مكية وهي تسعون وثماني أو تسع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(كهيعص* ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا* إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا)].
(كهيعص) قرأ بفتح الهاء وكسر الياء حمزة، وبكسرهما عاصم، وبضمهما الحسن
_________________
(١) ـ سورة مريم مكية، وهي ثمان وتسعون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (بفتح الهاء وكسر الياء) يريد بالكسر: الإمالة من: كسرت العُقابُ جناحها: إذا مالت للانقضاض، قال صاحب "التيسير": قرأ أبو بكر والكسائي: بإمالة فتحة الياء والهاء، وابن كثير وحفصٌ: بفتحهما، وابن عامرٍ وحمزة: بفتح الهاء وإمالة الياء، وأبو عمرو: بإمالة الهاء وفتح الياء، ونافعٌ: بالهاء والياء بيْن بيْن. وقال ابن جني: قرأ الحسن بفتح الهاء ورفع الياء، وقرأ أيضًا بضم الهاء وفتح الياء،
[ ٩ / ٥٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ .. وقال: الإمالة والتفخيم في حروف المعجم ضربٌ من ضروب التصرف، وذلك أنها إذا فارقت موضعها من الهجاء صارت أسماء ودخلها ضربٌ من القوة فتصرفت، فحملت افمالة والتفخيم، فمن قال: (يا) جنح بالإمالة إلى الياء كما في نحو السيال، ومن فخم تصور أن عين الفعل في الياء منقلبة عن الواو، الباب والدار والمال، وذلك أن هذه الألفات، وإن كانت مجهولة، لأنه لا اشتقاق لها، فإنها تُحمل على ما هو في اللفظ مشابه لها، والألف إذا وقعت عينًا فجهلت، فالواجب فيها أن يعتقد أنها منقلبة عن الواو. على ذلك وجدنا سرد اللغة، هذا قول جامعٌ في هذا الضرب من الألفات، فاعرفه واغن به عما وراءه. وقال صاحب "التقريب": ولا تنقلب الألفُ واوًا لهذه الضمة، بل تُسمى ألفها ألف التفخيم. في "اللوامح": هذه الكلماتُ الثلاثُ مترجمٌ عنها بالضم، وليست مضمومات بالحقيقة؛ لأنهن لو كُن كذلك لوجب قلبُ ما بعدهن من الألفات واواتٍ، بل نُحيت هذه الألِفاتُ نحو الواو، على لغة أهل الحجاز، وهي التي تسمى ألف التفخيم بضد الألف المُمالة. والمراد بالكلمات الثلاث: الكاف والهاء والياء؛ لأنه رُوي عن الحسن ضم الكاف أيضًا.
[ ٩ / ٥٦٠ ]
وقرأ الحسن: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ) أي: هذا المتلوّ من القرآن ذكر رحمة ربك. وقرئ: (ذكر) على الأمر، راعى سنة الله في إخفاء دعوته؛ لأنّ الجهر والإخفاء عند الله سيان، فكان الإخفاء أولى؛ لأنه أبعد من الرياء وأدخل في الإخلاص. وعن الحسن: نداء لا رياء فيه، أو: أخفاه؛ لئلا يلام على طلب الولد
_________________
(١) ـ قوله: (وقرأ الحسنُ: "ذكر رحمة ربك")، قال ابن جني: فاعل "ذكر" ضميرُ ما تقدم، أي: هذا المتلو من القرآن الذي هذه الحروف اوله وفاتحته يُذكر رحمة ربك، وإن شئت كان تقديره مما يُقص عليك أو يُتلى عليك: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا). قال أبو البقاء: و(ذِكْرُ): مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول، والتقدير: هذا إن ذكر ربُّكَ رحمته عبده. وقيل: هو مضافٌ إلى الفاعل، على الاتساع، والمعنى: هذا إن ذكرت رحمة ربك، فعلى الأول ينتصب عبده برحمة، وعلى الثاني بـ"ذكر". قوله: (راعى سنة الله)، "سنة الله" من إضافة المصدر إلى المفعول، لا إلى الفاعل، يعني: راعى زكريا سنة العبودية مع المعبود في إخفاء دعائه، فإذن ينطبق عليه التقليل بقوله: "لأن الجهد والخفاء عند الله سيان"، وأما قوله تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ) [الفتح: ٢٣] فمن إضافة المصدر إلى الفاعل. قوله: (نداءً لا رياء فيه)، فيكون الإخفاء ملزومًا للإخلاص الذي هو: عدم الرياء؛ لأن الإخفاء أبعدُ من الرياء. ولما كنى عن عدم الرياء بالخفاء عُلم أن لا اعتبار للظاهر، وأن الأمر يدور على الإخلاص حتى إنه لو نادى جهرًا بلا رياء دخل فيه، أو نادى سرًا بلا إخلاص خرج منه، وفي الجمع بين النداء والإخفاء إيماءٌ إلى هذا المعنى. الراغب: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ): أشار بالنداء إلى الله تعالى؛ لأنه تصور نفسه بعيدًا منه
[ ٩ / ٥٦١ ]
في إبان الكبرة والشيخوخة. أو: أسره من مواليه الذين خافهم. أو خفت صوته لضعفه وهرمه، كما جاء في صفة الشيخ: صوته خفات، وسمعه تارات. واختلف في سنّ زكريا ﵇، فقيل: ستون، وخمس وستون، وسبعون، وخمس وسبعون، وخمس وثمانون.
_________________
(١) ـ بذنوبه وأحواله السيئة. وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ) [فصلت: ٤٤]، فاستعمال النداء فيهم تنبيه على بعدهم عن الحق، وقوله: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ) [آعمران: ١٩٣]، فالإشارة بالمنادي إلى العقل والكتاب المنزل والرسول المرسل وسائر الآيات الدالة على وجوب الإيمان بالله، وجعله مناديًا للإيمان لظهوره ظهور النداء، وحثه على ذلك كحث المنادي. فإن قلت: كيف جمع بين النداء وهو رفع الصوت، وبين (خَفِيًّا) وهو خفتُ الصوت؟ قلت: جعل (خَفِيًّا) مجازًا عن الإخلاص لا كناية؛ لأن المجاز ينافي إرادة الحقيقة، والنداء عبارة عن إهار الاستكانة وإبداء التضرع والخشوع. قوله: (في إبان الكبرة)؛ الجوهري: إبان الشيء بالكسر التشديد: وقته، وقال: الكبرُ في السن، وقد كبر الرجل يكبر كبرًا، أي: أسن، والاسم: الكبرة، بفتح الكاف وسكون الباء. يقال: علت فلانًا كبرةٌ. قوله: (أو: خفت صوته)، بالرفع والنصب. الجوهري: خفت الصوت خفوتًا: سكن، والمخافتة والتخافت: إسرار النمطق، والخفت مثله. قوله: (صوته خُفاتٌ). الأساس: خفت صوته خفوتًا، وصوته خافتٌ خفيتٌ، وخفت الرجل: سكت فلم يتكلم، وأخذه السُّكاتُ والخُفاتُ. قوله: (سمعه تاراتٌ)، أي: مسموعه، فلا يحتاج إلى التكرار. الأساس: فعل ذلك تاراتٍ وتارة بعد أخرى.
[ ٩ / ٥٦٢ ]
[(قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا)].
قرئ: (وَهَنَ) بالحركات الثلاث. وإنما ذكر العظم؛ لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن. ووحده؛ لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، ولو جمع لكان قصدا إلى معنى آخر؛ وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها. إدغام السين في الشين عن أبي عمرو
_________________
(١) ـ قوله: «وَهَنَ): بالحركات الثلاث)، بفتح الهاء: السبعةُ، والضم والكسرُ: شاذ. الراغب: الوهن: ضعفٌ من حيث الخلقُ أو الخُلُق، قال تعالى: (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي)، وقال تعالى: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) [النساء: ١٠٤]. قوله: (ولأنه شد ما فيه)، عطفٌ على "لأنه عمودُ البدن"، يعني: أصلُ الكلام: ضعف بدني، وإنما كنى عنه بقوله: (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) وخص العظم بالذكر؛ لأنه كالأساس للبدن وكالعمود للبيت، فإذا وقع الخللُ في الأُس وسقط العمود تداعي الخلل في البناء وسقط البيت، فالكناية مبنية على التشبيه، أو أن العظم أصلبُ ما في الإنسان فيلزم من وهنه وهنُ جميع الأعضاء بالطريق الأولى، فالكناية غير مسبوقة بالتشبيه. قوله: (وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها)، قال صاحب "الفرائد": ذُكر في أصول الفقه ان اللام إذا دخلت على الجمع بطل الجمعُ وتعلق الحكم بكل فردٍ فردٍ، باعتبار الجنس. سلمنا أن الجمع لم يبطل ولكن من أين يلزم المعنى الذي ذكره وهو القصد إلى أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها؟ غاية ما في الباب احتمال عدم وهن البعض لكن من الاحتمال لا يلزمُ الوجود، بل يمكن أن يكون القصد إلى كل واحدٍ من العظام؛ لأن هذا محتملُ اللفظ، كما أن ذلك محتمله، والوجه أن يقال: اختير الواحد احترازًا عن هذا الاحتمال.
[ ٩ / ٥٦٣ ]
شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وانتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار؛ ثم أخرجه مخرج الاستعارة،
_________________
(١) ـ وأقولُ: إن الكلام إذا كان مُنصبًا إلى غرضٍ من الأغراض جُعل سياقه له وتوجهه إليه، كأن ما سواه مرفوضٌ مُطرح، هذا نص المصنف في سورة "يس". المقصود من الإيراد في هذا المقام: إظهارُ الضعف في البدن وإبداءُ تساقط القوى؛ ألا ترى إلى أداة الحصر في قوله: "وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه" يعني: ما ذكر العظم لأن يكون الكلام فيه، بل لأن ينبه على ان هذا الجنس الذي هو عمود البدن وقوامه قد أصابه الوهن، ولو قيل: العاظم لرجع القصد إلى أن الكلام في العظام في أنه لم يهن بعضها فقط بل كلها؛ لأن ترك المفرد إلى الجمع ثم تحليته باللام الاستغراقية يُنبئ عن أن القصد إلى أنه لم يهن بعض العظام بل كلها، ويخرج عن المقصود، ألا ترى إلى تصريحه بالقصد في قوله: "لكان قصدًا إلى معنى آخر" وتكريره. ونحوه قوله: (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) [طه: ٦٩]، فإنه لو قيل: السحرة، لأوهم أن الجمعية معتبرةٌ في الحكم بعدم الفلاح، بخلاف المفرد، فإن القصد فيه أن هذا الجنس، وأن ما يقال له: الساحر، محكوم عليه بأنه لا يفلح. قوله: (شبه الشيب بشواظ النار)، إلى قوله: (وفشوه … باشتعال النار)، كتب صاحب "الإيضاح". في حاشية كتابه: أن في جعل الآية من التشبيهين نظرًا؛ لأن المذكور في طرفي التشبيه في الاستعارة بالكناية اسم المشبه دون المشبه به، والاستعارة بالكناية تستلزم الاستعار التخييلية، فإن التخييلية هي: إما إثبات أمر مختص بالمشبه به للمشبه، من يغر أن يكون هناك أمرٌ ثابت حسًا أو عقلًا أطلق عليه اسم ذلك الأمر، وإما إطلاقُ لفظٍ على
[ ٩ / ٥٦٤ ]
ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس. وأخرج الشيب مميزا، ولم
_________________
(١) ـ صورة وهمية قُدرت مشابهة لصورة محققة هي معنى ذلك اللفظ، فلو كان تشبيه الشيب بشواظ النار كما ذكره مقصودًا في الآية لكانت استعارة بالكناية، ولو كانت استعارة بالكناية لكان قوله: (وَاشْتَعَلَ): استعارة تخييلية، وذلك لا يمكن؛ لأنه جعل انتشار الشيب في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذٍ تشبيهًا باشتعال النار، وهو ينافي ذلك الأمر لما مر أن الإستعارة التخييلية لا تعتمد المشبه أمرًا محققًا، والأول أن يُجعل المشبه انتشار الشيب في الشعر، والمشبه به اشتعال النار، والجامع: فشو الشيء في الشيء. وقلتُ: إنما دخل عليه هذا من جعل التشبيهين تمهيدًا لقاعدة الاستعارة المكنية؛ لأنها مستدعية لما ذكر، وذهب عنه أن التشبيهين تمهيدٌ للاستعارة التمثيلية وهو أن يُنتزع التشبيه من عدة أمور متصورة فلابد من سبق تشبيه حالة الشيب بحالة النار وحالة فشوه في الرأس وأخذه منه كل مأخذ بحالة اشتعال النار في الحطب الجزل. كما قال: واشتعل المبيض في مسوده … مثل اشتعال النار في جزل الغضا والجامع: سرعة انبساط بياض في سواد مع تعذر التلافي، ثم حُذف أحد طرفي التشبيه وهو المشبه وإخراج المشبه به مخرج المشبه ليتم أمر الاستعارة، وإليه الإشارة بقوله: "ثم أخرجه مخرج الاستعارة". وأما اختيار صاحب "الإيضاح": والأولى أن يجعل المشبه انتشار الشيب في الشعر، والمشبه به اشتعال النار، فمرجعه إلى الاستعارة التبعية، وهو لا ينافي ذلكا لتقرير، على أن التشبيه كلما كان أكثر تفصيلًا كان أدخل في الحُسن. قوله: (ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر)، هذا أخذٌ في مشرع علم المعاني بعد الفراغ من مشرع علم البيان، يريد أن أصل الكلام: اشتعل شيب رأسي، فترك هذه المرتبة إلى ما هي أبلغ، هي اشتعل رأسي شيبًا، وكونها أبلغ من جهات، إحداها: إسنادُالاشتعال إلى الرأس لإفادة شمول الاشتعال؛ لأن وزان "اشتعل شيبُ رأسي" و"اشتعل رأسي شيبًا"،
[ ٩ / ٥٦٥ ]
يضف الرأس؛ اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة. توسل إلى الله بما سلف له من الاستجابة. وعن بعضهم: أن محتاجا سأله وقال: أنا الذي أحسنت إلىّ وقت كذا. فقال: مرحبا بمن توسل بنا إلينا. وقضى حاجته.
[(وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)].
كان مواليه وهم عصبته: إخوته وبنو عمه شرار بني إسرائيل، فخافهم على الدين أن يغيروه ويبدّلوه، وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته، فطلب عقبا من صلبه صالحا يقتدي به في إحياء الدين ويرتسم مراسمه فيه.
_________________
(١) ـ وزانُ "اشتعل النار في بيته" و"اشتعل بيته نارًا". وثانيها: الإجمال والتفصيل في طريق التمييز. ولثها: تنكير (شَيْبًا) لإفادة التعظيم، ذكره صاحب "المفتاح" تفسيرًا لقول المصنف. ولما بين المعنى من جهة البيان ومن جهة المعاني قال: "ومن ثم فصُحت هذه الجملة وشُهد لها بالبلاغة". قوله: (توسل إلى الله بما سلف له معه من الاستجابة)، قال القاضي: وفيه أيضًا تنبيه على أن المدعو له وإن لم يكن معتادًا فإجابته معتادة، وأنه تعالى عوده بالإجابة وأطعمه فيها، ومن حق الكريم ألا يجيب من أطعمه. قوله: (ويرتسم مراسمه). الجوهري: رسمت له كذا فارتسمه، أي: امتثله.
[ ٩ / ٥٦٦ ]
(مِنْ وَرائِي): بعد موتي. وقرأ ابن كثير: (من وراءي) بالقصر، وهذا الظرف لا يتعلق بـ (خِفْتُ) لفساد المعنى، ولكن بمحذوف، أو: بمعنى الولاية في الموالي: أي: خفت فعل الموالي؛ وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي. أو: خفت الذين يلون الأمر من ورائي. وقرأ عثمان ومحمد بن على وعلى بن الحسين ﵃: (خفت الموالي من ورائي)، وهذا على معنيين: أحدهما: أن يكون (وَراءِي) بمعنى: خلفي وبعدي، فيتعلق الظرف بالموالي: أي: قلوا وعجزوا عن إقامة أمر الدين، فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بولي يرزقه. والثاني: أن يكون بمعنى قدامى، فيتعلق بـ (خِفْتُ)، ويريد أنهم خفوا
_________________
(١) ـ قوله: (وقرأ ابن كثير)، وهي شاذةٌ. قال أبو البقاء: وهو من قصر الممدود. قوله: (لفساد المعنى)، إذ المراد بالموالي: العصبة، لقوله: "كان مواليه وهم عصبته". وإنما لزم فساد المعنى؛ لأن الخوف واقعٌ فيا لحال لا فيما يستقبل، ولو جعل (مِنْ وَرَائِي) متعلقًا بـ (خَفَّتْ) لزم أن يكون الخوفُ واقعًا فيما يُستقبلُ، فلابد من تقدير محذوف، أوجعل الموالي من الولاية بالكسر، أي: كل من يملك بعده لا العصبة فقط ليصح، فيقال على الأول: (خَفَّتْ) فعل عُصبتي بعد موتي. وعلى الثاني: خفتُ الذين يلون الأمر من بعد موتي، فاللامث في الموالي على هذا: موصولةٌ ليتعلق الظرفُ بصلتها، ولهذا قال: الذين يلون الأمر من ورائي، وعلى الأول: اللامُ: حرفُ التعريف. وفي الكلام لف ونشر. قوله: (خفتِ الموالي)، الأساس: ومن المجاز خفت حاله ورقت، وأخف فلانٌ: صار خفيف الال، وفاز المخفون. قوله: (فيتعلق الظرف بالموالي)، أي: خفت الذين يلون الأمر من ورائي. ويجوز أن يُراد بالتعلق أن يكون حالًا منه. قال ابن جني: (مِنْ وَرَائِي): حالٌ متوقعةٌ محكية، أي: خفوا متوقعًا متصورًا كونهم بعدي. ومثله مسألة الكتاب، مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائدًا به غدًا، أي: متصورًا صيده غدًا.
[ ٩ / ٥٦٧ ]
قدامه ودرجوا ولم يبق منهم من به تقوّ واعتضاد. (مِنْ لَدُنْكَ): تأكيد لكونه وليا مرضيا، بكونه مضافا إلى الله تعالى وصادرا من عنده، وإلا فهب لي وليا يرثني كاف، أو أراد اختراعا منك بلا سبب؛ لأني وامرأتي لا نصلح للولادة. (يَرِثُنِي وَيَرِثُ)
_________________
(١) ـ قوله: (ودرجوا)، الراغب: الدرجُ: طي الكتاب والثوب، ويقال للمطوي: درجٌ. واستعير الدرج للموتن كما استعير الطي له في قولهم: طوته المنية، وقولهم: من دب ودرج، أي: من كان حيًا يمشي، ومن مات تطوى أحواله. قوله: (وإلا فهب لي وليًا يرثني كاف)، يعني (مِنْ لَدُنْكَ) يجب أن يُحمل على التأكيد، وإلا فالكلام مستغني عنه، وذلك أن قوله: (مِنْ لَدُنْكَ): تأكيدٌ لمعنى قوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي)؛ لأن هذا المطلوب، وما يكون من عند الله وموهبةً منه ومنسوبًا إليه لا يكون إلا خيرًا محضًا، فأكد بقوله: (مِنْ لَدُنْكَ) ذلك المعنى، فهو على هذا ظرفٌ لغوٌ، أو: صفةٌ لولي قُدمت فصارت حالًا مؤكدة، وهو معنى لطيف. والباء في قوله: "بكونه مضافًا" متعلقٌ بقوله: "تأكيدٌ"، أي: تأيدٌ بسبب كونه مضافًا إلى الله، ويجوز أن يكون (مِنْ لَدُنْكَ) حالًا منتقلة، وإليه الإشارة بقوله: "اختراعًا منك" أي: مخترعًا. قوله: «يَرِثُنِي وَيَرِثُ»، بالجزم: أبو عمرو والكسائي، والباقون: برفعهما. قال الزجاج: "الجزم على جواب الأمر، والرفع على صفة الولي".
[ ٩ / ٥٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … وقال أبو البقاء: الجزمُ على الجواب، أي: ن يهب يرث، والرفعُ على الصفة لـ"ولي"، وهو أقوى من الأول؛ لأنه سأل وليًا هذه صفته، والجزمُ لا يحصلُ بهذا المعنى. وقال صاحب "المفتاح": وأما قراءةُ الرفع، فالأولى حملُها على الاستئناف دون الوصف، لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا ﵉. وقلتُ: وكان من قصتهما على ما رواه ابن الأثير في تاريخه "الكامل": أن الله بعث عيسى ﵇ رسولًا فنسخ به بعض أحكام التوراة، وكان مما نُسخ آية حرمة نكاح بنت الأخ، وكان لملكهم بنت أخ تعجبه يريد أن يتزوجها، فنهاه يحيى عنها، كان لها كل يوم حاجة يقضيها لها، فلما بلغ ذلك أمها قالت لها: إذا سالك الملكُ: ما حاجتك؟ قولي: ان تذبح يحيى بن زكريا، فلما سألها قالت: أريد ذبح يحيى، وأبت إلا ذلك، فدعا بطستٍ وذبح يحيى، فقطرت من دمه قطرةٌ على الأرض، فلم تزل تغلي تى بعث الله بخت نصر، وألقى الله في قلبه أن يقتل على الدم من بني إسرائيل حتى يسكن، فقتل سبعين ألفًا حتى سكن. وروى السُّدي نحو هذا وأبسط. ولما قتل الملكُ يحيى وسمع أبوه قتله فر هاربًا، فدخل بُستانًا فأرسل الملكُ في طلبه فمر زكريا بشجرة فنادته: هلُمَّ إلي يا نبي الله، فدخل وانطبقت عليه، فدلهم إبليس، فشقوا الشجرة بالمنشار، فمات زكريا فيها، فسلط الله عليهم أخبث أهل الأرض فانتقم منهم.
[ ٩ / ٥٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … وأما سؤال صاحب "المفتاح" فواردٌ على الوجوه المذكورة في (يَرِثُنِي) كلها؛ لأن قوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) مرتبٌ بالفاء على الدعاء، وهو: (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) إلى قوله: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي)، وهو وصفٌ مناسبٌ لطلب ولدٍ شأنه أن يرث بعده. ويؤيده ما أورده محيي السنة في "المعالم": أنه خاف تضييع بني عمه دين الله وتغيير أحكامه على ما شاهد من بني إسرائيل من تبديل الدين وقتل الأنبياء، فسأل ربه ولدًا صالحًا يأمنه على أمته ويرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين، وهذا معنى قول عطاء عن ابن عباس. وروى قريبًا منه المصنف. على أن الاستئناف أيضًا رابطٌ معنوي، سيما أنه في هذا المقام واردٌ لبيان الموجب، قال المصنف في أول "البقرة": "إن الكلام المبتدأ عقيب "المتقين" سبيله الاستئناف، وإنه مبنيٌّ على تقدير سؤال، فذلك إدراجٌ له في حكم "المتقين"، وتابعٌ له في المعنى، وإن كان مبتدأ في اللفظ، فهو في الحقيقة كالجاري عليه". والجواب الصحيح: أن الأنبياء وإن كانوا مستجابي الدعوة لكن ليس كل ما دعوه استجيب لهم؛ لأن قضاء الله لا يُدفع، ألا ترى إلى إبراهيم ﵇ ودعائه في حق أبيه، وإلى دعوة نبينا صلوات الله عليه على ما رويناه عن الترمذي والنسائي، عن الخباب بن الأرت، قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة فأطالها، فقالوا: يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها؟ قال: "أجل، إنها صلاة رغبة ورهبة، إني سألتُ الله فيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألته أن لا يُهلك أمتي بسنةٍ فأعطانيها، وسألته أن لا يُسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يُذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها". وفي رواية
[ ٩ / ٥٧٠ ]
الجزم جواب الدعاء، والرفع صفة، ونحوه: (رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) [القصص: ٣٤]، وعن ابن عباس والجحدري: (يرثنى وارث آل يعقوب) نصب على الحال. وعن الجحدري: (أو يرث) على تصغير وارث، وقال: غليم صغير. وعن على ﵁ وجماعة: (وارث من آل يعقوب) أي: يرثني به وارث، ويسمى التجريد في علم البيان،
_________________
(١) ـ النسائي: "وسألت ربي أن لا يُلبسنا شيعًا فمنعنيها". وروى ابن ماجه، عن مُعاذ بن جبل نحوه. وكان من قضاء الله وقدره: أن يوجد يحيى نبيًا صالحًا ثم يُقتل ويغلي دمه ليتيح لثأره بُخت نصر، ويسكنه بقتل سبعين ألفًا، فاستجيب دعاء زكريا في أن بُشر بغلام اسمه يحيى، ولم يجعل له من قبل سميا، ونودي: (يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًَا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً)، ومُنع من أن يكون وارثًا لأبيه من بعده. كما كان من قضاء الله وقدره: أن يُقتل عثمانُ ﵁ مظلومًا فيُهدر بسببه دمُ جم غفيرٍ من الصحابة والتابعين يوم صفين والجمل وغيرهما، فاستجيب دعاؤه صلات الله عليه في تينك الخصلتين دون الثالثة ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، والله أعلم بحقائق الأمور. قوله: (يرثني وارث آل يعقوب)، بنصب "وارث"، قيل: هو: حالٌ، أي: يرث علمي ويرث علم آل يعقوب. وقال القاضي: هو نصبٌ على الحال من أحد الضميرين. قوله: (ويُسمى التجريد في علم البيان)، والتجريد هو: ان ينتزع من متصف بصفة آخر مثله فيها مبالغة لكمالها فيه، نحو: رأيت بفلانٍ أسدًا، ولقيني منه أسدٌ. قال ابن جني: وهي قراءة علي وابن عباس وابن يعمر والحسن والجحدري وقتادة وجعفر بن محمد، وهو ضربٌ من العربية غريبٌ معناه التجريد، يريد: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي) منه أو به وارثٌ من آل يعقوب، وهو الوارث نفسه، فكأنه جرد منه وارثًا، ومثله قوله تعالى: (لَهُمْ
[ ٩ / ٥٧١ ]
والمراد بالإرث إرث الشرع والعلم؛ لأنّ الأنبياء لا تورّث المال. وقيل: يرثني الحبورة وكان حبرا، ويرث من آل يعقوب الملك. يقال: ورثته وورثت منه، لغتان.
_________________
(١) ـ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ) [فصلت: ٢٨]، وهي بنفسها دارُ الخلد، فكأنه جرد من الدار دارًا. وقد أفردنا لهذا الضرب بابًا من كتاب "الخصائص" فاعرفه، فنه موضعٌ غريب لطيف. قوله: (والمراد بالإرث: إرثُ الشرع والعلم)، قال الزجاج: قيل: لا يجوز أن يُقال: إن زكريا خاف أن يورث المال؛ لأن الأنبياء والصالحين لا يخافون أن يرثهم أقرباؤهم ما جُعِلَ لهم، وجاء عن النبي ﷺ: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث. ما تركناه صدقة". الراغب: الوراثة: انتقال قُنيةٍ إليك عن غيرك من غير عقدٍ. ولا ما يجري مجرى العقد، وسُمي بذلك المنتقل عن الميت فيقال للقنية الموروثة: ميراثٌ وإرثٌ وتراثٌ، ويقال: ورثت مالًا عن زيد وورثت زيدًا. قال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) [النمل: ١٦]، وقال: (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ) [النساء: ١١]، وقال: الوراثة الحقيقية هي: ان يحصل للإنسان شيء لا يكون عليه فيه تبعةٌ ولا عليه محاسبة، وعباد الله الصالحون لا يتناولون من الدنيا إلا بقدر ما يجب، وفي وقت ما يجب، على الوجه الذي يجب، ومن تناول الدنيا على هذا الوجه لا يحاسب عليه ولا يعاقب، بل يكون له عفوًا صفوًا، كما رُوي: "من حاسب نفسه في الدنيا لم يحاسب في الآخرة". قوله: (الحُبورة)، قيل: وُجد بخط المصنف: كأنها مصدرُ "حبُرَ" الرجل، كـ"قَضُوَ"؛ إذا تُعجب من قضائه، وإلا الحُبور: هو السرور.
[ ٩ / ٥٧٢ ]
وقيل «من» للتبعيض لا للتعدية؛ لأنّ آل يعقوب لم يكونوا كلهم أنبياء ولا علماء، وكان زكريا ﵇ من نسل يعقوب بن إسحاق. وقيل: هو يعقوب بن ماتان أخو زكريا. وقيل: يعقوب هذا وعمران أبو مريم أخوان من نسل سليمان بن داود.
[(يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا)].
(سَمِيًّا): لم يسمّ أحد بـ (يحيى) قبله، وهذا شاهد على أنّ الأسامي الشنع جديرة بالأثرة، وإياها كانت العرب تنتحى في التسمية؛ لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز، حتى قال القائل في مدح قوم:
_________________
(١) ـ النهاية: الأحبار: العلماء، جمعُ حبرٍ بالفتح والكسر، وكان يقالُ لابن عباس: البحر والحبر، لسعة علمه. قوله: (وقيل: من: للتبعيض)، عطفٌ على قوله: "قيل: يرثني الحبورة"، على أن "مِن" على الأول: صلةٌ لـ"ورث"، لقوله: "ورثته وورثت منه". قوله: (على أن الأسامي الشُّنُعَ)، الأساس: شنعتُ عليه هذا الأمر: قبحته عليه، وله اسم شنيعٌ، وقومٌ شنع الأسامي. قوله: (جديرة بالأثرة)، الجوهري: استأثر فلانٌ بالشيء: إذا استبد به والاسم: الأثر. قوله: (وأنزه عن النبز)، الجوهري: النبز، بالتحريك: اللقب، وفلانٌ ينبز بالصبيان: يلقبهم. قال المصنف ﵀ في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا) [الأنعام: ٧٤]: "آزرُ: اسم صنمن يجوز ان يُنبز به للزومه عبادته، كما نُبز ابن قيس بالرقيات اللاتي يُشبب بهنَّ، وانشد بعضهم: أُدعى بأسماء نبزًا في قبائلها … ان أسماء أضحت بعض أسمائي
[ ٩ / ٥٧٣ ]
شنع الأسامي مسبلي أزر … حمر تمس الأرض بالهدب
وقال رؤبة للنسابة البكري - وقد سأله عن نسبه: أنا ابن العجاج، فقال: قصرت وعرفت. وقيل: مثلا وشبيها. عن مجاهد، كقوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم: ٦٥)، وإنما قيل للمثل «سمىّ»؛ لأنّ كل متشاكلين يسمى كل واحد منهما باسم المثل والشبيه، والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمىّ لصاحبه، ونحو «يحيى» في أسمائهم: (يعمر)، و(يعيش) إن كانت التسمية عربية؛ وقد سموا بـ (يموت) أيضا؛ وهو يموت ابن المزرع، قالوا: لم يكن له مثل في أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط، وأنه ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر، وأنه كان حصورا.
_________________
(١) ـ وإنما كان أنزه؛ لأن الاسم القبيح لا يرغب فيه أحدٌ فيختص به ويُشتهر، فلم يحتج إلى التعريف والتلقيب به. و"عن" متعلقٌ بـ"أنزه"، و"مِن": محذوف، أي: التسمية بالسامي الشنُع لينفرد بها ويُشتهر أنزه من غيرها عن التلقيب والشهرة، ولهذا سمى كُليبا وعنترة وتأبط شرا، كأنهم اختاروا الاسم الشنيع لأجل الغرابة لئلا يُشاركهم فيه أحدٌ كـ"يحيى"، لا أن "يحيى" اسمٌ شنيع. قوله: (مُسبلي أزُر حُمر)، "حُمرٍ": صفة "أزُر"، "مُسبلي": كناية عن الكبر. قوله: (مثلًا وشبيهًا)، عطفٌ على قوله: "لم يُسم أحدٌ بيحيى قبله". قوله: (وأنه كان حصورًا)، يريد قوله تعالى فيه: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: ٣٩]. قال: الحصورُ: الذي لا يقرب النساء حصرًا لنفسه، أي: منعًا لها من الشهوات. وقيل: هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسرن فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو.
[ ٩ / ٥٧٤ ]
[(قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا)].
أي: كانت على صفة العقر حين أنا شاب وكهل، فما رزقت الولد؛ لاختلال أحد السببين، أفحين اختل السببان جميعا أرزقه؟ ! فإن قلت: لم طلب أولا وهو وامرأته على صفة العتىّ والعقر، فلما أسعف بطلبته استبعدوا واستعجب؟ قلت: ليجاب بما أجيب به، فيزداد المؤمنون إيقانا، ويرتدع المبطلون، وإلا فمعتقد زكريا أولا وآخرا
_________________
(١) ـ قوله: (قلتُ: ليُجاب بما أجيب به)، قال صاحب "الانتصاف": لا يجوز لنبي النطقُ بما لا يسوغُ لطلب مثل ذلك، أي: لتثبيت المؤمن وردِّ المبطل، إذ يمكن حصوله بدونه، فإن زكريا طلب ولدًا على الجملة، وليس في الآية ما يدل على أنه لا يوجد وهو هرمٌ، ولا أنه من زوجته وهي عاقرٌ، ولا أنه تعادُ إليهما قوتهما وشبابهما، كما فُعل بغيرهما، أوي كون الولد من غير زوجه العاقر، فاستخبر عن ذلك، فقيل له: (كَذَلِكَ)، أي: يكون الولد وأنتما كذلك. قلت: وخلاصته أن الاستفهام في الآية ليس للتعجب والاستبعاد، ولهذا قال الإمام: إن المقصود من قوله: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) هو التعجب منأنه تعالى يجعلهما شابين ثم يرزقهما الولد أو يتركهما شيخين ويرزقهما الولد، والدليل عليه قوله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) [الأنبياء: ٩٠]، وما هذا الإصلاح إلا أنه أعاد إليها قوة الولادة، أو انه ما ذكر ذلك للشكن لكن لتعيم القدرة، وهذا كالرجل
[ ٩ / ٥٧٥ ]
كان على منهاج واحد: في أنّ الله غنى عن الأسباب. أي: بلغت عتيا: وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل. يقال: عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية. أو: بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا.
_________________
(١) ـ الذي يرى صاحبه وقد وهب الكثير الخطير فيقول: أنى سمحت نفسك بإخراج مثل هذا؟ تعظيمًا للموهوب، أو أن من شأن من فوجئ ببشارة ما يتمناه فرط السرور وفقد الاستثبات والذهول عن مقتضيات الفكر، كما قالت: (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) [هود: ٧٢]، حتى قيل لها: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [هود: ٧٣]. قوله: (كالعود القاحل)، الجوهري: قحل الشيء يقحل قحولًا: يبس فهو قاحلٌ. قوله: (والطعن في السن العالية)، الأساس: ومن المجاز: خرج يطعن الليل: يسري فيه، وطعن في السن العالية. قوله: (ما يسمى عتيا)، قيل: "مِن" هنا للتبعيض، حالٌ من "عتيا"، أي: بلغتُ عتيًا حال كونه بعض مراتب الكبر، وعلى الأول: ابتدائية، أي: بلغت سنًا عالية ابتداؤها جهة الكبر، وقوله: "من أجل الكبر" يشير به إلى أن "مِنْ" مثلها في قولك: جئتك من أجل إكرامك، أي: لأجل إكرامك، وتحقيقه أن "مِن": ابتدائية، و(مِنْ الْكِبَرِ): مفعولٌ له. وقلتُ: ويمكن أن يكون "مِن" على الوجه الأخير: بيانية، هي مع المجرور: حالٌ من (عِتِيًّا) قُدمت لأن صاحبها نكرة. ولما كانت "مِنَ" البيانيةُ تجريدية قال: "ما يُسمى عتيا"، أي: انتزع من مدارج الكبر ومراتبه مرتبة تسمى عتيا، كقولك: لقيت منه أٍدًا، يدل عليه قوله - في تفسير قوله: (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) [الفرقان ٧٤]: " (مِن) يحتملُ أن تكون بيانية، كانه قيل هب لنا قُرة أعين، ثم بينت القرة بقوله: (مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا) [الفرقان: ٧٤]، وهو من قولهم: رأيت منك أسدًا، وعلى الوجه الآخر: ابتدائية"، ولما كان معنى الابتداء الإنشاء قال: "من أجل الكبر"، يدُل عليه قوله-
[ ٩ / ٥٧٦ ]
وقرأ ابن وثاب وحمزة والكسائي بكسر العين، وكذلك (صليا) [مريم: ٧٠]، وابن مسعود بفتحهما فيهما. وقرأ أبىّ ومجاهد: (عسيا).
[(قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)].
(كَذلِكَ) الكاف رفع، أي: الأمر كذلك تصديق له، ثم ابتدأ: (قالَ رَبُّكَ) أو نصب بـ (قال)،
_________________
(١) ـ في تفسير قوله: (أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ) [المائدة: ٨٣]-: " (من" ابتدائية، على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وسببه". قوله: (وقرأ ابن وثاب وحمزة والكسائي وحفص)، (عِتِيًّا) و(صِلِيًّا) و(جِثِيًّا) وجميع ما في هذه السورة بكسر أوله، والباقون: بضم أول ذلك. قوله: (بفتحهما فيهما)، أي: في (عِتِيًّا) و(صِلِيًّا). وروى ابن جني عن ابن مجاهد أنه قال: لا أعرف لهما في العربية أصلًا، ويُقرأ مع ذلك بضم الباء في "بُكيًا"، وأقولُ: له في العربية أصلٌ وهو ما جاء من المصادر على فعيل، نحو: الحويل والزويل والنخير، وأما البُكيُّ فجماعةٌ، وهي فعولٌ، كالحُي والدلي والحلي. قوله: (أو نصبٌ بـ (قَالَ»، أي: "قال" الثانية، وكذا عن القاضي قال: الكافُ منصوبٌ بـ (قَالَ) في (قَالَ رَبُّكَ). وقلت: إنما أعمل الثاني دون الأول، لأنه لا يكاد يوجد في الكلام الفصيح، لا سيما في التنزيل "كذلك" وهو منصوب، وعامله مقدمٌ عليه، بل يكون موجزًا، نحو: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) إلى غير ذلك، وذلك لأنه واسطه يلحق ما بعده
[ ٩ / ٥٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … على ما قبله على سبيل التشبيه، بخلاف ما إذا كان مرفوعًا، فإن الجملة حينئذ للتقرير، وعليه كلامُ صاحب "التقريب": الكافُ إما رفعٌ، وذلك إشارةٌ إلى قول زكريا أي: الأمر كذلك تصديقًا له. ثم ابتدأ (قَالَ رَبُّكَ) فينتصب (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، و"كذا" وهو على قراءة "الواو" بـ (قَالَ)؛ أي: قال: وهو على ذلك يهون علي، وإما نصب بـ (قَالَ) وذلك مبهمٌ تفسيره (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، فعلى قراءة الواو لا يكون تفسيرًا لوجود العاطف، فالوجه أن يُشار بذلك إلى ما تقدم من وعد الله حتى لا يحتاج إلى تفسير، أي: قال قولًا مثل ذلك الوعد، فحينئذ يبقى (عَلَيَّ هَيِّنٌ) بالواو وبدونها غير منصوب بـ (قالَ) المُظهر، لاشتغاله بما قبله، فيُضمر "قال" على كلتا القراءتين لينصبه، أو لا يضمر؛ لأن الله هو المخاطب. وقلت: تمام تقريره أن المشار إليه بقوله: (ذَلِكَ) إما الكلام السابق وهو قول زكريا: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ …) إلى آخره، أو اللاحق، وهو قول: (عَلَيَّ هَيِّنٌ)، فعلى الأول، (كَذَلِكِ): خبر مبتدأٍ محذوف، إذ التقدير: الأمرُ كما قلت، فتكون الجملة الثانية على تقدير جواب عن سؤال سائل: فماذا قال الله تعالى بعد تصديقه إياه؟ فأجيب: قال ربك- يا محمد-: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا). وعلى الثاني: المشار إليه ما في الذهن، والدال عليه قوله: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ). وهذا إنما يصح على القراءة الأولى لا على إثبات الواو، لوجود العاطف، فحينئذ الواجب أن يستنبط وجه يشملهما، وهو أن يقال على تقدير النصب: إن المشار إليه ما تقدم من وعد الله، فلا يكون المقول مبهمًا لما عُلم أنه قولٌ مثل ذلك الوعد في الغرابة، وهو المراد من قوله: "لاشتغاله بما قبله"، فكأنه قيل: قال الله قولًا مثل ذلك لقول العجيب الشأن، وهو: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ …) إلى آخره، فاتجه لسائل ان يقول: ما ذلك القول
[ ٩ / ٥٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … المُشبه بعينه؟ فقيل: قال: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أو قال: أفعل ذلك، و(هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، وهو المعنى بقوله: "أي: قال: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) ". ويجوز أن لا يُقدرَ "قال"، إذ لا ارتياب أن المتكلم هو الله تعالى في الحقيقة، فإذا اعتبر معنى التجريد في "قال" الثاني يقدر ثالث يحكي قول الله تعالى، فتقول: قال الله تعالى- يا محمدُ - لزكريا قولًا مثل ذلك القول، فيتجه له أن يقول: ما ذلك القول الذي قال ربي؟ فيجيبه: قال: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، وإذا لم يعتبر معنى التجريد، يُقدرُ: قال الله تعالى لمحمدٍ قلت لزكريا قولًا مثل ذلك القول: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، فلا يقدر سؤال ولا "قال" ثالثًا. و"قوله الحق" تذييل، كقولهم: فلانٌ ينطق بالحق والحق أبلج، وحاصله: أن المشار إليه بـ "ذلك" إما قول زكريا أو ما في الذهن أو وعد الله تعالى، فعلى الأول: والكاف مرفوع خبر مبتدأ محذوف، والجملة مقول القول، و"قال" الثاني استئناف، فتكون الجملة الثانية على هذا التقرير جوابًا عن سؤال مقدر، وهو: فماذا قال الله تعالى بعد تصديقه إياه؟ فأجيب: قال ربك: هو علي هين، أو: قال: أفعل ذلك وهو علي هين، وعلى الوجهين الأخيرين: الكاف صفة مصدر محذوف، والعامل "قال" الثاني: وهو مع ما في حيزه مقول لـ"قال" الأول، فعلى أن يكون المشار إليه ما في الذهن قوله: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) تفسير للمشار المبهم في الذهن، فلا يجوز إثبات الواو بين المفسر والمفسر، وعلى أن يكون المشار إليه الوعد يجوز أن يُقدر "قال" بعد "قال" الثانية، ليكون قوله: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) قولًا له بإثبات الواو وإسقاطه، فالتقدير أنه تعالى لما قال قولًا قبل ذلك القول المبشر به اتجه لسائل أن يقول: ما مثل ذلك المبشر به؟ فأجيب: مثله: قال هو علي هين، أو أفعل ذلك وهو علي هين، ويجوز أن لا يقدر "قال" لأن المتكلم لما كان هو الله تعالى جاز أن لا يقدر، لما سبق أن "قال" الثانية مع قولها مقول القول الأول، فالمعنى قال الله تعالى لمحمد ﷺ: قلت لزكريا قولًا مثل ذلك القول هو علي هين، أو هو علي هين، فوضع "ربك" موضع ضمير المتكلم إشعارًا بالعلية، وأن كل ما يقوله الرب يكون حقًا ووعده صدقًا.
[ ٩ / ٥٧٩ ]
وذلك إشارة إلى مبهم يفسره: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، ونحوه: (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) [الحجر: ٦٦]، وقرأ الحسن: (وهو على هين)، ولا يخرج هذا إلا على الوجه الأول، أي: الأمر كما قلت، وهو على ذلك يهون على. ووجه آخر: وهو أن يشار بذلك إلى ما تقدم من وعد الله، لا إلى قول زكريا. و«قال» محذوف في كلتا القراءتين؛ أي: قال هو علىّ هين، قال وهو علىّ هين، وإن شئت لم تنوه؛ لأن الله هو المخاطب، والمعنى: أنه قال ذلك ووعده وقوله الحق. (شَيْئًا) لأن المعدوم ليس بشيء. أو شيئا يعتدّ به، كقولهم: عجبت من لا شيء، وقوله:
_________________
(١) ـ فإن قلت: كيف موقع "قال" الأولى إذا كان المشار إليه وعد الله؟ قلت: استئناف أيضًا، وذلك أنه تعالى لما أخبر النبي ﷺ أنه بشر زكريا بالولد، ثم أخبر عن تعجيب زكريا من ذلك، سأل سائل: بماذا أخبر الله تعالى نبيه؟ أجاب: قال: قال ربك إلخ، إذ لا يحسنُ أن يُقال: قلتُ: قال: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، فوضع موضع المضمر المظهر، وهو (رَبُّكِ) للإشعار بأن قول ربك حق ووعده صدق، وهو المراد من قوله: "والمعنى: انه قال ذلك ووعده وقوله الحق"، و"قوله الحق" تذييلٌ، كقولهم: فلانٌ ينطق بالحق والحق أبلج. قوله: (عجبت من لا شيء) يجوز فيه الفتح، وهو ظاهرٌ، والجر وفيه وجهان، أحدهما: أن تكون "لا" زائدة لفظًا لا معنى، أي: لا تكون عاملة في اللفظ، ويكون مراده من حيث المعنى، فتكون صورتها صورة الزيادة، ومعنى النفي فيه: كقول النابغة: أمسى ببلدة لا عم ولا خال وقول الشماخ:
[ ٩ / ٥٨٠ ]
إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا
وقرأ الأعمش والكسائي وابن وثاب: (خلقناك).
[(قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا)].
_________________
(١) ـ إذا ما أدلجت وصفت يداها … لها إدلاج ليلة لا هجوع "لا هُجوعِ": صفةُ "ليلة"، أي: ليلةً النومُ فيها مفقودٌ؛ لأن الهجوع: النومُ. وثانيهما: أن يكون (لا) غير زائدة، لا لفظًا ولا معنى، كقولهم: غضبتُ من لا شيء، وجئتُ بلا مال. قال أبوعلي فـ"لا" مع الاسم المنكور: في موضع جر، بمنزلة خمسة عشر وقد بُني الاسمُ بـ"لا". قوله: (إذا رأى غير شيء ظنه رجلًا)، أوله للمتنبي: وضاقت الأرض حتى كان هاربهم هو مأخوذ من قوله تعالى: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ) [المنافقون: ٤]. قال صاحب "الانتصاف": قوله: "المعدوم ليس بشيء" هوا لحق، خلافًا للمعتزلة الذين يقولون: إن المعدوم الممكن شيءٌ، فلهذا مال إلى التأويل الثاني، فنفي كونه شيئًا معتدًا به مع بقاء كونه شيئًا، وبقاء الآية على ظاهرها أولى. وقال القاضي: في الآية دليل على أن المعدوم ليس بشيء. قوله: (وقرأ الأعمش والكسائي)، قال صاحب "التيسير": وحمزة أيضًا.
[ ٩ / ٥٨١ ]
أي: اجعل لي علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به. قال: علامتك أن تمنع الكلام فلا تطيقه، وأنت سليم الجوارح سوىّ الخلق، ما بك خرس ولا بكم. دل ذكر الليالي هنا، والأيام في آل عمران، على أن المنع من الكلام استمر به ثلاثة أيام ولياليهن.
[(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)].
أوحى: أشار. عن مجاهد، ويشهد له (إِلَّا رَمْزًا) [آل عمران: ٤]. وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض (سَبِّحُوا): صلوا، أو على الظاهر، و(أن): هي المفسرة.
[(يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)].
أي: خذ التوراة بحد واستظهار بالتوفيق والتأييد. (الْحُكْمَ) الحكمة. ومنه:
واحكم كحكم فتاة الحي
_________________
(١) ـ قوله: (أوحى: أشار)، الراغب: الوحيُ: الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: أمرٌ وحي، وذلك يكونُ بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد، إشارة ببعض الجوارح وبالكتابة، وقد حُمل على ذلك قوله تعالى: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) فقد قيل: رمز، وقيل: أشار، وقيل: كتب. وعلى الوجوه المذكورة في قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) [الأنعام: ١١٢]. قوله: (واحكم كحكم فتاة الحي) تمامه: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت … إلى حمام شراع وارد الثمد قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا أو نصفه فقد
[ ٩ / ٥٨٢ ]
يقال: حكم حكما كحلم؛ وهو الفهم للتوراة والفقه في الدين. عن ابن عباس. وقيل: دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبى فقال: ما للعب خلقنا. عن الضحاك. وعن معمر: العقل. وقيل: النبوّة؛ لأنّ الله أحكم عقله في صباه وأوحى إليه.
_________________
(١) ـ "الثمد": الماء القليل الذي لا مادة له. "إلى حمامتنا" أي: مع حمامتنا. و"قد" بمعنى: حسب. الجوهري: قولهم: قدك أي: حسبك، فهو اسم، تقول قدي وقدني، وبالنون شاذ. قال الميداني: قال النابغة في زرقاء اليمامة، يخاطب النعمان: واحكم كحكم فتاة الحي، وكانت نظرت إلى سرب حمام طائر فيه ست وستون حمامة، وعندها حمامة واحدة، فقالت: ليت الحمام ليه … إلى حمامتيه ونصفه قديه … تم الحمام ميه وقال بعض أصحاب المعاني: إن النابغة لما أراد مدح هذه الحكيمة الحاسبة بسُرعة إصابتها، شدد الأمر وضيقه ليكون أحسن له إذا أصابت، فجعلها حزرة للطير، إذ كان الطيرُ أخف ما يتحرك، ثم جعله حمامًا، إذ كان الحمام أسرع الطير، ثم كثر العدد، إذ كانت المسابقة مقرونة بها؛ لأن الحمام يشتد طيرانها عند المسابقة، ثم ذكر أنها طارت بين نيقين؛ لأن الحمام إذا كان في مضيق من الهواء كان أسرع طيرانًا منه إذا اتسع عليه الفضاء، ثم جعله واردًا لما أعانه الحرص على الماء على سرعة الطيران. قوله: (وقيل: النبوة)، قال الإمام: الأقرب هذا؛ لأنه تعالى ذكر هاهنا مناقب شريفة ليحيى على سبيل المدح، ولا ارتياب أن أشرفها النبوة، فوجب حمله عليها. وروى الواحدي عن ابن عباس، أن الحكم: النبوة، وقال أيضًا: المعنى: فوهبنا له وقلنا: (يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)، والكتابُ: التوراةُ.
[ ٩ / ٥٨٣ ]
[(وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا* وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا)].
(حَنانًا): رحمة لأبويه وغيرهما، وتعطفا وشفقة. أنشد سيبويه:
_________________
(١) ـ وقال الإمام: ويحتملُ كتابًا خُص به، كما خص الله تعالى الكثير من الأنبياء بذلك، والأول أوجه؛ لأن حمل التعريف على المعهود السابق أولى، ولا معهود سوى التوراة. وقلتُ: يحمل على العهد الذهني لقرائن الأحوال، كقول عيسى: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) والكتاب هو الإنجيل. قوله: ("حنانًا" رحمةً لأبويه)، وهو مصدرٌ بمعنى الاسم، أي: التحنن، بدليل قوله: "وتعطفًا". قال الراغب: الحنين: النزاعُ المتضمن للإشفاق، يقال: حنت المرأة والناقة لولدها، وقد يكون مع ذلك صوت، ولذلك يُعبرُ بالحنين عن الصوت الدال على النزاع والشفقة، أو متصور بصورتهن على ذلك حنين الجذع، ولما كان الحنين متضمنًا للإشفاق، والإشفاق لا ينفك عن الرحمة، عبر عن الرحمة به في نحو قوله تعالى: (وَحَنَانًَا مِنْ لَدُنَّا)، ومنه قيل: الحنان المنان، وحنانيك: إشفاقُ بعد إشفاق. وقال أبو البقاء: (وَحَنَانًَا): معطوفٌ على الحكم، أي: وهبنا له تحننًا. وقيل: هو مصدرٌ، وقوله: (وَبَرًّا)، أي: وجعلناه برًا، وقيل: برًا: معطوفٌ على خبر "كان". وقلت: وسلامٌ: معطوفٌ من حيث المعنى على (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ)، كأنه قيل وآتيناه الحكم صبيًا وجعلناه برًا لوالديه وسلمناه في تلك المواطن المُوحشة، فعدل إلى
[ ٩ / ٥٨٤ ]
وقالت: حنان ما أتى بك هاهنا … أذو نسب أم أنت بالحي عارف
وقيل: حنانا من الله عليه. وحنّ: في معنى ارتاح واشتاق، ثم استعمل في العطف والرأفة، وقيل لله: «حنان» كما قيل: «رحيم» على سبيل الاستعارة. والزكاة: الطهارة، وقيل الصدقة، أي: يتعطف على الناس ويتصدّق عليهم.
_________________
(١) ـ الجملة الاسمية لإرادة الثبات والدوام، هي كالخاتمة للكلام السابق. ومن ثم شرع في قصة أخرى. وفي قوله: (وَيَوْمَ يَمُوتُ) إشارة إلى أن القتل أيضًا موتٌ مقدرٌ بأجل، خلافًا للمعتزلة. قوله: (وقال: حنانٌ: ما أتى بك) البيت، رُوي عن المصنف أنه قال: "ما" في البيت: إبهامية، كما تقول: أمرٌ ما جءا بك هاهنا، رأى رجلًا غريبًا أنكر مجيئه إلى الحي فقال: قل لي رحمةً منك: ما جاء بك هاهنا أقريبٌ ذو نسب أتى بك أم أنت عارفٌ بالحي وجئت لمعرفتك بهم؟ أوله: وأحدث عهدًا من أميمةَ نظرةٌ … على جانب العلياء إذ أنا واقفُ تقول حنانٌ … البيت. قوله: (وحنَّ: في معنى ارتاح واشتاق، ثم استعمل في العطف والرأفة)، فيكون مجازًا؛ لأن العطف والرأفة سببا الاشتياق والارتياح. وفي "الأساس" بخلافه؛ لأنه ذكر في قسم الحقيقة: حن إلى وطنه، وحن عليه حنانًا: ترحم عليه، وكيف ما كان استعماله في حق الله تعالى استعارةٌ تبعيةٌ لمعنى إنعامه على عباده ولُطفه بهم؛ لأن الوالد إذا عطف على ولده وأهر الشفقة فيحقه لطف به وأنعم عليه.
[ ٩ / ٥٨٥ ]
[(وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا)].
سلم الله عليه في هذه الأحوال، قال ابن عيينة: إنها أوحش المواطن.
[(وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا)].
(إِذِ) بدل من (مَرْيَمَ) بدل الاشتمال؛ لأنّ الأحيان مشتملة على ما فيها. وفيه أنّ المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا؛ لوقوع هذه القصة العجيبة فيه. والانتباذ: الاعتزال والانفراد، تخلت للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس، أو من دارها معتزلة عن الناس. وقيل: قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط
_________________
(١) ـ قوله: (وفيه أن المقصود بذكر مريم ذكرُ وقتها)، أي: في الإبدال إشارةٌ إلى أن المقصود الأولى في هذا المقام استحضارُ ذلك الوقت الذي حدثت تلك الحادثة الغريبة فيه في ذهن السامع ومشاهدته ليتعجب منه، وكذلك فعل في قصة زكريا ﵇ في قوله: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ). قوله: (والانتباذُ: الاعتزالُ والانفراد)، الراغب: انتبذ فلانٌ: اعتزل اعتزال من تقلُّ مبالاته بنفسه فيما بين الناس، والنبذ: إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به، ولذلك يُقال: نبذته نبذ النعل الخلق، قال تعالى: (كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) [الهمزة: ٤]، (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) [آل عمران: ١٨٧] لقلة اعتدادهم به، وصبيٌّ منبوذٌ ونبيذٌ، كقولك: لقيطٌ وملقوط، لكن يُقال: منبوذٌ باعتبار من طرحه، وملقوطٌ باعتبار من تناوله. قوله: (أو من دارها)، عطفٌ على "مما يلي" بأن يُقدر: مما يلي شرقي دارها، أي: مكانًا من الذي يقربُ شرقي بيت المقدس أو بقرب شرقي دارها. قوله: (في مشرقةٍ)، أي: موضع القعود لإشراق الشمس. الأساس: قعدوا في المشرقة وتشرقوا.
[ ٩ / ٥٨٦ ]
أو شيء يسترها، وكان موضعها المسجد، فإذا حاضت تحوّلت إلى بيت خالتها، فإذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هي في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمى شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر (سويا) سوىّ الخلق، لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئا. أو: حسن الصورة مستوى الخلق، وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس؛ بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه. ودلّ على عفافها وورعها أنها تعوّذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن، وكان تمثيله على تلك الصفة ابتلاء لها وسبرا لعفتها. وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب، فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها، فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل، فأتاها الملك.
وقيل: قام بين يديها في صورة ترب لها، اسمه يوسف من خدم بيت المقدس. وقيل: إنّ النصارى اتخذت المشرق قبلة؛
_________________
(١) ـ قوله: «سَوِيًّا) سوى الخلق)، الراغب: السوي يقالُ: فيما يُصان عن الإفراط والتفريط من حيث القدرُ الكيفية، قال تعالى: (مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ) [طه: ١٣٥]، ورجلٌ سويٌّ: استوت أخلاقه وخلقته عن الإفراط والتفريط. قوله: (وسبرًا لعفتها)، المُغرب: سبر الجرح بالمسبار: قدر غوره بحديدة أو غيرها. قوله: (زوج أختها) قيل: الصواب: خالتها، وقد سبق في آل عمران تحقيقه. قوله: (لتفلي رأسها). الأساس: فليت رأسي واستفليته واستفليت رأسي: طلبتُ أن يُفلي. ومن المجاز: فليتُ الشعر: تدبرته عن معاينة. الجوهري: فليت رأسه من القمل. قله: (في صورة تربٍ لها)، الجوهري: قولهم: هذه تربُ هذه، أي: لدتها، وهُنَّ أترابٌ.
[ ٩ / ٥٨٧ ]
لانتباذ مريم مكانا شرقيا. الروح: جبريل، لأنّ الدين يحيا به وبوحيه. أو سماه الله روحه على المجاز؛ محبة له وتقريبًا، كما تقول لحبيبك: أنت روحي. وقرأ أبو حيوة: (روحنا) بالفتح؛ لأنه سبب لما فيه روح العباد، وإصابة الرّوح عند الله الذي هو عدّة المقرّبين في قوله (فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ) [الواقعة: ٨٨ - ٨٩]، أو لأنه من المقرّبين، وهم الموعودون بالروح، أي: مقرّبنا وذا روحنا.
[(قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا)].
أرادت إن كان يرجى منك أن تتقى الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة به، فإني عائذة به منك،
_________________
(١) ـ قوله: (أو سماه الله روحه على المجاز)، هذا يوهم أن الوجه الأول لا مجاز فيه، لكن هذا المجاز في الإضافة للتشريف على نحو: بيت الله وناقة الله، الأول من إطلاق المُسبب على السبب، لقوله: "لأن الدين يحيا به"، وإحياؤه الدين أيضًا مجازٌ عن إظهاره وتنويهه. قله: (وإصابة الروح)، بالرفع، عطفٌ على "روح العباد" على أن يُراد بالروح: القرآن، فيكون من باب عطف الخاص على العام اهتمامًا؛ لأن قوله: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ) [الواقعة: ٨٨ - ٨٩] بعضٌ منه. ويؤيده رواية الجر عطفًا على "ما" في "لِما". ويجوزُ أن يكونا لرفعُ عطفًا على سبيل البيان، كما أن قوله: "ونُوحيه" عطفٌ على الهاء في "به" كذلك، أي: أنه سبٌ لما فيه إصابة الروح عند الله؛ لأنه ﵇ نزل بقوله: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ) [الواقعة: ٨٨ - ٨٩] وهو عدةُ المقربين. قوله: (أو لأنه من المقربين)، أي: إنما قال: "روحنا" لأنه من المقربين، وإنما سُمي المقربون بالروح، لأنهم وُعدوا به فيكون مجازًا بأدنى ملابسة، فالوجهان في هذه القراءة كالوجهين في القراءة الأولى مجازًا وإضافة. نعم الإضافة الأولى أعلى وأسنى. قوله: (وتحفل بالاستعاذة)، الجوهري: حفلت بكذا، أي: باليت به، يقال لا تحفل به.
[ ٩ / ٥٨٨ ]
كقوله تعالى (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [هود: ٨٦].
[(قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا)].
أي: إنما أنا رسول من استعذت به، (لِأَهَبَ لَكِ) لأكون سببا في هبة الغلام
_________________
(١) ـ قوله: (كقوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) [هود: ٨٦]، قال المصنف فيه: "ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرامٌ خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين"، ووجه الشبه أن المتقي إنما يكون متقيا إذا أشرف على محارم الله تعالى ولا يهتك حرمته فيها، كما أن المؤمن إنما يكمل إيمانه إذا اعتقد أن القليل من الحلال خيرٌ من الكثير من الحرام، وفائدة هذا الأسلوب: الانزجار على الوجه الأبلغ، ولا يُسلك إلا بمن يدعي أنه متصفٌ بتلك الصفة، وهو غالٍ فيها، ومن ثم روى البخاري، عن أبي وائل، قال: علمت مريم أن التقي ذو نهية حين قالت: (إِنْ كُنتَ تَقِيًّا). ذو نُهية، أي ذو عقل، وقال محيي السنة: هذا كقول القائل: إن كنت مؤمنًا فلا تظلمني، أي: ينبغي أن يكون إيمانُك مانعًا من الظُّلم. وقلت: مثاله في الشاهد قولك لمن تخاف غائلته وتعرفُ أنه ممن يتقي سطوات الملك العادل: أنا أستجير منك إلى الملك العادل إن كنت تتقي سطواته، فإذا بلغ تماديه في الغي إلى انه لا يرتدع بمثل هذا الرادع، قلت للملك العادل: أنا ألوذ إليك وأستجير بكنفك من معرة فلان، فقولها: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران: ٣٦] من هذا المقام. قوله: (لأكون سببًا لهبة الغُلام). الراغب: الهبة: أن تجعل ملكك لغيرك بغير
[ ٩ / ٥٨٩ ]
بالنفخ في الدرع. وفي بعض المصاحف: (إنما أنا رسول ربك أمرني أن أهب لك). أو هي حكاية لقول الله تعالى.
[(قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا* قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا)].
جعل المسّ عبارة عن النكاح الحلال،
_________________
(١) ـ عوض، وقوله: (لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا) نسب الملكُ الهبة إلى نفسه لكونه سببًا، وقرئ: "ليهب لك" فنُسبَ على الله ﷿، فهو على الحقيقة، ويوصف الله تعالى بالواهب والوهاب بمعنى أنه: يُعطي كلا على قدر استحقاقه. قوله: (أو هي حكاية لقوله ﷿)، فالتقدير: أنا رسول ربك حاملًا لوحيه أني طهرتك واصطفيتك لأهب لك غُلامًا زكيا، أي: مطهرًا. قوله: (جعل المس عبارة عن النكاح الحال)، قال الإمامُ: ولقائل أن يقول: قولها: (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) يدخل تحته قولها: (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) فلماذا أعادها؟ ويُقوي السؤال قولها في آل عمران: (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) [آل عمران: ٤٧]، والجواب من وجهين، أحدهما: أنها جعلت المس عبارة عن النكاح الحلال. وثانيهما: أن إعادتها لتعظيم حالها، كقوله تعالى: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) [البقرة: ٩٨]؛ فذكرث البغي بعد دخوله في الكلام لأنه أعظمُ ما في بابه، لأن من لم تُعرف من النساء بالتزوج فأغلظ أحوالها إذا أتت بولدٍ أن تكون زانية.
[ ٩ / ٥٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … وقلت: الوجه الأول أقضي لحق البلاغة، ولهذا اختاره المصنف؛ لأن قوله: (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ): حالٌ مقررةٌ لجهة الإشكال، وردت على الكناية عن النكاح الحلال مقرونة بأخرى لإرادة التقسيم الحاصر، فيفيد أن عُلقمة الولد ومظنة حصول الغلام عُرفًا، إنما يكون بطريق النكاح أو السفاح، وما لم يوجدا كيف يُتصور وجوده؟ لكن في تعليله جعل المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كنايةٌ عنه، حزازة؛ لأنه جاء في آل عمران ولم يُرد به هذه الكناية، بل العبارة الجيدة أن يُقال جعل المس عبارة عن النكاح في هذا المقام لوقوعه قرينة لقوله: (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) لإفادة التقسيم الحاصر. فإن قلت: كيف طابق قولها: (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) قوله: (لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا)، فإنه نفي كل الريبة والتهمة بقوله: (زَكِيًّا)؟ قلتُ: كأنها من فرط تعجبها وغاية استبعادها نبذت الوصف وراءها ظهريًا، وأتت بالموصوف، وأخذت في تقرير نفيه على أبلغ وجه، أي: ما أبعد وجود هذا الموصوف مع هذه الموانع، بله الوصف! وهو قريبٌ من الأسلوب الحكيم. ولما كان الاهتمام بشأن النفي في الثاني أتم "آثرته"، كأن الإيذان بأن انتفاء الفجور لازمٌ لها، وبعيدٌ أن تتصف بما يخالف العفة؛ لأنها كانت من بيت العفة ومعدن الطهارة، ألا ترى إلى قولهم: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) [مريم: ٢٨]؟ وبهذا ظهر أن قول من قال: إن هارون كان رجلًا صالحًا أخًا لها هو القول. قال الراغبُ: كأن ما استعمل منه في جنس الشيء متعلقًا بوصفٍ له تنبيهٌ على أن ذلك الوصف لازمٌ له قليل الانفكاك، كقوله تعالى: (وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا) [الإسراء: ٦٧]. وقلت: وقد جاء في فرد من أفراد الجنس باعتبار وصفٍ يجعله كالجنس، نحو: (مَّا
[ ٩ / ٥٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ … كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب: ٤٠] وما نحن بصدده من هذا القبيل. فإن قلت: قول الإمام: "ويُقوي السؤال ما في آل عمران"، يوهم أن القرينة الأولى كافية في الجواب عن قوله: (لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا)، فكيف وقوعها في هذا المقام دون ذلك، والقصة واحدة؟ قلت: يجوز أن يكون ما في آل عمران بشارة أخرى من الملائكة بعد هذه البشارة من جبريل، بشرت أولًا بموهوب زكي ثم بموهوب موصوف بتلك الصفات الكوامل، فحقيقة البشارة في الكرة الثانية: جعلُ ذلك المهول نبيًا ذا آيات بينات، كقوله تعالى: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ) لأن البشارة هي الإخبار بما يُظهر سرور المخبر، فالسرور الثاني غير الأول، وإنما لم يُردف القرينة الثانية بها في البشارة الثانية؛ لأنه لم يلحقها ما تستشعر معه الخوف على نفسها كما لحقها في المرة الأولى، ولذلك استعاذت فيها بقوله: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا). وأيضًا، لا ارتياب أن سورة مريم مكية؛ لأنها تليت على النجاشي في أولى الهجرتين. وسورة آل عمران كما قيل: مدنية. ويمكن أن يقال: إن كلتيهما قصة واحدة، إنما اختلفت العبارات لما أنه عز شأنه ذكر قصتها الواحدة في كل مكان بحسب ما يقتضيه المقام من الإطناب والإيجاز، فهذا المقام مقام بيان المقاولة التي جرت بينها وبين الملك، والحالات الواقعة بينهما، لا بيان وصف الغلام بتلك الأوصاف المذكورة في آل عمران، فأطنب في الأول واختصر في الثاني، بخلافه في "آل عمران"، لأنه مقامُ تقرير الامتنان على مريم بموهوب عظيم القدر بديع الشأن، فأطنب في الأوصاف، وأوجز في بيان المقاولة، وقد ذكرنا في سورة هود قانونًا يُرجع إليه
[ ٩ / ٥٩٢ ]
لأنه كناية عنه، كقوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) [البقرة: ٢٣٧]، (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) [النساء: ٤٣]، والزنا ليس كذلك، إنما يقال فيه: فجر بها، وخبث بها، وما أشبه ذلك، وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب. والبغي: الفاجرة التي تبغي الرجال، وهي فعول عند المبرد: «بغوي» فأدغمت الواو في الياء. وقال ابن جني في كتاب (التمام): هي فعيل، ولو كانت فعولا لقيل: «بغوّ» كما قيل: فلان نهوّ عن المنكر. (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً): تعليل معلله محذوف، أي: ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك. أو هو معطوف على تعليل مضمر، أي: لنبين به قدرتنا ولنجعله آية. ونحوه:
_________________
(١) ـ في أمر قصة واحدة تردُ على أنحاء مختلفة في مواضع شتىن وبسطنا الكلام فيه. والله أعلم بأسرار كلامه. قوله: (وليس بقمن)، يقالُ: أنت قمنٌ أن يفعل كذا، بالتحريك، أي: جدير خليقٌ، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإذا كسرت الميم أو قلت: قمينٌ، ثنيت وجمعت. قوله: (وهي فعولٌ عند المبرد)، قال أبو البقاء: فلما اجتمعت الواو والياء قلبت الواو ياء وأدغمت، وكُسرت الغين إتباعًا، ولذلك لم يلحق تاء التأنيث، كما لم تُلحق في امرأة صبور وشكور. قوله: (هي فعيل)، قال أبو البقاء: هي "فعيلٌ" بمعنى: فاعل، ولم تلحق التاء أيضًا؛ لأنه للمبالغة؛ ولأنه على النسب مثل: طالق وحائض. قوله: (فلانٌ نهو)، وهو شاذ، قيل: لأنه إذا اجتمع الواو والياء وسبق ساكنٌ قلبت الواو ياء وأدغم. وقال صاحب "التقريب": نصوا على أن "نهوا" شاذ ليس بقياس. قوله: (أو هو معطوفٌ على تعليل مضمر)، والمعنى: أهب لك وأنت كذلك لنبين، كقوله تعالى: (وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ) [الجاثية: ٢٢] ليستدل بها المكلف على
[ ٩ / ٥٩٣ ]
(وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) [الجاثية: ٢٢]، وقوله: (وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ) [يوسف: ٢١]. (مَقْضِيًّا) مقدّرا مسطورا في اللوح لا بدّ لك من جريه عليك. أو: كان أمرا حقيقا بأن يكون ويقضى؛ لكونه آية ورحمة. والمراد بالآية: العبرة والبرهان على قدرة الله. وبالرحمة: الشرائع والألطاف، وما كان سببا في قوّة الاعتقاد والتوصل إلى الطاعة والعمل الصالح، فهو جدير بالتكوين.
_________________
(١) ـ قُدرته، ولتُجزى كل نفس. وقوله: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ) [يوسف: ٥٦] ليتصرف فيها ولنُعلمه، ونظيرُ الأول قوله في "الأنفال": (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) [الأنفال: ٤٢] ليقضي: متعلقٌ بمحذوف، أي: ليقضي أمرًا واجبًا أن يُفعل دبر ذلك. الحاصل: أنه على التقدير الأول: عطف الجملة على الجملة، على الثاني: عطف المفرد على المفرد. فإن قلت: لم يُقدر المعلل مؤخرًا؟ قلتُ: فائدةُ هذا الأسلوب، وهو أن تُجاء العلة بالواو للاهتمام بشأن العلة المذكورة؛ لأنه إما أن يُقدر علة أخرى ليعطف عليها، فيكون اختصاص ذكرها لكونها أهم، وإما أن يُقدر معلل، فيجب أن يكون مؤخرًا، ليشعر تقديمه بالاهتمام. قوله: (أو كان أمرًا حقيقًا بأن يكون ويقضى)، فعلى الأول: (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) تذييلٌ للكلام وتوكيدٌ له، وكالموجب لتكوين ما يدل على القدرة الكاملة والرحمة الشاملة. وعلى الثاني: كالموجب بفتح الجيم، وذلك بالنظر إلى معنى الآية، وأنها البرهان على قدرة الله، ومفهوم الرحمة، وأن ابنها يصير نبيا مباركا، وأن كونهما من المصالح الموجبة أن تُراعي. والأول أنسب لمذهبنا، والثاني لمذهبه، ويدل على أن المراد رعاية الأصلح قوله: "وما كان سببًا في قوة الاعتقاد والتوصل إلى الطاعة والعمل الصالح، فهو جديرٌ بالتكوين".
[ ٩ / ٥٩٤ ]
[(فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا)].
عن ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله، فدنا منها فنفخ في جيب درعها، فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت. وقيل: كانت مدّة الحمل ستة أشهر. وعن عطاء وأبى العالية والضحاك: سبعة أشهر. وقيل: ثمانية، ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى. وقيل: ثلاث ساعات. وقيل: حملته في ساعة، وصوّر في ساعة، ووضعته في ساعة، حين زالت الشمس من يومها. وعن ابن عباس: كانت مدة الحمل ساعة واحدة، كما حملته نبذته. وقيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة. وقيل: بنت عشر، وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل. وقالوا: ما من مولود إلا يستهلّ غيره. (فَانْتَبَذَتْ بِهِ) أي: اعتزلت وهو في بطنها، كقوله:
_________________
(١) ـ قوله: (فاطمأنت إلى قوله، فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت)، إشارة إلى أن الفاء في: (فَحَمَلَتْهُ) تعطفُ هذه الجملة على ما قبلها بواسطة هذه المضمرات، فلا يبعد أن تُسمى فصيحةً؛ لأن الاطمئنان يستدعي سبق انزعاج، وذلك أنه حين تمثل لها الرسول بشرًا سويًا انزعجت منه فاستعاذت بالرحمن، فلما جرى بينهما تلك المقاولة اطمأنت على قوله، فدنا …، إلى آخره. قوله: (كما حملته نبذته)، بيانٌ لمعنى الفاء في: (فَانتَبَذَتْ)، ولفظةُ "كما" فيها معنى المفاجأة. قال صاحب "اللباب": الكاف قد تأتي للقرآن في الوقوع، كقولك كما حضر زيدٌ غاب عمرو. قوله: (وقالوا: ما من مولودٍ إلا يستهل غيره)، "غيرهُ": بالنصب على الاستثناء، أشار بهذا إلى الحديث المشهور مضى شرحه في "آل عمران". وإنما أومأ إليه وهو أجنبي هاهنا؛ لأنه ذكر نُبذًا من أحوالها الخارقة للعادات.
[ ٩ / ٥٩٥ ]
تدوس بنا الجماجم والتّريبا
أي: تدوس الجماجم ونحن على ظهورها، ونحوه قوله تعالى: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) [المؤمنون: ٢٠]، أي: تنبت ودهنها فيها، الجار والمجرور في موضع الحال. (قَصِيًّا) بعيدا من أهلها وراء الجبل. وقيل: أقصى الدار. وقيل: كانت سميت لابن عم لها اسمه يوسف، فلما قيل: حملت من الزنى، خاف عليها قتل الملك، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق حدّثته نفسه بأن يقتلها، فأتاه جبريل فقال: إنه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها.
[(فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)].
(فَأَجاءَهَا) أجاء: منقول من جاء،
_________________
(١) ـ قوله: (تدوس بنا الجماجم التربيا)، أوله: فمرت غير نافرةٍ عليهم قبله: كأن خيولنا كانت قديمًا … تُسقى في قحوفهم الحليبا الترائب: عظام الصدر، والقحفُ: العظم فوق الرأس. والضمير يعود إلى الأعادي، والعربُ تسقي اللبن كرام خيولهم. يقول: خيلنا كانت تُسقى اللبن في أقحاف رؤوس الأعداء لإلفها بها، ولهذا كانت تمر عليهم وعلى صدورهم ونحن عليها ولم تنفر عنهم. قوله: (فهرب بها)، أي: هرب ابن عمها مستصحبًا إياها، ويجوز أن تكون الباء للتعدية.
[ ٩ / ٥٩٦ ]
إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. ألا تراك تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد، كما تقول: بلغته وأبلغنيه. ونظيره «آتى» حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء، ولم تقل: أتيت المكان وآتانيه فلان. قرأ ابن كثير في رواية: (الْمَخاضُ) بالكسر. يقال: مخضت الحامل مخاضا ومخاضا؛ وهو تمخض الولد في بطنها.
_________________
(١) ـ قوله: (إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء)، الجوهري: أجأته إلى كذا: ألجأته واضطررته إليه. قال الفراء: أصله من جئت وقد جعلته العرب إلجاء. وفي المثل: شرٌّ ما يجيئك إلى مخة عرقوب، قال الأصمعي: وذلك أن العرقوب لا مُخ فيه، وإنما يحوج إليه من لا يقدر على شيء. الراغب: المجيء: كالإتيان، لكن المجيء أعم؛ لأن الإتيان: مجيء بسهولة، ويقال: جاء في الأعيان والمعاني، وبما يكون مجيئه بذاته وبأمره، ولمن قصد مكانًا أو عملًا أو زمانًا، يقال: جاء بكذا وأجاءه، قال تعالى: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ)، قيل: ألجأها، وغنما هو مُعدى عن "جاء"، قال الشاعر: أجاءته المخافةُ والرجاء قوله: (ولم يُقل: آتيتُ المكان وآتانيه فلانٌ)، الجوهري: آتاه إيتاء، أي: أعطاه، وآتاه أيضًا، أي: أتى به، ومنه قوله تعالى: (آتِنَا غَدَاءَنَا) أي: ائتنا به. وقيل: معنى قوله: (آتِنَا غَدَاءَنَا): إيتنا به أظهرُ من قوله: أعطنا الغداء؛ لأنا موسى ﵇ طلب من يوشع إحضار الغذاء لا إعطاءه إياه، وسيجيء في قوله: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَاتِيًّا) [مريم: ٦١] اختياره لغير ما اختاره هاهنا. قوله: (تمخض الولد)، الجوهري: مخض اللبن وامتخض، أي: تحرك في الممخضة، كذلك الولد إذا تحرك في بطن الحامل، والمخاضُ: وجعُ الولادة.
[ ٩ / ٥٩٧ ]
طلبت الجذع؛ لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة، وكان جذع نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة ولا خضرة، وكان الوقت شتاء، والتعريف لا يخلو: إمّا أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة، كتعريف النجم والصعق، كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس، فإذا قيل: جذع النخلة؛ فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخل. وإمّا أن يكون تعريف الجنس، أي: جذع هذه الشجرة خاصة، كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها، ولأن النخلة أقل شيء صبرا على البرد، وثمارها إنما هي من جمارها، فلموافقتها لها مع جمع الآيات فيها اختارها لها
_________________
(١) ـ قوله: (مُتعالم)، الجوهري: تعالمه الجميع أي: علموه. قوله: (خرسة النفساء)، الجوهري: الخُرسُ بالضم: طعامُ الولادة. الأساس: أطعموا النفساء خرستها، وهي طعامها خاصة، وقد خرست فتخرست، وعن بعضهم: الخُرسُ بالضم: طعامُ الولادة والوليمة، وبالتاء: طعام النفساء. قوله: (من جُمارها). الجوهري: الجمار: شحم النخلة، وفي تذكير ضمير هو بحثٌ؛ لأنه راجعٌ إلى الثمار، اللهم إلا أن يُتمحل أنه نظر إلى الخبر، ولعله سقط من النساخ. قوله: (فلموافقتها لها مع جميع الآيات اختارها لها)، الفاء: فصيحةٌ، والمراد بالموافقة مع جميع الآيات: ماذكره: أولاها: قوله: "ليطعمها منها"، وأنها احتاجت إلى الخرسة، وقد أُتيت بما هي محتاجة إليه.
[ ٩ / ٥٩٨ ]
وألجأها إليها. قرئ: (مِتُّ) بالضم والكسر، يقال: مات يموت، ومات يمات. النسىي: ما من حقه أن يطرح وينسى، كخرقة الطامث ونحوها، كالذبح: اسم ما من شأنه أن يذبح في قوله تعالى: (وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) [الصفات: ١٠٧]. وعن يونس: العرب
_________________
(١) ـ وثانيتها: قوله: "ولأن النخلة أقل شيء صبرًا على البرد" فصبرت عليه بأن أثمرت، كذلك النفساء تتوقى منه لاستضرارها به، ثم إن الله تعالى حفظها منه كما حفظ النخلة. وثالثتها: قوله: "وثمارها إنما هو من جُمارها" أي: أثمرت من غير لقاح، وفي غير الأوان. قال الإمام: كأن الله تعالى أرشدها إلى النخلة ليُطعمها منها الرُّطب؛ لأنه أشد الأشياء موافقة للنفساء، ولا تثمر إلا عند اللقاح، وإذا قطعت رأسها لم تثمر، فكأنه كما قيل: كما أن الأنثى لا تلد إلا بالذكر، كذلك النخلة لا تثمر إلا عند اللقاح، ثم إني أُظهر الرُّطب من غير اللقاح، ليدل على جواز ظهور الولد من غير الذكر. قوله: (وألجأها إليها)، فيه إشعارٌ بأن الإسناد في قوله: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ) مجازي المعنى، ألجأها الله تعالى إلى جذع النخلة، وقت مخاضها واختارها لها. قوله: «مِتُ) بالضم والكسر)، ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر: [بالضم]، والباقون: بالكسر. قوله: (النسيُ: ما من حقه أن يُطرح)، الراغب: النسيُ: أصله ما ينسى، كالنقض: لما يُنقض، فصار في التعارف اسمًا لما يقل الاعتدادُ به. وقوله تعالى: (نَسْيًا مَنْسِيًّا) أي: جاريًا مجرى النسي القليل الاعتداد به، ولهذا عقبه بقوله: (مَنْسِيًّا) لأن النسي قد يُقال لما يقل الاعتدادُ به وإن لم يُنس. قوله: (عن يونس)، قال ابن الأنباري: هو يونس بن حبيب البصري، أخذ عن أبي
[ ٩ / ٥٩٩ ]
إذا ارتحلوا عن الدار قالوا: انظروا أنساءكم، أي: الشيء اليسير نحو العصا والقدح والشظاظ. تمنت لو كانت شيئا تافها لا يؤبه له، من شأنه وحقه أن ينسى في العادة، وقد نسى وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه؛ وذلك لما لحقها من فرط الحياء والتشوّر من الناس على حكم العادة البشرية، لا كراهة لحكم الله، أو لشدّة التكليف
_________________
(١) ـ عمرو بن العلاء، وسمع من العرب كما سمع من كان قبله، أخذ عنه سيبويه والكسائي والفراء، وله مذاهب وأقيسةٌ تفرد بها. قوله: (والشظاظ)، الجوهري: هو العود الذي يدخل في عروة الجوالق. قوله: (تافهًا)، الجوهري: التافه: الحقير اليسير. قله: (وقد نُسي واطرح): حالٌ من فاعل "يُنسى"، وهو الضمير الراجع إلى: (نَسْيًا) و"أن يُنسى": فاعلُ "من شأنه"؛ لأنه صفة (نَسْيًا) قد اعتمد عليه، وإنما قال: "من شأنه أن يُنسى في العادة"، لما قال: النسيُ: ما من حقه أن يُطرح ويُنسى، وفائدة توكيده بـ (مَنْسِيًّا): الدلالة على المبالغة، فإن كل نسي لا يلزم أن يكون منسيًا، وإليه الإشارة بقوله: "فوجد فيه النسيان الذي هو حقه". قوله: (لا كراهة)، قيل: هو عطفٌ على "لما لحقها"، وإنما حذف اللام؛ لأن الكراهة فعلٌ لفاعل الفعل المعلل، ولم يحذف في "لما لحقها" لأن ما لحقها وإن كان عبارة عن الحياء، وهو فعله، لكن لما أسند اللحوق إلى "ما" فكأنه ليس فعله، أو ليؤذن أن الحذف جائز عند وجود شرائط الحذف لا واجبٌ. وقلت: ويمكن أن يُقال: إنه عطفٌ على محل قوله: "على حكم العادة البشرية" من حيث المعنى؛ لأنه حالٌ من الضمير المنصوب في "لحقها". المعنى: لما لحقها من فرط الحياء جارية على حكم العادة البشرية لا كارهة لحكم الله، أو يقال: هو عطفٌ على ما يتعلقُ به
[ ٩ / ٦٠٠ ]
عليها إذا بهتوها وهي عارفة ببراءة الساحة وبضدّ ما قرفت به، من اختصاص الله إياها بغاية الإجلال والإكرام؛ لأنه مقام دحض قلما تثبت عليه الأقدام: أن تعرف اغتباطك بأمر عظيم وفضل باهر تستحق به المدح وتستوجب التعظيم، ثم تراه عند الناس لجهلهم به عيبا يعاب به ويعنف بسببه، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها. وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة وحفص: (نَسْيًا) بالفتح. قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر، والجسر والجسر. ويجوز أن يكون مسمى بالمصدر. ك (الحمل). وقرأ محمد بن كعب القرظي: «نسأ» بالهمز؛ وهو الحليب المخلوط بالماء، ينسؤه أهله؛ لقلته ونزارته. وقرأ الأعمش: (مَنْسِيًّا) بالكسر على الإتباع، كالمغيرة والمنخر.
_________________
(١) ـ الجار والمجرور، أي: بناء على حكم العادة البشرية لا كراهة لحكم الله، يدل عليه عطف قوله: "أو لشدة التكليف" باللام، وقوله: "أو لخوفها على الناس" على "ما لحقها"، الخوف فعلها، ولأن "لما لحقها": خبرُ "ذلك"، ولا يسوغُ "ذلك كراهة لحكم الله"، بالنصب. قوله: (أن تعرف) في موضع النصب على أنه مفعولٌ مطلقٌ لقوله: "عارفةٌ"، أي: هي ببراءة الساحة معرفتك اغتباطك بأمر عظيم. وعن بعضهم أنه في موضع الرفع خبرًا لمبتدأ محذوف، يعني: هو، أي: المقام الدحضُ أن تعرفَ أنتَ، إلى آخره. وقيل: "أن تعرف" بدلٌ من اسم "إن". قوله: (وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة: (نَسْيًا) بالفتح)، وحفصٌ أيضًا.
[ ٩ / ٦٠١ ]
(فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) [سورة مريم: ٢٤]
(مِنْ تَحْتِها) هو جبريل ﵇. قيل: كان يقبل الولد كالقابلة. وقيل: هو عيسى، وهي قراءة عاصم وأبى عمرو. وقيل (تَحْتِها) أسفل من مكانها، كقوله: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) [البقرة: ٢٥]. وقيل: كان أسفل منها تحت الأكمة، فصاح بها: لا تَحْزَنِي وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص. (مِنْ تَحْتِها) وفي ناداها ضمير الملك أو عيسى. وعن قتادة: الضمير في (تحتها) للنخلة. وقرأ زرّ وعلقمة: (فخاطبها من تحتها).
سئل النبي ﷺ عن السريّ فقال: (هو الجدول). قال لبيد:
فتوسّطا عرض السّري فصدّعا … مسجورة متجاورا قُلامها
_________________
(١) ـ قوله: (وهي قراءة عاصم)، أي: «من تحتها»، قرأها عاصمٌ من رواية أبي بكر، وقرأها ابن كثيرٍ وابن عامرٍ أيضًا. قوله: (الأكمة)، الأساس: هي التل. قوله: (وقرأ زرٌّ وعلقمة)، في «جامع الأصول»: هو أبو مريم زر بن حبيش الكوفي، وهو من أكابر القراء والمشهورين من أصحاب عبد الله بن مسعود. زرٌّ بكسر الزاي وتشديد الراء، أما علقمة فمن التابعين ثلاثةٌ: علقمة بن عبد الله المزني، وعلقمة بن أبي علقمة مولى عائشة ﵂، وعلقمة بن قيسٍ النخعي، روى عن عمر وعبد الله بن مسعود، وفي الحاشية ما يدل على أنه هو. قوله: (فتوسطا عرض السري) البيت، الضمير في «توسطا» للعير والأتان.
[ ١٠ / ٥ ]
وقيل: هو من السرو. والمراد: عيسى. وعن الحسن: كان والله عبدا سريا.
فإن قلت: ما كان حزنها لفقد الطعام والشراب حتى تسلى بالسرى والرطب! قلت: لم تقع التسلية بهما من حيث إنهما طعام وشراب، ولكن من حيث إنهما معجزتان تريان الناس أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة، وأن مثلها مما قرفوها به بمعزل، وأن لها أمورا إلهية خارجة عن العادات خارقة لما ألفوا واعتادوا، حتى يتبين لهم أنّ ولادها من غير فحل ليس ببدع من شأنها.
_________________
(١) ـ عرض السري: جانب النهر الصغير، فصدعا: فشقا، مسجورةً: عينًا مملوءةً، فحذف الموصوف، والقلام: ضربٌ من النبت، متجاورًا: ملتفاًّ. يقول: فتوسط العير والأتان جانب النهر وشقا عينًا مملوءةً ماءً، فدخلا عرض نهرها الذي كثر على حافتيه حذو هذا الضرب من النبت. قوله: (وقيل: هو من السرو، والمراد عيسى ﵇)، الراغب: السرو: الرفعة، يقال: رجلٌ سريٌّ، وأشار بذلك إلى عيسى ﵇ وما خصه به من سروةٍ، يقال: سروت الثوب عني، أي: نزعته، وسروت الجل عن الفرس، قيل: ومنه رجلٌ سريٌّ، كأنه سري ثوبه، بخلاف المتدثر والمتزمل. قوله: (من حيث إنهما معجزتان) في تسميتهما «معجزتان» بحثٌ؛ لأن المعجزة هي: إظهار خرق العادات على سبيل التحدي، وهذا لا يستقيم في حقها ولا في حق عيسى ﵇؛ لأن ما يتقدم على البعثة من خرق العادات يسمى إرهاصًا، كإظلال الغمام في طريق الشام، وارتجاس إيوان كسرى لنبينا صلوات الله عليه. والذي يصح أن يقال: إنهما كرامتان لها، ويؤيده ما ذكرنا في قوله: (لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ) [آل عمران: ٣٧]، وقد استقصينا القول هناك.
[ ١٠ / ٦ ]
(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) [سورة مريم: الآيات ٢٥ - ٢٦].
(تُساقِطْ) فيه تسع قراءات: (تساقط)، بإدغام التاء. و(تتساقط)، بإظهار التاءين. و(تساقط)، بطرح الثانية. و(يساقط)، بالياء وإدغام التاء. و(تساقط)، و(تسقط)، و(يسقط)، و(تسقط)، و(يسقط)، التاء للنخلة، والياء للجذع. و(رطبا) تمييز، أو مفعول على حسب القراءة. وعن المبرد: جواز انتصابه "بهزّى" وليس بذاك. والباءُ
_________________
(١) ـ قوله: «تُسَاقِطْ) فيه تسع قراءات)، حمزة: «تساقط» بالتخفيف وفتح التاء، والباقون: بالتشديد إلا حفصًا، فإنه يخفف بضم التاء وكسر القاف، والبواقي: شواذ. قوله: (و(رُطَبًا): تمييزٌ أو مفعولٌ على حسب القراءة)، فإذا قرئ بفتح الياء أو التاء يكون تمييزًا، أي: تتساقط النخلة رطبًا، كقولك: تصبب الفرس عرقًا، وإذا قرئ بالضم يكون مفعولًا به، أي: تساقط النخلة رطبًا جنياًّ، قال أبو البقاء: ورطبًا فيه أوجه، أحدها: هو حالٌ موطئة، وصاحبها الضمير في الفعل. والثاني: هو أنه مفعولٌ به ل (تُسَاقِطْ). والثالث: هو مفعول (وهُزِّي)، والرابع: هو تمييزٌ. وتفصيل هذه الأوجه يتبين بالنظر في القراءات، فيحمل كلٌّ منها على ما يليق به. قوله: (وعن المبرد: جواز انتصابه ب «هزي»)، قال الزجاج: قال محمد بن يزيد- يعني: المبرد-: هو مفعولٌ به، المعنى: وهزي إليك بجزع النخلة رطبًا تساقط عليك، فالتاء ليست بمزيدةٍ، مثلها في قولك: كتبت بالقلم. قال أبو البقاء: المعنى: هزي الثمرة بالجذع. وقيل: التقدير: هزي إليك رطبًا جنياًّ كائنًا
[ ١٠ / ٧ ]
في (بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) صلة للتأكيد، كقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: ١٩٥]، أو على معنى: افعلي الهزّ به، كقوله:
_________________
(١) ـ بجذع النخلة، فقوله: «بالجذع»: حالٌ. وقلت: فعلى هذا، يكون قد تنازع في (رُطَبًا): «هزي» و«تساقط»، وقد أعمل فيه الأول، وهو ضعيف، ولأنه يكون ما في حيز الأمر متأخرًا عن جوابه، ومن ثم قال المصنف: «وليس بذاك». قوله: (أو على معنى: افعلي الهز به) يعني: نزل المتعدي منزلة اللازم للمبالغة، نحو: فلانٌ يعطي ويمنع، ثم عدي كما يعدى اللازم، نحو قول الشاعر: فإن تعتذر بالمحل عن ذي ضروعها … إلى الضيف يجرح في عراقبيها نصلي «ذي ضروعها»: اللبن في الضرع، و«يجرح»: جواب الشرط، و«نصلي»: فاعله، و«العراقيب»: جمع عرقوب، وهو العصب الغليظ فوق عقب الحيوان. يقول: إذا اعتذرت الناقة إلى الضيف قلة اللبن بالمحل أنحرها له. وذهب صاحب «الكشف» إلى أن الباء للتسبب، والمضاف محذوفٌ، أي: هزي إليك بهز جذع النخلة، أي: إذا هززت النخلة اهتزت، وبهزك النخلة تساقط عليك رطبًا، و(رُطَبًا): منصوبٌ ب (تُسَاقِطْ)، فإن يتفاعل قد جاء متعديًا. قال تعالى: (أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا) [النساء: ١٢٨]، و(يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ) [يونس: ٤٥] ومن قال: ضربني وضربت زيدًا، كان (رُطَبًا) منصوبًا ب (وهُزِّي)، أي: هزي إليك رطبًا جنياًّ متمسكة بجذع
[ ١٠ / ٨ ]
يجرح في عراقيبها نصلى
قالوا: التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت، وكذلك التحنيك، وقالوا: كان من العجوة.
وقيل: ما للنفساء خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل، وقيل: إذا عسر ولادها لم
يكن لها خير من الرطب. عن طلحة بن سليمان (جَنِيًّا) بكسر الجيم للإتباع، أى: جمعنا لك في السرىّ والرطب فائدتين، إحداهما: الأكل والشرب، والثانية سلوة الصدر، لكونهما معجزتين، وهو معنى قوله (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) أى: وطيبي نفسا ولا تغتمي وارفضى عنك ما أحزنك وأهمك. وقرئ:
_________________
(١) ـ النخلة تساقطه عليك، فأضمر ل (تُسَاقِطْ) مفعولًا، وجعل الباقي موضع الحال، هذا هو الجيد البالغ في الآية. وقيل: رطبًا: نصب على الحال، أي: وهزي إليك بجذع النخلة، أي: بثمرة جذع النخلة، تساقط عليك ثمرة النخلة رطبًا. قوله: (التحنيك)، وهو: إلصاق التمر بحنك الصبي. قوله: (أي: جمعنا لك في السري والرطب فائدتين)، يعني: رتب بقوله: (فَكُلِي) الآية على قوله: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًا) وقوله: (وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) معنى ما يحتاج إليه، وفي ضمنه التسلية بما أصابها من الحزن. الراغب: الهز: التحريك الشديد، يقال: هززت الرمح فاهتز، ويقال: هززت فلانًا للعطاء، واهتز النبات: إذا تحرك لغضارته، (فَإذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) [الحج: ٤٥]. قوله: «وقَرِّي عَيْنًا) أي: وطيبي نفسًا، يريد: أن (وقَرِّي عَيْنًا) كنايةٌ عن طيب النفس، ورفع الحزن.
[ ١٠ / ٩ ]
(وَقَرِّي) بالكسر لغةُ نجد، (فَإِمَّا تَرَيِنَّ) بالهمز: ابن الرومي. عن أبي عمرو، وهذا من لُغةِ مَن يقول:
_________________
(١) ـ النهاية: في حديث الاستسقاء: لو رآك لقرت عيناه، أي: لسر بذلك وفرح، وحقيقته: أبرد الله دمعة عينيه؛ لأن دمعة الفرح والسرور باردةٌ. وقيل: معنى أقر الله عينك: بلغك أمنيتك حتى ترضى نفسك وتسكن عينك فلا تستشرف إلى غيره. الراغب: قر في مكانه يقر قرارًا: ثبت ثبوتًا جامدًا، من القر، وهو البرد؛ لأنه يقتضي السكون، ويوم القر يوم النحر، لاستقرار الناس فيه بمنىً، والإقرار: إثبات الشيء، قال تعالى: (وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ) [الحج: ٥]، وقد يكون ذلك إثباتًا إما بالقلب وإما باللسان وإما بهما. وأما الجحود فإنما يقال فيما ينكر باللسان دون القلب. وقيل: لمن يسر به: قرة عين. وقيل: أصله من القر أي: البرد، معناه: بردت فصحت. وقيل: بل لأن للسرور دمعةً قارةً وللحزن دمعةً حارة، ولذلك يقال فيمن يدعى عليه: أسخن الله عينه. وقيل: هو من القرار، والمعنى: حصول ما يسكن به عينه، فلا يطمح إلى غيره. قوله: «(ترئن»: بالهمز)، قال ابن جني: رويت عن أبي عمرو، وهي ضعيفةٌ؛ لأن الياء مفتوحٌ ما قبلها والكسرة فيها لالتقاء الساكنين، فليست محتسبةً أصلًا، وعليه قراءة الجماعة: (تَرَيِنَّ) بالياء. نعم، وقد حكي الهمز في الواو التي هي نظيرة الياء في قوله تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ) [آل عمران: ١٨٦]، فشبه الياء، لكونها ضميرًا وعلم تأنيثٍ، بالواو من حيث كانت ضميرًا، وعلم تذكيرٍ، وهذا ليس بقوي.
[ ١٠ / ١٠ ]
لبأت بالحج، وحلأت السويق، وذلك لتآخ بين الهمزة وحرف اللين في الإبدال. (صَوْمًا): صمتا. وفي مصحف عبد الله: (صمتًا). وعن أنس بن مالك مثله. وقيل: صيامًا، إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم، وقد نهى رسول الله ﷺ عن صوم الصمت، لأنه نسخ في أمته، أمرها الله بأن تنذر الصوم لئلا تشرع مع البشر المُتَّهمين لها في الكلام لمعنيين، أحدهما: أن عيسى صلوات الله عليه يكفيها الكلام بما يبرئ به ساحتها. والثاني: كراهة مجادلة السفهاء ومناقلتهم. وفيه أن السكوت عن السفيه واجب. ومن أذل الناس: سفيه لم يجد مسافها. قيل: أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة. وقيل: سوغ لها ذلك بالنطق (إِنْسِيًّا) أى: أكلم الملائكة دون الإنس.
_________________
(١) ـ قوله: (لبأت بالحج) أصله: لبيت تلبيةً، ثم أبدل التضعيف بالياء ثم أبدل الياء بالهمزة، وحلأت، أي: لطت بالشيء الحلو، وأصله حلوته، قلبت الواو ياءً، ثم أبدل الياء بالهمز. قوله: (وقيل: صيامًا) هو عطفٌ على قوله: «(صَوْمًا): صمتًا»، يعني: (صَوْمًا)، إما مجازٌ عن: صمتًا، بقرينة ترتب: (فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنسِيًا)، أو هو على حقيقته، وأما معنى ترتب (فَلَنْ أُكَلِّمَ) عليه، فإنهم كما كانوا يمسكون عن الطعام والشراب، كانوا يمسكون عن الكلام أيضًا. قوله: (وفيه أن السكوت عن السفيه واجبٌ)، يريد: أن هذا المعنى مدمجٌ في الآية. وقوله: (من أذل الناس: سفيهٌ لم يجد مسافهًا)، ينظر إلى قول أبي الطيب: وأتعب من ناداك من لا تجيبه … وأغيظ من عاداك من لا تشاكله قوله: (أي: أكلم الملائكة دون الإنس) يعني: عدل من قوله: فلن أكلم اليوم أحدًا، إلى: إنسياًّ، ليفيد- بدلالة المفهوم- هذه الدقيقة، ويدمج فيه معنى كرامةٍ أخرى، وهي رفعة منزلتها.
[ ١٠ / ١١ ]
(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) [سورة مريم: ٢٧ - ٢٨].
الفرىّ: البديع، وهو من فرى الجلد (يا أُخْتَ هارُونَ) كان أخاها من أبيها من أمثل بنى إسرائيل. وقيل: هو أخو موسى صلوات الله عليهما. وعن النبي ﷺ: «إنما عنوا هرون النبىّ» وكانت من أعقابه في طبقة الإخوة، بينها وبينه ألف سنة وأكثر.
_________________
(١) ـ قوله: (الفري: البديع)، الأساس: فلانٌ يفري الفري: إذا أتى بالعجب. ويقال: قد أفريت وما فريت، أي: أفسدت وما أصلحت. ومن المجاز: يفري الليل عن بياض النهار، وتفرت الأرض بالعيون. الراغب: الفري: قطع الجلد للخرز والإصلاح، والإفراء: للإفساد، والافتراء فيهما، وفي الإفساد أكثر، ولذلك استعمل في القرآن للكذب والشرك والظلم، نحو: (ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى) [النساء: ٤٨]، وقوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًا) قيل: معناه عظيمًا، وقيل: عجيبًا، وقيل: مصنوعًا. قوله: «هَارُونَ) كان أخاها من أبيها)، يؤيده ما روينا عن مسلم والترمذي، عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون: (يَا أُخْتَ هَارُونَ) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك فقال: «إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم»، والنظم يساعد عليه، كما سبق في قوله تعالى: (ولَمْ أَكُ بَغِيًا). قوله: (وكانت من أعقابه)، أي: وكانت ممن يعقب هارون في مرتبة الأخوة، وذلك بأن تكون من نسل أخت هارون وأخيه. وقيل: «في طبقة»، خبر «كان»، أي: كانت في طبقة الأخوة من جهة أعقابه، أي: أخلاقه في النسك والعبادة. و«من»: ابتدائية.
[ ١٠ / ١٢ ]
وعن السُّديّ: كانت من أولاده. وإنما قيل: يا أخت هارون، كما يقال يا أخا همدان، أى: يا أحدًا منهم. وقيل: رجل صالح أو طالح في زمانها، شبهوها به، أى: كنت عندنا مثله في الصلاح، أو شتموها به، ولم ترد إخوة النسب، ذكر: أن هارون الصالح تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى هارون تبركا به وباسمه، فقالوا: كنا نشبهك بهارون هذا. وقرأ عمر بن لجأ التيمي: (ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ). وقيل: احتمل يوسف النجار مريم وابنها إلى غار، فلبثُوا فيه أربعين يوما حتى تعلت من نفاسها، ثم جاءت تحمله،
_________________
(١) ـ قوله: (أو شتموها به) عطفٌ على قوله: «شبهوها به»، و(شبهوها» نشرٌ، لقوله: «رجلٌ صالحٌ»، ومعنى التشبيه قولهم: كنا نشبهك بهارون، أو: كنت عندنا مثله في الصلاح، أو «شتموها» نشرٌ لقوله: «أو طالح»، والشتم هو: إما أن يقولوا: أنت مثله في الفساد، أو اتهموها به. والله أعلم. قوله: (تعلت من نفاسها)، أي: طهرت من بقايا ما كان يعتريها من نفاسها. الأساس: بقية كل شيءٍ: علالته، وللفرس بداهةٌ وعلالةٌ. وقال: وقد تعاللت ذميل العيس وهو يتعلل ناقته، أي: يحلب اللبن الذي يجتمع في ضرعها بعد الحلب الأول، وما هي إلا علالةٌ أتعلل بها، وهي اسم ما يتعلل به. قوله: (ثم جاءت تحمله) في «إيجاز البيان»: (تَحْمِلُهُ): حالٌ منها أو منه أو منهما لحصول الضمائر في الجملة التي هي حالٌ. والبغي: الفاجرة، مصروفةٌ عن الباغية، أي: بمعنى المفعول، كقولك: نفسٌ قتيلٌ، وكفٌ خضيب. وقال صاحب «الكشف»: ولم يقل: بغية، فيحتمل أن يكون (بَغِيًا) مصدرًا، كما قالوا في قوله: (قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ) [يس: ٨] ولم يقل: رميمةٌ، قالوا: لأنه أراد المصدر، ويجوز أن يكون ذلك للفواصل.
[ ١٠ / ١٣ ]
فكلَّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه، أبشرى فإنى عبد الله ومسيحه، فلما دخلت به على قومها وهم أهل بيت صالحون تباكوا وقالوا ذلك. وقيل: هَمُّوا برجمها حتى تكلم عيسى ﵇. فتركوها.
(فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) [سورة مريم: ٢٩].
(فَأَشارَتْ إِلَيْهِ) أى: هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه. وقيل: كان المستنطق لعيسى زكريا ﵇. وعن السدى: لما أشارت إليه غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا أشدّ علينا من زناها. وروى: أنه كان يرضع، فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره وأشار بسبابته. وقيل: كلمهم بذلك، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان. (كانَ): لإيقاع مضمونِ الجملة في زمان ماضٍ مبهم يصلح لقريبه وبعيده، وهو هاهنا لقريبه خاصة، والدال عليه معنى الكلام، وأنه
_________________
(١) ـ قوله: (فإني عبد الله ومسيحه). النهاية: قيل: المسيح: الصديق، وهو بالعبرانية مشيحا فعرب، وقيل: إنما سمي لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهةٍ إلا برئ. قوله: (والدليل عليه معنى الكلام) يعني: لما قيد مضمون الجملة ب «كان»، وهي وإن كانت قيدًا، لكن بالنظر إلى دلالتها على الأزمنة الماضية مطلقةٌ مفتقرةٌ في الاختصاص بزمانٍ دون زمانٍ إلى قرينةٍ مقيدة، وها هنا القرينة المخصصة بالزمان القريب: سوق الكلام للتعجب، فعلى هذا (نُكَلِّمُ) للحال الحاضرة، و«من»: موصولةٌ، والمراد عيسى ﵇. ويجوز جعلها موصوفةً، فالمراد كل من هو موصوفٌ بكونه في المهد صبياًّ، فيكون قوله: «(نُكَلِّمُ) بحكاية الحال الماضية» وكان على إيهامها، قال أبو البقاء: قيل: (كَانَ) مثل (وكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)، وقيل: زائدةٌ، أي: من هو في المهد صبياًّ، و(صَبِيًا): حالٌ من
[ ١٠ / ١٤ ]
مسوق للتعجب. ووجه آخر: أن يكون (نُكَلِّمُ) حكاية حال ماضية، أى: كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس صبيا في المهد فيما سلف من الزمان حتى نكلم هذا؟ !
(قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا* وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا* وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [سورة مريم: ٣٠ - ٣٣].
أنطقه الله أوّلا بأنه عبد الله ردا لقول النصارى. و"الْكِتابَ": هو الإنجيل. واختلفوا في نبوّته، فقيل: أعطيها في طفولته: أكمل الله عقله، واستنبأه طفلا؛ نظرا
_________________
(١) ـ الضمير في الجار والمجرور، ولو كانت زائدةً يستتر فيها الضمير فلا تحتاج إلى تقدير «هو»، بل الظرف صلة «من»، أي: كيف نكلم من في المهد صبياًّ. وقال الزجاج: الأجود أن يكون «من» في معنى الشرط، أي: من يكن في المهد صبياًّ، كيف نكلمه؟ وقال ابن الأنباري: هذا كما يقال: كيف أعظ من كان لا يقبل موعظتي؟ أي: من يكن لا يقبل. والماضي بمعنى المستقبل في باب الجزاء. قوله: (أنطقه الله أولًا بأنه عبد الله رداًّ لقول النصارى)، أي: قدم ما هو الأهم وأعنى بشأنه، وهو كتقدمة الإعجاز. قوله: (و«الكتاب»: هو الإنجيل). الراغب: كل موضع ذكر في وصف الكتاب: «آتينا» فهو أبلغ من كل موضع ذكر فيه «أوتوا»؛ لأن «أوتوا» قد يقال إذا أوتي من لم يكن منه قبولٌ، وآتيناهم يقال فيمن له قبول، والإيتاء: الإعطاء، وخص دفع الصدقة في التنزيل بالإيتاء
[ ١٠ / ١٥ ]
في ظاهر الآية. وقيل: معناه أنّ ذلك سبق في قضائه. أو: جُعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد (مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ) عن رسول الله ﷺ «نفاعا حيث كنت» وقيل: معلما للخير. وقرئ: (وَبَرًّا) عن أبى نهيك، جعل ذاته برا لفرط بره.
_________________
(١) ـ قوله: (لا محالة)، الجوهري: لا محالة، أي: لابد، يقال: الموت آتٍ لا محالة. المغرب: أصل التركيب دالٌّ على الزوال والنقل، ومنه التحويل، وهو نقل الشيء من محلٍّ إلى آخر، فعلى هذا معنى لا محالة: لا تحول عنه، كما أن معنى لابد: لا فراق، والتبديد: التفريق، والاسم في البابين مبنيٌّ، والخبر محذوفٌ. قوله: (وقرئ: «وبراًّ») بكسر الباء، والبر، بفتح الباء: صفةٌ مشبهة، وبالكسر: اسم. قال ابن جني: قرأها أبو نهيكٍ وأبو مجلزٍ، وهو معطوفٌ على موضع الجار والمجرور من قوله: (بِالصَّلاةِ)، كأنه قال: وألزمني براًّ بوالدتي؛ لأنه إذا أوصاه به فقد ألزمه إياه، وعليه بيت «الكتاب»: فإن لم تجد من دون عدنان والدًا … ودون معدٍّ فلتزعك العواذل عطف دون الثانية على موضع (من)، وإن شئت حملته على حذف المضاف، أي: وجعلني ذا برٍّ، وإن شئت جعلته إياه على المبالغة كقولها: فإنما هي إدبارٌ وإقبال فعلى هذا هو معطوفٌ على: (مُّبَارَكًا).
[ ١٠ / ١٦ ]
أو نصبه بفعل في معنى: أوصانى، وهو كلفنى، لأن أوصانى بالصلاة وكلفنيها واحد (وَالسَّلامُ عَلَيَّ) قيل: أدخل لام التعريف لتعرفه بالذكر قبله، كقولك: جاءنا رجل، فكان من فعل الرجل كذا. والمعنى: ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلىّ. والصحيح: أن يكون هذا التعريف تعريضا باللعنة على متهمى مريم عليها
_________________
(١) ـ قوله: (أو نصبه بفعلٍ) عطفٌ على قوله: «جعل ذاته براًّ»، يعني: جعل أبو نهيكٍ (وبَرًا) منصوبًا بقوله: (وجَعَلَنِي) وعطفه على: (مُّبَارَكًا) أو نصبه بفعلٍ مضمرٍ، كأنه قيل: وكلفني براًّ بوالدتي. قوله: (والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضًا باللعنة)، يؤذن أن التعريف السابق غير صحيح، قيل: لأن التعريف في العهد الخارجي إشارةٌ إلى ذلك الشخص المعير المتوجه إلى يحيى ﵇، ويستحيل أن يتوجه ذلك السلام بعينه إلى عيسى ﵇. وقلت: يحمل على التشبيه ليصح كقوله تعالى: (هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) [البقرة: ٢٥]، وليس ذات الحاضر عندهم في الجنة هي ذات المرزوق في الدنيا، ومعناه: هذا مثل الذي رزقنا من قبل وشبهه، كأنه ﵇ سأل ربه أن يفعل به مثل ما فعل بيحيى ﵇ من السلامة في سائر أحواله، قاله الأزهري. والسلام: مصدر سلمت سلامًا وسلامةً، وهو دعاء الإنسان بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه ويتخلص من المكروه، كذا عن المبرد. وهذا معنىً صحيحٌ لو أريد به مجرد الدعاء، لكن المانع شيءٌ آخر، وهو اقتضاء المقام التعريضي الجنس؛ لأن الكلام مع القوم ولم يجر بين عيسى وبين القوم حديث سلام الله على يحيى ﵇ ليشير بذلك إليه، بل إن أمه الصديقة لما أشارت إليه، وقالوا: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيًا* قَالَ إنِّي
[ ١٠ / ١٧ ]
السلام وأعدائهما من اليهود. وتحقيقه أن اللام للجنس، فإذا قال: وجنس السلام علىّ خاصة فقد عرض بأن ضدّه عليكم. ونظيره قوله تعالى: (وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى) [طه: ٤٧]، يعنى: أنّ العذاب على من كذَّب وتولَّى، وكان المقام مقام مُناكرة وعناد، فهو مئنة لنحو هذا من التعريض.
(ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) [مريم: ٣٤].
قرأ عاصم وابن عامر (قَوْلَ الْحَقِّ) بالنصب. وعن ابن مسعود: (قال الحق)، و(قال الله) - وعن الحسن: (قول الحق)، بضم القاف، وكذلك في الأنعام (قَوْلُهُ الْحَقُّ) [الأنعام: ٧٣]، والقولُ والقالُ والقُوْل في معنى واحد، كالرَّهْب والرَّهَب والرُّهْب. وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف. وأما انتصابه فعلى المدح إن فسر بكلمة الله، وعلى أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة إن أريد قول الثبات والصدق، كقولك: هو عبد الله الحق لا الباطل، وإنما قيل لعيسى: «كلمة الله» و«قول الحق» لأنه لم يولد إلا بكلمة الله وحدها، وهي قوله: «كُنْ» من
_________________
(١) ـ عَبْدُ اللَّهِ ) إلى آخر الآيات، براءةً لساحتها، وإظهارًا لكرامتها، فافتتح بالتعريض، وهو قوله: (إنِّي عَبْدُ اللَّهِ) رداًّ لقول النصارى، واختتم بمثله من التعريض، كأنه قال: والسلام علي دائمًا والعذاب على من كذَّب وتولى، ولذلك قال: وكان المقام مقام مناكرةٍ وعناد، فهو مئنةٌ لنحو هذا من التعريض. قوله: (فهو مئنةٌ). النهاية: أي: موضعٌ تستعمل فيه، أي: هي مفعلةٌ من معنى «أن» التي للتحقيق غير مشتقةٍ من لفظها، ووإنما ضمنت حروفها على أن معناها فيها كالحوقلة والحيعلة. قوله: (وعن ابن مسعود: «قال الحق»)، والحق: الله، ولهذا عقبه بقوله: «وقال الله».
[ ١٠ / ١٨ ]
غير واسطة أب؛ تسمية للسبب باسم السبب، كما سمى العشب بالسماء، والشحم بالندى ويحتمل إذا أريد بقول الحق عيسى، أن يكون الحق اسم الله ﷿، وأن يكون بمعنى: الثبات والصدق، ويعضده قوله: (الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) أى: أمرُه حقُّ يقينٌ وهم فيه شاكون (يَمْتَرُونَ) يشكون. والمرية: الشك. أو: يتمارون: يتلاحون، قالت اليهود: ساحرٌ كذاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة. وقرأ علي بن أبى طالب ﵁:
(تمترون)، على الخطاب. وعن أبىّ بن كعب: (قول الحق الذي كان الناس فيه يمترون).
(ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [مريم: ٣٥].
كذب النصارى وبكتهم بالدلالة على انتفاء الولد عنه، وأنه مما لا يتأتى ولا
_________________
(١) ـ قوله: (كما سمي العشب بالسماء)، قال: إذا نزل السماء بأرض قوم … رعيناه وإن كانوا غضابا قوله: (والشحم بالندى)، قال ابن الأحمر: كثور العداب الفرد يضربه الندى … تعلى الندى في متنه وتحدرا العداب: ما استدق من الرمل، والندى الأول: المطر، والثاني: الشحم. قوله: (يتلاحقون) الجوهري: لاحيته ملاحاةً ولحاءً: إذا نازعته، وتلاحوا: إذا تنازعوا، وفي روايةٍ: يتلاحون من اللجاج. قوله: (كذب النصارى وبكتهم)، اعلم أنه تعالى لما أشار بقوله: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) إلى الموصوف السابق وجعله علمًا في العبودية بتلك الإشارة، وأكد الكلام بقوله: (قَوْلَ الحَقِّ) - أي: ما ذكر من صفته قول الحق، أو: أقول قول الحق- وقلع الريبة من
[ ١٠ / ١٩ ]
يتصور في العقول وليس بمقدور عليه، إذ من المحال غير المستقيم أن تكون ذاته كذات من ينشأ منه
الولد، ثم بين إحالة ذلك بأن من إذا أراد شيئا من الأجناس كلها أوجده بـ (كن)، كان منزها من شبه الحيوان الوالد. والقول هاهنا مجاز، ومعناه: أنّ إرادته للشيء يتبعها كونه لا محالة من غير توقف، فشبه ذلك بأمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور الممتثل.
(وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) [مريم: ٣٦].
قرأ المدنيُّون وأبو عمرو بفتح «أن». ومعناه: ولأنه ربى وربكم فاعبدوه، كقوله: (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: ١٨]،
_________________
(١) ـ شتمها، أتى بما يلقمهم الحجر، وشفع النص الساطع بالبرهان القاطع، فقال: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحَانَهُ)، ثم علله بقوله: (إذَا قَضَى أَمْرًا فَإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، فالآيتان معترضتان بين كلامي المسيح ﵇ (إنِّي عَبْدُ اللَّهِ)، (وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) تقريرًا لمعنى العبودية، ينصر هذا النظم قول الواحدي: «من كسر (وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ) جعله عطفًا على قوله: (إنِّي عَبْدُ اللَّهِ)، وما روي عن ابن عباس ﵄ قال: إن عيسى ﵇ أقر بالعبودية على نفسه وبربوبية الله تعالى أول ما تكلم». قوله: (من إذا أراد شيئًا) موصولةٌ منصوبةٌ ب «أن»، والجملة الشرطية من قوله: «إذا أراد» مع جوابه- وهو: «أوجده» - صلتها، و«كان منزهًا» خبر «أن». قوله: (قرأ المدنيون وأبو عمروٍ) وقرأ ابن كثيرٍ أيضًا: بفتح «أن». قوله: (كقوله: (وأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: ١٨])، قال المصنف: «لأن المساجد لله، اللام متعلقةٌ ب (لا تَدْعُوا)، أي: لا تدعوا مع الله أحدًا في المساجد لأنها لله
[ ١٠ / ٢٠ ]
والإستارُ وأبو عبيد بالكسر على الابتداء. وفي حرف أبىّ: (إن الله)، بالكسر بغير واو، و: (بأن الله)، أى: بسبب ذلك فاعبدوه.
(فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [مريم: ٣٧].
(الْأَحْزابُ): اليهود والنصارى عن الكلبي. وقيل النصارى؛ لتحزُّبهم ثلاث فرق: نسطورية ويعقوبية وملكانية. وعن الحسن: الذين تحزبوا على الأنبياء لما قص عليهم قصة عيسى اختلفوا فيه من بين الناس (مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أى: من شهودهم هول الحساب والجزاء في يوم القيامة أو من مكان الشهود فيه وهو الموقف.
_________________
(١) ـ تعالى»، قال أبو البقاء: ولوحدانيته أطيعوه، فعلى هذا ما بعد فاء السببية يجوز أن يعمل فيما قبلها، بخلاف الجزائية. قوله: (والإستار) في «الصحاح» و«الأساس»: الإستار بكسر الهمزة، في العدد: أربعةٌ. قال جرير: إن الفرزدق والبعيث وأمه … وأبو الفرزدق قبح الإستار وقال الكميت: أبلغ يزيد وإسماعيل مألكةً … ومنذرًا وأباه شر إستار والمراد منه: عاصمٌ والأعمش وحمزة والكسائي. وقيل بدل الأعمش: ابن عامر. قوله: (وعن الحسن: الذين تحزبوا على الأنبياء)، مؤذنٌ بأن التعريف في (الأَحْزَابِ): للجنس، والمراد قومٌ معهودون لكمالهم في الاختلاف، وقريبٌ منه قوله تعالى: (وقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) [الفرقان: ٣٧]، وإنما كذبوه وحده، ولذلك جمع الأنبياء. قوله: (أي: من شهودهم هول الحساب) ذكر في (مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ستة أوجه؛ لأن
[ ١٠ / ٢١ ]
أو: من وقت الشهود. أو: من شهادة ذلك اليوم عليهم، وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال. أو: من مكان الشهادة أو وقتها. وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه.
(أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَاتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ) [مريم: ٣٨ - ٤٠].
لا يوصف الله تعالى بالتعجب، وإنما المراد: أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جديرٌ
_________________
(١) ـ المشهود إما بمعنى الحضور، وهو إما مصدر ميمي، والمعنى من شهودهم هول الحساب، أو: اسم مكانٍ منه، أي: من مكان الشهود أو زمانه، والمعنى: من وقت الشهود. وإما بمعنى الشهادة فهو أيضًا إما: مصدرٌ والمعنى: من شهادة ذلك اليوم، أو: اسم مكان، أي: من مكان الشهادة، أو زمان، والمعنى: من وقت الشهادة. قوله: (وأن تشهد عليهم الملائكة) عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: «شهادة ذلك اليوم»، يعني: أسند الشهادة إلى اليوم على المجاز نحو: (يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيبًا) [المزمل: ١٧]، والأصل: تشهد عليهم الملائكة والأنبياء في ذلك اليوم. قوله: (لا يوصف الله بالتعجب)، يريد: أن قوله: (أَسْمِعْ بِهِمْ وأَبْصِرْ) فعلا تعجب، والتعجب راجعٌ إلى العباد لا إلى الله تعالى؛ لأن المعجب هو ما يخفى سببه، وهو على الله محال. قال المالكي: منع بعض النحويين تنازع فعلي تعجب، والصحيح عندي جوازه، لكن بشرط إعمال الثاني، كقولك: ما أحسن وأعقل زيدًا، بنصب «زيدًا» ب «أعقل»، لا ب «أحسن»؛ لأنك لو نصبته به لفصلت ما لا يجوز فصله، ولا يمتنع على مذهب البصريين
[ ١٠ / ٢٢ ]
بأن يُتعجَّب منهما بعد ما كانوا صما عميا في الدنيا. وقيل: معناه التهديد بما سيسمعون ويبصرون مما يسوؤهم ويصدع قلوبهم. أوقع الظاهر -أعنى الظالمين- موقع الضمير، إشعارا بأن لا ظلم أشد من ظلمهم، حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين يجدى عليهم ويسعدهم. والمراد بالضلال المبين: إغفال النظر والاستماع (قُضِيَ الْأَمْرُ): فرغ من الحساب، وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار. وعن النبي ﷺ أنه سئل عنه -أى: عن قضاء الأمر- فقال: «حين يذبح الكبش والفريقان ينظران» و(إذْ) بدل من (يوم
_________________
(١) ـ أن يقال: أحسن وأعقل بزيدٍ، ثم حذف الباء لدلالة الثانية عليها، ثم اتصل الضمير واستتر، كما استتر في الثاني من قوله تعالى: «أسمع وأبصر»، فإن الثاني يستدل به على الأول، كما يستدل على الثاني بالأول، إلا أن الاستدلال بالأول على الثاني أكثر من العكس. قوله: (وقيل: معناه: التهديد بما سيسمعون): عطفٌ على قوله: «وإنما المراد»، وعلى الأول المراد بالتعجب، وهو راجعٌ إلى العباد، لقوله: «جديرٌ لأن يتعجب منهما»، ومتعلق الاستماع والإبصار منسيٌّ ليشمل كل ما يصح أن يسمع وأن يبصر، فهو كقول الشاعر: شجو حساده وغيظ عداه … أن يرى مبصرٌ ويسمع داعي فقطع الفعل عن متعلقه الخاص ليصير مطلقًا، ثم كني به عن ذلك المتعلق بقرينة مقام التهديد. وعلى الثاني: هو كنايةٌ عن مجرد التهديد، والمتعلق المنوي هو ما يسوؤهم ويصدع قلوبهم. قوله: (حين يذبح الكبش) روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله ليه وسلم: «يؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رأوه، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة، خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار، خلودٌ فلا موت». ثم قرأ: (وأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ) الآية.
[ ١٠ / ٢٣ ]
الحسرة)، أو منصوبٌ بالحسرة (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) متعلِّق بقوله: (في ضلال مبين) عن الحسن. و(أنذرهم): اعتراض. أو هو متعلق بـ (أنذرهم)، أى: وأنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين. يحتمل أنه يميتهم ويخرب ديارهم، وأنه يفنى أجسادهم ويفنى الأرض ويذهب بها.
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا* إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا* يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَاتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا* يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا* يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا) [مريم: ٤١ - ٤٥].
الصدّيق: من أبنية المبالغة. ونظيره: الضِّحيك والنطيق، والمراد: فرط صدقه وكثرة ما صدّق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله، وكأنَّ الرُّجحان والغلبة في
_________________
(١) ـ قوله: (أي: وأنذرهم على هذه الحال) هذا التفسير غير ملائم لقوله تعالى: (إنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا) [النازعات: ٤٥] والوجه أن يتعلق بقوله: (فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) لأن قوله: (وهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) نفي الإيمان منهم على سبيل الدوام مع الاستمرار في الأزمنة الماضية والآتية على التأكيد والمبالغة. قوله: (وأنه يفني أجسادهم) أي: يحتمل (إنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ) أن يراد به الوراثة الخاصة، وأن يراد العامة، فالتعريف في الأرض على الأول للعهد، ولذلك قال: «تخرب ديارهم»، وعلى الثاني للجنس، وهو المراد بقوله: «ويفني الأرض ويذهب بها». والثاني هو الراجح لوجهين: أحدهما: أن الكلام من قوله: (مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) في شأن القيامة. وثانيهما: أن فيه معنى (لِّمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ) [غافر: ١٦]. قوله: (وكثرة ما صدق به) الراغب: الصديق: من كثر الصدق منه. وقيل: بل من لم يكذب قط. وقيل: بل من لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق. وقيل: بل من صدق بقوله
[ ١٠ / ٢٤ ]
هذا التصديق للكتب والرسل، أى: كان مصدقًا بجميع الأنبياء وكتبهم، وكان نبيا في نفسه، كقوله تعالى: (بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) [الصافات: ٣٧]. أو: كان بليغًا في الصدق؛ لأن ملاك أمر النبوة الصدق، ومُصدقُ الله بآياته ومعجزاته حري أن
_________________
(١) ـ واعتقاده وحقق صدقه بفعله. قال تعالى: (واذْكُرْ فِي الكِتَابِ إبْرَاهِيمَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًا) [مريم: ٤١] وقال تعالى: (فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ) [النساء: ٦٩]، والصديقون هم قومٌ دون الأنبياء في الفضيلة على ما بينت في «الذريعة». قوله: (أو كان بليغًا في الصدق). الظاهر أنه عطفٌ على قوله: «والمراد فرط صدقه وكثرة ما صدق به»، يعني: أن «الصديق» من أبنية المبالغة يجوز أن يحمل على فرط صدقه وكثرة ما صدق به، ويجوز أن يحمل على المبالغة، يدل عليه قوله في فاتحة البقرة: (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) [البقرة: ١٠] قرئ: «يكذبون»، من كذبه الذي هو نقيض صدقه، ومن كذب الذي هو مبالغةٌ في «كذب». ثم قال: «أو بمعنى الكثرة»، ولما عد ها هنا أشياء في مثال الكثرة من قوله: «غيوب الله وآياته وكتبه ورسله» أراد أن يرجح بعضًا منها على بعض بمقتضى المقام. وقال: وكان الرجحان والغلبة في هذا التصديق للكتب والرسل، واستدل عليه بانضمام: (صِدِّيقًا) مع (نَّبِيًا) ليوافق قوله: (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ) [الصافات: ٣]، فقوله: (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ) إشارةٌ إلى كونه نبياًّ، وقوله: (وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ) إشارةٌ إلى كونه صديقًا، أما قوله: «أي: كان مصدقًا بجميع الأنبياء وكتبهم، وكان نبياًّ»، فهو معنى مقاربة الوصفين، أعني: صديقًا ونبياًّ، وقوله: «لأن ملاك أمر النبوة الصدق» تعليلٌ لتفسير
[ ١٠ / ٢٥ ]
يكون كذلك. وهذه الجملةُ وقعت اعتراضا بين المبدل منه وبدله، أعنى إبراهيم. و(إِذْ قالَ):
نحو قولك: رأيت زيدًا، ونِعم الرجل أخاك. ويجوز أن يتعلق (إذ) بـ (كان) أو بـ (صديقًا نبيا)، أى: كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء حين
_________________
(١) ـ (صِدِّيقًا) في هذا المقام بالمبالغة، يعني: إنما وصفه بقوله: (صِدِّيقًا) وقرن معه (نَّبِيًا) لأن ملاك أمر النبوة الصدق، و«مصدق الله» مع خبره معطوفٌ على الجملة التي قبله، واقترانه مع النبي على الوجه الأول: للتكميل، وعلى الثاني: للتتميم. قوله: (وهذه الجملة وقعت اعتراضًا بين المبدل منه وبدله). قال صاحب «الفرائد»: كون الجملة اعتراضًا بين البدل والمبدل منه بدون الواو بعيدٌ عن الطبع وع الاستعمال، والذي ذكر من النظر ليس بمستعمل، وهو مع ذلك بالواو، ويمكن أن يقال: (إنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا) في مقام التعليل، كأنه قال: واذكره لقومك؛ لأنه كان صديقًا نبياًّ. ثم ابتدأ وقال: (إذْ قَالَ) أي: اذكر لهم ما قال لأبيه، كأنه بيانٌ لبعض ما يكون به صديقًا نبياًّ. والعامل في: (إذْ): (واذْكُرْ)، والوقت في هذا قائمٌ مقام المفعول به. قلت: أما قوله: «كون الجملة اعتراضًا بدون الواو بعيدٌ)، فكلام من لم يحقق معنى الاعتراض، وهو أن يؤتى في أثناء الكلام متصلين معنىً بجملةٍ لا محل لها من الإعراب، ومرجعه إلى التأكيد، وهو يأتي تارةً بالواو، كقوله: إن الثمانين وبلغتها … قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وأخرى بلا واوٍ نحو قوله تعالى: (ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ ولَهُم مَّا يَشْتَهُونَ) [النحل: ٥]، ومن القبيلين قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) [الواقعة: ٧٥ - ٧٦]، هذا إذا كان: (إذْ قَالَ) بدلًا من (إبْرَاهِيمَ)، وإذا تعلق ب (كَانَ) أو ب (صِدِّيقًا) كان تعليلًا.
[ ١٠ / ٢٦ ]
خاطب أباه تلك المخاطبات. والمرادُ بذكر الرسول إياه وقصته في الكتاب: أن يتلُو ذلك على الناس ويبلغه إياهم، كقوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ) [الشعراء: ٦٩]، وإلا فالله ﷿ هو ذاكرُه ومُوردُه في تنزيله. التاء في (يا أَبَتِ): عوضٌ من ياء الإضافة، ولا يقال "يا أبتى"؛ لئلا يُجمع بين العوض والمعوض منه. وقيل: "يا أبتا"، لكون الألف بدلا من الياء، وشبه ذلك سيبويه بأينق، وتعويض الياء فيه عن الواو الساقطة.
انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم والارتكاب الشنيع
الذي عصى فيه
_________________
(١) ـ قوله: (وإلا فالله هو ذاكره ومورده في تنزيله) إشارةٌ إلى أن أصل الكلام: إنا قد أوردنا في التنزيل قصة إبراهيم، وذكرناها فيه، فاتلها أنت على الناس وبلغها إياهم، كقوله: (واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إبْرَاهِيمَ) [الشعراء: ٦٩]. ولما كان رسول الله صلى الله ليه وسلم خليفة الله في أرضه والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده، جعله ذاكرًا وموردًا في القرآن قصص الأنبياء ﵈. قوله: (وقل: «يا أبتا» لكون الألف بدلًا من الياء)، يريد: «يا أبتي» غير جائزٍ لاجتماع العوض والمعوض عنه صريحًا، وهما الياء والتاء، بخلاف: «يا أبتا»؛ لأن الألف بدلٌ من الياء، كما أن التاء بدلٌ منها، فلا يكون في الصراحة مثل الياء، ولكن قل استعماله للعود إليه، ولا يبعد اجتماع عوضين عن معوضٍ واحد، فإن صاحب الجبيرة يجب عليه التيمم والمسح، وهما عوضان عن الغسل. قوله: (بأينقٍ)، قد جمعت «الناقة» في القلة على «أنوق»، ثم استثقلوا الضمة على الواو فقدموها، وقالوا: «أونق»، ثم عوضوا من الواو ياءً، فقالوا: «أينقٌ»، ثم جمعوها على «أيانق». قوله: (أن ينصح أباه ويعظه فيما كان) تنازع «ينصح» و«يعظه» في الظرف، و«من الخطأ» بيان «ما»، ويجب أن يقدر في «وانسلخ عن قضية التمييز»: «فيه»؛ لأن الجملة معطوفةٌ على صلة الموصول ولابد من الراجع. قوله: (متورطًا فيه). الجوهري: أورطه وورطه توريطًا: إذا أوقعه في الورطة، وهي: الهلاك، فتورط هو فيها.
[ ١٠ / ٢٧ ]
آمر العقلاء وانسلخ عن قضية التمييز، ومن الغباوة-التي ليس بعدها غباوة- كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق، مع استعمال المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن، منتصحا في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا، حدّث أبو هريرة قال: قال رسول الله ﵌ «أوحى الله إلى إبراهيم ﵇: إنك خليلي، حسن خلقك ولو مع الكفار، تدخل مداخل الأبرار،
فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه، أظله تحت عرشي، وأسكنه حظيرة القدس، وأدنيه من جواري"؛
_________________
(١) ـ قوله: (آمر العقل) معناه: العقل الآمر والفكر الصائب، وقوله: «ومن الغباوة» عطفٌ على «من الخطأ». قوله: (أرشق مساقٍ). الأساس: غلامٌ رشيقٌ: إذا كان في اعتدالٍ ودقة، ومن المجاز: رجلٌ رشيقٌ: ظريفٌ، وخطٌّ رشيق. قوله: (م استعمال المجاملة واللطف)، هذا الأسلوب يسمى بالاستدراج والكلام المنصف. قوله: (منتصحًا في ذلك) إشارةٌ إلى قوله: «رتب الكلام معه في أحسن اتساقٍ». اعلم أن «حين» في قوله: «انظر حين أراد أن ينصح» لا يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: «انظر»، إذ ليس المراد بالأمر بالنظر في ذلك الزمان، ولا يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: «رتب»، إذ لا يعمل ما بعد الاستفهام فيما قبله، بل هو مفعولٌ به لقوله: «انظر»، أي: انظر إلى زمان إرادته نصيحة أبيه، والمقصود من النظر في ذلك الزمان: النظر إلى ما هو فيه، لكن ذكر الزمان للإشعار بأن ذلك الزمان لغرابة ما وقع فيه، جديرٌ بأن ينظر فيه، وهذا المعنى مأخوذٌ من كلام المصنف في قوله: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ) [البقرة: ٣٤]، (وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ) [البقرة: ١٢٦]، وفي الكلام حذفٌ، وهو فعل العلم المعلق عن العمل، أي: انظر لتعلم كيف رتب.
[ ١٠ / ٢٨ ]
وذلك أنه طلب منه أولا العلة في خطئه طلب منبه على تماديه، موقظ لإفراطه وتناهيه، لأن المعبود لو كان حيا مميزا، سميعا بصيرا، مقتدرا على الثواب والعقاب، نافعا ضارا، -إلا أنه بعض الخلق- لاستخفّ عقل من أهله للعبادة ووصفه بالربوبية، ولسجل عليه بالغىّ المبين والظلم العظيم وإن كان أشرف الخلق وأعلاهم منزلة، كالملائكة والنبيين. قال الله تعالى: (وَلا يَامُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَامُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: ٨٠]؛ وذلك أن العبادة هي غاية التعظيم، فلا تحق إلا لمن له غاية الإنعام: وهو الخالق الرزاق، المحيي المميت، المثيب المعاقب، الذي منه أصول النعم وفروعها. فإذا وجهت إلى غيره - وتعالى علوا كبيرا أن تكون هذه الصفة لغيره - لم يكن إلا ظلما وعتوا وغيا وكفرا وجحودا، وخروجا عن الصحيح النير إلى الفاسد المظلم، فما ظنك بمن وجه عبادته إلى جماد ليس به حس ولا شعور؟ فلا يسمع -يا عابده- ذكرك له وثناءك عليه، ولا يرى هيئات خضوعك وخشوعك له، فضلا أن يغنى عنك بأن تستدفعه بلاء فيدفعه، أو تسنح لك حاجة فيكفيكها. ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقا به متلطفا، فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال: إن معى طائفة من العلم وشيئا منه ليس معك، وذلك علمُ
_________________
(١) ـ قوله: (وكفرا وجحودًا)، الراغب: الجحود: نفي ما في القلب ثباته، وإثبات ما في القلب نفيه. قال تعالى: (وجَحَدُوا بِهَا واسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) [النمل: ١٤]. قوله: (فلا يسمع- يا عابده- ذكرك له) هذا الاعتراض فيه التنبيه على غباوة السامع والتمادي في الغفلة والانغماس في ورطة الجهل، قال الفرزدق: فانعق بضأنك يا جرير، فإنما … منتك نفسك في الخلاء ضلالا
[ ١٠ / ٢٩ ]
الدلالة على الطريق السوي، فلا تستنكف، وهب أنى وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعنى أنجك من أن تضل وتتيه. ثم ثلث بتثبيطه ونهيه عما كان عليه: بأن الشيطان - الذي استعصى على ربك الرحمن الذي جميع ما عندك من النعم من عنده، وهو عدوّك الذي لا يريد بك إلا كل هلاك وخزى ونكال وعدوّ أبيك آدم وأبناء جنسك كلهم - هو الذي ورّطك في هذه الضلالة وأمرك بها وزينها لك، فأنت إن حققت النظر عابد الشيطان، إلا أن إبراهيم ﵇ لإمعانه في الإخلاص ولارتقاء همته في الربانية لم يذكر من جنايتي الشيطان إلا التي تختص منهما برب العزة من عصيانه واستكباره، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته لآدم وذرّيته كأن النظر في عظم ما ارتكب من ذلك غمر فكره وأطبق على ذهنه.
_________________
(١) ـ قوله: (استعصى على ربك) أبلغ من «عصى»، لمعنى الطلب فيه. قوله: (لم يذكر من جنايتي الشيطان إلا التي تختص منهما برب العزة من عصيانه) لعله يريد أن قوله: (إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًا) من باب التلميح، وهو أن يشار في الكلام إلى نحو قصةٍ، وهي ما ذكره الله تعالى في قوله: (وإذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي) [الكهف: ٥٠] من استعصاء اللعين على الله، وأنه عدوٌّ لبني آدم، فآثر خليل الله ما هو مختصٌّ بالله على ما يختص بالغير، لأنه أهم شيءٍ عنده، ومنه قوله تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) [الأنعام: ٣٣]، قال المصنف: «إن تكذيبك أمرٌ راجعٌ إلى الله فاله عن حزنك لنفسك، وأنهم كذبوك وأنت صادقٌ، وليشغلك عن ذلك ما هو أهم، وهو استعظامك لجحود آيات الله والاستهانة بكتابه». قوله: (كأن النظر في عظم ما ارتكب [من ذلك] غمر فكره) أي: لم يلتفت إلى ما هو في غير ما هو في جنب الله، وهو عداوته لآدم، وقد يعرض للمتكلم وهو في أثناء كلامه ما يذهله عن بعض ما هو فيه، فيأخذ في الأهم.
[ ١٠ / ٣٠ ]
ثم رَبَّعَ بتخويفه سوء العاقبة، وبما يجرُه ما هو فيه من التَّبِعة والوبال، ولم يخل ذلك من
_________________
(١) ـ قوله: (ثم ربع بتخويفه سوء العاقبة)، فإن قلت: قال: رتب الكلام معه أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق، ثم أتى بكلمة الترتب، وعد أربعة أنواع من النصيحة وما بين وجه الاتساق؟ قلت: وفي كلامه إشعارٌ به وتلويحٌ إليه، وبيان ذلك: أن الواجب على الداعي الناصح والطبيب الحاذق بيان الضلال، وتشخيص الداء العضال، ثم الشروع في الدواء بإزالة المرض ورد الصحة، فبين ﵇ أولًا خطأه في ارتكاب الشنيع من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئًا، وإليه الإشارة بقوله: طلب أولًا العلة في خطابه طلب منبهٍ على تماديه، إلى آخره، فإذا تنبه المنصوح والمريض على الضلال والمرض لابد أن يطلب من المنبه طريق الإزالة، فعليه أن يوقفه على الطبيب والمرشد، وإليه الإشارة بقوله: «وعندي معرفةٌ بالهداية فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه»، فإذا أذن له عند ذلك يشرع في إزالة ما ينبغي إزالته، فيبتدئ بالأهم والأولى. ولا ارتياب في أن الشيطان هو الذي باض الضلال في بني آدم وفرح فيه من أول الزمان، وأوقعه في ورطة المهالك، وإليه الإشارة بقوله: «وهو عدوك وعدو أبيك وأبناء جنسك، وهو الذي ورطك في هذه الضلالة»، وإن الشيطان هو الذي انتصب لاستجرارهم إلى الوبال وعذاب النار في آخر الأمر، وإليه الإشارة بقوله: «ثم ربع بتخويفه سوء العاقبة» فلما لم ينجح في أبيه هذا الوعظ حيث أجاب جوابه الأحمق بقوله: (أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي)، لا جرم أنه ﵇ لما لم يتمكن من التخلية بإزالة الشرك الذي هو المرض، فأسرع في التحلية من الأمر بالتوحيد الذي هو رد الصحة التي هي فطرة الله التي فطر الناس علليها، وبمكارم الأخلاق، فطلب الاعتزال
[ ١٠ / ٣١ ]
حُسن الأدب؛ حيث لم يصرح بأن العقاب لا حق له وأن العذاب لاصق به، ولكنه قال: (أخاف أن يمسك عذابٌ)، فذكر الخوف والمس ونكر العذاب، وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب، وذلك أن رضوان الله أكبر من الثواب نفسه، وسماه الله تعالى المشهود له بالفوز العظيم حيث قال: (وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: ٧٢]، فكذلك ولاية الشيطان التي هي معارضة رضوان الله، أكبر من العذاب نفسه وأعظم، وصدّر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله يا (أَبَتِ)؛ توسلا إليه واستعطافا. (ما)
في (ما لا يَسْمَعُ) و(ما لَمْ يَاتِكَ) يجوزُ أن تكون موصولة وموصوفة، والمفعول في (لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ)
منسى غير منوي، كقولك: ليس به استماع ولا إبصار (شَيْئًا) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون في موضع المصدر، أى: شيئًا من الغناء، ويجوز أن
_________________
(١) ـ بقوله: (وأَعْتَزِلُكُمْ ومَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأَدْعُو رَبِّي) [مريم: ٤٨] (واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [الأحزاب: ٤]. قوله: (فذكر الخوف والمس ونكر العذاب) ثم أسنده إلى «الرحمن» للإيذان بأن العذاب من الموصوف بالرحمة أشد، وإليه لوح المتنبي بقوله: فما يوجع الحرمان من كف حارمٍ … كما يوجع الحرمان من كف رازق قوله: (وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب)، وجعل مسيس العذاب سببًا لكون الشيطان وليه ووسيلةً إلى الدخول في زمرة أشياعه. قوله: «شَيْئًا) يحتمل وجهين) أي: في قوله: (ولا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا)، ولعل إيقاعه قوله: «ويجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين» يعني: لا يسمع ولا يبصر، اعتراضا بين الوجهين للإشعار باختصاص النصب على المصدر فيهما دون المفعول به، كما في الوجه الثاني، لئلا يفوت إرادة الإطلاق منهما على ما سبق له. واعلم أن (شَيْئًا) جيء به مراعاةً
[ ١٠ / ٣٢ ]
يُقدَّر نحوه مع الفعلين السابقين. والثاني: أن يكون مفعولا به من قولهم: أغن عنى وجهك. (قَدْ جاءَنِي): فيه تجدُّد العِلْم عنده.
(قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) [مريم: ٤٦].
لما أطلعه على سماجة صورة أمره، وهدم مذهبه بالحجج القاطعة، وناصحه
_________________
(١) ـ لفواصل السورة ظاهرًا، وكان من حقه أن يعلق بالأفعال الثلاثة، فترك تعلقه بالفعلين السابقين لذلك الغرض، فوجب تعلقه بالأخير. ثم من الوجهين الأول أولى؛ لأنه أقرب إلى إرادة المبالغة. قوله: (أغن عني وجهك)، أي: بعد وجهك عني؛ لأن الشيء إذا استغني عنه فقد ترك وبعد. قال في «المغرب»: أغن عني كذا، أي: نحق عني وبعده. قال: لتغني عني إنائك أجمعا وعليه حديث عثمان ﵁ في صحيفة الصدقة التي بعثها عليٌّ ﵁ على يد محمد بن الحنفية: «أغنها عنا»، وهو في الحقيقة من باب القلب، كقولهم: عرض الدابة على الماء. قوله: «قَدْ جَاءَنِي) فيه تجدد العلم عنده): بيانٌ لاتصال قوله: (يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ العِلْمِ) بقوله: (ولا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا) أي: لم تعبد الجماد وما لا يدفع عنك الأذى؟ وما أقول ذلك من تلقاء نفسي، ولا كنت عاملًا به قبل هذا، بل قد جاءني فيه تجدد العلم عند إمحاض نصحي هذا، فالضمير في «فيه» يعود إلى المذكور، ولما كان المذكور محض النصح، كان الضمير في «عنده» راجعًا إليه.
[ ١٠ / ٣٣ ]
ناصحة العجيبة مع تلك الملاطفات، أقبل عليه الشيخُ بفظاظة الكفر وغلظة العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل (يا أَبَتِ) بـ"يا بنىّ"، وقدَّم الخبر على المبتدأ في قوله (أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ)؛ لأنه كان أهمَّ عنده وهو عنده أعنى، وفيه ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته، وأن آلهته، ما ينبغي أن يرغب عنها أحد. وفي هذا سُلوان
_________________
(١) ـ قوله: (أقبل عليه الشيخ)، وفي تخصيصه تنبيهٌ على جسارة قلبه وشدة شكيمته، يعني: كان من حقه وكونه رجلًا شيخًا أن يأتي باللطف والمجاملة، لكن عكس. قوله: (وقدم الخبر على المبتدأ). قال أبو البقاء: (أَرَاغِبٌ): مبتدأ، و(أَنتَ): فاعله أغنى عن الخبر، وجاز الابتداء بالنكرة لاعتمادها على الهمزة. وقال المالكي وغيره: إن (أَنتَ): مرفوعٌ ب (أَرَاغِبٌ)، وإلا يلزم الفصل بين (أَرَاغِبٌ) ومعموله وهو (عَنْ آلِهَتِي) بأجبني وهو (أَنتَ). وأجيب أن (عَنْ): متعلقٌ بمقدرٍ بعد (أَنتَ) دل عليه (أَرَاغِبٌ). قال ابن الحاجب في «الأمالي»: لا يتوهم أحدٌ أن «أقائمٌ هو» من قبيل «أقائمٌ زيدٌ»، بل قائمٌ: خبرٌ ل «هو» مقدمٌ عليه، ولذا يقال في التثنية والجمع: أقائمان هما، وأقائمون هم؟ وعورض بنحو: أراغبٌ أنتما وأراغبٌ أنت؛ لأنه متعينٌ أن يكون «أراغبٌ» مبتدأ. قوله: (وهو عنده أعنى)، أي: تقديم الخبر عند أبي إبراهيم أهم. الأساس: عني بكذا واعتنى به وهو معنيٌ به، ومنه قول سيبويه: وهم ببيانه أعنى. قوله: (سلوانٌ). الجوهري: السلوانة، بالضم: خرزةٌ كانوا يقولون: إذا صب عليها الماء من المطر فيشربه العاشق سلا، واسم ذلك الماء: السلوان.
[ ١٠ / ٣٤ ]
وثلج لصدر رسول الله ﷺ عما كان يلقى من مثل ذلك من كفار قومه (لَأَرْجُمَنَّكَ) لأرمينك بلساني؛ يريد الشتم والذمّ، ومنه: "الرَّجِيمِ" المرمىّ باللعن. أو: لأقتُلنَّك، من رجم الزاني. أو: لأطردنك رميا بالحجارة. وأصل الرجم: الرمي بالرجام (مَلِيًّا) زمانا طويلًا، من الملاوة. أو: مليا بالذهاب عنى والهجران قبل أن أثخنك بالضرب، حتى لا تقدر أن تبرح. يقال: فلان ملىّ بكذا، إذا كان مطيقا له مضطلعا به. فإن قلت: علام عطف (وَاهْجُرْنِي)؟ قلت: على معطوف عليه محذوف يدل عليه (لَأَرْجُمَنَّكَ) أى فاحذرنى واهجرني، لأن (لَأَرْجُمَنَّكَ) تهديد وتقريع.
(قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا) [مريم: ٤٧ - ٤٨].
(سَلامٌ عَلَيْكَ) سلامُ توديع ومتاركة، كقوله تعالى: (لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ
_________________
(١) ـ قوله: (وثلجٌ لصدر). الأساس: ومن المجاز ثلج فؤاده، وهو مثلوج الفؤاد، وثلجت نفسه بكذا: بردت وسرت. قوله: (الرمي بالرجام). الجوهري: الرجم: القتل، وأصله الرجم بالحجارة، والرجام: حجارةٌ ضخام. قوله: (من الملاوة). الجوهري: أقمت عنده ملاوةً من الدهر، أي: حينًا وبرهة، وعلى هذا (مَلِيًا): ظرفٌ، وعلى الوجه الثاني: حالٌ من الفاعل. قوله: (أثخنك بالضرب). الأساس: أثخن في الأمر: بالغ فيه. قوله: «لأن (لأَرْجُمَنَّكَ) تهديدٌ وتقريع)، تعليلٌ لدلالة (لأَرْجُمَنَّكَ) على «فاحذرني»، ولا يصلح المذكور أن يكون معطوفًا عليه؛ لأنه جواب القسم، ولا يصلح هذا أن يكون جوابًا له، فيقدر ما يكون مسببًا عما تقدم، فيعطف عليه، على منوال قوله تعالى: (ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ عِلْمًا وقَالا الحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: ١٥].
[ ١٠ / ٣٥ ]
سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ) [القصص: ٥٥]، وقوله: (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا) [الفرقان: ٦٣]، وهذا دليلٌ على جواز متاركة المنصوح والحال هذه. ويجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له. ألا ترى أنه وعده الاستغفار؟ فإن قلت: كيف جاز له أن يستغفر للكافر وأن يعده ذلك؟ قلت:
قالوا أراد اشتراط التوبة عن الكفر، كما ترد الأوامر والنواهي الشرعية على الكفار والمراد اشتراط الإيمان، وكما يؤمر المحدث والفقير بالصلاة والزكاة ويراد اشتراط الوضوء والنصاب. وقالوا: إنما استغفر له بقوله: (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ) [الشعراء: ٨٦]؛ لأنه وعده أن يؤمن. واستشهدوا عليه بقوله تعالى (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ) [التوبة: ١١٤]. ولقائل أن يقول: إنّ الذي منع من الاستغفار للكافر إنما هو السمع، فأمّا القضية العقلية فلا تأباه، فيجوز أن يكون الوعد بالاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع، بناء على قضية العقل، والذي يدل على صحته
_________________
(١) ـ قوله: (كما ترد الأوامر والنواهي)، قيل: النواهي مجمعٌ عليها في كونهم مخاطبين بها، وأما الأوامر فعند الشافعي ﵁ أنهم مخاطبون بها بشرط الإيمان، وعند أبي حنيفة ﵁ أنهم مخاطبون مطلقًا، قيل: فيه نظرٌ؛ لأن التوحيد أصلٌ، فلا يجوز أن ينقلب شرطًا؛ لأن الشرط تبعٌ للمشروط، وأجيب: أن كونه شرطًا بسبب اقتضاء صحة هذا المأمور به، لا أنه شرطٌ في نفس الأمر. قوله: (والذي يدل على صحته) أي: صحة القول بجواز الاستغفار على قضية العقل، وبطلان القول باشتراط التوبة عن الكفر: هذه الآية، وبيانه: أنه لو كان إبراهيم ﵇ شارطًا للإيمان لم يكن استغفاره مستنكرًا ومستثنىً في قوله: (إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) [الممتحنة: ٤]، فلما استثنى دل على أنه ما شرط التوبة؛ لأن الاستغفار على شريطة التوبة مستحسنٌ من كل أحد، فلا يكون منكرًا.
[ ١٠ / ٣٦ ]
_________________
(١) ـ قال صاحب «الانتصاف»: الحق أن التحسين والتقبيح باطلان، فلا حاجة إلى هذا التعليل. وقال صاحب «الفرائد»: لو كان الوعد والوفاء على قضية العقل لقيل: ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا جريًا على قضية العقل، فلما ورد السمع بأن الاستغفار لا يجوز للكافر، ترك الاستغفار وتبرأ منه، ويمكن أن يقال: وعده الاستغفار بشرط التوبة، ولم يعلم بأنه ممن لا يؤمن البتة، فوفى بالوعد وقال: (واغْفِرْ لأَبِي إنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) [الشعراء: ٨٦]، كأنه قال: أخرجه من الضلال واغفر له، (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ) [التوبة: ١١٤] أي: ممن لا يؤمن، ترك الدعاء وتبرأ منه. قال الإمام: الآية تدل على أنه لا يجوز لنا التأسي به في ذلك، والمنع من التأسي به في ذلك لا يدل على أن ذلك كان معصيةً، فإن كثيرًا من خواص النبي ﷺ لا يجوز لنا التأسي بها مع أنها كانت مباحةً له. وزاد صاحب «التقريب» على هذا بأن قال: نفي اللازم ممنوعٌ أيضًا، فإن استثناءه عما وجبت فيه الأسوة إنما يدل على أنه غير واجب، لا على أنه غير جائزٍ ومنكر، وكان ينبغي له أن يقول- بدل قوله: ومستثنىً عما وجبت فيه الأسوة-: مستثنىً عما جازت فيه الأسوة لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ …) [الممتحنة: ٦] الآية، ولا دلالة فيه على الوجوب. وقلت- واعلم عند الله-: كلام صاحب «الفرائد»: وعده الاستغفار بشرط التوبة ولم يعلم بأنه ممن لا يؤمن، إلى آخره، حسنٌ، لكن مع زيادةٍ يسيرة، والنظم يساعد عليه. وبيانه: أنه ﵇ لما أجاب عن قول أبيه: (لأَرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًا) بقوله: (سَأَسْتَغْفِر
[ ١٠ / ٣٧ ]
_________________
(١) ـ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًا) جوابه الحكيم إظهارًا للتعطف والرأفة، وإبداءً للرقة والرحمة، كأنه ﵇ ما التفت إلى جفائه وغلظته بناءً على ما وصفه الله تعالى: (إنَّ إبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) [التوبة: ١١٤]، ولما لم يكن عارفًا بما يؤول إليه حال أبيه من الإصرار على الكفر، وأنه ممن لا يؤمن البتة، وفى بالوعد وقال: (واغْفِرْ لأَبِي إنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) [الشعراء: ٨٦]، كأنه قال: أخرجه من الضلال واغفر له (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ) [التوبة: ١١٤]، أي: مصرٌّ على الضلالة والكفر، ترك الدعاء وتبرأ منه. فظهر من هذا أن استغفاره إنما لم يكن مستنكرًا؛ لأنه ﵇ لم يكن عالمًا بإصراره على الكفر، لقوله تعالى: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ) [التوبة: ١١٤]، بخلافه في تلك الصورة، فإنه تبين للمؤمنين أنهم أعداء الله بقوله: (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ) [الممتحنة: ١] وأن لا مجال لإظهار المودة بوجهٍ ما. ثم بالغ في تفصيل عداوتهم بقوله تعالى: (إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) [الممتحنة: ٢]، ثم حرضهم على قطيعة الأرحام بقوله: (لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ) [الممتحنة: ٣]، ثم سلاهم بالتأسي في القطيعة بإبراهيم ﵇ وقومه بقوله: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ …) إلى قوله: (إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) [الممتحنة: ٤]، فاستثنى من المذكور ما لم يحتمله هذا المقام، كما احتمله ذلك المقام للنص القاطع، يعني: لكم التأسي بإبراهيم مع هؤلاء الكفار في القطيعة والهجران لا غير، فلا تجاملوهم ولا تبدوا لهم بالرأفة والرحمة كما أبدى إبراهيم لأبيه في قوله: (لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)؛ لأنه لم يتبين له حينئذٍ أنه لا يؤمن كما بدا لكم كفر هؤلاء وعداوتهم لكم. فظهر من هذا البيان أن لابد للمفسر من تعيين المقام والنظر إلى ترتيب النظام، لئلا يدحض في مزال الأقدام، والحمد لله الذي هدانا لهذا.
[ ١٠ / ٣٨ ]
قوله تعالى: (إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) [الممتحنة: ٤]، فلو كان شارطًا للإيمان لم يكن مستنكرا ومستثنى عما وجبت فيه الأسوة. وأمّا (عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ) [التوبة: ١١٤]، فالواعدُ هو إبراهيمُ لا آزر، أى: ما قال (وَاغْفِرْ لِأَبِي) [الشعراء: ٨٦] إلا عن قوله: (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)، وتشهد له قراءةُ حمادٍ الرواية: (وعدها أباه). والله أعلم (حَفِيًّا)
_________________
(١) ـ قوله: (وأما (عَن مَّوْعِدَةٍ وعَدَهَا إيَّاهُ) [التوبة: ١١٤] فالواعد إبراهيم لا آزر): إبطالٌ لاستشهاد الخصوم وقولهم: إنما استغفر له لأنه وعده أن يؤمن، بدليل قوله: (ومَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وعَدَهَا إيَّاهُ) [التوبة: ١١٤] بأن الواعد هو إبراهيم لا آزر، بدليل قراءة حماد. وقلت: أظهر منه سياق الآيات؛ لأن قوله ﵇: (سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) إنما صدر منه بعد فظاظة أبيه في الرد وغلظته في قوله: (لأَرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًا)، فيكون هذا هو الوعد، فالواعد في قوله: (وعَدَهَا إيَّاهُ) هو إبراهيم ﵇، فيعلم منه ضعف قول صاحب «التيسير»: الاستثناء في قوله: (إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) [الممتحنة: ٤] منقطعٌ تقديره: لكن (قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)؛ لأنه كان لموعدةٍ وعدها أبوه، فظن أنه قد أنجزها، فلما تبين إصراره تبرأ منه، ولا تحل لكم ذلك مع علمكم. قوله: (ما قال: (واغْفِرْ لأَبِي) [الشعراء: ٨٦] إلا عن قوله) أي: ما صدر قوله إلا عن قوله: (لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) وبسببه، كقوله: ينهون عن أكلٍ وعن شربٍ قوله: (قراءة حمادٍ الرواية)، قيل: حمادان، الرواية الكوفي، والراوية البصري، وهو المراد ها هنا، وتصحيفاته مشهورةٌ، من ذلك في قوله: (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ) [الأعراف: ١٥٦]
[ ١٠ / ٣٩ ]
الحفيّ: البليغ في البر والإلطاف، حفى به وتحفى به (وَأَعْتَزِلُكُمْ): أراد بالاعتزال المهاجرة إلى الشام. المرادُ بالدعاء العبادة؛ لأنه منها ومن وسائطها. ومنه قوله ﷺ: «الدعاء هو العبادة». ويدل
عليه قوله تعالى: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ) [مريم: ٤٩]، ويجوز أن يراد الدعاء الذي حكاه الله في سورة الشعراء. عرّض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم في قوله: (عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا)، مع التواضع لله بكلمة (عَسى) وما فيه من هضم النفس.
(فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) [مريم: ٤٩ - ٥٠].
ما خسر على الله أحد ترك الكفار الفسقة لوجهه، فعوّضه أولادا مؤمنين أنبياء
_________________
(١) ـ أنه قرأ: أساء، وفي قوله: (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى ائْتِنَا) [الأنعام: ٧١] أنه قرأ: إيتنا. قوله: (الدعاء هو العادة) الحديث أخرجه أبو داود والترمذي، عن النعمان بن بشير. ومعنى الحصر: أن المقصود من العبادة: إنشاء غاية الخضوع والتذلل، والدعاء ليس إلا إظهار الافتقار وإبداء التذلل لله تعالى. قوله: (الدعاء الذي حكاه الله في سورة الشعراء)، وهو قوله: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [الشعراء: ٨٣] إلى آخره.
[ ١٠ / ٤٠ ]
(مِنْ رَحْمَتِنا) هي النبوّة عن الحسن. وعن الكلبي: المال والولد، وتكون عامّة في كل خير دينى ودنيوى أوتوه. لسان الصدق: الثناء الحسن. وعبر باللسان عما يوجد باللسان، كما عبر باليد عما يطلق باليد وهي العطية. قال:
إنى أتتنى لسان لا أسر بها
يريد الرسالة. ولسان العرب: لغتهم وكلامهم. استجاب الله دعوته (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) [الشعراء: ٨٤]؛ فصيَّره قدوةً حتى ادّعاه أهل الأديان كلهم. وقال ﷿: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ) [الحج: ٧٨]، و: (مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا) [البقرة: ١٣٥]، (ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا) [النحل: ١٢٣]، وأعطى ذلك ذُرِّيَّتَه فأعلى ذِكرهم وأثنى عليهم، كما أعلى ذكره وأثنى عليه.
_________________
(١) ـ قوله: (كما عبر باليد عما يطلق باليد)، هو من باب إطلاق السبب على المسبب، أو من باب إطلاق اسم المحل على الحال. قوله: (إني أتتني لسانٌ لا أسر بها)، تمامه: من علو لا عجبٌ منها ولا سخر علوة: اسم امرأة. الضمير في «بها» راجعٌ إلى الكلمة، والشعر لأعشى باهلة قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر، ويروى: ولا صخب، وهو الصياح مكان: ولا سخر، يقال: سخرت منه أسخر سخرًا، بالتحريك، مسخرًا وسخرًا. قوله: (وأعطى ذلك)، يجوز أن يكون إشارةً إلى معنى قوله: (ووَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا) الآية، ولذلك رتب عليه قوله: «فأعلى ذكرهم وأثنى عليهم» وجعل ذلك تخلصًا إلى ذكر موسى ﵇ بقوله: (واذْكُرْ فِي الكِتَابِ مُوسَى إنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا). قوله: (كما أعلى ذكره). الأساس: ومن المجاز: له ذكرٌ في الناس، أي: صيتٌ وشرفٌ (وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ ولِقَوْمِكَ) [الزخرف: ٤٤]، ورجلٌ مذكور.
[ ١٠ / ٤١ ]