مكية وهي مئة وثلاث وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)
(أُحْكِمَتْ آياتُهُ): نظمت نظمًا رصينًا محكمًا لا يقع فيه نقض ولا خلل، كالبناء المحكم المرصف. ويجوز أن يكون نقلا بالهمزة،
_________________
(١) ـ سورة هود ﵇ مكية، وهي مئة وثلاث وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (ويجوز أن يكون نقلًا): الضمير في "يكون" راجع إلى (أُحْكِمَتْ)، وهو وعطف على "نظمت نظمًا" من حيث المعنى، فعلى الأول: الهمزة ليست للنقل، بل وضع "أحكم" ابتداء لذلك، ومثله "كلم" بالتشديد في قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [النساء: ١٦٤]، لأنه ليس للتكثير، بل هو موضوع لذلك، قاله ابن الأثير. فقوله: "نقلًا" مصدر فعل محذوف، أي: نقل نقلًا.
[ ٨ / ٥ ]
من: حكم- بضم الكاف-: إذا صار حكيمًا، أي: جعلت حكيمة، كقوله تعالى (آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ) [يونس: ١] وقيل: مُنِعَت من الفساد، من قولهم: أحكمت الدابة: إذا وضعت عليها الحَكَمة لتمنعها من الجماح، قال جرير:
أبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ … إنِّى أخَافُ عَلَيْكُمُ أنْ أغْضَبَا
وعن قتادة: أُحكمت من الباطل.
(ثُمَّ فُصِّلَتْ) كما تفصل القلائد بالفرائد، من دلائل التوحيد، والأحكام، والمواعظ والقصص. أو: جعلت فصولًا، سورةً سورة، وآيةً آية. وفرقت في التنزيل، ولم تنزل جملةً واحدة، أو فُصِّل فيها ما يحتاج إليه العباد: أي بين ولخص
_________________
(١) ـ قوله: (حكم: [إذا] صار حكيمًا): وأنشد للنمر بن تولب: وأبغض بغيضك بغضًا رويدًا … إذا أنت حاولت أن تحكما قال الأصمعي: إذا حاولت أن تكون حكيمًا. قوله: (أبني حنيفة) البيت: يقول: امنعوا سفهاءكم عن إيذائي وشتمي، فإني أخاف أن أغضب وأصيبكم بسوء من هجو وغيره. قوله: (كما تفصل القلائد بالفرائد)، الراغب: "الفصل: إبانة أحد الشيئين عن الآخر، حتى يكون بينهما فرجة، ومنه قيل: المفاصل، والواحد: مفصل، وفصل القوم عن مكان كذا، وانفصلوا: فارقوه، قال تعالى: (وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ) [يوسف: ٩٤]، ويستعمل في الأفعال والأقوال، كقوله تعالى: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ) [الدخان: ٤٠]،
[ ٨ / ٦ ]
وقرئ: (أحكمت آياته ثم فصلت)، أي: أحكمتها أنا ثم فصلتها. وعن عكرمة والضحاك: (ثم فصلت)، أي: فرّقت بين الحق والباطل.
فإن قلت: ما معنى (ثم)؟ قلت: ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال، كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام، ثم مفصلةٌ أحسن التفصيل، وفلانٌ كريم الأصل، ثم كريم الفعل
_________________
(١) ـ أي: يفصل بين الناس بالحكم، وفصل الخطاب: ما فيه قطع الحكم، وحكم فيصل، ولسان مفصل، قال تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) إشارة إلى ما قال: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً) [النحل: ٨٩]، والمفصل من القرآن: السبع الأخير، والفواصل: أواخر الآي، وفواصل القلادة: شذر يفصل به بينها". قوله: (ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال): قوله: "في الحال": يحتمل أمرين: أن يراد: التراخي في الرتبة- كما مر مرارًا-، وأن يراد التراخي في الإخبار، كما قال القاضي، وقال أبو البقاء في غير هذا الموضع: "ثم- ها هنا-: غير مقتضية ترتيبًا في المعنى، وإنما
[ ٨ / ٧ ]
و(كتاب) خبر مبتدأٍ محذوف، و(أحكمت) صفةٌ له، وقوله: (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) صفةٌ ثانية، ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون صلة لـ (أحكمت) و(فصلت)، أي: من عنده إحكامها وتفصيلها، وفيه طباقٌ حسن، لأنَّ المعنى: أحكمها حكيم وفصلها- أي: بينها وشرحها خبيرٌ عالمٌ بكيفيات الأمور
_________________
(١) ـ رتبت الأخبار بعضها على بعض". واختلاف المعنيين بحسب اختلاف تفسير اللفظين، أعني: (أُحْكِمَتْ) و(فُصِّلَتْ)، روى المصنف عن قتادة: "أحكمت آياته من الباطل"، وهو من قوله تعالى: (لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) [فصلت: ٤٢]. وقال الإمام: "إحكامها: عبارة عن منع الفساد، أي: لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب المتقدمة، أو أنها محكمة في أمور: أحدها: أن معانيها التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وهي في غاية من الإحكام، وثانيها: أن آياتها غير متناقضة، والنقض ضد الإحكام، وثالثها: أن ألفاظها بلغت في البلاغة والفصاحة بحيث لم تقبل المعارضة، وهي مشعرة بالإحكام. وأما اللفظ الثاني: ففيه الوجوه الأربعة المذكورة في الكتاب، فإذا أريد ما قاله قتادة: "أحكمت من الباطل، ثم فصلت كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والأحكام"، كان من باب التراخي في الرتبة، لأن التفصيل أقوى من الإحكام. وإن أريد بت "الإحكام": ما ذكره الإمام من الوجوه، وبـ "التفصيل": تفصيل السور والآيات، أو التفريق في التنزيل، كان من باب الإخبار، كما ذكره أبو البقاء.
[ ٨ / ٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ثم أقول- والعلم عند الله-: يمكن أن يقال: إنه من باب الإخبار، وإن المتكلم ينبه السامع على ما اشتمل عليه الكلام من المعاني الفائقة الرائقة، ويقول: إني أنظرك- أيها المتأمل- مليًا في التروي فيما أورده عليك، واستنباط معانيه ودقائقه، واستخراج نكاته ومحاسنه، فحينئذ يقول: شبه ما تضمنه من المعاني المحكمة الرصينة، نحو: دلائل التوحيد، والنبوات، والمعاد، ووضع الأحكام، والإخبار عن القصص والمغيبات، في أن لا اختلاف فيها ولا اضطراب، بالبناء المحكم المرصف الذي لا نقض فيه ولا خلل، مثاله من هذه السورة الكريمة: الكلمة الفاذة الجامعة: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) [هود: ١١٢]، وشبه ما اشتمل عليه من الألفاظ الحسنة الرشيقة المفرغة في القوالب البديعية بتفصيل القلائد بالفرائد، مثاله فيها: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي) [هود: ٤٤]. ثم علل كلًا من الخلتين بما يناسبها من الوصفين، فإن الحكيم: من يحكم الأشياء ويتقنها، ولذلك أحكمت معاقدها، والخبير: من يكون عالمًا بحقائق الأشياء، يدرك ما لطف منها وما دق، فيحسن نيقتها، ومن ثم ترتيب مبانيها، فينطبق على هذا التأويل قوله: "هي محكمة أحسن الإحكام، ثم مفصلة أحسن التفصيل، أحكمها حكيم، وفصلها خبير". وقال السجاوندي: ضمنت الحكم والإحكام، ومنعت الخلل والزلل؛ لفظًا ومعنى، من لدن حكيم في وضع محاسن الأخلاق بإتقان الآيات، خبير في أمر مناظم الأعمال بمصالح السياسات. وقلت- والله أعلم-: فكما وصف المنزل بالإحكام والتفصيل، ونعت المنزل بالحكيم والخبير، وصف المنزل عليه بالنذير والبشير، وأمر أمته بالتحلية بالعبادة، والتخلية بالاستغفار والإنابة.
[ ٨ / ٩ ]
[(أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ* وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ* إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].
(أَلَّا تَعْبُدُوا) مفعولٌ له على معنى: لئلا تعبدوا. أو تكون «أن» مفسرة؛ لأنّ في تفصيل الآيات معنى القول، كأنه قيل: قال لا تعبدوا إلا الله، أو: أمركم أن لا تعبدوا إلا الله (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا)، أي: أمركم بالتوحيد والاستغفار. ويجوز أن يكون كلامًا مبتدأً منقطعًا عما قبله على لسان النبي ﷺ،
_________________
(١) ـ ثم في العدول من قوله: أحكم آياته الحكيم وفصلها الخبير، إلى الدرجة الثانية: أحكمت آياته ثم فصل الحكيم الخبير، نحو: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ) [النور: ٣٦ - ٣٧]، ثم إلى الثالثة الكناية واختصاص (مِنْ لَدُنْ) المنبئ عن على الحضرة الصمدانية، والجناب الفرداني: من الإجلال والتعظيم ما لا يصل إلى كنهه وصف الواصف. قوله: (كأنه قيل: قال: لا تعبدوا): قيل: لما ذكر أن "أنْ" مفسرة، أتى تارة بالقول الصريح بدون "أن"، وتارة بما في معنى القول مع "أنْ"، وهما سواء. قوله: (مبتدأ منقطعًا عما قبله): أي: غير متصل بما قبله اتصالًا لفظيًا كما في الوجوه، بل اتصالًا معنويًا، كأنه لما قيل له: إنا أنزلنا إليك كتابًا موصوفًا بصفات الكمال؛ امتنانًا عليه، قال: فماذا يجب علي إذن؟ فقيل: أن تشتغل بما أمرت به من البشارة والنذارة، وتقول لأمتك: الزموا التوحيد والاستغفار.
[ ٨ / ١٠ ]
إغراءً منه على اختصاص الله بالعبادة. ويدل عليه قوله (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) كأنه قال: ترك عبادة غير الله، إنني لكم منه نذير، كقوله تعالى: (فَضَرْبَ الرِّقابِ) [محمد: ٤] والضمير في (مِنْهُ) لله ﷿، أي: إنني لكم نذيرٌ وبشيرٌ من جهته، كقوله: (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ) [البينة: ٢]، أو هي صلة لـ (نذير)، أي: أنذركم منه ومن عذابه إن كفرتم، وأبشركم بثوابه إن آمنتم.
فإن قلت: ما معنى (ثم) في قوله: (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)؟ قلت: معناه استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة
_________________
(١) ـ … قوله: (كقوله [تعالى]: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ»: يعني: إذا كان: (أَلاَّ تَعْبُدُوا) منقطعًا، فـ "أن" لابد أن تكون مصدرية، فهو بمعنى: ترك عبادة غير الله، والأصل: اتركوا عبادة غير الله تركًا، فحذف الفعل، وقدم المصدر، وأنيب مناب الفعل، وأضيف إلى المعمول، نحو: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) [محمد: ٤]، لأن أصله: فاضربوا الرقاب ضربًا، فحذف الفعل، وقدم المصدر، وأنيب مناب الفعل، ثم أضيف إلى المفعول، وفيه اختصار مع إعطاء معنى التأكيد. وقال القاضي: " (أَلاَّ تَعْبُدُوا) أمر بالتبري عن عبادة الغير، كأنه قيل: ترك عبادة غير الله تركًا، بمعنى: الزموا أو اتركوها تركًا". قوله: (أو هي صلة لـ (نَذِيرٌ): عطف على قوله: "نذير وبشير من جهته"، وعلى الأول: حال، أي: كائنًا من جهته، قال أبو البقاء: "التقدير: نذير كائن منه، فلما قدمه صار حالًا، ويجوز أن يتعلق بـ (نَذِيرٌ)، أي: نذير من أجل عذابه". قوله: (معناه: استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة): فعلى هذا: (ثُمَّ) للتراخي في الحال، كما قال آنفًا: "ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال".
[ ٨ / ١١ ]
أو استغفروا، والاستغفار توبة، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها، كقوله: (ثُمَّ اسْتَقامُوا). [فصلت: ٣٠، والأحقاف: ١٣].
(يُمَتِّعْكُمْ): يطوّل نفعكم في الدنيا بمنافع حسنةٍ مرضية، من عيشة واسعة، ونعمة متتابعة، (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى): إلى أن يتوفاكم، كقوله: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) [النحل: ٩٧]، (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ): ويُعط في الآخرة كل من كان له فضلٌ في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس منه، أو: فضله في الثواب،
_________________
(١) ـ قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: (اسْتَغْفِرُوا) مما قدمتم من الشرك، والاستغفار لا يتحقق إلا بعد التوبة، لأن الاستغفار باللسان توبة الكذابين، (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي: دوموا على التوبة، نحو قوله تعالى: (وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه: ٨٢]، والتراخي في الرتبة. قلت: هذا معنى الوجه الثاني: "أو استغفروا، فالاستغفار توبة، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها"، ومعنى الاستقامة: الدوام على التوبة، ولاشك أن الاستقامة على التوبة أعلى من التوبة نفسها. وقال القاضي: " (ثُمَّ تُوبُوا): ثم توصلوا إلى مطلوبكم بالتوبة، فإن المعرض عن طريق الحق لابد له من رجوع، وقيل: استغفروا من الشرك، ثم توبوا إلى الله بالطاعة، ويجوز أن تكون (ثُمَّ) لتفاوت ما بين الأمرين". قوله: (أو فضله في الثواب): عطف على قوله: "جزاء فضله"، فالفضل الأول بمعنى الزيادة، قال السجاوندي: الفضل: هو العمل الزائد على الإيمان، فيقدر مضاف في الثاني ليصح، وهو الجزاء، لأن العمل لا يؤتى في الآخرة، ومن ثم قال: "جزاء فضله" على الوجه الثاني، وهو بمعنى الثواب، من الفضيلة؛ واحدة الفضائل، فلا يقدر شيء، لأنه نفس
[ ٨ / ١٢ ]
والدرجات تتفاضل في الجنة على قدر تفاضل الطاعات (وَإِنْ تَوَلَّوْا): وإن تتولوا، (عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) هو يوم القيامة، وصف بالكبر كما وصف بالعظم والثقل، وبين عذاب اليوم الكبير بأن مرجعهم إلى من هو قادرٌ على كل شيء، فكان قادرًا على أشدّ ما أراد من عذابهم لا يعجزه.
وقرئ: "وإن تولوا"، من: ولى.
[(أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)].
(يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ): يزورّون عن الحق وينحرفون عنه، لأن من أقبل على الشيء
_________________
(١) ـ الجزاء، فكأنه قيل: يؤت كل ذي فضل ثوابه، أي: جزاء عمله، أما قوله: "والدرجات تتفاضل في الجنة على قدر تفاضل الطاعات"، فتفسيره على الوجه الأول: فإذا لم ينقص من الجزاء شيء تكون درجة كل مكلف بمقدار فضله من الطاعات، وعلى الثاني: فإذا أعطي كل أحد جزاءه يعلم تفاوته بتفاوت تلك الطاعات، نقل محيي السنة عن أبي العالية: "من كثرت طاعاته في الدنيا زادت درجاته في الجنة، لأن الدرجات تكون بالأعمال". قوله: (وبين عذاب اليوم الكبير بأن مرجعهم إلى من هو قادر على كل شيء): ليس المراد أن جملة قوله: (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) بيان لنفس العذاب، بل المراد أن هذه الجملة بيان للجملة التي ذكر فيها العذاب، فيلزم منه بيان شدة العذاب، كأنه قيل: أخاف عليكم عذاب اليوم الكبير يوم ترجع الأمور كلها إلى القادر العظيم السلطان الواحد القهار، فأعظم بعذاب معذبه من هذا شأنه. قوله: (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) يزورون عن الحق وينحرفون عنه): يريد: أن ثني الصدور كناية
[ ٨ / ١٣ ]
استقبله بصدره، ومن ازورّ عنه وانحرف ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه (لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) يعني: ويريدون ليستخفوا من الله، فلا يطلع رسوله والمؤمنين على ازورارهم. ونظير إضمار "يريدون" لقود المعنى إلى إضماره: الإضمار في قوله تعالى: (اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) [الشعراء: ٦٣]، معناه فضرب فانفلق.
_________________
(١) ـ عن الإعراض والانحراف عن الحق، ثم علل بيان الكناية ولزوم اللفظ هذا المعنى بقوله: "من أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازور عنه ثنى عنه صدره". قوله: (ويريدون ليستخفوا): شبهه بقوله: (اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ) [الشعراء: ٦٣] في مجرد إرادة التقدير ليستقيم المعنى، وروي عنه في الحاشية: "ثني الصدور بمعنى الإعراض إظهار للنفاق، فلم يصح أن تتعلق به لام التعليل، فوجب إضمار ما يصح تعلقها به من شيء يستوي معه المعنى، فلذلك قدر: ويريدون ليستخفوا من الله، أي: يظهرون النفاق ويريدون مع ذلك أن يستخفوا، وكذلك (حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ)، معناه: ألا حين يريدون إظهار نفاقهم، ويفعلون ما هو أدل على نفاقهم من ثني الصدور، وهو استغشاء الثياب، يريدون الاستخفاء". قلت: أراد أنه كان يصدر منهم ثني الصدور واستغشاء الثياب، ويريدون استخفاء ما كانوا يضمرونه من النفاق، وهاتان الحالتان سببًا إظهار النفاق، فلا يصح التعليل بقوله: (لِيَسْتَخْفُوا)، فلابد من تقدير "يريدون"، لتكون الآية نعيًا عليهم بسوء صنيعهم وشدة وقاحتهم، أي: أنهم كانوا يفعلون في الحالتين ما به يظهر نفاقهم، وهم مع ذلك يريدون الاستخفاء.
[ ٨ / ١٤ ]
ومعنى (أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ): ويزيدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم أيضًا، كراهةً لاستماع كلام الله تعالى، كقول نوح ﵇: (جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ) [نوح: ٧]، ثم قال: (يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ) يعني: أنه لا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم، فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء، والله مطلعٌ على ثنيهم صدورهم، واستغشائهم ثيابهم، ونفاقهم غير نافقٍ عنده.
روي أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وكان يظهر لرسول الله ﷺ المحبة وله …
_________________
(١) . واللام في "ليستخفوا" صلة "يريدون"، كقوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) [الصف: ٨]، يعضده قوله: "يريدون الاستخفاء" في الكرة الثانية. وفي تكرير كلمة التنبيه، وإقحامه بين الظرف وعامله: الدلالة على الترقي من حالة إلى أخرى أعجب منها؛ استجهالًا لهم، ونظيره إقحام حرف الاستفهام بين المعطوف والمعطوف عليه، والشرط والجزاء، كما مر مرارًا. قال السجاوندي: (لِيَسْتَخْفُوا): يطلبوا الخفاء تكلفًا. قوله: (ونفاقهم غير نافق): تجنيس اشتقاقي، ولم يرد بهذا النفاق: ما كان يصدر من المنافقين؛ لعطف قوله: "وقيل: نزلت في المنافقين" عليه، بل ما كان يصدر عن بعض المشركين مما يشبه النفاق. وقال الإمام: "روي أن طائفة من المشركين قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا، وأرخينا ستورنا،
[ ٨ / ١٥ ]
منطقٌ حلو، وحسن سياقٍ للحديث، فكان يعجب رسول الله ﷺ مجالسته ومحادثته، وهو يضمر خلاف ما يظهر. وقيل: نزلت في المنافقين.
وقرئ: "تثنونى صدورهم"، و"اثنونى": من الثني، كـ"احلولى" من الحلاوة، وهو بناء مبالغة، قرئ بالتاء والياء. وعن ابن عباس ﵁: "لتثنونى صدورهم".
وقرئ: "تثنونّ"، وأصله: تثنونن؛ تفعوعل من الثن، وهو ما هشَّ وضعف من الكلأ، يريد: مطاوعة صدورهم للثني، كما ينثني الهش من النبات، أو أراد ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم.
_________________
(١) ـ واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد ﷺ، كيف يعلم بنا؟ ! وعلى هذا كان (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) كناية عن النفاق"، وقال: "روي أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله ﷺ ثنى صدره، وولاه ظهره، واستغشى ثيابه"، ومن ثم استشهد المصنف بما كان يفعله قوم نوح: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) [نوح: ٧]. وأما القول بأنها نزلت في المنافقين، وأن السورة مكية: فمشكل، والله أعلم. قوله: (وقرئ: "تثنوني"): قال ابن جني: "قرأها ابن عباس ومجاهد ويحيى بن يعمر، وهو "يفعوعل" من أبنية المبالغة لتكرار العين، كقولك: أعشب البلد، فإذا كثر قلت: اعشوشب. واستحلى، وإذا قوي قلت: احلولى". قوله: (وقرئ: "تثنون"): قال ابن جني: "روي عن ابن عباس، وهو "تفعوعل"؛ من الثن،
[ ٨ / ١٦ ]
وقرئ: "تثنئن"؛ من اثنأن، افعالَّ منه، ثم هُمِز، كما قيل: ابيأضت وادهأمت، وقرئ: "تثنوي"، بوزن ترعوي.
[(وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ)].
فإن قلت: كيف قال: (عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) بلفظ الوجوب، وإنما هو تفضل؟
_________________
(١) وهو ما هش وضعف من الكلأ، أنشد أبو زيد: يا أيها الفصيل المعني … إنك ريان فصمت عني يكفي اللقوح أكلة من ثن وأصلها: تثنونن، فلزم الإدغام لتكرير العين إذ كان غير ملحق، وقالوا في "مفعوعل" من رددت: مردود، وأصلها: مردودد، فأسكنت النون الأولى، ونقلت كسرتها إلى الواو، وأدغمت في النون". قوله: (وقرئ: "تثنئن"): قال ابن جني: "رويت عن عروة الأعشى، وهي "تفعال" من لفظ الثن ومعناه، وأصله: تثنان، فحركت الألف لسكونها وسكون النون الأولى،
[ ٨ / ١٧ ]
قلت: هو تفضلٌ إلا أنه لما ضمن أن يتفضل به عليهم، رجع التفضل واجبًا، كنذور العباد. و"المستقرّ": مكانه من الأرض ومسكنه. و"المستودع": حيث كان مودعًا قبل الاستقرار؛ من صُلب، أو رحم، أو بيضة، (وَمُسْتَوْدَعَهَا): كُلٌّ واحدٍ من الدواب ورزقها ومستقرّها ومستودعها في اللوح، يعني: ذكرُها مكتوبٌ فيه مبين.
[(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)].
_________________
(١) ـ فانقلبت همزة، نحو: ابيأض وابياض، والمعنى: كما أن الثن سريع إلى طالبه غير معتاص على آكله، كذلك صدورهم مجيبة لهم إلى أن يثنوها، ليستخفوا من الله تعالى". قوله: (هو تفضل إلا أنه لما ضمن أن يتفضل [به] عليهم، رجع التفضل واجبًا، كنذور العباد): قال الإمام: "وجب على الله الرزق بحسب الوعد والفضل والإحسان"، فلا يكون كالنذور، وقال القاضي: " (عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا): غذاؤها ومعاشها؛ لتكفله إياه تفضلًا ورحمة، وإنما أتى بلفظ الوجوب تحقيقًا لوصوله، وحملًا على التوكل عليه". وقلت: (كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) كالتتميم لمعنى وجوب تكفل الرزق، كمن أقر بشيء في ذمته، ثم كتب عليه صكًا.
[ ٨ / ١٨ ]
(وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ) أي: ما كان تحته خلقٌ قبل خلق السموات والأرض وارتفاعه فوقها إلا الماء، وفيه دليلٌ على أنّ العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض. وقيل: وكان الماء على متن الريح، والله أعلم بذلك، وكيفما كان فالله ممسكٌ كل ذلك بقدرته، وكلما ازدادت الأجرام كانت أحوج إليه وإلى إمساكه.
(لِيَبْلُوَكُمْ) متعلق بـ (خلق)، أي: خلقهن لحكمةٍ بالغة، وهي أن يجعلها مساكن لعباده، وينعم عليهم فيها بفنون النعم، ويكلفهم الطاعات واجتناب المعاصي، فمن شكر وأطاع أثابه، ومن كفر وعصى عاقبه، ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال: (ليبلوكم)، يُريد: ليفعل بكم ما يفعل المبتلى لأحوالكم كيف تعملون؟
_________________
(١) قوله: (أي: ما كان تحته خلق قبل خلق السماوات والأرض): يريد: أن معنى الاستعلاء في قوله: (عَلَى الْمَاءِ) ليس استعلاء تمكن واستقرار، بل استعلاء الفوقية، وكان عرشه على ما هو عليه الآن، وكذا الماء، ثم إن الله تعالى خلق السماوات والأرض، ورفع السماوات فوق الأرض، روى الإمام عن الأصم هذا الوجه. وقال القاضي: " (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) معناه: لم يكن حائل بينهما، لا أنه كان موضوعًا على متن الماء، واستدل به على إمكان الخلاء". قوله: (ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال: (لِيَبْلُوَكُمْ»: أراد أن التركيب من
[ ٨ / ١٩ ]
فإن قلت: كيف جاز تعليق فعل البلوى؟ قلت: لما في الاختبار من معنى العلم، لأنه طريق إليه، فهو مُلابسٌ له، كما تقول: انظر أيهم أحسن وجهًا، واسمع أيهم أحسن صوتًا، لأنّ النظر والاستماع من طريق العلم.
_________________
(١) الاستعارة التبعية الواقعة على طريقة التمثيل، شبه حال المكلف الممكن المختار مع تعلق علم الله تعالى بأفعاله، بحال المختبر، ثم استعير لجانب المشبه: (لِيَبْلُوَكُمْ) موضع "ليعلم"، وجعل قرينة الاستعارة علم العالم الخبير بما ظهر وما بطن، وسيجيء تمام تقريره في "الملك". قوله: (لما في الاختبار من معنى العلم): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأنه ذكر في سورة الملك في نظيره: أنه ليس بتعليق. قلت: وعلله بقوله: "إنما التعليق أن توقع بعده ما يسد مسد المفعولين جميعًا، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق"، ومعناه: أن من شرط التعليق أن لا يذكر شيء من المفعولين قبل الجملة، وها هنا سبق المفعول الأول، وهو الضمير المنصوب، فلا يكون تعليقًا. ويمكن أن يقال: المراد بالتعليق ها هنا أن قوله: (لِيَبْلُوَكُمْ) سبب لما علق عليه الاستفهام، وهو العلم، وقد اكتفى بالسبب- وهو الابتلاء- عن المسبب- وهو العلم-، وعكسه قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ) [البقرة: ١٩٦]، أي: فحلق فعليه فدية، وهو المراد من قوله: "لأنه طريق إليه، كما أن النظر والسمع طريقان إليه"، فتقدير الكلام: ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملًا. هذا تقدير الزجاج في سورة الملك. يؤيده أن المصنف شبه ما في الفرقان، وهو قوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً
[ ٨ / ٢٠ ]
فإن قلت: كيف قيل: (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، وأعمال المؤمنين هي التي تتفاوت إلى حسن وأحسن، فأمّا أعمال المؤمنين والكافرين فتفاوتها إلى حسن وقبيح؟ قلت: الذين هم أحسن عملًا هم المتقون، وهم الذين استبقوا إلى تحصيل ما هو غرض الله من عباده، فخصهم بالذكر، واطرح ذكر من وراءهم تشريفًا لهم وتنبيهًا على مكانهم منه،
_________________
(١) أَتَصْبِرُونَ) [الفرقان: ٢٠] بهذه الآية، وكتب في الحواشي: "أن تعلق (أَتَصْبِرُونَ) بقوله: (فِتْنَةً) تعلق (أَيُّكُمْ) بقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ)، والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة لنعلم أيكم أحسن صبرًا، كما ابتليناكم لنعلم أيكم أحسن عملًا"، ولا بعد أن يحمل قوله قبيل هذا: "ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون" على هذا، ويقدر "ليعلم كيف تعملون"، فيكون قرينة لهذا المقدر. وأما في سورة الملك: فهو محمول على التضمين حيث قال: "تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملا"، وبين التضمين والتقدير بون، ولا يبعد حمل الكلام الواحد على الوجهين المختلفين باعتبارين للتفنن. قوله: (إلى تحصيل ما هو غرض الله من عباده): مذهبه، وعندنا: على التمثيل، وحاصل الجواب: أن قوله: (أَيُّكُمْ) وإن كان عامًا لفظًا، لكن المراد منه المتقون؛ تشريفًا لهم. قال السجاوندي: (لِيَبْلُوَكُمْ) إشارة إلى أنه خلق الخلق ليظهر إحسان المحسن، كذا في "الإيجاز"، فعلى هذا لا بعد أن يحمل "أفعل" على الزيادة المطلقة، وسيجيء تقريره في سورة الزمر، المعنى: ليبلوكم أيكم أحسن عمله.
[ ٨ / ٢١ ]
وليكون ذلك لطفًا للسامعين، وترغيبًا في حيازة فضلهم. وعن النبي ﷺ: "ليبلوكم أيكم أحسن عقلًا، وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله".
قرئ: "ولئن قلت إنكم مبعوثون"؛ بفتح الهمزة. ووجهه أن يكون من قولهم: ائت السوق عنك تشتري لنا لحمًا، وأنك تشتري؛ بمعنى: علك، أى: ولئن قلت
_________________
(١) ـ قال القاضي: "وإنما ذكر صيغة التفضيل، والاختبار شامل، ليفرق المكلفين باعتبار الحسن والقبح، للتحريض على أحاسن المحاسن، والتحضيض على الترقي دائمًا في مراتب العلم والعمل، فإن المراد بالعمل: ما يعم عمل القلب والجوارح، ولذلك قال ﷺ: "أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله"، والمعنى: أيكم أكمل علمًا وعملًا". قوله: (قرئ: "ولئن قلت أنكم مبعوثون"؛ بفتح الهمزة): قيل: هي قراءة الأعمش، ولما أن الواجب أن يؤتى بعد القول: "إن" بالكسر، فلما جاء بالفتح، أوله تارة بمعنى: "لعل"،
[ ٨ / ٢٢ ]
لهم لعلكم مبعوثون- بمعنى: توقعوا بعثكم وظنوه، ولا تبتوا القول بإنكاره- لقالوا: (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) باتين القول ببطلانه. ويجوز أن تضمن (قُلْتَ) معنى: ذكرت.
ومعنى قولهم: (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ): أنّ السحر أمر باطل، وأن بطلانه كبطلان السحر تشبيهًا له به، أو أشاروا بـ (هذا) إلى القرآن؛ لأنّ القرآن هو الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحرًا فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث وغيره.
_________________
(١) ـ … كما نقله عن سيبويه، وأخرى أن "القول" مضمن معنى: الذكر. قوله: (توقعوا بعثكم وظنوه): فإن قلت: هذا مخالف لمعنى المشهورة، لأن معناه القطع والبت بالبعث، وعليه المعنى؟ قلت: يحمل على الكلام المنصف والاستدراج، أي: تفكروا فيه ولا تبتوا القول ببطلانه، فإنكم إن تفكرتم عثرتم على الجزم بوقوعه، وهو أذعن للخصم. قوله: (ومعنى قولهم: (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ»: يريد: أن هذا الجواب غير مطابق ظاهرًا لقول الرسل: (إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ)، لكن يريد به زبدته وخلاصته، كأنهم قالوا: إن هذا القول غرور وباطل كبطلان السحر، فيكون كناية عن معنى الباطل. قوله: (أو أشاروا بـ (هّذَا) إلى القرآن): فالجواب- على هذا- محتو على الدليل، لأنهم إذا أنكروا القرآن، وهو مشتمل على هذا القول وغيره، فيدخل فيه إنكار هذا المعنى بالوجه البرهاني، وهو من الكناية الإيمائية، والمعنى على هذا: ولئن تلوت عليهم من القرآن ما فيه إثبات البعث ليقولن: ما هذا المتلو إلا باطل، وإليه الإشارة بقوله: "لأن القرآن هو الناطق بالبعث".
[ ٨ / ٢٣ ]
وقرئ: "إن هذا إلا ساحر مبين"، يريدون الرسول، والساحر: كاذب مبطل.
[(وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)].
(الْعَذابَ): عذاب الآخرة، وقيل: عذاب يوم بدر. وعن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين (إِلى أُمَّةٍ): إلى جماعةٍ من الأوقات، (ما يَحْبِسُهُ): ما يمنعه من النزول؛ استعجالًا له على وجه التكذيب والاستهزاء، و(يَوْمَ يَاتِيهِمْ) منصوبٌ بخبر (ليس)، ويستدل به من يستجيز تقديم خبر "ليس" على "ليس"، وذلك أنه إذا جاز تقديم معمول خبرها عليها، كان ذلك دليلًا على جواز تقديم خبرها، إذ المعمول تابع للعامل، فلا يقع إلا حيث يقع العامل.
(وَحاقَ بِهِمْ): وأحاط بهم (ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ): العذاب الذي كانوا به يستعجلون، وإنما وضع (يستهزئون) موضع "يستعجلون"، لأنّ استعجالهم كان على جهة الاستهزاء، والمعنى: ويحيق بهم إلا أنه جاء على عادة الله في أخباره.
[(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ*
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "إن هذا إلا ساحر"): حمزة والكسائي. قوله: (قتل جبريل المستهزئين): وهم الذين جاء في شأنهم: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) [الحجر: ٩٥]، روى المصنف عن عروة بن الزبير: وهم خمسة نفر. قال ابن عباس: ماتوا كلهم قبل يوم بدر، قال جبريل لرسول الله ﷺ: "أمرت أن أكفيكهم" إلى آخر القصة.
[ ٨ / ٢٤ ]
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ* إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)].
(الْإِنْسانَ) للجنس، (رَحْمَةً): نعمةً من صحة وأمن وجدة (ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ) ثم سلبنا تلك النعمة، (إِنَّهُ) شديد اليأس من أن تعود إليه مثل تلك النعمة المسلوبة، قاطعٌ رجاءه من سعة فضل الله، من غير صبرٍ ولا تسليم لقضائه ولا استرجاع (لَيَئُوسٌ كَفُورٌ): عظيم الكفران لما سلف له من التقلب في نعمة الله، نَسَّاءٌ له.
(ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي) أي: المصائب التي ساءتني، (إِنَّهُ لَفَرِحٌ): أشر بطر، (فَخُورٌ) على الناس بما أذاقه الله من نعمائه، قد شغله الفرح والفخر عن الشكر.
_________________
(١) قوله: (وأمن وجدة): وأنشد: إن الشباب والفراغ والجده … مفسدة للمرء أي مفسدة الجوهري: "وجد في المال وجدًا- بالفتح والضم والكسر- وجدة؛ أي: استغنى. وأوجده؛ أي: أغناه". قوله: (قاطع رجاءه من سعة فضل الله، من غير صبر): وذلك أن الصابر: من يحبس نفسه على التسليم لقضاء الله تعالى راجيًا فضل الله، والآيس: قاطع رجاءه قلق مضطرب، لا يثبت على ما ناله من المكروه. قوله: «إِنَّهُ لَفَرِحٌ) أشر بطر)، الراغب: "الفرح: انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر
[ ٨ / ٢٥ ]
(إِلَّا الَّذِينَ) آمنوا، فإنّ عادتهم إن نالتهم رحمةٌ أن يشكروا، وإن زالت عنهم نعمة أن يصبروا.
_________________
(١) ما يكون في اللذات البدنية الدنيوية، فلهذا قال: (لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد: ٢٣]، وقال: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الرعد: ٢٦]، ولم يرخص الفرح إلا في قوله: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس: ٥٨]، وقوله: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) [الروم: ٤] ". قوله: «إِلاَّ الَّذِينَ) آمنوا، فإن عادتهم إن نالتهم رحمة أن يشكروا، وإن زالت عنهم نعمة أن يصبروا): تفسير لقوله: (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، قال القاضي: " (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا) على الضراء إيمانًا بالله، واستسلامًا لقضائه، (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) شكرًا لآلائه سابقها ولاحقها". وقلت: قد دل عطف قوله: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» على (صَبَرُوا) على أن المراد بالصبر: الإيمان؛ لأنها ضميمته، ودل الصبر على أن المراد بالأعمال الصالحات: الشكر؛ لأنه قرينته، على ما روي: "الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر"، ولأن الاستثناء من الكلام السابق يقتضيه، لأن المصنف حمل الاستثناء على الاتصال، يعني: شأن الإنسان وموجب جبلته: أنه إذا أصاب الضراء بعد السراء لم يصبر- وإليه الإشارة بقوله: "من غير
[ ٨ / ٢٦ ]
[(فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)].
كانوا يقترحون عليه آيات تعنتًا لا استرشادًا، لأنهم لو كانوا مسترشدين لكانت آية واحدة مما جاء به كافية في رشادهم. ومن اقتراحاتهم: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ)، وكانوا لا يعتدون بالقرآن ويتهاونون به وبغيره مما جاء به من البينات،
_________________
(١) ـ .. صبر ولا تسليم"-، وإذا انقلبت هذه الحالة لم يشكر- وهو المراد من قوله: "شغله الفرح والفخر عن الشكر"-، ثم استثني من العام: المؤمنون، وإنما وضع (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) موضع "المؤمنين" كناية ليصرح بهذا المعنى. وأشار إليه في "لقمان" في قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) [لقمان: ٣١]: كأنه قيل: إن في ذلك لآيات لكل مؤمن". قال الإمام: "إذا حمل "الإنسان" على الجنس يحمل الاستثناء على الاتصال، على منوال قوله: (إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [العصر: ٢ - ٣]، وإذا حمل على الكافر كان الاستثناء منقطعًا، كأنه قيل: من ديدن الكافرين وعادتهم أن لا يصبروا على الضراء، ولا يشكروا على السراء، ولكن عادة المؤمنين الصبر والشكر". والأول هو الوجه. قوله: (كانوا يقترحون عليه)، الجوهري: "اقترحت عليه شيئًا: إذا سألته إياه من غير روية". قوله: (ويتهاونون به وبما جاء به من البينات): وفي نسخة: "وبغير ما جاء به"، والأول أظهر.
[ ٨ / ٢٧ ]
فكان يضيق صدر رسول الله ﷺ أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه، فحرّك الله منه وهيجه لأداء الرسالة وطرح المبالاة بردّهم واستهزائهم واقتراحهم بقوله: (فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ) أي: لعلك تترك أن تلقيه إليهم وتبلغه إياهم؛ مخافة ردّهم له وتهاونهم به (وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) بأن تتلوه عليهم، (أَنْ يَقُولُوا) مخافة أن يقولوا: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ) أي: هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه.
ثم قال: (إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ) أي: ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك،
_________________
(١) ـ قوله: (فحرك الله منه): كقوله: هز من عطفه، وحرك من نشاطه. و"من" للتبعيض، يعني: أنه صلوات الله عليه كان مؤديًا لرسالات ربه، لكن فرض أنه قد يتهاون ويترك بعض ما يوحى إليه، فحرك بعضه ليقوم بكليته بأداء الرسالة، ويطرح المبالاة بردهم واستهزائهم، وتممه بقوله: "وهيجه"، وذلك أن قوله: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) وعيد عظيم وتهديد شديد، نحوه قوله تعالى: (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: ٦٧]، أي: وإن تركت شيئًا من ذلك فقد ارتكبت أمرًا عظيمًا وخطبًا خطيرًا. وفي معنى التوقع الذي يعطيه "لعل" أيضًا تهديد، يعني: إن ترك بعض ما يوحى إليه مما ليس من شأنه، ولا ينبغي ولا يستقيم أن يكون، ولا يتصور ذلك إلا على سبيل الفرض لا على سبيل القطع، ومن ثم ناسبه بناء "ضائق" دون "ضيق"- كما قال-: "ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت".
[ ٨ / ٢٨ ]
وتبلغهم ما أُمرت بتبليغه، ولا عليك ردّوا أو تهاونوا أو اقترحوا، (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) يحفظ ما يقولون، وهو فاعل بهم ما يجب أن يفعل، فتوكل عليه، وكل أمرك إليه، وعليك بتبليغ الوحى بقلب فسيح وصدرٍ منشرح، غير ملتفتٍ إلى استكبارهم ولا مبال بسفههم واستهزائهم.
فإن قلت: لم عدل عن "ضيقٍ" إلى "ضائق"؟ قلت: ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت، لأنّ رسول الله ﷺ كان أفسح الناس صدرًا. ومثله قولك: زيد سيد وجواد، تريد السيادة والجواد الثابتين المستقرّين، فإذا أردت الحدوث قلت: سائدٌ وجائد، ونحوه: "كانوا قومًا عامين" في بعض القراءات [الأعراف: ٦٤]، وقول السمهري العكلي:
بِمَنْزِلَةٍ أَمَّا اللّئِيمُ فَسَامِنٌ … بِهَا وَكِرَامُ النّاسِ بَادٍ شُحُوبُهَا
[(أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)].
(أَمْ) منقطعة، والضمير في (افْتَراهُ) لما يوحى إليك، تحداهم أوّلًا بعشر سور، ثم بسورة واحدة،
_________________
(١) قوله: (بمنزلة أما اللئيم) البيت: "سامن": أي: سمين، والمراد: حدوث السمن، والشحوب: تغير اللون من غم أو سقم، والشحوب: الهزال أيضًا. قوله: (تحداهم أولًا بعشر سور، ثم بسورة واحدة): كذا عن القاضي. وقال الإمام: "التحدي بعشر سور لابد أن يكون سابقًا على التحدي بسورة واحدة"، وأتى بالمثال
[ ٨ / ٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الذي ذكره المصنف، وقال: "التحدي بالسورة الواحدة ورد في البقرة ويونس، والدليل الذي ذكرناه يقتضي أن تكون هود متقدمة في النزول على يونس والبقرة". وقال محيي السنة: "أنكر المبرد هذا، وقال: بل نزلت سورة يونس أولًا، وقال: معنى قوله في سورة يونس: (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) [يونس: ٣٨]: في الخبر عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد، فعجزوا، فقال لهم في هود: إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في الأخبار والأحكام والوعد والوعيد، فأتوا بعشر سور مثله من غير خبر ولا وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرد البلاغة". وقلت- والعلم عند الله-: والذي يقتضيه المقام أن التي في البقرة ويونس واردة بعد إقامة البرهان على إثبات التوحيد وإبطال الشرك، فالواجب بعد ذلك إقامة البرهان على إثبات نبوة الرسول ﷺ، ولا تثبت النبوة إلا بإظهار المعجزة، وهي التحدي بسورة فذة من هذا الكتاب الكريم، ولهذا حد المحققون القرآن بأنه: هو الكلام المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه. وما نحن بصدده وارد في تعنت الكفرة واقتراحهم الآيات عنادًا واستهزاء، كما قال المصنف: "وكانوا لا يعتدون بالقرآن ويتهاونون به، ويقولون: هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن، ولم أنزل ما لا نريده؟ ! "، بل هو ليس بآية، وإنما هو من افترائك، وليس من عند الله، وكان يضيق لذلك صدره. واعلم أنه تعالى لما ذكر قوله: (وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) سلاه صلوات الله عليه بقوله:
[ ٨ / ٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، ولما أضرب عن ذلك الاقتراح، وحكى نوعًا آخر من قبائحهم أعظم من ذلك، وهو طعنهم في القرآن، بقوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ)، أمر حبيبه صلوات الله عليه وسلامه بأن يجيب عنه بقوله: (قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) على مقتضى سؤالهم، وهو كالقول بالموجب، يعني: هبوا أنه كما تزعمون مفترى، فأتوا أنتم بعشر سور مثله، أي: ما أقول لكم فأتوا بمثله كله، ليس فيه اختلاف من جهة المعاني والألفاظ والإخبار عن المغيبات والقصص والأحكام والأخلاق وغير ذلك، بل نبذًا منه جامعًا لهذه المعاني، ولم يكن فيه تناقض. واعلم أن المراد بتخصيص العدد إيثار طريق القصد، وما به تختلف المعاني، كما يوجد في الكلام المبسوط الذي له ذيول وتتميمات، وذلك لدفع الافتراء ونفي التهمة، وأنه من عند الله لا من عنده، يعني: لو كان مفترى من عندي لوجدتم فيه اختلافًا كثيرًا، وهذا لا يتم بسورة فذة، كسورة الكوثر والإخلاص وأشباههما، كما يتم في التحدي لمجرد إثبات النبوة، قال تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢]. قال المصنف: "تدبر القرآن: تأمل معانيه وتبصر ما فيه، (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا)، أي: لكان الكثير منه متناقضًا، قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان
[ ٨ / ٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بعضه بالغًا حد الإعجاز، وبعضه قاصرًا عنه يمكن معارضته، وبعضه إخبارًا بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه مخالفًا، وبعضه دالًا على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه بخلافه، فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء، وتناصر صحة معان وصدق إخبار، علم أنه ليس إلا من عند قادر يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه". وقلت: ومن ثم عقبه بقوله: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [هود: ١٤]. وأما بيان ارتباط قوله: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ» بالفاء بما قبله: فإنه تعالى لما بين أن الحكمة في خلق السماوات والأرض وتدبير الملك ابتلاؤه الناس، بقوله: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود: ٧]، ولا ارتياب أن الابتلاء إنما يكون بالأعمال صالحها وسيئها، ثم لابد من الجزاء، ولا يكون ذلك إلا بعد البعث، كما سبق غير مرة، قال لحبيبه صلوات الله عليه: إذا بنيت الأمر على هذه القاعدة، وقلت لهؤلاء المعاندين: إنكم مبعوثون من بعد الموت للجزاء كذبوك أبلغ تكذيب، وإذا أوعدتهم على التكذيب بنزول العذاب العاجل استعجلوه وقالوا: ما يحبسه؟ استهزاء وسخرية، وإن أتيت بآية بينة ومعجزة قاهرة على صدق دعواك تارة اقترحوا آيات أخر تمردًا، وأخرى قالوا: افتراه؛ عنادًا. ثم إنك- أيها المتأمل- إذا أمعنت النظر، وجدت هذه السورة الكريمة إلى خاتمتها مؤسسة على تسلي الحبيب، ودفع نسبة الافتراء من التنزيل، ألا ترى حين شرع في قصة نوح
[ ٨ / ٣٢ ]
كما يقول المخابر في الخط لصاحبه: اكتب عشرة أسطرٍ نحو ما أكتب، فإذا تبين له العجز عن مثل خطه قال: قد اقتصرت منك على سطر واحد (مِثْلِهِ) بمعنى: أمثاله، ذهابًا إلى مماثلة كل واحدة منها له (مُفْتَرَياتٍ) صفة لعشر سور.
لما قالوا: افتريت القرآن واختلقته من عند نفسك،
_________________
(١) ﵇، وقبل أن يسردها، كيف أتى بقوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) عاطفًا على مثلها بعد الكلام الطويل، ولهذا ذهب مقاتل إلى أنها في محمد صلوات الله عليه، وإن توسطت بين قصة نوح ﵇، ولما استوفى حقها جاء بقوله: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا) [هود: ٤٩] مزيدًا للتسلي، وحين ختم السورة الكريمة جيء بقوله: (وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ) [هود: ١٢٠] إلى قوله: (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ) [هود: ١٢١]، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (كما يقول المخاير في الخط): المخاير: من يقول لصاحبه: خطي خير من خطك، اكتب مثل خطي لننظر أي خطينا خير. الأساس: "خيرة بين الأمرين، فتخير، وخايره في الخط، وتخايروا في الخط وغيره إلى حكم، وخايرته فخرته، أي: كتبت خيرًا منه". قوله: (ذهابًا إلى مماثلة): مفعول له، يعني: وضع الله تعالى (مِثْلِهِ) موضع "أمثاله"، ليدل على اعتبار أفراد المعدود واحدًا واحدًا، وإليه الإشارة بقوله: "إلى مماثلة كل واحد منها له"، أي: للقرآن.
[ ٨ / ٣٣ ]
وليس من عند الله، قاودهم على دعواهم وأرخى معهم العنان وقال: هبوا أني اختلقته من عند نفسي ولم يوح إليّ وأنّ الأمر كما قلتم، فأتوا أنتم أيضًا بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم، فأنتم عرب فصحاء مثلي لا تعجزون عن مثل ما أقدر عليه من الكلام. فإن قلت: كيف يكون ما يأتون به مثله، وما يأتون به مفترى وهذا غير مفترى؟ قلت: معناه: مثله في حسن البيان والنظم وإن كان مفترى.
[(فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)].
فإن قلت: ما وجه جمع الخطاب بعد إفراده وهو قوله (لَكُمْ فَاعْلَمُوا) بعد قوله قُلْ؟ قلت: معناه: فإن لم يستجيبوا لك وللمؤمنين لأنّ رسول الله ﷺ والمؤمنين كانوا يتحدّونهم، وقد قال في موضع آخر: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ) [القصص: ٥٠]، ويجوز أن يكون الجمع لتعظيم رسول الله ﷺ كقوله:
فَإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ
ووجه آخر: وهو أن يكون الخطاب للمشركين، والضمير في (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا) لـ (من استطعتم) [هود: ١٣]، يعني: فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على المعارضة، لعلمهم بالعجز عنه وأن طاقتهم أقصر من أن تبلغه (فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) أي: أنزل ملتبسًا بما لا يعلمه إلا الله، من نظم معجز للخلق، وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه وَاعلموا عند ذلك أَنْ (لا إِلهَ إِلَّا هو) وحده، وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ): مبايعون بالإسلام بعد
_________________
(١) قوله: (قاودهم على دعواهم) هو من المقود، وهو الحبل يشد في الزمام، أو اللجام تقاد به الدابة.
[ ٨ / ٣٤ ]
هذه الحجة القاطعة، وهذا وجهٌ حسن مطرد.
ومن جعل الخطاب للمسلمين فمعناه: فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه، وازدادوا يقينًا وثبات قدمٍ على أنه منزل من عند الله وعلى التوحيد.
ومعنى (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) فهل أنتم مخلصون؟
_________________
(١) قوله: (وهذا وجه حسن مطرد): أي: الكلام معه ملتئم آخذ بعضه على حجزة بعض، والضمائر متحدة لمخاطب واحد، بخلافه إذا جعل الخطاب في قوله: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) للمسلمين. وقلت: ومطرد معنى؛ لأن قوله: (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) مرتب على السابق بالفاء، وارد في تقرير ما سيق له الكلام من نفي الافتراء وأن رسول الله ﷺ ما اختلقه من عند نفسه، بل هو من عند اله، ويؤيده قول المصنف: "واعلموا عند ذلك أن لا إله إلا هو، وان توحيده واجب، والإشراك به ظلم"، وليس فيه ما يدل على إثبات نبوته، كما في البقرة. ومعنى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ): فهل أنتم مذعنون ومسلمون أن الذي جاء به محمد ليس بمفترى، بل هو من عند الله، وأنه تعالى أنزله ملتبسًا بعلمه، فلا اختلاف فيه، كما قال: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢]، فإن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف إذعانه.
[ ٨ / ٣٥ ]
[(مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ* أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
(نُوَفِّ إِلَيْهِمْ): نوصل إليهم أجور أعمالهم وافيةً كاملةً من غير بخس في الدنيا، وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق. وقيل: هم أهل الرياء. يقال للقراء منهم: أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل ذلك. ولمن وصل الرحمن وتصدّق: فعلت حتى يقال، فقيل. ولمن قاتل فقتل: قاتلت حتى يقال فلان جريء، فقد قيل.
وعن أنس بن مالك: هم اليهود والنصارى، إن أعطوا سائلا أو وصلوا رحمًا، عجل لهم جزاء ذلك بتوسعة في الرزق وصحة في البدن.
وقيل: هم الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله ﷺ فأسهم لهم في الغنائم.
وقرئ: "يوفّ" بالياء على أن الفعل لله ﷿. و"توفَّ إليهم أعمالهم" بالتاء على البناء للمفعول، وفي قراءة الحسن: "نوفي" بالتخفيف وإثبات الياء، لأنّ الشرط وقع ماضيًا، كقوله:
يَقُولُ: لَا غائِبٌ مَالِى وَلَا حَرِمُ
(وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها) وحبط في الآخرة ما صنعوه، أو صنيعهم،
_________________
(١) قوله: (أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل ذلك) إلى آخره: الألفاظ كلها مقتبسة من الحديث المشهور المخرج في "صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود" والنسائي.
[ ٨ / ٣٦ ]
يعني: لم يكن له ثواب لأنهم لم يريدوا به الآخرة، إنما أرادوا به الدنيا، وقد وفي إليهم ما أرادوا (وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي: كان عملهم في نفسه باطلا، لأنه لم يعمل لوجه صحيح، والعمل الباطل لا ثواب له.
وقرئ: "وبطل" على الفعل. وعن عاصم: "وباطلًا" بالنصب، وفيه وجهان: أن تكون (ما) إبهامية وينتصب بـ (يعملون)، ومعناه: وباطلا، أيّ باطل كانوا يعملون، وأن تكون بمعنى المصدر على: وبطل بطلانًا ما كانوا يعملون.
[(أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ)].
_________________
(١) قوله: «وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: كان عملهم في نفسه باطلًا): قال أبو البقاء: "باطل: خبر مقدم، و(مَا كَانُوا) مبتدأ، والعائد محذوف، أي: يعملونه". قوله: (وعن عاصم: "وباطلًا"): وهي شاذة، قال ابن جني: "قرأها أبي وابن مسعود، وهو معمول (يَعْمَلُونَ)، و(مَا) زائدة للتوكيد، وفيه دلالة على جواز تقديم خبر "كان" عليها، لأنه إنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل، وكأنه قال: ويعملون باطلًا كانوا، ومثله: (أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) [سبأ: ٤٠]، (إِيَّاكُمْ) معمول (يَعْبُدُونَ)، وقد استدل أبو علي به على التقديم". وقال القاضي: " (وباطلًا) إذا كان مصدرًا كان مثل قوله:
[ ٨ / ٣٧ ]
(أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ) معناه: أمّن كان يريد الحياة الدنيا فمن كان على بينة أي: لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم، يريد أنّ بين الفريقين تفاوتًا بعيدًا وتباينًا بينًا، وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره، (كان على بينة مِنْ رَبِّهِ) أي: على برهانٍ من الله وبيان أنّ دين الإسلام حق وهو دليل العقل.
_________________
(١) ولا خارجًا من في زور كلام قوله: «أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ) معناه: أمن كان يريد الحياة الدنيا، فمن كان على بينة): يعني: قوله: "فمن كان على بينة" عطف بحرف التعقيب على قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، ودخلت الهمزة بين المعطوف والمعطوف عليه لمزيد الإنكار، وأن هذا التعقيب منكر، يعني: أيثبت في العقول، ويحصل في الوجود، مثل هذا التعقيب؟ أم كيف يقال: من كان يريد الحياة الدنيا أفمن كان على بينة من ربه، إلى آخره؟ ! أي: لا يحصل ولا يذكر، كما قال: "لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم"، هذا أبلغ من لو جيء بكلمة التشبيه، كما في قوله: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ) [السجدة: ١٨].
[ ٨ / ٣٨ ]
(وَيَتْلُوهُ) ويتبع ذلك البرهان (شاهِدٌ مِنْهُ) أي: شاهد يشهد بصحته، وهو القرآن (مِنْهُ) من الله، أو شاهد من القرآن، فقد تقدّم ذكره آنفًا (وَمِنْ قَبْلِهِ) ومن قبل القرآن (كِتابُ مُوسى) وهو التوراة، أى: ويتلو ذلك البرهان أيضًا من قبل القرآن كتاب موسى
_________________
(١) قوله: «وَيَتْلُوهُ): ويتبع ذلك البرهان): يعني: ذكر الضمير في "يتلوه"، وهو دليل النقل باعتبار معنى البرهان في قوله: (بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ)، فساعد العقل النقل. قوله: (أو شاهد من القرآن، فقد تقدم ذكره): يعني: الضمير في (مِنْهُ): إما لله تعالى؛ بشهادة (مِنْ رَبِّهِ)، والشاهد: القرآن، و"من" ابتداء. أو للقرآن، و"من" بيان، والشاهد أيضًا القرآن على سبيل التجريد، جرد من القرآن الدلائل القاطعة والبراهين الساطعة على كون دين الإسلام حقًا، وجعلها شاهدة، وهي هو. روى محيي السنة عن الحسين بن الفضل: "هو القرآن ونظمه وإعجازه". أما قوله: "فقد تقدم ذكره آنفًا": ففيه إرشاد على معرفة استنباط النظم، وتقريره: أنه تعالى
[ ٨ / ٣٩ ]
وقرئ: "كتابَ موسى" بالنصب، ومعناه: كان على بينة من ربه، وهو الدليل على أنّ القرآن حق، (وَيَتْلُوهُ): ويقرأ القرآن (شاهِدٌ مِنْهُ) شاهد
_________________
(١) لما سلى رسول الله ﷺ بقوله: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) - من استهزاء المشركين، واقتراحهم الآيات، وطعنهم في القرآن أنه مفترى، فقيل لهم: إن كان مفترى فهاتوا أنتم عشر سور مفتريات مثله، وحين لم تقدروا عليه فاعلموا أنما أنزل بعلم الله، أي: ملتبسًا بما لا يعلمه إلا الله من نظم معجز وإخبار بغيوب، وأراد أن يبين أن ذلك الطعن لم يكن من خبرة وتمييز، بل من جهل وحب للشهوات والركون إلى الدنيا، وأنهم من الذين لم يرد الله بهم خيرًا، بخلاف من أراد الله هدايته، وهو على بينة من ربه، ويتلوه شاهد منه، ومن قبله كتاب موسى- قال: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) الآية [هود: ١٥]، وعقبها بقوله: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) الآية. قوله: (ومعناه: كان على بينة من ربه، وهو الدليل على أن القرآن حق): يعني: على قراءة النصب يكون "كتاب موسى" معطوفًا على الضمير في "يتلوه"، وهو ضمير "القرآن"، ويكون المراد من "يتلوه": التلاوة لا غير، ومن "البينة": الدليل على أن القرآن حق، وبيانه: أنه تعالى عقب بقوله: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، والمراد منهم: المتعنتون الذين كانوا يقترحون الآيات، ولا يعتدون بالقرآن، ويتهاونون به، كأنه قيل: أيستوي من جاءه بينة من ربه ولم يعتد بها لأنه مال إلى الأرض وأخلد إليها ومن كان على بينة من ربه، أي: اعتد بالقرآن وبالدلائل الدالة على صدقه، ثم اشتغل بتلاوته، وكان من قبل ذلك يقرأ التوراة.
[ ٨ / ٤٠ ]
ممن كان على بينة، كقوله _وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ) [الأحقاف: ١٠]، (قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) [الرعد: ٤٣]، (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى) ويتلو من قبل القرآن التوراة (إِمامًا) كتابًا مؤتمًا به في الدين قدوة فيه (وَرَحْمَةً): ونعمة عظيمة على المنزل إليهم
_________________
(١) و"من" في (مِنْهُ) على هذا: تبعيضية، يدل عليه قوله: "شاهد ممن كان على بينة"، والمراد منه: عبد الله بن سلام، و"من" في (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ): هو وأصحابه ممن كانوا على معرفة من صدق نبوة محمد صلوات الله عليه، والدليل على أن المراد بـ "الشاهد" عبد الله: عطف "كتاب موسى" على الضمير المنصوب في "يتلوه"، لأن التالي للكتابين حينئذ من آمن من أهل الكتاب. وعلى الأول: الشاهد: هو القرآن، والقرينة المقيدة: النظم، على ما سبق بيانه. ومن أراد تقييده بغيرهما فعليه الدليل من الخارج؛ لما ليس في سياق الكلام ما يدل عليه. قوله: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) [الرعد: ٤٣]): استشهاد لتعاضد الأدلة العقلية والسمعية، فإن شهادة الله هناك: كالبينة في هذه الآية؛ في إظهار الدليل على صدق القرآن من تأليفه على النظم المعجز الفائت لقوى البشر، و"من عنده علم الكتاب": كالشاهد ها هنا، لأن المراد منه علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، لأنهم يشهدون بصحته. قوله: «إِمَامًا) كتابًا مؤتمًا به): قال الزجاج: "أي: ومن قبل هذا كتاب موسى دليلًا على أمر النبي ﷺ، ونصب (إِمَامًا) على الحال؛ لأن (كِتَابُ مُوسَى) معرفة".
[ ٨ / ٤١ ]
(أُولئِكَ) يعني: من كان على بينة (يُؤْمِنُونَ بِهِ): يؤمنون بالقرآن (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ) يعني: أهل مكة ومن ضامهم من المتحزِّبين على رسول الله ﷺ (فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ)، (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ)، وقرئ: "مُرية"، بضم الميم، وهما الشك (مِنْهُ) من القرآن أو من الموعد.
[(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ* الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ* أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُون* أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ* لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ)].
(يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ): يحبسون في الموقف وتعرض أعمالهم ويشهد عليهم (الْأَشْهادُ) من الملائكة والنبيين بأنهم الكذابون على الله بأنه اتخذ ولدًا وشريكًا، ويقال (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) فواخزياه ووافضيحتاه. والأشهاد: جمع شاهد أو شهيد، كأصحاب أو أشراف.
(وَيَبْغُونَها عِوَجًا) يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمة، أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالارتداد،
_________________
(١) قوله: (فواخزياه ووافضيحتاه) هذا التفجع مستفاد من قوله: (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)، كما يستفاد معنى التعجب من قوله قبل هذا: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ) [الأنعام: ٣١] الآية، كأنه قيل: ما أخسرهم، كذلك قوله: (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) يقال في حقهم عندما يحبسون وتعرض أعمالهم، ويشهد عليهم الأشهاد على رؤوس الخلائق، فتظهر عند ذلك فضيحتهم وخزيهم، حتى إن كل من شاهد حالهم قال: واخزياه ووافضيحتاه.
[ ٨ / ٤٢ ]
و(هم) الثانية لتأكيد كفرهم بالآخرة واختصاصهم به (أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) أي: ما كانوا يعجزون الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم، وما كان لهم من يتولاهم فينصرهم منه ويمنعهم من عقابه، ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم، وهو من كلام الأشهاد (يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ) وقرئ: (يضعَّف).
(ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) أراد أنهم لفرط تصامّهم عن استماع الحق وكراهتهم له، كأنهم لا يستطيعون السمع.
ولعل بعض المجبرة يتوثب إذا عثر عليه فيوعوع به على أهل العدل، كأنه لم يسمع الناس يقولون في كل لسان: هذا كلام لا أستطيع أن أسمعه، وهذا مما يمجه سمعي.
_________________
(١) قال القاضي: "فيه تهويل عظيم مما يحيق بهم حينئذ لظلمهم بالكذب على الله". قوله: (لتأكيد كفرهم بالآخرة واختصاصهم به): أما التأكيد: فمن تكرير (هُمْ)، وأما التخصيص: فمن تقديم (بِالآخِرَةِ) على عامله، ومعناه: أن غيرهم، وإن كانوا كافرين بالآخرة أيضًا، لكن دون هؤلاء، وهؤلاء هم المخصوصون بالكفر الذي لا غاية بعده، ولا أمد ينتهي إليه، حيث جمعوا بين الكفر والصد عن الإيمان وإضلال الناس. قوله: (وقرئ: "يضعف"): ابن كثير وابن عامر، والباقون: (يُضَاعَفُ). قوله: (ولعل بعض المجبرة يتوثب إذا عثر عليه): قال في "الانتصاف": "أهل السنة وإن نفوا تأثير استطاعة العبد في الإيجاد، فلا ينفون تأثيرها، وما ينفيها جملة إلا المجبرة، والحق مع الزمخشري في هذا الأمر إلا في قوله: "فيوعوع"، وهب أن المجبرة غلطوا في الاستدلال بها،
[ ٨ / ٤٣ ]
ويحتمل أن يريد بقوله: (وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ) أنهم جعلوا آلهتهم أولياء من دون الله، وولايتها ليست بشيء، فما كان لهم في الحقيقة من أولياء، ثم بين نفى كونهم أولياء بقوله (ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ)، فكيف يصلحون للولاية؟ وقوله: (يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ) اعتراضٌ بوعيد.
_________________
(١) كيف يستجيز أن يطلق هذا في كلام الله المجيد، وما ينبغي التسامح فيه، فإن آداب القرآن أضيق من ذلك". قال الإمام: "واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يخلق الكفر في المكلف، قال ابن عباس ﵄: إنه تعالى يمنع الكافر من الإيمان في الدنيا، يشهد له قوله: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ) - روى نحوه محيي السنة-، قال الجبائي: هذا السمع: إما أن يكون عبارة عن الحاسة، أو عن معنى يخلقه الله تعالى في صماخ الأذن، فكلاهما غير مقدور للعبد، وظاهر الآية لا يقدح في قولنا، وقال: المراد بقوله: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ): استثقالهم له ونفورهم عنه، كما تقول: هذا الكلام لا أستطيع أن أسمعه، وهذا مما يمجه سمعي". وأجاب الإمام عن قوله: "كلاهما غير مقدور للعبد": "أن ورود الآية في معرض الوعيد، فوجب اختصاص هذا المعنى بهم، والمعنى الذي ذهب إليه عام، حتى في حق الأنبياء والملائكة".
[ ٨ / ٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأما قوله: "استثقالهم له ونفورهم عنه" فجوابه: "أن حصول هذا الاستثقال هل يمنع من الفهم أم لا؟ فإن منع فهو المقصود، وإن لم يمنع كان ذلك سببًا أجنبيًا عن المعاني المعتبرة في الفهم، فلا تختلف أحوال القلب من العلم والمعرفة بسببه، فكيف يمكن جعله ذمًا". وقلت: أما قضية النظم: فهو أن قوله: (يُضَاعَفُ لَهُمْ الْعَذَابُ) لا يخلو: إما أن يكون من تتمة كلام الأشهاد على سبيل الدعاء عليهم، فإنهم لما عدوا عنادهم وكفرهم المضاعف وضلالهم وإضلالهم الناس، قالوا: ليضاعف لهم العذاب يا رب. أو من كلام الله تعالى تقريرًا لقول الأشهاد على الأبلغ، كأنه قيل: الأمر كما قلتم، وأنتم مستوجبون لذلك العذاب المضاعف. فموقع (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ) على التقديرين: الاستئناف على سبيل التعليل، فإن السامع لما سمع هذه التشديدات والمبالغات عظم عنده أمرهم، فقال تفجعًا عليهم: من أين دخلت على هؤلاء هذه الشقاوة؟ فأجيب: لأن الله تعالى خلقهم أشقياء، وختم على قلوبهم، حتى لا يدخل فيها الحق، وختم على سمعهم؛ لئلا يستطيعوا سماع الحق، وجعل على أبصارهم الغشاوة؛ لئلا يبصروا الدلائل الدالة على التوحيد. فإذا كان ظاهر النظم هذا، وقد اعتضد بتفسير حبر الأمة، فلا يقال فيه ما قال! اللهم غفرًا. فلو أجيب هذا السائل بما بنى عليه المصنف كلامه، وقيل: لأنهم تصاموا عن استماع الحق وكرهوه، لم يتطابق؛ لأن تلخيص الكلام حينئذ: ما بال هؤلاء المعاندين الذين بلغ عنادهم أقصى الغاية استوجبوا مضاعفة العذاب، فقيل: لأنهم عاندوا وتصاموا وكانوا عن مقتضى البلاغة بمعزل. ثم موقع: (أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ): الاعتراض وتأكيد ما استحقوا به من العذاب، كأنه قيل: أولئك البعداء عن كل
[ ٨ / ٤٥ ]
(خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ): اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله، فكان خسرانهم في تجارتهم مالا خسران أعظم منه، وهو أنهم خسروا أنفسهم (وَضَلَّ عَنْهُمْ) وبطل عنهم وضاع ما اشتروه وهو ما (كانُوا يَفْتَرُونَ) من الآلهة وشفاعتها.
(لا جَرَمَ) فُسر في مكانٍ آخر
_________________
(١) خير كانوا مستأهلين أن يعذبوا عاجلًا، مع انهم في أنفسهم ما كانوا يعجزون الله في الدنيا، وما كان لهم أيضًا ناصر ينصرهم ويمنعهم منه، وحيث أخروا ولم يعاجلوا استحقوا أن يضاعف لهم العذاب. قوله: (فكان خسرانهم في تجارتهم ما لا خسران أعظم منه): دلت الفاء وتفسير "ما لا خسران" بعده بقوله: "وهو أنهم خسروا أنفسهم" على أن قوله تعالى: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ) عبارة عن قوله: "اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله"، لأن الخسران من روادف ما لا ينبغي أن يشترى برأس المال، وكان رأس مالهم أنفسهم؛ لأنهم ما خلقوا إلا لعبادة الله، وحيث عبدوا غير الله فقد ضيعوا ما لأجله خلقت أنفسهم، فصح قوله: إنهم (خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ). قوله: (مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) من الآلهة وشفاعتها): عطف "وشفاعتها" على "الآلهة" على منوال: أعجبني زيد وكرمه، لأن المفترى الشفاعة لا الآلهة نفسها. قوله: «لا جَرَمَ) فسر في موضع آخر): يعني: لفظة (لا جَرَمَ) يجيء تفسيره في سورة "حم المؤمن" مستقصى، وذكر فيه وجوهًا ثلاثة: أحدها: أن (لَا) نفي لما ظنوا، و(جَرَمَ) فعل بمعنى "حق"، و"أن" مع ما في حيزه: فاعله، المعنى: لا ينفعهم ذلك الظن، حق أنهم في الآخرة هم الأخسرون. هذا مذهب سيبويه.
[ ٨ / ٤٦ ]
(هُمُ الْأَخْسَرُونَ) لا ترى أحدًا أبين خسرانًا منهم.
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)].
(وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ): واطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع والتواضع من الخبت وهي الأرض المطمئنة. ومنه قولهم للشيء: الدنئ الخبيت. قال:
يَنْفَعُ الطَّيِّبُ الْقَلِيلُ مِنَ الرِّزْ … قِ وَلَا يَنْفَعُ الْكَثِيرُ الْخَبِيتُ
وقيل: التاء فيه بدل من الثاء
_________________
(١) وثانيها: (جَرَمَ) بمعنى: كسب، و"أن" مع ما في حيزه: مفعوله، والفاعل: ما دل عليه الكلام، أي: كسب ذلك خسرانهم. فالمعنى: ما حصل من ذلك إلا ظهور خسارهم. وثالثها: (لا جَرَمَ) بمعنى: لابد، المعنى: لابد أنهم في الآخرة هم الأخسرون. وفي "الكواشي": محل (لا جَرَمَ) رفع مبتدأ، خبره: (أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ)، و(لا جَرَمَ) كانت في الأصل بمنزلة: لا محالة ولا بد، فحولت إلى معنى القسم، فصارت بمعنى: حقًا، فلذلك يجاب عنها باللام، تقول: لا جرم لآتينك. قوله: «هُمْ الأَخْسَرُونَ) لا ترى أحدًا أبين خسرانًا منهم): أي: هم الكاملون في الخسران، كأن خسران غيرهم في جنب خسرانهم ليس بخسران، وذلك من تصدير الجملة بـ "أن"، وتعريف الخبر بلام الجنس، وتوسيط ضمير الفصل. قوله: (وقيل: التاء فيه بدل من الثاء): أي: في المستشهد، لا في الآية.
[ ٨ / ٤٧ ]
[(مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ)].
شبه فريق الكافرين بـ"الأعمى والأصم"، وفريق المؤمنين بـ"البصير والسميع"، وهو من اللف والطباق. وفيه معنيان: أن يشبه الفريق تشبيهين اثنين، كما شبه امرؤ القيس قلوب الطير بالحشف والعناب، وأن يشبهه بالذي جمع بين العمى والصمم، أو الذي جمع بين البصر والسمع. على أن تكون الواو في (وَالْأَصَمِّ) وفي (وَالسَّمِيعِ) لعطف الصفة على الصفة، كقوله:
الصَّابِحِ فَالْغَانِمِ فَالآيِبِ
_________________
(١) قوله: (وهو من اللف والطباق): أما اللف: فهو ذكر الفريقين، لأن المراد بالفريق الكافر: ما دل عليه قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) [هود: ١٨] إلى آخر الآيات، وبالمؤمن: قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [هود: ٢٣]. والنشر: هو قوله: (كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ)، وإنما قدم "الأعمى والأصم" على "السميع والبصير"؛ لأن تلك الآيات المشار إليها واردة على هذا الترتيب، وكان ذكر المؤمنين فيها كالاستطراد لذكر الكافرين، ولهذا أوجب التأخير. وأما الطباق: فإنه قوبل "البصير" بـ "الأعمى"، و"السميع" بـ "الأصم". قوله: (وفيه معنيان): أي: وجهان أو طريقان في اعتبار التشبيه. الانتصاف: "في تنظير الآية ببيت امرئ القيس نظر؛ لأنه شبه كل واحد من الرطب واليابس تشبيهًا واحدًا، والآية على التفسير الأول؛ شبه كل واحد من الكافر والمؤمن تشبيهين، والبيت أشبه بالوجه الثاني، لأن كل واحد منهما شبه تشبيهًا واحدًا في أمرين مختلفين".
[ ٨ / ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقلت: يحتمل قول المصنف: "أن يشبه الفريق تشبيهين اثنين" أن يراد منه: أن يشبه كل فريق تشبيهًا واحدًا، فيكون تشبيهين اثنين، أو أن يشبه كل فريق تشبيهين اثنين، وهذا الثاني هو المراد، لاستشهاده ببيت امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا … لدى وكرها العناب والحشف البالي لأنه من تشبيه المفرد بالمفرد، نص عليه صاحب "المفتاح"، وعليه ظاهر كلام المصنف في أول البقرة، شبه بعضًا من قلوب الطير- وهو الرطب منها- بالعناب، وبعضًا منها- وهو اليابس- بالحشف البالي، وكذلك شبه كل فريق من الفريقين تشبيهين؛ بأن شبه فريق الكفار مثلًا؛ بعضًا منهم بالأعمى، وبعضًا بالأصم. والحاصل: أن التنظير بالبيت لاستقلال كل من المشبه والمشبه به المفرد على حياله، وليس كذلك في الوجه الثاني. ويحتمل قوله: "أن يشبهه بالذي جمع بين العمى والصمم": أن يكون المراد أن يشبه الفريقين معًا بالذي جمع بين العمى والصمم، وبالذي جمع بين البصر والسمع، لأن الضمير في "أن يشبهه" راجع إلى الفريق، وأن يشبه كل واحد من الفريقين بالذي جمع بين الوصفين، وما يدل على أن الثاني هو المراد: مجيء "أو" التنويعية، وإفراد الموصول في كلام المصنف ها هنا كإفراده في قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: ١٧]، وإن كان المشبه جماعة.
[ ٨ / ٤٩ ]
(هَلْ يَسْتَوِيانِ) يعني: الفريقين، (مَثَلًا): تشبيهًا.
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ)].
أي: أرسلنا نوحًا بـ (أني لكم نذير)، ومعناه: أرسلناه ملتبسًا بهذا الكلام، وهو قوله (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) بالكسر،
_________________
(١) فالواو في قوله: "الأصم" وقوله: "السميع على التشبيه الأول لعطف الذات على الذات، وعلى الثاني لعطف الصفة على الصفة، كما قال. والتشبيه الثاني يحتمل أن يكون مركبًا وهميًا؛ بأن يمثل حال فريق الكفار في تعاميهم عن الآيات المنصوبة بين يديهم، وتصامهم عن الآيات المتلوة عليهم، بحال من اجتمع فيه الصفتان العمى والصمم، فهم أبدًا في خبط وضلال، لأن الأعمى إذا سمع شيئًا ربما يهتدي إلى الطريق إذا نعق له، والأصم ربما ينتفع بالإشارة، ومن جمع بينهما فلا حيلة فيه. وأن يكون مركبًا عقليًا؛ بأن تؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع، والوجه: تمكن الضلال وعدم الانتفاع. والفرق بين التشبيهين: هو أن الأول تتفاوت فيه حال بعض من الفريق، فإن الأصم أهون حالًا من الأعمى، وعلى الثاني: لا تفاوت البتة. قوله: (أي: أرسلنا نوحًا بـ "أني لكم"): قدر الباء لأن ابن كثير وأبا عمرو قرآ بالفتح، والباقون: بالكسر، جعل الجار والمجرور حالًا من المفعول، وإنما قال: "والمعنى على الكسر"، لأن قوله: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) في الأصل مقول، والكسر لازم بعد القول، فاتصل به الجار، فغير اللفظ دون المعنى، ولهذا قال: "ملتبسًا بهذا الكلام"، كما في قولك: كأن
[ ٨ / ٥٠ ]
فلما اتصل به الجارّ فتح كما فتح في "كَأَنْ" والمعنى على الكسر، وهو قولك: إنّ زيدًا كالأسد. وقرئ بالكسر على إرادة القول.
(أَنْ لا تَعْبُدُوا) بدل من (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ)، أي: أرسلناه بأن لا تعبدوا (إِلَّا اللَّهَ)، أو تكون (أن) مفسرة متعلقة بـ (أرسلنا) أو بـ (نذير).
وصف "اليوم" بـ (أليم) من الإسناد المجازى لوقوع الألم فيه. فإن قلت: فإذا وصف به العذاب؟ قلت: مجازى مثله، لأنّ الأليم في الحقيقة هو المعذب، ونظيرهما قولك: نهارك صائم، وجدّ جدّه.
[(فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ
_________________
(١) زيدًا أسد، والأصل: إن زيدًا كالأسد، فنقل الكاف، وفتح الهمزة، والمعنى المعنى، قال أبو البقاء: (قال أني) بالفتح: على تقدير: "بأني"، وهو في موضع نصب، أي: أرسلناه بالإنذار، أي: منذرًا". قوله: (فإذا وصفه به العذاب؟): يعني: فهذا حكم "الأليم" إذا وصف به اليوم، فإذا وصف به العذاب، فما حكمه؟ قوله: (ونظيرهما [قولك]: نهارك صائم، وجد جده): إشارة إلى الفرق بين المجازين في الإسناد، نزل الظرف في الأول منزلة الشخص نفسه، لكثرة مباشرته الصوم فيه، كأنه واقع فيه، وفي الثاني: جعل وصف الشخص كالشخص، وأسند إليه ما كان مسندًا إليه، لاستبداده به.
[ ٨ / ٥١ ]
الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّايِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ)].
(الْمَلَأُ): الأشراف من قولهم: فلان مليء بكذا، إذا كان مطيقًا له، وقد ملؤوا بالأمر، لأنهم ملؤوا بكفايات الأمور واضطلعوا بها وبتدبيرها. أو لأنهم يتمالؤون؛ أي: يتظاهرون ويتساندون، أو لأنهم يملئون القلوب هيبة والمجالس أبهة أو لأنهم ملاء بالأحلام والآراء الصائبة.
_________________
(١) قوله: (واضطلعوا بها)، الجوهري: "يقال: فلان مضطلع بهذا الأمر، أي: قوي عليه، وهو مفتعل من الضلاعة، والضلاعة: القوة وشدة الأضلاع". قوله: (أو لأنهم يملؤون القلوب هيبة): هو من: ملأت الإناء- بالفتح- أملؤه ملأً، فهو متعد، وفي "مقدمة الأدب": ملئ الإناء- بالكسر- فهو ملآن، لازم، وعليه قوله: "أو لأنهم ملاء بالأحلام والآراء الصائبة"، قيل: قوله: "أو لأنهم" عطف على قوله: "من قولهم: فلان مليء بكذا"، وفي الكلام حذف تقديره: "أو من قولهم: تمالؤوا؛ أي: تعاونوا، لأنهم يتمالؤون"، وكذا "أو لأنهم" ثالثًا. وقلت: ويمكن أن يكون معطوفًا على التعليل السابق، وذلك: "ملأ" حقيقة هو: ملأت
[ ٨ / ٥٢ ]
(ما نَراكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنا) تعريض بأنهم أحق منه بالنبوة، وأنّ الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم، فقالوا: هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم في المنزلة،
_________________
(١) الإناء، والأشراف إنما سموا بـ "الملأ" لأنهم أعضاد الملك وأعوانه؛ يدبرون أمور مملكته، قال في "الأساس": "ملأت الإناء، وهو ملآن، وأوعية ملاء، ومن المجاز: نظرت إليه فملأت منه عيني، ومالأه: عاونه، وأصلها المعاونة في الملء، ثم عمت، ومنه: هو مليء بكذا: مضطلع به". فإذن التقدير: الملأ: الأشراف، مأخوذ من قولهم: فلان مليء بكذا، أو من: مالأه: عاونه، أو من: ملأت الإناء، أو من: ملؤ الإناء، لأنهم ملؤوا بكفايات الأمور، أو لأنهم يتمالؤون، أو لأنهم يملؤون القلوب هيبة، أو لأنهم ملاء بالأحلام، فهو من اللف التقديري، والوجه الأول أمتن الوجوه؛ لجعلهم في استقلالهم في الأمور وتمرنهم فيها كالأوعية لها، وإليه الإشارة بقوله: "لأنهم ملؤوا بكفايات الأمور"، ثم الوجه الأخير، لأن المعنى: أنهم لحسن الآراء والتدابير الصائبة ملؤوا بالأمور، قال أبو الطيب: الرأي قبل شجاعة الشجعان … هو أول وهي المحل الثاني قوله: «مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا) تعريض بأنهم أحق منه بالنبوة): يعني: أننا في البشرية سواء، ولنا المزية بكوننا شرفاء عظماء، لأن القائلين الملأ الذين يملؤون القلوب هيبة والمجالس أبهة، نحوه قولهم: (لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: ٣١]. قوله: (فقالوا: هب أنك واحد من الملأ، ومواز لهم في المنزلة): تنبيه على مكان
[ ٨ / ٥٣ ]
فما جعلك أحق منهم؟ ألا ترى إلى قولهم: (وما نرى لكم علينا من فضل)؟
أو أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكا لا بشر. والأراذل جمع الأرذل، كقوله: (أَكابِرَ مُجْرِمِيها) [الأنعام: ١٢٣]، «أحاسنكم أخلاقًا».
_________________
(١) التعريض والتفكر في استحقاقهم لها دونه؛ لتنزلهم عن مراتبهم، قال الحريري: "يقولون: هب أني فعلت، وهب أنه فعل، والصواب: إلحاق الضمير المتصل به، فيقال: هبني فعلت، وهبه فعل، قال أبو دهبل الجمحي: هبوني امرأ منكم أضل بعيره … له ذمة إن الذمام كثير ومعنى "هبني": أي: عدني واحسبني، فكان فيه معنى الأمر من: وهب". قوله: (كان ينبغي أن يكون ملكًا، لا بشرًا): يعني: دل قوله: (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) على أن مطلق الأفضلية مطلوب في الرسالة، ونحن وأنت مستوون في البشرية، لا فضل لأحد الفريقين على الآخر، فينبغي أن تكونوا من جنس هو أفضل من البشر، لتختصوا بها دوننا، وليس ذلك إلا الملكية، ففيه اعتزال خفي، والمقام يدفعه. قوله: (والأراذل: جمع الأرذل، كقوله تعالى: (أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا»: أراد أنه جمع اسم التفضيل مضافًا، كما في الآية، وفي الحديث النبوي: "ألا أخبركم بأحبكم إلي، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقًا"، أخرجه الترمذي عن جابر.
[ ٨ / ٥٤ ]
وقرئ: (بادى الرأي)، بالهمز وغير الهمز، بمعنى: اتبعوك أوّل الرأي: أو ظاهر الرأي، وانتصابه على الظرف، أصله: وقت حدوث أوّل رأيهم، أو وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه.
أرادوا: أنّ اتباعهم لك إنما هو شيء عنّ لهم بديهة من غير روية ونظر، وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية، لأنهم كانوا جهالًا ما كانوا يعلمون إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا، فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال، كما ترى أكثر المتسمين بالإسلام يعتقدون ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم، ولقد زلّ عنهم
أن التقدّم في الدنيا لا يقرب أحدًا من الله وإنما يبعده، ولا يرفعه بل يضعه، فضلا أن يجعله سببًا في الاختيار للنبوّة والتأهيل لها!
على أن الأنبياء ﵈ بعثوا مرغبين في طلب الآخرة ورفض الدنيا، مزهدين فيها، مصغرين لشأنها وشأن من أخلد إليها، فما أبعد حالهم من الاتصاف بما يبعد من الله، والتشرف بما هو ضعة عند الله
_________________
(١) قوله: (قرئ: (بَادِي الرَّايِ) بالهمز وغير الهمز): بالهمز: أبو عمرو وحده، قال أبو علي: "من لم يهمز أراد: فيما بدا من الرأي وظهر، ومن همز أراد: أول الرأي ومبدأه، والمعنى على الأول: ما اتبعك إلا الأراذل فيما ظهر لهم من الرأي، أي: لم يعقبوه بنظر فيه، وعلى الثاني: اتبعوك في أول الرأي من غير أن يتبعوا الرأي بفكر وروية، والكلمتان متقاربتان معنى". وقال أبو البقاء: " (بَادِي): ظرف، وجاء على "فاعل" كما جاء على "فعيل"، نحو: قريب وبعيد، والعامل: (مَا نَرَاكَ)، أي: نراك فيما يظهر لنا من الرأي، أو في أول أمرنا،
[ ٨ / ٥٥ ]
(مِنْ فَضْلٍ) من زيادة شرف علينا تؤهلكم للنبوّة، (بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) فيما تدّعونه.
[(قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ* وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ* وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ* وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ* قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَاتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)].
(أَرَأَيْتُمْ): أخبرونى (إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ): على برهان (مِنْ رَبِّي) وشاهدٍ منه يشهد بصحة دعواي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ بإيتاء البينة على أن البينة في نفسها هي الرحمة، ويجوز أن يريد بـ"البينة": المعجزة، وبـ"الرحمة": النبوّة.
فإن قلت: فقوله (فَعُمِّيَتْ) ظاهر على الوجه الأوّل، فما وجهه على الوجه الثاني؟ وحقه أن يقال فعميتا؟ قلت: الوجه أن يقدّر "فعميت بعد البينة"، وأن يكون
_________________
(١) أو العامل: (اتَّبَعَكَ)، أي: اتبعوك في أول الرأي فيما ظهر منه من غير أن يبحثوا"، وهو المراد من قول المصنف: "أرادوا أن اتباعهم لك إنما هو شيء عن لهم بديهة"، والوجه الأول لأبي البقاء بعيد، وليس المعنى عليه. قوله: (على أن البينة في نفسها هي الرحمة): فعلى هذا العطف من باب: أعجبني زيد وكرمه، لأن كونه ﵇ على برهان من ربه لم يكن إلا بإيتاء الله له ما يشهد بصحة دعواه من المعجزة، وهو الرحمة بعينه، فلما كان المراد من البينة هذا فسر بقوله: (وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ)، ولذلك أفرد الضمير في قوله: (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ).
[ ٨ / ٥٦ ]
حذفه للاقتصار على ذكره مرة: ومعنى "عميت" خفيت.
وقرئ: (فعميت) بمعنى: أخفيت. وفي قراءة أُبي: "فعماها عليكم".
فإن قلت: فما حقيقته؟ قلت: حقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء، لأنّ الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره، فمعنى فعميت عليكم البينة فلم تهدكم، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هادٍ.
فإن قلت: فما معنى قراءة أُبيّ؟ قلت: المعنى: أنهم صمموا على الإعراض عنها، فخلاهم الله وتصميمهم، فجعلت تلك التخلية تعمية منه، والدليل عليه قوله (أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ) يعني أنكرهكم على قبولها
_________________
(١) قوله: (وقرئ: (فَعُمِّيَتْ»: حفص وحمزة والكسائي بالتشديد وضم العين. قوله: (فما حقيقته؟): أي: فما تحقيق نسبة العمى إلى البينة؟ وأجاب: أن النسبة واردة على طريق الاستعارة، يدل عليه قوله: "فعميت عليكم البينة فلم تهدكم، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد"، وقد ورد عكسه في قوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) [الإسراء: ٥٩]، أي: آية مبصرة، أي: كما جاءت هذه النسبة، كذلك ما نحن بصدده. قوله: (فما معنى قراءة أبي؟): "فعماها عليكم"؛ حيث أسند إلى الله تعالى، وهو قبيح على مذهبه. قوله: (والدليل عليه): أي: على أن المراد التخلية وعدم الإكراه، والإنكار في قوله: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا) بمعنى: أنكرهكم على قبولها.
[ ٨ / ٥٧ ]
ونقسركم على الاهتداء بها، وأنتم تكرهونها ولا تختارونها، ولا إكراه في الدين؟ !
وقد جيء بضميري المفعولين متصلين جميعًا. ويجوز أن يكون الثاني منفصلًا، كقولك: أنلزمكم إياها. ونحوه: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ) [البقرة: ١٣٧] ويجوز: فسيكفيك إياهم. وحُكي عن أبي عمروٍ إسكان الميم. ووجهه أنّ الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة، فظنها الراوي سكونًا. والإسكان الصريح لحن عند الخليل وسيبويه وحذاق البصريين، لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر.
والضمير في قوله: (لا أَسْئَلُكُمْ) راجع إلى قوله لهم: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ).
_________________
(١) وأما تقريره على مذهب أهل السنة: قال نوح ﵇: إذا كان الله تعالى عماها عليكم فلابد لكم من الكراهية، فكيف ألزمكم عليه إذن، وقريب منه في المعنى قول نوح أيضًا: (وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) [هود: ٣٤]. قوله: (وحكي عن أبي عمرو): أي: على طريق شاذ، والخلسة- بالضم-: اسم من: خلست الشيء إذا سلبته. قوله: (لا يسوغ [طرحها] إلا في ضرورة الشعر): نحو قوله: فاليوم أشرب غير مستحقب
[ ٨ / ٥٨ ]
وقرئ: "وما أنا بطارد الذين آمنوا" بالتنوين على الأصل.
فإن قلت: ما معنى قوله (إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ)؟ قلت: معناه أنهم يلاقون الله فيعاقب من طردهم. أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ثابت- كما ظهر لي منهم وما أعرف غيره منهم- أو على خلاف ذلك مما تقرفونهم به من بناء إيمانهم على بادئ الرأي من غير نظر وتفكر. وما عليّ أن أشق عن قلوبهم وأتعرّف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون، ونحوه: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) الآية [الأنعام: ٥٢]،
_________________
(١) استحقبه: احتمله، ومنه قيل: أحقب فلان الإثم. قوله: (أو على خلاف ذلك): عطف على قوله: "على ما في قلوبهم من إيمان صحيح"، يعني: أنكم تزعمون أنهم ليسوا على صحة من الإيمان واليقين فأطردهم، وليس ذلك إلي، فأنا أنظر إلى ظاهر الحال، إن حسابهم إلا على ربي، فهو كما علل الله ﷾ نهي الطرد في قوله: (وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) بقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) إلى قوله: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ) [الأنعام: ٥٢]، وإليه الإشارة بقوله: "ونحوه: (وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) ". قوله: (أن أشق عن قلوبهم): ضمن "شق" معنى "كشف"، وعداه تعديته، أي: ما علي أن أكشف عما في قلوبهم شقًا، يدل عليه الحديث: "هلا شققت قلبه".
[ ٨ / ٥٩ ]
أو: هم مصدقون بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة.
(تَجْهَلُونَ): تتسافهون على المؤمنين وتدعونهم أراذل، من قوله:
أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا
أو تجهلون بلقاء ربكم. أو تجهلون أنهم خير منكم.
(مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ): من يمنعني من انتقامه (إِنْ طَرَدْتُهُمْ)، وكانوا يسألونه أن يطردهم ليؤمنوا به، أنفةً من أن يكونوا معهم على سواء.
(أَعْلَمُ الْغَيْبَ) معطوفٌ على (عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ) أي: لا أقول عندي خزائن الله، ولا أقول: أنا أعلم الغيب. ومعناه: لا أقول لكم: عندي خزائن الله،
_________________
(١) قوله: (أو: هم مصدقون): جواب آخر، يعني: تزعمون أنهم ما آمنوا على بصيرة منهم، فأطردهم، أي: ما أطردهم لأنهم فازوا بأعلى درجات الإيقان، وحازوا قطري الإيمان، حيث أيقنوا بلقاء الله في الدار الآخرة. قوله: (ألا لا يجهلن أحد علينا): تمامه: فنجهل فوق جهل الجاهلينا أي: لا يسفهن أحد علينا، فنسفه عليهم فوق سفههم، أي: نجازيهم بسفههم جزاء وافيًا، سمى جزاء الجهل جهلًا للمشاكلة. قوله: (ومعناه: لا أقول لكم: عندي خزائن الله) إلى آخر تفسير هذه الآية: إعلام بأنها تضمنت أجوبة عن شبه أوردها القوم في الطعن في نبوة نوح ﵇ في الآية المتقدمة، وهي قوله: (فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) الآية [هود: ٢٧].
[ ٨ / ٦٠ ]
فأدعي فضلًا عليكم في الغنى، حتى تجحدوا فضلى بقولكم: (وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ)، ولا أدعي علم الغيب حتى تنسبوني إلى الكذب والافتراء، أو حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) حتى تقولوا لي ما أنت إلا بشر مثلنا،
_________________
(١) أولها: قالوا: (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا) [هود: ٢٧]، أرادوا: أنك لست ملكًا حتى تكون رسولًا، ولئن سلم عدم استحالة الرسالة للبشر لم تكن أنت أحق بها منا، وذلك أنهم جزموا على أن الرسالة مقصورة على الملكية، وحين ادعاها استبعدوها وأنكروها، ولذلك أجابوه بما يجاب به المنكر من إيتاء (مَا) و(إِلَّا)، وأجاب عنه بقوله: (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ)، يعني: مع أني أدعي النبوة لا أدعي الملكية، لأن البشرية غير قادحة في النبوة، لأن من حق الرسول أن يباشر أمته بالدليل والحجة، ثم بالهداية إلى طريق الحق، لا بالصورة والخلقة، فمن كان كذلك كان أحق بالنبوة كائنًا من كان، وإليه الإشارة بقوله: (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) حتى تقولوا لي: ما أنت إلا بشر مثلنا. وثانيها: قالوا: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا) [هود: ٢٧]، يعني: لو كنت نبيًا لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم، وأجاب بقوله: (وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْرًا)، يعني: ليس الشرف والرفعة بالحسب والمال، بل الشرف إنما يحصل بإيتاء الله العبد خير الدارين بسبب الإيمان والإخلاص، كقوله تعالى: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الأنعام: ٥٢، والكهف: ٢٨]، وإليه الإشارة بقوله: "إن الله لن يؤتيهم خيرًا في الدنيا والآخرة لهوانهم عليه". وثالثها: قالوا: (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) [هود: ٢٧]، أي: مال وجاه، يعني: لو كنت صادقًا لكنت شريفًا حسيبًا، وكأن الأشرف عندهم من له جاه ومال، وأجاب بقوله: (وَلَا
[ ٨ / ٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ)، يعني: ماأثبت دعواي بكوني ذا مال وحسب لتتبعوني، بل ما جئت إلا لرفض الدنيا جاهها ومالها، لأنهما سببا الطغيان، وإليه الإشارة بقوله: "لا أدعي فضلًا عليكم في الغنى حتى تجحدوا فضلي". ورابعها: قالوا: (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) [يونس: ٢٧]، يعني: اتباع هؤلاء الأراذل الذين من صفتهم أنهم جهلاء يسرعون في متابعتك بديهًا من غير فكر وروية، وقبولك إياهم من غير أن تطلع على حالهم وتعرف سرهم: أمارات منصوبة على كونكم كاذبين. وأجاب بقوله: (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ)، يعني: ما علي أن أعلم الغيب حتى أطلع على ما في ضمائر أتباعي، فإن الأنبياء إنما يجرون الأحكام على ظواهرها، والله متولي السرائر، وإليه الإشارة بقوله: "حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائرهم". فإن قلت: إن كانت هذه الآية جوابًا عن الشبه التي تضمنت تلك الآية، فما تلك الآيات الثلاث التي توسطت بينهما؟ قلت- والله أعلم-: هي مقدمة وتمهيد للجواب، فإن قوله: (يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) إثبات لنبوته، يعني: ما قلت لكم: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ) [هود: ٢٥ - ٢٦] إلا عن تقدمة بينة على إثبات نبوتي وصحة دعواي، لكن خفيت عنكم وعميت حتى أوردتم تلك الشبهة الواهية، ومع ذلك ليس نظري فيما ادعيت إلا إلى الهداية، وأني لا أطمع أجرًا، حتى ألازم الأغنياء منكم، وأطرد الفقراء، وأنتم تجهلون هذا المعنى حيث تقولون: اطرد الفقراء! وأن الله ما بعثني إلا في الترغيب في طلب الآخرة ورفض الدنيا، فمن ينصرني إن كنت أخالف ما جئت به، ثم شرع في الجواب على سبيل التفصيل، كما سبق. ولما أطنب نبي الله في الجواب بتمهيد المقدمة، وأفحمهم بذلك التفصيل، وألقمهم الحجر، قالوا: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) [هود: ٣٢].
[ ٨ / ٦٢ ]
ولا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين - لفقرهم- أن الله لن يؤتيهم خيرًا في الدنيا والآخرة لهوانهم عليه، كما تقولون، مساعدة لكم ونزولًا على هواكم.
(إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) إن قلت شيئًا من ذلك، والازدراء: افتعال من زرى عليه إذا عابه. وأزرى به: قصر به، يقال ازدرته عينه، واقتحمته عينه.
[(قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادْلتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَاتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْصَّادِقِينَ)].
(جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا) معناه: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته، كقولك: جاد فلان فأكثر وأطاب (فَاتِنا بِما تَعِدُنا) من العذاب المعجل.
[(قالَ إِنَّما يَاتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ* وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ)].
_________________
(١) قوله: (استرذلتم من المؤمنين): تفسير لقوله: (تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ)، قال القاضي: "إسناد الازدراء إلى الأعين للمبالغة والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرأي من غير روية وبما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة منالهم دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم". وقلت: هذا التفسير ما أحسنه طباقًا لقولهم: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّايِ). قوله: (جاد فلان فأكثر): كقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ) [النحل: ٩٨].
[ ٨ / ٦٣ ]
(إِنَّما يَاتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ) أي: ليس الإتيان بالعذاب إليّ، إنما هو إلى من كفرتم به وعصيتموه (إِنْ شاءَ) يعني إن اقتضت حكمته أن يعجله لكم. وقرأ ابن عباس ﵁: "فأكثرت جدلنا".
فإن قلت: ما وجه ترادف هذين الشرطين؟ قلت: قوله: (إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ): جزاؤه ما دلّ عليه قوله (لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي)، وهذا الدال في حكم ما دلّ عليه، فوصل بشرط كما وصل الجزاء بالشرط في قولك: إن أحسنت إليّ أحسنت إليك إن أمكننى.
فإن قلت: فما معنى قوله (إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ)؟ قلت: إذا عرف الله من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم يلجئه، سمى ذلك إغواءً وإضلالًا،
_________________
(١) قوله: (وقرأ ابن عباس: "فأكثرت جدلنا"): قال ابن جني: "الجدل: اسم بمعنى الجدال والمجادلة، والجدال: هو الاقتواء على خصمك بالحجة، قال تعالى: (وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) [الكهف: ٥٤]، أي: مغالبة بالقول وتقويًا". قوله: (وهذا الدال في حكم ما دل عليه): يعني: قوله: (إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) جزاؤه محذوف، وقوله: (وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي) دال عليه، فيقدر له مثله، ثم هذا الدال على حكم المدلول- أي: الجزاء- على التوسع، لأن الجزاء لا يتقدم على الشرط. قوله: (فوصل): أي قيد ما هو في حكم الجزاء وساد مسده بشرط، وهو قوله: (إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ)، كما قيد جزاء قولك: "إن أحسنت إلي أحسنت إليك إن أمكنني"- وهو "أحسنت" الثاني- بالشرط الثاني، وهو "إن أمكنني"، فصار التقدير: إن كان الله يريد
[ ٨ / ٦٤ ]
كما أنه إذا عرف منه أنه يتوب ويرعوى فلطف به: سمى إرشادًا وهداية.
وقيل: (أَنْ يُغْوِيَكُمْ): أن يهلككم؛ من غوىً الفصيل غوىً: إذا بشم فهلك،
_________________
(١) أن يغويكم لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم. قال الإمام: "هذا الشرط المؤخر في اللفظ مقدم في الوجود، فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، كان المفهوم أن ذلك الطلاق من لوازم الدخول، فإذا قال بعده: إن أكلت الخبز، كان المعنى: أن تعلق الجزاء بذلك الشرط الأول مشروط بحصول الشرط الثاني، والشرط مقدم على المشروط في الوجود، فعلى هذا إن حصل الشرط الثاني تعلق الجزاء بذلك الشرط الأول، وإن لم يحصل الثاني لم يتعلق الجزاء بذلك الشرط الأول". وقال في "الانتصاف": "ونظيره قول القائل: أنت طالق إن شربت إن أكلت، وهي مسألة اعتراض الشرط، والمنقول عن الشافعية أنها إن شربت ثم أكلت لم يحنث، وإن أكلت ثم شربت حنث، وهذا الفرق مبناه على جعل الجزاء للشرط الأخير لا الذي يليه، ثم جعلهما معًا جزاء للشرط الأول، وعليه إعراب الزمخشري هذه الآية". وقال القاضي: "هذا جواب لما أوهموا من أن جداله كلام بلا طائل، وفيه دليل على أن إرادة الله يصح تعليقها بالإغواء، وأن خلاف مراده محال". قوله: (إذا بشم)، الجوهري: "البشم: التخمة، وبشم الفصيل من كثرة شرب اللبن".
[ ٨ / ٦٥ ]
ومعناه: أنكم إذا كنتم من التصميم على الكفر بالمنزلة التي لا تنفعكم معها نصائح الله ومواعظه وسائر ألطافه، كيف ينفعكم نصحى؟
(فَعَلَىَّ إِجْرامِي) و"إجرامي" بلفظ المصدر والجمع، كقوله: (والله يعلم إسرارهم) [محمد: ٢٦] و"أسرارهم". ونحو: جرم وأجرام قفل وأقفال. وينصر الجمع أن فسره الأولون بـ"آثامي". والمعنى: إن صح وثبت أنى افتريته، فعليّ عقوبة إجرامي، أي: افترائى. وكان حقي حينئذ أن تعرضوا عنى وتتألبوا علىّ (وَأَنَا بَرِيءٌ) يعنى ولم يثبت ذلك وأنا بريء منه. ومعنى (مِمَّا تُجْرِمُونَ): من إجرامكم في إسناد الافتراء إلىّ فلا وجه لإعراضكم ومعاداتكم.
[(وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ* وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)].
_________________
(١) قوله: (فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) و"أجرامي"): بكسر الهمزة على المصدر وبفتحها على الجمع، والفتح شاذ، والأسلوب من باب الاستدراج والكلام المنصف، وهو في شأن الرسول ﷺ، قال الإمام: "وأكثر المفسرين على أنه من كلام نوح ﵇، وقال مقاتل: هذه الآية وقعت في قصة محمد ﷺ في أثناء قصة نوح"، وقال الإمام: "وهو بعيد جدًا". وقلت: سبق في بيان النظم عند قوله: (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) [هود: ١٣] أنه في شأن رسول الله ﷺ. قوله: (وتتألبوا علي)، الجوهري: "وألبت الجيش: جمعته، وتألبوا: اجتمعوا".
[ ٨ / ٦٦ ]
(لَنْ يُؤْمِنَ) إقناط من إيمانهم، وأنه كالمحال الذي لا تعلق به للتوقع، (إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ): إلا من قد وجد منه ما كان يتوقع من إيمانه، و(قد) للتوقع وقد أصابت محزها (فَلا تَبْتَئِسْ) فلا تحزن حزن بائس مستكين. قال:
مَا يَقْسِمُ اللَّهُ فَاقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ … مِنْهُ وَاقْعُدْ كَرِيمًا نَاعِمَ الْبَالِ
_________________
(١) قوله: (و(قَدْ) للتوقع، وقد أصابت محزها): حيث طابقت (لَن)، لأنهما كالمتضادين. قوله: (فلا تحزن حزن بائس): بئس الرجل يبأس بؤسًا وبأسًا: اشتدت حاجته. "مستكين": من الاستكانة، وهي الخضوع. قوله: (ما يقسم الله) البيت: لأحيحة بن الجلاح، "ما"- في "ما يقسم"-: شرطية، و"أقبل" مجزوم على الجزاء، وهو حكاية عن نفسه، وكذلك "وأقعد"، يقول: أنا راض بما قسم الله تعالى لي غير حزين على ما فات مني، وأقعد ناعم البال طيب القلب، ونحوه في الألفاظ النبوية: "واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك"، وقال القائل: سيكون ما هو كائن في وقته … وأخو الجهالة متعب محزون
[ ٨ / ٦٧ ]
والمعنى: فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك ومعاداتك، فقد حان وقت الانتقام لك منهم.
(بِأَعْيُنِنا) في موضع الحال، بمعنى: اصنعها محفوظًا، وحقيقته: ملتبسًا بأعيننا، كأن لله معه أعينا تكلؤه أن يزيغ في صنعته عن الصواب، وأن لا يحول بينه وبين عمله أحد من أعدائه. (ووحينا): وأنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع،
_________________
(١) قوله: (فقد حان وقت الانتقام): يعني: قوله تعالى: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ) إيذان بمعنى المتاركة، أي: أنك- يا نوح- قد أنذرت وأبلغت وأديت ما عليك، فلا عليك منهم شيء، (فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)، وذرني والمكذبين، فقد حان وقت الانتقام. قوله: (كأن لله معه أعينًا تكلؤه): أي: رقباء تحفظه، وهو من باب التجريد، دل عليه "الباء" في (بِأَعْيُنِنَا)، وهذا من أبلغ أنواع التجريد، لأنهم ينتزعون من نفس الشيء آخر مثله في صفته؛ مبالغة لكمالها فيه، قال ابن جنيك أنشد أبو علي: أفاءت بنو مروان ظلمًا دماءنا … وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل وأنشد المصنف: وفي الرحمن للضعفاء كاف ها هنا جرد من ذاته المهيمن جماعة الرقباء، وهو الرقيب نفسه.
[ ٨ / ٦٨ ]
عن ابن عباس ﵁: لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا): ولا تدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ): إنهم محكوم عليهم بالإغراق، وقد وجب ذلك وقضي به القضاء وجف القلم، فلا سبيل إلى كفه، كقوله: (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) [هود: ٧٦].
[(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ* فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَاتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ)].
(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) حكاية حالٍ ماضية (سَخِرُوا مِنْهُ) ومن عمله السفينة،
_________________
(١) قوله: (جؤجؤ الطائر)، الجوهري: "جؤجؤ الطائر والسفينة: صدرهما، والجمع: الجآجئ". قوله: (وقد وجب ذلك، وقضي به القضاء، وجف القلم، فلا سبيل إلى كفه): هذه التوكيدات يوجبها إخباره تعالى إياه ﵇ بقوله: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ)؛ إقناطًا من إيمانهم، ثم نهيه بقوله: (وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) المشتمل على علة الإهلاك، لوضع المظهر موضع المضمر، مع أنه ﵇ لم يتوقع منه الاستشفاع فيهم
[ ٨ / ٦٩ ]
وكان يعملها في بريةٍ بهماء في أبعد موضع من الماء، وفي وقتٍ عزَّ الماء فيه عزةً شديدة، فكانوا يتضاحكون ويقولون له: يا نوح، صرت نجارًا بعد ما كنت نبيًا (فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ) يعني: في المستقبل (كَما تَسْخَرُونَ) منا الساعة، أي: نسخر منكم سخريةً مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.
وقيل: إن تستجهلونا فيما نصنع فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر والتعرّض لسخط الله وعذابه، فأنتم أولى بالاستجهال منا، أو: إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم، لأنكم لا تستجهلون إلا عن جهل بحقيقة الأمر، وبناءً على ظاهر الحال، كما هو عادة الجهلة في البعد عن الحقائق.
وروي أنّ نوحًا ﵇ اتخذ السفينة في سنتين، وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعًا، وطولها في السماء ثلاثون ذراعًا، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأسفل: الوحوش والسباع والهوام، وفي
_________________
(١) بعد ما سبق منه من الدعاء عليهم: (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [نوح: ٢٦]، لكن جيء به لما عسى أن تدخله أريحية الرحم، ويؤكد ذلك إيقاع قوله: (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) جوابًا لسائل، وتأكيده بـ "إن". قوله: (في برية بهماء): البهماء: الفلاة التي لا يهتدى لطرقها، ولا ماء فيها، ولا علم بها. قوله: (إن تستجهلونا فيما نصنع، فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر): سمى سخريتهم استجهالًا، لأن السخرية في مثل هذا المقام من باب السفه والجهل، لأنها التعرض لسخط الله وعذابه، نحوه جواب موسى ﵇: (أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) [البقرة: ٦٧] عن قولهم: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا)، وهو من إطلاق المسبب على السبب.
[ ٨ / ٧٠ ]
البطن الأوسط: الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد، وحمل معه جسد آدم ﵇ وجعله معترضًا بين الرجال والنساء.
وعن الحسن: كان طولها ألفًا ومئتي ذراع، وعرضها ست مئة.
وقيل: إنّ الحواريين قالوا لعيسى ﵇: لو بعثت لنا رجلًا شهد السفينة يحدّثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفًا من ذلك التراب فقال: أتدرون من هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: هذا كعب بن حام. قال: فضرب الكثيب بعصاه فقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، وقد شاب فقال له عيسى ﵇: أهكذا أهلكت؟ قال لا، مُت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت. قال: حدّثنا عن سفينة نوح. قال: كان طولها ألف ذراع ومئتي ذراع، وعرضها ست مئة ذراع، وكانت ثلاث طبقات: طبقة للدواب والوحوش، وطبقة للإنس، وطبقة للطير، ثم قال له: عُد بإذن الله كما كنت، فعاد ترابًا.
(مَنْ يَاتِيهِ) في محل النصب بـ (تعلمون)، أي: فسوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه، ويعني به إياهم، ويريد بـ"العذاب": عذاب الدنيا وهو الغرق (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ) حلول الدين والحق اللازم الذي لا انفكاك له عنه (عَذابٌ مُقِيمٌ) وهو عذاب الآخرة.
[(حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ* وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)].
_________________
(١) قوله: (حلول الدين): نصب على المصدر، وفيه أن في الكلام استعارة إما تبعية أو مكنية، شبه حكم الله بقوله: (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) في قضائه بالدين ولزومه.
[ ٨ / ٧١ ]
(حَتَّى) هي التي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من الشرط والجزاء. فإن قلت: وقعت غايةً لماذا؟ قلت: لقوله: (ويصنع الفلك) [هود: ٣٨]، أى: وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد. فإن قلت: فإذا اتصلت (حتى) بـ"يصنع"، فما تصنع بما بينهما من الكلام؟ قلت: هو حال من "يصنع"، كأنه قال: يصنعها والحال أنه كلما مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه. فإن قلت: فما جواب "كلما"؟ قلت: أنت بين أمرين: إما أن تجعل (سَخِرُوا) [هود: ٣٨] جوابًا، و(قالَ) استئنافًا، على تقدير سؤال سائل. أو تجعل (سَخِرُوا) بدلًا من (مَرَّ) أو صفة لـ (مَلَأٌ)، و(قالَ) جوابًا.
(وَأَهْلَكَ) عطفٌ على (اثنين)، وكذلك (وَمَنْ آمَنَ) يعني: واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم. واستثنى من أهله من سبق عليه القول أنه من أهل النار،
_________________
(١) قوله: (أو تجعل (سَخِرُوا) بدلًا من (مَرَّ»: بدل الاشتمال، يعني: أن مرورهم كان ملتبسًا بالسخرية، بدليل تصدير الجملة بـ "كلما". قوله: «وَأَهْلَكَ) عطف على (اثْنَيْنِ»: هذا إذا قرئ: "كل زوجين" بالإضافة، وهي قراءة الجماعة إلا حفصًا، فإنه قرأه بتنوين "كل" ها هنا وفي المؤمنين، قال أبو البقاء: "من قرأ "كل" بالإضافة: فمفعول (احْمِلْ): (اثْنَيْنِ)، أي: احمل فيها اثنين من كل زوج، و"من كل زوجين": حال، لأنه صفة نكرة قدم عليها، ومن قرأ بالتنوين: فمفعول (احْمِلْ): (زَوْجَيْنِ)، و(اثْنَيْنِ): توكيد له، و(مِنْ كُلٍّ) على هذا: يجوز أن يتعلق بـ (احْمِلْ)، وأن يكون حالًا، والتقدير: من كل شيء أو صنف".
[ ٨ / ٧٢ ]
وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر، لا لتقديره عليه وإرادته به، تعالى الله عن ذلك. قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته.
(إِلَّا قَلِيلٌ) روي عن النبي ﷺ أنه قال: «كانوا ثمانية: نوح وأهله، وبنوه الثلاثة، ونساؤهم» وعن محمد بن إسحاق: كانوا عشرة: خمسة رجالٍ وخمس نسوة. وقيل كانوا اثنين وسبعين رجلًا وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث، ونساؤهم. فالجميع ثمانية وسبعون: نصفهم رجال ونصفهم نساء.
ويجوز أن يكون كلامًا واحدًا وكلامين:
فالكلام الواحد: أن يتصل (بِسْمِ اللَّهِ) بـ (اركبوا) حالًا من الواو، بمعنى: اركبوا فيها مسمين الله. أو قائلين "بسم الله" وقت إجرائها ووقت إرسائها، إما لأن "المجرى" و"المرسى" للوقت، وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء، حذف منهما
_________________
(١) وقال الزجاج: الزوج في كلامهم: واحد، والاثنان يقال لهما: زوجان، تقول: عندي زوجان من الطير، تريد: ذكرًا أو أنثى فقط. قوله: (وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر، لا لتقديره عليه وإرادته): هذا المعنى قد تكرر في كلامه بناءً على قاعدته، وقد ناقض صريحًا حيث أثبت القضاء والقدر قبل هذا في قوله: "قد وجب ذلك، وقضي به، وجف القلم"، وقد نفاه ها هنا، ويأبى الله إلا إظهار الحق، والله أعلم. قوله: (خمسة رجال وخمس نسوة): مرفوع؛ بدل من الواو في "كانوا".
[ ٨ / ٧٣ ]
الوقت المضاف، كقولهم خفوق النجم، ومقدم الحاج. ويجوز أن يراد مكانا الإجراء والإرساء، وانتصابهما بما في (بِسْمِ اللَّهِ) من معنى الفعل، أو بما فيه من إرادة القول.
والكلامان: أن يكون (بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها) جملة من مبتدأٍ وخبر مقتضبة، أي: بسم الله إجراؤها وإرساؤها. يروى: أنه كان إذا أراد أن تجرى قال: "بسم الله"
_________________
(١) قوله: (ومقدم الحاج): هو أيضًا يحتمل الأمرين؛ المصدر واسم الزمان، والمصدر هو المراد في الاستشهاد. قوله: (وانتصابهما): أي: (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا)، سواء كانا في معنى الوقت أو المكان بما ذكر، ولا يجوز أن ينتصبا بـ (ارْكَبُوا) في وقت الإجراء والإرساء أو في مكانهما، وإنما المعنى: اركبوا الآن متبركين باسم الله في الوقتين اللذين لا ينفك الراكبون فيهما من الإجراء والإرساء. قوله: (مقتضبة): أي: مرتجلة مقتطعة غير متصلة بما قبلها، الأساس: "ومن المجاز: اقتضب الكلام: ارتجله، وكان يحدثنا فلان فجاء زيد فاقتضب حديثه، أي: انتزعه واقتطعه". والاقتضاب عرفًا: الخروج من كلام إلى آخر لا علاقة بينهما، ويقابله التخلص، وهو الخروج إلى آخر برابطة مناسبة، ولا مناسبة بين الأمر بالركوب وبين الإخبار بأن مجرى السفينة بذكر اسم الله ومرساها؛ للإنشائية والخبرية، فوجب القطع، قال الشاعر: وقال رائدهم: أرسوا نزاولها … فكل حتف امرئ يجري لمقدار
[ ٨ / ٧٤ ]
فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله فرست. ويجوز أن يقحم الاسم، كقوله:
.. ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا
ويراد: بالله إجراؤها وإرساؤها، أي: بقدرته وأمره.
_________________
(١) قوله: (أن يقحم الاسم)، الانتصاف: "فر بهذا القول من أن الاسم هو المسمى، ولو اعتقد ذلك لما جعله مقحمًا"، وقد سبق القول فيه بالتفصيل في أول البقرة عند قوله: (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) [البقرة: ٣٣]. قوله: (ثم اسم السلام عليكما): تمامه: فقوما وقولا بالذي قد عرفتما … ولا تخمشا وجهًا ولا تحلقا الشعر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما … ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر قاله لبيد بن ربيعة العامري؛ يوصي ابنتيه حين حضرته الوفاة بالندبة عليه قولًا. قوله: (ويراد: بالله إجراؤها وإرساؤها): أي: بقدرته، أي: يجوز الإقحام على إرادة تقدير قدرة الله، ومفهومه أنه لا يجوز الإقحام على تقدير: "مسمين" أو "قائلين"، إذ لا معنى لقولنا: قائلين بالله، هذا على تقدير المصدر، وأما على تقدير الزمان أو المكان فيكون من باب قولهم: نهاره صائم، وطريق سائر. هذا التقدير يجوز تنزله على كلام واحد وعلى كلامين أيضًا.
[ ٨ / ٧٥ ]
وقرئ مَجْراها وَمُرْساها بفتح الميم، من جرى ورسى، إما مصدرين أو وقتين أو مكانين. وقرأ مجاهد: "مجريها ومرسيها" بلفظ اسم الفاعل، مجروري المحل، صفتين لله.
فإن قلت: ما معنى قولك: جملة مقتضية؟ قلت: معناه: أن نوحًا ﵇ أمرهم بالركوب، ثم أخبرهم بأن مجراها ومرساها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته.
ويحتمل أن تكون غير مقتضية بأن تكون في موضع الحال كقوله:
وَجَاؤُونَا بِهِمْ سَكَرٌ عَلَينَا
_________________
(١) قوله: (مجراها ومرساها): بفتح الميم: حمزة والكسائي، والباقون: بضمها، وقراءة مجاهد: شاذة. قوله: (بفتح الميم؛ من: جرى ورسى): قال أبو البقاء: "مجرى ومرسى: بضم الميم؛ مصدر أجريت مجرى، وبفتحهما؛ مصدر جريت ورسيت". قوله: (وجاؤونا بهم سكر علينا): تمامه: فأجلى اليوم والسكران صاح "بهم سكر": أي: سكرين، يعين: سكارى، بمعنى: غضاب علينا، "سكر": مبتدأ، و"بهم": خبر، والجملة حال- بلا واو- من ضمير "جاؤونا"، و"علينا" يتعلق بـ "سكر"، و"أجلى": بمعنى: جلى، أي: انكشف.
[ ٨ / ٧٦ ]
فلا تكون كلامًا برأسه، ولكن فضلةً من فضلات الكلام الأوّل، وانتصاب هذه الحال عن ضمير "الفلك"، كأنه قيل: اركبوا فيها مجراةً ومرساةً باسم الله، بمعنى التقدير، كقوله تعالى: (فادْخُلُوها خالدين) [الزمر: ٧٣].
_________________
(١) قوله: (وانتصاب هذه الحال عن ضمير الفلك): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ الحال إنما تكون مقدرة لو كانت مفردة، بمعنى: مجراة، أما إذا كانت جملة فلا، لأن الجملة معناها: اركبوا وباسم الله إجراؤها، وهذا واقع حال الركوب. وقلت: المصنف جعل (بِسْمِ اللهِ) متعلقًا بـ "مجراة" على هذا التفسير، ولهذا قال: "مجراة باسم الله"، وهي مفردة، فالجملة مؤولة بها لفقدان الواو، كقوله: كلمته فوه إلى في، فيكون قيدًا لـ (ارْكَبُوا)، ولا يشك أن إجراءها لم يكن عند الركوب، فتكون مقدرة، كما تقول: اركب الفرس سائرًا على اسم الله، وأما مع الواو فلا تفتقر إلى التقدير، كما تقول: اركب الفرس وبإذن الله سيره. على أن أبا البقاء أجاز أن تكون الجملة حالًا مقدرة، قال: " (مَجْرَاهَا) مبتدأ، و(بِسْمِ اللهِ) خبره، والجملة حال مقدرة، وصاحبها الواو في (ارْكَبُوا)، ويجوز أن تكون حالًا من الهاء، أي: اركبوا فيها وجريانها باسم الله، وهي مقدرة أيضًا"، وتبعه صاحب "الكواشي" والقاضي. وللشيخ مكي في هذا المقام كلام مبسوط، قال: " (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا): في موضع رفع بالابتداء، والخبر: (بِسْمِ اللهِ)، والجملة حال من الضمير المجرور في (فيها)، والعائد ضمير (مَجْرَاهَا)، لأنه للسفينة، والعامل في الحال: الفعل، ولا يحسن أن تكون حالًا من
[ ٨ / ٧٧ ]
(إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ): لولا مغفرته لذنوبكم ورحمته إياكم لما نجاكم.
[(وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ* قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)].
_________________
(١) الضمير في (ارْكَبُوا)، لأنه لا عائد فيها يرجع إلى ذي الحال، لأن الضمير في (بِسْمِ اللهِ) عائد إلى المبتدأ الذي هو (مَجْرَاهَا). ويجوز أن يرتفع (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) بـ (بِسْمِ اللهِ)، لأنه متعلق بـ (ارْكَبُوا)، ويجوز أن ينتصبا على الظرف من (بِسْمِ اللهِ)، أي: اركبوا فيها متبركين باسم الله في وقت إجرائها وإرسائها، نحو: آتيك مقدم الحاج. ولا يعمل فيهما (ارْكَبُوا)، لأنه لم يرد: اركبوا فيها في وقت الجري والرسو، ولا يحسن على هذا التقدير أن يكون (بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) حالًا من الهاء في (فِيهَا)، لأنه لا عائد يرجع إلى ذي الحال، ولا يكتفى بالضمير في (مَجْرَاهَا)، لأنه ليس من جملة الحال، وإنما هو ظرف ملغى، إذ يصير التقدير: اركبوا فيها متبركة باسم الله في وقت الجري، وليس المعنى عليه؛ لأن التبرك إنما هو لركابها لا لها. ولو جعلت (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) في معنى اسم الفاعل، لكانت حالًا مقدرة، والعامل ما في (بِاِسْمِ اللَّهِ) من معنى الفعل، أي: باسم الله جارية وراسية"، هذا تلخيص كلامه. ثم قال: "اعلم أن هذه المسألة من أمهات مسائل النحو وغررها". قوله: (لولا مغفرته لذنوبكم، ورحمته إياكم، لما نجاكم): يريد: أن قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي
[ ٨ / ٧٨ ]
فإن قلت: بم اتصل قوله (وَهِيَ تَجْرِي)؟ قلت: بمحذوفٍ دل عليه (ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ)، كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون: "بسم الله"، وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ، أي: تجري وهم فيها (فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ) يريد: موج الطوفان، شبه كل موجةٍ منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها.
_________________
(١) لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) جملة مستأنفة بيان للموجب، ولا تصلح أن تكون علة (ارْكَبُوا) لعدم المناسبة، فيقدر ما يصح به الكلام بأن يقال: امتثلوا هذا الحكم لينجيكم من الهلاك بمغفرته ورحمته، أو يقال: اركبوا فيها ذاكرين الله ولا تخافوا الغرق بما عسى أن فرط منكم تقصير، لأن الله غفور رحيم. وفيه أن نجاتهم لم تكن لاستحقاق منهم بسبب أنهم كانوا مؤمنين، بل بمحض رحمة الله وغفرانه، كما عليه أهل السنة، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) [الفرقان: ٦]؛ قال: "فإنه تنبيه على أنهم استوجبوا لمكابرتهم أن يصب عليهم العذاب صبًا، ولكن صرف ذلك عنهم أنه غفور رحيم". قوله: (أي: تجري وهم فيها): يريد: أن قوله: (بِهِمْ) في موضع الحال من فاعل (تَجْرِي)، نحوه: تدوس بنا الجماجم والتريبا
[ ٨ / ٧٩ ]
فإن قلت: الموج: ما يرتفع فوق الماء عند اضطرابه وزخيره، وكان الماء قد التقى وطبق ما بين السماء والأرض، وكانت الفلك تجري في جوف الماء كما تسبح السمكة، فما معنى جريها في الموج؟ قلت: كان ذلك قبل التطبيق، وقبل أن يغمر الطوفان الجبال. ألا ترى إلى قول ابنه: (سآوى إلى جبل يعصمني من الماء)، قيل: كان اسم ابنه: كنعان. وقيل: يام.
وقرأ علي ﵁: "ابنها"، والضمير لامرأته. وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير: "ابنه" بفتح الهاء، يريدان: ابنها، فاكتفيا بالفتحة عن الألف، وبه ينصر مذهب الحسن. قال قتادة: سألته فقال: والله ما كان ابنه، فقلت: إنّ الله حكى عنه (إن ابني من أهلى)، وأنت تقول: لم يكن ابنه، وأهل الكتاب لا يختلفون في أنه كان ابنه، فقال: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب!
_________________
(١) قوله: (الموج: ما يرتفع فوق الماء): وجه السؤال: أن الرواية أنه تلاقى ماء الأرض والسماء، وكانت السفينة تجري في جوف الماء، ومعنى "الموج": ما يرتفع فوق الماء من هيئة كالجبال، فبينهما تناف. وأجاب: أن الجريان في الموج في زمان، وفي جوف الماء في زمان، وقال القاضي: "الرواية ليست بثابتة". قوله: (وزخيره)، الجوهري: "زخر الوادي: إذا امتد جدًا وارتفع، يقال: بحر زاخر". قوله: (وكان الماء قد التقى): مقتبس من قوله تعالى: (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) [القمر: ١٢]، وقال: "يعني: مياه السماء والأرض".
[ ٨ / ٨٠ ]
واستدل بقوله (مِنْ أَهْلِي) ولم يقل: مني، ولنسبته إلى أمّه وجهان: أحدهما: أن يكون ربيبًا له، كعمر بن أبي سلمة لرسول الله ﷺ، وأن يكون لغير رشدة، وهذه غضاضة عصمت منها الأنبياء ﵈.
وقرأ السدي: "ونادى نوح ابناه"؛ على الندبة والترثى. أي: قال يا ابناه.
و"المعزل": مفعل، من: عزله عنه: إذا نحاه وأبعده، يعني: وكان في مكانٍ عزل فيه نفسه عن أبيه وعن مركب المؤمنين. وقيل: كان في معزل عن دين أبيه.
(يا نبىّ) قرئ بكسر الياء اقتصارًا عليه من ياء الإضافة، وبالفتح اقتصارًا عليه من الألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك: "يا بنيا"، أو سقطت الياء والألف لالتقاء الساكنين، لأنّ الراء بعدهما ساكنة.
_________________
(١) قوله: (واستدل بقوله: (مِنْ أَهْلِي)، ولم يقل: مني): أي: قتادة، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ لو صح لما نفاه بقوله: (لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)، وتقريره: أنه لما قال: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)، أي: من جملة أهلي، لأنه كان من صلبه، أجيب بـ (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) لقطع الولاية بين المؤمن والكافر، ومن ثم علله بقوله: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ). قوله: (كعمر بن أبي سلمة): وفي "الاستيعاب": "هو عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد القرشي المخزومي، ربيب رسول الله ﷺ، أمة أم سلمة أم المؤمنين، ولد في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي في المدينة سنة ثلاث وثمانين، وعمر: بضم العين وفتح الميم". قوله: (لغير رشدة)، الجوهري: "هو لرشدة، بخلاف قولك: لزنية". قوله: (قرئ بكسر الياء اقتصارًا): قرأ عاصم: (يَا بُنَيَّ) بفتح الياء، والباقون: بكسرها.
[ ٨ / ٨١ ]
(إِلَّا مَنْ رَحِمَ) إلا الراحم، وهو الله تعالى، أو: لا عاصم اليوم من الطوفان إلا من رحم الله. يعني: إلا مكان من رحم الله من المؤمنين، وكان لهم غفورًا رحيمًا في قوله (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، وذلك أنه لما جعل الجبل عاصما من الماء
_________________
(١) ـ قال الزجاج: "الكسر أجود، ووجهه: أن الأصل: يا بنيي، والياء تحذف في النداء، ويبقى الكسر ليدل عليها، أو تحذف الياء لسكون الراء من (ارْكَب)، وتقر في الكتاب على ما هي عليه في اللفظ. ووجه الفتح: أن الأصل: يا بنيا، فتبدل الألف من ياء الإضافة، ثم تحذف الألف لسكونها وسكون الراء، وتقر في الكتابة على حدها في اللفظ، أو أن تحذف الألف في النداء كما تحذف ياء الإضافة، لأن ياء الإضافة زيادة في الاسم، كما أن التنوين زيادة فيه، فيحذف أيضًا". قوله: «إِلاَّ مَنْ رَحِمَ) إلا الراحم) إلى آخره، الانتصاف: "الاحتمالات الممكنة أربعة: لا عاصم إلا راحم، ولا معصوم إلا مرحوم، ولا عاصم إلا مرحوم، ولا معصوم إلا راحم، والأولان استثناء من الجنس، والآخران من غير الجنس، وزاد الزمخشري خامسًا: ولا عاصم إلا مرحوم؛ على أنه من الجنس، على تأويل حذف المكان، والكل جائز". قلت: هذا إنما يتم إذا حمل قوله: " (إِلاَّ مَنْ رَحِمَ) إلا الراحم" على: لا عاصم إلا الراحم، ولا معصوم إلا الراحم. قوله: (إلا مكان من رحم الله): أي: مكان المؤمنين، لأنه تعالى رحمهم حين ركبوا في السفينة، بدليل إيقاع قوله: (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) تعليلًا للأمر، وهو (ارْكَبُوا فِيهَا)، والوصف
[ ٨ / ٨٢ ]
قال له: لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصمٍ واحد وهو مكان من ﵏ ونجاهم يعني: السفينة. وقيل: (لا عاصم): بمعنى: لا ذا عصمةٍ إلا من ﵀، كقوله: (ماءٍ دافِقٍ) [الطارق: ٦]، و(عِيشَةٍ راضِيَةٍ) [الحاقة: ٢١]. وقيل: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ) استثناء منقطع، كأنه قيل: ولكن من ﵀ فهو المعصوم، كقوله: (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ) [النساء: ١٥٧]. وقرئ: "إِلَّا مَنْ رَحِمَ" على البناء للمفعول.
_________________
(١) مناسب للحكم، وإنما أتى في هذا الوجه بقوله: "وكان لهم غفورًا رحيمًا" مع أن الرحمة شائعة في الوجوه؛ لأن الإضافة للتعريف، ولابد من معهود سابق، وهو السفينة. قوله: (وقيل: (لا عَاصِمَ): بمعنى: لا ذا عصمة): وقال الزجاج: "يجوز أن يكون (عَاصِمَ) في معنى: معصوم، أي: لا ذا عصمة، كما قالوا: (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) [الحاقة: ٢١]: أي: مرضية، و(مَن) في موضع رفع، أي: لا معصوم إلا المرحوم". وقال أبو البقاء: " (عَاصِمَ) بمعنى: ذي عصمة على النسب، مثل: حائض وطالق، والاستثناء متصل، وخبر (لا): (مِنْ أَمْرِ اللهِ)، و(الْيَوْمَ) معموله، ولا يجوز أن يكون (الْيَوْمَ) معمول (عَاصِمَ)، إذ لو كان لنون، ولا يجوز أيضًا أن يكون خبرًا؛ لأن (الْيَوْمَ) ظرف، فلا يصح حمله على الجثة". قوله: (إِلاَّ مَنْ رَحِمَ) استثناء منقطع، كأنه قيل: ولكن من ﵀ فهو المعصوم): قال الزجاج: "فعلى هذا موضع (مَن) نصب، المعنى: لكن من رحم الله فإنه معصوم"، فالمعصوم ليس من جنس العاصم، لأن اسم المفعول غير، واسم الفاعل غير، كما أن الظان غير العالم في قوله تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ) [النساء: ١٥٧].
[ ٨ / ٨٣ ]
[(وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)].
نداء الأرض والسماء بما ينادى به الحيوان المميز، على لفظ التخصيص والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات وهو قوله (يا أَرْضُ) (وَيا سَماءُ)، ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله (ابْلَعِي ماءَكِ) و(أَقْلِعِي) من الدلالة على الاقتدار العظيم، وأن السموات والأرض وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه، كأنها عقلاء مميزون قد عرفوا عظمته وجلالته
_________________
(١) قوله: (نداء الأرض): هو مبتدأ، والخبر: "من الدلالة على الاقتدار العظيم"، و"أن السماوات والأرض" إلى آخره: تفسير للاقتدار العظيم، وأدخل العاطف كما هو دأبه وعادته. قوله: (منقادة لتكوينه فيها ما يشاء) إلى آخره: مستفاد من تعقيب النداء بلفظ (ابْلَعِي)، فإن من عادة من يأمر المطيع- الذي إذا أمر لم يتوقف إذعانه- أن يقدم النداء على الأمر، ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المأمور، فيكون امتثاله للأمر أسرع مما لم يذكر معه النداء، سيما "يا"، فإنها تدل على أن الخطاب المتلو بعده معني به جدًا، فالأمر بعد النداء هنا ترشيح للاستعارة؛ شبه السماوات والأرض بالمأمور الذي لا يتأتى منه العصيان لكمال هيبة الآمر، وأدخلهما في جنس ذلك المأمور، ثم خيل أنهما مأموران بعينيهما، فقيل: (يَا أَرْضُ) (وَيَاسَمَاءُ)، وجعلت القرينة الخطاب للجماد، ثم نسي التشبيه رأسًا، وبني على الفرع الذي هو المشبه ما يبنى على الأصل المشبه به، قائلًا: (ابْلَعِي) و(أَقْلِعِي). قال الزجاج رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) [يس: ٣٠]: "الفائدة في مناداتها كالفائدة في مناداة من يعقل، لأن النداء باب تنبيه، فإذا قلت: يا زيد، فإن لم تكن دعوته لتخاطبه بكلام غير النداء لم يكن له معنى، وإنما تناديه لتنبهه بالنداء، ثم تقول
[ ٨ / ٨٤ ]
وثوابه وعقابه وقدرته على كل مقدور، وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له، وهم يهابونه ويفزعون من التوقف دون الامتثال له والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث، فكما يرد عليهم أمره كان المأمور به مفعولا لا حبس ولا إبطاء.
والبلع: عبارةٌ عن النشف. والإقلاع: الإمساك. يقال: أقلع المطر،
_________________
(١) له: فعلت كذا، وافعل كذا، ألا ترى أنك إذا قلت لمن هو مقبل عليك: يا زيد ما أحسن ما صنعت، كان أوكد مما إذا قلت: ما أحسن ما صنعت". قوله: (والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث): أي: بطء، هذا مبني على أن الأمر: هل يفيد الفور أم لا؟ فإن عند بعض الحنفية يفيده، قال صاحب "المفتاح": "الأمر والنهي حقهما الفور"، سيما المقام مقام العظمة والكبرياء وأن لا قول ثمة، بل هو التمثيل، قال المصنف في (كُنْ فَيَكُونُ) [البقرة: ١١٧]: "لا قول ثمة، وإنما هو تمثيل أن ما قضاه وأراد كونه، فإنما يدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف". قوله: (فكما يرد عليهم): قال في "اللباب": وتستعمل الكاف للقران في الوقوع، نحو: كما حضر زيد قام عمرو، أي: اقترن القيام والحضور في الوقوع، فهما متشابهان في المقارنة في الوقوع. قوله: (والبلع: عبارة عن النشف): استعار لغور الماء في الأرض: البلع الذي هو إعمال الجارحة في المطعوم، وإدخاله في الحلق. قوله: (والإقلاع: الإمساك): خولف بين تفسير القرينتين؛ ليؤذن أن "البلع" جار مجرى
[ ٨ / ٨٥ ]
وأقلعت الحمى (وَغِيضَ الْماءُ) من غاضه: إذا نقصه (وَقُضِيَ الْأَمْرُ): وأنجز ما وعد الله نوحًا من هلاك قومه (وَاسْتَوَتْ): واستقرّت السفينة، (عَلَى الْجُودِيِّ)
_________________
(١) الترشيح، لأنه صفة ملائمة للمستعار منه، وأن الإقلاع يجري مجرى التجريد، لأنه صفة ملائمة للمستعار له، ولهذا قال: "أقلع المطر"، وإنما اختير الترشيح الذي هو أبلغ في جانب الأرض، والتجريد في السماء، لأن إذهاب الماء لما كان مطلوبًا أوليًا، وليس للسماء فيه سوى أن تمسك ما كانت تدر، فقيل: (أَقْلِعِي)، وإنما الأرض هي التي تقدر على الإذهاب المطلوب بأن تمسك ما كان ينبع منها، وتنشف ما فيها، فقيل: (ابْلَعِي) على المجاز. قوله: «وَغِيضَ الْمَاءُ) من: غاضه: إذا نقصه): ظاهر هذا التفسير مشعر بأن قوله: (وَغِيضَ الْمَاءُ) إخبار عن حصول المأمور به من قوله: (وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي) و(يَا أَرْضُ ابْلَعِي)، فالتقدير: قيل ذلك لهما، فامتثلا لما أمرا، ونقص الماء. وكلام صاحب "المفتاح" بخلافه، حيث قدر: قيل: يا سماء أقلعي فأقلعت، ويا أرض ابلعي ماءك فبلعت، وغيض طوفان السماء. خص "غيض الماء" بطوفان السماء؛ لما علم من قوله: "فبلعت" نضوب ماء مختص بالأرض، ولما لم يعلم نضوب ماء مختص بالسماء، تبين ذلك به، فمعنى: "غيض الماء" على هذا: ما قاله الجوهري: "غاض الماء يغيض غيضًا: قل ونضب"، أي: غار وسفل. ولعل هذا الوجه أملأ فائدة وأدق مغزى، وبه تظهر فائدة تخصيص ذكر "الماء"، وإضافته إلى ضمير "الأرض". أما الأولى: فكما قال صاحب "المفتاح": "إنما لم يقل: (ابْلَعِي) بدون المفعول؛ لاستلزام تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهن، نظرًا إلى مقام ورود الأمر الذي هو مقام عظمة وكبرياء".
[ ٨ / ٨٦ ]
وهو جبل بالموصل (وَقِيلَ بُعْدًا) يقال بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدا، إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، ولذلك اختص بدعاء السوء.
_________________
(١) والثانية: كما أشار إليه بقوله: "قال: (مَاءَكِ) بإضافة "الماء" إلى "الأرض" على سبيل المجاز؛ تشبيهًا لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك، واختار ضمير الخطاب لأجل الترشيح"، تم كلامه. فإذن الإضافة أخرجت سائر المياه، وخصصت الماء بالماء الذي بسببه صارت الأرض مهيأة للخطاب كالمطيع المنقاد الوارد عليه أمر الآمر المطاع، وهو المعهود في قوله: (وَفَارَ التَّنُّورُ)، وبهذا الاعتبار يحصل التوغل في تناسي التشبيه، والبناء على الأصل ترشيحًا، ولو أجريت الإضافة على غير هذا يكون كالتجريد للاستعارة، وأنت تعلم أن الترشيح أبلغ، ومقام التمثيل والتصوير له أدعى وأهنأ، ولو حمل على العموم لاستلزم ذلك ما ليس بمراد من تعميم ابتلاع المياه بأسرها لورود الأمر الذي هو مقام العظمة والكبرياء. وعلى هذا ينتظم "غيض" في سلك "قيل" و"قضي"، ولا يكون تابعًا للأمرين، وإليه أشار بقوله: "أصل الكلام: قيل: (يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ) فبلعت ماءها، (وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي) عن إرسال الماء، فأقلعت عن إرساله، (وَغِيضَ الْمَاءُ) النازل من السماء، ثم أتبعه ما هو المقصود من القصة، وهو قوله: (وَقُضِيَ الأَمْرُ) ". قوله: (من حيث الهلاك): متعلق بـ "أرادوا"، أي: إنما يقولون: بعد بعدًا، إذا أرادوا
[ ٨ / ٨٧ ]
ومجيء أخباره على الفعل المبنى للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء، وأنّ تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر، وتكوين مكون قاهر، وأنّ فاعلها فاعل واحد لا يشارك في أفعاله، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعى، ولا أن يقضى ذلك الأمر الهائل غيره، ولا أن تستوي السفينة على متن الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره
_________________
(١) البعد من جهة الهلاك والموت، لا من جهة المسافة. قوله: (فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: يا أرض ابلعي ماءك)، الانتصاف: "وقد تشبثت الشعراء بأذيال هذه المعاني، وهو أن يترك الموصوف اكتفاء بصفاته لشهرته، قال أبو الطيب يمدح عضد الدولة: فلا تحمدهما واحمد همامًا … إذا لم يسم حامده عناكا أي: امدح نفسك، فإنك المنفرد بالمدائح، إذا ذكرت ولم تسم لم يسبق إلى فهم أحد غيرك"، تم كلامه. وقبله: وكم طرب المسامع ليس يدري … أيعجب من ثنائي أم علاكا وذاك النشر عرضك كان مسكًا … وذاك الشعر فهري والمداكا
[ ٨ / ٨٨ ]
ولما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤسهم، لا لتجانس الكلمتين، وهما قوله (ابْلَعِي) (وأَقْلِعِي) وذلك وإن كان لا يخلي الكلام من حسن، فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللب وما عداها قشور
_________________
(١) الضمير في "فلا تحمدهما" عائد إلى "الفهر والمداكا"، وهما حجران للعطار يسحق بهما الطيب، المداك: التحتاني، والفهر: الفوقاني، والهمام: عضد الدولة، والحامد: المتنبي، وهذا المعنى قريب من قول الأول: وإن جرت الألفاظ يومًا بمدحة … لغيرك إنسانًا فأنت الذي نعني قوله: (ورقصوا لها رؤوسهم): أي: تعجبوا لها، فهي كناية، قال القاضي: "هذه الآية في غاية الفصاحة؛ لفخامة لفظها، وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال، مع الإيجاز الخالي عن الإخلال". قوله: (لا لتجانس الكلمتين): أي: (أَقْلِعِي) و(ابْلَعِي)، وفيه إدماج في نهاية من الحسن، أراد أن يبالغ في وصف الكلام الذي مضى، أدمج فيه معنى التجانس، ثم نفاه، يعني: روعي فيهما صنعة الجناس اللاحق، على نحو: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) [الهمزة: ١]، مع
[ ٨ / ٨٩ ]
وعن قتادة: استقلت بهم السفينة لعشر خلون من رجب، وكانت في الماء خمسين ومئة يوم، واستقرّت بهم على الجودي شهرًا، وهبط بهم يوم عاشوراء. وروي: أنها مرت بالبيت فطافت به سبعا، وقد أعتقه الله من الغرق. وروي أنّ نوحًا صام يوم الهبوط وأمر من معه فصاموا شكرًا لله تعالى.
[(وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ* قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ)].
نداؤه ربه: دعاؤه له، وهو قوله (رَبِّ) مع ما بعده من اقتضاء وعده في تنجية أهله. فإن قلت: فإذا كان النداء هو قوله: (رَبِّ) فكيف عطف "قالَ رَبِّ" على "نادى" بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادة النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء، كما جاء قوله (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ) [مريم: ٣ - ٤] بغير فاء.
(إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) أي: بعض أهلي، لأنه كان ابنه من صلبه، أو كان ربيبا له فهو بعض أهله (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) وأن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به، وقد وعدتني أن تنجي أهلي، فما بال ولدي؟
_________________
(١) أنها غير ملتفت إليها، فعلم فضل ذلك مع حسن هذه الصنعة، فهي مرادة من وجه وغير مرادة من آخر. قوله: (من اقتضاء وعده في تنجية أهله): أي: دعاؤه ربه كان طلبًا لقضاء ما وعده ربه من نجاة أهله، فـ "من" بيان لـ "دعاؤه". في "المغرب": "تقاضيته ديني وبديني، واستقضيته: طلبت قضاءه، واقتضيت منه حقي: أخذته".
[ ٨ / ٩٠ ]
(وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ) أي: أعلم الحكام وأعدلهم، لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل. ورب عريقٍ في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمانك قد لقب أقضى القضاة، ومعناه: أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر. ويجوز أن يكون من الحكمة، على أن يبنى من الحكمة حاكم بمعنى النسبة كما قيل: "دارع" من الدرع، وحائض وطالق على مذهب الخليل
_________________
(١) قوله: (ورب عريق في الجهل): أعرق الرجل؛ أي: صار عريقًا، وهو الذي عرق في الكرم. قوله: (قد لقب أقضى القضاة)، الانتصاف: "رأي الزمخشري: أن "أقضى القضاة" أرفع من "قاضي القضاة"، والذي يلاحظونه الآن عكسه، وذلك أن القضاة يشاركون أقضاهم في الوصف، وإن فضل عليهم، وأما "قاضي القضاة" هو الذي يقضي بين القضاة، لا يشاركه أحد في وصفه". "الإنصاف": وليس كذلك، لأنه فسر (أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) بـ "أقضى القضاة"، فكما لا يتصور ذلك المعنى هناك لا يتصور ها هنا. قوله: (على أن يبنى من الحكمة: حاكم؛ بمعنى النسبة) إلى قوله: (على مذهب الخليل): يقال:
[ ٨ / ٩١ ]
(إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) تعليل لانتفاء كونه من أهله. وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، وأنّ نسيبك في دينك ومعتقدك من الأباعد في المنصب وإن كان حبشيًا وكنت قرشيًا لصيقك وخصيصك. ومن لم يكن على دينك - وإن كان أمس أقاربك رحمًا - فهو أبعد بعيد منك، وجعلت ذاته عملا غير صالح، مبالغة في ذمّه، كقولها:
فَإنَّمَا هِىَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ
وقيل: الضمير لنداء نوح، أي: إنّ نداءك هذا عمل غير صالح وليس بذاك
_________________
(١) رجل كاس؛ أي: ذو كسوة، وطاعم: أي: أكل، قال الخليل: ومنه: (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) [الحاقة: ٢١]، أي: ذات رضا، لأن العيشة لا تكون راضية، بمعنى: فاعلة، ومن هذا القبيل: طالق وحائض، بمعنى: ذات طلاق وذات حيض، أي: أن ذلك ثابت وحاصل لها من غير تعرض لحدوثها في زمان، حتى لو أرادوا الإجراء على الفعل لأتوا بالتاء، فقالوا: حائضة الآن، وطالقة غدًا، هذا مذهب الخليل. وحمله سيبويه على أنه صفة "شيء" أو "إنسان"، لأن المرأة شيء وإنسان. قال القاضي: "فعلى هذا: معنى (وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ): أنت أكثر حكمة من ذوي الحكم". قوله: (وليس بذاك): لأن قوله: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) تعليل لقوله: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ).
[ ٨ / ٩٢ ]
فإن قلت: فهلا قيل: إنه عمل فاسد؟ قلت: لما نفاه عن أهله، نفى عنه صفتهم بكلمة النفي التي يستبقى معها لفظ المنفي، وآذن بذلك أنه إنما أنجى من أنجى من أهله لصلاحهم، لا لأنهم أهلك وأقاربك. وإنّ هذا لما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوّتك، كقوله (كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) [التحريم: ١٠].
وقرئ: "عمل غير صالح"، أي: عمل عملا غير صالح. وقرئ: (فلا تسئلنّ)، بكسر النون بغير ياء الإضافة
_________________
(١) قوله: (بكلمة النفي التي يستبقى معها لفظ المنفي): يعني: أن "غير" ها هنا تنفي ما بعدها، وتستبقي فيما قبلها من جنس ما نفاه، وهو الصلاح، كالاستثناء المفرغ، فإنه يدل على أن المستثنى منه أي جنس هو، فعلى هذا قوله: "إنما أنجي من أنجي من أهله" معناه: إنما أنجي من أهلك لصلاحهم، لا أنهم من أهلك، يعني: نفى أن ابنه من أهله، ثم نفى عنه صفتهم؛ ليدل على أن ذلك النفي لأجل انتفاء هذه الصفة فيه، فلو لم تكن هذه الصورة معتبرة في اعتبار معنى الأهلية، لم يصح (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ). قال في "الانتصاف": "ومنه: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) [الشعراء: ٢١٤]، وإن كان الإنذار على العموم، لكن لما كانت الأهلية مظنة الاتكال خص، ولهذا أنذرهم النبي ﷺ وقال: (لا أملك لكم من الله شيئًا) ". قوله: (وقرئ: "عمل غير صالح"): بكسر الميم ونصب "غير": الكسائي، والباقون: بفتح الميم مع التنوين ورفع "غير". قوله: (فَلا تَسْأَلْنِي) بكسر النون): الجماعة غير نافع وابن عامر، فإنهما قرءا: "فلا
[ ٨ / ٩٣ ]
وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء، يعني: فلا تلتمس منى ملتمسًا أو التماسًا لا تعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه
_________________
(١) تسألن" بفتح اللام وكسر النون وتشديدها، على أن صله: تسألنني، فحذفت نون الوقاية لاجتماع النونات، وكسرت المشددة للياء، ثم حذفت اكتفاء بالكسرة، وعن نافع: إثباتها في الوصل. قوله: (ملتمسًا أو التماسًا): يريد: أن "ما" في قوله: (فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ): موصوفة، والصفة: الجملة، ثم "ما" إما اسم مفعول، فهو المراد من "ملتمسًا"، أو مفعول مطلق، وإليه أشار بقوله: "التماسًا"، لأن السؤال الذي بمعنى الاستجداء التماس. قوله: (حتى تقف على كنهه)، الأساس: "سله عن كنه الأمر، أي: حقيقته وكيفيته، واكتنه الأمر: بلغ كنهه"، وفيه: أن المراد بالعلم: المتيقن، قال أبو علي: "المراد بالعلم ها هنا: العلم المتيقن الذي يعلم به الشيء على حقيقته، ليس العلم الذي يعلم به الشيء على ظاهره، كالذي في قوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) [الممتحنة: ١٠] ونحوه". وقال: "الجار والمجرور في (بِهِ عِلْمٌ): إما أن يتعلق بما يدل عليه العلم المذكور، وإن لم يتسلط عليه، كقوله: ربيته حتى إذا تمعددا … كان جزائي بالعصا أن أجلدا "بالعصا": متعلق بما دل عليه "أن أجلدا". تمعدد الصبي: غلظ وصلب وذهب عنه رطوبة الصبا.
[ ٨ / ٩٤ ]
وذكر المسألة دليل على أنّ النداء كان قبل أن يغرق حين خاف عليه.
فإن قلت: لِمَ سمي نداؤه سؤالا ولا سؤال فيه؟ قلت: قد تضمن دعاؤه معنى السؤال وإن لم يصرح به، لأنه إذا ذكر الموعد بنجاة أهله في وقت مشارفة ولده الغرق فقد استنجز. وجعل سؤال ما لا يعرف كنهه جهلًا وغباوة، ووعظه أن لا يعود إليه وإلى أمثاله من أفعال الجاهلين
_________________
(١) وإما أن يتعلق بالمستقر في قولك: (لَكَ)، كما تقول: أليس لك فيه رضا". وحاصل هذا الوجه: أن (عِلْمٌ) اسم (لَيْسَ)، و(لَكَ) خبر، و(بِهِ) يتعلق بالجر، وكذلك قوله: (مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ). قوله: (وذكر المسألة دليل على أن النداء كان قبل أن يغرق حين خاف عليه): لأن المسألة كالشفاعة في حقه، وطلب نجاته، واستنجاز وعده، وذلك إنما ينفع إذا لم يكن قد غرق، بل كان على مشارفة الهلاك. فإن قلت: هذه المسألة مذكورة بعد قوله: (فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ* وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ) الآية، فكيف يتصور أنه لم يغرق بعد، وأنه على مشارفة من الهلاك، ولهذا السؤال القوي قال القاضي: "فقال: إن ابني من أهلي، وما له لم ينج؟ ". قلت: مرد قصة سفينة نوح ﵇ أولًا على الترتيب الأنيق إلى أن ختم بقوله: (وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [هود: ٤٤]، ثم ذكر نداءه ربه في شفاعته في ابنه الواقع في أثناء تلك القصة عند مشارفته الهلاك، لتكون القصة كالمستقلة، على وزان قصة البقرة في تقديم
[ ٨ / ٩٥ ]
فإن قلت: قد وعده أن ينجي أهله، وما كان عنده أن ابنه ليس منهم دينًا، فلما أشفى على الغرق تشابه عليه الأمر، لأن العدة قد سبقت له وقد عرف الله حكيما لا يجوز عليه القبيح وخلف الميعاد، فطلب إماطة الشبهة وطلبُ إماطة الشبهة واجب، فلم زجر وسمي سؤاله جهلًا؟ قلت: إن الله عز وعلا قدّم له الوعد بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم، فكان عليه أن يعتقد أن في جملة أهله من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح، وأن كلهم ليسوا بناجين، وأن لا تخالجه شبهةٌ حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين لا من المستثنى منهم، فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه.
_________________
(١) ما هو مؤخر في الوجود، وها هنا عكس اعتناء بشأن هذا النداء وجوابه، وذلك لما اشتمل على أمر من أمور الدين، وهو أن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، قال أبو فراس: كانت مودة سلمان له نسب … ولم يكن بين نوح وابنه رحم وأما قول القاضي: "وما له لم ينج؟ " فيرده قول نوح ﵇ أولًا: (وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) [هود: ٤٢]، فإنه قطع بكفره ودخوله في زمرة المغرقين على الطريق البرهاني، وجواب الله عنه آخرًا: (فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)، كما سبق. قوله: (فلم زجر): أي: بقوله: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ). قوله: (وأن لا تخالجه شبهة)، الجوهري: "خالج في صدري منه شيء: إذا شككت". قوله: (فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه)، الانتصاف: "في كلامه ما يدل على اعتقاده أن نوحًا صدر منه ما أوجب نسبة الجهل إليه، ومعاتبته على ذلك، وليس كذلك، فإنه تعالى وعده نجاة أهله إلا من سبق عليه القول، ولم يكن كاشفًا لحال ابنه، ولا مطلعًا عليه،
[ ٨ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وما كان يعتقد كفر ابنه حتى يخرج من الأهل، ويدخل في المستثنى، فلهذا سأل، وهذا بإقامة عذره أولى أن يكون عتبًا، فإن نوحًا ﵇ لا يكلفه الله تعالى علم ما استأثر به. وأما قوله: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ): أي: في المستقبل بعد أن أعلمه الله باطن أمره، وأنه إن سأل بعد ذلك كان من الجاهلين، أو نهي النبي عن أمر لا يقتضي صدوره عنه، ولذلك أمسك النبي واستعاذ منه". وقلت: قول المصنف: "وكان عليه أن يعتقد" إلى قوله: "وأن يخالجه شك حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين- أي: من الذين سبق عليهم القول-، لا من المستثنى منهم"، أي: من جملة الأهل في قوله: (احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ) حق، لأنه ﵇ حين قال لابنه: (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) - أي: من زمرتهم والمعدودين فيهم، وهو أبلغ من أن لو قال: "ولا تكن كافرًا"-، وأجابه بقوله: (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ) إلى قوله: (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ)، وجب عليه أن يعتقد أنه من المستثنين، ومثل هذه القضية من الأمارات، بل من الدلالات التي لا يبقى معه شك، فكيف قال: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)، أي: من المستثنى منهم البتة؟ ! حيث صدر بقوله: (رَبِّ) مستعطفًا، وأردفه بـ "إن" المؤكدة، وضم معه (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ)، وذيله بقوله: (وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ). قال القاضي: "استثناء من سبق عليه القول من أهله قد دله على الحال، وأغناه عن السؤال، لكن شغله حب الولد عنه، حتى اشتبه الأمر عليه".
[ ٨ / ٩٧ ]
[(قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ)].
(أَنْ أَسْئَلَكَ) من أن أطلب منك في المستقبل ما لا علم لي بصحته، تأدبًا بأدبك واتعاظًا بموعظتك (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي) ما فرط مني من ذلك (وَتَرْحَمْنِي) بالتوبة عليّ (أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ) أعمالًا.
[(قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ)].
وقرئ: "يا نوح اهبط" بضم الباء، (بِسَلامٍ مِنَّا) مسلمًا محفوظًا من جهتنا أو مسلمًا عليك مكرّمًا (وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ) ومباركًا عليك، والبركات الخيرات النامية، وقرئ: "وبركة" على التوحيد، (وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) يحتمل أن تكون "من" للبيان. فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة، لأنهم كانوا جماعات. أو قيل لهم: أمم، لأنّ الأمم تتشعب منهم،
_________________
(١) قوله: (والبركات: الخيرات النامية): قال الراغب: "البرك: صدر البعير، وبرك البعير: ألقى بركه، واعتبر منه اللزوم، وسمي محبس الماء: بركة، والبركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، قال تعالى: (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [الأعراف: ٩٦]، وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة، ولما كان الخير الإلهي يصدر على وجه لا يحس ولا يحصى قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك، وفيه بركة".
[ ٨ / ٩٨ ]
وأن تكون لإبداء الغاية أي: على أمم ناشئة ممن معك، وهي الأمم إلى آخر الدهر وهو الوجه.
وقوله (وَأُمَمٌ) رفع بالابتداء. و(سَنُمَتِّعُهُمْ) صفة، والخبر محذوف تقديره: وممن معك أمم سنمتعهم، وإنما حذف لأنّ قوله: (مِمَّنْ مَعَكَ) يدل عليه. والمعنى: أنّ السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشئون ممن معك، وممن معك أمم ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار، وكان نوحٌ ﵇ أبا الأنبياء، والخلق بعد الطوفان منه وممن كان معه في السفينة.
_________________
(١) قوله: (وأن تكون لابتداء الغاية): يريد: أن "من" في قوله: (مِمَّنْ مَعَكَ): إذا جعلت بيانية فالمراد بـ "الأمم": هم الذين كانوا معه في السفينة، وصح تسميتهم بالأمم لأنهم كانوا جماعة، وكل طائفة منها أمة، أو إنما سموا أممًا باعتبار مصير حالهم ومآل أمرهم، وإذا جعلت ابتدائية فالمراد بـ "الأمم": الذين ينشؤون منهم إلى آخر الدهر، وهذا أوجه؛ لما يلزم من الأول تسمية الجماعة القليلة بالأمم، ومن الثاني اعتبارا لمجاز بغير المبالغة. وأيضًا لا يحسن التقابل بين قوله: (وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ) وبين قوله: (أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) في الأول، كما يحسن في الوجه الأخير؛ فإن الناشئ من الذين في صحبته في السفينة فرقتان: فرقة مؤمنون داخلون تحت سلام الله وبركاته، وفرقة أخرى ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار، وإليه الإشارة بقوله: "إن السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك، وممن معك أمم ممتعون بالدنيا، منقلبون إلى النار"، ومن ثم قال: "وهو الوجه". وفي قطع الجملة الثانية بالابتداء عن سنن الجملة الأولى: الدلالة على أن التمتع الجسماني والاشتغال به يخرج الإنسان عن حكم الصالحين من عباده، وأن التبتل إلى الله يدخله في
[ ٨ / ٩٩ ]
وعن كعب بن محمد القرظي: دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنةٍ إلى يوم القيامة، وفيما بعده من المتاع والعذاب: كل كافر. وعن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض ثم أخرج منهم نسلا، منهم من رحم ومنهم من عذب. وقيل: المراد بالأمم الممتعة: قوم هود وصالح ولوط وشعيب.
[(تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)].
(تِلْكَ) إشارة إلى قصة نوح ﵇. ومحلها الرفع على الابتداء، والجمل بعدها أخبار، أي: تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك، مجهولة عندك وعند قومك (مِنْ قَبْلِ هذا) مِن قبل إيحائي إليك وإخبارك بها. أو من قبل هذا العلم الذي كسبته بالوحي. أو من قبل هذا الوقت،
_________________
(١) زمرة الأنبياء والصالحين، وينظر هذا إلى قوله: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)، وأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب. قوله: (والجمل بعدها أخبار): قال القاضي: " (نُوحِيهَا) خبر ثان، والضمير لها، أي: موحاة إليك، ويجوز أن يكون حالًا من "الأنباء"، وأن يكون هو الخبر، و(مِنْ): إما متعلق به، أو حال من الهاء في (نُوحِيهَا)، وقوله: (مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ) خبر ثالث، أي: مجهولة عندك وعند قومك، ويجوز أن يكون حالًا من [الهاء في] (نُوحِيهَا)، أو الكاف في (إِلَيْكَ)، أي: غير عالم أنت وقومك بها".
[ ٨ / ١٠٠ ]
(فَاصْبِرْ) على تبليغ الرسالة وأذى قومك، كما صبر نوح وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما قيض لنوح ولقومه (إِنَّ الْعاقِبَةَ) في الفوز والنصر والغلبة (لِلْمُتَّقِينَ).
وقوله (وَلا قَوْمُكَ) معناه: إنّ قومك الذين أنت منهم على كثرتهم ووفور عددهم إذا لم يكن ذلك شأنهم ولا سمعوه ولا عرفوه، فكيف برجلٍ منهم؟ ! كما تقول لم يعرف هذا عبد الله ولا أهل بلده.
[(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ* يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ* وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ)].
_________________
(١) قوله: (ما قيض لنوح)، الجوهري: "قيض الله فلانًا لفلان؛ أي: جاءه به وأتاحه- أي: قدره- له"، والذي قدر لنوح: هو النجاة، ولقومه: الهلاك. قوله: (لم يعرف هذا عبد الله ولا أهل بلده): إشارة إلى أن الأسلوب من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى- كقوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى) [البقرة: ١٢٠]- لقوله: "إن قومك على كثرتهم إذا لم يعرفوه، فكيف برجل منهم"، فوضع "برجل منهم" موضع "أنت" اعتبارًا للقلة، لتحصيل الترقي. ويجوز أن يكون من باب التكميل، لأن تلك الأنباء مقصوصة لتسلي رسول الله ﷺ من إيذاء قومه له، يدل عليه ترتب قوله: (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) عليها، ثم ضم إليه ما يتنبه به القوم على التهديد، كأنه قيل: إنما قصصنا عليك وعلى قومك قصة نوح ليكون تسليًا لك واعتبارًا لقومك.
[ ٨ / ١٠١ ]
(أَخاهُمْ) واحدًا منهم، وانتصابه للعطف على (أرسلنا نوحًا) [هود: ٢٥]، و(هُودًا) عطف بيان. و(غَيْرُهُ) بالرفع: صفة على محل الجار والمجرور. وقرئ: غيره، بالجرّ صفة على اللفظ (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) تفترون على الله الكذب باتخاذكم الأوثان له شركاء.
ما من رسولٍ إلا واجه قومه بهذا القول، لأنّ شأنهم النصيحة، والنصيحة لا يمحصها ولا يمحضها إلا حسم المطامع، وما دام يتوهم شيء منها لم تنجع ولم تنفع (أَفَلا تَعْقِلُونَ) إذ تردّون نصيحة من لا يطلب عليها أجرًا إلا من الله. وهو ثواب الآخرة، ولا شيء أنفى للتهمة من ذلك.
قيل: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) آمنوا به (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) من عبادة غيره، لأن التوبة لا تصلح إلا بعد الإيمان، و"المدرار": الكثير الدرور، كالمغزار. وإنما قصد استمالتهم إلى الإيمان وترغيبهم فيه بكثرة المطر وزيادة القوّة، لأنّ القوم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات، حراصًا عليها أشد الحرص،
_________________
(١) وفي قول المصنف: " (فَاصْبِرْ) على تبليغ الرسالة وأذى قومك، كما صبر نوح، وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما قيض لنوح ولقومه": إشعار به، وفي قوله تعالى: (إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ): تعريض بالمشركين، وتنبيه على الدمار. قوله: (لا يمحصها): محصت الذهب بالنار: إذا خلصته مما يشوبه. قوله: «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) آمنوا به، (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) من عبادة غيره): قال القاضي: "اطلبوا مغفرة الله [بالإيمان]، ثم توسلوا إليها بالتوبة، وأيضًا التبري عن الغير إنما يكون بعد الإيمان منهم بالله، والرغبة فيما عنده".
[ ٨ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال صاحب "الفرائد": الاستغفار: طلب الغفران، ويستلزم اعتقاد أن ما مضى ذنب، وهو يستلزم الإيمان، لأن ما مضى منهم كفر، والاستغفار ها هنا هو التوبة عن الكفر، فعلى هذا: قوله تعالى: (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) معناه: دوموا على التوبة؛ بدلالة "ثم"، ولأن الفعل يذكر ويراد به الثبات، كقوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه: ٨٢]. وقلت: الذي يقتضيه النظم حمل (اسْتَغْفِرُوا) على الاستغفار عن الذنوب بعد الإيمان، وحمل (تُوبُوا) على الدوام، كما يؤمر المسلمون بذلك، لأن قول هود لقومه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) متضمن للأمر بالإيمان واختصاص الله بالعبادة، كما سبق في الأعراف في قصة نوح: أن قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: ٥٩]، أي: بيان لتضمنه معنى اختصاص العبادة بالله، لأنه ﵇ قال لقومه وهم مشركون: (اعْبُدُوا اللَّهَ). وفائدة هذا الأمر الإيذان بأن العبادة المقرونة بالإشراك ليست عبادة في الحقيقة، فخصوه بالعبادة إن كنتم تعبدونه، ثم بين بقوله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) هذا المعنى، ثم لما أتبعه: (يَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)، وجب حمله على معنى زائد عليه، وهو ما قاله في مفتتح السورة: "استغفروا، والاستغفار التوبة، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها". وفيه أيضًا: أن الاستغفار سبب لإنزال البركات من السماء وكل خير، فيدخل في هذا
[ ٨ / ١٠٣ ]
فكانوا أحوج شيء إلى الماء. وكانوا مدلين بما أوتوا من شدّة القوّة والبطش والبأس والنجدة، مستحرزين بها من العدوّ، مهيبين في كل ناحية. وقيل: أراد القوّة في المال. وقيل: القوّة على النكاح وقيل: حبس عنهم القطر ثلاث سنين وعقمت أرحام نسائهم.
وعن الحسن بن عليّ ﵄ أنه وفد على معاوية، فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال: إني رجل ذو مال ولا يولد لي، فعلمني شيئًا لعلّ الله يرزقني ولدًا، فقال: عليك بالاستغفار، فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر في يوم واحدٍ سبع مئة مرة، فولد له عشرة بنين، فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته ممَّ قال ذلك، فوفد وفدة أخرى، فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود ﵇ (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ)، وقول نوح ﵇ (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ) [نوح: ١٢].
(وَلا تَتَوَلَّوْا) ولا تعرضوا عنى وعما أدعوكم إليه وأُرغبكم فيه (مُجْرِمِينَ)
_________________
(١) الأمر المسلمون أيضًا، كما رواه المصنف عن الحسن بن علي ﵄ في حديث معاوية رضيا لله عنه، ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون التكرار لتعليق زيادة خلا عنها الكلام الأول، وهو قوله: (يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ)؟ قلت: هذا سائغ، لكن هذا المعنى أليق بفصاحة القرآن، وأكثر فائدة. قوله: (وكانوا مدلين بما أوتوا من شدة القوة)، الجوهري: "وهو يدل بفلان، أي: يثق به"، قال أبو البقاء: " (يزدكم) متضمن لمعنى: يضفكم، ولهذا عدي بـ "إلى"، ويجوز أن يكون صفة لـ (قُوَّةً)، أي: قوة مضافة إلى قوتكم"، وقيل: أراد القوة في المال، قال السجاوندي: أي: قوة الإيمان إلى قوة الأبدان.
[ ٨ / ١٠٤ ]
مصرّين على إجرامكم وآثامكم.
[(قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)].
(ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) كذب منهم وجحود، كما قالت قريش لرسول الله ﷺ: (لولا أُنزل عليه آية من ربه) [يونس: ٢٠، الرعد: ٧ و٢٧]، مع فوت آياته الحصر (عَنْ قَوْلِكَ) حال من الضمير في "تاركي آلهتنا"، كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك (وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) وما يصح من أمثالنا أن يصدقوا مثلك
_________________
(١) وقلت: يمكن أن تفسر "القوة" بما في سورة نوح لقوله: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)، [نوح: ١٠ - ١٢]. قوله: (وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك): قدر "عن قولك" حالًا من فاعل (بِتَارِكِي)، قال السجاوندي: "عن" يستعمل في معنى الباء حقيقة، لا قائمًا مقامه، قال عن يقين وبيقين، وسأل به وعنه. وقلت: الأحسن أن يضمن "الترك" معنى: الصدور، فـ "عن" مثلها في قوله: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) [الكهف: ٨٢]، وقوله: ينهون عن أكل وعن شرب قوله: (وما يصح من أمثالنا أن يصدقوا مثلك): على أسلوب قولك: مثلك يجود، ومثلك لا يبخل، بمعنى: ما يصح منا أن نصدقك، وفيه المبالغة، وأشار بهذا إلى أن قوله: (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) تذييل للكلام السابق وتأكيد لمضمونه، كما في قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: ٥١ و٩٢] على وجه، وذلك أنهم لما قالوا: (مَا
[ ٨ / ١٠٥ ]
فيما يدعوهم إليه، إقناطًا له من الإجابة.
[(إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ)].
(اعْتَراكَ) مفعول (نقول)، و(إلا) لغو،
_________________
(١) جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) فهم منه أنه لا يصلح للنبوة وأن تصدق دعواه؛ لأن النبوة إنما تثبت بالمعجزة، ولا معجزة، ولما قالوا: (وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا) مؤكدًا للنفي بالباء، وللفاعل بإيلاء حرف النفي الضمير، علم أنهم ثابتون على ما هم عليه غير زائلين عنه، فجاؤوا بعد ذلك بقولهم: (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) توكيدًا لمضمون ذينك الكلامين، ليفيد ما قاله من الكناية. وتلخيصه: ما يصح منا- وصفتنا أنا ثابتون على ما نحن عليه- أن نصدقك، وصفتك أنك خلو عن حجة وبينة. فعمهما ليحسن التذييل. قوله: (إقناطًا [له] من الإجابة): مفعول له، أي: قالوا هذا القول إقناطًا له. قوله: «اعْتَرَاكَ» أي: أصابك، من: عراه يعروه: إذا أصابه. الراغب: "العرا- مقصور-: الناحية، وعراه واعتراه: قصد عراه، قال تعالى: (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ)، والعروة: ما يتعلق به من عراه، أي: ناحيته". قوله: «إِلَّا) لغو): أي: لا عمل لها في اللفظ، لكن لها عمل في المعنى، أما أنه لا عمل
[ ٨ / ١٠٦ ]
والمعنى: ما نقول إلا قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء، أي: خبلك ومسك بجنون لسبك إياها وصدّك عنها وعداوتك لها. مكافأة لك منها على سوء فعلك بسوء الجزاء، فمن ثم تتكلم بكلام المجانين وتهذى بهذيان المبرسمين.
_________________
(١) لها في اللفظ: فلأنه يؤتى بها لمعاونة الفعل في غير المفرغ، ذكره في "الإقليد"، ولا حاجة ها هنا إلى المعونة والواسطة، لأن الفعل فرغ للمعمول، وأما أن لها عملًا في المعنى: فلأن المراد: ما نقول قولًا إلا هذا القول، وهو اعتراك بعض آلهتنا، وقال ابن الحاجب: "العامل في الاستثناء ما قبله بواسطة "إلا" إذا كان فضلة". قوله: (ما نقول إلا قولنا: اعتراك): يريد: أن (اعْتَرَاكَ) مقول القول، أقيم مقام المصدر، وسبق الاختلاف فيه؛ أن المقول هل هو مفعول به أو مفعول مطلق؟ قوله: (خبلك)، الجوهري: "الخبل- بالتحريك-: الجن، يقال: به خبل، أي: شيء من أهل الأرض، وقد خَبَلَه وخبَّله واختبله: إذا أفسد عقله أو عضوه". قوله: (المبرسمين)، الجوهري: "البرسام: علة معروفة، وقد برسم الرجل فهو مبرسم"، وفي "الأسباب والعلامات": البرسام: ورم يحدث في الحجاب المعترض بين الكبد والمعدة،
[ ٨ / ١٠٧ ]
وليس بعجب من أولئك أن يسموا التوبة والاستغفار خبلا وجنونًا وهم عادٌ أعلام الكفر وأوتاد الشرك. وإنما العجب من قوم من المتظاهرين بالإسلام سمعناهم يسمون التائب من ذنوبه مجنونا والمنيب إلى ربه مخبلا، ولم نجدهم معه على عُشر مما كانوا عليه في أيام جاهليته من الموادّة، وما ذاك إلا لعِرقٍ من الإلحاد أبى إلا أن ينبض، وضب من الزندقة أراد أن يطلع رأسه.
_________________
(١) فيزول العقل لاتصال هذا الحجاب بحجب الدماغ. قوله: (وهم عاد أعلام الكفر): ذكر "عاد" مقحم لمزيد تقرير كفرهم، وأنهم مشهورون فيه، حيث صار اسمهم في العتو كالوصف، كما يقال: هو حاتم الجود. قوله: (المتظاهرين بالإسلام): التظاهر: تفاعل؛ من الظهور. قوله: (وضب من الزندقة) أي: غل، الأساس: "ومن المجاز: في قلبه ضب؛ أي: غل داخل، كالضب المعن في جحره، قال سابق: ولا تك ذا وجهين يبدي بشاشة … وفي صدره ضب من الغل كامن" قوله: (أن ينبض) و(أن يطلع): كالترشيحين، وإنما قلت: "كالترشيحين"؛ لأن "من الإلحاد" و"من الزندقة" أخرجا "العرق" و"الضب" أن يكونا مستعارين، كقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧].
[ ٨ / ١٠٨ ]
وقد دلت أجوبتهم المتقدّمة على أنّ القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت ولا يلتفتون إلى النصح. ولا تلين شكيمتهم للرشد. وهذا الأخير دال على جهل مفرط وبلهٍ متناه، حيث اعتقدوا في حجارة أنها تنتصر وتنتقم، ولعلهم حين أجازوا العقاب كانوا يجيزون الثواب.
من أعظم الآيات أن يواجه بهذا الكلام رجل واحد أمّة عطاشًا إلى إراقة دمه. يرمونه عن قوس واحدة، وذلك لثقته بربه وأنه يعصمه منهم، فلا تنشب فيه مخالبهم. ونحو ذلك قال نوح ﵇ لقومه (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ) [يونس: ٧١]، أكد براءته من آلهتهم وشركهم ووثقها بما جرت به عادة الناس من توثيقهم الأمور بشهادة الله وشهادة العباد، فيقول الرجل: الله شهيد على أنى لا أفعل كذا، ويقول لقومه: كونوا شهداء على أنى لا أفعله.
فإن قلت: هلا قيل: إني أشهد الله وأشهدكم؟ قلت: لأنّ إشهاد الله على البراءة من الشرك إشهاد
صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد وشدّ معاقده،
_________________
(١) قوله: (وقد دلت أجوبتهم المتقدمة): وهي (مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) إلى قوله: (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) [هود: ٥٣]، ودلالتها على غلظ قلوبهم من حيث تلك التوكيدات التي أشرنا إليها، وهذا الأخير- وهو قوله: (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) - دال على جهل مفرط. قوله: (من أعظم الآيات أن يواجه بهذا): "أن يواجه": مبتدأ، و"من أعظم": الخبر، والمشار إليه بقوله: "هذا": قوله: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ) إلى آخر الآية، لأنه ﵇ قابلهم في التوكيد، وزاد عليهم. قوله: (إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد) إلى آخره، الانتصاف: "تلخيص
[ ٨ / ١٠٩ ]
وأمّا إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم فحسب، فعدل به عن لفظ الأوّل لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر بالشهادة، كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه. اشهد علي أني لا أحبك، تهكما به واستهانة بحاله.
_________________
(١) كلام الزمخشري أن صيغة الخبر تقتضي الإخبار بوقوع المخبر به، وإشهاده لله حقيقة، وإشهاده إياهم لما لم يكن حقيقة كان من مجاز ورود الأمر بمعنى التهديد، ويحتمل أن يكون إشهاده لهم حقيقة لإقامة الحجة، وعدل عن الخبر إلى الأمر ليميز خطابهم عن خطاب الله تعالى". وقلت: الأول هو الوجه، لأنه قد تقرر في البيان أن إجراء الكلام على مقتضى الظاهر لا يتضمن من النكتة واللطيفة ما يتضمنه الإجراء على خلاف المقتضى، فإن قوله: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ) كلام جار على الإخبار عن براءته من شركهم، فيفيد ما قال: "إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد، وأما قوله: (وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) فغير جار على مقتضاه، لأن أحدًا لا يقول لعدوه المناوئ: اشهد أني بريء عنك، إلا أنه ينبهه بأنه لا يبالي به، ولا يخاف غوائله، وإليه الإشارة بقوله: "فما هو إلا تهاون بهم". قوله: (يبس الثرى)، الأساس: "والتقى الثريان: مثل في سرعة تواد الرجلين، وأصله: أن يسقط الغيث الجود، فيلتقي نداه وندى الأرض العتيق تحتها. ولا توبس الثرى بيني وبينك؛ أي: لا تقاطعني، قال جرير: ولا توبسوا بيني وبينكم الثرى … فإن الذي بيني وبينكم مثري" الجوهري: "ما بيني وبينك مثر، أي: أنه لم ينقطع، وهو مثل، كأنه قال: لم ييبس الثرى
[ ٨ / ١١٠ ]
(مِمَّا تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِهِ) من إشراككم آلهة من دونه، أو مما تشركونه من آلهة من دونه، أي: أنتم تجعلونها شركاء له، ولم يجعلها هو شركاء. ولم ينزل بذلك سلطانًا،
_________________
(١) بيني وبينك، وفي الحديث: (بلوا أرحامكم ولو بالسلام) "؛ استعار "البل" لمعنى الوصل، واليبس: بمعنى القطع. قوله: (أو مما تشركونه من آلهة): فعلى هذا: "ما" موصولة، ولهذا جاء بالضمير المحذوف، و"من آلهة" بيان "ما"، و"من دونه" صفة "آلهة"، أو حال من فاعل "تشركون"، أي: تشركون مجاوزين الله تعالى في هذا الحكم، فإنهم إذا حكموا بغير ما حكم الله تعالى به فقد جاوزوا حكمه. وعلى الأول: "ما" مصدرية، و"دون" بمعنى: غير، صفة أيضًا، كما قدره: "من إشراككم آلهة من دونه"، أي: غيره.
[ ٨ / ١١١ ]
(فَكِيدُونِي جَمِيعًا) أنتم وآلهتكم أعجل ما تفعلون، من غير إنظار، فإني لا أبالي بكم وبكيدكم، ولا أخاف معرّتكم وإن تعاونتم عليّ وأنتم الأقوياء الشداد، فكيف تضرني آلهتكم، وما هي إلا جماد لا تضر ولا تنفع، وكيف تنتقم مني إذا نلت منها وصددت عن عبادتها، بأن تخبلنى وتذهب بعقلي.
[(إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)].
ولما ذكر توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم، وصفه بما يوجب التوكل عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم، من كون كل دابة في قبضته وملكته وتحت قهره وسلطانه،
_________________
(١) قوله: (أعجل ما تفعلون): "أعجل": منصوب على الظرف من قوله: (فَكِيدُونِي)، أي: فكيدوني زمانًا أعجل أوقات ما تفعلون، كقوله: أخطب ما يكون الأمير. قوله: (فكيف تضرني آلهتكم): هذا يؤذن أن قوله: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) جواب عن قولهم: (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا) على المبالغة، وأن قوله: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) مقدمة وتمهيد للجواب، فإنهم لما سموها آلهة، وأثبتوا لها الضرر، نفى هو بقوله: (أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) كونهم آلهة رأسًا، ثم نفى الضرر بقوله: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) على أبلغ وجه، كما قال: لا أخاف فسادكم ومضرتكم، فكيف بالجماد الذي هو أوهن من بيت العنكبوت. قوله: (نلت منها): أي: عبتها واشتفيت غيظي منها. قوله: (وصفه بما يوجب التوكل عليه): أي: في هذا المقام، ويدل أنه ﵇ رتب
[ ٨ / ١١٢ ]
والأخذ بنواصيها، تمثيل لذلك (إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) يريد: أنه على طريق الحق والعدل في ملكه، لا يفوته ظالم، ولا يضيع عنده معتصم به.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) فإن تتولوا. فإن قلت: الإبلاغ كان قبل التولي، فكيف وقع جزاء للشرط؟ قلت: معناه فإن تتولوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ، وكنتم محجوجين بأنّ ما أرسالات به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول (وَيَسْتَخْلِفُ) كلام مستأنف، يريد: ويهلككم الله،
_________________
(١) حكم توكله على الله والالتجاء إليه من كيدهم على الوصف المناسب، أثبت بقوله: (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) صفة المالكية والقهارية، وبقوله: (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وصف العدل، فلكونه مالكًا لا يفوته أحد، ولكونه قاهرًا لا يعجزه شيء، ولكونه عادلًا لا يضع كل شيء إلا في موضعه، فمن يكون كذلك فمن حق الملتجئ أن لا يلتجئ إلا إليه. قوله: (الإبلاغ كان قبل التولي): يعني: من حق الجزاء أن يكون مسببًا عن الشرط، والسبب مقدم على المسبب، فما باله مؤخر؟ والجواب: أن الجزاء مبني على الإخبار والإعلام والتوبيخ، يعني: توليكم عما جئت به من الحق سبب لأن أخبركم أني ما قصرت في التبليغ، وأنكم تجاوزتم حد الإنصاف، وأبيتم قبول الحق، وكنتم محجوجين، لأن الغرض في إرسال الرسل الإبلاغ، فقد حصل ذلك، فلزمتكم الحجة، قال القاضي: " (فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ) فقد أديت ما علي من الإبلاغ وإلزام الحجة". قوله: «وَيَسْتَخْلِفُ) كلام مستأنف): أي: ليس بداخل في حيز الجملة الشرطية جزاء عنه، كما في الوجه الثاني، بل يكون جملة مستقلة برأسها، معطوفة على الجملة الشرطية،
[ ٨ / ١١٣ ]
ويجيء بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم، (وَلا تَضُرُّونَهُ) بتوليكم (شَيْئًا) من ضرر قط، لأنه لا يجوز عليه المضارّ والمنافع، وإنما تضرون أنفسكم.
وفي قراءة عبد الله: "ويستخلف" بالجزم. وكذلك: "ولا تضروه"؛ عطفًا على محل (فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ) والمعنى: إن يتولوا يعذرني ويستخلف قومًا غيركم ولا تضروا إلا أنفسكم.
(عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) أي: رقيب عليه مهيمن، فما تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم. أو من كان رقيبًا على الأشياء كلها حافظًا لها وكانت مفتقرة إلى حفظه من المضارّ، لم يضر مثله مثلكم.
[(وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ)].
_________________
(١) ـ .. مؤذنة بأن الحجة قد لزمتهم بإبلاغ الرسول ما عليه من التبليغ وتوليهم عنه، وأن الله يهلكهم ويستخلف في ديارهم قومًا غيرهم، فعلى هذا: الجملة الشرطية برأسها إخبار بإلزام الحجة عليهم، والجملة الثالثة ابتداء إخبار باستخلاف غيرهم بعد إهلاكهم. قوله: (أو: من كان رقيبًا على الأشياء كلها): على هذا الوجه: (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) كالتعليل لقوله: (وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا)، وعلى الأول: تعليل لقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ) ولقوله: (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ).
[ ٨ / ١١٤ ]
(وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) قيل: كانوا أربعة آلاف. فإن قلت: ما معنى تكرير التنجية؟ قلت: ذكر أولًا أنه حين أهلك عدوهم نجاهم، ثم قال: (وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) على معنى: وكانت تلك التنجية من عذاب غليظ، وذلك أنّ الله ﷿ بعث عليهم السموم فكانت تدخل في أنوفهم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضوًا عضوًا. وقيل: أراد بالثانية التنجية من عذاب الآخرة، ولا عذاب أغلظ منه وأشدّ.
وقوله: (برحمة منا): يريد: بسبب الإيمان الذي أنعمنا عليهم بالتوفيق له.
[(وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ* وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ)].
(وَتِلْكَ عادٌ) إشارةٌ إلى قبورهم وآثارهم، كأنه قال: سيحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا، ثم استأنف وصف أحوالهم،
_________________
(١) قوله: (أراد بالثانية التنجية من عذاب الآخرة): الحاصل: أن التكرير لتعليق أمر زائد على الأول؛ إما بحسب الإبهام والتفسير، على نحو: أعجبني زيد وكرمه، وإما بحسب التغاير في الذات. قوله: «وَتِلْكَ عَادٌ) إشارة إلى قبورهم): قال القاضي: "أنث اسم الإشارة باعتبار القبيلة، أو لأن الإشارة إلى قبورهم وآثارهم". وقلت: كأنه آذن بتصوير تلك القبيلة في الذهن، ثم أشار إليها وجعلها خبرًا للمبتدأ لمزيد الإبهام، فيحسن التفسير بقوله: (جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) كل الحسن لمزيد الإجمال والتفصيل، وينصر الثاني أن هذه الآية واردة بعد هلاك القوم.
[ ٨ / ١١٥ ]
فقال: (جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ)، لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله، (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) [البقرة: ٢٨٥]، قيل: لم يرسل إليهم إلا هود وحده (كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) يريد رؤساءهم وكبراءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل. ومعنى اتباع أمرهم: طاعتهم.
ولما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين تكبهم على وجوههم في عذاب الله. و(أَلا) وتكرارها مع النداء على كفرهم والدعاء عليهم: تهويل لأمرهم وتفظيع له، وبعث على الاعتبار بهم والحذر من مثل حالهم.
فإن قلت: (بُعْدًا) دعاء بالهلاك، فما معنى الدعاء به عليهم بعد هلاكهم؟ قلت: معناه الدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له: ألا ترى إلى قوله:
إخْوَتِى لَا تَبْعَدُوا أبَدًا … وَبَلَى وَاللَّهِ قَدْ بَعِدُوا
_________________
(١) قوله: (لأنهم إذا عصوا رسولهم): فيه حذف، أي: إنما قيل: (وَعَصَوْا رُسُلَهُ)، وما هو إلا رسول، لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله، كقوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء: ١٠٥]. قوله: (ولما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم): يعني: لما تبع عاد أمر كل جبار عنيد، وعصوا رسل الله، وكذبوا بآيات ربهم، جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين. وفيه: أنهم لو عكسوا جعلت الرحمة تابعة لهم في الدارين، يدل عليه قوله تعالى: (نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا). قوله: (و(أَلَا) وتكرارها): عطف على لفظة (أَلَا) على منوال التفسير. قوله: (إخوتي لا تبعدوا أبدًا) البيت: أي: كانوا في حال حياتهم مستأهلين لأن يقال
[ ٨ / ١١٦ ]
(قَوْمِ هُودٍ) عطف بيان لعاد: فإن قلت: ما الفائدة في هذا البيان والبيان حاصل بدونه؟ قلت: الفائدة فيه أن يوسموا بهذه الدعوة وسمًا، وتجعل فيهم أمرًا محققًا لا شبهة فيه بوجه من الوجوه، ولأنّ عادًا عادان: الأولى: القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم، والأخرى: إرم.
_________________
(١) لهم: لا تبعدوا أبدًا، كأنه يتعرض في المصراع الثاني على نفسه بقوله: "وبلى والله قد بعدوا"، على أنك لم قلت: لا تبعدوا؟ هذه ألفاظ يستعملونها عند المصائب، وليس فيها طلب ولا سؤال، وإنما هي تنبيه على شدة الأمر، وتفاقم الجزع، وتناهي التفجع. قوله: (الفائدة فيه أن يوسموا بهذه الدعوة وسمًا، وتجعل فيهم أمرًا محققًا): وذلك أن قوله: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا) إلى قوله: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ)، بعد قوله: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا)، للدلالة على القطع في أنهم إنما استحقوا لعنة الدارين لما جحدوا بآيات الله، وعصوا رسله، وتجبروا، على منوال قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: ٥]، بعد قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [البقرة: ٣]. ولما أراد أن يسجل عليهم بالطرد والهلاك، ويجعله كالوسم بهم، أوقع هذا الدعاء خاتمة لقصتهم، مصدرًا بحرف التنبيه المتلقية للقسم، وأوقع (قَوْمِ هُودٍ) بيانًا وصفة لذكرهم، قال الإمام: "المبالغة في التنصيص تدل على مزيد التأكيد". وأما الوجه الثاني- وهو قوله: "ولأن عادًا عادان"- فضعيف، لأنه لا لبس في أن عادًا هذه ليست إلا قوم هود، لتصريح اسمه وتكريره في القصة، قيل: عاد الأولى: هي عاد إرم ابن سام بن نوح، وعاد الآخرة: قوم لقيم بن هلال بن هذيم، هكذا في "العرائس".
[ ٨ / ١١٧ ]
[(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ* قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ* قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ* وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَاكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ* فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ*
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ* وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ* كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ)].
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) لم ينشئكم منها إلا هو، ولم يستعمركم فيها غيره. وإنشاؤهم منها خلق آدم من التراب (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) وأمركم بالعمارة، والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار،
_________________
(١) قوله: (لم ينشئكم منها إلا هو): الحصر مستفاد من تقديم الفاعل المعنوي، لأنه مثل: أنا كفيت همك، وأنا قضيت حاجتك. قوله: (والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه): فالواجب: مثل سد الثغور، والقناطر المبنية على الأنهر المهلكة، والمسجد الجامع في مصر، والمندوب: كالمسجد والقناطر والمدارس والربط، والمباح: كالبيوت التي يسكن فيها ويكن بها، والحرام: كأبنية الظلمة وغيرهم للمباهاة، واسأل الله المغفرة والتوبة.
[ ٨ / ١١٨ ]
وعمروا الأعمار الطوال، مع ما كان فيهم من عسف الرعايا، فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم، فأوحى إليه: إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي.
وعن معاوية بن أبي سفيان: أنه أخذ في إحياء الأرض في آخر أمره، فقيل له، فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل:
لَيْسَ الفَتَى بِفَتيً لَا يُسْتَضَاءُ بِهِ … وَلَا تَكُونُ لَهُ فِى الأَرْضِ آثَارُ
وقبل: استعمركم من العمر، نحو استبقاكم من البقاء، وقد جعل من العمرى. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون "استعمر" في معنى أعمر، كقولك "استهلكه" في معنى أهلكه، ومعناه: أعمركم فيها دياركم، ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم. والثاني أن يكون بمعنى جعلكم معمرين دياركم فيها، لأنّ الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنما أعمره إياها، لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لغيره.
(قَرِيبٌ) داني الرحمة سهل المطلب، (مُجِيبٌ) لمن دعاه وسأله.
_________________
(١) قوله: (وقد جعل من العمرى)، الجوهري: "أعمرته دارًا أو أرضًا أو إبلًا: إذا أعطيته إياها، وقلت: هي لك عمري أو عمرك، فإذا مت رجعت إلي، والاسم: العمرى". قوله: «قَرِيبٌ) داني الرحمة سهل المطلب): نحو قول الشاعر: الله أنجح ما طلبت به وفي تعليل الاستغفار والتوبة بما يعلل به الدعاء من كونه قريبًا مجيبًا، كقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي) [البقرة: ١٨٦]: الدلالة على أن
[ ٨ / ١١٩ ]
(فِينا) فيما بيننا (مَرْجُوًّا) كانت تلوح فيك مخايل الخير وأمارات الرشد فكنا نرجوك لننتفع بك، وتكون مشاورًا في الأمور ومسترشدًا في التدابير، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك. وعن ابن عباس: فاضلًا خيرًا نقدّمك على جميعنا. وقيل: كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه (يَعْبُدُ آباؤُنا) حكاية حال ماضية (مُرِيبٍ) من: أرابه: إذا أوقعه في الريبة، وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين. أو من: أراب الرجل: إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازى.
قيل: (إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) بحرف الشك وكان على يقينٍ أنه على بينة، لأنّ خطابه للجاحدين، فكأنه قال: قدّروا أني على بينة من ربي، وأني نبيّ على الحقيقة، وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربى في أوامره، فمن يمنعني من عذاب الله؟
_________________
(١) مجرد الاستغفار أيضًا سؤال ودعاء، ويؤيده قوله تعالى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) [نوح: ١٠ - ١٢] الآية، كما سبق في قصة الحسن ابن علي ﵄. قوله: (نرجوك لننتفع بك، وتكون مشاورًا في الأمور، ومسترشدًا في التدابير): وذلك لإطلاق الرجاء في قولهم: (مَرْجُوًّا). قوله: (من: أراب الرجل: إذا كان ذا ريبة): أي: لفي شك ذي ريبة، نحو قولهم: جد جده. قوله: (لأن خطابه للجاحدين): يعني: إنما قال: (إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ) بحرف
[ ٨ / ١٢٠ ]
(فَما تَزِيدُونَنِي) إذن حينئذ، (غَيْرَ تَخْسِيرٍ) يعني: تخسرون أعمالي وتبطلونها، أو فما تزيدونني بما تقولون لي وتحملونني عليه غير أن أخسركم، أي: أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم إنكم خاسرون.
(آيَةً) نصب على الحال قد عمل فيها ما دلّ عليه اسم الإشارة من معنى الفعل. فإن قلت: فبم يتعلق (لَكُمْ)؟ قلت: بـ (آية) حالًا منها متقدّمة، لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها، فلما تقدمت انتصبت على الحال،
_________________
(١) ـ الشك، مع أنه على يقين، لأنه من الكلام المنصف، يستدرجهم ويقول: قدروا على زعمي أني على حق، ثم أني عصيت ربي، فلابد أن الله تعالى ينتقم مني، فتفكروا هل تقدرون أن تمنعوا عذاب الله مني، بل ما تزيدونني غير تخسير. قوله: (إذن حينئذ): أكد "إذن" بـ "حينئذ" ليختص بالظرفية. قوله: (فلما تقدمت انتصبت على الحال): قيل: هذا قول لم يقل به أحد، لما يلزم منه أن يكون الحال ذا الحال، والأولى: (لَكُمْ) حال عمل فيها معنى الإشارة، و(آَيَةً) حال من الضمير المستتر فيه، فيكونان حالين متداخلين. وقلت: وقد قال به أبو البقاء والكواشي، وقال الواحدي: " (آيَةً) جازت أن تكون حالًا بمعنى: دالة، فلا امتناع حينئذ [من] وقوعها ذا حال باعتبار الضمير"، وقال الزجاج: "إن نصب (آيَةً) على الحال، المعنى: إذا قال: هذه ناقة الله لكم آية أو آية لكم، فكأنه قال: انتبهوا لها في هذه الحال".
[ ٨ / ١٢١ ]
(عَذابٌ قَرِيبٌ) عاجلٌ لا يستأخرُ عن مسكم لها بسوء إلا يسيرًا، وذلك ثلاثة أيام ثم يقع عليكم.
(تَمَتَّعُوا) استمتعوا بالعيش، (فِي دارِكُمْ) في بلدكم، وتسمى البلاد: الديار، لأنه يدار فيه أي: يتصرف. يقال: "ديار بكر" لبلادهم. وتقول العرب الذين حوالى مكة: نحن من عرب الدار، يريدون: من عرب البلد. وقيل: في دار الدنيا. وقيل: عقروها يوم الأربعاء وهلكوا يوم السبت (غَيْرُ مَكْذُوبٍ) غير مكذوب فيه،
_________________
(١) وقلت: المقصود من هذا التركيب اتصاف المشار إليه بالحال، وتنبيه المخاطب عليه، كما أنك إذا قلت لمن يعرف زيدًا: هذا زيد قائمًا، تفيده التنبيه على قيامه فقط، وسيجيء تحقيقه في قوله: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) [هود: ٧٢]، فعلى هذا: فيه التنبيه للقوم على اتصاف الناقة بكونها آية، ثم بيان أن تلك الآية بمن تختص، وقد قال المصنف رحمه الله تعالى في الأعراف: " (لَكُمْ) بيان لمن هي له آية موجبة عليه الإيمان". قوله: «تَمَتَّعُوا) استمتعوا بالعيش)، الراغب: "المتوع: الامتداد والارتفاع، يقال: متع النهار، ومتع النبات: ارتفع، والمتاع: انتفاع ممتد الوقت، يقال: متعه الله بكذا، وأمتعه، وتمتع به. وكل موضع ذكر فيه "تمتعوا" في الدنيا فعلى طريق التهديد، وذلك لما فيه من معنى التوسع، قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) [البقرة: ٣٦] تنبيهًا على أن لكل إنسان من الدنيا تمتع مدة معلومة، وقوله تعالى: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) [النساء: ٧٧] تنبيهًا على أن ذلك في جنب الآخرة غير معتد به، ويقال لما ينتفع به في البيت: متاع، قال تعالى: (ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ) [الرعد: ١٧]، وكل ما ينتفع به على وجه فهو متاع، والمتعة: ما تعطى المطلقة لتنتفع بها مدة عدتها، ومتعة النكاح: أن تشارط المرأة بمال معلوم إلى أجل معلوم، فإذا انقضى فارقها من غير طلاق".
[ ٨ / ١٢٢ ]
فاتسع في الظرف بحذف الحرف، وإجرائه مجرى المفعول به، كقولك: يوم مشهود، من قوله:
وَيَوْمَ شَهِدْنَاهُ
أو على المجاز، كأنه قيل للوعد: نفي بك، فإذا وفى به فقد صدق ولم يكذب، أو وعد غير كذب، على أنّ "المكذوب" مصدر، كالمجلود والمعقول، وكالمصدوقة بمعنى الصدق.
_________________
(١) ـ. قوله: (ويوم شهدناه): تمامه: سليمان وعامرًا … قليل سوى الطعن الدراك نوافله ويروى: "الطعن النهال". و"النهال": جمع ناهل، مثل: طلاب وطالب، والناهل: الريان والعطشان، وهو صفة "الطعن"، يريد: يروي الرماح العطاش؛ يصف معركة، "شهد": يتعدى إلى مفعول واحد، وها هنا تعدى إلى مفعولين، "قليل": صفة "يوم"، و"نوافله" فاعل "قليل"، والنافلة: العطية إذا كانت تطوعًا، وأسقط لفظة "في" من اللفظ، وسيجيء تمامه بعيد هذا.
[ ٨ / ١٢٣ ]
(وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) قرئ مفتوح الميم لأنه مضاف إلى "إذ"، وهو غير متمكن، كقوله:
عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا
فإن قلت: علام عطف؟ قلت: على (نجينا)، لأنّ تقديره: ونجيناهم من خزى يومئذ، كما قال: (وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) [هود: ٥٨]،
_________________
(١) ـ. قوله: «وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) قرئ مفتوح الميم): نافع والكسائي، والباقون: بكسرها. قوله: (على حين عاتبت المشيب على الصبا): تمامه: وقلت ألما تصح والشيب وازع الهمزة في "ألما": للاستفهام، و"لما": من الجوازم، و"تصح": من: صحا يصو: إذا أفاق من سكره، "وازع": كاف مانع؛ من الوزع: الكف، يقول: إنه لما عرف الديار التي كان حل بها من يهواه بكى، وعاوده وجده، فعاتب نفسه على صبابتها وعذلها، وقال: "ألما تصح"، أي: آن لك أن تصحو ويزول عنك ما كنت تجده من الغرام في صباك، فإن الشيب كاف عن أمثال هذا. قوله: (على (نَجَّيْنَا»: لم يرد أن نفس الجار والمجرور عطف على نفس الفعل، فلا يقدر له متعلق، ويعطف، بل يقدر وتعطف الجملة على الجملة، ليكون على وزان قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) [هود: ٥٨]، وتلخيصه: ولما جاء أمرنا نجينا صالحًا من عذاب الدنيا، ونجيناه من خزي يوم القيامة.
[ ٨ / ١٢٤ ]
على: وكانت التنجية من خزى يومئذ، أي: من ذله ومهانته وفضيحته، ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه يغضب الله وانتقامه. ويجوز أن يريد بـ (يومئذ) يوم القيامة، كما فُسر "العذاب الغليظ" بعذاب الآخرة.
وقرئ (أَلا إِنَّ ثَمُودَ) و(لِثَمُودَ) كلاهما بالصرف وامتناعه، فالصرف للذهاب إلى الحىّ أو الأب الأكبر، ومنعه للتعريف والتأنيث، بمعنى القبيلة.
[(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ* فَلَمَّا رَأي: أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ* وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ* قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ* قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)].
(رُسُلُنا) يريد: الملائكة، عن ابن عباس: جاءه جبريل ﵇ وملكان معه،
_________________
(١) ـ قوله: (من خزي يومئذ، أي: من ذله ومهانته)، الراغب: "خزي الرجل: لحقه انكسار؛ إما من نفسه أو من غيره، فالأول: هو الحياء المفرط، ومصدره: الخزاية، والثاني: هو ضرب من الاستخفاف، ومصدره: الخزي، وعلى ما قلنا في "خزي" قولهم: ذل وهان، فإن ذلك متى كان من الإنسان نفسه يقال له: الهون والذل، ويكون محمودًا، ومتى كان من غيره يقال له: الهوان والذل، ويكون مذمومًا". قوله: (وقرئ: (أَلا إِنَّ ثَمُودَا»: حمزة وحفص، والباقون: بالتنوين. والكسائي: "ألا بعدًا لثمود" بالتنوين، والباقون: بفتح الدال من غير تنوين.
[ ٨ / ١٢٥ ]
وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل: كانوا تسعة، وعن السدي: أحد عشر (بِالْبُشْرى) هي البشارة بالولد، وقيل: بهلاك قوم لوط، والظاهر: الولد (سَلامًا) سلمنا عليك سلامًا (سَلامٌ) أمركم سلام،
_________________
(١) قوله: (والظاهر: الولد): اعلم أن البشارة هي الإخبار بما يظهر سرور المخبر به، والظاهر: هو اللفظ المحتمل الراجح أحد محتملاته بقرينة، وها هنا: (بِالْبُشْرَى) حال من (رُسُلُنَا)، أي: لقد جاءت رسلنا ملتبسين بالبشرى، وهي مطلقة صالحة لكل ما يحصل به سرور المخبر، فعقبت بقوله: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، وبقوله: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ). ومن قال: إن البشرى هلاك قوم لوط، ذهب إلى أن هلاك الظلمة من أجل ما يبشر به المؤمن، قال الله تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: ٤٥]، وإليه الإشارة بقوله: "فضحكت سرورًا بهلاك أهل الخبائث". ولا شك أن الأول أظهر دلالة من الثاني؛ لتصريح ذكر البشارة فيه. ثم قوله: (وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى): التعريف فيه للعهد الخارجي، فإذا جعل المعهود ما يفهم من قوله: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) كان من قبيل التعريف في "الذكر" في قولها: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) [آل عمران: ٣٦] الراجع إلى معنى قوله: (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) [آل عمران: ٣٥]، فإنه دال على أن المطلوب كان ذكرًا، وإذا جعل المعهود معنى قوله: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ) كان من قبيل قولك: انطلق الرجل، والمنطلق ذو جد. ولا ارتياب أن الثاني أظهر، ولذلك قال محيي السنة: " (وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى) بإسحاق ويعقوب"، وأشار إليه المصنف بقوله: "لما اطمأن قلبه بعد الخوف، وملئ سرورًا بدل الغم، فرغ للمجادلة"، ولناصر الثاني أن يقول: إن هذه البشرى في مقابلة قوله: (فَبَشَّرْنَاهَا)، فكما أن امرأته ﵇ ضحكت وتعجبت من تلك البشارة، و(قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا
[ ٨ / ١٢٦ ]
وقرئ: "فقالوا سلمًا قال سلم"؛ بمعنى: السلام. وقيل: سلمٌ وسلام، كحرم وحرام، وأنشد:
_________________
(١) عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا)، وهذا نوع من الجدال، كذلك إبراهيم ﵇ لما بشر بهلاك القوم اهتم بشأن المؤمنين، وجادل الرسل فيهم، والله أعلم. قوله: (وقرئ: "فقالوا سلمًا"): حمزة والكسائي: بكسر السين وإسكان اللام، والباقون: بفتح السين واللام وألف بعدها، قال الزجاج: "وأما "سلم": فعلى معنى: أمري سلم"، أي: لست ممن يريد غير السلامة والصلح. الراغب: "السلام والسلامة: التعري من الآفات الظاهرة والباطنة، قال تعالى: (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: ٨٩]، أي: متعر من الدغل، فهذا في الباطن، وقال تعالى: (مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا) [البقرة: ٧١]، فهذا في الظاهر، والسلامة في الحقيقة ليست إلا في الجنة، لأن فيها بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعزًا بلا ذل، وصحة بلا سقم، قال الله تعالى: (فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ) [الذاريات: ٢٥]، وإنما رفع الثاني؛ لأنه في باب الدعاء أبلغ، فكأنه تحرى في باب الأدب المأمور به في قوله: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) [النساء: ٨٦]. ومن قال: "سلم"، فلأن السلام لما كان يقتضي السلم، وكان إبراهيم أوجس منهم خيفة، فلما رآهم مسلمين تصور من تسليمهم أنهم قد بذلوا له سلمًا، فقال في جوابهم: "سلم"، تنبيهًا على أن ذلك من جهتي لكم كما حصل من جهتكم لي".
[ ٨ / ١٢٧ ]
مَرَرْنَا فَقُلْنَا إيِه سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ … كَمَا اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الْغَمَامُ اللَّوَائِحُ
(فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ) فما لبث في المجيء به، بل عجل فيه، أو فما لبث مجيئه. و"العجل": ولد البقرة، ويسمى: الحسيل والخبش بلغة أهل السراة، وكان مال إبراهيم ﵊ البقر،
_________________
(١) قال أبو علي: "أما انتصاب (سَلَامًا): فإنه لم يحك شيئًا تكلموا به، فيحكى كما تحكى الجمل، وهو معنى ما تكلمت به الرسل، كما أن القائل إذا قال: "لا إله إلا الله"، فقلت: حقًا، أعملت القول في المصدر، لأنك ذكرت معنى ما قال، ولم تحك نفس الكلام الذي هو جملة تحكى، وكذلك نصب (سَلَامًا)، لما كان معنى ما قيل، ولم يكن نفس المقول بعينه، وأما (سَلَامٌ) فهو مرفوع، لأنه من جملة الجملة المحكية، والتقدير: سلام عليكم، فحذف الخبر". والمصنف حكى كلامهم، وقدر الناصب، ليكون العدول منه إلى الرفع أبلغ، تأسيًا بقوله تعالى: (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) [النساء: ٨٦]، كما أشار إليه الراغب. قوله: (مررنا فقلنا: إيه) البيت: "إيه": اسم فعل، ومعناه: زد، ونظيرها: أف. النهاية: "هي كلمة يراد بها الاستزادة، وهي مبنية على الكسر، فإذا وصلت نونت فقلت: إيه حدثنا". اكتل البرق: لمع، سحاب مكتل: ملمع، يقول: سلمنا فردت السلام بالبشاشة والطلاقة مثل البرق اللامع.
[ ٨ / ١٢٨ ]
(حَنِيذٍ) مشويّ بالرضف في أخدود، وقيل: (حَنِيذٍ) يقطر دسمه، من حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى تقطر عرقًا، ويدل عليه: (بِعِجْلٍ سَمِينٍ) [الذاريات: ٢٦].
يقال: نكره وأنكره واستنكره، ومنكور: قليل في كلامهم، وكذلك: أنا أنكرك، ولكن منكر ومستنكر، وأنكرك. قال الأعشى:
وَأَنْكَرَتْنِى وَمَا كَانَ الَّذِى نَكِرَتْ … مِنَ الْحَوَادِثِ إلّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا
قيل: كان ينزل في طرفٍ من الأرض، فخاف أن يريدوا به مكروهًا. وقيل: كانت عادتهم أنه إذا مسّ من يطرقهم طعامهم أمنوه وإلا خافوه، والظاهر: أنه أحسّ بأنهم ملائكة، ونكرهم لأنه تخوّف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه،
_________________
(١) ـ .. قوله: (بالرضف): الرضف: الحجارة المحماة. قوله: (وأنكرتني) البيت: يقال: أنكرت الرجل: إذا كنت من معرفته في شك، ونكرته: إذا لم تعرفه. يقول: إن المحبوبة شكت في معرفتي، وما نكرت إلا الشيب والصلع، فإنهما مبغوضان عندها. وقال المصنف في "الذاريات" في قوله: (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) [الذاريات: ٢٥]: "أي: أنتم قوم منكرون، فعرفوني من أنتم"، أو أراد أنهم ليسوا من معارفه، كما إذا أبصر العرب قومًا من الخزر، ورأى لهم حالًا وشكلًا خلاف حال الناس وشكلهم.
[ ٨ / ١٢٩ ]
ألا ترى إلى قولهم: (لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ)، وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيهم أرسلوا.
(وَأَوْجَسَ) فأضمر، وإنما قالوا: (لا تَخَفْ) لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه، أو: عرفوه بتعريف الله، أو: علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف، لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب.
_________________
(١) ـ قوله: (ألا ترى إلى قولهم: (لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ»: أي: الدليل على أن الظاهر أنه ﵇ أحس أنهم ملائكة، وإنما أنكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله تعالى على إبراهيم ﵇، لا لأنهم ما مسوا طعامه: تعليل النهي- أي: (لا تَخَفْ) - بقولهم: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، وإلا كان مقتضى الظاهر أن يقولوا: إنا رسل الله، وهذا على خلاف ما ذكره في سورة الحجر، قال: "وكان خوفه لامتناعهم من الأكل، وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت". روى محيي السنة عن قتادة: أن ذلك الخوف لأجل أنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف، ولم يأكل من طعامهم، ظنوا أنه لم يأت بخير، وإنما جاء بشر"، ولم يذكر غير هذا الوجه في هذا المقام. وقال القاضي: " (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ) أي: أنكر ذلك منهم". وقلت: الحق- والله تعالى أعلم- أن الخوف إنما صدر عن مجموع كونهم منكرين،
[ ٨ / ١٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وكونهم ممتنعين عن الطعام، كما يعلم من الآيات الواردة في هذه القصة، ولأنه لو عرفهم أنهم ملائكة لم يحضر بين أيديهم الطعام، ولم يحرضهم على الأكل، وإنما عدلوا إلى قوله: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، ليكون الكلام جامعًا للمعاني، بحيث يفهم المقصود منه أيضًا. واعلم أن إيراد قصة واحدة في مقامات متعددة بعبارات مختلفة وأنحاء شت، بحيث لا تغير ولا تناقض البتة: من فصيح الكلام وبليغه، وهو باب من الإيجاز المختص بالإعجاز، ويحتاج في التوفيق إلى قانون يرجع إليه، وهو أن يعمد إلى الاقتصاصات المتفرقة، ويجعل لها أصل؛ بأن يؤخذ من المباني ما هو أجمع للمعاني، فما نقص فيه من تلك المعاني شيء يلحق به. مثاله فيما نحن بصدده: أنه تعالى قص هذه القصة في هذه السورة على نمط، وفي الحجر على نمط، وفي الذاريات على نمط، قال في الحجر: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ* قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ* قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي) إلى قوله: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ* قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) [الحجر: ٥١ - ٥٨]، وفي الذاريات: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ* فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ* فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَاكُلُونَ* فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) إلى قوله: (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ* قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) [الذاريات: ٢٥ - ٣٢]، فذكر في هود: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، ثم ذكر البشارة بعده، ولم يذكره في الموضعين، فينبغي أن يقدر فيهما قبل البشارة هذا المعنى، ويقدر في سورة هود بعد الفراغ من البشارة: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ* قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)، لأنه لم يذكره فيه، وذكره في الموضعين، وزيد في هود حديث المجادلة عن قوم لوط، ولم يذكر في الموضعين، فيقدر فيهما، واختصر في الحجر- بعد قولهم: "سلامًا"- جوابهم: "قالوا: سلام"، فيقدر ذلك مع ما يتم به المعنى، حتى يتصل بقوله: (لا تَوْجَلْ).
[ ٨ / ١٣١ ]
(وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ) قيل: كانت قائمةً وراء الستر تسمع تحاورهم، وقيل: كانت قائمة على رؤسهم تخدمهم، وفي مصحف عبد الله: "وامرأته قائمة وهو قاعد"، (فَضَحِكَتْ) بزوال الخيفة أو بهلاك أهل الخبائث، أو كان ضحكها ضحك إنكارٍ لغفلتهم، وقد أظلهم العذاب. وقيل: كانت تقول لإبراهيم: اضمم لوطًا ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، فضحكت سرورًا لما أتى الأمر
_________________
(١) وأما معنى السؤال في قوله: (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ)، بعد تقدير ما سبق من قوله: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، فهو: فما شأنكم وما تطلبون بقولكم: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، وفي تصريح ذكر "المرسلين" الدلالة على ذلك، لأن التعريف فيه كما في قولك: المنطلق ذو جد، بعد قولك: انطلق زيد إلى موضع كذا، فأجيب ﵇ بما علم منه أن الإرسال لأجل الإهلاك؛ من قولهم: (إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)، فالواجب على المفسر الماهر أن يراعي في تفسيره في كل مقام ما يسلم منه من الخطأ. وأما التوفيق بين مفردات الألفاظ فمن أجل المقاصد، ولا يعلم كنهه بحسب اقتضاء كل مقام إلا الله ﷾، والحمد لله على ما ألهمنا شمة منه. قوله: (فضحكت سرورًا)، الراغب: "الضحك: انبساط الوجه وتكشر الأسنان من سرور النفس، ولظهور الأسنان عنده تسمى مقدمات الأسنان: الضواحك، ويستعمل في السرور المجرد، نحو: (مُسْفِرَةٌ* ضَاحِكَةٌ) [عبس: ٣٨ - ٣٩]، وفي السخرية، نحو: (وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) [المؤمنون: ١١٠]، وفي التعجب المجرد قال: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ) [هود: ٧١]، وضحكها كان للتعجب، ويدلك عليه قولها: (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) ".
[ ٨ / ١٣٢ ]
على ما توهمت، وقيل: (ضحكت) فحاضت، وقرأ محمد بن زيادٍ الأعرابى: "فَضَحِكَتْ" بفتح الحاء.
(إسحاق يَعْقُوبَ) رفع بالابتداء، كأنه قيل: ومن وراء إسحاق يعقوب مولودٌ أو موجود، أي: من بعده،
_________________
(١) ـ قوله: «فَضَحِكَتْ) فحاضت): قال محيي السنة: "هو قول مجاهد وعكرمة، والعرب تقول: ضحكت الأرنب، أي: حاضت". الانتصاف: "يبعده: (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) ولو كان الحيض قبل البشارة لم يكن عجبًا ولادة من تحيض، وهو معيار الحمل". وقلت: طريان الحيض في غير إبانه أيضًا داخل في حكم التعجب، لأن الاستفهام في قولها: (أَأَلِدُ) وارد على تقدير الولادة بعد الحيض، والتعجب من هذه القضية ×××× للعادة المستمرة. الراغب: "من قال: (فَضَحِكَتْ): حاضت، ليس تفسيرًا له، كما تصوره بعضهم، وإنما ذلك تنصيصًا لحالها، وأن الله تعالى جعل ذلك أمارة لما بشرت به، فحاضت في الوقت لتعلم أن حملها ليس بمنكر؛ إذ كانت المرأة ما دامت تحيض فإنها تحبل". قوله: ("يعقوب" رفع بالابتداء): قرأ ابن عامر وحمزة وحفص: (يَعْقُوبَ) بالنصب، والباقون: بالرفع، قال الزجاج: "من نصب يحمل على موضع (فَبَشَّرْنَاهَا) على المعنى، أي:
[ ٨ / ١٣٣ ]
وقيل: الوراء: ولد الولد، وعن الشعبي أنه قيل له: أهذا ابنك؟ فقال: نعم، من الوراء، وكان ولد ولده،
_________________
(١) وهبنا لها إسحاق، ووهبنا لها يعقوب. ومن رفع فعلى ضربين: أحدهما: على التقديم والتأخير، المعنى: ويعقوب يحدث لها من وراء إسحاق. وثانيهما: هو مرفوع بعامل "من وراء"، أي: ثبت لها من وراء إسحاق يعقوب، ومن زعم أنه في موضع خفض فخطأ؛ لأن الجار لا يفصل بينه وبين المجرور، ولا بينه وبين الواو العاطفة، لا يجوز: مررت بزيد في الدار والبيت عمرو". قال أبو علي: "من فتح "يَعْقُوبَ) أنه مجرور، أي: بشرناها بإسحاق ويعقوب، كان أقوى من الرفع؛ لأنها بشرت بهما، وفي إعمالها ضعف للفصل بين الجار والمجرور، نص سيبويه على قبح نحو: مررت بزيد أول من أمس، وأمس عمرو، وقال أبو الحسن: لو قلت: "مررت بزيد اليوم، وأمس عمرو" لم يحسن". قوله: (وقيل: الوراء: ولد الولد): القاضي: "ولعله سمي به لأنه بعد الولد، وعلى هذا تكون إضافته إلى "إسحاق" ليس من حيث إن يعقوب وراءه، بل من [حيث] إنه وراء إبراهيم، ومن جهته، وفيه نظر". وقال الإمام: "هذا الوجه عندي شديد التعسف، واللفظ كأنه ينبو عنه".
[ ٨ / ١٣٤ ]
وقرئ: (يَعْقُوبَ) بالنصب، كأنه قيل: ووهبنا لها إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، على طريقة قوله:
لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً وَلَا نَاعِبٍ
الألف في (يا وَيْلَتى) مبدلةٌ من ياء الإضافة، وكذلك في «يا لهفًا» و«يا عجبًا» وقرأ الحسن: "يا ويلتى" بالياء على الأصل، و(هذا بعلي شَيْخًا) نصبٌ بما دلّ عليه اسم الإشارة، وقرئ: "شيخ"؛ على أنه خبر مبتدأٍ محذوف، أي: هذا بعلي هو شيخ،
_________________
(١) قوله: (ليسوا مصلحين عشيرة): أوله: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة … ولا ناعب إلا ببين غرابها مضى شرحه، ووجه تشبيه الآية بالبيت: أن يقدر كأنه قيل: وهبنا له إسحاق، ثم عطف عليه "يعقوب"، أي: وهبنا يعقوب، كما أن الشاعر قدر أنه قال: "ليسوا بمصلحين"، فقال: "ولا ناعب"، فقدر في البيت المعدوم موجودًا، وفي الآية عكسه. قوله: ("يا ويلتي" بالياء على الأصل): قال الزجاج: "في المصحف: "يا ويلتي" بالياء، والقراءة بالألف: إن شئت على التفخيم، وإن شئت على الإمالة، والأصل: "يا ويلتي"، فأبدل من الياء والكسرة: الألف، لأن الألف والفتح أخف من الياء". قوله: (و(شَيْخًا) نصب بما دل عليه اسم الإشارة): قال الزجاج: "والحال ها هنا من
[ ٨ / ١٣٥ ]
أو (بعلي): بدل من المبتدأ، و"شيخ": خبر، أو يكونان معًا خبرين. قيل: بشرت ولها ثمان وتسعون سنة، ولإبراهيم مئة وعشرون سنة (إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) أن يولد ولد من هرمين، وهو استبعاد من حيث العادة التي أجراها الله.
وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها فـ (قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)؛ لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر، ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيوت النبوة، وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجب، وإلى ذلك أشارت الملائكة صلوات الله عليهم في قولهم (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)،
_________________
(١) لطيف النحو وغامضه، وذلك أنك إذا قلت: هذا زيد قائمًا، فإن قصدت أن تخبر به من لم يعرف زيدًا أنه زيد، لم يجز؛ لأنه يكون زيدًا ما دام قائمًا، فإذا زال عن القيام فليس بزيد، وإنما تقول: هذا زيد قائمًا لمن يعرف زيدًا، فيعمل في الحال التنبيه، أي: انتبه لزيد في حال قيامه، أو: أشير إلى زيد في حال قيامه، لأن "هذا" إشارة إلى ما حضر". وقلت: إنما جعل العلم مشارًا إليه؛ ليؤذن بأن المتكلم في هذا المقام يفيد المخاطب اتصاف المشار إليه بهذا المعنى، كقولها: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا)، أي: انتبهوا أن المانع من التوالد هذا الذي حصل من الشيخوخة، لا أنه بعلي، وإذا لم يعلم كونه بعلًا لها فالفائدة العقلية مع كونها موصوفة بالشيخوخة، فينتفي كونه بعلًا لها عند انتفاء الشيخوخة. قوله: (أن تتوقر): بالقاف، ويروى بالفاء، يقال: توقر عليه: رعى حرمته، وتتوقر: من الوقار والرزانة. قوله: (ولا يزدهيها)، الجوهريك "ازدهاه: استخفه وتهاون به". قوله: (وإلى ذلك أشارت الملائكة في قولهم: (رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ»: أي: إلى هذا
[ ٨ / ١٣٦ ]
أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوّة، فليست بمكان عجب.
و"أمر الله": قدرته وحكمته، وقوله: (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ) كلام مستأنف علل به إنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب، فإنّ أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم. وقيل: الرحمة النبوة، والبركات الأسباط من بنى إسرائيل، لأنّ الأنبياء منهم، وكلهم من ولد إبراهيم.
_________________
(١) المذكور، وهو: عليك أن تتوقري ولا يزدهينك ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيوت النبوة، وأن تسبحي الله وتمجديه مكان التعجب، وذلك أنهم جاؤوا بهذه الجملة مقتطعة عما قبلها من غير عاطف، لتكون الجملة الأولى- وهي قوله: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) - كالمورد للسؤال، وتكون هذه الجملة جوابًا عنه، وذلك أنهم لما أنكروا عليها بقوله: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) استبعادها بقولها: (يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا)، تصوروا أنها أضمرت في نفسها: لم كان أمرنا خلاف أمر النسا؟ أجابوا بقولهم: (رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)، يعني: بأن الله خصكم بهذه الفضيلة والإنعام دون سائر الناس، وإليه الإشارة بقوله: "كلام مستأنف علل به إنكار التعجب"، ودل على الاختصاص النداء بقوله: (أَهْلَ الْبَيْتِ)، فإنه من قبيل قولهم: أنا أفعل كذا أيتها العصابة. لله دره، ما أدق إدراكه.
[ ٨ / ١٣٧ ]
(حَمِيدٌ) فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده (مَجِيدٌ) كريم كثير الإحسان إليهم.
و(أهل البيت): نصب على النداء أو على الاختصاص، لأن (أَهْلَ الْبَيْتِ) مدح لهم: إذ المراد: أهل بيت خليل الرحمن.
[(فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ* إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ)].
(الرَّوْعُ) ما أوجس من الخيفة. حين نكر أضيافه. والمعنى: أنه لما اطمأن قلبه بعد الخوف ومليء سرورًا بسبب البشرى بدل الغم، فرغ للمجادلة.
فإن قلت: أين جواب "لما"؟ قلت: هو محذوف كما حذف قوله (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا) [يوسف: ١٥]، وقوله: (يُجادِلُنا) كلام مستأنف دال على الجواب، وتقديره: اجترأ على خطابنا، أو فطن لمجادلتنا، أو قال: كيت وكيت،
_________________
(١) قوله: «حَمِيدٌ) فاعل ما يستوجب به الحمد) يعني: "فعيل" بمعنى: فاعل، وهذه الخاتمة كالتذييل والتعليل لما سبق، فإن قولهم: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) متضمن لما أوجب عليها من الوقار والرزانة والتسبيح والتمجيد لا للتعجب- كما ذكر-، يعني: أنه تعالى (حَمِيدٌ) يفعل ما يستوجب به الحمد من عباده، سيما في حقها، (مَّجِيدٌ) كثير الإحسان إلى العباد، خصوصًا في أن جعل بيتها مهبط البركات. قوله: «فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا»: فعلوا به ما فعلوا من الأذى. قوله: «يُجَادِلُنَا) كلام مستأنف دال على الجواب): أي: ليس بجواب، لأنه مضارع، و"لما" للماضي، قال الزجاج: " (يُجَادِلُنَا) حكاية قد مضت، لأن "لما" وضعت لما قد وقع
[ ٨ / ١٣٨ ]
ثم ابتدأ فقال (يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) وقيل في (يُجادِلُنا): هو جواب "لما"، وإنما جيء به مضارعًا لحكاية الحال: وقيل: إن «لما» ترد المضارع إلى معنى الماضي، كما تردّ «إن» الماضي إلى معنى الاستقبال، وقيل: معناه أخذ يجادلنا، وأقبل يجادلنا. والمعنى: يجادل رسلنا.
ومجادلته إياهم أنهم قالوا: (إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) [العنكبوت: ٣١]، فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلًا من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا. حتى بلغ العشرة. قالوا: لا. قال: أرأيتم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فعند ذلك قال: (إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ) [العنكبوت: ٣٢].
(فِي قَوْمِ لُوطٍ) في معناهم. وعن ابن عباس: قالوا له: إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب،
_________________
(١) بوقوع غيره، تقول: لما جاء زيد جاء عمرو، ويجوز: لما جاء زيد يتكلم عمرو؛ لوجهين: أحدهما: أن ["إن"] لما كانت شرطًا للماضي وقع المستقبل في معنى الماضي. وثانيهما- وهو الذي أختاره-: وهو أن يكون حكاية حال قد مضت، المعنى: فملا ذهب عن إبراهيم الروع، وجاءته البشرى، أخذ يجادلنا في قوم لوط، ولم يذكر في الكلام "أخذ وأقبل"، لأن الكلام إذا أريد به حكاية حال ماضية قدر فيه "أخذ وأقبل"، لأنك إذا قلت: قام زيد، دل على فعل ماض، وإذا قلت: أخذ زيد يقوم، دل على حالة ممتدة، من أجلها ذكر: أخذ وأقبل". قوله: «فِي قَوْمِ لُوطٍ) في معناهم): أي: في شأنهم وأمرهم.
[ ٨ / ١٣٩ ]
وعن قتادة: ما قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير. وقيل: كان فيها أربعة آلاف ألف إنسان.
(إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ) غير عجولٍ على كل من أساء إليه (أَوَّاهٌ) كثير التأوّه من الذنوب (مُنِيبٌ) تائب راجع إلى الله بما يحب ويرضى. وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة والرحمة، فبين أنّ ذلك مما حمله على المجادلة فيهم؛ رجاء أن يرفع عنهم العذاب، ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة والإنابة كما حمله على الاستغفار لأبيه.
[(يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ)].
(يا إِبْراهِيمُ) على إرادة القول: أي: قالت له الملائكة: (أَعْرِضْ عَنْ هذا) الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك، فلا فائدة فيه (إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) وهو قضاؤه وحكمه الذي لا يصدر إلا عن صواب وحكمة، والعذاب نازل بالقوم لا محالة، لا مردّ له بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك.
[(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ)].
_________________
(١) قوله: (ما قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير): "ما": يجوز أن تكون نافية، أي: لا تسمى جماعة بـ "قوم": اسم "ما"، و"لا يكون" خبره، و"عشرة": اسم "يكون"، و"فيهم خير": جملة صفة لـ "عشرة". وأن تكون استفهامية، أي: أي جماعة تسمى قومًا، المعنى: لا تسمى جماعة قومًا لا يكون فيهم عشرة فيهم خير، وقيل: معناه: ما قوم خالون عن عشرة فيهم خير، وفيه نظر. قوله: (كثير التأوه): تأوه تأوهًا: إذا قال: أوه، وهي كلمة توجع.
[ ٨ / ١٤٠ ]
كانت مساءة لوطٍ وضيق ذرعه لأنه حسب أنهم إنس، فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم. روي أنّ الله تعالى قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقًا بهم إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشر قريةٍ في الأرض عملًا، يقول ذلك أربع مرات، فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها.
يقال: يوم عصيب، وعصبصب، إذا كان شديدًا من قولك: عصبه، إذا شدّه.
[(وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ* قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ)].
(يُهْرَعُونَ) يسرعون كأنما يدفعون دفعًا (وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) ومن قبل ذلك الوقت كانوا يعملون الفواحش ويكثرونها، فضروا بها ومرنوا عليها وقل عندهم استقباحها، فلذلك جاءوا يهرعون مجاهرين لا يكفهم حياء. وقيل معناه: وقد عرف لوط عادتهم في عمل الفواحش قبل ذلك.
_________________
(١) قوله: (وضيق ذرعه)، الأساس: "ضاق بهم ذرعًا، أي: لم يطلقهم، وما لك علي ذراع، أي: طاقة"، وذلك أن "اليد" كما تجعل مجازًا عن القوة، فـ "الذراع" التي من طرف المرفق إلى طرف الوسطى كذلك. قوله: (مضى معهم منطلقًا بهم): "منطلقًا بهم" حال مؤكدة، على نحو قوله تعالى: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥]، (وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة: ٦٠، الأعراف ٧٤، هود: ٨٥، الشعراء: ١٨٣، العنكبوت: ٣٦]. قوله: (وقيل: معناه: وقد عرف لوط عادتهم): عطف على قوله: "ومن قبل ذلك كانوا
[ ٨ / ١٤١ ]
(هؤُلاءِ بَناتِي) أراد أن يقي أضيافه ببناته، وذلك غاية الكرم، وأراد: هؤلاء بناتي فتزوّجوهنّ وكان تزويج المسلمات من الكفار جائزًا، كما زوّج رسول الله ﷺ ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن وائل قبل الوحى وهما كافران وقيل كان لهم سيدان مطاعان، فأراد أن يزوجهما ابنتيه.
_________________
(١) يعملون الفواحش"، ذكر الواحدي الأول، وقال صاحب "التقريب": "من قبل" متصل بـ (يُهْرَعُونَ)، أي: إنما يرعون لأنهم عملوا ومرنوا عليها، أو متصل بـ "ضاق"، أي: إنما ضاق ذرعًا لأنه عرف عادتهم قبله. وقلت: أما اتصاله بـ (يُهْرَعُونَ): فأن يكون حالًا من الضمير فيه، و(يُهْرَعُونَ) حال من فاعل "جاء"، واتصاله بـ (سِيءَ) من حيث إنه عطف على "جاء"، وهو حال من المرفوع في (سِيءَ)، ويعضده قول المصنف: "كانت مساءة لوط وضيق صدره لأنه حسب أنهم إنس، فخاف عليهم خبث قومه"، ولو لم يعرف عادتهم في عمل الفاحشة لم تلحقه المساءة وضيق الصدر عند مجيء القبيلين، ولا قال: (يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ). قوله: (وأبي العاص بن وائل): قيل: الصواب: أبي العاص بن أبي الربيع بن عبد العزى ابن عبد شمس، وفي "جامع الأصول": "هو أبو العاص بن الربيع، واسمها زينب، أكبر بناته صلوات الله عليه، فلما أسر زوجها يوم بدر، وفادى نفسه، أخذ النبي ﷺ عليه العهد أن ينفذها إليه إذا عاد إلى مكة، ففعل، فهاجرت إلى المدينة، ولما أسلم أبو العاص وهاجر ردها إلى نكاحه بعقد جديد، وماتت بالمدينة سنة ثمان".
[ ٨ / ١٤٢ ]
وقرأ ابن مروان: "هنّ أطهر لكم" بالنصب، وضعفه سيبويه وقال: احتبى ابن مروان في لحنه. وعن أبي عمرو بن العلاء: من قرأ "هُنَّ أَطْهَرُ" بالنصب فقد تربع في لحنه، وذلك أنّ انتصابه على أن يجعل حالا قد عمل فيها ما في (هؤلاء) من معنى الفعل، كقوله: (وهذا بَعْلِي شَيْخًا) [هود: ٧٢]، أو ينصب (هؤلاء) بفعل مضمر، كأنه قيل:
خذوا هؤلاء، و(بناتي): بدل، ويعمل هذا المضمر في الحال، و(هُنَّ) فصل، وهذا لا يجوز لأنّ الفصل مختص بالوقوع بين جزأي: الجملة، ولا يقع بين الحال وذى الحال، وقد خرّج له وجه لا يكون (هُنَّ) فيه فصلًا،
_________________
(١) وأما عتبة بن أبي لهب: فتزوج برقية بنت رسول الله ﷺ، ولم يكن دخل بها، فلما نزلت (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) [المسد: ١]، قال أبو لهب: فارق ابنة محمد، ففارقها، فتزوجها عثمان بن عفان ﵁ بمكة، وماتت بالمدينة في غزوة بدر. قوله: (وقرأ ابن مروان): قال ابن جني: "وقرأها سعيد بن جبير والحسن ومحمد بن مروان وعيسى الثقفي: "هن أطهر لكم" بالنصب". قوله: (اجتبى ابن مروان): أي: تربع وتمكن، فهو استعارة مكنية، حيث جعل اللحن كمكان الوطء، وجعل تمكينه فيه كالاحتباء والتربع في ذلك المكان. الجوهري: "احتبى الرجل: إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته". قوله: (قد خرج له وجه): والوجه أخرجه ابن جني قال: "وأنا أرى أن لهذه القراءة وجهًا صحيحًا"، وذكر معنى ما ذكره المصنف.
[ ٨ / ١٤٣ ]
وذلك أن يكون (هؤلاء) مبتدأ و(بَناتِي هُنَّ) جملة في موضع خبر المبتدإ، كقولك: هذا أخى هو، ويكون "أَطْهَرُ" حالًا.
(فَاتَّقُوا اللَّهَ) بإيثارهنّ عليهم (وَلا تُخْزُونِي) ولا تهينوني ولا تفضحوني، من الخزي. أو ولا تخجلوني، من الخزاية وهي الحياء (فِي ضَيْفِي) في حق ضيوفى فإنه إذا خزى ضيف الرجل أو جاره فقد خزى الرجل، وذلك من عراقة الكرم وأصالة المروءة (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) رجل واحد يهتدى إلى سبيل الحق وفعل الجميل، والكف عن السوء. وقرئ: (ولا تخزون) بطرح الياء.
ويجوز أن يكون عرض البنات عليهم مبالغةً في تواضعه لهم وإظهارًا لشدّة امتعاضه مما أوردوا عليه، طمعًا في أن يستحيوا منه ويرقوا له إذا سمعوا ذلك، فيتركوا له ضيوفه مع ظهور الأمر واستقرار العلم عنده وعندهم أن لا مناكحة بينه وبينهم، ومن ثمّ (قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ) مستشهدين بعلمه، (ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ) لأنك لا ترى مناكحتنا، وما هو إلا عرض سابريّ
_________________
(١) قوله: «وَلَا تُخْزُونِ) بطرح الياء): كلهم إلا أبا عمرو. قوله: (امتعاضه)، الجوهري: "معضت من ذلك الأمر أمعض معضًا، وامتعضت منه: إذا غضبت وشق عليك". قوله: (وما هو إلا عرض سابري)، الجوهري: "السابري: ضرب من الثياب رقيق، في المثل: "عرض سابري"، يقوله من يعرض عليه الشيء عرضًا لا يبالغ فيه، لأن السابري من أجود الثياب، يرغب فيه بأدنى عرض".
[ ٨ / ١٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) النهاية: "في حديث حبيب بن أبي ثابت قال: "رأيت على ابن عباس ثوبًا سابريًا استشف ما وراءه"، وكل رقيق عندهم سابري، والأصل فيه الدروع السابرية؛ منسوبة إلى سابورة. وفي بعض الحواشي: "شبه العرض الذي ليس من أصل النفس بعرض الثوب السابري"، فهذا لا يخلو: إما أن يكون من كلام المصنف تتمة لقوله: "ويجوز أن يكون عرض البنات عليهم مبالغة في تواضعه للملائكة، وإظهارًا لشدة غضبه من القوم"، وربما يصدر عن الإنسان في أمثال هذه المقامات ما لا يؤاخذ عليه من المقالات، أو أن يكون من كلام القوم: "لأنك لا ترى مناكحتنا، وما عرضك هذا إلا عرض سابري"، أي: ليس من عزم النفس، بل قول من الفم من غير مواطأة القلب، أو أنك غير مبالغ في العرض، كما أن الثياب السابرية لا تفتقر إلى المبالغة في العرض، فإنها في بدء الحال مرغوب فيها. قال صاحب "الفرائد": قوله: "لأنك لا ترى مناكحتنا": بعيد من الصواب لوجهين: أحدهما: أن منكوحته كانت كافرة، فكيف يقال: ما لنا في بناتك من حق لأنك لا ترى مناكحتنا، وأنهم علموا أن لا مناكحة بيننا وبينهم؟ ! وأما قولهم: (مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ) فمعناه: لسن بزوجات لنا، وقيل: ما لنا فيهن حاجة. وثانيهما: أن قوله: (هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) - على ما ذكر-: تحريض على الزنى، لأنه لما لم تجز المناكحة كان إتيانهن زنى، فظهر أن الوجه هو الأول. والجواب عن الأول: هو أن قولهم: "لا ترى مناكحتنا" عام يراد به الخاص، وهو المناكحة في البنات، لأن الكلام فيه على أنه يجوز للمسلم أن ينكح الذمية، ولا يجوز أن ينكح
[ ٨ / ١٤٥ ]
وقيل: لما اتخذوا إتيان الذكران مذهبا ودينًا لتواطئهم عليه، كان عندهم أنه هو الحق، وأنّ نكاح الإناث من الباطل، فلذلك قالوا: ما لنا في بناتك من حق قط، لأنّ نكاح الإناث أمرٌ خارج من مذهبنا الذي نحن عليه. ويجوز أن يقولوه على وجه الخلاعة، والغرض نفى الشهوة.
[(قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ)].
_________________
(١) بناته من الذمي. وعن الثاني: أن قوله: (هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) عرض سابري، لأن غرضه الدفع عن الأضياف، لا التحريض على البنات، وأمثال هذا العرض شائع بين الناس إذا أيقنوا أن لا رغبة البتة. قوله: (على وجه الخلاعة)، الأساس: "كان الرجل في الجاهلية إذا غلبه ابنه ينادي في الموسم: يا أيها الناس، هذا ابني فلان، قد خلعته، فإن جر لم أضمن، وإن جر عليه لم أطلب، أي: تبرأت منه، ثم قيل لكل شاطر: خليع، وقد خلع خلاعة، وهي خليعة، ومن المجاز: خلع فلان رسنه وعذاره، فعدا على الناس بشر". قوله: (والغرض نفي الشهوة): يعني الغرض من قولهم: (مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ): أن حقنا أن نقضي شهوتنا من ضيفك، ولم تكن بناتك مكان شهوتنا، فليس لنا فيهن حق، فالخلاعة: هي جعل ذلك الفعل الشنيع كالحق الثابت اللازم الذي لا يجوز العدول عنه.
[ ٨ / ١٤٦ ]
(لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) عنوا إتيان الذكور وما لهم فيه من الشهوة.
جواب (لو) محذوف، كقوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) [الرعد: ٣١] يعني: لو أنّ لي بكم قوّة لفعلت بكم وصنعت. يقال: مالي به قوّة، وما لي به طاقة. ونحوه (لا قِبَلَ لَهُمْ بِها) [النمل: ٢٧]، و"مالي به يدان"؛ لأنه في معنى: لا اضطلع به ولا أستقلّ به. والمعنى: لو قويت عليكم بنفسي، أو أويت إلى قويّ أستند إليه وأ تمنع به فيحمينى منكم. فشبه القوىّ العزيز بالركن من الجبل في شدّته ومنعته، ولذلك قالت الملائكة - وقد وجدت عليه: إنّ ركنك لشديد،
_________________
(١) قوله: (يقال: ما لي به قوة): قال أبو البقاء: " (بِكُمْ) حال من (قُوَّةً)، وليس معمولًا لها، لأنها مصدر"، فالتقدير: لو ثبت واستقر لنفسي قوة بكم، ولهذا قال: "لو قويت عليكم بنفسي". قوله: (أو أويت): جعل (أَوْ آَوِي) معطوفًا على المقدر بعد "لو"، قال أبو البقاء: "هو في موضع رفع؛ خبر "أن" على المعنى، أي: "أو أني"، ويضعف أن يكون معطوفًا على (قُوَّةً)؛ إذ لو كان لكان منصوبًا بإضمار "أن"، وقد قرئ به، أي: أو أن آوي". قوله: (فشبه القوي العزيز بالركن)، الراغب: "ركن الشيء: جانبه الذي يسكن إليه، ويستعار للقوة، قال تعالى: (أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)، وناقة مركنة الضرع، وأركان العبادة: جوانبها التي عليها مبناها، وبتركها بطلانها". قوله: (وقد وجدت عليه): جملة معترضة، الجوهري: "وجد عليه في الغضب موجدة
[ ٨ / ١٤٧ ]
وقال النبي ﷺ «رحم الله أخي لوطًا، كان يأوي إلى ركن شديد».
وقرئ: «أو آوى» بالنصب بإضمار «أن» كأنه قيل: لو أن لي بكم قوّة أو أويا، كقولها:
لَلبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي
وقرئ «إلى ركن» بضمتين.
_________________
(١) ووجدانًا أيضًا"، إنما غضبوا عليه لأن كلامه يدل على إقناط كلي ويأس شديد من أن يكون له ناصر ينصره، أليس الله بكاف عبده. ومن ثم قال رسول الله ﷺ: "رحم الله أخي لوطًا، كان يأوي إلى ركن شديد"، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة. قال الشارح: كأنه صلوات الله عليه استغرب عنه هذا القول، وعده بادرة منه؛ إذ لا ركن أشد من الركن الذي يأوي إليه. قوله: ("أو آوي" بالنصب): قال ابن جني: "رواه الحلواني عن قالون عن شيبة، وروى أيضًا عن أبي جعفر مثله، وأنكره ابن مجاهد، وقال: لا يجوز تحريك الياء هنا، وعندي هذا
[ ٨ / ١٤٨ ]
[(قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ)].
وروي: أنه أغلق بابه حين جاؤوا وجعل يرادّهم ما حكى الله عنه ويجادلهم،
_________________
(١) سائغ، وهو أن يعطف "آوي" على (قُوَّةً)، فإذا صرت إلى اعتقاد المصدر، فقد وجب إضمار "أن"، ونصب الفعل بها، ومثله قول ميسون بنت بحدل الكلابية: للبس عباءة وتقر عيني … أحب إلي من لبس الشفوف فكأنها قالت: للبس عباءة وأن تقر عيني أحب إلي من كذا وكذا"، تم كلام ابن جني. "الشفوف": جمع شف، وهو ما رق من الثوب، يقول: لبس الثوب الخشن من الحلال بلا رعونة، وبعده ما تقر به عيني: أحب إلي من ثياب ناعمة تجلب إلي سخنة في عيني في المآل. قوله: (ما حكى الله عنه): مفعول "يرادهم"، والذي حكى الله تعالى عنه: هو قوله تعالى: (هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) إلى قوله: (رَّشِيدٌ)، وردهم: قولهم: (مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ)،
[ ٨ / ١٤٩ ]
فتسوّروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب قالوا: يا لوط، إن ركنك لشديد (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فاستأذن جبريل ﵇ ربه في عقوبتهم فأذن له، فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه، وله جناحان، وعليه وشاح من درّ منظوم وهو براق الثنايا، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم، كما قال الله تعالى (فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ) فصاروا لا يعرفون الطريق، فخرجوا وهم يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط قومًا سحرة.
(لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) جملة موضحة للتي قبلها، لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصلوا إليه ولم يقدروا على ضرره.
قرئ: (فَأَسْرِ): بالقطع والوصل. و(إِلَّا امْرَأَتَكَ) بالرفع والنصب،
_________________
(١) ورده أيضًا: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ). قوله: (النجاءَ النجاء): أي: انجوا بأنفسكم، وهو مصدر منصوب بفعل مضمر، أي: انجوا النجاء، وتكراره للتوكيد، وهو مقصور وممدود. قوله: (جملة موضحة للتي قبلها): وهو قوله: (يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ)، وإنما يستقيم بيانًا، لأن هذا القول في جواب متمناه: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)، فكأنهم أجابوه بقولهم: (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ)، وتفسيره بـ (لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) - و"لن" لتوكيد النفي- هو: أنك أويت إلى ركن شديد. قوله: (قرئ (فَاَسْرِ) بالقطع): الحرميان: "فاسر" و"أن اسر"، بوصل الألف حيث
[ ٨ / ١٥٠ ]
وروي أنه قال لهم: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبح. فقال: أريد أسرع من ذلك. فقالوا: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ).
وقرئ «الصبح» بضمتين.
فإن قلت: ما وجه قراءة من قرأ: (إِلَّا امْرَأَتَكَ) بالنصب؟
قلت: استثناها من قوله (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ)، والدليل عليه قراءة عبد الله: "فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك"، ويجوز أن ينتصب عن "لا يلتفت"، على أصل الاستثناء وإن كان الفصيح هو البدل، أعنى قراءة من قرأ بالرفع، فأبدلها عن (أحد).
_________________
(١) وقع، والباقون: بقطعها، قال أبو البقاء: "وهما لغتان، يقال: أسرى وسرى". وابن كثير وأبو عمرو: "إلا امرأتك" بالرفع، والباقون: بالنصب، قال الزجاج: "من قرأ بالنصب: فعلى معنى: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ … إِلاَّ امْرَأَتَكَ)، ومن قرأ بالرفع: حمله على معنى: (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ)، وقراءة النصب محمولة على الاستثناء من الموجب من قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ)، فإن القراءتين ثابتتان قطعًا، فيمتنع حملهما على وجهين أحدهما باطل قطعًا، والقضية واحدة، فهو إما أن يكون سرى بها أو ما سرى بها؛ فإن كان قد
[ ٨ / ١٥١ ]
وفي إخراجها مع أهله روايتان:
روي: أنه أخرجها معهم، وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي، فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها.
وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها، فإن هواها إليهم، فلم يسر بها. واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.
[(فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ
_________________
(١) سرى بها فليس مستثنى إلا من قوله: (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ)، وإن كان ما سرى بها فهو مستثنى من قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ)، فقد ثبت أن أحد التأويلين باطل قطعًا، فلا يصار إليه في أحد القراءتين الثابتتين قطعًا. والأولى من هذا أن يكون (إِلاَّ امْرَأَتَكَ) في الرفع والنصب مثل قوله: (مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ) [النساء: ٦٦]. ولا بعد أن يكون أقل القراء على الوجه الأقوى، وأكثرهم على الوجه الذي دونه، بل قد التزم بعض الناس أنه يجوز أن يجمع القراء على قراءة غير الأقوى".
[ ٨ / ١٥٢ ]
مَنْضُودٍ* مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ)].
(جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) جعل جبريل جناحه في أسفلها، ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها عليهم وأتبعوا الحجارة من فوقهم.
(مِنْ سِجِّيلٍ) قيل: هي كلمة معربة من سنك كل، بدليل قوله (حجارة من طين) [الذاريات: ٣٣]. وقيل: هي من أسجله، إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين. ويدل عليه قوله (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً) [الذاريات: ٣٣]،
_________________
(١) وأجاب عنه بعض فضلاء المغرب، وقال: قولك: "وإن كان ما سرى بها فهو مستثنى من قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) "، غاية هذا الكلام أن لوطًا ما أسرى بها، فلم لا يجوز أنها سرت بنفسها؟ روى الواحدي عن قتادة: "ذكر لنا أنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما سمعت هدة العذاب" إلى آخره. قال المالكي في "الشواهد": "امرأتك": مبتدأ، والجملة بعده خبره، و"إلا" بمعنى "لكن"، ولا يصح أن تجعل "امرأتك" بدلًا من (أَحَدٌ)، لأنها لم تسر معه، فيتضمنها ضمير المخاطبين، ودل على أنها لم تسر معه قراءة النصب، فإنها أخرجتها من أهله الذين أمر أن يسري بهم، وإذا لم تكن في الذين سرى بهم لم يصح أن تبدل من فاعل (يَلْتَفِتْ)، لأنه بعض ما دل عليه الضمير المجرور بـ "من"، وتكلف بعض النحويين الإجابة عن هذا بأن قال: لم يسر بها، ولكن شعرت بالعذاب فتبعتهم ثم التفتت فهلكت. وعلى تقدير صحة هذا فلا يوجب ذلك دخولها في المخاطبين بقوله: (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ).
[ ٨ / ١٥٣ ]
وقيل: مما كتب الله أن يعذب به من السجل، وسجل لفلان (مَنْضُودٍ) نضد في السماء نضدًا معدًّا للعذاب. وقيل يرسل بعضه في أثر بعض متتابعًا.
_________________
(١) وقلت: فإذن التقدير: فأسر بأهلك بقطع من الليل فإنا منجوكم، لكن امرأتك ليست بمنجية، ونظيره قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب: ٤٠]، فإن كونه "أبا رجالهم" مخالف لكونه خاتم النبيين. وقلت: هذا عذر واضح، به اندفع سؤال ابن الحاجب، لكن بقي على قول المصنف: "واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين" إشكال قوي، وهو أنه جعل القراءة تابعة للرواية، فيلزم الشك في كلام لا ريب فيه من رب العالمين، ولو قال: "واختلاف الروايتين لاختلاف القراءتين" لهان الخطب، ثم وافق هذا قول القاضي: "ولا يجوز حمل القراءتين على الروايتين؛ لأن القواطع لا يصح حملها على المعاني المتناقضة، والأولى الحمل على ما اختاره ابن الحاجب، ولا يلزم من ذلك أمرها بالالتفات، بل عدم نهيها عنه استصلاحًا، ولذلك علله على طريقة الاستئناف بقوله: (إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ)، ولا يحسن جعل الاستثناء منقطعًا على قراءة الرفع". وأما الروايتان كما ذكرهما: فمسطور في "معالم التنزيل". قوله: (مما كتب الله أن يعذب من السجل): قال الزجاج: "هذا القول أثبت الأقوال
[ ٨ / ١٥٤ ]
(مُسَوَّمَةً) معلمة للعذاب وعن الحسن كانت معلمة ببياضٍ وحمرة. وقيل: عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض. وقيل: مكتوب على كل واحد اسم من يرمى به (وَما هِيَ) من كل ظالم (ببعيد)، وفيه وعيد لأهل مكة. وعن رسول الله ﷺ: "أنه سأل جبريل ﵇؟ فقال: يعني: ظالمي أمّتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة"،
_________________
(١) ـ .. وأحسنها، لأن في كتاب الله دليلًا عليه، قال الله تعالى: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَرْقُومٌ) [المطففين: ٧ - ٩]، وسجيل: في معنى: سجين". قوله: (وقيل: عليها سيما): مقصور من الواو، قال الله تعالى: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ) [الفتح: ٢٩]. قوله: (وفيه وعيد لأهل مكة): يعني: سيق الكلام لوعيد قوم لوط، وأدمج فيه وعيد أهل مكة، فإن التعريف في (الظَّالِمِينَ) للجنس، بدليل قوله: "وما هي من كل ظالم ببعيد"، فعم جميع الظالمين، ولما كان الكلام مسوقًا في حق قوم لوط، دخلوا فيه دخولًا أوليًا، وتضمن وعيد أهل مكة على التبعية. قوله: (بعرض حجر يسقط عليه): هو من قولهم: فلان عرضة للأمر، أي: معرض له، قال: فلا تجعلوني عرضة للوائم ذكره في البقرة.
[ ٨ / ١٥٥ ]
وقيل الضمير للقرى، أي: هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم (بِبَعِيدٍ) بشيء بعيد. ويجوز أن يراد: وما هي بمكان بعيد، لأنها وإن كانت في السماء وهي مكان بعيد، إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقًا بالمرمي، فكأنها بمكان قريب منه.
[(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ* وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ* بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)].
(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) يريد: بثروة واسعة تغنيكم عن التطفيف. أو أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون. أو أراكم بخير فلا تزيلوه عنكم بما أنتم عليه،
_________________
(١) ـ. قوله: (وقيل: الضمير للقرى): وكذلك في (عَالِيَهَا سَافِلَهَا)، قال أبو البقاء: "و"بعيد" نعت لمكان محذوف، أو خبر (هِيَ)، ولم يؤنثه لأن العقوبة والعقاب بمعنى". قوله: (أو أراكم بخير فلا تزيلوه): قسيم لقوله: "أو أراكم بنعمة من الله"، وهو قسيم لقوله: " (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ) يريد: بثروة"، لأن "الخير" في الوجه الأول: مفسر بالثروة والمال، وفي الوجه الثاني: بالنعمة المطلقة، ثم النعمة: إما أن توجب الأمر بالشكر، وهو المراد من قوله: "حقها أن تقابل بغير ما تفعلون"، أو النهي عن الكفران، وه المراد من قوله: "فلا تزيلوه عنكم".
[ ٨ / ١٥٦ ]
كقول مؤمن آل فرعون (يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَاسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا) [غافر: ٢٩].
(يَوْمٍ مُحِيطٍ) مهلك من قوله (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) [الكهف: ٤٢]، وأصله من إحاطة العدوّ.
فإن قلت: وصف العذاب بالإحاطة أبلغ، أم وصف اليوم بها؟
_________________
(١) قوله: (كقول مؤمن آل فرعون): يعني: وزان هذه الآية وزان تلك الآية، فإن قوله: (لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ) [غافر: ٢٩] كقوله: (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ)، وقوله: (فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ) [غافر: ٢٩] كقوله: (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ). قوله: (وأصله من إحاطة العدو): أي: الإغارة في الصبح بغتة، كقوله تعالى: (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) [العاديات: ٣]. الراغب: "الإحاطة على وجهين: أحدهما: في الأجسام، نحو: أحطت بمكان كذا، والثاني: في المعاني؛ إما في العلم، نحو قوله تعالى: (أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق: ١٢]، فالإحاطة بالشيء علمًا: هو أن يعلم وجوده وجنسه وقدره وكيفيته، وغرضه المقصود به وبإيجاده، وما يكون به ومنه، وذلك ليس إلا لله تعالى، وقال صاحب موسى ﵉: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) [الكهف: ٦٨]؛ تنبيهًا أن الصبر التام إنما يقع بعد إحاطة العلم بالشيء، وذلك صعب إلا بفيض إلهي، وإما في القدرة، قال الله تعالى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) [يونس: ٢٢]، وكذلك قوله: (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) ". قوله: (وصف العذاب بالإحاطة أبلغ أم وصف اليوم بها): قال أبو البقاء: " (مُّحِيطٍ) نعت "لليوم" في اللفظ، و"للعذاب" في المعنى، وذهب قوم إلى أن التقدير: عذاب يوم محيط
[ ٨ / ١٥٧ ]
قلت: بل وصف اليوم بها، لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه.
_________________
(١) عذابه، وهو بعيد؛ لأن "محيطًا" قد جرى على غير من هو له، فيجب إبراز فاعله". قوله: (فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه): الضمير المستتر في "أحاط" والمجرور في "بعذابه"، والمستكن في "ما اشتمل": كلها عائد إلى "اليوم"، وفي "عليه" إلى "ما"، و"من" بيان "ما"، والضمير المجرور عائد إلى "العذاب"، وتحقيقه: إما إضافة المظروف إلى الظرف، نحو: ضرب اليوم، فحينئذ يكون اليوم مشتملًا على العذاب. ثم إذا وصف اليوم بالإحاطة لجميع الحوادث، ومنها المعذب، فيحيطه، فصح قوله: "فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه"، أي: ما اشتمل عليه اليوم من العذاب، وهذا في الكناية قريب من قوله: إن السماحة والمروءة والندى … في قبة ضربت على ابن الحشرج فإن كون هذه الصفات في قبة نحو كون العذاب في اليوم، وكون اليوم محيطًا للمعذب نحو كون القبة مضروب على ابن الحشرج. فأما إذا وصف العذاب بالإحاطة لا يكون هذا المعنى، غايته أن يكون استعارة مفيدة أن المعذبين لا يفوتونه، كما لا يفوت فائت الشيء المحيط.
[ ٨ / ١٥٨ ]
فإن قلت: النهي عن النقصان أمر بالإيفاء فما فائدة قوله (أوفوا)؟ قلت: نهوا أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان، لأنّ في التصريح بالقبيح نعيًا على المنهي وتعييرًا له، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحًا بلفظه، لزيادة ترغيب فيه وبعث عليه،
_________________
(١) وصاحب "الفرائد" حين اعتبر ظاهر اللفظ، وترك إمعان المعنى، قال: ومن وصف العذاب بالإهلاك، وهو مضاف إلى اليوم، لا يلزم أن يكونوا هالكين في ذلك اليوم، لأنه لا يمكن أن تكون إضافة العذاب إلى اليوم بسبب أن ظهوره في ذلك اليوم، وإن وصف اليوم بالإهلاك، فيقتضي هلاكهم في ذلك اليوم، لأن ظاهر المعنى: اليوم مهلك، فهو من قبيل: نهاره صائم، فحاصل المعنى: أن ما في اليوم مهلك. قوله: (النهي عن النقصان أمر بالإيفاء، فما فائدة قوله: (أَوْفُوا)؟)، الانتصاف: "لمن قال: إن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده أن يستدل بهذه الآية، وإلا لكانت تكرارًا، وفي كلام الزمخشري وهم، فإنه ظن أن النهي قبل أمر بالوفاء، وهي غفلة منه، وتعليله بالحسن والقبح من قواعده". وقلت: وهم صاحب "الانتصاف"، لأن جوابه: "نهوا أولًا عن عين القبيح الذي كانوا عليه" لأجل التصريح بالقبيح، ليكون تعييرًا، ثم ورد الأمر ثانيًا لزيادة ترغيب فيه، يدل على أنه ليس من باب قوله: النهي عن الشيء أمر بضده، وإنما هو من باب التأكيد والتذييل للمبالغة، ففي الأول تصوير قبح القبيح، وفي الثاني إظهار حسن الحسن. قالا لإمام: "ليس للقائل أن يقول: النهي ضد الأمر، فكان التكرير لازمًا، لأنا نقول: إنه تعالى جمع بين الأمر بالشيء وبين النهي عن ضده للمبالغة، كما تقول: صل قرابتك ولا
[ ٨ / ١٥٩ ]
وجيء به مقيدًا (بالقسط): أي: ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية، من غير زيادة ولا نقصان، أمرًا بما هو الواجب،
_________________
(١) تقطعهم، فيدل هذا الجمع على غاية التأكيد"، فسؤال المصنف لرد ذلك المذهب. وقال القاضي: "صرح بالأمر بالإيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة وتنبيهًا على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإيفاء، ولو بزيادة لا يتأتى دونها، ثم قيده (بِالْقِسْطِ) ليعلم أن الزيادة مندوب غير مأمور به، وقد يكون محظورًا". واختلف العلماء في هذه المسألة: اختيار إمام الحرمين والغزالي: أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، ولا يقتضيه عقلًا. وقال القاضي أبو إسحاق: إنه نهي عن ضده، وإليه ذهب الإمام في "المعالم"، والقاضي في "المنهاج"، وقال القاضي أبو إسحاق: والنهي كذلك، يعني: النهي عن الشيء أمر بضده، وكذا يقتضيه عقلًا، لأن النهي طلب فعل الضد، فيكون أمرًا بالضد، وتمام تقريره مذكور في موضعه. قوله: (أمرًا بما هو الواجب): مفعول له لقوله: "وجيء به مقيدًا (بِالْقِسْطِ) "، وقوله: "أي: ليكن الإيفاء على وجه العدل والسوية من غير زيادة ولا نقصان": معترضة بين العامل والمعمول تفسيرًا وبيانًا، و"على وجه العدل": خبر "ليكن".
[ ٨ / ١٦٠ ]
لأن ما جاوز العدل فضل وأمر مندوب إليه.
وفيه توقيف على أنّ الموفى عليه أن ينوى بالوفاء بالقسط، لأنّ الإيفاء وجه حسنه أنه قسط وعدل، فهذه ثلاث فوائد.
البخس: الهضم والنقص. ويقال للمكس: البخس. قال زهير:
_________________
(١) قوله: (لأن ما جاوز العدل فضل): تعليل لقوله: "جيء به مقيدًا (بِالْقِسْطِ) أمرًا بالواجب"، يعني: تقييده بـ (الْقِسْطِ) لبيان أمر الوجوب، وأنه لا يجوز أن ينقص، لأنه لا يصح التجاوز عنه، لأن ما جاوز العدل فضل. قوله: (وفيه توقيف): أي: في القيد (بِالْقِسْطِ) إيذان بأن القسط مطلوب مطلقًا، وإنما حسن الإيفاء لأنه قسط وعدل، لا أنه إيفاء، وقد يكون محظورًا كما في الربا، فالواجب على من يوفي أن ينوي القسط. قوله: (فهذه ثلاث فوائد): فذلكة للجواب عن السؤال بقوله: "فما فائدة قوله: (أَوْفُوا)؟ " أي: في الإتيان بقوله: (أَوْفُوا)، وعدم الاقتصار على النهي عن النقصان: ثلاث فوائد: الأولى: زيادة الترغيب، والثانية: بيان الواجب، وأن الزيادة فضل، والثالثة: الإشعار بأن العدل مطلوب لذاته، وهذه الفائدة مدمجة في الكلام، ولهذا قال: "وفيه توقيف" إلى آخره. قوله: (البخس: الهضم والنقص): يعني: هو لفظ مشترك بين هذين المعنيين، وربما استعملوه في المكس أيضًا، وقوله: "وكانوا يأخذون" إلى آخره: بين استعماله في هذه المعاني، قال القاضي: " (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) تعميم بعد تخصيص، فإنه أعم من أن يكون مقدارًا أو غيره، وكذا (وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)، فإن العثو يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد".
[ ٨ / ١٦١ ]
وَفِى كُلِّ مَا بَاعَ امْرُؤٌ بَخْسُ دِرْهَمِ
وروي: مكس درهم، وكانوا يأخذون من كل شيء يباع شيئًا، كما تفعل السماسرة. أو كانوا يمكسون الناس. أو كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء، فنهوا عن ذلك.
_________________
(١) قوله: (وفي كل ما باع امرؤ بخس درهم): أوله: وفي كل أسواق العراق إتاوة "الإتاوة": الخراج، والجمع: الأتاوى، يريد به أخذ الخراج والعشور وما هو للقوم في الأسواق من رسوم الظلم. قوله: (السماسرة): "المغرب": "السمسار- بكسر الأول-: المتوسط بين البائع والمشتري، فارسية معرب، والجمع: السماسرة، وفي الحديث: "كنا ندعى السماسرة، فسمانا النبي ﷺ التجار"، ومصدره: السمسرة"، وقال الأزهري في تفسير قوله: "لا يبع حاضر لباد": أنه لا يكون سمسارًا". قوله: (يمكسون الناس): أي: يأخذون العشر، الجوهري: "مكس في البيع يمكس
[ ٨ / ١٦٢ ]
والعثي في الأرض نحو السرقة والغارة وقطع السبيل. ويجوز أن يجعل التطفيف والبخس عثيا منهم في الأرض.
(بَقِيَّتُ اللَّهِ) ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم (خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بشرط أن تؤمنوا، وإنما خوطبوا بترك التطفيف والبخس والفساد في الأرض وهم كفرة بشرط الإيمان.
فإن قلت: بقية الله خير للكفرة، لأنهم يسلمون معها من تبعة البخس والتطفيف، فلم شرط الإيمان؟
_________________
(١) - بالكسر- مكسًا، وماكس مماكسة ومكاسًا، والمكس أيضًا: الجباية، والماكس: العشار". قوله: (والعثي في الأرض: نحو السرقة والغارة)، الراغب: "العثي والعيث: يتقاربان، نحو: جذب وجبذ، إلا أن العيث أكثر ما يستعمل في الفساد الذي يدرك حسًا، والعثي فيما يدرك حكمًا، يقال: عثي يعثى عثيًا، ومنه: (وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة: ٦٠] ". قوله: (بشرط أن تؤمنوا، وإنما نهوا عن التطفيف والبخس … - وهم كفرة- بشرط الإيمان)، الانتصاف: "المعتزلة يزعمون أن الكفار لا يخاطبون بالفروع، أمرًا ولا نهيًا، وهذه الآية تدل على خطابهم بما يشترط فيه الإيمان، وقد أقرها الزمخشري على ذلك". قوله: (فإن قلت: بقية الله خير للكفرة): فيه رمز خفي إلى مذهبه، يعني: أن المستحسنات المعقولة لا يتوقف حسنها على انضمام الإيمان، فإن الاحتراز عن رذائل الأخلاق حسن في نفسه. وخلاصة الجواب: أنها وإن كانت مستحسنة عقلًا، لكن لا تقع
[ ٨ / ١٦٣ ]
قلت: لظهور فائدتها مع الإيمان؛ من حصول الثواب مع النجاة من العقاب، وخفاء فائدتها مع فقده؛ لانغماس صاحبها في غمرات الكفر. وفي ذلك استعظام للإيمان، وتنبيه على جلالة شأنه.
ويجوز أن يراد: إن كنتم مصدقين لي فيما أقول لكم وأنصح به إياكم. ويجوز أن يراد. ما يبقى لكم عند الله من الطاعات خير لكم، كقوله: (وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ) [الكهف: ٤٦].
_________________
(١) موقعها، ولا تجدي صاحبها ما لم ينضم معها الإيمان، فجعل شرط الإيمان كالسمة لها شرفًا. وقال القاضي: " (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) بشرط أن تؤمنوا، فإن خيريتها باستتباع الثواب مع النجاة، وذلك مشروط بالإيمان"، فعلى هذا: الإيمان متبوع، وعلى قول المصنف: تابع. قوله: (لظهور فائدتها مع الإيمان): يعني: إن حصلت لهم فائدة دنيوية من السلامة من الرذيلة، ومن نقص الأموال، لكن تفوت الفائدة العظمى، وهو حصول الثواب مع النجاة من العقاب. قوله: (ويجوز أن يراد: ما يبقى لكم): معطوف على قوله: "ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه". قوله: (كقوله: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ»، الراغب: "البقاء: ثبات الشيء على الحالة الأولى، ويضاده: الفناء، والباقيات الصالحات: ما يبقى ثوابه للمكلف من الأعمال، وهي كل عبادة يقصد بها وجه الله، وعلى هذا (بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) ".
[ ٨ / ١٦٤ ]
وإضافة "البقية: إلى الله من حيث أنها رزقه الذي يجوز أن يضاف إليه. وأمّا الحرام فلا يضاف إلى الله ولا يسمى رزقًا، وإذا أريد بها الطاعة فكما تقول: طاعة الله.
_________________
(١) قوله: (وأما الحرام فلا يضاف إلى الله تعالى، ولا يسمى رزقًا)، الانتصاف: "لا رازق إلا الله، وكل ما يقيم به الخلق بنيتهم فهو رزق حقيقة، وهو من الله، وأما الإضافة إلى الله للتخصيص فأمر خارج عن ذلك". وقال الإمام: "ما أبقى الله تعالى لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير من البخس والتطفيف، أما عند الله فظاهر، وأما عند الناس فإنهم إذا عرفوه بالصدق والأمانة والبعد عن الخيانة، اعتمدوا عليه، ورجعوا في كل المعاملات إليه، فينفتح عليه باب الرزق، وبالعكس إذا عرفوه بالخيانة". قلت: فعلى هذا تكون الإضافة إضافة تشريف لا تخصيص، كما تقول: بيت الله، وناقة الله، تحريضًا لهم على ترك البخس وإيفاء الكيل، ولو حمل هذه "البقية" على الطاعة والثواب، كقوله تعالى: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) [الكهف: ٤٦]، كان أظهر، لأن الدنيا بأسرها تفنى وتنقرض، وثواب الله تعالى باق، ويوافق هذا التأويل قوله: (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: كنتم تؤمنون باليوم الآخر. قوله: (وإذا أريد بها الطاعة): عطف على قوله: "وإضافة البقية إلى الله"، والمعطوف والمعطوف عليه متفرعان على تفسير (بَقِيَّةُ اللَّهِ)، فقوله: "وإضافة "البقية" من حيث إنها رزقه" متفرع على قوله: " (بَقِيَّةُ اللَّهِ) ما يبقى لكم من الحلال"، وقوله: "وإذا أريد بها الطاعة، فكما تقول: طاعة الله" متفرع على قوله: "أن يراد: ما يبقى لكم عند الله من الطاعات".
[ ٨ / ١٦٥ ]
وقرئ: "تقية الله" بالتاء وهي تقواه ومراقبته التي تصرف عن المعاصي والقبائح.
(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) وما بعثت لأحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم عليها، وإنما بعثت مبلغًا ومنبهًا على الخير وناصحًا، وقد أعذرت حين أنذرت.
[(قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَامُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)].
كان شعيب ﵇ كثير الصلوات، وكان قومه إذا رأوه يصلى تغامزوا وتضاحكوا، فقصدوا بقولهم (أَصَلواتُكَ تَامُرُكَ) السخرية والهزء، والصلاة وإن جاز أن تكون آمرة على طريق المجاز، كما كانت ناهية في قوله (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: ٤٥]،
_________________
(١) قوله: (تقواه ومراقبته)، الأساس: "ومن المجاز: رقبه وراقبه: حاذره، لأن الخائف يرقب العقاب، ومنه: فلان لا يراقب الله في أموره، ولا ينظر إلى عقابه". قوله: (والصلاة وإن جاز أن تكون آمرة على طريق المجاز): لكنهم طنزوا في جعلها آمرة، يعني: يجوز إسناد الأمر والنهي إلى الصلاة: إما على الإسناد المجازي مبالغة، لأنها سبب إلى ترك المنهيات، كأنها هي المحصلة، أو على الاستعارة المكنية؛ كأنها الشخص والناهي، هذا إذا كان المقام مقام مدح، ولو أريد الذم كان إثباته فيها على ضد تلك المبالغة، وإليه الإشارة بقوله: "إن مثله لا يدعوك إليه داعي عقل"، وجمع الصلاة وأضافها إليه، وأخبر عنه بفعل المضارع؛ ليدل على العموم بحسب الأزمان، ولهذا قال: "التي تداوم عليها في ليلك ونهارك"، قال القاضي: "فكان كثير الصلاة فلذلك جمعوا وخصوا بالذكر".
[ ٨ / ١٦٦ ]
وأن يقال: إنّ الصلاة تأمر بالجميل والمعروف، كما يقال: تدعو إليه وتبعث عليه - إلا أنهم ساقوا الكلام مساق الطنز وجعلوا الصلاة آمرة على سبيل التهكم بصلاته، وأرادوا أنّ هذا الذي تأمر به من ترك عبادة الأوثان باطل لا وجه لصحته، وأنّ مثله لا يدعوك إليه داعي عقل، ولا يأمرك به آمر فطنة، فلم يبق إلا أن يأمرك به آمر هذيان ووسوسة شيطان، وهو صلواتك التي تداوم عليها في ليلك ونهارك، وعندهم أنها من باب الجنون ومما يتولع به المجانين والموسوسون من بعض الأقوال والأفعال.
ومعنى (تأمرك أَنْ نَتْرُكَ): (تأمرك) بتكليف (أن نترك ما يَعْبُدُ آباؤُنا) لحذف المضاف الذي هو التكليف، لأنّ الإنسان لا يؤمر بفعل غيره.
وقرئ: (أَصَلاتُكَ) بالتوحيد، وقرأ ابن أبي عبلة: "أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء"، بتاء الخطاب فيهما، وهو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف والبخس، والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير. وقيل: كان ينهاهم
_________________
(١) قوله: (يتولع به): هو يتفعل؛ من الولوع، الجوهري: "الولوع: الاسم من ولعت به تولع ولعًا وولوعًا، المصدر والاسم جميعًا بالفتح، وهو مولع به- بفتح اللام- أي: مغرى به". قوله: (لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره): تعليل لتقدير المضاف، أي: لابد من هذا التقدير، لأن الترك فعل الكفار، والمأمور بقوله: (أصلواتك تأمرك): شعيب، أي: أصلواتك تأمرك بتكليفك إيانا أن نترك. قوله: (بتاء الخطاب فيهما): أي: في "تفعل" وفي "تشاء"، الانتصاف: "على هذا: "أن تفعل" معطوف على (أَن نَتْرُكَ)، وعلى المشهورة يمتنع؛ لفساد المعنى، بل هو عطف على (مَا يَعْبُدُ)، فكأنه قيل: أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نترك فعلنا في أموالنا
[ ٨ / ١٦٧ ]
عن حذف الدراهم والدنانير وتقطيمها، وأرادوا بقولهم (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) نسبته إلى غاية السفه والغيّ، فعكسوا ليتهكموا به، كما يتهكم بالشحيح الذي لا يبضّ حجره فيقال له: لو أبصرك حاتم لسجد لك. وقيل: معناه إنك للمتواصف بالحلم والرشد في قومك، يعنون أنّ ما تأمر به لا يطابق حالك وما شهرت به.
_________________
(١) ما نشاء، وهذه نكتة". قوله: (وتقطيمها): عطف على "حذف الدراهم والدنانير"، الأساس: "حذف ذنب فرسه: إذا قطع طرفه، وزق محذوف: مقطوع القوائم". قوله: (نسبته إلى غاية السفه والغي): يريد: أن في قوله: (الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) استعارة تبعية، لأن الصفة المشبهة لا تقع فيها الاستعارة، لأن المستعار في الحقيقة موصوف، والصفات والأفعال والحروف بمعزل عن أن يقعن موصوفات، فتقع الاستعارة في مصادر الأفعال والصفات، وفي متعلق معاني الحروف، ثم تسري منها إلى الصفات والأفعال والحروف، فأشار بقوله: "السفه والغي" إلى المصدرين، يعني: استعار الحلم والرشد للسفه والغواية على التهكم، ثم سرت منهما إلى الحليم الرشيد. قوله: (لا يبض حجره): قال في "الأساس": "بض الجر بقليل من الماء بضيضًا، ومن المجاز: ما يبض حجره: إذا لم يند له بخير، وما بض له بشيء من المعروف". الجوهري: "بض الماء يبض بضيضًا وبضًا، أي: سال". قوله: (إنك للمتواصف بالحلم والرشد في قومك): فعلى هذا لا يكون تهكمًا، وهو أولى، لأن هذا القول مثل قول قوم صالح قبل هذا: (يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ
[ ٨ / ١٦٨ ]
[(قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَماتَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)].
(وَرَزَقَنِي مِنْهُ) أي: من لدنه (رِزْقًا حَسَنًا) وهو ما رزقه من النبوّة والحكمة. وقيل (رِزْقًا حَسَنًا) حلالا طيبًا من غير بخس ولا تطفيف.
_________________
(١) نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) [هود: ٦٢]، ومعناه على ما ذكره: "كنا نرجوك لننتفع بك، ونسترشدك في التدابير، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا"، والدليل عليه موافقة الجوابين؛ قال هناك: (يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً) [هود: ٦٣] الآية، وها هنا: (يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا) [هود: ٨٨] الآية، وهو من باب إرخاء العنان والكلام المنصف، يعني: صدقتم فيما قلتم أني لم أزل مرشدًا لكم حليمًا فيما بينكم، لكن ما جئت به ليس غير الإرشاد والنصيحة لكم، انظروا بعين الإنصاف- وأنتم ألباء- إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي، وكنت نبيًا على الحقيقة، أيصح لي- وأنا مرشدكم وناصح لكم- أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان، والكف عن المعاصي، والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك. ثم أكد معنى الإرشاد بقوله: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ)، وأدرج معنى الحلم في قوله: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)، وأنى يستقيم هذا المعنى مع التهكم. وأما معنى التعليل في قوله: (إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ): فإنهم كانوا يعدون صلاته- كما قال- من باب الجنون وما يتولع به المجانين والموسوسون، كأنهم قالوا: الذي أتيت به من
[ ٨ / ١٦٩ ]
فإن قلت: أين جواب (أَرَأَيْتُمْ) وما له لم يثبت كما أثبت في قصة نوحٍ ولوط؟ قلت: جوابه محذوف، وإنما لم يثبت لأنّ إثباته في القصتين دلّ على مكانه، ومعنى الكلام ينادي عليه. والمعنى: أخبروني إن كنت على حجةٍ واضحةٍ ويقين من ربي، وكنت نبيًا على الحقيقة، أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي؟ والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟ يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده. ويلقاك الرجل صادرًا عن الماء فتسأله عن صاحبه؟ فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إليه واردًا وأنا ذاهب عنه صادرًا. ومنه قوله تعالى: (وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) يعني: أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها، لأستبد بها دونكم.
_________________
(١) المداومة على الصلاة من أفعال المجانين والموسوسين لا يطابق حالك وما شهرت به، لأنك كنت متواصفًا بالحلم والرشد في قومك، والله أعلم. قوله: (كما أثبت في قصة نوح ولوط ﵉): والصحيح: قصة نوح وصالح؛ أما في قصة نوح: فهو قوله: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) [هود: ٢٨]، الجواب: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا)، أي: أنكرهكم على قبولها وأنتم لا تختارونها، وأما في قصة صالح: فهو (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) [هود: ٦٣]، الجواب: (فَمَنْ يَنصُرُنِي)، أي: أخبروني إن تركت البينة وتابعتكم، فمن يمنعني من عذاب الله، وليس في قصة لوط شيء من هذا. ولما كانت الآيتان قريبتي العهد؛ لكونهما في هذه السورة، صلحتا أن تكونا قرينتين للحذف، والمقدر ها هنا هو قوله: "أيصح لي أن لا آمركم"، وهو اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير المألوفات.
[ ٨ / ١٧٠ ]
(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ) ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتى ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهي عن المنكر (مَا اسْتَطَعْتُ) ظرف، أي: مدّة استطاعتي للإصلاح، وما دمت متمكنًا منه لا آلو فيه جهدًا. أو: بدل من (الإصلاح)، أي: المقدار الذي استطعته منه. ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف على قولك: إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعول له كقوله:
_________________
(١) قوله: (أو مفعول له): أي: مفعول به للإصلاح، ففيه إيهام، فالحاصل: أن (مَا اسْتَطَعْتُ): إما ظرف زمان؛ أي: مدة استطاعتي، أو بدل من الإصلاح؛ أي: المقدار الذي استطعته منه، أو على حذف المضاف؛ أي: إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولًا به، فعلى هذا قوله: "ويجوز أن يكون" عطف من حيث المعنى على قوله: "المقدار"، وكلاهما مبنيان على البدلية؛ إما بدل البعض من الكل، وإما بدل الاشتمال. الانتصاف: "الظاهر أنها ظرف في قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، كذا ها هنا، وجعله معمولًا للمصدر المعرف باللام بعيد عن فصاحة القرآن، وقالوا: لم يوجد منه في التنزيل إلا عمله في المجرور في قوله تعالى: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ) [النساء: ١٤٨] ". قال القاضي: " (إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) إشارة إلى ما آتاه الله من العلم والنبوة، (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا) إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال، وجواب الشرط محذوف، أي: فهل يسع لي مع هذا الإنعام الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه، (وَرَزَقَنِي مِنْهُ) أي: من عنده وبإعانته بلا كد مني. وقوله: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) أي: ما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه لأستبد به، فلو كان صوابًا لآثرته، ولم أعرض عنه، فضلًا أن أنهاكم عنه، وقوله:
[ ٨ / ١٧١ ]
ضَعِيفُ النِّكايِة أَعْدَاءَهُ
أي: ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم.
(وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ) وما كوني موفقًا لإصابة الحق فيما آتي وأذر، ووقوعه موافقًا لرضا الله إلا بمعونته وتأييده. والمعنى: أنه استوفق ربه في إمضاء الأمر على سننه،
_________________
(١) (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ) أي: ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري بالمعروف ونهي عن المنكر ما دمت أستطيع الإصلاح. ولهذه الأجوبة على هذا النسق شأن، وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة: أهمها وأعلاها: حق الله، وثانيها: حق النفس، وثالثها: حق الناس، وكل ذلك يقتضي أن آمركم بما أمرتكم به، وأنهاكم عما نهيتكم عنه"، هذا كلام حسن. قوله: (ضعيف النكاية أعداءه): تمامه: يخال الفرار يراخي الأجل النكاية في الأعداء: الأثر فيهم بالجراحة والهزيمة، نصب "الأعداء" بالنكاية، وهو مصدر معرف، وهو ضعيف، لأنه يبعد حينئذ عن مشابهة الفعل، يقول: لا ينكي العدو خوفًا على نفسه، ويفر منا لمحاربة، ويظن أن الفرار يؤخر أجله. قوله: (استوفق ربه): أي: طلب التوفيق منه تعالى.
[ ٨ / ١٧٢ ]
وطلب منه التأييد والإظهار على عدوّه، وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم فيه.
[(وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ* وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ)].
«جرم»: مثل كسب؛ في تعديه إلى مفعول واحد، وإلى مفعولين تقول: جرم ذنبًا وكسبه، وجرمته ذنبًا وكسبته إياه، قال:
جَرِمَتْ فَزَارَةُ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا
_________________
(١) قوله: (وفي ضمنه تهديد للكفار): يعني: أدمج في قوله: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ) معنى التهديد، فإن ظاهره مسوق بأنه استوفق ربه في إمضاء الأمر على سننه، وطلب منه التأييد والإظهار، وفي ضمنه إشارة إلى تهديد الكفار، وهذا المعنى إنما يستقيم ظاهرًا إذا حمل قوله: (إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) على أنك المتواصف بالحلم والرشد، يعني: كنت فينا مرجوًا قبل هذا، فانته عما أنت عليه الآن، وصدق رجاءنا فيك، فأجابهم بما كان فيه حسم لأطماعهم، وموجب لوحشتهم وعداوتهم، وذيله بقوله: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ)، يعني: اقطعوا الطمع عني، فإني لا أرجع عن النصيحة وما يوجب الإصلاح، فافعلوا ما قدرتم أن تفعلوه، فإن لي من أستوفقه وأتوكل عليه، فهو كافكم عني ومهلككم بسبب إيذائكم إياي، كما قال نوح: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) [يونس: ٧١]. قوله: (جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا): أوله: ولقد طعنت أبا عيينة طعنة
[ ٨ / ١٧٣ ]
ومنه قوله تعالى: (لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ) أي: لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب. وقرأ ابن كثير بضم الياء، من أجرمته ذنبًا، إذا جعلته جارمًا له، أي: كاسبًا، وهو منقول من "جرم" المتعدي إلى مفعول واحد، كما نقل: أكسبه المال، من كسب المال. وكما لا فرق بين "كسبته مالًا" و"أكسبته إياه"، فكذلك لا فرق بين "جرمته ذنبًا" و"أجرمته إياه". والقراءتان مستويتان في المعنى لا تفاوت بينهما، إلا أن المشهورة أفصح لفظًا، كما إن كسبته مالا أفصح من "أكسبته"، والمراد بالفصاحة: أنه على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدور، وهم له أكثر استعمالًا.
وقرأ أبو حيوة، ورويت عن نافع: "مِثْلُ ما أَصابَ"، بالفتح لإضافته إلى غير متمكن، كقوله:
لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ
_________________
(١) والمعنى ظاهر. قوله: (أي: لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب): قال الزجاج: "لا يكسبنكم عداوتكم إياي أن يصيبكم عذاب الآجلة". قوله: (لإضافته إلى غير متمكن): لأن "مثل" و"غير" مع "ما" و"أن"- مخففة ومشددة-: يجوز بناؤهما على الفتح وإعرابهما. قوله: (لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت): تمامه: حمامة في غصون ذات أو قال
[ ٨ / ١٧٤ ]
(وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) يعني: أنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدكم، فهم أقرب الهالكين منكم. أولا يبعدون منكم في الكفر والمساوى وما يستحق به الهلاك.
فان قلت: ما لـ"بعيد" لم يرد على ما يقتضيه "قوم" من حمله على لفظه أو معناه؟ قلت: إما أن يراد: وما إهلاكهم ببعيد، أو ما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان بعيد. ويجوز أن يسوى في "قريب" و"بعيد"، و"قليل" و"كثير"، بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.
(رَحِيمٌ وَدُودٌ) عظيم الرحمة للتائبين، فاعل بهم ما يفعل البليغ المودّة بمن يودّه، من الإحسان والإجمال.
_________________
(١) الضمير في "منها": للراحلة، أي: لا يمنعها من الشرب إلا أنها سمعت صوت حمامة، فنفرت، يريد أنها حديدة الحس فيها فزع وذعر لحدة نفسها، وذلك محمود فيها، "الأوقال": جمع وقل، وهي كالحجارة، أي: غصون نابتة بأرض ذات أحجار، وقيل: الوقل: شجر المقل. قوله: (ما لـ "بعيد" لم يرد على ما يقتضيه "قوم" من حمله على لفظه أو معناه): لأن لفظ "قوم" يقتضي "ببعيدة"، لأن "القوم" مؤنث، لقوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ) [الشعراء: ١٠٥]، ومعناه يقتضي "ببعداء"، لأنه اسم جمع، فعلم من كلامه أن الأصل في "القوم" أن يؤنث، وإذا حمل على التذكير يؤول، وبخلافه قال الجوهري، وهو أن "القوم يذكر ويؤنث، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت للآدميين تذكر وتؤنث، مثل: رهط ونفر وقوم، قال تعالى: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ) [الأنعام: ٦٦] ". قوله: (البليغ المودة): الود: محبة الشيء وتمني كونه، ويستعمل في كل من المعنيين، على
[ ٨ / ١٧٥ ]
[(قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ* قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ* وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَاتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ* وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ* كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ)].
(ما نَفْقَهُ) ما نفهم (كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) لأنهم كانوا لا يلقون إليه أذهانهم رغبة عنه وكراهية له، كقوله (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ) [الأنعام: ٢٥]، أو: كانوا يفقهونه ولكنهم لم يقبلوه، فكأنهم لم يفقهوه. وقالوا ذلك على وجه الاستهانة به، كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول، أو: جعلوا كلامه هذيانًا وتخليطًا، لا ينفعهم كثير منه، وكيف لا ينفعهم كلامه وهو خطيب الأنبياء؟ ! وقيل: كان ألثغ.
_________________
(١) أن التمني يتضمن معنى الود، لأن التمني هو تشهي حصول ما توده، فمن المودة التي تقتضي المحبة المجردة قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) [الشورى: ٢٣]، وقوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) [البروج: ١٤]، ومن المودة التي تقتضي مجرد التمني قوله تعالى: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) [الحجر: ٢]. قوله: (وكيف لا ينفعهم كلامه، وهو خطيب الأنبياء): استفهام على سبيل الإنكار.
[ ٨ / ١٧٦ ]
(فِينا ضَعِيفًا) لا قوة لك ولا عز فيما بيننا، فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروها. وعن الحسن (ضَعِيفًا) مهينًا. وقيل (ضَعِيفًا) أعمى. وحمير تسمى المكفوف: ضعيفًا، كما يسمى ضريرًا، وليس بسديد، لأنّ (فِينا) يأباه.
ألا ترى أنه لو قيل إنا لنراك فينا أعمى، لم يكن كلامًا، لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولذلك قللوا قومه حيث جعلوهم "رهطًا". والرهط: من الثلاثة إلى العشرة. وقيل: إلى السبعة. وإنما قالوا: ولولاهم، احترامًا لهم واعتدادًا بهم، لأنهم كانوا على ملتهم، لا خوفا من شوكتهم وعزتهم (لَرَجَمْناكَ) لقتلناك شرّ قتلة (وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) أي: لا تعزّ علينا ولا تكرم، حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن الرجم. وإنما يعزّ علينا رهطك، لأنهم من أهل ديننا لم يختاروك علينا ولم يتبعوك دوننا.
وقد دلّ إيلاء ضميره حرف النفي على أنّ الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل،
_________________
(١) قوله: (ولذلك قللوا): أي: لأن المراد بقوله: (فِينَا ضَعِيفًا): لا قوة لك ولا عز فيما بيننا، فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروهًا، قللوا قومه حيث جعلوهم رهطًا. قوله: (وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام [واقع] في الفاعل، لا في الفعل): يعني: في كون التردد في الفاعل، لا في الفعل، وكذا عن صاحب "المفتاح"، وذلك بأن يكون هناك وجود فعل وعالم به، لكنه مخطئ في فاعله، أو في تفصيل فاعله، وأنت تقصد أن ترده إلى الصواب، وهذا يقتضي أن يكون أصل الكلام: "ما عززت أنت"، فقدم "أنت" للاختصاص.
[ ٨ / ١٧٧ ]
كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيز، بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك قال في جوابهم (أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ)،
_________________
(١) وإنما التزمنا التقديم لأن "ما" لنفي الحال، وللحال اختصاص بالزمان، والقياس أن يكون مدخولها فعلًا أو شبهه، وحيث وجد الاسم لا سيما الضمير دل على أن التقديم للاهتمام والاختصاص، قال صاحب "الإيضاح"؛ في البيان: "في كلاهما نظر، لأنا لا نسلم أن إيلاء الضمير حرف النفي إذا لم يكن الخبر فعليًا يفيد الحصر"، يقال له على ما بينا: إن قياس "ما" أن يكون مدخولها فعلًا أو شبهه، فحين وجد بعده الاسم دل على التقديم المفيد للتخصيص، سواء كان الخبر فعلًا أو شبهه، ولأن الذوق شاهد صدق بالفرق بين قولنا: "ما عززت علينا"، وبين: "ما أنت علينا بعزيز". على أن القائل صرح في كتابه: أن الشيخ عبد القاهر ذكر في كلامه ما يفهم منه: أن ما يلي حرف النفي يفيد التخصيص قطعًا، مضمرًا كان أو مظهرًا، معرفًا أو منكرًا، من غير شرط، فكيف يخالفه ويشترط كونه فعليًا؟ ! قوله: (ولذلك قال في جوابهم: (أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ»: وقال صاحب "الإيضاح" أيضًا: "هذا الاستدلال ليس بشيء، لجواز أن يفهم عزتهم من قوله: (وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ)، ونفي العزة عنه من قوله: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) ". فيقال: استدلالنا بإفادة التخصيص على مطابقة الجواب لا عكسه، يعني: ما نقول إنه يفيد الاختصاص لمطابقة الجواب، بل نقول: الجواب إنما طابقه لأنه يفيد الاختصاص،
[ ٨ / ١٧٨ ]
ولو قيل: وما عززت علينا، لم يصح هذا الجواب.
فإن قلت: فالكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله (أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ)؟ قلت: تهاونهم به - وهو نبيّ الله - تهاون بالله، فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله. ألا ترى إلى قوله تعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) [النساء: ٨٠].
_________________
(١) وإفادته الاختصاص بسبب التقديم والإيلاء. بل الاعتراض ليس بشيء، لأن قوله: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) تقرير لقوله: (وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ) على الطرد والعكس؛ عنادًا منهم، فلابد من اعتبار دلالتي المنطوق والمفهوم في كل من اللفظين، واستقلاله فيهما. قوله: (ولو قيل: "وما عززت علينا"، لم يصح الجواب): لأن الكلام حينئذ في عزته فقط، فالجواب المطابق: لِمَ لم أكن عزيزًا بما شرفني الله برسالته، أهديكم على سبيل الرشاد، وأخلصكم من ورطة الضلالات، فإذن لا مدخل للقوم فيه، ولا وجه لقوله: (أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ)، بخلاف التقديم. قوله: (فالكلام واقع فيه وفي رهطه): الفاء فيه دل على تفريع السؤال على الأول، وفي "فكيف" على الإنكار، يعني: أن القوم نفوا العزة عنه رأسًا، وأثبتوها لرهطه، فلم ذكر "الله" ﷿، وأتى بـ "أفعل" الذي يقتضي الشركة في العزة المنفية؟ وأجاب بما ينبئ عن أن له نسبة إلى الله بكونه نبيه ومبعوثًا من عنده، وله أيضًا قرابة ورحم بالقوم، فتهاونهم لأجل أنه نبي الله، ومراعاته لأجل القوم: يقتضي أن يكون الرهط أعز من الله، تقرير آخر. وكان من حق الظاهر أن يجيب ﵇ عنهم: "أرهطي عزيز دوني"، لكن أراد: إنكم
[ ٨ / ١٧٩ ]
(وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) ونسيتموه وجعلتموه كالشئ المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به، و"الظهريّ": منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب. ونظيره قولهم في النسبة إلى "أمس": "إمسيّ" (بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) قد أحاط بأعمالكم علمًا، فلا يخفى عليه شيء منها.
(عَلى مَكانَتِكُمْ) لا تخلو المكانة من أن تكون بمعنى المكان، يقال: مكان ومكانة، ومقام ومقامة. أو تكون مصدرًا من مكن مكانة فهو مكين. والمعنى: اعملوا قارّين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك والشنآن لي،
_________________
(١) راعيتم نسبة قرابتي إلى الرهط، وضيعتم نسبتي إلى الله ﷾ بالنبوة، فكأنكم زعمتم أن القوم أعز من الله، فكما أن القوم بالغوا في المكافحة، حيث كرروا نفي العزة عنه، وإثباتها لهم، بالغ نبي الله في الرد عليهم، وأظهر مدح نفسه ومكانته من الله ﷿، نظيره قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [الأحزاب: ٥٧]، أي: يؤذون رسول الله، ولما كان رسول الله ﷺ من الله تعالى بمنزلة ومكانة جعل أذاهُ أذاه. وقوله: (إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) تهديد عظيم، ومن ثم قال: "قد أحاط بأعمالكم علمًا"، أي: يجازيكم لأجل استهانة نبيه المستلزم لاستهانته، وقوله: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا) اعتراض على نحو قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) [النساء: ١٢٥]، قال المصنف: "لو جعلتها معطوفة على ما قبلها لم يكن لها معنى"، وفائدته: تأكيد التهاون بالله، وأنهم قوم عادتهم أن لا يعبؤوا بالله، ويجعلوه كالشيء المنبوذ، وهذا من ذاك القبيل. قوله: (اعملوا قارين على جهتكم): هذا على أن تكون "المكانة" من المكان، فيجوز أن يكون تمثيلًا وأن يكون كناية، كقولهم: فلان يتحرك من مكانه، أي: مما نشأ فيه من سجيته
[ ٨ / ١٨٠ ]
أو اعملوا متمكنين من عداوتي مطيقين لها (إِنِّي عامِلٌ) على حسب ما يؤتيني الله من النصرة والتأييد ويمكنني (مَنْ يَاتِيهِ) يجوز أن تكون "مَنْ" استفهامية معلقة لفعل العلم عن عمله فيها، كأنه قيل: سوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه، وأينا هو كاذب، وأن تكون موصولة قد عمل فيها، كأنه قيل: سوف تعلمون الشقيّ الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب.
فإن قلت: أي: فرق بين إدخال الفاء ونزعها في (سَوْفَ تَعْلَمُونَ)؟ قلت: إدخال الفاء: وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، ونزعها: وصل خفي تقديريّ بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدّر، كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وعملت أنت؟ فقال: سوف تعلمون، فوصل تارة بالفاء وتارة بالاستئناف، للتفنن في البلاغة كما هو عادة بلغاء العرب، وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف، وهو باب من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه.
_________________
(١) وهجيراه، قال في آخر الأنعام: "اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله: على مكانتك يا فلان". قوله: (الاستئناف، وهو باب من أبواب علم البيان، تتكاثر محاسنه): قال صاحب "المفتاح": "الاستئناف لا يصار إليه إلا لجهات لطيفة؛ إما لتنبيه السامع على موقعه، أو لإغنائه أن يسأل، أو لئلا يسمع منه شيء، أو لئلا يقطع كلامك بكلامه، أو للقصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ، وهو تقدير السؤال وترك العاطف، أو غير ذلك".
[ ٨ / ١٨١ ]
(وَارْتَقِبُوا) وانتظروا العاقبة وما أقول لكم (إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أي: منتظر. والرقيب بمعنى الراقب، من رقبه، كالضريب والصريم بمعنى الضارب والصارم. أو بمعنى المراقب، كالعشير والنديم. أو بمعنى المرتقب، كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع.
فإن قلت: قد ذكر عملهم على مكانتهم وعمله على مكانته، ثم أتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم،
فكان القياس أن يقول: من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو صادق، حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزيه إلى الجاحدين، ومن هو صادق إلى النبي المبعوث إليهم. قلت: القياس ما ذكرت، ولكنهم لما كانوا يدعونه كاذبًا قال (وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) يعني في زعمكم ودعواكم، تجهيلًا لهم.
_________________
(١) قوله: (وما أقول لكم): عطف تفسيري على قوله: "العاقبة"، وما قال هو قوله: (مَنْ يَاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ). قوله: (قد ذكر عملهم على مكانتهم، وعمله على مانته، ثم أتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم): يعني: قوله: (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ) اشتمل على عمل الصادق والكاذب؛ منه ومنهم، فلم يذكر في قوله: (مَنْ يَاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) الآية، إلا الكاذب منهم، والآية بيان لذكر عاقبة العاملين من الفريقين، فما وجه ذلك؟ وأجاب: أن المراد من قوله: (وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ): الصادق، لكن جرى "الكاذب" على مرون ألسنتهم تجهيلًا لهم. قال القاضي: " (وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ) عطف على (مَنْ يَأتِيهِ)،
[ ٨ / ١٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لا لأنه قسيم له، بل لأنهم لما أوعدوه وكذبوه قال: سوف تعلمون من المعذب والكاذب مني ومنكم". الانتصاف: "الظاهر أن الكلامين جميعًا للكفار، فقوله: (مَنْ يَاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) فيه ذكر جزائهم، (وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ) ذكر جرمهم الذي هو الكذب، وهو من عطف الصفة، والموصوف واحد، كقولك: وستعلم من يهان ومن يعاقب، فيكون ذكر كذبهم تعريضًا بصدقه، وهو في بعض الأحيان أوقع من التصريح، ولذلك لم يذكر عاقبة شعيب استغناء عنها بذكر عاقبتهم، وفي أول السورة: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ) [هود: ٣٩]، ولم يذكر القسم الآخر، وفي الأنعام: (مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ) [الأنعام: ١٣٥]، فذكر عاقبة الخير وحدها، لأن "العاقبة" إذا أطلقت فهي للخير، كقوله تعالى: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: ١٢٨، والقصص: ٨٣] "، ولأن اللام في (لَهُ) تدل على أنها ليست عليه، بل له. وقلت: ليس وزان هذه الآية وزان قوله: (مَنْ يَاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ) [هود: ٣٩]، لأن السابق- وهو قوله: (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ) -، واللاحق- (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) - مشتملان على ذكر المحق والمبطل، كأنه قيل: اعملوا على عداوتي، إني عامل في عداوتكم، فسوف تعلمون عاقبة عملي وعاقبة عملكم، وانتظروا أنتم العاقبة، إني منتظر معكم. ومن ثم كرر لفظة "من"، ولو أريد ما قالاه لقيل: فسوف تعلمون من كذب وجوزي به، بخلافه هناك، فإنه عطف الصلة على الصلة.
[ ٨ / ١٨٣ ]
فإن قلت: ما بال ساقتي قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو، والساقتان الوسطيان بالفاء؟ قلت: قد وقعت الوسطيان بعد ذكر الوعد، وذلك قوله (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) [هود: ٨١]، (ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) [هود: ٦٥]، فجيء بالفاء الذي هو للتسبيب، كما تقول: وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت. وأما الأخريان فلم تقعا بتلك المثابة. وإنما وقعنا مبتدأتين، فكان حقهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما كما تعطف قصةٌ على قصة.
"الجاثم": اللازم لمكانه لا يريم، كاللابد، يعني: أن جبريل صاح بهم صيحة فزهق روح كل واحد منهم بحيث هو قعصًا.
(كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا) كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين متردّدين. "البعد": بمعنى البعد وهو الهلاك، كالرشد بمعنى الرشد. ألا ترى إلى قوله (كَما بَعِدَتْ)؟ وقرأ السلمى: "بعدت" بضم العين، والمعنى في البناءين واحد، وهو نقيض القرب، إلا أنهم أرادوا التفصلة بين البعد من جهة الهلاك وبين غيره، فغيروا البناء،
_________________
(١) قوله: (ساقتي قصة عاد وقصة مدين): أما سياقة قصة عاد فهو: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا) [هود: ٥٨]، وأما سياقة قصة مدين فهو: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا) [هود: ٩٤]، والوسيطان: الأولى: قصة ثمود: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا) [هود: ٦٦]، والأخرى: قصة لوط: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) [هود: ٨٢]. قوله: (لا يريم كاللابد)، الجوهري: "رامه يريمه ريمًا، أي: برحه"، و"لبد الشيء بالأرض يلبد لبودًا: لصق بها". قوله: (قعصًا): بالقاف المفتوحة وسكون العين المهملة والصاد المهملة، الأساس: "قعصه وأقعصه: قتله مكانه، ومات فلان قعصًا"، وهو حال من فاعل "زهق".
[ ٨ / ١٨٤ ]
كما فرقوا بين ضماني الخير والشر فقالوا: وعد وأوعد، وقراءة السلمي جاءت على الأصل اعتبارًا لمعنى البعد من غير تخصيص، كما يقال: ذهب فلان ومضى، في معنى الموت. وقيل: معناه بعدًا لهم من رحمة الله كما بعدت ثمود منها.
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ* إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ* يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ* وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ)].
(بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) فيه وجهان: أن يراد أنّ هذه الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوّته، وأن يراد بـ"السلطان المبين": العصا، لأنها أبهرها.
(وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) تجهيل لمتبعيه حيث شايعوه على أمره، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل، وذلك أنه ادّعى الإلهية،
_________________
(١) قوله: (سلطان مبين لموسى)، الراغب: "السلاطة: التمكن من القهر، يقال: سلطته، ومنه سمي السلطان، وسمي الحجة سلطانًا؛ لما للحق من الهجوم على القلب، لكن أكثر تسلطه على أهل العلم والحكمة، وقوله تعالى: (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) [الحاقة: ٢٩]: يحتمل السلطانين، وسلاطة اللسان: القوة على المقال، وذلك في الذم أكثر استعمالًا، يقال: امرأة سليطة". قوله: (وأن يراد بـ "السلطان المبين": العصا): من عطف الخاص على العام للشرف، وعلى الأول: من باب العطف التجريدي، نحو: مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة، كأنه جرد من الآيات الحجة، وجعلها غيرها، وعطفها عليها، وهي هي، ومن ثم قال: "إن هذه الآيات فيها سلطان مبين"، كقوله تعالى: (لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ) [فصلت: ٢٨]. قوله: «وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) تجهيل لمتبعيه): لأن حق الظاهر أن يقال: أمر فرعون غي وضلال، فأتى (بِرَشِيدٍ)، ونفاه تجهيلًا للقوم، وتصويرًا لتلك الحالة التي وقع
[ ٨ / ١٨٥ ]
وهو بشر مثلهم، وجاهر بالعسف والظلم والشر الذي لا يأتي إلا من شيطان مارد، ومثله بمعزلٍ من الإلهية ذاتًا وأفعالًا، فاتبعوه وسلموا له دعواه، وتتابعوا على طاعته. و"الأمر الرشيد": الذي فيه رشد، أى: وما في أمره رشد إنما هو غىّ صريح وضلال ظاهر مكشوف، وإنما يتبع العقلاء من يرشدهم ويهديهم، لا من يضلهم ويغويهم.
وفيه أنهم عاينوا الآيات والسلطان المبين في أمر موسى ﵇، وعلموا أن معه الرشد والحق، ثم عدلوا عن اتباعه إلى اتباع من ليس في أمره رشد قط.
(يَقْدُمُ قَوْمَهُ) أي: كما كان قدوة لهم في الضلال كذلك يتقدّمهم إلى النار وهم يتبعونه.
_________________
(١) الغي فيها، يعني: ما نظرتم أيها الحمقى إلى ذاته، وأنه بشر مثلكم، وإلى صفاته وأفعاله، وأنه ظالم غاشم، فكيف اتخذتموه إلهًا، أما لكم مسكة؟ ! قوله: (ذاتًا وأفعالًا)، أي: مثله بمعزل الإلهية ذاتًا حيث هو بشر، وأفعالًا حيث جاهر بالعسف، لكن في قوله: "إلا من شيطان مارد"، رمز إلى ما قال في سورة الزخرف عند قوله: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) [الزخرف: ٨١]: "ونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله خالقًا للكفر في القلوب ومعذبًا عليه عذابًا سرمدًا، فأنا أول من يقول: هو شيطان وليس بإله". قوله: (تتايعوا)، الفائق: "التتايع: التهافت والتسارع إليه؛ من: تاع؛ إذا عجل". قوله: (وفيه أنهم عاينوا الآيات)، أي: وفي جعل (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) قيدًا
[ ٨ / ١٨٦ ]
ويجوز أن يريد بقوله: (وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) وما أمره بصالح حميد العاقبة. ويكون قوله (يَقْدُمُ قَوْمَهُ) تفسيرًا لذلك وإيضاحًا، أى: كيف يرشد أمر من هذه عاقبته. و"الرشد" مستعمل في كل ما يحمد ويرتضى، كما استعمل "الغيّ" في كل ما يذم ويتسخط. ويقال: قدمه بمعنى: تقدّمه. ومنه: قادمة الرجل، كما يقال: قدمه بمعنى تقدّمه. ومنه مقدّمة الجيش. وأقدم بمعنى تقدّم. ومنه مقدّم العين.
فإن قلت: هلا قيل: يقدم قومه فيوردهم؟ ولم جيء بلفظ الماضي؟ قلت: لأن الماضي يدل على أمرٍ موجود مقطوع به، فكأنه قيل: يقدّمهم فيوردهم النار لا محالة،
_________________
(١) لـ "اتبعوا"، والمراد الغي، وترتب (فَاتَّبَعُوا) بالفاء على (أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ): الإشارة إلى تعكيس رأيهم، وهو أن إرسال موسى بالآيات الظاهرة والبراهين الساطعة موجب للهدى والرشد في الدنيا والفلاح في العقبى، فآثروا عليه متابعة من أوقعهم في الغي والضلال في الدنيا وأوردهم النار في العقبى، كقوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) [القصص: ٨]. قوله: (ويجوز أن يريد بقوله: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ): وما أمره بصالح حميد العاقبة): عطف على قوله: "الأمر الرشيد: الذي فيه رشد"، و"الرشد" على الأول: حقيقة، لأنه في مقابل "الغي"، ولهذا قال: "إنما هو غي صريح"، وعلى الثاني: مجاز عن العاقبة الحميدة، ومن ثم قال: "الرشد: مستعمل في كل ما يحمد ويرتضى". (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ): حال من فاعل (فَاتَّبَعُوا)، أو من المفعول، وهو المختار عنده لقوله: "على أمره، وهو ضلال مبين". وقوله: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ) على الأول: استئناف، كأنه قيل: ما مآل حالهم في متابعة هذا الضال المغوي؟ قيل: يقدمهم يوم القيامة فيوردهم النار. وعلى الثاني: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ) بيان لقوله:
[ ٨ / ١٨٧ ]
و(الْوِرْدُ) المورود. و(الْمَوْرُودُ) الذي وردوه. شبه بالفارط الذي يتقدّم الواردة إلى الماء. وشبه أتباعه بالواردة، ثم قيل: بئس الورد الذي يردونه النار؛ لأنّ الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، والنار ضدّه.
(وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ) في هذه الدنيا (لَعْنَةً) أي: يلعنون في الدنيا، ويلعنون في الآخرة (بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) رفدهم. أي: بئس العون المعان. وذلك أنّ اللعنة في الدنيا رفد للعذاب ومدد له،
_________________
(١) (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)، لأن معناه حينئذ: كان أمر فرعون مذمومًا مسخوطًا عليه سيء الخاتمة، فجاء قوله: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ) موضحًا له، وبيانًا لسوء العاقبة. قوله: (أي: بئس العون المعان): سميت اللعنة عونًا، لأنها إذا تبعتهم في الدنيا تبعتهم في الأخرى، لتبعدهم عن رحمة الله، وتعينهم على ما هم عليه من الضلال، وتمدهم في طغيانهم وعمههم، فسمي رفدًا- أي: عونًا- لهذا المعنى على التهكمية، كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع وقولهم: "عتابه السيف". وأما كونه "معانًا" لأنها أرفدت في الآخرة بلعنة أخرى، ليكونا هاديين إلى طريق الجحيم، (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) [الصافات: ٢٣]، وكان القياس أن يسند المرفود إليهم، لأن اللعنة في الدنيا تبعتهم، وكذا في الآخرة، لقوله تعالى: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ) [هود: ٦٠]، ولكن أسند إلى الرفد- الذي هو اللعنة- على الإسناد المجازي، نحو: جد جده، وجنونك مجنون.
[ ٨ / ١٨٨ ]
وقد رُفدت باللعنة في الآخرة. وقيل: بئس العطاء المعطى.
[(ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ* وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ)].
(ذلِكَ) مبتدأ، (مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ) خبر بعد خبر، أي: ذلك النبأ بعض أنباء القرى المهلكة مقصوص عليك (مِنْها) الضمير للقرى، أي: بعضها باق وبعضها عافي الأثر، كالزرع القائم على ساقه والذي حصد. فإن قلت: ما محل هذه الجملة؟ قلت: هي مستأنفة لا محل لها.
_________________
(١) قوله: (بئس العطاء المعطى)، الجوهري: "الرفد: العطاء والصلة، وبالفتح: المصدر، يقال: رفدته أرفده رفدًا: إذا أعطيته، وكذلك إذا أعنته، والإرفاد: الإعطاء والإعانة فيه"، واعتبار الاستعارة التهكمية والإسناد كما سبق. قوله: (هي مستأنفة): فإنه تعالى لما قص في هذه السورة أنباء الرسل وأممهم، ووخامة عاقبة المكذبين، اتجه لسائل أن يقول: هذه القرى المقصوصة، ما حالها؟ أباقية آثارها أم لا؟ فأجيب: بأن بعضها باقي الأثر، وبعضها قائم. قال أبو البقاء: " (مِنْهَا قَائِمٌ) ابتداء وخبر في موضع الحال من الهاء في (نَقُصُّهُ)، و(وَحَصِيدٌ) مبتدأ، والخبر محذوف، أي: ومنها حصيد، بمعنى: محصود"، قال القاضي: "الجملة مستأنفة، والحال ليس بصحيح؛ إذ لا واو، ولا ضمير". قلت: ويجوز أن يكون حالًا من (القُرَى).
[ ٨ / ١٨٩ ]
(وَما ظَلَمْناهُمْ) بإهلاكنا إياهم (وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بارتكاب ما به أهلكوا (فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ) فما قدرت أن ترد عنهم بأس الله (يَدْعُونَ) يعبدون وهي حكاية حال ماضية. و(لَمَّا) منصوب بـ"ما أغنت" (أَمْرُ رَبِّكَ) عذابه ونقمته (تَتْبِيبٍ) تخسير. يقال تبّ إذا خسر. وتببه غيره، إذا أوقعه في الخسران.
[(وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)].
محل الكاف الرفع، تقديره: ومثل ذلك الأخذ (أَخْذُ رَبِّكَ)، والنصب فيمن قرأ: "وكذلك أخذ ربك"، بلفظ الفعل. وقرئ: "إذ أخذ القرى"، (وَهِيَ ظالِمَةٌ) حال من (القرى)، (أَلِيمٌ شَدِيدٌ) وجيع صعب على المأخوذ. وهذا تحذير من وخامة عاقبة الظلم لكل أهل قرية ظالمةٍ من كفار مكة وغيرها، بل لكل من ظلم غيره أو نفسه بذنب يقترفه. فعلى كل من أذنب أن يحذر أخذ ربه الأليم الشديد، فيبادر التوبة ولا يغتر بالإمهال.
[(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)].
(ذلِكَ) إشارة إلى ما قص الله من قصص الأمم الهالكة بذنوبهم،
_________________
(١) قوله: (وهذا تحذير): أي: في جعل (وَهِيَ ظَالِمَةٌ) حالًا من (الْقُرَى)، أي: تحذير من وخامة عاقبة الظلم، وذلك أن كاف التشبيه واسم الإشارة دلًا على أن التشبيه تمثيلي، والمشبه به تلك القرى السابقة الظالم أهلها، فيكون التقييد بهذه الحال لمزيد التوكيد، والإشعار بما ذكره من التحذير، وفائدتها الإشعار بأنهم أخذوا لظلمهم، وإنذار كل ظالم ظلم نفسه أو غيره من وخامة العاقبة.
[ ٨ / ١٩٠ ]
(لَآيَةً لِمَنْ خافَ) لعبرةً له، لأنه ينظر إلى ما أحل الله بالمجرمين في الدنيا، وما هو إلا أنموذج مما أعدّ لهم في الآخرة، فإذا رأي: عظمه وشدّته اعتبر به عظم العذاب الموعود، فيكون له عبرة وعظة ولطفًا في زيادة التقوى والخشية من الله تعالى. ونحوه (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى) [النازعات: ٢٦].
(ذلِكَ) إشارة إلى يوم القيامة، لأنّ (عذاب الآخرة) دلّ عليه، و(النَّاسُ) رفع باسم المفعول الذي هو (مجموع) كما يرفع بفعله إذا قلت يجمع له الناس. فإن قلت: لأي: فائدة أوثر اسم المفعول على فعله؟ قلت: لما في اسم المفعول من دلالة على ثبات معنى الجمع لليوم وأنه يوم لا بدّ من أن يكون ميعادًا مضروبًا لجمع الناس له، وأنه الموصوف بذلك صفة لازمة، وهو أثبت أيضًا لإسناد "الجمع" إلى "الناس"،
_________________
(١) قوله: «لآيَةً لِمَنْ خَافَ) لعبرة له): قال القاضي: " (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً) لمن ينزجر بها عن موجباتها، لعلمه بأنها من إله مختار، يعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، فإن من أنكر الآخرة وأحال فناء هذا العالم: لم يقل بالفاعل المختار، وجعل تلك الوقائع لأسباب فلكية اتفقت في تلك الأيام، لا لذنوب المهلكين بها". قوله: (وهو أثبت أيضًا لإسناد "الجمع" إلى "الناس"): أي: في وصف "اليوم" باسم المفعول، وإسناده إلى "الناس": الدلالة على أن اليوم موصوف بذلك الوصف وصفًا لازمًا، وأن الناس لا ينفكون عن الجمع، لأن كلا الأسلوبين مجرى على غير الظاهر للمبالغة،
[ ٨ / ١٩١ ]
وأنهم لا ينفكون منه، ونظيره قول المتهدد: "إنك لمنهوب مالك محروب قومك"، فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل، وإن شئت فوازن بينه وبين قوله (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) [التغابن: ٩]، تعثر على صحة ما قلت لك. ومعنى يجمعون له: يجمعون لما فيه من الحساب والثواب والعقاب.
(يَوْمٌ مَشْهُودٌ) مشهود فيه، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، كقوله:
وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ سُلَيْما وَعَامِرًا
_________________
(١) ومقتضى الظاهر أن يقال: "ذلك يوم يجمع له الناس"؛ فإن الفعل مترقب، والناس غير مجموعين الآن، ولهذا وازن بينه وبين قوله: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) [التغابن: ٩]، واللام في (لَّهُ) كاللام في (لِيَوْمِ الْجَمْعِ)؛ بمعنى: لأجل، يدل عليه قوله: "يجمعون لما فيه من الحساب والثواب والعقاب"، لأن "اليوم" لا يصح أن يكون علة لنفسه، بل لما فيه من الحساب والجزاء. قوله: (محروب)، الجوهري: "وقد حرب ماله؛ أي: سلب، وهو محروب وحريب". قوله: (فاتسع في الظرف): أي: في حذف الجار، يعني: كان من حقه أن يؤتى بما يسند إليه، لكن حذف وجعل كالمفعول به، نحو: زيد مضروب. الانتصاف: "حذف مفعول "المشهود" تفخيمًا، كقوله تعالى: (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ) [هود: ١٠٩] ". الإنصاف: "وفيه دليل على أن اسم المفعول من الفعل المتعدي بحرف الجر: يجوز أن يجرد عنه، ومنه قوله تعالى: (إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) [الإسراء: ٣٤] على قول، وقد أخذ على بعض المصنفين قوله: المنطوق والمفهوم، قالوا: يجب أن يقال: المنطوق به، وهذا يدل على جواز ذلك، وإن لم يكن المشهود من هذا الباب". قوله: (ويوم شهدناه سليمًا وعامرًا): تمامه:
[ ٨ / ١٩٢ ]
أي: يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد. والمراد بـ"المشهود": الذي كثر شاهدوه، ومنه قولهم: لفلان مجلس مشهود، وطعام محضور. قال:
فِى مَحْفِلٍ مِنْ نَوَاصِى النَّاسِ مَشْهُودِ
فإن قلت: فما منعك أن تجعل اليوم مشهودًا في نفسه دون أن تجعله مشهودًا فيه، كما قال الله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ؟ [البقرة: ١٨٥]؟
_________________
(١) قليل سوى الطعن الدراك نوافله الجوهري: "شهد شهودًا، أي: حضر، فهو شاهد، وقوم شهود، أي: حضور، وهو في الأصل مصدر، والمشهد: محضر الناس"، و"نوافله": فاعل "قليل"، وهو صفة "يوم"، يقول: ويوم حضرنا فيه سليمًا وعامرًا قليل عطاياه سوى الطعن الدراك، على التهكمية. قوله: (في محفل من نواصي الناس مشهود): أوله: ومشهد قد كفيت الغائبين به "نواصي الناس": أشرافهم والمقدمون منهم، كما وصفوا بالذوائب، يقال: فلان ذؤابة قومه وناصية عشيرته، يقول: رب مشهد عظيم الشأن تكلمت فيه ونبت عن الغائبين عنه، واليوم يوم مشهود، فيه رؤساء الناس وأماثلهم، يعني: كشفت الغمة بقلب ثابت. قوله: (ما منعك أن تجعل اليوم مشهودًا في نفسه): أي: ما دعاك إلى أن تجعل اليوم مشهودًا
[ ٨ / ١٩٣ ]
قلت: الغرض وصف ذلك اليوم بالهول والعظم وتميزه من بين الأيام، فإن جعلته مشهودًا في نفسه فسائر الأيام كذلك مشهودات كلها، ولكن يجعل مشهودًا فيه حتى يحصل التميز كما تميز يوم الجمعة عن أيام الأسبوع بكونه مشهودًا فيه دونها، ولم يجز أن يكون مشهودًا في نفسه، لأنّ سائر أيام الأسبوع مثله يشهدها كل من يشهده، وكذلك قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥]؛ (الشهر) منتصب ظرفًا لا مفعولًا به، وكذلك الضمير في (فَلْيَصُمْهُ)، والمعنى: فمن شهد منكم في الشهر فليصم فيه،
_________________
(١) فيه، كقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ) [البقرة: ١٨٥]، أي: فيه، ثم تجعله على الاتساع مشهودًا، فلا تجعله ابتداء مشهودًا في نفسه، لأن الغرض تهويل ذلك اليوم، وتمييزه بكونه مشهودًا فيه؟ قوله: (الغرض وصف ذلك اليوم بالهول والعظم وتميزه [من] بين الأيام): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ إذ يقال: سائر الأيام مشهود فيها، كما أنها مشهودات، والتحقيق أن في "اليوم المشهود فيه" إيهامًا في "المشهود"، أي: يشهد فيه حال، وفي "اليوم المشهود" لا إيهام، إذ يعلم أن المشهود اليوم، وأما تمييزه عن غيره بالتهويل فلذلك الإيهام مع القرينة والبيان. قلت: ما أدري ما غرضه من قوله: "سائر الأيام مشهود فيها"، لأن الفرق بين الصورتين في غاية من الظهور، لأنه لا يقال: "يوم مشهود فيه" إلا ليوم تشهد فيه الخلائق من كل أوب لأمر له شأن، أو لخطب يهمهم، نحو أيام الأعياد، وأيام عرفة، وأيام الحرب، وأيام قدوم السلطان، ويقال: يوم مشهود، أي: مدرك، كما تقول: أدركت يوم فلان، وشهر فلان، كما سبق في قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥].
[ ٨ / ١٩٤ ]
يعني: فمن كان منكم مقيما حاضرًا لوطنه في شهر رمضان فليصم فيه، ولو نصبته مفعولا فالمسافر والمقيم كلاهما يشهدان الشهر، لا يشهده المقيم، ويغيب عنه المسافر.
[(وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ)].
"الأجل": يطلق على مدة التأجيل كلها وعلى منتهاها، فيقولون: انتهى الأجل، وبلغ الأجل آخره، ويقولون: حل الأجل (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ) [الأعراف: ٣٤]، يراد: آخر مدة التأجيل، و"العدّ" إنما هو للمدّة لا لغايتها ومنتهاها، فمعنى قوله (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) إلا لانتهاء مدة معدودة بحذف المضاف. وقرئ: وما يؤخره بالياء.
[(يَوْمَ يَاتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)].
قرئ: (يَوْمَ يَاتِ) بغير ياء. ونحوه قولهم: لا أدر، حكاه الخليل وسيبويه. وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل. فإن قلت: فاعل يأتى ما هو؟ قلت: الله ﷿،
_________________
(١) قوله: (ويقولون: حل الأجل) إلى آخره: عطف على "فيقولون: انتهى الأجل"، وهما نشر لقوله: "على مدة التأجيل كلها وعلى منتهاها" من غير ترتيب، وقوله: "والعد: إنما هو للمدة، لا لغايتها": تعليل، لأن المراد في الآية مدة التأجيل لا منتهاها. قوله: (قرئ: (يَوْمَ يَاتِ) بغير ياء): أثبت الياء في الحالين: ابن كثير، وأثبتها لمجيء الوصل: نافع وأبو عمرو والكسائي، والباقون: يحذفونها في الحالين. قال الزجاج: "الذي يختاره النحويون: إثبات الياء، والذي أختاره في المصحف وعليه القراءات: بكسر التاء،
[ ٨ / ١٩٥ ]
كقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ) [البقرة: ٢١٠]، (أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ) [الأنعام: ١٥٨]، (وَجاءَ رَبُّكَ) [الفجر: ٢٢]، وتعضده قراءة: "وما يؤخره"، بالياء. وقوله: (بِإِذْنِهِ) ويجوز أن يكون الفاعل ضمير "اليوم"، كقوله تعالى: (أَوْ تَاتِيَهُمُ السَّاعَةُ) [يوسف: ١٠٧].
فإن قلت: بما انتصب الظرف؟ قلت: إمّا أن ينتصب بـ (لا تكلم)، وإمّا بإضمار «اذكر»، وإمّا بالانتهاء المحذوف في قوله (إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ)، أي: ينتهي الأجل يوم يأتي، فإن قلت: فإذا جعلت الفاعل ضمير اليوم، فقد جعلت اليوم وقتًا لإتيان اليوم وحدّدت الشيء بنفسه؟ قلت: المراد إتيان هوله وشدائده.
_________________
(١) وهذيل تستعمله كذا، وقد حكى سيبويه: أن العرب تقول: لا أدر، وتجتزئ بالكسرة لكثرة الاستعمال، والذي أختاره إنما أختاره لمتابعة المصحف". وقال أبو علي: " (لَا تَكَلَّمُ) يحتمل أن تكون حالًا من الضمير في "يأتي"، وأن تكون صفة لـ "يوم"، وعلى الوجهين لابد من تقدير ضمير، أي: لا تكلم نفس فيه، فإن كان حالًا فحذف الياء من (يَاتِ)، لأنه كلام مستقل، فيشبه لذلك الفواصل، وإن جعلته صفة جاز أيضًا، لأن الصفة قد يستغنى عنها بالموصوف، كما أن الحال قد يستغنى عنها بالفعل، إلا أن من الصفات ما لا يحسن أن يحذف فيه، ولذلك يشبه بغير الكلام التام". قوله: (وتعضده قراءة من قرأ: "وما يؤخره" بالياء): يعني: فاعل "ما يؤخره" حينئذ: الله، وهذه الجملة تابعة لتلك الجملة صورة ومعنى، لأن التقدير: وما يؤخر الله اليوم المجموع
[ ٨ / ١٩٦ ]
(لا تَكَلَّمُ) لا تتكلم، وهو نظير قوله (لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ) [النبأ: ٣٨].
فإن قلت: كيف يوفق بين هذا وبين قوله تعالى (يَوْمَ تَاتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها) [النحل: ١١١]، وقوله تعالى (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ* وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) [المرسلات: ٣٥ - ٣٦]؟، قلت: ذلك يوم طويل له مواقف ومواطن، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون، وفي بعضها: يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم.
_________________
(١) إلا لانتهاء مدة معدودة، تنتهي المدة إلى يوم يأتي الله. ولو جعلت الضمير "لليوم" لاختل النظم، ولأن المضير في (بِإِذْنِهِ) يقتضي ما يرجع إليه، ولو قلت: يأتي هول اليوم، لم يكن بذاك. فإذا جعلت الفاعل ضمير "اليوم"، فقد جعلت "اليوم" وقتًا لإتيان "اليوم"، قال أبو علي: "لا يجوز أني كون فاعل "يأتي" ضمير اليوم الذي يأتي، لما يلزم منه أن يضاف "اليوم" إلى فعل نفسه، ألا ترى أنك لا تقول: جئتك يوم يسرك، لأن معناه: يوم سروره إياك"، وإنما تضيف المصدر إلى الفاعل، كما إذا قلت: جئتك يوم يخرج زيد، أي: في يوم خروج زيد. قال أبو البقاء: "وأما فاعل "يأتي" فضمير يرجع على (يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ)، ولا يرجع إلى "يوم" المضاف إلى "يأتي"، لأن المضاف إليه كجزء المضاف، فيؤدي إلى إضافة الشيء إلى نفسه".
[ ٨ / ١٩٧ ]
(فَمِنْهُمْ) الضمير لأهل الموقف ولم يذكروا، لأنّ ذلك معلوم، ولأنّ قوله (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ) يدل عليه، وقد مرّ ذكر الناس في قوله (مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ) و"الشقي": الذي وجبت له النار لإساءته، والسعيد الذي وجبت له الجنة لإحسانه.
[(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ)].
قراءة العامّة بفتح الشين. وعن الحسن شَقُوا بالضم، كما قرئ: (سُعِدُوا)،
_________________
(١) قوله: (ولأن قوله: (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ) يدل عليه): وفي هذا إشارة إلى أن الآية من باب الجمع مع التفريق والتقسيم، فالجمع قوله: (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ) لأنها متعددة معنى، لأن النكرة في سياق النفي تعم، والتفريق: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)، والتقسيم: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ)، والمساعدة: المعاونة فيما يظن به سعادة، والساعد: العضو؛ تصورًا لمساعدتها". قوله: (كما قرئ: (سُعِدُوا»: حفص وحمزة والكسائي، قال السجاوندي: قرئ:
[ ٨ / ١٩٨ ]
و"الزفير": إخراج النفس. والشهيق: ردّه. قال الشماخ:
بَعِيدُ مَدَى التَّطْرِيبِ أَوَّلُ صَوْتِهِ .. زَفِيرٌ وَيَتْلُوهُ شَهِيقٌ مُحَشْرَجُ
(ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) فيه وجهان:
أحدهما: أن تراد سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد. والدليل على أن لها سموات وأرضًا قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ) [إبراهيم: ٤٨]، وقوله: (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ) [الزمر: ٧٤]، ولأنه لا بدّ لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم: إمّا سماء يخلقها الله، أو يظلهم العرش، وكل ما أظلك فهو سماء.
_________________
(١) (سُعِدُوا) مجهولًا، مع أنه لازم، أي: رزقوا السعادة، نحو: جن؛ إذا فعل به ما يصير به مجنونًا، ولو كان المراد: صيروا سعداء، لقال: أسعدوا، والتعدي لغة بني تميم، أو على حذف الزيادة من: أسعد، كمجبوب ومجنون. قال أبو البقاء: "نحوه: رجل مسعود". قوله: (والزفير): الراغب: "الزفير: ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه، وازدفر فلان: إذا تحمله بمشقة، فتردد فيه نفسه، ومنه: زفر. والشهيق: طول الزفير، وهو رد النفس، والزفير: مد النفس، وأصله من: جبل شاهق، أي: متناهي الطول". قوله: (بعيد مدى التطريب) البيت: يصف حمار وحش، التطريب في الصوت: مده وتحسينه، وحشرج المريض: تنفس عند الاحتضار. قوله: (ولأنه لابد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم): قال القاضي: "وفيه نظر، لأنه تشبيه
[ ٨ / ١٩٩ ]
والثاني أن يكون عبارةً عن التأييد ونفي الانقطاع، كقول العرب: ما دام تعار، وما أقام ثبير، وما لاح كوكب، وغير ذلك من كلمات التأبيد.
فإن قلت: فما معنى الاستثناء في قوله (إلا ما شاء ربك)، وقد ثبت خلود أهل الجنة والنار في الأبد من غير استثناء؟ قلت: هو استثناء من الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم الجنة، وذلك أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده، بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار، وبما هو أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم وإهانته إياهم، وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وأجل موقعًا منهم، وهو رضوان الله، كما قال: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ) [التوبة: ٧٢]، ولهم ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو، فهو المراد بالاستثناء.
_________________
(١) بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه، ومن عرفه فإنما يعرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب، فلا يجدي له التشبيه". وأجيب عنه: بأنه ليس هذا من التشبيه بما لا يعرف، بل هو من تشبيه ما لا يعرف بما يعرف، فإنه شبه تلك الدار بهذه الدار، وأثبت لها ما لهذه من المظلة والمقلة، والجامع كونهما جسمين، وإثبات الدوام للمشبه به مبني على العرف والعادة، كما قال: ما لاح كوكب، ما دام تعار. قوله: (ما دام تعار)، النهاية: "تعار: جبل معروفن يصرف ولا يُصرف"، وفي الحديث ذكر ثبير، وهو الجبل المعروف عند مكة.
[ ٨ / ٢٠٠ ]
والدليل عليه قوله: (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)، ومعنى قوله في مقابلته: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ): أنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب، كما يعطى أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له، فتأمّله فإنّ القرآن يفسر بعضه بعضًا.
ولا يخدعنك عنه قول المجبرة: إنّ المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة، فإنّ الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم. وما ظنك بقوم نبذوا كتاب الله لما روى لهم بعض النوابت عن عبد الله بن عمرو بن العاص: "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا"، وقد بلغني أن من الضلال من اغترّ بهذا الحديث، فاعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار،
_________________
(١) ـ قوله: (والدليل عليه): أي: على أن الاستثناء في الخلود من عذاب النار، ومن الخلود في نعيم الجنة، لا الانقطاع من العقاب والثواب مطلقًا، لأن قوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) يدل على أن لا انقطاع للثواب، فكذلك ينبغي أن يراد من قوله: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، لأنه مقابله، وهو مذهبه، وسيجيء بطلانه. قوله: (النوابت)، الجوهري: "النوابت من الأحداث: الأغمار"، وقيل: النابتة: قوم من الحشوية لا رأي لهم. قوله: (الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم): قلت: كلا، بل كل من الاستثنائين في عويل وضجيج بتأويلك؛ أما الأول: فلأن اسم النار غلبت لدار العقاب، لقوله تعالى: (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران: ١٩١ - ١٩٢]، ولو لم يكن اسم النار مشتملًا على أنواع العذاب، كالنار والمهل والضريع والسلاسل والزمهرير، لكان طلب الوقاية عنها مطلقًا لا يغني عن المذكورات، ولأن من إطلاق اسم النار في عرف الشرع لا
[ ٨ / ٢٠١ ]
وهذا ونحوه - والعياذ بالله- من الخذلان المبين، زادنا الله هداية إلى الحق ومعرفة بكتابه، وتنبيهًا على أن نعقل عنه، ولئن صح هذا عن ابن العاص، فمعناه: أنهم يخرجون من حرّ النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها، وأقول: ما كان لابن عمرو في سيفيه، ومقاتلته بهما علي بن أبي طالب ﵁، ما يشغله عن عن تسيير هذا الحديث.
[(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ* فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ)].
(غَيْرَ مَجْذُوذٍ) غير مقطوع، ولكنه ممتدّ إلى غير نهاية، كقوله: (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) [فصلت: ٨، الانشقاق: ٢٥].
_________________
(١) ـ. يتبادر إلا دار العقاب، كما أن من اسم الجنة لا يفهم إلا دار الثواب، قال المصنف في أول تفسير سورة البقرة: "الجنة: اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة"، وهي على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام. وأما الثاني: فلأن الذوق السليم والطبع المستقيم يأبى أن يقال: إن الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها إلا أن ينقلوا إلى رضوان الله، ورضوان الله أيضًا كائن في الجنة، عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ﷿ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك وسعديك، والخير بيديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ ! فيقول: ألا
[ ٨ / ٢٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: أي شيء أعظم من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا". هذا، ثم قوله: "الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم"- يعني: كما لا يوجب خروج أهل الجنة من الجنة، كذلك الأول-: يرده تذييل كل من الآيتين بما يخالف الأخرى، فإن اختلافهما يدل على اختلاف الحكمين، فإن قوله تعالى: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) رد لما عسى أن يقول المعتزلي في أفعال الله بالحسن والقبح، وأن الثواب والعقاب واجبان، ردًا بليغًا، حيث جيء به مصدرًا بـ "إن"، على وجه تقوي الحكم، وبناء "فعال" للمبالغة. ويعضد هذا التفسير: ما رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: "قال الله ﷿ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة ملؤها". ثم إن قوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) يدل على أن هذا الاستثناء ليس على طريقة الأول، لأنه اسم مصدر يؤكد مضمون الجملة، فلو جعل الاستثناء من الخلود في نعيم الجنة لخرج عن أن يكون مؤكدًا، فوجب أن يجعل الاستثناء من أسلوب قوله تعالى: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى) [الدخان: ٥٦]، يعني: أن انقضاء مدة بقائهم فيها محال، فيخلدون فيها أبدًا إلا ما شاء الله، وقد علم اتفاقًا أن مشيئة الله على الخلود فيها، فإذن لا انقطاع لخلودهم. ثم إني وقفت بعد ذلك على ما يوافق هذا المعنى من نص الزجاج رحمه الله تعالى: " (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) معناه: هو لا يشاء أن يخرجهم منها، كما تقول: أنا أفعل كذا وكذا إلا أن أشاء
[ ٨ / ٢٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) غير ذلك، ثم تقيم على ذلك الفعل، وأنت قادر على غير ذلك، والفائدة فيه: أنه تعالى لو شاء أن يخرجهم لقدر، ولكنه قد أعلمنا أنهم خالدون أبدًا. هذا مذهب من مذاهب أهل اللغة". وصرح المصنف في الكهف في قوله: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا* إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣ - ٢٤]: "أن الاستثناء بمعنى التأبيد". وأما قوله: "قول المجبرة: إن المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة": فليس من تلقاء أنفسهم، لأنهم يرفعون حديث الخروج إلى الصادق المصدوق صلوات الله عليه، روى البخاري ومسلم عن جابر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يخرج من النار قوم بالشفاعة كأنهم الثعارير"، الثعارير- بالثاء المثلثة والعين المهملة-: صغار القثاء. وروى البخاري وأبو داود والترمذي عن عمران بن الحصين: أن رسول الله ﷺ قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ، فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين". والأحاديث في هذا الباب بلغت مبلغ التواتر كثرة وصحة. لكن الحديث الذي رواه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، ونسبه إلى أهل السنة، فهم بريئون عنه، فقد صرح بوضعه ابن الجوزي في كتاب "الموضوعات"،
[ ٨ / ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ورواه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "يأتي على جهنم يوم ما فيها من بني آدم أحد، تصفق أبوابها، كأنها أبواب الموحدين". وأما تفسير الاستثناء بالنقل من النار إلى الزمهرير: فما جاء فيه نقل يعتمد عليه. وأما قوله: "أما كان لابن عمرو في سيسفيه ما يشغله عن تسيير هذا الحديث": ففيه- والعياذ بالله- الطعن فيمن هو من أكابر الصحابة، ومن العلماء المشاهير منهم، ومن العابدين فيهم؛ من وجهين: أحدهما: أنه عمد إلى وضع الحديث على رسول الله ﷺ، ومع ذلك اجتهد في تسييره. وثانيهما: أنه قاتل عليًا ﵄ بسيفيه؛ لسانه وحسامه. هذا- والله- خسارة عظيمة لا يقدم عليه متدين. قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "إنه كان فاضلًا حافظًا عالمًا، وكان يسرد الصوم، ولا ينام الليل، وحديث مراجعته مع النبي ﷺ في الصيام وختم القرآن مشهور"، وقال: "إنه اعتذر من شهوده صفين، وأقسم أنه لم يرم فيها برمح ولا سهم، وإنما شهدها لعزمة أبيه عليه، وأن رسول الله ﷺ كان قال له: "أطع أباك"، وكان يقول: "ما لي ولصفين، ما لي ولقتال المسلمين، والله لوددت أني مت قبل هذا بعشر سنين، وقال: أما والله ما ضربت فيها بسيف، ولا طعنت فيها برمح، ولا رميت بسهم".
[ ٨ / ٢٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال ابن الحاجب في "الأمالي": "الاستثناء الأول متصل من وجهين: أحدهما: أن المراد بـ (مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ): جميع الزمان بعد البعث، فاستثني زمن إقامتهم في المحشر، فإنهم ليسوا في النار حينئذ. روى الواحدي هذا الوجه عن الزجاج، قال الإمام: "هذا بعيد، لأن الاستثناء وقع عن الخلود في النار، ومن المعلوم أن الخلود فيها كيفية من كيفيات الحصول فيها، فقبل الحصول في النار امتنع حصول الخلود فيها، فإذا لم يحصل الخلود، لم يحصل المستثنى منه، وإذا لم يحصل المستثنى منه، وإذا لم يحصل المستثنى منه امتنع حصول الاستثناء. وثانيهما: أن يكون (الَّذِينَ شَقُوا) عبارة عن الكفار وعصاة المسلمين، فيكون (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) استثناء إما المدة التي تكون بعد إخراج العصاة، فإنهم ليسوا فيها حينئذ، وإما لمن يخرج؛ استمالًا لـ "ما" بمعنى: "من"، ويكون استثناء من (الَّذِينَ شَقُوا)، لا من (مَا دَامَتِ) ". قال الإمام: "هذا الاستثناء يفيد إخراج أهل التوحيد من النار، لأن قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) يفيد أن جملة الأشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم، ثم قال: (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ)، فوجب أن لا يبقى ذلك الحكم على ذلك المجموع، ويكفي في زوال حكم الخلود عن المجموع زواله عن بعضهم، فوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء، ولما ثبت أن
[ ٨ / ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الخلود واجب للكفار وجب أن يقال: الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة". وتبعه القاضي حيث قال: " (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) استثناء من الخلود في النار، لأن بعضهم- وهم فساق الموحدين- يخرجون منها، وذلك كاف في صحة الاستثناء، لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض، وهم المراد بالاستثناء الثاني، فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم؛ فإن التأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء، كما ينتقض باعتبار الانتهاء، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم، فقد سعدوا بإيمانهم. لا يقال: فعلى هذا لم يكن قوله: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) تقسيمًا صحيحًا؛ لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه، لأن ذلك الشرط حيث التقسيم لانفصال حقيقي أو مانع من الجمع، وها هنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين، وأن حالهم لا يخلو عن السعادة والشقاوة، وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص باعتبارين". وقال الزجاج والسجاوندي: "ما" بمعنى: "من"، لأن المراد العدد لا الشخص- كقوله تعالى: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) [النساء: ٣]-، و"إلا" بمعنى "سوى"، كقولك: علي ألفان إلا الألف الذي كان، يعني: سوى، أي: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السماوات والأرض. وقلت: الحق الذي لا محيد عنه: أن تحمل "ما" على معنى: "من"؛ لإرادة الوصفية، وهي
[ ٨ / ٢٠٧ ]
لما قصّ قصص عبدة الأوثان، وذكر ما أحلّ بهم من نقمه، وما أعدّ لهم من عذابه قال: (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) أي: فلا تشك بعد ما أنزل عليك من هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم وتعرّضهم بها لما أصاب أمثالهم قبلهم تسلية لرسول الله ﷺ، وعدة بالانتقام منهم ووعيدًا لهم ثم قال: (ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ) يريد: أن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم من غير تفاوت بين الحالين، وقد بلغك ما نزل بآبائهم فسينزلنّ بهم مثله، وهو استئناف معناه تعليل النهي عن المرية.
و«ما» في (مما)، و(كما): يجوز أن تكون مصدرية وموصولة،
_________________
(١) المرحومية، ليؤذن أن إخراجهم لمحض مشيئته وسبق رحمته، لا لاستحقاق منهم، فينطبق عليه: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ). وتحقيقه: أن قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا) حال مقدرة من ضمير الاستقرار في الظرف، أي: (فِي النَّارِ)، وأنت تعلم أن الحال قيد للحكم، فإذا انتفى الحكم من البعض بالاستثناء ينتفي مقيدًا، المعنى: إن الذين شقوا مستقرون في النار مقدرين الخلود إلا المرحوم الذي شاء الله أن لا يستقر مخلدًا. فيفيد إما أن لا يستقر فيها مطلقًا أو يستقر غير مخلد، وأحوال العصاة على هذا النهج، كما علم من النصوص الصحيحة. وقال المصنف: "زادنا الله هداية إلى الحق ومعرفة بكتابه"، ونقول: زادنا الله اطلاعًا على كشف أستار التنزيل لنذب عن مذهب أهل الحق، ووقوفًا على الجمع بين الكتاب والسنة، ونعوذ بالله من الزيغ عن سنن المؤمنين، وسنن سيد المرسلين. قوله: (وتعرضهم بها لما أصاب): اللام: صلة التعرض. الجوهري: "عرضت فلانًا لكذا، فتعرض هو له"، والباء في "بها": للسبب، أي: تعرضهم لما أصاب أمثالهم بسبب العبادة. قوله: (وهو استئناف معناه تعليل النهي): يعني: لما نهاه بقوله: (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ)، أي: لا تشك في سوء عاقبة عبادتهم، قدر السائل أن يقول: لم ما أشك في سوء عاقبتهم؟ فأجاب: لأن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم، فيهلكهم الله كما أهلك آباءهم.
[ ٨ / ٢٠٨ ]
أى: من عبادتهم، وكعبادتهم. أو مما يعبدون من الأوثان، ومثل ما يعبدون منها.
(وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ) أي: حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم أنصباءهم.
فإن قلت: كيف نصب (غَيْرَ مَنْقُوصٍ) حالًا عن النصيب الموفى؟ قلت: يجوز أن يوفى وهو ناقص، ويوفى وهو كامل. ألا تراك تقول. وفيته شطر حقه، وثلث حقه، وحقه كاملًا وناقصًا.
[(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)].
(فَاخْتُلِفَ فِيهِ) آمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف في القرآن (وَلَوْلا كَلِمَةٌ) يعنى كلمة الإنظار إلى يوم القيامة (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بين قوم موسى أو قومك. وهذه من جملة التسلية أيضًا.
[(وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)].
_________________
(١) قوله: (أي: من عبادتهم وكعبادتهم): فيه نشر، يعني: على تقدير أن تكون "ما" في الصورتين مصدرية: معناه هذا، وعلى تقدير أن تكون موصولة: معناه: مما يعبدون من الأوثان، ومثل ما يعبدون منها. قوله: (يجوز أن يوفى وهو ناقص، ويوفى وهو كامل)، الانتصاف: "هذا وهم، لأن التوفية تقتضي عدم نقصان الموفى، كلا كان أو بعضًا، فوفاء النصف يلزم منه عدم نقصان النصف، فما وجه جعله حالًا؟ ! والأصح أن تستعمل "التوفية" بمعنى: الإعطاء، كما استعمل "التوفي" بمعنى: الأخذ، ومن قال: أعطيت فلانًا حقه، كان جديرًا أن يؤكده بقوله: غير منقوص".
[ ٨ / ٢٠٩ ]
(وَإِنَّ كُلًّا) التنوين عوض من المضاف إليه، يعني: وإنّ كلهم، وإنَّ جميع المختلفين فيه (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) جواب قسم محذوف. واللام في لَمَّا موطئة للقسم، و«ما» مزيدة. والمعنى: وإن جميعهم والله ليوفينهم (رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ) من حسن وقبيح وإيمان وجحود.
_________________
(١) وقلت: الحق أن سبيل قوله: (غَيْرَ مَنقُوصٍ) سبيل الحال المؤكدة، وهي أن تقرر مضمون الجملة لدفع توهم التجوز، كقوله تعالى: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥]. قوله: «وَإِنَّ كُلاًّ) التنوين عوض من المضاف إليه): أبو عمرو والكسائي قرءا بتشديد "إن" وتخفيف لَّمَّا). قوله: (واللام في (لَمَّا) موطئة للقسم، و"ما"مزيدة): قال صاحب "التقريب": "وفيه نظر، لأن الموطئة لا تدخل إلا على شرط، فالوجه أن اللام الأولى: هي الداخلة على خبر "إن"، والثانية: جواب قسم، و"ما": مزيدة، لئلا تتلاقى لامان، تقديره: إن كلهم لوالله ليوفينهم"، تم كلامه. وهو قول أبي علي في "الحجة"، ذكر أن اللام في "إن زيدًا لما لينطلقن"- على قول سيبويه-: هي اللام التي تقتضيه "إن"، واللام الأخرى: هي اللام التي تتلقى القسم، ودخلت "ما" لتفصل بين اللامين مع اتفاق اللفظين. وقلت: نظره نشأ من قولهم: "اللام الموطئة للقسم: هي التي في قولك: والله لئن أكرمتني لأكرمنك"، كما في "المفصل"، وتفسير ابن الحاجب له: "اللام الموطئة للقسم: هي اللام التي تدخل على الشرط بعد تقدم القسم لفظًا أو تقديرًا، لتؤذن بأن الجواب له لا للشرط،
[ ٨ / ٢١٠ ]
وقرئ: "وإن كلا" بالتخفيف على إعمال المخففة عمل الثقيلة،
_________________
(١) فهذا معنى توطئتها، وليست جواب القسم، وإنما الجواب ما يأتي بعد الشرط". ويمكن أن يقال: معنى التوطئة فيها: هو أنها توطأت مكان القسم، من قولهم: توطأته بقدمي، وهو موطئ قدمي، أي: دلت على أن اللام التي تليها مما يصلح أن تكون جوابًا لقسم محذوف، فهذا لا يوجب الاختصاص بأن يكون مدخولها شرطًا البتة، وبه تعلم علة التسمية؛ إذ رعاية التناسب بين الاسم والمسمى منظور فيه. فعلى هذا: الجملة القسمية بتمامها وقعت خبرًا لـ "إن"، واستغني بمعنى التأكيد فيها عن ذكر اللام، ويعضد ما ذكرناه تقديره: "وإن جميعهم والله ليوفينهم"؛ حيث أوقع القسم خبرًا لـ "إن"، واسقط اللام الأولى لإقامة المدلول مقام الدال. قال صاحب "التخمير": "أجمع الكوفيون وكثير من البصريين على أن اللام الأولى: خلف من القسم، والثانية: لام جواب القسم". وذكر صاحب "الإقليد": أن اللام في قوله: (وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ): موطئة للقسم، والتقدير: والله لما، و"ما": مزيدة، وفي (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ): جواب القسم، أي: وإن كلًا والله ليوفينهم، وقال: التوطئة كثرة الوطء، وهي الرياضة، كقولك: وطئ الفرس ووطئ المركب، تقول: هذه اللام وطأت جواب القسم، أي: سهل تفهم الجواب على المقسم له. قوله: ("وإن كلا" بالتخفيف): قال ابن الحاجب: "هي قراءة ابن كثير ونافع، و"إن":
[ ٨ / ٢١١ ]
اعتبارًا لأصلها الذي هو التثقيل. وقرأ أبيّ: "وإن كل لما ليوفينهم"، على أنّ "إن" نافية. و"لما" بمعنى إلا. وقراءة عبد الله مفسرة لها:
"وإن كل إلا ليوفينهم"، وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم: "وإن كلا لما ليوفينهم"، بالتنوين، كقوله: (أَكْلًا لَمًّا) [الفجر: ١٩]،
_________________
(١) مخففة من الثقيلة، و(كُلاًّ): منصوب بها؛ على إحدى اللغتين في الإعمال والإلغاء، وهي لغة فصيحة، واللام: هي الفارقة، و"ما": زائدة أو بمعنى: الذي، و(لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) جملة في موضع خبر "إن"، واللام فيها: لام القسم، وحسن زيادة "ما" لما قصد على جعل (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) جواب قسم، فلم يحسن اجتماع اللامين؛ اللام الفارقة ولام جواب القسم، فلولا "ما" لقيل: لليوفينهم، فزيدت ليفرق بينهما، أو صلة لـ "ما" إن جعلناها موصولة، كأنه قيل: وإن هؤلاء للذين- والله- ليوفينهم ربك أعمالهم". وقال ابن مالك: "إهمال "إن" المكسورة بالتخفيف أكثر من إعمالها، وإذا أعملت وهي مخففة، فالمتكلم بالخيار في الإتيان باللام وتركها، كما كان قبل التخفيف، ومن إعمالها مخففة: (وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) ". قوله: ("وإن كل لما ليوفينهم"): قال ابن جني: "معناه: ما كل إلا والله ليوفينهم، كقولك: ما زيد إلا لأضربنه، أي: ما زيد إلا مستحق لأن يقال فيه هذا". قوله: ("وإن كلًا لما ليوفينهم" بالتنوين): قال ابن جني: "لما- بالتنوين-: مصدر، كالذي في قوله تعالى: (وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا) [الفجر: ١٩]، أي: أكلًا جامعًا
[ ٨ / ٢١٢ ]
والمعنى: وإن كلا ملمومين، بمعنى مجموعين، كأنه قيل: وإنّ كلا جميعًا، كقوله (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) [الحجر: ٣٠، ص: ٧٣].
[(فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)].
(فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادّة الحق، غير عادل عنها (وَمَنْ تابَ مَعَكَ) معطوفٌ على المستتر في استقم. وإنما جاز العطف عليه ولم يؤكد بمنفصل لقيام الفاصل مقامه. والمعنى: فاستقم أنت وليستقم من تاب على الكفر وآمن معك (وَلا تَطْغَوْا) ولا تخرجوا عن حدود الله (إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) عالم فهو مجازيكم به، فاتقوه.
_________________
(١) لأجزاء المأكول، وكذلك تقدير هذا بمعنى: وإن كلًا ليوفينهم ربك أعمالهم لمًا، أي: توفية جامعة لأعمالهم جميعًا، ومحصلة لأعمالهم تحصيلًا، فهو كقولك: قيامًا لأقومن، وقعودًا لأقعدن". والمصنف ذهب إلى التوكيد، لقوله: "وإن كلًا جميعًا". وقال أبو البقاء: "وانتصابه على الحال من ضمير المفعول في (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) ضعيف". قوله: «إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) عالم فهو مجازيكم به فاتقوه): أشار بقوله: "فاتقوه" إلى أن قوله: (بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) تعليل للأمر والنهي وتهديد، قال القاضي: "في الآية دليل على وجوب اتباع النصوص، من غير تصرف وانحراف بنحو قياس واستحسان".
[ ٨ / ٢١٣ ]
وعن ابن عباس: ما نزلت على رسول الله ﷺ في جميع القرآن آية كانت أشدّ ولا أشقّ عليه من هذه الآية. ولهذا قال: "شيبتني هود والواقعة وأخواتهما". وروى أنّ أصحابه قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب؟ فقال: "شيبتني هود". وعن بعضهم: رأيت رسول الله ﷺ في النوم فقلت له: روي عنك أنك قلت: شيبتني هود. فقال: نعم. فقلت: ما الذي شيبك منها؟ أقصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال:
_________________
(١) وقلت: يمكن أن يجعل (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) تتميمًا ومبالغة، المعنى: فاستقيموا حق الاستقامة، فإنه بصير لا يخفى عليه سركم وعلانيتكم، فهو من باب الإحسان والإخلاص. قوله: (قال: "شيبتني هود والواقعة"): روينا عن الترمذي عن ابن عباس قال: قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، قد شبت، قال: "شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت"، قيل: صح "هود" هنا غير منصرف، كـ "ماه" و"جور" في اسمي بلدتين للأسباب الثلاثة، لأن المراد به في الحديث السورة، لا النبي.
[ ٨ / ٢١٤ ]
لا، ولكن قوله (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ). وعن جعفر الصادق ﵁ (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) قال: افتقرْ إلى الله بصحة العزم.
_________________
(١) قوله: (لا، ولكن قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ»: دل هذا القول على أنها كلمة جامعة، قال الإمام: "هي جامعة لكل ما يتعلق بالعقائد والأعمال، ولاشك أن البقاء على الاستقامة الحقيقية مشكل جدًا، وأنا أضرب لك مثالًا يقرب صعوبة هذا المعنى؛ الخط الذي يفصل بين الظل والضوء جزء واحد لا يقبل القسمة في العرض، فإذا قرب طرف الظل من طرف الضوء اشتبه في الحس، ولم يقو الحس على إدراك ذلك الخط، فالاستقامة بجميع أبواب العبودية كذلك، فأولها: معرفة الله، وتحصيل هذه المعرفة على وجه يبقي العقل مصونًا في طرف الإثبات عن التشبيه، وفي طرف النفي عن التعطيل، في غاية الصعوبة، واعتبر سائر مقامات المعرفة وسائر الأخلاق على هذا، فالقوة الغضبية والشهوانية حصل لكل واحد منهما طرفا إفراط وتفريط، وهما مذمومان، والفاصل هو المتوسط بينهما بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين، والوقوف عليه صعب، ثم العمل به أصعب". وقس على هذا الشجاعة والسخاوة والعفة، على هذا ينظر قول المصنف: "فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق، غير عادل عنها"، وهذا لا يكون إلا بالافتقار إلى الله تعالى، ونفي الحول والقوة عن النفس بالكلية، فينطبق عليه قول الصادق: "افتقر إلى الله تعالى بصحة العزم". روى السلمي عن بعضهم: من يطيق مثل هذه المخاطبة بالاستقامة، إلا من أيد بالمشاهدات القوية، والأنوار البينة، والآثار الصادقة، ثم عصم بالتثبيت، (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ
[ ٨ / ٢١٥ ]
[(وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ)].
قرئ: (ولا تركنوا)، بفتح الكاف وضمها مع فتح التاء. وعن أبي عمرو: بكسر التاء وفتح الكاف، على لغة تميم في كسرهم حروف المضارعة إلا الياء في كل ما كان من باب "علم يعلم". ونحوه قراءة من قرأ "فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ" بكسر التاء. وقرأ ابن أبي عبلة: "ولا تركنوا"، على البناء للمفعول، من أركنه إذا أماله.
_________________
(١) لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) [الإسراء: ٧٤]، قال أبو علي الجوزجاني: كن طالب الاستقامة، لا طالب الكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة. قوله: «وَلا تَرْكَنُوا) بفتح الكاف وضمها): قال ابن جني: "قرأ طلحة وقتادة والأشهب، ورويت عن أبي عمرو: "ولا تركنوا" بضم الكاف، وفيها لغتان: ركن يركن؛ كعلم يعلم، وركن يركن؛ كقتل يقتل، هذا عند أبي بكر من اللغات المتداخلة". قوله: ("فتمسكم النار" بكسر التاء): قال ابن جني: "قراءة يحيى والأعمش وطلحة بخلاف، ورواه إسحاق الأزرق عن حمزة، هذه لغة تميم؛ أن تكسر أول مضارع ما ثاني ماضيه مكسور، نحو: علمت وركبت، وتقل الكسرة في الياء، نحو: يعلم، ويركب؛ استثقالًا للكسرة في الياء، وكذلك ما في أول ماضيه همزة وصل، نحو: ينطلق، وتسود،
[ ٨ / ٢١٦ ]
والنهي متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، والتزيي بزيهم، ومدّ العين إلى زهرتهم. وذكرهم بما فيه تعظيم لهم. وتأمّل قوله (وَلا تَرْكَنُوا) فإن الركون هو الميل اليسير، وقوله (إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي: إلى الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل إلى الظالمين.
وحُكي أنّ الموفق صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية فغشي عليه، فلما أفاق قيل له، فقال: هذا فيمن ركن إلى من ظلم، فكيف بالظالم؟ !
_________________
(١) وتبيض، فكذلك (فتمسكم) ". قوله: (وحكي أن الموفق): والظاهر أنه أراد أبا أحمد طلحة الموفق بن المتوكل، قال ابن الأثير في "الكامل": "عقد له أخوه المعتمد على الله على الكوفة والحرمين واليمن وبغداد وواسط والبصرة والأهواز وفارس وكرمان، وولاه قتال الزنج بالبصرة، وصاحبهم رجل زعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فأبادهم الله على يده، وكان عادلًا حسن التدبير حسن السيرة، يجلس للمظالم، وعنده القضاة وغيرهم، وكان عالمًا بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك وغير ذلك، توفي في سنة ثمان وسبعين ومئتين". وقال ابن حمدون صاحب "التذكرة": وكان العهد في الموفق بعد المعتمد أخيه، ثم في المفوض إلى الله جعفر بن المعتمد، فمات الموفق قبل المعتمد، ثم بويع المعتضد بن الموفق بالعهد، وخلع المفوض، وقال: كان الموفق مستوليًا على الأمر كله في خلافة أخيه المعتمد، حتى قال- وقد طلب ما راعى به مغنيًا، فمنع منه-:
[ ٨ / ٢١٧ ]
وعن الحسن ﵀: جعل الله الدين بين لاءين: (وَلا تَطْغَوْا)، (وَلا تَرْكَنُوا).
ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين: "عافانا الله وإياك - أبا بكر - من الفتن، فقد أصبحت بحالٍ ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك، أصبحت شيخًا كبيرًا وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه،
_________________
(١) أليس من العجائب أن مثلي … يرى ما قل ممتنعًا عليه ويؤخذ باسمه الدنيا جميعًا … وما من ذاك شيء في يديه قوله: (جعل الله الدين بين لاءين: (وَلا تَطْغَوْا)، (وَلا تَرْكَنُوا»: لعل المراد: أن الله تعالى جعل الأمر بقوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) - الذي هو عبارة عن الثبات على الصراط المستقيم، وهو الدين- بين النهيين؛ أحدهما: الإفراط، وهو الطغيان والتجاوز عن الحد، والآخر: التفريط، وهو الميل القليل إلى الظلمة. قال القاضي: "خطاب الرسول ﷺ ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل، فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط ظلم على نفسه أو غيره، بل ظلم في نفسه". قوله: (ولما خالط الزهري السلاطين): قال صاحب "الجامع": "هو أبو بكر محمد ابن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، أحد الفقهاء والمحدثين والعلماء من التابعين بالمدينة، المشار إليه في فنون علم الشريعة، قال عمر بن عبد العزيز: لا أعلم أحدًا أعلم بالسنة منه. وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قالك ابن شهاب، قيل: ثم من؟ قال: ابن شهاب. مات في رمضان سنة أربع وعشرين ومئة".
[ ٨ / ٢١٨ ]
وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال الله سبحانه (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران: ١٨٧].
واعلم أنّ أيسر ما ارتكبت وأخفّ ما احتملت: أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي بدنوّك ممن لم يؤدّ حقًا ولم يترك باطلًا، حين أدناك اتخذوك قطبًا تدور عليك رحى باطلهم، وجسرًا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلمًا يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشكّ بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب
_________________
(١) قوله: (وليس كذلك أخذ الله الميثاق): اسم "ليس" محذوف، والكاف: اسم منصوب المحل؛ خبر "ليس"، و"أخذ الله الميثاق": جملة مستأنفة على تقدير السؤال، والأظهر أن تجعل "ليس" بمعنى: لا، كما في قول الشاعر: إنما يجزي الفتى ليس الجمل وفي شرح الدار الحديثي: روى أبو عمرو ابن العلاء: "ليس الطيب إلا المسك" بالنصب
[ ٨ / ٢١٩ ]
ما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم: ٥٩]، فإنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، والسلام.
وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القرّاء الزائرون للملوك. وعن الأوزاعي: ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملًا. وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة، أحسن من قارئ على باب هؤلاء
_________________
(١) على المشهور، وبالرفع على جعل "ليس" حرفًا غير عامل، كما عند بني تميم، ذكره سيبويه، وروينا في "صحيح البخاري" عن رافع بن خديج، عن رسول الله ﷺ: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر"، كأنه قيل: لا كذلك أخذ الله الميثاق، أي: ما أخذ الله الميثاق أخذًا يشبه فعلك. قوله: (وقال سفيان: في جهنم واد) الحديث: من رواية الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "تعوذوا من جب الحزن، قالوا: يا رسول الله، وما جب الحزن؟
[ ٨ / ٢٢٠ ]
وقال رسول الله ﷺ: «من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه» ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية، هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا، فقيل له: يموت؟ فقال: دعه يموت.
(وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ) حال من قوله (فَتَمَسَّكُمُ) أي: فتمسكم النار وأنتم على هذه الحال. ومعناه: وما لكم من دون الله من أنصار يقدرون على منعكم من عذابه، لا يقدر على منعكم منه غيره (ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) ثم لا ينصركم هو، لأنه وجب في حكمته تعذيبكم وترك الإبقاء عليكم.
فإن قلت: فما معنى "ثم"؟ قلت: معناها: الاستبعاد، لأنّ النصرة من الله مستبعدة مع استيجابهم العذاب واقتضاء حكمته له.
[(وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ)].
_________________
(١) قال: واد في جهنم، تعوذ منه جهنم كل يوم أربع مئة مرة، قيل: يا رسول الله، من يدخلها؟ قال: أعد للقراء المرائين بأعمالهم". وزاد ابن ماجة: "وإن من أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزولون الأمراء"، قال المحاربي: يعني: الجورة. قوله: (فما معنى "ثم"): أتى في السؤال بالفاء للإنكار، يعني: فهم من قولك: "ثم لا ينصركم هو، لأنه وجب في حكمته تعذيبكم": أن "ثم" ها هنا واقعة موقع الفاء السببية، لأن المعنى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا، لأنكم إن ركنتم إلى الظلمة، فإن الله يعذبكم بالنار بأن يسلطها عليكم، فتمسكم، والحال أن لا ناصر سواه ليخلصكم منها، وهو لا ينصركم، لأنه وجب في حكمته تعذيبكم، فإذن لا تنصرون البتة، فلم جاء بـ "ثم" دون الفاء؟
[ ٨ / ٢٢١ ]
(طَرَفَيِ النَّهارِ) غدوة وعشية (وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) وساعاتٍ من الليل وهي ساعاته القريبة من آخر النهار، من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه، وصلاة الغدوة: الفجر. وصلاة العشية: الظهر والعصر، لأنّ ما بعد الزوال عشىّ. وصلاة الزلف: المغرب والعشاء. وانتصاب (طرفي النهار) على الظرف، لأنهما مضافان إلى الوقت، كقولك: أقمت عنده جميع النهار، وأتيته نصف النهار وأوله وآخره، تنصب هذا كله على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه. ونحوه (وَأَطْرافَ النَّهارِ) [طه: ١٣٠].
وقرئ: "وزلفًا" بضمتين. "وزلُفا"، بسكون اللام. وزلفى: بوزن قربى. فالزلف: جمع زلفة، كظلم في ظلمة. والزلف بالسكون: نحو بسرة وبسر. والزلف بضمتين نحو بُسُر في بُسَر. والزلفى بمعنى الزلفة، كما أن القربى بمعنى القربة: وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل.
وقيل: (وزلفا من الليل): وقربًا من الليل، وحقها على هذا التفسير أن تعطف على (الصلاة)، أي: أقم الصلاة طرفى النهار،
_________________
(١) وأجاب: ليفيد معنى الاستبعاد مع استيجاب العذاب الذي يعطيه الفاء، قال القاضي: " (ثُمَّ) نزلت منزلة الفاء، فإنه تعالى لما بين أنه معذبهم، وأن غيره لا يقدر على نصرهم، أنتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلًا". قوله: «وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ): وقربًا من الليل)، الجوهري: "الزلفى: القربة والمنزلة، ومنه قوله تعالى: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى) [سبأ: ٣٧]، وهي اسم المصدر، كأنه قال: بالتي تقربكم عندنا ازدلافًا، وازدلفوا: تقدموا، والزلفة: الطائفة من الليل، والجمع: زلف".
[ ٨ / ٢٢٢ ]
وأقم زلفا من الليل، على معنى: وأقم صلاة تتقرّب بها إلى الله ﷿ في بعض الليل.
(إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) فيه وجهان، أحدهما: أن يراد تكفير الصغائر بالطاعات، وفي الحديث: «إن الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر» والثاني: إن الحسنات يذهبن السيئات، بأن يكن لطفًا في تركها، كقوله: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: ٤٥].
وقيل: نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته، فقال لها: إن في البيت أجود من هذا التمر، فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم،
_________________
(١) وحقها على هذا التفسير أن تعطف على (الصَّلاةَ)، لأن معنى "قربًا من الليل": يتقرب إلى الله في بعض الليل، بأن تصلى صلاة التهجد، فتعطف على (الصَّلاةَ)، وهي الصلاة في طرفي النهار، لتجتمع صلاة النهار وصلاة الليل. قوله: (وفي الحديث: "إن الصلاة إلى الصلاة"): والرواية: أن عثمان دعا بطهور، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله"، أخرجه البخاري ومسلم مع اختلاف. قوله: (بأن يكن لطفًا في تركها): لأن الصلاة الحقيقية هي أن تكون زاجرة عن ارتكاب المنكرات والفواحش، وإلا فتكون قاضية على صاحبها، قال ابن عباس: "من لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدًا". قوله: (أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري): الصحيح في "جامع الأصول": "هو أبو اليسر
[ ٨ / ٢٢٣ ]
فأتى رسول الله ﷺ فأخبره بما فعل، فقال ﷺ: أنتظر أمر ربي، فلما صلى صلاة العصر نزلت، فقال: نعم، اذهب فإنها كفارة لما عملت.
وروي: أنه أتى أبا بكر فأخبره فقال: استر على نفسك وتب إلى الله، فأتى عمر ﵁ فقال له مثل ذلك، ثم أتى رسول الله ﷺ فنزلت، فقال عمر: أهذا له خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل للناس عامة.
وروي أنّ رسول الله ﷺ قال له: توضأ وضوءًا حسنًا وصل ركعتين (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ).
(ذلِكَ) إشارة إلى قوله (فَاسْتَقِمْ) فما بعده (ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ) عظة للمتعظين.
[(وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)].
ثم كرّ إلى التذكير بالصبر
_________________
(١) - بفتح السين- كعب بن عمرو الأنصاري"، وفي "الاستيعاب": "كعب بن عمرو بن عباد، ويقال: كعب بن عمرو بن مالك". الحديث: أخرجه الترمذي عنه مع اختلاف وزيادات على ما رواه المصنف، والحديث ينصر القول الأول. قوله: (ثم كر إلى التذكير بالصبر): يعني: رجع إلى تذكير ما بدئ به ضمنًا، وهو قوله: (وَاصْبِرْ)، لأن المذكور أولًا- وهو قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) إلى قوله:
[ ٨ / ٢٢٤ ]
بعدما جاء بما هو خاتمة للتذكير، وهذا الكرور لفضل خصوصية ومزية وتنبيه على مكان الصبر ومحله، كأنه قال: وعليك بما هو أهمّ مما ذكرت به وأحق بالتوصية، وهو الصبر على امتثال ما أمرت به والانتهاء عما نهيت عنه، فلا يتم شيء منه إلا به.
(فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) جاء بما هو مشتملٌ على الاستقامة وإقامة الصلوات والانتهاء عن الطغيان والركون إلى الظالمين والصبر وغير ذلك من الحسنات.
[(فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ)].
_________________
(١) (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) - كان مشتملًا على المعاني التي لا تتم ولا تكمل إلا بالصبر، فصرح به بعدما ذكر ضمنًا؛ للدلالة على أن الصبر ملاك الكل، ولا يتم شيء منه إلا به. قوله: (بعدما جاء بما هو خاتمة للتذكير): أي: جاء بقوله: (ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) تذييلًا لمجموع قوله: (فَاسْتَقِمْ) إلى قوله: (يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فذلكة له، على منوال قوله: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل: ٣٤]، ثم علل كلًا من التذييل والمذيل بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) ترغيبًا وتحريضًا، وجاء بما هو أعم العام، لأن المحسن من لم يخل بما يدخل تحت مسمى الإحسان، فيدخل فيه دخولًا أوليًا. قال القاضي: " (الْمُحْسِنِينَ) عدول من المضمر؛ ليكون كالبرهان على المقصود، ودليلًا على أن الصلاة والصبر إحسان وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص"، ولمح به إلى قوله ﷺ: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
[ ٨ / ٢٢٥ ]
(فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ) فهلا كان. وقد حكوا عن الخليل: كل «لولا» في القرآن فمعناها «هلا» إلا التي في الصافات، وما صحت هذه الحكاية ففي غير الصافات (لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ) [القلم: ٤٩]، (وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ) [الفتح: ٢٥]، (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) [الإسراء: ٧٤].
(أُولُوا بَقِيَّةٍ) أو لو فضل وخير. وسمي الفضل والجودة بقية لأنّ الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، فصار مثلًا في الجودة والفضل. ويقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، وبه فسر بيت "الحماسة":
إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَاتِينِى بَقِيَّتُكُمْ
_________________
(١) قوله: (إلا التي في الصافات): وهي قوله تعالى: (وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ) [الصافات: ٥٧]. قوله: (فصار مثلًا في الجودة والفضل): أي: اشتهر معنى الكناية، وسار مسير الأمثال، ويقال: للشيخ بقية، أي: شيء من قوة الشبان. قوله: (إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم): تمامه: فما علي بذنب عندكم فوت يحتمل أن يراد بـ "البقية": خيارهم وأماثلهم، أي: إن تذنبوا ثم يأتيني خياركم يقيمون معذرة أنفسهم، وأنهم لم يساعدوكم، فما علي بجزاء ذنب فوت، وما يلحقكم من لائمة وعيب، وأن يراد: بقيتكم الذين لم يذنبوا، أي: يأتوني معتذرين بأنهم فارقوكم لعظيم جنايتكم، فلا تفوتني مؤاخذتكم.
[ ٨ / ٢٢٦ ]
ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا. ويجوز أن تكون "البقية" بمعنى البقوى، كالتقية بمعنى التقوى، أى: فهلا كان منهم ذو وبقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه.
وقرئ: "أولو بقية"، بوزن لقية، من بقاه يبقيه إذا راقبه وانتظره ومنه: «بقينا رسول الله ﷺ» والبقية المرّة من مصدره. والمعنى: فلو كان منهم أولو مراقبة وخشية من انتقام الله، كأنهم ينتظرون إيقاعه بهم لإشفاقهم.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "أولو بقية"): قال أبو البقاء: "الجمهور على تشديد الياء، وهو الأصل، وقرئ بتخفيفها، وهو مصدر بقي يبقى بقية، كلقيته لقية، فيجوز أن يكون على بابه، ويجوز أن يكون مصدرًا بمعنى: فعيل، وهو بمعنى فاعل". قوله: ("بقينا رسول الله ﷺ"): روينا عن أبي داود عن معاذ بن جبل قال: "بقينا رسول الله ﷺ، وقد تأخر لصلاة العتمة، حتى ظن الظان أنه ليس بخارج، فإنا كذلك إذ خرج رسول الله ﷺ، فقالوا له كما قالوا، فقال: أعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، لم تصلها أمة قبلكم". "بقينا": بفتح الباء والقاف، أي: انتظرنا، والاسم منه: البقوى، قلبت الياء واوًا، وكذلك كل "فعلى" اسمًا، كالتقوى والشروى، وإذا كانت صفة لم تقلب، نحو: امرأة صديا وخزيا. قوله: (كأنهم ينتظرون إيقاعه بهم لإشفاقهم): بيان لتفسير "أولو مراقبة" بقوله: "وخشية"، فإن المراقب للشيء ينتظر وقوع ما يترقبه، كما أن الخاشي يشفق عما ينتظر وقوعه من المكروه.
[ ٨ / ٢٢٧ ]
(إِلَّا قَلِيلًا) استثناء منقطع، معناه: ولكن قليلًا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد، وسائرهم تاركون للنهى. و"مِنَ" في (مِمَّنْ أَنْجَيْنا) حقها أن تكون للبيان لا للتبعيض، لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم، بدليل قوله تعالى (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأعراف: ١٦٥].
فإن قلت: هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه؟ قلت: إن جعلته متصلًا على ما عليه ظاهر الكلام، كان المعنى فاسدًا، لأنه يكون تخصيصًا لأولي البقية على النهي عن الفساد، إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول:
هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن وإن قلت في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم، فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلًا، كان استثناء متصلًا ومعنى صحيحًا، وكان انتصابه على أصل الاستثناء، وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل.
_________________
(١) قوله: (و"من"- في (مِمَّنْ أَنْجَيْنَا) - حقها أن تكون للبيان لا للتبعيض): وذلك أن البيان والمبين شيء واحد، كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ) [الحج: ٣٠]، فالقليل إذن هم الناجون، ولهذا علله بقوله: "لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم"، أي: دون غيرهم، وأما إذا حمل "من" على التبعيض كان (مِمَّنْ أَنْجَيْنَا) بدلًا من (قَلِيلًا)، فيلزم أن يكون الناهون بعض الناجين، وهو فاسد. قوله: (على ما عليه ظاهر الكلام): واعلم أن حروف التحضيض تفيد مع الماضي معنى التنديم، ومع المضارع تتخلص للتحضيض، فإذا حمل على ظاهره في هذا المقام، كما يقال: ليتهم كانوا ينهون عن الفساد إلا قليلًا منهم فإنهم لم ينهوا، فسد المعنى، وأما إذا جعل كلمة التحضيض للإنكار لتولد معنى النفي، كما يقال: ما كان أولو بقية إلا قليلًا، صح المعنى واستقام، لكن المختار الرفع في "قليل"، ومن ثم قال: "وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل".
[ ٨ / ٢٢٨ ]
(وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ) أراد بـ"الذين ظلموا": تاركي النهي عن المنكرات، أي: لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والتترف، من حب الرياسة والثروة، وطلب أسباب العيش الهنيء. ورفضوا ما وراء ذلك ونبذوه وراء ظهورهم.
وقرأ أبو عمرو- في رواية الجعفي-: "وأُتبِعَ الذين ظلموا"، يعني: واتبعوا جزاء ما أتوفوا فيه. ويجوز أن يكون المعنى في القراءة المشهورة: أنهم أتبعوا جزاء إترافهم، وهذا معنى قويّ لتقدم الإنجاء، كأنه قيل: إلا قليلًا ممن أنجينا منهم وهلك السائر.
_________________
(١) قوله: (وقرأ أبو عمرو): وهي شاذة. قوله: (معنى قوي لتقدم الإنجاء): أي: النظم يستدعي هذا، لأن بعد تقدم الإنجاء للناهين المناسب أن يبين هلاك الذين لم ينهوا، كأنه قيل: وأنجينا القليل واتبع الذين ظلموا جزاءهم، أي: هلكوا، فيكون وصول الجزاء إلى الكثير في مقابلة إنجاء القليل، ولم يفتقر إلى تقدير معطوف عليه، لقوله: (وَاتَّبَعَ)، لأن الواو حينئذ للحال، وإليه الإشارة بقوله: "الواو للحال"، كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم. وعلى الأول: "واتبعوا" عطف على "نهوا" مقدرًا، كما سيجيء في جواب السؤال. فإن قلت: قدر المعطوف عليه أولًا غير ما ذكر في الجواب، حيث قال: "لم يهتموا بما هو ركن عظيم في الدين، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم" إلى آخره، لأنه عطفه على "عقدوا" أو "لم يهتموا"؟
[ ٨ / ٢٢٩ ]
فإن قلت: علام عطف قوله (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا)؟ قلت: إن كان معناه: واتبعوا الشهوات، كان معطوفًا على مضمر، لأنّ المعنى إلا قليلًا ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد، واتبع الذين ظلموا شهواتهم، فهو عطف على نهوا. وإن كان معناه واتبعوا جزاء الإتراف، فالواو للحال، كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم.
فإن قلت: فقوله (وَكانُوا مُجْرِمِينَ)؟ قلت: على (أترفوا) أي: اتبعوا الإتراف وكونهم مجرمين،
_________________
(١) وقلت: على هذا التقدير لابد من إضمار "نهوا" وهذه المذكورات أيضًا، لأن قوله: "واتبعوا الشهوات" مستدع لذلك، أي: أنهم تركوا متابعة أضدادها، وهي دليل الهدى والاهتمام بالواجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خاصة في هذا المقام، واستمروا على ضلالهم في متابعة الهوى، فإذن يضمر بعد الاستثناء "نهوا" ليعطف عليه، كأنه قيل: ما كانوا ينهون عن الفساد، لكن القليل منهم نهوا فنجوا، والباقون ما اهتموا به، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا التترف فهلكوا، فوضع موضع "الباقين": (الَّذِينَ ظَلَمُوا) ليؤذن بأن سبب ترك النهي عن المنكر انهماكهم في الشهوات واشتغالهم بحب الجاه والرئاسة، وأن ذلك ظلم عظيم يستأهل صاحبه النكال الشديد، وفيه أن "حب الدنيا رأس كل خطيئة". قوله: (فقوله: (وَكَانُوا مُجْرِمِينَ»: أي: فعلى أي شيء يعطف قوله: (وَكَانُوا مُجْرِمِينَ). قوله: (أي: اتبعوا الإتراف وكونهم مجرمين): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لأن
[ ٨ / ٢٣٠ ]
لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام. أو أريد بـ"الإجرام" إغفالهم للشكر. أو على "اتبعوا"، أي: اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك. ويجوز أن يكون اعتراضًا وحكمًا عليهم بأنهم قوم مجرمون.
[(وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ)].
(كانَ) بمعنى صح واستقام. واللام لتأكيد النفي. و(بِظُلْمٍ) حال من الفاعل، والمعنى: واستحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالمًا لها (وَأَهْلُها) قوم (مُصْلِحُونَ) تنزيها لذاته عن الظلم،
_________________
(١) "ما"- في (مَا أُتْرِفُوا) - موصولة لا مصدرية؛ لعود الضمير من (فِيهِ) إليه، فكيف يقدر "كانوا" مصدرًا، إلا أن يقال: رجع الضمير من (فِيهِ) إلى الظلم، بدلالة (ظَلَمُوا). قوله: (لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام): تعليل، لأن العطف تفسيري، وأن معنى الإتراف هو كونهم مجرمين، وهذا الجواب مبني على أن (وَاتَّبَعَ) حال، وهو إنما يحسن إذا قدر مضافًا، فكأنه قيل: واتبعوا جزاء آثامهم، وعلى هذا: "إذا أريد بـ "الإجرام": إغفالهم للشكر"، أي: اتبعوا جزاء الإتراف وجزاء كفران النعمة. قوله: (أو على: "اتبعوا"): هذا على أن يكون "اتبعوا" معطوفًا على المقدر، وهذا العطف من باب قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: ١٥] على رأي صاحب "المفتاح": عطف، لحصول مضمون الجملتين، وتعويل ترتب الأول على الثاني إلى الذهن، ولذلك قال: "وكانوا مجرمين بذلك". أو تكون الواو استئنافية، أي: اتبعوا شهواتهم وكانوا قومًا عادتهم الإجرام، فاتبعوا الشهوات لذلك، ولو جعل حالًا من فاعل "اتبعوا"، أي: اتبعوا شهواتهم، والحال أنهم كانوا مجرمين؛ لكان حسنًا، والاعتراض أحسن.
[ ٨ / ٢٣١ ]
وإيذانًا بأن إهلاك المصلحين من الظلم. وقيل: الظلم الشرك، ومعناه: أنه لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم ولا يضمون إلى شركهم فسادًا آخر.
[(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)].
(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) يعني لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل أمّةٍ واحدة أي: ملة واحدة وهي ملة الإسلام، كقوله (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) [الأنبياء: ٩٢]، وهذا الكلام يتضمن نفي الاضطرار، وأنه لم يضطرهم إلى الاتفاق على دين الحق، ولكنه مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف، فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل، فاختلفوا، فلذلك قال (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) إلا ناسًا هداهم الله ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه.
_________________
(١) قوله: (يتعاطون الحق فيما بينهم، ولا يضمون إلى شركهم فسادًا): قال القاضي: "ذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه، ومن ذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد، وقيل: الملك يبقى مع الكفر، ولا يبقى مع الظلم". قوله: (فلذلك قال: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ»: أي: فلأجل أن الكلام يتضمن نفي الاضطرار، وأنه تعالى لم يضطرهم إلى الاتفاق، بل جعلهم متمكنين من الاختيار، قال: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) يشير إلى أن المراد بالمشيئة في قوله: (وَلَوْ شَاءَ) مشيئة القسر والإلجاء. والسني يحمل هذه الآية على معنى قوله: (وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة: ١٣]، ويقول: لو تعلقت
[ ٨ / ٢٣٢ ]
(وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) "ذلك" إشارة إلى ما دل عليه الكلام الأوّل وتضمنه، يعني: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان عنه الاختلاف خلقهم، ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره.
(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) وهي قوله للملائكة (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لعلمه بكثرة من يختار الباطل.
[(وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ* وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ* وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)].
_________________
(١) مشيئة الله تعالى باتفاق الناس على دين الحق ما اختلفوا حقًا ولا باطلًا، وحين تعلقت مشيئته بهداية البعض وضلالة البعض؛ بأن يكون فريق في الجنة وفريق في السعير، اختلفوا، يدل عليه قوله في هذه الآية: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، وتؤيده الأحاديث الواردة في القدر. روى محيي السنة: "عن الحسن وعطاء: وللاختلاف خلقهم. وقال مالك: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير. وقال أبو عبيدة: هذا القول أختاره". وقال القاضي: "في الآية دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراده يجب وقوعه". قوله: «كَلِمَةُ رَبِّكَ) هي قوله للملائكة: (لأَمْلأَنَّ»: يريد: أن المراد بـ "الكلمة": الإخبار، كما قال تعالى في الأنعام: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) [الأنعام: ١١٥]، أي: ما أخبر به، وأمر ونهى، ووعد وأوعد، فر من إثبات العلم الأزلي، وجف القلم بما هو كائن، الذي
[ ٨ / ٢٣٣ ]
(وَكُلًّا) التنوين فيه عوض من المضاف إليه كأنه قيل. وكل نبأ (نَقُصُّ عَلَيْكَ) و(مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ) بيان لـ"كل"، و(ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) بدل من "كلا". ويجوز أن يكون المعنى: كل واقتصاص نقصّ عليك، على معنى: وكل نوع من أنواع الاقتصاص نقصّ عليك، يعني: على الأساليب المختلفة، (وما نُثَبِّتُ بِهِ) مفعول (نقصّ). ومعنى تثبيت فؤاده: زيادة يقينه وما فيه طمأنينة قلبه، لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم.
_________________
(١) يستتبع الكائنات إلى تحقيقه، وجعل العلم تابعًا للمعلوم، حيث قال: "لعلمه بكثرة من يختار الباطل". قوله: (و(مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) بدل من "كلا"): أي: نقص عليك من كل نبأ من أنباء الرسل، ث نقص عليك ما نثبت به فؤادك من أنباء الرسل، قال أبو البقاء: " (كلًا): منصوب بـ (نَقُصُّ)، و(مِنْ أَنْبَاءِ) صفة لـ (كلًا)، و(مَا نُثَبِّتُ بِهِ) بدل من (كلًا) ". قوله: (وكل نوع من أنواع الاقتصاص نقص): فعلى هذا: (مِنْ أَنْبَاءِ) حال من المفعول، وهو (مَا نُثَبِّتُ)، و"كلًا" منصوب على المصدر، أي: نقص ما نثبت به فؤادك كائنًا من أنباء الرسل كل نوع من أنواع الاقتصاص، قال أبو البقاء: "يجوز أن يكون (مَا نُثَبِّتُ) مفعول (نَقُصُّ)، و"كلًا" حال من (مَا)، أو من الهاء عند من أجاز تقديم الحال من المجرور". وعليه قال القاضي: "يجوز أن يكون "كلًا" مصدرًا".
[ ٨ / ٢٣٤ ]
(وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ) أي: في هذه السورة. أو في هذه الأنباء المقتصة فيها ما هو حق (وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ).
(وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) من أهل مكة وغيرهم (اعْمَلُوا) على حالكم وجهتكم التي أنتم عليها (إِنَّا عامِلُونَ).
(وَانْتَظِرُوا) بنا الدوائر (إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) أن ينزل بكم نحو ما اقتص الله من النقم النازلة بأشباهكم.
[(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)].
(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) لا تخفى عليه خافية مما يجرى فيهما، فلا تخفى عليه أعمالكم (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) فلا بدّ أن يرجع إليه أمرهم وأمرك، فينتقم لك منهم (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) فإنه كافيك وكافلك (وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)
_________________
(١) قوله: «وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ) أي: في هذه السورة) على آخره: إشارة إلى أن هذه الآية فذلكة لتفاصيل السورة، كما أسلفناه في قوله: (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) [هود: ١٣]، وأن السورة إلى خاتمتها تسلية لقلب الحبيب صلوات الله عليه. قوله: (فلابد أن يرجع إليه أمرهم وأمرك): يريد: أن هذه الكلمة جامعة، فيدخل فيها تسلية الرسول ﷺ، وتهديد الكفار، والانتقام منهم، دخولًا أوليًا. الراغب: "الأمر: الشأن، وجمعه: أمور، ومصدر "أمرته"؛ إذا كلفته شيئًا، وهو لفظ عام للأقوال والأفعال كلها، وعلى ذلك: إليه يرجع الأمر كله، (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)
[ ٨ / ٢٣٥ ]
وقرئ: (تعملون)، بالتاء: أي: أنت وهم على تغليب المخاطب.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة هودٍ أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بنوح ومن كذب به، وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وكان يوم القيامة من السعداء إن شاء الله تعالى ذلك".
_________________
(١) [آل عمران: ١٥٤]، ويقال للإبداع: أمر، نحو: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) [الأعراف: ٥٤]، وقوله: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل: ٤٠] إشارة إلى إبداعه، وعبر عنه بأقصر لفظ وأبلغ ما يتقدم فيه فيما بيننا، ومنه قوله: (وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ) [القمر: ٥٠]، والأمر: التقدم بالشيء، سواء كان بقولهم: افعل، أو: لتفعل، أو: بلفظ الخبر؛ نحو: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ) [البقرة: ٢٢٨]، وقوله: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) [هود: ٩٧] عام في أقواله وأفعاله، وقيل: أمر القوم؛ إذا كثروا، لأن القوم إذا كثروا صاروا ذا أمير، من حيث إنه لابد من سائس يسوسهم". قوله: (وقرئ: (تَعْمَلُونَ) بالتاء) الفوقانية: نافع وابن عامر وحفص، والله أعلم.
[ ٨ / ٢٣٦ ]