مكية، وقيل: مكية ومدنية؛ لأنها نزلت بمكة مرة وبالمدينة أخرى.
وتسمى أم القرآن؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن:
_________________
(١) ـ سورة فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (سورة فاتحة الكتاب مكية، وقيل: مكية ومدنية)، الكواشي: والصحيح أنها مكية. والقاضي: وقد صح أنها مكية. لقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي) [الحجر: ٨٧]، وهو مكي. قوله: (لاشتمالها على المعاني التي في القرآن)، أي: القرآن يفصل معنى ما أجملته "الفاتحة": ومنه سميت مكة أم القرى؛ لدحو الأرض من تحتها. قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: وسميت "الفاتحة": أم الكتاب؛ لأنها يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة.
[ ١ / ٦٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ القاضي: وهي مشتملة على الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الطريق المستقيم، والاطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء. ويمكن أبسط من هذا بأن يقال: إنها مشتملة على أربعة أنواع من العلوم التي هي مناط الدين: أحدها: علم الأصول، ومعاقده: معرفة الله وصفاته، وإليها الإشارة بقوله: (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ومعرفة النبوات وهي المرادة بقوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، ومعرفة المعاد وهو المومى إليه بقوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ). وثانيها: علم الفروع، وأسه العبادات، وهو المراد بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ). والعبادات: بدنية ومالية، وهما مفتقرتان إلى أمور المعاش من المعاملات والمناكحات، ولابد لها من الحكومات، فتمهدت الفروع على هذه الأصول. وثالثها: علم ما به يحصل الكمال، وهو علم الأخلاق. وأجله الوصول إلى الحضرة الصمدانية والالتجاء إلى جناب الفردانية، والسلوك لطريقه والاستقامة فيها، وإليه الإشارة بقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ* اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ). ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة والقرون الخالية: السعداء منهم والأشقياء، وما يتصل بها من وعد محسنهم، ووعيد مسيئهم، وهو المراد بقوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ). ونبين هذا المعنى مزيد كشف إذا شرعنا في تفسيرها على هذا النمط، فليكن على ذكر منك ليكون حاكمًا فيصلًا.
[ ١ / ٦٧٨ ]
من الثناء على الله بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي، ومن الوعد والوعيد؛ وسورة الكنز، والوافية لذلك، وسورة الحمد، والمثاني؛ لأنها تثنى في كل ركعة، وسورة الصلاة؛ لأنها تكون فاضلة أو مجزئة بقراءتها فيها، وسورة الشفاء، والشافية. وهي سبع آيات بالاتفاق،
_________________
(١) ـ قوله: (ومن التعبد بالأمر والنهي)، الأساس: تعبدني فلان واعتبدني: صيرني كالعبد له. وتعبد فلان: تنسك، وقعد في متعبده. وعدي بالباء لتضمنه معنى التكليف، أي: كلفه بالأمر والنهي تعبدًا، أي: بالمأمور والمنهي. ويجوز أن تكون الباء كما في كتبت بالقلم، والأمر والنهي على حقيقتهما. قوله: (والوافية لذلك)، أي: تسمى الكنز والوافية للمعنى المذكور، وهو اشتماله على المعاني. قوله: (في كل ركعة)، أي: صلاة، قال الله تعالى: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) [البقرة: ٤٣] وقيل: لأنها تثنى بسورة أخرى في كل ركعة. قوله: (لأنها تكون فاضلة أو مجزئة)، تعليل لوجه مناسبة اسم الصلاة للفاتحة، فإن الحنفية يقولون: إنما سميت سورة الصلاة؛ لكونها فاضلة، أي: قراءتها في الصلاة أولى من غيرها، والشافعية يعللون التسمية بأن الصلاة إنما تكون مجزئة بها.
[ ١ / ٦٧٩ ]
إلا أن منهم من عد (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) دون التسمية، ومنهم من مذهبه على العكس.
[(بسم الله الرحمن الرحيم) ١]
_________________
(١) ـ قوله: (إلا أن منهم من عد (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) دون التسمية، ومنهم من مذهبه على العكس)، قال في "المرشد": إن وقفت على (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) كان آخر آية على مذهب أهل المدينة والبصرة، وهو جائز، وليس بحسن؛ لأن "غير" مجرورًا متعلق به على الوصفية أو البدلية، ومنصوبًا على الحالية أو الاستثنائية، وجوازه إنما يكون بالخبر المروي أنه ﷺ كان يقف عند أواخر الآيات. وهذا آخر آية عند من ذكرت، فهذا وجه جوازه. تم كلامه. قلت: القول الثاني أولى؛ لأن (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) لا يناسب وزانه وزان فواصل السورة، ولما روى محيي السنة في "شرح السنة" عن ابن جريج، أخبرني أبي، عن سعيد ابن جبير: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الحجر: ٨٧] هي أم القرآن. قال أبي: وقرأها علي سعيد بن جبير حتى ختمها، ثم قال: (بسم الله الرحمن الرحيم)، الآية السابعة، قال سعيد: قرأها علي ابن عباس كما قرأتها عليك ثم قال: (بسم الله الرحمن الرحيم) الآية السابعة.
[ ١ / ٦٨٠ ]
قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة، ولا من غيرها من السور، وإنا كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، كما بدئ بذكرها في كل أمر ذي بال، وهو مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه، ومن تابعه؛ .
_________________
(١) ـ قوله: (قراء المدينة والبصرة والشام)، قال في "الشعلة": من مكة ابن كثير، ومن الكوفة عاصم والكسائي يعتقدون أن البسملة من "الفاتحة" ومن كل سورة، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير، ومذهب الشافعي وعطاء والزهري وابن المبارك ﵃، ومن الكوفة أيضًا حمزة يعتقد أنها من "الفاتحة" ليس إلا، والقرآن جميعه بمنزلة سورة واحدة، وهذا قول سعيد بن المسيب. ومن البصرة أبو عمرو، ومن المدينة نافع، ومن الشام ابن عامر على أنها ليست بآية من "الفاتحة" ولا من غيرها. وما في "النمل" بعض آية. وهذا قول ابن مسعود، ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵃. قوله: (في كل أمر ذي بال)، روى الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح فيه بذكر الله فهو
[ ١ / ٦٨١ ]
ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة. وقراء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وعليه الشافعي ﵁، وأصحابه؛ ولذلك يجهرون بها.
وقالوا: قد أثبتها السلف في المصحف مع توصيتهم بتجريد القرآن؛ ولذلك لم يثبتوا (آمين)، فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها.
وعن ابن عباس ﵄: من تركها فقد ترك مئة وأربع عشرة آية من كتاب الله.
فإن قلت: بم تعلقت الباء؟
_________________
(١) ـ أبتر، أو قال: أقطع". النهاية: البال: الحال والشأن. وأمر ذو بال، أي: شريف يحتفل به ويهتم. والبال في غير هذا: القلب. وقيل: إنما قيل: ذو بال؛ لأنه من حيث إنه يشغل القلب كأنه ملكه، وكان صاحب بال. ويجوز أن يقال للأمر الخطير: ذو بال، على الاستعارة المكنية، ويجعل قوله: "أبتر" ترشيحًا لها على نحو (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) [الكوثر: ٣] كما جعله صلوات الله عليه ذا رأس وذروة سنام في قوله: "رأس الأمر الإسلام، وذروة سنامه الجهاد" الحديث أخرجه الترمذي. قوله: (من تركها فقد ترك مئة وأربع عشرة آية)، هذا القول إما للتغليب أو للتغليظ على التوبيخ، أو يدخل فيه ما في "النمل"؛ لأن النفي وارد على ترك ما تصدق عليه البسملة، أو على أن البسملة ينبغي أن تصدر بها سورة "براءة" أيضًا على اعتقاده. وينصره ما رويناه عن
[ ١ / ٦٨٢ ]
قلت: بمحذوف تقديره: بسم الله أقرأ، أو أتلو؛ لأن الذي يتلو التسمية مقروء، كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل
_________________
(١) ـ الترمذي وأبي داود: سأل ابن عباس عثمان ﵄: ما حملكم على أن لا تكتبوا "بسم الله الرحمن الرحيم" يعني في "البراءة". الحديث. قوله: (بمحذوف)، لأن حروف الجر لا تنفك عن متعلق؛ لأن وضعها لإفضاء معاني الأفعال إلى الأسماء، غير أنها تدل على مطلق الفعل، ولابد في تخصيصه من قرينة. وفيما نحن فيه القرينة ما يتبع التسمية، وهو قوله: (الحَمْدُ لِلَّهِ)، وهو مقروء متلو، فدل ذلك على أن المضمر: أقرأ أو أتلو، والتعليل في قوله: "لأن الذي يتلو" لتعيين المقدر. وكان الأنسب أن يقال: الذي يتلو التسمية القراءة؛ لأن الابتداء بالتسمية غنما يكون في الفعل الذي يريد أن يفعله المسمي، يدل عليه قوله: "كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله الرحمن الرحيم كان مضمرًا ما جعل التسمية مبدأ له"، والمضمر الفعل لا المفعول، كما أن تسمية الذابح إنما يتلوها الذابح لا المذبوح. قال: صاحب "الانتصاف": "الذي يقدره النحاة هو: أبتدئ فعل القراءة، والعام
[ ١ / ٦٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ صحة تقديره أولى: ألا تراهم يقدرون متعلق الجار الواقع خبرًا أو صفة أو صلة أو حالًا بالكون والاستقرار حيثما وقع، ويؤثرونه لعمومه؟ وأيضًا: إن تقدير فعل الابتداء مستقل بالغرض المقصود من التسمية، فإن الغرض منها أن تقع مبتدأ بها، فتقدير فعل الابتداء أوقع. وأما ظهور فعل القراءة في قوله تعالى: (اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ) فلأن الأهم ثمة القراءة؛ ولهذا قدم الفعل فيها على متعلقه، بخلاف البسملة فإن الأهم فيها الابتداء". وأجاب صاحب "الإنصاف" بأن قال: ما ذكره الزمخشري أصح؛ لأنه أخص وأمس بالمقصود، وأتم شمولًا، وأنه يقتضي أن التسمية واقعة على القراءة كلها مصاحبة لها، أو أن القراءة كلها بالله على المذهبين على ما يأتي بيانه، بخلاف تقدير "أبتدئ"؛ فإنه يقتضي مصاحبتها لأول القراءة. واستشهاده بتقدير النحاة غير مجد، لأنهم إنما فعلوه تمثيلًا وتقريبًا، ولو قلت: زيد على الفرس، أو: زيد من العلماء، أو: زيد في البصرة- لقدرت: "راكب"، و"معدود"، و"مقيم"، وكان أمس من الاستقرار. وأما قوله: "إن الغرض أن تقع التسمية مبتدأ بها"، فنقول بموجبه، وأن ذلك يقع فعلًا بالبداءة بها لا بإضمار فعل الابتداء؛ لأن من صلى
[ ١ / ٦٨٤ ]
فقال: بسم الله والبركات كان المعنى: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل، وكذلك الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله بـ (بسم الله) كان مضمرًا ما جعل التسمية مبدأ له. ونظيره في حذف متعلق الجار قوله ﷿: (فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ) [النمل: ١٢]، أي اذهب في تسع آيات، وكذلك قول العرب في الدعاء للمعرس:
_________________
(١) ـ فبدأ بتكبيرة الإحرام، وبدأ في الوضوء بغسل وجهه، لا يحتاج في كونه بادئًا إلى إضمار: "بدأت بذلك"، لكنه مفتقر على بركة التسمية وشمولها لجميع فعله. قوله: (فقال: بسم الله)، عطف على "حل"، وجواب "إذا" قوله: "كان المعنى"، وقوله: "يبدأ في فعله" صفة "كل فاعل". قوله: (قول العرب)، ثم "قول الأعرابي" مشعر بالفرق، النهاية: الأعراب: ساكنو البادية الذين لا يقيمون [في] الأمصار، والعرب: اسم لهذا الجيل المعروف، ولا واحد له من لفظه، سواء أقام بالبادية أو المدن. المغرب: العربي: سكان المدن والقرى، والأعرابي: سكان البوادي. قوله: (للمعرس)، النهاية: أعرس الرجل فهو معرس: إذا دخل بامرأته عند بنائها. ولا يقال: عرس، كما تقول العامة. وفي "الجامع": الرفاء: حسن المعاشرة والموافقة، من رفو الثوب، يعنون بقولهم: بالرفاء والبنين: أن هذا النكاح ملتبس بهما، ونهى عنه رسول الله ﷺ لأنه من شعار الجاهلية.
[ ١ / ٦٨٥ ]
بالرفاء والبنين، وقول الأعرابي: باليمن والبركة، بمعنى: أعرست أو نكحت، ومنه قوله:
فقلت: إلى الطعام فقال منهم … فريق: نحسد الإنس الطعاما
فإن قلت: لم قدرت المحذوف متأخرًا؟ قلت: لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به؛ لأنهم كانوا يبدؤون بأسماء آلهتهم، فيقولون: باسم اللات، باسم العزى،
_________________
(١) ـ قوله: (بمعنى أعرست أو نكحت)، إما متعلق بالأول، و"قول الأعرابي" معترض؛ لأن قوله: "باليمن والبركة" لفظ عام يستعمل في كل من يتوخى أمرًا ما، أو متعلق بهما، وهو الأوجه. قوله: (فقلت إلى الطعام)، البيت. قبله: أتوا ناري فقلت منون أنتم؟ … فقالوا الجن، قلت عموا ظلاما قال الأصمعي: عم صباحًا: معناه أنعم، وتقدير الفعل الماضي منه: وعم يعم، ولا ينطق به كمالا ينطق بماضي دع وذر. ذكره الأنباري. زعم الشاعر أنه أتاه الجن وهو عند ناره فحياهم ودعاهم إلى الطعام. حسده الشيء وحسده على الشيء، أي: إنما نحسدهم لأنهم يأكلون ونحن لا نأكل. "إلى الطعام" أي: هلموا. قوله: (لأن الأهم من الفعل)، وهو أتلو وأقرأ، "والمتعلق به" بكسر اللام في الموضعين. هو "بسم الله"، و"من" في: "من الفعل" للابتداء، أي: الأهم من "أقرأ" و"بسم الله" هو "بسم الله".
[ ١ / ٦٨٦ ]
فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله تعالى بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل، كما فعل في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، حيث صرح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص، والدليل عليه: قوله: (بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: ٤١].
_________________
(١) ـ قوله: (معنى اختصاص اسم الله بالابتداء)، اعلم أن التقديم إما لمجرد الاهتمام، أو مع الاختصاص. ولابد في التخصيص من سبق حكم أخطأ فيه المخاطب، أو شك فيه ليرد إلى الصواب، أو إلى العلم، والاهتمام لا يستدعي ما يستدعيه التخصيص. فالمشركون إنما قدموا أسماء آلهتهم للاهتمام والتبرك لا للرد، لقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان: ٢٥]، ولقولهم: (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا) [يونس: ١٨]، ولما روينا عن البخاري وأبي داود والنسائي عن المسور بن مخرمة في قصة الحديبية: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ: "بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: "أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" الحديث. وأما المسلمون: فإنما يقدمون ليكون ردًا لخطئهم، وقمعًا لأباطيلهم، فيكون من باب قصر الإفراد. وإلى هذا المعنى ينظر قوله: "فوجب أن يقصد الموحد معنى الاختصاص". هذا هو الوجه، لا ما قيل: أخص اسم الله بالافتتاح، وأخالفهم في اختصاصهم أسماء آلهتهم بالافتتاح. قوله: (والدليل عليه)، قيل: على أن التقديم لإرادة الاختصاص، وفيه إشكال وهو أن يقال: ما تعني بهذه الدلالة؟ إن عنيت أن دلالة التقديم في (بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: ٤١] على
[ ١ / ٦٨٧ ]
فإن قلت: فقد قال: (اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ) [العلق: ١] فقدم الفعل، قلت: هناك تقديم الفعل أوقع؛ لأنها أول سورة نزلت؛ فكان الأمر بالقراءة أهم. فإن قلت: ما معنى تعلق اسم الله بالقراءة؟ قلت: فيه وجهان:
أحدهما: أن يتعلق بها تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم، على معنى: أن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يجيء معتدًا به في الشرع واقعًا على السنة حتى يصدر بذكر اسم الله، لقوله ﷺ: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر" إلا كان فعلًا كلا فعل، جعل فعله مفعولًا (بسم الله)، كما يفعل الكتب بالقلم.
والثاني: أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات في قوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) [المؤمنون: ٢٠] على معنى: متبركًا باسم الله أقرأ،
_________________
(١) ـ الاختصاص لتقديم الخبر على المبتدأ، فالخصم إن ساعدك في دعواك أن "بسم الله" يفيد الاختصاص، فلا يجدي هذا شيئًا، وإن لم يساعدك عليه، لم يساعد على هذا أيضًا؛ لأن الكلام فيه كالكلام على الأول. وإنما قلنا: لتقديم الخبر على المبتدأ؛ لأن (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) بمعنى الإجراء والإرساء، ولا يقدم معمول المصدر عليه. والحق أن قوله: "والدليل عليه" أي: على تقدير تأخير المقدر وتقديم "بسم الله"، للاهتمام سواء كان على عامله أو على المبتدأ؛ لأن تقدير المقدر مؤخرًا، وتقديم "بسم الله" للأهمية وهو الذي سيق الكلام لأجله، والدليل عليه قوله: "لم قدرت المحذوف متأخرًا" يعني: قدمنا هذا الاسم للأهمية كما ورد في كلام السلف؛ يعني تقديم هذا الاسم سنة جارية من قديم الزمان، فإن الأمم السالفة درجت على هذا، فعلى هذا التقدير ورود السؤال الآتي ظاهر الارتباط بناءً على وجود الفاء فيه؛ لأنه علم من تتبع كلامه أن كل سؤال له بعد "فإن قلت" إذا تصدر بالفاء يكون مسببًا عما قبله، أي: لم زعمت أن تقديم هذا الاسم أهم مطلقًا، فقد جاء متأخرًا في قوله: (اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ) [العلق: ١]؟ فأجاب بما اقتضاه المقام وهو أهمية القراءة. قوله: (متبركًا باسم الله أقرأ)، اعلم أن تنزيل هذا التقدير على معنى قوله: "فوجب أن
[ ١ / ٦٨٨ ]
وكذلك قول الداعي للمعرس: بالرفاء والبنين، معناه: أعرست ملتبسًا بالرفاء والبنين، وهذا الوجه أعرب وأحسن. فإن قلت: فكيف قال الله تعالى:
_________________
(١) ـ يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله بالابتداء" هو أن يقال: قراءتي مختصة بأن أتبرك باسم الله، وأخالف أعداء الله بتبركهم باسم آلهتهم. وأما احتمال التركيب- يعني: قراءتي مختصة بالتبرك باسم الله، لا بشيء آخر- فبمعزل عن المرام ومراحل من مقتضى المقام. وفي هذا التعلق بحث، لأن "أقرأ" حينئذ ليس بعامل في الجار والمجرور، فهو إما أن يحمل على اللغوي، فإن للحال تعلقًا بعاملها فسلك فيه طريق المشاكلة، أو على الإفضاء كما نص عليه في قوله تعالى: (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِمًا) [يونس: ٢٧]، فيه إشارة على أن التبرك تابع لقراءتها وهو مطلوب بها، وسيجيء بيانه. قوله: (أعرب)، أي: أفصح؛ من قولهم: كلام عربي، أي: فصيح. وقيل: أبين، الأساس: عرب عن صاحبه تعريبًا: إذا تكلم عنه واحتج له. قيل: إنما كان أعرب وأحسن؛ لأن باء المصاحبة تقتضي الاستدامة في قصد المتكلم. فمعناه كل حرف مما أتكلم به بعد التسمية أقدر فيه "بسم الله"، ففيه تعميم الفعل مع التسمية كما في قوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) [المؤمنون: ٢٠] أي: تنبت ثمارها وفيها الدهن. ويناسبه ما روي في الحديث "تسمية الله تعالى في قلب كل مسلم، سمى أو لم يسم" وقيل: إنما كان أحسن؛ لأن التبرك مؤذن برعاية حسن الأدب، واسم الإله بخلافه. وفيه نظر؛ لأن القارئ في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: ٥] إنما يطلب من الله تعالى
[ ١ / ٦٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ المعونة والتوفيق على عبادته في جميع أحواله، ولا يلزم من كون الله معينًا ما تصور في القلم كأنه يقول: أقرأ باستظهاره ومكانته عند مسماه، وفي الحقيقة الله المعين في كل حرف. وقال صاحب "التقريب": إنما كان أحسن لتقدير الموجود حسًا في الأول كالمعدوم. ولعل مراده منه قوله: "كان فعلًا كلا فعل" وفيه نظر؛ لأن جعل الموجود كالمعدوم بسبب الجري لا على المقتضى من محسنات الكلام ولطيف إشاراته. ومما يختص هذا الموضع من النكتة هي أن شبه اسم الله تعالى؛ بناءً على يقين المؤمن بما ورد من السنة والقطع بمقتضاها بالأمر المحسوس، وهو حصول الكتب بالقلم وعدم حصوله بعدمه، ثم أخرج مخرج الاستعارة على سبيل التبعية لوقوعها في الحرف. ألا ترى كيف صرح المصنف بذكر المؤمن، وضم إليه الاعتقاد والسنة؟ بل ينبغي أن يكون هذا كشفًا كما ورد: "لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا" و"أن" في "وإلا كان" شرطية، أي: وإن لا يصدر بذكر اسم الله كان فعلًا كلا فعل. وقيل: المراد أن "بسم الله" موجود في القراءة، فإذا جعلت الباء للاستعانة كان سبيله سبيل القلم، فلا يكون مقروءًا، والحال أنه مقروء. فيقال: إنا بينا ضعف التشبيه بالقلم. وقيل: إنما كان أعرب؛ لأن فيه الإيجاز والتوصل بتقليل اللفظ إلى تكثير المعنى، وهذا
[ ١ / ٦٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ أقرب. وبيانه: أن الحال لبيان هيئة الفاعل هنا. وقد ثبت بالدليل أن لابد لكل فعل متقرب به إلى الله تعالى من إعانة الله وتسديده؛ فدل تقدير الحال على أمر زائد فيكون أبين. وينكشف هذا المعنى كشفًا تامًا في قولك: تنبت هذه الشجرة بالماء، إذا أردت بالباء الصلة كان المعنى: تنبت بواسطة الماء، وإذا أردت الحال رجع إلى أنها تنبت وهي ملتبسة بالماء، فأفاد أنها طرية ريًا. والتحقيق أن يقال: على تقدير الحال أقرأ وأنا متبرك باسم الله، ومتوسل بمكانته عند الله لاستزادة التوفيق على إتمام ما شرعت فيه، وقبول ما تقربت به إليه. هذا كله يعطيه معنى التبرك المقدر لإرادة الحال. وقال: "البركة كثرة الخير وزيادته"، ولما كان مآل ذلك الوجه في الحقيقة إلى هذا، وكان أبين منه قال: "أعرب وأحسن". الراغب: قال بعض العلماء: إنما قال: "بسم الله" ولم يقل: بالله؛ لأنه لما استحب الاستعانة بالله في كل أمر يفتتح به من قراءة أو غيرها فبعضهم يذكره بقلبه، وبعضهم يريده ويقول بلسانه، ويكون أبلغ، فألفاظ الاستعانة نحو: أستعين بالله، واللهم أعني، ونحو ذلك. وذكر الله مستعمل في كل ذلك فصار لفظه "بسم الله" مستغنى به عن جميعها وقائمًا مقامها. ولو قال: بالله لتوهم الاستعانة بهذه اللفظة فقط، والاسم ها هنا موضوع موضع المصدر، أي: التسمية. فالقائل إذا قال: بالله أبتدئ؛ فمعناه بهذا الاسم، وإذا قال: بسم الله؛ فإن المقصود به المسمى. وما ذكر من الخلاف في أن الاسم هل هو المسمى أو غيره؟ فكلاهما صحيح؛ فإن من قال: إن الاسم هو زيد أو عمرو، وهو المسمى، نظر إلى قولهم: رأيت زيدًا، وزيد رجل صالح. فإن زيدًا ها هنا عبارة عن المسمى، والرؤية به تعلقت.
[ ١ / ٦٩١ ]
متبركًا باسم الله أقرأ؟ قلت: هذا مقول على ألسنة العباد، كما يقول الرجل الشعر على لسان غيره، وكذلك (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إلى آخره، وكثير من القرآن على هذا المنهاج، ومعناه: تعليم عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه، ويمجدونه، ويعظمونه.
_________________
(١) ـ ومن قال: هو غير المسمى؛ نظر إلى نحو قولهم: سميت ابني زيدًا، وزيد اسم حسن، فإنه عنى أني سميت ابني بهذا اللفظ، وأن هذا اللفظ محكوم عليه بالحسن. فإذا قولك: زيد حسن، لفظ مشترك يصح أن يعنى به أن هذا اللفظ حسن، وأن يعنى به أن المسمى حسن. وأما تصور من قال: لو كان الاسم هو المسمى لكان من قال: النار، احترق فمه فهو بعيد؛ لأن العاقل لا يقول: إن زيدًا الذي هو (زاي وياء ودال) هو الشخص. قوله: (هذا مقول على ألسنة العباد)، قال المصنف: مثاله ما إذا أمرك إنسان أن تكتب رسالة من جهته إلى غيره؛ فإنك تكتب: كتبت هذه الأحرف، وإنما تفعل هذا على لسان آمرك. الراغب: إن قيل: لِمَ لَم يقل: الحمدُ لي؟ قيل: لأن ذلك تعليم منه لعباده، كأنه قال: قولوا: بسم الله والحمد لله. وقيل: قل غير مقدر؛ لأن الله حمد نفسه ليقتدى به، أو لأن أرفع حمد ما كان من أرفع حامد وأعرفهم بالمحمود وأقدرهم على إيفاء حقه. قال: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
[ ١ / ٦٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقيل: كل ما أثنى الله على نفسه، فهو في الحقيقة إظهاره بفعله؛ فحمده لنفسه هو بث آلائه وإظهار نعمائه لمحكمات أفعاله، وعلى ذلك قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ …) [آل عمران: ١٨]، فإن شهادته لنفسه إحداثه الكائنات دالة على وحدانيته، ناطقة بالشهادة له. قال ذو النون: لما شهد الله لنفسه أنطق كل شيء بشهادته (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء: ٤٤]. فإن قلت: كيف استحسن حمده لنفسه، وقد عُلم في الشاهد استقباحه! حتى قيل للحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقًا؟ قال: مدح الرجل نفسه. وأجيب: إنما قبح ذلك من الإنسان، لأن النقص فيه ظاهر، ولو لم يكن فيه إلا الحاجة إلى الكمال، وأن أثر الصنعة فيه ظاهر لكفى به نقصًا. ومن خفي عليه نقصه فقد خُدع عليه عقله. وقد يستحسن منه عند تنبيه المخاطب على ما خفي عليه من حاله كقول المعلم للمتعلم: اسمع مني، فإنك لا تجد مثلي. وعلى ذلك قول يوسف ﵇: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [يوسف: ٥٥]. وسئل بعض المحققين عن شيء لم يقبح إطلاقه
[ ١ / ٦٩٣ ]
فإن قلت: من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون، نحو: كاف التشبيه، ولام الابتداء،
_________________
(١) ـ في الله تعالى مع ورود الشرع، فأنشد: ويقبح من سواك الشيء عندي … وتفعله فيحسن منك ذاكا قوله: (حروف المعاني)، اعلم أن الحروف تنقسم إلى: حروف معان وهي التي تفيد معنى نحو الجارة والعاطفة وسين الاستقبال وغيرها، سميت بها للمعنى المختص بها، وحروف مبان وهي التي تبتني الكلمات كزاي زيد وراء رجل. قوله: (أن تبنى على الفتحة)، قال الزجاج: أصل الحروف التي يتكلم بها وهي على حرف واحد الفتح أبدًا إلا أن تجيء علة تزيله؛ لأن الحرف الواحد لا حظ له في الإعراب، فيقع مبتدأ في الكلام، ولا يبتدأ بساكن، فاختير له الفتح لأنه أخف الحركات. والباء مكسورة أبدًا، لأنه لا معنى له إلا الخفض، فوجب أن يكون لفظه مكسورًا ليفصل بين ما يجر وهو اسم نحو كاف كزيد، وبين ما يجر وهو حرف.
[ ١ / ٦٩٤ ]
وواو العطف، وفائه، وغير ذلك، فما بال لام الإضافة وبائها بنيتا على الكسر؟ وأما الباء فلكونها لازمة للحرفية، والجر، والاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة؛ لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن؛ إذ كان دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك، ويقفوا على الساكن؛ لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة، ولوضعها على غاية
_________________
(١) ـ قوله: (فما بال لام الإضافة)، قال المصنف: حروف الجر كلها تسمى حروف الإضافة؛ لأنها تضيف معاني الأفعال إلى الأسماء. وإنما بنيت لام الإضافة على الكسر إذا دخلت على المظهر ليتميز عن لام الابتداء إذا دخلت فيه، وأما إذا دخلت على المضمر فلا بأس؛ لعدم الإلباس؛ لأن لام الابتداء لا تدخل إلا على الضمير المرفوع نحو: لأنت، ولم يعكسوا ليكون بناؤها على وفق عملها، وأما باء الإضافة فبنيت على الكسر؛ لكونها لا تنفك عن الجر المناسب للكسرة، وعن الحرفية المقتضية لعدم الحركة. قيل: ينتقض بواو القسم؛ فإنها لازمة الحرفية والجر وبنيت على الفتحة. وأجيب: أن هذه "الواو" إنما تجيء لنيابتها عن الفعل وعن هذه الباء على ما صرح به في "والشمس" فأجريت على الأصل. قوله: (الأسماء العشرة)، وهي ابن وابنة وابنُم- بمعنى ابن- واسم واست واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة وايمن الله. وأما أيم الله فمحذوف منها نون ايمن. قوله: (لسلامة لغتهم)، هذا يشعر أن الابتداء بالساكن ممكن وموجود في لغة لكنه مستكره، وبه صرح صاحب "المفتاح" في الصرف، قال: دعوى امتناع الابتداء بالساكن
[ ١ / ٦٩٥ ]
من الإحكام والرصانة، وإذا وقعت في الدرج لم تفتقر إلى زيادة شيء، ومنهم من لم يزدها، واستغنى عنها بتحريك الساكن، فقال: سِمٌ وسُم. قال:
باسم الذي في كل سورة سمُه
وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز؛ كيد ودم، وأصله سمو،
_________________
(١) ـ فيما سوى حروف المد واللين ممنوعة، اللهم إلا إذا حكيت عن لسانك، لكن ذلك غير مجد عليك. قوله: (والرصانة)، وهي: الإحكام، الأساس: رصن البناء رصانة. ومن المجاز: له رأي رصين وكلام متين. قوله: (باسم الذي في كل سورة سمُه)، قبله: أرسل فيها بازلًا يقرمه … فهو بها ينحو طريقًا يعلمه يقرمه: يتركه عن الركوب والعمل به ويدعه للفحل، الجوهري: المقرم: البعير المكرم الذي لا يُحمل عليه ولا يذلل، ولكن يكون للفحلة، والضمير المستتر في "أرسل" للراعي، والبارز في "فيها" للإبل، وباسم يتعلق بـ "أرسل". قوله: (وأصله سمو)، فحذف الواو تخفيفًا لكثرة الاستعمال ولتعاقب الحركات، وخفف السين وحرك الميم، واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء. فقولك: اسم ليس فيه لام، فإذا جمعت وصغرت رددتها. وقال الكوفيون: أصله وسم وهو العلامة. وقال الزجاج: هذا غلط لأنا لا نعرف شيئًا دخلت عليه ألف الوصل فيما حذفت فاء فعله نحو عدة وزنة،
[ ١ / ٦٩٦ ]
بدليل تصريفه، كأسماء، وسمي، وسميت، واشتقاقه من السمو؛ لأن التسمية تنويه بالمسمى، وإشادة بذكره، ومنه قيل للقب النبز، من النبز بمعنى النبر؛ وهو رفع الصوت.
والنبز: قشر النخلة الأعلى.
فإن قلت: فمل حذفت الألف في الخط وأثبتت في قوله: (بِاسْمِ رَبِّكَ) [العلق: ١]؟ قلت: قد اتبعوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع الخط؛ لكثرة الاستعمال، وقالوا: طولت الباء تعويضًا من طرح الألف. وعن عمر بن عبد العزيز ﵁: أنه قال لكاتبه: طول الباء،
_________________
(١) ـ فلو كان من الوسم لكان تصغيره وسيمًا، كما أن تصغير عدة وعيدة. قوله: (تنويه)، من ناه الشيء ينوه: إذا ارتفع، فهو نائه. ونوهته تنويهًا إذا رفعته. والإشادة: رفع الصوت بالشيء، وأشاد بذكره: رفع قدره. قوله: (ومنه)، أي: من هذا القبيل، وهو أن التسمية تنويه بالمسمى. و"النبر" الرفعة: ومنه المنبر، لتنويه اسم الله عليه، أول مرتبة من استعلاه. قوله: (في حذفها حكم الدرج)، والمعنى: أن لهذه الألف حكمين: حكمًا في الدرج وذلك إسقاطها في اللفظ، وحكمًا في ابتداء الكلام وذلك إثباتها لفظًا. وقد أتبعوا في "بسم الله" خاصة حكم الخط حكم الدرج؛ حيث أسقطوها في الخط، وخالفوا القياس الذي هو إتباعها لحكم الابتداء لكثرة الاستعمال. قال أبو البقاء: "فلو قلت:
[ ١ / ٦٩٧ ]
وأظهر السنات، ودور الميم.
و(الله) أصله: الإله، قال:
معاذ الإله أن تكون كظبية
ونظيره: الناس، أصله: الأناس،
_________________
(١) ـ لاسم الله أو: باسم ربك؛ أثبت الألف. قوله: (السينات)، ويروى: "السنات"، وهو أصح دراية، والأول رواية، جمع سنة وهي رأس القلم وسنة السين. قوله: (معاذ الإله أن تكون كظبية)، تمامه: ولا دمية ولا عقيلة ربرب "معاذ الإله": مبالغة في الاعتصام بالله من تشبيهها بالظبية، وأصله: أعوذ بالله معاذًا. والدمية: الصنم والصورة المنقوشة. وعقيلة كل شيء: أكرمه. والربرب: سرب من بقر الوحش. وصف المحبوبة بهذه الأوصاف أو تصور أنها كذلك ثم تبين له أنها أحسن؛ فاستعاذ بالله من الخطأ. قوله: (ونظيره)، أي: ونظير لفظة "الله" في حذف الهمزة فقط: الناس؛ إذ ليس في الناس
[ ١ / ٦٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ التعويض، كما ذكر أبو علي في "الإغفال": "فإن قلت: أليس قد قال سيبويه: ومثل ذلك أناس، فإذا أدخلت الألف واللام قلت: الناس؟ قلت: معنى قول سيبويه: ومثل ذلك أناس، أي: مثله في حذف الهمزة في حال دخول الألف واللام عليه، لا أنه بدل من المحذوف كما كان في اسمه تعالى بدلًا. ويقوي ذلك ما أنشده أبو العباس عن أبي عثمان: إن المنايا يطلعـ … ـن على الأناس الآمنينا فلو كان عوضًا لم يكن ليجتمع مع المعوض منه"، وفيه بحث. قال المالكي: قول من زعم أن اللام في "الله" عوض عن الهمزة باطل؛ لحذفهما معًا في "لاه أبوك" بمعنى: لله أبوك، والعوض لا يحذف. جوابه: ما وقع في كلام أبي علي: أنهم يحذفون من نفس الكلمة في نحو: لم يك، ولا أدر، إذا كان في الذي أبقى دليل على ما ألقى سيجيء بعيد هذا تمامه في لاه أبوك.
[ ١ / ٦٩٩ ]
قال:
إن المنايا يطلعـ … ـن على الأناس الآمنينا
فحذفت الهمزة، وعوض منها حرف التعريف؛ ولذلك قيل في النداء: يا ألله بالقطع، كما يقال: يا إله،
_________________
(١) ـ قوله: (ولذلك قيل في النداء: يا ألله)، أي: ولأجل أن حرف التعريف عوض عن الهمزة استجيز قطع الهمزة الموصولة الداخلة على لام التعريف في النداء. ويُعلم منه: أنه لو لم يكن عوضًا، وكان حذفًا قياسيًا كما نقله أبو البقاء، أصله الإله فألقيت حركة الهمزة على لام التعريف، ثم سكنت وأدغمت في اللام الثانية- لم يجز القطع. وهذا الذي اختاره المصنف أحد قولي سيبويه في هذا الاسم على ما نقل عنه أبو علي في "الإغفال" قال: أصله إله، ففاء الكلمة همزة، وعينها لام، واللام هاء، والألف ألف فعال، فحذفت الفاء لا على التخفيف القياسي. قال أبو علي: فإن قيل: هلا حمله على الحذف القياسي؛ إذ تقدير ذلك سائغ فيه غير ممتنع، والحمل عليه أولى؟ قيل: فلو كان طرح الهمزة على القياس دون الحذف لما لزم أن يكون فيها عوض؛ لأن المحذوف القياسي ملقى من اللفظ مبقى في النية، كما تقول في "جيل" إذا خففته: جيل، ولو كانت محذوفة في التقدير كما أنها محذوفة في اللفظ للزم قلب الياء ألفًا، فلما كانت الياء في نية السكون لم تقلب كما قلبت في "ناب".
[ ١ / ٧٠٠ ]
والإله: من أسماء الأجناس، كالرجل، والفرس، اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق،
_________________
(١) ـ فإن قيل: ما بال الهمزة قطعت في النداء ووصلت في غيره؟ قلت: قال صاحب "الضوء": إنما تجردت للتعويض في النداء؛ لأن التعريف الندائي أغنى عن تعريفها، فجرت مجرى الهمزة الأصلية، فقطعت. وفي غير النداء لما لم ينخلع عنه معنى التعريف رأسًا وصلوا الهمزة. وقال المصنف في "مريم": أخلصت الهمزة في "يا ألله" للتعويض واضمحل عنها التعريف. وقلت: إنهم كثيرًا ما يجردون الحرف عن معناه المطابقي مستعملين في معناه الالتزامي أو التضمني نحو الهمزة في قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) [البقرة: ٦] عزلت عن الاستفهام وجردت لمعنى الاستواء، و"الواو" في قوله تعالى: (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) [الكهف: ٢٢] تجردت لمعنى الجمعية فقط، وسلب عنها معنى المغايرة. قوله: (والإله من أسماء الأجناس … ثم غلب على المعبود بحق)، وفي بعض "شروح المفصل": الأعلام متى غلبت باللام فلابد من أن تكون مسبوقة بالجنسية، ثم الجنسية إما أن تكون بالنظر إلى الدليل والأمارة أو إلى استعمال العرب. أما معنى الاستعمال فكما في النجم والصعق. وأما الدليل فهو أن الدبران والعيوق والسماك، وإن لم تكن أجناسًا بالاستعمال لكنها بالنظر إلى أنها أوزان مخصوصة وحروف مخصوصة، ومعنى كل واحد منها
[ ١ / ٧٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ معلوم، كأن كل واحد منها جنس في الأصل بالنظر إلى الدليل. ونحو هذا المعنى في "التخمير" وفيه أيضًا: "أما الدبران فهو فعلان من الدبور، وأما العيوق فهو فيعول بمعنى فاعل من العوق، وأما السماك فمن السموك؛ فعلى هذا: الإله من القسم الثاني. وأما الله، والرحمن؛ فمن القسم الأول. وبيان ذلك: أن الإله من حيث إنه كان اسمًا لكل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بالحق، هو مثل النجم والكتاب. وأما الله من حيث إن المعبود يجب أن يكون خالقًا رازقًا مدبرًا مقتدرًا إلى ما لا نهاية له، واسم الله جامع لهذه المعاني، ومن لم يجتمع فيه كل ذلك لم يستحق أن يسمى به، فتكون الغلبة بحسب الدليل. وكذا الرحمن صفة لمن وسعت رحمته كل شيء، ومن لم يكن كذلك لا يسمى رحمانًا، وليس كذلك إلا الله. فهو بهذا الاعتبار من الصفات الغالبة. والحاصل أن الإله من حيث الإطلاق والاستعمال من غير اعتبار المعنى من قبيل النجم ومن حيث اعتبار المعنى والاستحقاق من قبيل العيوق والدبران. ثم فرق بين الصيغتين؛ لاقتران المعنيين بالتعويض وتركه. وروى الأزهري في تفسير "الله" عن أبي الهيثم أنه قال: في قوله: لا إله إلا الله، أي: لا معبود إلا الله، قال: ولا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده خالقًا ورازقًا ومدبرًا وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عُبِد. وقال المالكي: إن الله علم للإله بالحق جامع لمعاني الأسماء الحسنى ما عُلِمَ وما لم يُعْلم.
[ ١ / ٧٠٢ ]
كما أن النجم اسم لكل كوكب، ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط، والبيت على الكعبة، والكتاب على "كتاب" سيبويه. وأما "الله" بحذف الهمزة، فمختص بالمعبود بالحق، لم يطلق على غيره، ومن هذا الاسم اشتق: تأله، وأله، واستأله، كما قيل: استنوق، واستحجر، في الاشتقاق من الناقة والحجر.
_________________
(١) ـ وفي "الحقائق" للسلمي: الأسماء كلها داخلة في هذا الاسم خارجة منه، تخرج منه معاني الأسماء كلها، ولا يخرج هو من غيره؛ وذلك أن الله تفرد بهذا الاسم وشارك غيره في اشتقاق أسمائه. وقال الزجاج: إن فعلان من أبنيته ما يبالغ في وصفه، وغضبان معناه الممتلئ غضبًا، فالرحمن: الذي وسعت رحمته كل شيء؛ ولهذا لا يجوز أن يقال لغير الله: رحمن. قوله: (وأما "الله" بحذف الهمزة فمختص)، قال في "مريم" في قوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم: ٦٥] أي: لم يسم شيء بالله قط. وكانوا يقولون لأصنامهم: آلهة، والعزى إله، وأما الذي عوض فيه الألف واللام من الهمزة فمخصوص به المعبود الحق غير مشارك فيه. قوله: (ومن هذا الاسم اشتق: تأله)، قال أبو زيد: تأله الرجل إذا تنسك. قال أبو علي: كأنه ذو العبادة، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الله الذي هو اسم نحو: استحجر الطين واستنوق الجمل. المعنى: يفعل الأفعال المقربة إلى الله تعالى المستحق بها الثواب.
[ ١ / ٧٠٣ ]
فإن قلت: أسمٌ هو أم صفة؟ قلت: بل اسم غير صفة، ألا تراك تصفه ولا تصف به؟ لا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل، وتقول: إله واحد صمد، كما تقول: رجل كريم خير. وأيضًا فإن صفاته تعالى لابد لها من موصوف تجري عليه، فلو جعلتها كلها صفات بقيت غير جارية على اسم موصوف بها، وهذا محال. فإن قلت: هل لهذا الاسم اشتقاق؟ قلت: معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعدًا معنى واحد، وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهم: أله؛ إذا تحير،
_________________
(١) ـ قوله: (وهذا محال)، قال في "التقريب": في استحالة اللازم وفي الملازمة نظر، والجواب عن نظر الملازمة: أن المراد بالصفات جميع ما نُقل عن الشارع من الأسامي، فلو جعلها بأسرها صفات بقيت تلك الصفات وليس لها اسم تجري عليه لفظًا ولا تقديرًا. هذا صحيح؛ نعم، لو قال: غير جارية على مسمى، كان عليه الكلام. وعن استحالة اللازم: أن استعمال الألفاظ التي هي الصفات على طريقة الإجراء على الغير من غير أن يكون لها موصوف لفظًا أو تقديرًا مما يستلزم الخروج عن استعمال العرب، ولا يعني بالمحال إلا هذا. قال الجنزي: إذا لم يكن الله اسمًا وكان صفة، وسائر أسمائه صفات لم يكن للباري تعالى اسم، ولم تُبق العرب شيئًا من الأشياء- أي: المعتبرة إلا سمته- ولم تسم خالق الأشياء وبارئها ومبدعها. هذا محال، وهو اختيار الخليل ومذهب أبي زيد البلخي.
[ ١ / ٧٠٤ ]
ومن أخواته: دله وعله، ينتظمهما معنى التحير والدهشة، وذلك أن الأوهام تتحير في معرفة المعبود، وتدهش الفطن؛ ولذلك كثر الضلال، وفشا الباطل، وقل النظر الصحيح. فإن قلت: هل تفخم لامه؟
_________________
(١) ـ وقال المالكي: ولكون الله اسم عَلَم وليس بصفة قيل: في كل اسم من أسمائه تعالى سواه اسم من أسماء الله تعالى. ومما يواخيه سؤال ابن خالويه أبا علي: كم للسيف اسمًا؟ فقال: اسم واحد فقال ابن خالويه: بل له أسماء، وأخذ يعددها؛ نحو: الحُسام، والمخذم، والقضيب، والمقضب، إلى غير ذلك، فقال أبو علي: هذه كلها صفات. قوله: (ومن أخواته دله وعله)، معترضة، وفائدتها: أن الاشتقاق بينه وبين "أله"كان صغيرًا، وبينه وبين "علِهَ" كان من الأكبر؛ لجامع قرب المخرج بين الهمزة والعين، وإذا أخذ مع "دله" لجامع النوعية بين الهمزة والدال- وهو كونهما من المجهورة والشديدة- كان أيضًا من الأكبر. قوله: (ينتظمهما معنى التحير والدهشة)، يعني: أن تعريف الاشتقاق صادق عليه من حيث القياس، وهو كون أحد اللفظين مشاركًا للآخر في المعنى والتركيب. فدل هذا الجواب على أنه غير جازم في الاشتقاق؛ وذلك أنه حين سأل نفسه: أسمٌ هو أو صفة؟ أجاب بقوله: بل اسمٌ، وكان يكفيه أن يقول: اسمٌ، لكن لما اعتقد أن غيره محال أضرب عن تصور الوصفية. وها هنا كان حق الجواب أن يقول: نعم، أو لا، فعل إلى تلك العبارة؛ ليؤذن باختلاف الأئمة؛ فقد نقل الأزهري: أن سيبويه قال: سألت الخليل عن هذا الاسم، فقال: الأصل: الإله، فأدخلت الألف واللام بدلًا من الهمزة. وقال مرة أخرى: الأصل لاه، فأدخلت
[ ١ / ٧٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الألف، واللام لازمة، لم يرد الخليل على هذا، ولم يفسر مشتقه الذي اشتق منه. وقال بعضهم: أسامي الرب صفات كلها إلا الله فإنه اسم علم، وسائر أهل اللغة على أنه مشتق. وقال أبو علي: روي عن ابن عباس في قوله: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) [الأعراف: ١٢٧]: أنه قال: (وَآلِهَتَكَ) أي: عبادتك، فقوله: الإله كأنه ذو العبادة، أي: إليه بها نتوجه. ونظيره في أنه في الأصل اسم حدث ثم جرى صفة للقديم ﷾: السلام، من سلم، والمعنى: ذو السلام، فأخر الحال عنه، كقولك: هو الله معبودًا، وعلق الظرف به نحو: هو الله في السموات، كما يجوز ذلك في المصادر. قلت: ذلك لا يلزم؛ ألا ترى أنهم قد أجروا أشياء من المصدر واسم الفاعل مجرى الأسماء، نحو: لله درك، وزيد صاحب عمرو، فلم يعملوها عمل الفعل؟ ! وقال المالكي: الله علم للإله الحق، واللام قارنت وضعه، وليس أصله الإله. وقال القاضي: لو كان "الله" وصفًا لم يكن قول: "لا إله إلا الله" توحيدًا مثل "لا إله إلا الرحمن" فإنه لا يمنع الشركة. وكُتب في "حاشيته": الرحمن وإن خص بالباري تعالى إلا أن ذلك قد حصل بدليل منفصل؛ لأنه من حيث اللغة: الذي يبالغ في الرحمة. وقال أيضًا: والأظهر أنه وصف في أصله لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في
[ ١ / ٧٠٦ ]
قلت: نعم قد ذكر الزجاج أن تفخيمها سنة، وعلى ذلك العرب كلهم، وإطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابرًا عن كابر.
و(الرحمن): فعلان من رحم، كغضبان وسكران من غضب وسكر، وكذلك (الرحيم) فعيل منه، كمريض وسقيم، من مرض وسقم،
_________________
(١) ـ غيره، وصار كالعلم مثل الثريا أجري مجراه في إجراء الوصف عليه، وامتناع الوصف به، وعدم تطرق احتمال الشركة إليه؛ لأنه لو دل على مجرد ذاته المخصوصة لما أفاد قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ) [الأنعام: ٣] معنى صحيحًا. وفيه نظر، وسيجيء في سورة الأنعام. قوله: (نعم)، قيل: في هذا الجواب نظر لإطلاقه؛ فإن لامه إذا فُتح ما قبل الكلمة أو ضم تفخم وإذا كسر ترقق. وقلت: المقصود من السؤال تفخيم هذا الاسم مطلقًا لا بيان مواقع تفخيمه وترقيقه. وفيه فائدة تفخيم هذا الاسم وتعظيمه؛ ولهذا قرنه بقوله: "وإطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابرًا عن كابر" ثم تصريحه بالدليل كتصريح الدليل في قوله: "والدليل عليه قوله: " (بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: ٤١] " يعني لم يزل الأقدمون يقدمون هذا الاسم اهتمامًا، ولم يزالوا يفخمونه تعظيمًا". قوله: (ورثوه كابرًا عن كابر)، الأساس: هو كبر قومه: أكبرهم في السن والرئاسة؛ أو في النسب. وأنشد العتبي: نسبٌ توارث كابرًا عن كابر … كالرمح أنبوبًا على أنبوب
[ ١ / ٧٠٧ ]
وفي (الرَّحْمَنِ) من المبالغة ما ليس في (الرَّحِيمِ)؛ ولذلك قالوا: رحمنُ الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا. ويقولون: إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى. وقال الزجاج
_________________
(١) ـ قوله: (وفي (الرَّحْمَنِ) من المبالغة ما ليس في (الرَّحِيمِ)، قال الزجاج: الرحمن اسم الله خاصة، لا يقال لغيره: رحمن، ومعناه المبالغ في الرحمة، وفعلان من بناء المبالغة تقول للشديد الامتلاء: ملآن، وللشديد الشبع: شبعان. والرحيم: اسم الفاعل من رحم فهو رحيم، وهو أيضًا للمبالغة. وقيل: الرحمن أبعد جريًا من الفعل، والرحيم أقرب إلى مضارعه في عدد الحروف والحركات، فما كان أبعد من الفعل كان أولى. قوله: (ولذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا)، المطلع: الرحمن: الذي كثرت آثار رحمته، والرحيم: الذي قويت آثار رحمته؛ ففي الدنيا يصل رزقه إلى كل مؤمن وكافر وحيوان ونبات، وفي الآخرة لا يصل إلا إلى المؤمنين، غير أن الواصل في الدنيا كثير الكمية قليل الكيفية؛ لقلة الدنيا وسرعة انصرامها وكثرة شوائبها، وفي الآخرة قليل الكمية بالإضافة إلى من يصل إليها وهم الذين ماتوا على الإسلام، لكنها كثيرة الكيفية لوجود الملك المؤبد والنعيم المخلد. قوله: (ويقولون: إن الزيادة)، عطف على قوله: "قالوا: رحمن الدنيا"، واستدل على أن "الرحمن" أبلغ من "الرحيم" بوجهين: أحدهما: نقلي؛ وهو قوله: "قالوا" إلى آخره، والآخر: قياسي، وهو قوله: "يقولون"، وخالف بين الصيغتين ماضيًا ومضارعًا ليؤذن بأن القول الثاني هو الدائر بين الأدباء، والأول قول قديم مأثور كقوله تعالى: (فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) [البقرة: ٨٧]. قوله: (وقال الزجاج)، عطف على "يقولون" على سبيل البيان. وفيه دلالة على إرادة الاستمرار فيه. ثم نقول: إن المبالغة في الرحمن إما بحسب الكمية؛ فهو المراد من الاستشهاد
[ ١ / ٧٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ بالنقل، وإما بحسب الكيفية؛ فهو المراد من الاستشهاد بالغضبان. والمختار الثاني، أي: المبالغة بحسب الكيفية. يدل عليه قوله: "لما قال الرحمن فتناول جلائل النعم وعظائمها، أردفه بالرحيم ليتناول ما دق منها" ونحوه قال في قوله تعالى: (وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) [ق: ٢٩]: هو من قولك: ظالم لعبده، وظلام لعبيده، وأن يراد لو عذبت من لا يستحق العذاب لكنت ظلامًا، وهذا هو المراد بالاستشهاد. قال صاحب "الانتصاف": تعليل الزمخشري بقوله: "رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا"، بأن الرحمن أبلغ- ضعيف؛ غاية ما فيه: أن الرحمة المستفادة من الرحمن أعم من الرحمة المستفادة من الرحيم. والعموم بالدلالة على قصور المبالغة أولى منه بالدلالة على غايتها، ألا ترى أن ضاربًا لما كان أعم من ضراب كان ضراب أبلغ منه لخصوصه، فلا يلزم من خصوص رحيم أن يكون أقل مبالغة من رحمن. أجاب صاحب "الإنصاف": أما أن الخصوص لا يلزم منه قلة المبالغة فحسن، وأما دعواه أن الخصوص دال على المبالغة والعموم على قصورها، واستشهاده بضراب وضارب فغير صحيح؛ لأن المبالغة في ضراب لم تكن لأجل خصوصه بل لدلالته على التكرار، ألا ترى أنا لو وضعنا لمن حصل منه الضرب اسم فاعل يخصه لم يكن أبلغ من ضارب مع أن ضاربًا أعم منه؟ ! ولما انقسم المطر إلى: وابل، وطل، وجود؛ لم يكن الوابل والطل والجود أبلغ من المطر؛ لكونها أخص.
[ ١ / ٧٠٩ ]
في الغضبان: هو الممتلئ غضبًا. ومما طن على أذني من ملح العرب: أنهم يسمون مركبًا من مراكبهم بالشقدف، وهو مركب خفيف ليس في ثقل محامل العراق، فقلت في طريق الطائف لرجل منهم: ما اسم هذا المحمل؟ أردت المحمل العراقي. فقال: أليس ذاك اسمه الشقدف؟ قلت: بلى. فقال: هذا اسمه الشقنداف،
_________________
(١) ـ وقال أيضًا: إن قوله: "الزيادة في البناء لزيادة المعنى" منقوض بحذر وهو أبلغ من حاذر. وأجاب عنه صاحب "الإنصاف" من وجهين: أحدهما: الحكم بالغالب. وثانيهما: أن حذرًا ما وقعت المبالغة فيه لنقص الحرف، بل لإلحاقه بالأمور الجلية كالشره والنهم والفطن. والنقص إنما يكون مع اتحاد العلة، والعلة ها هنا ليست متحدة، والدعوى أن البناء على الزيادة يدل على المبالغة، ولم ندع انحصار المبالغة في ذلك. قلت: والصحيح أن استفادة المبالغة من (الرحمن) في الوجه الأول لأجل أنه مشارك لـ (الرحيم) في الآخرة بحسب الكيفية، وله مزيد اختصاص بحسب الكمية في الدنيا على تعليل صاحب "المطلع" لا تقديره. قوله: "وقال الزجاج"، قال الأنباري في "نزهة الألباء": هو أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج، كان من أكابر أهل العربية، حسن العقيدة، جميل الطريقة، صنف مصنفات كثيرة منها كتاب "المعاني في القرآن"، وكان صاحب اختيار في علم النحو والعروض. وقال غيره: أخذ العلم من المبرد، وأخذ منه أبو علي. والذي يدل على جلالته أن المصنف في كتابه هذا قد أخذ منه ما لا يحصى كثرة، وقلما ترى تفسيرًا يخلو من كلامه. قوله: (المحمل)، الجوهري: المحمل: واحد محامل الحاج، بفتح الميم الأولى وكسر الثانية.
[ ١ / ٧١٠ ]
فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمى، وهو من الصفات الغالبة، كالديبران، والعيوق، والصعق، لم يستعمل في غير الله ﷿، كما أن (الله) من الأسماء الغالبة. وأما قول بني حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة، وقول شاعرهم فيه:
وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا
فباب من تعنتهم في كفرهم. فإن قلت: كيف تقول: الله رحمن، أتصرفه أم لا؟ قلت: أقيسه على أخواته من بابه، أعني نحو عطشان وغرثان وسكران؛ فلا أصرفه …
_________________
(١) ـ قوله: (لم يستعمل في غير الله كما أن (الله) من الأسماء الغالبة)، هذا النص يوقفك على صحة ما تكلمنا في الأسماء الغالبة، والصفات من "الله" و"الرحمن" غلبا بحسب الدليل لا الاستعمال، فإذن ليس في كلامه تناقض كما ظن. قوله: (وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا)، أوله: سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبًا الجوهري: اليمامة اسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، واليمامة بلاد كان اسمها الجو فسميت باسم هذه الجارية لكثرة ما أضيف إليها. قوله: (فباب من تعنتهم)، النهاية: العنت: المشقة والفساد والهلاك والإثم والغلط والخطأ. الأساس: وقع فلان في العنت، أي: فيما شق عليه، وتعنتني، أي: سألني عن شيء أراد به اللبس علي والمشقة. قوله: (كيف تقول: الله رحمن، أتصرفه أم لا؟)، فإن قلت: لم عدل في السؤال عن قوله: أرحمن منصرف أم لا؟ وما دعاه إلى هذا الإطناب؟
[ ١ / ٧١١ ]
فإن قلت: قد شرط في امتناع صرف فعلان أن يكون فعلان فعلى، واختصاصه بالله يحظر أن يكون فعلان فعلى، فلم تمنعه الصرف؟ قلت: كما حظر ذلك أن يكون له مؤنث على فعلى، كعطشى، فقد حظر أن يكون له مؤنث على فعلانة، كندمانة، فإذن لا عبرة بامتناع التأنيث للاختصاص العارض، فوجب الرجوع إلى الأصل قبل الاختصاص، وهو القياس على نظائره. فإن قلت: ما معنى وصف الله تعالى بالرحمة؟ ومعناها العطف والحنو، ومنها الرحم؛ لانعطافها على ما فيها. قلت هو مجاز عن إنعامه على عباده؛ لأن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم بمعروفه وإنعامه، كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة عنف بهم، ومنعهم خيره ومعروفه
_________________
(١) ـ قلت: ليوقفك على الخلاف فيه، ويرشدك إلى طريق استنباطه. يعني لما خصصت "الرحمن" بالله ﷿ كيف حكمه في الصرف وعدمه؟ وأجاب بأن حكمه القياس على عطشان وغرثان في امتناع الصرف، ثم قال: لم تقيسه عليهما ولا تعتبر انتفاء فعلى فتصرفه؟ فقال: لأن له معارضًا وهو عدم فعلانة للاختصاص العارض، فإذن لا عبرة بامتناع التأنيث، فالواجب حمله على الأكثر؛ لأن إلحاق الفرد بالأعم الأغلب أولى، فيمتنع الصرف. قوله: (أصابهم بمعروفه وإنعامه)، الانتصاف: فسر الرحمة بأنها مجاز عن إنعام الله تعالى على عباده، ولك أن تفسرها بإرادة الخير، وكلا القولين منقول، منهم من جعلها من صفات الذات، ومنهم من جعلها من صفات الأفعال. وقال في "الإنصاف": والعجب منه أنه كيف لم ينتبه على أن الزمخشري لا يمكنه أن يجعل الإرادة من صفات الذات؛ لأنه لا يثبت صفات الذات، والعجب من الزمخشري أنه إن
[ ١ / ٧١٢ ]
فإن قلت: فلم قدم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه؟ والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى،
_________________
(١) ـ اجتنب ها هنا ما هو مخالف لمذهبه. وجاء في تفسير (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧] أن معنى الغضب إرادة الانتقام. والبحث في الموضعين سواء. وهم وإن أثبتوا الإرادة لكنهم لم يجعلوها صفة ذات. وقلت: إن المصنف ما أخطر بباله ذلك بل أجرى الرحمة والغضب في الموضعين على التمثيل والاستعارة، فلابد من تقدير الإرادة هاهنا أيضًا؛ ألا ترى كيف صرح بالتشبيه فيهما حيث قال هاهنا: "إن الملك إذا عطف على رعيته"، وقال هناك: "ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده"؟ ! قوله: (فلم قدم ما هو أبلغ)، وهذا مقام تكلم فيه العلماء فلابد من عد أقوالهم. قال صاحب "التقريب": وإنما قدم أعلى الوصفين، والقياس تقديم أدناهما كجواد فياض؛ لأن ذلك القياس فيما كان الثاني من جنس الأول، وفيه زيادة، والرحمن يتناول جلائل النعم وأصولها، والرحيم دقائقها وفروعها، فلم يكن في الثاني زيادة على الأول، كأنه جنس آخر فيقال: لما ثبت أن الرحمن أبلغ من الرحيم في تأدية معنى الرحمة، صح الترقي من الرحيم إليه؛ لأن معنى الترقي: هو أن يذكر معنى ثم يردف بما هو أبلغ منه. ثم نقول: ما تريد بقولك: فيما كان الثاني من جنس الأول؟ إن أردت أن الجنسية معتبرة
[ ١ / ٧١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ فيما فيه الترقي، فلم قلت: إن تلك في الصيغتين مفقودة؛ لأنهما مشتملان على معنى الرحمة، وفي أحدهما أبلغ من الآخر؟ وإن أردت أن الصيغتين لابد أن يتفقا في المعنى كما هو في قولك: جواد فياض، وليس فيهما ذلك؛ فغير مسلم، ألا ترى أن المصنف كيف اعتبر الترقي في قوله تعالى: (لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) [النساء: ١٧٢] وفي قول الشاعر: وما مثله ممن يجاود حاتم … ولا البحر ذو الأمواج يلتج زاخره مع أن الملائكة والبحر ليسا من جنس البشر؟ ! وقال صاحب "الفرائد": فلما كان فعلان للأمور العارضة على ما عرف، كالسكران والعطشان، وفعيل للصفات الغريزية كالكريم ونحوه؛ وجب تقديم الرحمن على الرحيم. وأما عروض المعنى فمن جهة العباد، وأنه تعالى ينعم على العباد حالًا بعد حال، وهو ضعيف لأن فعلان صفة مشبهة وهو أبعد جريًا من الفعل كما سبق، وأن الرحيم اسم فاعل كما نص عليه الزجاج. وقوله: فعيل من الصفات الغريزية وذلك في نحو شرف وكرم، وليس وزان رحم وزانه، بل وزان مرض وسقم كما صرح به المصنف آنفًا. سلمنا، لكن قولك: ينعم على العباد حالًا بعد حال؛ يدل على أنه أبلغ من الدوام في بعض الصور كما سيجيء. الراغب: النديم: هو الذي كثرت منادمته، والندمان هو الذي مع كثرة ذلك منه تكررت
[ ١ / ٧١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ عنه؛ ولذلك قال أهل اللغة: ندمان أبلغ من النديم، فإن العرب إذا زادوا معنى زادوا في اللغة أيضًا. قال صاحبا "الإيجاز" و"الانتصاف": الرحمن أبلغ؛ لأنه كالعلم إذ كان لا يوصف به غير الله، فكأنه الموصوف. وهو أقدم؛ إذ الأصل في نعم الله أن تكون عظيمة، فالبداية بما يدل على عظمها أولى. هذا أحسن الأقوال وأقرب إلى مراد المصنف؛ يعني أن هذا الأسلوب ليس من باب الترقي، بل هو من باب التتميم: وهو تقييد الكلام بتابع يفيد مبالغة؛ وذلك أنه تعالى لما ذكر ما دل على جلائل النعم وعظائمها، أراد المبالغة والاستيعاب، فتمم بما دل على دقائقها وروادفها؛ ليدل به على أنه مولى النعم كلها: ظواهرها وبواطنها، جلائلها ودقائقها، وهو المراد بقوله هنا: "أردفه الرحيم، كالتتمة والرديف"، وفي "الفاتحة" قوله: "من كونه منعمًا بالنعم كلها: الظاهرة والباطنة والجلائل والدقائق"، ولو قصد الترقي لفاتت المبالغة المذكورة وذهب به معنى التعميم المطلوب في ألفاظ "الفاتحة" كما سبق. وذلك أن الترقي يحصل فيما إذا قلت: فلان يعلم التصريف والنحو،
[ ١ / ٧١٥ ]
كقولهم: فلان عالم نحرير، وشجاع باسل، وجواد فياض؟ قلت: لما قال: (الرَّحْمَنِ) فتناول جلائل النعم، وعظائمها وأصولها، أردفه (الرَّحِيمِ)،
_________________
(١) ـ والتتميم لا يحصل إلا من قولك: يعلم معاني كلام الله المجيد والتصريف؛ إذ من شرط التتميم الأخذ بما هو الأعلى في الشيء، ثم ما هو أحط منه ليستوعب جميع ما يدخل تحت ذلك الشيء؛ لأنهم لا يعدلون عن الأصل والقياس إلا لتوخي نكتة، والجواب إذن من باب الأسلوب الحكيم، والله أعلم. والذي عليه ظاهر كلام الإمام: أنه من باب التكميل وهو أن يؤتى بكلام في فن، فيرى أنه ناقص فيه فيكمل بآخر، فإنه تعالى لما قال: "الرحمن" توهم أن جلائل النعم منه، وأن الدقائق لا يجوز أن تنسب إليه لحقارتها، فكمل بالرحيم. وينصره ما روينا عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع"، وزاد: "حتى يسأله الملح"، أخرجه الترمذي. قوله: (نحرير)، أي: بليغ في العلم، كأنه ينحر الشيء علمًا، الأساس: جلس فلان في نحر فلان: قابله، ونحرته نحرًا: قابلته، ونحر الأمور علمًا. ومنه: هو نحرير من النحارير، وسئل جرير عن شعراء الإسلام فقال: نبغة الشعر للفرزدق، وأنا نحرت الشعر نحرًا.
[ ١ / ٧١٦ ]
كالتتمة والرديف؛ ليتناول ما دق منها ولطف.
[(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ٢ - ٣]
والحمد والمدح أخوان،
_________________
(١) ـ قوله: (الحمد والمدح أخوان)، أي: متشابهان لا مترادفان، فإن الأخ يستعمل في المشابهة. قال في "الفائق" في قوله: كأخ السرار: أي: كلامًا كمثل المسارة، وشبهها به لخفض صوته. واعلم أنه ذكر ها هنا ألفاظًا متقاربة المعنى، متدانية المغزى، ولابد من الفرق وهي: الثناء والشكر، والحمد، والمدح. فالثناء: الذكر بالخير مطلقًا. الراغب: الثناء ما يذكر من محامد الناس فيثنى حالًا فحالًا ذكره. الجوهري: أثنى عليه خيرًا، والاسم: الثناء. والشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف. والحمد: نقيض الذم، والمحمد: الذي كثرت خصاله المحمودة. والمدح: الثناء الحسن. فالثناء: هو القدر المشترك بين المفهومات الثلاث. قال الإمام: المدح أعم من الحمد؛ لأن المدح يحصل للعاقل وغيره، والحمد لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإحسان والفضائل. وقال الراغب: كل شكر حمد، وليس كل حمد شكرًا، وكل حمد مدح، وليس كل مدح حمدًا.
[ ١ / ٧١٧ ]
وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها،
_________________
(١) ـ وقال القاضي: الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري من نعمة أو غيرها، والمدح هو الثناء على الجميل مطلقًا، تقول: حمدت زيدًا على علمه وكرمه، ولا تقول: حمدته على حسنه؛ بل مدحته. وقال الإمام: وإنما خص الحمد ها هنا دون المدح ليؤذن بالفعل الاختياري، ودون الشكر ليعم الإحسان والفضائل. ولعمري إن المقام يقتضي ما قال، لما أسلفنا أن "الفاتحة" هي أم القرآن؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن، وأنها بنيت على إجمال ما يحتويه القرآن مفصلًا، وأنها واقعة في مطلع التنزيل، والبلاغة فيه: أن يتضمن ما سيق الكلام له كما سبق في شرح الخطبة. فينبغي أن لا يقيد شيء من كلماتها ما أمكن الحمل على الإطلاق، فنحن بعون الله تعالى نراعي هذه الشريطة في التقرير؛ فما وافقنا المصنف فيها نتبعه، وما خالفنا نقف عنده ونجري الكلام على سننه. نعم فيها كلمات ثلاث خصت بمعان مهمة في التوحيد فتقتضي مزيد اختصاص به تعالى، إحداها: اللام في "لله" والكلمتان الأخريان: الصيغتان المنصوبتان وهما: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فأنهما مخصوصتان لغة ومعنى وتركيبًا، والتاء في "أنعمت"، فانظر إلى أسرار كلام الله المجيد. ولله در القائل: أنعى إليك قلوبًا طالما هطلت … سحائب الوحي فيها أبحر الحكم قوله: (النداء على الجميل)، أي: رفع الصوت بالثناء على الجميل. خص النداء لما قرر أن الحمد: هو الشكر باللسان، فبالغ في الإظهار والإشادة، وأشار بقوله: "على حسبه وشجاعته" إلى الأفعال الاختيارية.
[ ١ / ٧١٨ ]
تقول: حمدت الرجل على إنعامه، وحمدته على حسبه وشجاعته. وأما الشكر، فعلى النعمة خاصة، وهو بالقلب واللسان والجوارح. قال:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجبا
والحمد باللسان وحده، فهو إحدى شعب الشكر، ومنه قوله ﷺ: "الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لم يحمده"، وإنما جعله رأس الشكر؛ لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع لها، وأدل على مكانها من الاعتقاد، وإدآب الجوارح؛ لخفاء عمل القلب، وما في عمل الجوارح من الاحتمال، بخلاف عمل اللسان، وهو النطق الذي يفصح عن كل خفي، ويجلي ويجلي كل مشتبه.
والحمد نقيضه الذم، والشكر نقيضه الكفران،
_________________
(١) ـ قوله: (وهو بالقلب واللسان والجوارح)، وعرف الشكر: بأنه تعظيم المنعم بالقلب، وثناؤه باللسان، وتحقيق مراضيه بالجوارح. قلت: هذا بحسب عرف أهل الأصول؛ فإنهم يقولون: شكر المنعم واجب، ويريدون به وجوب العبادة، والعبادة لا تتم إلا بهذه الثلاثة، وإلا فالشكر اللغوي ليس إلا باللسان كما سبق. قوله: (الحمد رأس الشكر)، لم أجده في "الأصول"، لكن ذكر ابن الأثير في "النهاية": ومنه الحديث: "الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لم يحمده"، كما أن كلمة الإخلاص رأس الإيمان، وإنما كان رأس الشكر؛ لأن فيه إظهار النعمة والإشادة بها. قوله: (وإدآب الجوارح)، أي: إتعابها. النهاية: دأب في العمل: إذا جد وتعب، إلا أن العرب حولت معناه إلى العادة والشأن. قوله: (نقيضه)، أي: مقابله، وإنما كان الذم نقيض الحمد لاختصاصه باللسان أيضًا،
[ ١ / ٧١٩ ]
وارتفاع (الحمد) بالابتداء، وخبره الظرف الذي هو (لِلَّهِ)، وأصله النصب الذي هو قراءة بعضهم بإضمار فعله على أنه من المصادر التي تنصبها العرب بأفعال مضمرة في معنى الإخبار، كقولهم: شكرًا وكفرًا، وعجبًا، وما أشبه ذلك، ومنها: سبحانك، ومعاذ الله، ينزلونها منزلة أفعالها، ويسدون بها مسدها؛ ولذلك لا يستعملونها معها، ويجعلون استعمالها كالشريعة المنسوخة
_________________
(١) ـ والكفران نقيض الشكر لحصوله بالقلب واللسان والجوارح، والمدح يقابل الهجو؛ لما في الهجو من الثلب الذي هو نقيض التحسين. قوله: (وأصله النصب الذي هو قراءة بعضهم)، قال الزجاج: الحمد رفع بالابتداء، وهو الاختيار؛ لأن السنة تتبع في القرآن، ولا يلتفت إلى غير الرواية الصحيحة التي قرأها المشهورون بالضبط والثقة، ويجوز "الحمد لله" تريد: أحمد الله الحمد، إلا أن الرفع أحسن وأبلغ في الثناء على الله تعالى. وهذه القراءة ما ذكرها ابن جني في "المحتسب". قال في "الانتصاف": يدل على ذلك أن سيبويه اختار في قول القائل: "فإذا له عِلْمٌ عِلْمُ الفقهاء" الرفع، وفي قوله: "فإذا له صَوْتٌ صَوْتَ حمار" النصب؛ لإشعار النصب بالتجدد المناسب للأصوات، وإشعار الرفع بالثبوت الذي هو في العلم أمدح. قوله: (ومنها: سبحانك، ومعاذ الله)، قيل: ميزهما لكونهما غير متصرفين. قوله: (كالشريعة)، أي: كالتدين بالشريعة المنسوخة في كونهما محظورين. وقيل: لا يجوز
[ ١ / ٧٢٠ ]
والعدل بها عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى واستقراره.
ومنه قوله تعالى: (قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ) [هود: ٦٩] رفع السلام الثاني للدلالة على أن إبراهيم صلوات الله عليه حياهم بتحية أحسن من تحيتهم؛ لأن الرفع دال على معنى ثبات السلام لهم دون تجدده وحدوثه.
والمعنى: نحمد الله حمدًا، ولذلك قيل: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، لأنه بيان لحمدهم له، كأنه قيل: كيف تحمدون؟ فقيل: إياك نعبد، فإن قلت: ما معنى التعريف فيه؟ قلت: هو نحو التعريف في: أرسلها العراك، وهو تعريف الجنس، …
_________________
(١) ـ إظهار أفعالها؛ لأنها قد اشتهرت بينهم بمعان، وبلغت في الغنية عن تكلف انضمام أفعالها غاية لو تكلف عند ذكرها لاختل المعنى. قلت: لعل فائدة ما ذكر أن نحو قوله تعالى: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) [محمد: ٤] مفيد لمعنى التوكيد مع الاختصار، وفي الأصل كان الفعل مطلوبًا ويتبعه المصدر، وها هنا بالعكس فيفيد طلب المسارعة في الامتثال، كما في قوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ …) [البقرة: ٦٠]. قوله: (ولذلك قيل)، أي: ولأن أصل الكلام: "نحمد الله حمدًا" جملة فعلية فيها ضمير الحكاية للجماعة قيل: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ليكون مطابقًا له. قوله: (لأنه بيان لحمدهم)، تعليل للمطابقة؛ كأنه قيل له: لم تقدره مطابقًا له؟ فقيل: لأنه بيان له. قال صاحب "التقريب": والمعنى نحمد الله حمدًا لقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)؛ لأنه بيان لحمدهم له، واللام لتعريف الجنس، والاستغراق وهم. قوله: (أرسلها العراك)، تمامه: فأرسلها العراك ولم يذدها … ولم يشفق على نغص الدخال
[ ١ / ٧٢١ ]
ومعناه: الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو، والعراك ما هو، من بين أجناس الأفعال،
_________________
(١) ـ قائله لبيد. الإرسال بمعنى التخلية. يصف العير وأتنه، والضمير في "أرسلها" للعير، والبارز للأتن. والدخال في الورد: أن يشرب البعير ثم يرد من العطن إلى الحوض ويدخل بين بعيرين عطشانين ليشرب منه. ونغص البعير: إذا لم يتم شربه. الأساس: نغص عليه عيشه: إذا قطع عليه مراده. و"العراك": نصب على الحال أي: معتركة. الجوهري: يقال: أورد إبله العراك، إذا أوردها جميعًا الماء. ونُصِبَ نَصْبَ المصادر، أي: أوردها عراكًا ثم أدخل عليه الألف واللام، كما قالوا: الحمد لله فيمن نصب، ولم يغير الألف واللام المصدر عن حاله. قوله: (والعراك ما هو)، وذلك أن تعريف الجنس على ضربين كما قال في تفسير قوله: (وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [البقرة: ٢٥]: "لام الجنس إذا دخلت على المفرد كان صالحًا لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به، وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه". وهذا التعريف من قبيل الثاني وعليه قوله:
[ ١ / ٧٢٢ ]
والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم منهم.
_________________
(١) ـ ولقد أمر على اللئيم يسبني أي: لئيم من اللئام وهو المراد بقوله: "من بين أجناس الأفعال" أي: الأفعال التي تنسب إلى الدواب في هذا المقام. قوله: (والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم منهم)، قال صاحب "اللباب" في تفسير الفاتحة: وذلك أن اللام لا تفيد شيئًا سوى التعريف، والاسم لا يدل إلا على نفس الماهية المعبر عنها بالجنسية، فإذن لا يكون ثم استغراق. وقلت: ما أدري كيف ذهل هذا الفاضل عن كلام صاحب "المفتاح": أن الحقيقة من حيث هي هي صالحة للتوحد والتكثر لاجتماعها مع كل واحد منهما، فإذا اجتمعت مع المفرد والجمع في المقام الخطابي حملت على الاستغراق؟ ! والحق أن الحمل على الجنس أو على الاستغراق إنما يظهر بحسب المقام، ومنشأ حكمه بالوهم هو أن الأصل: "نحمد الله حمدًا"، وأنه مطابق لقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: ٥] كما بينا، وأن الحمد في الأصل لا تعيين فيه، وإتيان البيان لإزالة ذلك الإبهام، فالواجب في تعريف الحمد الجنس؛ لأنه نائب عن المصدر، فلو جعل للاستغراق لتعين، وهو غير مطابق للبيان. وتمام تقريره: أن القائل لما أخبر عن نفسه أنه يصدر عنه حمد من المحامد باللسان لمن يستحق الحمد؛ فاتجه للسامع أن يسأل: كيف يحمده؟ أي: بين لي كيفية حمدك فإنها غير معلومة؛ فلابد أن تجيبه بما تلفظ به من الحمد، وهو في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: ٥]
[ ١ / ٧٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ كأنه قال: أقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)؛ لأن المفروض أن السؤال عن الشكر اللساني، فإذن "الحمد" إخبار من القائل عن حمد حمده لله تعالى. وحقيقه الحمد المقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). هذا تمام تقرير كلامه. وبهذا ظهر: أن ليس المراد من تعريف الجنس في الحمد الماهية من حيث هي هي نحو: الرجل خير من المرأة؛ بل المراد منه فرد غير معين بحسب الخارج نحو: دخلت السوق في بلد كذا؛ بدليل قوله: "لأنه بيان لحمدهم" واستشهاده بالبيت. الانتصاف: تعريف النكرة باللام إما للعهد وإما للجنس، والذي للعهد إما أن ينصرف إلى فرد معين من أفراد الجنس نحو: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل: ١١] وإما أن ينصرف العهد إلى الماهية باعتبار تمييزها عن غيرها كقولك: أكلت الخبز، والجنس: هو الذي ينضم إليه شمول الآحاد، وكلا نوعي العهد لا يوجب الاستغراق، وإنما يوجبه الجنس. والزمخشري جعل تعريف الحمد من النوع الثاني من نوعي العهد، وعبر عنه بتعريف الجنس. وقال الإمام فصيح الدين صاحب "الفرائد": كأنه أراد بهذا القول بعض الحمد بناءً على مذهبه، وليس كذلك؛ فإنه لا حمد إلا لله تعالى. نعم، تعريف الجنس ليس مما يقتضي الاستغراق؛ ولكنه يحتمله. فإن لم يمنع مانع واقتضاه المقام كان مرادًا منه. والحمد لما كان هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم، والله تعالى خالق كل جمال وكمال، وخالق كل من له الجمال والكمال، وخالق كل من يستحق به الحمد من الأفعال؛ فله الحمد في الحقيقة وإن أضيف في الظاهر إلى غيره. تم كلامه.
[ ١ / ٧٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وهذا الكلام يحتاج إلى فضل تقرير ومزيد بيان؛ فنقول وبالله التوفيق: أما قوله: بناءً على مذهبه؛ فذلك أن من مذهبه أن العبد أيضًا موجد لأفعاله بالاستقلال، فيستحق بذلك الحمد، فلا يكون كل الحمد لله تعالى. واعلم أن هذا المقام من مزال الأقدام، فالواجب أن نتكلم على مقتضى المقام ونقول للمصنف: ما تعني بإسناد الوهم إلى القائل بالاستغراق؟ فإن مجرد التعصب لا يجديك! إن عنيت أن أصل الكلام: نحمد الله حمدًا؛ لأن المقام أو اللغة تقتضيه، فيقال: أين صحة تلك الدعوى؟ أما المقام فهو ناب عنه كما سنبينه، وأما اللغة فلا تمنع غير ذلك كما قال هذا الفاضل: إن تعريف الجنس ليس مما يقتضي الاستغراق ولكنه يحتمله كما ذكرت في قوله تعالى: (وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [البقرة: ٢٥] ولعله يتشبث بالفصل وهو ترك العاطف بين الجملتين وهو (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) و(الْحَمْدُ لِلَّهِ). ونقول: ليس هذا الفصل إلا لأن يكون الثاني بيانًا للأول فيرد بأن هذا من التعكيس؛ لأن جعل صدر الكلام متبوعًا للعجز أولى من العكس. وأما المحققون كالواحدي والإمام والقاضي وغيرهم؛ فعلى تعميم الحمد، وأن ترك العاطف في قوله: "إياك"؛ لأن الكلام الأول جار على المدح للغائب بسبب استحقاقه كل الحمد، والثاني جار على الحكاية عن نفس الحامد من بيان أحواله بين يدي ذلك الغائب، فترك العاطف للتفرقة بين الحالتين، لا للبيان. ويدل على أن هذا التقدير أولى من وجوه: أحدها: أن حسن الالتفات أن يكون النقل من إحدى الصيغتين إلى الأخرى في سياق
[ ١ / ٧٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ واحد لمعلوم واحد، وعليه صاحب "المفتاح"، فلينظر إلى تقريره، وذلك مفقود على تقدير البيان والسؤال. والعجب أن المصنف حين قرر الالتفات نسي هذا السؤال والجواب وأجراه على ما يقتضيه معنى الالتفات. ولا ارتياب أن الذهاب إلى فسحة الالتفات، والقول بأن قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) إلى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وارد على الشكر اللساني، وقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) مشعر بالشكر بالجوارح و(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) مؤذن بالشكر القلبي أحسن وأولى من الفرار إلى مضيق القول بأن المراد بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إخبار من القول الصادر عنه لحمد حمده كما سبق تقريره لنتخلص بالكلية من السؤال الذي أورده بعض أفاضل العصر على قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) بيان "لحمدهم" وهو أنه يناقض ما ذكره من أن الشكر بالقلب واللسان والجوارح، والحمد باللسان وحده؛ لأنه إذا كان (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) بيانًا لحمدهم، والعبادة تكون بالجوارح والقلب- كما تكون باللسان- لزم أن يكون الحمد كذلك ضرورة. وثانيها: دل ذلك الاعتبار على بيان العظمة والجلال. قال الإمام: لو قال: أحمد الله كان قد ذكر حمد نفسه فقط، وإذا قال: إن حقيقة الحمد لله فقد دخل فيه حمده وحمد غيره جميعًا من لدن خلق العالم إلى انتهاء دخول أهل الجنّةِ الجنَّةَ (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [يونس: ١٠]. وثالثها- وهو المعتمد وعليه التعويل-: أن في تعقيب هذه الصفات للحمد إشعارًا بأن الحمد إنما استحقه لما أنه متصف بها كما صرح به في قوله: "وهذه الأوصاف دليل على أن من كانت ذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء". وقد تقرر في الأصول: أن في اقتران الوصف المناسب بالحكم إشعارًا بالعلية. وها هنا الصفات بأسرها تضمنت العموم؛ فينبغي
[ ١ / ٧٢٦ ]
وقرأ الحسن البصري: (الحمد لله) بكسر الدال لإتباعها اللام، وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: (الحمد لله) بضم اللام لإتباعها الدال، والذي جسرهما على ذلك- والإتباع إنما يكون في كلمة واحدة؛ كقولهم: منحدر الجبل ومغيره- تنزل الكلمتين منزلة كلمة واحدة لكثرة استعمالهما مقترنتين،
_________________
(١) ـ أن يكون العموم في الحمد ثابتًا، وبيانه: أن الشكر يقتضي المُنْعِمَ والمُنْعَمِ عليه والنعمة. والمُنْعِمُ: هو الله، وخص اسمه المقدس لكونه جامعًا لمعاني الأسماء الحسنى ما عُلم وما لم يُعلم كما سبق. والمُنْعَمُ عليهم: العالمون، وهو قد اشتمل على كل جنس مما سمي به كما سنفسره. وموجب النعم: الرحمن الرحيم، وهو قد استوعب جميع النعم كما مر؛ فإذن ما الذي يستدعي تخصيص الحمد بالبعض سوى التحكم والتوهم عفا الله عنه؟ ! ولله در القائل: "قولك: زيد حسن الوجه وصف لزيد، وحمد لبارئه؛ إذ كل حسن صنيع جمال فطرته، وكل محسن رضيع لبان نعمته"! وهذا الكلام جدير أن ينمق على صفحات عين إنسان المعاني، ولا غرو في ذلك؛ لأنه من إنسان العين في المعاني. وفي "اللطائف القشيرية": واللام في الحمد للجنس، ومقتضاها الاستغراق بجميع المحامد لله تعالى: إما وصفًا، وإما خلقًا؛ فله الحمد لظهور سلطانه، وله الشكر لوفور إحسانه. ومن أراد الإطناب في الباب فعليه بتفسير الإمام في الأنعام، (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [الأحزاب: ٤]. قوله: (والذي جسرهما)، الأساس: تجاسرت على كذا: تجرأت عليه. هذا الكلام يشعر أن قراءتهما مبنية على القياس دون السماع، وهذا جسارة عظيمة. والمصنف كثيرًا يذهب إلى مثل هذا المحذور؛ ألا ترى إلى قوله في "الأنعام": والذي حمل ابن عامر على قراءة (قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) [الأنعام: ١٣٧] أن رأى في بعض المصاحف "شركائهم" مكتوبًا بالياء؟ !
[ ١ / ٧٢٧ ]
وأشف القراءتين قراءة إبراهيم؛ حيث جعل الحركة البنائية تابعة للإعرابية التي هي أقوى بخلاف قراءة الحسن.
الرب: المالك، ونمه قول صفوان لأبي سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. تقول: ربه يربه فهو رب،
_________________
(١) ـ قوله: (وأشف القراءتين)، أي: أفضلهما، النهاية: الشف: الربح والزيادة، وفي حديث الربا: "ولا تشفوا أحدهما على الآخر": لا تفضلوا. والشف: النقصان أيضًا، وهو من الأضداد أيضًا. قال أبو البقاء: إتباع الكسر ضعيف؛ لأن فيه إتباع الإعراب البناء، وفيه إبطال الإعراب. وإتباع الضم أيضًا ضعيف، لأن لام الجر متصل بما بعده منفصل عن الدال، ولا نظير له في حروف الجر المفردة إلا أن من قرأ به أجراه مجرى المتصل؛ لأنه لا يكاد الحمد يستعمل مفردًا عما بعده. قوله: (قول صفوان)، الاستيعاب: هو صفوان بن أمية بن خلف الجمحي. هرب يوم الفتح ثم رجع إلى رسول الله ﷺ، فشهد معه حنينًا والطائف وهو كافر، وأعطاه رسول الله ﷺ من المغانم يوم حنين فأكثر، فقال صفوان: أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي، فأسلم. وأما أبو سفيان: فهو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أسلم يوم فتح مكة،
[ ١ / ٧٢٨ ]
كما تقول: نم عليه ينم فهو نم، ويجوز أن يكون وصفًا بالمصدر للمبالغة، كما وصف
_________________
(١) ـ وشهد حنينًا، وأعطاه رسول الله ﷺ من غنائمها مئة بعير وأربعين أوقية. روى الصغاني في "حاشية الصحاح": لما انهزم المسلمون يوم حنين قال حنبل مولى معمر بن خبيب: بطل سحر ابن أبي كبشة اليوم، فقال صفوان: فض الله فاك، لأن يربني … " إلى آخره، وهو إذ ذاك كافر ثم أسلم وتوفي بمكة. قوله: (نم عليه)، الجوهري: نم الحديث يَنُمُّه ويَنِمُّهُ نمًا، أي: قته، والاسم: النميمة، والرجل نم ونمام. قوله: (ويجوز أن يكون وصفًا بالمصدر)، عطف على قوله: "الرب المالك". قال القاضي: الرب في الأصل التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا، ثم وصف به للمبالغة، كالصوم والعدل. وفيه دليل على أن الممكنات كما هي مفتقرة إلى المحدث حال حدوثها مفتقرة على المبقي حال بقائها، وهذا التفسير أولى؛ لأنه أعم وأنسب للحمد كما سبق، فإن من شأن المالك إصلاح ما تحت سياسته وإتمام أمر معاشه. الأساس: هو رب لدار والعبد وغير ذلك، ورب ولده تربية. الجوهري: رب كل شيء مالكه. ورببت القوم: سستهم، أي: كنت فوقهم. ورب الضيعة أي: أصلحها وأتمها، ورب فلان ولده يربه ربًا. فالواجب حمل (الرب) على كلا مفهوميه بأن يفسر (الرب) بالقدر المشترك التصرف
[ ١ / ٧٢٩ ]
بالعدل. ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده، وهو في غيره على التقييد بالإضافة؛ كقولهم: رب الدار، ورب الناقة، وقوله تعالى: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) [يوسف: ٥٠]، (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) [يوسف: ٢٣]. وقرأ زيد بن علي ﵄: (رب العالمين) بالنصب على المدح، وقيل: بما دل عليه الحمد لله، كأنه قيل: نحمد الله رب العالمين. العالم: اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين. وقيل: كل ما علم به الخالق من الأجسام والأعراض.
_________________
(١) ـ التام، وسبيل إعمال المشترك في كلا مفهوميه إذا اتفقا في أمر: سبيل الكناية في أنها لا تنافي إرادة التصريح مع إرادة ما عبر عنه، وإذا اختلفا: سبيل الحقيقة والمجاز. قوله: (في غيره)، على التقييد والإضافة، كقولهم: رب الدار ورب الناقة، هذا يرده ما رواه الشيخان عن أبي هريرة: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضيء ربك، اسق ربك، ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي ومولاي". وأما قول يوسف ﵇: (إِنَّهُ رَبِّي) [يوسف: ٢٣] ونحوه فهو ملحق بقوله تعالى: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) [يوسف: ١٠٠] في الاختصاص بزمانه. قوله: (والثقلين)، أي: الجن والإنس. قال: إنما سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض؛ فدل به على أن الجن أجسام. قوله: (كل ما عُلم به الخالق)، المطلع: العالم: فاعل من العلم كالطابع والخاتم من الطبع والختم، سمي به لكونه علمًا على حدوثه وافتقاره إلى محدث قديم. أبو البقاء: العالم: اسم موضوع للجمع، ولا واحد له في اللفظ. وقال الزجاج: العالمين:
[ ١ / ٧٣٠ ]
فإن قلت: لم جمع؟ قلت: ليشمل كل جنس مما سمي به. فإن قلت: فهو اسم غير صفة،
_________________
(١) ـ كل ما خلق الله كما قال: (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) [الأنعام: ١٦٤] وهو جمع عالم، تقول: هؤلاء عالمون، ورأيت عالمين، ولا واحد لعالم من لفظه؛ لأن عالمًا جمع لأشياء مختلفة، فإن جعل "عالم" لواحد صار جمعًا لأشياء متفقة. قوله: (ليشمل كل جنس مما سمي به)، فإن قلت: أليس هذا مخالفًا لقولهم: الاستغراق في المفرد أشمل؟ قلت: لا؛ لأنهم يريدون أن الجمع قد يحتمل غير الشمول في بعض المقامات، والمفرد وإن دل على الشمول والاستغراق لكن الغرض استغراق الأجناس المختلفة. فلو أفرد وقيل: رب العالم؛ لاحتمل الاستغراق شمول أفراد كل ما يصح عليه إطلاق اسم العالم، فلا تُعلم نصوصية تعدد الأجناس وكثرتها كالجن والإنس والملائكة وغيرها كما تعلم من الجمعية؛ فجمع ليشمل ذلك المعنى. وأما قول صاحب "الانتصاف": والتحقيق فيه وفي كل ما يجمع من أسماء الأجناس ثم يعرف تعريف الجنس أنه يفيد أمرين: أحدهما: أن ذلك الجنس تحته أنواع مختلفة، والآخر: أنه مستغرق لجميع ما تحته منها. والمفيد لاختلاف الأنواع الجمع، والمفيد للاستغراق التعريف؛ إذ لو جمع مجردًا عن التعريف أفاد اختلاف الأنواع، ولو عرف مجردًا عن الجمع أفاد الاستغراق. وظهر ضعف قول الزمخشري: "جمع ليشمل"؛ إذ الشمول من التعريف لا من الجمع فمندفع؛ لأن السؤال في قوله: "لم جمع؟ " وارد على الجمع المحلى باللام. وتقريره ما سبق. قوله: (فهو اسم غير صفة)، جيء بالفاء والتأكيد المؤذن بمزيد الإنكار، يعني: على ما
[ ١ / ٧٣١ ]
وإنما تجمع بالواو والنون صفات العقلاء أو ما في حكمها من الأعلام. قلت: ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه، وهي الدلالة على معنى العلم
_________________
(١) ـ فسرت العالم في الوجهين، ينبغي أن يكون اسمًا لا صفة، وإنما يجمع بالواو والنون صفات العقلاء أو أعلامها بالتأويل والرجع إليها. وهذا ليس منها. قال صاحب "التقريب": وإنما ساغ جمعه بالواو والنون مع أنه ليس صفة للعقلاء ولا ما في حكمها من الأعلام التي إنما تجمع بتصييرها صفة وتنكيرها وتأويل كونها مسماة بكذا؛ لما فيه من معنى الوصفية وهي الدلالة على معنى العلم. وفيه نظر؛ إذ دلالتها عليه ليست صفة للعقلاء؛ إذا الجماد يعلم به. وقال صاحب "الفرائد": لا يلزم من الوصفية جواز الجمع بالواو والنون؛ لما عرف من اختصاصه بصفات أولي العلم، فالوجه التغليب بعد اعتبار الوصفية؛ لأن كل عالم معلم من حيث إنه دل على الخالق تعالى وتقدس. فنقول: نحن أولًا نبين مغزى جواب المصنف وهو قوله: "ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه، وهي الدلالة على معنى العلم"، ثم ننظر ما يرد عليه. أما تنزيل جوابه على أن يراد بالعالم اسم لذوي العلم؛ فهو أن هذا الاسم وإن لم يكن صفة ولا علمًا لكن مصحح جمعه بالواو والنون مراعاة المناسبة بين الاسم والمسمى من حيث الاشتقاق فإن فيه نوع وصفية؛ وهو بهذا الاعتبار أقرب جريًا إلى الصفة من الأعلام وتأويلها بالمسمى. ولعل هذا السر قدم في "المفصل" الوصف على العلم وقال: فالذي بالواو والنون لمن يعلم في صفاته وأعلامه كالمسلمين والزيدين. وروي عن المصنف: إنما يجمع بالواو والنون العقلاء، كقولنا: مسلمون ومؤمنون، أو ما في حكمها من الأعلام كقولنا: الزيدون والعمرون، فكأنك قلت: المسمون باسم زيد وعمرو، فلهذا جاز جمعها.
[ ١ / ٧٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وفي "شرح اللباب": وإنما جمع العلم دون اسم الجنس؛ لأن العلم حقه أن لا يجمع أصلًا؛ لأن تشخصه يمنع من الجمعية، وإنما جمع بتقدير جعله وصفًا وهو كونه مسمى بالزاي والياء والدال بخلاف نحو رجل؛ فإنه لا تشخص له يمنع من جمعه ليحتاج إلى جعله صفة. والأصل في الجمع بالواو والنون الصفات، كضاربون، حملًا على يضربون. وعلى الوجه الثاني: وهو أن يراد بالعالم: اسم ما علم به الخالق تعتبر الوصفية فيما فيه من أولي العلم كما ذكره صاحب "الفرائد" ثم يغلبه على غيره، أو ينزل الكل؛ لكونه دالًا على معنى العلم كقوله: وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد منزلة من له العلم، وتجمع بالواو والنون كما في قوله تعالى: (اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: ١١]، فسلم من هذا التقرير كلامه مما أورداه عليه. ثم أنسب الوجهين الثاني؛ لعمومه، وإن كان أولو العلم يستتبعون غيرهم، وإنما جمع بالواو والنون مع أنه جمع قلة، والظاهر مستدع للإتيان بجمع الكثرة تنبيهًا على أنهم وإن كثروا قليلون في جنب عظمته وكبريائه، وقد مر مثل ذلك.
[ ١ / ٧٣٣ ]
[(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ٤].
قرئ: (مَلِكِ يوم الدين)، و(مالك)، و(ملك) بتخفيف اللام.
وقرأ أبو حنيفة رحمة الله عليه: (مَلَكَ يوم الدين) بلفظ الفعل، ونصب (اليوم)، وقرأ أبو هريرة: (مالك) بالنصب، وقرأ غيره: (ملك) وهو نصب على المدح، ومنهم من قرأ (مالك) بالرفع.
و(ملك) هو الاختيار؛ لأنه قراءة أهل الحرمين، ولقوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) [غافر: ١٦]، ولقوله: (مَلِكِ النَّاسِ) [الناس: ٢]، ولأن المُلْكَ يعم، والمِلْكَ يخص،
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: مَلِكِ)، قال صاحب "التيسير": قرأ عاصم والكسائي (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: ٤] بالألف، والباقون بغير ألف. قوله: (ولأن "المُلك يعم، والمِلك يخص")، القاضي: "المالك هو المتصرف في الأعيان المملوكة، والمَلِك هو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين". المطلع: المالك أجمع وأوسع؛ لأنه يقال: مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء، ولا يقال إلا: مَلِك الناس. ولأنه لا يكون مالك الشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون مليكه ولا يملكه. وقال الزجاج: من قرأ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فعلى قوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ) [غافر: ١٧] أي: من المَلِكُ اليوم؟ ومن قرأ (مَالِكِ) فعلى معنى ذي المملكة في يوم الدين.
[ ١ / ٧٣٤ ]
ويوم الدين: يوم الجزاء، ومنه قولهم: "كما تدين تدان".
وبيت الحماسة:
ولم يبق سوى العدوا … ن دناهم كما دانوا
فإن قلت: ما هذه الإضافة؟ قلت: هي إضافة اسم الفاعل إلى الظرف على طريق الاتساع مُجرىً مَجرى المفعول به، …
_________________
(١) ـ قوله: (ويوم الدين يوم الجزاء)، وفي اختصاص يوم الدين دون يوم القيامة وغيره من أساميه فائدتان: إحداهما: مراعاة الفاصلة، وثانيتهما: العموم المطلوب في الألفاظ، فإن الجزاء يشتمل على جميع أحوال القيامة من ابتداء النشور إلى السرمد الدائم. بل يكاد يتناول أحوال النشأة الأولى بأسرها. فظهر من هذا الاختصاص ومن مآل معنى القراءتين في الصورتين إفادة التعميم المطلوب من ألفاظ هذه السورة الكريمة، والدلالة على التسلط والغلبة والتصرف والملَكة فسبيل (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) و(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) سبيل (رَبُّ الْعَالَمِينَ) في الحمل على المفهومين. فانظر إلى حسن هذا الترتيب السري، وهذا النظم الأنيق تدهش منه؛ وذلك أن (رَبُّ الْعَالَمِينَ) إذن بالتصرف التام في الدنيا ملكًا وتربية، و(مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) دل على ذلك في العقبى تسلطًا وقهرًا، وتوسيط (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) بينهما مناد بترجيح جانب الرحمة، وأنه تعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. قوله: (على طريق الاتساع)، أي: جعل المفعول فيه بمنزلة المفعول به كقوله: ويوم شهدناه سليمًا وعامرًا قوله: (مُجْرى مَجْرى)، بالضم اسم مفعول حال من الظرف. ومجرى الثاني روي
[ ١ / ٧٣٥ ]
كقولهم: يا سارق الليلة أهل الدار، والمعنى على الظرفية
_________________
(١) ـ مضمومًا من المزيد، والرواية الصحيحة بالفتح بمعنى الإجراء كقوله تعالى: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتًا) [نوح: ١٧] أو بمعنى المكان. قوله: (والمعنى على الظرفية)، يعني لُمِح في المفعول به معنى الأصل، أي: المفعول فيه، فالاتساع حينئذ على الكناية؛ لأنه لا يُراعى معنى المنقول منه في المنقول إليه إلا في الكناية. وهذه الطريقة أبلغ من الأصل. وإن شئت فاختبر نفسك بين ما إذا قلت: فلان مالك الدهر صاحب الزمان، وبين ما إذا قلت: مالك الأمور في الزمان؛ تجد الفرق. وفائدتها الشمول التام؛ لأن تملك الزمان يستلزم تملك ما فيه على أبلغ وجه في مقام العموم والتعظيم. قال أبو علي في "الحجة": وأما إضافة "مَلِكِ" إلى الزمان فكما يقال: مَلِكُ عام كذا، وملوك سني كذا، ومَلِكُ زمانه، وسيد زمانه، وهو في المدح أبلغ. ولهذا قال: "مالك الأمر كله في يوم الدين" جعل المفعول فيه مفعولًا به اتساعًا ثم كناه عن المفعول فيه للمبالغة. كما جعل البحتري الفعل المتعدي لازمًا، ثم كناه عن المتعدي في قوله: شجو حساده وغيظ عداه … أن يرى مبصر ويسمع واع أي: يكون ذو رؤية، وذو سمع؛ فعبر به عن قوله: أن يرى مبصر آثار محاسن الممدوح، ويسمع واع صيت محامده. ولو أريد هذا المعنى ابتداءً من قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) لم يفد تلك الفائدة. فإن قلت: بين لي الفرق في إيقاع قوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) مستشهدًا به فيما تقدم وها هنا؛
[ ١ / ٧٣٦ ]
ومعناه: مالك الأمر كله في يوم الدين، كقوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) [غافر: ١٦]. فإن قلت: فإضافة اسم الفاعل إضافة غير حقيقية، فلا تكون معطية معنى التعريف، فكيف ساغ وقوعه صفة للمعرفة؟ قلت: إنما تكون غير حقيقية إذا أريد باسم الفاعل الحال أو الاستقبال، فكان في تقدير الانفصال، كقولك: مالك الساعة أو غدًا.
فأما إذا قصد معنى الماضي، كقولك: هو مالك عبده أمس، أو زمان مستمر، كقولك: زيد مالك العبيد، كانت الإضافة حقيقية، كقولك: مولى العبيد، وهذا هو المعنى في: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)،
_________________
(١) ـ قلت: هو فيما تقدم مستشهد لمعنى التسلط كما قررنا، وما كان يستتب ذلك غلا على قراءة "ملك". وها هنا مستشهد لمعنى العموم المستفاد من الإضافة. فهو على القراءتين مستقيم. قوله: (فإضافة اسم الفاعل)، هذه الفاء مؤذنة بالإنكار، أي: كيف يجعل اسم الفاعل عاملًا في الظرف، ثم يجعله مع هذا صفة للمعرفة؟ قوله: (أو زمان مستمر)، عطف على قوله: "معنى الماضي"، ومعنى الاستمرار فيه كما في قولك: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم. قال المصنف: يريد أنه مما اعتاده ووجد منه مستمرًا. وبعدما أتى لكل واحد بمثال على حدة، أتى بمثال آخر يجمعهما في معنى الإضافة الحقيقية يدل عليه إيقاع "كانت" جوابًا لـ "إذا" بعد ذكر المثالين. وإنما جمع العبيد في المثال الثاني وأفرده في الأول ليؤذن بتملكه إياهم في الأزمنة المختلفة. قوله: (هذا هو المعنى في: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، يعني كما قلنا من أن القصد هو المعنى أو الزمان المستمر. والإضافة حقيقية في المثالين، كذا هو المعنى في قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، لا لمجرد الحال والاستقبال؛ دل على هذا الحصر توسيط ضمير الفصل بين اسم الإشارة والخبر المعرف باللام، ثم قال: "ويجوز أن يكون المعنى: مَلَكَ الأمور" يعني وجائز
[ ١ / ٧٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ أن يقصد بالإخبار عن الآتي بلفظ المضي على سنن إخبار الله، كقوله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٤٤] فإن إخبار الله عن المستقبل في كونه واجب الوقوع كالماضي المحقق. فظهر من مجموع السؤالين إلى انتهاء الجوابين في: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أن مالك إذا قصد فيه معنى الاستمرار وكان عاملًا في الظرف لا يقدح في تعرفه حتى يقع وصفًا للمعرفة، وأن مصحح اسم الفاعل المضاف إلى معموله في تهيئه لوصف المعارف تحققه وثبوته في نفسه، سواء كان بمعنى المضي أو المضارع المستمر؛ ولذلك لا يصح ذلك إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وهو المراد من قوله: "فكان في تقدير الانفصال كقولك: مالك الساعة أو غدًا"، وعليه اتجه السؤال فوافق هذا ما قرره في "الأنعام" في قوله تعالى: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) [الأنعام: ٩٦] كيف يكون لليل محل والإضافة حقيقية لأن اسم الفاعل المضاف إليه في معنى المضي؟ قلت: ما هو في معنى المضي؛ وإنما هو دال على جعل مستمر في الأزمنة المختلفة، كما تقول: الله قادر عالم، فلا تقصد زمانًا دون زمان. وقد ذهب صاحب "التقريب": إلى أنه مخالف له. نعم هو مخالف للمذهب المشهور كما ينبئ عنه كلام صاحب "المفتاح": واسم الفاعل كيف كان، مفردًا أو مثنى أو مجموعًا جمع تكسير أو تصحيح، نكرة في جميع ذلك، أو معرفة، ظاهرًا أو مقدرًا، مقدمًا أو مؤخرًا، يعمل عمل فعله المبني للفاعل إذا كان على أحد زماني ما يجري هو عليه، وهو المضارع دون المضي أو الاستمرار عندنا، حيث قال: عندنا.
[ ١ / ٧٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وروى ابن الحاجب عن الكسائي أنه قال: يجوز إعماله وإن كان للماضي، وتمسك بقولهم: الضارب زيدًا أمس، وقوله تعالى: (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ) [الكهف: ١٨]. وقال أبو البقاء في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا) [فاطر: ١]: الإضافة في (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ) محضة؛ لأنه للماضي، فأما (جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ) فكذلك في أجود المذهبين، وأجاز قوم أن تكون غير محضة على حكاية الحال، و(رُسُلًا) مفعول ثان. هذا وإن القول بالفرق وارتكاب المجاز هو القول؛ لأن حكم هذه الألفاظ إذا وقعت أوصافًا لله تعالى- لأن أوصافه لا تلائم أوصاف المخلوقين- مخالف لما إذا وقعت أوصافًا لغيره تعالى، سيما إذا استدعاه المقام. ألا ترى إلى قول ابن جني في "الدمشقيات" في قولهم: مررت بالضارب زيدًا أمس، قولان: أحدهما: أنه على معنى الفعل، أي: الذي ضربه أمس، والآخر: أنه كما جاز أن يقيم الألف واللام مقام الذي، كذلك جاز أن يعمل اسم الفاعل وإن كان ماضيًا؛ لأنه موضع اتساع. وإلى هذا المعنى من الاتساع ذهب ابن الحاجب في الفرق.
[ ١ / ٧٣٩ ]
ويجوز أن يكون المعنى: ملك الأمور يوم الدين، كقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ)، (وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ) [الأعراف: ٤٨]، والدليل عليه: قراءة أبي حنيفة ﵀: (مَلَكَ يوم الدين)، وهذه الأوصاف التي أجريت على الله ﷾ من كونه ربًا مالكًا للعالمين
_________________
(١) ـ أما قوله تعالى: (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) [الكهف: ١٨] فهذه وأمثالها إنما تكون في موضع الأحوال، والأحوال يقصد بها التعبير عن ذلك الفعل في حال وقوعه حتى كأنه واقع؛ ولذلك يقع الفعل المضارع في موضعها، ولولا قصد التعبير عن الحال لم يستقم وقوع المضارع موقعه فلا يلزم من إعماله ها هنا إعماله وهو ماض من كل وجه، فحصل الفرق. وفي قوله: "حتى كأنه واقع" إشعار بالاستمرار الذي يعطيه معنى استحضار كل أحد ذلك في مشاهدته على مر الدهور وكر الأعوام. وفي قوله أيضًا: "فلا يلزم من إعماله" إلى آخره الإشارة إلى أنه لا يلزم من إعماله وهو دال على مُلك مستمر في الأزمنة الثلاثة إعماله وهو ماض من كل وجه. وعليه مبنى الكلام السابق إضافة اسم الفاعل إلى معموله إذا كان لمجرد الحال والاستقبال غير إضافته إليه إذا كان بمعنى الاستمرار. قوله: (ويجوز أن يكون المعنى مَلَكَ الأمور)، يعني أن "مالك" اسم فاعل من يملك الذي هو الاستمرار كقولك: فلان يعطي ويمنع، ويجوز أن يكون فاعلًا من مَلَكَ الذي بمعنى يملك كقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٤٤] أي: ينادي، وجاء به على الماضي لصدق تحققه. قاله بعض القدماء. قوله: (وهذه الأوصاف)، مبتدأ، والخبر "دليل"، و"صفاته" خبر "كانت"، والضمير الأول
[ ١ / ٧٤٠ ]
لا يخرج منهم شيء من ملكوته وربوبيته، ومن كونه منعمًا بالنعم كلها الظاهرة والباطنة، والجلائل والدقائق، ومن كونه مالكًا للأمر كله في العاقبة يوم الثواب والعقاب، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به، وأنه به حقيق في قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه بما هو أهله.
[(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ٥].
(إيّا): ضمير منفصل للمنصوب، واللواحق التي تلحقه من الكاف والهاء والياء في قولك: إياك وإياه وإياي، لبيان الخطاب والغيبة والتكلم، ولا محل لها من الإعراب،
_________________
(١) ـ في "أنه به" للحمد، والثاني لله تعالى أو بالعكس. قال القاضي: "ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له، وللإشعار من طريق المفهوم على أن من لم يتصف بتلك الصفات لا يستأهل أن يحمد فضلًا أن يعبد". وفي قوله: (لم يكن أحد أحق منه بالحمد) وفي تخصيص أفعل التفضيل إيماء إلى مذهبه. قوله: (من ملكوته)، أي: ملكه وتصرفه فيه بمواجب مشيئته وقضايا حكمته. وفي تكرير قوله: "ومن كونه" إشعار باستقلال كل من الصفات على حدة في الإشعار بالعلية كتكرير "كان" في قوله تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) [الكهف: ٨٢]. قوله: (ولا محل لها من الإعراب)، قال الزجاج: موضعها خفض بإضافة "إيّا" إليها. و"إيّا" اسم للمضمر المنصوب إلا أنه ظاهر يضاف إلى سائر المضمر نحو قولك: إياك ضربت، وإياه ضربت، وإياي حدثت. ولو قلت: إيّا زيد حدثت كان قبيحًا؛ لأنه خص به
[ ١ / ٧٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ المضمر. وقد روي عن العرب: "فإياه وإيا الضواب! ". وقال أبو علي: الدليل على أن هذا الاسم مضمر وليس بظاهر أنه في جميع الأحوال منصوب الموضع، وليس في الأسماء اسم كذلك إلا ما كان ظرفًا وليس إيا بظرف، ولأنه في المنصوب نظير "أنت" في المرفوع، فكما أن "أنت" مضمر كذلك "إيا". فإن قيل: الكاف في "إياك" ليست كالتي في "ذلك" لأن "إيا" قد تضاف إلى الهاء والياء. وأجيب أنه معارض بأنهم لم يؤكدوه فلم يسمع: إياكم كلكم وإياك نفسك. وقال ابن جني: كان أبو إسحاق يقول في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ): حقيقتك نعبد. وكان يشتقه من الآية، وهي العلامة. وهذا سائغ على رأيه؛ لأنه كان يعتقد أنه اسم مظهر خص به المضمر. وقال: وقد ذكرنا في "سر الصناعة" ما يحتمله "إيا" من المثل: هل هي "فعل"؛ أو "فعيل"، أو "فعول" أو "إفعل" أو "فعلل" أو "فعلى"، ومن أي لفظ هي: أمن "آءة" أو، "آية" أو "أويت" أو "وأيت". وأما على قول الكافة فاشتقاقه فاسد؛ لأنه اسم مضمر، والمضمر لا اشتقاق له.
[ ١ / ٧٤٢ ]
كما لا محل للكاف في (أَرَأَيْتَكَ)، وليست بأسماء مضمرة، وهو مذهب الأخفش وعليه المحققون. وأما ما حكاه الخليل عن بعض العرب: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب! "؛ فشيء شاذ لا يعول عليه، وتقديم المفعول لقصد الاختصاص، كقوله: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونَنِي أَعْبُدُ) [الزمر: ٦٤]، (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) [الأنعام: ١٦٤]، والمعنى نخصك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة، وقرئ: (إياك نعبد) بتخفيف الياء،
_________________
(١) ـ قوله: (أَرَأَيْتَكَ)، قال المصنف: "لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقًا إلى الإحاطة بها علمًا، وصحة الخبر عنها استعملوا "أرأيت" بمعنى أخبر". قوله: (الشواب)، وهو جمع شابة، كدواب جمع دابة. أي: فليحذر نفسه أن يتعرض للشواب، وليحذر الشواب أن تفتنه. قوله: (وقرئ: "إياك نعبد" بتخفيف الياء)، قال ابن جني: قرأها عمرو بن فائد؛ فوزن "إيا" فعل كرضا وحجا، ونظيره: إيا الشمس، أي: ضوؤها. قال طرفة: سقته إياة الشمس إلا لثاته … أسف ولم تكدم عليه بإثمد هذا البيت يومئ إلى صحة مذهب الزجاج. الضمير في "سقته" راجع إلى "ألمى"، أي: ثغر ألمى. قال الزوزني: إياة الشمس وإياها: شعاعها.
[ ١ / ٧٤٣ ]
و(أياك) بفتح الهمزة والتشديد، و(هياك) بقلب الهمزة هاء. قال طفيل الغنوي:
فهياك والأمر الذي إن تراحبت … موارده ضاقت عليك مصادره
والعبادة: أقصى غاية الخضوع والتذلل، ونمه ثوب ذو عبدة، إذا كان في غاية الصفاقة وقوة النسج، ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله؛ لأنه مولي أعظم النعم، فكان حقيقًا بأقصى غاية الخضوع. فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟
_________________
(١) ـ اللثة: مغرز الأسنان، الإثمد: الكحل، والكدم: العض. يصف ثغر المحبوبة. أي: كأن الشمس أعارته الضوء إلا لثاته، استثنى اللثات؛ لأنه لا يستحب بريقها، ثم قال: أسف عليه بالإثمد، أي: ذر. ولم تكدم بأسنانها على شيء يؤثر فيها. وتقدير البيت: أسف بإثمد ولم تكدم عليه بشيء. ونساء العرب تذر بالإثمد على الشفاه واللثات فيكون ذلك أشد للمعان الأسنان. قوله: (فهياك والأمر)، البيت. المعنى: أحذرك أن تلابس الأمر الذي إن توسعت موالجه ضاقت عليك مخارجه. قوله: (فكان حقيقًا بأقصى غاية الخضوع)، قال الراغب: العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها، لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى؛ ولهذا قال: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ) [الإسراء: ٢٣]. والعبادة ضربان: عبادة بالتسخير كما في قوله تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء: ٤٤]، وعبادة بالاختيار وهي لذوي النطق، وهو المأمور به في نحو قوله تعالى: (اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) [البقرة: ٢١].
[ ١ / ٧٤٤ ]
قلت: هذا يسمى الالتفات في علم البيان،
_________________
(١) ـ فإن قلت: كيف طابق قوله: "هذا يسمى الالتفات" سؤاله: "لم عدل عن لفظ الغيبة؟ ". قلت: الجواب من وجهين: أحدهما: أن قوله "لم عدل؟ " كان استفهامًا فيه نوع إنكار، أي: ماذا حمله على ارتكاب خلاف مقتضى الظاهر، وكان الأصل أن يجري الكلام على الغيبة. أجاب: أن هذا ليس بنكير في علم البيان، بل هو مشهور ومسمى بالالتفات الذي هو الانتقال من إحدى الصيغ الثلاث إلى الأخرى لمفهوم واحد. وذلك الانتقال من دأبهم وافتنانهم في الكلام. ثم أتى بجواب آخر أعم منه فقال: "ولأن الكلام" أي: مطلق الكلام سواء صدر منهم أو من غيرهم "إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تطرية لنشاط السامع"، وهذه الطريقة وهي أن يتضمن الجواب الزيادة على المطلوب من الأسلوب الحكيم؛ ولهذا أتى بالمستشهدات المتنوعة الجامعة لأكثر أنواع الالتفات، لتكون كالتعريف له. وفيما شرحنا كلامه لطيفة وإرشاد إلى أن الأمثلة كالتعريف حيث وضعنا الحد موضعها، وفيما سلك إيجاز من وجه، لأنه علم منه حده وأقسامه. وثانيهما: أن في الكلام إطنابًا، وأنه جواب واحد. وحقيقة الجواب قوله: "ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تطرية" وقوله: "وذلك على عادة افتنانهم" توطئة للجواب، وقوله: "هذا يسمى الالتفات" توطئة للتوطئة. ونحوه سؤاله في أول "طه": فإن قلت: ما فائدة النقلة من لفظ المتكلم إلى لفظ الغائب؟ قلت: غير واحدة، منها: عادة الافتنان في الكلام وما يعطيه من الحسن والروعة، ومنها كذا وكذا. و"الواو" في "وما يعطيه" كالواو في "ولأن الكلام" من عطف البيان على طريقة: أعجبني زيد وكرمه. قوله: (في علم البيان)، اعلم: أن البيان كثيرًا ما يطلق على أنواع المعاني والبيان والبديع كما
[ ١ / ٧٤٥ ]
قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [يونس: ٢٢]، وقوله تعالى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ) [فاطر: ٩].
وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات:
تطاول ليلك بالأثمد … ونام الخلي ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة … كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبإ جاءني … وخبرته عن أبي الأسود
وذلك على عادة افتنانهم في الكلام، وتصرفهم فيه، ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب؛ كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بفوائد.
_________________
(١) ـ يطلق عليها علم البديع. ويمكن أن يقال: إن الالتفات من حيث إنه يفيد التطرية وحسنها من البديع، ومن حيث إفادته التفنن والإخراج لا على مقتضى الظاهر من المعاني، ومن حيث كونه مستلزمًا لإفادة دقيقة مطلوبة من الكناية التي هي نوع من أنواع البيان. قوله: (قد يكون من الغيبة)، إلى قوله: (إلى التكلم) لف، ومن قوله: "كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ) [يونس: ٢٢] " إلى قوله: (فَسُقْنَاهُ) [فاطر: ٩] " نشر. ولم يذكر للأول مثالًا كما ذكر لأخويه؛ لأن ما هو بصدده في "الفاتحة" أغناه عنه، وإنما فصل "قد يكون" لكونه بيانًا للالتفات. قوله: (ثلاث التفاتات)، قيل: إن الأول ليس بالتفات؛ لأن الالتفات تلوين وتغيير وليس فيه. وأجيب بأن حقه أن يقول: ليلي، فلما عدل عنه كان تلوينًا.
[ ١ / ٧٤٦ ]
ومما اختص به هذا الموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد،
_________________
(١) ـ واعلم أن للعلماء في مثل "تطاول ليلك" قولين، والذي عليه ظاهر كلامه أنه التفات، ووافقه صاحب "المفتاح" منبهًا عليه بقوله: منبهًا في التفاته الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبإ عليها ولهت؛ فأخذ يخاطبها بـ "تطاول ليلك". وإنما قلنا: ظاهر كلامه؛ لأنه يمكن أن يقال: إن في البيت الثالث التفاتين: أولهما ذلك، والآخر جاءني، والذي عليه أبو علي، وابن جني، وابن الأثير: أن ذلك تجريد، وأنشدوا قول الأعشى: وهل تطيق وداعًا أيها الرجل وهذا هو الحق. ويمكن حمل كلام المصنف على التغليب للقرب من حيث المعنى. وتقرير التجريد ما قدره صاحب "المفتاح": وهو أن نفسه كان من حقها أن تتثبت وتتصبر في المصائب فعل أمثالها من الملوك. فلما لم تفعل جردها وخاطبها تأنيبًا، ولا يبعد أن يكون ميل صاحب "المفتاح" أيضًا إلى التغليب لتقريره هذا. واعلم أن حصول التطرية من الانتقال ليس لمجرد كونه انتقالًا، بل لاستتباعه لطيفة؛ إذ اللفظ متبوع المعنى، فالتطرية إنما تحصل من انتقال المعنى من قبل انتقال اللفظ؛ لأن الأرواح إنما تستلذ بالمعنى، وإليه الإشارة بقوله: "وقد تختص مواقعه بفوائد". قوله: (لما ذكر الحقيق بالحمد)، يعني: أن العبد حين خص الحمد بالله تعالى، وأجرى
[ ١ / ٧٤٧ ]
وأجري عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء، وغاية الخضوع، والاستعانة في المهمات؛ فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك، ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به،
_________________
(١) ـ عليه تلك الصفات العظام على طريقة لزم منها غثبات المطلوب مع التميز التام لتلك الذات، وانضمام استحقاقه لذلك الشكر اللساني بالشكر بالجوارح والقلب خاطبه بقوله: "إياك يا من هذه صفاته نعبد ونستعين"، فترقى من البرهان إلى العيان، ومن مدرج علم اليقين إلى عين اليقين. قوله: (فقيل: إياك يا من هذه صفاته)، الفاء للتعقيب، أي: فأريد الخطاب فقيل: إياك، مثلها في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤]. وما أحسن الفاء التي في قوله: "فخوطب"، فإنها منادية على أن المقام للتدرج والترقي، لا على تقدير السؤال المقول عنده: كيف تحمدون؟ فقيل: إياك نعبد، وأبى الله تعالى إلا نصرة الحق. قوله: (ليكون الخطاب أدل)، تعليل للتدرج، يعني لما حصل من إجراء الأوصاف على من يستحق الحمد على سبيل الغيبة تميز الموصوف. ومن التميز استحقاقه الثناء وغاية الخضوع بناءً على ترتب الحكم على الوصف، أريد مزيد ذلك، فخوطب ذلك المتميز ليتقوى ذلك التميز السابق فيزيد ذلك الاستحقاق؛ لأن مقام المشاهدة لا يحتمل ما يحتمله مقام المغايبة من الإيهام؛ فترقى من الحمد إلى العبادة والاستعانة مع رعاية معنى الاختصاص. قال ابن جني: إنما ترك الغيبة إلى الخطاب؛ لأن الحمد دون العبادة، ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده؟ ! ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى أمد الطاعة قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إصراحًا بها وتقربًا منه.
[ ١ / ٧٤٨ ]
فإن قلت: لم قرنت الاستعانة بالعبادة؟ قلت: ليجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته، فإن قلت
_________________
(١) ـ ويمكن أن يعبر بلسان أهل العرفان ويقال: إن الحمد مبادئ حركة المريد، فإن نفس السالك إذا تزكت، ومرآة قلبه إذا انجلت فلاحت فيها أنوار العناية- والعناية هي التي أوجبت الولاية- تجردت النفس الزكية للطلب، فرأت آثار نعم الله عليها سابغة، وألطافه غير متناهية، فحمدت على ذلك وأخذت في الذكر، فكشف لها الحجاب من ما وراء أستار العزة عن معنى رب العالمين، فشاهدت ما سوى الله على شرف الفناء، مفتقرة إلى المبقي محتاجة إلى التربية؛ فترقت لطلب الخلاص من وحشة الإدبار وظلمة السكون إلى الأغيار. فهبت لها من نفحات جناب القدس نسيمات ألطاف الرحمن الرحيم، فعرجت من هذا المقام بلمعات بوارق الجلال من وراء سجاف الجمال إلى الأحد الصمد، المالك الحقيقي، فنادت بلسان الاضطرار في مقام (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: ١٦]: أسلمت نفسي إليك، وألجأت ظهري إليك. وهناك خاضت لجة الوصول، وانتهت إلى مقام العين فحققت نسبة العبودية فقالت: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وهنا انتهاء مقام السالك. ألا ترى إلى سيد الخلق كيف عبر عن مقامه هذا بقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الإسراء: ١]؟ فطلبت التمكين بقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ* اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، واستعاذت عن التلوين بقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)، فقصد مستكملًا ورجع مكملًا. وفي كلام صاحب "المفتاح" إيماء إلى هذا المعنى. قوله: (من جهته)، الضمير راجع إلى "ما يتقرب" يعني أنهم يتقربون بالعبادة، ويطلبون ما هو المحتاج إليه في هذه العبادة، وهو إعانة الله إياهم على العبادة. وهذا التقدير ملائم
[ ١ / ٧٤٩ ]
فلم قدمت العبادة على الاستعانة، قلت: لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة؛ ليستوجبوا الإجابة إليها. فإن قلت: لم أطلقت الاستعانة؟ قلت: ليتناول كل مستعان فيه،
_________________
(١) ـ للتفسير الثاني للاستعانة. وعليه يتوجه السؤال بأن يقال: إن كان طلب الإعانة على الطاعة مقدمًا على الطاعة، فكيف أخره؟ فيجاب: قدم لكونه وسيلة وأخر لكونه طلبًا. قوله: (ليستوجبوا الإجابة عليها)، الانتصاف: أهل السنة لا يعتقدون وجوب الثواب على الله تعالى، بل يقولون: هو تفضل منه وإحسان، لكنه يجب بإيجابه، فإما أن يكون الزمخشري أراد صدق الخبر، أو أجرى ذلك على قواعده في اعتقاد وجوب الجزاء. الإنصاف: إن في قوله: "تقديم العبادة كالوسيلة"، إشعارًا بأنهم فعلوا بقدرتهم ليحصلوا ما ليس من قدرتهم، وهو الاستعانة، وكلاهما من فضل الله. قوله: (ليتناول كل مستعان فيه)، يعني: لم يذكر متعلق الاستعانة لقصد التعميم، فلو ذكر لقصر عليه. الانتصاف: قوله: أطلق ليشمل في الموضعين ليس بمسلم، فإن الفعل لا عموم له كمصدره، والإطلاق يقتضي الإبهام والشيوع، والنفس إلى المبهم أتوق لتعلق الآمال المختلفة بالمبهم دون المعين. وقلت: ليس هذا من العام الذي توهمه، ولا من المطلق الذي تصوره؛ بل هو من قبيل المقيد الذي قصد بإطلاقه توخي العموم؛ ولذلك قال: أطلق ليشمل؛ وذلك أن قرائن المقام دلت على أن المستعان فيه ما هو، فلم يلتفت إليه، وقصد الإطلاق؛ ولذلك إذا قصد تقييده بأحد ما هو شائع فيه قيل: هذا تحكم، بخلاف المطلق المتعارف! ألا ترى على كلام صاحب
[ ١ / ٧٥٠ ]
والأحسن أن تراد الاستعانة به، وبتوفيقه على أداء العبادة، ويكون قوله: (اهْدِنَا) بيانًا للمطلوب من المعونة؛ كأنه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم، وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام، وأخذ بعضه بحجزة بعض
_________________
(١) ـ "المفتاح": "أو القصد إلى نفس الفعل بتنزيل المتعدي منزلة اللازم- ذهابًا في نحو: فلان يعطي ويمنع: إلى معنى: يفعل الإعطاء- إيهامًا للمبالغة بالطريق المذكور في إفادة اللام الاستغراق"؟ والمذكور قوله: فإذا كان المقام خطابيًا مثل: المؤمن غر كريم؛ حمل المعرف باللام- مفردًا كان أو جمعًا- على الاستغراق بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون فرد آخر مع تحقق الحقيقة فيهما يعود إلى ترجيح أحد المتساويين. أولا ترى إلى معنى التعليل في قول المصنف: "لأن من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا اشتملت عليه"؟ فإن قرائن المقام دلت على أن المتعلق المضمر هو الإسلام؛ فاستدعى معنى العموم إطلاق الإنعام بإطلاقه على الإسلام مجازًا؛ ليشمل كل إنعام. ولو ذكر نعمة الإسلام لاقتصر عليها ولم ينبه على هذه النكتة. قوله: (والأحسن أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه)، أي: الاستعانة بتوفيقه. وقوله: "به" توطئة. فعلى هذا ترك المتعلق للاختصار لقرينة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)؛ لأن الإقامة على أداء العبادة لا تتأتى إلا بالتوفيق. قوله: (لتلاؤم الكلام)، يقال: لاءمت القوم ملاءمة إذا أصلحت وجمعت بينهم. وإذا اتفق شيئان فقد التأما. وحجزة الإزار: معقده، وحجزة السراويل: التي فيها التكة. المعنى: إذا قدر التعميم في "نستعين" لم يوافق "اهدنا"؛ لأن المطلوب في "اهدنا" خاص و"نستعين" عام. وكذا إنما يكون ملائمًا لأول الكلام وهو: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إذا قدر التوفيق؛ لأن العبادة لا تتم إلا باستعانة الله وتوفيقه. فعلى هذا قوله: "ويكون قوله: اهدنا" عطف على "أن يراد".
[ ١ / ٧٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ولقائل أن يقول: الحمل على العموم أولى؛ لتتوافق ألفاظ هذه السورة الكريمة في المعنى المطلوب منها كما كرر، ولأن التوسل بالعبادة إلى تحصيل مرام يستوعب جميع ما يصح أن يستعان فيه ليدخل فيه التوفيق أيضًا دخولًا أوليًا أولى من طلب مجرد التوفيق. ويلائمه أيضًا قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: ٦]؛ لأن صراط المسلمين أعم من العبادات؛ إما دنيا: فالعبادات والاعتقادات وعلم الأخلاق والسياسات والمعاملات والمناكحات وغير ذلك، وإما عقبى: فالنجاة من شدائد البرزخ والحشر والصراط والميزان ومن عذاب النار والوصول إلى دار القرار، والفوز بالدرجات العلى. وكل ذلك مفتقر إلى إعانة الله وفضله. وفي قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٣] بعد قوله: (أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ..) [الأنعام: ١٥١] الآيات إيماء إلى هذا المعنى. وأيضًا، طرق الضلالات التي يستعاذ منها بقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) [الفاتحة: ٧] لا نهاية لها، وباستعانته يتخلص من مهالكها. فإن قلت: المراد بالعبادة في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) هي وما يتعلق بها وما تتوقف عليه؟ قلت: فإذن وافقت الاستعانة في العموم. وأيضًا قوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) مطلق كما قال: "أطلق ليشمل كل إنعام" قال القاضي: والضمير المستكن في الفعلين للقارئ ولسائر الموحدين. أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم، وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها ويجاب إليها؛ ولهذا شرعت الجماعة. انظر إلى هذه الاعتبارات الدقيقة في معنى الشمول والعموم لتعثر على تلك الرمزة وهي كونها أم القرآن ومطلع التنزيل.
[ ١ / ٧٥٢ ]
وقرأ ابن حبيش: (نستعين) بكسر النون.
[(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ٦].
هدى: أصله أن يتعدى باللام، أو بـ "إلى"، كقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: ٩]، (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: ٥٢]، فعومل معاملة "اختار" في قوله تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) [الأعراف: ١٥٥]،
_________________
(١) ـ قوله: ("نستعين" بكسر النون)، قيل: هي لغة بني تميم، فإنهم يكسرون حروف المضارعة إذا لم ينضم ما بعدها، سوى الياء لاستثقال الكسرة عليها. قوله: (أن يتعدى باللام أو بـ "إلى")، روي عن المصنف: يقال: هداه لكذا وإلى كذا: إذا لم يكن في ذلك، فيصل إليه بالاهتداء، وهداه كذا- بدون اللام و"إلى"- محتمل للحالين بين أن يكون فيه وبين أن لا يكون، حتى لا يجوز أن يقال في قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: ٦٩]: لسبلنا إلى سبلنا. وفيه بحث لجواز تقدير الإرادة في الأول، أي قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) أو إرادة تحصلي المراتب العالية في الثاني؛ ومن ثم جمع السبيل، كأنه قيل: من جاهد في سبيل واحد لنهدينهم إلى سبل الخيرات كلها، كما ورد "من عمل بما علم ورثه الله عِلم ما لم يعلم"، ولا فرق بين إلى واللام. وقال في قوله تعالى: (مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ) [آل عمران: ١٩٣] يقال: دعاه لكذا وإلى كذا، وناداه له وإليه، ونحوه: هداه للطريق وإليه؛ وذلك أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعًا، أي: يجمعها معنى الحصول والوصول.
[ ١ / ٧٥٣ ]
ومعنى طلب الهداية وهم مهتدون: طلب زيادة الهدى بمنح الألطاف، كقوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) [محمد: ١٧]، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: ٦٩].
وعن علي وأبي ﵄: (اهدنا): ثبتنا، وصيغة الأمر والدعاء واحدة؛ لأن كل واحد منهما طلب،
_________________
(١) ـ قوله: (ومعنى طلب الهداية)، على تقدير سؤال وهو أن يقال: كيف طلبوا الهداية وهم مهتدون؟ وهل هذا إلا تحصيل للحاصل؟ وأجاب بجوابين: أحدهما: أنهم طلبوا الزيادة، وثانيهما: طلبوا الثبات. قال القاضي: والمطلوب إما زيادة ما منحوه من الهدى، أو الثبات عليه، أو حصول المراتب المترتبة عليه. فإذا قاله العارف الواصل عنى به: أرشدنا طريق السير لتمحو عنا ظلمات أحوالنا وتميط غواشي أبداننا؛ لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك. قوله: (الألطاف)، وهي جمع لطف. وهو في عرف المتكلمينك ما يختار عنده المكلف الطاعة وينتهي بسببه عن المعصية. وتمام تقريره سيجيء في أول "البقرة". ومنح الألطاف ها هنا هو التوفيق المراد بالاستعانة على تقريره. قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: ٦٩]، تقرير الاستشهاد به أنه تعالى أثبت لهم الجهاد على لفظ الماضي، وأوقع ضمير التعظيم ظرفًا له على المبالغة، أي: في سبيلنا ووجهنا مخلصين لنا، ولا يكون مثل هذا الجهاد إلا هداية لا غاية بعدها. ثم قال: (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) على الاستقبال، وصرح بلفظ "سبلنا"، ولا يستقيم تأويله إلا بما ذكر من طلب الزيادة بمنح الألطاف. قوله: (وصيغة الأمر والدعاء واحدة؛ لأن كل واحد منهما طلب)، يعني: صيغة الأمر حقيقة في القول للطالب للفعل، وهو المختار.
[ ١ / ٧٥٤ ]
وإنما يتفاوتان في الرتبة، وقرأ عبد الله: (أرشدنا).
(السراط): الجادة، من سرط الشيء؛ إذا ابتلعه؛ لأنه يسترط السابلة إذا سلكوه،
_________________
(١) ـ قوله: (وإنما يتفاوتان في الرتبة)، أي: صيغة افعل إما أن تصدر عن مساو للمخاطب أو لا، والأول الالتماس، والثاني إما أن يصدر عمن له الاستعلاء أو لا، والأول الأمر، والثاني الدعاء. قوله: (وقرأ عبد الله)، إذا قيل: عبد الله مطلقًا، فهو ابن مسعود. قال صاحب "الجامع": كان من خواص رسول الله ﷺ، وصاحب سره وسواكه ونعله وطهوره في السفر، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وهاجر إلى الحبشة، وصلى إلى القبلتين، وكان سادسًا في الإسلام، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وكان يشبه النبي ﷺ في سمته ودله وهديه. قوله: (السابلة)، الأساس: مرت السابلة والسوابل، وهم المختلفون في الطرقات لحوائجهم. الراغب: يقال: الصراط والزراط والسراط. والأصل سرطت الطعام وزردته: إذا ابتلعته. وسمي بذلك تصورًا أنه إما أن يبتلعه سالكه أو يبتلع هو سالكه. ألا ترى أنه قيل: فلان أكلته المفازة إذا أضمرته أو أهلكته، وأكل المفازة إذا قطعها؟ وعلى هذا النحو قال أبو تمام: رعته الفيافي بعد ما كان حقبة … رعاها وماء الروض ينهل ساكبه وقيل: قتل أرضًا عالمها، وقتلت الأرض جاهلها.
[ ١ / ٧٥٥ ]
كما سمي لقمًا؛ لأنه يلتقمهم، والصراط، من قلب السين صادًا؛ لأجل الطاء، كقوله: (مصيطر) في (مسيطر)، وقد يشم الصاد صوت الزاي، وقرئ بهن جميعًا، وفصحاهن إخلاص الصاد، وهي لغة قريش، وهي الثابتة في الإمام. ويجمع: سرطًا، نحو: كتاب وكتب، ويذكر ويؤنث كالطريق والسبيل، والمراد به: طريق الحقن وهو ملة الإسلام.
[(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) ٧].
بدل من الصراط المستقيم، وهو في حكم تكرير العامل؛ كأنه قيل: اهدنا الصراط المستقيم، اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، كما قال: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) [الأعراف: ٧٥]
_________________
(١) ـ وسمي الطريق: اللقم والملتقم على هذا النحو، وذلك في معنى الملقوم، كالنقض بمعنى المنقوض. قوله: (مسيطر)، المسيطر: المسلط على الشيء، الأساس: وهو مسيطر علينا ومتسيطر: متسلط ومالك. قوله: (وقرئ بهن)، الضمير عائد على قراءة "سراط" بالسين، وإلى قلبها صادًا، وإلى إشمام الصاد الزاي. قال في "الشعلة": قرأ قنبل بالسين على الأصل، وغيره بإبدالها صادًا لتجانس الطاء في الاستعلاء والإطباق، فإنهم كرهوا أن يخرجوا من السين وهو مهموس مستفل منفتح إلى الطاء وهو مجهور مستعل مطبق.
[ ١ / ٧٥٦ ]
فإن قلت: ما فائدة البدل، وهلا قيل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم؟
قلت: فائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير والإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره: صراط المسلمين، ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان، فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل؛ لأنك ثنيت ذكره مجملًا أولًا، ومفصلًا ثانيًا، وأوقعت فلانًا تفسيرًا وإيضاحًا للأكرم الأفضل؛ فجعلته علمًا في الكرم والفضل، فكأنك قلت: من أراد رجلًا جامعًا للخصلتين فعليه بفلان فهو المشخص المعين؛ لاجتماعهما فيه غير مدافع ولا منازع
_________________
(١) ـ وقرأ خلف بإشمام الصاد الزاي، بالغ في طلب المشاكلة بين الزاي والطاء؛ لأنها تزيد على الصاد في الموفاقة للطاء بالجهر. قوله: (ما فائدة البدل وهلا قيل: اهدنا صراط الذين؟)، قد يظن أنه سؤالان، وليس به؛ بل هو سؤال واحد، فإنه لما قال: "صراط الذين أنعمت عليهم: بدل من الصراط المستقيم، وهو في حكم تكرير العامل" اتجه لسائل أن يقول: لم أطنب الكلام وكرر المعنى الواحد، وهلا اقتصر على قوله: "اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم"، وما فائدة هذا التكرير؟ يدل عليه تقديم الفائدة في الجواب وكونه منطويًا على جواب واحد. قوله: (فجعلته علمًا في الكرم والفضل)، يعني أن البدل فيه معنى التكرير ومعنى التوضيح. فالتوضيح يرفع الإبهام عن نفس المتبوع، والتوكيد يرفع إبهام ما عسى أن يتوهم في النسبة. وإلى التوكيد الإشارة بقوله: "التوكيد لما فيه من التثنية"، وإلى التوضيح الإشارة بقوله:
[ ١ / ٧٥٧ ]
و(الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) هم المؤمنون، وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام؛ لأن من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه، وعن ابن عباس ﵄: هم أصحاب موسى ﵇ قبل أن يغيروا، …
_________________
(١) ـ "والإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره"، ثم إذا اجتمع رفع الإبهامين يصير ذلك المبهم مشخصًا معينًا، وهو المراد بقوله: "فهو المشخص المعين لاجتماعهما فيه غير مدافع ولا منازع"، فإذن الفرق بين التأكيد وعطف البيان والبدل هو: أن البدل يوضح المتبوع كالبيان، ويؤكد أمر المتبوع في النسبة كالتأكيد، وفيه أمر زائد عليهما وهو أنه توكيد لنفس النسبة، وإليه أومأ بقوله: "كأنه قيل: اهدنا الصراط المستقيم، اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم". قوله: (ليشمل كل إنعام)، تعليل للإطلاق، وقوله: "لأن من أنعم الله عليه" تعليل للاشتمال، يعني أن الأصل أن يذكر متعلق "أنعمت"، وهو الإسلام، فأطلق ليشمل كل إنعام، ثم كنى به عن ذلك المقيد ليؤذن بأن نعمة الإسلام مشتملة على جميع النعم، فلو قيد أولًا، لم يفد هذه الفائدة. قال الإمام: النعمة عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير. وسيجيء تقرير هذا التعريف في سورة "لقمان" إن شاء الله تعالى. وقال القاضي: الإنعام إيصال النعمة، وهي في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان؛ فأطلقت لما يستلذه من النعمة وهي اللين، ونعم الله- وإن كانت لا تحصى- منحصرة في جنسين: دنيوي وأخروي. والدنيوي: إما موهبي كخلق البدن والقوى الحالة فيه ونفخ الروح وإشراقه بالعقل
[ ١ / ٧٥٨ ]
وقيل: هم الأنبياء، وقرأ ابن مسعود: (صراط من أنعمت عليهم). (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) بدل من (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من غضب الله والضلال، أو صفة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة من غضب الله والضلال
_________________
(١) ـ وما يتبعه من القوى كالفهم والفكر، أو كسبي: كتزكية النفس عن الرذائل، وتحليتها بالأخلاق الفاضلة، وكتزيين البدن بالهيئات المستحسنة والمال والجاه. والأخروي: أن يغفر ما فرط منه، ويرضى عنه ويبوئه في مقعد صدق. والمراد ها هنا القسم الأخير، فإن ما عداه يشترك فيه المؤمن والكافر. وقلت: الأشبه الحمل على الإطلاق كما ذكر المصنف. نعم الذرائع النعم العاجلة لتحصيل النعم الآجلة؛ ولهذا من الله تعالى على حبيبه بقوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) [الضحى: ٦] إلى آخر السورة. قوله: (وقيل: هم الأنبياء)، يدل عليه قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ) [مريم: ٥٨] قال: "مِنْ" للبيان؛ لأن جميع الأنبياء منعم عليهم. وأولى الوجوه الأول؛ إذ عم كل من آمن بالله من الأنبياء وغيرهم ليطابق ألفاظ السورة، ويعضده قوله: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، لا توقيت فيه". قوله: (على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سلموا)، يعني إنما يصح إبدال هذا من ذلك إذا اعتبر مفهوم أحدهما مع منطوق الآخر ليتفقا. ولذلك قال: "هم الذين سلموا من غضب الله"، ووسط ضمير الفصل، وهو من بدل الكل. وإذا جعل (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) صفة لـ (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) كان من قبيل: شجاع باسل؛ من إقامة الوصف مقام الموصوف
[ ١ / ٧٥٩ ]
فإن قلت: كيف صح أن يقع "غير" صفة للمعرفة وهو لا يتعرف وإن أضيف إلى المعارف؟ قلت: (الذين أنعمت عليهم) لا توقيت فيه، فهو كقوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
_________________
(١) ـ لرسوخه فيه، فآذن ذلك بأن تلك الذات جامعة لهذين المعنيين، وإليه الإشارة بقوله: "على أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وبين السلامة من غضب الله". قوله: (لا يتعرف)، يقال: تعرفت ما عند فلان، أي: تطلبت حتى عرفت. قوله: (لا توقيت فيه)، أي: "الذين أنعمت عليهم"، قريب من النكرة؛ لأنه لم يقصد به قوم بأعيانهم، و"غير المغضوب عليهم" قريب من المعرفة بالتخصيص الحاصل لها بالإضافة. وكل واحد منهما فيه إبهام من وجه واختصاص من وجه. التخمير: المؤقت في الأصل: هو الذي حد وقته، ثم جعل عبارة عن المحدود. قوله: (ولقد أمر على اللئيم يسبني)، تمامه: فمضيت ثمة قلت: لا يعنيني لم يرد باللئيم لئيمًا بعينه، ولا كل اللئام لاستحالته، ولا الحقيقة لاستحالة أن يمر على مجرد الحقيقة لعدمها في الخارج بل لئيمًا من اللئام، واللام للعهد الذهني "المعبر عنه بتعريف الجنس على ما سبق في (الْحَمْدُ لِلَّهِ) ". قال ابن الحاجب: الحقيقة الذهنية معرفة في الذهن، نكرة في الخارج، فقوله: "يسبني" صفة للئيم.
[ ١ / ٧٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ قال الزجاج: وهو بمنزلة قولك: إني أمر على الرجل مثلك فأكرمه، هذا المثال أظهر؛ لأن الأول يحتمل الحال. وأجيب أنه لا يحتملها؛ لأن القائل يمدح نفسه ويصف أناته وتؤدته، وأن الحلم دأبه وعادته، لا أنه مر على لئيم معين مرة، وأنه احتمل مساءته ومسبته. وعن بعضهم: لا يحتملها لئلا تكون مقيدة؛ لأن الجملة وهي "يسبني" إذا كانت حالًا تكون مقيدة بخلاف الصفة. وقلت: دل عطف "فمضيت" و"قلت"- وهما ماضيان- على "أمر" وهو مضارع على إرادة الاستمرار المورث للعادة كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) [فاطر: ٢٩]، وعلى أن المسبة والتغافل إنما يحدثان منه عند مروره عليه. فإن قلت: جعلت هذا الوجه- أي: عدم التعيين في الصفة والموصوف- أقوى الوجوه وقد روى الترمذي عن عدي بن حاتم: أن رسول الله ﷺ قال: "المغضوب عليهم اليهود والضالون هم النصارى". قلت: قاله صلوات الله عليه وسلم تعريضًا بعدي؛ يدل عليه: ما روينا عن الترمذي أيضًا عن عدي قال: أتيت رسول الله ﷺ وكنت جئت بغير أمان ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي ثم ساق الحديث إلى قوله: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال لي: "يا عدي، ما يفرك من الإسلام أن تقول: "لا إله إلا الله" فهل تعلم من إله سوى الله؟ قلت: لا، ثم قال: أتفر من أن يقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ قلت: لا. قال: اليهود مغضوب
[ ١ / ٧٦١ ]
ولأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم، فليس في (غَيْرِ) إذن الإبهام الذي يأبى عليه أن يتعرف. وقرئ بالنصب على الحال،
_________________
(١) ـ عليهم والنصارى ضلال، قلت: فإني حنيف مسلم، فرأيت وجهه تبسط فرحًا" قلت: وكان عدي نصرانيًا. الراغب: إن قيل: كيف فسر على ذلك وكلا الفريقين ضال ومغضوب عليه؟ قيل: خص كل فريق منهم بصفة كانت أغلب عليهم، وإن شاركوا غيرهم في صفات ذم. إن قيل: ما الفائدة في ترادف الوصفين، وأحدهما يقتضي الآخر؟ قيل: ليس من شرط الخطاب أن يقتصر في الأوصاف على ما يقتضي وصفًا آخر دون ذلك الآخر، ألا ترى أنك تقول: حي سميع بصير، والسمع والبصر يقتضي الحياة؟ ! ثم ليس من شرط ذلك أن يكون ذكره لغوًا، وإنما ذكر (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)؛ لأن الكفار قد شاركوا المؤمنين في إنعام كثير، فبين بالوصف أن المراد ليس إلا نعمة مخصوصة. قوله: (ولأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم)، قال أبو البقاء: إن "غير" إذا وقعت بين متضادين وكانا معرفتين تعرفت بالإضافة، كقولك: عجبت من الحركة غير السكون. الراغب: الضلال والخطأ: العدول عن الطريق المستقيم، وعن الصواب، سواء كان العدول عن ذلك عمدًا أو سهوًا، وسواء كان يسيرًا أو كثيرًا، والصواب من الشيء يجري
[ ١ / ٧٦٢ ]
وهي قراءة رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب ﵁، ورويت عن ابن كثير. وذو الحال: الضمير في "عليهم"، والعامل "أنعمت"، وقيل: (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ): هم اليهود، لقوله: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) [المائدة: ٦٠].
_________________
(١) ـ مجرى القرطاس من المرمى في أنه هو الصواب وباقيه ضلال وخطأ؛ ولهذا قالوا: كوننا أخيارًا من وجه واحد، وكوننا أشرارًا من وجوه كثيرة. ولصعوبة الصواب وكونه واحدًا، ورد في الألفاظ النبوية: "استقيموا ولن تحصوا"، وعلى هذا النظر قال: "من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد". وإذا علم هذا، علم أن ليس كل خطأ وضلال يستحق به العقاب الدائم؛ بل كما قد يسمى أكبر الكبائر نحو الكفر ضلالًا وباطلًا وخطًا، قد يسمى بذلك أصغر الصغائر، وقد يتقارب الوصفان جدًا وموصوفاهما متباعدان، فعرض الضلال والخطأ عريض، والتفاوت بين أدناه وأقصاه كثير، ولذلك قال للنبي ﷺ: (وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى) [الضحى: ٧] أي: وجدت غير مهتد إلى ما سيق إليك من النبوة والعلم. وقوله: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [آل عمران: ١٦٤] وقد يعبر عن سوء الاختيار نحو: (فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ) [الشعراء: ٢٠] ويعبر عن الخيبة قال: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) [القمر: ٤٧]. قوله: (قراءة رسول الله ﷺ)، أي: عادته في القراءة، وإلا فجميع الروايات قراءته، وهذه القراءة شاذة سواء أسندت إلى رسول الله ﷺ أو نسبت إلى ابن كثير؛ لكونها لم تثبت عند الأئمة السبعة. قال الزجاج: ويجوز أن النصب على الحال، أي: أنعمت عليهم لا مغضوبًا عليهم، أو
[ ١ / ٧٦٣ ]
والضالون: هم النصارى لقوله: (قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) [المائدة: ٧٧]. فإن قلت: ما معنى غضب الله؟ قلت: هو إرادة الانتقام من العصاة،
_________________
(١) ـ على الاستثناء. وحق "غير" في الاستثناء النصب إذا كان ما بعد إلا منصوبًا. وقال الفراء: لا يجوز الاستثناء؛ لأنه حينئذ بمعنى سوى، فلا يجوز أن يعطف عليها بـ "لا"؛ لأنها نفي وجحد ولا يعطف الجحد إلا على الجحد، ولا يجوز: جاءني القوم إلا زيدًا ولا عمرًا. وأجازه الأخفش وقال: جاءني القوم إلا زيدًا، معناه لا زيد فيجوز العطف عليه بـ "لا" حملًا على المعنى. وقال أبو البقاء: وذو الحال الضمير في "عليهم"، ويضعف أن يكون حالًا من "الذين"؛ لأنه مضاف إليه، و"الصراط" لا يصح بنفسه أن يعمل في الحال. وقيل: يجوز ويعمل فيها معنى الإضافة. قوله: (هو إرادة الانتقام)، المعنى ما سبق في الرحمن الرحيم. ولهذه الطريقة مسلك آخر وهو: أن الغضب تغير يحدث عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام، وهو على الله تعالى محال، فيحمل على إرادة الانتقام. والقانون في أمثاله هو أن جميع الأعراض النفسانية مثل الرحمة والفرح والسرور والغضب والحياء والمكر والخداع والاستهزاء لها أوائل وغايات، فإذا وصف الله تعالى بشيء منها، يكون محمولًا على الغايات، لا على البدايات. مثاله: الغضب ابتداؤه غليان دم القلب، وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليهم؛ فلفظ الغضب في حق الله تعالى يحمل على إرادة الانتقام كما قاله، لا على غليان دم القلب. قال ابن
[ ١ / ٧٦٤ ]
وإنزال العقوبة بهم، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده، نعوذ بالله من غضبه، ونسأله رضاه ورحمته. فإن قلت: أي فرق بين (عَلَيْهِمْ) الأولى، و(عَلَيْهِمْ) الثانية؟ قلت: الأولى: محلها النصب على المفعولية، والثانية: محلها الرفع على الفاعلية. فإن قلت: لم دخلت "لا" في: (وَلا الضَّالِّينَ)؟
قلت: لما في "غير" من معنى النفي كأنه قيل: لا المغضوب عليهم ولا الضالين، وتقول: أنا زيدًا غير ضارب،
_________________
(١) ـ جني: ولما ذكر النعمة صرح بالخطاب لموضع التقرب من الله بذكر نعمته، وأسند النعمة غليه، ولما صار إلى ذكر الغضب روى عنه تعالى الغضب وانحرف إلى الغيبة، فانظر إلى هذه الأسرار. قوله: (وأن يفعل)، معطوف على إنزال العقوبة بهم من باب: أعجبني زيد وكرمه. قوله: محلها الرفع على الفاعلية)، قال أبو البقاء: ليس في "غير المغضوب" ضمير؛ لقيام الجار والمجرور مقام الفاعل؛ ولذلك لم يجمع. قوله: (لم دخلت لا؟)، تقرير السؤال: لم دخلت "لا" في (وَلا الضَّالِّينَ) ولا منفي قبله، وإنما يؤتى بـ "لا" بعد حرف العطف إذا كان قبله منفي، يقال: ما جاء زيد ولا عمرو، ولا يقال: جاء زيد ولا عمرو؟ قوله: (لما في "غير" من معنى النفي)، اعلم أن "لا" مزيدة عند البصريين لتوكيد النفي، وعند الكوفيين بمعنى غير.
[ ١ / ٧٦٥ ]
مع امتناع قولك: أنا زيدًا مثل ضارب، لأنه بمنزلة قولك: أنا زيدًا لا ضارب. وعن عمر وعلي ﵄ أنهما قرآ: (وغير الضالين).
وقرأ أيوب السختياني: (ولا الضالين) بالهمزة، كما قرأ عمرو بن عبيد: (ولا جأن) [الرحمن: ٣٩، ٥٦، ٧٤]، وهذه لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين،
_________________
(١) ـ قوله: (مع امتناع قولك: أنا زيدًا مثل ضارب)، قال الزجاج: النحويون يجوزون أنت زيدًا غير ضارب، ولا يجوزون: أنت زيدًا مثل ضارب؛ لأن زيدًا من صلة ضارب فلا يتقدم عليه. تم كلامه. وذلك أن وقوع المعمول فيما لا يقع فيه عامله ممتنع فامتنع قولك: أنا زيدًا مثل ضارب؛ لأن "مثل" مضاف إلى ضارب و"زيدًا" معموله، فكما لا يجوز تقدم ضارب على المثل لأنه مضاف إليه للمثل، لا يجوز تقدم "زيدًا" عليه. وقولك: أنا زيدًا غير ضارب، إنما يجوز؛ لأن "غير" لما كان متضمنًا معنى النفي، كان بمنزلة: أنا زيدًا لا ضارب، والإضافة في "غير" كلا إضافة. قوله: (أيوب السختياني)، قال صاحب "الجامع": هو أيوب بن أبي تميمة السختياني كان إمامًا ثقة ثبتًا حجة ورعًا، أتى أنسًا، وسمع الحسن وابن سيرين. السختياني بسكون الخاء المعجمة وكسر التاء فوقها نقطتان وبالنون، منسوب إلى السختيان: وهي الجلود. قوله: (جد في الهرب)؛ لأن التقاء الساكنين فيما إذ كان أولهما حرف لين والثاني مدغمًا فيه مغتفر، فإذا هرب عن هذا الجائز فقد جد في الهرب.
[ ١ / ٧٦٦ ]
ومنها ما حكاه أبو زيد من قولهم: شأبة ودأبة.
"آمين": صوت سمي به الفعل الذي هو استجب، كما أن: رويد، وحيهل، وهلم أصوات سميت بها الأفعال التي هي: أمهل وأسرع وأقبل. وعن ابن عباس سألت رسول الله ﷺ عن معنى آمين، فقال: "افعل"،
_________________
(١) ـ قال ابن جني: ذكر أن أيوب سئل عن هذه القراءة فقال: هي بدل من المدة لالتقاء الساكنين، وحكى اللحياني في الباز: البأز بالهمزة. ووجهه: أن الألف ساكنة ومجاورة لفتحة الباء قبلها. وقد ثبت أن الحرف الساكن إذا جاور الحركة فإنهم ينزلونه منزلة المحتمل بها كما في الوقف على بكر هذا بكر. قوله: ("آمين" صوت ٩، أي: لفظ سمي به الفعل. قال صاحب "الضوء": إنهم وإن قالوا: إن هذه الأسماء موضوعة مواضع الأفعال إلا أن ذلك تجوز منهم؛ لأنها موضوعة مواضع مصادر سادة مسد أفعالها. فإذا قلت: صه فمعناه: سكوتك بالنصب، أي: اسكت سكوتك ثم أقيم صه مقامه، ولما كان هو سادًا مسد الفعل عبر النحويون بأنه اسم للفعل قصرًا للمسافة، وإلا فهو اسم للمصدر في الحقيقة. وقديمًا كان يختلج هذا التأويل في صدري حتى ظفرت بنص من قبل أبي إسحاق الزجاج، فإنه ذكر في "آمين" أنه صوت موضوع موضع الاستجابة، كما أن "صه" موضوع موضع السكوت. وقال الزجاج: وحقه من الإعراب الوقف؛ لأنه بمنزلة الأصوات إذ كان غير مشتق من فعل إلا أن النون فتحت لالتقاء الساكنين.
[ ١ / ٧٦٧ ]
وفيه لغتان: مد ألفه قوصرها، قال:
ويرحم الله عبدًا قال آمينا
وقال:
أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
وعن النبي ﷺ: "لقنني جبريل: آمين، عند فراغي من قراءة فاتحة الكتاب".
وقال: إنه كالختم على الكتاب، وليس من القرآن، بدليل أنه لم يثبت في المصاحف، وعن الحسن أنه لا يقولها الإمام؛ لأنه الداعي.
_________________
(١) ـ قوله: (ويرحم الله)، تمامه: يا رب لا تسلبني حبها أبدًا قوله: (أمين فزاد الله)، تمامه: تباعد مني فطحل إذ لقيته البيتان أنشدهما الزجاج. قوله: (كالختم على الكتاب)، روينا عن أبي زهير النميري قال: قال رسول الله ﷺ لرجل قد ألح في المسألة: "أوجب أن ختم" فقيل: بأي شيء؟ قال: "بآمين" قال أبو زهير: آمين مثل الطابع على الصحيفة. أخرجه أبو داود. كما أن الختم على الكتاب يمنعه من ظهور ما فيه على غير من كتب إليه- وهو الفساد- كذا الختم في الدعاء يمنعه من الفساد الذي هو الخيبة. لما روينا عن مسلم عن أبي هريرة قال:
[ ١ / ٧٦٨ ]
وعن أبي حنيفة مثله، والمشهور عنه وعن أصحابه أنه يخفيها.
وروى الإخفاء عبد الله بن مغفل، وأنس عن رسول الله ﷺ، وعند الشافعي ﵁ يجهر بها. وعن وائل بن حجر أن النبي ﷺ كان إذا قرأ (وَلا الضَّالِّينَ) قال: آمين، ورفع بها صوته. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: لأبي بن كعب: "ألا أخبرك بسورة لم ينزل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: "فاتحة الكتاب، إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته". وعن حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتمًا مقضيًا، فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة.
_________________
(١) ـ قال رسول الله ﷺ: "إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم وليعظم الرغبة" أي: في الإجابة. قوله: (في الكتاب)، المغرب: أكتب الغلام وكتبه: علمه الكتاب، ومنه سلم غلامه إلى مكتب أي: معلم الخط. روي بالتخفيف والتشديد. وأما المكتب والكتاب فمكان التعليم وقيل: الكتاب: الصبيان. الجوهري: الكتاب: الكتبة، والكتاب أيضًا والمكتب واحد. وعن المبرد: ومن قال للموضع: الكتاب فقد أخطأ. وفي معناه روينا عن الدارمي عن ثابت بن عجلان الأنصاري: كان يقال: إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم الصبيان بالحكمة صرف ذلك عنهم. يعني بالحكمة: القرآن.
[ ١ / ٧٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ قال محيي الدين النواوي صاحب "الروضة": ومن الموضوع الحديث المروي عن أبي ابن كعب في فضل القرآن سورة سورة، وقد أخطأ من ذكره من المفسرين. وزاد الصغاني: وضعه رجل من أهل عبادان وقال: لما رأيت الناس اشتغلوا بالأشعار وفقه أبي حنيفة ﵀ وغير ذلك ونبذوا القرآن وراء ظهورهم، أردت أن أضع لكل سورة فضيلة أرغب الناس بها في قراءة القرآن، وقل تفسير خلا من ذكر هذه الفضائل إلا من عصمه الله تعالى، والله أعلم بتحقيقه. تمت السورة بحمد الله وحسن توفيقه
[ ١ / ٧٧٠ ]