مكية، وآياتها إحدى عشرة ومئة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)].
(سُبْحانَ): علم للتسبيح كعثمان للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره، تقديره: أسبح الله سبحان، ثم نزل سبحان منزلة الفعل فسد مسدّه،
_________________
(١) ـ سورة بني إسرائيل مكية، وهي مئة وإحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: «سُبْحَانَ): علم للتسبيح، كعُثمان)، الراغب: السبحُ: المر السريع في الماء، أو الهواء، يقال: سبح سبحًا وسباحةً، واستُعير لمر النجوم في الفلك، نحو: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [يس: ٤٠]، ولمجرى الفرس، نحو: (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا) [النازعات: ٣] ولسرعة الذهاب في العمل: (إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) [المزمل: ٧]. والتسبيح: أصله التنزيه للباري سبحانه، وأصله المرُّ السريع في عبادة الله، وجُعل ذلك في فعل الخير، كما جُعل الإبعادُ في الشر فقيل: أبعده الله، ثم جُعل التسبيح عامًا في العبادات، قولًا كان أو فعلًا أو نيةً،
[ ٩ / ٢٣٢ ]
ودل على التنزيه البليغ من جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداء الله و(أَسْرى) و«سرى»
_________________
(١) ـ قال تعالى: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ) [الصافات: ١٤٣]، وقال: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) [البقرة: ٣٠]، و(سُبْحَانَ): أصله مصدرٌ كغفران. قال أبو البقاء: سُبحان: اسم واقعٌ موقع المصدر، وقد اشتق منه: سبحتُ والتسبيحُ، ولا يكادُ يستعملُ إلا مضافًا؛ لأن الإضافة تبينُ من المعظم، فإذا أُفرد عن الإضافة كان اسمًا علمًا للتسبيح لا ينصرفُ للتعريف، والألف والنون في آخره مثل عثمان. وقال ابن الحاجب: والدليل على أن سُبحان علمٌ للتسبيح قولُ الشاعر: قد قلتُ لما جاءني فخره … سبحان من علقمة الفاخر ولولا أنه عَلمٌ لوجب صرفه؛ لأن الألف والنون في غير الصفات إنما يُمنع مع العلمية، ولا تستعمل علمًا إلا شاذًا، وأكثر استعماله مضافًا، وليس بعلم؛ لأن الأعلام لا تضاف. والتسبيح مصدر سبح، أي: قال: سبحان الله، ومدلول سبحان: تنزيهٌ لا لفظ، لكن ورد التسبيح بمعنى التنزيه. قوله: (ودل على التنزيه البليغ)، وذلك في جلب هذا المصدر في أصل التركيب للتوكيد، وهو أسبحُ تسبيحًا، ثم أسبح سبحانًا، ثم في حذف العامل وإقامته مقام الدلالة على أن المطلوب بالذات المصدر، والفعل تابعٌ، فيفيد الإخبار بسرعة وجود التنزيه. وأما قوله: "التنزيه البليغ من جميع القبائح التي يُضيفها إليه أعداء الله"، مما يأباه مقامُ "الإسراء" إباء العيوف الورد، وهو مزيفٌ، بل معناه التعجب، كما قال في "النور":
[ ٩ / ٢٣٣ ]
لغتان. و(لَيْلًا) نصب على الظرف. فإن قلت: الإسراء لا يكون إلا بالليل، فما معنى ذكر الليل؟ قلت: أراد بقوله (لَيْلًا) بلفظ التنكير: تقليل مدّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل
_________________
(١) ـ الأصل في ذلك أن يُسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثُرَ حتى استعمل في كل متعجب منه. قوله: (أراد بقوله: (لِيلًا) بلف التنكير: تقليل مُدة الإسراء، وأنه أسري به ﷺ في بعض الليل). قال صاحب "الفرائد": قوله: أراد بقوله: (لِيلًا) بلفظ التنكير تقليل المدة مسلمٌ، وأما قوله: "في بعض الليل"، فغيرُ مسلم؛ لأن (لِيلًا) يحتمل الكُل، لا يلزمُ البعضُ، فالبعضية بحسب العدد لا بحسب الجزء؛ ولأنه لو لم يذكر (لِيلًا) بعد الإسراء لم يُعلم مقدارُ الإسراء، لأنه يمكنُ أنه أسرى به ليالي، كقوله تعالى: (سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي) [سبأ: ١٨]. ومن قال: إن ذكره للتأكيد ليس بشيء؛ لأنه لابد من ذكره، وقراءة عبد الله وحُذيفة لو كانت بدون لام التعريف، أعني: بعض ليل، لكانت شاهدة لذلك؛ لأن بعض الليل يُمكنُ أن يكون المراد به بعض الليالي، فيكون الذي أسرى به ليلًا. وأجيب أن الاسم الحامل لمعنى التنكير محتمل لأن يكون المراد به شخصًا أو نوعًا، ويحتملُ أن يكون للتعظيم والتهويل، أو التكثير، أو التقليل، فهو إذا كاللفظ المشترك، وإنما يتبينُ معناه بقيام قرينة مبينة، فقوله: (لِيلًا) يحتملُ أحد هذه المعاني، وغنما يتعين بمقيد. ولا خلاف أن الإسراء لم يكن أكثر من ليلة، فجيء بليل وقلل ليدُل على أنها كانت في بعض من تلك الليلة المعلومة، على أن تصدير السورة بالكلمة الدالة على التعجب البليغ، مُنادٍ بحدوث أمر خارق للعادة وآية عظيمة لا يقدر عليها إلا الله ﷿، وهي كما قال: "أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة". وكذا دلالة قراءة عبد الله وحُذيفة، وما ذهب إليه أن
[ ٩ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ بعض الليل يُمكن أن يكون المراد به بعض الليالي بعيدٌ جدًا، ولا يخفى على أحدٍ أن قوله: (وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ) [الإسراء: ٧٩] ليس المراد ما قاله. وقال في "الانتصاف": وقد جرى ذكرُ الليل في موضع لا يليق به الجواب الذي ذكره الزمخشري، وهو قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ) [هود: ٨١] والظاهر أن ذكر الليل لتصوير السُّرى بصورته، أو لأن السُّرى دل على أمرين: السير وكونه ليلًا، فأفرد أحدهما بالذكر تقوية له في ذهن المخاطب، مثله قوله تعالى: (لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) [النحل: ٥١]، فإن الاسم الحامل للتثنية دالٌ عليها وعلى الجنسية، فأكد التثنية لأنها مقصودة بالإبطال كما مر. وأجيب: أن بين المقامين بونًا بعيدًا؛ لأنه ما وقع النزاع في أن عروجه صلوات الله عليه كان ليلًا أو نهارًان كما وقع في اتخاذ الإله والعدد في تلك الآية، وإنما هو بيان إبداء أمر غريب خارق للعادات. وأما قوله: (بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ) فهو له لا عليه، لأنه أتى بالليل هناك، ونُكر ليُضمن المعنى المقصود في الإيراد من التبعيض. وجيء بقوله: (مِنْ اللَّيْلِ) هنا ليبين أن البعض ما هون فهذا مقصودٌ منصوصٌ فيه البعضية، وذاك مُضمن. والحاصل أن إعادة الشيء لإناطة أمر زائد أسلوبٌ من الأساليب. وأقول- والعلمُ عند الله-: ويُمكن أن يُراد بالتنكير التعظيم والتفخيم، والمقامُ يقتضيه، ألا ترى كيف افتتحت السورة بالكلمة المنبئة عنه؟ ثُم وصف المسري به بالعبودية، ثم أردف تعظيم المكانين بالحرام وبالبرة لما حوله تعظيمًا للزمان، ثم تعظيم الآيات
[ ٩ / ٢٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … بإضافتها إلى صيغة التعظيم وجمعها ليشمل جميع أنواع الآيات، وكل ذلك شاهدُ صدقٍ على ما نحن بصدده، والمعنى: ما أعظم شأن من أسرى به بمن حقق له مقام العبودية، وحقق استئهاله للعناية وصحح له النعمة السرمدية. (لِيلًا)، أي: ليل له شأن جليل، ليلٌ دنا فيه الحبيبُ من المحبوب، وفاز في مقام الشهود بالمطلوب، (فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى* فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) [النجم: ٨ - ١١]، فحينئذ ينطبق عليه التعليل بقوله: (إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، أي: السميع بأحوال ذلك العبد، والبصير لأفعاله، العالمُ بكونها مهذبة خالصة من شوائب الهوى، مقرونة بالصدق والصفا، مُستأهلة للقرية والزلفى. ولا بُعد أن يرجع الضمير إلى العبد، كما نقل أبو البقاء عن بعضهم، قال: إنه السميع لكلامنا، والبصير لذاتنا. وأما توسيطُ ضمير الفصل فللإشعار باختصاصه بهذه الكرامة وحده. ولهذا عقبه بقوله: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ)؛ لأنه جاء مستطردًا لحديث الإسراء، وسماع الكلام ومنح القربة والزلفى، والجامع أن موسى ﵇ إنما أُعطي التوراة عند مسيره إلى الطور، وهو بمنزلة معراجه ﵇؛ لأنه هنالك شُرف بالكلام، ومُنح التكليم، وطلب الرؤية. وسيجيء في سورة النجم إن شاء الله تعالى الكلام في إثبات الرؤية لسيدنا صلوات الله عليه، وأقوال الصحابة والعلماء فيه مستوفى.
[ ٩ / ٢٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ولعل السر في مجيء الضمير مُجملًا محتملًا للأمرين: الإشارة إلى المطلوب، وأنه صلوات الله عليه وسلم إنما رأى رب العزة وسمع كلامه به. روينا في "صحيح البخاري"، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله تعالى: من عادى لي وليًا فقد آذنته بحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إليّ من أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمعُ به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، وإن استعاذني أعذته" الحديث. وفي "حقائق السُّلمي": قال ابن عطاء: طهُرَ مكانُ القربةِ وموقف الدنوِّ عن أن يكون فيه تأثير لمخلوق بحالٍ، فسار بنفسه، وسرى بروحه، وسير بسره، فلا السر عَلِمَ ما فيه الروح، ولا الروح علم ما يُشاهد السر، ولا النفس عندها شيء من خبرهما، وما هما فيه، وكل واقفٌ مع حده، مشاهدٌ للحق متلقيًا عنه بلا واسطة ولا بقاء بشرية، بل حق تحقق بعبده، فحققه وأقامه حيث لا مقام، وأوحى إليه ما أوحى جل ربنا وتعالى. وقال: قال رجل لجعفر بن محمد: صف لي المعراج، قال: كيف أصف لك مقامًا لم يسمع فيه جبريل مع عظم محله؟ وقال النصراباذي: أسقط العلل والاعتراضات بقوله: (أَسْرَى)، ولم يقُلْ: "سرى"؛ لأن القدرة تحتملُ كل شيء.
[ ٩ / ٢٣٧ ]
من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، وذلك أنّ التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية. ويشهد لذلك قراءة عبد الله
وحذيفة: (من الليل)، أي: بعض الليل، كقوله (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً)] الإسراء: ٧٩ [يعني: الأمر بالقيام في بعض الليل. واختلف في المكان الذي أسرى منه فقيل: هو المسجد الحرام بعينه، وهو الظاهر. وروي عن النبي ﷺ «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل ﵇ بالبراق وقيل: أسرى به من دار أم هانئ بنت أبى طالب والمراد بالمسجد الحرام: الحرم، لإحاطته بالمسجد والتباسه به. وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد. وروى أنه كان نائمًا في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسرى به ورجع من ليلته، وقص القصة على أم هانئ، وقال: مثل لي النبيون فصليت بهم وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانئ بثوبه فقال: مالك؟ قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم، قال: وإن كذبوني، فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله ﷺ
_________________
(١) ـ وقال بعضهم: قيل: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) فغمض عينه عن الآيات شُغلًا منه بالحق، ولم يلتفت إلى شيء من الآيات والكرامات، فقيل له: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: ٤]، حيث لم يشغلك ما لنا عنا. انتهى ما في "الحقائق". قوله: (فقيل: هو المسجد الحرام بعينه)، وهو الظاهر، لما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي النسائي، عن قتادة، عن أنس بن مالك بن صعصعة، أن نبي الله حدثهم عن ليلة أُسري به، قال: بينا أنا في الحطيم، وربما قال: في الحجر، مضطجع، ومنهم من قال: بين النائم واليقظان، إذ أتاني آتٍ، وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم، عن أنس قال: كان أبو ذر يُحدثُ أن رسول الله ﷺ قال: "فُرجَ سقفُ بيتي وأنا بمكة". قوله: (قال: "وإن كذبوني")، أي: أنا اخبرهم وإن كذبوني.
[ ٩ / ٢٣٨ ]
بحديث الإسراء، فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي، هلم فحدّثهم، فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجبًا وإنكارًا. وارتد ناس ممن كان قد آمن به، وسعى رجال إلى أبى بكر ﵁ فقال: إن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أتصدقه على ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك، فسمى الصدّيق. وفيهم من سافر إلى ما ثمّ، فاستنعتوه المسجد فجلي له بيت المقدس، فطفق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا: أمّا النعت فقد أصاب، فقالوا: أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها، وقال: "تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق"، فخرجوا
_________________
(١) ـ قوله: (هلُمَّ، فحدثهم)، أي: قال: هلُم فجاؤوا واستمعوا لحديثه فحدثهم، فالفاء فصيحة. قوله: (تعجبًا وإنكارًا)، يشير لقوله: "مصفق وواضعٌ" من غير ترتيب، وتقديره: فلما سمعوا هذا الكلام افترقوا فرقتين من غير ترتيب، فبعضهم مصفقٌ منكر، وبعضهم واضعٌ يده على رأسه متعجبًا. قوله: (من سافر إلى ما ثَمَّ)، ثَمَّ: عبارةٌ عن المسجد الأقصى، وما: كنايةٌ عن المواضع التي حول المسجد الأقصى. قوله: (فاستنعتوه المسجد)، روينا في "صحيح البخاري" عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: لما كذبني قُريشٌ حين أُسرى بي إلى بيت المقدس، قمتُ في الحجر، فجلى الله تعالى بيت المقدس، فطفقت أُخبرهم عن أبوابه وأنا انظر إليه". قوله: (جملٌ أورق)، قال الأصمعي: الأورق من الإبل: الذي في لونه بياضٌ إلى سواد.
[ ٩ / ٢٣٩ ]
يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية، فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، فقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد، ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلا سحر مبين، وقد عرج به إلى السماء في تلك الليلة، وكان العروج به من بيت المقدس وأخبر قريشًا أيضًا بما رأى في السماء من العجائب وأنه لقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى.
واختلفوا في وقت الإسراء فقيل كان قبل الهجرة بسنة. وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعث.
واختلف في أنه كان في اليقظة أم في المنام، فعن عائشة ﵂ أنها قالت: «والله ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن عرج بروحه» وعن معاوية: إنما عرج بروحه. وعن الحسن، كان في المنام رؤيا رآها. وأكثر الأقاويل بخلاف ذلك. والمسجد الأقصى: بيت المقدس، لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد (بارَكْنا حَوْلَهُ) يريد: بركات
_________________
(١) ـ قوله: (وكان العروج به من بيت المقدس)، روى البخاري ومسلم عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "قد أتيتُ بالبراق" إلى قوله: "فركبته حتى أتيت بيت المقدس" إلى قوله: "ثُم عُرج بنا إلى السماء" الحديث. قوله: (وأكثر الأقاويل بخلاف ذلك)، وقال الشيخ محيي الدين النواوي في "شرح صحيح مسلم": قد لخص القاضي عياض ﵀ في الإسراء جُملًا حسنةً نفيسةً، فقال: اختلف الناس في الإسراء برسول الله ﷺ، فقيل: إنما كان جميع ذلك في المنام. والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظمُ السلف وعامةُ المتأخرين من الفقهاء والمحدثين
[ ٩ / ٢٤٠ ]
الدين والدنيا، لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى ومهبط الوحي، وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة. وقرأ الحسن: (ليريه) بالياء، ولقد تصرف الكلام على لفظ الغائب والمتكلم؛ فقيل: (أسرى) ثم (باركنا) ليريه، على
_________________
(١) ـ والمتكلمين، أنه أُسري بجسده ﷺ، والآثار تدل عليه لمن طالعها، ولا يعدل عن ظواهرها إلا بدليل، ولا استحالة في حملها عليه، فيحتاج إلى تأويل. وقال محي السنة في "المعالم": والأكثرون على أنه صلوات الله عليه أُسري بجسده في اليقظة، وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك. وقلتُ: وروينا عن البخاري والترمذي، عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ) [الإسراء: ٦٠]، قال: هي رؤيا عينٍ أريها رسولُ الله ﷺ ليلة أُسري به إلى بيت المقدس. وفي "مسند الإمام أحمد بن حنبل" عن ابن عباس ﵁، قال: شيء أريه النبي ﷺ في اليقظة، رآه بعينه حين ذُهب به إلى البيت، ولأنه قد أنكرته قريش وارتدت جماعة ممن كانوا أسلموا حين سمعوه، وإنما يُنكر إذا كان في اليقظة، فإن الرؤيا لا يُنكر منها ما هو أبعد من ذلك، على أن الحق أن المعراج مرتان، مرة بالنوم وأخرى باليقظة. قال محيي السنة: رُؤيا أراه الله تعالى قبل الوحي، بدليل قول من قال: فاستيقظ وهو في المسجد الحرام، ثم عُرج به في اليقظة بعد الوحي قبل الهجرة بسنةٍ تحقيقًا لرؤياه، كما أنه رأى فتح مكة في المنام سنة ست من الهجرة، ثم كان تحقيقه سنة ثمانٍ.
[ ٩ / ٢٤١ ]
قراءة الحسن، ثم (من آياتنا)، ثم (إنه هو)، وهي طريقة الالتفات التي هي من طرق البلاغة (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ) لأقوال محمد (الْبَصِيرُ) بأفعاله، العالم بتهذبها وخلوصها، فيكرمه ويقرّبه على حسب ذلك.
[(وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا) شَكُورًا)].
(أَلَّا تَتَّخِذُوا) قرئ بالياء على: لئلا يتخذوا، وبالتاء على: أي لا تتخذوا، كقولك: كتبت إليه أن أفعل كذا، (وَكِيلًا): ربا تكلون إليه أموركم. (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا) نصب على الاختصاص. وقيل: على النداء فيمن قرأ: (ألا تتخذوا)
_________________
(١) ـ قوله: (هي من طُرق البلاغة)، وذلك أن قوله: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) يدل على مسيره من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، فهو بالغيبة أنسبُ، وقوله: (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) دل على إنزال البركات، وتعظيم شأن المُنزل، فهو بالحكاية على التفخيم أحرى، قوله: (لِيُرِيَهُ) بالياء: إعادةٌ إلى مقام السر والغيبوبة من هذا العالم، فالغيبة بها أليق، وقوله: (مِنْ آيَاتِنَا): عودٌ إلى التعظيم على ما سبق، وقوله: (إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، أشار به إلى مقام اختصاصه بالمنح والزلفى وغيبة شُهوده فيعين "بي يسمع وبي يُبصر"، فالعود إلى الغيبة أولى. قوله: «أَلاَّ تَتَّخِذُوا) قرئ بالياء)، أبو عمرو، والباقون: بالتاء الفوقانية. قال أبو البقاء: أما تقدير الياء التحتانية، فهو (وَجَعَلْنَاهُ هُدًى)؛ لئلا يتخذوا، أو: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) لئلا يتخذوا، وأما تقدير التاء ففيه وجهان، أنّ "أن" بمعنى: أي، وهي مفسرة لما تضمنه الكتاب من الأمر والنهي، وثانيهما: أن "لا" زائدة، والتقدير: مخافة أن تتخذوان وقد رجع في هذا من الغيبة إلى الخطاب.
[ ٩ / ٢٤٢ ]
بالتاء على النهي، يعني: قلنا لهم لا تتخذوا من دوني وكيلا يا (ذرية من حملنا مَعَ نُوحٍ) وقد يجعل (وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا) مفعولي (تتخذوا)، أي: لا تجعلوهم أربابًا كقوله: (وَلا يَامُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا)] آل عمران: ٨٠ [ومن ذرية المحمولين مع نوح عيسى وعزير ﵈. وقرئ: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا) بالرفع بدلا من واو (تَتَّخِذُوا) وقرأ زيد بن ثابت: (ذِرِّيَّة)، بكسر
_________________
(١) ـ قوله: (أي: لا تجعلوهم أربابًا)، يريد أن في اختصاص هذا الوصف، وهو كونهم ذُرية المحمولين مع نوحٍ، وترتيب حكم النهي عن الإشراك على ذلك إشعارًا بأنهم لا يصلحون أن يكونوا أربابًا من دون الله؛ لأنهم عاجزون محصورون في ذات ألواح ودُسُرٍ، فكيف يصح أن تتخذوا وكيلًا من دون الله؟ ! قوله: (وقرئ: "ذرية من حملنا" بالرفع، بدلا من واو (تَتَّخِذُوا»، قال أبو البقاء: هذا على القراءة بالياء، لأنهم غُيَّب. قال صاحب "التخمير": إنما لم يجز إبدالُ المظهر من المضمر المتكلم والمخاطب؛ لأن ضمير المتكلم والمخاطب لا يكون لغير واحد، بخلاف ضمير الغيبة، والإبدال للتبيين، فيختص بموضع فيه احتمالٌ، فلذا جاز: مررت به زيد، ولم يجز: مر بي المسكين، ولا عليك الكريم. فإن قلت: فما تقولُ في قول الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو) [الأحزاب: ٢١] فقد أُبدلَ فيه الغائبُ من المخاطب؟ قلتُ: لأن الخطاب ليس لقوم بأعيانهم، فنزلوا منزلة الغائب؛ لأن المعنى: لقد كان للناس فيهم أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله. وذكر الركسي: أن الكوفيين والأخفش أجازوا إبدال المُظهر من المضمر الحاضر
[ ٩ / ٢٤٣ ]
الذال. وروي عنه أنه قد فسرها بولد الولد، ذكرهم الله النعمة في إنجاء آبائهم من الغرق (إِنَّهُ): إن نوحًا ﵇ (كانَ عَبْدًا شَكُورًا) قيل: كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني، ولو شاء أجاعني. وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني، ولو شاء أظمأني. وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني، ولو شاء أعراني. وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني، ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عنى أذاه في عافية، ولو شاء حبسه. وروى أنه كان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به، فإن وجده محتاجًا آثره به. فإن قلت: قوله (إنه كان عبدًا شكورًا) ما وجه ملاءمته لما قبله؟ قلت: كأنه قيل: لا تتخذوا من دوني وكيلا، ولا تشركوا بي، لأنّ نوحًا ﵇ كان عبدا شكورا، وأنتم ذرية
_________________
(١) ـ مطلقًا، تمسكًا بقوله تعالى: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ) [الأنعام: ١٢]، فإن (الَّذِينَ): بدلُ البعض، وأما غير بدل الكل، فيجوزُ لفقدان المانع، وهو أن يكون المقصود بالنسبة أقل دلالة، فإن بدل البعض والاشتمال ليس مدلولهما مدلول الأول، فيجوز: اشتريتك نصفك، وأعجبني علمُك، ومنه قول الشاعر: ذريني إن أمرك لن يُطاعا … وما ألفيتني حلمي مُضاعا وهاهنا مفهوم قوله تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ) أبين دلالة من مفهوم الضمير في (تتخذوا) المُعبر عن بني إسرائيل. قوله: (ولا تشركوا بي)، عطفٌ تفسيري لقوله: "لا يتخذوا من دوني وكيلًا". قوله: (إن نوحًا كان عبدًا شكورًا)، أي: إنه كان موحدًا؛ لأن الشاكر من يقوم بجملته وشراشره في خدمة المُنعم عليه. قال:
[ ٩ / ٢٤٤ ]
من آمن به وحمل معه، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم. ويجوز أن يكون تعليلا لاختصاصهم والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح، فهم متصلون به، فاستأهلوا لذلك الاختصاص. ويجوز أن يقال ذلك عند ذكره على سبيل الاستطراد.
[(وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا)].
(وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ): وأوحينا إليهم
_________________
(١) ـ أفادتكم النعماءُ منِّي ثلاثةً فإذا توهم أدنى شركٍ فيه لم يكن شاكرًا حقًا، لا سيما والشكور من أبنية المبالغة. قوله: (فاجعلوه أسوتكم)، الراغبُ: الأسوة والإسوة كالقُدوة والقِدوة: وهي الحالة التي يكون عليها الإنسان في اتباع غيره، إن حُسنًا أو قبحًا، وإن سارا أو ضارا؛ ولهذا قال تعالى: (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١]، فوصفها بالحسنة. قوله: (ويجوز أن يكون تعليلًا)، مبني على أن "ذرية" منصوب على الاختصاص والمدح، يعني: إنما خصصناكم بهذا الخطاب لأنكم أولادُ آباء مكرمين، كقوله تعالى: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) [الكهف: ٨٢]، قال القاضي: فيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شُكره، وحث للذرية على الاقتداء به. وقلتُ: اعتبر اختصاص الحمل بالذكر وأدمج هذا المعنى فيه. قوله: (على سبيل الاستطراد)، فعلى هذا لا يكون تعليلًا.
[ ٩ / ٢٤٥ ]
وحيًا مقضيًا، أي: مقطوعًا مبتوتًا بأنهم يفسدون في الأرض لا محالة، ويعلون، أي: يتعظمون ويبغون. (فِي الْكِتَبِ) في التوراة، و(لَتُفْسِدُنَّ) جواب قسم محذوف. ويجوز أن يجرى القضاء المبتوت مجرى القسم، فيكون (لَتُفْسِدُنَّ) جوابًا له، كأنه قال: وأقسمنا لتفسدن. وقرئ: لَتُفْسَدُنّ، على البناء للمفعول. و(لَتَفْسُدُنَّ)، بفتح التاء من: فسد، (مَرَّتَيْنِ) أولاهما: قتل زكريا وحبس أرميا حين أنذرهم سخط الله، والآخرة: قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى ابن مريم. (عِبادًا لَنا) وقرئ: (عبيدًا لنا). وأكثر ما يقال: عباد الله وعَبِيدُ الناس: سَنْحَارِيبَ وجنودَه،
_________________
(١) ـ قوله: (وحيًا مقضيًا أي: مقطوعًا)، الراغب: القضاء: فصلُ الأمر قولًا كان أو فعلًا، وكل منهما على وجهين: إلهي وبشري، فمن القول الإلهي: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ)، فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم، أي: أعلمناهم وأوحينا إليهم وحيًا جزمًا، ومن الفعل الإلهي: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت: ١٢]؛ لأنه إشارة إلى إيجاده الإبداعي والفراغ منه. قوله: (وقرئ: "لتفسدن" على البناء للمفعول، و"لتفسدن" بفتح التاء؛ من: فسد)، قال أبو البقاء: المعنى على الأول: يُفسدكم غيركم، وعلى الثاني: تفسدُ أموركم. قوله: (وأكثر ما يقالُ: عباد الله)، قال ابن جني: أكثر اللغة أن يُستعمل العبيد للناس والعباد لله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر: ٤٢]، (يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) [الزمر: ١٦]، وهو كثير، وقال: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: ٤٦]. قوله: (سنحاريب) نصبٌ عطفُ بيانٍ لـ"عبادًا"، ويُروى بالرفع، أي: هم سنحاريب وجنوده.
[ ٩ / ٢٤٦ ]
وقيل بختنصر. وعن ابن عباس: جالوت. قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة، وخربوا المسجد، وسبوا منهم سبعين ألفًا. فإن قلت: كيف جاز أن يبعث الله الكفرة على ذلك ويسلطهم عليه. قلت: معناه: خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، على أنّ الله عزّ وعلا أسند بعث الكفرة عليهم إلى نفسه، فهو كقوله تعالى: (وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)] الأنعام: ١٢٩ [وكقول الداعي. وخالف بين كلمهم. وأسند الجوس وهو التردّد خلال الديار بالفساد إليهم، فتخريب المسجد وإحراق التوراة
_________________
(١) ـ قوله: (معناه: خلينا بينهم وبين ما فعلوا)، يعني: معنى تسليط الكفرة على ذلك، أي: قتل العلماء وإحراق التوراة وتخريب المسجد والسبي. الانتصاف: السؤال يتوجه على القدرية، وأما السني فيقول: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) [الأنبياء: ٢٣]. قوله: (على أن الله عز وعلا أسند بعث الكفرة عليهم)، يعني أن البعث مجازٌ، على أن الحقيقة جائزة أيضًا؛ لأن الله تعالى أسند بعث الكفرة عليهم إلى نفسه؛ لأنهم ظلموا بقتل زكريا ويحيى، وقصد قتل عيسى ﵇، فهو كقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأنعام: ١٢٩]. قوله: (وكقول الداعي: وخالف بين كلمهم)، يعني: مثلُ هذا الإسناد جائزٌ بل مندوبٌ إليه، يقولون في الدعاء على الكفرة: اللهم زلزل أقدامهم ونكس أعلامهم، وخالف بين كلمتهم، وهو من قوله تعالى: (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى) [التوبة: ٤٠]، وكلمتهم: دعوتهم إلى الكفر واتفاقهم عليه. قوله: (وأسند الجوس)، إلى آخره، مراده: أنه تعالى أسند إلى نفسه ما يصح أن يُسند إليه من بعث الكفرة عليهم؛ لأجل فسادهم، وأسند ما لا يصح أن يُسند إليه من الكفرة من تخريب المسجد وإحراق التوراة. فيقال له: لولا بعثه وتمكينه إياهم كيف قدروا على ذلك؟ فهو كإعطاء سيف باتٍ ظالمًا يقطع الطريق ويسبي الحريم، فوقع فيما فر منه.
[ ٩ / ٢٤٧ ]
من جملة الجوس المسند إليهم. وقرأ طلحة «فحاسوا» بالحاء. وقرئ: فَحَوّسُوا. وخلل الديار. فإن قلت:
ما معنى (وَعْدُ أُولاهُما)؟ قلت: معناه: وعد عقاب أولاهما. (وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا) يعنى: وكان وعد العقاب وعدا لا بد أن يفعل. (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ) أي: الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو. قيل: هي قتل بختنصر واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم، وقيل: هي قتل داود جالوت. (أَكْثَرَ نَفِيرًا) مما كنتم. والنفير، من ينفر مع الرجل من قومه، وقيل: جمع نفر كالعبيد والمعيز.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرأ طلحة: "فحاسُوا")، قال ابنُ جني: قال أبو زيد أو غيره، قلتُ له: إنما هو فجاسوا بالجيم، قال: جاسوا وحاسوا واحدٌ، وهذا يدل على أن بعض القراء يتخير بلا رواية، ولذلك نظائر. قوله: (وقرئ "فحوسوا")، في "الموضح": "حوسوا" بالحاء غير المعجمة مشدد الواو. الراغب: (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ)، أي: توسطوها وترددوا بينها، ويُقارب ذلك "جاسوا" و"داسوا"، وقيل: الجوسُ: طلب ذلك الشيء باستقصاء، والخللُ: فرجةٌ بين الشيئين، وجمعه خلال، نحو: خلال الديار والسحاب والرماد، قال تعالى: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) [الروم: ٤٨]، وعن بعضهم: خللٌ إما مُفرد جمعه: خلالٌ، كجبل، وإما بمعنى الخلال، والخلال حينئذ مفرد. قوله: (واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم)، قال القاضي: وذلك بأن ألقى الله في قلب بهمن بن أسفنديار لما ورث مُلك كشتاسف بن لهراسف شفقة عليهم، فرد أسراهم إلى الشام وملك دانيال عليهم، فاستولوا على من كان فيها من اتباع بخت نصر، والله أعلم بحقيقة ذلك.
[ ٩ / ٢٤٨ ]
[(إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤًا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا)].
أي: الإحسان والإساءة: كلاهما مختص بأنفسكم، لا يتعدى النفع والضرر إلى غيركم. وعن عليّ ﵁: ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه، وتلاها (فَإِذا جاءَ وَعْدُ) المرّة (الْآخِرَةِ) بعثناهم (لِيَسُوؤًا وُجُوهَكُمْ) حذف؛ لدلالة ذكره أوّلا عليه، ومعنى (لِيَسُوؤًا وُجُوهَكُمْ): ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها، كقوله (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الملك: ٢٧]، وقرئ: (ليسوء)، والضمير لله
_________________
(١) ـ قوله: (لدلالة ذكره أولًا)، يعني: جواب (إذا) قوله: "بعثناهم"، بدليل قوله: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ)، فعلى هذا قوله: (وَلِيَدْخُلُوا) عطفٌ على (لِيَسُوءُوا) لاتفاقهما. فإن قلت: لا ارتياب أن قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ) عطفٌ على قوله: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا) وهما تفصيلٌ لقوله: (لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ)، وكان من حق الظاهر أن يترك القرينة الثانية عن الفاء إلى الواو، فما وجهُه؟ قلتُ - والله اعلم-: إن مدخول الفاء وإن كان قسيمًا لقوله «فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا) لكن تخلل بين المعطوفين، قوله: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا)، فجره إلى نفسه، كأنه قيل: وإن أسأتم فلها، وقد حصل منكم الإساءة والإفساد مرة أخرى، وهما السبب ف يمجيء الوعد في الآخرة: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ). ألا ترى كيف وصل قوله: (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) بما ذيل به هذا الوعد الآخرة، وهو قوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) أي: إن تبتم. قوله: (وقرئ: "ليسوء")، أبو بكر وابن عامر وحمزة: بالياء ونصب الهمزة على التوحيد، والكسائي: بالنون ونصب الهمزة على الجمع، والباقون: بالياء وهمزة مضمومة
[ ٩ / ٢٤٩ ]
﷿، أو للوعد، أو للبعث. (ولنسوء): بالنون. وفي قراءة علىّ: (لنسوأنّ): وليسوأنّ وقرئ لنسوأن، بالنون الخفيفة. واللام في (لِيَدْخُلُوا) على هذا متعلق بمحذوف وهو: وبعثناهم ليدخلوا. ولنسوأن: جواب إذا جاء ما (عَلَوْا) مفعول (ليتبروا)، أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه. أو بمعنى: مدة علوّهم.
[(عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا)].
(عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) بعد المرّة الثانية إن تبتم توبة أخرى وانزجرتم عن المعاصي، (وَإِنْ عُدْتُمْ) مرة ثالثة (عُدْنا) إلى عقوبتكم وقد عادوا، فأعاد الله إليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب الإتاوة عليهم. وعن الحسن: عادوا فبعث الله محمدًا ﷺ،
_________________
(١) ـ بين واوين على الجمع"، قال أبو البقاء: التقديرُ على الجمع: ليسوء العبادُ، أو النفيرُ. ويُقرأُ "ليسوء" بغير واو، أي: ليسوء البعث أو المبعوث أو النفير أو الله تعالى. قوله: ("لنسوء"، بالنون) الخفيفة. قال ابن جني: قرأ أبي بن كعب: "لنسوءًا" بالتنوين، فطريق القول فيه أن يكون أراد ألفًا فحذفها، أي: فليسوءا وجوهكم، على لفظ الأمر، كما تقول: إذا سألتني فلأعطك، كأنك تأمر نفسك، ومعناه: فلأعطينك، واللامان بعده للأمر أيضًا، وهما (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا). يُقوي ذلك أنه لم يأتِ لـ"إذا" جوابٌ فيما بعدُ، فالتقدير: فلنسوءًا وجوهكم، أي: فلنسوءن. وهذا يدل على أن في "فلنسوءن" ألفًا مقدرة. قوله: (وضرب الإتاوة عليهم)، أي: الخراج، فإن قلت: ما وجه استقامة هذا الوجه، وهو تسليط الأكاسرة عليهم، وقد مضى، مع قوله: (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) وهو للاستقبال؟
[ ٩ / ٢٥٠ ]
فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وعن قتادة: ثم كان آخر ذلك أن بعث الله عليهم هذا الحيّ من العرب، فهم منهم في عذاب إلى يوم القيامة (حَصِيرًا) محبسا يقال للسجن محصر وحصير. وعن الحسن:
بساطا كما يبسط الحصير المرمول.
[(إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا* وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا)].
(لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) للحالة التي هي أقوم الحالات وأسدّها. أو للملة. أو للطريقة. وأينما قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذي تجده مع الحذف، لما في إبهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه. وقرئ: ويبشر، بالتخفيف، فإن قلت: كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة؟ قلت: كان الناس حينئذ إما مؤمن تقي، وإما مشرك، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك.
_________________
(١) ـ قلت: استقامته من حيث إن هذه المذكورات كلها كانت مثبتة في التوراة مقضية عليهم، لقوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ)، والكتاب: التوراة، كما نص عليه المصنف. قوله: (المرمول)، الجوهري: رملتُ الحصير، أي: سففته، بمعنى نسجته، وأرملته: مثله. قوله: (لما في إبهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه)، فإنك إذا أضربت عن ذكر إحدى هذه المقدرات صفحًا بقي اللفظ مجملًا يصلحُ أن يتناول كلًا منها وما شاكلها، فإذا قيدتها بواحدة منها اختص بها، فكأنك قلت: يهدي لما لا يدخل تحت الوصف والحصر مما ذُكر في الكتاب، ومما لم يُذكر، كقولك: جاء بعد اللتيا والتي. قوله: ("ويبشر"، بالتخفيف): حمزة والكسائي. قوله: (وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك)، قيل: هذا من أبي حُذيفة
[ ٩ / ٢٥١ ]
فإن قلت: علام عطف (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)؟ قلت: على (أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) على معنى: أنه بشر المؤمنين ببشارتين اثنتين: بثوابهم، وبعقاب أعدائهم ويجوز أن يراد: ويخبر بأن الذين لا يؤمنون معذبون.
_________________
(١) ـ واصل بن عطاء. وقلتُ: هذا من جملة البدع المنهي عنها في قوله ﷺ: "خيرُ الهدي هديُ محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". أخرجه مسلمٌ، والترمذي عن جابر. قوله: (ويجوز أن يُراد: ويُخبر بأن الذين)، يعني: هو عطفٌ على قوله: (يَهْدِي) أي: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ويخبر أن الذين لا يؤمنون معذبون، هذا أوجه من الأول وأحسن التئامًا، كأنه قيل: بشيرٌ للمؤمنين ونذيرٌ للكافرين. ويمكن أن يكون معطوفًا من حيث المعنى على قوله: (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ)، أي: يُبشر المؤمنين وينذر الكافرين. وأما اتصالُ الآية بما قبلها، فقد قال الإمام: إنه قال لما شرح ما فعله في حق عباده المخلصين، وهو الإسراء برسول الله ﷺ، وإيتاء التوراة لموسى ﵇، وما فعله في حق العصاة والمتمردين، وهو تسليط أنواع البلاء عليهم، كان ذلك تنبيهًا على ان طاعة الله تُوجب كل خيروكرامة، ومعصيته توجب كل بلية وغرامة، لا جرم قال: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ثم عطف عليه: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ) الآية، لجامع دليلي السمع والعقل، أو نعمتي الدين والدنيا، وأما اتصال قوله: (وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ) فهو أنه تعالى لما وصف القرآن حتى بلغ به الدرجة القُصيا في الهداية أتى بذكر من أفرط في كفران هذه البُغية الأسنى والنعمة العظمى، قائلًا: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ) [الأنفال: ٣٢]، فظهر أن الذي ذهب إليه ابن عباس: "هو النضر بن الحارث" هو المذهب.
[ ٩ / ٢٥٢ ]
[(وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا)].
أي: ويدعو الله عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله، كما يدعوه لهم بالخير، كقوله (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ)] يونس: ١١ [. (وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله، لا يتأنى فيه تأنى المتبصر. وعن النبي ﷺ أنه دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرًا، فأقبل يئن بالليل، فقالت له: مالك تئن؟ فشكا ألم القدّ، فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب، فلما أصبح النبي ﷺ دعا به فأعلم بشأنه، فقال ﷺ «اللهم اقطع يديها» فرفعت سودة يديها تتوقع الإجابة، وأن يقطع الله يديها، فقال النبي ﷺ: "إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر فلتردّ سودة يديها" ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر، وأنه يدعو بالعذاب استهزاء ويستعجل به، كما يدعو بالخير إذا مسته الشدّة. (وكان الإنسان عجولًا): يعني
_________________
(١) ـ قوله: (كما يدعوه لهم)، أي: يدعو الله لأجل نفسه وماله وأهله، ففي الضمير تغليبٌ. قال: وجه النظم: أن الإنسان بعد إنزال الله هذا القرآن واختصاصه بهذه النعمة الجسيمة والمكرمة العظيمة، قد يعدل عن التمسك بشرائعه، ويقدم على ما لا فائدة فيه. قوله: (لا يستحق) أي: لايستحقها، يعني اللعنة. "من أهلي": بيانُ "مِن". و"رحمة": مفعول ثانٍ لـ"يجعل". قوله: (لأني بشرٌ أغضب ما يغضب البشر)، روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة قال: قال ﷺ: "إنما أنا بشرٌ أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة"، وزاد أحمد: "تقربه بها يوم القيامة".
[ ٩ / ٢٥٣ ]
أن العذاب آتيه لا محالة، فما هذا الاستعجال، وعن ابن عباس ﵄: هو النضر بن الحرث قال: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) الآية [الأنفال: ٣٢ [، فأجيب له، فضربت عنقه صبرًا.
[(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا)].
فيه وجهان، أحدهما: أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما، فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار للتبيين، كإضافة العدد إلى المعدود، أي: فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. والثاني: أن يراد: وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، يريد الشمس والقمر. (فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ): أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموسه مظلما، لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحوّ، وجعلنا النهار مبصرًا أي تبصر فيه الأشياء وتستبان. أو فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق لها شعاعا كشعاع الشمس، فترى به الأشياء رؤية بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء (لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) لتتوصلوا ببياض النهار إلى استبانة أعمالكم والتصرف في معايشكم (وَلِتَعْلَمُوا) باختلاف
_________________
(١) ـ قوله: (فضربت عنقه صبرًا)، يقال: قُتل فلانٌ صبرًا: إذا حُبس عن القتل حتى قُتل، وقد مضت قصة النضر. قوله: (ممحو الضوء مطموسه)، الراغب: المحو: إزالة الأثر، ومنه قيل للشمال محوة؛ لأنها تمحو السحاب والأثر، قال الله تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) [الرعد: ٣٩]. قوله: (فترى به الأشياء)، جواب لقوله: "لم يخلق له شعاعًا"ن كقولك: ما تأتينا فتحدثنا.
[ ٩ / ٢٥٤ ]
الجديدين (عَدَدَ السِّنِينَ) وَجنس الْحِسابَ وما تحتاجون إليه منه ولولا ذلك لما علم أحد حسبان الأوقات، ولتعطلت الأمور (وَكُلَّ شَيْءٍ) مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم (فَصَّلْناهُ) بيناه بيانا غير ملتبس، فأزحنا عللكم، وما تركنا لكم حجة علينا.
[(وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا* اقْرَا كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)].
(طائِرَهُ) عمله وقد حققنا القول فيه في سورة النمل. وعن ابن عيينة: هو من قولك: طار له سهم، إذا خرج، يعني: ألزمناه ما طار من عمله. والمعنى أنّ عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل لا يفك عنه، ومنه مثل العرب: "تقلدها طوق
_________________
(١) ـ قوله: (وقد حققنا القول فيه في سورة النمل)، والمذكور فيها هو: كان الرجل يخرج مسافرًا فيمر بطائر فيزجره، فإن مر سانحًا تيمن، وإن مر بارحًا تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر، استعير لما كان سببهما من قدر الله وقسمته، ومن عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة، ومنه قالوا: طائر الله لا طائرك، أي: قدر الله الغالب الذي يُنسبُ إليه الخير والشر، لا طائرك الذي يتشاءم به ويتيمن به. قوله: (والمعنى أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغُل لا يفك عنه)، قال الإمام: إنما خص العنق من بين سائر الأعضاء؛ لأن الذي يكون عليه إما أن يكون خيرًا يزينه، أو شرًا يشينه، مايزين يكون كالطوق والحلي، وما يشين يكون كالغل. واعلم أن هذا من أدل الدلائل على أن كل ما قدره الله تعالى للإنسان وحكم به في سابق علمه واجب الوقوع ممتنع العدم؛ لأن قوله: (أَلْزَمْنَاهُ) صريح في أن ذلك الإلزام
[ ٩ / ٢٥٥ ]
الحمامة". وقولهم: الموت في الرقاب. وهذا ربقة في رقبته. عن الحسن: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة إذا بعثت قلدتها في عنقك: وقرئ (فِي عُنُقِهِ) بسكون النون. وقرئ (نُخْرِجُ) بالنون. ويخرج، بالياء، والضمير لله ﷿.
ويخرج، على البناء للمفعول. ويخرج من خرج، والضمير للطائر. أى: يخرج الطائر كتابًا، وانتصاب (كتابًا) على الحال. وقرئ: يلقاه، بالتشديد مبنيا للمفعول. (ويَلْقاهُ)
_________________
(١) ـ الذي لا ينفك عنه صدر منه تعالى، وأن كل ما حكم به في الأزل لابد أن يظهر أثره في الأبد، ويؤيده ما رويناه، عن أبي داود والترمذي، عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، فقال: يا رب، ما أكتب؟ قال: اكتُبْ مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". قوله: (وقرئ: (َنُخْرِجُ) بالنون) وهي المشهورة، الراغب: خرج: برز من مقره أو حاله، سواء كان مقره دارًا أو بلدًا أو ثوبًان وسواء كان حاله حالة في نفسه أو أسبابه الخارجة، قال تعالى: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) وقال: (فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ) [الأعراف: ١٣]، وقال: (وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا) [فصلت: ٤٧]، (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ) [المائدة: ٣٧]، والإخراج: أكثر ما يقال في الأعيان، كقوله تعالى: (أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ) [الأنعام: ٩٣]، وقال: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ) [النمل: ٥٦]، ويقال في التكوين الذي هو من فعل الله، نحو: (أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) [النحل: ٧٨]، والتخريج: أكثر ما يُقال في العلوم والصناعات. قوله: ("يلقاه"، بالتشديد): ابن عامر، والباقون: مخففًا والياء مفتوحة، قيل هو من: لقيتُ الكتابَ، فإذا ضعفتَ، قلت: لقانيه زيدٌ، فيتعدى إلى مفعولين، فإذا بُني للمفعول قام
[ ٩ / ٢٥٦ ]
مَنْشُورًا) صفتان للكتاب. أو (يَلْقاهُ) صفة (ومَنْشُورًا) حالٌ من يلقاه (اقْرَا) على إرادة القول. وعن قتادة: يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئا. (وبِنَفْسِكَ) فاعل (كفى). (وحَسِيبًا) تمييز وهو بمعنى حاسب كضريب القداح بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم ذكرهما سيبويه. وعلى متعلق به من قولك حسب عليه كذا. ويجوز أن يكون بمعنى الكافي وضع موضع الشهيد فعدّى بـ"على"؛ لأنّ الشاهد يكفى المدّعى ما أهمه. فإن قلت: لم ذكر (حَسِيبًا)؟ قلت: لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي والأمير، لأنّ الغالب أنّ هذه الأمور يتولاها الرجال، فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلا حسيبا. ويجوز أن يتأوّل النفس بالشخص، كما يقال: ثلاثة أنفس. وكان الحسن إذا قرأها قال: يا ابن آدم، أنصفك والله من جعلك حسيب نفسك.
_________________
(١) ـ أحدهما مقام الفاعل، وعليه قوله تعالى: (وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا). قوله: (كضريب القداح)، الجوهري: الضريب الذي يضرب بالقداح وهو الموكل بها، والقدحُ، بالكسر: السهم قبل أن يُراش ويُركب نصله، وقدح الميسر أيضًا، والجمع: قداح. قوله: (بمعنى: الكافي)، أي: الحسيب، بمعنى: الكافي. الأساس: احتسبت بكذا: اكتفيت، واحتسبني: كفاني، وعلاقة المجاز أن الكافي كما يكفي الشخص مما أهمه، كذلك الشاهد يكفي المدعي ما أهمه. قوله: (فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلًا حسيبًا)، يعني: جرد من النفس رجلًا شاهدًا، وهو هي. قوله: (يا ابن آدم، أنصفك - والله- من جعلك حسيب نفسك)، وفي "شرح السُّنة": قال الحسن في قوله تعالى: (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا): لكل آدمي في عنقه قلادة يكتب فيها نسخة عمله، فغذا مات طويت، وقلدها، وإذا بُعث نُشرت، وقيل له: (اقْرَا كِتَابَكَ كَفَى
[ ٩ / ٢٥٧ ]
[(مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)].
أي: كل نفس حاملة وزرا، فإنما تحمل وزرها لا وزر نفس أخرى (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ) وما صحّ منا صحة تدعو إليها الحكمة أن نعذب قوما إلا بعد أن (نَبْعَثَ) إليهم (رَسُولًا) فتلزمهم الحجة. فإن قلت: الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسل، لأنّ معهم أدلة العقل التي بها يعرف الله، وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم، وكفرهم لذلك، لا لإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا بالتوقيف، والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان. قلت: بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة، لئلا يقولوا: كنا غافلين
_________________
(١) ـ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا). يا ابن آدم، أنصفك من جعلك حسيب نفسك. قوله: (والحجة لازمة لهم قبل بعثه الرسل؛ لأن معهم أدلة العقل)، ثم قوله: (بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر). الانتصاف: هذا مذهبٌ باطلٌ اعتزاليٌ، ومذهب أهل السنة أنه لا حكم قبل الشرع ولا تكاليف إلا به، ولا تجب الحجة إلا بالبعثة، والآية دالة عليه، فلا معنى لتحريفها. وقال محيي السنة: وفي الآية دليل على أن ما وجب، وجب بالسمع لا بالعقل، وكذا عن الواحدي. قلت: يؤيده قوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ) [النساء: ١٦٥]؛ لأن البشارة والنذارة إنما يكونان بالجنة والنار، والعقل لا مجال له في إثباتهما.
[ ٩ / ٢٥٨ ]
فلولا بعثت إلينا رسولا ينبهنا على النظر في أدلة العقل.
[(وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا)].
(وَإِذا أَرَدْنا) وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل، أمرناهم (فَفَسَقُوا) أي أمرناهم بالفسق ففعلوا، والأمر مجاز، لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون فبقى أن يكون مجازًا، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبًا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم
_________________
(١) ـ واعلم أن قوله تعالى: (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) توكيدٌ لمعنى تلك الآية، وأن كل مكلفٍ مرهونٌ بعمله، وعمله كالقلادة في عنقه غير منفك عنه لا يفارقه ولا يتعدى إلى غيره، ثم جاء: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) تقريرًا لهذا المعنى، ومفهوم ذلك كله أنه تعالى بين للمكلف ما عليه وما له وما يحتاج إليه وما خُلق لأجله، غزالة للأعذار، ثم أتى بقوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) تذييلًا لها وتقريرًا لإزالة الأعذار. قوله: «وَإِذَا أَرَدْنَا): وإذا دنا وقت إهلاك قوم)، جعل الإرادة التي هي السبب في الإهلاك تابعة لدنو الوقت. قال القاضي: إذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم لإنفاذ قضائنا السابق، أمرنا متنعميها بالطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم، أو إذا دنا وقته المقدر، كقولهم: إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة. قوله: (كأنهم) إشارة إلى انه من باب التمثيل، شبه إيلاء النعمة عليهم وجعلهم ذلك ذريعة إلى الفسق، بالمأمور الذي ورد عليه أمر الآمر المطاع، فامتثل لأمره من غير توقف، ثم أخرج مخرج الاستعارة لطي ذكر المشبه، والجامع ترتب الثاني على الأول لفظ الأمر.
[ ٩ / ٢٥٩ ]
مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة فيه، وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير ويتمكنوا من الإحسان والبرّ، كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشرّ، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول وهو كلمة العذاب فدمّرهم. فإن قلت: هلا زعمت أن معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا؟ قلت: لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز، فكيف بحذف
_________________
(١) ـ قوله: (لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز)، يعني: إذا كان لفعل متعلقٌ غير مذكور، فإن وُجد في اللف ما يدل على ذلك المقدر، وكان مناسبًا له، قيد المطلق به، كقولك: أمرته فقام، فإن قوله: "فقام" دليلٌ على أن المأمور به القيام، وعلى هذا: أمرناهم ففسقوا، معناه: أمرناهم بالفسق ففسقوا، كما قُدر، وعلى هذا القياس يقال في قولهم: أمرته فعصاني، لكنه لا يستقيم؛ لأن الأمر والعصيان متقابلان من حيث التضاد، وإليه الإشارة بقوله: "ولا تكون ما يناقض الأمر مأمورًا به"، فإذن ليس في اللفظ ما يقيد به المطلق، فيترك على إطلاقه ويُجعل تمثيلًا، كما قال. فكأنهم مأمورون بذلك. قال الإمام: ولقائل أن يقول: كما أن قوله: أمرته فعصاني، يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية من حيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له، فكذلك: أمرته ففسقن يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق؛ لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقًا ينافي كونه مأمورًا به. وهذا الكلام في غاية الظهور، فلا أدري لم أصر صاحب "الكشاف" على قوله! وقلتُ: هذا هو الحق، لقوله تعالى: (كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)، وتفسير المصنف الفاسق بالخارج عن أمر الله، والمعنى: أمرناهم على لسان الرسول ﷺ بالأعمال الصالحة وهم خالفوا الأمر وأقدموا على الفسق، فالآية من باب الطباق المعنوي، قال
[ ٩ / ٢٦٠ ]
ما الدليل قائم على نقيضه، وذلك أن المأمور به إنما حذف لأن فسقوا يدل عليه، وهو كلام مستفيض.
يقال: أمرته فقام، وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة، ولو ذهبت تقدّر غيره فقد رمت من مخاطبك علم الغيب، ولا يلزم على هذا قولهم: أمرته فعصاني، أو فلم يمتثل أمري؛ لأنّ ذلك مناف للأمر مناقض له، ولا يكون ما يناقض الأمر مأمورًا به، فكان محالا أن يقصد أصلا حتى يجعل دالا على المأمور به، فكان المأمور به في هذا الكلام غير مدلول عليه ولا منوي، لأن من يتكلم بهذا الكلام فإنه لا ينوى لأمره مأمورًا به، وكأنه يقول: كان منى أمر فلم تكن منه طاعة، كما أن من يقول: فلان يعطى ويمنع، ويأمر وينهى، غير قاصد إلى مفعول. فإن قلت: هلا كان ثبوت العلم بأن الله لا يأمر بالفحشاء وإنما يأمر بالقصد والخير، دليلا على أن المراد أمرناهم بالخير ففسقوا؟ قلت: لا يصحّ ذلك، لأن قوله (فَفَسَقُوا) يدافعه، فكأنك أظهرت شيئًا وأنت تدعى إضمار خلافه، فكان صرف الأمر إلى المجاز هو الوجه، ونظير «أمر» شاء: في أن مفعوله استفاض فيه الحذف، لدلالة ما بعده عليه، تقول: لو شاء لأحسن إليك، ولو شاء لأساء إليك. تريد: لو شاء الإحسان ولو شاء الإساءة، فلو ذهبت تضمر خلاف ما أظهرت - وقلت: قد دلت حال من أسندت إليه المشيئة أنه من أهل الإحسان أو من أهل الإساءة، فاترك الظاهر المنطوق به وأضمر ما دلت عليه حال صاحب المشيئة - لم تكن على سداد. وقد فسر بعضهم (أَمَرْنا)
بـ (كثرنا)، وجعل أمرته فأمر من باب فعلته ففعل،
_________________
(١) ـ صاحب "الانتصاف": قول الزمخشري حسنٌ، إلا قوله: أنعم عليهم ليشكروا، والحق أنهم خولوا النعمة وأمروا بالشكر ففسقوا وكفروا مخالفة للأمر لا للإرادة. قوله: (وقد فسر بعضهم (أَمْرِنَا): بـ"كثرنا")، قال ابن جني: وكان أبو علي يستحسن قول الكسائي في قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) [الكهف: ٧١]، أي: كثيرًا، من قوله
[ ٩ / ٢٦١ ]
كـ"ثبرته فثبر". وفي الحديث: "خير المالك سكة مأبورة ومهرة مأمورة" أي كثيرة النتاج. وروى أن رجلا من المشركين قال لرسول الله ﷺ: إني أرى أمرك هذا حقيرًا، فقال ﷺ: إنه سيأمر. أي سيكثر وسيكبر. وقرئ: (آمرنا) من أمر وأمره غيره. (وأمّرنا) بمعنى أمرنا، أو من أمر إمارة، وأمره الله.
أي: جعلناهم أمراء وسلطناهم.
_________________
(١) ـ تعالى: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا)، ومن قولهم: أمر الشيء، إذا كثُر، ومنه قوله: "خيرُ المال سكة مأبورةٌ ومُهرةٌ مأمورة"، السكة: الطريقة المصطفة من النخل، مأبورة: ملقحة، مأمورة: مُكثرِةُ النسل، والأصل: مؤمرة؛ لأنه من أمرها الله، لكن أتبعها قوله: مأبورة للسجع، وأما قوله: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) فمنقول من: أمر القوم، أي: كثروا، كعلم وعلمته، وسلم وسلمته. ورُوي عن المصنف، أنه قال: ما عول من زعم أن "أمرته" بمعنى: كثرته، إلا على قوله: ومهرة مأمورة، وما هو إلا من الأمر الذي هو نقيض النهي، وهو مجاز أيضًا كما في الآية، لأن الله تعالى قال لها: كوني كثيرة النتاج، فكانت، فهي إذن مأمورة على ما تهبه. قوله: كـ (ثبرته)، الجوهري: الثبور: الهلاك. قوله: ("آمرنا" من: أمر)، الجوهري: آمرته- بالمد- وأمرته: لغتان بمعنى: كثرته. قوله: ("وأمرنا" بمعنى: آمرنا)، قال أبو البقاء: ويُقرأ بالتشديد والقصر، أي: جعلناهم أمراء، وقيل: هو بمعنى الممدودة؛ لأنه تارة يُعدى بالهمزة وأخرى بالتضعيف، واللازم منه: أمر القوم، أي: كثروا.
[ ٩ / ٢٦٢ ]
[(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا)].
كَمْ مفعول (أَهْلَكْنا) و(مِنَ الْقُرُونِ) بيان لكم وتمييز له، كما يميز العدد بالجنس، يعني عاد وثمودًا وقرونًا بين ذلك كثيرا. ونبه بقوله (وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) على أن الذنوب هي أسباب الهلكة لا غير، وأنه عالم بها ومعاقب عليها.
[(مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا* وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا)].
من كانت العاجلة همه ولم يرد غيرها كالكفرة وأكثر الفسقة، تفضلنا عليه من
_________________
(١) ـ قوله: (على أن الذنوب هي أسباب الهلكة لا غيرُ)، ولك من ترتب قوله: (كَمْ أَهْلَكْنَا) على قوله تعالى: (خَبِيرًا بَصِيرًا)، أي: خبيرًا بذنوب العباد وبصيرًا بها، لما يعلم أن الذنوب نتائجها الكفر والكفران وتكذيب آيات الله، وقتل الأنبياء وغير ذلك، قال الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا)، فصح قوله: "إن الذنوب هي أسباب الهلكة لا غير"، والذي يدل على فظاعة شأنها قوله: (وَكَفَى بِرَبِّكَ). قوله: (من كانت العاجلة همه ولم يُرد غيرها)، يدل على القيد معنى الإرادة، فإن الإرادة هي: عقد القلب بالشيء وخلوص همه فيه، وإنما قال: كالكفرة "والفسقة"؛ لأن الآية قوبلت بها. قوله تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، فإن الكافر ينكر الأجل، والفاسق وإن لم ينكر لكنه منهمك في الشهوات، فكأنه معرض عن الآخرة، وفيه إيماء إلى مذهبه.
[ ٩ / ٢٦٣ ]
منافعها بما نشاء لمن نريد، فقيد الأمر تقييدين، أحدهما: تقييد المعجل بمشيئته. والثاني: تقييد المعجل له بإرادته، وهكذا الحال: ترى كثيرا من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضًا منه، وكثيرا منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه، فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، وأمّا المؤمن التقى فقد اختار مراده وهو غنى الآخرة، فما يبالى: أوتى حظا من الدنيا أو لم يؤت فإن أوتى فيها وإلا فربما كان الفقر خيرا له وأعون على مراده. وقوله (لِمَنْ نُرِيدُ) بدل من (له)، وهو بدل البعض من الكل، لأن الضمير يرجع إلى «من» وهو في معنى الكثرة. وقرئ: (يشاء). وقيل: الضمير لله تعالى، فلا فرق إذًا بين القراءتين في المعنى ويجوز أن يكون للعبد، على أنّ للعبد ما يشاء من الدنيا، وأن ذلك لواحد من الدهماء يريد به الله ذلك.
_________________
(١) ـ قوله: (فإن أوبي فبها)، النهاية: وفي الحديث: "من توضأ للجمعة فبها"، والباء متعلقة بفعل مضمر، أي: فبهذه الخصلة والفعلة يعني الوضوء، ينالُ الفضل. قوله: (لأن الضمير يرجع إلى "مَن")، أي: الضمير والمجرور في قوله: يرجعُ إلى (مَن) في قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ) ن وهو يقتضي العموم لأن مريدي العاجلة لا حصر فيهم. وأما المعجل له فمحصورون. قوله: (فلا فرق إذن بين القراءتين)، أي: قراءة "يشاءُ" بالياء، والضمير لله، والقراءة المشهورة بالنون في كون المشيئة لله تعالى، فدل النون على التعظيم، والياء على التجريد، كأنه قيل: (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ) من له المشيئة المطلقة وبيده أزمة كل الأمور يفعلُ بمشيئته ما أراد، لا يمنعه مانعٌ. قوله: (الدهماء)، الجوهري: الدهم: العدد الكثير، ودهماء الناس: جماعتهم. قوله: (يريد به الله)، ذلك الضمير للعبد، والمشار إليه ما يشاء من الدنيا، والجملة صفة لـ "واحد".
[ ٩ / ٢٦٤ ]
وقيل: هو من يريد الدنيا بعمل الآخرة، كالمنافق، والمرائي، والمهاجر للدنيا، والمجاهد للغنيمة والذكر، كما قال ﷺ «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (مَدْحُورًا) مطرودًا من رحمة الله (سَعْيَها) حقها من السعي وكفاءها من الأعمال الصالحة. اشترط ثلاث شرائط في كون السعي مشكورًا: إرادة الآخرة بأن يعقد بها همه ويتجافى عن دار الغرور، والسعي فيما كلف من الفعل والترك، والإيمان
_________________
(١) ـ قوله: (فمن كانت هجرته إلى الله)، الحديث مشهور، أخرجه الأئمة، وهو من باب قولهم: من أدرك الصمان فقد أدرك. قوله: «مَدْحُورًا): مطرودًا)، الراغب: الدحرُ: الطرد والإبعاد، يقال: دحره دحورًا، قال تعالى: (فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا) [الإسراء: ٣٩]، وقال: (وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) [الصافات: ٩]، ولم يذكر الدحر في "الصحاح". قوله: (ويتجافى عن دار الغرور)، مقتبس مما روى المفسرون، أنه ﷺ سُئل: ما علامة شرح الصدر؟ قال: "التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود". قوله: (والسعي فيما كُلف من الفعل والترك)، استفاده من إقران الإيمان بالسعي ليكون على وزان قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [العصر: ٣] والظاهر أن المراد من قوله: (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ): السعي المختص بها، وما يُنسب إليها، وعرف أن ذلك السعي ما هو، وهو قمع الهوى وترك زينة الدنيا ومراقبة الأحوال بين يدي المولى، كما قال
[ ٩ / ٢٦٥ ]
الصحيح الثابت. وعن بعض المتقدّمين: من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب. وتلا هذه الآية. وشكر الله: الثواب على الطاعة.
[(كُلًا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)].
(كُلًّا) كل واحد من الفريقين، والتنوين عوض من المضاف إليه (نُمِدُّ) هم: نزيدهم من عطائنا، ونجعل الآنف منه مددًا للسالف لا نقطعه، فنرزق المطيع والعاصي جميعا على وجه التفضل (وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ) وفضله (مَحْظُورًا) أي:
_________________
(١) ـ تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى) [النازعات: ٤٠ - ٤١]، وفي الألفاظ النبوية: "ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا"، ولما كانت هذه الخصلة واسطة القلادة، جُعلت مقدمتها الإرادة، وقاعدتها الاستقامة على الإيمان، وبنى الجواب عليها. وقيل: (فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا). الراغب: السعي: المشي السريع، وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر، خيرًا كان أو شرًا. قال تعالى: (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) [البقرة: ١١٤]، (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) [النجم: ٣٩]، وأكثر ما يستعمل في الأفعال المحمودة، قال الشاعر: إن أجز علقمة بن سعد سعيه … لا اجزه ببلاء يوم واحد وقال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) [الصافات: ١٠٢]، أي: أدرك ما سعى في طلبه، وخُص المسعاة بطلب المكرمة والسعاية بأخذ الصدقة، وبكسب المُكاتب لعتق رقبتهن وبالنميمة والمساعاة بالفجور. قوله: (الآنف). الجوهري: الاستئناف: الابتداء، وكذلك الائتناف.
[ ٩ / ٢٦٦ ]
ممنوعا، لا يمنعه من عاصٍ لعصيانه.
[(انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا)].
(انْظُرْ) بعين الاعتبار (كَيْفَ) جعلناهم متفاوتين في التفضل. وفي الآخرة التفاوت أكبر، لأنها ثواب وأعواض وتفضل، وكلها متفاوتة. وروى أن قوما من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر ﵁، فخرج الإذن لبلالٍ
_________________
(١) ـ قوله: (لأنها ثواب وأعواض وتفضل، وكلها متفاوتة)، الضمير في "أنها" مبهم، يفسره ما بعده، كقوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) [الأنعام: ٢٩]، قال: "هذا ضميرٌ لا يعلم ما يعني به إلا ما يتلوه من بيانه"، إلى قوله: "لأن الخبر يدل عليها". ويجوز أن يكون المضاف محذوفًا، أي: أفعال الآخرة، يعني: أفعال الله في الآخرة مع العبد ثواب وأعواض وتفضل. وفي بعض الحواشي الوارد على أصولهم: أفعال الله تعالى اليوم لا تخلو من صلا وإصلاح ولطف، وأفعاله غدًا على سبيل الجزاء إما ثواب أو عوض أو تفضل، فالصلاح ضد الفساد، وكل ما عري عن الفساد سُمي صلاحًا، وهو: الفعل المتوجه إلى الخير من قوام العالم، وبقاء النوع عاجلًا، والمؤدي إلى السعادة السرمدية آجلًا. والأصلح، وهو إذا كان صلاحان أو خيران، وكان أحدهما أقرب على الخير المطلق فهو الأصلح. واللطف: هو وجه التيسير إلى الخير، وهوا لفعل الذي علم الرب ﷾ أن العبد يطيع عندهن وليس في مقدور الله لطف وفعل لو فعله لأمن الكفار. ثم الثواب هو: الجزاء على أعمال الخير، والعوض هو: البدل عن الفائت، كالسلامة التي هي بدل الألم، والنعم التي هي في مقابلة البلايا والمحن والرزايا والفتن، والتفضل هو: إيصال منفعة خالصة إلى الغير من غير استحقاق، يستحق، أي: الله، بذلك حمدًا وثناء ومدحًا وتعظيمًا، ووصف بأنه محسن مجمل، وإن لم يفعله لم يستوجب بذلك ملامًا وذمًا. قوله: (وروي أن قومًا من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر ﵁)،
[ ٩ / ٢٦٧ ]
وصهيب، فشق على أبي سفيان، فقال سهيل بن عمرو: إنما أُتينا من قبلنا، إنهم دعوا ودعينا يعنى إلى الإسلام، فأسرعوا وأبطأنا، وهذا باب عمر، فكيف التفاوت في الآخرة، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعدّ الله لهم في الجنة أكثر. وقرئ: (وأكثر تفضيلًا). وعن بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل؟ !
[(لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا)].
(فَتَقْعُدَ) من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت، كأنها حربة بمعنى صارت،
_________________
(١) ـ وروى ابن عبد البر في "الاستيعاب"، عن الحسن: حضر جماعة من الناس بباب عمر ﵁، وفيهم سُهيل بن عمرو القرشي، وكان أحد الأشراف في الجاهلية، وأبوسفيان بن حرب وأولئك الشيوخ من قريش، فأذن لصهيب وبلال وأهل بدر، وكان يحبهم، وكان قد أوصى بهم، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط! إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا، فقال سهيل، وكان أعقلهم: أيها القوم، إني والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتًا من بابكم هذا الذي تنافسون عليه. وروى أيضًا: أن الحارث بن هشام وسهيلًا هذا دخلا على عمر ﵁ فجلسا وهو بينهما، فجعل المهاجرون الأولون يأتون فيقول: هاهنا يا سهيل، هاهنا يا حارث، فينحيهما عنه، وجعل الأنصار يأتون فينحيهما حتى صارا في آخر الناس، فلما خرجا قال الحارث لسهيل: ألم تر ما صنع بنا؟ فقال سهيل: إن الرجل لا لوم عليه، ينبغي أن نرجع باللوم على أنفسنا، دُعي القوم فاسرعوا ودُعينا فأبطأنا، تمامه ذُكر في سورة التوبة.
[ ٩ / ٢٦٨ ]
يعني: فتصير جامعا على نفسك الذم وما يتبعه من الهلاك من إلهك، والخذلان والعجز عن النصرة ممن جعلته شريكًا له.
[(وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا)].
(وَقَضى رَبُّكَ) وأمر أمرًا مقطوعا به (أَلَّا تَعْبُدُوا) أن مفسرة ولا تعبدوا نهى. أو بأن لا تعبدوا (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا) وأحسنوا بالوالدين إحسانًا. أو بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا وقرئ: (وأوصى) وعن ابن عباس ﵄: ووصى. وعن بعض ولد معاذ بن جبل: (وقضاء ربك). ولا يجوز أن يتعلق الباء في بالوالدين بالإحسان، لأن المصدر لا يتقدّم عليه صلته (إِمَّا) هي «إن»
_________________
(١) ـ قوله: (جامعًا على نفسك الذم وما يتبعه من الهلاك من إلهك)، يعني: أن المشرك قد ذمه الله، ومن ذمه الله يهلكه، وما يتبعه تفسير الذم. الخذلان: عطفٌ على الذم وإنما دل على الجمع إيقاع (مَذْمُومًا مَخْذُولًا) خبرًا بعد خبر لقوله: (فَتَقْعُدَ). قال القاضي: ومفهومه أن الموحد يكون ممدوحًا منصورًا. قوله: «وَقَضَى رَبُّكَ)، وأمر أمرًا مقطوعًا به)، ضمن "قضى" معنى الأمر؛ ليكون جامعًا للمعنيين: الأمر والقضاء الذي هو القطع، ولذلك كان "أن" في قوله: (أَلاَّ تَعْبُدُوا) مفسرة، وكأن النهي في معنى الأمر، أي: اعبدوا، ليناسب عطف "وأحسنوا" عليه، وسبق في "الأنعام" عند قوله: (أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ) [الأنعام ١٥١] الآية، ما يقرب من هذا العطف. قوله: (أو: بأن تُحسنوا بالوالدين إحسانا)، هذا على أن تكون "أنْ" موصولة لا مفسرة، ففيه لف ونشر.
[ ٩ / ٢٦٩ ]
الشرطية زيدت عليها «ما» تأكيدا لها، ولذلك دخلت النون المؤكدة في الفعل، ولو أفردت «إن» لم يصح دخولها، لا تقول: إن تكرمن زيدًا يكرمك، ولكن إما تكرمنه. (وأَحَدُهُما) فاعل (يبلغنّ)، وهو فيمن قرأ يبلغان بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين. وكِلاهُما عطف على أحدهما فاعلا وبدلا. فإن قلت: لو قيل إما (يبلغان) كلاهما، كان (كلاهما) توكيدا لا بد لا، فمالك زعمت أنه بدل؟ قلت: لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيدا للاثنين، فانتظم في حكمه، فوجب أن يكون مثله. فإن قلت: ما ضرّك لو جعلته توكيدًا مع كون المعطوف عليه بدلا، وعطفت التوكيد على البدل؟ قلت: لو أريد توكيد التثنية لقيل: كلاهما، فحسب،
_________________
(١) ـ قوله: (وهو فيمن قرأ: "يبلغان")، بالتشديد، حمزة والكسائي: "إما يبلغان" بسر النون والألف قبلها، والباقون بفتحها من غير ألف. قال أبو البقاء: ألفُ "يبلغان" بالتشديد: فاعل، و(أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا): بدلٌ منه، وقال أبو علي: هو توكيد. ويجوز أن يكون (أَحَدُهُمَا) مرفوعًا لفعل محذوف، أي: إن بلغ أحدهما أو كلاهما، وفائدته التوكيد أيضًا. ويجوز أن تكون الألف حرفًا للتثنية، والفاعل (أَحَدُهُمَا). قوله: (لو قيل: إما يبلغان كلاهما، كان (كِلاهُمَا) توكيدًا لا بدلًا)؛ لأنه مثلُ قول: جاءني الزيدان كلاهما، فإن كلاهما: توكيد باتفاق؛ لأنه يدل على ما دل عليه الزيدان، فكذا يُفهم من كلاهما ما يفهم من ضمير الأبوين. قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ جاز كونه تأكيدًا. وقوله: (لو أريد توكيد التثنية لقيل: كلاهما، فحسب)، ممنوعٌ، وأنه إنما يلزم لو أريد التأكيد فحسب من غير تقدم ذكر أحدهما، فكأنه قال: إما يبلغان أحدهما، أو يبلغان كلاهما، والأول: بدلٌ، والثاني: تأكيد.
[ ٩ / ٢٧٠ ]
فلما قيل: (أحدهما أو كلاهما)، علم أنّ التوكيد غير مراد، فكان بدلًا مثل الأول (أُفٍّ) صوت يدل على تضجر. وقرئ: (أُفٍّ)، بالحركات الثلاث منونًا وغير
_________________
(١) ـ وقلت: كلام المصنف مبني على أن (كِلاهُمَا) عطفٌ على "أحدهما"، لا على التقديرين، فإنه يعود إلى عطف الجملة على الجملة، والمقصود أحد الأمرين لإفادة الشمول والإحاطة في أحدهما دون الآخر. وأيضًا، لو كان أريد الشمول لم يقل: أحدهما، لكونه منافيًا للشمول والإحاطة، فنه لدفع التجوز في إرادة الوحدة. وقال صاحب "الفرائد": لما كان (أَحَدُهُمَا) لم يصلح أن يكون توكيدًا للتثنية وهو ضمير "يبلغان"، وجب أن يكون بدلًا، والبدل في حكم تكرير العامل، فلزم أن يكون التقدير: يبلغ أحدهما، ولما كان (كِلاهُمَا) عطفًا على (أَحَدُهُمَا)، انقطع عن الضمير، فلم يُمكن أن يكون مؤكدًا له؛ لأنه فاعل فعل آخر، والمؤكد لا فعل له إلا الفعل المذكور. قوله: (وقرئ (أفٍ) بالحركات الثلاث)، نافع وحفص: بالتنوين وكسر الفاء، وابن كثير وابن عامر: بفتح الفاء من غير تنوين، والباقون بكسرها من غير تنوين. وقال ابن جني: قرأ أبو السمال"أُفُّ" مضمومة غير منونة، وقرأ ابن عباس: "أف" خفيفة، وقال هارون النحوي: ويُقرأ "أفٌّ" بالتنوين، ولو قرئت "أفًا" لجاز، ولكن ليس في الكتاب ألفٌ. وقال ابن جني: فيها ثماني لغات: أفِّ، وأُفٍّ، وأفًا، وأُفٌّ، وأفي ممالٌ، وأفْ خفيفة ساكنة. وأما قوله: "والتشديد كثُمَّ" فمعناه أنه على وزنه. وقال أبو البقاء: من كسر بناه على الأصل؛ لأنه: اسم فعل، ومعناه التضجر والكراهة، أي: لاتقل لهما: كُفا، أو: اتركا. وقيل: هي: اسمٌ للجمل الخبرية، أي: كرهت، أو ضجرت من مداراتكما. ومن فتح طلب التخفيف مثل رب، ومن ضم أتبع، ومن نون أراد التنكير، ومن لم ينون أراد التعريف، ومن خفف الفاء حذف أحد المثلين تخفيفًا.
[ ٩ / ٢٧١ ]
منون: الكسر على أصل البناء، والفتح تخفيف للضمة والتشديد كـ"ثم"، والضم إتباع كـ"منذ". فإن قلت: ما معنى عندك؟ قلت: هو أن يكبرا ويعجزا، وكانا كلا على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما عنده في بيته وكنفه، وذلك أشق عليه وأشدّ احتمالًا وصبرًا، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال الطفولة، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب والاحتمال، حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤنهما: أف، فضلا عما يزيد عليه. ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع (وبالوالدين إحسانا) الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما في سلك القضاء بهما معًا، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضجر ومقتضياته، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في استطاعة (وَلا تَنْهَرْهُما) ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك. والنهى والنهر والنهم: أخوات (وَقُلْ لَهُما) بدل التأفيف والنهر (قَوْلًا كَرِيمًا) جميلا، كما يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروءة. وقيل: هو أن يقول: يا أبتاه، يا أماه، كما قال إبراهيم لأبيه: (يا أبت) [مريم: ٤٢]، مع كفره، ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوء الأدب وعادة
_________________
(١) ـ وقال ابن جني: وكان القياس إذا خففت أن تُسكن آخرها؛ لأنه لم يلتق فيها ساكنان فتُحرك، لكنهم بقوا الحركة مع التخفيف أمارة ودلالة على أنها قد كانت مثقلة مفتوحة. الراغب: أصل الألف: كل مستقذر من وسخ وقلامة ظفر ونحوهما، ويقالُ ذلك لكل مستخف به استقذارًا له، نحو: (أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [الأنبياء: ٦٧]، وقد أففت لكذا، إذا قلت ذلك استقذارًا له، ومنه قيل للضجر من استقذار شيء: أفف فلان. قوله: (هو أن يكبرا ويعجزا)، يعني: معنى (عِنْدِكَ) هاهنا: كناية عن العجز وعن كونهما كلا على ولدهما.
[ ٩ / ٢٧٢ ]
الدعار، قالوا: ولا بأس به في غير وجهه، كما قالت عائشة ﵂: نحلني أبو بكر كذا. وقرئ (جَناحَ الذُّلِّ)، والذل: بالضم والكسر فإن قلت: ما معنى قوله (جَناحَ الذُّلِّ)؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون المعنى: واخفض لهما جناحك كما قال (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)] الحجر: ٨٨ [فأضافه إلى الذل أو الذلّ، كما أضيف حاتم إلى الجود على معنى: واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول. والثاني: أن تجعل لذله أو لذله لهما جناحًا خفيضًا، كما جعل لبيد للشمال يدًا، وللقرة زمامًا،
_________________
(١) ـ قوله: (الدعار)، الجوهري: الدعارة: الفسق والخبث، يقال: هو خبيث داعرٌ بين الدعارة. قوله: (نحلني أبو بكر كذا)، تمامه: ما ذُكر في النسائي من حديث أبي بكر ﵁: إني كنتم نحلتك جداد عشرين وسقًا بالعالية. قوله: (وقرئ: (جَنَاحَ الذُّلِّ) و"الذل" بالضم والكسر)، بالضم: السبعة، والكسر: قرأه ابن عباس وعروة بن الزبير، قال ابن جني: الذل بالكسر في الدابة: ضد الصعوبة، وبالضم للإنسان، وهو ضد العز، كأنهم إنما فرقوا لان ما يلحق الإنسان أكثر قدرًا مما يلحق الدابة، فاختاروا الضمة لقوتها للإنسان، والكسرة لضعفها للدابة، ولاتستنكر مثل هذا ولا تنب عنه، فإنه من عرف أنسن ومن جهل استوحش، وفي قول المصنف: جناحك الذليل أو الذلول، لمحة من هذا المعنى. قوله: ٠ جعل لبيدٌ لشمال يدًا، وللقرة زمامًا؛ مبالغة)، يعني: في قوله:
[ ٩ / ٢٧٣ ]
مبالغة في التذلل والتواضع لهما (مِنَ الرَّحْمَةِ): من فرط رحمتك لهما وعطفك
_________________
(١) ـ وغداة ريح قد كشفت وقرة … إذ أصبحت بيد الشمال زمامها شبه الشمال بالإنسان، ثم خيل أنها إنسانٌ بعينه، ثم أضيف إليه على سبيل الاستعارة التخيلية ما يُلازم الإنسان ند التصرف، وهو اليد قائلًا: بيد الشمال، وحكم الزمام مع القرة حكم اليد مع الشمال عند التصرف، كذا هاهنا: شبه الذل بالطائر، ثم أثبت له ما يلازم الطائر عند انحطاطه وانخفاضه من الجناح. وعلى الأول خفض الجناح كناية عن التواضع، وكان في الأصل استعارة تمثيلية، شبه ما يتصور من الإنسان في حال التواضع من الانخفاض، بما يشاهد من الطائر عند انحطاطه من الجو، ثم كثر استعماله فيه حتى صار عبارة عن مجرد التواضع، ثم أضيف إلى الذل تتميمًا لإرادة التواضع. الراغب: الجناح: جناح الطائر، يقال: جنح الطائر: إذا كُسر جناحه، وسُمي جانبا الشيء جناحيه، كجناحي العسكر والسفينة والوادي. وقال تعالى: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ) أي: جانبكن وقوله: (إِلَيْكَ جَنَاحَكَ) عبارة عن اليد لكون الجناح كاليد. وقوله: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ) استعارة، وذلك أن الذل ضربان: ضرب يضع الإنسان، وضربٌ يرفعه، وقصد في هذا المكان إلى ما يرفعه، فكأنه قيل: استعمل الذل الذي يرفعك عند الله تعالى من أجل اكتسابك الرحمة أو من اجل رحمتك لهما. وجنح الليل: إذا أظل بظلامه، والجنح: قطعة من الليل مظلمة، وجنحت السفينة: إذا مالت إلى أحد جانبيها، وسُمي الإثم المائل بالإنسان عن الحق جناحا، ثم سمي كل إثم جناحًا، وجوانح الصدر: الأضلاع المتصلة رؤوسها في وسط الزور، الواحدة جانحة، لما فيها من الميل. قوله: (مبالغة في التذلل والتواضع لهما)، أي: للوالدين. قوله: «مِنْ الرَّحْمَةِ) من فرط رحمتك لهما)، جعل (مِن) في (مِنْ الرَّحْمَةِ) ابتدائية
[ ٩ / ٢٧٤ ]
عليهما، لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك. فإن قلت: الاسترحام لهما إنما يصح إذا كانا
_________________
(١) ـ لا بيانية، إذ لو بين الجناح بها لرجعت الاستعارة إلى التشبيه التجريدي، كقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧]، قال أبو البقاء: من أجل رفقك بهما، فـ"مِن" متعلقة بـ"اخفض"، ويجوز أن تكون حالًا من جناح، وقال صاحب "الفرائد": التواضعُ والتذللُ ربما يكونان لأمرٍ آخر لا للرحمة والعطف، فقوله: (مِنْ الرَّحْمَةِ) معناه: من أجل الرحمة، يعني ينبغي أن لا يكون ذلك التذلل للخوف أو لأمر آخر. قوله: (وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاءً لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك)، هذا المعنى يعطيه معنى كاف التشبيه. قال أبو البقاء: (كَمَا): نعت مصدرٍ محذوف، أي: رحمة مثل رحمتها لي، وقال القاضي: ارحمهما رحمةً مثل رحمتهما عليَّ وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري وفاءً بوعدك للراحمين. وقلتُ: "ما" في (كَما): مصدرية، والوقت فيه مقدر، أي: ارحمهما في وقت أحوج ما يكونان إلى الرحمة من جميع الأوقات، كوقت رحمتهما علي وأنا في حالة الصغر كلحم على وضم وليس ذلك إلا في القيامة، والرحمة هي الجنة. ولهذا قال: رحمته الباقية. هذا هو التحقيق. ونقل صاحب "اللباب" عن بعضهم: أنا لكاف في (كَمَا رَبَّيَانِي): لتأكيد الوجود. وذكر الشارح في توجيهه أنه ليس الكاف فيه للقران في الوقوع، كما في قولك: كما حضر زيدٌ قام عمرو، لأن التربية من الوالدين واقعة والرحمة لهما مطلوب الوقوع؛ لأنها مذكورة بصيغة الأمر في (رَّبِّ ارْحَمْهُمَا)، فالكاف ليس للمقارنة في الوقوع، بل لتاكيد وجود الرحمة،
[ ٩ / ٢٧٥ ]
مسلمين. قلت: وإذا كانا كافرين فله أن يسترحم لهما بشرط الإيمان، وأن يدعو الله لهما بالهداية والإرشاد، ومن الناس من قال: كان الدعاء للكفار جائزًا ثم نسخ. وسئل ابن عيينة عن الصدقة عن الميت فقال: كل ذلك واصل إليه، ولا شيء أنفع له من الاستغفار. ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين. ولقد كرّر الله سبحانه في كتابه الوصية بالوالدين. وعن النبيّ ﷺ رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما
_________________
(١) ـ أي: أوجد رحمتهما إيجادًا مؤكدًا محققًا كما أوجد الوالدان التربية إيجادًا محققًا في الزمان الماضي. قوله: (فقال: كل ذلك واصل إليه)، يعني: لا يسأل عن الصدقة وحدها، فإن كلا مما تعورف من الميراث واصلٌ إليه. قوله: (ولا شيء أنفع [له] من الاستغفار)، يؤيده ما روينا عن أبي داود وابن ماجه، عن أسيد الساعدي قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ، إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله هل بقي من بر والدي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما". قوله: (لأمركم به في الأبوين): أي: المأمور به الاستغفار. وفي الآية المأمور به الاسترحام لقوله: (وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا)؛ لأن الاسترحام بمعنى الاستغفار. قوله: (رضا الله في رضا الوالدين) عن ابن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ قال: "رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد"، أخرجه الترمذي.
[ ٩ / ٢٧٦ ]
وروي: «يفعل البارّ ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار، ويفعل العاق ما يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة».
وروى سعيد بن المسيب: إنّ البارّ لا يموت ميتة سوء. وقال رجل لرسول الله ﷺ: إنّ أبويّ بلغا من الكبر أني ألي منهما ما وليا مني في الصغر، فهل قضيتهما؟ قال: لا، فإنهما كان يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما»، وشكا رجل إلى رسول الله أباه وأنه يأخذ ماله، فدعا به فإذا شيخ يتوكأ على عصا، فسأله فقال: إنه كان ضعيفًا وأنا قوى، وفقيرًا وأنا غنيّ، فكنت لا أمنعه شيئًا من مالي، واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غنيّ، ويبخل عليّ بماله، فبكى رسول الله ﷺ وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك، أنت ومالك لأبيك. وشكا إليه آخر سوء خلق أمّه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر؟ قال: إنها سيئة الخلق. قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين؟ قال إنها سيئة الخلق. قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها؟
قال: لقد جازيتها. قال: ما فعلت؟ قال: حججت بها على
_________________
(١) ـ قوله: (ورُوي: يفعل البارُّ)، إن رُوي بضم اللام يكون خبرًا في معنى الطلب، كقوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ) [البقرة: ٢٣٣]، وإن رُوي بكسرها، يكون من قبيل: محمد تفد نفسك كل نفس، أي: لتفد. قوله: (أنت ومالك لأبيك)، روى أبو داود، عن ابن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ أتاه رجلٌ فقال: يا رسول الله، إن لي مالًا وولدًا، وإن والدي يجتاح مالي، قال: "أنت ومالك لأبيك". النهاية: يجتاح مالي، أي: يستأصله، ويأتي عليه أخذًا وإنفاقًا، والاجتياح من الجائحة، وهي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها.
[ ٩ / ٢٧٧ ]
عاتقي. قال: ما جزيتها ولو طلقة وعن ابن عمر أنه رأى رجلًا في الطواف يحمل أمّه ويقول:
إنِّي لَهَا مَطِيَّةٌ لَا تُذْعَرُ … إذَا الرِّكَابُ نَفَرَتْ لَا تَنْفِرُ
مَا حَمَلَتْ وَأَرْضَعَتْنِي أَكْثَرُ … اللَّهُ رَبِّي ذُو الْجَلَالِ الأَكْبَرُ
تظنني جازيتها يا ابن عمر؟ قال: لا ولو زفرة واحدة. وعنه ﵊ «إياكم وعقوق الوالدين، فإنّ الجنة توجد ريحها من مسيرة ألف عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جارّ إزاره خيلاء، إنّ الكبرياء لله رب العالمين».
وقال الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة، وإذا بعث إليه منها ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر. ويأخذ الإناء منه إذا شربها. وعن أبي يوسف: إذا أمره أن يوقد تحت قدره وفيها لحم الخنزير أوقد. وعن حذيفة أنه استأذن النبيّ ﷺ في قتل أبيه وهو في صف المشركين، فقال: دعه يليه غيرك. وسئل الفصيل بن عياض عن برّ الوالدين فقال: أن لا تقوم إلى خدمتهما عن كسل. وسئل بعضهم فقال: أن لا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر شررًا إليهما، ولا يريا منك مخالفة في ظاهر ولا باطن، وأن تترحم عليهما ما عاشا، وتدعو لهما إذا ماتا، وتقوم بخدمة أودّائهما من بعدهما. فعن النبيّ ﷺ:
_________________
(١) ـ قوله: (ولو طلقة). النهاية: وفي حديث ابن عمر، أن رجلًا حج بأمه فحملها على عاتقه فسأله: هل قضى حقها؟ قال: "لا، ولا طلقة واحدة". الطلقة: وجع الولادة. والطلقة: المرة الواحدة. قوله: (لاتذعر)، الذعر: الفزع. قوله: (ولو زفرة واحدة). الأساس: على ظهره زفرٌ من الأزفار: حملٌ ثقيلٌ، يزفر منه وقد زفره يزفره: حمله.
[ ٩ / ٢٧٨ ]
"إنّ من أبر البرّ أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه".
[(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا)].
(بِما فِي نُفُوسِكُمْ) بما في ضمائركم من قصد البر إلى الوالدين واعتقاد ما يجب لهما من التوقير إِنْ (تَكُونُوا صالِحِينَ) قاصدين الصلاح والبر، ثم فرطت منكم - في حال الغضب، وعند حرج الصدر وما لا يخلو منه البشر، أو لحمية الإسلام - هنة تؤدّى إلى أذاهما، ثم أنبتم إلى الله واستغفرتم منها، فإن الله غفور
_________________
(١) ـ قوله: (إن من أبر البر) الحديث من رواية مسلم والترمذي وأبي داود، عن ابن عمر، وقال: قال رسول الله ﷺ: "إن من أبر البر صلة الرجل أهل وُد أبيه بعد أن تولى"، قوله: (من قصد البر)، بيان لـ"ما في ضمائركم"، وإنما خصه ببر الوالدين، وهو عام، لما سبق من التوصية بهما، وفصل قوله: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ) عما قبله للاستئناف على سبيل التعليل، أي: أحسنوا إليهما؛ لأن ربكم أعلمُ بما في نفوسكم من قصد البر فلا تقصروا فيه، وابذلوا جُهدكم وطاقتكم، فإنه يجازيكم على إحسانكم، ثم اتجه لهم أن يقولوا: نحن بشرٌ ربما يفرط منا فرطات وتسبق هنات من غير اختيار منا في بعض الأوقات، فكيف يكون حالنا؟ فقيل: (إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ)، أي: قاصدين الصلاح، فإن الله غفور بكم. ولما كان قوله: (فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا) جزاء لقوله: (إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ) ولم يستقم بظاهره أن يكون مسببًا عنه؛ لأن الغفران يستدعي الذنب، لا جرم قدر ما يقتضيه المقام منقوله: "ثم فرطت منكم" إلى قوله: "ثم أبتم إلى الله تعالى واستغفرتم منها". قوله: (هنه). الجوهري: في فلانٍ هناتٌ، أي: خصلات شر، ولا يقال ذلك في الخير.
[ ٩ / ٢٧٩ ]
(لِلْأَوَّابِينَ) للتوّابين. وعن سعيد بن جبير: هي في البادرة تكون من الرجل إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير. وعن سعيد بن المسيب: الأوّاب الرجل كلما أذنب بادر بالتوبة. ويجوز أن يكون هذا عامًّا لكل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته الجاني على أبويه التائب من جنايته، لوروده على أثره.
[(وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا* إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)].
(وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) وصى بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما، وأن
_________________
(١) ـ قوله: «لِلأَوَّابِينَ): للتوابين)، الراغب: الأوبُ: ضربٌ من الرجوع، ولا يقالُ إلا في الحيوان الذي له إرادة، والرجوع عام، والأواب كالتواب، وهو الراجع إلى الله تعالى من المعاصي، وفعل الطاعات، ومنه قيل للتوبة: أوبةٌ. قوله: (في البادرة). الجوهري: هي الحدة. الراغب: يُعبر عن الخطأ الذي يقع عن حدة: بادرة، يقال: كانت من فلان بوادر في هذا الأمر. قوله: (كلما أذنب): صفة للرجل لإرادة الجنسية منه. قوله: (ويجوز أن يكون هذا عامًا): عطفٌ على قوله: "فرطت، أي: فرطت هنة تؤدي إلى أذاهما"، وفُسرت بقوله: "هي البادرة تكون من الرجل إلى أبيه". قوله: (وصى بغير الوالدين). الأساس: وصيتك بفلان أن تبره، ووصى الشيء بالشيء: وصله له.
[ ٩ / ٢٨٠ ]
يؤتوا حقهم: وحقهم إذا كانوا محارم كالأبوين والولد،
_________________
(١) ـ قوله: (وحقهم إذا كانوا محارم كالأبوين) بعد قوله: "وصى بغير الوالدين من الأقارب"، يوهم التناقض، وكذلك قوله: "وإن كانوا مياسير فحقهم صلتهم بالمودة"، مخالفٌ لقوله: "وهذا دليل على أن المراد بما يؤتي ذوي القربى من الحق هو تعهدهم بالمال"، ويمكن أن يقال: إن ذا القربى مطلق شائع [فيمن يوجد فيه معنى القرابة من الوالدين والولد وغيرهم، فقيد بغير الوالدين لعطف هذه التوصية على التوصية بالوالدين، وهو المراد بقوله: "وصى بغير الوالدين بعد التوصية بهما". وأما قوله: "وأن يؤتوا حقهم"، فعطف على مجموع قوله بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما. وأما قوله: "وحقهم"، فالضمير فيه راجعٌ إلى الأبوين وذوي القربى؛ وكذلك حقه مطلق شائع] فيما يجب فيه مراعاة حق الأقرباء من النفقة، والزكاة والمودة وحُسن المعاشرة، فيفيد أيضًا بالزكاة، لعطف (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) على ذي القربى، وهو الذي عني بقوله: "آت هؤلاء حقهم من الزكاة، وهذا دليلُ" إلى آخره. قال الإمام: "آت ذا القربى" مجمل، وليس فيه أن ذلك الحق ما هو؟ وعند الشافعي ﵁: لا يجب الإنفاق إلا على الوالد والولد بقدر الحاجة، واتفقوا على أن من لم يكن من المحارم كأبناء العم، لا حق لهم إلا المودة وحسن المعاشرة. وأما المسكين وابن السبيل فقد تقدم حكمهما في سورة التوبة. وقلت: ويمكن أن يُترك (ذَا الْقُرْبَى) و(حَقَّهُ) على إطلاقهما، ويُحمل (وَآتِ) على عموم المجاز، لتكون الآية من الجوامع، فيدخل فيه الإنفاق على الوالدين وبرهما فيها دخولًا أوليًا، والله أعلم.
[ ٩ / ٢٨١ ]
وفقراء عاجزين عن الكسب، وكان الرجل موسرًا: أن ينفق عليهم عند أبى حنيفة. والشافعي لا يرى النفقة إلا على الولد والوالدين فحسب. وإن كانوا مياسير، أو لم يكونوا محارم: كأبناء العمّ، فحقهم صلتهم بالمودّة والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء والمعاضدة ونحو ذلك.
(وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيل) يعني: وآت هؤلاء حقهم من الزكاة. وهذا دليل على أن المراد بما يؤتى ذوى القرابة من الحق: هو تعهدهم بالمال. وقيل: أراد بذي القربى أقرباء رسول الله ﷺ.
التبذير. تفريق المال فيما لا ينبغي. وإنفاقه على وجه الإسراف. وكانت الجاهلية
_________________
(١) ـ قوله: (وفقراء عاجزين) عطفٌ على محارم"، و"أن يُنفق عليهم": خبرُ "حقهم". قوله: (وإن كانوا مياسير أو لم يكونوا محارم … فحقهم): الجملة معطوفة على قوله: "وحقهم إذا كانوا محارم"، إلى آخره. قوله: (أراد بذي القربى: أقرباء الرسول ﷺ)، قال الإمام: (وَآتِ) خطابٌ مع من؟ فيه قولان: أحدهما: أنه خطابٌ للرسول ﷺ، فأُمر أن يُؤتي أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه أيضًا إخراج حق المسكين وأبناء السبيل من هذين المالين. وثانيهما: أنه خطاب للكل لدلالة عطفه على قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا). قوله: (التبذير: تفريق المال فيما لا ينبغي). الراغب: وأصله إلقاء البذر وطرحه، فاستعير لكل مضيع لماله، فتبذير البذر تضييع في الظاهر لمن لم يعرف مآل ما يُلقيه، قال تعالى: (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا).
[ ٩ / ٢٨٢ ]
تنحر إبلها وتتياسر عليها وتبذر أموالها في الفخر والسمعة، وتذكر ذلك في أشعارها، فأمر الله بالنفقة في وجوهها مما يقرّب منه ويزلف. وعن عبد الله: هو إنفاق المال في غير حقه. وعن مجاهد: لو أنفق مدّا في باطل كان تبذيرًا وقد أنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر، فقال له صاحبه: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير. وعن عبد الله بن عمرو: مرّ رسول الله ﷺ بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف يا سعد؟ قال: أو في الوضوء سرف؟ قال. نعم وإن كنت على نهر جار (إِخْوانَ الشَّياطِينِ) أمثالهم في الشرارة وهي غاية المذمّة، لأنه لا شرّ من الشيطان. أو هم إخوانهم وأصدقاؤهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف. أو هم
_________________
(١) ـ قوله: (مر رسول الله ﷺ بسعدٍ وهو يتوضأ) الحديث مخرج في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن ابن عمر ﵁. قوله: (أمثالهم في الشرارة)، يريد أن (إِخْوَانَ) في قوله: (إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) إما محمول على معنى التشبيه، كما جاء في الحديث: "كأخي السرار"، أي: كمثله، وهو المراد من قوله: "أمثالهم"، ولما كان هذا التشبيه من باب إلحاق الناقص بالكامل قال: "لأنه شرٌ من الشياطين"، وإما مجاز، كما في "الأساس": بين السماحة والشجاعة تآخ، ولقيته بأخي الشر، أي: بالخير، فهو إما بمعنى الصديق، وذلك في الدنيا؛ لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم. أو بمعنى القرين، وذلك في النار، وهذا وارد على الوعيد والتهديد، والوجهان على الذم والتقبيح. قوله: (لأنه لاشر من الشيطان)، عن بعضهم: الأولى: لا شرًا؛ لأن "مِن" صلة "شرا" فيكون مشابهًا للمضاف، نحو: لا خيرًا من زيد عندنا.
[ ٩ / ٢٨٣ ]
قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد (وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا* فما ينبغي أن يطاع، فإنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله. وقرأ الحسن: (إخوان الشيطان).
[(وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا)].
وإن أعرضت عن ذى القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الردّ (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا* فلا تتركهم غير مجابين إذا سألوك. وكان النبي ﷺ إذا سئل شيئًا وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء. قوله (ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ) إمّا أن يتعلق بجواب الشرط مقدّما عليه، أي: فقل لهم قولًا سهلًا لينًا وعدهم وعدًا جميلا، رحمة لهم وتطييبًا لقلوبهم، ابتغاء رحمة من ربك، أي: ابتغ رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم. وإما أن يتعلق بالشرط، أي: وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك، فسمى الرزق رحمة، فردّهم ردًّا جميلا، فوضع الابتغاء موضع الفقد، لأنّ فاقد الرزق مبتغ له، فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء مسببًا عنه، فوضع المسبب موضع السبب. ويجوز أن يكون معنى (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ) وإن لم تنفعهم
_________________
(١) ـ قوله: (فما ينبغي أن يُطاع)، يعني قوله: "وكان الشيطان لربه كفورا" تذييل للكلام، ولذلك أجراهُ مجرى التعليل. قوله: (أي: ابتغ رحمة الله)، فسر المفعول له بالأمر ليؤذن بأنه داخلٌ في حيز الجزاء، عطفٌ على "قُلْ" مِن حيثُ المعنى، فيكون مأمورًا بإنشاء القول اللين وإنشاء طلب الرمة. قوله: (ويجوز أن يكون معنى (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ): وإن لم تنفعهم): عطفٌ على: "وإن أعرضت عن ذي القربى والمساكين وابن السبيل حياءً من الرد"، وقوله: "كناية بالإعراض عن ذلك" خبرُ: "أن يكونَ"، والإعراضُ عن الأول مُجرى على صراحته لقوله: "أعرض عن السائل وسكت حياءً"، ثم قوله: (ابْتِغَاءَ) على الأول: إما أن يتعلق بقوله: (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا)، والإضافة إلى المفعول لقوله: "ابتغ رحمة الله"، وإما أن يتعلق بالإعراض،
[ ٩ / ٢٨٤ ]
ولم ترفع خصاصتهم لعدم الاستطاعة، ولا يريد الإعراض بالوجه كناية بالإعراض عن ذلك، لأن من أبى أن يعطى: أعرض بوجهه. يقال: يسر الأمر وعسر، مثل سعد الرجل ونحس فهو مفعول، وقيل معناه: فقل لهم رزقنا الله وإياكم من فضله، على أنه دعاء لهم ييسر عليهم فقرهم، كأن معناه: قولا ذا ميسور، وهو اليسر، أي:
دعاء فيه يسر.
[(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا)].
هذا تمثيلٌ لمنع الشحيح وإعطاء المسرف، وأمر بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير (فَتَقْعُدَ مَلُومًا) فتصير ملوما عند الله، لأنّ المسرف غير مرضى عنده وعند
_________________
(١) ـ وعلى أن يكون كناية يختص تعلقه بالشرط، ويكون الابتغاء موضوعًا موضع عدم الاستطاعة وضعًا للمسبب موضع السبب. قوله: (خصاصتهم)، الأساس: أصابته خصاصةٌ: خلة، واختص الرجل: اختل، أي: افتقر، وسددت خصاصة فلان: جبرتُ فقره. قوله: (ولا يريد الإعراض) بالنصب، عطفٌ على "أن يكون". قوله: (فهو مفعولٌ)، أي: ميسورًا، والمعنى: قل لهم قولًا لينًا، وعدهم وعدًا جميلًا. ويجوز أن يُراد بالقول الميسور الدعاء لهم باليسر، أي: يذكر فيه معنى اليسر وما أشبهه مثل: أغناكم الله ورزقنا الله وإياكم، فعلى هذا يكون مصدرًا، وإليه الإشارة بقوله: قولًا ذا ميسور، وهو اليسر. قوله: (تمثيل لمنع الشحيح وإعطاء المُسرف) مثل حال من يمنع لشحه بحال من يده مغلولة إلى عنقه، فلا يقدر على شيء من التصرف، وحال من يسرف بحال من بسط كفه كل البسط لا يثبت شيء في كفه، ثم استعمل ألفاظ الممثل به في الممثل.
[ ٩ / ٢٨٥ ]
الناس، يقول المحتاج: أعطى فلانًا وحرمني. ويقول المستغنى: ما يحسن تدبير أمر المعيشة. وعند نفسك:
إذا احتجت فندمت على ما فعلت (مَحْسُورًا): منقطعًا بك لا شيء عندك، من حسره السفر إذا بلغ منه وحسره بالمسألة، وعن جابر: بينا رسول الله ﷺ جالس أتاه صبى فقال: إنّ أمي تستكسيك درعًا، فقال من ساعة إلى ساعة يظهر، فعد إلينا، فذهب إلى أمّه فقالت له قل له: إن أمي تستكسيك الدرع
_________________
(١) ـ قوله: (وعند نفسك إذا احتجت): معطوفٌ على قوله: "عند الله"، أي: هو ملومٌ عند الله لأنه غيرُ راضٍ عنه، وملومٌ عند الناس، الفقير يلومه ويقول: أعطى فلانًا وحرمني، والغني يقول: ما تحسن تدبير المعيشة، وملومٌ عند نفسه: إذا احتاج ندم على ما فعل، والحاصل أن (مَلُومًا) قُطع عن متعلقه ليُعلم التقدير. الراغب: اللوم: عذلُ الإنسان بنسبته إلى ما فيه لوم، قال تعالى: (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) [المؤمنون: ٦] ن ذكر اللوم تنبيهًا على أنه إذا لم يُلاموا لم يفعل بهم ما فوق اللوم، ورجٌ لومةٌ: يلوم الناس، ولومةٌ: يلومه الناس، واللائمة: الأمر يلام عليه الإنسان. قوله: (منقطعًا بك)، انقطع بالمسافر، على بناء المفعول: إذا أعطبت دابته أو نفد زاده، فانقطع به السفر دون طيته، فهو منقطع به، مثله في "الأساس". قوله: (إذا بلغ منه)، يقال: بلغ منه المرض، أي: أثر فيه تأثيرًا بليغًا. قوله: (وحسره)، الجوهري: حسر البعير يحسر حسوارً: أعياه، وحسرته أنا حسرًا، يتعدى ولا يتغدى. قوله: (من ساعة إلى ساعة)، قيل: من: متعلقٌ بمحذوف، أي: أخر سؤالك من ساعة ليس لنا يها درعٌ إلى ساعة يظهر لنا درع. ودرعُ المرأة: قميصها، ويمن أن يتعلق بقوله: يظهر.
[ ٩ / ٢٨٦ ]
الذي عليك، فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانًا، وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة. وقيل أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن، فجاء
_________________
(١) ـ قلت: يمكن أن يقال: إنه لما طلب الدرع قال ﷺ: مطلوبك لا يحضرنا الآن، لكن تترقبه ونرجو حصوله وظهوره من ساعة إلى ساعة، وينطبق على هذا معنى قوله تعالى: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا)، وبهذا اقتدى الفضل حين أجاب عن سؤال سائل: أكره أن أقول: نعم، فأكون ضامنًا، أو لا، فأكون مؤيسا، ولكن ننظر فيسهلُ اللهُ. قوله: (وقيل أعطى الأقرع بن حابس)، الحديث من رواية مسلم، عن رافع بن خديج، قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب يوم حنين وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس وعلقمة بن علاثة كل إنسان منهم مئة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس الأبيات الثلاثة المذكورة. وفيه: "فما كان بدرٌ ولاحابسٌ"، و"من تخفض ايوم": بدل "تضع"، قال: فأتم له رسول الله ﷺ مئة. ورواية ابن عبد البر: قال رسول الله ﷺ: "اذهبوا فاقطعوا عني لسانه"، فأعطوه حتى رضي. النهاية: العبيد- بضم العين وفتح الباء الموحدة-: اسمُ فرس العباس بن مرداس السلمي. ومعنى: "اقطعوا عني لسانه": أعطوه حتى يسكتن فكنى بالقطع عن السكوت، ومنه أتاه رجلٌ فقال: إني شاعر، فقال: يا بلال، اقطع لسانه، فأعطاه أربعين درهمًا. قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا ممن له حق في بيت المال، كابن السبيل وغيره، فتعرض له بالشعر فأعطاه لحقه أو لحاجته، لا لشعره.
[ ٩ / ٢٨٧ ]
عباس بن مرداس، وأنشأ يقول:
أَتَجْعَلُ نَهْبِى وَنَهْبَ الْعَبِيـ … ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ
وما كان حصنٌ ولا حابسٌ … وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْم لَا يُرْفَعِ
وما كنت دون امرئ منهما … ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال: يا أبا بكر، اقطع لسانه عنى، أعطه مائة من الإبل فنزلت.
[(إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا)].
ثم سلى رسول الله ﷺ عما كان يرهقه من الإضافة، بأنّ ذلك ليس لهوان منك
_________________
(١) ـ قوله: (يرهقه من الإضافة)، أي: يغشاه، النهاية: أرهقني فلان إثما حتى رهقته، أي: حملني إثمًا حتى حملته له، جعل قوله: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ) تعليلًا له لقوله: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا)، يعني: إن أعرضت عن العفاة لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا) ولا تهتم بذلك، فإن ذلك ليس لهوان منك عليه، ولكن بيد الله مقاليد الرزق، وهو يقبض ويبسط كيف يشاء، وحكمته تابعة لمشيئته، لا بالعكس كما قال، ففوض الأمر إليه، فيكون قوله: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) معترضة تأكيدًا لمعنى ما يقتضيه حكمة الله من القبض والبسط، وأمرًا بالتأسي بسنة الله، كما هو في الوجه الثالث، وهو أن يُراد بالنهي عن البسط والقبض الأمر بالاقتصاد، على الوجهين الآخرين، تعليلٌ للأمر بالاقتصاد، وعلى الوجه الثاني التعليل مخالف لما ينبغي أني فعله العبد، يعني: البسط المفرط والقبض المفرط مختص بالله فاقتصد أنت واترك ما هو مختص بالله تعالى من البسط المفرط والقبض المفرط، وعلى الثالث موافق له، يعني أنكم إذا تحققتم فيما بسط الله تعالى وقبض، وأمعنتم النظر فيه وجدتموه مقتصدًا، فاقتصدوا واستنوا بسنته.
[ ٩ / ٢٨٨ ]
عليه، ولا لبخل به عليك ولكن لأنّ مشيئته في بسط الأرزاق وقدّرها تابعة للحكمة والمصلحة. ويجوز أن يريد أن البسط والقبض إنما هما من أمر الله الذي الخزائن في يده، فأما العبيد فعليهم أن يقتصدوا. ويحتمل أنه عزّ وعلا بسط لعباده أو قبض، فإنه يراعى أوسط الحالين، لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده، ولا بالمقبوض عليه أقصى مكروهه، فاستنوا بسنته.
[(وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطًْا كَبِيرًا)].
قتلهم أولادهم: هو وأدهم بناتهم، كانوا يئدونهنّ خشية الفاقة وهي الاملاق، فنهاهم الله وضمن لهم أرزاقهم. وقرئ (خَشْيَةَ) بكسر الخاء. وقرئ (خِطْئا) وهو الإثم، يقال: خطئ خطأ، كاثم إثما، وخطأ وهو ضدّ الصواب، اسم من أخطأ. وقيل: هو والخطء كالحذر والحذر، وخطاء بالكسر والمدّ. وخطاء بالفتح والمد. (وخطأ) بالفتح والسكون. وعن الحسن: خطا بالفتح وحذف الهمزة كالخب. وعن أبى رجاء: بكسر الخاء غير مهموز.
_________________
(١) ـ قوله: (و"خطاء" بالكسر والمد)، قال أبو علي: قرأها ابن كثير، ويحتمل أن يكون مصدر "خاطأ"، وإن لم يُسمع. قال أبو عبيد: هو من قولهم: تخاطأة النبل أحشاءه يدل على خاطأ؛ لأن تفاعل مطاوع فاعل، وقرأ ابن عامر: "خطأ" بفتح الخاء والطاء من غير مد، وقرأ الباقون: (خِطْئًا) بكسر الخاء وسكون الطاء وقصرها. قوله: (أن تغصب على غيرك امراته). الأساس: غُصب على عقله، واغتصبت فلانة نفسها: جُومعت مقهورة.
[ ٩ / ٢٨٩ ]
[(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا)].
(فاحِشَةً) قبيحة زائدة على حد القبح (وَساءَ سَبِيلًا) وبئس طريقا طريقه، وهو أن تغصب على غيرك امرأته أو أخته أو بنته من غير سبب، والسبب ممكن وهو الصهر الذي شرعه الله.
[(وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا)].
(إِلَّا بِالْحَقِّ) إلا بإحدى ثلاث: إلا بأن تكفر، أو تقتل مؤمنا عمدا، أو تزنى بعد إحصان. (مَظْلُومًا) غير راكب واحدة منهنّ (لِوَلِيِّهِ) الذي بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه، فإن لم يكن له ولى فالسلطان وليه (سُلْطانًا) تسلطا على القاتل في الاقتصاص منه. أو حجة يثب بها عليه (فَلا يُسْرِفْ) الضمير للولي. أى: فلا يقتل غير القاتل، ولا اثنين والقاتل واحد، كعادة الجاهلية: كان إذا قتل منهم واحد قتلوا به جماعة، حتى قال مهلهل حين قتل بجير بن الحارث بن عباد:
_________________
(١) ـ قوله: (إلا بإحدى ثلاث)، يريد الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة"، أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود والنسائي. قوله: (حتى قال مهلهل حين قتل بُجير بن الحارث) قصته سبقت في "البقرة" عند قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) [البقرة: ١٧٩] مستقصى.
[ ٩ / ٢٩٠ ]
بؤ بشسع نعل كليب. وقال:
كُلُّ قَتِيلٍ فِى كُلَيْبٍ غُرَّهْ … حَتَّي يَنَالَ الْقَتْلُ آلَ مُرَّهْ
وكانوا يقتلون غير القاتل إذا لم يكن بواء. وقيل: الإسراف المثلة. وقرأ أبو مسلم صاحب الدولة: فلا يسرف، بالرفع على أنه خبر في معنى الأمر. وفيه مبالغة ليست في الأمر. وعن مجاهد: أنّ الضمير للقاتل الأوّل.
_________________
(١) ـ قوله: (بؤ بشسع). الأساس: باء فلانٌ بفلان: صار كفؤا له، وأبأت فلانًا بفلان: قتلته به، يعني: قم مقام شسعه، فإنك لست كفؤًا له. قوله: (كل قتيل في كليب غره)، الغرة: من يفدي به في قتل الجنين، عبدًا كان أو أمة، المعنى: كل قتيل يُقتل فداء لكليب كلا فداء؛ لأنه لا يساويه. قوله: ("فلا يُسرفُ" بالرفع)، قال ابن جني: رُفع هذا على لفظ الخبر، بمعنى الأمر، كقولهم: يرحم الله زيدًا، ويجوز أن يكون معناه دون الأمر، أي: ينبغي أن لا يسرف، وعليه قوله: على الحكم المأتي يومًا إذا قضى … قضيته ألا يجور ويقصد فرفعه على الاستئناف، ومعناه: أن يقصد. قوله: (وعن مجاهد أن الضمير للقائل الأول)، عطف على قوله: "الضمير للولي"، المعنى: لا يُسرف القاتل في القتل بأن يقتل من لا يحق قتله فيقتل، فيكون قد أسرف في القتل، حيث كان سببًا لهلاك نفسه وهلاك غيره، وفي الارتداع سلامة نفسه وسلامة نفس الغير، ففيه لمحة من معنى قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)، وعلى هذا الضمير في
[ ٩ / ٢٩١ ]
وقرئ: (فلا تسرف)، على خطاب الولي أو قاتل المظلوم. وفي قراءة أبىّ: فلا تسرفوا، ردّه على: (ولا تقتلوا) (إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا) الضمير إمّا للولي، يعنى حسبه أنّ الله قد نصره بأن أوجب له القصاص فلا يستزد على ذلك، وبأنّ الله قد نصره بمعونة السلطان وبإظهار المؤمنين على استيفاء الحق، فلا يبغ ما وراء حقه. وإمّا للمظلوم، لأنّ الله ناصره وحيث أوجب القصاص بقتله، وينصره في الآخرة بالثواب. وإما للذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله، فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف.
[(وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا)].
(بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن، وهي حفظه عليه وتثميره (إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) أي مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به،
_________________
(١) ـ قوله: (إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا) للمقتول، أي: لا يُسرف القاتل المبتدئ؛ لأن من قُتل مظلومًا كان منصورًا بأن يقتص له وليه أو السلطان. قوله: (وقرئ: "فلا تسرف" على خطاب الولي): حمزة والكسائي، والباقون: بالياء. قوله: (إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا)، أي: مطلوبًا، يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به)، الانتصاف: هذا التأويل أرح، ويحذف الجار والمجرور الذي هو (عنه) تخفيفًا كما جاء في قوله: (كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)، ويعضد سؤال العهد على وجه التمثيل وقوف الرحم بين يدي الله وسؤالها عمن وصلها أو قطعها في الحديث الصحيح. وقلت: الثاني أبلغ عند أرباب البلاغة وفرسان الطراد، وكان ترك (عنه) هنا دون الآية
[ ٩ / ٢٩٢ ]
ويجوز أن يكون تخييلا، كأنه يقال للعهد: لم نكثت؟ وهلا وفي بك؟ تبكيتا للناكث، كما يقال للموءودة: (بأي ذنب قتلت)؟ ويجوز أن يراد أنّ صاحب العهد كان مسؤولًا.
[(وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا)].
وقرئ (بِالْقِسْطاسِ) بالضم والكسر، وهو القرسطون. وقيل: كل ميزان صغر أو كبر من موازين الدراهم وغيرهما (وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) وأحسن عاقبة، وهو تفعيل، من آل إذا رجع، وهو ما يؤول إليه.
_________________
(١) ـ المستشهد به دليلًا عليه، والحديث المذكور، وسؤال الموءودة معاضدين له. قوله: (ويجوز أن يكون تخييلًا) أي: المسؤول، فحينئذ يكون "العهد" استعارة مكنية، و(كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) استعارة تخييلية، شُبه العهد المنكوث بإنسان ظُلم عليه تشبيهًا بليغًا، وتوهم أنه هو، ثم أطلق اسم المشبه على المشبه به، ثم خُيل للمشبه ما يُلازم المشبه به من السؤال عنه تعريضًا، فقيل له: لم نكثت. قوله: (ويجوز أن يُراد) على تقدير السؤال على التبكيت، بأن يُقال: لم نكثت العهد؟ فعلى هذا يكون الإسناد مجازيًا، وعلى الأول ليس في الكلام توبيخ، وعلى الثاني: توبيخ على سبيل التعريض به. وعلى الثالث: توبيخٌ على التصريح. قوله: (قرئ: (بِالْقِسْطَاسِ»: حفص وحمزة والكسائي: (بِالْقِسْطَاسِ) هنا وفي "الشعراء": بكسر القاف، والباقون بضمها. الراغب: القسطاس يُعبر به عن العدالة، كما يعبر بالميزان عنها، قال تعالى: (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) [الإسراء: ٣٥].
[ ٩ / ٢٩٣ ]
[(وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا)].
(وَلا تَقْفُ) ولا تتبع. وقرئ: «ولا تقف)، يقال: قفا أثره وقافه، ومنه: القافة، يعنى: ولا تكن في اتباعك ما لا علم لك به من قول أو فعل، كمن يتبع مسلكا لا يدرى أنه يوصله إلى مقصده فهو ضال. والمراد: النهى عن أن يقول الرجل ما لا يعلم، وأن يعمل بما لا يعلم، ويدخل فيه النهى عن التقليد دخولا ظاهرا. لأنه اتباع لما لا يعلم صحته من فساده. وعن ابن الحنفية: شهادة الزور وعن الحسن: لا تقف أخاك المسلم إذا مرّ بك، فتقول: هذا يفعل كذا، ورأيته يفعل، وسمعته، ولم تر ولو تسمع. وقيل: القفو شبيه بالعضيهة. ومنه الحديث «من قفى مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج» وأنشد:
_________________
(١) ـ قوله: (القافة). النهاية: القائف: الذي يتتبع الآثار ويعرفُ شبه الرجل بأخيه وأبيهن والجمع: القافة. قوله: (شبيه بالعضيهة). الجوهري: هي البهيتة، وهي الإفك والبهتان. قوله: (ردغة الخبال)، الحديث من رواية أبي داود، عن يحيى بن راشد: "من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال". النهاية: ومنه حديث حسان بن عطية: "من قفا مؤمنًا بما ليس فيه وقفه الله في ردغة الخبال". جاء في تفسيرها: أنها عُصارة أهل النار، والردغة بسكون الدال وفتحها: طين
[ ٩ / ٢٩٤ ]
وَمِثْلُ الدُّمى شُمُّ الْعَرَانِينِ سَاكِنٌ … بِهِنَّ الحَيَاءُ لَا يُشِعْنَ التَّقَافِيَا
أى التقاذف. وقال الكميت:
وَلَا أرْمِي البَرِيَّ بِغَيْرِ ذَنْبٍ … وَلَا أَقْفُو الحَوَاصِنَ إنْ قُفِينَا
وقد استدل به مبطل الاجتهاد ولم يصح، لأنّ ذلك نوع من العلم، فقد أقام الشرع غالب الظن مقام العلم، وأمر بالعمل به أُولئِكَ إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد، كقوله:
وَالْعَيْشَ بَعْدَ (أُولَئِكَ) الأَيَّامِ
_________________
(١) ـ ووحلٌ كثير، وفي الحديث: "إن الخبال: عُصارة أهل النار"، وهو في الأصل: الفسادُ، وقوله: "حتى يخرج مما قال" أي: يخرج من عهدة قوله، يريد، والله أعلم: أنه يحملُ عليه من ذنوب المغتاب فيعذب في النار على مقداره، ثم يخرج منها. قوله: (ومثل الدُّمَى)، البيت. الدُّمَى: جمع دمية، وهي: الصنم والصور المنقوشة، والشمم: ارتفاع الأنف، وشُم العرانين: كناية عن التكبر، لا يُشعن، أي: لا يظهرن، التقافيا، أي: التقاذف. الأساس: يقال: ومالك تقفو صاحبك؟ أي: تقذفه، وإياك والقفو، وماهجا فلانٌ ولا قفا. يصف جماعة من النساء بالجمال والتكبر والحياء، وصون لسانهن عن القذف، مثله قول حسان في أم المؤمنين عائشة ﵂ حصانٌ رزانٌ ما تُزن بريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل قوله: (ولا أرمي) البيت، الحواصن: النساء العفائف، قُفينا: أصله قفين. قوله: (والعيش بعد أولئك الأيام)، أوله: ذُم المنازل بعد منزلة اللوى
[ ٩ / ٢٩٥ ]
(وعَنْهُ) في موضع الرفع بالفاعلية، أى: كل واحد منها كان مسئولا عنه، فمسئول: مسند إلى الجار والمجرور، كالمغضوب في قوله (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧]، يقال
_________________
(١) ـ ذُم: أمرٌ أي: العيشة الطيبة: ما مضى بمنزلة اللوى، وما سوى ذلك مذمومٌ في جنبه. والغرض من الاستشهاد أن لفظة: أولاء ليست مخصوصة بالعقلاء، بل تقع على جماعة الرجال والنساء والحيوان والجماد والأعراض، قال الكواشي: "أولئك": غالب لمن يعقلُ، وقال القاضي: الأصل: كل هذه الأعضاء، فأجراها مُجري العقلاء، لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها، أو إن "أولاءِ" وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لـ "ذا" وهو يعم القبيلين، جاء لغيرهم. قوله: (فمسؤول: مسند إلى الجار والمجرور)، قال أبو البقاء: ما ذكره الزمخشري غلط؛ لأن الجار والمجرور يقام مقام الفاعل إذا تقدم الفعلُ، أو ما يقوم مقامه، فأما إذا تأخر فلا يصح ذلك فيه؛ لأن الاسم إذا تقدم على الفعل صار مبتدأ، وحرفُ الجر إذا كان لازمًا مبتدأ لا يكون مبتدأ، ونظيره قولك: بزيدٍ انطلق، ويدلك على ذلك انك لو ثنيت لم تقل: بالزيدين انطلقا، ولكن تصحيح المسألة أن يُجعل الضمير في "مسؤول" للمصدر، فيكون (عنه) في موضع نصبٍ كما يُقدر في قولك: بزيدٍ انطلق. وقال صاحب "التقريب": وإنما جاز تقديمه مع أنه فاعل لمحًا لأصالة ظرفيته لا لعروض فاعليته، ولأن الفاعل لا يتقدم لالتباسه بالمبتدأ ولا التباس هاهنا؛ لو أنه ليس بفاعل حقيقة، وجاز أن يكون فاعله ضمير كل لحذف المضاف، أي: كان مسؤولًا صاحبها عنه. وجاز أن تكون مرفوعة المصدر، وهو السؤال. سأل ابن جني أبا علي عن قولهم: فيك يُرغبُ، فقال: فيك لا يرتفع بما بعده، فأين المرفوع؟ فقال: المصدر، أي: فيك يرغبُ
[ ٩ / ٢٩٦ ]
للإنسان: لم سمعت ما لم يحل لك سماعه، ولم نظرت إلى ما لم يحل لك النظر إليه، ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه؟ وقرئ وَالْفُؤادَ بفتح الفاء والواو، قلبت الهمزة واوا بعد الضمة في الفؤاد، ثم استصحب القلب مع الفتح.
[(وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا* كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا)].
(مَرَحًا) حال، أي: ذا مرح
_________________
(١) ـ الراغب، وفيك: ظرفٌ لا فاعل. وفي "شرح ابن المعطي في الألفية": إن كان مفعول المجهول جارًا ومجرورًا فلا يتقدم على الفعل؛ لأنه لو تقدم اشتغل الفعل بضميره، ولا يمكن جعله مبتدًا لأجل حرف الجر. ومنهم من أجاز محتجًا بهذه الآية؛ لأن ما لم يسم فاعله مفعولٌ في المعنى. قوله: ٠ وقرئ: "والفواد")، قال ابن جني: قرأها الجراح: "والبصر والفواد"، وأنكر أبو حاتم فتح الفاء ولم يذكر هو ولا ابن مجاهد الهمز ولاتركه، وقد يجوز ترك الهمز مع فتح الفاء، كأنه كان (الْفُؤَادُ) بضمها والهمز ثم خففت، فخلصت في اللفظ واوًا، وفتحت الفاء على ما في ذلك فبقيت واوًا.
[ ٩ / ٢٩٧ ]
وقرئ (مَرَحًا) وفضل الأخفش المصدر على اسم الفاعل لما فيه من التأكيد (لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ): لن تجعل فيها خرقا بدوسك لها وشدّة وطأتك. وقرئ. (لن تخرق)،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "مرحًا") وهي شاذة. الراغب: المرح: شدة الفرح والتوسع فيه، ومرحى: كلمة تعجب. قال أبو البقاء: "مرحًا" بكسر الراء: حالٌ، وبفتحها: مصدرٌ في موضع الحال أو مفعول له. وفي كلام المصنف تسامح؛ لأنه قال: وفضل الأخفش المصدر على اسم الفاعل بعدما أول المصدر بقوله: ذا مرح، وبعد القراءة الدالة على أنه اسم فاعل، وإنما يكون المصدر مفيدًا للمبالغة إذا تُرك على حاله، نحو: رجلٌ عدل. قوله: (لن تجعل فيها خرقًا بدوسك)، الراغب: الخرقُ: قطع الشيء على سبيل الفساد من غير تفكرٍ وتدبر، قال تعالى: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) [الكهف: ٧١]، وهو ضد الخلق، لأنه فعل الشيء بتقدير ورفق، والخرقُ بغير تقدير، قال تعالى: (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: ١٠٠] أي: حكموا بذلك على سبيل الخرق، وباعتبار القطع قيل: خرق الثوب وتخرقه، وباعتبار ترك التقدير، قيل: رجلٌ أخرق وخرقٌ وامرأة خرقاء، ومنه الحديث: "ما دخل الخرق في أمر إلا شانه"، ومن الخرق استعيرت المخرقة، وهو إظهار الخرق توصلًا إلى حيلة، والمخراق: شيء يلعب به، كأنه يخرق لإظهار الشيء بخلافه.
[ ٩ / ٢٩٨ ]
بضم الراء. (وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا) بتطاولك. وهو تهكم بالمختال. قرئ (سيئة) و(سيئًا)، على إضافة سيئ إلى ضمير كل، (وسيئًا) في بعض المصاحف. (وسيئات). وفي قراءة أبى بكر الصديق ﵁: كان شأنه.
فإن قلت: كيف قيل سيئه مع قوله (مكروها)؟
قلت: السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم زال عنه حكم الصفات، فلا اعتبار بتأنيثه. ولا فرق بين من قرأ سيئة وسيئا. ألا تراك تقول: الزنا سيئة، كما تقول: السرقة سيئة، فلا تفرق بين إسنادها إلى مذكر ومؤنث. فإن قلت: فما ذكر من الخصال بعضها سيئ وبعضها حسن، ولذلك قرأ من قرأ (سَيِّئُهُ) بالإضافة، فما وجه من قرأ سيئة؟ قلت:
_________________
(١) ـ قوله: (وهو تهكم بالمختار). الانتصاف: لقد حرس الله عوام زماننا من هذه المشية المنهي عنها، ووقع فيها قراؤنا وفقهاؤنا، إذا حفظ أحدهم مسألتين، وجلس بين يديه طالبان، أو نال طرفًا من رئاسة مشي خيلاء، وود لو حَك بيافوخه السماء، يمرون بهذه الآية وهم عنها معرضون، وماذا يفيد أن يقرأ القرآن، أو يُقرأ عليه، وقلبُه عن تدبره بمراحل. قوله: (وقرئ: "سيئة" و(سَّيِّئَةِ»: الكوفيون وابن عامر: (كَانَ سَيِّئُهُ)، بضم الهمزة والهاء على التذكير، والباقون: بفتحها مع التنوين على التأنيث. قال أبو البقاء: "سيئة" يُقرأ بالتأنيث والنصب، أي: كل ما ذُكر من المناهي وذُكر: (مَكْرُوهًا) على لفظ "كُل"، أو لأن التأنيث غير حقيقي. ويُقرأ بالرفع، أي: سيء ما ذُكر.
[ ٩ / ٢٩٩ ]
كل ذلك إحاطة بما نهى عنه خاصة لا بجميع الخصال المعدودة.
[(ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا)].
(ذلِكَ) إشارة إلى ما تقدم من قوله لا (تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ) [الإسراء: ٢٢ [إلى هذه الغاية. وسماه حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه. وعن ابن عباس: هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى، أوّلها، لا تجعل مع الله إلها آخر، قال الله تعالى (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً)] الأعراف: ١٤٥ [وهي عشر آيات في التوراة. ولقد جعل الله فاتحتها
_________________
(١) ـ قوله: (كل ذلك إحاطة بما نُهي عنه خاصة، لا بجميع الخصال المعدودة)، قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يُقال: الإحاطة بالجميع، إلا أن المراد فيما يكون حسنًا ما يقابله كنقض العهد، وهو قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) ثم قال: (أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الأنعام: ١٥١]. قال المصنف في تفسيرها: "لما وردت هذه الأوامر مع النواهي وتقدمهن جميعًا فعل التحريم واشتركن في الدخول تحت حكمه، علم أن التحريم راجع إلى أضدادها. وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان" إلى آخره. قوله: «ذَلِكَ) إشارة إلى ما تقدم)، وقال القاضي: (كُلُّ ذَلِكَ): إشارة إلى الخصال الخمسة والعشرين المذكورة في قوله: (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ). قوله: (كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه)، أي: هي مما لا تنسخ ولا تحمل على وجه من وجوه التأويل التي يدخل فيها الفساد كالمتشابه. قوله: (وهي عشر آيات في التوراة) بعد قوله: "هذه الثماني عشرة آية"، فيه إشكال،
[ ٩ / ٣٠٠ ]
وخاتمتها النهي عن الشرك، لأن التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء وحك بيافوخه السماء، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم، وهم عن دين الله أضل من النعم.
[(أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا)].
_________________
(١) ـ ولعل المراد بالآيات في التنزيل: الكلام المميز بالفواصل، وبالآيات العشر في التوراة: المعاني المستقلة، وبالخصال الخمسة والعشرين: كل خصلة مأمور بها، ومنهي عنها، وروينا عن الترمذي، والنسائي، عن صفوان، أن يهوديين أتيا رسول الله ﷺ فسألا عن تسع آيات بينات، فقال رسول الله ﷺ: "لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله … الحديث". قوله: (ما أغنت عن الفلاسفة- خذلهم الله - أسفار الحكم)، قيل: وُجد بخط المصنف ﵁: كان في زمن نبي حكيم صنف في الحكمة ثلاث مئة وستين تصنيفًا، فأوحى الله إلى نبي زمانه: قد ملأت الدنيا بقاقًا، وإن الله لم يقبل من بقاقك شيئًا. كذا ذكره حجة الإسلام ﵀ في كتابه "الإحياء"، والبقاق، بالباء الموحدة: كثرة الكلام. قال الشهرستاني في "الملل والنحل": الفلسفة باليونانية: محبة الحكمة، والفيلسوف: هو فيلاسوفًا، وفيلا: هو المحب، وسُوفا: هو الحكمة، أما قوله: "أضل من النعم" فمقتبس من قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الأعراف: ١٧٩].
[ ٩ / ٣٠١ ]
(أَفَأَصْفاكُمْ) خطاب للذين قالوا الملائكة بنات الله والهمزة للإنكار. يعنى: أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون، لم يجعل فيهم نصيبًا لنفسه، واتخذ أدونهم وهي البنات؟ وهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم وعادتكم، فإن العبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب، ويكون أردأها وأدونها للسادات (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا) بإضافتكم إليه الأولاد وهي خاصة بالأجسام، ثم بأنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون له ما تكرهون، ثم بأن تجعلوا الملائكة وهم أعلى خلق الله وأشرفهم أدون خلق الله وهم الإناث.
[(وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا)].
(وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ) يجوز أن يريد (هذَا الْقُرْآنِ) إبطال إضافتهم إلى الله البنات، لأنه مما صرفه وكرّر ذكره، والمعنى: ولقد صرفنا القول في هذا المعنى. أو أوقعنا التصريف فيه وجعلناه مكانا للتكرير. ويجوز أن يشير بهذا القرآن إلى التنزيل ويريد. ولقد صرفناه، يعنى هذا المعنى في مواضع من التنزيل، فترك الضمير لأنه معلوم. وقرئ: (صَرَّفْنا) بالتخفيف وكذلك (لِيَذَّكَّرُوا) قرئ مشدّدا ومخففًا،
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يريد بـ (هَذَا الْقُرْآنُ) إبطال إضافتهم إلى الله البنات)، وهو من باب إطلاق الحال على المحل؛ لأنه تعالى لما كرر هذا الإبطال في هذا القرآن الكريم، سُمي الإبطال باسم القرآن لهذه الملابسة، أو أوقعنا التصريف فيه وجعلنا مكانًا للتكرير، يريد أنه من باب: يجرح في عراقيبها نصلي. والأول أبلغ لأنه جعل المعنى ظرفًا والقرآن مظروفًا، نحو قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ). قوله: «لِيَذَّكَّرُوا)، قرئ مخففًا ومشددًا): حمزة والكسائي: مخففًا بإسكان الذال وضم الكاف، والباقون: بفتحهما مشددًا، فالمعنى على التشديد: التدبر، كقوله تعالى: (كِتَابٌ
[ ٩ / ٣٠٢ ]
أي: كررناه ليتعظوا ويعتبروا ويطمئنوا إلى ما يحتج به عليهم (وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا) عن الحق وقلة طمأنينة إليه. وعن سفيان: كان إذا قرأها قال. زادني لك خضوعا ما زاد أعداءك نفورًا.
[(قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا)].
قرئ: (كما تقولون)، بالتاء والياء. (وإِذًا) دالة على أن ما بعدها وهو (لَابْتَغَوْا) جواب عن مقالة المشركين وجزاء ل (لو). ومعنى (لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا):
_________________
(١) ـ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَاَركٌ لِيَّدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [ص: ٢٩]، وعلى التخفيف: معنى قوله تعالى: (خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) [البقرة: ٦٣]، وفي هذا بعثٌ على النظر فيه والتدبر. قوله: (ليتعظوا ويعتبروا ويطمئنوا إلى ما يحتج به عليهم)، إنما فُسِّرَ: (لِيَتَذّكَّرُوا) بذلك ليُطابِقَ قوله: (وَمَا يَزِيدُهُمّ إلاَّ نُفُورًا)، فإن النفور يقابل الاطمئنان، ووضع ما يحتج به عليهم موضع الراجع إلى المشار إليه بقوله: هذا المعنى كأنه قيل: كررناه ليطمئنوا إليه كما قال: وقلة طمأنينةٍ إليه، وفيه تعكيسٌ، أي: كررنا عليهم هذا المعنى ليطمئنوا فعكسوا وزادوا نفورًا. قوله: (وقرئ (كَمَا يَقُولُونَ) بالياء والتاء): ابنُ كثيرٍ وحَفْصٌ: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء. قوله: (و(إذًا) دالةٌ على أنّ ما بعدها .. جوابٌ … وجزاء)، مضى بيانه في سورة يوسف ﵇. قال صاحب "الفرائد": إن في ذكر (إذًا) ها هنا- مع الاستغناء عنها لقيام ما بعدها جوابًا وجزاءً لما قبلها- فائدة، وهي أن (إذًا) مشعرةٌ بأن الجزاء لا يكون إلا المذكور، فإن قولك لصاحبك: إنك ما أعطيتني، فيجيبك: لو أتيتني إذًا لأعطيتك، فهم منه
[ ٩ / ٣٠٣ ]
لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلا بالمغالبة، كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض، كقوله (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) [الإسراء: ٧] وقيل: لتقرّبوا إليه، كقوله (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ). (عُلُوًّا) في معنى تعاليا. والمراد البراءة عن ذلك والنزاهة. ومعنى وصف العلوّ بالكبر: المبالغة في معنى البراءة والبعد مما وصفوه به.
[(تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا)].
والمراد أنها تسبح له بلسان الحال، حيث تدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته، فكأنها تنطلق بذلك، وكأنها تنزه الله ﷿ مما لا يجوز عليه من الشركاء وغيرها. فإن قلت: فما تصنع بقوله (وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) وهذا التسبيح مفقوه معلوم؟ قلت: الخطاب للمشركين، وهم وإن كانوا إذا سئلوا عن خالق السموات والأرض قالوا: الله، إلا أنهم لما جعلوا معه آلهة مع إقرارهم، فكأنهم لم ينظروا ولم يقرّوا،
_________________
(١) ـ أن الإعطاء مخصوص بإتيانه غير مرجو بدونه، فلو لم يُذكر لم يُفهم الاختصاص. قوله: (إلى من له الملك والربوبية)، وضع المُلك والربوبية موضع العرش على الكناية، كما سيجيء في سورة "طه" في قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]. قوله: (كقوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: ٢٢]، وحاصله يرجع إلى دليل التمانع، كما سيجيء في سورة الأنبياء. قوله: (لتقربوا إليه)، أي: معنى (لابْتَغَوْا): لتقربوا إلى ذي العرش، قال صاحب "الفرائد": من تقرب إلى الغير وطلب الوسيلة لم يصلح لأن يُطلق عليه لفظ الإله، ومعنى كونهم آلهة منافٍ لذلك المعنى، على هذا، لو كان معه آلهة لم يكونوا آلهةً، بل عباد محتاجون إليه، فيلزم عدم الشيء على تقدير وجوده، ويُمكن أن يُجاب: لما كان عدم الشيء على تقدير وجوده مُحالًا، وهو لازم للتقدير، وهو كون الآلهة معه، فكان مُحالًا
[ ٩ / ٣٠٤ ]
لأنّ نتيجة النظر الصحيح والإقرار الثابت خلاف ما كانوا عليه، فإذا لم يفقهوا التسبيح
_________________
(١) ـ قوله: (فإذا لم يفقهوا)، أي: جُعلوا في أن نظرهم لم يُثمر التوحيد، كأنهم نظروا ولم يفقهوا، وتحريره أن المشركين لما نظروا إلى ملكوت السماوات والأرض وعلموا أن الله خالقه، ومع هذا الإقرار جعلوا معه آلهة، فكأنهم بالحقيقة ما فقهوا، وهو على هذا تجريد لاستعارة التسبيح للدلالة. ويمكن أن يُجرى على الترشيح لها على أن معنى: (لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) لا يفقهون نُطقهم به، كقوله تعالى: (وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) [الكهف: ٩٣]، كأنه قيل: الكائنات تنطق بلسانها تنزيه ذات الباري عز شأنه وجل سلطانه عن الشريك، والمشركون صُمٌّ لا يسمعون ذلك. والأصل: ودلت الموجودات على توحيد صانعها، وهم لا يعقلون ذلك. قال صاحب "الانتصاف": إن كان الخطاب للمشركين، فما تصنع بقوله: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)؟ وإنما يُخاطب بالحلم والمغفرة المؤمن، والظاهر أن الخطاب للمؤمنين، وأما عدم فقهنا لتسبيح الجمادات، فكناية عن عدم العمل بمقتضى تسبيحها، ولو تفطن الإنسان إلى أن النملة والبعوضة وكل ذرة في الكون تنزه الله تعالى وتشهد لجلاله وكبريائه وقهره، لشغله عن قوته، فضلًا عن فضولا لكلام والغيبة. والظاهر أن الآية وردت على الغالب من أحوال الغافلين، وإن كانوا مؤمنين، فالحمد لله الذي كان حليمًا غفورًا. وقلت: أخطأ في جعل الخطاب للمؤمنين؛ لأن معنى النزاهة والبراءة في قوله: (سُبْحَانَهُ)، ومعنى العلو والكبرياء في قوله تعالى: (عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا) راجع على ما وصفوه من اتخاذ الملائكة بنات في قوله: (وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا) ومن اتخاذ الآلهة شُركاء في قوله: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ)، وأن مجيء قوله: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) لتأكيد التنزيه وتذييله، فكيف يُقال: الخطاب للمؤمنين؟ وأما معنى قوله: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) فعلى التعجب، فكأنه قيل: ما أحلمه وأشد غفرانه! حيثُ يعلمُ من هؤلاء المعاندة
[ ٩ / ٣٠٥ ]
ولم يستوضحوا الدلالة على الخالق. فإن قلت: من فيهنّ يسبحون على الحقيقة وهم الملائكة والثقلان، وقد عطفوا على السموات والأرض، فما وجهه؟ قلت: التسبيح المجازى حاصل في الجميع فوجب الحمل عليه، وإلا كانت الكلمة الواحدة في حالةٍ
_________________
(١) ـ ذلك، ولا يعاجلهم بالعقوبة، وإليه أشار بقوله: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) حين لا يعاجلكم بالعقوبة على سوء نظركم وجهلكم بالتسبيح وشرككم. ويؤيده قوله تعالى: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) [الفرقان: ٦]. قال المصنف رحمه الله تعالى: "نبه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه، أن يُصب عليهم العذاب صبًا، ولكن صرف ذلك عنهم: "أنه غفور رحيم" يُمهلُ ولا يعاجل". قوله: (التسبيح المجازي حاصلٌ في الجميع، فوجب الحمل عليه). الانتصاف: تقدم منه منعُ هذا عند سجدة النحل، لكن ذكر هناك أنه يشملها الانقياد بطريق التواطؤ، وههنا جعله مجازا، ومن الجائز أنه أراد ثمة التواطؤ مع المجاز، وكما يتفق التواطؤ مع الحقيقة، فقد يتفق مع المجاز. الراغب: هذه الآية، وقوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) [الرعد: ١٥]، (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ) [النحل: ٤٩] يقتضي أن يكون تسبيحًا على الحقيقة، وسُجودًا له على وجه لا يفقه، بدلالة قوله: (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ)، ودلالة قوله: (وَمَنْ فِيهِنَّ) بعد ذكر السماوات والأرض، ولايصح أن يكون تقديره يسبح له من في السماوات ويسجد له من في الأرض؛ لأن هذا مما نفقهه، ولأنه مُحال أن يكون ذلك تقديره، ثم يعطفُ عليه بقوله: (وَمَنْ فِيهِنَّ) والأشياء كلها تسبح له، ويسجد بعضها بالتسخير، وبعضها بالاختيار، ولا خلاف أن السماوات والأرض والدواب مسبحاتٌ بالتسخير من حيث إن أحوالها تدل على حكمة الله تعالى، وإنما الخلاف في السماوات والأرض: هل تُسبح بالاختيار؟ والآية تقتضي ذلك بما ذكرت، والله أعلم.
[ ٩ / ٣٠٦ ]
واحدة محمولة على الحقيقة والمجاز. (إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا) حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم وجهلكم بالتسبيح وشرككم.
[(وَإِذا قَرَاتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا* وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا* نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا* انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا)].
(حِجابًا مَسْتُورًا): ذا ستر كقولهم. سيل مفعهم ذو إفعام. وقيل: هو حجاب لا يرى فهو مستور. ويجوز أن يراد أنه حجاب من دونه حجاب أو حجب، فهو مستور بغيره. أو حجاب يستر أن يبصر، فكيف يبصر المحتجب به، وهذه حكاية لما كانوا يقولونه: (وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) [فصلت: ٥]، كأنه قال: وإذا قرأت القرآن جعلنا على زعمهم (أَنْ يَفْقَهُوهُ) كراهة أن يفقهوه. أو لأنّ قوله (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) فيه معنى المنع من الفقه، فكأنه قيل: ومنعناهم أن يفقهوه. يقال: وحد يحد وحدا وحدة، نحو
_________________
(١) ـ قوله: (سيلٌ مفعمٌ)، بفتح العين، يعني جعل اسم المفعول بمعنى الفاعل، فإن الحجاب هو الساتر، والمستور ما وراءه، نحو: سيلٌ مفعمٌ، فإن السيل مفعمٌ والوادي مفعمٌ، فعكس مبالغة في ذلك، فهو من الإسناد المجازي. قوله: (فيه معنى المنع من الفقه)، يعني: (أَنْ يَفْقَهُوهُ)، إما مفعولٌ له على تقدير مضاف، أو مفعولٌ به على تأويل الجملة، بمعنى المنع، كقوله تعالى: (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ) [البقرة: ٢٤٩]، فإنه في معنى: لم يُطيعوه. قال القاضي: ولما كان القرآن مُعجزًا من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى بقوله: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ)، وعن إدراك اللفظ بقوله: (وَإِذَا
[ ٩ / ٣٠٧ ]
وعد يعد وعدا وعدة، (ووَحْدَهُ) من باب رجع عوده على بدئه، وافعله جهدك وطاقتك في أنه مصدر سادّ مسدّ الحال، أصله: يحد وحده بمعنى واحدا، وحده. والنفور: مصدر بمعنى التولية. أو جمع نافر كقاعد وقعود، أي: يحبون أن تذكر معه آلهتهم لأنهم مشركون، فإذا سمعوا بالتوحيد نفروا (بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ) من الهزؤ بك وبالقرآن، ومن اللغو: كان يقوم عن يمينه إذا قرأ رجلان من عبد الدار، ورجلان منهم عن يساره، فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار. (وبِهِ) في موضع الحال كما تقول يستمعون بالهزؤ، أي هازئين. (وإِذْ يَسْتَمِعُونَ) نصب بـ (أعلم)،
_________________
(١) ـ قَرَأتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا). قوله: (و(وَحْدَهُ) من باب رجع عوده على بدئه)، أي: أنه مصدرٌ سادٌ مسد الحال، كأنه قال: عائدًا على بدئه، فإن الأصل رجع عائدًا على بدئه، ثم أقيم يعود مقام عائدًا، ثم عوده مقام يعود. قوله: (وافعله جهدك) الجهدُ بالضم: الطاقة، وبالفتح: من قولهم: اجهد جهدك في هذا الأمر، أي: ابلُغ غايتك، فهو أيضًا مصدرٌ أقيم مقام الحال. قوله: (أصله: يحد وحده) يعني: أصل الآية: (ذَكَرْتَ رَبَّكَ) يحد وحده، بمعنى: واحدًا وحده، ثم حذف "يحد" وأقيم المصدر مقامه. قوله: (والنفور مصدر)، قال أبو البقاء: (نُفُورًا)، جمعُ نافر، ويجوز أن يكون مصدرًا كالقعود، فإن شئت جعلته حالًا، وإن شئت جعلته مصدرًا لـ (ولُوا)؛ لأنه بمعنى: "نَفَروا". قوله: (و(بِهِ): في موضع الحال)، أي: يستمعون ملتبسين بالهزء، قال أبو البقاء:
[ ٩ / ٣٠٨ ]
أي: أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون (وَإِذْ هُمْ نَجْوى): وبما يتناجون به، إذ هم ذو ونجوى (إِذْ يَقُولُ) يدل من إذ هم (مَسْحُورًا) سحر فجنّ. وقيل: هو
_________________
(١) ـ قيل: الباء بمعنى اللام، وقيل: هي على بابها، أي: يستمعون بقلوبهم أم بظاهر أسماعهم. وقال القاضي: (بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ)، أي: بسببه ولأجله من الهُزء بك وبالقرآن، وهو مأخوذٌ من قول المصنف أولًا: (بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ) من الهزء بك وبالقرآن، ولابد من تقرير الهزء؛ لأن قوله: (نَحْنُ أَعْلَمُ) وعيدٌ وتهديدٌ على ما كانوا عليه عند سماعهم بالقرآن من الهزء بالنبي ﷺ وبالقرآن على ما قال: "كان يقومُ عن يمينه إذا قرأ … إلى آخره". قوله: «إِذْ يَقُولُ): بدلٌ من (إذ هُم»، وقال أبو البقاء: هو بدلٌ من (إذْ) الأولى. اعلم أن (إِذْ يَسْتَمِعُونَ) ظرفٌ لقوله: (أَعْلَمُ)، و(بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ): متعلق به، و(وَإِذْ هُمْ نَجْوَى): عطفٌ على الظرف، على أن يُقدر له ما يلائمه مما قُرن بالمعطوف عليه ليستقيم المعنى، فالتقدير: نحنُ أعلمُ بما به يستمعون وبما به يتناجون وقت استماعهم ووقت تناجيهم، وإنما قدم المصنف الظرف على المفعول به في قوله: بـ (أَعْلَمُ) بوقت استماعهم بما به يستمعون ليؤذن بأن (إِذْ يَسْتَمِعُونَ) متعلق بـ (أَعْلَمُ) لا بـ (يَسْتَمِعُونَ بِهِ)؛ لأن تعلق (إذ) به يوهم فساد المعنى من حيث المفهوم، ثم المناسب أن يكون قوله: (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ): بدلًا من المعطوف، لا المعطوف عليه؛ لأن قولهم: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا) كان خطابًا منهم مع أصحابهم على الحديث. وأما الاستماع عن النبي ﷺ كان على سبيل الهزء فبينهما تنافٍ. قال القاضي: (إِذْ يَقُولُ): بدلٌ من (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى) على وضع (الظَّالِمُونَ) موضع الضمير للدلالة على أن تناجيهم كان ظُلمًا، ولبيان أن تناجيهم هو قوله: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا).
[ ٩ / ٣٠٩ ]
من السحر وهو الرئة، أي: هو يشر مثلكم (ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ): مثلوك بالشاعر
_________________
(١) ـ قوله: (من السحر، وهو الرئة). المعنى: هو بشرٌ مثلكم، في كونه ذا رئةٍ، قال القاضي: المعنى: إن تتبعون إلا رجلًا يتنفس، ويأكل ويشرب، كقوله تعالى: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ) [الفرقان: ٧] أي: ليس بملك، والمناسب أن يُراد به الوجه الأول، أي: سُحر فجُن ليلائم قوله: (انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ) كما قال: مثلوك بالشاعر والساحر والمجنون. الراغب: السحر: طرف الحلقوم والرئة، وقيل: انتفخ سحره، وبعيرٌ سحيرٌ: عظيم السحر، والسحارة: ما يُنتزع من السحر عند الذبح، فيرمى به، وجُعل بناءه بناء النفاية والسقاطة. وقيل: منه اشتق السحر، وهو إصابة السحر، والسحر يقال على معانٍ: الأول: خداعُ، وتخييلات لا حقيقة لها نحو ما يفعله المشعبذة من صرف الأبصار عما يفعله بخفةِ يدِ، وما يفعله النمام، بقول مزخرفٍ عائقٍ للأسماع، وعلى ذلك قوله تعالى: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) [الأعراف: ١١٦]، وقال: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) [طه ٦٦]، وبهذا النظر سموا موسى ﵇ ساحرًا، فقالوا: (يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ) [الزخرف: ٤٩]. والثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه، كقوله تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) [الشعراء: ١٢١ - ١٢٢]، وعليه دل قوله تعالى: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) [البقرة: ١٠٢]. والثالث: ما يذهب إليه الأغتامُ، وهو اسمٌ لفعل يزعمون أنه من قوته يغير الصور والطبائع، فيجعلُ الإنسان حمارًا، ولا حقيقة لذلك عند المحصلين، وقد تصور من اسحر حسنه، فقيل: إن من البيان لسحرًا، وتارة دقة فعله حتى قالت الأطباء: الطبيعة ساحرة،
[ ٩ / ٣١٠ ]
والساحر والمجنون (فَضَلُّوا) في جميع ذلك ضلال من يطلب في التيه طريقا يسلكه فلا يقدر عليه، فهو متحير في أمره لا يدرى ما يصنع.
[(وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا* قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا* أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا)].
لما قالوا: (أَإِذا كُنَّا عِظامًا) قيل لهم (كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا) فردّ قوله: كونوا، على قولهم: (كُنَّا)، كأنه قيل: كونوا حجارة أو حديدا ولا تكونوا عظاما، فإنه يقدر
_________________
(١) ـ وسموا الغذاء سحرًا من حيث إنه يدق ويلطف تأثيره، قال تعالى: (بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) [الحجر: ١٥] أي: مصروفون عن معرفتنا بالسحر، وعليه قوله تعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمُسَحَّرِينَ) [الشعراء: ١٥٣]، قيل: ممن جُعل له سحرٌ، تنبيهًا أنه محتاج إلى الغذاء، كقوله تعالى: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ) [الفرقان: ٧]، ونبه على أنه بشرٌ كما قال: (مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا) [الشعراء: ١٥٤]، وقيل: معناه: ممن جُعل له سحرٌ يتوصل بلطفه وبدقته إلى ما يأتي به ويدعيه، وعلى الوجهين حُمل قوله تعالى: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا) [الإسراء: ٤٧]، وقوله تعالى: (فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا)، وعلى الثاني دل قوله تعالى: (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ) [سبأ: ٤٣]. قوله: «فُضِّلُوا) في جميع ذلك ضلال من يطلُب)، إشارة إلى أن قوله: (فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) تمثيلٌ، مثل حال هؤلاء في تحيرهم وضلالهم فيما يجادلونه في أمر النبي ﷺ بحال من ضل في التيه ويطلب طريقًا يسلكه فلا يقدر عليه والجامع التحير وعدم الدراية فيما يصنع. قوله: (فرد قوله: (كُونُوا) على قولهم: (كُنَّا)، أي: أطبقه جوابًا على طريقة المشاكلة، المعنى: أورد هذا القول على قولهم: وقذف بالحق على باطلهم، فإنهم لما استبعدوا أن يُبعثوا خلقًا جديدًا بعد كونهم عظامًا قيل لهم: (كُونُوا) الآن أبعد شيء من الحياة، فإنكم
[ ٩ / ٣١١ ]
على إحيائكم والمعنى: أنكم تستبعدون أن يجدد الله خلقكم، ويردّه إلى حال الحياة وإلى رطوبة الحىّ وغضاضته بعد ما كنتم عظاما يابسة، مع أنّ العظام بعض أجزاء الحي، بل هي عمود خلقه الذي يبنى عليه سائره، فليس ببدع أن يردّها الله بقدرته إلى حالتها الأولى، ولكن لو كنتم أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحىّ ومن جنس ما ركب منه البشر - وهو أن تكونوا حجارة يابسة أو حديدا مع أن طباعها الجسارة والصلابة - لكان قادرا على أن يردّكم إلى حال الحياة (أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) يعنى أو خلقا مما يكبر عندكم عن قبول الحياة ويعظم في زعمكم على الخالق إحياؤه فإنه يحييه. وقيل: ما يكبر في صدورهم الموت. وقيل: السموات والأرض (فَسَيُنْغِضُونَ) فسيحرّكونها نحوك تعجبا واستهزاء.
[(يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا)].
والدعاء والاستجابة كلامهما مجاز. والمعنى: يوم يبعثكم فتنبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعون. وقوله (بِحَمْدِهِ) حال منهم، أي حامدين، وهي مبالغة في
_________________
(١) ـ ستبعثون، والأمر للتسخير، وإنما فسره بقوله: (لَوْ كُنتُمْ) ليُعلم أن المراد بالعبارة الفرض والتقدير، إذ لو أريد به حقيقة التسخير لصاروا حجارةً من غير ريب وانقلبوا حديدًا من غير مُكث، فيقولُ المصنف: لكان قادرًا على أن يردكم إلى حال الحياة، لا يطابق ظاهرًا قوله: (فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا)؛ لأن الكلام أولًا في حصول البعث لا القادر على البعث، ولذلك سألوا ثانيًا عن الباعث بقولهم: (مَنْ يُعِيدُنَا) فأجيبوا بقوله: (الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، فإنه من الأجوبة الدامغة، فلذلك أنغضوا رؤوسهم قائلين ثالثا: (مَتَى هُوَ)؟ وقيل: ما يكبر في صدورهم الموت، وهو مرويٌّ عن ابن عباس ﵄، ومعناه: لو كنتم نفس الموت لأحياكم، على المبالغة، كما يقالُ: لو كنتم عين الحياة لأماتكم الله، وإلا فالموت عرضٌ لا ينقلبُ الجسمُ إليه، ولا هو ينقلبُ إلى ضده الذي هو الحياة. قوله: (والمعنى: يوم يبعثكم فتنبعثون مطاوعين منقادين)، إشارة إلى أن قوله:
[ ٩ / ٣١٢ ]
انقيادهم للبعث، كقولك لمن تأمره بركوب ما يشقّ عليه فيتأبى ويتمنع، ستركبه وأنت حامد شاكر، يعنى: أنك تحمل عليه وتفسير قسرا حتى أنك تلين لين المسمح الراغب فيه الحامد عليه، وعن سعيد بن جبير: ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك وَتَظُنُّونَ وترون الهول، فعنده تستقصرون مدّة لبثكم في الدنيا، وتحسبونها يوما أو بعض يوم. وعن قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة.
[(وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا* رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَا يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَا يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا)].
(وَقُلْ لِعِبادِي) وقل للمؤمنين (يَقُولُوا) للمشركين الكلمة (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وألين ولا يخاشنوهم، كقوله: (وجادلهم بالتي هي أحسن) [النحل: ١٢٥]. وفسر
_________________
(١) ـ (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ) تمثيل، على منوال قوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ) في أن لا دُعاء ثم. قال القاضي: استعار لهما الدعاء والاستجابة للتنبيه على سرعتهما وتيسر أمرهما، وأن المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجزاء. قوله: (تلين لين المُسمح) أي: المنقاد، يقال: أسمحت قرونته، أي: ذلت نفسه وتابعت. "الأساس": أسمحت قرونته: إذا تبعته نفسه وأطاعته. قوله: (لين المسمح) فيه تمثيل مع رائحة من التهكم. قوله: «يَقُولُوا) للمشركين الكلمة (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وألين)، والذي يدُلُّ على أن المراد منه المشركون أنه تعالى لما أمر نبيه ﷺ في أن لا يخاشن المشركين في الرد عليهم ويجادلهم بالتي هي أحسن في الأجوبة الثلاثة في أمر البعث، أمره بأن يُعلم بأنْ يُعلم المؤمنين سلوك هذه
[ ٩ / ٣١٣ ]
(التي هي أحسن) بقوله (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَا يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَا يُعَذِّبْكُمْ) يعنى يقولوا لهم هذه الكلمة ونحوها، ولا يقولوا لهم: إنكم من أهل النار وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يغيظهم ويهيجهم على الشر. وقوله (إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) اعتراض، يعنى يلقى بينهم الفساد ويغرى بعضهم على بعض ليقع بينهم المشارّة والمشاقة (وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) أي ربا موكولا إليك أمرهم تقسرهم على الإسلام وتجبرهم عليه، وإنما أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم ومر أصحابك بالمداراة والاحتمال وترك المحاقة
_________________
(١) ـ الطريقة، وأن يستنوا بسنته، وذلك أنهم لما أنكروا البعث إنكارًا بليغًا بقولهم: (أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا) أمره بأن يجيبهم بقوله: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا)، أي: لابد من البعث للجزاء الموعود، ولا مجال للاستبعاد، إذ لو صرتم أبعد شيء من الحياة فإنكم مبعوثون له، كقوله تعالى: (إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا) [يونس: ٤] إلى آخره، وعند ذلك لابد أن يقولوا: هب أنه كذلك، فمن الذي يقدر على هذا الأمر العظيم؟ فأُمر بأن يجيبهم بقوله: هو الذي شاهدتم منه أعظم من هذا، وهو إخراجكم من العدم إلى الوجود. ثم إنهم إذا قالوا مستهزئين: سلمنا ذلك، فمتى إرساؤها؟ فقل لهم: (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) ولعل مجيئها قد قرُب، لكن أمارتها: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ) له. وأما حُسنُ هذه الأجوبة وسلوك طريقة اللين فيها فإنهم ما أوردوا تلك الأسئلة للاسترشاد، بل للعناد والاستهزاء البليغ والانحراف عن الطريق المستقيم، لكن أخرجت الأجوبة على منوال الجد والطريق السوي، وعدم المبالاة بالاستهزاء أو الإنكار. قوله: (المشارة)، المفاعلة، من الشر. الجوهري: المشارة: المخاصمة. قوله: (وترك المحاقة)، الجوهري: حاقه: إذا خاصمه وادعى كل واحدٍ منهما الحق، فإذا غلبه قيل: حقه.
[ ٩ / ٣١٤ ]
والمكاشفة، وذلك قبل نزول آية السيف. وقيل: نزلت في عمر ﵁: شتمه
_________________
(١) ـ قوله: (والمكاشفة) هي من كاشفه العداوة، أي: بادأه بها. قوله: «وَكِيلًا) أي: ربا موكولًا إليك أمرهم)، إلى قوله: "فدارهم ومُر أصحابك بالمداراة" إشارة إلى نظم الآيات، وفي سلوكه صعوبة، قد رمز إليه رمزًا خفيا لا يكاد يدرك في بدء الفكرة. فقوله تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَا يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَا يُعَذِّبْكُمْ) مقول لقوله: (يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) توطئة وتمهيد له. وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ) الآية، اعتراضٌ بين المفسر والمفسَّر. وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) كالتذييل لمجموع مجادلته مع المشركين، وأمره المؤمنين بها من لدن قوله: (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا) إلى هاهنا. وقوله: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ) [الإسراء: ٥٥] كما قال، رد على المشركين في إنكارهم واستبعادهم أمر النبوة بعد الرد على استبعادهم أمر البعث بقولهم: (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا)، وذلك أنه تعالى لما استجهلهم بقوله: (انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ) وأراد قولهم: إنك شاعرٌ وساحرٌ ومجنون، وحكى عنهم مجادلاتهم، أتى بنوع آخر من الكلام الدال على ردهم استبعادهم نبوة محمد صلوات الله عليه وسلم، وأنه كيف يكون يتيم أبي طاب نبيا، وأن يكون العُراة والجياعُ أصحابه، فقيل له: إن كانوا لا يعلمون كيفية نبوتك، وتقدم أصحابك في الدين، فاعلم أن ربك عالمٌ بأحوال من في السماوات والأرض وبمقاديرهم وبما يستأهل كل واحد منهم من الفضل، ولذلك تفاوتت مراتبُ الأنبياء، فبعضهم أفضلُ من بعض، ألا ترى كيف اصطفيناك من بينهم وجعلناك خاتمًا لهم، وجعلنا أمتك خير المم، وهذه المنقبة ثابتة لك في الكتب السالفة، منها الزبور، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ) [الأنبياء: ١٠٥]، ومثله قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) [البقرة: ٢٥٣]. قوله: (وقيل: نزلت في عمر ﵁): عطفٌ على قوله: "وقل للمؤمنين:
[ ٩ / ٣١٥ ]
رجل فأمره الله بالعفو. وقيل: أفرط إيذاء المشركين للمسلمين، فشكوا إلى رسول الله ﷺ فنزلت. وقيل: الكلمة التي هي أحسن: أن يقولوا يهديكم الله، يرحمكم الله. وقرأ طلحة: (ينزغ)، بالكسر وهما لغتان، نحو يعرشون ويعرشون.
[(وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا)].
هو ردّ على أهل مكة في إنكارهم واستبعادهم أن يكون يتيم أبى طالب نبيا، وأن تكون العراة الجوّع أصحابه، كصهيب وبلال وخباب وغيرهم، دون أن يكون ذلك في بعض أكابرهم وصناديدهم، يعنى: وربك أعلم بمن في السموات والأرض وبأحوالهم ومقاديرهم وبما يستأهل كل واحد منهم. وقوله (وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ) إشارة إلى تفضيل رسول الله ﷺ وقوله (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) دلالة على وجه تفضيله، وهو أنه خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم، لأنّ ذلك مكتوب في زبور
_________________
(١) ـ يقولوا للمشركين"، فعلى هذا (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ) لا يكون تفسيرًا (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، ويكون معناه نحو ما قال: "يهديكم الله، يرحمكم الله". قوله: (وقيل: الكلمة التي هي أحسن: أن يقولوا: يهديكم الله)، فعلى هذا قوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ) يكون تعليلًا للأمر بقوله: (قُلْ)، أي: قل لهم أن يجاملوا في القول ولا يخاشنوا ولا يبالغوا في الجدال؛ لئلا تُنفرَ المشركين بنزغه ويُلبسهم جلد النمر ولا يورث المؤمنين الخيلاء؛ لأن المجادلة الباطلة مما تفسد ذات البين، فيكون قوله: «رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ» خطابًا للمؤمنين ليتركوا المراء، ويؤيده قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) يعني: إذا لم تكن أنت وكيلًا على المشركين فالمؤمنون أحرى به. قوله: «وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) دلالة على وجه تفضيله) إلى قوله: (وإن أمته خيرُ الأمم)،
[ ٩ / ٣١٦ ]
داود. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) وهم محمد وأمته. فإن قلت: هلا عرّف الزبور كما عرّف في قوله (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُور) [الأنبياء: ١٠٥]؛ قلت: يجوز أن يكون الزبور وزبور كالعباس وعباس، والفضل وفضل، وأن يريد: وآتينا داود بعض الزبر؛ وهي
_________________
(١) ـ ووجه الدلالة أنه ﷾ عطف (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) على قوله: (فَضَّلْنَا) على طريق الوجود والحصول وعول التعليل إلى ذهن البليغ، كأنه تعالى قال: نحن أجملنا بيان تفضيل بعضهم على بعض، ونحن فصلناه بأن بينا ذلك فيما أعطينا عبدنا داود من الزبور، وفيه أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، وإلى التعليل الإشارة بقوله: لأن ذلك مكتوب في زبور داود ﵇، ونحوه في التعويل إلى الذهن: ما رُوي أن المنصور وعد الهُذلي بجائزة ونسي، وحجا معًا، ومرا في المدينة ببيت عاتكة، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص: يا بيت عاتكة الذي أتعزلُ فأنكر عليه ذلك، فلما رجع أمر القصيدة التي فيها هذا المصراعُ على قلبه، فإذا فيها: وأراك تفعل ما تقول وبعضهم … مذق اللسان يقول ما لا يفعل فذكر المواعيد وأنجز له واعتذر إليه، ويُسمى هذا الأسلوب بالتلميح. قوله: (كالعباس وعباس)، قال أبو البقاء: إنه علمٌ، يقال: زبور والزبور، كما يقال: عباس والعباس، أو هو نكرة، أي: كتابًا من جملة الكتب، وقال القاضي: الزبور في
[ ٩ / ٣١٧ ]
الكتب، وأن يريد ما ذكر فيه رسول الله ﷺ من الزبور، فسمى ذلك زبورا، لأنه بعض الزبور، كما سمى بعض القرآن قرآنًا.
[(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا* أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا)].
(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ) هم الملائكة. وقيل: عيسى بن مريم، وعزير. وقيل نفر من الجن، عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا، أي: ادعوهم فهم لا يستطيعون أن يكشفوا عنكم الضر من مرض أو فقر أو عذاب، ولا أن يحولوه من واحد إلى آخر أو يبدلوه. (وأُولئِكَ) مبتدأ، (والَّذِينَ يَدْعُونَ) صفته، (ويَبْتَغُونَ) خبره، يعنى: أن آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة وهي القربة إلى الله تعالى. (وأَيُّهُمْ) بدل من واو يبتغون، وأي موصولة، أي: يبتغى من هو أقرب منهم وأزلف الوسيلة إلى الله، فكيف بغير الأقرب. أو ضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون،
_________________
(١) ـ الأصل فعول للمفعول، كالحلوب، أو المصدر كالقبول، ويؤيده قراءة حمزة بالضم، فهو كالعباس والفضل. قوله: (أو ضمن "يبتغون الوسيلة" معنى: يحرصون)، معنى الجملة كما هي بمعنى: يحرصون. قال صاحب "التقريب": أي: موصولة، وهو بدل من واو يبتغون، أي: آلهتهم أولئك يبتغي من هو أقرب منهم الوسيلة إلى الله، فكيف بغير الأقرب، أو (أَيُّهُمْ) استفهام، وضُمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون، أي: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله بالطاعة وزيادة الخير، فعلى الأول: يطلب من هو أقرب الوسيلة، وعلى الثاني: يطلب آلهتهم أي:
[ ٩ / ٣١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … أن يكونوا أقرب إلى الله بما هو وسيلة. وقال أبو البقاء: (أَيُّهُمْ): مبتدأ، و(أَقْرَبَ): خبره، وهو استفهام، والجملة في موضع نصب بـ (يَدْعُونَ)، ويجوز أن يكون (أَيُّهُمْ) بمعنى الذي، وهو بدلٌ من الضمير في (يَدْعُونَ). واعلم أن لهم في مثل هذا مذهبين: أحدهما: أن (أَيُّهُمْ) استفهام، وهو مذهب الخليل. وثانيهما: هي موصولة، وصدر الصلة محذوف، وإليه ذهب سيبويه، وسيجيء تمام تقريره في قوله: (ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا) فالوجه الأول في "الكشاف" محمولٌ على مذهب سيبويه، ولذلك صرح بذكر صدر الصلة، وقال: "يبتغي من هو أقرب منه". والثاني على مذهب الخليل، حيث قال: "يحرصون أيهم"، ولابد من تقدير متعلق بـ "يحرصون"، كقوله تعالى: (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) [التوبة: ١٢٨]، (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ) [النحل: ٣٧]، ومن تأويل الإنشائي لتصحيح استقامته بأن يقال: يحرصون على ما يقال فيهم: أيهم أقرب إلى الله: بسببه من الطاعة ازدياد الخير، ففي الآية تقديم وتأخير؛ لأن قوله: (إِلَى رَبِّهِمْ) حينئذ متعلقٌ بـ (أَقْرَبُ)، كما قُدر في قوله: "تحرصون أيهم أقرب إلى الله". وأما قول أبي البقاء: والجملة نصب بـ "يدعون" فتقديره: أن آلهتهم أولئك يدعون إلى الله، الذين يقالُ فيهم: أيهم أقرب إلى الله؛ لأنهم الذين ينتفعون بالدعوة، كقوله: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ) [الأنعام: ٥١]، وقوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) [عبس: ٤٥]، وقوله: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢]. ويجوز أن يُقدر: أولئك يدعون إلى الهدى، وإلى ما يقال فيه: أيهم أقربُ إلى الله بسببه من العبادة والطاعة يبتغون إلى ربهم الوسيلة بتلك الدعوة، فقُدم "يبتغون" اهتمامًا، والله أعلم.
[ ٩ / ٣١٩ ]
فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله، وذلك بالطاعة وازدياد الخير والصلاح، ويرجون، ويخافون، كما غيرهم من عباد الله فكيف يزعمون أنهم آلهة؟ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ حقيقا بأن يحذره كل أحد من ملك مقرّب ونبيّ مرسل، فضلا عن غيرهم.
[(وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا)].
(نَحْنُ مُهْلِكُوها) بالموت والاستئصال أَوْ (مُعَذِّبُوها) بالقتل وأنواع العذاب. وقيل: الهلاك للصالحة، والعذاب للطالحة. وعن مقاتل: وجدت في كتب الضحاك بن مزاحم في تفسيرها: أما مكة فيخربها الحبشة، وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال بالصواعق والرواجف. وأما خراسان فعذابها ضروب، ثم ذكرها بلدا بلدا (فِي الْكِتابِ) في اللوح المحفوظ.
[(وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا)].
استعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة. و(أن) الأولى:
_________________
(١) ـ قوله: (كما غيرهم)، أي: كغيرهم، "ما": كافةٌ، أي: كما هو غيرهم. قوله: (بأن يحذره كل أحدٍ من ملك مقرب)، هذا العمومُ يعطيه معنى التعليل، والعموم الذي في إطلاق قوله: (مَحْذُورًا). قوله: (والجبال بالصواعق)، وفي الحاشية: الجبال: من الري إلى بغداد. قوله: (استعير المنع لترك إرسال الآيات)؛ لأن أصل المعنى: وما تركنا إرسال الآيات التي اقترحتها قريش، إلا لأجل علمنا السابق والتقدير الماضي، وهو تأخير أمر من بُعثت إليهم إلى يوم القيامة، ولما كان الصارف وهو العلمُ والتقديرُ قويًا، استُعير المنعُ للترك، وذلك أن المنع حقيقة هو صرف الغير عن فعل يفعله، وذلك في حق الفاعل المختار مُحال، فوجب الحملُ على المجاز.
[ ٩ / ٣٢٠ ]
منصوبة والثانية مرفوعة، تقديره: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين. والمراد: الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا ومن إحياء الموتى وغير ذلك: وعادة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال، فالمعنى: وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسالات لكذبوا بها تكذيب أولئك وقالوا هذا سحر مبين كما يقولون في غيرها، واستوجبوا العذاب المستأصل. وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة. ثم ذكر من تلك الآيات - التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسالات فأهلكوا - واحدة: وهي ناقة صالح، لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم (مُبْصِرَةً) بينة. وقرئ: مبصرة، بفتح الميم (فَظَلَمُوا بِها) فكفروا بها (وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ) إن أراد بها الآيات المقترحة فالمعنى لا نرسلها (إِلَّا تَخْوِيفًا) من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدّمة له، فإن لم يخافوا: وقع
_________________
(١) ـ قوله: (أن من اقترح)، "أن" مع اسمها وخبرها: خبرُ "وعادة الله"، وخبرُ "أن": "أنْ يعاجل". قوله: (وأنها لو أرسلت): عطفٌ على قوله: "إن كذب بها الأولون الذين هم أمثالهم"، على منوال: أعجبني زيدٌ وكرمه. قوله: (وقرئ: "مبصرة" بفتح الميم). قال أبو البقاء: أي: تبصرة. قوله: (لا نرسلها (إِلاَّ تَخْوِيفًا) من نزول العذاب العاجل). الراغب: الآيات هاهنا قيل: إشارة إلى الجراد والقُمل ونحوهما من الآيات التي أرسلت إلى الأمم المتقدمة،
[ ٩ / ٣٢١ ]
عليهم وإن أراد غيرها فالمعنى: وما نرسل ما نرسل من الآيات كآيات القرآن وغيرها إلا تخويفا وإنذارا بعذاب الآخرة.
[(وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيانًا كَبِيرًا)].
(وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ) واذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش، يعنى: بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم. وذلك قوله سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ٤٥]، (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ) [آل عمران: ١٢] وغير ذلك، فجعله كأن قد كان ووجد، فقال: (أحاط بالناس) على عادته في إخباره، وحين تزاحف الفريقان يوم بدر والنبي ﷺ في العريش مع أبي
_________________
(١) ـ فنبه أن ذلك إنما يُفعل بمن يفعله تخويفًا، وذلك أخسُّ المنازل للمأمورين، فإن الإنسان يتحرى فعل الخير لأحد ثلاثة أشياء: إما أن يتحراه لرغبة أو لرهبة، وهو أدنى منزلة، وإما أن يتحراه لمحمدة، وإما أن يتحراه للفضيلة، وهو أن يكون ذلك الشيء في نفسه فاضلًا، وذلك أشرف المنازل، فلما كانت هذه الأمة خير أمة رفعهم عن هذه المنزلة، ونبه أنه لا يعمهم بالعذاب، وإن كانت الجهلة منهم كانوا يقولون: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأنفال: ٣٢]، وقيل: الآيات إشارة إلى الأدلة، ونبه أنه يقتصر معهم على الأدلة ويصانون عن العذاب الذي يستعجلونه. قوله: (ورسول الله ﷺ في العريش)، الجوهري: العريش: ما يُستظل به. روينا في "صحيح البخاري"، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال وهو في قبة يوم بدر: "اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تُعبد اليوم"، فأخذ أبو بكر ﵁ بيده، فقال: حسبُك.
[ ٩ / ٣٢٢ ]
بكر ﵁ كان يدعو ويقول: «اللهم إني أسألك عهدك ووعدك» ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول (سيهزم الجمع ويولون الدبر) ولعلّ الله تعالى أراه مصارعهم في منامه، فقد كان يقول حين ورد ماء بدر «والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم» وهو يومئ إلى الأرض ويقول: هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، فتسامعت قريش بما أوحى إلى رسول الله ﷺ من أمر يوم بدر وما أرى في منامه من مصارعهم، فكانوا يضحكون ويستسخرون ويستعجلون به استهزاء وحين سمعوا بقوله: (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) [الدخان: ٤٣ - ٤٤]
_________________
(١) ـ قوله: (وهو يومئ إلى الأرض، ويقول: هذا مصرع فلان). روى مسلمٌ وأبو داود، عن أنسن قال: قال رسول الله ﷺ: "هذا مصرعُ فلان"، ويضعُ يده على الأرض هاهنا وهاهنا. قال: فما ماط ادهم عن موضع يد رسول الله ﷺ. ماط، أي: بعُدَ وذهب. قوله: (فتسامعت)، هو متصلٌ بقوله: "ولعل الله" وما عُطف عليه من قوله: "وحين تزاحف الفريقان" بدليل قوله من أمر بدرٍ، وما أُري في منامه، والمعطوف والمعطوف عليه تفسيران لقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ)، ولقوله: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ)، "وجعلوها سخرية": عاملُ" حين سمعوا"، وهو تأويل لقوله: (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ). وأما قوله: "حين تزاحف"، فظرفٌ لقوله: "يدعو ويقولُ"، كما أن قوله: "حين ورد ماء بدر": ظرفُ "يقول"، أي: كان يدعو ويقول حين تزاحف الفريقان: اللهم إني أسألك، وقد كان حين ورد ماء بدر: والله لكأني انظرُ، وإنما جمع المعنيين في قرانٍ واحدٍ وأفرز الثالث لاتحاد قصتهما واختلاف الثالث، فقوله: "وحين سمعوا" عطفٌ على جملة قوله: "حين تزاحف الفريقان" مع ما عُطف عليه، وهو قوله: "ولعل الله"، ثم إنه لخص المعاني الثلاث في قوله: "والمعنى أن الآيات إنما نُرسل بها تخويفًا للعباد" إلى آخره.
[ ٩ / ٣٢٣ ]
جعلوها سخرية وقالوا: إن محمدا يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة، ثم يقول ينبت فيها الشجر. وما قدر الله حق قدره من قال ذلك، وما أنكروا أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار! فهذا وبر السمندل وهو دويبة ببلاد الترك تتخذ منه مناديل، إذا اتسخت طرحت في النار فذهب الوسخ وبقي المنديل سالما لا تعمل فيه النار. وترى النعامة تبتلع الجمر وقطع الحديد الحمر كالجمر بإحماء النار فلا تضرها، ثم أقرب من ذلك أنه خلق في كل شجرة نارا فلا تحرقها، فما أنكروا أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها. والمعنى: أنّ الآيات إنما يرسل بها تخويفا للعباد، وهؤلاء قد خوفوا بعذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر. فما كان ما أَرَيْناكَ منه في منامك بعد الوحي
_________________
(١) ـ قوله: (وما قدر الله حق قدره من قال ذلك)، "مَن": فاعلُ "قدروا". الانتصاف: العمدة في ذلك أن النار لا تؤثر إحراقًا، إلا أن الله تعالى أجرى العادة أن يخلُقَ الإحراق عقيب ملاقاتها بعض الأجسام. قوله: (وما أنكروا)، قيل: "ما" يجوز أن يكون منصوبًا على أنه مفعولٌ مطلق، أي: أي إنكار أنكروا؟ و"ما" استفهامية إنكارية. ويجوز أن تكون شرطية، والجزاء قوله: "فهذا وبرُ السمندل"، على طريق الإخبار والإنكار لقوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) [النحل: ٥٣]، والمعنى متصلٌ بقوله: "ثم أقربُ من ذلك" أي: أقرب مما ذكرنا، أنه خلق في كل شجرة نارًا فلا تحرقها، وهم يشاهدونها، فأي إنكارٍ أنكروا هذا؟ قوله: (في كل شجرة نارًا)، وفي المثل: في كل شجر نار، واستمجد المرخُ والعفار، شبههما بمن يُكثر العطاء طلبًا للمجد؛ لأنهم يُسرعان الوري، خلاف سائر الأشجار.
[ ٩ / ٣٢٤ ]
إليك إِلَّا فِتْنَةً لهم حيث اتخذوه سخريا وخوّفوا بعذاب الآخرة وشجرة الزقوم فما أثر فيهم، ثم قال فيهم (وَنُخَوِّفُهُمْ) أي نخوفهم بمخاوف الدنيا والآخرة فَما (يَزِيدُهُمْ) التخويف إِلَّا (طُغْيانًا كَبِيرًا) فكيف يخاف قوم هذه خالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات. وقيل: الرؤيا هي الإسراء، وبه تعلق من يقول: كان الإسراء
_________________
(١) ـ قوله: (وخوفوا بعذاب الآخرة): عطفٌ على قوله: "وقد خوفوا بعذاب الدنيا". والفاء في: "فما أثر فيهم" هي الفاء في قوله تعالى: (فَمَا يَزِيدُهُمْ)، والتخويف بعذاب الدنيا حصل من شيئين: من الوحي بإحاطة الناس، ومن الرؤيا التي أراها في مصارع القوم، والتخويف بعذاب الآخرة حصل من إنزال شجرة الزقوم في القرآن، ولذلك جعل المصنف عطف قوله: (وَمَا جَعَلْنَا) على (وَإِذْ قُلْنَا) بمنزلة شيء واحد، وأتى بالفاء، حيث قال: "فما كان ما أريناك منه في منامك بعد الوحي إليك (إِلاَّ فِتْنَةً) ". قوله: (فكيف يُجاب قومٌ) بالجيم والباء، وفي أكثر النسخ: "يخاف"، بالخاء والفاء، وفيه إيماءٌ إلى اتصال قوله تعالى: (وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا) بقوله: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ)، يعني: ما تركنا إرسال تلك الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبًا وإحياء الموتى وغيرها إلا لنزول عذاب الاستئصال، وقد عزمنا تأخير أمرهم. ثم قال: (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا) أي: وما نُرسل بآيات القرآن إلا تخويفًا وإنذارًا مما نزل بالأولين كعاد وثمود وفرعون من الاستئصال بسبب اقتراحهم على أنبيائهم لينزجروا ويعتبروا وتخويفًا مما حل بهؤلاء يوم بدر، وما يحل بهم يوم القيامة من أكل الشجرة الملعونة ليتعظوا، فما يزيدهم كل ذلك إلا طغيانًا، فإذا كان الأمر على هذا فكيف يُجابوا إلى ما اقترحوا بإرسال الآيات، فوضع موضع ضمير يُجابوا قومٌ هذه حالهم، إيذانًا بأنهم قوم معاندة مكابرة، أو يقال: كيف يجابون بإرسال ما يقترحون من الآيات، وإنها كالطليعة المقدمة لعذاب الآجل، وقد خوفوا هذه التخويفات فما اتعظوا والله أعلم.
[ ٩ / ٣٢٥ ]
في المنام، ومن قال: كان في اليقظة، فسر الرؤيا بالرؤية. وقيل: إنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له: لعلها رؤيا، رأيتها، وخيال خيل إليك، استبعادًا منهم، كما سمى أشياء بأساميها عند الكفرة، نحو قوله: (فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ) [الصافات: ٩١]، (أَيْنَ شُرَكائِيَ) [النحل: ٢٧]، (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) [الدخان: ٤٩] وقيل: هي رؤياه أنه سيدخل مكة. وقيل: رأى في المنام أن ولد الحكم يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة. فإن قلت: أين لعنت شجرة الزقوم في القرآن؟ قلت:
_________________
(١) ـ قوله: (ومن قال: كان في اليقظة، فسر الرؤيا بالرؤية)، يعني: على الأصل، قال المصنف في سورة يوسف: والرؤيا بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان فيها في المنام دون اليقظة. وفرق بينهما بحرفي التأنيث، كما قيل: القربة والقُربى، مثله استعمال الوعْدِ والوعيد. وروينا عن البخاري وأحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ) قال: "هي رؤيا عينٍ أريها النبي ﷺ ليلة أُسري به إلى بيت المقدس". قوله: (وقيل: إنما سماها رؤيا على قول المكذبين)، يعني: على زعمهم والتهكم بهم، ويُمكن أن يكون هاهنا من باب المشاكلة. قوله: (كما سمي أشياء بأساميها عند الكفرة)، سمي أصنامهم بالآلهة والشركاء في الآيتين، وأنفسهم بالعزيز الكريم في الآخرة على زعمهم، وكما هو عندهم. قوله: (فراغ)، الجوهري: راغ إلى كذا، أي: مال إليه سرًا، (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) [الصافات: ٩٣]، أي: أقبل. قال الفراء مال عليهم. قوله: (رأى في المنام أن ولد الحكم يتداولون منبره). الحكم هو ابن العاص بن أمية بن
[ ٩ / ٣٢٦ ]
لعنت حيث لعن طاعموها من الكفرة والظلمة، لأنّ الشجرة لا ذنب لها حتى تلعن على الحقيقة، وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز. وقيل: وصفها الله باللعن، لأن اللعن الإبعاد من الرحمة، وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة. وقيل: تقول العرب لكل طعام مكروه ضار: ملعون، وسألت بعضهم فقال: نعم الطعام الملعون القشب الممحوق. وعن ابن عباس: هي الكشوث التي تتلوى بالشجر يجعل
_________________
(١) ـ عبد شمس بن عبد منافٍ، وولده الذين ملكوا بعد معاوية: يزيدُ بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أولهم: مروان بن الحكم، ثم عبد الملك ابنه، ثم ابنه الوليد، ثم أخوه سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد بن عبد الملك، ثم إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، وآخرُهم مروان بن محمد الحمار. قوله: (لُعنت حيث لُعن طاعموها من الكفرة)، أي: أي موضع من القرآن وُجدت فيه لعنة الكافرين، فهي ملعونة هناك؛ لأن المراد بالشجرة الملعونة أن طاعمها ملعونٌ؛ لأن الشجرة لا ذنب لها. قوله: (وسألتُ بعضهم) عن صحة نقل المعنى، فقلت: هل تُسمى العرب كل طعام مكروه ملعونًا؟ قال: نعم. وزاد في الجواب أن الطعام الملعون هو المذموم الذي لا خير فيه. قوله: (القشب الممحوق)، الفائق: القشب: القذر، والقشبُ: الذي خالطه قذر، قيل: القشب أيضًا: السم، والجمع أقشابٌ، وقشبه أيضًا: إذا ذكره بسوء. قوله: (الممحوق): محقه يمحقه محقًا، أي: أبطله ومحاه، والكشوث: نبتٌ يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرقٍ في الأرض.
[ ٩ / ٣٢٧ ]
في الشراب. وقيل: أبو جهل. وقرئ: والشجرة الملعونة بالرفع، على أنها مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قيل: والشجرة الملعونة في القرآن كذلك.
[(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا* قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا* قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا* وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا* إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا)].
(طِينًا) حال إما من الموصول والعامل فيه أسجد، على: أأسجد له وهو طين، أى أصله طين. أو من الراجع إليه من الصلة على: أأسجد لمن كان في وقت خلقه طينا (أَرَأَيْتَكَ) الكاف للخطاب. وهذَا مفعول به. والمعنى: أخبرنى عن هذا (الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) أي فضلته،
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: هي الشيطانُ)، أي: الشجرة الملعونة. الانتصاف: يُبعده قوله: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) [الصافات: ٦٥]، وقوله: (فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا) [الصافات: ٦٦]. قلت: هو القائل لم يذهب إلى أن هذه الشجرة المذكورة هنا على هذا التأويل هي شجرة الزقوم بل ذهب إلى المجاز وسمي الشيطان بالشجرة وأن الله تعالى لعنه في كتابه المجيد في غير موضع. قوله: (أو من الراجع)، والفرق أنه إذا كان حالًا من المفعول يكون قيدًا لـ"أسجد"، وإذا كان حالًا من الراجع، كان قيدًا لـ (خَلَقْتُ) فيختلف التقديران، والأول أبلغُ؛ لأنه من باب المجاز باعتبار ما كان، أي: أسجد للطين، والطين لا يسجد له. والمعنى على الثاني: أأسجدُ لمن كان في وقت خلقه طينًا، أي: أصله طين.
[ ٩ / ٣٢٨ ]
لم كرمته علي وأنا خير منه؟ فاختصر الكلام بحذف ذلك، ثم ابتدأ فقال (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ) واللام موطئة للقسم المحذوف (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ) لأستأصلتهم بالإغواء، من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا، وهو من الحنك. ومنه
_________________
(١) ـ قوله: (لم كرمته عليَّ وأنا خيرٌ منه؟ فاختصر الكلام بحذف ذلك)، أي: السؤال عن العلة، ويمكن أن يُقال: إن اللعين لما أنكر أن يسجد له تحقيرًا لشأنه، وجعلُه طينًا مشاهدًا ترقى منه إلى أبلغ، أي: أخبرني عن حال هذا المشاهد المحسوس المكون من الطين والصلصال كالفخار، المجبول بالشهوات، أي: كيف يرتفع عليَّ وأنا أقهره بالوساوس، وأجعله مطواعًا لي، سيما ذريته، فأستأصلهم إغواء؟ ومن ثم أتى بالجملة المؤكدة بلام القسم في قوله: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، (لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ)، ولفظة "هذا" مثلُها في قوله: تقول ووقت نحرها بيمينها … أبعلي هذا بالرحى المتقاعس ويؤيده قول الإمام: (هذا): مبتدأ محذوفٌ عنه حرف الاستفهام، و"الذي" مع صلته: الخبر، أي: أخبرني: أهذا الذي كرمته عليَّ؟ وذلك على وجه الاستصغار، وإنما حذف الاستفهام؛ لأن حصوله في قوله: (أَرَأَيْتَكُ) أغنى عن تكراره. قوله: (وهو من الحنك). الراغب: الحنكُ: حنك الإنسان والدابة، وقيل لمنقار الغُراب: حنكٌ، لكونه كالحنك من الإنسان، وقيل: أسود مثل حنك الغراب، وحلك الغراب، فحنكه: منقاره، وحلكه: سواء ريشه. وقوله: (لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا) يجوزُ أن يكون من: حنكتُ الدابة: أصبتُ حنكها باللجام والرسن، فيكون كقولك: لألجمن فلانًا ولأرسنَنَّه، ويجوز أن يكون من قولهم: احتنك الجراد الأرض، أي: استولى بحنكه عليها،
[ ٩ / ٣٢٩ ]
ما ذكر سيبويه من قولهم: أحنك الشاتين أي أكلهما. فإن قلت: من أين علم أن ذلك يتسهل له وهو من الغيب؟ قلت: إما أن سمعه من الملائكة وقد أخبرهم الله به، أو خرجه من قولهم: (أتجعل فيها من يفسد فيها) [البقرة: ٣٠]، أو نظر إليه فتوسم في مخايله أنه خلق شهوانى. وقيل: قال ذلك لما علمت وسوسته في آدم، والظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة اذْهَبْ ليس من الذهاب للذي هو نقيض المجيء، إنما معناه:
امض لشأنك الذي اخترته خذلانا وتخلية، وعقبه بذكر ما جرّه سوء اختياره في قوله (فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ) كما قال موسى ﵇ للسامري (فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ) [طه: ٩٧] فإن قلت: أما كان من حق الضمير في الجزاء أن يكون على لفظ الغيبة
_________________
(١) ـ فأكلها واستأصلها، فيكون المعنى: استولى عليهم استيلاءه على ذلك، وفلانٌ حنكه الدهر، كقولك: نجذه وقرع سنه وافتره، ونحو ذلك من الاستعارات في التجربة. قوله: (والظاهر أنه قال ذلك)، أي: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِي)، إلى آخره، داخلٌ في حيز القول، فيكون صدور هذا القول بعد الإباء عن السجود، ومكان الوسوسة الجنة، وهو مختلفٌ عن هذا بزمان، أي: هذا القول مردودٌ. قوله: (كما قال موسى ﵇ للسامري)، يعني: كما رتب موسى ﵇ على قوله: (فَاذْهَبْ) قوله: (فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ) [طه: ٩٧] للإيذان بأن المراد من الأمر الخذلان، لتعقبه بالعقاب، كذلك هاهنا، فقوله: "وعقبه" عطفٌ على محذوف، وهو معللٌ لقوله: "خذلانًا وتخليةً"، وقوله: (فَمَنْ تَبِعَكَ) ظرف لقوله: "تذكرة له"، أي: قال الله تعالى لإبليس: امض لشأنك خذلانًا وتخلية، وعقبه بذكر ما جره سوء اختياره، حتى يقال في حقه: (فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ).
[ ٩ / ٣٣٠ ]
ليرجع إلى من تبعك؟ قلت: بلى، ولكن التقدير: فإنّ جهنم جزاؤهم وجزاؤك، ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل: (جزاؤكم). ويجوز أن يكون للتابعين على طريق الالتفات، وانتصب (جَزاءً مَوْفُورًا) بما (في فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ) من معنى تجازون. أو بإضمار تجازون. أو على الحال، لأنّ الجزاء موصوف بالموفور، والموفور الموفر. يقال: فر لصاحبك عرضه فرة. استفزّه: استخفه. والفز: الخفيف (وَأَجْلِبْ)
_________________
(١) ـ قوله: (لأن الجزاء موصوفٌ بالموفور)، هذا تصحيح وقوع الجزاء حالًا، وهو كقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [يوسف: ٢]، وقيل: التقدير: ذوي جزاء موفور، فيكون حالًا من الضمير في "تجازون"، وهو معنى جزاؤكم، وإلا فالعامل مفقودٌ، والأظهر أنه حالٌ مؤكدة، كقولك: زيدٌ حاتمٌ جُودًا. قال أبو البقاء: هو حالٌ موطئة. وقيل: هو تمييز. قوله: (فر لصاحب عرضه)، مثله في قول زهير: ومن يجعل المعروف من دون عرضه … يفره، ومن لا يتق الشتم يُشتم قال الزوزني: وفرتُ الشيء وفرة ووفرًا: أكثرته، ووفرته وفورًا، تقول: ومن يجعل معروفه ذابًا عن عرضه وفر مكارمه. الراغب: الوفر: المال التام. يقال: وفرتُ كذا: تممته، أفرهُ وفرًا ووفورًا ووفرةً، ووفرتُه: على التكثير، والوفرة: الشعر الوافر، ومزادة وفراءُ، وسقاءٌ أوفرُ: لم ينقص من أديمها شيءٌ، ورأيت فلانًا ذا وفارة وفرةً، أي: تام المروءة والعقل. قوله: (والفزُّ: الخفيف). الراغب: قال تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ)
[ ٩ / ٣٣١ ]
من الجلبة وهي الصياح. والخيل: الخيالة. ومنه قول النبي ﷺ: (يا خيل الله اركبي). والرجل اسم جمع للراجل. ونظيره: الركب والصحب. وقرئ: (ورجلك)، على
_________________
(١) ـ [الإسراء: ٦٤] أي: أزعج، وفزني فلانٌ: أزعجني، والفزُّ: ولدُ البقرة، سُمي به لما تُصور فيه من الخفة، كما سُمي عجلًا لما فيه من العجلة. قوله: (من الجلبة، وهي الصياح). الراغب: أجلبتُ عليه: صحتُ عليه بقهرٍ. قوله: (ياخيل الله اركبي)، النهاية: أي: يا أصحاب خيل الله. قوله: (وقرئ: (وَرَجِلِكَ». قرأ حفص: بكسر الجيم، والباقون: بإسكانها قال ابن جني: رويناها عن قُطرُب، عن أبي عبد الرحمن، وقال: الرجِلُ: والرجال، وعليه قراءة عكرمة وقتادة: "رجالك"، ويقالُ: رجل: جمع راجل، [تاجر وتجرٍ، وهذا عند سيبويه اسم للجمع غير مكسر بمنزلة الباقر. الراغب: الرجُلُ يختص بالذكر من الناس، ويقالُ رجُلَةُ للمرأة إذا كانت متشبهة بالرجل في بعض أحوالها، وفلانٌ أرجلُ الرجلين، واشتق من الرجل رجلٌ] وراجلٌ للماشي بالرجل بين الرُّجلة، فجمع الراجل رجالةٌ ورجلٌ نحو ركب، ورجالٌ نحو: ركاب لجمع الراكب، ويقالُ: رجلٌ راجل، أي: قويٌّ على المشين وجمعه رجالٌ، نحو قوله: (فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) [البقرة: ٢٣٩]، وكذا رجيلٌ ورجلةٌ. والأرجلُ: الأبيض الرجل من الفرس، والعظيم الرجلِ، واستعير الرجلُ للقطعة من الجراد ولزمان الإنسان، يقال: كان
[ ٩ / ٣٣٢ ]
أن فعلا بمعنى فاعل، نحو: تعب وتاعب. ومعناه: وجمعك الرجل، وتضم جيمه أيضا، فيكون مثل حدث وحدث، وندس وندس، وأخوات لهما. يقال: رجل رجل. وقرئ: (ورجالك) (ورجالك). فإن قلت: ما معنى استفزاز إبليس بصوته وإجلابه بخيله ورجله؟ قلت: هو كلام ورد مورد التمثيل، مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوّت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن
_________________
(١) ـ ذلك على رجل فلان، كقولك: على رأس فلان، وترجلَ الرجلُ: نزل عن دابته، وترجلَ النهارُ: انحطت الشمسُ عن الحيطان، كأنها ترجلتْ، ورجل شعره، كأنه أنزله إلى حيث الرجلُ، والمرجلُ: القدرُ المنصوب، وأرجلتُ الفصيل: أرسلته مع أمه، كأنما جعلتَ له بذلك رجلًا. قوله: (حدث): أي: حسنُ الحديثُ والندسُ: الفطن. قوله: (ورد مورد التمثيل)، وهو على وجهين: أحدهما: التمثيل المحض بأن مُثلتْ حالُ الشيطان في تسلطه وإغوائه من غير تصور استفزاز وصوتٍ وخيلٍ ورجلٍ بحالة مغوارٍ مقدرة فيها هذه المذكورات، فاستعمل في تلك الحال ما يستعمل في هذه، نحوه قوله تعالى: (وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر: ٦٧]. وثانيهما: التمثيل غير المحض، وذلك بأن يتصور له استفزاز وصوت ورجلٌ وخيل مجازي، كما قال: "بدعائه إلى الشر"، ورجله: كل راكب وماشٍ من أهل العبث. قوله: (بمغوار). الجوهري: رجلٌ مغوارٌ ومغاورٌ، أي: مقاتل، وقومٌ مغاوير، وخيلٌ مُغيرة.
[ ٩ / ٣٣٣ ]
مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم. وقيل: بصوته، بدعائه إلى الشر. وخيله ورجله:
كلّ راكب وماش من أهل العيث. وقيل: يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال. وأما المشاركة في الأموال والأولاد فكل معصية يحملهم عليها في بابهما، كالربا والمكاسب المحرّمة، والبحيرة والسائبة، والإنفاق في الفسوق، والإسراف، ومنع الزكاة، والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام، ودعوى ولد بغير سبب، والتسمية بعبد العزى وعبد الحرث، والتهويد والتنصير، والحمل على الحرف الذميمة والأعمال المحظورة، وغير ذلك (وَعِدْهُمْ) المواعيد الكاذبة، من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة، وتسويف التوبة ومغفرة الذنوب بدونها، والاتكال على الرحمة، وشفاعة الرسول في الكبائر والخروج من النار بعد أن يصيروا حمما، وإيثار العاجل على الآجل إِنَّ عِبادِي يريد الصالحين لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أى لا تقدر أن تغويهم (وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) لهم يتوكلون به في الاستعاذة منك، ونحوه قوله (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله إبليس بأن يتسلط على عباده مغويا مضلا، داعيا إلى
_________________
(١) ـ قوله: (وتسويف التوبة ومغفرة الذنوب بدونها والاتكال على الرحمة وشفاعة الرسول ﷺ في الكبائر)، الانتصاف: "وعد الله المغفرة وعلقها بالمشيئة من غير توبة، وجعلها الزمخشري من وعد الشيطان، وكذلك جعل وعد الصادق المصدوق بالشفاعة من مواعيد الشيطان، وأقل عقوبته في ذلك حرمانها". قوله: (ونحوه قوله: (إِلاَّ عِبَادَكَ»، أي: نحو قوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) [الإسراء: ٦٥]. قوله: «إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ»؛ لأن من كفاه مالك اللعين والقادر عليه وكيلًا، لا يكون إلا عبدًا مكرمًا مخلصًا.
[ ٩ / ٣٣٤ ]
الشر، صادّا عن الخير؟ قلت: هو من الأوامر الواردة على سبيل الخذلان والتخلية، كما قال للعصاة: (اعملوا ما شئتم)] فصلت: ٤٠ [.
[(رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا* وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا)].
(يُزْجِي) يجرى ويسبر. والضرّ: خوف الغرق (ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) ذهب عن أوهامكم وخواطركم كلّ من تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده، فإنكم لا تذكرون سواه، ولا تدعونه في ذلك الوقت ولا تعقدون برحمته رجاءكم، ولا تخطرون ببالكم أنّ غيره يقدر على إغاثتكم، أو لم يهتد لإنقاذكم أحد غيره من سائر المدعوّين. ويجوز أن يراد: ضلّ من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم، ولكنّ الله وحده هو الذي ترجونه وحده على الاستثناء المنقطع.
[(أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا)].
(أَفَأَمِنْتُمْ) الهمزة للإنكار، والفاء للعطف على محذوف تقديره: أنجوتم فأمنتم، فحملكم ذلك على الإعراض. فإن قلت: بم انتصب جانِبَ الْبَرِّ؟ قلت: بيخسف مفعولا به، كالأرض في قوله فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ) [القصص: ٨١]. و(بِكُمْ)
_________________
(١) ـ قوله: (على الاستثناء المنقطع)، أي: على الوجه الأخير، ويُفهم أنه على الأول والثاني متصل، أما على الأول فـ" (ضَلَّ) مضمن لمعنى "ذهب"، وفاعله الذكر، أي: ذهب عن اوهامكم ذكرُ كل من تدعونه إلا ذكر الله، يدل عليه قوله: "لا يذكرون سواه"، وعلى الثاني: "ضَلَّ" مُجرى على حقيقته، ولذلك قال: أولم يهتد لإنقاذكم؟
[ ٩ / ٣٣٥ ]
حال. والمعنى: أن يخسف جانب البر، أى يقلبه وأنتم عليه. فإن قلت. فما معنى ذكر الجانب؟ قلت: معناه أنّ الجوانب والجهات كلها في قدرته سواء، وله في كل جانب برا كان أو بحرا سبب مرصد من أسباب الهلكة، ليس جانب البحر وحده مختصا بذلك، بل إن كان الغرق في جانب البحر، ففي جانب البر ما هو مثله وهو الخسف، لأنه تغييب تحت التراب كما أنّ الغرق تغييب تحت الماء، فالبرّ والبحر عنده سيان يقدر في البر على نحو ما يقدر عليه في البحر، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب وحيث كان (أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا) وهي الريح التي تحصب أي ترمى بالحصباء، يعني: أو إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف، أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء يرجمكم بها، فيكون أشدّ عليكم من الغرق في البحر (وَكِيلًا) من يتوكل بصرف ذلك عنكم (أَمْ أَمِنْتُمْ) أن يقوّى دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي نجاكم منه
_________________
(١) ـ قوله: (فما معنى ذكر الجانب؟). دلت الفاء في السؤال على السببية، يعني: ذكرت أن (جَانِبَ الْبَرِّ): مفعولٌ به، كـ (الأَرْضِ) في قوله: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ) [القصص: ٨١]، فما معنى زيادة الجانب في هذه الآية؟ وأجاب عنه: أن الزيادة دلت على أن الكلام في هذا المقام في الجانب، وأن جانبي البر والبحر سيان تحت قهره وسلطانه ﷾، وذلك أنهم قطعوا أن الهلاك مختص بجانب البحر، وأن جانب البر مكان المن ومنزلُ الرفاهية ومهبط البطر والأشر، دل على ذلك فِعلُهم: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) [العنكبوت: ٦٥]. قوله: (أن يُقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم)، إعلام بأن "أمْ" في قوله: (أَمْ أَمِنتُمْ) منقطعة، والهمزة فيها للإنكار والتوبيخ، ويؤيده تقديره "نجوتُم" بعد الهمزة، وعطفُ (أَمِنتُمْ) عليه في القرينة الأولى، يعني: هبوا أنكم تخلصتم من الغرق في البحر، فكيف تتخلصون من الخسف في البر؟ ثم أضرب عنه، أي: دعوا الخسف، بل كيف تأمنون أن الله يقوي دواعيكم فتورث البخل الخالع والحرص الهالع، فتعودون إلى ما نجوتم منه فيغرقكم به. وفي تذييل كل من الآيتين معنى الترقي؛ ذُيلت الأولى بقوله: (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ
[ ٩ / ٣٣٦ ]
فأعرضتم، فينتقم منكم بأن يرسل عَلَيْكُمْ (قاصِفًا) وهي الريح التي لها قصيف وهو الصوت الشديد، كأنها تتقصف أي تتكسر. وقيل: التي لا تمرّ بشيء إلا قصفته (فَيُغْرِقَكُمْ) وقرئ بالتاء، أي الريح. وبالنون، وكذلك: (نخسف)، (ونرسل)، (ونعيدكم).
قرئت بالياء والنون. التبيع: المطالب، من قوله (فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ)] البقرة: ١٧٨ [أي مطالبة. قال الشماخ:
كَمَا لَاذَ الْغَرِيمُ مِنَ التَّبِيعِ
_________________
(١) ـ وَكِيلًا)، أي: من يتوكل بصرف ذلك عنكم؟ والثانية بقوله: (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا) أي: مطالبنا يُطالبنا بما فعلنا دركًا للثأر؛ لأن طلب الثأر بعد الهلاك والتوكل قبله. قوله: (فأعرضتم فينتقم منكم، بأن يُرسل) الفاء في "فأعرضتم" عاطفةٌ عقبت "نجاكم" بـ"أعرضتُم"؛ وفي "فينتقم" مؤذنة بأن الفاء في قوله تعالى: (فَيُرْسِلَ) فصيحةٌ مقتضية لتقرير "فينتقم"؛ لأن مجرد إعادتهم في البحر ليس موجبًا لإرسال ما يُغرقهم، بل سببٌ ذلك إرادةٌ الانتقام من الإعراض السابق بواسطة الريح القاصف. قوله: «فَيُغْرِقَكُمْ)، وقرئ بالتاء): ابن كثير وأبو عمرو: بالنون، والباقون: بالياء التحتانية، وبالتاء: شاذة، وعلى هذا (نُعِيدُكُمْ). قوله: (كما لاذ الغريم من التبيع)، لاذ: أي التجأ. الأساس: ما وجدت لي على فلان تبيعًا، أي: متابعًا ناصرًا لي عليه.
[ ٩ / ٣٣٧ ]
يقال: فلان على فلان تبيع بحقه، أي مسيطر عليه مطالب له بحقه. والمعنى: أنا نفعل ما نفعل بهم، ثم لا تجد أحدا يطالبنا بما فعلنا انتصارا منا ودركا للثأر من جهتنا. وهذا نحو قوله (وَلا يَخافُ عُقْباها)] الشمس: ١٥ [(بِما كَفَرْتُمْ): بكفرانكم النعمة، يريد: إعراضهم حين نجاهم.
[(وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا)].
قيل في تكرمة ابن آدم: كرّمه الله بالعقل، والنطق، والتمييز، والخط، والصورة الحسنة والقامة المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد. وقيل بتسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم. وقيل: كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم. وعن الرشيد: أنه أحضر طعاما فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف، فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس قوله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ) جعلنا لهم أصابع يأكلون بها، فأحضرت الملاعق فردّها وأكل بأصابعه (عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا) هو ما سوى الملائكة، وحسب بني آدم تفضيلا أن ترفع عليهم الملائكة وهم هم ومنزلتهم عند الله
_________________
(١) ـ قوله: (وهذا نحو قوله: (وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا) [الشمس: ١٥]، أي لايخاف الله عاقبتها وتبعتها، كما يخاف كل معاقبٍ من الملوك فيُبقي بعض الإبقاء. قوله: (وحسبُ بني آدم تفضيلا)، يعني: دل قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) على كرامتهم، ويكفيهم من هذه الكرامة أن يكونوا دون الملائكة فيها ونازلين عن منزلة الذين هم المشهورون الكاملون وبقرب من الله معروفون، أو يكونوا مفضلين على غيرهم، كما تقول: يكفيك من الشرف أن تكون ثاني الأمير في المنزلة. قوله: (وهُم هُم)، وقوله: "ومنزلتُهم منزلتهم"، مثلُ قول أبي النجم:
[ ٩ / ٣٣٨ ]
منزلتهم، والعجب من المجبرة كيف عكسوا في كل شيء وكابروا، حتى جسرتهم عادة المكابرة على العظيمة التي هي تفضيل الإنسان على الملك، وذلك بعد ما سمعوا تفخيم الله أمرهم وتكثيره مع التعظيم ذكرهم، وعلموا أين أسكنهم، وأنى قربهم، وكيف نزلهم من أنبيائه منزلة أنبيائه من أممهم، ثم جرّهم فرط التعصب عليهم إلى أن
_________________
(١) ـ أنا أبو النجم وشعري شعري أي: أنا ذلك المشهور الموصوف بالكمال، وشعري هو الموصوف المشهور بالبلاغة. قوله: (وتكثيره مع التعظيم ذكرهم)، أي: تكثير الله ذكرهم مع التعظيم في كتابه، "مع التعظيم" حالٌ من الفاعل والمفعول. قال صاحب "التقريب": ولقد تشنع هاهنا حتى أفحش، فالقول بتفضيل الملك احد قولي أهل السنة، ومذهب ابن عباس واختيار الزجاج، وأيضًا غايته التمسك بالمفهوم، وهو أن تخصيص الكثير يدل على أن القليل يضاد ذلك، واختلف في كونه حجة على أبي حنيفة ﵁ يقول بالمفهوم، ثم المفهوم إنما يدل على أنه ليس مفضلًا على القليل، ولا يلزم منه مذهبه، وهو تفضيل القليل، فقد يستويان، ثم ليحتمل أن يُراد بـ (كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا): الملائكة، إذ هم كثيرٌ من العقلاء المخلوقين، فيكون بنو آدم أفضل منهم. وعلى الجملة فذلك التشنيع شنيع.
[ ٩ / ٣٣٩ ]
لفقوا أقوالا وأخبارا منها؛ قالت الملائكة: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في الآخرة. فقال: وعزتي وجلالي، لا أجعل ذرّية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان. ورووا عن أبى هريرة أنه قال: لمؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده. ومن ارتكابهم أنهم فسروا كثِيرًا) بمعنى «جميع» في هذه الآية،
_________________
(١) ـ قوله: (ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون) الحديث، نحوه رواه محيي السنة في "المصابيح"، وفي "المعالم": وروى شيخي في "المعتمد"، والبيهقي في "شُعب الإيمان"، عن جابر أن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: يا رب، خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة. قال الله تعالى: لا أجعلُ من خلقته بيدي ونفخت فيه من رُوحي كمن قلت له: كن، فكان". وأما الحديث الآخر فقد رواه ابن ماجه، عن أبي هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ: "المؤمن أكرم على الله من بعض ملائكته". قوله: (فسروا "كثيرًا" بمعنى: جميع) قال محيي السنة: وظاهر الآية أنه فضلهم على
[ ٩ / ٣٤٠ ]
وخذلوا حتى سلبوا الذوق
_________________
(١) ـ كثير ممن خلقه، لا على الكل، وقال قومٌ: فضلوا على جميع الخلق وعلى الملائكة كلهم، وقد يوضع الأكثر موضع الكل، كما قال تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ) إلى قوله: (وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣]، وفسر المصنف في قوله: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا) [يونس: ٣٦] الأكثر: بالجميع. قوله: (سبوا الذوق)، أراد بالذوق: ما تجده نفس الفطن الذكي من التفاوت بين اللفظين، ووضع جميع موضع كثير، فإن هذا التركيب من باب تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات للدلالة على نفي الحكم عما عداه، ومعناه: أنه حصل في المخلوقات ما لا يكون الإنسان أفضل منه، وهم الملائكة، وهذا تقدير الإمام، وإلا فأي فائدة في العدول من لفظ الكل والجميع إليه؟ ونحوه ما رُوي عن أبي عبيدة - وهو من علماء العربية- أنه قال في مثل قولهم: الميتُ اليهودي لا يُبصر، أنه يتبادر منه إلى الفهم أن الميت المسلم يبصر، ولذلك يتعجب ويضحك منه كل أحد، وألا لم يكن لذلك الضحك والتعجب وجه. ولعل إحالته إلى الذوق تعريض بأصحابه الذين منعوا القول بالمفهوم، فنقول: الظاهر أن المفضل عليه كثيرٌ، و(مِمَّنْ خَلَقْنَا): بيان له، وفي الحقيقة بالعكس على ما سبق في قوله تعالى: (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِمًا) [يونس: ٢٧]، قال: عامل (مُظْلِمًا)
[ ٩ / ٣٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … (أُغْشِيَتْ) من قبل أن (مِنْ اللَّيْلِ): صفة لقوله: (قِطَعًا)، فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة. وحققه شيخي المغفور [له] أمين الدين الشرفشاهي بأن قال: إن نسبة (أُغْشِيَتْ) إلى (قِطَعًا) إنما هي باعتبار ذاتها المبهمة المفسرة بالليل، لا باعتبار مفهوم القطع في نفسها، وإنما ذُكرت لبيان مقدار ما أغشيت به، وهو الليل، كما إذا قيل: اشتريت أرطالًا من الزيت، فإن المشترى الزيت، والأرطال مبينة لمقدار ما اشترى، وهاهنا المفضل عليه ممن (خَلَقْنَا) و(كَثِيرٍ) مبينٌ لمقدار كميته، وعليه قولك: رأيت أسدًا منك، على التجريد، فإن المرئي المخاطب، والأسد: لبيان كيفية حال المرئي من الجرأة والشجاعة، ولا شك أن (مِمَّنْ خَلَقْنَا) متناولٌ لمن يعقلُ من المخلوقات، وهو منحصر في الملائكة والثقلين، وخرج منه بنو آدم؛ لأن الشيء لا يُفضل على نفسه، فيبقى الملائكة والجن. فظهر أن فائدة استجلاب الوصف ليس إلا لبيان كمية المفضل عليه الذي يقتضيه مقام المدح للمفضل، فلا يحمل على المفهوم، نحو: "في سائمة الغنم زكاة"، إذ لا فائدة فيه للوصف سوى التخصيص. وأما كونُ المقام مقام مدحٍ فإن الآية أُخرجت مخرج القسيمة، وكرر فيها ما يُنبئ عن غاية المدح من ذكر الكرامة والتفضيل وتسخير الأشياء على سبيل الترقي، كأنه قيل: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) برامة أبيهم، ثم سخرنا لهم الأشياء (وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ)، ثم فضلناهم تفضيلًا أي تفضيل، ولهذا عقب بها قوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا)، وهو لبيان كرامة أبيهم، بجعل سُجود الملائكة المقربين بعد ذكرهم فيه (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) [البقرة: ٣٠] ن ومن ثم طُرد اللعين حيثُ قاس الفضل بالعقل وامتنع عن السجود
[ ٩ / ٣٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … الذي يدُل على فضله وكرامته، وما توسطت بينهما من الآيات كالاستطراد والاعتراض يدل عليه الاتفاق بين قوله: (وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ)، وقوله: (رَبُّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) [الإسراء: ٦٦] كما بين هذه الكرامة والكرامة بالسجود. ويعضده الحديث المروي عن جابر كما مر. هذا على أن يكون (مِن) بيانًا، وإذا جُعل تبعيضًا كان (مِمَّنْ خَلَقْنَا): بدلًا، أي: فضلناهم على بعض المخلوقين، وذكرُ البعض في هذا المقام يدل على تعظيم المفضل عليه، كما سبق في قوله تعالى: (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) [الأنعام: ١٦٥]، وأي مدح لبني آدم وإثبات للفضل والكرامة بالجملة القسمية، إذ جُعلوا مفضلين على الشياطين والجن؟ على أن صفة الكثرة، إذا جُعلت مخصصة لإخراج البعض، كانت بالملائكة أولى من الجن والشياطين؛ لأنهم هم الموصوفون بالكثرة، وإليه ينظرُ قول صاحب "التقريب". ثم يحتمل أن يُراد بـ (كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا): الملائكة، إذ هم كثيرٌ من العقلاء المخلوقين. روينا عن الترمذي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: إني أرى ما لا ترون، وأسمعُ ما لا تسمعون، أطتِ السماء وحُق لها أن تئط، ما فيها موضعُ أربع أصابع إلا وملكٌ واضعٌ جبهته لله ساجدًا"، الحديث. وذكر شيخُنا شيخُ الإسلام في كتاب "الرشف"، أنه ورد أن البيت المعمور يطوفُ به كل يوم سبعون ألفًا لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. وورد أن كل قطرةٍ تنزلُ منَ
[ ٩ / ٣٤٣ ]
فلم يحسوا ببشاعة قولهم: وفضلناهم على جميع ممن خلقنا، على أن معنى قولهم «على جميع ممن خلقنا» أشجى لحلوقهم وأقذى لعيونهم، ولكنهم لا يشعرون. فانظر إلى تمحلهم وتشبثهم بالتأويلات البعيدة في عداوة الملأ الأعلى، كأنّ جبريل ﵇ غاظهم حين أهلك مدائن قوم لوط، فتلك السخيمة لا تنحل عن قلوبهم.
_________________
(١) ـ السحاب إلى الأرض يصحبها ثلاثة أملاكن فظهر أن ليس المراد من قولنا: "فُضلوا على الجميع"، أنه وضع "الكثير" موضع "الجميع" في التلاوة ليلزم البشاعة التي ذكرها، بل الجميع لازم المعنى. وأما قوله: (أشجى لحلوقهم) فلعل مراده أنهم إنما فروا من دلالة المفهوم وفسروا "الكثير" بـ"الجميع" لئلا يلزم فضلُ الملائكة عليهم، لكن لزمهم من هذا ما هو أفظع منه، وهو فضل الحدادين والحياكين، بل الكافرين، على النفوس الطاهرة الزكية. وأجيب عنه: أنه كما لا يلزم من قولنا: "الرجال أفضل من النساء" فضلُ كل فردٍ على كل فرد، كذلك لا يلزم ذلك. وفي حديث أبي هريرة: "المؤمن أكرمُ على الله من بعض الملائكة"، إشارة إلى تفضيل الآية، وحديث جابر، وهو ما قيل: خواص الإنسان مثل الأنبياء أفضلُ من خواصهم، وبعضُ عوام الإنسان من المؤمنين أفضل من عوامهم، والله أعلم. قوله: (السخيمة)، أي: الضغينة والموجدة في النفس. قاله الجوهري.
[ ٩ / ٣٤٤ ]
[(يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا)].
قرئ) نَدْعُوا)، بالياء والنون. (ويدعى كل أناس)، على البناء للمفعول. وقرأ الحسن: يدعوا كل أناس، على قلب الألف واوا في لغة من يقول: افعوا. والظرف نصب بإضمار اذكر. ويجوز أن يقال: إنها علامة الجمع، كما في (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)] الأنبياء: ٣ [والرفع مقدّر كما في: (يدعى)] الصف: ٧ [، ولم يؤت بالنون، قلة مبالاة بها، لأنها غير ضمير، ليست إلا علامة ب (ِإِمامِهِمْ) بمن ائتموا به من نبي أو مقدّم في الدين، أو كتاب، أو دين، فيقال: يا أتباع فلان، يا أهل دين كذا وكتاب كذا. وقيل: بكتاب أعمالهم، فيقال: يا أصحاب كتاب الخير، ويا أصحاب كتاب الشرّ. وفي قراءة الحسن: بكتابهم. ومن بدع التفاسير: أن الإمام جمع (أمّ)، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الآباء رعاية حق عيسى
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: (نَدْعُوَا)، بالياء والنون) بالنون: السبعة، وبالياء: شاذ. قوله: (وقرأ الحسن: "يُدعَو")، أي: بضم الياء وفتح العين، قال ابن جني: هذا على لغة من أبدل الألف في الوصل واوًا، نحو: "أفعو" و"حُبلو"، ذكر ذلك سيبويه، وأكثر هذا القلب إنما هو في الوقف؛ لأن الوقف من مواضع التغيير، وهو أيضًا في الوصل محكي على حاله في الوقف. ومنهم من يبدلها ياء. قوله: (ولم يؤت بالنون؛ قلة مبالاة بها، لأنها غير ضمير). قال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ، لأنها علامة الرفع، ولا موجب لحذفها. قوله: (ومن بدع التفاسير: أن "الإمام" جمعُ "أمُ")، روى محيي السُّنة، عن محمد بن كعب (بِإِمَامِهِمْ): الإمامُ: جمعُ أمٍّ، كخُف وخفافٍ، وفيه ثلاثة أوجه من الحكمة، أحدها:
[ ٩ / ٣٤٥ ]
﵇، وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا يفتضح أولاد الزنا. وليت شعري أيهما أبدع؟ أصحة لفظه أم بهاء حكمته؟ (فَمَنْ أُوتِيَ) من هؤلاء المدعوّين (كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ) قيل أولئك، لأن من أوتى في معنى الجمع. فإن قلت: لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم؟ كأن أصحاب الشمال لا يقرؤن كتابهم. قلت:
بلى، ولكن إذا اطلعوا على ما في كتابهم، أخذهم ما يأخذ المطالب بالنداء على جناياته، والاعتراف بمساويه، أما التنكيل به والانتقام منه، من الحياء والخجل والانخزال، وحبسة اللسان، والتتعتع، والعجز عن إقامة حروف الكلام، والذهاب عن تسوية القول، فكأن قراءتهم كلا قراءة. وأما أصحاب
_________________
(١) ـ لأجل عيسى ﵇، والثاني: لشرف الحسن والحسين، والثالث: لئلا يُفتضح أولادُ الزنى. الانتصاف: وأما بدع لفظه، فإن جمع الأم المعروف: أمهات، وأما رعاية عيسى بذكر أمهات الخلائق لذكر أمه، فيوهم أن خلق عيسى من غير أب غضٌّ من منصبه، وهو عكس الحقيقة، بل ذلك ذكرٌ له وشرف. قوله: (ما يأخذ المُطالب)، وهو بفتح اللام، وفاعل "يأخذ" ضميرٌ يرجع إلى "ما"، و"مِن" في "مَن الحياء" بيانُ "ما" الثانية، والباء في "بالنداء" سببية متعلقة بـ"يأخذ"، و"أمام التنكيل" ظرفُ "يأخذُ"، المعنى: يأخذهم الخجل والانخزال وحبسة اللسان أخذًا مثل أخذ من طولب بجناياته ومساوئه وأوقف بين يدي جبار من الجبابرة، فيأخذه الحياء والخجل والحبسة بسبب النداء على جناياته، وبسبب اعترافه بمساوئه، والحال أنه مشاهد لتهيؤ أسباب نكاله وهلاكه.
[ ٩ / ٣٤٦ ]
اليمين فأمرهم على عكس ذلك، لا جرم أنهم يقرؤن كتابهم أحسن قراءة وأبينها، ولا يقنعون بقراءتهم وحدهم حتى يقول القارئ لأهل المحشر: (هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ) [الحاقة: ١٩]. (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شيء، كقوله (وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا)، (فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) [طه: ١١٢].
[(وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا)].
معناه: ومن كان في الدنيا أعمى، فهو في الآخرة أعمى كذلك (وَأَضَلُّ سَبِيلًا) من الأعمى. والأعمى مستعار ممن لا يدرك المبصرات لفساد حاسته، لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة: أما في الدنيا فلفقد النظر. وأما في الآخرة، فلأنه لا ينفعه الاهتداء إليه، وقد جوزوا أن يكون الثاني بمعنى التفضيل ومن ثم قرأ أبو عمرو الأوّل مما لا، والثاني مفخمًا لأن أفعل التفضيل تمامه بمن، فكانت ألفه في حكم
_________________
(١) ـ قوله: (ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شيء)، الراغب: الفتيل: المفتول، وسُمي ما يكون في شق النواة فتيلًا لكونه على هيئته، وقيل هو ما تفتله بين أصابعك من خيط أو وسخ، ويُضرب به المثل في الشيء الحقير. قوله: (ومن ثم قرأ أبو عمرو الأول ممالًا، والثاني مفخمًا)، قال الزجاج: (فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى) وهذا من عمى القلب، أي: هو في الآخرة أشد عمى. وقال أبو علي في "الحجة": وأما قراءة أبي عمرو: (أَعْمَى) الأول ممالًا والثاني مفخمًا، فإنه يجوز أن لا يجعل الثاني عبارة عن العيوب في الجارحة، ولكنه جعله من
[ ٩ / ٣٤٧ ]
الواقعة في وسط الكلام، كقولك: أعمالكم وأما الأوّل فلم يتعلق به شيء، فكانت ألفه واقعة في الطرف معرضة للإمالة.
[(وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا
_________________
(١) ـ باب: أبله من فلان، فجاز أن يكون فيه: أفعَل من كذا، وإن لم يُجز أن يُقال ذلك في المصاب ببصره، فإذا جعله كذلك لم يقع الألف في آخر الكلمة؛ لأن آخرها هو من كذا، وإنما تحسن الإمالة في الأواخر، وقد حُذف من أفعل الذي هو للتفضيل، الجار والمجرور، وهما مرادان في المعنى مع الحذف، كقوله تعالى: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه: ٧]، أي: أخفى من السر، كذلك قوله: (أَعْمَى)، أي: أعمى منه في الدنيا، ومعنى العمى في الآخرة: أنه لا يهتدي إلى طريق الثواب، ويؤكد لك ظاهر ما عُطف عليه من قوله: (وَأَضَلُّ سَبِيلًا)، فكما أن هذا لا يكون إلا على أفعل، كذلك المعطوف عليه، ومعنى (وَأَضَلُّ سَبِيلًا) في الآخرة أن ضلاله في الدنيا قد كان يُمكن الخروجُ منه، وضلاله في الآخرة لا سبيل له إلى الخروج منه. قال صاحب "الانتصاف": هذه الآية قسيمةٌ، لقوله: (فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) [الإسراء: ٧١]، فهو يتبصره ويقرؤه، ومن كان في الدنيا أعمى غير متبصر ولا ناظر في معاده فهو في الآخرة غير متبصر في كتابه، بل أعمى عنه أو أشد عمى على اختلاف التأويلين، فعلى هذا لا يكون قول المصنف: "لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم متوجها؟ ". وقال القاضي: وتعليق القراءة بإيتاء الكتاب باليمين يدل على أن من أوتي كتابه بشماله إذا اطلع على ما فيه غشيهم من الخجل والحيرة ما يحبس ألسنتهم عن القراءة، ولذلك لم يذكرهم مع أن قوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى) أيضًا مُشعرٌ بذلك، فإن الأعمى لا يقرأ الكتاب.
[ ٩ / ٣٤٨ ]
لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا* إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا)].
روى أنّ ثقيفًا قالت للنبي ﷺ: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر، ولا نحشر، ولا نجبى في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة، ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره، فإذا سألتك العرب: لم فعلت ذلك؟ فقل: إن الله أمرني به، وجاءوا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف: لا يعشرون ولا يحشرون، فقالوا: ولا يجبون. فسكت
_________________
(١) ـ قوله: (لا نُعشر، ولا نحشر، ولا نجبي)، النهاية: في الحديث: "أن وفد ثقيف اشترطوا أن لا يُحشروا ولا يُعشروا ولا يُجبوا"، أي: لا يؤخذ عُشر أموالهم. وقيل: أرادوا به الصدقة الواجبة، وإنما فسح لهم في تركها لأنها لم تكن واجبة يومئذ عليهم، وإنما تجب بتمام الحول، وسُئل جابر عن اشتراط ثقيف أن لا صدقة عليهم، ولا جهاد، فقال: علم أنهم سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا وقال: يجوز أن يُسمى آخذُ ما يجب على المسلمين من ربع العُشر: عاشرًا، لإضافة ما يأخذه إلى العشر ونصف العشر، كيف وهو يأخذ العشر جميعه، وهو زكاة ما سقته السماء؟ وقوله: "ولا يُحشروا"، أي: لا يندبوا إلى المغازي ولا تُضرب عليهم البعوث. قوله: (ولا نُجبي)، النهاية: أصل التجبية: أن يقوم الإنسان قيام الراكع، وقيل: هو أن يضع يديه على ركبتيه وهو قائم، وقيل: هو السجود، والمراد: لا يُصلون، ولفظ الحديث يدل على الركوع، لقوله في جوابهم "لاخير في دين ليس فيه ركوع"، فسمى الصلاة ركوعًا، لأنه بعضها.
[ ٩ / ٣٤٩ ]
رسول الله ﷺ ثم قالوا للكاتب: اكتب: ولا يجبون، والكاتب ينظر إلى رسول الله، فقام عمر بن الخطاب ﵁ فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم نارا، فقالوا: لسنا نكلم إياك، إنما نكلم محمدا فنزلت. وروى أنّ قريشا قالوا له: اجعل آية رحمة آية عذاب، وآية عذاب آية رحمة، حتى نؤمن بك. فنزلت (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) إن مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والمعنى: أن الشأن قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين (عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) من أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا (لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا) لتقول علينا ما لم نقل، يعنى ما أرادوه عليه من تبديل الوعد وعيدا والوعيد وعدا، وما اقترحته ثقيف من أن يضيف إلى الله ما لم ينزله عليه (وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ) أي ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك (خَلِيلًا) ولكنت لهم وليا وخرجت من ولايتي (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ) ولولا تثبيتنا لك وعصمتنا (لقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) لقاربت أن تميل إلى خدعهم ومكرهم، وهذا تهييج من الله له وفضل تثبيت، وفي ذلك لطف للمؤمنين.
_________________
(١) ـ قوله: (لسنا نُكلمُ إياك)، بالياء تحتها نقطتان، ويروى: "أباك"، بالباء الموحدة، أي: لسنا نُكلم أباك حتى تتعصب لهن ولعل وجه فصل الضمير المنصوب للإبهام والتبيين تأكيدًا، ولذلك قالوا: إنما نكلمُ محمدًا. قوله: (أي: يخدعوك فاتنين)، إشارة إلى أن قوله: (لَيَفْتِنُونَكَ)، مضمن معنى الخداع ومُعدى تعديته. قوله: (ما أداروه عليه)، أي: على الافتراء والتقول، والضمير في "عليه": لـ"ما"، والمنصوب لرسول الله ﷺ. و"ما" عبارةٌ عن الافتراء والتقول، أي: أداروا رسول الله ﷺ على الافتراء. الأساس: ومن المجاز: أدرته على هذا الأمر: حاولتُ منه أن يفعله، وأدرته عنه: حاولت منه أن يتركه.
[ ٩ / ٣٥٠ ]
(إِذًا) لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة (لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ) أي لأذقناك عذاب الآخرة وعذاب القبر مضاعفين. فإن قلت: كيف حقيقة هذا الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان: عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار. والضعف يوصف به، نحو قوله (فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ) بمعنى مضاعفا، فكان أصل الكلام: لأذقناك عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وهو الضعف. ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل: (ضعف الحياة وضعف الممات)، كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات. ويجوز أن يراد بضعف الحياة: عذاب الحياة الدنيا، وبضعف الممات: ما يعقب الموت من عذاب القبر وعذاب النار. والمعنى: لضاعفنا
_________________
(١) ـ قوله: «إذًا)، لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة (لأَذَقْنَاكَ»، وهو صريح في أنه ﷺ ما هم بإجابتهم مع قوة الداعي إليها، ودليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه. قوله: (ويجوز أن يُراد بضعف الحياة: عذاب الحياة الدنيا)، الفرق بين هذا الوجه والوجه الأول بعد إجراء الضعف على المضاعفة أن عذاب الممات في الأول عذاب القبر، وعذاب الحياة في الآخرة وهنا المراد بعذاب الممات عذاب القبر، وبعذاب الحياة: عذابُ الحياة الدنيا"، قال القاضي: أي: عذبناك ضعف ما نُعذب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك؛ لأن خطأ الخطير أخطر. وقيل: الضعفُ من أسماء العذاب. الراغب: الضعف من الألفاظ المتضايفة التي يقتضي وجودُ أحدهما وجود الآخر، كالنصف والزوج، وهو تركب زوجين متساويين، ويختص بالعدد، فإذا قيل: أضعفت
[ ٩ / ٣٥١ ]
لك العذاب المعجل للعصاة في الحياة الدنيا، وما نؤخره لما بعد الموت. وفي ذكر الكيدودة وتقليلها، مع إتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين - دليل بين على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله وارتفاع منزلته، ومن ثم استعظم مشايخ العدل والتوحيد رضوان الله عليهم نسبة المجبرة القبائح إلى الله - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - وفيه دليل على أن أدنى مداهنة للغواة مضادة لله وخروج
_________________
(١) ـ الشيء وضعفته وضاعفته: ضممت إليه مثله فصاعدًا، قال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعفت، ولهذا قرأ أكثرهم: (يُضَاعَفْ) [الأحزاب: ٣٠]، وقال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: ١٦٠]، فالمضاعفة على قضية هذا القول تقتضي أن يكون عشر أمثالها. وقيل: ضعفته، - بالتخفيف- ضعفًا، فهو مضعوفٌ، فالضعف مصدرٌ، والضعف: اسم كالثني والثني، فضعفُ الشيء هو الذي يثنيه، ومتى أضيف إلى عددٍ اقتضى ذلك العدد ومثله، نحو أن يُقال: ضعفُ العشرة، فذلك عشرون بلا خلاف، وإذا قيل: أعطهِ ضعفي واحد، فإن ذلك اقتضى الواحد ومثليه، وذلك ثلاثة؛ لأن معناه: الواحد واللذان يزاوجانه، هذا إذا كان الضعف مضافًا، فأما إذا لم يكن مضافًا، فقلت: الضعفين، فإن ذلك يجري مجرى الزوجين في أن كلا منهما يزاوج الآخر فيقتضي ذلك اثنين؛ لان كلًا منهما يضاعف الآخر، فلا يخرجان عن الاثنين، بخلاف ما إذا أضيف الضعفان إلى واحدٍ فيثلثهما، نحو: ضعفي الواحد، قال الله تعالى: (فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ) [سبأ: ٣٧]. قوله: (وفي ذكر الكيدودة وتقليلها)، إلى قوله: (دليل بينٌ على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عم شأن فاعله، ومن ثم استعظم مشايخ العدل نسبة المجبرة القبائح إلى الله تعالى)، الانتصاف: أما تقليلُ الكيدودة فيحمل على كون الله تعالى يعلمُ ما لم يكن لو كان كيف يكون، فعلم تعالى أن الركون الذي كاد يحصل لو كان قليلًا فهو عظيم، وهو خبر
[ ٩ / ٣٥٢ ]
عن ولايته، وسبب موجب لغضبه ونكاله. فعلى المؤمن إذا تلا هذه الآية أن يجثو عندها ويتدبرها، فهي جديرة بالتدبر، وبأن يستشعر الناظر فيها الخشية وازدياد التصلب في دين الله. وعن النبي ﷺ أنها لما نزلت كان يقول: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين».
[(وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلًا* سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا)].
(وَإِنْ كادُوا) وإن كاد أهل مكة (لَيَسْتَفِزُّونَكَ) ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم مِنَ الْأَرْضِ من أرض مكة وَإِذًا لا (يَلْبَثُونَ) لا يبقون بعد إخراجك (إِلَّا) زمانا (قَلِيلًا) فإن الله مهلكهم وكان كما قال، فقد أهلكوا ببدر بعد
_________________
(١) ـ عن الواقع في علمه، فلا يليق حمله على المبالغة، فإنها لا تليق في الأخبار، فإنه لو كان الواقع كيدودة ركون كثير، كان تقليله خُلفًا في الخبر، والذنبُ يعظمُ بحسب فاعله. وأما تعظيم مشايخ المعتزلة نسبة القبائح إلى الله تعالى فقد استعظموا عظيمًا، ولكن جهلوا في اعتقادهم القبح وصفًا ذاتيًا للقبيح، وكل ما استقبحوه من العبد استقبحوه من الله تعالى، والقبيح عندنا: ما نهى الله عنه، ولله ﷿ أن يفعله، لا يُسأل عما يفعلُ، فالملكُ يستقبح من عبده أن يجلس على كرسي الملك، ولا يقبح ذلك منه، ولقد كان لمشايخه شُغلٌ بما لزمهم من الإشراك عن هذان لكن زين لهم سوء اعتقادهم فرأوه حسنًا. في أول كلامه نظر، وفي قول المصنف- أعني: "وفي ذكر الكيدودة وتقليلها"- إشكالٌ؛ لأن (شَيْئًا قَلِيلًا) مصدر (تَرْكْنُ) ظاهر، فيلزم التقليل فيه لا في الكيدودة، ويمكن أن يُقال: إن "كاد" لما كانت لمقاربة الخبر في الوجود فجُعلت القلة التي في الخبر فيها مجازًا. قله: «إلا) زمانًا (قَلِيلًا»، اعلم أن إخراج الكفار رسول الله ﷺ يحتملُ وجوها
[ ٩ / ٣٥٣ ]
إخراجه بقليل. وقيل: معناه ولو أخرجوك لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم. ولم يخرجوه، بل هاجر بأمر ربه. وقيل: من أرض العرب. وقيل: من أرض المدينة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم، فاجتمعوا إليه وقالوا: يا أبا القاسم، إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام وهي بلاد مقدّسة وكانت مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك، وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم، فعسكر رسول الله ﷺ على أميال من المدينة وقيل بذي الحليفة، حتى يجتمع إليه أصحابه
_________________
(١) ـ من التأويل بحسب تفسير الأرض، فإذا فُسرت بأرض مكة فالتأويل على وجهين: أحدهما: أن (قَلِيلًا): صفة موصوفٍ محذوف، فقد حصل الإخراج وعدم لُبثهم وهلاكهم بعد حقيقة، وهو المراد من قوله: "فقد أهلكوا ببدرٍ بعد إخراجه بقليل"، وأن (قَلِيلًا) يعني العدم، كقوله تعالى: (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) [الحاقة: ٤١] وإليه الإشارة بقوله: "لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم"، لكن لم يحصل الإخراج على الحقيقة، ولذلك لم يحصل هذا الاستئصال، وإذا فُسرت بأرض العرض فلم يحصل هذا الإخراج لا حقيقة ولا مجازًا، فلم يحصل الاستئصال أيضًا، وإذا فُسرت بأرض المدينة يعود معنى القليل على التقديرين. قوله: (لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم)، قال الميداني: أصلُ المثل: "جاءوا على بكرة أبيهم"، قال أبو عبيد: أي: جاءوا جميعًا لم يتخلف منهم أحدٌ، وليس هناك بكرةٌ في الحقيقة، والبكرة تأنيث البكر، وهو الفتى من الإبل، وقيل: البكرة هاهنا: التي يُستقى عليها، أي: جاءوا بعضهم على أثر بعض كدوران البكرة على نسق واحد لم ينقطع. والبكرة إذا كانت لأبيهم اجتمعوا عليها مستقين لا يمنعهم عنها أحدٌ، فشبه اجتماع القوم في المجيء باجتماع أولئك على بكرة أبيهم.
[ ٩ / ٣٥٤ ]
ويراه الناس عازما على الخروج إلى الشام لحرصه على دخول الناس في دين الله، فنزلت، فرجع. وقرئ: لا يلبثون. وفي قراءة أبىّ: لا يلبثوا على إعمال «إذا». فإن قلت: ما وجه القراءتين؟ قلت: أما الشائعة فقد عطف فيها الفعل على الفعل، وهو مرفوع لوقوعه خبر كاد، والفعل في خبر كاد واقع موقع الاسم. وأما قراءة أبىّ ففيها الجملة برأسها التي هي (إذا لا يلبثوا)، عطف على جملة قوله: (وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ). وقرئ: (خلافك). قال:
_________________
(١) ـ قوله: (أما الشائعة)، يعني: القراءة المشهورة، وهي (لا يَلْبَثُونَ) بإثبات النون: مرفوعٌ، عطفٌ على (لَيَسْتَفِزُّونَكَ): خبر كاد، وهو مرفوعٌ، نحو: كاد زيدٌ يخرجُ، وفي "المفصل": خبرها مشروطٌ فيه أن يكون فعلًا مضارعًا، متأولًا باسم الفاعل. قال ابن الحاجب: إنما شرط أن يكون فعلًا مضارعًا، للتنبيه على أنه المقصود بالقرب، فعلى هذا: (إذًا) واقعةٌ في أثناء الكلام، لا جواب لها، لأن (إذًا) لا تعملُ إذا كان معتمدًا ما بعدها على ما قبلها، قال أبو البقاء: وإثبات النون إلغاء (إذًا)؛ أن الواو العاطفة تُصير الجملة مختلطة بما قبلها، فتكون (إذًا) حشوًا. قوله: (الجملة برأسها) إلى قوله: (عطفٌ على جملة قوله: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ)، قال نور الدين الحكيم: فيه نظرٌ؛ لأنه على هذا التقدير لا يتحقق معنى قول سيبويه: إذًا: جوابٌوجزاء. قلت: ولا يمكنُ أن يُفهم كونه جوابًا وجزاءً من حيث المعنى، نحو: وإذا كان كذلك إذًا لا يلبثوا. قوله: (وقرئ: (خِلافَكَ»، قال القاضي: قرأ ابن عامرٍ وحمزة والكسائي ويعقوب
[ ٩ / ٣٥٥ ]
عفت الدّيار خلافهم فكأنّما … بسط الشّواطب بينهنّ حصيرا
أي بعدهم (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا يعنى أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم، فسنة الله أن يهلكهم، ونصبت نصب المصدر المؤكد، أي: سن الله ذلك سنة.
[(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا* وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا)].
دلكت الشمس: غربت. وقيل: زالت. وروى عن النبي ﷺ: أتاني جبريل ﵇ لدلوك الشمس حين زالت الشمس، فصلى بى الظهر. واشتقاقه من الدلك،
_________________
(١) ـ وحفصٌ: (خِلافَكَ)، وهو لغةٌ. قوله: (عفت الديار خلافهم)، البيت، "عفت": اندرست، "خلافهم": بعدهم، "الشواطبُ": النساءُ اللواتي يشتققن الجريد ليُعمل منه الحُصر، والشطبُ: سعفُ النخل الأخضر. يصفُ دروس ديار الأحباب بعدهم، وأنها غير مسكونة، كأنما بُسط فيها سُعفُ النخل. قوله: (دلكت الشمسُ: غربت)، الراغب: دُلوكُ الشمس: ميلها إلى الغروب، وهو من قولهم: دلكت الشمس: دفعتها بالراح، ومنه: دلكتُ الشيء في الراحة، ودالكت الرجل: إذا ماطلته، والدلوك: ما دلكته من طيب، والدليك: طعامٌ يتخذ من زُبدٍ وتمر.
[ ٩ / ٣٥٦ ]
لأن الإنسان يدلك عينه عند النظر إليها، فإن كان الدلوك الزوال فالآية جامعة للصلوات الخمس، وإن كان الغروب فقد خرجت منها الظهر والعصر. والغسق: الظلمة، وهو وقت صلاة العشاء (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) صلاة الفجر، سميت قرآنا وهو القراءة، لأنها ركن، كما سميت ركوعًا وسجودًا وقنوتًا. وهي حجة على ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن (مَشْهُودًا) يشهده ملائكة الليل
_________________
(١) ـ قوله: (وهي حجةٌ على ابن عُلية والأصم … أن القراءة ليست برُكن) في صلاة الفجر، قال القاضي: واستدل به على وجوب القراءة فيها، ولا دليل فيه لجواز أن يكون التجوز؛ لكونها مندوبة فيها، نعم، لو فسرنا بالقراءة في صلاة الفجر، دل الأمر بإقامتها على الوجوب فيها نصًا، وفي غيرها قياسًا. والجواب عن الأول: أنه لو لم تكن ركنًا لم يجز إطلاقه عليها، كالركوع والسجود والقيام؛ لأنه من باب إطلاق معظم الشيء على كله. والمندوب ليس كذلك. والجواب عن الأول: أنه لو لم تكن رُكنًا لم يجز إطلاقه عليها، كالركوع والسجود والقيام؛ لأنهُ من باب إطلاق مُعظم الشيء على كله. والمندوب ليس كذلك. وقال أبو البقاء: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) فيه وجهان: أحدههما: هو معطوفٌ على (الصَّلاةَ)، أي: وأقم الصلاة صلاة الفجر، وعليه قوله: سُميت صلاةُ الفجر قُرآنا، لأنها رُكن. وثانيهما: هو على الإغراء، أي: عليك قرآن الفجر، أو: الزم. وعليه قوله: "ويجوز أن يكون (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) حثًا على طول القراءة في صلاة الفجر"، كأنه قيل: الزم قراءة القرآن في صلاة الفجر، أي: القرآن المنسوب إلى الفجر.
[ ٩ / ٣٥٧ ]
والنهار، ينزل هؤلاء، ويصعد هؤلاء، فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار. أو يشهده الكثير من المصلين في العادة. أو من حقه أن يكون مشهودًا بالجماعة الكثيرة. ويجوز أن يكون (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) حثا على طول القراءة في صلاة الفجر، لكونها مكثورًا عليها، ليسمع الناس القرآن فيكثر الثواب، ولذلك كانت الفجر أطول الصلوات قراءة (وَمِنَ اللَّيْلِ) وعليك بعض الليل (فَتَهَجَّدْ بِهِ) والتهجد ترك الهجود للصلاة، ونحوه التأثم والتحرّج. ويقال أيضا في النوم: تهجد (نافِلَةً لَكَ) عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس، وضع (نافلة) موضع (تهجدا)، لأن
_________________
(١) ـ قوله: (فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار). روى الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده"، عن أبي هريرة، في صلاة الفجر وصلاة العصر، قال رسول الله ﷺ: "يجتمعون في صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل، وتثبت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر، فيصعد ملائكة النهار وتثبت ملائكة الليل فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون". وفي رواية البخاري ومسلم: قال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر"، ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا). قوله: (مكثورًا عليها)، أي: مغلوبًا عيها بالكثرة. الجوهري: عن ابن السكيت: فلانٌ مكثور عليه: إذا نفد ما عنده وكثُرت عليه الحقوق. قوله: (ونحوه التأثم التحرج) أي: ترك الإثم والحرج. قوله: (وضع (نَافِلَةً) موضع "تَهجُّدًا"، أي: (نَافِلَةً): مفعول مطلق، من حيث
[ ٩ / ٣٥٨ ]
التهجد عبادة زائدة فكان التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد. والمعنى أن التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة فريضة عليك خاصة دون غيرك، لأنه تطوع لهم (مَقامًا مَحْمُودًا) نصب على الظرف، أي: عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاما محمودا. أو ضمن (يبعثك) معنى يقيمك. ويجوز أن يكون حالا بمعنى أن يبعثك ذا مقام محمود. ومعنى المقام المحمود: المقام الذي يحمده القائم فيه، وكل من رآه وعرفه وهو مطلق في كل ما يجب الحمد من أنواع الكرامات. وقيل: المراد الشفاعة، وهي نوع واحد مما يتناوله. وعن ابن عباس ﵄: مقام يحمدك فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق: تسأل فتعطى، وتشفع فتشفع، ليس أحد إلا تحت لوائك. وعن أبى هريرة عن النبي ﷺ: هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي وعن حذيفة يجمع الناس في صعيد واحد، فلا تتكلم نفس، فأوّل مدعوّ محمد ﷺ فيقول: «لبيك وسعديك والشرّ ليس إليك، والمهدىّ من هديت، وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت» قال: فهذا قوله (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا).
_________________
(١) ـ المعنى، وفائدة العُدول ما ذكره: أن التهجد زيدَ لك على الصلاة المفروضة فريضة عليك خاصة. قوله: (فيقيمك مقامًا محمودًا)، قال أبو البقاء: هُو على هذا نصبٌ على المصدر. قوله: (ليس أحدٌ إلا تحت لوائك)، وفي حديث أبي سعيد عن الترمذي: "وما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه، إلا تحت لوائي"، وأما الحديث بطوله فمشهورٌ من رواية أهل هذه الصناعة.
[ ٩ / ٣٥٩ ]
[(وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا)].
قرئ: (مدخل) و(مخرج) بالضم والفتح: بمعنى المصدر. ومعنى الفتح: أدخلني فأدخل مدخل صدق، أي: أدخلني القبر مدخل صدق: إدخالا مرضيا على طهارة وطيب من السيئات، وأخرجني منه عند البعث إخراجًا مرضيًا، ملقى بالكرامة، آمنا من السخط، يدل عليه ذكره على أثر ذكر البعث. وقيل: نزلت حين أمر بالهجرة، يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة. وقيل: إدخاله مكة ظاهرا عليها بالفتح، وإخراجه منها آمنا من المشركين. وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالمًا.
_________________
(١) ـ قوله: «مُدْخَل) و(مُخْرَجُ)، بالضم)، القراءة الشائعة، والفتح: شاذ. قال الزجاج: فمن قرأ بضم الميم فهو مصدر "أدخلته مدخلًا"، ومن فتح فهو على: أدخلته فدخل مدخَلَ صدق، وإنما ترك المصنفُ تقدير الضم لأنه ظاهرٌ لا يحتاج إلى تقدير فعلٍ مطابق للمصدر، كما في الفتح. قوله: (إدخالًا مرضيًا على طهارة)، معنى الإضافة في (مُدْخَلَ صِدْقٍ) و(مُخْرَجَ صِدْقٍ) نحو الإضافة في "رجُل صدق" و"رجل سوء"، والصدق إنما هو من أوصاف ذوي العلم، فإذا وُصف غيره كان دالًا على أن ذلك الشيء مرضيٌّ في بابه. قال المصنف في قوله تعالى: (كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) [الشعراء: ٧]: "وصف الزوج من النبات بالكرم، والكرمُ صفة لكل ما يُرضي ويحمد في بابه". ولما عقب هذه الآية قوله: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) وجب اختصاص الوصف بما يناسب المقام، وكأن ما ذكره، وإليه أشار بقوله: "يدل عليه ذكره على أثر ذكر البعث"، وعلى هذا تجري جميع الوجوه المذكورة من تقدير وصف الإدخال والإخراج في كل مقام بحسب ما يناسبه.
[ ٩ / ٣٦٠ ]
وقيل إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر - وهو النبوّة - وإخراجه منه مؤديا لما كلفه من غير تفريط. وقيل: الطاعة. وقيل: هو عام في كل ما يدخل فيه وبلابسه من أمر ومكان (سُلْطانًا) حجة تنصرني على من خالفني، أو ملكا وعزا قويا ناصرا للإسلام على الكفر مظهرا له عليه، فأجيبت دعوته بقوله (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس)] المائدة: ٦٧ [، (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ)] المائدة: ٥٦ [، (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)] التوبة: ٣٣ [، (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ)] النور: ٥٥ [ووعده لينزعنّ ملك فارس والروم، فيجعله له. وعنه ﷺ: أنه استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة وقال «انطلق فقد استعملتك على أهل الله» فكان شديدا على المريب، لينا على المؤمن وقال: لا والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق. فقال أهل مكة: يا رسول الله، لقد استعملت على أهل الله عتاب بن أسيد أعرابيا جافيًا، فقال ﷺ: «إنى رأيت فيما يرى النائم كأنّ عتاب بن أسيد أتى باب الجنة، فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالًا شديدًا حتى فتح له فدخلها، فأعز الله به الإسلام لنصرته المسلمين على من يريد ظلمهم، فذلك السلطان النصير».
[(وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا)].
كان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما صنم كل قوم بحيالهم. وعن ابن عباس ﵄: كانت لقبائل العرب يحجون إليها وينحرون لها، فشكا البيت
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: هو عامٌ في كل ما يدخل فيه ويُلابسه من أمر ومكان)، هذا أقرب لسباق الكلام وسياقه. أما السباقُ. فكما قال: "يدل عليه ذكره على أثر ذكر البعث"، وأما السياق فعطفُ، (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي) على (أَقِمْ الصَّلاةَ)، وعطفُ (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) على (أَدْخِلْنِي)، وكل ذلك يقتضي غير واحدةٍ من الحالات والأمكنة. قوله: (فأجيبت دعوته)، الفاء فصيحة، يعني: أمره الله تعالى بالدعاء، فامتثل أمره ودعا، فأجيبت دعوتُه.
[ ٩ / ٣٦١ ]
إلى الله ﷿ فقال: أي رب، حتى متى تعبد هذه الأصنام حولي دونك، فأوحى الله إلى البيت: إني سأحدث لك نوبة جديدة، فأملأك خدودا سجدا، يدفون إليك دفيف النسور، يحنون إليك حنين الطير إلى بيضها. لهم عجيج حولك بالتلبية. ولما نزلت هذه الآية يوم الفتح قال جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ: خذ مخصرتك ثم ألقها، فجعل يأتى صنما صنما وهو ينكت بالمخصرة في عينه ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعا، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر فقال: يا على، ارم به، فحمله رسول الله ﷺ حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون:
ما رأينا رجلا أسحر من محمد ﷺ. وشكاية البيت والوحي إليه: تمثيل وتخييل.
(وَزَهَقَ الْباطِلُ) ذهب وهلك، من قولهم: زهقت نفسه، إذا خرجت. والحق: الإسلام. والباطل: الشرك (كانَ زَهُوقا):
_________________
(١) ـ قوله: (يدفون)، الجوهري: الدفيف: الدبيب، وهو السير اللين. قوله: (مخصرتك)، الجوهري: المخصرة: كالسوط، وكل ما اختصر الإنسان بيده فأمسكه من عصا ونحوها. روى الإمام أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والترمذي، عن ابن مسعد: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاث مئة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا). وفي "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن علي ﵁ قال: كان على الكعبة أصنامٌ، فذهبتُ لأحمل النبي ﷺ فلم أستطع، فحملني فجعلتُ أقطعها، ولو شئتُ لنلتُ السماء.
[ ٩ / ٣٦٢ ]
كان مضمحلا غير ثابت في كل وقت.
[(وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسارًا)].
(وَنُنَزِّلُ) قرئ بالتخفيف والتشديد (مِنَ الْقُرْآنِ) من للتبيين، كقوله: (من الأوثان)] الحج: ٣٠ [.
أو للتبعيض، أي: كل شيء نزل من القرآن فهو شفاء للمؤمنين، يزدادون به إيمانًا، ويستصلحون به دينهم، فموقعه منهم موقع الشفاء من المرضى. وعن النبي ﷺ: «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله ولا يزداد به الكافرون
_________________
(١) ـ قوله: (كان مضمحلًا)، الراغب: زهقت نفسه من الأسف على الشيء، قال ﷿: (وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) بالتوبة: ٥٥]. قوله: «وَنُنَزِّلُ) قرأ بالتخفيف: أبو عمرو. قوله: ("مِن" للتبيين، كقوله: (مِنْ الأَوْثَانِ) [الحج: ٣٠])، يعني: "من القرآن" بيان لمفعول "نُنَزْلُ"، وهو "ما هو شفاءٌ" وحال منه، كما أن (مِنْ الأَوْثَانِ) في قوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ): حال من الرجس وبيانه، وعلى أن يكون تبعيضًا يكون (مِنْ الْقُرْآنِ): مفعولًا به، و(مَا هُوَ شِفَاءٌ): بدلًا منه، ولذلك قال: "كل شيء نزل من القرآن فهو شفاء" أي: كل حصة ونصيب وبعض. فالتفسير الأول نازلٌ منزلة الجنس من حيث هوهو، والثاني منزلة الاستغراق، فـ"الكل" في كلام المصنف أفرادي. قوله: (فموقعه منهم موقع الشفاء من المرضى)، الراغب: إن الله تعالى جعل لنا
[ ٩ / ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … طِبين: بدنيا ودينيًا، وكلٌّ منهما إما إعادة للصحة أو حفظ لها، والطب البدني الذي تُعادُ به الصحة: العقاقير والأدوية، والذي يُحفظ بها الصحة: الغذاء والأطعمة. وأما الطبُّ الديني، فالذي تعودُ به الصحة صقل العقل واستعماله في تدبر الدلالات وتعرف المعجزات ومعرفة النبوات، والقرآن مشحون به، والذي تعود به الصة تدبرُ الكتاب المنزل، وتتبع سنن النبي المرسل، والعمل بمقتضاهما، وعلى ذلك قوله: (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا). وقلت: لمح في قوله: "تعود به الصحة" إلى قوله صلوات الله عليه: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه … " الحديث. وروينا عن الدارمي، عن قتادة "ما جالس القرآن أحدٌ، فقام إلا بزيادة أو نقصان" ثم قرأ: " وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ) الآية. وعن الدارمي أيضًا: قال أبو موسى: "إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن لكم ذكرًا، وكائن عليكم وزرًا، اتبعوا القرآن ولا يتبعكم القرآن، فإنه من يتبع القرآن يهبط
[ ٩ / ٣٦٤ ]
(إِلَّا خَسارًا) أي نقصانا لتكذيبهم به وكفرهم، كقوله تعالى: (فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: ١٢٥].
[(وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا* قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا)].
(وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ) بالصحة والسعة (أَعْرَضَ) عن ذكر الله، كأنه مستغن عنه مستبدّ بنفسه (وَنَأى بِجانِبِهِ) تأكيد للإعراض، لأنّ الإعراض عن الشيء: أن
_________________
(١) ـ به في رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن يزخ في قفاه فيقذفه في جهنم". يقال: زخه، أي: دفعه في وهده. ولما فرغ من بيان علمه شرع في بيان معجزاته صلوات الله عليه، وأنه مما لم يؤت أحدٌ من الأنبياء، قال: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ) الآية، تخلصًا إلى ذكر حديث قومه بقوله: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ) الآية، ولهذا أخره عن سائر أنواع الإفضال والإكرام، والله أعلم. ولما احتوى القرآن علمًا ومعجزةً قال ﷺ: "ما من نبي من الأنبياء إلا أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله ﷿ إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة"، أخرجه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة.
[ ٩ / ٣٦٥ ]
يوليه عرض وجهه. والنأي بالجانب: أن يلوى عنه عطفه ويوليه ظهره، وأراد الاستكبار، لأنّ ذلك من عادة المستكبرين (وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ) من فقر أو مرض أو نازلة من النوازل (كانَ يَؤُسًا) شديد اليأس من روح الله (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ)] يوسف: ٨٧ [. وقرئ: وناء بجانبه، بتقديم اللام على العين، كقولهم «راء» في «رأى» ويجوز أن يكون من «ناء» بمعنى «نهض» (قُلْ) كُلٌّ أحد (يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ) أى على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة،
_________________
(١) ـ قوله: (أو أراد الاستكبار)، يريد: قوله: (وَنَأَى بِجَانِبِهِ) إما أن يكون كناية عن الإعراض؛ لأن من يلوي عن الشيء عطفه ويولي ظهره فقد حاول الإعراض عنه، فيكون تأكيدًا لمعنى (أَعْرَضَ) ودخلت الواو بين المؤكَّدِ والمؤكّد، وإما أن يكون كناية عن الاستكبار؛ لأن ذلك من عادة المتكبرين، فيكون تكميلًا لكون مفهومه غير مفهوم الإعراض، فقد جمعوا بين الهيئتين. قوله: (وقرئ: "وناء بجانبه")، قرأها ابن ذكوان. الراغب: ناء بجانبه ينوء ويناءُ، أي: ينهض، قال تعالى: (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ) [القصص: ٧٦]، ويقال: ناء بجانبه ينأى نأيًا، مثل: نعى: أعرض. قال أبو عبيدة: تباعد، وقرئ: "وفاء بجانبه"، أي: تباعد، ومنه: النؤيُ؛ لحفيرة حول الخباء تُباعد الماء عنه. وقيل: نأي بجانبه مل نعين أي: نهض بهن عبارة عن التكبر كقولك شمخ بأنفه وازور بجانبه، وانتأى: افتعل، منه، والمنتأى: الموضع البعيد. قوله: (وطريقته التي تُشاكلث حاله في الهدى والضلالة)، إشارة إلى اتصال هذه الآية بقوله: (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا). الراغب: على شاكلته، أي: سجيته التي قيدته، من شكلت الدابة، وذلك أن سلطان
[ ٩ / ٣٦٦ ]
من قولهم «طريق ذو شواكل» وهي الطرق التي تتشعب منه، والدليل عليه قوله (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا) أى أسدّ مذهبا وطريقة.
[(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا)].
الأكثر على أنه الروح الذي في الحيوان. سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من أمر الله، أي مما استأثر بعلمه. وعن ابن أبي بريدة. لقد مضى النبي ﷺ وما يعلم الروح وقيل: هو
_________________
(١) ـ السجية على الإنسان قاهرٌ حسبما بينتُ في "الذريعة إلى مكارم الشريعة، هذا كما قال ﷺ: "كل مُيسرٌ لما خُلق له"، والأشكلة: الحاجة التي تقيد الإنسان. وقلتُ: الحديث هو ما روينا عن البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وأبي داود وابن ماجه، عن علي ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد غلا وقد كُتب مقعده من النار، ومقعده من الجنة"، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكلُ على كتابنا؟ فقال: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له؛ أما من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير لعمل الشقاء"، ثم قرأ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) [الليل: ٥] الآية. قوله: (من أمرِ الله)، أي: مما استأثر الله بعلمه، يعني: من أمر ربي لا من أمري، فلا أقول لكم ماهي؟ والأمر بمعنى الشأن، أي: معرفة الروح من شأن الله لا من شأن غيره، ولذلك طابقه قوله: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا). قال الإمام: المختار: أنهم سألوه
[ ٩ / ٣٦٧ ]
خلق عظيم روحانى أعظم من الملك. وقيل: جبريل ﵇. وقيل: القرآن. (ومِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي: من وحيه وكلامه، ليس من كلام البشر، بعثت اليهود إلى قريش أن سلوه عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبىّ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبىّ، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة، فندموا على سؤالهم.
(وَما أُوتِيتُمْ) الخطاب عام.
_________________
(١) ـ عن الروح، وأنه صلوات الله عليه أجاب عنه بأحسن الوجوه بقوله: (قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)، يعني أنه موجود محدثٌ بأمر الله، وتكوينه، وتأثيره إفادة الحياة للجسد، ولا يلزمُ من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه، فإن أكثر حقائق الأشياء وماهياتها مجهولة، ولم يلزم من كونها مجهولة نفيها، ويؤيده قوله: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا)، وقال القاضي: يجوز أن يكون السؤال عن قدمه وحدوثه، فأجيب: أنه وُجد بأمره وحدث بتكوينه. قوله: «وَمَا أُوتِيتُمْ) الخطاب عامٌّ)، قال القاضي: يعني قوله: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا) أنكم تستفيدونه بتوسط حواسكم، فإن اكتساب العقل للعلوم النظرية مستفادٌ من إحساس الجزئيات، ولذلك قيل: من فقد حسا فقد علما، ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحس ولا شيئًا من أحواله المعرفة لذاته، وهو إشارة إلى أن الروح مما لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس به، فلذلك اقتصر على هذا الجواب، كما اقتصر موسى ﵇ في جواب (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء: ٢٣] بذكر بعض صفاته. تم كلامه. فإن قلت: ما موقع هذا السؤال في هذا المقام قلت- والعلم عند الله-: الروح والعلمُ توأمان وموهبتان وعظيمتان لا سيما الوحي، ولذلك قُرن بقوله: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا) وعقبه بقوله: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)، وعقب به (وَنُنَزِّلُ
[ ٩ / ٣٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ)، وقد تقدم مرارًا وأطوارًا أن فواتح السور بمقتضى براعة الاستهلال مؤذنة باشتمال السور على ما تضمنت الفاتحة من المعنى، ولما افتتحت هذه السورة الكريمة بالكرامة السنية والموهبة الرفيعة لسيدنا صلوات الله عليه، وهي بيان مقام الدنو والزلفى، واستجلب ذلك حديث الكليم ﵇ وبني إسرائيل، ثم حديث الكفار من هذه الآية، وأريد العود إلى البدء، وتعداد كرائم وموانح أخرى، ابتدئ بما يناسب "الإسراء" من إقامة الصلوات مقرونة بذكر أوقاتها، فقيل: (أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) إلى قوله: (مِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ)، ومن ثم قال صلوات الله عليه: "وجُعلت قرة عيني في الصلاة"، وأخرى: "أن تعبد الله كأنك تراه"، وتارة: "أرحنا يا بلال"، وجعل ذلك ذريعة إلى ذكر منقبتين جليلتين: أخروية، وهي مقام الشفاعة. وقيل: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا). روينا عن الترمذي، عن أبي هريرة ﵁، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن المقام المحمود، فقال: هو الشفاعة. وعن الدارمي عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، أنه قال له: ما المقام المحمود؟ قال: "ذاك يوم ينزل الله تعالى على كرسيه، ويجاء بكم حفاة عُراةً غُرلًا، فيكون أول من يُكسى إبراهيم، فيؤتى بريطتين من رياط الجنة، ثم أكسى على أثره، ثم أقوم عن يمين الله مقامًا يغبطني الأولون والآخرون".
[ ٩ / ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ .. وعن الترمذي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا سيدُ ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، بيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه، إلا تحت لوائي، وأنا أولُ من تنشق عنه الأرض ولا فخر"، قال: "فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبونا آدم فاشفع لنا إلى ربك. فيقول: إني أذنبتُ … " وساق الحديث إلى قوله: "فأخر ساجدًا فيلهمني الله من الثناء والحمد، فيقال لي: ارفع رأسك، وسل تُعطه، واشفع تُشفعن وقل يسمع لقولك، وهو المقام المحمود الذي قال الله ﷿ (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا). وأما المنقبة الدنيوية فمفتتحها الأمر بالهجرة إلى دار النصرة، وقوله: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) إشارة إلى ذلك. روينا في "شرح السُّنة" عن ابن عباس والحسن وقتادة: أدخلني: كان النبي ﷺ بمكة، أُمر بالهجرة، فنزلت عليه: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ). ألا ترى كيف ذيل الإخراج والإدخال بما يُنبئ عن استنزال النصر من جناب الفردانية، والحضرة الصمدانية، من قوله: (اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا)، (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) [الأنفال: ٨] ومن ثم قيل له: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا). وحين أراد الله أن يشرح غزارة علمه رمز إليه بقوله: (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) يعني: أنه صلوات الله عليه يغترف علمه من البحر الذي تنفد الأبحر السبعة دون نفاده، ولما كان السؤال عن
[ ٩ / ٣٧٠ ]
وروي: أن رسول الله ﷺ لما قال لهم ذلك قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟ فقال: "بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا، فقالوا: ما أعجب شأنك: ساعة تقول (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)] البقرة: ٢٦٩ [وساعة تقول هذا، فنزلت: (وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ)] لقمان: ٢٧ [
وليس ما قالوه بلازم، لأنّ القلة والكثرة تدوران مع الإضافة، فيوصف الشيء بالقلة مضافا إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافا إلى ما تحته، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها، إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله فهي قليلة. وقيل: هو خطاب لليهود خاصة؛
_________________
(١) ـ الروح امتحانًا من المعاندين لعلمه، أورده في السنن، ألا ترى كيف كافحهم بنزارة علمهم بقوله: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا) وبغزارة علمه على سبيل النصفة والاستدراج بقوله: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)؟ روينا عن الإمام أحمد والترمذي، عن ابن عباس قال: قالت قريشٌ لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح. فسألوه: فأنزل الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ) الآية. قالوا: أوتينا علمًا كثيرًا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فأنزلت: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) الآية. فإن قلت: فما وجه اتصال قوله: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ) الآيتين، بالكلام؟ قلت: هو اعتراض لمعنى الزيادة والنقصان، جاء مستطردًا في أثناء الكلام؛ لأن السياق دل على كون القرآن رحمة وسببًا لمزيد المؤمنين، وما ينالون به الإفضال والقرب والزلفى عند الله، وخسارًا وبُعدًا للقوم الظالمين. وقد تقرر أن ذلك السؤال كان امتحانًا من الظلمة، وتضمن الإشعار بنزارة علمهم وغزارة علمه صلوات الله عليه، فلذلك كان مؤكدًا للمعنيين، وينصره قوله: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ).
[ ٩ / ٣٧١ ]
لأنهم قالوا للنبي ﷺ: قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة، وقد تلوت (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)] البقرة: ٢٦٩ [فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله.
[(وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا* إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا)].
(لَنَذْهَبَنَّ): جواب قسم محذوف مع نيابته عن جزاء الشرط. واللام الداخلة على إن موطئة للقسم. والمعنى: إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه عن الصدور والمصاحف فلم نترك له أثرا وبقيت كما كنت لا تدرى ما الكتاب (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ) بعد الذهاب (بِهِ) من يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظا مستورًا (إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك، كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو يكون على الاستثناء المنقطع بمعنى: ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظا بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن هاتين المنتين والقيام بشكرهما، وهما منة الله عليه بحفظ العلم ورسوخه في صدره، ومنته عليه في بقاء المحفوظ. وعن ابن مسعود: إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وليصلين قوم
_________________
(١) ـ قوله: (من يتوكل علينا باسترداده)، أي: يصير وكيلًا علينا. والتوكل والموكل بمعنى. قوله: (ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به) يريد أن الاستثناء منقطع والمستدرك قوله: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ)، وعلى الأول الاستثناء متصل، والمستثني منه: (وَكِيلًا). وقال أبو البقاء: (إِلاَّ رَحْمَةً): مفعول له، أي: حفظناه عليك للرحمة، ويجوز أن يكون مصدرًا، أي: لكن رحمناك رحمة.
[ ٩ / ٣٧٢ ]
ولا دين لهم، وإن هذا القرآن تصبحون يوما وما فيكم منه شيء. فقال رجل: كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا نعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم؟ فقال: يسرى عليه ليلا فيصبح الناس منه فقراء ترفع المصاحف وينزع ما في القلوب.
[(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)].
(لا يَاتُونَ) جواب قسم محذوف، ولولا اللام الموطئة، لجاز أن يكون جوابا للشرط، كقوله:
_________________
(١) ـ قوله: (كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا؟)، روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه والدارمي، عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي ﷺ فقال: "ذلك عند أوانِ ذهاب العلم" فقلتُ: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحنُ نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: "ثكلتك أمك يا زياد، إن كنتُ لأراك من افقه رجلٍ بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرأون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيءٍ مما فيهما؟ ". وفي "شرح السُّنة": عن عبد الله بن عمرو "لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيثُ نزل، له دوي حول العرش كدوي النحل. يقول الرب: مالك؟ فيقول: يا رب، أُتلى، ولا يُعمل بي". وفيه أيضًا، عن ابن مسعود: لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن، ثم يفيضون في الشعر.
[ ٩ / ٣٧٣ ]
يقول لا غائب مالي ولا حرم
لأن الشرط وقع ماضيا، أي: لو تظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في بلاغته وحسن نظمه وتأليفه، وفيهم العرب العاربة أرباب البيان لعجزوا عن الإتيان بمثله، والعجب من النوابت ومن زعمهم أن القرآن قديم مع اعترافهم بأنه معجز،
_________________
(١) ـ قوله: (يقول لا غائبٌ مالي ولا حرمُ)، أوله: وإن أتاه خليلٌ يوم مسغبة المسغبة: المجاعة، ورُوي: مسألة. البيت لزهير يمدح هرم بن سنان، يقول: إذا أتاه فقيرٌ وقد رفع إليه حاجته، لم يتشاغل بنوع العلل. وعني بالمال: الإبل. قوله: (لأن الشرط وقع ماضيًا)، تعليلٌ بجواز وقوع (لا يَاتُونَ) جوابًا للشرط، يعني: لو لم تكن اللام في (لئن) لجاز لا يأتون مع وجود النون أن يقع جوابًا للشرط؛ لأن قوله: (اجْتَمَعَتْ) ماضٍ، فلما لم تعمل الأداة في الجزء الأول لا يعملُ في الثاني. قوله: (من النوابت)، والنوابت: الأحداث الأغمار. قال صاحب "التقريب": واستدل صاحب "الكشاف" بإعجازه على حدوثه، إذ لو كان قديمًا لم يكن مقدورًا، فلا يكون معجزًا كالمحال، وجوابه: منع الملازمة، إذ مصحح المقدورية هو الإمكان، وهو حاصل، لا الحدوث. وأيضًا، المعجز لفظه ولا يقال بقدمه، والقديم كلام النفس ولا يقال بإعجازه. وأيضًا، سلمنا أن القديم لا يقدر البشر على عينه، لكن لم لا يقدر على مثله؟ قال صاحب "الانتصاف": القديم: مدلول العبارات، وهو صفة قديمة قائمة بذات الله
[ ٩ / ٣٧٤ ]
وإنما يكون العجز حيث تكون القدرة، فيقال: الله قادر على خلق الأجسام والعباد عاجزون عنه. وأما المحال الذي لا مجال فيه للقدرة ولا مدخل لها فيه كثاني القديم، فلا يقال للفاعل: قد عجز عنه، ولا هو معجز. ولو قيل ذلك لجاز وصف الله بالعجز، لأنه لا يوصف بالقدرة على المحال، إلا أن يكابروا فيقولوا هو قادر على المحال، فإن رأس ما لهم المكابرة وقلب الحقائق.
[(وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا)].
(وَلَقَدْ صَرَّفْنا) ردّدنا وكرّرنا (مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه. والكفور: الجحود. فإن قلت: كيف جاز (فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) ولم يجوز ضربت إلا زيدا؟ قلت: لأن "أبي" متأوّل بالنفي، كأنه قيل: فلم يرضوا إلا كفورًا.
[(وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا* أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ
_________________
(١) ـ تعالى، ويُسمى قرآنا وكلمات أيضًا، والمعجز: الدليل لا المدلول، لكن أهل السُّنة يتحرزون من إطلاق المخلوق لوجهين: لإيهامه، ولأن السلف الصالح كفوا عنه، وكم من مُعتقدٍ لا يُطلق القول به خشية من إيهام غيره، فلا يصح إلزام الزمخشري. وقلتُ: الوجه الأخير لصاحب "التقريب" هو الوجه، لما قرره المصنف في قوله: (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [البقرة: ٢٣] فإن قلت: ما مثله حتى يأتوا بسورة من ذلك المثل؟ قلت: معناه بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حُسن النظم، ومن ثم لم تكن سائر الكتب السماوية معجزة، وإن كُن مثل القرآن في ذلك المعنى.
[ ٩ / ٣٧٥ ]
عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَاتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا* أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا)].
لما تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر والبينات ولزمتهم الحجة وغلبوا، أخذوا يتعللون باقتراح الآيات: فعل المبهوت المحجوج المتعثر في أذيال الحيرة، فقالوا: لن نؤمن لك حتى … وحتى (تَفْجُرَ) تفتح. وقرئ: (تفجر)، بالتخفيف (مِنَ الْأَرْضِ) يعنون أرض مكة (يَنْبُوعًا) عينا غزيرة من شأنها أن تنبع بالماء لا تقطع: «يفعول» من نبع الماء، كيعبوب من عب الماء (كَما زَعَمْتَ) يعنون قول الله تعالى (إِنْ نَشَا نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ) [سبأ: ٩]،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: (تَفَجَّرُ)، بالتخفيف)، الكوفيون: بفتح التاء وضم الجيم مخففًا، والباقون: بضم التاء وكسر الجيم مشددًا. قوله: (لا تقطع)، مرفوع بعد حذف "أن"، أي: لا تنضب، القاضي: الينبوع: عينٌ لا ينضب ماؤها، كأن البناء دل على المبالغة. قوله: (عب الماءُ)، أي: زخر، من العباب. الجوهري: العباب: - بالضم-: معظم الماء وكثرته وارتفاعه. قوله: (كَمَا زَعَمْتَ): يعنون قول الله تعالى: (إِنْ نَشَا نَخْسِفْ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنْ السَّمَاءِ»، وكان ذلك عنادًا وتمردًا، بدليل قوله: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنْ السَّمَاءِ
[ ٩ / ٣٧٦ ]
قرئ: (كسفًا) بسكون السين جمع كسفة، كسدرة وسدر. وبفتحه (قَبِيلًا) كفيلًا بما تقول شاهدا بصحته. والمعنى: أو تأتى بالله قبيلا، وبالملائكة قبيلا، كقوله:
كنت منه ووالدي … بريّا
فإنّى وقيّار بها لغريب
أو مقابلًا، كالعشير بمعنى المعاشر، ونحوه: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى
_________________
(١) ـ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ) [الطور: ٤٤]، قال: لو أسقطناه عليهم لقالوا: سحابٌ مركوم، ولم يصدقوا انه كسفٌ ساقطٌ للعذاب. قوله: (قرئ "كسفًا" بسكون السين) نافعٌ وعاصم وابن عامر: (كِسْفًا) بفتح السين، والباقون: بإسكانها. قوله: (أو مقابلًا): عطفٌ على قوله: "كفيلًا"، يعني: إذا كان (قَبِيلًا) بمعنى: كفيلًان كان التقدير: أو يأتي بالله قبيلًا وبالملائكة قبيلًا، وإذا كان بمعنى "مُقابلًا" يعود المعنى: تأتي بالله مقابلًا وبالملائكة مقابلين، واستشهد للأول بقوله: (أَوْ نَرَى رَبَّنَا) [الفرقان: ٢١] بناء على مذهبه؛ لأن النظر إلى الشيء يقتضي المقابلة، وللثاني: (لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ) [الفرقان: ٢١]، وقوله: "أو جماعة" احتمالٌ آخر، بمعنى قوله: (وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا). الجوهري: القبيل: الجماعة، تكون من الثلاثة فصاعدًا من قوم شتى، وعلى هذا يجوز أن يكون (قَبِيلًا): حالًا من الله تعالى والملائكة معًا، قال أبو البقاء: (قَبِيلًا): حالٌ من الملائكة، او من الله والملائكة.
[ ٩ / ٣٧٧ ]
رَبَّنا) [الفرقان: ٢١] أو جماعة حالا من الملائكة. (مِنْ زُخْرُفٍ) من ذهب (فِي السَّماءِ): في معارج السماء، فحذف المضاف. يقال: رقى في السلم وفي الدرجة وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ ولن نؤمن لأجل رقيك (حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا) من السماء فيه تصديقك. عن ابن عباس ﵄: قال عبد الله بن أبي أمية: لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما. ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتى معك بصك منشور، معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وما كانوا يقصدون بهذه الاقتراحات إلا العناد واللجاج، ولو جاءتهم كل آية لقالوا: هذا سحر، كما قال ﷿: (وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ)] الأنعام: ٧ [، (وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ)] الحجر: ١٤ [وحين أنكروا الآية الباقية التي هي القرآن وسائر الآيات وليست بدون ما اقترحوه - بل هي أعظم- لم يكن إلى تبصرتهم سبيل (قُلْ سُبْحانَ رَبِّي) وقرئ: قال سبحان ربي، أي قال الرسول. وسُبْحانَ رَبِّي تعجب من اقتراحاتهم عليه (هَلْ كُنْتُ) إِلَّا رسولا كسائر الرسل (بَشَرًا) مثلهم، وكان الرسل لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم من الآيات، فليس أمر الآيات إليّ، إنما
_________________
(١) ـ قوله: «مِنْ زُخْرُفٍ): من ذهب)، الراغب: الزخرف: الزينة المزوقة، ومنه قيل للذهب: زُخرف، وقال: (أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا) [يونس: ٢٤]. وقال تعالى: (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ) [الإسراء: ٩٣]، أي: ذهب مُزوق. وقال تعالى: (زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) [الأنعام: ١١٢]، أي: المزوقات من الكلام. قوله: (وقرئ"قال سبحان ربي"): ابن كثير وابن عامر: "قال" بالألف، والباقون: بغير ألف.
[ ٩ / ٣٧٨ ]
[(قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا)].
(شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) على أني بلغت ما أرسالات به إليكم، وأنكم كذبتم وعاندتم إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ المنذرين والمنذرين خَبِيرًا عالما بأحوالهم، فهو مجازيهم. وهذه تسلية لرسول الله ﷺ ووعيد للكفرة. وشهيدا: تمييز أو حال.
[(وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَاواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا* ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)].
(وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ) ومن يوفقه ويلطف به (فَهُوَ الْمُهْتَدِي) لأنه لا يلطف إلا بمن عرف أن اللطف ينفع فيه (وَمَنْ يُضْلِلْ) ومن يخذل (فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ) أنصارًا. عَلى وُجُوهِهِمْ كقوله: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ)] القمر: ٤٨ [.
_________________
(١) ـ والإثبات في السؤال والجواب، ولم يحسن هذا الحسن، ألا ترى إلى قول صاحب "المفتاح": قال في "سورة المؤمنون": (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا) [المؤمنون: ٨٣]: فذكر بعد المرفوع وما تبعه المنصوب، وهو موضعه، وقال في "النمل": (لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا) [النمل: ٦٨]: فقُدم لكونه منها أهم. وإنما خالفنا المصنف في قولنا: لأن الجنس إلى الجنس أميل، لئلا يلزمنا الاعتزال الذي عناه بقوله: "وأما الإنس فما هم بهذه المثابة"، ولذلك عدل القاضي إلى قوله: (لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا) لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه، والإنس عامتهم عُماةٌ عن إدراك الملك والتلقف منه، فإن ذلك مشروط بنوع من التناسب والتجانس.
[ ٩ / ٣٨١ ]
وقيل لرسول الله ﷺ: كيف يمشون على وجوههم قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم» (عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) كما كانوا في الدنيا، لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق، ويتصامّون عن استماعه، فهم في الآخرة كذلك: لا يبصرون ما يقرّ أعينهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم. (ومن كان في هذه أعمى) فهو في الآخرة أعمى. ويجوز أن يحشروا مؤفى الحواس من الموقف إلى النار بعد الحساب، فقد أخبر عنهم في موضع آخر أنهم يقرؤن ويتكلمون (كُلَّما خَبَتْ) كلما أكلت جلودهم ولحومهم وأفنتها فسكن لهبها، بدلوا غيرها، فرجعت ملهبة مستعرة، كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها وتفنيها ثم يعيدها، لا يزالون على الإفناء والإعادة، ليزيد ذلك في تحسرهم على تكذيبهم البعث، ولأنه أدخل في الانتقام من الجاحد، وقد دل على ذلك بقوله (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ) إلى قوله (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا).
[(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُورًا)].
_________________
(١) ـ قوله: (إن الذي أمشاهم على أقدامهم)، روينا عن الترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يُحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف، صنفًا مشاة، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجوههم"، قيل: يا رسول الله، كيف يمشون؟ " الحديث. قوله: (ويجوز أن يُحشروا): عطفٌ من حيث المعنى على قوله: "كما كانوا في الدنيا"، وعلى "عُميًا وبكمًا وصُمًا" على المجاز، والحشر الثاني بمعنى: الجمع والسوق، كقوله تعالى: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) [طه: ٥٩]، والأول بمعنى: البعث وحشر الناس يوم القيامة. قوله: (مؤوفي الحواس)، الجوهري: الآفة: العاهة، وقد أُيفَ الزرعُ، على ما لم يُسم
[ ٩ / ٣٨٢ ]
فإن قلت: علام عطف قوله: (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا)؟ قلت: على قوله: (أَوَ لَمْ يَرَوْا) لأن المعنى: قد علموا بدليل العقل أنّ من قدر على خلق السموات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم من الإنس؛ لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن، كما قال: (ءأنتم أشد خلقا أم السماء) [النازعات: ٢٧]. (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ): وهو الموت، أو القيامة، فأبوا مع وضوح الدليل إلا جحودا.
[(قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا)].
_________________
(١) ـ فاعله، أي: أصابته آفة، فهو مؤوفٌ، مثل معُوف. قوله: (على قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا»، أي: (وَجَعَلَ لَهُمْ) عطفٌ على (أَوَلَمْ يَرَوْا)، يعني: لا يجوز أن يُعطف على (خَلَقَ) ويدخل في حيز صلة الموصول للفصل بخبر (إنّ)، وهو (قَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)، ولا (عَلَى أَنْ يَخْلُقَ) لفظًا ومعنى؛ لأنه لا يحسنُ إيقاعُ القدرة على الآجل، فينبغي أن يكون عطفًا على (أَوَلَمْ يَرَوْا). وأما قوله: (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ) فليس تقديرًا لتصحيح معنى العطف، إذ لا يلتئم أن يُقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا) وجعل لهم أجلًا، بل هو ابتداء تفسير بشهادة قوله: "وهو الموت أو القيامة"، فإذا التقدير: قد علموا بدليل العقل أن من قدر على خلق السماوات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم، كقوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) [يس: ٨١] أي: في الصغر والقمأة، وأن من جعل لهم أجلًا لا ريب فيه، وهو يوم القيامة، لابد أن يأتي به، كقوله تعالى: (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا) [الحج: ٧]. فظهر أن المراد بقوله: "عطفٌ على قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا) " أنه عطفٌ على التقدير، وأن يُضمر في الكلام ما يتم به المعنى، ويؤيده قول الإمام: لما بين الله تعالى بالدليل المذكور أن البعث والقيامة أمرٌ ممكنُ الوجود في نفسه أردفه بأن لوقوعه ودخوله في الوجود وقتًا عند الله تعالى.
[ ٩ / ٣٨٣ ]
(لَوْ) حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، فلا بد من فعل بعدها في (لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ وتقديره لو تملكون)، وتقديره: لو تملكون، فأضمر (تملك)؛ إضمارا على شريطة التفسير، وأبدل من الضمير المتصل الذي هو الواو ضمير منفصل، وهو: (أنتم)، لسقوط ما يتصل به من اللفظ، فـ (أنتم): فاعل الفعل المضمر، و(تملكون): تفسيره، وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب. فأمّا ما يقتضيه علم البيان؛ فهو: أنّ (أنتم تملكون) فيه دلالة على الاختصاص؛ وأنّ الناس هم المختصون بالشح المتبالغ،
_________________
(١) ـ والنظم يساعدُ هذا التقدير الذي قدرناه وتخصيص ما خصصناه من أن المراد بالأجل: القيامة لا غير، لورود الآية بعد إنكار ما أنكروه في قولهم: (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا) [الإسراء: ٤٩]. قوله: ("لو" حقها أن تدخل على الأفعال)، قال ابن الحاجب في "الشرح": لابد أن يلهيا الفعل لأنها حرف شرط، والشرط إنما يُعقل بالفعل، فالتزم وقوع الفعل لفظًا أو تقديرًا. قال صاحب "المفتاح": وأما كلمةُ "لو" فحين كانت لتعليق ما امتنع بامتناغ غيره على القطع امتنعت جملتاها عن الثبوت، ولزم أن يكونا فعليتين والفعل ماضٍ. قوله: (فأما ما يقتضيه علمُ البيان فهو أن (أَنتُمْ تَمْلِكُونَ) فيه دلالة على الاختصاص)، وقال صاحب "الفرائد": لما كان التقدير: لو تملكون تملكون، وهذا لا يفيد الاختصاص، وجب أن لا يفيده هذا أيضًا؛ لأنه غير مخالف في تأدية المعنى لذلك؛ لأن (أنتم) وُضع موضع الضمير المتصل، فالفعل مرادٌ والتكرارُ حاصلٌ على التقديرين، نفى أن يُقال: إن "أنتم تملكون"، على صورة الجملة الاسمية بدون معناها، فالاختصاص من لوازم معنى الاسمية لا من صورتها، ويمكن أن يقال في الجواب: الأصل "تملكون" بدون التكرار، فكرر ليفيد التأكيد، فلماترك الفعل الأول وأضمر لبقاء فاعله، وهو في المعنى غير ضمير الثاني
[ ٩ / ٣٨٤ ]
ونحوه قول حاتم: (لو ذات سوار لطمتني)، وقول المتلمس:
ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي
_________________
(١) ـ المتصل، عُلِمَ بأن الاهتمام بذكر فاعل هذه الجملة أكثر من ذكر فعلها، فكان تقديمًا للفاعل على الفعل من حيث المعنى، والثاني بمنزلة المكرر للتأكيد، فأفاد الاختصاص. وقلتُ: نظرُ أصحاب المعاني في أمثال هذا التركيب إلى اللفظ، ألا ترى إلى قول صاحب "المفتاح": ترك "يودوا" إلى الماضي المؤذن بالتحقق نظرًا إلى لفظه، فكذا هاهنا النظر إلى صورة (أَنتُمْ تَمْلِكُونَ) لا إلى أصله، وهو مثل: أنا سعيت في حاجتك، في وجه إفادة الاختصاص، وإلى هذا الإشارة بقوله: "برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر". قوله: (لو ذاتُ سوار لطمتني)، قال الميداني: لو لطمتني ذات سوار؛ لأن "لو" طالبة للفعل داخلة عليه، والمعنى: لو ظلمني من كان كفؤًا لي لهان عليَّ، ولكن ظلمني من هو دوني، وقيل: أراد: لو لطمتني حرة، فجعل السوار علام للحرية؛ لأن العرب قلما تُلبس الإماء السوار، فهو يقول: لو كانت اللاطمة حرة لكان أخف علي. قوله: (ولو غيرُ أخوالي أرادوا نقيصتي)، تمامه: جعلتُ لهم فوق العرانين ميسما
[ ٩ / ٣٨٥ ]
وذلك؛ لأنّ الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر، وبرز الكلام في صورة المبتدأ والخبر. ورحمة الله: رزقه وسائر نعمه على خلقه، ولقد بلغ هذا الوصف بالشح الغاية التي لا يبلغها الوهم. وقيل: هو لأهل مكة الذين اقترحوا ما اقترحوا من الينبوع والأنهار وغيرها، وأنهم لو ملكوا خزائن الأرزاق لبخلوا بها. (قَتُورًا): ضيقا بخيلا. فإن قلت: هل يقدر لَـ (أَمْسَكْتُمْ) مفعول؟ قلت: لا؛ لأن معناه: لبخلتم، من قولك للبخيل: ممسك.
[(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا)].
عن ابن عباس ﵄: هي العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع،
_________________
(١) ـ العرانين: الأنوف: والميسم: العلامة، يقول: لو كان الظلم والنقيصة جاءتني من غير أخوالي لو سمتهم بسمة الذُّل ليشتهروا بها ولم يمكنهم إخفاؤها. قوله: «قَتُورًا): ضيقًا بخيلا) الراغب: القترُ: تقليل النفقة، وهو بإزاء الإسراف، وكلاهما مذمومان، قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) [الفرقان: ٦٧]، ورجلٌ قتورٌ ومقترٌ. وقوله تعالى: (وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا) [الإسراء: ١٠٠] تنبيه على ما جُبل عليه الإنسان من البخل، وقد قترت الشيء وأقترته وقترته أي: قللته، ومُقترٌ: فقير، قال تعالى: (وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) [البقرة: ٢٣٦] وأصلُ ذلك من القُتار والقتر، وهو الدخان الساطع من الشواء والعود ونحوهما، فكأن المُقتر والمقترَ هو الذي يتناول من الشيء قتاره. قوله: (لا؛ لأن معناه: لبخلتم)، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون مضمنًا معنى البُخل، والبُخلُ لا يتعدى بنفسه، وثانيهما: أن يُجعل مفعوله منسيًا كقوله: فلانٌ يعطي ويمنعُ، فيكون كناية عن البخل، ذكره صاحب "الفرائد".
[ ٩ / ٣٨٦ ]
والدم، والحجر، والبحر، والطور الذي نتقه على بني إسرائيل. وعن الحسن: الطوفان، والسنون، ونقص الثمرات -مكان الحجر، والبحر، والطور. وعن عمر بن عبد العزيز: أنه سأل محمد بن كعب فذكر اللسان والطمس، فقال له عمر: كيف يكون الفقيه إلا هكذا! أخرج يا غلام ذلك الجراب، فأخرجه فنفضه، فإذا بيض مكسور بنصفين، وجوز مكسور، وفوم وحمص وعدس، كلها حجارة. وعن صفوان بن عسال: أنّ بعض اليهود سأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: (أوحى الله إلى
_________________
(١) ـ قوله: (فذكر اللسان- وهو انحلال العقدة- والطمس)، وهو قلبُ أموال القبط حجارة، يعني: كما أن الحسن ذكر مكان الحجر والبحر والطور، فيما ذكره أولًا من الآيات التسع الطوفان والسنين ونقص الثمرات، ووضع محمدٌ مكان البحر والطور: اللسان والطمس، قال الواحدي: قال المفسرون: صارت أموالهم حجارة، وقال القُرظي: جعل سُكرهم حجارة. وقال قتادة: بلغنا أن حروثهم صارت حجارة، ولما وافق هذا القول دون ما عند عمر بن عبد العزيز قال: كيف يكون الفقيه إلا هكذا، إعجابًا وتعجبًا، ثم أمر بإخراج الجراب تصديقًا له. قوله: (وعن صفوان بن عسال)، الحديث أخرجه الترمذي والنسائي عنه مع تفاوت يسير، وفيه إشكالٌ؛ لأن المذكور عشرة، والسؤال عن تسع، وقد أجاب عنه التوربشتي بأجوبة، والذي نقوله: كان رسول الله ﷺ يقول: اعلموا معاشر اليهود أن الآيات التي أوتي موسى ولم تنسخها شريعة، نحن وأنتم فيها سواء هذه المذكورات، لكن له آية أخرى
[ ٩ / ٣٨٧ ]
موسى: أن قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفرّوا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت). (فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ): فقلنا له: سل بني إسرائيل، أي: سلهم من فرعون، وقل له: أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم، وعن حال دينهم، أو: سلهم أن يعاضدوك وتكون قلوبهم وأيديهم معك. وتدلّ عليه قراءة رسول الله ﷺ: فسال بني إسرائيل، على لفظ الماضي بغير همز، وهي لغة قريش. وقيل: فسل يا رسول الله المؤمنين من بني إسرائيل، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه، عن الآيات؛ ليزدادوا يقينا وطمأنينة قلب، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت، كقول إبراهيم (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: ٢٦٠]. فإن قلت: بم تعلق (إِذْ جاءَهُمْ)؟ قلت: أمّا على الوجه الأول: فبالقول المحذوف،
_________________
(١) ـ تختص بكم، وهي هذه، وهذه الزيادة كالإيغال والتتميم، يعني: خُذوا ما سألتموني عنه وأزيدكم ما يختص بكم لتعلموا وقوفي على ما يشتمل عليه كتابكم. قوله: (أما على الوجه الأول فبالقول المحذوف)، رُوي عن صاحب "التهذيب للكشاف" أنه قال: رأيت في "حاشية الكشاف" دلالة الآية على تقدير: "ما قلنا" من حيث إنه خبرٌ، كما أن ذاك خبر، والأولى عندي أن يُقال: إن دلالتها من حيث إنها تدل على أن السائل من بني إسرائيل هو موسى لا محمدٌ صلوات الله عليهما. وقلتُ: تحقيقه أن يُفصل ما أجمله المصنف ليظهر الحق، فنه ذكر في الآية وجوهًا كثيرة، لكن يجمعها معنيان؛ لأن السائل إما موسى ﵇ أو رسول الله ﷺ، وعلى أن يكون السائل موسى (إِذْ جَاءَهُمْ) إما أن يتعلق بـ"قُلنا" المحذوف أو بالسؤال نفسه.
[ ٩ / ٣٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … والأول على وجهين: أحدهما: المسؤول فرعون، والمسؤول عنه إنقاذ بني إسرائيل منه، المعنى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، وأرسلناه إلى فرعون وملئه وقلنا له إذ جاءهم: سل بني إسرائيل من فرعون؟ أي: قل له: أرسل معي بني إسرائيل وخلهم وشأنهم؛ لأنهم كانوا كالأسرى بيد فرعون، قال تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) [البقرة: ٤٩]، فالسؤال بمعنى الطلب. وثانيهما: المسؤول: بنو إسرائيل، والمسؤول عنه شيئان. والمعنى على الأول: قلنا لموسى: (فسْئلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ) عن حال دينهم، أنتم ثابتون على ملة إبراهيم؟ أم دخلتم في دين فرعون؟ والمعنى على الثاني: قلنا له إذ جاءهم: سلهم أن يُعاضدوك، وتكون قلوبهم وأيديهم معك، حتى يخلصهم الله من الأسر ويورثهم أرض أعدائهم، كما قال موسى لقومه: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) بالأعراف: ١٢٨]، والثاني: وهو أن يتعلق بالسؤال نفسه على قراءة النبي ﷺ، ترتب عليه المعاني الثلاثة كلها، وهذه القراءة ترجح احتمال أن يكون الأمر بقوله: (فَسْئَلُ) في القراءة المشهورة، وهو موسى، دون رسول الله ﷺ. وعلى الثاني، وهو أن يكون السائل رسول الله ﷺ، ومتعلق (إِذْ جَاءَهُمْ) إما (آتَيْنَا) المذكور، أي: ولقد آتينا موسى تسع آياتٍ بيناتٍ إذ جاء بني إسرائيل وفرعون، وقلنا لك: سل عن ذلك مُسلمي أهل الكتاب يُخبروك به كما أخبرت، وهو من أسلوب قوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) [يونس: ٩٤]، وهو من باب التهييج والإلهاب تثبيتًا ومزيد طمأنينة، أو متعلقة محذوف، وهو إما "اذكُر"، والمعنى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات وأرسلناه إلى فرعون وملئه "اذكُر" إذ جاءهم فقال له فرعونُ، فيكون قوله: (فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) على الوجهين معترضًا، أو "يُخبروك"
[ ٩ / ٣٨٩ ]
أي: فقلنا له: سلهم حين جاءهم، أو بـ (سال) في القراءة الثانية. وأمّا على الأخير: فبـ (آتينا)، أو بإضمار: اذكر، أو: يخبروك. ومعنى (إِذْ جاءَهُمْ): إذ جاء آباءهم. (مَسْحُورًا): سحرت فخولط عقلك.
[(قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا * فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا* وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا)].
(لَقَدْ عَلِمْتَ) يا فرعون (ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ) الآيات إلا الله ﷿ (بَصائِرَ): بينات مكشوفات، ولكنك معاند مكابر: ونحوه: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) (النمل: ١٤). وقرئ: «علمت» بالضم، على معنى: إني لست بمسحور كما وصفتني، بل أنا عالم بصحة الأمر، وأنّ هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض. ثم قارع ظنه بطنه، كأنه قال: إن ظننتني مسحورا فأنا أظنك (مَثْبُورًا):
_________________
(١) ـ على تقدير جواب الأمر، المعنى: سل بني إسرائيل عن حال الآيات التسع، فإنهم يُخبرونك القصة بتمامها من لدن مجيء موسى من مدين إلى مصر عند آبائهم وهم أسرى بيد فرعون وملئه يسومونهم سوء العذاب، ثم ذهابه إلى فرعون مطلبه منه إرسال بني إسرائيل معه وادعائه النبوة، وإظهار تلك الآيات القاهرات بأسرها وظهور عجز فرعون وعناده، وقوله: (إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا) فالفاء في قوله تعالى: (فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ) فصيحةٌ. قوله: «بَصَائِرَ): بينات مكشوفات)، الأساس: هذه الآية مبصرة، وأبصر الطريق: استبان ووضح. قوله: (وقرئ: "علمتُ" بالضم)، الكسائي، والباقون: بفتحها. قوله: (ثم قارع ظنه بظنه)، الأساس: قرعه بالرمح، وقارعه، وتقارعوا بالرماح، وقارعته فقرعته.
[ ٩ / ٣٩٠ ]
هالكا، وظني أصح من ظنك؛ لأن له أمارة ظاهرة؛ وهي إنكارك ما عرفت صحته، ومكابرتك لآيات الله بعد وضوحها، وأما ظنك فكذب بحت؛ لأن قولك مع علمك بصحة أمري: إني لأظنك مسحورا: قول كذاب. وقال الفرّاء: (مَثْبُورًا) مصروفا عن الخير مطبوعا على قلبك، من قولهم: ما ثبرك عن هذا؟ أي: ما منعك وصرفك؟
وقرأ أبىّ بن كعب: (وإن إخالك يا فرعون لمثبورًا) على: (إن) المخففة واللام الفارقة (فَأَرادَ) فرعون أن يستخف موسى وقومه من أرض مصر ويخرجهم منها، أو ينهيهم عن ظهر الأرض بالقتل والاستئصال، فحاق به مكره بأن استفزه الله بإغراقه مع قبطه. (اسْكُنُوا الْأَرْضَ) التي أراد فرعون أن يستفزكم منها، (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ): يعنى قيام الساعة (جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا): جمعا مختلطين إياكم وإياهم، ثم يحكم بينكم ويميز بين سعدائكم وأشقيائكم. واللفيف: الجماعات من قبائل شتى.
[(وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)].
(وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ): وما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبسا بالحق والحكمة؛ لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو: ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظا بهم
_________________
(١) ـ قوله: (إلا بالحق محفوظًا بالرصد)، فسر الحق تارة بالحكمة، وأخرى بالثابت الذي يُقابلُ الباطل، فقوله: "محفوظًا بالرصد" تفسيرٌ لمعنى الحق، وتوضيحٌ لمحله، وأنه نصبٌ على الحال، يعني: هو محفوظٌ بالرصد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ونحوه قوله تعالى: (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) [النساء: ١٦٦] قال المصنف: "أنزله وهو قريب عليه حافظ له من الشياطين برصدٍ من الملائكة، كما قال في آخر سورة الجن: (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ) [الجن: ٢٨]. قال أبو البقاء: (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ) أي: وبسبب إقامته الحق (أَنزَلْنَاهُ) فتكون الباء متعلقة بـ (أَنزَلْنَاهُ)، ويجوز أن يكون حالًا، أي: أنزلناه ومعه الحق، أو: وفيه الحق، ويجوز أن يكون
[ ٩ / ٣٩١ ]
من تخليط الشياطين، (وَما أَرْسَلْناكَ) إلا لتبشرهم بالجنة، وتنذرهم من النار، ليس إليك وراء ذلك شيء، من إكراه على الدين أو نحو ذلك.
[(وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا)].
(وَقُرْآنًا) منصوب بفعل يفسره (فَرَقْناهُ). وقرأه أبىّ: (فرّقناه) بالتشديد، أي: جعلنا نزوله مفرّقا منجما. وعن ابن عباس ﵁: أنه قرأ مشدّدا، وقال: لم ينزل في يومين أو ثلاثة، بل كان بين أوّله وآخره عشرون سنة. يعنى: أن (فرق) بالتخفيف يدل على فصل متقارب. «على مكث» بالفتح والضم: على مهلٍ
_________________
(١) ـ حالًا من الفاعل، أي: أنزلناه ومعنا الحق، (وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) فيه الوجهان الأولان دون الثالث، لأنه ليس فيه ضميرٌ لغير القرآن. قوله: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ) إلا لتبشرهم بالجنة، وتنذرهم من النار، ليس إليك وراء ذلك)، أي: التركيب من القصر الإفرادي، نُزل صلواتُ الله عليه- لحرصه على إيمان قومه- منزلة من يعتقد أنه بشيرٌ ونذير، ومع ذلك: يُكره على الدين أيضًا، فقُصِر على البشارة والنذارة، ونفي كونه مكرهًا. قوله: (يعني أن "فرق" بالتخفيف، يدل على فصل متقارب)، كأنه يرد القراءة بالتخفيف، فإنها تدل على خلاف الواقع، وهو الفصل المتباعد. وقال ابن جني: ويؤيده قوله: (عَلَى مُكْثٍ).
[ ٩ / ٣٩٢ ]
وتؤدة وتثبت. (وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا) على حسب الحوادث.
[(قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا* وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا)].
(قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا): أمر بالإعراض عنهم واحتقارهم والازدراء بشأنهم، وأن لا يكترث بهم وبإيمانهم وبامتناعهم عنه، وأنهم إن لم يدخلوا في الإيمان ولم يصدّقوا بالقرآن وهم أهل جاهلية وشرك، فإن خيرا منهم وأفضل - وهم العلماء الذين قرءوا الكتب وعلموا ما الوحي وما الشرائع- قد آمنوا به وصدّقوه، وثبت عندهم أنه النبي العربي الموعود في كتبهم، فإذا تلي عليهم خرّوا سجدا وسبحوا الله تعظيما لأمره ولإنجازه ما وعد في الكتب المنزلة وبشربه من بعثة محمد ﷺ وإنزال القرآن عليه، وهو المراد بالوعد في قوله: (إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا)، (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا): أي: يزيدهم القرآن لين قلب ورطوبة عين. فإن قلت: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) تعليل لماذا؟ قلت: يجوز أن يكون تعليلا لقوله: (آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا) وأن يكون تعليلا لـ (قل) على سبيل التسلية لرسول الله ﷺ وتطييب نفسه، كأنه قيل: تسلّ عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء.
_________________
(١) ـ قوله: (وتؤدة)، النهاية: يقال: اتأد في فعله: إذا تأنى وتثبت، ولم يعجل. قوله: «قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا»، أُمرَ بالإعراض عنهم، يعني: إنما يؤمر بهذا القول من أيس من إيمانه ولم تعتد بحاله، فكأنه قال له: اتركهم ولا تُبال بهم. قوله: (تعظيمًا لأمره، ولإنجازه ما وعد)، "لإنجازه" عطفٌ على "تعظيمًا"، وهو مفعولٌ له: (خَرُّوا)، وإنما لم يأت باللام في الأول وأتى بها في الثاني، لأن الأول فعلٌ لفاعل الفعل المعلل، والثاني ليس كذلك.
[ ٩ / ٣٩٣ ]
وعلى الأوّل: إن لم تؤمنوا به لقد آمن به من هو خير منكم. فإن قلت: ما معنى الخرور للذقن؟ قلت: السقوط على الوجه، وإنما ذكر الذقن وهو مجتمع اللحيين؛ لأنّ الساجد أول ما يلقى به الأرض من وجهه الذقن. فإن قلت: حرف الاستعلاء ظاهر
_________________
(١) ـ قوله: (وعلى الأول: إن لم تؤمنوا لقد آمن)، يعني: على الوجه الثاني: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) تسلية لرسول الله ﷺ، ويلزم منه توبيخ القوم وتقريعهم، وعلى الوجه الأول بالعكس، لأن التعليل على الأول مقول القول بخلاف الثاني. وقلت: الوجه أني قصد التسلية، ويكون التقريع مفرعًا عليها؛ لأن في المعلل إشعارًا بأن الرسول قد قضى ما عليه من الإبلاغ، وأن الحجة قد لزمتهم، فعليه أن يُتاركهم ويشتغل بمن يُجدي فيهم الإنذار وينجعُ فيهم الوعظ، وبخاصة نفسه من عبادة ربه، وإلى الأول الإشارة بقوله: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا) وإلى الثاني بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) ومن ثم قال: أُمر بالإعراض عنهم وأن لا يكترث بإيمانهم، فإن خيرًا منهم وأفضل قد آمنوا، وإلى الثالث بقوله: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ)، وإنما استدعى المقام المتاركة والتسلية لأن الله تعالى لما عد مناقب حبيبه صلوات الله عليه في مفتتح السورة وختمها ببيان المعجزة، وهي قوله: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ)، فكانت متضمنة لما يتخلص منه إلى طعن القوم في القرآن ورسالته ومعاندتهم في دفع آيات الله البينات، فذكر شيئًا صالحًا منه، فأراد أن يُسلي حبيبه، ذكر حديث الكليم ومجيئه بالآيات البينات إلى قومه وتكذيبهم، ثم إهلاكهم، كان الأمر بقوله: (فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) تتميمًا لمعنى التسلية، وذكر بعده هذا النوع من التسلية، وختم السورة بها، والله أعلم. قوله: (أول ما يلقى به الأرض من وجهه الذقن)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛
[ ٩ / ٣٩٤ ]
المعنى إذا قلت: خرّ على وجهه وعلى ذقنه، فما معنى اللام في: خرّ لذقنه ولوجهه؟ قال:
فخرّ صريعا لليدين وللفم
قلت: معناه: جعل ذقنه ووجهه للخرور واختصه به، لأن اللام للاختصاص.
_________________
(١) ـ لأن أول ما يلقى الأرض الجبهة أو الأنف، ووجهه أنه إذا ابتدأ الخرور، فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض هو الذقن، أو أراد مبالغة في الخضوع، وهو تعفير اللحى على التراب، والأذقان كناية عنها، أو أنه ربما خر على الذقن كالمغشي عليه لخشية الله تعالى، وقوله: فخر صريعًا لليدين وللفم أوله من رواية "المطلع": دلفت له بالرمح من دون ثوبه الدليف: المشيُ رويدًا، دلفت الكتيبة في الحرب، أي: قدمت. ويُروى: أُمكنهُ بالرمح حضني قميصه الحضينُ: ما دون الإبط إلى الكشح، حضنا الشيء: جانباه. قوله: (جعل ذقنه ووجهه للخرور)، وقال صاحب "الفرائد": لما كان الذقن أبعد شيء من وجهه من الأرض في حال السجود، وهي حالُ وضع الجبهة، كان القصد بالخرور إلى وصول الأذقان إلى الأرض أبلغ من القصد إلى وصول الجبهة إليها، فكأنه قيل: يخرون
[ ٩ / ٣٩٥ ]
فإن قلت: لم كرّر (يخرون للأذقان)؟ قلت: لاختلاف الحالين؛ وهما: خرورهم في حال كونهم ساجدين، وخرورهم في حال كونهم باكين.
[(قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا)].
عن ابن عباس ﵄: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن، فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعوا إلها آخر. وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت. والدعاء: بمعنى التسمية، لا بمعنى النداء، وهو يتعدّى إلى مفعولين، تقول: دعوته زيدا، ثم يترك أحدهما استغناء عنه فيقال: دعوت زيدا. والله والرحمن، المراد بهما الاسم لا المسمى. و(أو) للتخيير، فمعنى (ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) سموا بهذا الاسم أو بهذا،
_________________
(١) ـ لأجل وصول الأذقان إلى الأرض؛ لأن الانحطاط أكثر في وصول الأذقان من وصول الجبهة إليها، وحاصله أنهم يبالغون في الخرور، ويلصقون بالأرض ما أمكن إلصاقه بها من الوجه. تم كلامه. فإن قلت: قوله: "جعل ذقنه ووجهه للخرور واختصه به" مخالفٌ لظاهر الآية؛ لأنه جعل الخرور مختصًا بالذقن لقوله: (يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ). قلت: إن الخرور إذا اختص بالذقن اختص الذقن به، وما عليه التلاوة أدل على خضوعهم وتواضعهم. قوله: (فمعنى (ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) سموا بهذا الاسم أو بهذا)، قال القاضي: المرادُ بالتسوية بين اللفظين، هو أنهما يُطلقان على ذات واحدة، وإن اختلف اعتبارُ إطلاقهما، والتوحيد إنما هو للذات الذي هو المعبود، هذا إذا كان ردًا لقول المشركين، وعلى أن يكون ردًا لليهود، المعنى: أنهما سيان في حُسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود، وهو أجود، لقوله: (أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى).
[ ٩ / ٣٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … وقلت: إنما كان أجود لأن اعتراض اليهود، كان تعييرًا للمسلمين على ترجيح أحد الاسمين على الآخر، واعتراض المشركين كان تعييرًا على الجمع بين اللفظين فقوله: (أَيًّا مَا تَدْعُوا) مطابق للرد على اليهود؛ لأن المعنى: أي اسم من الاسمين دعوتموه فهو حسن كما ذكره المصنف، وهو لا ينطبق على اعتراض المشركين الجواب: هذا مسلم إذا كان أو للتخيير فلم يمتنع أن يكون للإباحة كما في قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، فحينئذ: يكون ذلك أجوب، وتقريره: كل سموا ذاته المقدسة "بالله" أو بـ"الرحمن" فهما سيان في استصواب التسمية بهما فبأيهما سميته فأنت مصيب، وإن سميته بهما جميعًا فأنت أصوب؛ لأن له الأسماء الحسنى وقد أمرنا بأن ندعوه بها في قوله: (فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) فعلى هذا الآية من فنون الإيجاز الذي هو من حلة التنزيل وعلى ما قال المصنف، والمعنى (أَيًّا مَا تَدْعُوا) فهو حسن فوضع موضعه قوله: (فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) هو من باب الإطناب فظهر من هذا أن الإباحة أنسب من التخيير لأن أبا جهل حر الجمع بين الاسمين فرد إباحة أن يجمع بين أسماء يعني كيف يمنع من الجمع بين الاسمين وقد أبيح الجميع بين الأسماء المتكاثرة على أن الجواب بالتخيير في الرد على أهل الكتاب غير مطابق لأنهم اعترضوا بالترجيح. وأجيب التسوية لأن (أو) يقتضيها وكان الجواب العتيد أن يقال: إنما رجحنا "الله" على "الرحمن" في الذكر لأنه جامع لجميع صفات الكمال بخلاف "الرحمن"، ويساعد ما ذكرنا من أن الكلام مع المشركين قوله تعالى: (وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) لأنه مناسب أن يكون تسهيلًا للرد على المشركين، ما يقول بعد إفحام الخصم: الحمد لله على ظهور الحق وزهوق الباطل، وأما بيان تنزيل الآية على الرد على المشركين فهو أن نداء ابن عباس: "يا الله يا رحمن" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يراد بهما المسمى فيلزم منه التعدد في المسمى، والثاني: أن يراد بهما الاسم فلا يلزم التعداد إلا في الاسم، فحمل أبو جهل على الأول وقال ما قال، فرد الله تعالى زعمه بأن نزله على الاحتمال الثاني قائلًا: (قُلْ ادْعُوا اللَّهَ) الآية، على ما سبق تقريره.
[ ٩ / ٣٩٧ ]
واذكروا إما هذا وإما هذا، والتنوين في (أَيًّا) عوض من المضاف إليه. و(ما): صلة للإبهام المؤكد لما في (أي)، أي: أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم (فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى)، والضمير في (فَلَهُ) ليس براجع إلى أحد الاسمين المذكورين، ولكن إلى مسماهما؛ وهو ذاته تعالى؛ لأن التسمية للذات لا للاسم، والمعنى: أياما تدعوا فهو حسن، فوضع موضعه قوله: (فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى)؛ لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان؛ لأنهما منها، ومعنى كونهما أحسن الأسماء: أنها مستقلة بمعاني التحميد والتقديس والتعظيم. (بِصَلاتِكَ) بقراءة صلاتك، على حذف المضاف؛ لأنه لا يلبس، من قبل أن الجهر والمخافتة صفتان تعتقبان على الصوت لا غير، والصلاة أفعال وأذكار، وكان رسول الله ﷺ يرفع صوته بقراءته، فإذا سمعها المشركون لغوا وسبوا، فأمر بأن يخفض من صوته، والمعنى: ولا تجهر حتى تسمع المشركين (وَلا تُخافِتْ) حتى لا تسمع من خلفك (وَابْتَغِ بَيْنَ) الجهر المخافتة (سَبِيلًا) وسطا. وروى أنّ أبا بكر ﵁ كان يخفى صوته بالقراءة في صلاته ويقول: أناجى ربى وقد علم حاجتي. وكان عمر ﵁ يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان. فأمر أبا بكر أن يرفع قليلا وعمر أن يخفض قليلًا.
_________________
(١) ـ قوله: (يرفع صوته بقراءته) الحديث مع التفسير متفق عليه، رواه البخاري ومسلم، عن ابن عباس ﵄. قوله: (روى أن أبا بكر) الحديث مختصرٌ من رواية أبي داود والترمذي، عن أبي قتادة.
[ ٩ / ٣٩٨ ]
وقيل: معناه: ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها، وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار، وقيل: (بِصَلاتِكَ): بدعائك. وذهب قوم إلى أنّ الآية منسوخة بقوله: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) [الأعراف: ٥٥]. وابتغاء السبيل: مثل لانتحاء الوجه الوسط في القراءة.
[(وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا)].
(وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ): ناصر من الذل ومانع له منه؛ لاعتزازه به، أو لم يوال أحدا من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته.
فإن قلت: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟ قلت: لأنّ من هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس
_________________
(١) ـ قوله: (مثلٌ لانتحاء الوجه)، يعني: شبه من ينبغي أن يتوسط في القراءة بمن يتوخى بين السبيلين قصدًا سويًا. قوله: (أو لم يُوال أحدًا)، جعل "وليًا" على الأول بمعنى الناصر، وعلق "مِن" به على تضمين معنى المنع، المعنى: ليس له ذُل ولا مانعٌ من الذل يمنعه لاعتزازه بنفسه؛ لأنه عزيزٌ بذاته، مانعٌ غيره منه، وعلى الثاني: إجراؤه على ظاهره، وجعلُ "مِن" ابتدائية، ومن ثم قال: "ولم يُوال أحدًا" من أجل مذلة، وعلى التقديرين، التركيب من باب قوله: على لاحبٍ لا يهتدى بمناره قوله: (لأن من هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة)، وذلك أن من اتخذ ولدًا يحتاجُ إلى الإمساك لأجله، ومن ثم قال صلوات الله عليه: "الولدُ مجبنةٌ مبخلة"، ومَن
[ ٩ / ٣٩٩ ]
الحمد، وكان النبي ﷺ إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة بني إسرائيل فرقّ قلبه عند ذكر الوالدين
_________________
(١) ـ كان له شريك في ما يتصرفه، فهو ممنوعٌ من التصرف التام، ومن احتاج إلى ناصر يدفع عنه الذُّل، كيف يقدرُ على دفعه عن الغير؟ والله ﷾ منزه عن كل هذه الموانع، فهو يقدر على إيلاء كل نعمة، فلذلك يستحق كل الحمد. وإنما سلك هذا التأويل لأن الحمد هو: الثناء على الجميل الاختياري من نعمةٍ أو غيرها، وعدم اتخاذ الولد ونفيُ الشريك عنه ليس من الفضائل الاختيارية ظاهرًا، وقد رتب عليه الحمد، فعدل إلى لازم هذه المذكورات، وهوا لقدرة على إيلاء كل نعمةن ورتب عليها الحمد. قال القاضي: نفي أن يكون له ما يواليه ويشاركه من جنسه ومن غير جنسه اختيارًا واضطرارًا، وما يُعاونه ويقويه، ورتب الحمد عليه للدلالة على أنه مستحق جنس الحمد؛ لأنه كامل الذات المنفرد بالإيجاد، المنعم على الإطلاق، وما عداه ناقصٌ، مملوك نعمةٍ أو منعمٌ عليه، ولذلك عطف عليه قوله: (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا). وقلت: والآية من باب التقسيم الحاصر؛ لأن المانع من الإيتاء: إما فوقه فهو القسم الثالث، أو دونه فهو القسم الأول، أو مثله فهذا القسم الثاني. ثم المناسب أن يُجعل التعريف في الحمد للاستغراق لا للجنس كما قال؛ لأن موجبه مستغرقٌ للمراتب كلها. وسورة الإخلاص واردة على هذا التقسيم فليحذُ حذوها. قوله: (إذا أفصح الغلام)، الأساس: أفصح الصبي في منطقه: فهم ما يقول في أول
[ ٩ / ٤٠٠ ]
كان له قنطار في الجنة، والقنطار ألف أوقية ومائتا أوقية». رزقنا الله بفضله العميم وإحسانه الجسيم.
_________________
(١) ـ ما يتكلمُ، يقال: أفصح فلان ثم فصح، وأفصح العجمي: تكلم بالعربية، وفصح: انطلق لسانه بها وخلصت لغته من اللكنة، والله ﷾ أعلم. انتهت السورة
[ ٩ / ٤٠١ ]