونحوهما؛ وإن كان لغيرهم فلا كلام فيه. (فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا) يعني: غير المصلين (مِنْ وَرائِكُمْ) يحرسونكم.
وصفة صلاة الخوف عند أبي حنيفة: أن يصلي الإمام بإحدى الطائفتين ركعة إن كانت الصلاة ركعتين، والأخرى بإزاء العدو، ثم تقف هذه الطائفة بإزاء العدو وتأتي الأخرى فيصلي بها ركعة ويتم صلاته، ثم تقف بإزاء العدوّ وتأتي الأولى فتؤدي الركعة بغير قراءةٍ وتتم صلاتها، ثم تحرس وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءةٍ وتتم صلاتها.
_________________
(١) ـ قوله: (فاجعلهم طائفتين فلتقم) أي: الفاء في ﴿فَلْتَقُمْ﴾ تفصيلية؛ بدليل عطف قوله: ﴿طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ عليه؛ فلابد من المجمل، وهو"فاجعلهم طائفتين". قوله: (يعني غير المصلين) أي: الفارغين من السجود الذاهبين إلى العدو، مع أنهم في الصلاة بعدُ. قوله: (فتؤدي الركعة بغير قراءة) وذلك أن الإمام قد قرأ في الركعة الثانية وهم كانوا في الصلاة وإن كانوا في وجه العدو، بخلاف الطائفة الأخرى؛ لأنهم اقتدوا بالإمام في الركعة الثانية وأتم الإمام صلاته؛ فلابد لهم من القراءة في ركعتهم الثانية؛ إذ لم يكونوا مقتدين بالإمام حينئذ.
[ ٥ / ١٤١ ]
والسجود على ظاهره عند أبي حنيفة، وعند مالك: بمعنى الصلاة؛ لأن الإمام يصلي- عنده- بطائفةٍ ركعة ويقف قائمًا حتى تتم صلاتها وتسلم وتذهب، ثم يصلي بالثانية ركعة ويقف قاعدًا حتى تتم صلاتها ويسلم بهم. ويعضده: (وَلْتَاتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ). وقرئ: (وأمتعاتكم). فإن قلت: كيف جمع بين الأسلحة وبين الحذر في الأخذ؟ قلت: جعل الحذر، وهو التحرّز والتيقظ، آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ، …
_________________
(١) ـ قوله: (وعند مالك بمعنى الصلاة) أي: السجود بمعنى الصلاة. وكذا عند الشافعي؛ لقول أصحابه: والأولى بكل فرقة ركعة، لكن ينتظر الفرقة الثانية في التشهد ثم يسلم بهم كما فعله ﷺ بذات الرقاع، روينا عن صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة تجاه العدو، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسًا فأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم، أخرجه البخاري ومسلم. وأما صورة صلاة الحنفية فعن ابن عمر قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة، رواه البخاري ومسلم وغيرهما. قوله: (ويعضده) أي: ويعضد قول مالك قوله تعالى: ﴿وَلْتَاتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ يعني نفي في هذه الآية عن الطائفة التي تقابل تلك الطائفة السابقة الصلاة؛ فينبغي أن يثبت لتلك الطائفة ما نُفي من هؤلاء وهي الصلاة، وما أتوا به صلاة، فوجب أن تُحمل السجدة على الصلاة
[ ٥ / ١٤٢ ]
وجعلا مأخوذين، ونحوه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ) [الحشر: ٩]. جعل الإيمان مستقرًا لهم ومتبوأ لتمكّنهم فيه؛ فلذلك جمع بينه وبين الدار في التبوّء. (فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ): فيشدون عليكم شدة واحدة. ورخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم في مطر، أو يضعفهم من مرض. وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر؛ لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو. فإن قلت: كيف طابق الأمر بالحذر
_________________
(١) ـ قوله: (وجُعِلا مأخوذين) يريد أنه تعالى نظم المعقول وهو الحذرُ بعد الاستعارة في سلك المحسوس وهو الأسلة في حم الأخذ، مبالغةً في الحذر، كما نظم الإيمان في سلك الدار في حكم التبوؤ لتمنهم فيه تمكنهم في الدار. قوله: (فيشدون عليكم شدة) الشدة بالفتح: الحملة الواحدة. الأساس: شدوا عليهم شدة صادقة. قوله: (كيف طابق الأمر بالحذر؟) يعني: مجيء قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ بعد الأمر بالحر إيذان بأن الأمر بالحذر معلل بهذه العلة، وليس كذلك؛ بل الأمر بالحذر مسبب عن اعتزاز العدو وغلبته، وأجاب أنه تعالى لما أمرهم بالحذر من العدو أوهمهم به غلبة العدو؛ لأن الحذر غالبًا مسبب عن توقع مروه من جانب العدو، فأراد أن يبين أن هذا الأمر على خلاف المتعارف، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ليعلموا أن ذلك الأمر غير معلل بعلتهم، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] نهاهم أن يلقوا أنفسهم إلى التهلكة، وهو في الظاهر أمر بالإحجام عن الحرب؛ لكن المراد عكسه، ألا ترى إلى قول أبي أيوب الأنصاري ﵁: فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد؟ فالأمر بالحذر والنهي عن الإلقاء في التهلكة - في الحقيقة- راجعان إلى التحفظ في الأمور، والتيقظ في التدبير، وهو تعمد وقاية بأمر الجهاد، فإذا امتثلوا هذا النهي والأمر يثيبهم الله بأن يهين عدوهم ويحدهم ويبشرهم
[ ٥ / ١٤٣ ]
قوله: (إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا)؟ قلت: الأمر بالحذر من العدو يوهم توقع غلبته واعتزازه، فنفي عنهم ذلك الإيهام بإخبارهم أنّ اللَّه يهين عدوهم ويخذله وينصرهم عليه لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لذلك، وإنما هو تعبد من اللَّه كما قال: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: ١٩٥]. (فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ): فإذا صليتم في حال الخوف والقتال (فَاذْكُرُوا اللَّهَ): فصلوها (قِيامًا): مسايفين
_________________
(١) ـ عليهم، فإذا الأمر والنهي معللان عن الوعد باعتزاز المؤمنين، وحاصله أن قوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] من الكلام الذي له معنيان: قريب وبعيد، والمراد بعيد منهما، فإن قوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ المعنى القريب منه: التحرز عن العدو بسبب شوكته وإعزازه والبعيد منه: القيام بأمر الجهاد وربط الجأش في القتال، وأريد منه هذا الثاني؛ ولذلك علل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، يعني: إنما شرع الأمر بأخذ الحذر لإقامة الجهاد مع العدو، والتحفظ في الحرب؛ ليهين الله العدو وينصركم عليه. قوله: (واعتزازه). الأساس: تعزز لحم الناقة: اشتد وصلب، وأنا معتز ببني فلان ومستعز بهم، وقوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]: قوينا. قوله: (﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ﴾: فإذا صليتم)، فالقضاء إذن بمعنى الأداء؛ لمجيء قوله: ﴿فَإِذَا اطْمَانَنتُمْ﴾ عقيبه، وإليه الإشارة بقوله: "فإذا اطمأننتم وأمنتم فاقضوا ما صليتم"، فالقضاء ليس بمعنيٍّ به في مذهب الشافعي ﵁، قال القاضي: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ﴾ أي: إذا أرتم أداء الصلاة واشتد الخوف فصلوها كيفما أمكن، ﴿فَإِذَا اطْمَانَنتُمْ﴾ أي: سنت قلوبكم من الخوف؛ ﴿فَأَقِيمُوا﴾ أي: فعدلوا واحفظوا أركانها وشرائطها وأتوا بها تامة. وقال الأزهري: القضاء: على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أُحكِم عمله وأُتم وخُتم أو أُدى أو أُوجب أو أُعلم أو أُنفذ أو أُمضي فقد قُضي، فالقضاء موضوع للقدر المشترك بين هذه المفهومات، وهو انقطاع الشيء في النهاية.
[ ٥ / ١٤٤ ]
ومقارعين، (وَقُعُودًا): جاثين على الركب مرامين، (وَعَلى جُنُوبِكُمْ): مثخنين بالجراح. (فَإِذَا اطْمَانَنْتُمْ) حين تضع الحرب أوزارها وأمنتم (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي أحوال القلق والانزعاج. (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا): محدودًا بأوقاتٍ لا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حالٍ كنتم: خوف أو أمن. وهذا ظاهرٌ على مذهب الشافعي ﵀ في إيجابه الصلاة على المحارب في حالة المسايفة والمشي والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها، فإذا اطمأن فعليه القضاء. وأما عند أبي حنيفة ﵀ فهو معذور في تركها إلى أن يطمئن. وقيل: معناه: فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا ذكر اللَّه مهللين مكبرين مسبحين داعين بالنصرة والتأييد في كافة أحوالكم من قيام وقعود واضطجاع، فإن ما
_________________
(١) ـ قوله: (مثخنين بالجراح). النهاية: الإثخان في الشيء: المبالغة فيه والإكثار منه، يقال: أثخنه المرض، أي: أثقله ووهنه. قوله: (وهذا ظاهر على مذهب الشافعي)؛ وذلك أن الاستئناف بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ كالتعليل للأمر بإتيان الصلاة كيفما كان؛ ففيه تحديد للوقت وتعيينه، فيجب أن يكون وقت وجوبه حينئذٍ. قوله: (فإذا اطمأن فعليه القضاء) هذا ليس بالمذهب لقوله: وقضى المختلة دون عذر عام إلى قوله: أو مباح قتال. قوله: (وقيل: معناه: فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا) عطفٌ على قوله: "فإذا صليتم" فالفاعل الأول مثله في قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]؛ لأن الذكر حينئذٍ غير الصلاة، كما أن القتل غير التوبة لقوله: "فصلوها قيامًا مسايفين" إلى آخره، وعلى هذا الذكر غير الصلاة، وهذا الوجه موافق لمذهب الشافعي ﵁؛ لقوله: "فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة فأتموها".
[ ٥ / ١٤٥ ]
أنتم فيه من خوف وحرب جدير بذكر اللَّه ودعائه واللجأ إليه. (فَإِذَا اطْمَانَنْتُمْ): فإذا أقمتم (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ): فأتموها.
[(وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَما تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)].
(وَلا تَهِنُوا): ولا تضعفوا ولا تتوانوا (فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ): في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم. ثم ألزمهم الحجة بقوله: (إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ)، أي: ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل مختصًا بكم، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم، يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه ويتشجعون، فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أولى منهم بالصبر؛ لأنكم (تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ) من إظهار دينكم على سائر الأديان، ومن الثواب العظيم في الآخرة. وقرأ الأعرج: (أن تكونوا تألمون) بفتح الهمزة، بمعنى: ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون. وقوله: (فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَما تَالَمُونَ) تعليل. وقرئ: (فإنهم ييلمون كما تيلمون).
وروي: أن هذا في بدر الصغرى، كان بهم جراح فتواكلوا. (وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا): لا يكلفكم شيئًا ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا لما هو عالم به مما يصلحكم.
_________________
(١) ـ قوله: (ثم ألزمهم الحجة) أي: للمسلمين، يعني: لما قال لهم: ولا تهنوا ولا تتوانوا في طلب القتال والتعرض للكفار؛ قطع معاذيرهم بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ﴾ إلى آخره. قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ﴾ تعليل) أي: للنهي، يعني: لا تضعفوا لأجل الألم؛ لأنهم أيضًا يألمون، ومعكم ما يجب عليكم الصبر معه، هو رجاؤكم من الله إظهار دينكم على سائر الأديان والثواب في الآخرة، وعلى الأول جزاء للشرط. قوله: (فإنهم ييلمون) شاذ، كُسرت حرف المضارعة فانقلبت الهمزة ياء. قوله: (فتواكلوا) أي: فشلوا وضعفوا عن القتال. الأساس: وَكَلَ إليه الأمر وُكولًا،
[ ٥ / ١٤٦ ]
[(إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا* وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا)].
روي: أنّ طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر سرق درعًا من جار له اسمه قتادة بن النعمان في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرقٍ فيه، وخبأها عند زيد بن السمين، رجلٍ من اليهود، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد، وحلف ما أخذها وما له بها علمٌ، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها، فقال: دفعها إلىّ طعمة! وشهد له ناسٌ من اليهود، فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول اللَّه ﷺ. فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك وافتضح وبرئ اليهودي. فهمَّ رسول اللَّه ﷺ أن يفعل وأن يعاقب اليهودي. وقيل: هم أن يقطع يده. فنزلت. وروي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد، ونقب حائطًا بمكة ليسرق أهله، فسقط الحائط عليه فقتله. (بِما أَراكَ اللَّهُ): بما عرفك وأوحى به إليك.
_________________
(١) ـ ووكلته إلى الله وواكلته، وتواكلوا، وفلانٌ وكل ووكلة تكلة ومواكل: ضعيف يتكل على غيره. قوله: (روى أن طمعة بن أبيرق) القصة ذكرها الترمذي عن قتادة بن النعمان، وفيها اختلاف، وطعمة بفتح الطاء عن الصغاني، ورُوي بكسرها. قوله: (ليسرق أهله) أي: ليسرق متاع أهله، وقوله بعده: "ليسرق" بالتشديد، أي: يُنسب إلى السرقة، ونحوه: فسقته وفجرته: إذا نبته إلى الفسق والفجور. قوله: (﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾: بما عرفك) يعني: أراك من الرأي الذي هو الاعتقاد، لا من العلم؛ لأنه يستدعي ثلاثة مفاعيل، قال أبو البقاء: الفعل: رأيت الشيء: إذا ذهبت إليه،
[ ٥ / ١٤٧ ]
وعن عمر ﵁: لا يقولنّ أحدكم قضيت بما أراني اللَّه، فإنّ اللَّه لم يجعل ذلك إلا لنبيه ﷺ، ولكن ليجتهد رأيه؛ لأن الرأي من رسول اللَّه ﷺ كان مصيبًا؛ لأن اللَّه كان يريه إياه، وهو منا الظن والتكلف. (وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا): ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما للبرآء، يعني لا تخاصم اليهود لأجل بني ظفر، (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ) مما هممت به من عقاب اليهودي.
[(وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّانًا أَثِيمًا* يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا* ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا* وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا)].
(يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ): يخونونها بالمعصية، كقوله: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ) [البقرة: ١٨٧]، جُعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم، كما جعلت ظلمًا لها؛ لأنّ الضرر راجع إليهم. فإن قلت: لم قيل (لِلْخائِنِينَ)؛
_________________
(١) وهو من الرأي، وهو متعد إلى مفعول واحد، وبعد الهمزة إلى مفعولين أحدهما الكاف والآخر محذوف، أي: أراكه، وقيل: المعنى علمك، وهو متعد إلى مفعولين أيضًا. قوله: (جعلت مصيبة العصاة خيانة منهم). الراغب: الخيانة والنفاق واحد، إلا أن الخيانة تقال اعتبارًا بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتبارًا بالدين، ثم يتداخلان، فالخيانة: مخالفة الحق بنقض العهد في السر، ونقيض الخيانة الأمانة، يقال: خُنت فلانًا وخنت أمانة فلان، وعليه قوله تعالى: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧].
[ ٥ / ١٤٨ ]
و(يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ)، وكان السارق طعمة وحده؟ قلت: لوجهين: أحدهما: أنّ بنى ظفرٍ شهدوا له بالبراءة ونصروه، فكانوا شركاء له في الإثم. والثاني: أنه جمع؛ ليتناول طعمة وكل من خان خيانته، فلا تخاصم لخائن قط، ولا تجادل عنه.
فإن قلت: لم قيل: (خَوَّانًا أَثِيمًا) على المبالغة؟ قلت: كان اللَّه عالمًا من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المآثم، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك في حاله.
وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئةٍ فاعلم أن لها أخواتٍ. وعن عمر ﵁: أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه. فقال: كذبت، إن اللَّه لا يؤاخذ عبده في أول مرة. (يَسْتَخْفُونَ): يستترون
_________________
(١) قوله: (لمَ قيل: ﴿خَوَّانًا أَثِيمًا﴾؟) يعني: أن طعمة قد سرق هذه السرقة الواحدة، فكيف قيل له: ﴿خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ على المبالغة؛ وأجاب: من كانت تلك خاتمة حاله، وهي أن يسرق ثم يهرب ويرتد وينقب حائطًا فيسقط عليه فيقتله، لم يشك أنه قد أفرط في الخيانة؛ لأن الله تعالى لا يؤاخذ عبده في أول مرة كما قاله عمر ﵁، ويمكن أن يحمل على مجرد المبالغة وأن تلك السرقة كانت عظيمة بالغة حدها حتى خوطب بسببها أفضل الخلق بقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، نحوه سيجيء في الأنفال عند قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥١]. قال: "الظلام للتكثير لأجل العبيد، أو لأن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذب بمثله ظلامًا بليغ الظلم". قوله: (﴿يَسْتَخْفُونَ﴾: يستترون) فإن قلت: فسر أولًا ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ بقوله: "يستترون ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ حياءً"، وثانيًا بقوله: "ولا يستحيون منه" فهل من فرق؟ قلت: لا؛ لأنه جعل العلة الغائبة في الأول الحياء لينبه على أن ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ في الثاني كناية عن الحياء، فاكتفى في الثاني بذلك إيجازًا، ويمكن أن يقال: إن الاستخفاء من الله تعالى مُحال؛ لاستواء الجهر والخفاء عنده؛ فجُعل مجازًا عن الحياء، وأما الناس فعلى خلافه، فيجوز أن يُحمل على الحقيقة تارة وعلى الكناية أخرى؛ فلذلك فرق بين التركيبين.
[ ٥ / ١٤٩ ]
(مِنَ النَّاسِ) حياءً منهم وخوفًا من ضررهم، (وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ): ولا يستحيون منه، (وَهُوَ مَعَهُمْ):
وهو عالمٌ بهم مطلعٌ عليهم لا يخفى عليه خافٍ من سرهم، وكفى بهذه الآية ناعيةً على الناس ما هم فيه من قلة الحياء والخشية من ربهم مع علمهم- إن كانوا مؤمنين- أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح. (يُبَيِّتُونَ): يدبرون ويزوّرون، وأصله أن يكون بالليل، (ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ) وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرّق دونه ويحلف ببراءته.
فإن قلت: كيف سمي التدبير قولًا وإنما هو معنى في النفس؟ قلت: لما حدّث بذلك نفسه سمي قولًا على المجاز، ويجوز أن يراد بالقول: الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيته، وتوريكه الذنب على اليهودي. (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ): "ها" للتنبيه في "أنتم" و"أولاء"، وهما مبتدأٌ وخبر. و(جادَلْتُمْ) جملة مبينة لوقوع "أولاء" خبرًا، كما تقول لبعض الأسخياء: أنت حاتم تجود بمالك، وتؤثر على نفسك. ويجوز أن يكون "أولاء" اسمًا موصولًا بمعنى "الذين"، و(جادلتم) صلته،
_________________
(١) قوله: (وكفى بهذه الآية ناعية على الناس) يعني: أن هذه الآية وإن نزلت في شأن طعمة وبني ظفر، لكن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب؛ فعلى العاقل أن يعتبر بمضمونها، لا سيما المؤمن يجتنب عن قلة الحياء وقلة خشية من علمه أنه في حضرته؛ فأوقع قوله: "إن كانوا مؤمنين" اعتراضًا بين الفعل ومعموله؛ تشديدًا وتغليظًا. قوله: (وتوريكه الذنب) عطف على "الحلف". الأساس: ورك عليه السيف: حمل عليه، وورك عليه ذنبه. قوله: ﴿جَادَلْتُمْ﴾ ولم يقل: ها أنتم جادلتم؛ ليكون أفخم، فلو قيل: أنت تجود بمالك، لم يكن كما لو قيل: أنت حاتم تجود بمالك؛ فكانت الجملة المبينة كالتعليل. قوله: (ويجوز أن يكون "أولاء" اسمًا موصولًا". قال الزجاج: "ها": للتنبيه في "أنتم"، وأعيدت في "أولاء"، والمعنى: ها أنتم الذين جادلتم؛ لأن "هؤلاء" و"هذا" يكونان في الإشارة للمخاطبين في أنفسهم بمنزلة: الذين، وقد يكون لغير المخاطبين، كقوله:
[ ٥ / ١٥٠ ]
والمعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا، فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم اللَّه بعذابه؟ وقرأ عبد اللَّه: (عنه)، أي: عن طعمة. (وَكِيلًا):
حافظًا ومحاميًا من بأس اللَّه وانتقامه.
_________________
(١) .. وهذا تحملين طليق أي: الذي تحملين. قوله: (والمعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه). قال الواحدي: الخطاب مع جماعة من الأنصار من قرابة طعمة جادلوا عنه وعن قومه. وقلت: فعلى هذا صح قول الكواشي: الخطاب في قوله: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ للرسول ﷺ والمراد غيره؛ وذلك أن قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ﴾ خطاب للجماعة عن مجادلة سابقة عنهم، والمذكور من قبل ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ﴾ فيجب حمله على ذلك، وعلى هذا ورد ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، ولعله صلوات الله وسلامه خوطب بذلك؛ لأنه ما زجرهم ولا عنفهم كأنه جادل عنهم، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إشارة إلى أن القرآن خُلق له صلوات الله عليه وتأديب من الله له. قوله: (﴿وَكِيلًا﴾: حافظًا). الوكيل حقيقة: هو من وُكِلَ إليه الأمر ثم استعير للحافظ؛ لأن الوكيل حافظ.
[ ٥ / ١٥١ ]
(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا): قبيحًا متعدّيًا يسوء به غيره كما فعل طعمة بقتادة واليهودي، (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ)
بما يختص به، كالحلف الكاذب.
وقيل: (ومن يعمل سوءًا) من ذنب دون الشرك، (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) بالشرك. وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة؛ لتلزمه الحجة مع العلم بما يكون منه؛ أو لقومه لما فرط منهم من نصرته والذب عنه.
[(وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا* وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)].
(فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ) أي: لا يتعدّاه ضرره إلى غيره، فليبق على نفسه من كسب السوء (خَطِيئَةً): صغيرة، (أَوْ إِثْمًا): أو كبيرة، (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا) كما رمى
_________________
(١) قوله: (وقيل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ من ذنب) عطفٌ على قوله: ﴿سُوءًا﴾: قبيحًا"؛ لأن السوء لغة هو القبيح، قال في "الأساس": هو اسم جامع لكل آفةٍ وداء، يقال: ساء عمله وساءت سيرته، وأساء ما وُجِد منه. قوله: (مع العلم بما يكون منه) أي: مع أن الله تعالى عالم بما سيقع منه، وهو ما روى أنه هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطًا، إلى آخر القصة. يعني أن الله تعالى كان عالمًا بأنه لا يتوب ولا يغفر له ولا يرحمه، ومع ذلك قال في حقه: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ لئلا يكون له حجة، وهي أن الله تعالى ما بعثني على التوبة حتى أتوب. قوله: (أو لقومه) أي: بُعِثَ لهم على الاستغفار والتوبة، لا لإلزام الحجة. قوله: (﴿خَطِيئَةً﴾: صغيرة). قال أبو البقاء: الهاء في ﴿يَرْمِ بِهِ﴾ تعود على الإثم، وفي عودها عليه دليل على أن الخطيئة في حكم الإثم، وقيل: تعود على أحد الشيئين المدلول عليه بـ ﴿أَوْ﴾، وقيل: تعودُ على الكسب المدلول عليه بقول: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ﴾.
[ ٥ / ١٥٢ ]
طعمة زيدًا، (فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا)؛ لأنه بكسب الإثم آثم، وبرمي البريء باهت، فهو جامع بين الأمرين. وقرأ معاذ بن جبل ﵁: (ومن يكسب) بكسر الكاف والسين المشددة، وأصله: يكتسب.
[(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)].
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ) أي: عصمته وألطافه وما أوحى إليك من الاطلاع على سرّهم (لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ): من بني ظفر (أَنْ يُضِلُّوكَ) عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل مع علمهم بأن الجاني هو صاحبهم؛ فقد روي: أن ناسًا منهم كانوا يعلمون كنه القصة، (وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ)؛ لأن وباله عليهم، (وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ)؛ لأنك إنما عملت بظاهر الحال، وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك. (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) من خفيات الأمور وضمائر القلوب، أو من أمور الدين والشرائع.
ويجوز أن يراد بالطائفة بنو ظفر، ويرجع الضمير في: (مِنْهُمْ) إلى الناس.
_________________
(١) قوله: (لأنه بكسب الإثم آثم وبرمي البريء باهتٌ) إشارة إلى أن في لفظ التنزيل لفظًّا ونشرًا من غير ترتيب؛ لأنه أتى في التفسير بالترتيب، والأسلوب من باب تكرير الشرط والجزاء، نحو: من أدرك الصمان فقد أدرك المرعي، فينبغي أن يحمل التنكير في قوله: ﴿بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ على التفخيم والتهويل؛ ومن ثم الدلالة على بُعد مرتبة البهتان من ارتكاب الإثم نفسه. قوله: (ويجوز أن يُراد بالطائفة بنو ظفر) عطف على قوله: "من بني ظفر"، و﴿طَائِفَةٌ
[ ٥ / ١٥٣ ]
وقيل: الآية في المنافقين.
[(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)].
(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ): من تناجي الناس (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ): إلا نجوى من أمر، على أنه مجرور بدلٌ من (كثير)، كما تقول: لا خير في قيامهم إلا
_________________
(١) مِنْهُمْ﴾ على الأول: بعضُ بني ظفر، على هذا: كلهم؛ لأنهم بعض الناس، والناس تحتمل الجنس والعهد. قوله: (وقيل: الآية في المنافقين) عطف على قوله: "من بني ظفر" أيضًا، أي: لهمت طائفة من المنافقين. الراغب: إن قيل: قد كانوا هموا بذلك فكيف قال: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ﴾؟ قيل: في ذلك جوابان، أحدهما: أن القوم كانوا مسلمين، ولم يهموا بإضلال النبي ﷺ، وكان ذلك عندهم جوابًا، والثاني: أن القصد إلى نفي تأثير ما هموا به كقولك: فلان شتمك وأهانك لولا أني تداركت؛ تنبيهًا على أن أثر فعله لم يظهر. قوله: (إلا نجوى من أمر بصدقة). الراغب: النجوى يقال للحديث الذي ينفرد به اثنان فصاعدًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧]، وإذا جُعلت للقوم فـ ﴿مَنْ﴾: مجرورٌ على البدل، أو منصوب على الاستثناء، وإن جعلتها للحديث فتقديره: إلا نجوى من أمر بصدقة، ولما كان التناجي مكروهًا في الأصل حتى قيل: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠] صار ذلك من الأفعال التي تقبح ما لم يقصد به وجه محمود، كالمكر والخديعة؛ فبين تعالى أن النجوى لم تحسن ما لم تخص بها هذه الوجوه المستثناة، وخص هذه الثلاثة لأنها متضمنة للأفعال الحسنة كلها؛ وذلك أنه نبه بالصدقة على الأفعال الواجبة، فخُصت
[ ٥ / ١٥٤ ]
قيام زيد؛ ويجوز أن يكون منصوبًا على الانقطاع، بمعنى: ولكن من أمر بصدقةٍ ففي نجواه الخير. وقيل:
المعروف: القرض، وقيل إغاثة الملهوف، وقيل هو عامّ في كل جميل.
ويجوز أن يراد بالصدقة الواجب، وبالمعروف ما يتصدق به على سبيل التطوّع.
_________________
(١) لكونها أكثر نفعًا في إيصال الخير إلى الغير، ونبه بالمعروف على النوافل التي هي الإحسان والتفضل، وبالإصلاح بين الناس على سياستهم وما يؤدي إلى نظم شملهم وإيقاع الألفة بينهم. قوله: (منصوبًا على الانقطاع) أي: على الاستثناء المنقطع، قال أبو البقاء: يجوز أن يراد بالنجوى: القوم الذين يتناجون، ومنه قوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧]؛ فالاستثناء متصل: إما جرًا بدلًا من ﴿نَجْوَاهُمْ﴾، وإما نصبًا على أصل الاستثناء. قوله: (هو عام في كل جميل). الراغب: يقال لكل ما يستحسنه العقل ويعترف به: معروف، ولكل ما يستقبحه وينكره: مُنكر؛ ووجه ذلك: أن الله تعالى ركز في العقول معرفة الخير والشر، كما رمز إليه بقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]، وعلى ذلك المعروف: ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، واطمئنانها إليه لمعرفتها به. وقلت: وإليه ينظر حديث وابصة بن معبد حين جمع ﷺ أصابعه وضرب بها صدره، فقال: "استفت نفسك يا وابصة" ثلاثًا، "البر: ما اطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في نفسك وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك". أخرجه أحمد بن حنبل والدارمي.
[ ٥ / ١٥٥ ]
وعن النبي ﷺ: «كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروفٍ أو نهى عن منكرٍ، أو ذكر اللَّه». وسمع سفيان رجلًا يقول: ما أشد هذا الحديث، فقال: ألم تسمع اللَّه يقول (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ) فهو هذا بعينه، أو ما سمعته يقول (وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر: ١ - ٢] فهو هذا بعينه. وشرط في استيجاب الأجر العظيم أن ينوي فاعل الخير عبادة اللَّه، والتقرّب به إليه، وأن يبتغى به وجهه خالصًا، لأن الأعمال بالنيات. فإن قلت: كيف قال: (إِلَّا مَنْ أَمَرَ)، ثم قال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ)؟ قلت: قد ذكر الأمر بالخير؛ ليدل به على فاعله؛ لأنه إذا دخل الآمر به في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم أدخل. ثم قال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) فذكر الفاعل وقرن به الوعد بالأجر العظيم، ويجوز أن يراد: ومن يأمر بذلك،
_________________
(١) ـ قوله: (كلام ابن آدم كله عليه لا له) الحديث مخرج في "سنن الترمذي" وابن ماجه. قوله: (فهو هذا بعينه) أي: لا تفاوت فيما يرجع إليه المعنى، لكن هذه الآية أخص من الحديث؛ لقوله: ﴿مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾، والحديث أخص من تلك الآية؛ لقوله: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، وهو أعَمُّ من الكلام. قوله: (كيف قال: (إلا من أمر؟) تلخيص السؤال: أن قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ تذييل لقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، فينبغي أن يكون مطابقًا للمذيل، ولا مطابقة بين أمر الفعل وفاعله ظاهرًا، فأجاب بقوله: "قد ذكر الأمر بالخير". وخُلاصته: أنه لابد من التأويل؛ إما بأن يجعل القرينة الأولى كناية عن الفاعل ليحصل التطابق بالطريق الأولى، أو أن يجعل الكناية كناية عن الأمر لشموله وتناوله إياه، وبيان الأول: أنه تعالى لما رتب على إقدام أمر الخير قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] عُلِم أن فاعل ذلك أولى بأن يؤتي أجره، بل بأن يُضاعف ويعظم ثوابه.
[ ٥ / ١٥٦ ]
فعبر عن الأمر بالفعل كما يعبر به عن سائر الأفعال، وقرئ: يؤتيه، بالياء.
[(وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا* إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا* إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطانًا مَرِيدًا* لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا* وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا* يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا* أُولئِكَ مَاواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا)].
(وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) وهو السبيل الذي هم عليه من الدين الحنيفي القيم، وهو دليل على أن الإجماع حجةٌ
_________________
(١) ـ قوله: (فعبر عن الأمر بالفعل) فإن الفعل قد يُعبر به عن جميع الأفعال، فتقول: خلعت على زيد ومنحته جزيلًا وأكرمته وعظمته، فيقال لك: نعم ما فعلت، فكني بقوله: نعم ما فعلت، عن تلك الأفعال المذكورة اختصارًا، والجواب الأول أقرب إلى معنى قوله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾. قوله: (وقرئ: "يؤتيه"، بالياء): حمزة وأبو عمرو، والباقون: بالنون الفوقانية. قوله: (وهو دليل على أن الإجماع حجة) نقل الإمام عن الشافعي ﵁، أنه سُئل عن أي آية من كتاب الله تدل على أن الإجماع حجة؟ فقرأ القرآن ثلاث مئة مرة حتى وجد هذه الآية، فإن قيل: لا يُسلم أن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباعٌ لغير سبيل المؤمنين؛ لأنه لا يمنع أن لا يتبع سبيل المؤمنين ولا غير سبيل المؤمنين.
[ ٥ / ١٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ والجواب: أن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير؛ فإذا كان من شأن غير المؤمنين أن لا يقتدوا في أفعالهم بالمؤمنين، فكل من لم يتبع من المؤمنين سبيل المؤمنين فقد أتى بفعل غير المؤمنين واقتفى أثرهم؛ فوجب أن يكون متبعًا لهم. قال القاضي: إذا كان اتباع غير سبيلهم محرمًا كان اتباع سبيلهم واجبًا؛ لأن ترك إتباع سبيلهم ممن عرف سبيلهم اتباع غير سبيلهم. وقلتُ: فإن قيل: الوعيد مرتبٌ على الكل، كقولك: إن دخلت الدار وكلمت زيدًا فأنت طالق؛ فأجيب أن الوعيد مرتبٌ على كل واحد من المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين؛ لأن المشاقة وحدها مستقلة في اقتضاء الوعيد، فيكون ذكر اتباع غير سبيل المؤمنين لغوًا. فإن قيل: إن المعطوف عليه مقيد بتبين الهدى فلزم في المعطوف ذلك، فإذًا لم يكن في الإجماع فائدة؛ لأن الهدي عامٌ لجميع الهداية، ومنها دليل الإجماع، وإذا حصل الدليل لم يكن للمدلول فائدة. وأجيب: أن المراد بالهداية: الدليل على التوحيد والنبوة؛ فالمعنى: مخالفة المؤمنين بعد دليل التوحيد والنبوة حرام، فيكون الإجماع مقيدًا في الفروع بعد تبين الأصول. وقال الراغب: لا حجة في الآية على ثبوت الإجماع؛ لأن المراد بقوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ الإيمان لا ذووه، فكل موصوف عُلق به حكم، نحو أن يُقال: اسلك سبيل الصائمين والمصلين؛ يعني بذل الحث على الاقتداء بهم في الصلاة والصيام، لا في فعل آخر، وكذا إذا قيل: ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني به سبيلهم في الإيمان لا غير. وقلت: المراد من ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ سبيل الجامعين لكل فضيلة ومنقبة؛ لأن ذكره هاهنا للمدح لا للعلة، وكونهم متبعين مقتدين بدليل قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ويعضده قضية النظم؛ وذلك أن الطائفة الذين جادلوا عن طعمة هموا بأن يُزلوا رسول الله ﷺ عن طريق العدل مع علمهم بأن الجاني هو صاحبهم، لولا أن تداركه فضل الله ورحمته بان أنزل عليه الكتاب والحكمة
[ ٥ / ١٥٨ ]
لا تجوز مخالفتها كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة؛ لأنّ اللَّه عز وعلا جمع بين اتباع سبيل غير المؤمنين وبين مشاقة الرسول في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد، فكان اتباعهم واجبًا كموالاة الرسول. (نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى): نجعله واليًا لما تولى من الضلال؛ بأن نخذله، ونخلي بينه وبين ما اختاره، (وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ). وقرئ:
(ونصله) بفتح النون من صلاه. وقيل: هي في طعمة وارتداده وخروجه إلى مكة.
(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) تكرير للتأكيد، وقيل: كرّر لقصة طعمة،
_________________
(١) ـ وعلمه أمور الدين والشرائع؛ لوقع في ورطة العنت والمشقة. وليس ما فعل هؤلاء بمتابعة لسبيل المؤمنين؛ فإن سبيلهم التفادي عن مخالفة الرسول ومشاقته، والتجانب عما يُضاد الحق والعدل؛ لكن سبيل غير المؤمنين متابعة الشيطان الذي يدعوهم إلى عبادة الأوثان؛ ولذلك عقبه بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدا﴾ تغليظًا، أي: ما يعبدون بعبادة الأصنام إلا شيطانًا؛ لأنه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه؛ فعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ﴾ كالتذييل لقصة طعمة وقومه: فيدخل في هذا المقام كل ما فيه مُشاقة الرسول ﷺ ومخالفة سبيل المؤمنين بأي وجه كان. روينا عن الترمذي، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ، قال: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار". وأما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إما تأكيد للآية السابقة في هذه السورة المعادلة لها، أو كررت لتعلقها بخاتمة قصة طعمة وأصحابه ليكون كالتكميل بذكر الوعد بعد ما ذكر الوعيد الذي ضُمن في الآيات. الراغب: في قوله تعالى: ﴿بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ إشارة إلى أن صغائر الأولياء أعظم
[ ٥ / ١٥٩ ]
وروي: أنه مات مشركًا. وقيل: جاء شيخ من العرب إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إني شيخ منهمك في الذنوب، إلا أني لم أشرك باللَّه شيئًا منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليًا، ولم أوقع المعاصي جرأة على اللَّه ولا مكابرة له، وما توهمت طرفة عين أني أعجز اللَّه هربًا، وإني لنادم تائب مستغفر، فما ترى حالي عند اللَّه؟ فنزلت وهذا الحديث ينصر قول من فسر (مَنْ يَشاءُ) بالتائب من ذنبه.
(إِلَّا إِناثًا): هي اللات والعزى ومناة. وعن الحسن: لم يكن حيّ من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه: أنثى بني فلان. وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات اللَّه. وقيل: المراد الملائكة؛ لقولهم: الملائكة بنات اللَّه. وقرئ (أنثًا) جمع أنيثٍ أو أُناث، (ووثنًا) و(أثنًا) بالتخفيف والتثقيل جمع وثن، كقولك:
_________________
(١) ـ من كبائر العامة؛ وذلك أنه لا يُعذر العالم فيما يرتكبه كما يُعذر الجاهل؛ لأن من لا يعرف الحق يستحق العقوبة بتركه للمعرفة؛ لأن العمل لا يلزم حتى يعرفه، والعالم يستحق العقوبة بترك معرفته وترك استعماله، وقصد تعالى بقوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ أن من لم يتبين له الهدي فقد يجعل الله له نورًا يهديه، ومن صار معاندًا قطع عنه التوفيق، ويترك هو وهواه، وانقطاع التوفيق هو المعنى باللعن والطرد، وإليه أشار الشاعر بقوله: إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأول ما يجنى عليه اجتهاده قوله: (وقرئ: "أنثا" جمع أنيث أو أُناث، و"وُثْنًا" و"أُثُنًا"). قال أبو البقاء: ويُقرأ "أنُثًا"، مثل: رسل؛ فيجوز أن تكون صفة مفردة مثل: امرأة جُنبن وأن يكون جمع أنيث، كقليب وقلب. وقال الزجاج: "انثًا": جمع أناثٍ وإناثٍ وأنث، مثل: مثال ومُثُل،
[ ٥ / ١٦٠ ]
أَسدٌ وأُسدٌ، وقلب الواو ألفا نحو «أُجوه» في "وجوه". وقرأت عائشة ﵂: (أوثانًا). (وَإِنْ يَدْعُونَ): وإن يعبدون بعبادة الأصنام (إِلَّا شَيْطانًا)؛ لأنه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه، فجعلت طاعتهم له عبادة، و(لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ): صفتان بمعنى: شيطانًا مريدًا جامعًا بين لعنة اللَّه، وهذا القول الشنيع. (نَصِيبًا مَفْرُوضًا): مقطوعًا واجبًا فرضته لنفسي، من قولهم: فرض له في العطاء، وفرض الجند: رزقه. قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعين إلى النار (وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) الأماني الباطلة من طول الأعمار، وبلوغ الآمال، ورحمة اللَّه للمجرمين بغير توبة، والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة ونحو ذلك.
وتبتيكهم الآذان: فعلهم
_________________
(١) ـ و"أُثُنًا": جمع وثن، والأصل: وُثُن، والواو إذا ضُمت جاز إبدالها همزة نحو: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أوُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]. قوله: (جامعًا بين لعنة الله وهذا القول الشنيع)؛ وذلك أن الواو حين دخلت بين الصفتين أفادت مجرد الجمعية دون المغايرة. قال أبو البقاء: يجوز أن يكون ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ مستأنفًا على الدعاء، أي: فعل ما استحق به اللعن من استكباره عن السجود والتعبد؛ فعلى هذا ﴿وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ﴾ جملة مستطردة، و﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ معترضة، كقولهم للملوك في أثناء الكلام: أبيت اللعن. قوله: (﴿مَفْرُوضًا﴾: مقطوعًا واجبًا). قال الزجاج: أصل الفرض: القطع، والفرضة: الثلمة تكون في النهر، والفرض في القوس: الحز الذي يُشد به الوتر، وفريضة الله: ما جعل الله على العباد أمرًا حتمًا عليهم قاطعًا.
[ ٥ / ١٦١ ]
بالبحائر؛ كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطنٍ وجاء الخامس ذكرًا، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها. وتغييرهم خلق اللَّه: فقء عين الحامي وإعفاؤه عن الركوب. وقيل: الخصاء، وهو في قول عامة العلماء مباحٌ في البهائم، وأما في بنى آدم فمحظور. وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم؛ لأن الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم. وقيل: فطرة اللَّه التي هي دين الإسلام. وقيل للحسن: إن عكرمة يقول: هو الخصاء، فقال: كذب عكرمة، هو دين اللَّه. وعن ابن مسعود: هو الوشم، وعنه:
_________________
(١) ـ قوله: (بالبحائر). النهاية: كانوا إذا تابعت الناقة بين عشر إناث لم يُركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يحلب لبنها إلا ضيف، وتركوها مسيبة لسبيلها وسموها سائبة، فما ولدت بعد ذلك من أنثى شقوا أذنها وخلوا سبيلها وحرم منها ما حرم من أمها وسموها البحيرة، من: بحر: إذا شق أذنها. وحكى الزمخشري: بحيرة وبُحُر كصريمة وصُرم، وهي التي صُرمت أذنها، أي: قُطعت. قوله: (فقء عين الحامي). الفقء: القلع، والحامي: هو الفحل الذي طال مكثه عندهم، فإذا لقي ولد ولده حُمي ظهره فلا يُركب، ولا يُجز وبره، ولا يمنع من مرعى. قوله: (وقيل: فطرة الله التي هي دين الإسلام). الراغب: في الآية إشارة إلى أن كل ما جعله الله كاملًا بفطرته جعله الإنسان ناقصًا بسوء تدبيره، وتغيير خلق الله هو: أن كل ما أوجده الله تعالى لفضيلة فاستعان الإنسان به في رذيلة فقد غير خلقه، وقد دخل في عمومه جعل الله للإنسان شهوة الجماع ليكون سببًا للتناسل على وجه مخصوص؛ فاستعان به في السفاح واللواط، وكذا المخنث إذا نتف لحيته وتقنع تشبهًا بالنساء، والفتاة إذا ترجلت متشبهة بالفتيان، ودخل في عمومه أيضًا كل ما حلله الله فحرموه أو حرمه فحللوه، وإلى هذه الجملة أشار المفسرون. قوله: (فقال: كذب عكرمة هو دين الله) يعني قوله: ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا
[ ٥ / ١٦٢ ]
"لعن اللَّه الواشرات والمتنمصات والمستوشمات المغيرات خلق اللَّه". وقيل التخنث.
[(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا)].
(وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا): مصدران: الأول مؤكد لنفسه، والثاني مؤكد لغيره، (وَمَنْ
_________________
(١) ـ مَفْرُوضًا﴾ يقتضي أن يفسر ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ بما هو أبلغ من الخصاء، فإذا المراد بتغيير الخلق ما أشار إليه الحديث النبوي: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يُنصرانه أو يمجسانه". ولناصر قول عكرمة أن يقول: قول الشيطان: ولأضلنهم ولأمنينهم؛ دل على التغيير في الدين، وأُطلق ليشمل كل ما يصح فيه الإضلال والأماني، وقوله: لآمرنهم، إلى آخره؛ دل على التغيير في خلق الظاهر في النعام تارة وفي الإنسان أخرى، والله أعلم. قوله: (الواشرات). النهاية: الواشرة: المرأة التي تحد أسنانها وترقق أطرافها تتشبه بالشواب، كأنه من وشرت الخشبة بالميشار، غير مهموز. والمتنمصة والنامصة: التي تنتف شعور الوجوه. قال في "النهاية": وبعضهم يرويه "المنتمصة" بتقديم النون على التاء. والمتوشمة: من الوشم، وهو أن يغرز الجلد بغبرة ثم يُشى بكحل أو نيل فيزرق أثره. والمستوشمة: التي تطلب ذلك. قوله: (الأول مؤكد لنفسه)؛ لأن قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ يدل على الوعد؛ إذ الوعد هو الإخبار عن إيصال المنافع قبل وقوعه، "والثاني: مؤكد لغيره" نحو قولك: هو عبد الله حقًا، فقوله: "حقًا" يفيد معنى لم يُفد "هذا عبد الله" لا لفظًا ولا عقلًان لكن الخبر من حيث هو خبر يحتمل الصدق والكذب، فقولك: "حقًا" بقصر الجملة على أحد الاحتمالين، أي: أحق حقًا؟ فقولك: "حقًا" تأكيدٌ للمقدر لا للمذكور.
[ ٥ / ١٦٣ ]
أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا): توكيد ثالث بليغ. فإن قلت: ما فائدة هذه التوكيدات؟ قلت: معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وأمانيه الباطلة لقرنائه بوعد اللَّه الصادق لأوليائه، ترغيبًا للعباد في إيثار ما يستحقون به تنجز وعد اللَّه، على ما يتجرعون في عاقبته غصص إخلاف مواعيد الشيطان.
[(لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا* وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)].
في (لَيْسَ) ضمير وعد اللَّه، أي: ليس ينال ما وعد اللَّه من الثواب (بِأَمانِيِّكُمْ وَلا) بـ (أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ)، والخطاب للمسلمين؛ لأنه لا يتمنى وعد اللَّه
_________________
(١) ـ قوله: (توكيد ثالث بليغ)؛ وذلك أن الجملة تذييل للكلام السابق، والتذييل مؤكد للمُذيل. وأما المبالغة فمن الاستفهام وتخصيص اسم الذات الجامع وبناء أفعل وإيقاع القول تمييزًا. وكل ذلك إعلام منه بأن حديثه صدق محض، وإنكار أن قول الصدق يتعلق بقائل آخر أحق منه. قوله: (معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة) إشارة إلى بيان النظم، يعني: كما أوقع قوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ تذييلًا لقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا﴾ الآية، أوقع قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا﴾ خاتمة لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية؛ ليوازي بين الوعدين، ويقابل بين الترغيبين فيختار المؤمنون الأعمال الصالحة على ما يدعو إليه الشيطان بأمانيه الباطلة ومواعيده الكاذبة، فيتخلصوا من غصص إخلاف مواعيده بما يفوزوا به من إنجاز ما وُعدوا من الله تعالى الذي هو أصدق القائلين. ثم وازن بين قوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ وبين قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا﴾ من جهة وضع المظهر موضع المضمر فيهما ومن النفي المستفاد من الاستفهام وما إلى غير ذلك ليتحقق المعارضة.
[ ٥ / ١٦٤ ]
إلا من آمن به، وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم؛ لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد اللَّه. وعن مسروقٍ والسدي: هي في المسلمين. وعن الحسن: ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل، إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا
_________________
(١) ـ قولُه: (ليس الإيمانُ بالتمني)، فإن قلت: كيف الجمعُ بين هذا وبين قوله: "لأنه ايتمنى وعد اله إلا من آمن به"؟ والجواب: ما قاله الراغب المُنَى، كالقفا: التقديرُ، يقالُ: مَنَى لكَ، أي: قدَّرَ لك المُقدر، التمني: تقدير الشيء في نفسه وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين وظن، وقد يكون عن روية وبناء على أصل، ولما كان أكثره عن تخمين صار الكذب له أملك، فأكثر التمني تصور ما لا حقيقة له، قال تعالى: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ [النجم: ٢٤]، والمنية: الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء، ولما كان الكذب تصور ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ صار التمني كالمبدأ للكذب، فصح أن يُعبر عن الكذب بالتمني، وعلى ذلك ما روى عن عثمان ﵁ أنه قال: ما تغنيت ولا تمنيت منذ أسلمت. وأما قول المصنف: "لا يتمنى عد الله إلا من آمن به" فهو ينظر إلى قوله: وقد يكون عن روية وبناء على أصل. قوله: (ما وقر في القلب). النهاية: وقر في صدره، أي: سن فيه وثبت؛ من الوقار، وقد وقر يقر وقارًا، وفي الحديث: "لم يفضلكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكنه لشيء وقر في القلب".
[ ٥ / ١٦٥ ]
من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظنّ باللَّه، وكذبوا؛ لو أحسنوا الظنّ باللَّه لأحسنوا العمل. وقيل: إنّ المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم. وقال المسلمون: نحن أولى منكم، نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله. فنزلت.
ويحتمل أن يكون الخطاب للمشركين؛ لقولهم: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيرًا منهم وأحسن حالًا؛ (لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا) [مريم: ٧٧]، (إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) [فصلت: ٥٠]، وكان أهل الكتاب يقولون: (نحن أبناء اللَّه وأحباؤه) [المائدة: ١٨]، (لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة) [البقرة: ٨٠]، ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك قبله. وعن مجاهد: إن الخطاب للمشركين. قوله: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)، وقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ) بعد ذكر تمنى أهل الكتاب نحو من قوله: (بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) [البقرة: ٨١]، وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) [البقرة: ٨٢] عقيب قوله: (وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا
_________________
(١) ـ قوله: (﴿لأوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ أولها: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]. قوله: (ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك) يعني قوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] وإقسام الشيطان: ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم. قوله: (﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ﴾ أراد أن نظم هذه الآية كنظم تلك الآية، ذكر هاهنا ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وبعده: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ﴾، كما ذكر هناك ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ [البقرة: ٨٠]، وهو التمني، وبعده: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٨٢].
[ ٥ / ١٦٦ ]
النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) [البقرة: ٨٠]. وإذا أبطل اللَّه الأماني وأثبت أن الأمر كله معقود بالعمل، وأن من أصلح عمله فهو الفائز، ومن أساء عمله فهو الهالك؛ تبين الأمر ووضح، ووجب قطع الأماني، وحسم المطامع، والإقبال على العمل الصالح، ولكنه نصح لا تعيه الآذان ولا تلقى إليه الأذهان. فإن قلت: ما الفرق بين (من) الأولى والثانية؟ قلت: الأولى للتبعيض، أراد: ومن يعمل بعض الصالحات؛ لأنّ كلًا لا يتمكن من عمل كل الصالحات؛ لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو تكليفه وفي وسعه، وكم من مكلفٍ لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة، وتسقط عنه الصلاة في بعض الأحوال. والثانية لتبيين الإبهام في: (مَنْ يَعْمَلْ). فإن قلت: كيف خُصَّ الصالحون بأنهم لا يظلمون وغيرهم مثلهم في ذلك؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون الراجع في: (وَلا يُظْلَمُونَ) لعمال الصالحات وعمال السوء جميعًا. والثاني: أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دالًا على ذكره عند الآخر؛ لأن كلا الفريقين مجزيون بأعمالهم لا تفاوت بينهم؛ ولأن ظلم المسيء أن يزاد في عقابه، وأرحم الراحمين معلوم
_________________
(١) قوله: (ولكنه نُصحٌ لا تعيه الآذان) تعريض بأهل السنة! لكنهم لا يقولون بوجوب الجزاء على ما عملوا، فكيف يلتفتون إلى مجرد الأماني؟ بل يرجون رحمته فضلًا منه؛ لا بالعمل كما جاء في الأحاديث الصحيحة. قوله: (والثانية لتبين الإبهام في ﴿مَنْ يَعْمَلْ﴾. قال أبو البقاء: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾ في موضع الحال من المستكين في ﴿يَعْمَلْ﴾، و﴿مَنْ﴾: للبيان، أو: حالٌ من ﴿الصَّالِحَاتِ﴾، و﴿مَنْ﴾: للابتداء، أي كائنة من ذكر أو أنثى، و﴿مِن﴾ الأولى زائدة عند الأخفش، وصفة عند سيبويه. قوله: (ولأن ظلم المسيء) عطفٌ على قوله: "لأن كلا الفريقين"، والفاء في قوله: "فكان ذكره مستغني عنه" للنتيجة، وقيل: دليل ثالث على التخصيص.
[ ٥ / ١٦٧ ]
أنه لا يزيد في عقاب المجرم، فكان ذكره مستغنى عنه، وأما المحسن فله ثوابٌ، وتوابع للثواب من فضل اللَّه هي في حكم الثواب؛ فجاز أن ينقص من الفضل؛ لأنه ليس بواجب، فكان نفي الظلم دلالة على أنه لا يقع نقصان في الفضل.
[(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا)].
(أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ): أخلص نفسه للَّه وجعلها سالمة له لا تعرف لها ربًا ولا معبودًا سواه، (وَهُوَ مُحْسِنٌ): وهو عامل للحسنات تارك للسيئات (حَنِيفًا): حالٌ من المتبع، أو من (إبراهيم)، كقوله: (بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [البقرة: ١٣٥]؛ وهو الذي تحنف، أي: مال عن الأديان كلها إلى دين الإسلام.
(وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا): مجازٌ عن اصطفائه واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، والخليل: المخال، وهو الذي يخالك، أي: يوافقك
_________________
(١) ـ قوله: (فجاز أن يُنقص من الفضل؛ لأنه ليس بواجب)، وفيه بحث؛ لأن زيادة الثواب إذا لم تكن واجبة لم يقع في تخلفها الظلم. والجواب على مذهب أهل السنة: أن الثواب فضل، فهو كالواجب بسبب الوعد، ففي تخلفه خلفٌ في الوعد، فأطلق اللم وأريد خلف الوعد، أي: ولا ينقصون مما وُعدوا به شيئًا، وعلى مذهبه: أن الفضل لما جُعل في حكم الثواب أجرى عليه ما يجري على الثواب؛ مبالغة في الإلحاق، فقوله: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ تذييل للكلام السابق عندنا، وعطفٌ على قوله: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ عنده، أي: يدخلون الجنة جزاء لعمالهم ولا يظلمون نقيرًا من فضل الله، الذي هو تابع للجزاء. قوله: (تُشبه كرامة الخليل) بعد قوله: "مجاز عن اصطفائه" إيذانٌ بأن المجاز من باب الاستعارة التمثيلية. قوله: (وهو الذي يُخالك، أي: يوافقك). الراغب: الخلل: انفراج الشيئين، يقال: خللته،
[ ٥ / ١٦٨ ]
في خلالك، أو يسايرك في طريقك، من الخل؛ وهو الطريق في الرمل؛ أو يسدّ خللك كما تسدّ خلله، أو يداخلك خلال منازلك وحجبك. فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟ قلت: هي جملة اعتراضيةٌ لا محل لها من الإعراب، كنحو ما يجيء في الشعر من قولهم: "وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ"، فائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته؛ لأن من
_________________
(١) ـ أي: أصبت خلله، فاستعير منه الخليل إما لتخلل كل واحد منهما قلب الآخر، كما قيل: الحبيب لوصول كل واحد منهما إلى حبة قلب الآخر، قال الشاعر: قد تخللت مسلك الروح مني … وبذا سمي الخليل خليلا أو لأنه تخلل أحوال الآخر، وعرف سرائره، أو لاعتبار افتقار كل واحدٍ منهما. وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ على الاعتبار الأخير، وهو افتقاره إلى الله تعالى في كل حال، وهذا الفقر أشرف غنى بل أشرف فضيلة يكتسبها الإنسان، ولهذا ورد: اللهم أغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك. قوله: (في خلالك) أي: في خصالك. الأساس: هذه خلة صالحة، وفيه خلال حسنة، يعني: هو مأخوذ من هذه المعاني ثم استعمل في حق الله تعالى على سبيل الاستعارة، هذا وإذا جعل السبب في التسمية القصة الآتية فيكون من باب المشاكلة؛ لأن جوابه ﵊: بل من عند خليلي الله، في مقابلة قولها: من خليلك المصري كما سبق في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦]. قوله: (كنحو ما يجيء في الشعر) إشارة إلى قول امرئ القيس: ألا هل أتاها والحوادث جمة … بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
[ ٥ / ١٦٩ ]
بلغ من الزلفى عند اللَّه أن اتخذه خليلًا، كان جديرًا بأن تتبع ملته وطريقته. ولو جعلتها معطوفة على الجملة قبلها لم يكن لها معنى. وقيل: إن إبراهيم ﵇ بعث إلى خليلٍ له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه. فقال خليله: لو
_________________
(١) ـ الباء مزيدة في المرفوع، أي: هل أتاها بيقرة امرئ القيس؟ أي: موته أو انتقاله من بلد إلى بلد، وتملك: اسم أمه. قوله: (لم يكن لها معنى)؛ لأنه لا يخلو من أن يعطف على قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ أو على صلة "من" أو على خبر الجملة الحالية ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، لا يجوز الأول؛ لأن قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ اعتراض وتوكيد لمعنى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وبيان أن الصالحات ما هي؟ وأن المؤمن من هو؟ وليس في ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ذلك، على أن عطف الإخبارية على الإنشائية من غير جامع قوي يدعو إلى مُمتنع، ولا يجوز الثاني والثالث من له أدنى مسكة. فإن قلت: لم لا يجوز أن تكون الجملة استطرادية كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢] عطف ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ على أنه استطرادية؟ قلت: لا يجوز؛ لأن من شرط العطف في الاستطراد أن يكون للمعطوف نوع مناسبة بأصل الكلام، وهو ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [النساء: ١٢٤]، وهي هاهنا مفقودة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] على ما مر، ولا يحسن أن يكون حالًا لما يفوت من فائدة وضع المظهر موضع المضمر، وتخصيص ذكر الخُلة للتنصيص على أنه ممن يجب أن يُرغب في اتباع ملته؛ فتعين أن يكون اعتراضًا وتذييلًا؛ لما في اعتبارهما مظنة العلية، وبيان الموجب؛ أي: ومن أحسن دينًا ممن اتبع ملة إبراهيم؛ لاصطفاء الله إياه وأنه الممدوح المستعد لخُلة الله لما فيه من غاية الكمالات البشرية. قوله: (في أزمةٍ). الأساس: ومن المجاز: أزم عيهم الدهر فأزمتهم أزمة، وسنة أزوم، عليه، ثم قيل: سنةٌ آزمةٌ: إذا أمسكت المطر.
[ ٥ / ١٧٠ ]
كان إبراهيم ﵇ يطلب الميرة لنفسه لفعلت، ولكنه يريدها للأضياف، فاجتاز غلمانه ببطحاء لينةٍ فملئوا منها الغرائر حياء من الناس، فلما أخبروا إبراهيم ﵇ ساءه الخبر، فحملته عيناه وعمدت امرأته إلى غرارةٍ منها فأخرجت أحسن حوّارى، واختبزت واستنبه إبراهيم ﵇، فاشتم رائحة الخبز، فقال: من أين لكم؟ فقالت امرأته: من خليلك المصري، فقال: بل من عند خليلي اللَّه ﷿، فسماه اللَّه خليلًا.
[(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا)].
(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) متصل بذكر العمال الصالحين والصالحين، ومعناه: أن له ملك أهل السموات والأرض، فطاعته واجبة عليهم. (وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا)؛ فكان عالمًا بأعمالهم فمجازيهم على خيرها وشرها، فعليهم أن يختاروا لأنفسهم ما هو أصلح لها.
[(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ
_________________
(١) ـ قوله: (ببطحاء لينة). النهاية: البطحاء: الحصى الصغار. قوله: (فحملته عيناه) أي: غلبه النوم، من قولهم: حمل على قرنه حملة صادقة. قوله: (حواري) بالضم وتشديد الواو والراء المفتوحة. النهاية: وهو الخبز الذي نُخل مرة بعد مرة، من التحوير: التبييض. قوله: (﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ متصل بذكر العمال، الصالحين والصالحات) يعني بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ﴾ الآية، على أن ذكر أحد الفريقين يدل على ذكر الآخر؛ لأنهم مجزيون بأعمالهم كما سبق، ويكون كالتعليل لوجوب العمل؛ ولهذا جاء بـ "أن" في قوله: "أن له ملك أهل السماوات والأرض؛ فطاعته واجبة عليهم"، ويكون قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ اعتراضًا بين العلة والمعلول حثًا على الترغيب في العمل الصالح، وردعًا وزجرًا عن المعاصي والكفر على أبلغ الوجوه.
[ ٥ / ١٧١ ]
فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا)].
"ما يُتْلى": في محل الرفع، أي: اللَّه يفتيكم والمتلوّ (فِي الْكِتابِ) في معنى اليتامى، يعني قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى) [النساء: ٣]، وهو من قولك: أعجبني زيد وكرمه، ويجوز أن يكون "ما يُتْلى عَلَيْكُمْ" مبتدأ، و(فِي الْكِتابِ) خبره، على أنها جملة معترضة. والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ؛ تعظيمًا للمتلو عليهم، وأن
_________________
(١) قوله: ("ما يُتلى": في محل الرفع). قال أبو البقاء: هو معطوف على اسم الله، أو على ضمير الفاعل في ﴿يُفْتِيكُمْ﴾، وجرى الجار والمجرور مجرى التوكيد. وقال القاضي: وساغ العطف على الضمير المستكن للفصل، فيكون الإفتاء مسندًا إلى الله تعالى وإلى ما في القرآن، نحو: أغناني زيدٌ وعطاؤه. وعليه قول المصنف: "أعجبني زيدٌ وكرمه"؛ وذلك أن قوله: ﴿اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ بمنزلة: "أعجبني زيد"؛ جيء به للتوطئة والتمهيد، وقوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ بمنزلة: و"كرمه"؛ لأنه المقصود بالذكر. قوله: (تعظيمًا للمتلو عليهم) مفعولٌ له لقوله: "المراد بالكتاب: اللوح المحفوظ"، وإنما فسره في هذا الوجه باللوح المحفوظ لما يُذاق معه مع معنى التعظيم حلاوة حُسن النظام؛ إذ المعترضة من أسلوب التحاسين، ولو أريد به القرآن لتعطل من حلية التزيين وانخرط في سلك قول الشاعر: ذكرت أخي فعاودني … صداع الرأس والوصب
[ ٥ / ١٧٢ ]
العدل والنصفة في حقوق اليتامى من عظائم الأمور المرفوعة الدرجات عند اللَّه التي تجب مراعاتها والمحافظة عليها، والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه اللَّه. ونحوه في تعظيم القرآن: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) [الزخرف: ٤]. ويجوز أن يكون مجرورًا على القسم، كأنه قيل: قل: اللَّه يفتيكم فيهنّ، وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب. والقسم- أيضًا- لمعنى التعظيم. وليس بسديدٍ أن يعطف على المجرور في: (فِيهِنَّ)؛ لاختلاله من حيث اللفظ والمعنى. فإن قلت: بم تعلق قوله: (فِي
_________________
(١) وبيان الاعتراض أن قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ بدل من قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾ واعترض بين البدل والمبدل قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ؛ فعلى هذا قوله: ﴿قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ معناه: كلام الله- أي: القرآن- يفتيكم فيهن، ثم أكد هذا المعنى بأن قيل: ما يتلى عليكم ثابت مستقر في اللوح المحفوظ عند مليك عظيم الشأن، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾ [الزخرف: ٤] في شأنكم في أمر يفتيه كتابٌ هذا شأنه، فيكون من عظائم الأمور" تفسير لقوله: "تعظيمًا للمتلو عليهم"، فيلزم من هذا التعظيم إيجاب مراعاتها والمحافظة عليها، ويفهم منه أن الإخلال بها وضع للشيء في غير موضعه، وفي هذا الوجه وفي أن يكون "ما يُتلى" مجرورًا على القسم لا يكون في الآية ما يومئ إلى أن الفتوى في أي شيء هو. قال الإمام: الاستفتاء لايقع عن ذوات النساء؛ وإنما في حال من حالاتهن وصفة من صفاتهن، وتلك الحالة غير مذكورة في هذه الآية؛ فكانت الآية مجملة غير دالة على الأمر الذي وقع فيه الاستفتاء. وقلت: ويكون التفصيل ما سبق في أول السورة من الآيتين كما سيجيء. قوله: (من حيث اللفظ والمعنى). أما اللفظ: فإنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وأما المعنى: فلأنه لا يستقيم أن يقال: يفتيكم في حق ما يتلى عليم، فغن قلت: لم لا يجوز أن يقال: الله يفتيكم في الكتاب بما يرويه المستفتي من قوله: ﴿وَإِنْ
[ ٥ / ١٧٣ ]
يَتامَى النِّساءِ)؟ قلت: في الوجه الأوّل هو صلة (يُتْلى)، أي: يتلى عليكم في معناهن، ويجوز أن يكون (فِي يَتامَى النِّساءِ) بدلًا من (فِيهِنَّ)؛ وأما في الوجهين الآخرين فبدل لا غير. فإن قلت: الإضافة في (يَتامَى النِّساءِ) ما هي؟ قلت: إضافة بمعنى «مِنْ»، كقولك: عندي سحق عمامة. وقرئ: (في ييامى النساء) بياءين على قلب همزة "أيامى" ياءً.
(لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ)، وقرئ: (ما كتب اللَّه لهنّ)، أي: ما فرض لهن من الميراث، وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه وما لها، فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال، وإن كانت دميمةً عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها. (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ): يحتمل: في أن تنكحوهن لجمالهن، و: عن أن تنكحوهن لدمامتهن.
وروي: أن عمر بن الخطاب ﵁، كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر، فإن كانت جميلة غنية قال: زوّجها غيرك، والتمس لها من هو خير منك، وإن كانت دميمة ولا مال
_________________
(١) خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]؟ قلت: لا يجوز؛ لأن معنى ﴿فِيهِنَّ﴾: في حقهن، وشأنهن يأباه للاختلاف بين المعطوف والمعطوف عليه. قال في "المُغرب": اشتقاق الفتوى من الفتى؛ لأنها جواب في حادثة أو إحداث حكم أو تقوية لبيان مشكل، فالحادثة: هو السؤال عن خوف عدم القسط في حق اليتامى لقوله: "والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى" وبيانه بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. قوله: (إضافة بمعنى "مِن" كقولك: عندي سحق عمامة). قال القاضي: هي إضافة الشيء إلى جنسه. وقال أبو البقاء: قال الكوفيون: التقدير: في النساء اليتامى، فأضاف الصفة إلى الموصوف.
[ ٥ / ١٧٤ ]
لها قال: تزوجها فأنت أحق بها. (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ): مجرورٌ معطوف على (يتامى). وكانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء. ويجوز أن يكون خطابًا للأوصياء، كقوله: (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) [النساء: ٢].
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يكون خطابًا للأوصياء) عطف على قوله: "أي: الله يفتيكم، والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى"؛ إذ المراد بهم الأولياء؛ بدليل قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]، وكان قوله: "وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه" إلى آخره، متفرعًا على ذلك التقدير، فيعلم منه أن الخطاب كان للأولياء والاستفتاء في شأن زواج اليتامى وتوريثهن؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، وعلى هذا الوجه الكلام في شأن أموالهن؛ لأن الأوصياء لا تصرف لهم إلا في الأموال؛ ولهذا استشهد بقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]. فالحاصل أن الخطاب إذا جُعل للأولياء كان المعنىُّ به حكم الزواج والتوريث، فالمناسبة بالمتلو أن يكون قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا﴾، وإذا جُعل للأوصياء؛ كان الكلام في الأموال، فالمناسب بالمتلو أن يكون قوله: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. وتحريره: أن هذه الآية واردة في بيان أنهم استفتوا رسول الله ﷺ فتوى مبهمة في شأن اليتامى، لا ندري أهي في شأن أزواجهن أو أموالهن؟ فلذلك احتملت الأمرين. وأما جواب الاستفتاء فقد سبق في الآيتين من أول هذه السورة؛ أحداهما: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية، وثانيتهما: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ وفي كلامه إشعار بأن هذه الآيات مرتبطة بالآيات الواردة في أول السورة، فهي سابقة عليها بالرتبة؛ لأن جواب الاستفتاء قد أحيل إلى تلك الآيتين، والآيات المتخللة بين اللامين للامتنان في البيان. قال الإمام: إن عادة الله ﷿ في ترتيب هذا الكتاب الكريم واقعة على أحسن الوجوه، وهو أنه تعالى يذكر شيئًا من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد والوعيد
[ ٥ / ١٧٥ ]
(وَأَنْ تَقُومُوا): مجرورٌ كـ (المستضعفين)، بمعنى: يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا. ويجوز أن يكون منصوبًا، بمعنى: ويأمركم أن تقوموا. وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم، ولا يخلوا أحدًا يهتضمهم.
_________________
(١) والترغيب والترهيب، ويمزج بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته وعم إلهيته، ثم يعود على ما بدأ به تعالى من بيان الأحكام، وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير؛ لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقرونًا بالوعد والوعيد، وهما لا يؤثران إلا عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد. قوله: (﴿وَأَنْ تَقُومُوا﴾ مجرورٌ كـ ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾). قال أبو البقاء: ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ عطف على المجرور في ﴿يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، وكذلك ﴿وَأَنْ تَقُومُوا﴾، وهذا أيضًا عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وقد ذكره الكوفيون، ويجوز أن يكون منصوبًا: عطفًا على موضع ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: ويبين لكم حال المستضعفين، وبهذا التقدير يدخل في مذهب البصريين، والجيد أن يكون معطوفًا على ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾. قوله: (بمعنى: ويأمركم أن تقوموا. وهو خطابٌ للأئمة) فيكون عطفًا على قوله: ﴿يُفْتِيكُمْ﴾، يعني: يُفتي الأولياء والأوصياء بما أفتاهم، ويأمر الأئمة أن ينظروا إليهم ويتفقدوا حالهم ويستوفوا حقوقهم من الأولياء في الميراث، ولا يخلوا أحد يهتضمهم في معنى الزواج، فقوله: "أن يكون منصوبًا" أي: منصوبًا بالاتصال ونزع الخافض، والمعنى على الأول: قل الله يفتيكم أيها الأولياء في يتامى النساء أن لا تعضلوهن في النكاح وأن تقوموا لهن بالعدل والتسوية، أو: الله يفتيكم أيها الأوصياء في اليتامى بأن لا تتبدلوا الخبيث، وهو اختزال أموالهن بالطيب، وهو حفظها، وأن تقوموا فيها بالقسط، أي: لا إفراط في النفقة ولا تفريط فيها.
[ ٥ / ١٧٦ ]
[(وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)].
(خافَتْ مِنْ بَعْلِها): توقعت منه ذلك لما لاح لها من مخايله وأماراته.
والنشوز: أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه، ونفقته، والمودة والرحمة التي بين الرجل والمرأة، وأن يؤذيها بسب أو ضرب. والإعراض: أن يعرض عنها؛ بأن يقل محادثتها ومؤانستها، وذلك لبعض الأسباب؛ من طعنٍ في سنّ، أو دمامة، أو شيء في خَلقٍ أو خُلق، أو ملالٍ، أو طموح عينٍ إلى أخرى، أو غير ذلك. فلا بأس بهما في أن يصلحا بينهما. وقرئ: (يصالحا) و(يصلحا) بمعنى: يتصالحا، ويصطلحا، ونحو "اصلح": "اصبر" في "اصطبر". (يُصْلِحا): في معنى مصدر كل واحدٍ من الأفعال الثلاثة. ومعنى الصلح: أن يتصالحا على أن تطيب له نفسًا عن القسمة أو عن بعضها،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "يصالحا"). قال صاحب "التيسير": ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾، بضم الياء وإسكان الصاد وكسر اللام: الكوفيون، والباقون: بفتح الياء والصاد واللام مع تشديد الصاد وإثبات ألف بعدها. وقال أبو البقاء: (يصالحا) قرئ بتشديد الصاد وألف بعدها، وأصله: "يتصالحا" فأبدلت التاء صادًا وأدغمت، و﴿صُلْحًا﴾ على هذا واقع موقع "تصالح"، ويقرأ بتشديد الصاد من غير ألف، وأصله يصتلحا فأبدلت التاء صادًا وأدغمت فيها الأولى، وقرئ: "يصطلحا" بإبدال التاء طاء، و﴿صُلْحًا﴾ عليهما في موضع "اصطلاح". والمصدر لم يتغير على القراءة، وإليه الإشارة بقوله: " ﴿صُلْحًا﴾ في معنى مصدر كل واحدٍ من الأفعال الثلاثة".
[ ٥ / ١٧٧ ]
-كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول اللَّه ﷺ، وعرفت مكان عائشة من قلبه فوهبت لها يومها، وكما روي: أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها، وكان لها منه ولد، فقالت: لا تطلقني ودعني أقوم على ولدى وتقسم لي في كل شهرين، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إلي! فأقرّها. أو تهب له بعض المهر، أو كله، أو النفقة فإن لم تفعل فليس له إلا أن يمسكها بإحسان أو يسرحها (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) من الفرقة أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة؛ أو هو خير من الخصومة في كل شيء. أو: الصلح خير من الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور. وهذه الجملة اعتراض، وكذلك قوله وَأُحْضِرَتِ (الْأَنْفُسُ الشُّحَّ)، ومعنى
_________________
(١) ـ قوله: (كما فعلت سودة بنت زمعة)، روينا عن الترمذي، عن ابن عباس: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ، فقالت: لا تطلقني، أمسكني واجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت الآية. قوله: (ودعني أقوم) أي: أنا أقوم، على الاستئناف. قوله: (إن كان هذا يصلح) أي: هذا الذي أومأت إليه إن كان مما يصلح بيني وبينك ويرفع الخلاف الذي يقع بين الزوجين إذا فُقد ما يوافقها من المحبة والمباشرة وحسن المعاشرة؛ فهو أحب غليَّ، وعلى هذا حديث سودة ﵂. قوله: (خير من الخيور). قال المصنف: الخيور ورد في كلام فصيح فاقتديت به، وهو قياس واستعمال. قال القاضي: لا يجوز أن يراد به التفضيل، بل بيان أنه من الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور. قوله: (﴿وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ قال الإمام: المعنى: أن الشح جُعِل كالأمر المجاور
[ ٥ / ١٧٨ ]
إحضار الأنفس الشح: أن الشح جعل حاضرا لها لا يغيب عنها أبدًا ولا تنفك عنه، يعني أنها مطبوعة عليه. والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها. (وَإِنْ تُحْسِنُوا) بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن، وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة، (وَتَتَّقُوا) النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة؛ (فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ) من الإحسان والتقوى (خَبِيرًا) وهو يثيبكم عليه. وكان عمران بن حطان الخارجي من أدمّ بنى آدم، وامرأته من أجملهم،
_________________
(١) ـ للنفوس اللازم لها، يعني أن النفس مطبوعة على الشحن وهذا معنى قول المصنف: "إن الشح قد جعل حاضرًا لها لا يغيب عنها"، واللام في "لها" لضعف عمل اسم الفاعل. قال أبو البقاء: "حضر" متعد إلى مفعول واحد، نحو: حضر القاضي اليوم امرأة، وبالهمز إلى مفعولين: أحضرت زيدًا الطعام، والمفعول الأول هاهنا ﴿الأَنفُسِ﴾، أقيم مقام الفاعل. وأما معنى الاعتراض فهو أن قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ تأكيد لما يحثهم الله تعالى على الصلح بقوله: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ وأن قوله: ﴿وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ تأكيد لما في معنى الصلح بين الزوجين في هذا المقام؛ وذلك أن كلا من الزوجين يطلب ما تدعو إليه نفسه وإليه الإشارة بقوله: "إن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسها إذا رغب عنها". قوله: (وبغير قسمتها) أي: أن تهب له بعض المهر أو كله أو النفقة، هذا رد إلى أول الكلام، وهو قوله: "أن تطيب نفسًا عن القسمة، أو تهب له بعض المهر، أو كله". قوله: (وهو يثيبكم عليه) إشارة إلى أن قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ جزاء لقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾، وأن علم الله تعالى إذا تعلق بعمل العبد لابد أن يجزيه. قال القاضي: أقام كونه عالمًا بأعمالهم مقام إثابته إياهم عليها الذي هو في الحقيقة
[ ٥ / ١٧٩ ]
فأجالت في وجهه نظرها يوما ثم تابعت الحمد للَّه، فقال: مالك؟ قالت: حمدت اللَّه على أنى وإياك من أهل الجنة، قال: وكيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد اللَّه الجنة عباده الشاكرين والصابرين.
[وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا)].
(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا) ومحال أن تستطيعوا العدل بَيْنَ النِّساءِ والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن، فرفع لذلك عنكم تمام العدل وغايته، وما كلفتم منه إلا ما تستطيعون بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم لأنّ تكليف ما لا يستطاع داخل في حدّ الظلم، (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: ٤٦]. وقيل: معناه أن تعدلوا في المحبة. وعن النبي ﷺ أنه كان يقسم بين نسائه، فيعدل
_________________
(١) ـ جواب لقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ إقامة السبب مقام المسبب. قوله: (﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ ومحال)، قوله: "ومحال" معنى قوله: "لن"، كما قال في "المص": ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]: تأكيد وبيان؛ لأن المنفي مناف لصفاته"، كقوله تعالى: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج: ٧٣]، وإنما كان مُحالًا لأن العدل - وهو أن لا يقع ميلٌ البتة- متعذر؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ مع جلالة شأنه يقسم بين نسائه ويعدل، ويقول: "هذه قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك". قوله: (لأن تكليف ما لايستطاع داخل في حد الظلم) فيه لطيفة، وهي أن الأمر بالعدل هنا هو تكليف ما لا يُستطاع؛ فكان الأمر بالعدل بينهن ظُلمًا، وفيه إشارة إلى مذهبه. قوله: (أنه كان يقسم بين نسائه) الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي.
[ ٥ / ١٨٠ ]
ويقول: «هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك»، يعني المحبة؛ لأن عائشة ﵂ كانت أحب إليه. وقيل: إن العدل بينهن أمر صعب بالغٌ من الصعوبة حدًا يوهم أنه غير مستطاع، لأنه يجب أن يسوى بينهن في القسمة، والنفقة، والتعهد، والنظر، والإقبال، والممالحة، والمفاكهة، والمؤانسة، وغيرها مما لا يكاد الحصر يأتي من ورائه، فهو كالخارج من حدّ الاستطاعة، هذا إذا كن محبوباتٍ كلهن فكيف إذا مال القلب مع بعضهن؟ ! (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ): فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها من غير رضًا منها، يعني: أن اجتناب كل الميل مما هو في حد اليسر والسعة، فلا تفرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في العدل كله، وفيه ضرب من التوبيخ. (فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ): وهي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة قال:
هَلْ هيَ إلّا حَظَّةٌ أَوْ تَطْلِيقْ … أوْ صَلَفٌ أَوْ بَيْنَ ذَاكَ تَعْلِيقْ
_________________
(١) ـ قوله: (إن العدل بينهن) هو عطف على قوله: "ومحال أن تستطيعوا"، والحاصل أن المراد بقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ إما أنه محال، أو أنه صعب. قوله: (مما لا يكاد الحصر يأتي من ورائه) تمثيل، أي: يحيط به إحاطة تامة كما يحيط المصبح بالعدو، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]. قوله: (وفيه ضرب من التوبيخ)، أي: في قوله: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ لما يُفهم منه أن بعض الميل غير منهي عنه، وهو ما لا يدخل تحت الوُسع، فإن ما لا يُدرك له لا يُترك كله! يعني: إذا كان اجتناب كل الميل في حد اليسر فلم تفرطون في ذلك؟ وحين رخص لكم بعض الميل فلم لا تنصفون من أنفسكم وتقصرون في المأمور؟ قوله: (هل هي إلا حظة؟) قيل: الضمير للقصة، أي: لا تكون قصة هذه المرأة إلا
[ ٥ / ١٨١ ]
وفي قراءة أبيّ: (فتذروها كالمسجونة)، وفي الحديث: «من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل».
وروي: أنّ عمر بن الخطاب ﵁ بعث إلى أزواج رسول اللَّه ﷺ بمال، فقالت عائشة ﵂: أإلى كل أزواج رسول اللَّه ﷺ بعث عمر مثل هذا؟ قالوا: لا، بعث إلى القرشيات بمثل هذا وإلى غيرهنّ بغيره. فقالت: ارفع رأسك! فإن رسول اللَّه ﷺ كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه! فرجع الرسول فأخبره، فأتم لهن جميعًا. وكان لمعاذٍ امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى، فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبرٍ واحد. (وَإِنْ تُصْلِحُوا) ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة، (وَتَتَّقُوا) فيما يستقبل، غفر اللَّه لكم.
[(وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا)].
وقرئ: (وإن يتفارقا) بمعنى: وإن يفارق كل واحدٍ منهما صاحبه (يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا): يرزقه زوجًا خيرًا من زوجه، وعيشًا أهنأ من عيشه.
والسعة الغنى. والمقدرة: والواسع: الغنى المقتدر.
[(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا
_________________
(١) ـ هذه الأشياء المذكورة، وقيل: التقدير: هل حالها إلا هذه الأمور؟ الحظة والحظوة: أن تحظو المرأة عند زوجها وأخيها، والصلف: ضد ذلك، وفي تقسيمه تعقيد. قوله: (من كانت له امرأتان) الحديث مُخرج في "سنن" أبي داود والترمذي. قوله: (ارفع رأسك) كناية عن التنبيه والاستيقاظ، أي: تفطن لما تفعل.
[ ٥ / ١٨٢ ]
حَمِيدًا* وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا* إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَاتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا)].
(مِنْ قَبْلِكُمْ): متعلق بـ (وصينا)، أو بـ (أوتوا). (وَإِيَّاكُمْ): عطفٌ على (الَّذِينَ أُوتُوا). و(الْكِتابَ): اسم للجنس يتناول الكتب السماوية. (أَنِ اتَّقُوا): بأن اتقوا، أو تكون (أن) المفسرة؛ لأنّ التوصية في معنى القول. وقوله: (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ) عطف على (اتقوا)؛ لأنّ المعنى: أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإنّ للَّه،
_________________
(١) ـ قوله: (أمرناهم وأمرناكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا) يؤذن أن قوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ مقول للقول المحذوف، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَصَّيْنَا﴾ مع معموله، ثم قوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ عطف على ﴿اتَّقُوا﴾ مخالف لذلك، ويمكن أن يقال: إنه من باب قوله: علفتها تبنًا وماءً باردًا إذ لا يجوز أن يقال: أمرناكم أن تكفروا فإن لله. فإن قلت: ولم كرر "أمرنا" وقد قال: ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ﴾. وقال أبو البقاء: وحُكم الضمير المعطوف الانفصال. وقدر صاحب "الكشف": وصيناهم وإياكم؟ قلت: لينبه على أن العطف من باب التقدير لا الانسحاب؛ إيذانًا بتكرير الوصية وأنها توصية غب توصية على تكرير الأزمنة، ولم تكن توصية واحدة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ من الأمم السالفة ووصيناكم، وينصره قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى: ١٣]. وقوله: "وأمرناهم بالتقوى" يؤذن أن ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ اتَّقُوا﴾ مصدرية وقد
[ ٥ / ١٨٣ ]
والمعنى: إن للَّه الخلق كله، وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها،
_________________
(١) ـ دخلت على الأمر، وهو جائز؛ قال في سورة يونس في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ﴾ [يونس: ١٠٥]: "وقد سوغ سيبويه أن يوصل "أن" بالأمر والنهي، وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل". قوله: (والمعنى: إن لله الخلق كله) هذا شروع في التفسير، وفي نظم التركيب وخاصيته. اعلم أن في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ إثبات الصفة لله تعالى المقتضية أن يترتب عليها حكم له شأن، وقوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ …﴾ إلى آخره متضمن للأمر بالتقوى، والنهي عن الكفر، وهو صالح لأن يترتب على الوصف؛ لأنه مناسبه، لكن الواو التي في قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ مانعة من الترتيب، والصفة داعية إلى أن المقتضي يجب أن يكون أكثر مما ذكر؛ فوجب تقدير معطوف عليه مرتب على الوصف بالفاء ليعطف ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ مانعة من الترتيب، والصفة داعية إلى أن المقتضي يجب أن يكون أكثر مما ذكر؛ فوجب تقدير معطوف عليه مرتب على الوصف بالفاء ليعطف ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ عليه؛ فيتم به الغرض، ومثله في هذا الاعتبار قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥]؛ لأن شكر نعمة العلم تقتضي أكثر من القول اللساني، ثم المناسب بعد ذلك أن يُنزل مطلق قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ مع ما فيه من معنى الاختصاص بتقديم الظرف وتكرير "ما" والجار والتعميم فيه على معنى يشتمل على المقدر والمذكور، والمصنف اعتبر كل هذه المعاني في تقديره؛ حيث قال: "إن لله الخلق، وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها، فحقه أن يكون مطاعًا في خلقه غير معصي، يتقون عقابه ويرجون ثوابه"، ثم قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ وقع جوابًا لقوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ لبيان المبالغة في التوصية على ما يعطيه المعطوف مع المعطوف عليه من المعنى السابق؛ فيجب لذلك حمل ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ على الكفر بالله الذي هو كفرانٌ لتلك النعمة السابقة من ترك توحيده وعبادته وإماطة تقواه وحمل جوابه على معنى يطابقه، وذلك قوله: "فإن لله في سماواته وأرضه، من يوحده ويعبده ويتقيه" أي: يشكره ويحمده، ثم جاء بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ تذييلًا له.
[ ٥ / ١٨٤ ]
فحقه أن يكون مطاعًا في خلقه غير معصىّ. يتقون عقابه ويرجون ثوابه.
(ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب) من الأمم السالفة، ووصيناكم (أن اتقوا اللَّه) يعني: أنها وصية قديمة ما زال يوصي اللَّه بها عباده، لستم بها مخصوصين؛ لأنهم بالتقوى يسعدون عنده، وبها ينالون النجاة في العاقبة. وقلنا لهم ولكم: وإن تكفروا فإنّ للَّه في سماواته وأرضه من الملائكة والثقلين من يوحده ويتقيه ويعبده، (وَكانَ اللَّهُ) مع ذلك (غَنِيًّا) عن خلقه وعن عبادتهم جميعًا مستحقًا لأن يحمد لكثرة نعمه وإن لم يحمده أحد منهم. وتكرير قوله: (لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) تقرير لما هو موجب تقواه؛ ليتقوه فيطيعوه ولا يعصوه،
_________________
(١) ـ فظهر من هذا البيان تقييد قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ في الموضعين بحسب المقامين، بقي الثالث فيُحمل على القدرة الكاملة المختصة به تعالى ليكون قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ تذييلًا، والجملة كالتكميل لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ وإن لم يذهب إليه فيضم معهما صفة المقدرة ويكون كالتخلص منها إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾، فإنه كما قال: "وهذا غضب عليهم وتخويف وبيان لاقتداره" إن لم يتقوا ولم يشكروا. قال صاحب "النهاية": يقال: وكل فلان فلانًا: إذا استكفاه أمره ثقة بكفايته أو عجزًا عن القيام بأمر نفسه، والوكيل في أسماء الله تعالى: هو القيم والكفيل بأرزاق العباد، وحقيقته أنه يستقل بالأمر الموكول إليه. قال القاضي: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ راجع إلى قوله: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣]، فإنه تعالى توكل بكفايتهما، وما بينهما تقرير لذلك. وقلتُ: ليس بذاك؛ لأن الآيات على ما سبق في بيان التوصية في التقوى والتمسك بالتوحيد، والاشتغال بالعبادة وكلة الأمور إلى موكلها والعزوف عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، وغير ذلك من الفنون المختلفة إلى خاتمة السورة، وكل من القرائن تذييل لما ذيل به ما مر، تعم الكل، تقرير لما سبق من مفتتح السورة.
[ ٥ / ١٨٥ ]
لأن الخشية والتقوى أصل الخير كله. (إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ): يفنكم ويعذبكم كما أوجدكم وأنشأكم، (وَيَاتِ بِآخَرِينَ): ويوجد إنسًا آخرين مكانكم، أو خلقًا آخرين غير الإنس، (وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ) من الإعدام والإيجاد (قَدِيرًا): بليغ القدرة، لا يمتنع عليه شيءٌ أراده. وهذا غضب عليهم وتخويف وبيان لاقتداره.
وقيل: هو خطاب لمن كان يعادى رسول اللَّه ﷺ من العرب، أي: إن يشأ يمتكم ويأت بناسٍ آخرين يوالونه.
ويروى: أنها لما نزلت ضرب رسول اللَّه ﷺ بيده على ظهر سلمان وقال: «إنهم قوم هذا» يريد أبناء فارس.
[(مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)].
(مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا): كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة (فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ): فما له يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما؟ !
_________________
(١) ـ قوله: (لأن الخشية التقوى أصل الخير كله)، هذا تعليل للتقرير، أي: كرر موجب التقوى، وهو كونه مالكًا للسماوات والأرض؛ ليقرر موجبه وهو التقوى. قوله: (وقيل: هو خطابٌ لمن يعادي رسول الله ﷺ)، وعلى الأول كان خطابًا عامًا تابعًا للكلام السابق، وتقرير المعنى التهديد والوعيد كما مر، وإنما قال: "بليغ القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده" لمجيء "قدير" على "فعيل"، ولتخصيص الاسم الجامع وإتيان ﴿ذَلِكَ﴾ والمشار إليه قريب، والجملة تذييل. قوله: (فما له يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما؟) هذا التوبيخ والإنكار مستفاد من إيقاع قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ جزاء للشرط، ولا يستقيم أن يقع جزاء إلا بتقدير الإخبار والإعلام المتضمن للتوبيخ والتقريع؛ لأن الجزاء ينبغي أن يكون مسببًا عن الشرط، بأن يُقال: إن من جاهد أو تعلم العلم أو انفق ماله أو عمل عملًا
[ ٥ / ١٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ يريدُ به الغنيمة أو الصيت أو الرياء يوجب أن يوبخ وينكر عليه بأني قال في حقه: ما هذه الدناءة والضعة؟ أرضيت بالخسيس الفاني وتركت الرفيع الباقي؟ مالك لا تريد بذلك وجه الله تعالى وطلب مرضاته ليمنحك ما تريده ويتبعه هذا الخسيس أيضًا راغمًا أنفه؟ روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن زيد بن ثابت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له". فالآية عامة تقتضي أكثر من المذكور، وإنما خصصنا المذكورات بالذكر تأسيًا بالحديث المشهور، وهُو ما روينا عن مسلم والترمذي والنسائي، عن أبي هريرة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أول الناس يُقضي عليه يوم القيامة رجل استشهد، فأُتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت! ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت! ولكنك تعلمت ليُقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تُحب أن يُنفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت! ولكنك فعلت ليقال: هُو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار". وإنما خص المصنف المجاهد بالذكر لأنه أقدمهم؛ لأن بذل الروح والمال أقرب إلى الرياء.
[ ٥ / ١٨٧ ]
لأن من جاهد للَّه خالصًا لم تخطئه الغنيمة، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمة إلى جنبه كلا شيءٍ! والمعنى: فعند اللَّه ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)].
(قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ): مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا (شُهَداءَ لِلَّهِ): تقيمون شهاداتكم لوجه اللَّه كما أمرتم بإقامتها، (وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ): ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم. فإن قلت: الشهادة على الوالدين والأقربين أن تقول: أشهد أن لفلانٍ على والديّ كذا، أو على أقاربي، فما معنى الشهادة على نفسه؟
_________________
(١) ـ قوله: (إن أراده، حتى يتعلق الجزاء بالشرط) يعني: لابد من تقدير هذا لبيان الربط؛ وذلك بتقدير الضمير العائد من الجزاء إلى الشرط، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ تذييل بمعنى التوبيخ، يعني: كيف يُرائي المرائي وإن الله سميع بما يهجس في خاطره ويسمع ما تأمره دواعيه، بصيرٌ بأحواله كلها ظاهرها وباطنها فيجازيه على ذلك؟ قوله: ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾: مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا). الراغب: أمر الله تعالى كل إنسان بمراعاة العدالة، ونبه بلفظ ﴿قَوَّامِينَ﴾ على أن ذلك لا يكفي مرة أو مرتين؛ بل يجب أن يكون على الدوام، فالأمور الدينية لا اعتبار بها ما لم تكن على الدوام، ومن عدل مرة أو مرتين لا يكون في الحقيقة عادلًا، وجعلهم شهداء لله؛ تعظيمًا لمراعاة العدالة، وأنهم بالحفظ لها يصيرون من شهداء الله، وانتصاب ﴿شُهَدَاءَ﴾ على الحال لقوله: ﴿قَوَّامِينَ﴾ أو صفة لها، أو يكون ﴿قَوَّامِينَ﴾ حالًا و﴿شُهَدَاءَ﴾ خبر كان.
[ ٥ / ١٨٨ ]
قلت: هي الإقرار على نفسه؛ لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها. ويجوز أن يكون المعنى: وإن كانت الشهادة وبالًا على أنفسكم أو على آبائكم وأقاربكم؛ وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره. (إِنْ يَكُنْ): إن يكن المشهود عليه (غَنِيًّا) فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلبًا لرضاه، (أَوْ فَقِيرًا) فلا يمنعها ترحمًا عليه، (فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما): بالغني والفقير، أي: بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما، ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها، لأنه أنظر لعباده من كل ناظر. فإن قلت: لم ثني الضمير في: (أَوْلى بِهِما)؟ وكان حقه أن يوحد؛ لأن قوله (إن يكن غنيًا أو فقيرًا) في معنى: إن يكن أحد هذين. قلت: قد رجع الضمير إلى ما دل عليه قوله: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا) لا إلى المذكور؛ فلذلك ثُني ولم يفرد، وهو جنس الغنيِّ وجنس الفقير، كأنه قيل: فاللَّه أولى بجنسي الغني والفقير، أي: بالأغنياء والفقراء. وفي قراءة أُبي: (فاللَّه أولى بهم)، وهي شاهدة على ذلك. وقرأ عبد اللَّه: (إن يكن غنيٌ أو فقير)
_________________
(١) ـ قوله: (إلى ما دل عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾، لا إلى المذكور). قال أبو البقاء: اسم "كان" مضمر فيها دل عليه تقدم ذكر الشهادة، أي: إن كان الخصم أو كل واحد من المشهود عليه والمشهود له، وذلك أن كل واحد منهما يجوز أن يكون غنيًا وأن يكون فقيرًا، وقد يكونان غنيين وقد يكونان فقيرين؛ فلما كانت الأقسام عند التفصيل على ذلك ولم تُذكر، أتى بـ ﴿أَوْ﴾ ليشمل على هذا التفصيل، فعلى هذا الضمير في ﴿بِهِمَا﴾ عائدٌ على المشهود له والمشهود عليه على أي وصف كانا عليه لا على المذكور، وقيل: الضمير عائدٌ إلى ما دل عليه الكلام، والتقدير: فالله أولى بالغني والفقير، لدلالة الاسمين عليه. وخالصة مراد المصنف الذهاب إلى التعميم في الجنسين ليدخل في العموم المراد دخولًا أوليًا. قوله: (هي شاهدة على ذلك)، أي: قراءة أُبيِّ شاهدة على أن المراد الجنس؛ لأن الجمع والمطلق يلتقيان في العموم؛ ولهذا فسر جنسي الفقير والغني بـ "الأغنياء والفقراء".
[ ٥ / ١٨٩ ]
على «كان» التامة. (أَنْ تَعْدِلُوا) يحتمل العدل والعدول، كأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق. (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا): وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل، أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها. وقرئ: (وإن تلوا أو تعرضوا)، بمعنى: وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها، (فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) وبمجازاتكم عليه.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا)].
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا): خطاب للمسلمين. ومعنى (آمَنُوا): اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه وازدادوه. (وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ): المراد به جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب. والدليل عليه قوله: (وَكُتُبِهِ). وقرئ: (وكتابه) على إرادة الجنس. وقرئ: (نزل) و(أنزل) على البناء للفاعل. وقيل: الخطاب لأهل
_________________
(١) ـ قوله: (وقُرئ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ الجماعة إلا ابن عامر وحمزة. قال أبو البقاء: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ يُقرأ بواوين الأولى منهما مضمومة، وهي من: لوى يلوي، وتُقرأ بواوٍ واحدة ساكنة، وفيه وجهان؛ أحدهما: أصله "تلووا" كالقراءة الأولى، إلا أنه أبدل الواو المضمومة همزة ثم ألقى حركتها على اللام، والثاني: أنه مِن: وَليَ الشيء، أي: وإن تتلوا الحكم أو تعرضوا عنه، أو: إن تتولوا الحق في الحُكم. قوله: (﴿نَزِّلَ﴾ و﴿أُنزِلَ﴾ قرأهما نافع وعاصم وحمزة والكسائي.
[ ٥ / ١٩٠ ]
الكتاب، لأنهم آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض. وروي: أنه لعبد اللَّه بن سلام، وأسدٍ وأسيدٍ ابني كعب. وثعلبة ابن قيس، وسلام بن أخت عبد اللَّه بن سلام، وسلمة ابن أخيه، ويامين بن يامين، أتوا رسول اللَّه ﷺ وقالوا: يا رسول اللَّه، إنا نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال ﵊: «بل آمنوا باللَّه ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله» فقالوا: لا نفعل، فنزلت، فآمنوا كلهم. وقيل: هو للمنافقين، كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا نفاقًا آمنوا إخلاصًا. فإن قلت: كيف قيل لأهل الكتاب (وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) وكانوا مؤمنين بالتوراة والإنجيل؟ قلت: كانوا مؤمنين بهما فحسب، وما كانوا مؤمنين بكل ما أنزل من الكتب؛ فأمروا أن يؤمنوا بالجنس كله؛ ولأن إيمانهم ببعض الكتب لا يصح إيمانًا به، لأن طريق الإيمان به هو المعجزة، ولا اختصاص لها ببعض الكتب دون بعض، فلو كان إيمانهم بما آمنوا به لأجل المعجزة لآمنوا به كله، فحين آمنوا ببعضه علم أنهم لم يعتبروا المعجزة؛ فلم يكن إيمانهم إيمانًا، وهذا الذي أراد ﷿ في قوله: (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا* أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. فإن قلت: لم قيل: (نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ) و(أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ)؟ قلت: لأن القرآن نزل مفرّقا منجمًا في عشرين سنةً بخلاف الكتب قبله. ومعنى قوله:
_________________
(١) ـ قوله: (لأن القرآن نزل مفرقًا [منجمًا] في عشرين سنة]، والصحيح: في ثلاث وعشرين سنة، روينا عن البخاري ومسلم، عن ابن عباس ﵄: أُنزل على النبي ﷺ وهو ابن أربعين فمكث ثلاث عشرة سنة، ثم أمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة فمكث بها عشرًا، ثم توفى صلوات الله عليه وسلامه.
[ ٥ / ١٩١ ]
(وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ) الآية: ومن يكفر بشيءٍ من ذلك (فَقَدْ ضَلَّ)؛ لأن الكفر ببعضه كفر بكله، ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان به جميعًا!
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا)].
(لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا): نفى للغفران والهداية، وهي اللطف على سبيل المبالغة التي تعطيها اللام،
_________________
(١) ـ قوله: (ومن يكفر بشيء من ذلك) أي: من المذكور من قوله: ﴿بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، يريد أن قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ تذييل للكلام السابق وتأكيدٌ له؛ فيجب أن يكون جميع الكفر منفيًا فيه ومنهيًا عنه، كما أن المأمور في المذيل الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به، وإليه الإشارة بقوله: "ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان به جميعًا؟ " والضمير في "به" للمذكور، وليس به لما أنه لم يذكر فيه الإيمان بالملائكة واليوم الآخر. وأجيب أن الإيمان بالكتب المنزلة إيمانٌ بالملائكة الذين نزلوا بها- ولذلك كرر "نزَّلَ" - وإيمانٌ باليوم الآخر لاشتمال الكتب عليه. قوله: (على سبيل المبالغة التي تعطيها اللام). هذا يؤذن أن اللام زيدت في خبر "كان" لتأيد النفي على المذهب الكوفي، وطعن فيه أبو البقاء وقال في إعراب قوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ [آل عمران: ١٧٩]: خبر ﴿كَانَ﴾ محذوف، أي: ما كان الله مُريدًا لأن يذر، ولا يجوز أن يكون الخبر ﴿لِيَذَرَ﴾؛ لأن الفعل بعد اللام ينتصب بـ "أن" فيصير التقدير: ما كان الله ليترك المؤمنين على ما أنتم عليه، وخبرُ "كان" هو اسمها في المعنى، وليس المترك هو الله تعالى. وقال الكوفيون اللام زائدة والخبر هو الفعل، وهو ضعيف؛ لأن ما بعدها قد انتصب، فإن كان النصب باللام نفسها فليست بزائدة، وإن كان بـ "أن" ففاسد. وقال صاحب "الإقليد" في جواب سؤال مشتمل على هذا المعنى: قولك: لم أكن
[ ٥ / ١٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ لأفعل، نفيٌ لقولك: ستفعل، فجيب أن يُضمر "أن" ليتمحض للاستقبال، وإنما التزم إضمارها؛ لأنها قد زيدت لتأكيد النفي، فقولك: لم أكن لأفعل آكد من: لم أكن أفعل، فمعنى الأول: لم أكن للفعل، وفيه نفي نفس الفعل، ومعنى الثاني نفي إيجاد الفعل، ونفي إيجاد الفعل لا يلزم منه نفي الفعل ولا ينعكس، فعُلم أن اللام زائدة، والزائدة مستلزمة للمستقبل، فناسب إضمارها. أما قوله: المصدر لا يقع خبرًا عن الجثة. فجوابه: أن امتناع وقوع المصدر خبرا ًعن الجثة لعدم كونه دالًا بصيغته على فاعل وعلى زمان دون زمان. والفعل المُصدر بـ "أن" يدل عليهما، فيجوز الإخبار به وإن لم يجز بالمصدر، ولا سيما وقد التزم إضمار "أنْ" فضلة ومنتظمًا في نمط الفعل المحقق المتأول باسم الفاعل. ويؤيد ما ذكرت كل من الفارق إطباقهم عن آخرهم على الإخبار بالفعل المصدر بـ "أن" في خبر "عسى"، نحو: عسى زيدٌ أن يخرج، وإنما جوزوا ذلك مع امتناع استعمال المصدر موضع الفعل المُصدر بـ "أنْ" هنالك. والإخبار إذن بالفعل ودخول "أنْ"؛ يكون علمًا على المستقبل؛ لأن "عسى" للإخبار بوقوع حادث في الزمان المستقبل مع رجاء، فلابد أن يكون علمًا للاستقبال. وقلتُ: المبالغة على اختيار أبي البقاء أيضًا حاصلة؛ لأن اللام تستدعي مُقدرًا هو عاملها، كما يقال: ما كان الله مريدًا لأن يغفر لهم، فإذا نفيت إرادة الفعل لينتفي الفعل انتفاء للسبب لإرادة انتفاء المسبب؛ كان أبلغ من انتفاء الفعل ابتداء، قوله تعالى: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨]. اعلم أنه قد مر في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٢] أن دخول كان للمبالغة في نفي الفعل الداخلة هي علية لتقدير جهة نفيه عمومًا باعتبار الكون، وخصوصًا باعتبار الفعل المخصوص، فهو نفي مرتين، وزيد هاهنا اللام لمزيد إرادة التأكيد.
[ ٥ / ١٩٣ ]
والمراد بنفيهما نفى ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت، والمعنى: إنّ الذين تكرر منهم الارتداد وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه، يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف من إيمان صحيح ثابت يرضاه اللَّه، لأن قلوب أولئك - الذين هذا ديدنهم - قلوب قد ضريت بالكفر ومرنت على الردّة، وكان الإيمان أهون شيءٍ عندهم وأدونه؛ حيث يبدو لهم فيه كرّة بعد أخرى، وليس المعنى: أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردّة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم؛ لأنّ ذلك مقبول؛ حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع، ولكنه استبعاد له واستغراب، وأنه أمرٌ لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع، لا يكاد يرجى منه الثبات، والغالب أنه يموت على شرِّ حالٍ وأسمج صورة. وقيل: هم اليهود، آمنوا بالتوراة وبموسى، ثم كفروا بالإنجيل وبعيسى، ثم ازدادوا كفرًا بكفرهم بمحمدٍ ﷺ.
_________________
(١) ـ ويؤيده تفسيره لقوله: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ [الأعراف: ٤٣] بقوله: "واللام لتوكيد النفي، أي: وما كان يستقيم أن نكون مهتدين لولا هداية الله". قوله: (ضربت بالكفر). النهاية: يقال: ضري بالشيء يضري ضراوة، أي: عادة ولهجا به لا يُصبر عنه. قوله: (حيث يبدو لهم) فاعل "يبدو" مصدره المضمر فيه، وهو: بداء، يقال: بدا لهم في هذا الأمر بداء، ممدود: نشأ له رأي. قوله: (وقيل: هم اليهود) عطف على قوله: "المعنى: إن الذين تكرر منهم الارتداد" أي: داوموا على ذلك الفعل؛ ولهذا قال: "حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى"، وعلى الثاني: التكرير للمعدود؛ ولهذا أتى بالإنجيل وعيسى، والتوراة وموسى.
[ ٥ / ١٩٤ ]
[(بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا* الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)].
(بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ): وضع (بَشِّرِ) مكان: "أخبر" تهكما بهم. و(الَّذِينَ) نصبٌ على الذمّ، أو رفعٌ بمعنى: أريد الذين، أو: هم الذين. وكانوا يمايلون الكفرة ويوالونهم، ويقول بعضهم لبعض: لا يتم أمر محمدٍ فتولوا اليهود. (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا): يريد لأوليائه الذين كتب لهم العز والغلبة على اليهود وغيرهم، وقال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون: ٨].
[(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا* الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ
_________________
(١) ـ قوله: (كانوا يمايلون)، ويروي: يمالئون، الكفرة. النهاية: وفي حديث عمر ﵁: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به، أي: تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا. قوله: (وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] استشهاد لإرادة العزة لأوليائه من قوله: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾، والفاء في ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾ للتعقيب، وهو تتميم لمعنى الإنكار، أي: يطلبون العزة عند الكفار بعد أن عرفوا أن العزة لله جميعًا. قال الزجاج: العزة: المنعة وشدة الغلبة، وهو مأخوذ من قولهم: أرض عزاز. قال الأصمعي: العزاز من الأرض: الصلب ذات الحجارة، يُقال: يعز عليَّ أن تفعل، أي: يشتد. وأما قولهم: قد عز الشيء إذا لم يوجد، فتأويله: أنه صَعُب أن يوجد.
[ ٥ / ١٩٥ ]
وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)].
(أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ) هي "أن" المخففة من الثقيلة، والمعنى: أنه إذا سمعتم، أي: نزل عليكم أنّ الشأن كذا، والشأن ما أفادته الجملة بشرطها وجزائها، و(أن) مع ما في حيزها في موضع الرفع بـ (نزل) أو في موضع النصب بـ (نزّل) فيمن قرأ به، والمنزل عليهم في الكتاب: هو ما نزل عليهم بمكة، من قوله: (وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) [الأنعام: ٦٨]؛ وذلك أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزئون به، فنهي المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين له، وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة، وكان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون، فقيل لهم: إنكم إذًا مثل الأحبار في
_________________
(١) ـ قوله: (والمنزل عليهم في الكتاب هو ما نُزل عليهم بمكة) يعني: هذه الآية- وهي قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ - تذكار للمسلمين ما نزل عليهم بمكة من قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]، يعني: أنسيتم ما قد نزل عليكم بمكة أن إذا سمعتم المستهزئين يستهزئون بالقرآن فأعرضوا عنهم، فكيف تُجالسون الأحبار والمنافقين وهم يستهزئون بالقرآن؟ ! أما قوله: "والمنزل عليهم في الكتاب هو ما نزل عليهم بمكة" فهو على خلاف ما يقتضيه ظاهر الآية؛ لأن الظاهر أن المنزل قوله: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ﴾ بعينه، لكن لما لم توجد بعينها ووُجد ما يناسبها في المعنى حُمل عليه. قوله: (وكان الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون) شُروع في تفسير قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، وقوله: "من الأحبار" بيانٌ للخائضين و"هم المنافقون" خبرُ
[ ٥ / ١٩٦ ]
الكفر. (إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ) يعني: القاعدين والمقعود معهم. فإن قلت: الضمير في قوله: (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ) إلى من يرجع؟ قلت: إلى من دل عليه (يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها)، كأنه قيل: فلا تقعدوا مع الكافرين بها والمستهزئين بها. فإن قلت: لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم في وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين، والراضي بالكفر كافر. فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين منافقين! قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون
_________________
(١) ـ كان، وقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ تعليل للنهي؛ يعني: لا تقعدوا مع هؤلاء لأنكم إن قعدتم معهم تكونوا مثلهم كافرين؛ فعلى هذا في تفسيره إشكال؛ لأن هذا الاتصال يقتضي ألا يكون المخاطبون بقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ المنافقين؛ لأن الذين نُهوا عن مجالسة المشركين بمكة عند خوضهم في القرآن واستهزائهم لم يكونوا منافقين؛ لأن نجم النفاق إنما ظهر بالمدينة وغلبتهم كانوا يهودًا كما عُلم من كتابه، وقوله: "كان الذين يُقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون، فقيل لهم: إنكم مثلهم" يستدعي أن يكونوا منافقين لا غير، بشهادة إيقاع "هم المنافقون" خبر كان، و"هم": ضمير فصل أو تأكيد، والوجه أن يكون الخطاب بقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ مع المسلمين الذين كانوا يُقاعدون المشركين بمكة، ويُقاعدون المنافقين بالمدينة، وتشبيههم بالمنافقين للتغليظ والزجر والتوبيخ، وأن يراد بقوله: ﴿جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ﴾ الخائضون بالمدينة ومكة من المنافقين والكافرين، ويؤيد هذا التقرير قول الواحدي: وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن؛ فنهى الله المسلمين عن مجالستهم. وكذلك قول المصنف: "قيل: وذلك أن المشركين كانوا يخوضون" إلى آخره، وقال القاضي: ﴿إِذًا﴾ ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر؛ ولذلك لم يذكر بعدها الفعل. قوله: (فهلا كان المسلمون بمكة) إلى قوله: (منافقين) الظاهر أن تفسيره لقوله: ﴿جَامِعُ
[ ٥ / ١٩٧ ]
لعجزهم، وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم، فكان ترك الإنكار لرضاهم. (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ): إما بدل من (الذين يتخذون)، وإما صفة للمنافقين، أو نصب على الذم منهم. (يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) أي: ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق. (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) مظاهرين، فأسهموا لنا في الغنيمة. (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ): ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم، (وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بأن ثبطناهم عنكم، وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم، ومرضوا في قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم
_________________
(١) ـ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ﴾ على أن يُراد بالمنافقين المسلمون، والصحيح ما تقرر نهم الخائضون بالمدينة من المنافقين، والكافرون خائضون بمكة، وهذه الجملة كالتعليل للنهي السابق، أي: لا تقعدوا مع الفريقين؛ لأنكم إن قعدتم معهم تكونوا مثلهم منافقين كافرين مستحقين النار؛ لأن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا. قوله: (﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ﴾ إما بدلٌ من ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾، وإما صفة للمنافقين)، والظاهر أن المراد بالمنافقين ما سبق في قوله: ﴿بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ﴾ لا في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ﴾؛ لأنه ذهب إلى أنهم المسلمون، ولا في قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾؛ لأنه ذهب إلى أن المخاطبين بقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ المنافقون، فلا يلتئم مع قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾؛ لأن الخطاب حينئذ مع المؤمنين، ولذلك جعله بدلًا من ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾. وعلى المختار: المخاطبون: المسلمون، فيصح الإبدال والوصف أو الذم من القريب، وإليه ذهب أبو البقاء تنبيهًا للمسلمين على الاحتراز من القعود معهم، وإنما خُصوا به دون الكافرين لأن أصل الكلام وارد فيهم، وذكر الكافرين تابع لذكرهم. قوله: (أو إخفاق). النهاية: الإخفاق: أن يغزو فلا يغنم شيئًا، وكذلك كل طالب حاجة، من الخفق، أي: التحرك؛ أي: صادفت الغنيمة خافقة غير ثابتة مستقرة. قوله: (ومرضوا) أي: فرطوا وقصروا وجبنوا.
[ ٥ / ١٩٨ ]
عليكم، فهاتوا نصيبًا لنا بما أصبتم. وقرئ: (وَنَمْنَعْكُمْ) بالنصب بإضمار "أن"، قال الحطيئة:
أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيَكُونَ بَيْنِى … وَبَيْنَكُمُ الْمَوَدَّةُ وَالإِخَاءُ
فإن قلت: لم سمي ظفر المسلمين فتحًا، وظفر الكافرين نصيبا؟ قلت: تعظيما لشأن المسلمين وتخسيسًا بحظ الكافرين؛ لأن ظفر المسلمين أمر عظيم تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أوليائه. وأمّا ظفر الكافرين، فما هو إلا حظ دنيءٍ، ولمظة من الدنيا يصيبونها.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "ونمنعكم"، بالنصب بإضمار "أنْ" فالتقدير: ألم يكن منا الاستحواذ والمنع؟ كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. قوله: (لأن ظفر المسلمين أمر عظيم) إلى قوله: (وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دنيء)، ولذلك ذيل الكلام بقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ فجيء بـ"لن" المؤكدة، ونكر ﴿سَبِيلًا﴾ للتعظيم والتهويل، أي: تسلطًا تامًا كما للمسلمين عليهم. الراغب: حمل الفقهاء ذلك على الحكم، فقالت الشافعية: الإسلام يعلو ولا يُعلى، قالوا: ويقتضي ذلك أن لا يملك الكافر عبدًا مسلمًا ولا يصح شراؤه، وألا يُقتل مؤمن بكافر. واستدلت الحنفية على أن من ارتد انقطعت العصمة بينه وبين امرأته قبل انقضاء العدة، فلا يكون له عيها سبيل. قال القاضي: وهو ضعيف؛ لأن الآية لا تنفي أن يكون السبيل إذا عاد إلى الإيمان قبل مُضي العدة. قوله: (ولمظة). النهاية: اللمظة- بالضم -: مثل النكتة من البياض.
[ ٥ / ١٩٩ ]
[(إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا* مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا)].
(يُخادِعُونَ اللَّهَ): يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر (وَهُوَ خادِعُهُمْ): وهو فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع؛ حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعدّ لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة. ولم يخلهم في العاجل من فضيحةٍ وإحلال بأسٍ ونقمةٍ ورعبٍ دائم. والخادع: اسم فاعلٍ من خادعته فخدعته، إذا غلبته، وكنت أخدع منه. وقيل: يعطون على الصراط نورًا كما يعطى المؤمنون، فيمضون بنورهم ثم يطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين، فينادون: (انظرونا نقتبس من نوركم) [الحديد: ١٣]. (كُسالى) قرئ بضم الكاف وفتحها، جمع كسلان، كسكارى في سكران، أي: يقومون متثاقلين متقاعسين كما ترى من يفعل شيئًا على كرهٍ لا عن طيبة نفسٍ ورغبة. (يُراؤُنَ النَّاسَ): يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة، (وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا): ولا يصلون إلا قليلًا، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن
_________________
(١) ـ قوله: (من خادعته). رُوي عن المصنف أنه قال: هو من: فاعلته ففعلته، ولولا المانع الذي هو حزف الحلق لوجب ضم الدال في "يخدعهم"؛ لأن كل ما كان من باب المغالبة تضم العين في مضارعة إلا إذا منع مانع. قوله: (فينادون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، قال في تفسيره: ﴿انْظُرُونَا﴾، أي: "انتظرونا؛ لأنهم يُسرع بهم إلى الجنة البروق الخاطفة"، أو: انظروا إلينا لنستضيء بكم. قوله: (قط) بالتشديد بمعنى: البتة، وبالتخفيف بمعنى: لا غيرن قاله المطرزي.
[ ٥ / ٢٠٠ ]
عيون الناس إلا ما يجاهرون به، وما يجاهرون به قليل أيضًا لأنهم ما وجدوا مندوحةً من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه. أو: ولا يذكرون اللَّه بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا في الندرة، وهكذا ترى كثيرًا من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه. ويجوز أن يراد بالقلة العدم. فإن قلت: ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية؟ قلت: فيها وجهان: أحدهما: أن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسانه.
والثاني: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل، فيقال: راءى الناس، بمعنى: رأاهم، كقولك: نعمه وناعمه، وفنقه وفانقه وعيش مفانق. روى أبو زيد: رأت المرأة المرأة الرجل، إذا أمسكتها لترى وجهه. ويدل عليه قراءة ابن أبى إسحاق: يرؤونهم بهمزة
_________________
(١) ـ قوله: (إلا ما يُجاهرون به) استثناء منقطع، و"ما" في "ما وجدوا": مصدرية، يعني: ما دام يحصل لهم سعة في أن لا يذكروا لا يذكرون. قوله: (ولكن حديث الدنيا) بالنصب على نزع الخافض وإضمار العامل، المعنى: لكن يستغرق بحديث الدنيا أوقاته، أو: لم يُسمع منه تهليلة ولكن يُسمع حديث الدنيا، ويروي حديث مرفوع. قوله: (كقولك: نعمه). النعمة بالفتح: التنعيم، ويقال: نعمه وناعمه فتنعم وتفنق، أي: تنعم، وفنقه غيره تفنيقًا وفانقه. قوله: (رأت المرأة) قال أبو زيد: رأيت الرجل ترئية: إذا أمسكت له المرآة لينظر فيها وجهه، عن الجوهري. قوله: (يرؤونهم)، وفي التلاوة: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾، فأضمر الشيخ.
[ ٥ / ٢٠١ ]
مشدّدة: مثل: يرعونهم، أي: يبصرونهم أعمالهم ويراءونهم كذلك. (مُذَبْذَبِينَ): إمّا حال نحو قوله: (وَلا يَذْكُرُونَ) عن واو (يراءون)، أي: يراؤونهم غير ذاكرين (مذبذبين). أو نصب على الذم.
ومعنى (مُذَبْذَبِينَ): ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر، فهم متردّدون بينهما متحيرون. وحقيقة المذبذب: الذي يذب عن كلا الجانبين، أي: يذاد ويدفع فلا يقرّ في جانب واحد، كما قيل: فلان يرمى به الرحوان، إلا أن الذبذبة فيها تكريرٌ ليس في الذب، كأن المعنى: كلما مال إلى جانب ذُب عنه. وقرأ ابن عباس (مُذَبْذَبِينَ) بكسر الذال، بمعنى: يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم، أو بمعنى: يتذبذبون، كما جاء صلصل وتصلصل بمعنى. وفي مصحف عبد اللَّه: (متذبذبين). وعن أبي جعفر: (مدبدبين) بالدال غير المعجمة وكأن المعنى: أخذ بهم تارةً في دبةٍ وتارةً في دبة، فليسوا بماضين على دبة واحدة، والدبة: الطريقة، ومنها: دبة قريش. و(ذلِكَ):
_________________
(١) ـ قوله: (يرعونهم) هو من باب التفعيل من الرعي، والغرض من إيراد ذكره تبيين كيفية التلفظ بقوله: "يروونهم" لا مراعاة المعنى. قوله: (يبصرونهم أعمالهم) تفسير لهذه القراءة. قوله: (يُرمي به الرجوان). الجوهري: الرجوان: حافتا البئر، فإذا قالوا: رُمي به الرجوان أرادوا أنه طُرح في المهالك. النهاية: الرجا، مقصور: ناحية الموضع، وتثنيته: رجوان، وجمعه: أرجاء. قوله: (أخذ بهم) مرفوع المحل لإسناد "أُخذ" إليه، أي: وُجدوا تارة في طريقة، وأخرى في طريقة، وفي إتيان "أُخذ" إيذان بالمشارفة. قوله: (دُبَّةُ قريش). النهاية: في حديث ابن عباس: "اتبعوا دُبَّةَ قريش، ولا تفارقوا الجماعة"، الدبة، بالضم: الطريقة.
[ ٥ / ٢٠٢ ]
إشارة إلى الكفر والإيمان (لا إِلى هؤُلاءِ): لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونون مؤمنين، (لا إِلى هؤُلاءِ): ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسمون مشركين.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا)].
(لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ): لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء. (سُلْطانًا): حجة بينة، يعني: أن موالاة الكافرين بينة على النفاق. وعن صعصعة ابن صوحان: أنه قال لابن أخٍ له: خالص المؤمن وخالق الكافر والفاجر، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن، وإنه يحق عليك أن تخالص المؤمن.
[(إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا* إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا)].
_________________
(١) ـ قوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾: لا تتشبهوا)، إنما ذهب إلى التشبيه؛ لأن الكلام السابق واللاحق في المنافقين. قوله: (﴿سُلْطَانًا﴾: حجة). قال الزجاج: السلطان: الحجة، وإنما يقال للأمير: سُلطان؛ لأنه ذو الحجة، والعرب تؤنث السلطان وتذكره، ومن أنثها قال: إنها بمعنى الحجة، ومن ذكرها ذهب على معنى صاحب السلطان. قوله: (صعصعة بن صوحان). الجامع: هو تابعيٌّ من أصاب علي ﵁ شهد معه مشاهده، وروى عنه الشعبي، هو صوحان بضم الصاد المهملة وبالحاء المهملة. قوله: (وخالق الكافر). النهاية: من تخلق للناس، أي: تكلف أن يُهر من خلقه خلاف ما ينطوي عليه.
[ ٥ / ٢٠٣ ]
(الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ): الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض، وقرئ بسكون الراء، والوجه التحريك، لقولهم: أدراك جهنم. فإن قلت: لِمَ كان المنافق أشدّ عذابا من الكافر؟ قلت: لأنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله ومداجاتهم (وَأَصْلَحُوا) ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق.
(وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ) ووثقوا به كما يثق المؤمنون الخلص، (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه (فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ): فهم أصحاب المؤمنين ورفقاؤهم في الدارين. (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا) عَظِيمًا فيشاركونهم فيه ويساهمونهم. فإن قلت: مَن المنافق؟ قلت: هو في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر. وأمّا تسمية من ارتكب ما يفسق به بالمنافق فللتغليظ، كقوله «من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر» ومنه قوله عليه ﷺ:
_________________
(١) ـ قوله: (﴿الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾: الطبق الذي في قعر جهنم). الراغب: الدرك كالدرج، لكن الدرج يقال اعتبارًا بالصعود، والدرك اعتبارًا بالحدور، ولهذا قيل: درجات الجنة، ودركات النار، ولتصور الحدور في النار سُميت هاوية، ويقال للحبل الذي يوصل به آخر ليدرك الماء: درك. قوله: (والوجه التحريك لقولهم: أدراك جهنم). قال الزجاج: الدرك بالحركة والسكون لغتان حكاهما أهل اللغة؛ إلا أن الاختيار الفتح لإجماع الناس عليها ولأن أحدًا من المحدثين ما رواها إلا بالفتح، ولأن أفعالًا لا تكون جمع فعلٍ بالسكون إلا في الشذوذ، وإنما هو جمعُ فعل بالحركة. قوله: (ومداجاتهم). الجوهري: المداجاة: المداراة.
[ ٥ / ٢٠٤ ]
«ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». وقيل لحذيفة ﵁: مَن المنافق؟ فقال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به. وقيل لابن عمر: ندخل على السلطان، ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه، فقال: كنا نعدّه من النفاق. وعن الحسن: أتى على النفاق زمان وهو مقروع فيه، فأصبح وقد عمم وقلد وأعطى سيفًا، يعنى الحجاج.
[(ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا)].
(ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ) يتشفى به من الغيظ، أم يدرك به الثأر، أم يستجلب به نفعًا، أم يستدفع به ضررًا كما يفعل الملوك بعذابهم؟ وهو الغنيّ الذي لا يجوز
_________________
(١) ـ قوله: (ثلاث من كن فيه) الحديث مخرجٌ في "مسند أحمد بن حبنل". قوله: (ثلاث) مبتدأ، وقوله: "من كن فيه" إلى آخره: صفته، والخبر "من ذا" إلى آخره، والمضاف محذوف، أي: خصال من إذا. قوله: (على النفاق) أي: على أهله، ثم أفرد الضمائر اعتبارًا باللفظ، نحو: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] وابرز النفاق إبرازًا للأصل على المبالغة والاستعارة، المعنى: كان المنافقون في السالف مقهورين مرتدعين، فصاروا مرأسين قاهرين قد استباحوا دماء الناس، فكنى بقوله: "عمم وقلد" عن الترؤس والتسلط، لقولهم: العمائم تيجان العرب. قوله: (وهو مقروعٌ فيه) أي: مقهور. النهاية: تقول: أقرعته: إذا قهرته بكلامك، أو يكون بمعنى الردع، يُقال: قُرع الرجل: إذا ارتدع.
[ ٥ / ٢٠٥ ]
عليه شيء من ذلك. وإنما هو أمر أوجبته الحكمة أن يعاقب المسيء، فإن قمتم بشكر نعمته، وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب. (وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا): مثيبًا موفيًا أجوركم، (عَلِيمًا) بحق شكركم وإيمانكم.
فإن قلت: لم قدم الشكر على الإيمان؟ قلت: لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع، فيشكر شكرًا مبهمًا، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكرًا مفصلًا، فكان الشكر متقدمًا على الايمان، وكأنه أصل التكليف ومداره.
_________________
(١) ـ قوله: (أن يعاقب المسيء) بدلٌ من "هو"، أي: وإنما معاقبة المسيء أمرٌ أوجبته الحكمة. قوله: (وتعريضه للمنافع) يقال: عرضت فلانًا لكذا، أي: نصبته له، يعني: أن الله تعالى ما أراد إلا الخير والأصلح فخلق العباد ليعرضهم لما أراده، وفيه إيماء إلى إثبات رعاية الأصلح على المبالغة. قوله: (فيشكر شكرًا مبهمًا، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكرًا مفصلًا)، ولخصه القاضي حيث قال: وإنما قدم الشكر لأن النظر يُدرك النعمة أولًا فيشكر شكرًا مبهمًا، ثم يمعن النظر حتى يعرف المنعم فيؤمن به، وكذا عن الإمام. وقال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن الإيمان لا يستدعي عرفان المؤمن به بذاته؛ بل يعارض، فكان حاصلًا حينما عرف الإنعام، فما أوجب الشكر أوجب الإيمان، فالجواب أن الواو لا توجب الترتيب. وقلت: أما الكلام الأول فلا بأس به، وأما الجواب فمنظور فيه، وحاشًا لمقتني علمي الفصاحة والبلاغة أن يرضى في كلام الله المجيد بمثل هذا القول؛ فإن في كل تقديم ما مرتبته التأخير لله تعالى أسرارًا لا يعلم كنهها إلا هو، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ
[ ٥ / ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٣] كيف استلزم التقديم أن معرفة الغايات والكمالات سابقة في التقديم لاحقة في الوجود تنبيهًا على أن المقصود الأول من خلق الإنسان تعليم ما به يرشد إلى ما خُلق له من العبادة؟ وكذا أُشير بهذا التقديم إلى معرفة مرتبة أخرى من الشكر وموجبه. قال الشيخ العارف المحقق أبو إسماعيل عبد الله الأنصاري: الشكر اسم لمعرفة النعمة؛ لأنها السبيل إلى معرفة المنعم، ومعاني الشكر: معرفة النعمة، ثم قبول النعمة، ثم الثناء بها، ودرجاته ثلاث، إلى آخره، فلنقرر ذل بلسان أهل المعاني؛ وهو: أن المكلف في بدء الحال إذا نظر إلى ما عليه من نعمة الخلق والرزق والتربية تنبعث منه حركة إلى معرفة المالك المنعم. فهذه الحركة تسمى باليقظة والشكر القلبي والشكر المبهم، فإذا شكر العبد هذا الشكر وفق لنعمةٍ أرفع من تلك النعمة؛ وهي المعرفة بأنه الواحد الأحد الصمد، الواسع الرحمة، المثيب المعاقب؛ فيسجد شكرًا فوق ذلك ويضيف إلى الشكر القلبي الشكر بآداب الجوارح والنداء على الجميل، ويقول: أفادتكم النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجبا هذا الذي عناه بقوله: "ثم شكر شكرًا مفصلًا". وحاصله: أن الكلام فيه إيجازان؛ لأن الشكر المذكور في التلاوة شكرٌ مبهم، وموجبه نعمة سابقة مستتبعة لمعرفة مبهمة، والإيمان المذكور إيمان مفصل مستتبع لشكر مفصل غير مذكور، هذا وإن الذي يقتضيه النظم الفائق أن هذا الخطاب مع المنافقين، وأن قوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ متصل بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا* إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ
[ ٥ / ٢٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وتنبيه لهم على أن الذي ورطهم في تلك الورطة كفرانهم نعم الله، وتهاونهم في شكر ما أوتوا، وتفويتهم على أنفسهم بنفاقهم البُغية العظمى وهي الإسعاد بصحبة أفضل الخلق، والانخراط في زُمرة الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، فإذا ﴿تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ﴾ حكمهم أن ينتظموا في سلك أولئك السعداء من المؤمنين بعدما كانوا في عداد أخبث الكافرين، وسوف ينالون مع المؤمنين الدرجات العالية، ويفوزون بالرضوان بعدما كانوا مستأهلين الدركات السفلى من النيران. ثم التفت تقريعًا لهم أن ذلك العذاب كان منهم وبسبب تقاعدهم وكفرانهم تلك النعمة الرفيعة، وتفويتهم على أنفسهم تلك الفرصة السنية، وإلا فإن الله غني عن عذابهم فضلًا عن أن يوقعهم في تلك الورطات، فقوله: ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ﴾ فذلكة لمعنى الرجوع من الإفساد في الأرض إلى الإصلاح فيها، ومن اللجأ إلى الخلق إلى الاعتصام بالله، ومن الرياء في الدين إلى الإخلاص فيه، فقوله تعالى: ﴿وَآمَنْتُمْ﴾ تفسير له وتقرير لمعناه، أي: وآمنتم الإيمان الذي هو حائزٌ لتلك الخلال الفواضل، جامع لتلك الخصال الكوامل، فتقديم الشكر على الإيمان، وحقه التأخير في الأصل، إعلام بأن الكلام فيه، وأن الآية السابقة مسوقة لبيان كفران نعمة الله العظمى والكفر تابع له، فإذا أخر الشكر أخل بهذه الأسرار واللطائف. ومن ثم ذيل الآية على سبيل التعليل بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾، أي: هل يجازي الشاكر إلا الشاكر إلا الشكور؟ قال الإمام: المراد من الشاكر في حقه تعالى: كونه مثيبًا على الشكر، ومن كونه عليمًا: أنه عالم بجميع الجزئيات، فلا يقع الغلط أصلًا، فيوصل الثواب كاملًا إلى الشاكرين. وقلت: ولما فرغ من إيراد بيان رحمته وتقرير إظهار رأفته، جاء بقوله: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ
[ ٥ / ٢٠٨ ]
[(لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا* إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا)].
(لَّا مَنْ ظُلِمَ): إلا جهر من ظلم استثنى من الجهر الذي لا يحبه اللَّه جهر المظلوم. وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء. وقيل: هو أن يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ) [الشورى: ٤١]. وقيل: ضاف رجل قوما فلم
_________________
(١) ـ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ تتميمًا لذلك وتعليمًا للعباد بالتخلق بأخلاق الله تعالى من الأغضاء عن الجاني والتعطف فيما بين الإخوان، وأوقع قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ جزاء للشرط متممًا للتميم، يعني أن الله تعالى مع كونه قادرًا على الانتقام فإنه يعفو ويصفح، فأنتم أحق وأحرى به؛ لأنكم غير قادرين، كما قال: فعفوت عني عفو مقتدرٍ … أحلت له نعمٌ فألفاها وإليه الإشارة بقوله: "يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام، فعليكم بسنة الله". انظر أيها المتأمل إلى عظيم حلم الله تعالى في حق العباد. ولنختم الكلام بما روينا عن البخاري ومسلم، عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قدم على رسول الله ﷺ سبيٌ، فإذا امرأة من السبي تسعى، فإذا وجدت صبيًا في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته، فقال رسول الله ﷺ: "أرأيتم هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ "، قلنا: لا والله، فقال: "لله أرحم بعباده من هذه المرأة بولدها". يا واسع الرحمة والمغفرة أفض علينا شآبيب رحمتك وغفرانك، وسحائب فضلك ورضوانك. قوله: (﴿وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾) استشهاد لقوله: "أن يبدأ بالشتيمة فيُرد على الشاتم".
[ ٥ / ٢٠٩ ]
يطعموه، فأصبح شاكيًا، فعوتب على الشكاية؛ فنزلت. وقرئ: (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) على البناء للفاعل للانقطاع، أي: ولكن الظالم راكب ما لا يحبه اللَّه فيجهر بالسوء. ويجوز أن يكون (مَنْ ظُلِمَ) مرفوعًا، كأنه قيل: لا يحب اللَّه الجهر بالسوء إلا الظالم على لغة من يقول: ما جاءني زيد إلا عمرو، بمعنى: ما جاءني إلا عمرو، ومنه: (قل لا يَعْلَمُ
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يكون ﴿إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ مرفوعًا) عطفٌ على قوله: "للانقطاع". قوله: (على لغة من يقول)، أي: لغة بني تميم، وعليه قول الشاعر: عشية ما يُغني الرماح مكانها … ولا النبل إلا المشرفي المصمم أي: لا يغني إلا المشرفي. قوله: (ما جاءني زيدٌ إلا عمرو)، ونقل عن سيبويه أنه قال: أصل قولك: ما جاءني زيدٌ إلا عمرو: ما جاءني إلا عمرو، فهو استثناء مفرغ يلزم منه نفي المجيء عن كل من عدا عمرًا، ثم أدخل فيه زيدًا تأكيدًا لنفي المجيء عن زيد، فقوله: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ﴾ تقديره: لا يحب الجهر بالسوء أحدٌ إلا الظالم، فأدخل لفظة ﴿اللَّهُ﴾ تأكيدًا لنفي محبته، يعني: لله ﷾ اختصاص في عدم محبته ليس لأحد غيره ذلك، وكذا قوله: لا يعلم الغيب أحدٌ إلا الله، ثم أدخل ﴿مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٥] تأكيدًا. قال صاحب "الانتصاف": وجه تنظير المصنف بالآية أن الظالم لا يندرج في المستثنى منه كما أن الله تعالى مقدس أن يكون في السماوات أو الأرض. وكلامه في هذا الفصل لا يظهر ولا يتحقق لي منه ما يسوغ مجاراته لانغلاق عباراته. وقلت: عليه أن ينظر في حل تركيبه في سورة النمل ليتحقق له.
[ ٥ / ٢١٠ ]
مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [النمل: ٦٥]. ثم حث على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار بعد ما أطلق الجهر به، وجعله محبوبًا، حثًا على الأحب إليه، والأفضل عنده، والأدخل في الكرم والتخشع والعبودية. وذكر إبداء الخير وإخفاءه؛ تشبيبًا للعفو، ثم عطفه عليهما؛ اعتدادًا به وتنبيهًا على منزلته،
_________________
(١) ـ قوله: (وذكر إبداء الخير) عطف على قوله: "حث على العفو"، وقوله: "بعدما أطلق" ظرف "حث"، والمراد بقوله: "أطلق الجهر به" إباحته على المظلوم، وبقوله: "جعله محبوبًا" استثناؤه من قوله: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ﴾، يعني: لما أراد أن يحُث الناس على العفو بعدما أباح الجهر وجعله محبوبًا ذكر إبداء الخير وإخفاءه وجعله توطئة وتمهيدًا لذكر العفو، ثم عطف العفو عليهما لأجل الحث على الأحب والأفضل عنده. قوله: (تشبيبًا) أي: توطئة وتمهيدًا من تشبيب القصيدة، وهو تزيينها بما يتقدم على التخلص إلى المدح من التغزل. الأساس: قصيدة حسنة الشباب، وهو التشبيب، وشبب قصيدته بفلانة. يريد أن إيقاع قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ توطئة وتمهيدًا لذكر العفو على طريقة قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] بمعنى: رسوله أحق أن رضوه، وذكر الله للدلالة على مكانة الرسول ﷺ عند الله تعالى دلالة على أن للعفو مكانًا وسيطًا في معنى العزم على الخير وفعله، ويدل على أن إبداء الخير وإخفاءه توطئة، وأن معنى العفو هو المقصود بالذكر بصريح العفو في الجزاء ليرتبط الجزاء بالشرط، وفيه التنبيه على التخلق بأخلاق الله تعالى والترجي لعفو الله، يعني: جعل لكم العفو مع المقدرة شعارًا لأنفسكم سببًا لأن تنبهوا على أن الله يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام فيعفو عنكم ما انفرط منكم فتحتاجون إلى عفوه. ولقد ألم به قوله صلوات الله عليه وسلامه لأبي مسعود الأنصاري حين ضرب غلامه: "لله أقدر عليك منك على هذا الغلام" الحديث، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي.
[ ٥ / ٢١١ ]
وأن له مكانًا في باب الخير وسيطًا. والدليل على أن العفو هو الغرض المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا أي: يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة اللَّه.
[(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا* أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا)].
جعل الذين آمنوا باللَّه وكفروا برسله، أو آمنوا باللَّه وببعض رسله وكفروا ببعض كافرين باللَّه ورسله جميعا لما ذكرنا من العلة، ومعنى اتخاذهم بين ذلك
_________________
(١) ـ قوله: (وسيطًا) يقال: فلان وسيط في قومه: إذا كان أوسطهم نسبًا وأرفعهم محلًا. قوله: (وجعل الذين آمنوا بالله وكفروا برسله) يريد أن قوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ عطف تفسيري على قوله: ﴿يَكْفُرُونَ﴾؛ لأن هذه الإرادة عين الكفر بالله؛ لأن من كفر برسل الله كفر بالله، كالبراهمة. وأما قوله: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ فعطف على صلة الموصول، والواو بمعنى "أو" التنويعية، فالأولون فرقوا بين الإيمان بالله ورسله، والآخرون فرقوا بين رسل الله فآمنوا ببعض وكفروا ببعض كاليهود، ثم جمع بين كفر المشركين وكفر أهل الكتاب في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾؛ وقد مر في البقرة في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة ١٩٦] أن الواو قد تجيء بمعنى "أو". قوله: (كافرين بالله ورسله جميعا) هو ثاني مفعولي "جعل"، وفي قوله: "لما ذكرنا من العلة" إشارة إلى قوله- في تفسير قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦]-: "لأن إيمانهم ببعض الكتب لا يصح إيمانا"، إلى قوله: "وهذا الذي أراده ﷿ في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ "، وبيان التعليل أن قوله:
[ ٥ / ٢١٢ ]
سبيلا: أن يتخذوا دينا وسطا بين الإيمان والكفر كقوله: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾، أي طريقا وسطا في القراءة، وهو ما بين الجهر والمخافتة، وقد أخطؤوا، فإنه لا واسطة بين الكفر والإيمان، ولذلك قال: ﴿أولئك هم الكافرون حقا﴾، أي: هم الكاملون في الكفر. و﴿حقا﴾: تأكيد لمضمون الجملة، كقولك: هو عبد الله حقا، أي: حق ذلك حقا، وهو كونهم كاملين في الكفر؛ أو هو صفة لمصدر الكافرين، أي: هم الذين كفروا كفرا حقا ثابتا يقينا لا شك فيه.
[﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما﴾ ١٥٢]
فإن قلت: كيف جاز دخول ﴿بين﴾ على ﴿أحد﴾ وهو يقتضي شيئين فصاعدا؟ قلت: إن أحدا عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما، تقول: ما رأيت
_________________
(١) ـ ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ واقع خبرًا لـ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ ﴿أُوْلَئِكَ﴾ إذا وقع خبرًا لموصوف سابق آذن بأن ما بعده جدير بمن قبله لاكتسابه تلك الخصال المعددة، فقد ظهر أن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية [النساء: ٣٦]، وما توسطت بين العلة والمعلول من الجمل والآيات إما معترضة أو مستطردة عند إمعان النظر. قوله: (هم الكاملون في الكفر) يدل عليه توسط الفصل بين المبتدأ والخبر المعرف بلام الجنس، كقوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، فجيء بقوله: ﴿حَقًّا﴾ لتأكيد مضمون الكمال، أي: قولي بأن هذا كفرٌ كامل حق لا باطل، وعلى تقدير أن يكون ﴿حَقًّا﴾ صفة للمصدر المؤكد للمسند يكون بمعنى: ثابتًا، واللام حينئذ للعهد، أي: هم الذين صدر منهم الكفر البتة، فقوله: "يقينًا لا شك فيه"، هو معنى المصدر المحذوف، وهذا أبلغ من الأول بحسب تأكيد الإسناد، والأول أبلغ من جهة إثبات الكمال.
[ ٥ / ٢١٣ ]
أحدًا، فتقصد العموم، ألا تراك تقول: إلا بني فلان؟ وإلا بنات فلان؟ فالمعنى: ولم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة، ومنه قوله تعالى: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ) [الأحزاب: ٣٢]. (سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ) معناه: أنّ إيتاءها كائن لا محالة وإن تأخر فالغرض به توكيد الوعد وتثبيته لا كونه متأخرًا.
[(يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا* وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا* فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا* وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا* وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا* وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)].
_________________
(١) ـ قوله: (أن إيتاءها كائنٌ لا محالة)، رُوي عن المصنف أنه قال: الفعل الذي هو للاستقبال موضوع لمعنى الاستقبال بصيغته، فإذا دخل عليه "سوف" أكد ما هو موضوع له من إثبات الفعل في المستقبل لا أن يعطى ما ليس فيه من أصله، فهو في مقابلة "لن"، ومنزلته من "يفعل" منزلة "لن" في "لا تفعل" لنفي المستقبل، فإذا وضع "لن" موضع "لا" أكد المعنى الثابت وهو نفي المستقبل، فإذا كل واحدٍ من "سوف" و"لن" حقيقته التأكيد؛ ولهذا قال سيبويه: "لن تفعل" نفي "سوف تفعل".
[ ٥ / ٢١٤ ]
روي: أنّ كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا وغيرهما قالوا لرسول اللَّه ﷺ: إن كنت نبيًا صادقًا فأتنا بكتابٍ من السماء جملةً كما أتى به موسى. فنزلت. وقيل: كتابًا إلى فلان وكتابًا إلى فلان أنك رسول اللَّه، وقيل: كتابًا نعاينه حين ينزل، وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت- قال الحسن: ولو سألوه لكي يتبينوا الحق لأعطاهم- وفيما آتاهم كفاية. (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى): جواب لشرطٍ مقدرٍ معناه: إن استكبرت ما سألوه منك (فَقَدْ سَأَلُوُا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ)، وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى - وهم النقباء - السبعون، لأنهم كانوا على مذهبهم، وراضين بسؤالهم، ومضاهين لهم في التعنت. (جَهْرَةً): عيانًا بمعنى: أرناه نره جهرة. (بِظُلْمِهِمْ): بسبب سؤالهم الرؤية، ولو طلبوا أمرًا جائزًا لما سموا ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة،
_________________
(١) ـ قوله: (كتابًا نعاينه حين ينزل) على الأول. ﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْ السَّمَاءِ﴾: بيان، والمراد به الكتاب السماوي كالتوراة والإنجيل والفرقان، وعلى الوجهين ﴿مِنَ﴾: ابتداء، أي: كتابًا يُبتدأ نزوله من السماء. قوله: (وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت). الراغب: اقترحت الجمل: ابتدعت ركوبه، واقترحت كذا على فلان: ابتدعت التمني عليه، واقترحت بئرًا: استخرجت ماء قراحًا. قوله: (وفيما آتاهم) حالٌ من فاعل "اقترحوا"، وكلام الحسن اعتراض. قوله: (إن استكبرت ما سألوه منك ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ كقولك: إن تعتد بإكرامك إياي الآن فاعتد بإكرامي إياك أمس، وفي إتيان الجزاء بالماضي إيذان بالإعلام بالتأسي للتسلي. قوله: (ولو طلبوا أمرًا جائزًا لما سُموا ظالمين) جوابه أن معنى اللم: وضع الشيء في غير موضعه، وكونهم طالبين الرؤية على التعنت يكفي في إطلاق اسم الظلم عليهم.
[ ٥ / ٢١٥ ]
كما سأل إبراهيم صلوات الله عليه أن يريه إحياء الموتى فلم يسمه ظالمًا، ولا رماه بالصاعقة، فتبا للمشتبهة ورميًا بالصواعق. (وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا): تسلطًا واستيلاءً ظاهرًا عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم حتى يتاب عليهم فأطاعوه واحتبوا بأفنيتهم، والسيوف تتساقط عليهم فيا لك من سلطانٍ مبين! (بِمِيثاقِهِمْ): بسبب ميثاقهم، ليخافوا فلا ينقضوه. (وَقُلْنا لَهُمُ) والطور مطل عليهم: (ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا)، و(لا تعدوا في السبت)، وقد أخذ منهم الميثاق على ذلك، وقولهم: سمعنا وأطعنا، ومعاهدتهم على أن يتموا عليه، ثم نقضوه بعد. وقرئ: (لا تعتدوا). و(لا تعدّوا) بإدغام التاء في الدال (فَبِما نَقْضِهِمْ): فبنقضهم، «وما» مزيدة للتوكيد. فإن قلت: بم تعلقت الباء، وما معنى التوكيد؟ قلت: إما أن يتعلق بمحذوف، كأنه قيل: فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا، وإما أن يتعلق بقوله: (حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ) [النساء: ١٦٠]. على أنّ قوله: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا) [النساء: ١٦٠] بدلٌ من قوله: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ). وأما التوكيد فمعناه: تحقيق أنّ العقاب أو تحريم الطيبات
_________________
(١) ـ قوله: (والطور مُطل عليهم). النهاية: في حديث صفية بنت عبد المطلب: فأطل علينا يهودي، أي: أشرف، وحقيقته: أوفى علينا بطلله، وهو شخصه. قوله: (أن يتموا عليه) أي: على قولهم: سمعنا وأطعنا. النهاية: تم على الأمر: استمر، وفي حديث معاوية: أن تممت على ما تريد. قوله: (و"لا تعدوا" بإدغام التاء في الدال): نافع. قوله: (﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾) يذكر بعد الآيات الثلاث. قوله: (وأما التوكيد) إلى آخره، أي: معنى "ما" المزيدة للتوكيد مع تقدم المعمول على
[ ٥ / ٢١٦ ]
لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك. فإن قلت: هلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قول: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها)، فيكون التقدير: فبما نقضهم ميثاقهم طبع اللَّه على قلوبهم (بل طبع اللَّه عليها بكفرهم)؟ قلت: لم يصح هذا التقدير لأنّ قوله: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ)
_________________
(١) ـ العامل هو هذا؛ ولهذا قال: "تحقيق أن العقاب لم يكن إلا بنقض العهد" حيث جاء بأداة الحصر الدال عليها التقديم، ونبه على التوكيد بقوله: "تحقيق أن العقاب". قوله: (لم يصح هذا التقدير) وقد ذكر هذا التقدير أبو البقاء، وفسر صاحب "التقريب" كلام المصنف بقوله: أي: لا يتعلق بـ ﴿طَبَعَ﴾ مقدرًا؛ لدلالة ﴿بَلْ طَبَعَ﴾ عليه؛ لأنه وارد لإنكار قولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: لا تصل إليها الموعظة، أي: لم يخلقها الله تعالى مطبوعًا عليها غير قابلة للوعظ، فالطبع منتف حقيقة، فلا يقدر الطبع سببًا معللًا بالنقض. وفيه نظر؛ لأن ﴿بَلْ طَبَعَ﴾ دال على طبع عارض بكفرهم، فجاز أن يُقدر طبعٌ عارضٌ بنقضهم، فالطبعان متوافقان في العروض. وقلت: مرادف المصنف أن ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ متعلق بقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ رد وإنكار له، كما جاء صريحًا في البقرة: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]، فلو قدر لقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ متعلقًا مثله يصير التقدير: فبما نقضهم وكفرهم وقولهم: قلوبنا غُلف طبع الله عليها ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فيكون ردًا لهذا الكلام وإنكارًا له لا لقولهم: قلوبنا غلفٌن والمعنى عليه. هذا نظم لطيف، ولكن لا وجه للتشنيع، ولقوله: "وكمذهب المجبرة"؛ لأن لأهل السُّنة أن يقولوا: إنه تعالى إنما رد قولهم؛ لأنهم ادعوا أن قلوبهم في أوعية وأغشية، وأن ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه لا ينفذ فيها، فأضرب الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: بله ذلك! بل هو شيء أعظم منه وهو الطبع والختم؛ لأنهم أبطلوا
[ ٥ / ٢١٧ ]
ردّ وإنكار لقولهم: (قُلُوبُنا غُلْفٌ)، فكان متعلقًا به، وذلك أنهم أرادوا بقولهم: (قُلُوبُنا غُلْفٌ): أنّ اللَّه خلق قلوبنا غلفًا، أي: في أكنةٍ لا يتوصل إليها شيءٌ من الذكر والموعظة، كما حكى اللَّه عن المشركين: (وقالوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ) [الزخرف: ٢٠]، وكمذهب المجبرة أخزاهم اللَّه، فقيل لهم: بل خذلها اللَّه ومنعها الألطاف بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع عليها، لا أن تخلق غلفًا غير قابلةٍ للذكر ولا متمكنةً من قبوله. فإن قلت: علام عطف قوله (بِكُفْرِهِمْ)؟ قلت: الوجه أن يعطف على: (فَبِما نَقْضِهِمْ) ويجعل قوله: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ) كلامًا تبع قوله: (وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ) على وجه الاستطراد. يجوز عطفه على ما يليه من قوله: (بِكُفْرِهِمْ). فإن قلت: ما معنى المجيء بالكفر معطوفًا
_________________
(١) ـ استعداداتهم بالكلية بالكفر بمحمد بعد وضوح البينات. وأيضًا، يجوز أن يُراد: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا﴾، أي: ليس كما ادعوا من أن قلوبهم أوعية العلم ما ذكر في البقرة. الانتصاف: هؤلاء قوم زعموا أن لهم على الله حجة بخلق قلوبهم غير قابلة للحق ولا متمكنة منه، فكذبهم بأنه تعالى خلق قلوبهم على الفطرة، والإيمان من جنس مقدورهم كما هو من جنس مقدور المؤمنين، وهو المعبر عنه بالتمكن، فقامت حجة الله عليهم، فالإنسان نفرق بين دخوله في الإيمان والطيران في الهواء بإمكان الأول دون الثاني فلله الحجة، فاتجه الرد عليهم لا من الوجه الذي زعمته المعتزلة من إثبات قدرة يخلقون بها وافق مشيئة الله أم لا؛ ولذلك قال عقيبه: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فرد عليهم ورد الأمور إلى المشيئة. قوله: (ما معنى المجيء بالكفر معطوفًا؟) السؤال واردٌ على الجوابين، يعني: ذكرت أن قوله: "بكفرهم" في قوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا﴾ عطفٌ إما على ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ أو على ما يليه من قوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾، وكلاهما فاسدان لما يلزم منهما عطف الشيء
[ ٥ / ٢١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ على نفسه. وأجاب أولًا بجواب مُجمل صالح للوجهين، ثم أتى لكل بجواب مفصل، فقال: "قد تكرر"، يعني: أن كل واحدة من الكفرات الثلاث لانضمامها إلى معنى أخرجها من مفهوم الأخرى، فقوله: ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ لما عقب قوله: ﴿لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ خُص بكفرهم بموسى ﵊، و"كفرهم" الثالث لما اقترن بقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى﴾ خُص بعيسى ﵊، و"كفرهم" الثاني لما وقع في حيز الإضراب وكان جوابًا عن تعنتهم وقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، ومُذيلًا العطف، وإليه الإشارة بقوله: "قد تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد ﷺ؛ فعطف بعض كُفرهم على بعض". وأما الجواب عن السؤال على قوله: "والوجه أن يعطف على ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ "؛ فهو أن "بكفرهم" الثالث مع ما عطف عليه من قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ﴾، ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى﴾، عطف على قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ مع ما عُطف عليه من قولهم: ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمْ الأَنْبِيَاءَ﴾ وقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، فلا يلزم أيضًا المحذور؛ لأن للهيئة الاجتماعية اعتبارًا غير اعتبار الأفراد، وأما على قوله: "ويجوز عطفه على ما يليه" فهو قوله: "أو ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ومعهم بين كفرهم" وهو من عطف المجموع على المفرد. هذا وإن اختياره أن يكون من عطف المجموع على المجموع لقوله: "والوجه أن يُعطف على ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ " لأنه مر فيما سبق أن قوله: " ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ردُّ وإنكار لقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أقحم بين المعطوف والمعطوف عليه مستطردًا اهتمامًا، وفيه أن قولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أم القبائح المذكورة، وعلى الوجه الأخير يجوز أن يكون التوالي كلها مستطردة، وفي هذا الوجه إيذانٌ باستقلال المفرد استقلال المجموع. ولعمري إنه كذلك؛ إذ كفرهم بمحمد صلوات الله عليه وسلامه لا يوازيه كفر! وعلى الوجه المختار الواو الداخلة على قوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ الثالث غيرُ الواوات السابقة واللاحقة؛ لأن تلك لعطف المفرد على المفرد، وهذه لعطف المجموع على المجموع.
[ ٥ / ٢١٩ ]
على ما فيه ذكره، سواء عطف على ما قبل حرف الإضراب، أو على ما بعده، وهو قوله: (وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ) وقوله: (بِكُفْرِهِمْ)؟ قلت: قد تكرّر منهم الكفر؛ لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمدٍ صلوات اللَّه عليهم أجمعين. فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه، كأنه قيل: فيجمعهم بين نقض الميثاق، والكفر بآيات اللَّه، وقتل الأنبياء، وقولهم: قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم، وافتخارهم بقتل عيسى عاقبناهم. أو: بل طبع اللَّه عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا. والبهتان العظيم: هو التزنية. فإن قلت: كانوا كافرين بعيسى ﵇، أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، فكيف قالوا (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ)؟ قلت: قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) [الشعراء: ٢٧]. ويجوز أن يضع اللَّه الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم؛ رفعًا لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيمًا لما أرادوا بمثله، كقوله: (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا) [الزخرف: ٩ - ١٠]. روي: أنّ رهطًا
_________________
(١) ـ قوله: (هو التزنية) أي: النسبة إلى الزنى. قوله: (ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح). الإنصاف: هذا وجهٌ حسنٌ واستشهادٌ جيد، فإنه تعالى قال في الزخرف عقيب ذلك: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ [طه: ٥٢] إلى قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ [طه: ٥٣]، فأول الكلام حكاية قول موسى، وآخره إخبار الله عن نفسه بالتكلم، وبعضهم يعده التفاتًا، وليس منه. وقلت: وقد ذكرنا أن الذي في "طه" التفات. قوله: (﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]) إلى آخر الآية، وُضع موضع قولهم: الله فقط.
[ ٥ / ٢٢٠ ]
من اليهود سبوه وسبوا أمّه، فدعا عليهم: «اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي؛ فمسخ اللَّه من سبهما قردةً وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله، فأخبره اللَّه بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجلٌ منهم: أنا فألقى عليه شبهه فقتل وصلب. وقيل: كان رجلًا ينافق عيسى فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه، فدخل بيت عيسى، فرفع عيسى وألقي شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى. ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه إله لا يصح قتله. وقال بعضهم: إنه قد قتل وصلب. وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ وقال بعضهم رفع إلى السماء.
وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى، والبدن بدن صاحبنا. فإن قلت: (شُبِّهَ) مسند إلى ماذا؛ إن جعلته مسندًا إلى المسيح، فالمسيح مشبه به، وليس بمشبه، وإن أسندته إلى المقتول، فالمقتول لم يجر له ذكر؟ قلت: هو مسندٌ إلى الجار والمجرور، وهو (لَهُمُ)، كقولك: خُيل إليه، كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه. ويجوز أن يسند إلى ضمير المقتول؛ لأنّ قوله: (إنا قتلنا) يدل عليه، كأنه قيل: ولكن شبه لهم من قتلوه. (إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ): استثناء منقطع؛ لأنّ اتباع الظن ليس من جنس العلم، يعني: ولكنهم يتبعون الظن. فإن قلت: قد وصفوا بالشك، والشك: أن لا يترجح أحد الجائزين، ثم وصفوا بالظن، والظن: أن يترجح أحدهما، فكيف يكونون شاكين ظانين؟ قلت: أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ولكن إن
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: كان رجلٌ ينافق عيسى)، وفي أكثر النسخ: "كان رجلًا" بالنصب، والأول هو الوجه، يعرف بالتأمل. قوله: (والشك أن لا يترجح …، والظن أن يترجح) تفسير للشيء بلازمه؛ لأن الشك هو الاعتقاد الذي لا يترجح معه أحد الجائزين.
[ ٥ / ٢٢١ ]
لاحت لهم أمارة فظنوا، فذاك
_________________
(١) ـ قوله: (فظنوا فذاك) وهو عطف على "إن لاحت"، "فذاك": جواب للشرط، أي: فذاك هو الظن، يريد أنهم من الشاكين الذين لا يترجح لهم أحد الجائزين قط لكن يحصل لهم أحيانًا بما يلوح لهم من الأمارة والترجح بزعمهم، ثم إذا خفت الأمارة عادوا إلى التردد، وهذه الحالة أبلغ في التحير من مجرد الشك، وإليه الإشارة بقوله: "فذاك" الرجحان، أي: ليس برجحان لأنه لا ينقذهم من ورطة الشك إلا مزيد التحير، فقوله: ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ مبتدأ و﴿مِنْ﴾: زائدة لتأكيد النفي، والظرف المقدم خبر، و﴿بِهِ﴾: حالٌ من الضمير المستكن في الظرف. وقيل يحتمل أن يكون التقدير: إنهم لفي شك في جميع الأوقات إلا وقت اتباع الظن؛ لظهور الأمارة إن لاحت لهمن وما لهم من علم قط، ويكون الاستثناء متصلًا مفرغًا. وقدم قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ على الاستثناء لأن المقصود من هذا الكلام نفي العلم عنهم. وقلتُ: هذا مبنيٌّ على جواز الاستثناء المفرغ في الكلام الموجب، نحو: قرأت إلا يوم كذا، ومنعه المصنف في سورة الأنبياء حيث قال: "إن أعمَّ العام يصح نفيه ولا يصح إيجابه"، وقالوا: يجوز أن يقال: ما في الدار أحدٌ إلا زيدٌ، ولا يصح: كان في الدار إلا زيدًا، أي: في الدار جميع الأشياء إلا زيدٌ، وقال في "التوبة" في قوله تعالى: ﴿وَيَابَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]: "كيف جاز أبي الله إلا كذا، ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيدًا؟ وأجاب: قد أجرى "أبي" مُجرى "لم يُرد" لكونه مقابلًا لقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ " على أن المقام لا يقتضي إلا ما ذهب إليه المصنف كما شرحنا كلامه من إثبات الشك على التحقيق والمبالغة فيه؛ وذلك لمجيء إن واللام وتخصيص ذكر الاتباع، فإذا لم يرد بقوله: ﴿إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ المبالغة، فلم لم يقتصر على الظن ولم يقل: وما لهم بذلك من علم إلا الظن ولم يكتف في التفسير بقوله: "وإن لاحت لهم أمارة فظنوا" وأطنب بقوله: "فذاك"؟
[ ٥ / ٢٢٢ ]
(وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا): وما قتلوه قتلًا يقينًا، أو ما قتلوه متيقنين كما ادّعوا ذلك في قولهم (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ). أو يجعل (يَقِينًا) تأكيدًا لقوله: (وَما قَتَلُوهُ)، كقولك: ما قتلوه حقًا، أي: حق انتفاء قتله حقًا. وقيل: هو من قولهم: قتلت الشيء علمًا ونحرته علمًا إذا تبلغ فيه علمك، وفيه تهكم، لأنه إذا نُفي عنهم العلم نفيًا كليًا بحرف الاستغراق، ثم قيل: وما علموه علم يقينٍ وإحاطة - لم يكن إلا تهكمًا بهم.
(لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره:
_________________
(١) ـ قوله: (أو يُجعل ﴿يَقِينًا﴾ تأكيدًا) عطفٌ على قوله: "ما قتلوه قتلًا يقينًا"، يعني: ﴿يَقِينًا﴾ يجوز أن يكون صفة مصدر محذوف، وأن يكون حالًا، وعلى التقديرين يعود المعنى إلى عدم تعين القتل منهم، قال الإمام: يعني أنهم شاكون في أنه هل قتلوه؟ ثُم أكد ذلك بأنهم قتلوا ذلك الشخص الذي قتلوه لا على يقين أنه عيسى؛ بل حين قتلوه كانوا شاكين في أنه هل هو عيسى أم لا؟ ويجوز أن يكون تأكيدًا لقوله: "ما قتلوه" فيعودُ المعنى إلى تعيُّنِ عدم القتل. قال الإمام: أخبر الله تعالى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه يقينًا؟ ثم أخبر محمدًا ﷺ بأن اليقين حاصلٌ في أنهم ما قتلوه، وهذا الاحتمال أولى من الأول لقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾؛ لأنه إنما يصح هذا الإضراب إذا تقدم القطع واليقين بعدم القتل. وأما قول المصنف: "لم يكن إلا تهكمًا" فمعناه: أن الله تعالى إذا نفى عنهم علم إحاطة؛ لزم بالمفهوم إثبات نوع من العلم، فلا يستقيم هذا مع قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، إلا بأن يقال: إن هذا منفي أيضًا بالتهكم، فحينئذ يتكرر انتفاء العلم عنهم فيكون التكرير لتعليق قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ به. قوله: (قتلت الشيء علمًا). قال الزجاج: تقول: أنا أقتل الشيء علمًا، أي: أعلمه علمًا. الأساس: ومن المجاز: قتلته علمًا وخُبرًا، ومنه: قتلت الخمرة، أي: مزجتها.
[ ٥ / ٢٢٣ ]
وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمننّ به. ونحوه: (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) [الصافات: ١٦٤]، (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) [مريم: ٧١]. والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحدٌ إلا ليؤمننّ قبل موته بعيسى، وبأنه عبد اللَّه ورسوله، يعني: إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه؛ لانقطاع وقت التكليف. وعن شهر بن حوشب: قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شيء منها، يعني هذه الآية، وقال إني أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه، فلا أسمع منه ذلك، فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه، وقالوا: يا عدوّ اللَّه أتاك موسى نبيًا فكذبت به، فيقول: آمنت أنه عبد نبىّ. وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبيًا فزعمت أنه اللَّه أو ابن اللَّه، فيؤمن أنه عبد اللَّه ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه، قال: وكان متكئًا فاستوى جالسًا فنظر إليّ وقال: ممن؟ قلت: حدثني محمد بن عليّ بن الحنفية. فأخذ ينكت الأرض بقضيبه، ثم قال: لقد أخذتها من عينٍ صافية، أو من معدنها. قال الكلبي: فقلت له: ما أردت إلى أن تقول: حدثني محمد بن عليّ بن الحنفية. قال: أردت أن أغيظه، يعني بزيادة اسم عليّ؛ لأنه مشهور بابن الحنفية. وعن ابن عباس: أنه فسره كذلك، فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه؟ قال: لا تخرج نفسه حتى يحرّك بها شفتيه، قال: وإن خرّ من فوق بيتٍ أو احترق أو أكله سبع؟ قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به. وتدل عليه قراءة أُبيّ: (إلا ليؤمننّ به قبل
_________________
(١) ـ قوله: (وإن من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمنن به) أي: ليس من أهل الكتاب أحد يتصف بصفة ما إلا بأن يقال في حقه: والله ليؤمنن به؛ لأن الجملة القسمية الإنشائية لا تقع صفة إلا بالتأويل. قوله: (ما أردت إلى أن تقول) أي: ما أنهى إرادتك إلى قولك، كما تقول: أرغب على الله، أي: أنهى رغبتي إلى الله. قوله: (وتدل عليه قراءة أُبيٍّ) على أن المعنى: وما من اليهود والنصارى أحدٌ إلا ليؤمنن
[ ٥ / ٢٢٤ ]
موتهم) بضم النون على معنى: وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم، لأنّ أحدًا يصلح للجمع. فإن قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟ قلت: فائدته الوعيد، وليكون علمهم بأنهم لا بدّ لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم؛ بعثًا لهم وتنبيهًا على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع به، وليكون إلزامًا للحجة لهم، وكذلك قوله: (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا): يشهد على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن اللَّه.
وقيل: الضميران لعيسى، بمعنى: وإن منهم أحد إلا ليؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى، وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.
روي: أنه ينزل من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلا يؤمن به، حتى تكون الملة واحدة، وهي ملة الإسلام، ويهلك اللَّه في زمانه المسيح الدجال، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه. ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به على أن اللَّه يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان، ويعلمهم نزوله وما أنزل له، ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم.
وقيل: الضمير في: (بِهِ) يرجع إلى اللَّه تعالى. وقيل: إلى محمد ﷺ.
_________________
(١) ـ به قبل موته بعيسى؛ لأن هذا القارئ صرح بأن الضمير في موته للقوم، وفائدته ترجيح هذا القول على القول الآتي. قوله: (وقيل: الضميران لعيسى ﵊، بمعنى: وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى) أي: حين نزوله. الانتصاف: يُبعده قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ظاهره التهديد، فكيف يهدد من آمن حين ينفع الإيمان؟ ويجوز أن لا يراد التهديد، كما قال في حق هذه الأمة: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].
[ ٥ / ٢٢٥ ]
[(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦١) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا)].
(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا) فبأي ظلم منهم. والمعنى: ما حرمنا عليهم الطيبات إلا لظلمٍ عظيمٍ ارتكبوه، وهو ما عدّد لهم من الكفر والكبائر العظيمة
_________________
(١) ـ قوله: (ما حرمنا عليهم الطيبات إلا لظُلمٍ عظيم). الحصر مستفاد من تقديم الجار والمجرور على العامل، والتعظيم من التنكير. قوله: (وهو ما عدد لهم من الكفر والكبائر العظيمة). اعلم أنه قرر أولًا أن الباء في ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]: إما يتعلق بمحذوف؛ أي: فعلنا بهم ما فعلنا، وغما مُتعلقٌ بـ ﴿حَرَّمْنَا﴾ على أن قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا﴾ بدلٌ من قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾. قال أبو البقاء: وتكرار الفاء في البدل لطول الكلام. فقوله: "وهو ما عدد لهم من الكفر والكبائر" إشارة إلى أن البدل هو المختار، فيلزم أن كفرهم بمحمد ﷺ وبعيسى ﵊ أيضًا موجبات لتحريم الطيبات، وقد صرح الواحدي به حيث قال: وصدوا عن دين الله وعن الإيمان بمحمد ﷺ، فحرم الله عليهم عقوبة لهم ما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]، وعلى ما فسر المصنف الصد في هذا المقام لا يُفهم ذلك ولا يدفعه فهو مبهم؛ لكن يلزم ذلك من الإبدال، والظاهر إنما حرم عليهم ذلك في شريعة موسى ﵊ يدل عليه قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: ٩٣]. قال المصنف: "وهو رد على اليهود وتكذيب لهم
[ ٥ / ٢٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعى عليهم في قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٦]، فإنهم جحدوا ما نطق به القرآن من تحريم الطيبات عليهم ببغيهم وظُلمهم، وقالوا: لسنا بأول من حرمت عليه، وما هو إلا تحريم قديم، فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا، وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي واللم، فأراد أن يحاجهم على هذا، قال: ﴿قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣]، قال: "أراد أن يحاجهم بكتابهم من أن تحريم ما حرم عليهم حادثٌ بسبب ظلمهم وبغيهم لا تحريم قديم". وقوله تعالى حكاية عن عيسى ﵊: ﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، قال المصنف: "وما حرم الله عليهم في شريعة موسى من الشحوم والثروب ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك"، وإذا تقدر ذلك؛ فالوجه أن يكون متعلق ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ "فعلنا بهم ما فعلنا" لتتخلص من هذه الورطة، وكذلك متعلق ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾، ويكون قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ عطفًا على ذلك المقدر لاقتضائه معطوفًا عليه، وأقيم ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ مقام المضمر للإشعار بالعلية، والمقدر من نحو اللعنة وضرب الذلة والمسنة واستحقاق غضب الله وما أشبه ذلك ليجمع لهم نكال الدارين، وإنما ذكر معلول الوُسطى، وهو ﴿حَرَّمْنَا﴾؛ لونه أخف من الآخرين، وأما الفاء في ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ فغير الفاء في "فبنقضهم"؛ لأنها فصيحة، أي: وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا، فما لبثوا إلا ريثما نقضوا عهد الله؛ فبنقضهم وكذا وكذا فعلنا بهم ما فعلنا، وهذا متجه لأنه لما أتم قصة عيسى ﵊ وفُهم منها ظلمهم في حقه قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: لا غرو في ذلك من هؤلاء؛ لأن ديدن من هو متسم بقوله: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ وسمتهم: اللم، ألا ترى كيف حرم عليهم نبيهم
[ ٥ / ٢٢٧ ]
والطيبات التي حرّمت عليهم: ما ذكره في قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) [الأنعام: ١٤٦]. وحرّمت عليهم الألبان، وكلما أذنبوا ذنبا صغيرًا أو كبيرًا حرّم عليهم بعض الطيبات من المطاعم وغيرها. (وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا) ناسا كثيرًا أو صدًّا كثيرًا (بِالْباطِلِ): بالرشوة التي كانوا يأخذونها من سفلتهم في تحريف الكتاب. (لكِنِ الرَّاسِخُونَ) يريد من آمن منهم، كعبد اللَّه بن سلام وأضرابه، (والراسخون في العلم): الثابتون فيه، المتقنون المستبصرون. (وَالْمُؤْمِنُونَ) يعني المؤمنين
_________________
(١) ـ وكتابُهم طيبات الأطعمة لشؤم ظلمهم؟ ثم كرر عطف معاملتهم مع رسول الله ﷺ من الصد عن دينه وكتمان ذكره وذكر كتابه إلى آخره على ما سبق عطف جملة على جملة، وبهذا يتخلص من القول بتكرير الفاء في البدل. ومنع صاحب "الكشف" في قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: ٤] قول من قال: إن التي بعد الفاء بدلٌ من الأولى، وقال: إنه قولٌ فاسد؛ لأنه لا تدخل الفاء بين البدل والمُبدل منه؛ ولهذا أفسدنا قول من قال فيما تقدم: إن قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا﴾ بدلٌ من قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] والله أعلم. قوله: (﴿بِالْبَاطِلِ﴾: بالرشوة التي كانوا يأخذونها من سفلتهم في تحريف الكتاب)، قال الواحدي: يعني ما أخذوه من الرشي في الحكم وغير ذلك. وقلتُ: هذا أولى؛ لأنه مطلق في كل باطل، وتقييده من غير دليل لا يجوز، على أن المقام يقتضي الإطلاق؛ لأن الإستدراك بقوله: ﴿لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ إلى آخره يقتضي المبالغة والعموم في مقابله. وأيضًا، قوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ معناه: منعوا الناس من الإيمان بمحمد ﷺ، فيدخل فيه التحريف دخولًا أوليًا. قوله: (﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ الثابتون فيه). الراغب: الراسخ في العلم: هو الذي لا
[ ٥ / ٢٢٨ ]
منهم، أو "المؤمنون" من المهاجرين والأنصار. وارتفع الراسخون على الابتداء. و(يُؤْمِنُونَ) خبره. و(الْمُقِيمِينَ): نصب على المدح - لبيان فضل الصلاة- وهو باب واسع، وقد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد. ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنًا في خط المصحف، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أنّ السابقين الأوّلين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل؛ كانوا أبعد همةً في الغيرة على الإسلام، وذبّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب اللَّه ثلمة ليسدّها من بعدهم وخرقا يرفوه من يلحق بهم. وقيل: هو عطف على (بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي: يؤمنون بالكتب
_________________
(١) ـ تعترضه شبهة لتمكنه في معرفته وتحققه بها وكونه من الذين قال فيهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]، فنبه أن الراسخين في اللم يعرفون معنى النبوة ويعتبرونه، فحيثما وجدوه تبعوه، ولما اقتص عن اليهود ما كان منهم وألزمهم المذمة، بين أن الراسخين لم يذهبوا مذهبهم. قوله: (﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ نصبٌ على المدح … وهو باب واسع)، أي: نصبٌ على الاختصاص. قال الزجاج: هذا باب يسمونه باب المدح، وقد بينوا فيه صحته وجودته، فإذا قلت: مررت بزيد الكريم، وأنت تريد أن تُخلص زيدًا من غيره فالخفض حتى يتميز، وإذا أردت المدح والثناء فإن شئت نصبت الكريم، وإن شئت رفعته، وأنشدوا: لا يبعدن قومي الذين هم … سُم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك … والطيبين معاقد الأزر قوله: (من أن يتركوا في تاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم) لا يريد أنهم وجدوا ثلمة
[ ٥ / ٢٢٩ ]
وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء. وفي مصحف عبد اللَّه: "والمقيمون": بالواو، وهي قراءة مالك بن دينار، والجحدري، وعيسى الثقفي.
[(إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا* وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا* رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا* لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا)].
(إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ): جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول اللَّه ﷺ أن ينزل عليهم كتابا من السماء، واحتجاج عليهم بأنّ شأنه في الوحى إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا.
وقرئ (زبورا) بضم الزاى جمع زبر وهو الكتاب.
(وَرُسُلًا) نصب بمضمر في معنى: (أوحينا إليك)، وهو: "أرسلنا"
_________________
(١) ـ فأصلحوها إلا هذه، بل ما وجدوها أصلًا فيتركوها؛ كما وُصِفَ مجلسُ رسول الله ﷺ "لا تُثني فلتاتُه" أي: لا فلتات ولا انثناء، وقال: على لا حبٍ لا يُهتدى بمنارِهِ قوله: (﴿وَرُسُلًا﴾ نصب بمضمر في معنى ﴿أوحينا إليك﴾ وهو "أرسلنا") يعني:
[ ٥ / ٢٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ "أوحينا" لا يجوز أن يعمل في "رُسُلًا"؛ لأنه تعدى بـ "إلى"، ويُمكن أن يقال: بالحذف والاتصال؛ لأن الكلام في الإيحاء لا في الإرسال، فعلى هذا ﴿قَصَصْنَاهُمْ﴾، و﴿لَمْ نَقْصُصْهُمْ﴾: صفتان لـ ﴿رُسُلًا﴾، وعلى أن يكون ﴿قَصَصْنَاهُمْ﴾ مفسرًا للعامل يبقى ﴿رُسُلًا﴾ مطلقًا، وهو الوجه، مثله في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]، قال صاحب "المفتاح": رُسُلٌ وأي رسل؟ ! ذوو عددٍ كثير، وأولو آيات ونُذرٍ، وأهل أعمار طوال، وأصحاب صبرٍ وعزمٍ، وما أشبه ذلك. ومقام التسلية والنظم المعجز يقتضيان ذلك، وبيانه: أن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاءِ﴾ مؤذنٌ بأن طلبهم هذا مما اغتم به حبيب الله صلوات الله وسلامه عليه؛ ولذلك أوقع قوله: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ جوابًا لشرط محذوف يدل عليه سياق الكلام، قال: وهو من أحاسن الحُذوفن ونحوه قول الشاعر: قالوا: خُراسان أقصى ما يُراد بنا … ثم القفول، فقد جئنا خراسانا أي: إن صح ما قلتم: إن خراسان المقصد فقد جئناه وأين لنا الخلاص؟ ومن ثم قدر: "إن استكبرت ما سألوه فقد سألوا موسى أكبر من ذلك"، ثم عد قبائحهم، ونعى عليهم غيهم وعنادهم، ولما فرغ من ذلك أتى بنوع آخر من التسلية متضمنًا للاحتجاج، مخاطبًا به حبيبه صلوات الله عليه وسلامه، وآثر صيغة التعظيم تعظيمًا للوحي والمُوحى إليه قائلًا: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ أي: لك أسوةٌ بالأنبياء السالفة فتأس بهم، ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]؛ لأن شأن وحيك كشأن وحيهم، فبدأ بذكر نوح ﵊؛ لأنه أول نبيٍّ قاسى الشدائد من الأمة، وعطف عليه النبيين من بعده وخص منهم إبراهيم إلى داود ﵇ تشريفًا لهم وتعظيمًا لشانهم، وترك ذكر موسى ﵊ ليُبرزه مع ذكرهم بقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ على نمط أعم من الأول؛ لأن قوله: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْك
[ ٥ / ٢٣١ ]
و"نبأنا" وما أشبه ذلك. أو بما فسره (قصصناهم). وفي قراءة أبيّ: (ورسل قد قصصناهم عليك من قبل ورسل). وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب: أنهما قرءا: (وَكَلَّمَ اللَّهُ) بالنصب. ومن بدع التفاسير أنه من الكلم، وأن معناه وجرّح اللَّه موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن. (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ): الأوجه أن ينتصب على المدح. ويجوز انتصابه على التكرير. فإن قلت: كيف يكون للناس على اللَّه حجة قبل الرسل، وهم محجوجون بما نصبه اللَّه من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة، والرسل
_________________
(١) ـ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ﴾ من التقسيم الحاضر مزيدًا لشرفه واختصاصه بوصف التكلم دونهم، أي: رسلًا فضلهم واختارهم وآتاهم الآيات البينات والمعجزات الباهرات إلى ما لا يُحصى، وخص موسى بالتكليم؛ ولذلك اختير في ﴿رُسُلًا﴾ أن يكون مطلقًا، وثلث ذكرهم على أسلوب يجمعهم في وصف عام على جهة المدح والتعظيم سار في غيرهم، وهو ونهم مبشرين ومنذرين، وجعلهم حجة الله على خلقه طُرًّا لقطع معاذيرهم، فيدخل في هذا القسم كل من دعا إلى هدى وبشر وأنذر كالعلماء؛ فظهر من هذا التقدير طبقات الداعين إلى الله بأسرهم، فالآية بدلالة عبارتها صريحة في التسلية؛ لأن الخطاب بقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ مطابق لقوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٥٣]، وقد سبق أن وروده للتسلية، وبدلالة إشارتها مبنية على الاحتجاج؛ ولذلك قال: "واحتجاج عليهم بأن شأنه في الوي كشأن سائر الأنبياء". قوله: (ومن بدع التفاسير)، وإنما كان بدعًا لأن الكلام على ما سبق واردٌ في شان الوحي والكتاب المنزل؛ فلا يدخل فيه هذا المعنى. قوله: (الوجه أن ينتصب على المدح)، يعني: في نصب ﴿رُسُلًا﴾ وجهان؛ أحدهما: التكرير، وهو أن يعلق به ثانيًا ما لم يعلق به أولًا من المعنى، وثانيهما: النصب على المدح، وأنت تعلمُ أن الشرط فيه أن يكون الممدوح مشهورًا معروفًا بصفات الكمال، ويكون هذا الوصف المذكور منتهى في بابه، فكم بين الاعتبارين! قوله: (وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة)
[ ٥ / ٢٣٢ ]
في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة، ولا عرف أنهم رسل اللَّه إلا بالنظر فيها؟ قلت: الرسل منبهون عن الغفلة، وباعثون على النظر، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد، مع تبليغ ما حملوه من تفضيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع، فكان إرسالهم إزاحة للعلة وتتميما لإلزام الحجة، لئلا يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولًا فيوقظنا من سنة الغفلة، وينبهنا لما وجب الانتباه له. وقرأ السلمي: (لكنّ اللَّه يشهد) بالتشديد. فإن قلت: الاستدراك لا بدّ له من مستدرك فما هو في قوله: (لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ)؟ قلت: لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء، وتعنتوا بذلك، واحتج عليهم بقوله: (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) قال: (لَكِنِ اللَّه يَشْهَدُ)، بمعنى: أنهم لا يشهدون، ولكن اللَّه يشهد. وقيل: لما نزل (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ)، قالوا: ما نشهد لك بهذا، فنزل: (لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ). ومعنى شهادة اللَّه بما أنزل إليه: إثباته لصحته بإظهار المعجزات، كما تثبت الدعاوى بالبينات. وشهادة الملائكة: شهادتهم بأنه حق وصدق. فإن قلت: بم يجابون لو قالوا: بم يعلم
_________________
(١) ـ الانتصاف: مذهبهم في التحسين والتقبيح يجرهم إلى إثبات أحكام الله تعالى بمجرد العقل من غير بعثة رسل، فيجبون ويحرمون ويبيحون، ومما أوجبوه النظر في أدلة التوحيد قبل الشرع، ومن تركه ترك واجبًا واستحق العقاب وقامت عليه الحجة، فإذا تليت عليهم هذه الآية وشهدت عليهم أن الحجة إنما قامت على الخلق بالأحكام الشرعية حرفوا النص وقالوا: الرسل تتمم حجج الله وتنبه على ما يوجبه العقل قبل بعثتهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وربما أشكل هذا الفصل على من طالعه من كلام الزمخشري؛ لأن المعرفة والتوحيد طريقهما العقل لا النقل، لكن المعرفة متلقاة من العقل والوجوب متلقى من الشرع والنقل المحض. قوله: (من تبليغ ما حُملوه) حال من فاعل "منبهون" أي: الرسل منبهون على دليل العقل حال كونهم مصاحبين دليل النقل.
[ ٥ / ٢٣٣ ]
أن الملائكة يشهدون بذلك؟ قلت: يجابون بأنه يعلم بشهادة اللَّه؛ لأنه لما علم بإظهار المعجزات أنه شاهد بصحته علم أن الملائكة يشهدون بصحة ما شهد بصحته؛ لأنّ شهادتهم تبع لشهادته. فإن قلت: ما معنى قوله: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)، وما موقعه من الجملة التي قبله؟ قلت: معناه أنزله ملتبسًا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره،
_________________
(١) ـ قوله: (معناه: أنزله ملتبسًا بعلمه الخاص). اعلم أن هذا المقام مما يُحتاج فيه إلى تدقيق نظر لتفصيل الوجوه وامتياز بعضها من بعض، فقوله: ﴿بِعِلْمِهِ﴾ إما أن يُجري على المجاز، أو على الحقيقة، والجار والمجرور على الأول حالٌ من المفعول، ويحتمل أمرين في الثاني: أما المعنى على الوجه الأول فهو ما ذكره "أنزله ملتبسًا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره"، فالعلم على هذا مجاز من التأليف على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ، والعلاقة هي النسبة التي بين الفاعل والفعل؛ لأن الفاعل المتقن الحكيم لا يصدر منه إلا الفعل المحكم البديع، ولا ارتياب في أن مثل هذا العلم الخاص يصلح أن يشهد الله تعالى به على صحة الدعوى؛ ولهذا كان قوله: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ بيانًا للشهادة؛ حيث قال: "وأن شهادته بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدرة"، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]: "أي: فأتوا بسورة من مثل القرآن في البيان الغريب، وعلو الطبقة في حسن النظم". وعلى الوجه الثاني: الجار والمجرور: إما حال من الفاعل؛ فالمعنى "أنزله وهو عالمٌ بأنك أهل لإنزاله إليك" لأنك من أولي العزم لا تألوا جهدًا في تبليغه، وإليه الإشارة بقوله: "وأنك مبلغه"، ويمكن أن يقال: أنزله وهو عالمٌ بأنك أهل لأن ينزل علي وأن يتحدى بمثل لونك رجلًا أميًا لم تقرأ الكتب وما باشرت العلماء على منوال ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ﴾ [البقرة: ٢٣] من مثل محمد، أي: ممن هو على حاله من كونه بشرًا عربيًا أميًا، أو من المفعول، فالمعنى "أنزله ملتبسًا بما علم من المصالح مشتملًا عليه"، فقوله: "مشتملًا عليه" بدل
[ ٥ / ٢٣٤ ]
وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان. وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة؛ لأنه بيان للشهادة، وأن شهادته بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدرة. وقيل: أنزله وهو عالمٌ بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه. وقيل: أنزله مما علم من مصالح العباد مشتملا عليه. ويحتمل: أنه أنزله وهو عالم به، رقيبٌ عليه، حافظ له من الشياطين برصدٍ من الملائكة، والملائكة يشهدون بذلك كما قال في آخر سورة الجنّ، ألا ترى إلى قوله: (وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ) [الجن: ٢٨]؟ والإحاطة بمعنى العلم. (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا) وإن لم يشهد غيره؛ لأنّ التصديق بالمعجزة هو الشهادة حقًا (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ) [الأنعام: ١٩].
[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا* إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا)].
(كَفَرُوا وَظَلَمُوا): جمعوا بين الكفر والمعاصي، وكان بعضهم كافرين وبعضهم ظالمين أصحاب كبائر،
_________________
(١) ـ من الحال، والضمير المجرور لـ "ما". مثله قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١]. قوله: (ويحتمل أنه أنزله وهو عالم به) تفسيرٌ آخر، وهو أنه ضمن العلم معنى الرقيب والحافظ وجعل الجار والمجرور حالًا من الفاعل، وقرينة التضمين قران العلم بشهادة الملائكة؛ لأنه حينئذ على وزان قوله في سورة الجن: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧، ٢٨]؛ ومن ثم قال: "رقيب عليه برصد من الملائكة، والملائكة يشهدون"، وعلى هذين الوجهين ﴿أَنزَلَهُ﴾ لا يكون بيانًا كما في الوجهين السابقين؛ بل يكون تكريرًا لتعلق ما به عُلق. قوله: (أو كان بعضهم كافرين وبعضهم ظالمين) يريد أنه من باب قول حسان:
[ ٥ / ٢٣٥ ]
لأنه لا فرق بين الفريقين في أنه لا يغفر لهما إلا بالتوبة وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا لا يلطف بهم
_________________
(١) ـ فمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء أي: ومن يمدحه فحذف الموصول. قوله: (لأنه لا فرق بين الفريقين). الإنصاف: عدل عن الظاهر لعقيدته، والآية تنبو عنه؛ لأنه جعل الكفر والظلم كليهما صلة فيلزم وقوع الفعلين جميعًا من كل واحد من أفراده، فإذا قلت: الزيدون قاموا فقد أسندت القيام لكل واحد، وكذلك إذا عطفت عليه، وقيل: لو كان المراد ما قال لقيل: الذين كفروا والذين ظلموا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢]. وقلت: وأما قضية النظم فإن الاستدراك في قوله: ﴿لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦] مُنادٍ بأن الخطب قد بلغ الغاية وأن المنكرين قد جاوزوا حد العناد، ويؤيده قول المصنف: "لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء وتعنتوا بذلك واحتج عليهم بقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣] قال: ﴿لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ بمعنى أنهم لا يشهدون لكن الله يشهد"، فدل هذا على أن الحجة أفحمتهم، ولم يبق في أيديهم سوى العناد ولبس طريق الحق والصد عن سبيل الله؛ لأنهم أهل الكتاب، فحينئذ اتجه لسائل أن يقول: فما حكم الله على أولئك البعداء؟ فقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾، وكرر ذلك ليُناط به قوله: ﴿لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ مزيدًا لذلك النعي، ليؤذن بأنهم متعنتون مكابرون واضعون الشيء في غير موضعه مستوجبون لكل نكال وإهانة؛ ولذل عم الخطاب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠] تنبيهًا لهم على الحث في النظر وتعريضًا بأن أهل الكتاب ما تابعوا الحق وما التفتوا إلى الدليل وركبوا متن الباطل واللجاج، فإذا لا مدخل لحكاية أصحاب الكبائر في هذا النص.
[ ٥ / ٢٣٦ ]
فيسلكون الطريق الموصل إلى جهنم. أو لا يهديهم يوم القيامة طريقا إلا طريقها (يَسِيرًا)، أي: لا صارف له عنه.
[(يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا* يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا)].
(فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ) - وكذلك (انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ) - انتصابه بمضمر، وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث، علم أنه يحملهم على أمر فقال: (خَيْرًا لَكُمْ) أي: اقصدوا، أو ائتوا أمرًا خيرًا لكم مما أنتم فيه من الكفر
_________________
(١) ـ قوله: (فيسلكون الطريق الموصل إلى جهنم) هذا على أن الهدى هي الدلالة الموصلة إلى البُغية، وهي على سبيل التهكم من باب قوله: تحية بينهم ضربٌ وجيع وقوله: (أولًا يهديهم يوم القيامة) على أن الهداية مجرد الدلالة. قوله: (لا صارف له عنه) أي: لله تعالى عن ذلك، أي: عن عدم الغفران وعن الهداية إلى طريق جهنم. قوله: (أي: اقصدوا أو ائتوا أمرًا خيرًا لكم). قال الزجاج: اختلفوا في نصب ﴿خَيْرًا﴾، قال الكسائي: انتصب لخروجه من الكلام، يقال في الكلام التام: لتقومنخيرًا لكن وانته خيرًا لك، بالنصب، وفي الناقص يقال: إن تنته خيرٌ لك، بالرفع. وقال الفراء: انتصب
[ ٥ / ٢٣٧ ]
والتثليث. وهو الإيمان والتوحيد. (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ): غلت اليهود في حط المسيح عن منزلته، حيث جعلته مولودا لغير رشدة، وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلها. (وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ): وهو تنزيهه عن الشريك والولد. وقرأ جعفر بن محمد: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ) بوزن السكيت. وقيل لعيسى: كلمة اللَّه) وكلمةٌ منه؛ لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير، من غير واسطة أب ولا نطفة. وقيل: له روح اللَّه وروح منه لذلك؛ لأنه ذو روحٍ وجد من غير جزء من ذى روح، كالنطفة المنفصلة من الأب الحيّ، وإنما اخترع اختراعًا من عند اللَّه وقدرته خالصةً. ومعنى (أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ): أوصلها إليها وحصلها فيها (ثَلاثَةٌ) خبر مبتدأٍ محذوف، فإن صحت الحكاية عنهم أنهم يقولون: هو جوهر واحد ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، وأنهم يريدون بأقنوم الأب الذات، وبأقنوم الابن العلم، وبأقنوم روح القدس: الحياة، فتقديره اللَّه ثلاثة وإلا فتقديره: الآلهة ثلاثة،
_________________
(١) ـ بـ ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ لأنه متصل بالأمر وهو من صفته، ألا ترى إلى قولك: انته هو خيرٌ لك، فلما أسقطت هو اتصل بما قبله؟ قال الزجاج لم يبين الفراء ولا الكسائي أنه من أي المنصوبات هو، وقال الخليل وجميع البصريين: هذا محمول على المعنى؛ لأنك إذا قلت: انته خيرًا لك؛ فأنت تدفعه عن أمر وتدخله في غيره، كأنك قلت: انته وائت خيرًا لك أو: ادخل فيما هو خيرٌ لك. قلت: كلام المصنف مبني على هذا المذهب! وقيل: التقدير: انتهوا يكن خيرًا لكم. قوله: (اخترع اختراعًا). الأساس: اخترع الله الأشياء: ابتدعها من غير سبب، كأنه لم يجعل الأمر سببًا في الوجود؛ ولهذا أكده بقوله: "وقدرته خالصة"، وهي حالٌ من قدرته. قوله: (وإلا فتقديره: الآلهة ثلاثة) أي: إن لم تصح الرواية فتقديره: الآلهة ثلاثة: الله،
[ ٥ / ٢٣٨ ]
والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن اللَّه والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، وأنّ المسيح ولد اللَّه من مريم. ألا ترى إلى قوله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [المائدة: ١١٦]، (وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) [التوبة: ٣٠]. والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون: في المسيح لاهوتية وناسوتية من جهة الأب والأم. ويدل عليه قوله: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)، فأثبت أنه ولد لمريم اتصل بها اتصال الأولاد بأمّهاتها، وأن اتصاله باللَّه عز وعلا من حيث أنه رسوله وإنه موجود بأمره وابتداعه جسدًا حيًا من غير أب، فنفى أن يتصل به اتصال الأبناء بالآباء، وقوله: (سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ). وحكاية اللَّه أوثق من حكاية غيره.
_________________
(١) ـ وعيسى، وروح القدس. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، يعني: أنهم مستوون في الإلهية، ويقال في العرف عند إلحاق اثنين بواحد في وصف: هم ثلاثة، أي: إنهما شبيهان له. قوله: (والذي يدل عليه) يعني: حُكي عن النصارى المذهبان، والذي يدل عليه القرآن المذهب الثاني. قوله: (ويدل عليه قوله) أي: على أنهم يقولون في المسيح اللاهوتية والناسوتية؛ رده الله بـ ﴿إِنَّمَا﴾، فإنه من القصر الإفرادي، نفي بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أحد ما أثبتوه وهو اللاهوتية، وقصر الحكم على الآخر وهو الناسوتية بقوله: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ عطف على قوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ﴾. قوله: (وحكاية الله أوثق) متعلق بقوله: "والذي يدل عليه القرآن" أي: والحال أن حكاية الله أوثق من حكاية غيره، أي: ما حكى الله عنهم من القول بالذوات دون الأقانيم، والجُمل التي توسطت بين الحال وعاملها معترضة. اعلم أن الحكيم الفاضل يحيى بن عيسى بن جزلة صاحب "المنهاج في الطب" كان نصرانيًا، وبعدما أسلم وحسن إسلامه صنف رسالة ردًا على النصارى، وقال فيها: زعمت النصارى أن الله تعالى جوهر واحد، ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح
[ ٥ / ٢٣٩ ]
ومعنى (سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ): سبحه تسبيحًا من أن يكون له ولد. وقرأ الحسن: إن يكون، بكسر الهمزة ورفع النون، أي: سبحانه ما يكون له ولد، على أنّ الكلام جملتان. (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ): بيانٌ لتنزهه عما نسب إليه، يعنى أنّ كل ما فيهما خلقه وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزأ منه؟ على أن الجزء إنما يصح في الأجسام، وهو متعالٍ عن صفات الأجسام والأعراض. (وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا) يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغنى عنهم وهم الفقراء إليه.
[(لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) ١٧٢].
_________________
(١) ـ القدس، فإنه واحد في الجوهر مختلف بالأقانيم، وقال بعضهم: إنها أشخاص وذوات، وقال بعضهم: إنها خواص، فإن أقنوم الأب الذات، وأقنوم الابن هو الكلمة، وهي العلم وإنها لم تزل متولدة من الأب لا على سبيل التناسل، بل كتوليد ضياء الشمس عن الشمس، وأقنوم روح القدس هو الحياة، وأنها لم تزل فائضة من الأب والابن، واختلفوا في الاتحاد، فقالت اليعقوبية: إنها بمعنى الممازجة، كمُمازجة النار بالفحمة، فالجمرة ليست نارًا خالصة ولا فحمة، وهذا موافق لقولهم: إن الله تعالى نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانًا؛ ولذلك قالوا: المسيح جوهر من جوهرين، وأقنوم من أقنومين. وقلت: هذا هو القول باللاهوت والناسوت. وقال الحكيم: فظاهر قول نسطور: أن الاتحاد على معنى المساكنة؛ وأن الكلمة جعلته محلًا، ولذلك قالوا: جوهران، أقنومان، على غير ذلك من الأقوال، وإذا كان هذا الاختلاف ثابتًا في فرق النصارى منقولًا عنهم يصح حينئذ أن يُراد من قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أي: ولا تقولوا: وجوهر واحد، ثلاثة أقانيم، وأن يُراد من قوله: ﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] الذوات الثلاث، وأن يُراد بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقوله سبحانه: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ القول باللاهوت والناسوت؛ وذلك أن الله تعالى حكى في كل مكان حكاية فرقة من فرقهم، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون﴾ [الصافات: ١٨٠].
[ ٥ / ٢٤٠ ]
(لَن يَسْتَنْكِفَ): لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة من نكفت الدمع. إذا نحيته عن خدك بإصبعك (ولَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ): ولا من هو أعلى منه قدرًا،
_________________
(١) ـ قوله: (ولن يذهب بنفسه عزة) كناية عن عدم التكبر؛ لأن المتكبر هو الذي يضع نفسه فوق منزلتها ويذهب بها عن طورها فلا ينقاد لأحد. الراغب: العبودية متضمنة للمذلة إذا اعتبرت بغير الله، وإذا اعتبرت بالله كانت مقر الشرف؛ فلهذا لا استنكاف منها، والاستكبار طلب التكبر بغير استحقاق، والتكبر قد يكون باستحقاق؛ وذلك إذا كان طلبًا لعزة النفس والتلطف عن الأعراض الدنيوية، والفرق بينهما: أن الاستنكاف تكبر في تركه أنفة، وليس في الاستكبار ذلك. قوله: (ولا من هو أعلى منه قدرًا). قال محي السنة: يستدل بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية؛ لأن الله ارتقى من عيسى إلى الملائكة ولا يرتقي إلا إلى الأعلى؛ إذ لا يقال: لا يستنكف فلان من كذا ولا عبده، وإنما يقال: ولا مولاه. ولا حجة لهم فيه؛ لأنه لم يقل ذلك رفعًا لمقامهم على مقام البشر، بل ردًا على الذين يقولون: الملائكة آلهة، كما رد على النصارى قولهم: المسيح ابن الله، ونحوه عن صاحب "الفرائد". وقال القاضي: الآية رد على عبدة المسيح والملائكة فلا يتجه ذلك وإن سُلم اختصاصها بالنصارى؛ لأن الكلام فيهم، فلعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير دون التكبير، كقولك: أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس، وإن أراد به التكبير فغايته تفضيل المقربين من الملائكة- وهم الكروبيون - على المسيح من الأنبياء؛ وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقًا والنزاع فيه. وقال صاحب "التقريب": المثال لا يصحح به الكُلِّي، لأنه إنما يدل لسبق العلم بزيادة البحر على حاتم، أما إذا قلت: لا يفعله زيدٌ ولا عمرو، لم يفهم التفضيل؛ فدلالتها على
[ ٥ / ٢٤١ ]
وأعظم منه خطرًا، وهم الملائكة الكروبيون الذين حول العرش، كجبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن في طبقتهم. فإن قلت: من أين دلّ قوله: (ولَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) على أنّ المعنى: ولا من فوقه؟ قلت: من حيث أنّ علم المعاني لا يقتضي غير ذلك،
_________________
(١) ـ تفضيل الملائكة تتوقف على معرفة أفضليتهم وبالعكس فيدور؛ ولأن الواو لا توجب الترتيب، ولأنه يدل على أن جميع الملائكة أفضل لأنها جمع معرف فيفيد العموم لا أن كل واحد أفضل وهو المطلوب، وإن ادعى أنه ذوقي وجداني فالوجدانيات لا يستدل بها على الخصم. وقلت: الجواب الصحيح أن يقال: إن قوله: "أن الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى" فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أرفع درجة؛ لأن هذا الرد غنما يتمشى معهم وينتهض للحجة عليهم إذا سلموا أن الملائكة أفضل من عيسى ﵊، ودونه خرط القتاد! فكيف والنصارى يرفعون درجته إلى الإلهية؟ قوله: (وهم الملائكة الكروبيون). قال في "الفائق": الكروبيون سادة الملائكة، منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، هم المربون، وكرب: إذا قرب، قال أمية بن أبي الصلت: كروبية منهم ركوع وسُجد قوله: (إن علم المعاني لا يقتضي غير ذلك)، هذا الحصر ممنوعٌ، وغايته أنه باب الترقي، وتقريره ما ذكره الإمام، قال: رُوي أن وفد نجران، وساق القصة بتمامها كما في الكتاب، وقال: معناه: أنكم إن استنكفتم عن أن يكون عيسى عبد الله، وتزعمون أنه ابن الله أو كما قالوا؛ بسبب أنه كان يخبر عن المغيبات ويأتي بخوارق العادات من إحياء الموتى؛ فإن اطلاع الملائكة على المغيبات أكثر، وقدرتهم على التصرف في هذا العالم أشد؛ وكيف لا وجبريل ﵊ قلع مدائن لوط بريشة واحدة من جناحه؟ وأيضًا، إنكم
[ ٥ / ٢٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ إنما تتخذون عيسى ربًا وإلاها؛ لأنه وُجد بغير أب، فالملائكة أولى لأنهم وُجدوا بغير أب وأم، وإذا كانوا مع هذا لا يستنكفون فالمسيح أولى. وقلت: والذي يقتضيه النظم أن يكون الأسلوب من باب التتميم والمبالغة لا الترقي؛ وذلك أن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إثبات للتوحيد على القصر، وتقرير لصفة الفردانية على الوجه الأبلغ؛ لأن المعنى: ما الله إلا واحد فردٌ في الإلهية لا شريك له فيها، ولا يصح أن يسمى غيره إلهًا، وأن قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ إثبات لصفة المالكية والخالقية على الاختصاص أيضًا؛ وذلك بتقديم الظرف على المبتدأ، وفيه أن ما سواه مملوكه تحت تصرفه وتدبيره ومن جملته المسيح والملائكة وكل ما عُبِدَ من دون الله، وأن قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ إثبات لكمال قدرته على الاختصاص أيضًا، وبيان أن غيره غيرُ مستقل بنفسه وأن أموره موكولة إليه لا إلى غيره، ثم إنه تعالى لما قرر الفردانية والمالكية والقدرة التامة، كل ذلك على الاختصاص- أتبعه قوله: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ إلى آخر الآيات؛ بيانًا وتذييلًا وتقريرًا لاستحقاقه العبودية وإنكار أن أحدًا يستنكف ويستكبر عن عبادته، المعنى: لا يستقيم بعد هذا التقرير أن يتصور أن أحدًا يستكبر على الله ويستنكف عن عبوديته، المعنى: لا يستقيم بعد هذا التقرير أن يُتصور أن أحدًا يستكبر على الله ويستنكف عن عبوديته: لا الذي تتخذونه أنتم أيها النصارى إلها لكمال فيه، ولا من اتخذه غيركم من الملائكة لقربهم من الله. وإنما قلنا: لكمال فيه؛ لأن في تصريح ذكر المسيح بعد سبق ذكره من قوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ إشعارًا بالعلية. وأيضًا، قد تقرر أن المعرف إذا أعيد كان الثاني عين الأول؛ وإذا كان كذلك يحصل بين تخصيص ذر الروح وبين ذكر المقرب فرقٌ، وهذا هوا لجواب عن قوله الآتي: "ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة تخصيص المقربين"، وبهذا البيان ظهر أن ذكر الملائكة المقربين للاستطراد- كما قال محيي السنة - لم يقل رفعًا لمقامهم على مقام البشر؛ بل ردًا على الذين يقولون: الملائكة آلهة، كما رد على
[ ٥ / ٢٤٣ ]
وذلك أنّ الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوّهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية، فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أرفع منه درجةً، كأنه قيل: لن يستنكف الملائكة المقرّبون من العبودية، فكيف بالمسيح؟ ويدل عليه دلالة ظاهرةً بينة تخصيص المقرّبين؛ لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلةً. ومثاله قول القائل:
وَمَا مِثْلُهُ مِمَّنْ يُجَاوِدُ حَاتِمٌ … وَلَا الْبَحْرُ ذُو الْأَمْوَاجِ يَلْتَجُّ زَاخِرُهْ
لا شبهة في أنه قصد بالبحر ذى الأمواج: ما هو فوق حاتم في الجود. ومن كان له ذوق فليذق مع هذه الآية قوله: (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى) [البقرة: ١٢٠]
_________________
(١) ـ النصارى، وتبين بقوله: ﴿وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ الآية، أن الكلام في العبودية ونفي الاستنكاف لا الأفضلية؛ لكونه تذييلًا للكلام السابق. قوله: (وما مثله ممن يجاود) البيت، أي: وما مثله حاتمٌ مما يجاود، وقيل: الصواب: وما مثله ممن يجاوده حاتم، أي: لا يقدر حاتم على مجاودة مثل الممدوح، وجاودت الرجل، من الجود، مثل: ما جدته من المجد، التج البحر: ارتفع. قوله: (فليذق مع هذه الآية) أي: ليجرب الفكر ليعلم أن الفرق بينهما في معنى الأفضلية. أما الموازنة بين الاثنين فهي أن قوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى﴾ [البقرة: ١٢٠] كلام واردٌ في انتفاء الرضا عن الفريقين على المبالغة؛ نفي الرضا أولًا عمن هو أبعدُ في الرضا وهم اليهود، ثم عمن هو أقرب إليه وهم النصارى، على معنى: لا يرضى عنك من هو أقرب إلى الرضا وهم النصارى، فكيف بمن هو أبعد منه؟ لقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [المائدة: ٨٢]. فالمعنى على زعمه: لن يستنكف الملائكة المقربون مع جلالتهم وقرب منزلتهم من أن يكونوا عبيدًا لله، فكيف بالمسيح الذي هو دونهم؟ وقلت: قد مر أنه من باب التتميم لا الترقي.
[ ٥ / ٢٤٤ ]
حتى يعترف بالفرق البين. وقرأ علىّ ﵁: عُبيدًا للَّه، على التصغير.
وروي: أن وفد نجران قالوا لرسول اللَّه ﷺ: لم تعيب صاحبنا؟ قال: "ومن صاحبكم" قالوا: عيسى، قال: وأى شيء أقول؟ قالوا: تقول: إنه عبد اللَّه ورسوله، قال: "إنه ليس بعارٍ أن يكون عبدًا للَّه". قالوا: بلى، فنزلت: أي: لا يستنكف عيسى من ذلك فلا تستنكفوا له منه، فلو كان موضع استنكافٍ لكان هو أولى بأن يستنكف؛ لأنّ العار ألصق به. فإن قلت: علام عطف قوله: (ولَا الْمَلائِكَةُ)؟ قلت: لا يخلو إمّا أن يعطف على (المسيح) أو على اسم (يكون)، أو على المستتر في (عَبْدًا)؛ لما فيه من معنى الوصف لدلالته على معنى العبادة، كقولك: مررت برجلٍ عبدٍ أبوه، فالعطف على (المسيح) هو الظاهر لأداء غيره إلى ما فيه بعض انحرافٍ عن الغرض، وهو أن المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا من فوقه موصوفين بالعبودية، أو أن يعبد اللَّه هو ومن فوقه. فإن قلت: قد جعلت الملائكة وهم جماعة "عبدًا" للَّه في هذا العطف، فما وجهه؟ قلت: فيها وجهان: أحدهما: أن يراد ولا كل واحدٍ من الملائكة، أو ولا الملائكة المقرّبون أن يكونوا عبادًا للَّه، فحذف ذلك لدلالة (عبد الله) عليه إيجازًا، وأمّا إذا عطفتهم على الضمير في (عَبْدًا) فقد طاح هذا السؤال
_________________
(١) ـ قوله: (فلا تستنكفوا له) أي: لعيسى ﵊. قوله: (منه) أي: من أن يكون عبدًا. قوله: (لا يأنف أن يكون هو ولا من فوقه) هذا على أن يكون عطفًا على اسم ﴿يَكُونُ﴾، وإنما كان منحرفًا لأن إسناد عدم الاستنكاف حينئذ منه لا من الملائكة، والذي سيق له الكلام عدم استنكاف الملائكة أيضًا، قال صاحب "التقريب": وجود "لا" في المعطوف يستدعي العطف على المسيح؛ لأنه المنفي أولًا. قوله: (طاح) أي: سقط هذا السؤال؛ لأن ﴿يَكُونُ﴾ يدل على معنى العبادة، كأنه قيل: أن تعبد الله؛ لأن فعل الجماعة يوجد متقدمًا عليها.
[ ٥ / ٢٤٥ ]
قرئَ: (فسنَحْشُرُهُمْ) بضم الشين وكسرها وبالنون.
[(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا* يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا* فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا)].
فإن قلت: التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصل على فريق واحد. قلت: هو مثل قولك: جمع الإمام الخوارج، فمن لم يخرج عليه كساه وحمله، ومن خرج عليه نكل به، وصحة ذلك لوجهين، أحدهما: أن يحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه، ولأنّ ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني، كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب هذا: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ). والثاني: وهو أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم، فكان داخلًا في جملة التنكيل بهم، فكأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر، فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب اللَّه. البرهان والنور المبين: القرآن. أو أراد بالبرهان دين الحق أو رسول اللَّه ﷺ. وبالنور المبين: ما يبينه ويصدقه من الكتاب المعجز (فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ): في ثواب مستحق وتفضل (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ): إلى عبادته (صِراطًا مُسْتَقِيمًا): وهو طريق الإسلام. والمعنى: توفيقهم وتثبيتهم.
_________________
(١) ـ قوله: (فسنحشرهم) القراءتان شاذتان، والمشهور بالياء وضم الشين. قوله: (والثاني، وهو أن الإحسان) حاصله أن قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ وعيد للمستنكفين بالعذاب، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ﴾ تفصيلٌ للعذاب، فصله بنوعي العذاب؛ أحدهما: النكال، وثانيهما: عذاب الحسرة وشماتة الأعداء، وحاصل الجوابين أن قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ من اللف، إما على الحذف، أو على التضمين.
[ ٥ / ٢٤٦ ]
[(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)].
روي: أنه آخر ما نزل من الأحكام. كان رسول اللَّه ﷺ في طريق مكة عام حجة الوداع، فأتاه جابر بن عبد اللَّه فقال: إنّ لي أختًا فكم آخذ من ميراثها إن ماتت؟ وقيل: كان مريضًا فعاده رسول اللَّه ﷺ فقال: إني كلالة، فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ): ارتفع (امرؤًا) بمضمر يفسره الظاهر، ومحل (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) الرفع على الصفة لا النصب على الحال، أي: إن هلك امرؤ غير ذي ولد، والمراد بالولد
_________________
(١) ـ قوله: (روي أنه آخر ما نزل من الأحكام) روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن البراء قال: آخر آية نزلت آية الكلالة، وآخر سورة نزلت سورة براءة. وأما حديث جابر فرواه الشيخان وغيرهما، قال: مرضت فأتاني رسول الله ﷺ يعودني وأبو بكر ﵁ وهما ماشيان، وفي رواية: وعندي سبع أخوات، فأفقت، فقلت: يا رسول الله، ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: "أحسن"، قلت: بالشطر؟ قال: "أحسن"، ثم خرج، وقال: "يا جابر، قد أُنزل فبين الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين"، وكان جابر يقول: أنزلت في هذه الآية. قوله: (لا النصب على الحال)؛ لأن ذا الحال نكرة غير موصوفة، فإن ﴿هَلَكَ﴾ مفسر للفعل المحذوف لا صفة. قوله: (والمراد بالولد الابن) إلى آخره، قيل: الأولى أن يُجرى الولد على عمومه ليشمل الابن والبنت؛ فإن الأخت مع وجود البنت الواحدة ترث بالعصوبة لا لخصوصية كون
[ ٥ / ٢٤٧ ]
الابن وهو اسم مشترك يجوز إيقاعه على الذكر وعلى الأنثى؛ لأن الابن يسقط الأخت ولا تسقطها البنت إلا في مذهب ابن عباس، وبالأخت التي هي لأب وأم دون التي لأم، لأنّ اللَّه تعالى فرض لها النصف وجعل أخاها عصبةً وقال: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء: ١١٠]، وأما الأخت للأم فلها السدس في آية المواريث مسوّى بينها وبين أخيها. (وَهُوَ يَرِثُها): وأخوها يرثها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها. (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ)، أي: ابن؛ لأن الابن يسقط الأخ دون البنت. فإن قلت: الابن لا يسقط الأخ وحده، فإن الأب نظيره في الإسقاط، فلم اقتصر على نفي الولد؟ قلت: بين حكم انتفاء الولد، ووكل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السنة،
_________________
(١) ـ النصيب نصفًا، ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾، فإن الثلثين إنما يجوزان بشرط عدم الولد لا بشرط عدم الابن فقط، والحاصل أنه تعالى فرض للأخت النصف عند عدم الولد، وهو مطرد لا إشكال في منطوقه، وأما إذا انتفى قيد عدم الولد فالحكم أيضًا ظاهر؛ لأنه إن كان له ابن وبنت فليس للأخت شيء، وإن كان له بنتان فليس لها النصف، وكذا إن كان له بنت؛ لأنها حينئذ ترث بالعصوبة كما قررنا. قوله: (وبالأخت التي هي لأب وأم أو لأب دون التي لأم) عطف على قوله: "بالولد الابن" يريد أن قوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ وإن كان مطلقًا لكنه مقيد. قال الإمام: في الآية تقييدات ثلاثة؛ أحدها: أن ظاهرها يقتضي أن الأخت تأخذ النصف عند عدم الولد، فأما عند وجود الولد فلا، وليس كذلك؛ بل شرط كون الأخت بحيث تأخذ النصف أن لا يكون للميت ابن، فإن كان له بنت؛ فالأخت تأخذ النصف أيضًا، وثانيها: أن ظاهرها يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولدٌ ووالد، فإن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع، وثالثها: أن قوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ يقتضي إطلاقها، وليس كذلك؛ بل الشرط أن لا تكون الأخت من الأم والأخ من الأم؛ لأن الله تعالى قد بين حكم كل واحد منهما.
[ ٥ / ٢٤٨ ]
وهو قوله ﷺ: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى عصبة ذكر) والأب أولى من الأخ، وليسا بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة، ويجوز أن يدل حكم انتفاء الولد على حكم انتفاء الوالد؛ لأن الوالد أقرب إلى الميت من الوالد، فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب فأولى أن يرث عند انتفاء الأبعد؛ ولأن الكلالة تنتاول انتفاء الوالد والولد جميعا، فكان ذكر انتفاء أحدهما دالا على انتفاء الآخر. فإن قلت: إلى من يرجع ضمير التثنية والجمع في قوله: ﴿فإن كانتا اثنتين﴾، ﴿وإن كانوا إخوة﴾؟ قلت: أصله: فإن كان من يرث بالأُخُوة اثنتين، وإن كان من يرث بالأخوة ذكورا وإنانا، وإنما قيل: ﴿فإن كانتا﴾ و(إن كانوا) كما قيل: من كانت أمك، فكما أنث ضمير (من) لمكان تأنيث الخبر، كذلك ثني وجمع ضمير من يرث في ﴿كانتا﴾ و﴿كانوا﴾؛ لمكان تثنية الخبر وجمعه. والمراد بالإخوة: الإخوة والأخوات؛ تغليبا لحكم الذكورة.
_________________
(١) ـ قوله: (فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب فأولى أن يرث عند انتفاء الأبعد)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، ووجه النظر أن طريقة الأولوية غنما تحسن في الإثبات هنا، كما تقول: إذا ورث عند وجود الابن فلأن يرث عند وجود الأب أولى؛ لأنه أبعد عن الابن، وأما في النفي فلا؛ لأن الحك كما ثبت بانتفاء الصارف القوي لا يلزم أن يثبت بانتفاء الضعيف. وقلت: يمكن أن يقال: إن أصل الكلام: يستفتونك في الكلالة قل الله يفتيكم فيها إن امرؤ هل يورث كلالة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ [النساء: ١٢]، ولا يخفى أن الكلالة هو: من لا يخلف أحد عمودي النسب - أعني الوالد والولد - فخص الولد بالذكر دلالة على انه الأولى في هذا المعنى من الأب ومراعاة جانبه أحرى. قوله: (تغليبًا) هو مفعول له؛ لأن قوله: والمراد في معنى قولك: أراد بالإخوة؛ فهو فعلٌ لفاعل الفعل المعلل، فحذف اللام، ويجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا، أي: غلب حكم الذكورة تغليبًا.
[ ٥ / ٢٤٩ ]
(أَنْ تَضِلُّوا) مفعول له. ومعناه: كراهة أن تضلوا.
_________________
(١) ـ قوله: (ومعناه كراهة أن تضلوا)، قال الإمام: قال البصريون: المضاف محذوف. أي: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وقال الكوفيون: حرف النفي محذوف؛ أي: يبين الله لكم لئلا تضلوا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] أي: لئلا تزولا. وقال الزجاج: إن "لا" تُضمر؛ لأن حذف حرف النفي لا يجوز ولكن يراد للتوكيد، ويجوز حذف المضاف، وهو كثير. وقال الجرجاني صاحب "النظم": يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتجتنبوها. الراغب: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: لترجعوا إلى كتابه إذا جهلتم فتعلموا منه، أي: يبين الله لكم ضلالكم الذي من شأنكم أن تُنجزوه إذا تُركتم وشأنكم، ومن تبين له الضلالة تبين له الحق؛ فإن معرفة أحدهما مضمن لمعرفة الآخر، ولا يتم من دونه، وقد قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾، بل هذا أبلغ من قولهم: يبين الله لكم أن لا تضلوا؛ لأن في معرفة الشر معرفة الخير، وليس في معرفة الخير المعرفتان جميعًا، فالإنسان إذا تُرك عن المزاجر والنواهي ولم يؤخذ بمقتضى العقل صار بالطبع بهيمة. وقلت: النظم مع صاحب النظم؛ لأن هذه الخاتمة ناظرة على الفاتحة، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [النساء: ١]، فإن براعة الاستهلال دلت إجمالًا على أنهم كانوا على أمور يجب اجتنابها وضلالة أن يُتقى منها؛ ومن ثم فصلت أولًا بقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]؛ قال المصنف: "كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله تعالى ومع ذلك يطمعون فيها"، وثانيًا: بقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]؛
[ ٥ / ٢٥٠ ]
عن النبي ﷺ: "من قرأ سورة النساء فكأنما تصدّق على كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ ورث ميراثًا، وأعطي من الأجر كمن اشترى محرّرًا، وبُرئ من الشرك، وكان في مشيئة اللَّه من الذين يتجاوز عنهم".
_________________
(١) ـ قال: "في الآية دليل على ضيق المسلك ووجوب الاحتياط"، وثالثًا: بقوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٥]؛ قال: "هو أمرٌ لكل أحد ألا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء"، ورابعًا: بقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧]؛ قال: "كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح"، وخامسًا: بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء: ١٠]، وسادسًا: بقوله: ﴿وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٩] الآيات؛ قال: "كانوا يبلون النساء بضروب من البلايا ويظلمونهن بأنواع من الظلم … " إلى آخره، وثامنًا: بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٣٩]، وعاشرًا: بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، وعاشرًا: بقوله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] … وهلم جرا إلى هذه الغاية؛ ومن ثم رجع عودًا إلى بدء من حديث الميراث بقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾، فظهر أن التقدير: يبين الله ضلالكم لئلا تضلوا؛ فالعلة محذوفة والمفعول مذكور على خلاف تقدير الجمهور، والله أعلم. تمت السورة بحمد الله
[ ٥ / ٢٥١ ]