مكية، وهي مائة وإحدى عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ)].
(تِلْكَ) إشارة إلى آيات السورة، و(الْكِتابِ الْمُبِينِ) السورة؛ أي: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم،
_________________
(١) سورة يوسف ﵇ مكية، وهي مئة وإحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (أي: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة)، إشارة إلى أن (تِلْكَ) مبتدأ، والمشار إليه ما في ذهن المخاطب، قال ابن الحاجب: "المشار إليه لا يشترط أن يكون موجودًا
[ ٨ / ٢٣٧ ]
أو التي تبين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر. أو الواضحة التي لا تشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم. أو قد أبين فيها ما سألت عنه اليهود من قصة يوسف. فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمدًا لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ وعن قصة يوسف؟
_________________
(١) حاضرًا، بل يكفي أن يكون موجودًا ذهنًا"، فقوله: "أي: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة" إشارة إلى المتصور، وقوله: "آيات السورة الظاهر أمرها" هو المذكور في التنزيل الواقع خبرًا لاسم الإشارة الذي المشار إليه به ما في الذهن، قال المصنف في قوله: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨]: "تصور فراق بينهما عند حلول الميعاد، فأشار إليه، وجعله مبتدأ، وأخبر عنه". قوله: (أو: قد أبين فيها ما سألت عنه اليهود)، الجوهري: "بان الشيء بيانًا: اتضح، فهو بين، وكذلك أبان الشيء فهو مبين، وأبنته أنا، أي: أوضحته، يتعدى ولا يتعدى". فـ (الْمُبِينِ) ها هنا: يحتمل أن يكون من اللازم ومن المتعدي، وإذا حمل على الأول يحتمل وجهين؛ لأن ظهورها: إما بحسب الألفاظ من كونها معجزًا ظاهر الإعجاز، لا يخفى على أرباب البلاغة أن البشر لا تطيق الإتيان بمثلها، كقوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ) [البقرة: ٢٤]، فهو المراد من قوله: "الظاهر أمرها في إعجاز العرب"، أو بحسب المعاني، كقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، وإليه الإشارة بقوله: "لا تشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم". وإذا حمل على الثاني يحتمل وجهين أيضًا: أحدهما: أنها من الظهور والبيان بمنزلة المبين والمفسر، حيث تحمل التدبر على التقدير، كقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢]، وهو الذي عناه بقوله: "التي
[ ٨ / ٢٣٨ ]
(أَنْزَلْناهُ) أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف في حال كونه (قُرْآنًا عَرَبِيًّا)،
_________________
(١) تبين لمن تدبرها أنها من عند الله، لا من عند البشر". وثانيهما: مبين من جهة أن الله تعالى أبان فيها وأوضح مطلوب اليهود، وإليه الإشارة بقوله: "أبين فيها ما سألت عنه اليهود"، فعلى هذا هو من الإسناد المجازي، وإنما حمله على الاختلاف وترك الاتساق- وإن لم يجمع بين المتعديين واللازمين- أن الوجهين الأولين محمولان على معنى الكمال، بحيث لا يوجد في غيره من الكتب، ولا كذلك الوجهان الأخيران. قوله: (في حال كونه (قُرْآنًا عَرَبِيًّا»، قال أبو البقاء: "فيه وجهان: أحدهما: أنه توطئة للحال التي هي (عَرَبِيًّا)، والثاني: أنه حال، وهو مصدر في موضع المفعول، أي: مجموعًا ومجتمعًا". وقلت: معنى التوطئة أنها تنبئ أن ما بعدها حال ومقصود بالذكر، لا أنها في نفسها حال، لأنها لا تدل حينئذ على الهيئة، قال الزجاج في قوله تعالى: (لِسَانًا عَرَبِيًّا): "هو منصوب على الحال. المعنى: مصدقًا لما بين يديه عربيًا، وذكر (لِسَانًا) توكيدًا، كما تقول: جاءني زيد رجلًا صالحًا، تريد: جاءني زيد صالحًا، وتذكر "رجلًا" توكيدًا".
[ ٨ / ٢٣٩ ]
وسمي بعض القرآن قرآنًا، لأنّ القرآن اسم جنس يقع على كله وبعضه (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم؛ (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ) [فصلت: ٤٤].
"الْقَصَصِ" على وجهين: يكون مصدرًا بمعنى الاقتصاص، تقول: قصّ الحديث يقصه قصصًا، كقولك:
شله يشله شللًا، إذا طرده. ويكون «فعلًا» بمعنى «مفعول» كالنفض والحسب. ونحوه النبأ والخبر: في معنى المنبأ به والمخبر به. ويجوز أن يكون من تسمية المفعول بالمصدر، كالخلق والصيد. وإن أريد المصدر، فمعناه: نحن نقص عليك أحسن القصص (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) أي: بإيحائنا إليك هذه السورة، على أن يكون (أحسن) منصوبًا نصب المصدر، لإضافته إليه، ويكون المقصوص محذوفًا، لأنّ قوله (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) مغن عنه.
_________________
(١) قوله: (سمي بعض القرآن قرآنًا)، أي: (قُرْآنًا) - في (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا) - المراد به السورة، لقوله: "أنزلنا هذا الكتاب"، وسبق أن المراد منه السورة. قوله: (إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه)، قال القاضي: "أن تفهموه وتستعملوا فيه عقولكم، فتعلموا أن اقتصاصه كذلك ممن لم يعلم القصص معجز لا يتصور إلا بالإيحاء". وفي التفسيرين خلاف؛ يظهر الفرق من تفسير "مبين" كما سبق، لأن تفسير القاضي موافق للوجه الأول والثاني، وتفسيره للوجه الثالث. قوله: (ويكون المقصوص محذوفًا)، أي: مفعول (نَقُصُّ) محذوف لدلالة (بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)، التقدير: نقص الموحى أحسن القصص.
[ ٨ / ٢٤٠ ]
ويجوز أن ينتصب (هذا القرآن) بـ (نقصّ)، كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إليك. والمراد بـ"أحسن الاقتصاص": أنه اقتصّ على أبدع طريقة وأعجب أسلوب. ألا ترى أنّ هذا الحديث مقتص في كتب الأولين وفي كتب التواريخ؟ ولا ترى اقتصاصه في كتاب منها مقاربًا لاقتصاصه في القرآن؟
وإن أريد بـ (القصص): المقصوص، فمعناه: نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث، وإنما كان أحسنه لما يتضمن من العبر والنكت والحكم والعجائب التي ليست في غيرها،
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن ينتصب (هَذَا الْقُرْآنُ) بـ (نَقُصُّ»، والفرق بين هذا والأول: هو أن على الأول مفعول (نَقُصُّ) محذوف، ومفعول (أَوْحَيْنَا): (هَذَا الْقُرْآنُ)، وعلى هذا بالعكس، والمعنى على هذا: نحن نقص عليك هذا القرآن- أي: قصة يوسف- بواسطة الإيحاء أحسن الاقتصاص، وعلى الأول: نحن نقص عليك قصة يوسف بواسطة إيحاء هذا القرآن المعجز الباهر تبيانه القاهر سلطانه أحسن الاقتصاص، وهذا أبلغ، ويكون المصدر مؤكدًا. قوله: (وإن أريد بـ (الْقَصَصِ»، معطوف على قوله: "فإن أريد المصدر فمعناه". قوله: (وإنما كان أحسنه لما يتضمن من العبر والنكت)، قال محيي السنة: "والفوائد التي تصلح للدين والدنيا من سير الملوك والمماليك والعلماء، ومكر النساء، وقصص الرؤيا، والصبر على أذى الأعداء، والتجاوز عنهم بعد الاقتدار، وغير ذلك".
[ ٨ / ٢٤١ ]
والظاهر أنه أحسن ما يقتص في بابه، كما يقال في الرجل: هو أعلم الناس وأفضلهم، يراد في فنه.
فإن قلت: ممّ اشتقاق "القصص"؟ قلت: من قصّ أثره إذا اتبعه، لأنّ الذي يقصّ الحديث يتبع ما حفظ منه شيئًا فشيئًا، كما يقال: تلا القرآن، إذا قرأه، لأنه يتلو أي: يتبع ما حفظ منه آية بعد آية.
(وَإِنْ كُنْتَ): "إن" مخففة من الثقيلة. واللام هي التي تفرق بينها وبين النافية. والضمير في (قَبْلِهِ) راجع إلى قوله: (بما أوحينا). والمعنى: وإنّ الشأن والحديث كنت من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عنه، أى: من الجاهلين به، ما كان لك فيه علم قط ولا طرق سمعك طرف منه.
[(إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ)].
_________________
(١) قوله: (والظاهر أنه أحسن ما يقتص في بابه)، المعنى: أن قصة يوسف في الاقتصاص أحسن من سائر الأقاصيص فيه، فلا يلزم أن تكون قصته أحسن من قصة سيدنا محمد ﷺ، وكونه أحسن اقتصاصًا لأنها اقتصت على أبدع طريقة وأعجب أسلوب. قوله: (مم اشتقاق "القصص"؟)، أي: من أي معنى اشتق "القصص"، وما المنقول منه؟ وإلا فقد بين اشتقاقه فيما سبق حيث قال: "قص الحديث يقصه قصصًا". قوله: (من الجاهلين به)، هذه كبوة منه توهم أن الغافل عن الشيء هو الجاهل به، ولم يكن رسول الله ﷺ ممن يطلق عليه اسم الجاهل ويخاطب به أبدًا، قال القاضي: " (لَمِنْ الْغَافِلِينَ) عن هذه القصة؛ لم تخطر ببالك، ولم تقرع سمعك قط، وهو تعليل لكونه موحى".
[ ٨ / ٢٤٢ ]
(إِذْ قالَ يُوسُفُ) بدل من (أحسن القصص)، وهو من بدل الاشتمال، لأن الوقت مشتمل على القصص وهو المقصوص، فإذا قصَّ وقته فقد قص. أو بإضمار «اذكر».
ويوسف اسم عبراني، وقيل عربى وليس بصحيح، لأنه لو كان عربيًا لا نصرف لخلوّه عن سبب آخر سوى التعريف.
فإن قلت: فما تقول فيمن قرأ «يوسِف» بكسر السين، أو «يوسَف» بفتحها، هل يجوز على قراءته أن يقال «هو عربي» لأنه على وزن المضارع المبنى للفاعل أو المفعول من آسف. وإنما منع الصرف للتعريف ووزن الفعل؟ قلت: لا، لأنّ القراءة المشهورة قامت بالشهادة، على أن الكلمة أعجمية،
_________________
(١) وقلت: ويمكن أن يقال: إن الشيء إذا كان بديعًا، وفيه نوع غرابة إذا وقف عليه، قيل للمخاطب: كنت من هذا غافلًا، يعني: كان يجب عليك أن تفتش عنه وتتوخى في تحصيله. الراغب: "الغفلة: سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، وأرض غفل: لا منار بها، وإغفال الكتاب: تركه غير معجم، قوله تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) [الكهف: ٢٨]، أي: جعلناه غافلًا عن الحقائق، أو تركناه غير مكتوب فيه الإيمان، كما قال: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ) [المجادلة: ٢٢] ". قوله: (وهو المقصوص)، وإنما خصه، وقد ذكر أيضًا أنه يكون مصدرًا بمعنى الاقتصاص، لأن زمان الاقتصاص زمان ما قص على النبي ﷺ وأوحي إليه، وزمان قول يوسف منقرض غير مشتمل على أحسن الاقتصاص، فلا يصلح البدل، فهو على هذا معمول "اذكر".
[ ٨ / ٢٤٣ ]
فلا تكون عربية تارة وأعجمية أخرى، ونحو يوسف: يونس، رويت فيه هذه اللغات الثلاث ولا يقال هو عربى لأنه في لغتين منها بوزن المضارع من آنس وأونس.
وعن النبي ﷺ «إذا قيل: من الكريم؟ فقولوا: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم».
(يا أَبَتِ) قرئ بالحركات الثلاث.
_________________
(١) قوله: (الكريم ابن الكريم)، الحديث: رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة. قوله: «يَا أَبَتِ) قرئ بالحركات الثلاث)، ابن عامر: بفتح التاء، والباقون: بكسرها، والضم: شاذ.
[ ٨ / ٢٤٤ ]
فإن قلت: ما هذه التاء؟ قلت: تاء تأنيث وقعت عوضًا من ياء الإضافة، والدليل على أنها تاء تأنيث قلبها هاء في الوقف.
فإن قلت: كيف جاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكر؟ قلت: كما جاز نحو قولك: حمامة ذكر، وشاة ذكر، ورجل ربعة، وغلام يفعة.
فإن قلت: فلم ساغ تعويض تاء التأنيث من ياء الإضافة؟ قلت: لأنَّ التأنيث والإضافة يتناسبان في أنّ كل واحد منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره.
_________________
(١) قوله: (تاء التأنيث وقعت عوضًا من ياء الإضافة)، قال الزجاج: " (يَا أَبَتِ) بكسر التاء على الإضافة إلى نفسه، وحذف ياء الإضافة شائع في النداء، وأما إدخال تاء التأنيث فيختص بالأب والأم، والمذكر يوصف بما فيه تاء التأنيث، نحو: غلام يفعة، ورجل ربعة، والتاء إنما كسرت ولزمت في الأب عوضًا من ياء الإضافة، والوقف عليه: يا أبه، وزعم الفراء أنك إذا كسرت وقفت بالتاء لا غير، وإذا فتحت وقفت بالهاء والتاء، ولا فرق بين الكسر والفتح، وأما الرفع فضعيف، لأن الهاء بدل من ياء الإضافة". قوله: (قلبها هاء)، أي: لو كانت أصلية لبقيت ياء خالصة في الوقف، ولم تقل: يا أبه، كما في الثبت، وهو الحجة، وقرأ: "يا أبه"- بالهاء في الوقف- ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. قوله: (ربعة)، الجوهري: "أي: مربوع الخلق، لا طويل ولا قصير، وامرأة ربعة، وجمعها ربعات"، "وأيفع الغلام: ارتفع، وغلام يافع ويفعة، وغلمان أيفاع ويفعة".
[ ٨ / ٢٤٥ ]
فإن قلت: فما هذه الكسرة؟ قلت: هي الكسرة التي كانت قبل الياء في قولك: يا أبى، قد زحلقت إلى التاء، لاقتضاء تاء التأنيث أن يكون ما قبلها مفتوحًا.
فإن قلت: فما بال الكسرة لم تسقط بالفتحة التي اقتضتها التاء وتبقى التاء ساكنة؟ قلت: امتنع ذلك فيها، لأنها اسم، والأسماء حقها التحريك لأصالتها في الإعراب، وإنما جاز تسكين الياء وأصلها أن تحرّك تخفيفًا، لأنها حرف لين. وأما التاء فحرف صحيح نحو كاف الضمير، فلزم تحريكها.
فإن قلت: يشبه الجمع بين التاء وبين هذه الكسرة الجمع بين العوض والمعوّض منه، لأنها في حكم الياء، إذا قلت: يا غلام، فكما لا يجوز «يا أبتى» لا يجوز «يا أبت». قلت الياء والكسرة قبلها شيئان والتاء عوض من أحد الشيئين، وهو الياء والكسرة غير متعرض لها، فلا يجمع بين العوض والمعوض منه، إلا إذا جمع بين التاء والياء لا غير. ألا ترى إلى قولهم «يا أبتا» مع كون الألف فيه بدلا من التاء، كيف جاز الجمع بينها وبين التاء، ولم يعد ذلك جمعًا بين العوض والمعوّض منه، فالكسرة أبعد من ذلك.
فإن قلت: فقد دلت الكسرة في "يا غلام" على الإضافة، لأنها قرينة الياء ولصيقتها. فإن دلت على مثل ذلك في «يا أبت» فالتاء المعوّضة لغو: وجودها كعدمها؟
_________________
(١) قوله: (زحلقت)، الجوهري: "الزحلقة: كالدحرجة والدفع، يقال: زحلقته فتزحلق". قوله: (بالفتحة التي اقتضتها التاء)، وهي الفتحة التي قبل التاء في مثل طلحة وحمزة، أي: إذا اقتضت التاء فتح ما قبلها كان القياس أن يسقط هذا الاقتضاء تلك الكسرة، لوجود ما يقتضي عدمها، إلا أن تزحلق إلى التاء، لأنها اسم، قيل: ليست باسم، وإنما هي عوض من الاسم، فأجريت مجراه. قوله: (وجودها كعدمها)، لأن الكسرة لما دلت على الياء، فأي حاجة إلى ذكر التاء.
[ ٨ / ٢٤٦ ]
قلت: بل حالها مع التاء كحالها مع الياء إذا قلت يا أبي.
فإن قلت: فما وجه من قرأ بفتح التاء وضمها؟ قلت: أما من فتح فقد حذف الألف من «يا أبتا» واستبقى الفتحة قبلها، كما فعل من حذف الياء في «يا غلام» ويجوز أن يقال: حركها بحركة الباء المعوض منها في قولك «يا أبي».
وأما من ضم فقد رأي: اسمًا في آخره تاء تأنيث، فأجراه مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء فقال: «يا أبت» كما تقول «يا ثبة» من غير اعتبار لكونها عوضا من ياء الاضافة.
وقرئ: "إني رأيت"، بتحريك الياء. "وأحد عشر" بسكون العين، تخفيفًا لتوالي المتحركات فيما هو في حتم اسم واحد، وكذا إلى تسعة عشر، إلا اثني عشر، لئلا يلتقي ساكنان.
_________________
(١) قوله: (بل حالها مع التاء كحالها مع الياء)، يعني: الكسرة على التاء ليست كالكسرة على الميم في "يا غلام"، وإنما هي كالكسرة في "يا غلامي" مع الياء. قوله: (يا ثبة)، الجوهري: "الثبة: الجماعة، وأصلها ثبي، والجمع ثبات وثبون وأثابي. قوله: (و"أحد عشر" بسكون العين)، قال ابن جني: "قرأها أبو جعفر ونافع- بخلاف- وطلحة بن سليمان، والسبب أن الاسمين لما جعلا كالاسم الواحد، وبني الاسم الأول منهما لأنه كصدر الاسم، والثاني منهما لتضمنه معنى حرف العطف، لم يجز الوقف على الأول، لأنه كصدر الاسم من عجزه، فجعل تسكين أول الثاني دليلًا على أنهما قد صارا كالاسم الواحد، وكذلك البقية إلى "تسعة عشر"، إلا "اثنا عشر" و"اثني عشر"، فإنه لا يسكن لسكون الألف والياء قبلها، ومما يدل على أن الاسمين إذا أجريا مجرى الاسم الواحد
[ ٨ / ٢٤٧ ]
و(رأيت) من الرؤيا، لا من الرؤية، لأنَّ ما ذكره معلوم أنه منام، لأنّ الشمس والقمر لو اجتمعا مع الكواكب ساجدة ليوسف في حال اليقظة، لكانت آيةً عظيمة ليعقوب ﵇، ولما خفيت عليه وعلى الناس.
فإن قلت: ما أسماء تلك الكواكب؟ قلت: روى جابر أنّ يهوديًا جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: يا محمد، أخبرني عن النجوم التي رآهنّ يوسف، فسكت رسول الله ﷺ: فنزل جبريل ﵇ فأخبره بذلك، فقال النبي ﷺ لليهودي «إن أخبرتك هل تسلم»؟ قال: نعم. قال: «جريان، والطارق، والذيال، وقابس، وعمودان، والفليق، والمصبح، والضروح، والفرغ. ووثاب، وذو الكتفين. رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له» فقال: اليهودي: أي والله، إنها لأسماؤها.
وقيل: الشمس والقمر أبواه. وقيل: أبوه وخالته، والكواكب: إخوته.
وعن وهبٍ: أنّ يوسف رأى وهو ابن سبع سنين أنّ إحدى عشرة عصا طوالًا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة، وإذا عصًا صغير تثب عليها حتى اقتلعتها وغلبتها، فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك، ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرة سنة الشمس والقمر والكواكب تسجد له، فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم، فيبغوا لك الغوائل.
وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنةً. وقيل: ثمانون.
_________________
(١) عوملا معاملته: ما حكاه أبو عمرو الشيباني من قولهم في حضرموت: حضرموت- بضم الميم-؛ ليكون كعنكبوت".
[ ٨ / ٢٤٨ ]
فإن قلت لم أخر الشمس والقمر؟ قلت: أخرهما ليعطفهما على "الكواكب" على طريق الاختصاص، بيانًا لفضلهما واستبدادهما بالمزية على عيرهما من الطوالع، كما أخر جبريل وميكائيل عن الملائكة، ثم عطفهما عليها لذلك.
_________________
(١) قوله: (على طريق الاختصاص بيانًا لفضلهما واستبدادهما بالمزية)، وكان من حق الظاهر تقديم "الشمس والقمر" على "الكوكب" بعد إخراجهما من الجنس؛ تقديمًا للفاضل على المفضول، كقوله تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) [الأعراف: ٥٤]، لكن خولف هذا الاعتبار بتأخرهما؛ قصدًا إلى تغايرهما مطلقًا، وإخراجهما من الجنس رأسًا، بحيث لا مناسبة بينهما، كتقديم الفاضل على المفضول. فإن قلت: ما نحن بصدده ليس من قبيل: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) [البقرة: ٩٨]، لأنه من عطف الخاص على العام، لأنهما داخلان في الملائكة، بخلافه ها هنا؟ قلت: يكفي في التشبيه بالفضل والاختصاص تأخيرهما وإخراجهما من جنس الكوكب، وجعلهما مغايرين لها بالعطف، وهو المراد من قوله: "كما أخر"، وقوله: "ثم عطفهما عليها". فإن قلت: فما فائدة العدول، ولمَ لم يقل: إني رأيت الكوكب والشمس والقمر؛ ليوازي تلك الآية؟ قلت: القصد الأولي في تلك الآية ذكر جبريل وميكائيل، كما دل عليه سبب النزول، وذكر الملائكة للتوطئة والتمهيد، بخلافه ها هنا، فسلك به مسلكًا علم منه المقصود، وأدمج التفضيل والاختصاص، وفيه إشارة إلى أن الآخرة مع تلك الهنات ما سلب عنهم نور الولاية والنبوة.
[ ٨ / ٢٤٩ ]
ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع"، أي: رأيت الكواكب مع الشمس والقمر.
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن تكون "الواو" بمعنى: مع)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لاتفاقهم على أن "عمرًا" في "ضربت زيدًا وعمرًا" ليس مفعولًا معه. ويجاب: أنا لمعني بقوله: "بمعنى: مع" ليس أنه مفعول معه، فإن سؤاله: "لم أخر "الشمس والقمر"؟ ". ومعناه: كيف أخرهما وموضع التقديم ظاهر. وأجاب بجوابين: أحدهما: فيه التزام التأخير لإفادة المبالغة في التغاير، وثانيهما: أن "الواو" لا توجب الترتيب، لأن مقتضاها الجمعية، لأنها بمعنى: مع، كأنه قيل: رأيت الشمس والقمر والكواكب دفعة واحدة. يؤيده قوله في تفسير: (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ) [المائدة: ٣٦]: "إنما وحد الراجع في "به"، لأن الواو بمعنى: "مع"، فيتوحد المرجوع إليه"، وقوله بعيد هذا: " (يَخْلُ لَكُمْ) إما مجزوم بإضمار "إن"، والواو بمعنى: "مع"، كقوله: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) ". قال شارح "الهادي": الواو تدل على الجمع المطلق، ودلالتها على الجمع أقوى من دلالتها على العطف، فإنها قد تعرى عن معنى العطف، ولا تعرى من معنى الجمع، فإن
[ ٨ / ٢٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) واو القسم وواو الحال بمعنى "مع"، ولا تفيد العطف، وتفيد الجمع، لأنها في القسم نائبة عن الباء، والباء للإلصاق، والحال مصاحبة لذي الحال، والواو في المختلفين بمنزلة التثنية والجمع في المتفقين إذا لم يمكنهم التثنية والجمع في المختلفين، فعدلوا إلى الواو. وتلخيص الجوابين يرجع إلى ما قاله في سورة النمل: "فإن قلت: ما الفرق بين هذا- أي: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) [النمل: ١]- وبين قوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) [الحجر: ١]؟ قلت: لا فرق بينهما إلا ما بين المعطوف والمعطوف عليه من التقدم والتأخر، وذلك على ضربين: ضرب جار مجرى التثنية، لا يترجح جانب على جانب، وضرب فيه ترجح، والأول نحو قوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ) (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا)، والثاني نحو قوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ) [آل عمران: ١٨] ". ونقل عن تلميذ ابن الحاجب أنه قال: ظاهر كلام الزمخشري لا يشترط في المفعول معه مصاحبة الفاعل، والحد المذكور في "الكافية" لا يمنع من مصاحبة المفعول، ونقل المالكي عن سيبويه أنه قال بعد تمثيله بـ "ما صنعت وأباك" و"لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها"، فـ "الفصيل" مفعول معه، و"الأب" كذلك. وقال المالكي أيضًا: ويترجح
[ ٨ / ٢٥١ ]
فإن قلت: ما معنى تكرار (رأيت)؟ قلت: ليس بتكرار، إنما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابًا له، كأن يعقوب ﵇ قال له عند قوله (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا): كيف رأيتها سائلًا عن حال رؤيتها؟ فقال (رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ).
فإن قلت. فلم أجريت مجرى العقلاء في (رأيتهم لي ساجدين)؟ قلت: لأنه لما وصفها بما هو خاص بالعقلاء وهو السجود. أجرى عليها حكمهم، كأنها عاقلة، وهذا كثير شائع في كلامهم، أن يلابس الشيء الشيء من بعض الوجوه، فيعطى حكما من أحكامه إظهارًا لأثر الملابسة والمقاربة.
_________________
(١) العطف إن كان بلا تكلف ولا مانع ولا موهن، فلو خيف به فوات ما تصرفوا به رجح النصب على المعية. كذلك ها هنا رجحنا المعية على العطف لتوخي حصول الأفضلية ليترجح معنى الآية إلى معنى قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) [النساء: ٦٩]. قوله: (أجرى عليها حكمهم، كأنها عاقلة)، قال الزجاج: "إذا جعل الله غير المميز كالمميز كذلك تكون أفعالها وآثارها، وأما (سَاجِدِينَ) فحقيقته فعل كل من يعقل، فإذا وصف به غيرهم فقد دخل في المميزين، وصار الإخبار عنهم كالإخبار عنهم". قوله: (أن يلابس الشيءُ الشيء)، قيل: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أن يلابس، والجملة بيان لقوله: "هذا كثير في كلامهم".
[ ٨ / ٢٥٢ ]
[(قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ* وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)].
عرف يعقوب ﵇ دلالة الرؤيا على أن يوسف يبلغه الله مبلغًا من الحكمة، ويصطفيه للنبوّة، وينعم عليه بشرف الدارين، كما فعل بآبائه، فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم.
والرؤيا بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، فرق بينهما بحرفى التأنيث كما قيل: القربة والقربى.
وقرئ: "روياك" بقلب الهمزة واوًا. وسمع الكسائي: "رُيَّاك" و"رِيَّاك" بالإدغام وضم الراء وكسرها،
_________________
(١) قوله: (والرؤيا: بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام)، قال أبو علي: "الرؤيا: مصدر كالبشرى والسقيا والبقيا، إلا أنه لما صار اسمًا لهذا المتخيل في المنام جرى مجرى الأسماء، وخرج عن حكم الإعمال، ومما يقوي خروجه عن أحكام المصادر تكسيرهم لها على "رؤى"، فصار بمنزلة "ظلم"، والمصادر في أكثر الأمر لا تكسر"، وسيجيء الكلام في حقيقة "الرؤيا" بعيد هذا. قوله: (وقرئ: "روياك" بقلب الهمزة واوًا)، قال أبو البقاء: "الجمهور أن الأصل الهمز، وقرئ بواو مكانها، لانضمام ما قبلها، ومنهم من يدغم، فيقول: رياك، فأجرى المخففة مجرى الأصلية، ومنهم من يكسر الراء لتناسب الياء".
[ ٨ / ٢٥٣ ]
وهي ضعيفة، لأنّ الواو في تقدير الهمزة فلا يقوى إدغامها كما لم يقو الإدغام في قولهم «اتزر» من الإزار، و«اتجر» من الأجر.
(فَيَكِيدُوا) منصوب بإضمار «أن» والمعنى: إن قصصتها عليهم كادوك.
فإن قلت: هلا قيل: فيكيدوك، كما قيل: (فكيدوني) [هود: ٥٥]؟ قلت: ضمن معنى فعل يتعدى باللام، ليفيد معنى فعل الكيد، مع إفادة معنى الفعل المضمن، فيكون آكد وأبلغ في التخويف، وذلك نحو: فيحتالوا لك. ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر.
(عَدُوٌّ مُبِينٌ) ظاهر العداوة لما فعل بآدم وحواء، ولقوله (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: ١٦]، فهو يحمل على الكيد والمكر وكل شرّ، ليورّط من يحمله، ولا يؤمن أن يحملهم على مثله.
(وَكَذلِكَ) ومثل ذلك الاجتباء (يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ) يعني: وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكبرياء شأن، كذلك يجتبيك ربك لأمور عظام.
وقوله (وَيُعَلِّمُكَ) كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه، كأنه قيل: وهو يعلمك ويتمّ نعمته عليك. والاجتباء. الاصطفاء، افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض: جمعته.
_________________
(١) قوله: (وهي ضعيفة)، قال أبو علي: "فإن خففت قلت: "الرويا"، قلبتها ولم تدغم الواو في الياء، وإن كانت قد تقدمتها ساكنة، لأن الواو في تقدير الهمزة، فهي كذلك غير لازمة، وإذا لم يلزم لم يقع الاعتداد بها، فلم تدغم، كما لم تقلب الأولى في (وُورِيَ عَنْهُمَا) [الأعراف: ٢٠] لما كانت الثانية غير لازمة، ومن ثم جاز "ضو" و"شيٌ"، فبقي الاسم على حرفين؛ أحدهما حرف لين، وجاز تحرك حرف اللين وتصحيحه مع انفتاح ما قبله، لأن الهمزة في تقدير الثبات".
[ ٨ / ٢٥٤ ]
والأحاديث: الرؤيا: لأنّ الرؤيا إمّا حديث نفس أو ملك أو شيطان. وتأويلها. عبارتها وتفسيرها، وكان يوسف ﵇ أعبر الناس للرؤيا، وأصحهم عبارة لها.
ويجوز أن يراد بـ (تأويل الأحاديث): معاني كتب الله وسنن الأنبياء، وما غمض واشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها،
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يراد بـ (تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ) معاني كتب الله وسنن الأنبياء)، فعلى هذا فيه إشارة إلى أن العلم أجل النعم، وأشرف العلوم: تأويل كتاب الله ﷿. الراغب: "التأويل: من الأول، وهو الرجوع إلى الأصل، ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه؛ علمًا كان أو فعلًا، ففي العلم قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ) [آل عمران: ٧]، وفي الفعل قول الشاعر: وللنوى قبل يوم البين تأويل وقوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ) [الأعراف: ٥٣] أي: بيانه الذي هو غايته المقصودة منه، والأول: السياسة التي يرعى مآلها، يقال: ألنا وإيل علينا".
[ ٨ / ٢٥٥ ]
يفسرها لهم ويشرحها ويدلهم على مودعات حكمها. وسميت أحاديث، لأنه يحدث بها عن الله ورسله، فيقال: قال الله وقال الرسول كذا وكذا. ألا ترى إلى قوله تعالى (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: ١٨٥]، (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) [الزمر: ٢٣]، وهو اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة؟ ومعنى إتمام النعمة عليهم: أنه وصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، بأن جعلهم أنبياء في الدنيا وملوكا. ونقلهم عنها إلى الدرجات العلا في الجنة. وقيل: أتمها على إبراهيم بالخلة، والإنجاء من النار، ومن ذبح الولد. وعلى إسحاق بإنجائه من الذبح، وفدائه بذبح عظيم، وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه. وقيل: علم يعقوب أنّ يوسف يكون نبيًا وإخوته أنبياء استدلالا بضوء الكواكب، فلذلك قال: (وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ)
_________________
(١) قوله: (وهو اسم جمع للحديث، وليس بجمع أحدوثة)، وقال في موضع آخر: "الأحاديث تكون اسم جمع للحديث، ومنه: أحاديث الرسول، وتكون جمعًا للأحدوثة التي هي مثل الأضحوكة والأعجوبة، وهي ما يتحدث به الناس تلهيًا وتعجبًا"، وقد يظن أنه ناقض؛ لأنه قال في "المفصل": "وقد يجيء الجمع مبنيًا على غير واحده المستعمل، وذلك نحو: أراهط وأباطيل وأحاديث". قال الفراء: ترى أن واحد "الأحاديث": أحدوثة، ثم جعلوه جمعًا للحديث. وقال علم الدين السجاوندي في "شرح المفصل": كأنهم جمعوا "حديثًا" على "أحدثة"، ثم جمعوا الجمع على "أحاديث"، كقطيع وأقطعة وأقاطيع، فعلى هذا يصح أن يقال: وهو مبني على واحدة المستعمل.
[ ٨ / ٢٥٦ ]
وقيل: لما بلغت الرؤيا إخوة يوسف حسدوه وقالوا: ما رضي أن سجد له إخوته حتى سجد له أبواه. وقيل: كان يعقوب مؤثرا له بزيادة المحبة والشفقة لصغره، لما يرى فيه من المخايل. وكان إخوته يحسدونه، فلما رأي: الرؤيا ضاعف له المحبة، فكان يضمه كل ساعة إلى صدره ولا يصبر عنه، فتبالغ فيهم الحسد.
وقيل: لما قص رؤياه على يعقوب قال: هذا أمر مشتت يجمع الله لك بعد دهر طويل.
و"آل يعقوب": أهله وهم نسله وغيرهم. وأصل "آل": أهل، بدليل تصغيره على "أُهَيل"، إلا أنه لا يستعمل إلا فيمن له خطر. يقال: آل النبي، وآل الملك. ولا يقال: آل الحائك، ولا آل الحجام، ولكن أهلهما.
_________________
(١) قوله: (من المخايل)، وهي جمع مخيلة، وهي المظنة، وياؤه كياء "معايش". قوله: (هذا أمر مشتت يجمعه الله بلك) بعد دهر طويل)، يعني: أن رؤياك أمر يدل على تشتيت أمرك أولًا، ثم يجمع الله من شتاتك بعد دهر طويل، الجوهري: "الحمد لله الذي جمعنا من شت"، ودلالته عليه لأن سجود إخوته مع بغضهم إياه وحسدهم أمر بعيد، وكونه مسجودًا لأبويه أبعد، وذلك لا يحصل إلا بعد ضربات الدهر وشتات الأمور وتقلبات الأحوال.
[ ٨ / ٢٥٧ ]
وأراد بـ"الأبوين": الجد، وأبا الجد، لأنهما في حكم الأب في الأصالة. ومن ثم يقولون: ابن فلان، وإن كان بينه وبين فلان عدّة.
و(إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ) عطف بيانٍ لـ (أبويك)، (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ) يعلم من يحق له الاجتباء (حَكِيمٌ) لا يتم نعمته إلا على من يستحقها.
[(لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ)].
(فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ) أي: في قصتهم وحديثهم (آياتٌ) علامات ودلائل على قدرة الله وحكمته في كل شيء (لِلسَّائِلِينَ) لمن سأل عن قصتهم وعرفها. وقيل: آيات على نبوّة محمد ﷺ للذين سألوه من اليهود عنها، فأخبرهم بالصحة من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب.
وقرئ: "آية"، وفي بعض المصاحف: "عبرة".
وقيل: إنما قص الله تعالى على النبي ﵊ خبر يوسف وبغي إخوته عليه، لما رأى من بغى قومه عليه ليتأسى به. وقيل أساميهم: يهوذا: وروبيل، وشمعون، ولاوى، وزبالون، ويشجر، ودينة، ودان، ونفتالى، وجاد، وآشر؛ السبعة الأولون كانوا من ليا بنت خالة يعقوب، والأربعة الآخرون من سريتين: زلفة، وبلهة: فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل، فولدت له بنيامين ويوسف.
_________________
(١) قوله: (للذين سألوه)، الضمير راجع للرسول ﷺ، وقوله: "من اليهود" بيان "للذين"، والضمير في "عنها" للقصة، هذا مشعر بأن السائلين هم اليهود، وقال في أول السورة: "فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمدًا عن قصة يوسف"، وذلك أنه نزل استدعاءهم المشركين سؤاله منزلة سؤالهم.
[ ٨ / ٢٥٨ ]
[(إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)].
(قالوا لَيُوسُفُ) اللام للابتداء. وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة. أرادوا أنّ زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه (وَأَخُوهُ) هو بنيامين. وإنما قالوا أخوه وهم جميعًا إخوته، لأنّ أمّهما كانت واحدة. وقيل (أَحَبُّ) في الاثنين، لأن "أفعل من" لا يفرّق فيه بين الواحد وما فوقه، ولا بين المذكر والمؤنث إذا كان معه «من» ولا بد من الفرق مع لام التعريف، وإذا أضيف جاز الأمران.
والواو في (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) واو الحال. يعني: أنه يفضلهما في المحبة علينا، وهما اثنان صغيران لا كفاية فيهما ولا منفعة، ونحن جماعة عشرة رجال كفأة نقوم بمرافقه، فنحن أحقّ بزيادة المحبة منهما، لفضلنا بالكثرة والمنفعة عليهما (إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: في ذهاب عن طريق الصواب في ذلك. والعصبة والعصابة: العشرة فصاعدًا. وقيل: إلى الأربعين، سموا بذلك لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور
_________________
(١) قوله: «لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: في ذهاب عن طريق الصواب في ذلك)، يعني: أن نسبة الضلال إلى أبيهم إن كان مطلقًا، يوهم سوء أدب، لكن مقيد بقرينة الأحوال، كقوله تعالى: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) [البقرة: ١٦]، أي: في أمور التجارة، كقوله: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) [النساء: ٦]، أي: رشدًا في طريق التجارة. قوله: (لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور)، الراغب: "العصب: أطناب المفاصل، ولحم عصيب: كثير العصب، والمعصوب: المشدود بالعصب، ثم يقال لكل شد: عصب، نحو قولهم: لأعصبنك عصب السلمة، وفلان شديد العصب، ومعصوب الخلق، أي: مدمج الخلقة، والعصبة: جماعة متعصبة، قال تعالى: (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ) [القصص: ٧٦]،
[ ٨ / ٢٥٩ ]
ويستكفون النوائب. وروى النزال بن سبرة عن عليّ ﵁: "ونحن عصبة"، بالنصب. وقيل: معناه ونحن نجتمع عصبة. وعن ابن الأنباري: هذا كما تقول العرب، إنما العامري عمته؛ أي: يتعهد عمته.
[(اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ)].
_________________
(١) وقال: (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) [يوسف: ١٤]، أي: مجتمعة الكلام متعاضدة، واعصوصب القوم: صاروا عصبًا، والعصابة: ما يعصب بها الرأس والعمامة". قوله: ("ونحن عصبة" بالنصب)، الانتصاف: "هذا يؤيد قراءة من قرأ: "هن أطهر لكم"، كأنه قال: ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن نَحْن، كقوله: أنا أبو النجم وشعري شعري فلا بعد لحذف الخبر لمساواته المبتدأ، فوقع الحال بعده، ومثله: "هؤلاء بناتي هن أطهر لكم"، فقوله: "هن" في حكم الكلام التام، أي: هن المشهورات بالأوصاف الكاملة". قوله: (إنما العامري عمته)، الجوهري: "فلان حسن العمة: أي: حسن الاعتمام، واعتم
[ ٨ / ٢٦٠ ]
(اقْتُلُوا يُوسُفَ) من جملة ما حكى بعد قوله: (إذ قالوا) كأنهم أطبقوا على ذلك إلا من قال: (لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ) وقيل: الآمر بالقتل شمعون، وقيل: دان، والباقين كانوا راضين، فجعلوا آمرين (أَرْضًا) أرضًا منكورة مجهولة بعيدة من العمران، وهو معنى تنكيرها وإخلائها من الوصف، ولإبهامها من هذا الوجه نصبت نصب الظروف المبهمة (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم. والمراد: سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها، فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم، لأنّ الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه. ويجوز أن يراد بالوجه الذات، كما قال تعالى (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) [الرحمن: ٢٧]. وقيل: (يَخْلُ لَكُمْ) يفرغ لكم من الشغل بيوسف (مِنْ بَعْدِهِ) من بعد يوسف، أي: من بعد كفايته بالقتل أو التغريب، أو يرجع الضمير إلى مصدر (اقتلوا) أو (اطرحوه)
_________________
(١) بالعمامة وتعمم بها: بمعنى"، يقول: ليس العامري إلا عبارة عن تعهد عمامته واستعماله بما يتزين به، وليس من المكارم في شيء، قال الحطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي قوله: (وقيل: (يَخْلُ لَكُمْ): يفرغ لكم من الشغل بيوسف)، عطف على قوله: " (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) يقبل عليكم إقبالة واحدة"، وأما توسيط قوله: "ويجوز أن يراد بـ "الوجه": الذات" بين المعطوف والمعطوف عليه، فللدلالة على أن الوجه الأول محتمل لأن يراد بـ "الوجه": الجارحة المخصوصة، وأن يراد الذات كله؛ إطلاقًا لاسم معظم الشيء على كله، وعلى أن الثاني لا يحتمل غير الذات.
[ ٨ / ٢٦١ ]
(قَوْمًا صالِحِينَ) تائبين إلى الله مما جنيتم عليه. أو يصلح ما بينكم وبين أبيكم بعذر تمهدونه. أو تصلح دنياكم وتنتظم أموركم بعده بخلوّ وجه أبيكم. و(تَكُونُوا) إمّا مجزوم عطفًا على (يَخْلُ لَكُمْ) أو منصوب بإضمار "أن" والواو بمعنى "مع"، كقوله (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: ٤٢].
[(قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ)].
_________________
(١) وعلى التقادير: التركيب من باب الكناية؛ أما بيان الوجه الأول- وهو أن يراد بـ "الوجه" الجارحة-: فإن من أقبل على الشيء بوجهه لا يلتفت إلى الغير، وملزوم ذلك إخلاص المحبة له، وإليه الإشارة بقوله: "والمراد سلامة محبته لهم، وإلى معنى الكناية أشار بقوله: "وكان ذكر "الوجه" لتصوير معنى إقباله عليهم"، وهو كما إذا عبرت عن جود زيد بقولك: "هو كثير الرماد"، وإذا أريد بـ "الوجه" الذات، ويكون كناية عن المحبة، فالأمر على هذا. وأما بيان الوجه الثاني: فإن من تخلى بذاته كله إلى الشيء تفرغ له من الشغل بالغير، وهذا لا يوجب المحبة، وعليه قوله تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ) [الرحمن: ٣١]، قال المصنف: "هو من قول الرجل لمن يهدده: سأفرغ لك؛ يريد: سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه، حتى لا يكون لي شغل سواه"، والمراد في هذا المقام التوفر على إصلاح أمورهم وانتظام أحوالهم. قوله: (أو: تصلح دنياكم)، عطف على "تائبين إلى الله"، لأن المراد بـ "الصلاح": إما الديني وإما الدنيوي، والديني: إما التوبة إلى الله تعالى أو التحري إلى رضا الوالد، لأنه أيضًا موجب رضا الله. قوله: (كقوله: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ»، يريد قوله تعالى: (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ
[ ٨ / ٢٦٢ ]
(قائِلٌ مِنْهُمْ) هو يهوذا، وكان أحسنهم فيه رأيا. وهو الذي قال، (فلن أبرح الأرض) [يوسف: ٨٠]. قال لهم: القتل عظيم (فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) وهي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله. قال المنخل:
وَإنْ أنَا يَوْمًا غَيَّبَتْنِى غَيَابَتِى … فَسِيرُوا بِسَيْرِى فِى الْعَشِيرَةِ وَالأَهْلِ
أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها.
وقرئ "غيابات" على الجمع. و"غيابات" بالتشديد. وقرأ الجحدري: غيبة
_________________
(١) وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: ٤٢]، أي: لا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق، كقوله: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن"، والمعنى: اطرحوه أرضًا ليجتمع لكم إقبال أبيكم عليكم وصلاح أمر دنياكم. قوله: (وقال لهم: القتل عظيم)، وإنما وصفه بالعظم لأن الذي أبدل منه- وهو الإلقاء في الجب- معلل بالالتقاط، ولأنه مؤكد بالشرط، أي: إن كان لابد من أن تفعلوا به ما ترومونه، فهذا، لأنه أهون. قوله: (وإن أنا يومًا غيبتني) البيت، أي: غيابة حفرتي التي أدفن فيها، فسيروا بنعتي في القبائل والعشائر، وقيل: "فسيروا" من السيرة لا من السير، كانت العادة فيهم إذا مات رئيس عظيم الخطر يطوف أحد منهم على القبائل، ويصعد على الروابي، ويقول: أنعى فلانًا، يريدون تشهير أمره، وتعظيم التفجع به. قوله: (قرئ: "غيابات" على الجمع)، نافع في الموضعين، والباقون: على التوحيد. قوله: (و"غيابات" بالتشديد)، قال ابن جني: "وهي قراءة الأعرج، وقرأ الحسن: "في غيبة"، أما "غيابة" فإنه اسم جاء على "فعالة"، وكان أبو علي يضيفه إلى ما حكاه سيبويه
[ ٨ / ٢٦٣ ]
"والجب": البئر لم تطو، لأن الأرض تجبّ جبًا لا غير.
(يَلْتَقِطْهُ) يأخذه (بعض السيارة) بعض الأقوام الذين يسيرون في الطريق. وقرئ: "تلتقطه". بالتاء على المعنى، لأنّ بعض السيارة سيارة، كقوله:
كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ
ومنه: ذهبت بعض أصابعه.
(إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) إن كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به غرضكم، فهذا هو الرأي.
_________________
(١) من الأسماء التي جاءت على "فعال"، كالجبان، والكلاء، والفياد- لذكر البوم-، ووجدت أنا التيار- للموج-، والفخار- للخزف-، وغيرها. وأما "غيبة الجب": فيجوز أن يكون حدثًا فعلة من: غيب، فيكون كقولنا: وظلمة الجب". قوله: (والجب: البئر لم تطو، لأن الأرض تجب جبًا)، يعني: إنما سمي البئر من غير المطوي جبًا، إذ ليس فيه إلا جب الأرض، فإنه لم يطو بعد. "الأساس": "طوي البناء باللبن، والبئر بالحجارة، وهي الطوي والأطواء". قوله: (كما شرقت صدر القناة من الدم)، مضى شرحه في آل عمران.
[ ٨ / ٢٦٤ ]
[(قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَامَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ* أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)].
(ما لَكَ لا تَامَنَّا) قرئ بإظهار النونين، وبالإدغام بإشمام وبغير إشمام،
_________________
(١) قوله: (وبالإدغام بإشمام)، قال صاحب "التيسير": "كلهم قرأ (مَا لَكَ لَا تَامَنَّا) بإدغام النون الأولى في الثانية، وإشمامها الضم، وحقيقة الإشمام في ذلك أن يشار بالحركة إلى النون لا بالعضو إليها، فيكون ذلك إخفاء لا إدغامًا صحيحًا، لأن الحركة لا تسكن رأسًا، بل يضعف الصوت، فيفصل بين المدغم والمدغم فيه لذلك، هذا قول عامة أئمتنا، وهو الصواب؛ لتأكد دلالته وصحته في القياس". وقال الشيخ برهان الدين الجعبري شارح "القصيدة"- في قوله: "وتأمننا للكل يخفي مفصلًا"، وقوله: "وأدغم مع إشمامه البعض عنهم"-: يريد بقوله: "إخفاء الحركة": اختلاسها، ومعنى "مفصلًا": فصل إحدى النونين عن الأخرى، وهو حقيقة الإظهار، وهذا معنى قول أبي علي الفارسي: "ويجوز أن تبين ولا تدغم وتخفي الحركة، وهو أن تختلسها"، ومفهوم إطلاق البيت أن كلًا من النقلة رووه عن السبعة، وليس كذلك؛ لإطباق العراقيين على خلافه، وقوله: "وأدغم" وجه ثان، وهو إدغام النون في الأخرى والإشمام، وهو ضم الشفتين مع أول التشديد من غير حركة في النون، وبهذا قطع ابن مجاهد في قوله: وكلهم قرأ
[ ٨ / ٢٦٥ ]
و"تيمنًا" بكسر التاء مع الإدغام. والمعنى: لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونحبه ونشفق عليه؟ وما وجد منا في بابه ما يدل على خلاف النصيحة والمقة؟ وأرادوا بذلك لما عزموا على كيد يوسف استنزاله عن رأيه وعاد به في حفظه منهم. وفيه دليل على أنه أحسّ منهم بما أوجب أن لا يأمنهم عليه.
(نَرْتَعْ) نتسع في أكل الفواكه وغيرها. وأصل الرتعة: الخصب والسعة.
_________________
(١) (تَامَنَّا) بفتح الميم وضم النون وإدغام النون الأولى في الثانية، والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم، ونبه بقوله: "وضم النون" على أن الفعل مرفوع، لتفهم علة الإشمام. قوله: (والمقة)، الجوهري: "المقة: المحبة، والهاء عوض من الواو، وقد ومقه يمقه- بالكسر فيهما-: أي: أحبه، فهو وامق"، وفي قولهم: "وما وجد منا في بابه ما يدل على خلاف النصيحة" إشارة على أن جملة قوله: (وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) جار مجرى الاعتراض والتذييل، لا الحال، أي: نحن عصبة عادتنا في حقه النصح والشفقة. قوله: (استنزاله عن رأيه)، مفعول "أرادوا"، وقوله: "لما عزموا" ظرف له. قوله: ("نرتع" نتسع في أكل الفواكه)، وهذا أولى مما قيل: نرتع إبلنا؛ إذ المراد التنزه والخروج إلى الأرياف والمياه، كما هو عادة الناس إذا خرجوا إلى الرياض والبساتين، ثم اتسع واستعمل في نيل الثواب الجزيل، كما ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، فقيل: يا رسول الله، ما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قيل: فما الرتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، أخرجه الترمذي عن أبي هريرة. وتلخيصه: فإذا مررتم بالمساجد فقولوا: سبحان الله، والحمد لله، فلما وضع "رياض الجنة" موضع "المساجد"؛ بناءً على أن العبادة فيها سبب للحصول في رياض الجنة، روعيت
[ ٨ / ٢٦٦ ]
وقرئ: "يرتع" من: ارتعى يرتعي. وقرئ: (يرتع ويلعب) بالياء، ويرتع، من أرتع ماشيته،
_________________
(١) المناسبة لفظًا ومعنى، ووضع "الرتع" موضع القول، لأن هذا القول سبب لنيل الثواب الجزيل، كل ذلك للترغيب والتحريض. ولو لمح في "الرتع" تناول ثمرة الشجرة التي غرسها الذاكر؛ على ما روى الترمذي عن جابر عن رسول الله ﷺ قال: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم، فقال لي: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، فجاء أسلوبًا بديعًا وتمليحًا عجيبًا. قوله: ("يرتع" من: ارتعى)، الحرميان: بكسر العين من "يرتع"، وجزمها الباقون، أي: سكنها. الكوفيون ونافع: (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) بالياء فيهما، والباقون: بالنون. وفي "المعالم": قيل: المعنى في "نرتع"- بالنون-: نرتع إبلنا، فحذف المضاف، وأسند الفعل إلى المضاف إليه. يريد: أن الأصل: يرتع إبلنا- بالياء-، والفاعل "إبلنا"، فلما حذف الفاعل أقيم المضاف إليه مقامه، وهو ضمير المتكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب للمتكلم. كذا عن المصنف في سورة الكهف في قوله: (لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ) [الكهف: ٦٠].
[ ٨ / ٢٦٧ ]
وقرأ العلاء بن سيابة: "يرتع" بكسر العين، ويلعب، بالرفع على الابتداء.
فإن قلت: كيف استجاز لهم يعقوب ﵇ اللعب؟ قلت: كان لعبهم الاستباق والانتضال، ليضروا أنفسهم بما يحتاج إليه لقتال العدوّ لا للهو، بدليل قوله (إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) [يوسف: ١٧] وإنما سموه لعبًا لأنه في صورته.
_________________
(١) قوله: (وقرأ العلاء بن سيابة: "يرتع" بكسر العين)، قال ابن جني: "هو جزم، لأنه جواب (أَرْسِلْهُ)، و"يلعب" مرفوع استئنافًا، أي: هو ممن يلعب، كقولك: زرني أحسن إليك، إلا أن الرفع في "أحسن" ها هنا يضعف الضمان، ألا ترى أن معناه: أنا كذلك، وليس فيه قوة معنى الإحسان إليه مع الجزم، وأما (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) فمجزومان، لأنهما جوابان، أحدهما معطوف على صاحبه، وهو على حذف المفعول، أي: يرتع مطيته"، قال ابن جني: "فما أعربه وأعذبه في الكلام". قوله: (كان لعبهم الاستباق)، قال محيي السنة: هو تشاغل منهم بإجمام النفس من الجد بمباح يحصل به تعيش وقوة على العمل، وليس هذا كاللعب في قوله تعالى: (إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) [التوبة: ٦٥]. قوله: (ليضروا أنفسهم)، الأساس: "ومن المجاز: ضري فلان بكذا، وعلى كذا: لهج". الجوهري: "ضري الكلب بالصيد؛ أي: تعود، وأضراه صاحبه؛ أي: عوده، وكذلك التضرية".
[ ٨ / ٢٦٨ ]
[(قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَاكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ)].
(لَيَحْزُنُنِي) اللام لام الابتداء، كقوله (وإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) [النحل: ١٢٤]، ودخولها أحد ما ذكره سيبويه من سببى المضارعة. اعتذر إليهم بشيئين:
أحدهما: أنّ ذهابهم به ومفارقته إياه مما يحزنه، لأنه كان لا يصبر عنه ساعة.
والثاني: خوفه عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم، أو قلّ به اهتمامهم ولم تصدق بحفظه عنايتهم.
_________________
(١) قوله: (من سببي المضارعة)، وهما دخول اللام والسين للحال والاستقبال، وسببه: أن بين فعل المضارع وبين الاسم المشترك أمرًا جامعًا، وهو أنهما موضوعان لمتعدد مخالف في الحقيقة، ثم يصير كل واحد منهما لمتعين بقرينة تدخل عليه بعد أن كان شائعًا، فدخول حرف الاستقبال قرينة يتضح بها مدلوله في قصد المتكلم من غير زيادة، هذا هو الوجه، لا ما قيل: هو مثل اسم الجنس، نحو: رجل، يقع على آحاد متعددة على البدل، ثم يتميز لكل واحد من آحاده إذا قصد إليه بحرف التعريف، لأن المضارع موضوع لكل واحد من مدلوليه، وهما مختلفان، واسم الجنس هو في المعنى لحقيقة واحدة، لا اختلاف فيه، وبهذا يتبين وجه قوله في "المفصل": "ويشترك فيه الحاضر والمستقبل"، هذا تلخيص كلام ابن الحاجب. قوله: (من عدوة الذئب)، أي: خطفته، الجوهري: "دفعت عنك عادية فلان؛ أي: ظلمه وشره".
[ ٨ / ٢٦٩ ]
وقيل: رأى: في النوم أنّ الذئب قد شدّ على يوسف فكان يحذره، فمن ثم قال ذلك فلقنهم العلة، وفي أمثالهم: البلاء موكل بالمنطق.
وقرئ (الذِّئْبُ) بالهمزة على الأصل وبالتخفيف. وقيل: اشتقاقه من تذاءبت الريح؛ إذا أتت من كل جهة.
[(قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ)].
القسم محذوف تقديره: والله (لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ) واللام موطئة للقسم. وقوله (إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ) جواب للقسم مجزئ عن جزاء الشرط، والواو في (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) واو الحال: حلفوا له لئن كان ما خافه من خطفة الذئب أخاهم من بينهم - وحالهم أنهم عشرة رجال، بمثلهم تعصب الأمور وتكفى الخطوب، إنهم إذًا لقوم خاسرون، أي: هالكون ضعفا وخورًا وعجزًا، أو: مستحقون أن يهلكوا لأنه لا غناء عندهم ولا جدوى في حياتهم. أو مستحقون لأن يدعى عليهم بالخسارة والدّمار، وأن يقال: خسرهم الله ودمّرهم حين أكل الذئب بعضهم وهم حاضرون.
وقيل: إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا إذن وخسرناها.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: (الْذِّئْبُ) بالهمز)، كلهم إلا ورشًا والكسائي وأبا عمرو، قال أبو علي: "قال الحسن: "الذئب" مهموز في الأصل، قالوا: تذاءبت الريح؛ إذا جاءت من كل جهة، كأن المعنى فيه أنها أتت كما يأتي الذئب"، والمصنف عكس بقوله: "اشتقاقه من تذاءبت الريح". قوله: (فقد هلكت مواشينا إذن وخسرناها)، وهو عبارة عن حفظ أخيهم على الوجه الأبلغ، أي: نحن لما كفينا عن مواشينا الذئب، فلأن نكفي عن أخينا بالطريق الأولى،
[ ٨ / ٢٧٠ ]
فإن قلت: قد اعتذر إليهم بعذرين، فلم أجابوا عن أحدهما دون الآخر؟ قلت: هو الذي كان يغيظهم ويذيقهم الأمرّين فأعاروه آذانًا صما ولم يعبئوا به.
[(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)].
(أَنْ يَجْعَلُوهُ) مفعول "أَجْمَعُوا"؛ من قولك: أجمع الأمر وأزمعه (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) [يونس: ٧١]. وقرئ: "في غيابات الجب"، قيل: هو بئر بيت المقدس. وقيل: بأرض الأردنّ. وقيل: بين مصر ومدين. وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب.
وجواب «لما» محذوفٌ. ومعناه: فعلوا به ما فعلوا من الأذى، فقد روي: أنهم لما برزوا به إلى البرّية أظهروا له العداوة وأخذوا يهنونه ويضربونه، وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة والضرب، حتى كادوا يقتلونه. فجعل يصيح: يا أبتاه، لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء، فقال يهوذا: أما أعطيتمونى موثقًا ألا تقتلوه فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده، فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، ردّوا عليّ قميصي أتوارى به،
_________________
(١) ها هنا على حقيقتها، وعلى الوجوه السابقة مجاز عن الهلاك، ثم الهلاك إما محمول على الضعف والخور- وهو الوجه الأول-، أو على حقيقة الهلاك، وهو أيضًا على وجهين: إما استحقاق الهلاك أو الدعاء بالهلاك. قوله: (ويذيقهم الأمرين)، يقال: لقيت من فلان الأمرين، وهي الدواهي، من المرة، وهي القوة، المعنى: ما أجابوا عن هذا العذر لكونهم ما التفتوا إليه أول الأمر، لأن قوله: (لَيَحْزُنُنِي) دل على محبته، ومحبته إياه هي التي أورثتهم الحسد، وأوقعتهم في تلك الورطات. قوله: (فأعاروه آذانًا صمًا)، الضمير للعذر، جعلوا العذر شخصًا، وأعاروه آذانهم
[ ٨ / ٢٧١ ]
وإنما نزعوه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيهم، فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك، ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي، فنادوه فظنّ أنها رحمة أدركتهم، فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا، وكان
يهوذا يأتيه بالطعام.
ويروى أن إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار وجرّد عن ثيابه أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف، فجاء جبريل فأخرجه وألبسه إياه.
(وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ) قيل أُوحي إليه في الصغر كما أُوحي إلى يحيى وعيسى. وقيل كان إذ ذاك مدركًا. وعن الحسن: كان له سبع عشرة سنة (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا) وإنما أُوحي اليه ليؤنس في الظلمة والوحشة، ويبشر بما يؤول إليه أَمره. ومعناه: لتتخلصن مما أَنت فيه، ولتحدّثن إخوتك بما فعلوا بك (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) أنك يوسف؛ لعلوّ شأنك وكبرياء سلطانك، وبعد حالك عن أَوهامهم، ولطول العهد المبدّل للهيئات والأشكال، وذلك أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون، دعا بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فطنّ فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أَنه كان لكم أَخ من أَبيكم يقال له يوسف، وكان يدنيه دونكم، وأَنكم انطلقتم به وأَلقيتموه في غيابة الجب، وقلتم لأبيكم: أَكله الذئب، وبعتموه بثمن بخس.
ويجوز أَن يتعلق (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) بقوله (وَأَوْحَيْنا) على أَنا آنسناه بالوحي،
_________________
(١) الصم، كأنهم لم تصاموا عن سماع ذلك العذر، نزلوا العذر منزلة شخص على سبيل الاستعارة المكنية، وخلعوا عليه الصمم، والبسوه إياه؛ مبالغة.
[ ٨ / ٢٧٢ ]
وأزلنا عن قلبه الوحشة، وهم لا يشعرون ذلك ويحسبون أنه مرهق مستوحش لا أَنيس له.
وقرئ: "لننبئنهم" بالنون على أَنه وعيد لهم. وقوله (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) متعلق بأوحينا لا غير.
[(وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ* قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ)].
وعن الحسن: "عشيًا" على تصغير "عشيّ"، يقال: لقيته عشيا وعشيانًا، وأصيلًا وأصيلانًا ورواه ابن جني: "عشى" بضم العين والقصر. وقال عشوا من البكاء
_________________
(١) قوله: (مرهق)، أي: مضيق عليه، وفي الحديث: "فإن رهق سيده دين" أي: لزمه أداؤه وضيق عليه. قوله: «وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) متعلق بـ "أوحينا" لا غير)، أي: على قراءة النون، يعني: أوحينا إلى يوسف هذا التهديد والوعيد في حقهم، والحال أنهم لا يشعرون بهذا الوحي، لأن إنباء الله إياهم لا يجتمع مع عدم شعورهم به، بخلاف إنباء يوسف، لأنه حصل مع عدم شعورهم، كما ذكر في طنين الصواع. وفيه نظر؛ لجواز أن يتعلق بقوله: "لننبئنهم"، وان يراد بـ "إنباء الله": إيصال جزاء فعلهم بهم، وهم لا يشعرون بذلك. والظاهر أن هذا الإنباء هو قوله ﵇: (هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) [يوسف: ٨٩]. قوله: (ورواه ابن جني: "عشى" بضم العين والقصر)، قال ابن جني: "رواه عيسى
[ ٨ / ٢٧٣ ]
وروي أَن امرأَة حاكمت إلى شريح فبكت، فقال له الشعبي: يا أبا أمية، أما تراها تبكي؟ فقال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة: ولا ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية. وروي أَنه لما سمع صوتهم فزع وقال: ما لكم يا بنيّ؟ هل أَصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما بالكم وأين يوسف؟ (قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) أي: نتسابق، والافتعال والتفاعل يشتركان كالانتضال والتناضل: والارتماء والترامي، وغير ذلك. والمعنى. نتسابق في العدو أو في الرمي. وجاء في التفسير: ننتضل.
(بِمُؤْمِنٍ لَنا) بمصدّق لنا (وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة، لشدّة محبتك ليوسف، فكيف وأنت سيئ الظن بنا، غير واثق بقولنا؟
[(وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ)].
(بِدَمٍ كَذِبٍ) ذي كذب. أو وصف بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب وعينه، كما يقال للكذاب: هو الكذب بعينه،
_________________
(١) ابن ميمون: "جاءوا أباهم عشى يبكون"؛ عشوا من البكاء، وطريق ذلك أنه جمع "عاش"، وكان قياسه: عشاة، كماش ومشاة، إلا أنه حذف الهاء تخفيفًا، وهو يريدها، وفيه ضعف، لأن قدر ما بكوا في ذلك اليوم لا يعشو منه الإنسان، ويجوز أن يكون جمع عشوة؛ أي: ظلامًا، وجمعه لتفرق أجزائه".
[ ٨ / ٢٧٤ ]
والزور بذاته. ونحوه:
فَهُنَّ بِهِ جُودٌ وَأنْتُمْ بِهِ بُخْلُ
وقرئ، "كذبًا" نصبًا على الحال، بمعنى: جاءوا به كاذبين، ويجوز أن يكون مفعولا له. وقرأت عائشة ﵂: "كدبٍ"، بالدال غير المعجمة، أي: كدر. وقيل: طري، وقال ابن جني: أصله من الكدب، وهو الفوف البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث. كأنه دم قد أثر في قميصه. روي أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، وزلّ عنهم أن يمزقوه. وروي أنّ يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟ فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذنبا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.
وقيل كان في قميص يوسف ثلاث آيات: كان دليلًا ليعقوب على كذبهم، وألقاه على وجهه فارتد بصيرًا، ودليلًا على براءة يوسف حين قدّ من دُبُر.
_________________
(١) قوله: (فهن به جود وأنتم به بخل)، الضمير المجرور في الموضعين للوصل، أي: هؤلاء النساء بالوصل جود. قوله: (وهو الفوف)، وأنشدوا: فأرسلت إلى سلمى … بأن النفس مشفوفه فما جادت لنا سلمى … بزنجير ولا فوفه الزنجرة: قرع الإبهام على الوسطى بالسبابة، والاسم: الزنجير. قوله: (كان دليلًا ليعقوب على كذبهم)، إلى آخره: بيان لقوله: ثلاث آيات.
[ ٨ / ٢٧٥ ]
فإن قلت: (عَلى قَمِيصِهِ) ما محله؟ قلت: محله النصب على الظرف، كأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم كما تقول: جاء على جماله بأحمال.
فإن قلت: هل يجوز أن تكون حالًا متقدمة؟ قلت: لا، لأنّ حال المجرور لا تتقدم عليه.
(سَوَّلَتْ) سهلت؛ من السول وهو الاسترخاء، أي: سهلت، (لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا) عظيمًا ارتكبتموه من يوسف وهوّنته في أعينكم
_________________
(١) قوله: (محله النصب على الظرف، كأنه قيل: جاؤوا فوق قميصه بدم)، قال صاحب "التقريب": في كونه ظرفًا للمجيء وبقاء المعنى المقصود حزازة، ويجوز أن يقال: إن (عَلَى قَمِيصِهِ) حال من "جاؤوا" بتضمينه معنى الاستيلاء، أي: مستولين على قميصه، و(بِدَمٍ) حال من "قميص"، أي: ملتبسًا بدم كذب. قال أبو البقاء: "هو حال من "الدم"، [لأن التقدير]: جاؤوا بدم كذب على قميصه". قال صاحب "اللباب": ولا تتقدم صاحبها، أي: لا تتقدم الحال على صاحبها المجرور على الأصح، نحو: مررت جالسة بهند، إلا أن يكون ظرفًا. قوله: «سَوَّلَتْ) سهلت)، الراغب: "التسويل: تزيين النفس لما تحرص عليه، وتصوير القبيح منه بصورة الحسن".
[ ٨ / ٢٧٦ ]
استدل على فعلهم به بما كان يعرف من حسدهم وبسلامة القميص. أو أُوحي إليه بأنهم قصدوه (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ خبر) أو مبتدأ، لكونه موصوفًا أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أمثل. وفي قراءة أبيّ: فصبرًا جميلًا. والصبر الجميل جاء في الحديث المرفوع «أنه الذي لا شكوى فيه إلى الخلق» ألا ترى إلى قوله (نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) [يوسف: ٨٦]، وقيل: لا أعايشكم على كآبة الوجه، بل أكون لكم كما كنت. وقيل: سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة، فقيل له: ما هذا؟ فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله تعالى إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ قال: يا رب. خطيئة فاغفرها لي.
(وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ) أي: أستعينه (عَلى) احتمال (ما تَصِفُونَ) من هلاك يوسف والصبر على الرزء فيه.
_________________
(١) قوله: (استدل على فعلهم به بما كان يعرف من حسدهم وبسلامة القميص)، الانتصاف: "أقوى شاهد على التهمة أنهم ادعوا الوجه الخاص الذي اتهمهم به أبوهم، وهو أكل الذئب إياه، وكثيرًا ما تتلقف الأعذار الباطلة من في من يعتذر إليه". قلت: ومن الأسلوب قوله تعالى: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) [الانفطار: ٦]. قوله: (ما هذا؟)، أي: أي شيء ما نرى بك من الكبر، ولم تبلغ ما بلغ أبواك في السن؟
[ ٨ / ٢٧٧ ]
[(وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ)].
(وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ) رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر، وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب، فأخطئوا الطريق فنزلوا قريبًا منه، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران لم يكن إلا للرعاة. وقيل: كان ماؤها ملحًا. فعذب حين ألقى فيه يوسف (فَأَرْسَلُوا) رجلًا يقال له مالك بن ذعرٍ الخزاعي، ليطلب لهم الماء. والوارد: الذي يرد الماء ليستقي للقوم (يا بُشْرى) نادى البشرى، كأنه يقول: تعال، فهذا من آونتك. وقرئ: "يا بشراى" على إضافتها إلى نفسه.
_________________
(١) قوله: (فهذا من آونتك)، قال الزجاج: "معنى النداء في هذه الأشياء التي لا تجيب ولا تعقل إنما هو على تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة، فإذا قلت: يا عجبًا، فكأنك قلت: اعجبوا، ويا أيها العجب هذا من حينك، فكأنه قال: يا أيتها البشرى هذا من إبانك وأوانك". وقال أبو علي: "إن هذا الوقت من أوانك، ولو كنت ممن يخاطب، فخوطبت الآن". قوله: (وقرئ: "يا بشراي" على إضافتها)، قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، والكوفيون: (يَا بُشْرَى) على وزن فعلى، وأما فتحة الراء حمزة والكسائي. قال محيي السنة: "والوجه في إفرادها عن ياء المتكلم: هو أن "بشرى" نكرة ها هنا، فناداها كما تنادى النكرات، نحو قولك: يا رجلًا، ويا راكبًا، إذا جعلت النداء شائعًا، فيكون موضعه نصبًا على التنوين، إلا أن "فعلى" لا سبيل إليها للتنوين، ويجوز أن تكون "بشرى" منادى تعرف بالفصل، نحو: يا رجل".
[ ٨ / ٢٧٨ ]
وفي قراءة الحسن وغيره: يا بشري بالياء مكان الألف، جعلت الياء بمنزلة الكسرة قبل ياء الإضافة، وهي لغة للعرب مشهورة سمعت أهل السروات يقولون في دعائهم: يا سيدي وموليّ. وعن نافع: يا بشراي بالسكون، وليس بالوجه لما فيه من التقاء الساكنين على غير حدّه، إلا أن يقصد الوقف.
_________________
(١) قوله: ("يا بشري")، قال ابن جني: "هي قراءة أبي الطفيل والجحدري، ورويت عن الحسن، وهذه لغة فاشية فيهم". قوله: (جعلت الياء بمنزلة الكسرة)، قال الزجاج: "إن ياء الإضافة تغير ما قبلها، ولا يتبين معها الإعراب، فإذا كان قبلها ألف فالاختيار أن لا تغير، وبعض العرب يبدل معها ياء، فيكون بدلها بمنزلة تغير الحرف قبلها"، هذا الذي عناه المصنف بقوله: "جعلت الياء بمنزلة الكسرة"، يعني: في التغيير، قال أبو علي: "إن ما يضاف إلى الياء يحرك بالكسرة إذا كان الحرف صحيحًا، نحو: غلامي وداري، فلما لم تحتمل الألف الكسرة، وقربت الألف من الياء بقلبها إليها، كما كان الحرف يكون مكسورًا، والألف قريبة من الياء، فلذلك يبدل كل واحد منهما بالآخر". قوله: (أهل السروات)، النهاية: "السرو: محلة حمير، وفي حديث عمر: "ليأتين الراعي سروات حمير"، المعروف في واحد "سروات" سراة".
[ ٨ / ٢٧٩ ]
وقيل: لما أدلى دلوه أي: أرسلها في الجب تعلق يوسف بالحبل، فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون، فقال: يا بشراي: هذا غُلامٌ وقيل: ذهب به، فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.
(وَأَسَرُّوهُ) الضمير للوارد وأصحابه؛ أخفوه من الرفقة. وقيل: أخفوا أمره ووجدانهم له في الجب، وقالوا لهم: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر. وعن ابن عباس أنّ الضمير لإخوة يوسف، وأنهم قالوا للرفقة هذا غلام لنا قد أبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه.
و(بِضاعَةً) نصب على الحال، أي: أخفوه متاعا للتجارة. والبضاعة: ما بضع من المال للتجارة، أي: قطع (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ) لم يخف عليه إسرارهم، وهو وعيد لهم حيث استبضعوا ما ليس لهم. أو: والله عليم بما يعمل إخوة يوسف بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع.
_________________
(١) قوله: (و(بِضَاعَةً) نصب على الحال، أي: أخفوه متاعًا للتجارة)، كذا عن أبي البقاء. قال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يقال: ضمن "أسروه" معنى: جعلوه، أي: جعلوه بضاعة مسرين، فهو مفعول ثان. قال ابن الحاجب: "يحتمل أن يكون مفعولًا من أجله، أي: كتموه لأجل تحصيل المال فيه، لأنه كان على حال تقتضي التجارة كتمانه خوفًا من أن تمتد الأطماع من غيرهم، فلا يجوز أن يكون تمييزًا، لأنه ليس من باب "عشرين"، ولا من باب: حسن زيد وجهًا، لما يؤدي إليه أن الإسرار كان لبضاعته لا له، وهو خلاف المعنى". قوله: (والبضاعة: ما بضع من المال)، الراغب: "البضاعة: قطعة واحدة وافرة من المال
[ ٨ / ٢٨٠ ]
[(وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ)].
(وَشَرَوْهُ) وباعوه (بِثَمَنٍ بَخْسٍ) مبخوس ناقص عن القيامة نقصانًا ظاهرًا، أو زيف ناقص العيار (دَراهِمَ)
لا دنانير (مَعْدُودَةٍ) قليلة تعدّ عدًّا ولا توزن، لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقيه وهي الأربعون، وعدّون ما دونها. وقيل للقليلة معدودة، لأنّ الكثيرة يمتنع من عدّها لكثرتها. وعن ابن عباس: كانت عشرين درهمًا. وعن السدي: اثنين وعشرين (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) ممن يرغب عما في يده فيبيعه بما طف من الثمن لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء متهاون به لا يبالى بم باعه، ولأنه يخاف أن يعرض له مستحق ينتزعه من يده فيبيعه من أوّل مساوم بأوكس الثمن.
ويجوز أن يكون معنى (وَشَرَوْهُ) واشتروه، يعني الرفقة من إخوته (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) لأنهم اعتقدوا أنه آبق، …
_________________
(١) تقتنى للتجارة، يقال: أبضع بضاعة وابتضعها، والبضع- بالكسر--: المقتطع من العشرة". قوله: (ناقص العيار)، الراغب: "العيار: تقدير المكيال والميزان، ومنه قيل: عيرت الدراهم". قوله: (بما طف)، أي: بما قل. قوله: (لأنهم التقطوه)، النهاية: "لالتقاط: أن يعثر على الشيء من غير قصد طلب". قوله: (ويجوز أن يكون معنى (وَشَرَوْهُ): واشتروه)، عطف على قوله: " (وَشَرَوْهُ): وباعوه"، وعلى هذا: الضمير في (وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ) للرفقة، وعلى الأول: للإخوة البائعين، وقوله: "ممن يرغب عما في يده" بيان لقوله: (مِنْ الزَّاهِدِينَ)، والضمير
[ ٨ / ٢٨١ ]
فخافوا أن يخطروا بما لهم فيه. ويروى أنّ إخوته اتبعوهم يقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق.
وقوله (فِيهِ) ليس من صلة (الزَّاهِدِينَ) لأنّ الصلة لا تتقدّم على الموصول. ألا تراك لا تقول: وكانوا زيدا من الضاربين، وإنما هو بيان، كأنه قيل: في أي: شيء زهدوا؟ فقال: زهدوا فيه.
_________________
(١) المستتر في "يرغب" والمجرور في "يده" عائد إلى "من"، و"لأنهم التقطوه" تعليل "ممن يرغب في يده". قوله: (كأنه قيل: في أي شيء زهدوا؟ فقال: زهدوا فيه)، قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: تقديره: وكانوا من الزاهدين فيه، من قبيل الإضمار على شريطة التفسير. وقلت: الظاهر أنه ليس منه، لأنه ليس بمشتغل عنه بالضمير، فإن الأصل: كانوا من الزاهدين فيه، على أن "فيه" ليس من صلته، بل متعلق بجملة محذوفة على السؤال، كقوله تعالى: (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣]، كأنه لما قيل: كانوا من الزاهدين، لم يعلم في أي شيء، اتجه لسائل أن يقول: في أي شيء زهدوا؟ فقيل: فيه. وهو من قول الزجاج: " (فِيهِ) ليست بصلة (الزَّاهِدِينَ)، المعنى: كانوا من الزاهدين، ثم بين في أي شيء زهدوا، فقال: زهدوا فيه، وهذا في الظروف جائز، وأما المفعولات فلا يجوز فيها، لا يجوز: كنت زيدًا من الضاربين، لأن "زيدًا" من صلة "الضاربين"، فلا يتقدم الموصول صلته". وذهب ابن الحاجب إلى الجواز، قال في قوله تعالى: (إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: ٢١]: "الظاهر أن (لَكُمَا) في مثل هذا ونحوه متعلق بـ (النَّاصِحِينَ)، لأن المعنى عليه، فإن
[ ٨ / ٢٨٢ ]
[(وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)].
(الَّذِي اشْتَراهُ) قيل هو قطفير أو أطفير، وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، والملك يومئذٍ الريان بن الوليد رجل من العماليق، وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف، فملك بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى، واشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة، وقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه الله العلم والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.
وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة بدليل قوله (وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ) [غافر: ٣٤]. وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.
وقيل: اشتراه العزيز بعشرين دينارًا وزوجي نعل وثوبين أبيضين. وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه، حتى بلغ ثمنه وزنه مسكًا وورقًا وحريرًا، فابتاعه قطفير بذلك المبلغ.
_________________
(١) اللام إنما تجيء بها لتخصيص معنى النصح بالمخاطبين، وإنما فر الأكثرون لأن صلة الموصول لا تعمل فيما قبل الموصول، والفرق عندنا أن الألف واللام لما كانت صورتها صورة الحرف المنزل جزءًا من الكلمة صارت كغيرها من الأجزاء التي لا تمنع التقديم، ولذا لم توصل بجملة اسمية، لتعذر ذلك فيها، وهذا واضح، فلا حاجة إلى التعسف".
[ ٨ / ٢٨٣ ]
(أَكْرِمِي مَثْواهُ) اجعلي منزله ومقامه عندنا كريمًا، أي: حسنًا مرضيًا، بدليل قوله (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ) [يوسف: ٢٣] والمراد تفقديه بالإحسان وتعهديه بحسن الملكة، حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا، ساكنة في كنفنا. ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل به من رجل أو امرأة، يراد: هل تطيب نفسك بثوائك عنده، وهل يراعي حق نزولك به؟
واللام في (لِامْرَأَتِهِ) متعلقة بـ"قال"، لا بـ (اشتراه).
(عَسى أَنْ يَنْفَعَنا) لعله إذا تدرّب وراض الأمور وفهم مجاريها، نستظهر به على بعض ما نحن بسبيله، فينفعنا فيه بكفايته وأمانته. أو نتبناه ونقيمه مقام الولد، وكان قطفير عقيمًا لا يولد له، وقد تفرس فيه الرشد فقال ذلك. وقيل: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف، فقال لامرأته (أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا)،
_________________
(١) قوله: (بحسن الملكة)، يقال: فلان حسن الملكة: إذا كان حسن الصنيع إلى مماليكه. قوله: (لمن ينزل به)، أي: للمضيف، أي: يقال للمضيف الذي يراعي حق الضيف إذا كان رجلًا: أبو مثوى الضيف، وإذا كان امرأة: أم مثواه، نزل الضيف- في طيبة نفسه وسكونه عند المضيف إذا كان يقوم بمراعاة حقه، ويشفق عليه شفقة الوالد- منزلة الولد، ثم كني بالمنزل والمقام عنه؛ رفعة لمنزلته وكرامة له، كما يقال: المجلس العالي، ولهذا قال: "تكون نفسه طيبة في صحبتنا، ساكنة في كنفنا". قوله: (تدرب وراض الأمور)، الجوهري: "درب بالشيء ودردب به: إذا اعتاده وضري به، ورجل مدرب؛ أي: مجرب، وقد دربته الشدائد حتى قوي".
[ ٨ / ٢٨٤ ]
والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها (يا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ) [القصص: ٢٦]، وأبو بكر حين استخلف عمر ﵄. وروي أنه سأله عن نفسه، فأخبره بنسبه فعرفه.
(وَكَذلِكَ) الإشارة إلى ما تقدّم من إنجائه وعطف قلب العزيز عليه، والكاف منصوب تقديره: ومثل ذلك الإنجاء والعطف (مَكَّنَّا) له، أي: كما أنجيناه وعطفنا عليه العزيز، كذلك مكنا له في أرض مصر وجعلناه ملكًا يتصرف فيها بأمره ونهيه.
(وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ) كان ذلك الإنجاء والتمكين لأنّ غرضنا ليس إلا ما تحمد عاقبته من علم وعمل (وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ) على أمر نفسه: لا يمنع عما يشاء ولا ينازع ما يريد ويقضي. أو على أمر يوسف يدبره لا يكله إلى غيره، قد أراد إخوته به ما أرادوا، ولم يكن إلا ما أراد الله ودبره (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أن الأمر كله بيد الله.
_________________
(١) قوله: (وروي أنه سأله)، عطف على قوله: "وقد تفرس فيه الرشد"، أي: علم رشده بالفراسة، أو سأله عن نسبه فأخبره أنه من ولد إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقاسه على آبائه الراشدين، وحكم عليه بالرشد. قوله: «وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ) كان ذلك الإنجاء)، أي: معلله محذوف، وهذه الجملة معطوفة على قوله: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ)، ففهم من الجملة الأولى تمكينه في الأرض، وهو نعمة الملك، ومن الثانية: تعليمه الأحاديث، وهو نعمة العلم، ولما كان المقصود من الإنجاء والتمكين: التعليم، ومن التعليم: العمل، قال: "ليس المقصود إلا ما تحمد عاقبته من علم وعمل"، وفيه أن المقصود من إيتاء الملك العلم، ليدبر أمور
[ ٨ / ٢٨٥ ]
[(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)].
قيل في "الأشدّ": ثماني عشرة، وعشرون، وثلاث وثلاثون، وأربعون. وقيل: أقصاه ثنتان وستون.
(حُكْمًا) حكمة؛ وهو العلم بالعمل واجتناب ما يجهل فيه. وقيل: حكمًا بين الناس وفقها (وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) تنبيه على أنه كان محسنًا في عمله، متقيًا في عنفوان أمره،
_________________
(١) عباده، لا أن يتمتع باللذات، ومن العلم العمل، لا ليجاري به العلماء، ويماري به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه، والذي يدل على تأويل العلم بالعمل قوله بعده: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا). ثم الضمير في قوله: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ): إما لله ﷿، فالجملة تذييل، أي: غالب على أمره لا أحد فوقه، يفعل ما يشاء، لا راد لما أراده، وإما ليوسف، فيكون تتميمًا لما دبره الله تعالى فيه، وأن العاقبة له، ومعنى مغلوبية الأمر على التمثيل، فإن المغلوب مذلل للغالب، فيتصرف فيه من غير مانع، ولذلك قال: "لا يكله إلى غيره" إلى قوله: "ولم يكن إلا ما أراد الله تعالى"، والأول صريح في مذهب أهل السنة، ولكن أهل الاعتزال لا يعلمون. قوله: «حُكْمًا) حكمة، وهو العلم بالعمل، واجتناب ما يجهل فيه)، هذا حد الحكمة، ويفهم منه أن الحكمة لا يعبر عنها بمجرد العلم، وأن لابد فيها من اجتناب ما يجهل فيه، أي: ما يعد به جاهلًا، وإن كان عالمًا، فإن من علم علمًا ولم يعمل بمقتضاه لا يسمى حكيمًا، أو عمل ما يضاده عد سفيهًا لا حكيمًا، ويعضده ما ذكره المصنف بعيد هذا في قوله: (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ) [يوسف: ٣٣]، وتمام تحقيقه استقصيناه في سورة لقمان.
[ ٨ / ٢٨٦ ]
وأنّ الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه. وعن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.
[(وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)].
المراودة: مفاعلةً، من راد يرود: إذا جاء وذهب،
_________________
(١) قوله: (وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه)، لا يحمل هذا على الاستحقاق والوجوب، بل على التيسير والتسهيل، أي: أن الله خلقه للحكم والعلم، فوفق لأن يحسن ويكون متهيئًا لما خلق له، وعليه يحمل قول الحسن، أي: ومن وفق أن يحسن عبادة ربه في شبيبته يؤتى الحكم في اكتهاله، وعليه ما رويناه عن البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ في حديث بدء الوحي، فقال: "زملوني زمِّلوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة- وأخبرها الخبر-: لقد خشيت على نفسي، فقالت له خديجة: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"، الحديث. قوله: (المراودة: مفاعلة؛ من: راد يرود)، الراغب: "الرود: التردد في طلب الشيء برفق، يقال: راد وارتاد، ومنه: الرائد؛ لطالب الكلأ، وباعتبار الرفق قيل: رادت الإبل في مشيها ترود رودانًا، ومنه: رويد. والإرادة منقولة من: راد يرود؛ إذا سعى في طلب شيء، والإرادة- في الأصل-: قوة مركبة من شهوة وحاجة وأمل، وجعل اسمًا لنزوع النفس مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل، ثم تستعمل مرة في المبدأ، وهو نزوع النفس إلى الشيء، وتارة في المنتهى،
[ ٨ / ٢٨٧ ]
كأن المعنى: خادعته عن نفسه، أي: فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التمحل لمواقعته إياها.
_________________
(١) فإنه تعالى يتعالى عن معنى النزوع، فمنى: أراد الله كذا: حكم فيه أنه كذا أوليس بكذا، وقد يراد بها معنى الأمر، نحو: أريد منك كذا، أي: آمرك بكذا، نحو قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) [البقرة: ١٨٥]. والمراودة: أن تنازع غيرك في الإرادة، فتريد غير ما يريده، أو ترود غير ما يروده، وراودت فلانًا عن كذا، (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) [يوسف: ٢٦]، وقال: (امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ) [يوسف: ٣٠]، أي: تصرفه عن رأيه، وعلى ذلك: (وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) [يوسف: ٣٢]، (قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ) [يوسف: ٦١] ". قوله: (خادعته عن نفسه؛ أي: فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه)، قال صاحب "الفرائد": مراده: تضمين "راودت" معنى "خادعت"، فعلى ما ذكر "عن" متعلقة بـ "راودت"، لأن في المخادعة معنى التبعيد، وهو متعد بـ "عن"، كأنه قيل: بعدته عن نفسه، أي: من حفظ نفسه. قلت: ليس في كلام المصنف ما يشعر بالتضمين، لأن التضمين هو أن يضمن فعل معنى فعل، ويعدى تعديته مع إرادة معناهما، فلابد من ذكرهما في التفسير معًا، قال المصنف في الكهف: "الغرض في هذا الأسلوب إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى واحد". وأما التعدية فإن "خدع" ورد في "الأساس" على استعمالات شتى، وليس فيها تعديته
[ ٨ / ٢٨٨ ]
(وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ) قيل: كانت سبعة. وقرئ (هَيْتَ) بفتح الهاء وكسرها مع فتح التاء، وبناؤه كبناء "أين" و"عيط". و"هيت" كـ"جير" و"هيت" كـ"حيث". وهثت بمعنى تهيأت. يقال: هاء يهيء، كجاء يجيء: إذا تهيأ. وهيئت لك. واللام من صلة الفعل،
_________________
(١) بـ "عن"، وأما ها هنا فليس على حقيقته، لقوله: "فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه"، لأنه وارد على التشبيه وتمثيل حاله بحاله، وأيضًا ما أتى في هذا التركيب بلفظ "المراودة"، وقد مر أن شرطه أن يذكر مع معنى المضمن فيه، وذكر في "الأساس" أيضًا: "راود رودانًا: جاء وذهب، وما لي أراك ترود منذ اليوم"، وذكر في قسم المجاز: "وراوده عن نفسه: خادعه عنها"، ثم مجموع التمثيل كناية عن التمحل لمواقعته إياها. قوله: (قرئ: (هَيْتَ) بفتح الهاء وكسرها)، نافع وابن ذكوان: بالكسر- من غير همز- وفتح التاء، وهشام كذلك إلا أنه يهمز، وقد روي ضم التاء عنه، وابن كثير: بفتح الهاء وضم التاء، والباقون: بفتحهما. قوله: (كبناء "أين" و"عيط")، الأساس: "عيط: إذا مد الصوت بالصريخ، وهو العياط". قوله: (و"هيت" كـ "جير"، و"هيت" كـ "حيث")، قال ابن جني: " (هئت لك) بالهمز وضم التاء: قراءة علي ﵁، و"هيت" بفتح الهاء وكسر التاء: ابن عباس ﵄، وفيها لغات: هيت وهِيتَ وهَيْتُ وهَيْتِ؛ كلها أسماء سمي بها الفعل، ومعناها: أسرع وبادر، والحركات في أواخرها لالتقاء الساكنين.
[ ٨ / ٢٨٩ ]
وأما في الأصوات فللبيان كأنه قيل: لك أقول هذا، كما تقول: هلم لك.
(مَعاذَ اللَّهِ) أعوذ بالله معاذًا (إِنَّهُ) إن الشأن والحديث (رَبِّي) سيدي ومالكى، يريد قطفير (أَحْسَنَ مَثْوايَ) حين قال لك أكرمى مثواه، فما جزاؤه أن أخلفه في أهله سوء الخلافة وأخونه فيهم (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) الذين يجازون الحسن بالسيئ،
_________________
(١) وأما "هئت" بالهمز وضم التاء: ففعل يقال فيه: هئت أهيء هيئة، كجئت أجيء جيئة، أي: تهيأت، وقالوا أيضًا: هئت أهاء، كخفت أخاف، أي: خذ. وأما "هيئت لك": ففعل صريح كـ "هئت"، أي: أصلحت لك فدونك، وما انتظارك؟ ! واللام فيه متعلقة بنفس "هئت" كتعلقها بنفس "هلم" في قولهم: هلم لك، وإن شئت كانت خبر مبتدأ محذوف، أي: إرادتي بذلك لك، وأما "هيئت لك": فاللام فيه متعلقة بالفعل، كقولك: أصلحت لكذا". قوله: (وأما في الأصوات فللبيان)، يعني: على تقدير سؤال وجواب، كما سبق في قوله تعالى: (وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ)، وإليه الإشارة بقوله: "كأنه قيل: لك أقول هذا"، يعني: لما قيل: هيت، قال: لمن تقول: هيت؟ قال: لك أقول هذا. قوله: (قال لك: أكرمي مثواه)، يعني: علل الامتناع عما أرادته المرأة منه بقوله: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)، فقوله: (أَحْسَنَ مَثْوَايَ) خبر ثان، وقوله: "أراد الله لأنه مسبب الأسباب" عطف على هذا الوجه، يعني: أن الله تعالى أحسن مثواي، وجعل قطفير الواسطة بأن قال لك: أكرمي مثواه، فلا أكفر نعمة ربي.
[ ٨ / ٢٩٠ ]
وقيل: أراد الزناة لأنهم ظالمون أنفسهم. وقيل: أراد الله تعالى، لأنه مسبب الأسباب.
[(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأي: بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ)].
همّ بالأمر: إذا قصده وعزم عليه. قال:
هَمَمْتُ وَلَمْ أفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِى … تَرَكْتُ عَلَى عُثْمانَ تَبْكى حَلَائِلُهْ
ومنه قولك: لا أفعل ذلك ولا كيدًا ولا همًا؛ أي: ولا أكاد أن أفعله كيدًا، ولا أهم بفعله همًا، حكاه سيبويه، ومنه: الهمام وهو الذي إذا همّ بأمر أمضاه ولم ينكل عنه.
وقوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) معناه. ولقد همت بمخالطته (وَهَمَّ بِها) وهمّ بمخالطتها (لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) جوابه محذوف، تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، فحذف، لأنّ قوله (وَهَمَّ بِها) يدل عليه، كقولك: هممت بقتله لولا أنى خفت الله، معناه لولا أنى خفت الله لقتلته.
_________________
(١) قوله: (وقيل: أراد الزناة)، عطف على قوله: "الذين يجازون الحسن بالسيئ". قوله: (هممت ولم أفعل)، البيت: قائله عمرو بن ضابئ البرجمي، أي: قصدت قتل عثمان ﵁، ومفعول "تركت" الجملة بعده، يريد: ليتني تركت هذه الكلمة عليه، وهو قول الناس: "تبكي حلائله"، كقوله تعالى: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ* سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) [الصافات: ٧٨ - ٧٩].
[ ٨ / ٢٩١ ]
فإن قلت: كيف جاز على نبيّ الله أن يكون منه هم بالمعصية وقصد إليها؟ قلت: المراد أنّ نفسه مالت إلى المخالطة ونازعت إليها عن شهوة الشباب وقرمه ميلا يشبه الهم به والقصد إليه، وكما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم، وهو يكسر ما به ويردّه بالنظر في برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى همًا لشدّته لما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع، لأن استعظام الصبر على الابتلاء، على حسب عظم الابتلاء وشدته. ولو كان همه كهمها عن عزيمة، لما مدحه الله بأنه من عباده المخلصين.
ويجوز أن يريد بقوله (وَهَمَّ بِها) وشارف أن يهم بها، كما يقول الرجل: قتلته لو لم أخف الله، يريد مشارفة القتل ومشافهته. كأنه شرع فيه.
_________________
(١) قوله: (ميلًا يشبه الهم به)، اللام في "الهم" للعهد، وهو راجع إلى هم المرأة، والضمير في "به" راجع إلى يوسف، أي: ميلًا يشبه هم المرأة بيوسف، وكذلك في قوله: "والقصد إليه"، و"كما تقتضيه" معطوف على "يشبه"، أي: ميلًا كما تقتضيه صورة تلك الحالة، وهي أن المرأة البديعة الجمال إذا تهيأت للشاب البالغ حد الكمال في الخلوة، لابد من مجاذبات بين هوى النفس والدين. قوله: (وهو يكسر ما به)، أي: يوسف يكسر ما يلتبس به ويرده، وهو حال من قوله: "إن نفسه مالت إلى المخالطة". قوله: (في برهان الله المأخوذ على المكلفين)، وهو قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ) [الأعراف: ١٧٢] الآية، قال المصنف: "إنه تعالى نصب لهم الأدلة على وحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى" إلى آخره.
[ ٨ / ٢٩٢ ]
فإن قلت: قوله (وَهَمَّ بِها) داخل تحت حكم القسم في قوله (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) أم هو خارج منه؟ قلت: الأمران جائزان، ومن حق القارئ إذا قدّر خروجه من حكم القسم وجعله كلامًا برأسه أن يقف على قوله (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) ويبتدئ قوله (وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأي: بُرْهانَ رَبِّهِ) وفيه أيضًا إشعار بالفرق بين الهمين.
فإن قلت: لم جعلت جواب "لولا" محذوفًا يدل عليه "هم بها"، وهلا جعلته هو الجواب مقدما؟ قلت: لأن "لولا" لا يتقدم عليها جوابها، من قبل أنه في حكم الشرط، وللشرط صدر الكلام وهو مع ما في حيزه من الجملتين مثل كلمةٍ واحدة، ولا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض، وأما حذف بعضها إذا دلّ الدليل عليه فجائز.
_________________
(١) قوله: (الأمران جائزان، ومن حق القارئ إذا قدر خروجه من [حكم] القسم، وجعله كلامًا برأسه أن يقف على قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)، ويبتدئ: (وَهَمَّ بِهَا»، قال صاحب "المرشد": "فإن وقف عند قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)، ثم يبتدئ: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا)؛ ليفرق بين ما كان منها وما كان منه؛ كان صالحًا، ولا بأس به، ليعلم أن المرأة همت على صفة، ويوسف على صفة أخرى". وقال بعضهم: معناه: اشتهته واشتهاها، وحرصت عليه، لولا أن رأى برهان ربه- والبرهان: دلالة الله إياه على تحريمه، وعلى أن من فعل ذلك الفعل استحق من الله تعالى الغضب والعذاب- لفعل ما دعته إليه من ذلك، فلأجل هذا البرهان امتنع من فعل ما اشتهاه، وضبط نفسه عنه. وقائل هذا الوجه يذهب إلى أن الشهوة قد تجري مجرى الهم في سعة اللغة، واحتج بقولهم: "هذا أهم الأشياء إلي" أي: أشهى، وهذا أحسن الوجوه عندي. قوله: (لأن "لولا" لا يتقدم عليها جوابها)، إلى آخره: قال صاحب "الفرائد": الوجه
[ ٨ / ٢٩٣ ]
فإن قلت: فلم جعلت «لولا» متعلقة بـ"همّ بها" وحده ولم تجعلها متعلقة بجملة قوله (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها)، لأن الهمّ لا يتعلق بالجواهر ولكن بالمعاني، فلا بدّ من تقدير المخالطة والمخالطة لا تكون إلا من اثنين معا، فكأنه قيل: ولقد هما بالمخالطة لولا أن منع مانع أحدهما؟ قلت: نعم ما قلت،
_________________
(١) عندي أن يقال: لا شك أن "لولا" تتقدم بالطبع على الجواب، لأنه هو الذي يوجب الجواب، والموجب يتقدم بالطبع على الموجب ضرورة، فتقديمه عليه إخراج له من الأصل، والإخراج من الأصل لا يجوز إلا بموجب راجح على ما يوجب الإبقاء على الأصل، وهو كونه أهم بالذكر منه، ولما كان الاهتمام بذكره بعد "لولا"، لأنه هو الذي يقتضي ذكره ويوجبه، لم يكن أن يكون أهم منه، فلم يوجد الموجب الراجح لتقديمه، فوجب تأخيره عملًا بالموجب السالم عن المعارض، هذا اختيار الإمام في "تفسيره". قوله: (لا يتعلق بالجواهر)، أي: بالأعيان. فإذا قلت: هم فلان بزيد؛ فمعناه: هم بقتله أو بشتمه وما أشبههما، ولا تريد: أنه هم بعينه وجثته. حاصل السؤال: لم علقت "لولا" بالجملة الثانية، ولم تعلق بالجملتين معًا لما لم يمكن ذلك، لأن الهم لا يتعلق بالذوات، وإنما يتعلق بالمعاني، كالمخالطة والمعانقة والملامسة والمباشرة ونحوها، وهذا المعنى مما لا يحصل إلا من الجانبين، فينتزع من مجموع قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) معنى المخالطة، ثم يقيد هم يوسف بأن يقال: ولقد هما بالمخالطة لولا أن منع مانع أحدهما. وخلاصة الجواب: أن أخذ الزبدة وإن جاز، لكن يفوت معنى التفصيل المراد من التركيب، لأنه تعالى قصد فيه استقلال كل من الهمين، وتمييز أحدهما عن الآخر؛ بأن أتى بالفعلين، وعطف أحدهما بالآخر، وكان عنه مندوحة، بأن يقال: لقد هما بالمخالطة لولا
[ ٨ / ٢٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أن منع مانع أحدهما، فعدل إلى هذا التركيب لفائدة، ولو أخذ الزبدة كان إغفالًا لترك التفصيل، وإلغاء لمجيئهما هكذا منسوقة، والفائدة: هي أن يبين أن همها كان متماديًا في الشهوة، وهم يوسف انقطع برؤية البرهان، وفيه ارتفاع شأن يوسف ﵇؛ حيث لم يشاركه معها في الهم، وجعل همه مميزًا عن همها. هذا يوافق ما روى محيي السنة في "المعالم"، وقال: "قال بعض أهل الحقائق: الهم همان: هم ثابت، وهو إذا كان معه عز وعقد ورضا، مثل: هم امرأة العزيز، فالعبد مأخوذ به. وهم عارض، وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا هم، مثل هم يوسف ﵇، فالعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل". وقلت: ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا به أو يتكلموا". هذا التفسير هو الذي يجب أن يذهب إليه ويتخذ مذهبًا، وإن نقل المفسرون ما نقلوا، لأن متابعة النص القاطع وبراءة ساحة النبي المعصوم عن تلك الرذيلة، وإحالة التقصير إلى الرواة أولى بالمصير إليه، على أن أساطين النقل المتقنين الذين حموا صفو مشارب النقل عن كدورات الواضعين وتحريف الزائغين، مثل الإمامين مالك وأحمد، والشيخين البخاري ومسلم، ومن تبعهم مثل الترمذي وأبي داود والنسائي والدارمي وابن ماجة ما ذكروا في كتبهم ما يداني هذه الروايات، فضلًا عما يساويها، وما دخل على من نقل من المفسرين
[ ٨ / ٢٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أمثال هذه الهنات على الأنبياء، إلا من التهاون في الضبط، إذ جلها بل كلها مأخوذ من مسلمة أهل الكتاب. وروينا في "صحيح البخاري" في "باب لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء": عن الزهري، أخبرني حميد، سمع معاوية يحدث رهطًا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: "إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب". وعن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا) [البقرة: ١٣٦] وما أنزل إليكم، الآية". وعن ابن عباس: "كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث، تقرؤونه محضًا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أنزل عليكم"، كل ذلك في "الصحيح". ومنه ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن
[ ٨ / ٢٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عباس: إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب بني إسرائيل ليس هو صاحب الخضر، فقال: كذب عدو الله، سمعت أبي بن كعب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، قال: فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه أن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: أي رب، كيف لي به؟ فقال له: احمل حوتًا في مكتل، فحيث تفقد الحوت فهو ثم"، الحديث. واعلم أن هذا أصل عظيم في الباب، وعليه التعويل. وقال صاحب "الانتصاف": "الصحيح عندنا تنزيه الأنبياء عن الكبائر والصغائر، وأن يوسف بريء، وأن الوقف عند قوله: (هَمَّتْ بِهِ)، ويبتدأ: (وَهَمَّ بِهَا)، كما تقول: قتلت زيدًا لولا أني أخاف الله، فإن كان الزمخشري يعرض بأهل السنة فليس هذا مذهبهم، وإن كان يعني به غيرهم فشأنه وإياهم". وقلت: أما دلالة كلام الله المجيد على البراءة فهو كما قال الإمام: "كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف، وأما يوسف فقال: (هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي)
[ ٨ / ٢٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [يوسف: ٢٦] على التأكيد أو التخصيص، لأن التركيب نحو: أنا عرفت، وقال: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [يوسف: ٣٣]، وقال: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) [يوسف: ٥٢]، وقال: (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) [يوسف: ٢٣]، وأما المرأة فقالت: (وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) [يوسف: ٣٢] على القسمية- قال المصنف: "الاستعصام: بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد"-، وقالت: (الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ) [يوسف: ٥١]، وأما الزوج فقال: (إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ* يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) [يوسف: ٢٨ - ٢٩]، وأما النسوة فقلن: (حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) [يوسف: ٥١]، وأما الشهود فقالوا: (وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ) [يوسف: ٢٧] الآية، وأما الله عز شأنه فقد قال: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف: ٢٤] ". وقلت: فيه من التأكيد أنه قرن "الفحشاء" بـ "السوء" لينفي عنه الزنى ومقدمتها، وسماه "عبده"، وأدخله في زمرة "المخلصين"، وعلل الصرف بقوله: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)، وأتى باسم الإشارة وكاف التشبيه تفخيمًا للتثبيت، أي: مثل ذلك التثبيت العجيب الشأن لنصرف عنه السوء. "وأما إبليس فإنه قال: (فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ) [ص: ٨٢ - ٨٣]، والله تعالى شهد له بالإخلاص، وأكد الشهادة بالطريق البرهاني حيث أدخله في جملة المخلصين"، وأما الملك فقد قال: (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ) [يوسف: ٥٤].
[ ٨ / ٢٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال الإمام: "أما تفسير "الهم" فقد جاء على معان: أحدها: العزم على الفعل، قال تعالى: (إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا) [المائدة: ١١]، أي: عزموا على ذلك. وثانيها: خطور الشيء بالبال، قال تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا) [آل عمران: ١٢٢]، أي: خطر ببالهم دون أن يعزموا، بدليل قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا)، لأن الله تعالى لا يكون ولي من عزم على المعصية. وثالثها: الشهوة وميل الطبع، يقول القائل فيما لا يشتهيه: لا يهمني هذا، وفيما يشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي. والمراد بـ "الهم" في الآية: خطور الشيء بالبال، أو ميل الطبع بالشهوة، وذلك أن المرأة الفائقة في الحسن والجمال إذا تهيأت للشاب القوي لابد أن يقع هناك بين الشهوة والحكمة وبين النفس والعقل مجاذبات ومنازعات، فتارة تقوى داعية الشهوة والطبيعية، وتارة تقوى داعية العقل والحكمة، فالهم عبارة عن جواذب الطبيعة، ورؤية البرهان عبارة عن جواذب النبوة والحكمة. مثاله: أن الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف إذا رأى الماء المبرد فطبيعته تحمله على شربه، إلا أن هداه ودينه يمنعه منه، وهذا لا يدل على حصول الذنب، بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة [في القيام] بلوازم العبودية أكمل. ولو أريد به العزم كان أيضًا دليلًا على عصمته، لأنه تعالى لما أظهر ما يصرفه عن العزم وجب أن لا يكون منه عزم، فلما لم يكن منه عزم لم يكن منه فعل، لأن الفعل تابع للعزم".
[ ٨ / ٢٩٩ ]
ولكنّ الله ﷾ قد جاء بالهمين على سبيل التفصيل حيث قال (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها) فكان إغفاله إلغاء له، فوجب أن يكون التقدير. ولقد همت بمخالطته وهم بمخالطتها، على أنّ المراد بالمخالطتين توصلها إلى ما هو حظها من قضاء شهوتها منه، وتوصله إلى ما هو حظه من قضاء شهوته منها، (لولا أن رأى برهان ربه) فترك التوصل إلى حظه من الشهوة، فلذلك كانت «لولا» حقيقة بأن تعلق بـ"همّ بها" وحده.
وقد فسر "همّ يوسف" بأنه حل الهميان وجلس منها مجلس المجامع، وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها، وفسر "البرهان" بأنه سمع صوتًا: إياك وإياها، فلم يكترث له، فسمعه ثانيًا فلم يعمل به، فسمع ثالثًا: أعرض عنها، فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضًا على أنملته. وقيل: ضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله. وقيل: كل ولد يعقوب له اثنا عشر ولدًا إلا يوسف، فإنه ولد له أحد عشر ولدًا من أجل ما نقص من شهوته حين همّ، وقيل: صيح به: يا يوسف، لا تكن كالطائر: كان له ريش، فلما زنى قعد لا ريش له. وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم، مكتوب فيها (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ* كِرامًا كاتِبِينَ) [الانفطار: ١٠ - ١١]، فلم ينصرف، ثم رأي: فيها (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) [الإسراء: ٣٢] فلم ينته، ثم رأي: فيها (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) [البقرة: ٢٨١]، فلم ينجع فيه، فقال الله لجبريل ﵇: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل وهو يقول: يا يوسف، أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟ وقيل: رأى تمثال العزيز. وقيل: قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته
_________________
(١) قوله: (حل الهميان)، الجوهري: "هميان الدراهم- بكسر الهاء-: معروف"، وفي النهاية: "الهميان: تكة السراويل".
[ ٨ / ٣٠٠ ]
وقالت: أستحيي منه أن يرانا. فقال يوسف استحييت ممن لا يسمع ولا يبصر، ولا أستحيي من السميع البصير العليم بذوات الصدور!
وهذا ونحوه مما يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله تعالى وأنبيائه، وأهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل، ولو وجدت من يوسف ﵇ أدنى زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره، كما نعيت على آدم زلته، وعلى داود، وعلى نوح، وعلى أيوب. وعلى ذى النون، وذكرت توبتهم واستغفارهم، كيف وقد أثنى عليه وسمي مخلصًا، فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض، وأنه جاهد نفسه مجاهدة أولي القوّة والعزم، ناظرًا في دليل التحريم ووجه القبح، حتى استحق من الله الثناء فيما أَنزل من كتب الأولين، ثم في القرآن الذي هو حجة على سائر كتبه ومصداق لها، ولم يقتصر إلا على استيفاء قصته وضرب سورة كاملة عليها، ليجعل له لسان صدق في الآخرين، كما جعله لجدّه الخليل إبراهيم ﵇، وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفة وطيب الإزار والتثبت في مواقف العثار، فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدّى إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدى بنبي من أنبياء الله، في القعود بين شعب الزانية وفي حل تكته للوقوع عليها، وفي أن ينهاه ربه ثلاث كرّات ويصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن، وبالتوبيخ العظيم، وبالوعيد الشديد، وبالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه، وهو جاثم في مربضه
_________________
(١) ـ قوله: (الدحض)، الجوهري: "مكان دحض؛ أي: زلق".
[ ٨ / ٣٠١ ]
لا يتحلحل ولا ينتهى ولا ينتبه، حتى يتداركه الله بجبريل وبإجباره، ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم وأحدهم حدقة وأصلحهم وجهًا لقى بأدنى ما لقى به نبي الله مما ذكروا، لما بقي له عِرق ينبض ولا عضو يتحرّك! فياله من مذهب ما أفحشه، ومن ضلال ما أبينه!
(كَذلِكَ) الكاف منصوب المحل، أي: مثل ذلك التثبيت ثبتناه. أو مرفوعه، أي: الأمر مثل ذلك (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ) من خيانة السيد (وَالْفَحْشاءَ) من الزنى (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) الذين أخلصوا دينهم لله، وبالفتح. الذين أخلصهم الله لطاعته بأن عصمهم.
_________________
(١) ـ قوله: (لا يتحلحل)، "حلحلت القوم؛ أي: أزعجتهم عن موضعهم". قوله: (وأجلحهم)، الأساس: "رجل أجلح، وبرأسه جلح، ومن المجاز: فلان وقح مجلح، وفي وجهه تجليح، وهو الإقدام على الشر". قوله: (فيا له من مذهب): المنادى محذوف، أي: يا قوم احضروا له، ثم بين الضمير بقوله: "من مذهب"، وفيه تعجب وتعجيب. قوله: (وبالفتح: الذين أخلصهم الله): عطف على " (المخلصين)، الذين أخلصوا"، أي: قرئ: "المخلصين" بكسر اللام؛ والمعنى: الذين أخلصوا دينهم، وبالفتح؛ والمعنى: الذين أخلصهم الله، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب: بالكسر، والباقون: بالفتح.
[ ٨ / ٣٠٢ ]
ويجوز أن يريد بـ (السوء): مقدّمات الفاحشة، من القبلة والنظر بشهوة، ونحو ذلك.
وقوله (مِنْ عِبادِنَا) معناه بعض عبادنا، أى: هو مخلص من جملة المخلصين. أو هو ناشئ منهم، لأنه من ذرية إبراهيم الذين قال فيهم (إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ) [ص: ٤٦].
[(وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ* قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ* وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ* فَلَمَّا رَأي: قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ* يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ)].
(وَاسْتَبَقَا الْبابَ) وتسابقا إلى الباب على حذف الجارّ وإيصال الفعل، كقوله (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) [الأعراف: ١٥٥]، على تضمين (واستبقا) معنى «ابتدرا» نفر منها يوسف، فأسرع يريد الباب ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج.
فإن قلت: كيف وحد الباب، وقد جمعه في قوله (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ) [يوسف: ٢٣]؟ قلت: أراد الباب البراني الذي هو المخرج من الدار والمخلص من العار، فقد روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب.
_________________
(١) قوله: (الباب البراني)، الأساس: "جلست برًا، وخرجت برًا: إذا جلس إلى ظاهر الدار، وخرج إلى ظاهر البلد. ومن أصلح جوانيه أصلح الله برانيه، وافتح الباب البراني، ويقال: أريد جوًا ويريد برًا، أي: أريد خفية وهو يريد علانية".
[ ٨ / ٣٠٣ ]
(وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) اجتذبته من خلفه فانقد، أي: انشق حين هرب منها إلى الباب وتبعته تمنعه (وَأَلْفَيا سَيِّدَها) وصادفا بعلها وهو قطفير، تقول المرأة لبعلها: سيدي. وقيل: إنما لم يقل سيدهما، لأنّ ملك يوسف لم يصح، فلم يكن سيدًا له على الحقيقة. قيل: ألفياه مقبلا يريد أن يدخل. وقيل جالسًا مع ابن عمّ للمرأة. لما اطلع منها زوجها على تلك الهيئة المريبة وهي مغتاظة على يوسف إذ لم يؤاتها جاءت بحيلة جمعت فيها غرضيها: وهما تبرئة ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف، وتخويفه طمعًا في أن يؤاتيها خيفة منها ومن مكرها، وكرها لما أيست من مؤاتاته طوعا. ألا ترى إلى قولها (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ) [يوسف: ٣٢].
و«ما» نافية، أى: ليس جزاؤه إلا السجن. ويجوز أن تكون استفهامية، بمعنى: أي: شيء جزاؤه إلا السجن، كما تقول: من في الدار إلا زيد.
فإن قلت: كيف لم تصرح في قولها بذكر يوسف، وإنه أراد بها سوءا قلت: قصدت العموم، وأنّ كل من أراد بأهلك سوءًا فحقه أن يسجن أو يعذب، لأنّ ذلك أبلغ فيما قصدته من تخويف يوسف،
_________________
(١) قوله: (قصدت العموم، وأن كل من أراد بأهلك سوءًا فحقه أن يسجن)، الانتصاف: "أو أرادت بالإجمال الحياء والحشمة أن تقول لبعلها: هذا أراد بي سوءًا، ولذلك كنت بالسوء عن الفاحشة بعدًا عن القحة التي توهم الريبة، وقالت ابنة شعيب ﵇: (إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) [القصص: ٢٦]، ولم تقل: إنه قوي أمين؛ حياء من أبيها".
[ ٨ / ٣٠٤ ]
وقيل: العذاب الأليم الضرب بالسياط. ولما أغرت به وعرّضته للسجن والعذاب وجب عليه الدفع عن نفسه فقال: (هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) ولولا ذلك لكتم عليها.
(وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) قيل كان ابن عمّ لها، إنما ألقى الله الشهادة على لسان من هو من أهلها، لتكون أوجب للحجة عليها، وأوثق لبراءة يوسف، وأنفى للتهمة عنه. وقيل: هو الذي كان جالسًا مع زوجها لدى الباب. وقيل كان حكيما يرجع إليه الملك ويستشيره ويجوز أن يكون بعض أهلها كان في الدار فبصر بها من حيث لا تشعر، فأغضبه الله ليوسف بالشهادة له والقيام بالحق. وقيل: كان ابن خال لها صبيا في المهد. وعن النبي ﷺ «تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى»
_________________
(١) قوله: (أغرت به)، الجوهري: "غري به- بالكسر-؛ أي: أولع به، والاسم الغراء". قوله: (تكلم أربعة وهم صغار)، وكذا في "المعالم"، ويرده دلالة الحصر في الرواية عن البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى
[ ٨ / ٣٠٥ ]
فإن قلت: لم سمي قوله شهادة وما هو بلفظ الشهادة؟ قلت: لما أدّى مؤدّى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها سمي شهادة.
فإن قلت: الجملة الشرطية كيف جازت حكايتها بعد فعل الشهادة؟ قلت: لأنها قول من القول، أو على إرادة القول، كأنه قيل: وشهد شاهد فقال إن كان قميصه
_________________
(١) ابن مريم، وصاحب جريج، وكان رجلًا عابدًا فاتخذ صومعة، وكانت امرأة بغي، فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا يأوي إلى صومعته، فوقع عليها، فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتى جريج الصبي وطعن في بطنه، وقال: من أبوك؟ قال: فلان الراعي. وبينا صبي يرضع من أمه، فمر رجل راكب على دابة فارهة، وشارة حسنة، فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي فقال: اللهم لا تجعلني مثله"، هذا مختصر من ألفاظ الحديث. قوله: (الجملة الشرطية)، أي: الجملة الشرطية فيها معنى الترقب والتعليق، وفعل الشهادة يقتضي الأداء والإنشاء، فبينهما تناف؟ وأجاب بجوابين: أحدهما: أن فعل الشهادة
[ ٨ / ٣٠٦ ]
فإن قلت: إن دل قدّ قميصه من دُبر على أنها كاذبة وأنها هي التي تبعته واجتبذت ثوبه إليها فقدّته، فمن أين دل قدّه من قُبُلٍ على أنها صادقة، وأنه كان تابعها؟ قلت: من وجهين:
أحدهما: أنه إذا كان تابعها وهي دافعته عن نفسها قدت قميصه من قدّامه بالدفع.
والثاني: أن يسرع خلفها ليلحقها فيتعثر في مقادم قميصه فيشقه.
_________________
(١) من إطلاق الخاص على العام، كأنه قيل: قال قائل: إن كان قميصه، على طريق أداء الشهادة، أو القول محذوف، كأنه قيل: وشهد شاهد، فقال: إن كان قميصه. قال صاحب "الفرائد": هذا التقرير غير مستقيم، وإنما يستقيم أن لو قيل: فإن كان قميصه، ووجهه أن يقال: وشهد شاهد قائلًا: إن كان قميصه. وقلت: ما المانع من تقدير ما يستقيم به المعنى، سواء كان حرفًا أو غيره، ولاشك أن ذلك التقدير أفصح، لأنه على وزان قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤]. قوله: (من وجهين: أحدهما: أنه إذا كان تابعها وهي دافعته) إلى آخره، الانتصاف: "ويمكن مثله في اتباعها له، فإنها إنما قدت قميصه من قُبُل؛ بتقدير أن تكون جذبته حين صارا متقابلين، بل ها هنا أظهر، لأن الموجب للقد غالبًا الجذب لا الدفع". وقوله: (الثاني: أن يسرع خلفها ليلحقها، فيتعثر في مقادم قميصه، فيشقه)، الانتصاف: "هذا بعينه محتمل إذا كانت هي التابعة، وهو فار منها، والحق أن الشاهد إن كان صبيًا في المهد، فالآية في مجرد كلامه، كما كان كلام عيسى برهانًا على براءة مريم، فلا يظهر في وجه الأمارة المذكورة، وإن كنا الشاهد بعض أهلها فإنه بصر بها من حيث لا تشعر،
[ ٨ / ٣٠٧ ]
وقرئ: "من قُبُلُ" و"من دُبُرُ"، بالضم على مذهب الغايات. والمعنى: من قبل القميص ومن دبره. وأما التنكير فمعناه من جهة يقال لها قُبُلٌ، ومن جهة يقال لها دبر. وعن ابن أبي إسحاق أنه قرأ: "من قُبُل" و"من دبر" بالفتح، كأنه جعلهما علمين للجهتين فمنعهما الصرف للعلمية والتأنيث. وقرئا بسكون العين.
_________________
(١) ـ تشعر، فأغضبه الله ليوسف بالشهادة له، وكان من حقه أن يصدق يوسف ويكذبها، لكن أراد أن لا يكون الفاضح لها، فتعلق بانقطاع القميص وأمارته على الصدق والكذب إبعادًا للتهمة، ولذلك قدم أمارة صدقها على أمارة صدقه، وكذا فعل مؤمن آل فرعون في قوله: (وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) [غافر: ٢٨]، وكذا فعل يوسف في كونه بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، والشاهد قصد الأمارة الأخيرة، وجعل الأولى توطئة لها. وأما إن كان الشاهد الحكيم فلابد من المناسبة، وأقربها أن قده من دبر دليل على إدباره عنها، وقده من قبل دليل على إقباله إليها بوجهه". قوله: (وقرئ: "من قُبُل" و"من دبر")، قال ابن جني: "هي قراءة ابن يعمر والجارود، وهي كقوله تعالى: (لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) [الروم: ٤]، يريد: من دبره ومن قبله، فلما حذف المضاف إليه صار المضاف غاية نفسه بعدما كان المضاف إليه غاية له، فبني على الضم"، لأن المعنى أن يعلم أنه كان قميصه، يعني: أن الشرط وإن كان ماضيًا، لكن في تأويل المضارع، لأن المراد إرشاد العزيز إلى إظهار الحق، وهو مثل قولك: إن أحسنت إلي فقد أحسنت إليك؛ في الإخبار والإعلام، وهذا تقوله لمن يمن عليك بإحسانه. قال ابن الحاجب: "وإنما صح ذلك لأن جواب الشرط لا يكون إلا جملة، وقد يكون
[ ٨ / ٣٠٨ ]
فإن قلت: كيف جاز الجمع بين «إن» الذي هو للاستقبال وبين «كان»؟ قلت: لأنّ المعنى أن يعلم أنه كان قميصه قدّ، ونحوه كقولك: إن أحسنت إلىّ فقد أحسنت إليك من قبل، لمن يمتن عليك بإحسانه، تريد: إن تمتن علىَّ أمتنَّ عليك.
(فَلَمَّا رَأى) يعنى قطفير وعلم براءة يوسف وصدقه وكذبها (قالَ إِنَّهُ) إن قولك (ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا) أو إنّ الأمر وهو طمعها في يوسف (مِنْ كَيْدِكُنَّ) الخطاب لها ولأمتها. وإنما استعظم كيد النساء لأنه وإن كان في الرجال، إلا أنّ النساء ألطف كيدًا وأنفذ حيلة. ولهنّ في ذلك نيقة ورفق، وبذلك يغلبن الرجال. ومنه قوله تعالى: (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ) [الفلق: ٤]، والقصريات من بينهنّ معهنّ ما ليس مع غيرهنّ من البوائق.
_________________
(١) ـ .. معنى الشرط فيه الإعلام بما هو المشروط"، ذكره في "الأمالي". وقال أيضًا: " (كَانَ) ها هنا بمعنى: ثبت، كأنه قيل: إن ثبت أن قميصه، وثبوت الشيء لا يلزم منه أن يكون قبل ذلك ثابتًا، والمعنى: إن ثبت هذا في المستقبل فهي صادقة". قوله: (نيقة)، نيقة: فعلة؛ من: تنوق في الأمر؛ إذا مهر فيه وحذق. قوله: (والقصريات من بينهن)، أي: اللاتي نشأن في القصور، أي: الحضريات دون البدويات. قوله: (من البوائق)، وهي جمع بائقة؛ الداهية، وفي الحديث: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه"، أي: ظلمه وغشمه.
[ ٨ / ٣٠٩ ]
وعن بعض العلماء: أنا أخاف من النساء أكثر ما أخاف من الشيطان، لأنّ الله تعالى يقول (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا) [النساء: ٧٦] وقال للنساء (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ).
(يُوسُفُ) حذف منه حرف النداء لأنه منادى قريب مفاطن للحديث وفيه تقريب له وتلطيف لمحله (أَعْرِضْ عَنْ هذا) الأمر واكتمه ولا تحدّث به (وَاسْتَغْفِرِي) أنت (لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ) من جملة القوم المتعمدين للذنب.
_________________
(١) قوله: (لأن الله تعالى يقول: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) [النساء: ٧٦]، وقال للنساء: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ»، الانتصاف: "وفيه نظر؛ لأن الذي في هذه الآية من كلام العزيز، فيمكن أن تكون حكايته تصحيحًا لكلامه لا تحقيقًا، وقوله تعالى: «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) مقابل بكيد الله، فحقه أن يكون ضعيفًا، ولأن كيد الشيطان أصل لكيد النساء، فلا يكون كيدهن أعظم". قوله: (لأنه منادى قريب مفاطن للحديث)، يعني: يجاء بحرف "يا" الندائية لأمرين: إما أن المنادى بعيد، فيطلب إقباله به، وإما أنه قريب ساه بليد فينبه به، ويوسف ﵇ لم يكن بهذه المثابة. قوله: (وفيه تقريب له وتلطيف لمحله)، نشر للمعنيين، يعني: في حذف حرف النداء تقريب له، أي: تنزيه عن بعده، ورفعة لمكانه، لأنه مفاطن ذكي، وليس بساه.
[ ٨ / ٣١٠ ]
يقال: خطئ، إذا أذنب متعمدًا، وإنما قال (مِنَ الْخاطِئِينَ) بلفظ التذكير تغليبا للذكور على الإناث، وما كان العزيز إلا رجلا حليما. وروي أنه كان قليل الغيرة.
[(وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ* قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ)].
_________________
(١) قوله: (يقال: خطئ؛ إذا أذنب متعمدًا)، الراغب: "الخطأ: العدول عن الجهة، وذلك أضرب: أحدها: أن تريد غير ما تحسن إرادته، فتفعله، هذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان، ويقال فيه: خطئ يخطأ خِطأً وخطَأً وخطأة، قال تعالى: (إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) [الإسراء: ٣١]، (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) [يوسف: ٩١]. وثانيها: أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع خلافه، فيقال: أخطأ خطأ فهو مخطئ، وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، ومنه الحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، وقوله: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [النساء: ٩٢]. وثالثها: أن يريد ما لا يحسن فعله، ويتفق خلافه، فهذا مخطئ في الإرادة مصيب في الفعل، فهو مذموم [بقصده] غير محمود بفعله، وهو المراد بقول الشاعر: أردت مساءتي فاجتررت مسرتي … وقد يحسن الإنسان من حيث لا يدري
[ ٨ / ٣١١ ]
(وَقالَ نِسْوَةٌ) وقال جماعة من النساء، وكنّ خمسًا: امرأة الساقي، وامرأَة الخباز، وامرأَة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب. والنسوة: اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقى كتأنيث اللمة، ولذلك لم تلحق فعله تاء التأنيث. وفيه لغتان: كسر النون وضمها (فِي الْمَدِينَةِ) في مصر (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ) يردن قطفير، والعزيز: الملك بلسان العرب (فَتاها) غلامها
_________________
(١) ـ وجملة الأمر أن من أراد شيئًا واتفق منه غيره يقال له: أخطأ، وإن وقع منه كما أراد يقال: أصاب، ويقال لمن فعل فعلًا لا يحسن، أو أراد إرادة لا تجمل: أخطأ، ولهذا يقال: أصاب الخطأ وأخطأ الصواب وأصاب الصواب وأخطأ الخطأ، هذه اللفظة مشتركة كما ترى، مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق أن يتأملها". قوله: (كتأنيث اللمة)، وهي اسم لجماعة النساء، النهاية: "وفي الحديث: "أن فاطمة خرجت في لمة من نسائها"، أي: في جماعة، قيل: هي ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: اللمة: المثل في السن والترب. الجوهري: "الهاء عوض" من الهمزة الذاهبة من وسطه، وأصلها: فعلة؛ من الملاءمة، وهي الموافقة".
[ ٨ / ٣١٢ ]
يقال: فتاي وفتاتي، أي: غلامي وجاريتي (شَغَفَها) خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد، والشغاف حجاب القلب، وقيل جلدةٌ رقيقةٌ يقال لها لسان القلب. قال النابغة:
وَقَدْ حَالَ هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ وَالِجٌ … مَكَانَ الشِّغَافِ تَبْتَغِيِه الأَصَابِعُ
وقرئ: "شعفها" بالعين، من شعف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران، قال:
كَمَا شَعَفَ المَهْنُوءَةَ الرَّجُلُ الطّالِى
و(حُبًّا) نصب على التمييز، (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) في خطأٍ وبُعدٍ عن طريق الصواب.
(بِمَكْرِهِنَّ) باغتيابهنّ وسوء قالتهنّ، وقولهنّ: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها،
_________________
(١) قوله: (وقد حال هم دون ذلك) البيت، يقول: قد حال هم دون ذلك الأمر داخل بين القلب والفؤاد، بحيث تبتغيه الأصابع، فلا تجده من شدة الكمون فيه، وقيل: تبتغيه؛ أي: تلتمسه أصابع الأطباء، ينظرون أنزل في ذلك الموضع أم لا؟ قوله: (كما شعف المهنوءة الرجل الطالي)، أوله لامرئ القيس: أيقتلني وقد شعفت فؤادها قال ابن جني: "معناه: وصل حبه إلى قلبها، وكاد يحرقه بحدته، وأصله من البعير يهنأ بالقطران، فتصل حرارة ذلك إلى قلبه، قال الأصمعي: كل شيء يذهب بالفؤاد من خير وشر فهو شاغف"، وأنشد البيت. قوله: (ومقتها)، الجوهري: "مقته مقتًا: أبغضه".
[ ٨ / ٣١٣ ]
وسمي الاغتياب مكرًا لأنه في خفية وحال غيبة، كما يخفي الماكر مكره. وقيل: كانت استكتمتهنّ سرّها فأفشينه عليها (أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ) دعتهنّ. قيل: دعت أربعين امرأة منهنّ الخمس المذكورات (وَأَعَْدَتْ لَهُنَّ) ما يتكئن عليه من نمارق، قصدت بتلك الهيئة وهي فعودهنّ متكئات والسكاكين في أيديهنّ: أن يدهشن ويبهتن عند رؤيته، ويشغلن عن نفوسهنّ فتقع أيديهنّ على أيديهنّ فيقطعنها، لأن المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يده، ولا يبعد أن تقصد الجمع بين المكر به وبهنّ، فتضع الخناجر في أيديهنّ ليقطعن أيديهنّ، فتبكتهنّ بالحجة، ولنهول يوسف من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهنّ الخناجر، وتوهمه أنهنّ يثبن عليه.
وقيل: (متكأ) مجلس طعام لأنهم كانوا يتكؤن للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين، ولذلك: نهي أن يأكل الرجل متكئا» وآتتهنّ السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن. وقيل (مُتَّكَأً) طعاما، من قولك اتكأنا عند فلان: طعمنا، على سبيل الكناية، لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له تكأة يتكئ عليها. قال جميل:
فَظَلَلْنَا بِنِعْمَةٍ وَاتَّكَانَا … وَشَرِبْنَا الْحَلَالَ مِنْ قُلَلِهْ
وعن مجاهد (مُتَّكَأً) طعامًا يحزّ حزّا، كأن المعنى يعتمد بالسكين، لأنّ القاطع يتكئ على المقطوع بالسكين.
_________________
(١) قوله: (فتضع الخناجر)، الفاء تفصيل لما أجمل في قوله: "أن تقصد الجمع بين المكر به- أي: بيوسف- وبهن"، أي: بالنسوة. قوله: (فظللنا) البيت، "واتكأنا": أي: أخذنا متكأ نتكئ عليه، و"القلل": جمع قلة، وهي الجرة، و"الحلال": النبيذ.
[ ٨ / ٣١٤ ]
وقرئ "متكًا" بغير همز. وعن الحسن: "متكاء" بالمدّ، كأنه مفتعال، وذلك لإشباع فتحة الكاف، كقوله «بُمْنتَزاحِ» بمعنى بمنتزح. ونحوه «يَنْبَاعُ» بمعنى ينبع. وقرئ: "متكًا" وهو الأترج، وأنشد:
فَأَهْدَتْ مَتْكَةً لِبَنِي أبِيهَا … تَخُبُّ بِهَا العثَمْثَمَةُ الْوِقَاحُ
وكانت أهدت أترجة على ناقة، وكأنها الأترجة التي ذكرها أبو داود في "سننه" أنها شقت بنصفين، وحملا كالعدلين على جمل.
_________________
(١) قوله: (بمنتزاح)، قال: وأنت من الغوائل حين ترمي … ومن ذم الرجال بمنتزاح قوله: (ونحوه: "ينباع")، أي: في شعر عنترة، قال: ينباع من ذفرى غضوب جسرة … زيافة مثل الفنيق المكدم أي: ينبع العرق خلف ناقة غضوب، و"الجسرة": القوية، و"الزيافة": المتبخترة، و"الفنيق": الفحل، و"المكدم"؛ من الكدم، وهو العض. قوله: (فأهدت متكة) البيت، "لبني أبيها": أي: إخوتها، والعثمثمة: الناقة الصلبة، والوقاح: شذيد الحافر.
[ ٨ / ٣١٥ ]
وقيل: الزماورد وعن وهب: أترجًا وموزًا وبطيخًا. وقيل: أعدت لهنَّ ما يقطع، من متك الشيء بمعنى بتكه إذا قطعه. وقرأ الأعرج: مُتَّكَأً مفعلا، من تكئ يتكأ، إذا اتكأ.
(رأينه أَكْبَرْنَهُ) أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائع والجمال الفائق. قيل: كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء. وعن النبي ﷺ: «مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء، فقلت لجبريل: من هذا؟ فقال يوسف، فقيل: يا رسول الله، كيف رأيته؟ قال «كالقمر ليلة البدر».
وقيل كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران، كما يرى نور الشمس من الماء عليها. وقيل: ما كان أحد يستطيع وصف يوسف. وقيل: كان يشبه آدم يوم خلقه ربه. وقيل: ورث الجمال من جدّته سارة.
وقيل: "أكبرن" بمعنى حضن، والهاء للسكت. يقال: أكبرت المرأة إذا حاضت، وحقيقته: دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حدّ الصغر إلى حدّ الكبر، وكأن أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله:
_________________
(١) قوله: (الزماورد)، الزماورد: بفتح الزاي، ذكره الأزهري، وهو الرقاق الملفوف باللحم وغيره، كأنه يتكئ عليه السكين، كذا وجدته في الحواشي. قوله: (كما يرى نور الشمس من الماء عليها)، أي: يرى انعكاس ضوء الشمس من الماء على الجدران. قوله: (والهاء للسكت)، قيل: تحريك هاء السكت لحن، فكأنه أجري الوقف مجرى الوصل، فيه جواب عن قول الزجاج: "ويقال: (أَكْبَرْنَهُ): حضن، وقد رويت عن مجاهد،
[ ٨ / ٣١٦ ]
خَفِ اللَّهَ وَاسْتُرْ ذَا الْجَمَالَ بِبُرْقُعٍ … فَإنْ لُحْتَ حَاضَتْ فِى الْخُدُورِ الْعَوَاتِقُ
(قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) جرحنها، كما تقول: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، تريد: جرحتها.
(حاشَ) كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء. تقول: أساء القوم حاشا زيد. قال:
حَاشَا أَبِي ثَوْبَانَ إنَّ بِهِ … ضَنَّا عَنِ المَلْحَاةِ وَالشَّتْمِ
_________________
(١) وليس ذلك بمعروف في اللغة، وأنشدوا بيتًا فيه: يأتي النساء على أطهارهن ولا … يأتي النساء إذا أكبرن إكبارا والهاء في (أَكْبَرْنَهُ) تنفي هذا، لأنه لا يجوز: "النساء حضنه يا هذا"، لأن "حضن" لا يتعدى إلى مفعول". ولهذا جعل المصنف الهاء للسكت، والأحسن أن يقال: إن الهاء ضمير مصدر، كأنه قيل: أكبرن إكبارًا، كما في قولهم: "عبد الله أظنه منطلق". قوله: (خف الله) البيت، وفيه: "ذابت" بدل "حاضت"، قال الواحدي: "يقول: استر جمالك ببرقع ترسله على وجهك، فإنك إن ظهرت ذابت الشواب في خدورهن عشقًا لك. ويروى: "حاضت"، فإن المرأة إذا اغتلمت حاضت". قوله: (حاشا أبي ثوبان) البيت، قيل: كل مصراع من بيت، وترتيب البيتين هكذا: حاشا أبي ثوبان إن أبا … ثوبان ليس ببكمة فدم عمرو بن عبد الله إن به … ضنًا عن الملحاة والشتم
[ ٨ / ٣١٧ ]
وهي حرف من حروف الجر، فوضعت موضع التنزيه والبراءة، فمعنى «حاشا الله» براءة الله وتنزيه الله، وهي قراءة ابن مسعود، على إضافة حاشا إلى الله إضافة البراءة.
ومن قرأ: "حاشا لله"، فنحو قولك: سقيا لك، كأنه قال: براءة، ثم قال: لله، لبيان من يبرأ وينزه،
_________________
(١) والبيت- كما في الكتاب-: رواه ابن جني في "المحتسب". "ضنًا": بكسر الضاد، أي: يضن بنفسه عن الملحاة، وهي المفعلة؛ من: لحيت الرجل: إذا لمته، واللحاء- مكسورًا ممدودًا-: اللعن والعذل، وهو مشتق من: لحوت العصا: إذا قشرتها، يقول: أذمهم وألومهم إلا أبا ثوبان، فإني أضن أن ألحاه، أي: أشتمه. قوله: (وهي حرف من حروف الجر)، قيل: إضافة "حاشا" إلى الله لا يستقيم على تقدير كون "حاشا" حرف جر، لأن حرف الجر لا يضاف، وإذا كان حرف جر لا يبتدأ به الكلام، وكذا إذا كان حرف استثناء، كقولك: أساء القوم حاشا زيد، وأما قول الشاعر: "حاشا أبي ثوبان"، فيمكن أن يكون قد تقدمه ما يكون هذا مستثنى منه؛ إذ المعنى: أذمهم وألومهم إلا أبا ثوبان. والجواب: أن قوله: "فوضعت موضع التنزيه والبراءة" يدفع هذا الزعم، وسيجيء عن الزجاج وأبي علي أنها ليست بحرف. قوله: (قال: براءة، ثم قال: لله، لبيان من يبرأ وينزه)، قال ابن الحاجب: "إنه اسم من أسماء الأفعال، بمعنى: برئ الله من السوء، ولعل دخول اللام كدخولها في ( هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ) [المؤمنون: ٣٦] ".
[ ٨ / ٣١٨ ]
والدليل على تنزيل «حاشا» منزلة المصدر: قراءة أبي السمال: "حاشَ لِلَّهِ" بالتنوين. وقراءة أبي عمرو "حاشَ لِلَّهِ" بحذف الألف الأخيرة،
_________________
(١) ووجه قراءة من قرأ بالإضافة أن يكون مصدرًا مضافًا، ومن قرأ "حاشًا" بالتنوين، وهو إما أن يكون مصدرًا أيضًا أو اسم فعل، والتنوين كما في "صه"، ونم قرأ "حاشا لله" وقلب التنوين ألفًا أجرى الوصل مجرى الوقف، أو يكون اسم فعل موضوع هكذا بغير تنوين. قوله: (وقراءة أبي عمرو: "حاش لله" بحذف الألف الأخيرة)، قال صاحب "التيسير": "قال أبو عمرو: "حاش لله" في الحرفين بألف في الوصل، فإذا وقف حذفها اتباعًا للخط، وروي ذلك عن اليزيدي، والباقون: بغير ألف في الحالين". قال الزجاج: "حاشا لله" و"حاش لله" يقرآن بحذف الألف وإثباتها، ومعناه الاستثناء، المعنى- فيما فسره أهل التفسير-: "قلن: معاذ الله ما هذا بشرًا"، وأما على مذهب المحققين من أهل اللغة، فهي مشتقة من قولك: كنت في حشا فلان، أي: في ناحيته، والمعنى: براءة من الله؛ من التنحي، والمعنى: قد نحى الله هذا من هذا، إذا قلت: حاشا لزيد، معناه: قد تنحى زيد من هذا وتباعد منه". وقال أبو علي: "لا يخلو (حَاشَ لِلَّهِ) أن يكون الحرف الجار في الاستثناء، مثل قول الشاعر:
[ ٨ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) .. حاشا أبي ثوبان أو يكون "فاعل"؛ من قوله: حاشا يحاشي. لا يجوز الأول؛ لأن الجار لا يدخل على مثله، ولأن الحرف لا يحذف إذا لم يكن فيه تضعيف، فتعين الثاني، فـ "حاشا": فاعل؛ من "الحشا" الذي يعنى به: الناحية، أي: صار في حشا- أي: ناحية- مما قرف به، أي: لم يقترفه ولم يلابسه، وصار في عزلة عنه وناحية. وإذا كان فعلا فلابد من فاعل، وفاعله يوسف، أي: بعد عن هذا الذي رمي به لله، أي: لخوفه ومراقبة أمره. وأما حذف الألف فيه: فلأن الأفعال قد حذف منها، نحو: لم يك، ولا أدر، ولم أبل". وقال الجوهري: "حاشا: قد يكون فعلًا وقد يكون حرفًا، قال سيبويه: "حاشا" لا يكون إلا حرف جر، لأنها لو كانت فعلًا لجاز أن تكون صلة لـ "ما"، كما يجوز ذلك في "خلا"، فلما امتنع أن يقال: "جاءني القوم ما حاشا زيدًا"، دلت على أنها ليست بفعل، وقال المبرد: "حاشا" قد تكون فعلًا، واستدل بقول النابغة: ولا أرى فاعلًا في الناس يشبهه … وما أحاشي من الأقوام من أحد
[ ٨ / ٣٢٠ ]
وقراءة الأعمش حاشَ لِلَّهِ بحذف الألف الأولى.
وقرئ "حاشَ لِلَّهِ" بسكون الشين، على أن الفتحة تبعت الألف في الإسقاط، وهي ضعيفة لما فيها من التقاء الساكنين على غير حدّه
_________________
(١) فتصرفه يدل على أنه فعل، ولأنه يقال: "حاشا لزيد"، فحرف الجر لا يجوز أن يدخل على حرف الجر، ولأن الحذف يدخلها، كقولهم: حاش لزيد، والحذف لا يكون في الحرف". وقلت: إن المصنف اختار مذهب سيبويه، وأناب الحرف مناب المصدر، كما أنهم أمالوا "بلى" و"يا"، مع أن الحروف لا تمال، لأنها أشبهت الجملة في الاستقلال، فكأنها من قبيل الأفعال، وينصره قول المفسرين: معناه: معاذ الله، كما نقله الزجاج. وقال المالكي: والتزم سيبويه فعلية "عدا"، وحرفية "حاشا"، فإن وليها مجرور باللام لم تتعين فعليتها خلافًا للمبرد، بل اسميتها لجواز تنوينها. وقلت: سبق في أول البقرة بيان مجازها. قوله: (وقرئ: "حاش لله")، قال ابن جني: "وهي قراءة الحسن- بخلاف-، وفيه ضعف من وجهين: أحدهما: التقاء الساكنين الألف والشين، وليست الشين مدغمة. والآخر: إسكان الشين بعد حرف الألف، ولا موجب لذلك. وطريقه في الحذف: أنه لما حذف الألف تخفيفًا أتبع ذلك الفتحة؛ إذ كانت كالعرض اللاحق مع الألف، فصارت كالتكرير في الراء، والتفشي في الشين، والصفير في الصاد والسين، والإطباق في الصاد والضاد والطاء والظاء، ومتى حذفت حرفًا من هذه الحروف ذهب معه ما يصحبه من التكرير والصفير والإطباق".
[ ٨ / ٣٢١ ]
وقرئ: "حاشا الإله".
فإن قلت: فلم جاز في حاشا لله أن لا ينوّن بعد إجرائه مجرى: براءة لله؟ قلت: مراعاة لأصله الذي هو الحرفية. ألا ترى إلى قولهم: جلست من عن يمينه، كيف تركوا «عن» غير معرب على أصله؟ وعلى في قوله:
غدت من عليه
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "حاشا الإله")، قال ابن جني: "وهي أيضًا قراءة الحسن، هو كقولك: حاشا الرب، وحاشا المعبود". قوله: (جلست من عن يمينه)، أي: ناحية يمينه. قوله: (غدت من عليه)، [تمامه]: غدت من عليه تنفض الطل بعدما … رأت حاجب الشمس استوى فترفعا ويروى: غدت من عليه بعدما تم ظمؤها … تصل وعن قيض ببيداء مجهل
[ ٨ / ٣٢٢ ]
منقلب الألف إلى الياء مع الضمير؟
والمعنى: تنزيه الله تعالى من صفات العجز، والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله. وأما قوله (حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) [يوسف: ٥١] فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله (ما هذا بَشَرًا) نفين عنه البشرية لغرابة جماله ومباعدة حسنه، لما عليه محاسن الصور، وأثبتن له الملكية وبتتن بها الحكم، وذلك لأن الله ﷿ ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان، ولذلك يشبه كل متناهٍ في الحسن والقبح بهما، وما ركز ذلك فيها إلا لأنّ الحقيقة كذلك، كما ركز في الطباع أن لا أدخل في الشر من الشياطين، ولا أجمع للخير من الملائكة، إلا ما عليه الفئة الخاسئة المجبرة من تفضيل الإنسان على الملك، وما هو إلا من تعكيسهم للحقائق، وجحودهم للعلوم الضرورية، ومكابرتهم في كل باب،
_________________
(١) يصف قطاة، واستعار الطمء لها، وهو للإبل خاصة، "تصل": أي: يصوت جوفها من شدة العطش، و"عن قيض": أي: ومن عن قيض، وهو القشر الأعلى من البيض. قوله: (منقلب الألف)، أي: ألا ترى إلى "على"- في قول الشاعر- منقلب الألف إلى الياء مع الضمير، وقلب الألف ياء لا يكون إلا في الحرف. قوله: (وبتتن بها الحكم)، يعني: نفين عنه البشرية بـ "ما"، ثم أثبتن له الملكية بـ "إلا"، وهما في الحصر أصل، وبهما يقطع الحكم. قوله: (إلا ما عليه الفئة الخاسئة المجبرة من تفضيل الإنسان على الملك)، الانتصاف:
[ ٨ / ٣٢٣ ]
وإعمال «ما» عمل «ليس» هي اللغة القدمى الحجازية وبها ورد القرآن. ومنها قوله تعالى (ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ) [المجادلة: ٢]،
_________________
(١) "أكثر السفاهة، وحسب أن هذه المسألة من الضروريات، وقنع في ذلك بأنه ركز في الطباع، والمراد ها هنا طباع النساء وميلها إلى الشهوات وإيثار العاجلة". الإنصاف: "الآية دلت- إن صح كلام النسوة- على أن الملك أجمل وأحسن من البشر، وليس الخلاف إلا في أيهما أفضل، ولا يلزم من كونه أجمل أن يكون أفضل". قال الإمام: "الأولى أن يكون هذا التشبيه واقعًا في نفي دواعي الشهوة والحرص على طلب المشتهى، وإثبات ضد ذلك، وهو غض البصر وقمع النفس عن الميل إلى المحرمات، بدليل قولهن: (إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)، سلمنا لكن تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال لا في السيرة، لأن ظهور عذرها في شدة عشقها، إنما يحصل بسبب فرط يوسف في الجمال، فلم قلتم: إن ذلك يوجب المزيد في الفضل، بمعنى: كثرة الثواب". قلت: ويؤيد هذا قول المصنف في: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ): "قلن ذلك رفعًا لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به، ولذلك أوثر (بَشَرًا) على "إنسانًا"، لأن البشر مأخوذ من البشرة، ومن هنا سميت البشارة بشارة، لأنها أخبار تبسط بشرة الوجه بسبب انتشار الدم فيه، ولو قيل: إنسانًا لكان نفيًا للإنسانية، وكان كلامًا في المعنى، ولزم من ذلك الفضل المطلوب، فملا نفيت عنه البشرية علم أن المنفي كمال حسن المنظر والطلعة البهية. قال الراغب: "الإنسان أوجد لأن يعلم ويعمل بحسبه، فكل إنسان لم يوجد كاملًا لما خلق له لم يستحق اسمه عليه مطلقًا، بل قد ينفى عنه، كقولهم: ليس بإنسان، أي: لا يوجد
[ ٨ / ٣٢٤ ]
ومن قرأ على سليقته من بني تميم، قرأ «بشر» بالرفع. وهي في قراءة ابن مسعود. وقرئ: "ما هذا بِشرًى"، أي: ما هو بعبدٍ مملوكٍ لئيم (إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) تقول هذا بشرًى، أي: حاصل بشرى، بمعنى: هذا مشترى. وتقول: هذا لك بشرى أم بِكرى؟ والقراءة هي الأولى، لموافقتها المصحف، ومطابقة "بشرٍ" لـ"ملك".
(قالَتْ فَذلِكُنَّ) ولم تقل فهذا وهو حاضر، رفعًا لمنزلته في الحُسن، واستحقاق أن يحب ويفتتن به، وربأً بحاله واستبعادًا لمحله. ويجوز أن يكون إشارةً إلى المعنىّ بقولهنّ: عشقت عبدها الكنعاني. تقول: هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكنّ، ثم لمتنني فيه. تعني: أنكن لم تصوّرنه بحق صورته، ولو صوّرتنه بما عاينتن لعذرتننى في الافتنان به.
الاستعصام: بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد،
_________________
(١) فيه المعنى الذي خلق لأجله". قوله: (سليقته)، الجوهري: "السليقة: الطبيعة، يقال: فلان يتكلم بالسليقة؛ أي: بالطبع لا عن تعلم". قوله: (ما هذا بشرى)، قال ابن جني: "هي قراءة الحسن وأبي الحويرث"، وقال الزجاج: "هذه القراءة ليست بشيء، لأن مثل "بشرى" يكتب في المصحف بالياء، وقولهن: (إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) مطابق في اللفظ لـ (بَشَرًا) ". قوله: (وربأ بحاله)، الجوهري: "يقال: إني لأربأ بك عن هذا الأمر؛ أيك أرفعك عنه".
[ ٨ / ٣٢٥ ]
كأنه في عصمةٍ وهو يجتهد في الاستزادة منها. ونحوه: استمسك، واستوسع الفتق، واستجمع الرأي، واستفحل الخطب. وهذا بيانٌ لما كان من يوسف ﵇ لا مزيد عليه، وبرهان لا شيء أنور منه، على أنه بريءٌ مما أضاف إليه أهل الحشو مما فسروا به الهمّ والبرهان.
فإن قلت: الضمير في (آمُرُهُ) راجع إلى الموصول أم إلى يوسف؟ قلت: بل إلى الموصول. والمعنى: ما آمر به، فحذف الجار كما في قولك: أمرتك الخير، ويجوز أن تجعل «ما» مصدرية، فيرجع إلى يوسف. ومعناه: ولئن لم يفعل أمرى إياه، أي: موجب أمري ومقتضاه.
قرئ (وَلَيَكُونًا) بالتشديد والتخفيف. والتخفيف أولى، لأنّ النون كتبت في المصحف ألفًا على حكم الوقف، وذلك لا يكون إلا في الخفيفة.
_________________
(١) قوله: (بل إلى الموصول)، أي: لا يرجع إلى يوسف، بل إلى الموصول، لأنه لو عاد إلى يوسف بقي الموصول بلا عائد، أو يلزم حذف الجار مع المجرور. وقال نور الدين الحكيم: بل الأولى أن يكون راجعًا إلى يوسف، والراجع إلى الموصول حذف بعدما نصب بنزع خافضه، كما قرر في قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) [الحجر: ٩٤]، حذف هناك كما استكن ها هنا. قوله: «وَلِيَكُونَا) بالتشديد والتخفيف)، التخفيف هو المشهور، والتشديد شاذ، قال الزجاج: "القراءة الجيدة التخفيف، والوقف عليها بالألف، لأن النون الخفيفة تبدل منها في الوقف الألف، تقول: اضربن زيدًا، فإذا وقفت قلت: اضربا، وقرئت بالتشديد وأكرهها لخلاف المصحف، لأن النون الشديدة لا يبدل منها شيء".
[ ٨ / ٣٢٦ ]
[(قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ* فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)].
وقرئ "السِّجْنُ" بالفتح، على المصدر. وقال (يَدْعُونَنِي) على إسناد الدعوة إليهنّ جميعًا، لأنهنّ تنصحن له وزيّن له مطاوعتها، وقلن له: إياك وإلقاء نفسك في السجن والصغار، فالتجأ إلى ربه عند ذلك وقال: (ربِّ) نزولُ السجن (أحبّ إلي) من ركوب المعصية.
_________________
(١) قوله: (يَدْعُونَنِي) على إسناد الدعوة إليهن جميعًا)، فالنون: ضمير جماعة النساء، ووزنه: "يفعلن"، وهذه الصيغة يشترك فيها النساء كما نحن فيه، والرجال كما في قول مؤمن آل فرعون: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ) [غافر: ٤١]، قالوا: وفي المذكر ضميرهم، والنون علم الرفع، والواو في المؤنث لام الفعل، والنون ضميرهن. ذكر نحوه في قوله تعالى: (إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) [البقرة: ٢٣٧]. قوله: (تنصحن له)، تنصح: أي: تشبه بالنصحاء، وتكلف أن يكون ناصحًا. قوله: (فالتجأ إلى ربه عند ذلك، وقال: رب نزول السجن أحب إلي من ركوب المعصية)، وخوف الفضيحة التي يختار عندها الحمام، كما قالت مريم: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) [مريم: ٢٣]. روى السجاوندي وصاحب "الإيجاز": علق بعض نساء المدينة من صميم شرفها
[ ٨ / ٣٢٧ ]
فإن قلت: نزول السجن مشقة على النفس شديدة، وما دعونه إليه لذة عظيمة، فكيف كانت المشقة أحبّ إليه من اللذة؟ قلت: كانت أحبّ إليه وآثر عنده نظرًا في حسن الصبر على احتمالها لوجه الله،
_________________
(١) وحسنات دهرها سليمان بن يسار، ودخلت عليه من كل مدخل، دخلت عليه مستفتية، وقالت: لئن لم تفعل ما آمرك لأصيحن ولأشهرنك، فسكتها، ثم خرج من المدينة، وجلا وطنه فرارًا من المعصية، فرأى يوسف في المنام، فقال له: أنت يوسف ﵇؟ قال: نعم، أنا يوسف الذي هممت، وأنت سليمان الذي لم تهم. قوله: (كانت أحب إليه وآثر عنده نظرًا في حسن الصبر)، قال القاضي: "وقيل: إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا، وإنما كان الأولى به أن يسأل الله العافية، ولذلك رد رسول الله ﷺ على من كان يسأل الصبر"، روينا عن الترمذي عن معاذ، سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: اللهم إني أسألك الصبر، قال: "سألت الله البلاء، فاسأله العافية"، وعنه عن عبد الله ابن مسعود قال رسول الله ﷺ: "سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أني سأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج". وقال الإمام: "إنه ﵇ إنما أجاب بهذا قولها: (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ)،
[ ٨ / ٣٢٨ ]
وفي قبح المعصية، وفي عاقبة كل واحدة منهما، لا نظرًا في مشتهى النفس ومكروهها (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ) فزعٌ منه إلى ألطاف الله وعصمته، كعادة الأنبياء والصالحين فيما عزم عليه ووطن عليه نفسه من الصبر، لا أن يطلب منه الإجبار على التعفف والإلجاء إليه (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) أمل إليهنّ
_________________
(١) وتقديره: إذا كان لابد من الإلزام بأحد الأمرين- أعني: الزنى أو السجن-، فهذا أولى، لأنه متى وجب إلزام أحد قسمين؛ كل واحد منهما شر، فأخفهما أولى بالتحمل". قوله: «وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ) فزع منه إلى ألطاف الله وعصمته)، التقدير: وإن لم تصرف عني كيدهن في تحبيب ذلك إلي وتحسينه عندي بالتثبيت على العصمة، (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) أمل إلى إجابتهن بطبعي ومقتضى شهوتي. قال الإمام: "كان قد حصل جميع الأسباب المرغبة إلى إجابة دواعي الشهوة، من المال والجاه والتمتع بالمنكوح، وحصل في الإعراض عنها جميع الأسباب المنفرة، فالتجأ إلى الله تعالى في طلب ترجيح دواعي الحكمة على الشهوة"، قال: "واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإنسان لا ينصرف عن المعصية إلا إذا صرفه الله تعالى، وإن لم يصرفه فقد وقع فيها"، ومن هذا فر المصنف، وقال: "فزع منه إلى ألطاف الله وعصمته، لا أن يطلب منه الإجبار على التعفف"، ولا يخفى ضعفه. قوله: «أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) أمل إليهن)، الراغب: "الصبي: من لم يبلغ الحلم، ورجل مصب: ذو صبيان، وصبا فلان صبوًا وصبوة: إذا نزع واشتاق وفعل فعل الصبيان، قال تعالى: (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ)، وأصباني فصبوت".
[ ٨ / ٣٢٩ ]
والصبوة: الميل إلى الهوى. ومنها: الصبا، لأنّ النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها. وقرئ: أصب إليهنّ، من الصبابة.
(مِنَ الْجاهِلِينَ) من الذين لا يعملون بما يعلمون، لأنّ من لا جدوى لعلمه فهو ومن لا يعلم سواء. أو من السفهاء، لأنّ الحكيم لا يفعل القبيح. وإنما ذكر الاستجابة ولم يتقدّم الدعاء، لأنّ قوله (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي) فيه معنى طلب الصرف والدعاء باللطف (السَّمِيعُ) لدعوات الملتجئين إليه (الْعَلِيمُ) بأحوالهم وما يصلحهم.
[(ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)].
(بَدا لَهُمْ) فاعله مضمر، لدلالة ما يفسره عليه وهو: (ليسجننه)، والمعنى: بدا لهم بداء، أي: ظهر لهم رأي (ليسجننه)، والضمير في (لَهُمْ) للعزيز وأهله، (مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ) وهي الشواهد على براءته، وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها، وفتلها منه في الذروة والغارب،
_________________
(١) قوله: «الْأَيَاتِ) وهي الشواهد على براءته)، قال القاضي: "كشهادة الصبي، وقد القميص، وقطع النساء أيديهن، واستعصامه عنهن". قوله: (ياستنزال المرأة لزوجها)، وهي كناية عن الحيلة، ولهذا صرح بذكر المرأة والزوج، أي: المكيدة التي تجري بين المرأة زوجها من استنزاله من رأيه الصائب إلى ما أرادت، وفيه معنى التدرج، كما جاء في المثل الآتي بعده، الأساس: "ومن المجاز: استنزلته من رأيه". قوله: (وفتلها منه في الذروة والغارب)، مثل في الخداع، لأن رائض الصعبة إذا أراد رياضتها مسح سنامها وذروتها.
[ ٨ / ٣٣٠ ]
وكان مطواعةً لها وجملًا ذلولًا، زمامه في يدها، حتى أنساه ذلك ما عاين من الآيات وعمل برأيها في سجنه وإلحاق الصغار به كما أو عدته به، وذلك لما أيست من طاعته لها، أو لطمعها في أن يذلله السجن ويسخره لها. وفي قراءة الحسن: "لتسجننه" بالتاء على الخطاب؛ خاطب به بعضهم العزيز ومن يليه، أو العزيز وحده على وجه التعظيم.
(حَتَّى حِينٍ) إلى زمان، كأنها اقترحت أن يسجن زمانًا حتى تبصر ما يكون منه. وفي قراءة ابن مسعود: "عتى حين"، وهي لغة هذيل. وعن عمر ﵁: أنه سمع رجلًا يقرأ «عتى حين» فقال: من أقرأك؟ قال:
ابن مسعود. فكتب إليه: "إن الله أنزل هذا القرآن فجعله عربيا وأنزله بلغة قريش، فأقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام".
[(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَاسِي خُبْزًا تَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَاوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)].
_________________
(١) قوله: (مطواعة)، المطواعة: بناء مبالغة، والهاء على تأويل النفس، كالهلباجة للأحمق. الأساس: "يقال: هو مطيع ومطواع ومطواعة، قال: إذا سدته سدت مطواعة … ومهما وكلت إليه كفاه".
[ ٨ / ٣٣١ ]
«مع» يدل على معنى الصحبة واستحداثها. تقول: خرجت مع الأمير، تريد مصاحبا له، فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له.
(فَتَيانِ) عبدان للملك؛ خبازه وشرابيه، رقي إليه أنهما يسمانه، فأمر بهما إلى السجن، فأدخلا ساعة أدخل يوسف ﵇ (إِنِّي أَرانِي) يعني في المنام، وهي حكاية حال ماضية (أَعْصِرُ خَمْرًا) يعني عنبًا، تسمية للعنب بما يؤول إليه. وقيل: الخمر - بلغة عمان-: اسم للعنب.
_________________
(١) "سدته"؛ أي: اخترته للسيادة. قوله: ("مع" يدل على معنى الصحبة واستحداثها)، فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له، قيل: ينتقض هذا بقوله: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ) [النمل: ٤٤]، فيقال: لا ينتقض، بل يحمل ذلك على التخصيص للصارف، يدل عليه قول المصنف في قوله تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) [الصافات: ١٠٢]: "لا يصح تعليقه بـ (بلغ)، لاقتضائه بلوغهما حد السعي معًا، ولا بـ (السَّعْيَ)، لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، فيكون بيانًا، كأنه لما قال: فلما بلغ السعي، أي: الحد الذي يقدر فيه على السعي، قيل: مع من؟ قال: مع أبيه". فـ "مع" ها هنا جار على الحقيقة، حال من فاعل "دخل"، وقيد للفعل، فيكون حدوثها مع حدوث الفعل، ولا صارف من الحمل على الحقيقة، فوجب حمله عليها. قوله: (رقي إليه)، الجوهري: "رقى عليه كلامًا ترقية: إذا رفع". قوله: (بلغة عمان)، النهاية: "عمان- بفتح العين وتشديد الميم-: مدينة قديمة بالشام من أرض البلقاء، فأما بالضم والتخفيف: فهو صقع عند البحرين، وله ذكر في الحديث".
[ ٨ / ٣٣٢ ]
وفي قراءة ابن مسعود: "أعصر عنبًا" (مِنَ الْمُحْسِنِينَ) من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، أي: يجيدونها، رأياه يقصّ عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤوّلها له، فقالا له ذلك. أو: من العلماء، لأنهما سمعاه يذكر للناس ما علما به أنه عالم. أو من المحسنين إلى أهل السجن. فأحسن إلينا بأن تفرّج عنا الغمة بتأويل ما رأينا إن كانت لك يد في تأويل الرؤيا. روي أنه كان إذا مرض رجل منهم قام عليه، وإذا أضاق وسع له، وإذا احتاج جمع له
_________________
(١) قوله: (من الذين يحسنون عبارة الرؤيا)، قال الزجاج: "فيه أن أمر الرؤيا صحيح، وأن منها ما يصح، ومن دفعه فليس بمسلم، لأنه يدفع القرآن والسنة، روي عن النبي ﷺ: أن "الرؤيا جزء من أربعين جزءًا من النبوة"، وتأويله: أن الأنبياء يخبرون بما سيكون، والرؤيا تدل على ما سيكون". قوله: (إن كانت لك يد في تأويل الرؤيا)، وإنما قيد في هذا الوجه بالشرط، لأنهما حينئذ ما رأياه يقص عليه أحد رؤياه، وهو يؤولها، ولا سمعاه يذكر للناس ما علما به أنه عالم، بل أطلقا قولهما: (مِنَ الْمُحْسِنِينَ) فراسة، فناسب لذلك التعليق. قوله: (وإذا أضاق أوسع له)، الأساس: "ومن المجاز: وأصابته ضيقة: فقر، وقد أضاق إضاقة، ورجل مضيق".
[ ٨ / ٣٣٣ ]
وعن قتادة: كان في السجن ناسٌ قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم، فجعل يقول: أبشروا. اصبروا تؤجروا، إنّ لهذا لأجرًا، فقالوا: بارك الله عليك ما أحسن وجهك! وما أحسن خلقك! لقد بورك لنا في جوارك، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف ابن صفيّ الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحاق ابن خليل الله إبراهيم، فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك، ولكني أحسن جوارك، فكن في أي بيوت السجن شئت. وروي أن الفتيين قالا له إنا لنحبك من حين رأيناك، فقال: أنشدكما بالله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل عليّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ من حبها بلاء، ثم أحبنى أبي فدخل عليّ من حبه بلاء، ثم أحبتني زوجة صاحبي فدخل عليّ من حبها بلاء، فلا تحباني بارك الله فيكما.
وعن الشعبي أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: إني أراني في بستان، فإذا بأصل حبلةٍ عليها ثلاثة عناقيد من عنب، فقطفتها وعصرتها في كأس الملك، وسقيته. وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها. فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله (نَبِّئْنا بِتَاوِيلِهِ)؟
_________________
(١) قوله: (إنهما تحالما له)، النهاية: "تحلم: إذا ادعى الرؤيا كاذبًا، ومنه الحديث: (من تحلم فقد كلف أن يعقد بين شعيرتين) ". قوله: (بأصل حبلة)، النهاية: "الحبلة- بفتح الحاء والباء، وربما سكنت-: الأصل والقضيب من شجر الأعناب"، وكذا في "الصحاح"، وفي "المغرب" بالفتح لا غير. قوله: (تنهش منها)، الأساس: "نهش اللحم وانتهشه: أخذه بمقدم فيه".
[ ٨ / ٣٣٤ ]
قلت: إلى ما قصا عليه، والضمير يجرى مجرى اسم الإشارة في نحوه كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك.
[(قالَ لا يَاتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّاتُكُما بِتَاوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ* وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ)].
لما استعبراه ووصفاه بالإحسان، افترص ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء، وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما، ويقول: اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت، فيجدانه كما أخبرهما، وجعل ذلك تخلصًا إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما، ويقبح إليهما الشرك بالله، وهذه طريقة على كل ذى علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة، إذا استفتاه واحد منهم أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة والنصيحة أولًا، ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجب عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه بعد ذلك، فيه أنّ العالم إذا جهلت منزلته في العلم،
_________________
(١) قوله: (ووصفاه بالإحسان)، أي: بقوله: (إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ)، أي: من العلماء، الجوهري: "هو يحسن الشيء؛ أي: يعلمه"، وذلك أنهما سمعا يوسف يذكر للناس ما يعلم منه أنه عالم، فلما سمع يوسف هذا وصل به قوله: (لا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ) إلى آخره؛ ليريهم أن علمه فوق ما يعلمه العلماء. قوله: (وجعل ذلك تخلصًا إلى أن يذكر لهما التوحيد)، أي: جعل وصف نفسه بالعلم الفائق وسيلة إلى ذكر التوحيد، وذلك أن الجواب عن فتواهم هو قوله: (يَا صَاحِبَيِ
[ ٨ / ٣٣٥ ]
فوصف نفسه بما هو بصدده، وغرضه أن يقتبس منه وينتفع به في الدين، لم يكن من باب التزكية.
(بِتَاوِيلِهِ) ببيان ماهيته وكيفيته، لأنّ ذلك بشبه تفسير المشكل والإعراب عن معناه.
_________________
(١) السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا) الآية، لكن قدم عليه مقدمة الدعوة إلى التوحيد، لأنها أول ما يجب على الأنبياء، وبها بعثوا، ولها أمروا، فجعل قوله: (لا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ) إلى قوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) مخلصًا إلى قوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ)، والمخلص: هو الرابطة بين الكلامين الأجنبيين، فتعلقه بالجواب من حيث إن تأويل الأحاديث من المغيبات وهنا كالمقدمة له ليوطن أنفسهما لقبول ما يرد بعده من الجواب وجعله مخلصًا لمطلوبه وإيذانًا بأن العلم بالمغيبات من المواهب التي اختصها الله بالمرتضين من الرسل، والمخلصين من عباده، وجعلت ذريعة إلى الشروع في إثبات التوحيد، ونفي الشرك عن نفسه، على سبيل الاستدراج وإرخاء العنان، لئلا يلبس له جلد النمر إذا ابتدأ بقوله: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ). وأدمج في المقدمة الرخصة في تزكية النفس عند الاحتياج، يدل عليه قوله: "وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم، فوصف نفسه بما هو بصدده، لم يكن من باب التزكية". ففي الجواب التخلص إلى توخي المطلوب من إثبات التوحيد والنبوة، والاستدراج إلى إسماع الحق، والإدماج لمعنى التزكية. قوله: «بِتَاوِيلِهِ) ببيان ماهيته وكيفيته)، النهاية: "التأويل: من: آل الشيء يؤول
[ ٨ / ٣٣٦ ]
(ذلِكُما) إشارة لهما إلى التأويل، أي: ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات (مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) وأوحى به إليّ ولم أقله عن تكهن وتنجم (إِنِّي تَرَكْتُ) يجوز أن يكون كلامًا مبتدأ، وأن يكون تعليلًا لما قبله. أي: علمني ذلك وأوحي إليّ، لأني رفضت ملة أولئك واتبعت ملة الأنبياء المذكورين وهي الملة الحنيفية، وأراد بأولئك الذين لا يؤمنون: أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم، وتكريرهم للدلالة على أنهم خصوصًا كافرون بالآخرة، وأنّ غيرهم كانوا قومًا مؤمنين بها، وهم الذين على ملة إبراهيم، ولتوكيد كفرهم بالجزاء تنبيهًا على ما هم عليه من الظلم والكبائر التي لا يرتكبها إلا من هو كافر بدار الجزاء.
_________________
(١) ـ إلى كذا؛ أي: رجع وصار إليه، وتأويل الآية: نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل، لولاه ما ترك ظاهر اللفظ". الأساس: "أول الحكم إلى أهله: رده إليهم، ومن المجاز: يقال: لا تعول على الحسب تعويلًا، فالتقوى أحسن تأويلًا؛ أي: عاقبة". والمراد ها هنا المجاز، يعني: إذا أخبرتكما بحقيقة ما يحمل إليكما من الطعام، ثم تجدانه كما أخبرتكما، فقد أنبأتكما بعاقبة ذلك، فهذا التأويل ليس من نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى الدليل، بل يشبه بيان المجمل والمشكل الذي يحتاج إلى تفصيله وكشفه، وذلك أن صاحبي السجن كانا يعلمان على الإجمال ما يحمل إليهما من الطعام، لكن ماهية ذلك الطعام وكيفيته لم تكن عندهم، فإذا بين ذلك لهما فقد فسر المبهم، وإليه الإشارة بقوله: "لأن ذلك يشبه تفسير المشكل". قوله: (ولتوكيد كفرهم بالجزاء)، معطوف على "للدلالة على أنهم" يعني: في تكرير ضميرهم وتقديمه على (كَافِرُونَ) دلالة على الاختصاص والتوكيد، فالتخصيص من التقديم، والتوكيد من التكرير، وقد أشار في تركيبه إلى ذلك بقوله: "إن غيرهم قوم مؤمنون بها"، ثم قوله: "وهم الذين على ملة إبراهيم": دل على التخصيص والتوكيد، وقوله: "للدلالة
[ ٨ / ٣٣٧ ]
ويجوز أن يكون فيه تعريض بما مُني به من جهتهم حين أودعوه السجن، بعد ما رأوا الآيات الشاهدة على براءته، وأنّ ذلك ما لا يقدم عليه إلا من هو شديد الكفر بالجزاء وذكر آباءه ليريهما أنه من بيت النبوّة بعد أن عرّفهما أنه نبىّ يوحى إليه، بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوى رغبتهما في الاستماع إليه واتباع قوله.
(ما كانَ لَنا) ما صحّ لنا معشر الأنبياء (أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ) أي: شيء كان من ملك أو جنيّ أو إنسيّ، فضلًا أن نشرك به صنمًا لا يسمع ولا يبصر، ثم قال (ذلِكَ) التوحيد (مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ) أي: على الرسل وعلى المرسل إليهم، لأنهم نبهوهم عليه وأرشدوهم إليه (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) المبعوث إليهم (لا يَشْكُرُونَ) فضل الله فيشركون ولا يتنبهون.
وقيل: إنَّ ذلك من فضل الله علينا لأنه نصب لنا الأدلة التي ننظر فيها ونستدلّ بها. وقد نصب مثل تلك الأدلة لسائر الناس من غير تفاوت، ولكن أكثر الناس لا ينظرون ولا يستدلون اتباعا لأهوائهم، فيبقون كافرين غير شاكرين.
_________________
(١) على أنهم خصوصًا كافرون بالآخرة"، ثم قوله: "ولتوكيد كفرهم بالجزاء": دل على ما دل ذلك. قوله: (تعريض بما مني به)، أي: قدر له. النهاية: "يقال: منى الله عليك خيرًا يمني منيًا، ومنه سميت المنية، لأنها مقدرة بوقت مخصوص"، يعنيك تركت ملة قوم فعلوا بي ما فعلوا بعدما رأوا الآيات، ومن ثم قال: "وإن ذلك مالا يقدم عليه إلا من هو شديد الكفر بالجزاء". قوله: (وقيل: إن ذلك من فضل الله)، أي: عدم صحة الإشراك منا معاشر الأنبياء من فضل الله تعالى، لأنه نصب الأدلة التي ينظر فيها ويستدل بها، فالمشار إليه مضمون الكلام الدال على التوحيد، و"فضل الله" على الأول: سمعي؛ لقوله: "نبهوهم عليه وأرشدوهم إليه"، وعلى الثاني: عقلي؛ لقوله: "نصب لنا الأدلة".
[ ٨ / ٣٣٨ ]
[(يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ* ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)].
(يا صاحِبَيِ السِّجْنِ) يريد: يا صاحبيَّ في السجن، فأضافهما إلى السجن كما تقول: يا سارق الليلة، فكما أن الليلة مسروق فيها غير مسروقة، فكذلك السجن مصحوب فيه غير مصحوب، وإنما المصحوب غيره وهو يوسف ﵇، ونحوه قولك لصاحبيك: يا صاحبي الصدق فتضيفهما إلى الصدق،
_________________
(١) قوله: (فكذلك السجن مصحوب فيه غير مصحوب)، الراغب: "الصاحب: الملازم؛ إنسانًا كان أو حيوانًا، مكانًا كان أو زمانًا، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن، وهو الأصل والأكثر، أو بالعناية والهمة، وعلى هذا قال: لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي ولا يقال في العرف إلا لمن كثر ملازمته، ويقال لمالك الشيء: هو صاحبه، وكذلك لمن يملك التصرف فيه، قال تعالى: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: ٤٠]، (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) [الكهف: ٣٧]، والإصحاب للشيء: الانقياد له، وأصله: أن يصير له صاحبًا، ويقال: وأصحب فلان فلانًا: جعله صاحبًا له".
[ ٨ / ٣٣٩ ]
ولا تريد أنهما صحبا الصدق، ولكن كما تقول: رجلًا صدق، وسميتهما صاحبين لأنهما صحباك. ويجوز أن يريد: يا ساكني السجن، كقوله: (أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ) [الحشر: ٢٠].
(مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ) يريد التفرّق في العدد والتكاثر. يقول أأن تكون لكما أربابٌ شتى، يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا (خَيْرٌ) لكما (أَمِ) أن يكون لكما ربٌّ واحد قهار لا يغالب ولا يشارك في الربوبية، بل هو (الْقَهَّارُ) الغالب، وهذا مثل ضربه لعبادة الله وحده ولعبادة الأصنام.
_________________
(١) قوله: (كما تقول: رجلا صدق)، يعني: كما دل الإضافة بمعنى اللام على أن الصدق مالكهما مبالغة، والأصل: رجلان صادقان، كذلك إضافة "صاحبي" إلى "الصدق"، والمراد: صدقتما في صحبتي، أي: بذلتما مجهودكما في حقي، وفعلتما ما يوجبه حق الصحبة. الراغب: "الصدق: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معًا، ويستعمل في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد؛ نحو: صدق ظني، وفي فعل الجوارح؛ نحو: صدق في القتال: إذا وفى حقه، وفعل ما يجب في القتال". قوله: (وهذا مثل ربه لعبادة الله تعالى)، فيه إشكال؛ لأن الظاهر نفي استواء الأصنام وعبادتها بالله تعالى وبعبادته، فأين المثل؟ ! لكن التقدير: أسادات شتى تستعبد مملوكًا واحدًا إلى عبادتها خير من سيد واحد قهار، فوضع موضع "الرب السيد": (اللهُ)؛ لكونه مقابلًا لقوله: (أَأَرْبَابٌ)، كقوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا) [الزمر: ٢٩].
[ ٨ / ٣٤٠ ]
(ما تَعْبُدُونَ) خطابٌ لهما ولمن على دينهما من أهل مصر (إِلَّا أَسْماءً) يعني أنكم سميتم ما لا يستحق الإلهية آلهةً، ثم طفقتم تعبدونها، فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء فارغة لا مسميات تحتها. ومعنى (سَمَّيْتُمُوها) سميتم بها. يقال: سميته بزيد، وسميته زيدًا (ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها) أي: بتسميتها (مِنْ سُلْطانٍ) من حجة (إِنِ الْحُكْمُ) في أمر العبادة والدين (إِلَّا لِلَّهِ) ثم بين ما حكم به فقال: (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) الثابت الذي دلت عليه البراهين.
[(يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَاسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ)].
(أَمَّا أَحَدُكُما) يريد الشرابي (فَيَسْقِي رَبَّهُ) سيده. وقرأ عكرمة: "فيسقى ربه" أي: يسقى ما يروى به على البناء للمفعول. روي أنه قال للأوّل: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضى في السجن، ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه، وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتقتل (قُضِيَ الْأَمْرُ) قطع وتم ما (تَسْتَفْتِيانِ) فيه من أمر كما وشأنكما.
فإن قلت: ما استفتيا في أمر واحد، بل في أمرين مختلفين، فما وجه التوحيد؟ قلت: المراد بالأمر ما اتهما به من سمّ الملك وما سجنا من أجله،
_________________
(١) قوله: (لا مسميات تحتها)، صح بالكسر، وهو مبني على ما ينصب به، وعند الأخفش: مبني على الفتح. قوله: (المراد بالأمر: ما اتهما به من سم الملك)، إشارة إلى قوله تعالى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) [يوسف: ٣٦] الآية، وتفسيره له: "دخل معه السجن عبدان للملك، رقي إليه أنهما يسمانه، فأمر بهما إلى السجن" إلى آخره، كأنهما حين عرضا المنامين عليه طلبا منه تنزيلهما على شأنهما وقصتهما من التهمة، وإيقاعهما
[ ٨ / ٣٤١ ]
وظنا أنّ ما رأياه في معنى ما نزل بهما، فكأنهما كانا يستفتيانه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك، فقال لهما: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)، أي: ما يجرّ إليه من العاقبة، وهي هلاك أحدهما ونجاة الآخر. وقيل: جحدا وقالا: ما رأينا شيئًا، على ما روي أنهما تحالما له، فأخبرهما أن ذلك كائن صدقتما أو كذبتما.
[(وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ)].
(ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ) الظانّ هو يوسف إن كان تأويله بطريق الاجتهاد، وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي، ويكون الظنّ بمعنى اليقين (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) صفني عند الملك بصفتي، وقص عليه قصتي،
_________________
(١) السجن لها، وهل لهما الخلاص من ذلك في العاقبة، فالأمر والشأن هو مجموع هذه الاعتبارات وزبدتها وخلاصتها، ولذلك عاد في بيانه بقوله: "أي: ما يجر إليه من العاقبة" إلى آخره. قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: المراد بـ "الأمر": "التأويل" في قوله: (نَبِّئْنَا بِتَاوِيلِهِ)، وعبارة الرؤيا واحدة، وإن تعددت، وما ذكر لا يوافق ما قيل من أنهما تحالما ليمتحناه، وهو قوله: "وظنا أن ما رأياه في معنى ما نزل بهما". وقلت: هو ما عنى بـ "الأمر" إلا "التأويل" الذي هو بمعنى العاقبة، كما سبق أنه ذكر في "الأساس": "لا تعول على الحسب تعويلًا، فالتقوى أحسن تأويلًا، أي: عاقبة"، ألا ترى إلى قوله في الجواب الأول: "أي: ما يجر إليه من العاقبة"، وفي الثاني: "أن ذلك كائن"، والمشار إليه هو قوله: "هلاك أحدهما ونجاة الآخر"، وهو تفسير لقوله: "ما يجر إليه من العاقبة".
[ ٨ / ٣٤٢ ]
لعله يرحمني وينتاشني من هذه الورطة (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ) فأنسى الشرابي (ذِكْرَ رَبِّهِ) أن يذكره لربه. وقيل فأُنسي يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره (بِضْعَ سِنِينَ) البضع: ما بين الثلاث إلى التسع، وأكثر الأقاويل على أنه لبث فيه سبع سنين.
فإن قلت: كيف يقدر الشيطان على الإنسان؟ قلت: يوسوس إلى العبد بما يشغله عن الشيء من أسباب النسيان، حتى يذهب عنه ويزل عن قلبه ذكره، وأما الإنساء ابتداءً فلا يقدر عليه إلا الله ﷿ (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها) [البقرة: ١٠٦].
فإن قلت: ما وجه إضافة "الذكر" إلى "ربه" إذا أريد به الملك؟ وما هي بإضافة المصدر إلى الفاعل ولا إلى المفعول؟ قلت: قد لابسه في قولك: فأنساه الشيطان ذكر ربه، أو عند ربه فجازت إضافته إليه، لأنّ الإضافة تكون بأدنى ملابسة. أو على تقدير: فأنساه الشيطان ذكر أخبار ربه، فحذف المضاف الذي هو الإخبار.
فإن قلت: لم أنكر على يوسف الاستغاثة بغير الله في كشف ما كان فيه، وقد قال الله تعالى: (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى) [المائدة: ٢]، وقال حكايةً عن عيسى ﵇: (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ) [آل عمران: ٥٢]،
_________________
(١) قوله: (ينتاشني من هذه الورطة)، أي: يخلصني، النهاية: "وفي حديث عائشة تصف أباها ﵄: "فانتاش الدين بنعشه"، أي: استدركه"، واستنقذه، وتناوله، وأخذه من مهواته.
[ ٨ / ٣٤٣ ]
وفي الحديث «الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم»، «من فرّج عن مؤمن كربة فرّج الله عنه كربة من كربات الآخرة»، وعن عائشة ﵂: "أنّ رسول الله ﷺ لم يأخذه النوم ليلة من الليالي، وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد فسمعت غطيطه". وهل ذلك إلا مثل التداوي بالأدوية والتقوّى بالأشربة والأطعمة؟ ! وإن كان ذلك لأنّ الملك كان كافرًا، فلا خلاف في جواز أن يستعان بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق ونحو ذلك من المضارّ.
قلت: كما اصطفى الله تعالى الأنبياء على خليقته فقد اصطفى لهم أحسن الأمور وأفضلها وأولاها والأحسن والأولى بالنبي أن لا يكل أمره إذا ابتلي ببلاء إلا إلى ربه، ولا يعتضد إلا به، خصوصًا إذا كان المعتضد به كافرًا،
_________________
(١) قوله: (الله في عون العبد)، الحديث بطوله أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة. وأما حديث عائشة ﵂: فأورده البخاري ومسلم والترمذي: "كان رسول الله ﷺ سهر مقدمه المدينة ليلة، فقال: ليت رجلًا صالحًا يحرسني الليلة، قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة سلاح، فقال: من هذا؟ قال: أنا سعد بن أبي وقاص، وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ، فجئت أحرسه، فدعا له، ثم نام". قوله: (وإن كان ذلك)، عطف على قوله: "لم أنكر على يوسف الاستعانة في كشف ما كان؟ " أي: إن كان الإنكار لمطلق الاستعانة فليس كذلك، لأن الله تعالى قال: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: ٢] إلى آخره، وإن كان ذلك لأن الملك كان كافرًا فكذا، إلى آخره.
[ ٨ / ٣٤٤ ]
لئلا يشمت به الكفار ويقولوا لو كان هذا على الحق وكان له رب يغيثه لما استغاث بنا. وعن الحسن أنه كان يبكي إذا قرأها ويقول: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس.
[(وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَاكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ)].
لما دنا فرج يوسف، رأى ملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هالته: رأى سبع بقراتٍ سمانٍ خرجن من نهرٍ يابس، وسبع بقرات عجاف، فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبعًا أخر يابساتٍ قد استحصدت وأدركت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاستعبرها فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها.
(سِمانٍ) جمع سمين وسمينة، وكذلك رجال ونسوة كرام.
فإن قلت: هل من فرق بين إيقاع (سِمانٍ) صفة للميز وهو (بَقَراتٍ)، دون المميز وهو (سَبْعَ) وأن يقال: سبع بقرات سمانا؟ قلت: إذا أوقعتها صفة لبقرات. فقد قصدت إلى أن تميز "السبع" بنوع من البقرات،
_________________
(١) ـ قوله: (فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها)، الجوهري: "يحسن: يعلم". الأساس: "ومن المجاز: فلان لا يحسن شيئًا، وقيمة المرء ما يحسن". قوله: (إذا أوقعتها صفة لـ (بَقَرَاتٍ» إلى آخره، بين الفرق بين اللفظين، وأحال الفائدة إلى الذهن، ويمكن أن يقال: إن المميز إذا وصف، ثم رفع به الإبهام والإجمال من العدد، أذن بأنهما مقصودان في الذكر، بخلافه إذا ميز ثم وصف، بل وصف المميز أدعى من وصف العدد، لأن المميز إنما استجلب للوصف، ومن ثم ترك التمييز في القرائن الثلاث؛ (سَبْعٌ عِجَافٌ) و(أُخَرَ يَابِسَاتٍ) و(سَبْعٌ شِدَادٌ)، والمقام يقتضيه، لأن المقصود
[ ٨ / ٣٤٥ ]
وهي السمان منهنّ لا بجنسهنّ. ولو وصفت بها "السبع" لقصدت إلى تمييز "السبع" بجنس البقرات لا بنوع منها، ثم رجعت فوصفت المميز بالجنس بالسمن.
فإن قلت: هلا قيل: "سبع عجاف" على الإضافة؟ قلت، التمييز موضوع لبيان الجنس، والعجاف وصف لا يقع البيان به وحده.
فإن قلت: فقد يقولون: ثلاثة فرسانٍ وخمسة أصحاب. قلت: الفارس والصاحب والراكب ونحوها: صفات جرت مجرى الأسماء فأخذت حكمها وجاز فيها ما لم يجر في غيرها. ألا تراك لا تقول: عندي ثلاثة ضخام وأربعة غلاظ. فإن قلت: ذاك مما يشكل وما نحن بسبيله لا إشكال فيه، ألا ترى أنه لم يقل بقراتٍ سبعٍ عجافٍ، لوقوع العلم بأنّ المراد البقرات؟ قلت: ترك الأصل لا يجوز مع وقوع الاستغناء عما ليس بأصل، وقد وقع الاستغناء بقولك (سَبْعٌ عِجافٌ) عما تقترحه من التمييز بالوصف.
_________________
(١) بيان الابتلاء بالشدة بعد الرخاء، وبيان الكمية بالعدد والكيفية بالبقرات تابع. قوله: (والعجاف وصف لا يقع البيان به وحده)، يعني: أن التمييز لبيان الجنس، ولا تدل الصفة على الجنس، لأن الوصف لا يدل على الحقيقة، وإنما يدل على شيء ما متصف بشيء، وإنما جاز "ثلاثة فرسان" و"خمسة أصحاب" لجري "الصاحب" و"الفارس"- بطرح موصوفهما- مجرى الاسم، ولذلك لا يجوز "ثلاثة ضخام" لأنه يلبس. قوله: (ذاك مما يشكل)، أي: "ثلاثة ضخام" و"أربعة غلاظ" مما يشكل، لأنا لا نعلم أن الضخم والغليظ ما هو؟ وما نحن بسبيله معلوم أن (عِجَافٌ) ليس غير البقرات؛ لوقوعه مقابلًا لقوله: (سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ)، فهو إذن نحو قولك: "ثلاثة فرسان"؟ وأجاب: أن الأصل أن يجري الوصف على الوصفية، وإنما يترك الأصل إذا منع مانع، كما في قولك: "خمسة أصحاب"، وها هنا لما وصف السبع بالعجاف، فأي حاجة
[ ٨ / ٣٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إلى جعله تمييزًا، ثم ينتصب للتأويل. وتحريره: أن الكلام تردد بين قوله: "سبع عجاف" على الوصف، وبين "سبع عجاف" على الإضافة، فالحمل على الوصف أولى، لأنك إذا أضفته أزلت "عجاف" عن مقتضاه- وهو الوصف- إلى الجنس بالتأويل، فترك الوصف- الذي هو الأصل- والذهاب إلى الجنس مع حصول المطلوب من الكشف والبيان غير جائز. قال صاحب "الفرائد": لما كانت الصفة قائمة مقام الموصوف في قولنا: "عجاف" على الإضافة، والموصوف معلوم لما تقدم، فقولنا: "سبع عجاف" كقولنا: "سبع بقرات عجاف"، فالتمييز المطلوب بالإضافة حاصل بالإضافة إلى الصفة؛ لقيامها مقام الموصوف، فكما يجوز "سبع بقرات عجاف" يجوز "سبع عجاف"، وقوله: "ترك الأصل لا يجوز مع وقوع الاستغناء عما ليس بأصل" منظور فيه، لأن الأصل في العدد حصول تمييزه بالإضافة، والوصف على خلاف الأصل، فإذا أضفت وقلت: "سبع عجاف" فالموصوف محذوف، لأنه معلوم، والصفة قائمة مقامه، وإذا لم تضف وجعلته موصوفًا فلابد من تقدير المضاف إليه بأن تقول: "سبع بقرات عجاف"، فكان كل واحد على خلاف الأصل، وإنما لم يضف لأنه قائم مقام البقرات، وهي موصوفة بـ "عجاف"، فكانت من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، وهي غير جائزة إلا بتأويل. وقلت: هذا كلام حسن، لأن الأصل "سبع بقرات عجاف" لقضية التقابل، فلما حذف المميز إيجازًا لعدم اللبس انقلب الوصف تابعًا للمميز، فارتفع اعتناء بشأن الوصف، كما سبق أن المقصود الابتلاء بالشدة بعد الرخاء، وأما التفادي عن إضافة الموصوف إلى الصفة دون اعتبار المعنى فأمر سهل.
[ ٨ / ٣٤٧ ]
والعجف: الهزال الذي ليس بعده، والسبب في وقوع «عجافٍ» جمعًا لـ «عجفاء» و"أفعل" و"فعلاء" لا يجمعان على "فعال": حمله على "سمان"، لأنه نقيضه، ومن دأبهم حمل النظير على النظير، والنقيض على النقيض.
فإن قلت: هل في الآية دليل على أنّ السنبلات اليابسة كانت سبعًا كالخضر؟ قلت: الكلام مبنى على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان والعجاف والسنابل الخضر، فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع، ويكون قوله (وَأُخَرَ يابِساتٍ) بمعنى وسبعًا أخر.
فإن قلت: هل يجوز أن يعطف قوله (وَأُخَرَ يابِساتٍ) على (سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ)، فيكون مجرور المحل؟ قلت: يؤدي إلى تدافع، وهو أن عطفها على (سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ) يقتضي أن تدخل في حكمها،
_________________
(١) قوله: (حمل النظير على النظير)، قيل: نحو: غار، فإن مصدره "غوور"؛ حملًا له على نظيره ونقيضه، أما نظيره فـ "دخل دخولًا"، وأما نقيضه فـ "خرج خروجًا". قوله: (يؤدي إلى تدافع)، قال صاحب "التقريب": إذ عطفه يقتضي دخوله في حكم السبع المذكور، وكونه مميزًا بالسنبلات الخضر وبالأُخر، ولفظ "الأخر" يقتضي كونه غير السبع، فيصح "سبعة رجال قيام وقعود"، أي: بعضهم قيام وبعضهم قعود، ولا يصح "وآخرين قعود"، وفيه نظر، لأن الصحيح أن العطف في حكم تكرير العامل لا الانسحاب، فلو عطف "آخرين" على "رجال قيام" لكان "سبعة" مكررة في المعطوف، أي: وسبعة آخرين، أي: "رجال آخرين قعود"، ويفسد المعنى، لأن المفروض أن الرجال سبعة. وأما الآية فلو كرر فيها، وقيل: سبع أُخر، أي: وسبع سنبلات أخر، استقام، لأن
[ ٨ / ٣٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الخُضر سبعة، واليابسات سبعة، نعم؛ لو فرعنا على المرجوح- وهو انسحاب العامل في العطف- أدى إلى أن السبع المذكورة مميزة بـ "سنبلات خضر" و"سنبلات أُخر يابسات"، وفسد، إذ المراد أن كلًا منهما سبعة، لا أنهما سبعة. فالمثال ليس وزان الآية؛ إذ هو على تكرير العامل يفسد، وعلى الانسحاب يصح، والآية بالعكس، والصحيح التكرير، فجاز العطف، لكن الأولى أن يعطف "أُخر" على (خُضْرٍ)، لا على (سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ)، ليدل على موصوف "أخر"، وهو "سنبلات"، ولا يقدر موصوفها بقرينة السياق. والتدافع ممنوع؛ إذ العطف يقتضي دخوله في حكم "السبع" المذكور على تقدير الانسحاب، ولفظ "الأُخر" يقتضي أن يكون غير "السبع" المذكور على تقدير التكرير، فلا تدافع. والجواب عنه: أنه قد سبق مرارًا وأطوارًا أن مذهب المصنف في عطف المفرد على المفرد القول بالانسحاب قطعًا، وبطلانه بأنه مرجوح لا يجديه، على أن ابن الحاجب نص على القول برجحان الانسحاب، حيث قال بعد ذكر المذاهب الثلاثة: "والصحيح الانسحاب في الجميع، وجواز التقدير في المعطوف مطلقًا"، ثم علله بقوله: لأن به يتقوم المعنى المقتضي للإعراب، ولأن المعنى عليه، بدليل "اشتريت الجارية نصفها" و"جاءني غلام زيد وعمرو"، ألا ترى أنه لو قدر الأول لفسد المعنى، وكرر هذا البحث. أما بيان التدافع فيما نحن بصدده: فإن البيان والمبين شيء واحد، فإذا بينت "السبعة" في قولك: "سبعة رجال" بـ "رجال قيام وقعود" على طريق العطف صح، لأن المبين متعدد، ولا منافاة بينه وبين البيان، لأن المراد: بعضهم قيام وبعضهم قعود. وأما إذا
[ ٨ / ٣٤٩ ]
فتكون معها مميزًا للسبع المذكورة، ولفظ "الأخر" يقتضي أن تكون غير السبع، بيانه: أنك تقول: عندي سبعة رجالٍ قيامٍ وقعودٍ، بالجرّ، فيصح، لأنك ميزت السبعة برجالٍ موصوفين بالقيام والقعود، على أنّ بعضهم قيام وبعضهم قعود، فلو قلت: عنده سبعة رجال قيام وآخرين قعود، تدافع ففسد.
(يا أَيُّهَا الْمَلَأُ) كأنه أراد الأعيان من العلماء والحكماء. واللام في قوله (لِلرُّءْيا) إما أن تكون للبيان، كقوله (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) [يوسف: ٢٠]، وإما أن تدخل، لأنّ العامل إذا تقدّم عليه معموله لم يكن في قوّته على العمل فيه مثله إذا تأخر عنه، فعضد بها كما يعضد بها اسم الفاعل، إذا قلت: هو عابر للرؤيا، لانحطاطه عن الفعل في القوة. ويجوز أن يكون (للرؤيا) خبر "كان"، كما تقول: كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلًا به متمكنًا منه. و(تَعْبُرُونَ) خبر آخر. أو حال،
_________________
(١) أعقبته بـ "آخرين"، وكان تفسير "السبعة" أيضًا، حصل الاختلاف وجاء التدافع. وتوهم أن الفساد من جهة أن المفروض أن الرجال سبعة: فاسد، فعلى هذا: في الآية إذا عطفت (يَابِسَاتٍ) وحدها على (خُضْرٍ) صح، وإن لزم الاختلاف في العدد، لأن الكلام في صحة التركيب لا العدد، وأما إذا أتيت بـ "أُخر" جاء التدافع، وأيضًا لو أوجبنا القول بالتقدير دون الانسحاب كان لفظ "أخر" تطويلًا، فوجب صون كلام الله منه، وللقائلين بالانسحاب أن يستدلوا بهذه الآية على وقوعه صريحًا في التنزيل. قوله: (إما أن تكون للبيان)، كأنه لما قيل: كنتم تعبرون، فقيل: لأي شيء؟ فقيل: للرؤيا، كما قال في قوله: (وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ) [يوسف: ٢٠]: "في أي شيء زهدوا فقال: زهدوا فيه".
[ ٨ / ٣٥٠ ]
وأن يضمن (تَعْبُرُونَ) معنى فعلٍ يتعدى باللام، كأنه قيل: إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا. وحقيقة «عبرت الرؤيا» ذكرت عاقبتها وآخر أمرها، كما تقول: عبرت النهر، إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه وهو عبره. ونحوه: أولت الرؤيا إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها. و"عبرت الرؤيا" بالتخفيف، هو الذي اعتمده الأثبات، ورأيتهم ينكرون «عبرت» بالتشديد والتعبير والمعبر. وقد عثرت على بيت أنشده المبرد في كتاب الكامل لبعض الأعراب:
رَأَيْتُ رُؤْيَا ثُمَّ عَبَّرْتُهَا … وَكُنْتُ لِلْأحْلَامِ عَبَّارَا
[(قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَاوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ)].
(أَضْغاثُ أَحْلامٍ) تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من حديث نفسٍ أو وسوسة شيطان.
_________________
(١) قوله: (تنتدبون)، يقال: ندبته فانتدب؛ أي: دعوته فأجاب، ويعدى باللام. قوله: (وهو عبره)، الجوهري: "وعبر النهر: شطه وجانبه". قال القاضي: "عبارة الرؤيا: الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها؛ من العبور، وهو المجاوزة". قوله: (الذي اعتمده الأثبات)، الأثبات: جمع ثبت، يقال: فلان ثبت؛ أي: ثابت القلب، ولا أحكم بكذا إلا بثبت؛ أي: بحجة.
[ ٨ / ٣٥١ ]
وأصل "الأضغاث": ما جمع من أخلاط النبات وحزم، الواحد: ضغث، فاستعيرت لذلك، والإضافة بمعنى «من» أي: أضغاث من أحلام. والمعنى: هي أضغاث أحلام.
فإن قلت: ما هو إلا حلم واحد، فلم قالوا: (أضغاث أحلام) فجمعوا؟ قلت: هو كما تقول: فلان يركب الخيل ويلبس عمائم الخز، لمن لا يركب إلا فرسًا واحدًا وما له إلا عمامة فردة، تزيدًا في الوصف، فهؤلاء أيضًا تزيدوا في وصف الحلم بالبطلان، فجعلوه أضغاث أحلام.
_________________
(١) قوله: (فاستعيرت لذلك)، أي: استعيرت "الأضغاث" للتخاليط والأباطيل، شبهت تخاليط الأحلام وأباطيلها بما جمع من أخلاط النبات وحزم، والجامع الاختلاط من غير تمييز بين جيد ورديء، ثم استعمل "أضغاث" في موضع "الأباطيل"، وجعلت القرينة الإضافة. قوله: (أي: أضغاث من أحلام)، الراغب: "الحلم: ضبط النفس عن هيجان الغضب، وجمعه أحلام، قال تعالى: (أَمْ تَامُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا) [الطور: ٣٢]، قيل: عقولهم، وليس الحلم في الحقيقة: العقل، لكنه من مسبباته، وقد حلم وحلمه العقل وتحلم، وقال تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ) [النور: ٥٩]، أي: زمان الحلم، وقال تعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) [الصافات: ١٠١]، أي: وجد فيه قوة الحلم، وسمي الحلم لكون صاحبه جديرًا بالحلم، يقال: حلم حلمًا وحُلمًا، وتحلَّم واحتلم، وحلمت به في نومي، أي: رأيته في المنام". قوله: (فلان يركب الخيل، ويلبس عمائم الخز)، قال صاحب "الفرائد": ولما كانت (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ) مستعارة لما ذكر، وهي تخاليطها وأباطيلها، وهي متحققة في رؤيا
[ ٨ / ٣٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) واحدة بحسب أنها متركبة من أشياء، كل واحد منها حلم، فكانت أحلامًا، فلا افتقار إلى ما ذكر من التكلف. وقلت: هذا كلام حسن، وكلام المصنف مبني على أن الحلم والرؤيا مترادفان، فكأنه قيل: أضغاث رؤى، ولا شك أنها رؤيا واحدة لا رؤى، ولذلك استشهد بقول الشاعر: رأيت رؤيا ثم عبرتها … وكنت للأحلام عبارا ولولا أن الرؤيا والحلم واحد لم يصح قوله: "للأحلام عبارًا". قال صاحب "النهاية": "والرؤيا والحلم: عبارة عما يراه النائم في النوم من الأشياء، ولكن غلبت "الرؤيا" على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب "الحلم" على ما يراه من الشر والقبيح، ومنه قوله تعالى: (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ)، وتضم لام "الحلم" وتسكن، وفي الحديث: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان) ". قال التوربشتي: الحلم عند العرب: مستعمل استعمال الرؤيا، والتفريق إنما كان من الاصطلاحات الشرعية التي لم يقتضها بليغ، ولم يهتد إليها حكيم، بل سنها صاحب الشريعة للفصل بين الحق والباطل، كأنه كرِه أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد، وجعل الرؤيا عبارة عن القسم الصالح لما في صيغتها من الدلالة على مشاهدة
[ ٨ / ٣٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الشيء بالبصر والبصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان، لأن أصل الكلمة لم يستعمل إلا فيما يخيل إلى الحالم في منامه من قضاء الشهوة مما لا حقيقة له. وقلت: لعله رحمة الله أراد بقوله: "ولم يهتد غليها حكيم": ما عرفتها الفلاسفة؛ على ما نقله القاضي في "تفسيره": "الرؤيا: انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت، لما بينهما من التناسب، عند فراغه من تدبير البدن أدنى فراغ، فتتصور بما فيها مما يليق من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه، فترسلها إلى الحس المشترك، فيصير مشاهدة، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى؛ بحيث لا يكون التفاوت إلا بأدنى شيء، استغنت الرؤيا عن التعبير". والذي يؤيد قول الإمام التوربشتي ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود: "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة"، وزاد بعضهم: "فإنه لا يكذب"، قال محمد بن سيرين: "وأنا أقول هذه، قال: وكان يقال: والرؤيا ثلاثة: حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من الله"، هكذا ورد في "جامع الأصول". وإنما خص صلوات الله عليه رؤيا المؤمن، وجعلها جزءًا من أجزاء النبوة، ونص الأعداد، لئلا يشرع
[ ٨ / ٣٥٤ ]
ويجوز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا رؤيا غيرها.
(وَما نَحْنُ بِتَاوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ) إما أن يريدوا بالأحلام: المنامات الباطلة خاصة، فيقولوا: ليس لها عندنا تأويل، فإن التأويل إنما هو للمنامات الصحيحة الصالحة، وإما أن يعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بنحارير.
_________________
(١) فيه الفلسفي أصلًا، ويدخلها في تعريفه المختل، لأنها من مشرع لا مجال للعقل فيه. قوله: (رؤى غيرها)، رؤى: كعلى؛ لجمع العليا، الجوهري: "جمع الرؤيا: رؤى، بالتنوين، مثل: رعى". قوله: (وإما أن يعترفوا بقصور علمهم)، الانتصاف: "هذا هو الظاهر، وحمل الكلام على الأول يصيره من وادي: على لاحِب لا يهتدى بمناره كأنهم قالوا: أحلام باطلة، ولا تأويل للأحلام الباطلة، فيكونوا بها عالمين، وقول الملك لهم: (إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) دليل على أنهم لم يكونوا في علمه عالمين بها، لأن "إن" للشك، فجاء اعترافهم مطابقًا لشكه فيهم، وقول الفتى: (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَاوِيلِهِ) إلى قوله: (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) دليل على ذلك". وقلت: لا ارتياب أن التعريف في (الْأَحْلَامِ): إما للعهد، والمعهود وما صرحوا به من قولهم: (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ)، وإما للجنس، وهو ما يعلم كل واحد أن الأحلام ما هي؟
[ ٨ / ٣٥٥ ]
[(وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَاوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ)].
قرئ (وَادَّكَرَ) بالدال وهو الفصيح. وعن الحسن: "واذكر"، بالذال المعجمة. والأصل: تذكر، أي: تذكر الذي نجا من الفتيين من القتل يوسف وما شاهد منه (بَعْدَ أُمَّةٍ) بعد مدّة طويلة، وذلك أنه حين استفتى الملك في رؤياه وأعضل على الملأ تأويلها، تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه، وطلبه إليه أن يذكره عند الملك.
وقرأ الأشهب العقيلي بَعْدَ أُمَّةٍ بكسر الهمزة، والإمّة النعمة. قال عدى:
ثُمَّ بَعْدَ الْفَلَاحِ وَالْمُلْكِ وَالْإِمَّـ … مَةِ وَارَتْهُمُ هُنَاكَ الْقُبُورُ
_________________
(١) والوجهان مبنيان على هذا، والأول هو الظاهر، لأنهم ما جعلوا ذلك المنام أضغاث أحلام إلا لتمهيد عذرهم أنهم غير عالمين بها. قوله: «وَادَّكَرَ) بالدال)، المهملة: المشهورة، وبالذال المعجمة: شاذة. قوله: «بَعْدَ أُمَّةٍ) بعد مدة طويلة)، كقوله تعالى: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ) [هود: ٨]، أي: برهة من الزمان، وطائفة منه، والجملة معترضة. قوله: (ثم بعد الفلاح والملك)، البيت: ثم بعد الفلاح والملك والإمـ … مة وارتهم هناك القبور أين كسرى كسرى الملوك أبو … ساسان أم أين قبله سابور قائلهما عدي بن زيد. الفلاح: البقاء والفوز والظفر، يقول: أين عظماء الملوك الذين
[ ٨ / ٣٥٦ ]
أي: بعدما أنعم عليه بالنجاة. وقرئ: "بَعْدَ أُمَّةٍ" أي: بعد نسيان. يقال: أمه يأمه أمها، إذا نسي. ومن قرأ بسكون الميم فقد خطئ.
(أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَاوِيلِهِ) أنا أخبركم به عمن عنده علمه. وفي قراءة الحسن: "أنا آتيكم بتأويله" (فَأَرْسِلُونِ) فابعثوني إليه لأسأله، ومرونى باستعباره. وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة.
[(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَاكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ)].
المعنى: فأرسلوه إلى يوسف، فأتاه فقال: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) أيها البليغ في الصدق، وإنما قال له ذلك لأنه ذاق أحواله وتعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء كما أوّل، ولذلك كلمه كلام محترز فقال (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) لأنه ليس على يقين من الرجوع،
_________________
(١) كانوا في النعمة والحبور، سترتهم القبور عن أعين الناس، ولا يدرى ما حالهم تحت التراب. قوله: (لأنه ذاق أحواله)، أي: إنما قال: (أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) لأنه جرب نفسه وأحواله مرارًا كثيرة، إذ لا يقال لأحد "صديق" حتى جرب وشوهد منه الصدق مرة بعد مرة، روينا عن البخاري ومسلم: "إن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقًا"، جيء بالمضارع الدال على الاستمرار، وقرن معه كلمة التدرج. قوله: (ولذلك كلمه كلام محترز)، أي: ولأجل أنه ذاق أحواله، وعلم أنه صديق لا
[ ٨ / ٣٥٧ ]
فربما اخترم دونه، ولا من علمهم فربما لم يعلموا. أو معنى (لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) لعلهم يعلمون فضلك ومكانك من العلم، فيطلبوك ويخلصوك من محنتك.
[(قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تَاكُلُونَ* ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَاكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)].
(تَزْرَعُونَ) خبر في معنى الأمر، كقوله: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ) [الصف: ١١]، وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب إيجاب المأمور به، فيجعل كأنه يوجد، فهو يخبر عنه. والدليل على كونه في معنى الأمر قوله (فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ).
(دَأَبًا) بسكون الهمزة وتحريكها، وهما مصدر: دأب في العمل، وهو حال من المأمورين، أي: دائبين: إمّا على تدأبون دأبًا، وإمّا على إيقاع المصدر حالًا، بمعنى: ذوي دأب.
_________________
(١) يصدر منه إلا الصدق، ولا يروج عنده إلا الصدق، كلمه كلام محترز عن الكذب؛ حيث لم يقطع برجوعه إلى الناس، لأن الموت واقع، ولم يقطع أيضًا بأن القوم يعلمون ذلك، لأنه لا اعتماد على فهم الناس، وكرر لفظ الرجاء في الموضعين. قوله: (اخترم دونه)، أي: يموت الشرابي بين يدي رجوعه، أي: قبله. الجوهري: "اخترمهم الدهر وتخرمهم؛ أي: اقتطعهم واستأصلهم". قوله: (مصدر: دأب في العمل)، الجوهري: "دأب فلان في عمله؛ أي: جد وتعب". وقرأ حفص: بالتحريك، والباقون: بالسكون، و(دَأَبًا) حال من المأمورين؛ إما بتقدير الفعل وإضماره، وإقامة المصدر مقامه، أو بمعنى: ذوي دأب.
[ ٨ / ٣٥٨ ]
(فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ) لئلا يتسوس، و(يَاكُلْنَ) من الإسناد المجازي؛ جعل أكل أهلهنّ مسندًا إليهنّ (تُحْصِنُونَ) تحرزون وتخبؤون.
(فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ) من الغوث أو من الغيث. يقال: غيثت البلاد، إذا مطرت
_________________
(١) ـ قوله: (جعل أكل أهلهن مسندًا إليهن)، قال القاضي: "أي: يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن، فأسند إليهن على المجاز؛ تطبيقًا بين المعبر والمعبَّر به"، يعني: لما كان سبب الادخار السنين المجدبة، كان الصرف إلى أهلهن للأكل الصرف إليهن، ومن هذا الباب قوله: أشاب الصغير وأفنى الكبيـ … ـر كر الغداة ومر العشي قوله: (تحرزون وتخبؤون)، قال القاضي: " (تُحْصِنُونَ) [تحرزون] لبذور الزراعة". قوله: (من الغوث أو الغيث)، الراغب: "الغيث: يقال في المطر، والغوث: في النصرة. واستغثته: طلبت الغوث أو الغيث، فأغاثني- من الغوث-، وغاثني- من الغيث-، وقوله: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ) [الكهف: ٢٩] يجوز أن يكون من الغوث أو الغيث، وكذا (يُغَاثُوا) ".
[ ٨ / ٣٥٩ ]
ومنه قول الأعرابية: غثنا ما شئنا. (يَعْصِرُونَ) بالياء والتاء، يعصرون العنب والزيتون والسمسم. وقيل: يحلبون الضروع.
وقرئ: "يعصرون"، على البناء للمفعول، من عصره إذا أنجاه، وهو مطابق للإغاثة. ويجوز أن يكون المبنى للفاعل بمعنى ينجون،
_________________
(١) قوله: (الأعرابية: غثنا ما شئنا)، ذكر ابن دريد في كتاب "المطر" عن أبي حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو ابن العلاء عن ذي الرمة: "قاتل الله أمة بني فلان ما أغربها؛ سألتها عن المطر ببلادهم، قالت: غثنا ما شئنا، أي: أصابنا الغيث". قوله: «يَعْصِرُونَ) بالياء والتاء)، حمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء. قوله: (من: عصره؛ إذا أنجاه)، الجوهري: "واعتصرت بفلان وتعصرت: إذا التجأت إليه، قال الله تعالى: (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)، وقال أبو عبيدة: (يَعْصِرُونَ) أي: ينجون؛ وهو من العصرة؛ وهي المنجاة". قوله: (ويجوز أن يكون المبني للفاعل بمعنى: ينجون)، أي: (يَعْصِرُونَ) بمعنى: ينجون، كما أن "يعصرون" من: عصره؛ إذا أنجاه.
[ ٨ / ٣٦٠ ]
كأنه قيل: فيه يغاث الناس وفيه يغيثون أنفسهم، أي: يغيثهم الله ويغيث بعضهم بعضًا وقيل (يَعْصِرُونَ) يمطرون، من أعصرت السحابة. وفيه وجهان: إمّا أن يضمن "أعصرت" معنى مطرت، فيعدّى تعديته. وإمّا أن يقال: الأصل أعصرت عليهم فحذف الجار وأوصل الفعل.
تأوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأنّ العام الثامن يجيء مباركا خصيبًا كثير الخير غزير النعم، وذلك من جهة الوحى. وعن قتادة: زاده الله علم سنة.
فإن قلت: معلومٌ أنّ السنين المجدبة إذا انتهت كان انتهاؤها بالخصب، وإلا لم توصف بالانتهاء، فلم قلت إنّ علم ذلك من جهة الوحي؟ قلت: ذلك معلوم علمًا مطلقًا لا مفصلًا. وقوله (فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) تفصيلٌ لحال العام، وذلك لا يعلم إلا بالوحي.
[(وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ* قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)].
_________________
(١) قوله: (من: أعصرت السحابة)، ومنه قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا) [النبأ: ١٤]، قال: "المعصرات: السحائب إذا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك: أجز الزرع؛ إذا حان له أن يجز". قوله: (علمًا مطلقًا)، يعني: لا يشك أحد في معرفة انتهاء الجدب إلى الخصب، لكن
[ ٨ / ٣٦١ ]
إنما تأنى وتثبت في إجابة الملك، وقدّم سؤال النسوة ليظهر براءة ساحته عما قرف به وسجن فيه، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده، ويجعلوه سلمًا إلى حط منزلته لديه، ولئلا يقولوا ما خلد في السجن سبع سنين إلا لأمر عظيم وجرم كبير حق به أن يسجن ويعذب ويستكف شرّه. وفيه دليلٌ على أنّ الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها، قال ﵇: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفنّ مواقف التهم» ومنه قال رسول الله ﷺ - للمارّين به في معتكفه وعنده بعض نسائه: «هي فلانة»؛ اتقاء للتهمة،
_________________
(١) الخصب يحتمل أن يكون تامًا وغير تام، ونصوصية أحدهما لا تُعلم إلا بالوحي، فقوله: (يَعْصِرُونَ) يدل على خصب تام لا مزيد عليه، كأنه قيل: ينتهي الخصب حتى يتجاوز من المأكول إلى المشروب والادخار فيه. وتكرير "فيه" تتميم لقوله: (يَعْصِرُونَ)، وفي تخصيص اسم "الناس" دون أن يقال: "تغاثون"، كما قيل: (تَزْرَعُونَ)، تعميم لأثر الخصب في سائر الأماكن، وفي إيثار (يُغَاثُ) دون "يمطر" تتميم للتتميم. قوله: (لئلا يتسلق الحاسدون)، الأساس: "سلقت اللحم عن العظم: قشرته، وهو يتكلم بالسليقة، وتسلق الحائط. ومن المجاز: سلقه بلسانه، ولسان مسلق، ومنه قوله تعالى: (سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ) [الأحزاب: ١٩] ". قوله: (ولئلا يقولوا: ما خلد في السجن)، استعمل الخلود في امتداد الزمان وطول المكث، دون الدوام والأبد، كما هو عليه مذهب أهل السنة. قوله: ("هي فلانة" اتقاء للتهمة)، الحديث من رواية أنس: "أن رسول الله ﷺ كان
[ ٨ / ٣٦٢ ]
وعن النبي ﷺ: «لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني. ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال: ارجع إلى ربك. ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث، لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر،
_________________
(١) مع إحدى نسائه، فمر به رجل، فدعاه، وقال: هذه زوجتي، فقال: يا رسول الله، من كنت أظن به فلم أكن أظن بك! فقال رسول الله ﷺ: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، أخرجه مسلم. قوله: (والله يغفر له)، قيل: هذا إشارة على ترك العزيمة بالرخصة، وهي تقديم حق الله بتبليغ التوحيد والرسالة على براءة نفسه. وقلت: قد أسلفنا في سورة "براءة" على أن مثل هذه المقدمة مشعرة بتعظيم المخاطب وتوقيره وتوفر حرمته، وهو كما تقول لمن تعظمه: عفا الله عنك ما صنعت في أمري؟ ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي؟ قوله: (لأسرعت الإجابة)، الحديث: من رواية الإمام أحمد بن حنبل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لو كنت لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر". وعن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لو كنت ثم جاءني الرسول لأجبت"، قال محيي السنة في "شرح السنة": إنه ﷺ "وصف يوسف
[ ٨ / ٣٦٣ ]
إن كان لحليمًا ذا أناة».
وإنما قال: سل الملك عن حال النسوة ولم يقل سله أن يفتش عن شأنهن، لأنّ السؤال مما يهيج الإنسان ويحركه للبحث عما سئل عنه، فأراد أن يورد عليه السؤال ليجدّ في التفتيش عن حقيقة القصة وفصّ الحديث، حتى يتبين له براءته بيانًا مكشوفًا يتميز فيه الحق من الباطل.
_________________
(١) بالأناة والصبر حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاء رسول الملك؛ فعل لامذنب حين يعفى عنه مع طول لبثه في السجن، بل قال: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ)، أراد أن يقيم الحجة في حبسهم إياه ظلمًا، فقال ﷺ على سبيل التواضع، لا أنه ﷺ كان في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف، والتواضع لا يصغر كبيرًا، ولا يضع رفيعًا، ولا يبطل لذي حق حقًا، ولكنه يوجب لصاحبه فضلًا، ويكسبه جلالًا وقدرًا". قوله: (إن كان لحليمًا)، "إن" هي المخففة من الثقيلة، الأناة: الوقار، وقيل: هو اسم من التأني في الأمور. قوله: (لأن السؤال مما يهيج الإنسان)، أي: يحرك منه، يعني: قوله: (فَاسْأَلْهُ) يحتمل أن يكون بمعنى المسألة، أي: سلة عن حقيقة شأنهن، وأن يكون بمعنى الطلب، وهو أن يفتش عن شأنهن، فحين قيده بلفظة (مَا) التي يسأل بها عن حقيقة الشيء ظاهرًا هيجه للتفتيش عن حالهن، لأن الإنسان حريص على تحصيل تحقيق الشيء، ويستنكف أن ينسب إلى الجهل به، بخلاف ما لو قال: سله أن يفتش، أي: اطلب منه، فإنه لا يبالي بهذا الطلب، ولا يلتفت إليه، سيما عن أمثال الملوك. قوله: (وفص الحديث)، الأساس: "فلان حزاز الفصوص: إذا كان مصيبًا في رأيه وجوابه، وأتيتك من فصه؛ أي: من محزه وأصله، ومنه فصوص الأخبار".
[ ٨ / ٣٦٤ ]
وقرئ "النُّسْوَةِ" بضم النون.
ومن كرمه وحسن أدبه: أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به وتسببت فيه من السجن والعذاب، واقتصر على ذكر المقطعات أيديهنّ.
(إِنَّ رَبِّي) إنّ الله تعالى (بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) أراد أنه كيدٌ عظيمٌ لا يعلمه إلا الله لبعد غوره. أو استشهد بعلم الله على أنهنّ كدنه، وأنه بريء مما قرف به. أو أراد الوعيد لهنّ، أي: هو عليم بكيدهنّ فمجازيهنّ عليه.
(ما خَطْبُكُنَّ) ما شأنكنّ (إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ) هل وجدتنّ منه ميلا إليكنّ؟ (قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ) تعجبًا من عفته وذهابه بنفسه عن شيء من الريبة ومن نزاهته عنها (قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) أي: ثبت واستقرّ.
_________________
(١) قوله: (أو استشهد بعلم الله على أنهن كدنه)، كأنه قال: "فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، وأردن كيدي، والله شاهدي على ذلك"، وشهادة الله تلك الأمارات الدالة على براءته، والوجه الثالث بعيد وبعيد من كرم يوسف ﵇، والوجه هو الأول، ولهذا أتى بالموصولة، وأوقع صلتها قطع الأيدي؛ ليصور تلك الحالات واللاتي جلسن متكئات دهشات، وأردن الكيد بهن، ويستحضر صورتها في ذهن السامع، ويتعجب منها، فيكون وسيلة إلى الاستعلام. قوله: (هل وجدتن منه ميلًا إليكن)، فإن قلت: كيف دل قوله: (مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ) على هذا؟ قلت: من حيث إنه مطلق، ومقام الباعث للسؤال من قوله: (فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) يستدعيه، ألا ترى كيف كان الجواب قولهم: (حَاشَ لِلهِ)؟ قوله: «حَصْحَصَ الْحَقُّ) أي: ثبت واستقر)، الراغب: "حصحص الحق: وضح، وذلك
[ ٨ / ٣٦٥ ]
وقرئ "حَصْحَصَ" على البناء للمفعول، وهو من حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة، قال:
فَحَصْحَصَ فِى صُمِّ الصَّفَا ثَفَنَاتِهِ … وَنَاءَ بِسَلْمَى نَوْءَةً ثُمَّ صَمَّمَا
ولا مزيد على شهادتهنّ له بالبراءة والنزاهة،
_________________
(١) بانكشاف ما يغمره، وحص وحصحص: نحو: كف وكفكف، وكب وكبكب. وحصه: قطع منه، إما بالمباشرة أو بالحكم، فمن الأول قول الشاعر: قد حصت البيضة رأسي ومنه قيل: رجل أحص؛ انقطع بعض شعره. والحصة: القطعة من الجملة، واستعملت استعمال النصيب. قوله: (فحصحص في صم الصفا)، البيت: المستتر في "فحصحص" للبعير. "ثفناته": مباركه؛ جمع الثفنة، وهي ما ولي الأرض من كل ذي أربع إذا برك؛ مثل الركبتين والكلكل. وناء [به] الحمل: إذا أثقله. والتصميم: المضي في الأمر، يعني: ركبت عليه
[ ٨ / ٣٦٦ ]
واعترافهنّ على أنفسهنّ بأنه لم يتعلق بشيء مما قرفنه به، لأنهنّ خصومه. وإذا اعترف الخصم بأنّ صاحبه على الحق وهو على الباطل، لم يبق لأحد مقال.
وقالت المجبرة والحشوية: نحن قد بقي لنا مقال، ولا بدّ لنا من أن ندق في فروة من ثبتت نزاهته.
[(ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ)].
(ذلِكَ لِيَعْلَمَ) من كلام يوسف، أي: ذلك التثبت والتشمر لظهور البراءة ليعلم العزيز (أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ) بظهر الغيب في حرمته. ومحل (بِالْغَيْبِ) الحال من الفاعل أو المفعول، على معنى: وأنا غائب عنه خفي عن عينه أو وهو غائب عني خفي عن عيني.
ويجوز أن يكون ظرفًا، أي: بمكان الغيب، وهو الخفاء والاستتار وراء الأبواب السبعة المغلقة وَليعلم أَنَّ (اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ) لا ينفذه ولا يسدّده،
_________________
(١) سُلمى ونهض بها وسار، يقول: هذا البعير ألقى ثفناته، ثم قام بسلمى وقصد السفر، ومضى في السفر. قوله: (ذلك التثبت)، التعريف في "التثبت" للعهد، وهو قول يوسف ﵇ للرسول: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ) إلى آخره، أي: تلك الجسارة لأجل أن يعلم أني لم أخنه. قوله: (في حرمته)، أي: في امرأته، قال: تهوى حياتي وأهوى موتها شغفًا … والموت أكرم نزال على الحرم
[ ٨ / ٣٦٧ ]
وكأنه تعريضٌ بامرأته في خيانتها أمانة زوجها، وبه في خيانته أمانة الله حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه. ويجوز أن يكون تأكيدًا لأمانته، وأنه لو كان خائنًا لما هدى الله كيده ولا سدّده.
[(وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه، لئلا يكون لها مزكيا وبحالها في الأمانة معجبًا ومفتخرًا، كما قال رسول الله ﷺ «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»،
_________________
(١) قوله: (وكأنه تعريض بامرأته)، الراغب: "خص الخائنين تنبيهًا على أنه قد يهدي كيد من لم يقصد بكيده خيانة، ككيد يوسف بأخيه". قوله: (ويوز أن يكون تأكيدًا لأمانته)، أي: اعتراضًا وتذييلًا، فيجب إثبات الكيد ليوسف ﵇ لتظهر به أمانته، وتندفع عنه الخيانة التي نسبت إليه، وهو ما ذكره في قوله: "ذلك التثبت والتشمر لظهور البراءة ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب"، لأن صورته صورة الكيد، يعني: لو كنت خائنًا ما برأت ساحتي حتى بتشمري وتثبتي. قوله: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، تمامه: "بيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ؛ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر"، أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري.
[ ٨ / ٣٦٨ ]
وليبين أنّ ما فيه من الأمانة ليس به وحده، وإنما هو بتوفيق الله ولطفه وعصمته فقال (وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي) من الزلل، وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها. ولا يخلو، إمّا أن يريد في هذه الحادثة، لما ذكرنا من الهمّ الذي هو ميل النفس عن طريق الشهوة البشرية لا عن طريق القصد والعزم. وإمّا أن يريد به عموم الأحوال (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) أراد الجنس، أي: إنّ هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه بما فيه من الشهوات (إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي) إلا البعض الذي رحمه ربى بالعصمة كالملائكة.
ويجوز أن يكون (ما رَحِمَ) في معنى الزمن، أي: إلا وقت رحمة ربي، يعني: أنها أمّارة بالسوء في كل وقت وأوان، إلا وقت العصمة. ويجوز أن يكون استثناء منقطعًا، أي: ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، كقوله: (وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ* إِلَّا رَحْمَةً) [يس: ٤٣ - ٤٤].
_________________
(١) قوله: (ولا يخلو: إما أن يريد في هذه الحادثة؛ لما ذكرنا من الهم الذي هو ميل النفس لا العزم، وإما أن يريد عموم الأحوال)، الانتصاف: "عموم الأحوال أبلغ في التنزيه وهضم النفس، وابعد عن تزكيتها". قوله: «وَلا هُمْ يُنقَذُونَ* إِلاَّ رَحْمَةً»، أي: "ولا هم ينجون من الموت بالغرق إلا لرحمة منا"، هكذا ذكره، وهو استثناء متصل من أعم عام المفعول له، قال أبو البقاء: "هو مفعول له أو مصدر، وقيل: هو استثناء منقطع". وقلت: تقديره: ولا هم ينجون من الغرق البتة، ولكن رحمة ربي هي التي تنجيهم.
[ ٨ / ٣٦٩ ]
وقيل معناه: ذلك ليعلم أني لم أخنه لأنّ المعصية خيانة.
وقيل: هو من كلام امرأة العزيز، أي: ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قرفته وقلت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يُسجن، وأودعته السجن، تريد الاعتذار مما كان منها - إنّ كل نفس (لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي) إلا نفسًا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف (إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت.
_________________
(١) قوله: (وقيل: معناه: ذلك ليعلم الله)، معطوف على قوله: "ذلك التثبت والتشمر لظهور البراءة ليعلم العزيز". فإن قلت: ما معنى قول يوسف: ليعلم الله أني لم أخنه بالغيب؟ قلت: معنى قوله تعالى: (لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) [البقرة: ١٤٣]، وذلك أن الله لم يزل عالمًا بأن يوسف لم يخنه، لكن المراد أن يسأل الملك ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، ليجزي الله بصبري عن معصية الله، لأن معصيته خيانة، بأن يظهر بسؤاله براءة ساحتي، ويكرمني ويرفع منزلتي. قوله: (وقيل: هو من كلام امرأة العزيز)، معطوف على قوله: " (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ) من كلام يوسف"، والأول أوفق لتأليف النظم من غير تقديم ولا تأخير، وذلك أن النسوة لما بر أن ساحته على سبيل التأكيد، حيث جعلن (حَاشَ لِلهِ) تمهيدًا وتشبثًا بقوله: (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ)، فنفين عنه السوء المنكر على سبيل الاستغراق، وكذا امرأة العزيز قدمت الفاعل المعنوي في قولها: (أَنَا رَاوَدتُّهُ) على سبيل الاختصاص، وأتبعته قولها: (وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ) تقريرًا له، أي: هو من زمرة الصادقين، وله مساهمة في الصدق، وأن هذا الوصف كاللقب المشهور له، قال يوسف: (ذَلِكَ) أي: ذلك السؤال والجواب (لِيَعْلَمَ) الملك أني لم أخن العزيز بظهر الغيب في حرمته، ومن ذلك (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي) براءة كلية كما
[ ٨ / ٣٧٠ ]
فإن قلت: كيف صح أن يجعل من كلام يوسف ولا دليل على ذلك؟ قلت: كفى بالمعنى دليلاُ قائداُ إلى أن يجعل من كلامه. ونحوه قوله (قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ* يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ) [الأعراف: ١٠٩ - ١١٠]، ثم قال (فَماذا تَامُرُونَ) [الأعراف: ١١٠] وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم.
وعن ابن جريج: هذا من تقديم القرآن وتأخيره، ذهب إلى أن (ذلِكَ لِيَعْلَمَ) [يوسف: ٥٢] متصل بقوله: (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول) [يوسف: ٥٠]، ولقد لفقت المبطلة رواياتٍ مصنوعة، فزعموا أن يوسف حين قال: (أني لم أخنه بالغيب) [يوسف: ٥٢]، قال له جبريل: ولا حين هممت بها، وقالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت تكة سراويلك يا يوسف، وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسله.
[(وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ)].
_________________
(١) أشرف إليها على مر، كيف وأني هممت بها لولا أن رأيت برهان ربي، فعلى هذا: قوله: (إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي) إشارة إلى ذلك البرهان، والاستثناء منقطع، وكان ذلك منه ﵇ تفاديًا عن الركون إلى إطراء المدح، وتصديقًا لقوله: (وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ)، أي: المتوغلين في الصدق. قوله: (هذا من تقديم القرآن)، أي: ذهب ابن جريج إلى أن قوله تعالى: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ) متصل بقوله: (فَاسْأَلْهُ)، كأنه قيل: فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ليخبرنه ببراءتي، وذلك السؤال لأجل أن يعلم أني لم أخنه بالغيب.
[ ٨ / ٣٧١ ]
يقال استخلصه واستخصه، إذا جعله خالصًا لنفسه وخاصًا به (فَلَمَّا كَلَّمَهُ) وشاهد منه ما لم يحتسب (قالَ) أيها الصديق (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ) ذو مكانة ومنزلة (أَمِينٌ) مؤتمن على كل شيء. روي أنّ الرسول جاءه فقال: أجب الملك، فخرج من السجن ودعا لأهله: اللهم أعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعمّ عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخبار في الواقعات. وكتب على باب السجن: هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة
الأصدقاء، ثم اغتسل وتنظف من درن السجن، ولبس ثيابا جددًا» فلما دخل على الملك قال: اللهمّ إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية، فقال: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي، وكان الملك يتكلم بسبعين لسانًا، فكلمه بها فأجابه بجميعها، فتعجب منه وقال: أيها الصدّيق، إني أحب أن أسمع رؤياي منك. فقال: رأيت بقرات فوصف لونهنّ وأحوالهنّ ومكان خروجهنّ، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك لا يخرم منها حرفًا، وقال له: من حقك أن تجمع الطعام في الأهراء، فيأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك، ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحدٍ قبلك.
_________________
(١) قوله: (ولا تعم عليهم الأخبار)، الجوهري: "عميت معنى البيت تعمية، ومنه المعمى"، فقوله: "اعطف عليهم قلوب الأخيار" كناية عن طلب خلاصهم، وقوله: "ولا تُعم عليهم" كناية عن طلب ما به يحصل تسليهم في ذلك المكان من الاعتبار بالواقعات. قوله: (في الأهراء)، واحدها: هري، وهو الأنبار، ولم أجده إلا في الحاشية.
[ ٨ / ٣٧٢ ]
[(قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)].
(اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ) ولِّني خزائن أرضك (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) أمين أحفظ ما تستحفظنيه، عالمٌ بوجوه التصرف، وصفًا لنفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى وإقامة الحق وبسط العدل، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أنّ أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلب التولية ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا. وعن النبي ﷺ: "رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض، لاستعمله من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة".
فإن قلت: كيف جاز أن يتولى عملًا من يد كافر ويكون تبعًا له وتحت أمره وطاعته؟ قلت: روى مجاهد أنه كان قد أسلم: وعن قتادة. هو دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عملًا من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة البغاة ويرونه. وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق. فله أن يستظهر به. وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كل ما رأى، فكان في حكم التابع له والمطيع.
[(وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)].
(وَكَذلِكَ) ومثل ذلك التمكين الظاهر (مَكَّنَّا لِيُوسُفَ) في أرض مصر. روي أنها كانت أربعين فرسخًا في أربعين (يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ) قرئ بالنون والياء؛
_________________
(١) ـ قوله: (ويرونه)، أي: يعتقدونه من الرأي، وهو الاعتقاد. قوله: «حَيْثُ يَشَاءُ) قرئ بالنون والياء)، بالنون: ابن كثير، والباقون: بالياء.
[ ٨ / ٣٧٣ ]
أي: كل مكانٍ أراد أن يتخذه منزلا ومتبوّأ له، لم يمنع منه لاستيلائه على جميعها ودخوله تحت ملكته وسلطانه. روي أنّ الملك توّجه، وختمه بخاتمه، ورداه بسيفه. ووضع له سريرًا من ذهب مكللًا بالدرّ والياقوت. وروي أنه قال له: أمّا السرير فأشدّ به ملكك. وأمّا الخاتم فأدبر به أمرك، وأمّا التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي. فقال: قد وضعته إجلالًا لك وإقرارًا بفضلك. فجلس على السرير ودانت له الملوك، وفوّض الملك إليه أمره وعزل قطفير، ثم مات بعده، فزوّجه الملك امرأته زليخًا، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيرًا مما طلبت؟ فوجدها عذراء، فولدت له ولدين: إفراثيم وميشا، وأقام العدل بمصر،
_________________
(١) قوله: (ورداه بسيفه)، أي: وشحه، الأساس: "لبست المرأة رداءها؛ أي: وشاحها. وتردت وارتدت: توشحت". وأنشد: ينازعني ردائي عبد عمرو … رويدك يا أخا عمرو بن بكر لي الشطر الذي ملكت يميني … ودونك فاعتجر عنه بشطر قوله: (أما السرير فأشد به ملكك)، أي: أضبطه وأسخره لك، ولما كان السرير يرادف الملك ويلازمه- حتى قيل: استوى فلان على السرير، واريد: سخر له الملك، ودان له الناس، وإن لم يقعد على السرير- قال ذلك، فهو كناية عن ذلك لا تنافي حقيقة الجلوس على السرير مع ضبط الملك، ولذلك عقبه بقوله: "فجلس على السرير، ودانت له الملوك". قوله: (وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي)، يخالفه قوله بعد هذا: "في عنقه طوق، وعلى رأسه تاج"، إلا أن يحمل قوله: "وضعته إجلالًا لك" على أنه من كلام يوسف لا الملك، أي: وضعته على رأسي إجلالًا لأمرك.
[ ٨ / ٣٧٤ ]
وأحبته الرجال والنساء، وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس، وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيءٌ منها، ثم بالحلي والجواهر، ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار، ثم برقابهم حتى استرقهم جميعًا، فقالوا: والله ما رأينا كاليوم ملكًا أجلّ ولا أعظم منه! فقال للملك: كيف رأيت صنع الله بي فيما خوّلني فما ترى؟ قال: الرأي رأيك. قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم. ورددت عليهم أملاكهم، وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير، تقسيطًا بين الناس. وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب أرض مصر، فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا واحتبس بنيامين.
(بِرَحْمَتِنا) بعطائنا في الدنيا من الملك والغنى وغيرهما من النعم (مَنْ نَشاءُ) من اقتضت الحكمة أن نشاء له ذلك (وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أن نأجرهم في الدنيا.
[(وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ)].
(وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) لهم. قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا، وما له في الاخرة من خلاق، وتلا هذه الآية.
[(وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ)].
لم يعرفوه لطول العهد ومفارقته إياهم في سنّ الحداثة، ولاعتقادهم أنه قد هلك، ولذهابه عن أوهامهم لقلة فكرهم فيه واهتمامهم بشأنه، ولبعد حاله التي بلغها من الملك والسلطان عن حاله التي فارقوه عليها طريحًا في البئر،
_________________
(١) ـ قوله: (لم يعرفوه لطول العهد)، تفسير لقوله: (وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)، فدل هذا وقوله بعيد هذا: "أخبروني من أنتم؟ وما شأنكم؟ فإني أنكركم" على أن الإنكار يضاد العرفان، ولذلك أوقع الله تعالى: (وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) مقابلًا لقوله: (فَعَرَفَهُمْ).
[ ٨ / ٣٧٥ ]
مشريًا بدراهم معدودة، حتى لو تخيل لهم أنه هو لكذبوا أنفسهم وظنونهم، ولأنّ الملك مما يبدّل الزيّ ويلبس صاحبه من التهيب والاستعظام ما ينكر له المعروف. وقيل: رأوه على زيّ فرعون عليه ثياب الحرير جالسًا على سرير في عنقه طوقٌ من ذهب وعلى رأسه تاج، فما خطر ببالهم أنه هو. وقيل: ما رأوه إلا من بعيدٍ بينهم وبينه مسافة وحجاب، وما وقفوا إلا حيث يقف طلاب الحوائج، وإنما عرفهم لأنه فارقهم وهم رجال ورأى زيهم قريبًا من زيهم إذ ذاك، ولأنّ همته كانت معقودةً بهم وبمعرفتهم، فكان يتأمّل ويتفطن. وعن الحسن: ما عرفهم حتى تعرّفوا له.
[(وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ* فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ)].
_________________
(١) ـ. قال الراغب: "المعرفة والعرفان: إدراك الشيء بتفكر لأثره، فهو أخص من العلم، يقال: فلان يعرف الله، ولا يقال: يعلم الله، متعديًا إلى مفعول واحد، لما كان معرفة البشر لله تعالى بتدبر آثاره دون إدراك ذاته. ويقال: الله يعلم كذا، ولا يقال: يعرف، لأن المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصل إليه بتفكر، وأصله من: عرفت، أي: أصبت عرفه؛ أي: رائحته، ويضاد المعرفة الإنكار، كالعلم للجهل، قال تعالى: (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا) [النحل: ٨٣]، والعارف في تعارف القوم: هو المختص بمعرفة الله، ومعرفة ملكوته، وحسن معاملته". قوله: (على زي فرعون)، وفرعون إنما ملك بعد يوسف في عهد موسى ﵇، يقال لملوك مصر: الفراعنة، واليمن: التتابعة، والروم: القياصرة، والفرس: الأكاسرة.
[ ٨ / ٣٧٦ ]
(وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ) أي: أصلحهم بعدّتهم وهي عدّة السفر من الزاد وما يحتاج إليه المسافرون وأوقر ركائبهم بما جاءوا من الميرة.
وقرئ "بِجِهازِهِمْ" بكسر الجيم قالَ (ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ) لا بد من مقدمةٍ سبقت له معهم، حتى اجتر القول هذه المسألة.
روي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: أخبروني من أنتم وما شأنكم فإني أنكركم؟ . قالوا: نحن قومٌ من أهل الشام رعاة، أصابنا الجهد فجئنا نمتار، فقال: لعلكم جئتم عيونًا تنظرون عورة بلادي؟ قالوا: معاذ الله، نحن إخوة بنو أبٍ واحد، وهو شيخ صدّيق نبي من الأنبياء، اسمه يعقوب. قال: كم أنتم؟ قالوا كنا اثنى عشر، فهلك منا واحد. قال: فكم أنتم هاهنا؟ قالوا: عشرة. قال: فأين الأخ الحادي عشر؟ قالوا: هو عند أبيه يتسلى به من الهالك. قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون، وأنّ الذي تقولون حق؟ قالوا: إنا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا. قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخيكم من أبيكم،
_________________
(١) قوله: «بِجَهَازِهِمْ) أي: أصلحهم بعدتهم)، الراغب: "الجهاز: ما يعد من متاع وغيره، والتجهيز: حمل ذلك وبعثه، وضرب البعير بجهازه: إذا ألقى متاعه في رحله فنفر". قوله: (من الميرة)، قيل: هو بيان "ما"، بل هو صلة "أوقر"، لأنهم الممتارون، يدل عليه ما ذكر قبيل هذا: "فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا"، والباء في "بما جاؤوا له" بدلية، و"ما جاؤوا له" هو البضاعة التي في قوله: (وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ). قوله: (عورة بلادي)، العورة: الخلل، أراد الخلل التي تكون في الثغور.
[ ٨ / ٣٧٧ ]
وهو يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيًا في يوسف فخلفوه عنده، وكان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم.
(وَلا تَقْرَبُونِ) فيه وجهان: أحدهما: أن يكون داخلًا في حكم الجزاء مجزومًا، عطفًا على محل قوله (فَلا كَيْلَ لَكُمْ) كأنه قيل: فإن لم تأتونى به تحرموا ولا تقربوا، وأن يكون بمعنى النهي.
[(قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ)].
(سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ) سنخادعه عنه، وسنجتهد ونحتال حتى تنتزعه من يده (وَإِنَّا لَفاعِلُونَ) وإنا لقادرون على ذلك لا نتعايى به. أو وإنا لفاعلون ذلك لا محالة لا نفرط فيه ولا نتوانى.
[(وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)].
_________________
(١) قوله: (فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيًا)، قال بعضهم: فيه نظر، لأنه يخالف ما قال قبل هذا في تفسير قوله: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) [يوسف: ١٠]: "هو يهوذا، وكان أحسنهم رأيًا، وهو الذي قال: (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ) [يوسف: ٨٠] ". قوله: (وأن يكون بمعنى النهي)، يعني: يكون داخلًا في حكم الجزاء معطوفًا عليه، لكن جزمه لأجل النهي. قوله: (لا نتعايا به)، يقال: أعيا عليه الأمر وتعايا: إذا عجز عنه، وعلى هذا: قوله: (وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ) تذييل وتوكيد لفعل المراودة، وأنه يصدر منهم البتة، إطلاقًا لاسم المسبب على السبب، لأن الأفعال مصادرها القدرة، وعلى الثاني: توكيد للوعد، ومن ثم قال: "لا نفرط فيه".
[ ٨ / ٣٧٨ ]
(لِفِتْيتهِ) وقرئ (لفتيانه) وهما جمع فتى، كإخوة وإخوان في أخ، و«فعلة» للقلة. و«فعلان» للكثرة، أي: لغلمانه الكيالين (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها) لعلهم يعرفون حق ردّها وحق التكرّم بإعطاء البدلين (إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ) وفرغوا ظروفهم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا، وكانت بضاعتهم النعال والأدم. وقيل: تخوّف أن لا يكون عند أبيه من المتاع ما يرجعون به. وقيل: لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمنًا. وقيل: علم أن ديانتهم تحملهم على ردّ البضاعة لا يستحلون إمساكها فيرجعون لأجلها. وقيل: معنى (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) لعلهم يردّونها.
[(فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)].
(مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) يريدون قول يوسف (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي)، لأنهم إذا أنذروا بمنع الكيل فقد منع الكيل،
_________________
(١) قوله: (وقيل: معنى (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»، عطف على قوله: "لعل معرفتهم" إلى آخره، فيكون من الرجع، لا من الرجوع. قوله: (بإعطاء البدلين)، أي: البضاعة والكيل. قوله: (لأنهم إذا أنذروا بمنع الكيل)، تعليل لتفسير (مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) بقوله: (فَلا كَيْلَ لَكُمْ)، وذلك أنه ﵇ منعهم من الاكتيال، وهذه العبارة تفيد أن الممنوع هو الكيل، فيكون كناية عنه.
[ ٨ / ٣٧٩ ]
(نَكْتَلْ) نرفع المانع من الكيل، ونكتل من الطعام ما نحتاج إليه. وقرئ «يكتل» بمعنى يكتل. أخونا، فينضم اكتياله إلى اكتيالنا. أو يكن سببًا للاكتيال فإن امتناعه بسببه.
[(قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)].
(هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ) يريد أنكم قلتم في يوسف: (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) [يوسف: ١٢]، كما تقولونه في أخيه، ثم خنتم بضمانكم، فما يؤمنني من مثل ذلك. ثم قال: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا) فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم. و(حافِظًا) تمييز، كقولك: هو خيرهم رجلًا، ولله درّه فارسًا. ويجوز أن يكون حالًا
_________________
(١) ـ قوله: (نرفع المانع)، يعني: جواب الأمر هذا، فوضع موضعه (نَكْتَلْ)، لأن يوسف ﵇ لما علق المنع من الكيل بعدم إتيان أخيهم في قوله: (فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ)، كان إرساله رفعًا لذلك المانع، فوضع موضعه (نَكْتَلْ)، لأنه المقصود، وقوله: "ونكتل من الطعام" شروع في تفسير الاكتيال. قال السجاوندي: سأل المازني ابن السكيت عند الواثق عن وزن (نَكْتَلْ)، فقال: "نفعل"، قال المازني: فإذن ماضيه "كتل"، بل وزنه "نفتل". قوله: (أو يكن سببًا للاكتيال)، فعلى هذا: إسناد "يكتل" إلى أخي يوسف على المجاز. قوله: (ثم خستم بضمانكم)، الأساس: "ومن المجاز: خاس العهد وبوعده؛ إذا نكث وأخلف، وخاس بما كان عليه".
[ ٨ / ٣٨٠ ]
وقرئ «حِفظًا» وقرأ الأعمش: "فالله خير حافظٍ". وقرأ أبو هريرة: "خير الحافظين"، (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) فأرجوا أن ينعم علىّ بحفظه ولا يجمع علىّ مصيبتين.
[(وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ)].
وقرئ: "رُدَّتْ إِلَيْنا" بالكسر، على أن كسرة الدال المدغمة نقلت إلى الراء، كما في: قيل وبيع، وحكى قطرب: ضرب زيدٌ. على نقل كسرة الراء فيمن سكنها إلى الضاد، (ما نَبْغِي) للنفي، أي: ما نبغي في القول،
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "حفظًا")، (حَافِظًا): حفص وحمزة والكسائي، والباقون: "حفظًا". قال أبو البقاء: " (حَافِظًا) بالألف: تمييز، ومثل هذا يجوز إضافته، وقيل: هو حال، و"حفظًا": تمييز لا غير". قوله: (ولا يجمع علي مصيبتين)، يعني: جيء بقوله: (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) تذييلًا لقوله: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا) للاستعطاف والترحم، ومن ثم اعتبر في معناه الحفظ، وقال: "فأرجو أن ينعم علي بحفظه". قوله: ("ردت إلينا" بالكسر)، قال ابن جني: "هي قراءة علقمة ويحيى".
[ ٨ / ٣٨١ ]
وما نتزيد فيما وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه، وكانوا قالوا له: إنا قدمنا على خير رجل، أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلًا من آل يعقوب ما أكرمنا كرامته. أو ما نبتغي شيئًا وراء ما فعل بنا من الإحسان. أو: على الاستفهام، بمعنى: أي شيءٍ نطلب وراء هذا؟ وفي قراءة ابن مسعود: "ما تبغي" بالتاء، على مخاطبة يعقوب، معناه: أي شيءٍ تطلب وراء هذا من الإحسان؟ أو من الشاهد على صدقنا؟ وقيل: معناه ما نريد منك بضاعة أخرى.
وقوله: (هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا) جملة مستأنفة موضحة لقوله (ما نَبْغِي) والجمل بعدها معطوفة عليها، على معنى: إن بضاعتنا ردّت إلينا، فنستظهر بها (وَنَمِيرُ أَهْلَنا) في رجوعنا إلى الملك (وَنَحْفَظُ أَخانا) فما يصيبه شيء مما تخافه، ونزداد باستصحاب أخينا وسق بعير زائدًا على أو ساق أباعرنا، فأي: شيء نبتغى وراء هذه المباغى التي نستصلح بها أحوالنا ونوسع ذات أيدينا: وإنما قالوا (وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ) لما ذكرنا أنه كان لا يزيد للرجل على حمل بعير للتقسيط.
فإن قلت: هذا إذا فسرت البغي بالطلب، فأما إذا فسرته بالكذب والتزيد في القول، كانت الجملة الأولى
_________________
(١) قوله: (وما نتزيد)، قال أبو علي: تزيد في الحديث: تكذب فيه، المعنى: زاد فيه ما لم يكن منه. قوله: (أو ما نبتغي شيئًا ولا ما فعل بنا)، يعني: بالغ في الإكرام بحيث لا مزيد عليه فلا يطلب شيئًا آخر. قوله: (وسق بعير)، قال الخليل: الوسق: حمل البعير، والوقر: حمل البغل والحمار.
[ ٨ / ٣٨٢ ]
وهي قوله (هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا) بيانًا لصدقهم وانتفاء التزيد عن قيلهم، فما تصنع بالجمل البواقي؟ قلت: أعطفها على قوله: (ما نَبْغِي) على معنى: لا نبغي فيما نقول (وَنَمِيرُ أَهْلَنا) ونفعل كيت وكيت.
ويجوز أن يكون كلامًا مبتدأ، كقولك: وينبغي أن نمير أهلنا،
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يكون كلامًا مبتدأ)، أي: قوله: (وَنَمِيرُ). قال صاحب "الفرائد": لا تصلح الواو في الابتداء، ولا أن تكون للعطف أو للحال، وفي هذا المقام هو للعطف، والتقدير: ما نكذب، هذه بضاعتنا ردت إلينا، وكان الرد دليلًا على صدقنا فيما قلنا؛ من أنه أكرمنا كما وصفنا، نمشي بها، ونمير أهلنا، وكذا القول في الوجه الثالث والرابع. وقلت: نحو هذا- أي: المعطوف عليه- قدره المصنف في غير هذا الوجه، وهو ما ضبط معناه بقوله: "كلامًا مبتدأ"، فإنه أراد الاعتراض والتذييل، كقولك: فلان ينطق بالحق، والحق أبلج، ألا ترى إلى قوله: "وينبغي لي أن لا أقصر" مقابلًا لقوله: "وينبغي أن نمير"، وعليه قوله تعالى: (سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ) كما سبق، ومن ثم قال: "وإنا لفاعلون ذلك لا محالة"، ألا ترى أنه كيف عقب بقوله: "واجتهدت في تحصيل غرضه" قوله: "سعيت في حاجة فلان"، ثم عقبهما مؤكدًا بقوله: "وينبغي لي أن لا أقصر". وتوجيه السؤال أن قوله: (هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا) بيان لقوله: (مَا نَبْغِي)، بمعنى: لا نكذب، لكن (وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا) لا يصلح أن يكون بيانًا له، فلا يجوز العطف على البيان، وأما إذا جعلته جملة مؤكدة على سبيل التذييل والاعتراض استقام، لأن الكلام في الامتياز، وكل من الجمل في معناه. نعم؛ يصح أن يكون بيانًا إذا حمل (مَا نَبْغِي) على معنى المشورة والرأي، كما قال: "وما ننطق إلا بالصواب فيما نشير"، ويراد بقوله: (هَذِهِ بِضَاعَتُنَا) العرض وما يرجعون به إلى طلب الميرة، وإليه الإشارة بقوله: "ونفعل ونصنع؛ بيانًا لأنهم لا يبغون في رأيهم". وما قدره صاحب "الفرائد" أيضًا وجه يصار إليه.
[ ٨ / ٣٨٣ ]
كما تقول: سعيت في حاجة فلان، واجتهدت في تحصيل غرضه. ويجب أن أسعى، وينبغي لي أن لا أقصر.
ويجوز أن يراد: ما نبغي وما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من تجهيزنا مع أخينا، ثم قالوا: (هذه بضاعتنا) نستظهر بها (ونمير أهلنا) ونفعل ونصنع، بيانًا لأنهم لا يبغون في رأيهم وأنهم مصيبون فيه، وهو وجه حسن واضح.
(ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) أي: ذلك مكيل قليل لا يكفينا، يعنون: ما يكال لهم، فأرادوا أن يزدادوا إليه ما يكال لأخيهم. أو يكون ذلك إشارة إلى (كيل بعير)، أي: ذلك الكيل شيء قليل يجيبنا إليه الملك ولا يضايقنا فيه، أو سهل عليه متيسر لا يتعاظمه. ويجوز أن يكون من كلام يعقوب، وأن حمل بعير واحد شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد، كقوله (ذلِكَ لِيَعْلَمَ) [يوسف: ٥٢].
[(قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَاتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ)].
(لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ) مناف حالي- وقد رأيت منكم ما رأيت-: إرساله معكم، (حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ) حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله،
_________________
(١) قوله: (كقوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ»، يعني: كما أن قوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) يحتمل أن يكون من كلام يوسف، وأن يكون من كلام زليخا، كذلك قوله: (ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) احتمل أن يكون من كلام الأخوة، وأن يكون من كلام أبيهم. قوله: (إرساله معكم)، متعلق بقوله: "مناف لحالي"، وقوله: "وقد رأيت منكم ما رأيت" إما حال أو جملة معترضة، قال في "الانتصاف": "لما اعتمد في نفي الرؤية على أن
[ ٨ / ٣٨٤ ]
أراد أن يحلفوا له بالله: وإنما جعل الحلف بالله موثقًا منه؛ لأن الحلف به مما تؤكد به العهود وتشدّد. وقد أذن الله في ذلك فهو إذن منه (لَتَاتُنَّنِي بِهِ) جواب اليمين، لأن المعنى: حتى تحلفوا لتأتننى به (إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ) إلا أن تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به. أو إلا أن تهلكوا.
فإن قلت: أخبرنى عن حقيقة هذا الاستثناء ففيه إشكال؟ قلت: (أَنْ يُحاطَ بِكُمْ) مفعول له، والكلام المثبت الذي هو قوله (لَتَاتُنَّنِي بِهِ) في تأويل النفي. معناه: لا تمتنعون من الإتيان به إلا للإحاطة بكم، أى: لا تمتنعون منه لعلةٍ من العلل إلا لعلةٍ واحدة، وهي أن يحاط بكم، فهو استثناء من أعم العام في المفعول له، والاستثناء من أعم العام لا يكون إلا في النفي وحده، فلا بد من تأويله بالنفي. ونظيره من الإثبات المتأوّل بمعنى النفي قولهم: أقسمت بالله لما فعلت وإلا فعلت،
_________________
(١) "لن" تأكيد للنفي، فإذا قلت: لن أفعل، فالمعنى: لن أفعله، وأن فعله ينافي حالي، قال: مناف لحالي". قوله: (وقد أذن الله في ذلك، فهو إذن منه)، تفسير لموقع (مِنَ اللهِ) في قوله تعالى: (مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ). قوله: (أقسمت بالله لما فعلت)، روي عن المصنف أنه قال: "أقسمت" هو إثبات في الظاهر، وليس به، لأنه في معنى النفي، وقسم وليس بقسم، لأنه في معنى الاستدعاء والطلب، وظاهر "لما" الوقت، وليس بوقت، لأنه في معنى الاستثناء، وما بعده فعل،
[ ٨ / ٣٨٥ ]
تريد: ما أطلب منك إلا الفعل (عَلى ما نَقُولُ) من طلب الموثق وإعطائه (وَكِيلٌ) رقيب مطلع.
[(وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ* وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)].
وإنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد، لأنهم كانوا ذوى بهاء وشارةٍ حسنة، اشتهرهم أهل مصر بالقربة عند الملك والتكرمة الخاصة التي لم تكن لغيرهم،
_________________
(١) وليس بفعل، لأنه في معنى الاسم، فالكلام كله- إذن- ليس على ظاهره، بل مؤول، ولذلك أعضل على سيبويه حتى قال: سألت الخليل عن قول العرب: "أقسمت بالله لما فعلت". قال في "الانتصاف": "إنما اختص قوله: (لَتَاتُونَنِي بِهِ) في النفي، لأن المستثنى منه مسكوت عنه، والنفي عام؛ إذ يلزم من نفي الإتيان نفي عوارضه، فكأنها مكررة، بخلاف الإثبات، فإنه لا إشعار له بعموم الأحوال، فلا توقف له إلا على أحدها، ولقد صدق القائل: "البلاء موكل بالمنطق"، قال: (وَأَخَافُ أَنْ يَاكُلَهُ الذِّئْبُ) [يوسف: ١٣]، فقالوا: أكله الذئب، وقال: (إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ)، فأحيط بهم". وقال أبو البقاء والقاضي: "التقدير: لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم". قوله: (وشارة حسنة)، الجوهري: "الشارة: اللباس والهيئة".
[ ٨ / ٣٨٦ ]
فكانوا مظنة لطموح الأبصار إليهم من بين الوفود، وأن يشار إليهم بالأصابع. ويقال هؤلاء أضياف الملك، انظروا إليهم ما أحسنهم من فتيان، وما أحقهم بالإكرام، لأمر مّا أكرمهم الملك وقرّبهم وفضلهم على الوافدين عليه، فخاف لذلك أن يدخلوا كوكبة واحدة، فيعانوا لجمالهم وجلالة أمرهم في الصدور، فيصيبهم ما يسوؤهم، ولذلك لم يوصهم بالتفرق في الكرّة الأولى، لأنهم كانوا مجهولين مغمورين بين الناس.
فإن قلت: هل للإصابة بالعين وجه تصحّ عليه؟ قلت: يجوز أن يحدث الله ﷿ عند النظر إلى الشيء والإعجاب به، نقصانًا فيه وخللا من بعض الوجوه، ويكون ذلك ابتلاء من الله وامتحانًا لعباده، ليتميز المحققون من أهل الحشو فيقول المحقق: هذا فعل الله، ويقول الحشوي: هو أثر العين، كما قال تعالى: (وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) الآية [المدثر: ٣١]. وعن النبي ﷺ: «أنه كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: أعيذ كما بكلمات الله التامّة، من كل عين لامّة، ومن كل شيطان وهامّة».
_________________
(١) قوله: (فيعانوا لجمالهم)، الجوهري: "عنت الرجل: أصبته بعيني، فأنا عائن، وهو معين؛ على النقص، ومعيون؛ على التمام، وقال الشاعر في التمام: قد كان قومك يحسبونك سيدًا … وإخال أنك سيد معيون" قوله: (كان يعوذ الحسن والحسين)، روينا عن البخاري والترمذي وأبي داود عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يعوذ الحسن والحسين، ويقول: إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق، أعوذ بكلمات الله التامة؛ من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة".
[ ٨ / ٣٨٧ ]
(وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) يعني إن أراد الله بكم سوءًا لم ينفعكم، ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق، وهو مصيبكم لا محالة إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ.
ثم قال (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ) أي: متفرقين (ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ) رأي يعقوب ودخولهم متفرّقين شيئًا قط،
_________________
(١) "الجامع": "الهامة: واحدة الهوام، وهي الحيات وكل ذي سم يقتل، فأما ما لا يقتل ويسم فهو السوام، وواحدها: سامة، كالعقرب والزنبور، وقد تقع "الهوام" على كل ما يدب من الحيوان. واللامة: ذات اللمم، ولم يقل: ملمة، وإن كانت من: ألمت تلم؛ طلبًا للازدواج بـ (هامة) "، ويجوز أن تكون على ظاهرها؛ بمعنى: جامعة للشر على المعيون؛ من: لمه يلمه؛ إذا جمعه. قوله: (ثم قال: (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ»، عطف على مقدر، و"ثم" للتراخي في الأخبار. المعنى: أن الله تعالى حكى عن يعقوب ﵇ أنه قال أولًا: (يَا بَنِي لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ) صيانة لهم عن عين الكمال، وقال لهم ثانيًا: (وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) صيانة للكلام عن شوب الاعتزال، ثم حقق ذلك المعنى بقوله: (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ). وقال أبو البقاء: "في جواب "لما" وجهان: أحدهما: هو (آوَى)، وهو جواب "لما" الأولى والثانية، كقولك: "لما جئتك ولما كلمتك أجبتني"، وحسن ذلك أن دخولهم على يوسف يعقب دخولهم من الأبواب.
[ ٨ / ٣٨٨ ]
حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرّقهم، من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك، وأخذ أخيهم بوجدان الصواع في رحله، وتضاعف المصيبة على أبيهم (إِلَّا حاجَةً) استثناء منقطع، على معنى: ولكن حاجة (فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها) وهي شفقته عليهم وإظهارها بما قاله لهم ووصاهم به،
_________________
(١) الثاني: محذوف، أي: امتثلوا وقضوا حاجة أبيهم". ويجوز أن يكون الجواب معنى (مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ)، وعلى هذا كلام المصنف، وتلخيصه: فلما دخلوا متفرقين ليسلموا عما حذروا منه، ما أغنى عنهم ذلك شيئًا، حيث أصابهم ما أصابهم. قوله: «إِلاَّ حَاجَةً) استثناء منقطع)، ويمكن أن يكون متصلًا من باب "لا عيب فيهم غير أن سيوفهم"، المعنى: ما أغنى عنهم ما وصاهم به أبوهم شيئًا إلا شفقته، ومن الضرورة أن شفقة الأب مع قدرة الله كالهباء، فإذن ما أغنى عنهم شيئًا قط. وفي تصريح اسم يعقوب إشعار بالتعطف والشفقة والترحم، لأنه اشتهر بالحزن والرقة. الراغب: "الحاجة إلى الشيء: الفقر إليه مع محبة، وجمعه: حاج وحاجات وحوائج، ويقال: جاج كوج".
[ ٨ / ٣٨٩ ]
(وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ) يعني قوله (وَما أُغْنِي عَنْكُمْ) وعلمه بأن القدر لا يغنى عنه الحذر.
[(وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
(آوى إِلَيْهِ أَخاهُ) ضم إليه بنيامين. وروي أنهم قالوا له: هذا أخونا قد جئناك به، فقال لهم: أحسنتم وأصبتم، وستجدون ذلك عندي، فأنزلهم وأكرمهم، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة. فبقى بنيامين وحده فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيًا لأجلسنى معه، فقال يوسف: بقي أخوكم وحيدًا، فأجلسه مع على مائدته وجعل يؤاكله، قال: أنتم عشرة فلينزل كل اثنين منكم بيتًا، وهذا لا ثاني له فيكون معي، فبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى أصبح،
_________________
(١) قوله: (وعلمه بأن القدر)، نصب؛ عطف على قوله: "قوله: (وَمَا أُغْنِي) " على سبيل البيان، وصفه الله تعالى بالعلم الفائق لمطابقة قوله معتقده، وذلك بإسناد التعليم إلى الله، وبتعظيم ضمير الجماعة، وأن لم يقل: "عالم"، وقيل: (لَذُو عِلْمٍ) على الكناية، ونكر (عِلْمٍ)، ونفي عن أكثر الناس. وفيه إشارة إلى تعظيم القول بالقضاء والقدر، ونفي الحول والقوة عن الخلق بالكلية، وأنه علم جليل دقيق يختص بالعظماء من الأنبياء والمرسلين، وأن أكثر عقول البشر قاصرة عن إدراكه، جاهلة عن إمعان حقيقته، إلا من وفقه الله تعالى، واختصه به. قوله: «آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ) ضم إليه بنيامين)، الراغب: "أوى إليه يأوي أويًا ومأوى، وآواه غيره إيواء. تقول: أوى إليه كذا: انضم إليه، يأوي أويًا ومأوى، قال
[ ٨ / ٣٩٠ ]
وسأله عن ولده فقال: لي عشرة بنين اشتققت أسماءهم من اسم أخ لي هلك، فقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد أخًا مثلك، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وقال له (إِنِّي أَنَا أَخُوكَ) يوسف (فَلا تَبْتَئِسْ) فلا تحزن (بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا على خير، ولا تعلمهم بما أعلمتك. وعن ابن عباس: تعرّف إليه. وعن وهب: إنما قال له: أنا أخوك بدل أخيك المفقود، فلا تبتئس بما كنت تلقى منهم من الحسد والأذى فقد أمنتهم
_________________
(١) تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) [الكهف: ١٠]، وقال تعالى: (آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ) [يوسف: ٦٩]، وقال: (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) [الأحزاب: ٥١]. وقوله تعالى: (جَنَّةُ الْمَاوَى) [النجم: ١٥]: كقوله: (دَارُ الْخُلْدِ) [فصلت: ٢٨] في إضافته إلى المصدر. وأويت له: رحمته، أويًا وأيةً ومأوية، وتحقيقه: رجعت إليه بقلبي". قوله: «فَلا تَبْتَئِسْ) فلا تحزن)، الراغب: "البؤس والبأس والبأساء: الشدة والمكروه، إلا أن البؤس في الفقر والحرب أكثر، والبأس والبأساء في النكاية، نحو: (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا) [النساء: ٨٤]، وقد بؤس يبؤس، (فَلا تَبْتَئِسْ) أي: لا تلتزم البؤس ولا تحزن". قوله: (وعن ابن عباس: تعرف إليه)، يعني: بقوله: (إِنِّي أَنَا أَخُوكَ). قوله: (إنما قال له: أنا أخوك بدل أخيك المفقود)، تفسير لقوله تعالى: (إِنِّي أَنَا أَخُوكَ).
[ ٨ / ٣٩١ ]
وروي أنه قال له: أنا لا أفارقك. قال: قد علمت اغتمام والدي بي، فإذا حبستك ازداد غمه، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن أنسبك إلى ما لا يجمل. قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك. قال: فإني أدس صاعي في رحلك، ثم أنادي عليك بأنك قد سرقته، ليتهيأ لي ردّك بعد تسريحك معهم. قال: افعل.
[(فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ* قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ* قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ)].
(السِّقايَةَ) مشربة يسقى بها وهي الصواع. قيل: كان يسقى بها الملك، ثم جعلت صاعًا يكال وقيل: كانت الدواب تسقى بها ويكال بها. وقيل: كانت إناءً مستطيلًا يشبه المكوك. وقيل: هي المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه تشرب به الأعاجم. وقيل: كانت من فضة مموّهة بالذهب، وقيل كانت من ذهب. وقيل: كانت مرصعة بالجواهر (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) ثم نادى منادٍ. يقال: آذنه أعلمه. وأذن: أكثر الإعلام. ومنه المؤذن، لكثرة ذلك منه.
روي: أنهم ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا، ثم أمر بهم فأدركوا وحبسوا، ثم قيل لهم ذلك.
والعير: الإبل التي عليها الأحمال، لأنها تعير: أي: تذهب وتجيء. وقيل: هي قافلة الحمير، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة عير، كأنها جمع عير، وأصلها فعل كسقف وسقف، فعل به ما فعل بـ"بيض" و"غيدٍ"،
_________________
(١) قوله: (فعل به ما فُعل بـ "بيض")، الجوهري: "جمع الأبيض: بيض، وأصله: بيض؛ بضم الباء، وإنما أبدلوا من الضمة كسرة لتصح الياء". قوله: (و"غيد")، بالغين المعجمة؛ جمع "أغيد"؛ من الغيد بمعنى: النعومة.
[ ٨ / ٣٩٢ ]
والمراد أصحاب العير كقوله: يا خيل الله اركبي.
وقرأ ابن مسعود: وجعل السقاية، على حذف جواب "لما"، كأنه قيل: فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه، أمهلهم حتى انطلقوا، ثم أذن مؤذن. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى: تفقدون، من أفقدته إذا وجدته فقيدًا. وقرئ: "صواع"، و"صاع"، و"صوع". بفتح الصاد وضمها،
_________________
(١) قوله: (يا خيل الله اركبي)، النهاية: "جاء في الحديث، وهو على حذف المضاف، أي: [يا] فرسان خيل الله اركبي، وهذا من أحسن المجازات وألطفها". قال الراغب: "الخيل في الأصل: اسم للأفراس والفرسان، وعلى ذلك قوله تعالى: (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) [الأنفال: ٦٠]، ويستعمل في كل منهما منفردًا، نحو ما روي: "يا خيل الله اركبي"، فهذا للفرسان، ومنه الحديث: "عفوت لكم عن صدقة الخيل"، يعني: الأفراس". قوله: (من: أفقدته؛ إذا وجدته فقيدًا)، الراغب: "الفقد: عدم الشيء بعد وجوده، فهو أخص من العدم، فإن العدم يقال فيه وفيما لم يوجد بعد، قال الله تعالى: (مَاذَا تَفْقِدُونَ)، والتفقد: التعهد، لكن حقيقة التفقد: تعرف فقدان الشيء، والتعهد: تعرفا لعهد المتقدم". قوله: (وقرئ: "صواع" و"صاع")، قال ابن جني: "قرأ أبو رجاء: "صوع الملك"؛ بفتح الصاد، وقرأ عبد الله بن عون: بضمها، ويحيى بن يعمر: بفتح الصاد وبالغين المعجمة،
[ ٨ / ٣٩٣ ]
والعين معجمة وغير معجمة.
(وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) يقوله المؤذن، يريد: وأنا بحمل البعير كفيل، أُؤدّيه إلى من جاء به، وأراد وسق بعير من طعام جعلا لمن حصله.
[(قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ)].
(تَاللَّهِ) قسم فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم، وإنما قالوا (لَقَدْ عَلِمْتُمْ) فاستشهدوا بعلمهم؛ لما ثبت عندهم من دلائل دينهم وأمانتهم في كرّتي مجيئهم ومداخلتهم للملك، ولأنهم دخلوا وأفواه رواحلهم مكعومة، لئلا تتناول زرعًا أو طعامًا لأحد من أهل السوق. ولأنهم ردّوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم. (وَما كُنَّا سارِقِينَ) وما كنا قط نوصف بالسرقة وهي منافية لحالنا.
_________________
(١) وأبو هريرة: "صاع"، والناس: (صُوَاعَ). والصاع والصواع والصوع: واحد، وكلها مكيال، وقيل: الصواع: إناء الملك يشرب منه، وأما الصوغ: فمصدر وضع موضع اسم المفعول، أي: المصوغ". قوله: (قسم فيه معنى التعجب)، المعنى: ما أعجب حالكم، أنتم تعلمون علمًا جليًا لا ريب فيه لما شاهدتم من أحوالنا أننا بريئون مما تصنعون إلينا. ثم تنسبونه إلينا، قال الزجاج: "التاء لا يقسم بها إلا في "الله"، وهي بدل من الواو كما في "وراث": تراث". قوله: (مكعومة)، الجوهري: "الكعامة: شيء يجعل على فم البعير، يقال: كعمت البعير، أي: شددت فمه في هياجه، فهو مكعوم".
[ ٨ / ٣٩٤ ]
[(قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ* قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)].
(فَما جَزاؤُهُ) الضمير للصواع، أى، فما جزاء سرقته (إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) في جحودكم وادّعائكم البراءة منه؟
(قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ) أي: جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله، وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترقّ سنة، فلذلك استفتوا في جزائه. وقولهم (فَهُوَ جَزاؤُهُ) تقرير للحكم، أى: فأخذ السارق نفسه وهو جزاؤه لا غير، كقولك: حق زيد أن يكسى ويطعم وينعم عليه، فذلك حقه، أي: فهو حقه لتقرّر ما ذكرته من استحقاقه وتلزمه.
ويجوز أن يكون (جَزاؤُهُ) مبتدأ، والجملة الشرطية كما هي خبره، على إقامة الظاهر فيها مقام المضمر. والأصل: جزاؤه من وجد في رحله فهو هو، فوضع الجزاء موضع هو، كما تقول لصاحبك: من أخو زيد؟ فيقول لك: أخوه من يقعد إلى جنبه، فهو هو، يرجع الضمير الأوّل إلى "من" والثاني إلى "الأخ"، ثم تقول فهو أخوه مقيما للمظهر مقام المضمر.
_________________
(١) قوله: «فَهُوَ جَزَاؤُهُ) تقرير للحكم)، قال أبو البقاء: " (جَزَاؤُهُ) مبتدأ، و(مَن وُجِدَ) خبره، والتقدير: استعباد من وجد في رحله، و(فَهُوَ جَزَاؤُهُ) مبتدأ وخبر مؤكد لمعنى الأول". ومثله في دخول الفاء بين المؤكد والمؤكد قوله تعالى: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) في أحد وجهيه. قوله: (مقيمًا للمظهر مقام المضمر)، قال الزجاج بعدما حكى هذا الوجه: "الإظهار أحسن؛ لئلا يقع اللبس، ولئلا يتوهم أن "هو" إذا عادت ثانية ليست براجعة إلى الجزاء،
[ ٨ / ٣٩٥ ]
ويحتمل أن يكون (جزاؤه) خبر مبتدأٍ محذوف، أي: المسئول عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم: من وجد في رحله فهو جزاؤه، كما يقول: من يستفتى في جزاء صيد المحرم، جزاء صيد المحرم،
_________________
(١) ـ والعرب إذا فخمت أمر الشيء جعلت العائد إليه إعادة لفظه بعينه". قوله: (في جزاء صيد المحرم)، يتعلق بقوله: "يستفتى"، وقوله: "جزاء صيد المحرم" حكاية قول المستفتي؛ يحكيه المفتي توطئة لفتواه، ثم يشرع في الفتوى ويقول: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا) [المائدة: ٩٥] الآية. فإن قلت: قوله: "جزاء صيد المحرم" ليس مثل قوله: (جَزَاؤُهُ)، أي: المسئول عنه جزاؤه، لأنه خبر مبتدأ محذوف؟ قلت: إذا حكى المسئول عنه حكاية كلام السائل لابد من تقدير ما يتم به كلامه، فقوله: "جزاء صيد المحرم": تمامه ما أذكره؛ لدلالة قوله: "ثم يقول"، والمراد بالمسئول عنه ما يفهم من قوله: (فَمَا جَزَاؤُهُ)، وهو حكم السارق، لأن المعنى: فما جزاء من سرق؟ أيك سرقة السارق للصاع؟ أي: السارق الذي سألت عن حكمه هو جزاؤه.
[ ٨ / ٣٩٦ ]
ثم يقول: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) [المائدة: ٩٥].
[(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَاخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)].
(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ) قيل: قال لهم من وكل بهم: لا بدّ من تفتيش أوعيتكم، فانصرف بهم إلى يوسف، فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء بنيامين لنفى التهمة حتى بلغ وعاءه فقال: ما أظنّ هذا أخذ شيئًا، فقالوا: والله لا تتركه حتى تنظر في رحله، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا، فاستخرجوه منه.
وقرأ الحسن: وعاء أخيه، بضم الواو، وهي لغة. وقرأ سعيد ابن جبير: إعاء أخيه، بقلب الواو همزة.
فإن قلت: لم ذكر ضمير "الصواع" مرّات ثم أنثه؟ قلت: قالوا رجع بالتأنيث على "السقاية"، أو أنث "الصواع" لأنه يذكر ويؤنث، ولعلّ يوسف كان يسميه سقاية وعبيده صواعا، فقد وقع فيما يتصل به من الكلام سقاية، وفيما يتصل بهم منه صواعًا.
(كَذلِكَ كِدْنا) مثل ذلك الكيد العظيم كدنا (لِيُوسُفَ) يعني: علمناه إياه وأوحينا به إليه (ما كانَ لِيَاخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) تفسير للكيد وبيان له،
_________________
(١) قوله: (مثل ذلك الكيد العظيم كدنا)، اعلم أن الكيد هو المكر والخديعة، وهو أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه، وهو في حق الله تعالى محمول على التمثيل، فكأن صورة صنع الله تعالى في تعليمه يوسف ﵇ أن لا يحكم على إخوته حكم الملك بأن يغرم السارق مثلي ما أخذه، بل يجري عليهم الحكم على سنن مذهبهم بأن يستعبد السارق،
[ ٨ / ٣٩٧ ]
لأنه كان في دين ملك مصر، وما كان يحكم به في السارق: أن يغرم مثلي ما أخذ، لا أن يلزم ويستعبد (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) أي: ما كان يأخذه إلا بمشيئة الله وإذنه فيه (نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ) في العلم كما رفعنا درجة يوسف فيه.
_________________
(١) تشبه صورة صنع من يوهم الغير خلاف ما يخفيه، لأن مقصود يوسف ﵇ إيواء أخيه إليه، وكان لا يتم ذلك إلا بهذه الحيلة. ولما كان قوله: (مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) هو عين الكيد، قال المصنف: هو "تفسير للكيد". الراغب: "الكيد: ضرب من الاحتيال، وقد يكون محمودًا أو مذمومًا، وإن كان في المذموم أكثر استعمالًا، وكذلك الاستدراج والمكر، ويكون بعض ذلك محمودًا، قال تعالى: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)، وقال: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [الأعراف: ١٨٣]، وفلان يكيد بنفسه، أي: يجود". قوله: (أن يغرم مثلي ما أخذ)، اسم "كان" في قوله: "كان في دين الملك"، و"ما"- في "ما كان يحكم به"- موصولة، وهو عطف تفسيري على "دين الملك"، والضمير في "لأنه كان" للشأن. قوله: (إلا بمشيئة الله تعالى وإذنه)، ويجوز أن يكون (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) كلمة تأبيد، كأنه قيل: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك أبدًا، لأنه جل من انتصب لمنصب النبوة أن يحكم بدين الكفار، نحوه قوله تعالى: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الأعراف: ٨٩]، لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاء الله على مذهبه كما قرره.
[ ٨ / ٣٩٨ ]
وقرئ: "يرفع" بالياء. و(درجات) بالتنوين (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) فوقه أرفع درجة منه في علمه، أو فوق العلماء كلهم (عليم) هم دونه في العلم، وهو الله عز وعلا،
_________________
(١) قال الزجاج: "موضع (أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) نصب؛ لما سقطت الباء أفضى الفعل". قوله: «نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ»، عاصم وحمزة والكسائي: بالنون، والباقون: بالياء. قوله: (و(دَرَجَاتٍ) بالتنوين)، قال أبو البقاء: " (مَن) - على هذا- مفعول (نَرْفَعُ)، و(دَرَجَاتٍ) ظرف أو حرف الجر محذوف، أي: إلى درجات". قوله: (أو فوق العلماء كلهم (عَلِيمٌ) هم دونه في العلم، وهو الله ﷿)، ولفظة "كل" على الأول استغراقية، وعلى الثاني مجموعية. قال القاضي: "واحتج به من زعم أنه تعالى عالم بذاته؛ إذ لو كان ذا علم، لكان فوقه من هو أعلم منه، والجواب: أن المراد: كل ذي علم من الخلق، لأن الكلام فيهم، ولأن العليم هو الله تعالى، ومعناه: الذي له العلم البالغ لغة، ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا: فوق كل العلماء عليم، وهو مخصوص". وقلت: قضية النظم تقتضي أن يقال: إن قوله: (مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) تفسير وبيان لقوله: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)، والكيد: هو تعليم الله إياه أن يسرق أخاه، ويكذب إخوته؛ ليستعبده، ومثل هذا الحكم الذي ترى في الظاهر حرمته، وهو في الحقيقة
[ ٨ / ٣٩٩ ]
فإن قلت: ما أذن الله فيه يجب أن يكون حسنًا، فمن أي: وجه حسن هذا الكيد؟ وما هو إلا بهتان، وتسريق لمن لم يسرق، وتكذيب لمن لم يكذب، وهو قوله: (إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) [يوسف: ٧٠]، (فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) [يوسف: ٧٤]؟ قلت: هو في صورة البهتان، وليس ببهتانٍ في الحقيقة، لأنّ قوله (إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) تورية عما جرى مجرى السرقة من فعلهم بيوسف.
وقيل: كان ذلك القول من المؤذن لا من يوسف، وقوله (إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) فرض لانتفاء براءتهم. وفرض التكذيب لا يكون تكذيبًا، على أنه لو صرّح لهم بالتكذيب كما صرّح لهم بالتسريق. لكان له وجه، لأنهم كانوا كاذبين في قولهم: (وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) [يوسف: ١٧].
هذا وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى مصالح ومنافع دينية، كقوله تعالى لأيوب ﵇: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا) [ص: ٤٤] ليتخلص من جلدها ولا يحنث، وكقول إبراهيم ﵇: "هي أختي"، لتسلم من يد الكافر. وما الشرائع كلها إلا مصالح وطرق إلى التخلص من الوقوع في المفاسد، وقد علم الله تعالى في هذه الحيلة التي لقنها يوسف مصالح عظيمة فجعلها سلمًا وذريعة إليها، فكانت حسنة جميلة وانزاحت عنها وجوه القبح لما ذكرنا.
_________________
(١) متضمن لأسرار وحكم لا يصل إلى كنهها كل ذي علم، فإن أصحاب العلم وأربابه تتفاوت درجاتهم؛ فمن عالم لا ينظر إلا إلى ظاهر الحال فينكر، ومن عالم يعلم السر والحكمة فيه كيوسف والخضر فيمضيه، فجاء قوله: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) تذييلًا للكلام السابق، فعلى هذا: يحمل "الكل" في قوله: (كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) على الاستغراقية دون المجموعية، ويحمل "العليم" على غير الله ﷿ قطعًا. قوله: (تورية)، وهي أن يطلق لفظ له معنيان؛ قريب وبعيد، ويراد البعيد منهما، فقوله:
[ ٨ / ٤٠٠ ]
[(قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ)].
(أَخٌ لَهُ) أرادوا يوسف. روي: أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياءً، وأقبلوا عليه وقالوا له: ما الذي صنعت؟ فضحتنا وسوّدت وجوهنا، يا بني راحيل ما يزال لنا منكم بلاء، متى أخذت هذا الصاع؟ فقال: بنو راحيل الذين لا يزال منكم عليهم البلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم.
واختلف فيما أضافوا إلى يوسف من السرقة: فقيل: كان أخذ في صباه صنما لجدّه أبي أمّه فكسره وألقاه بين الجيف في الطريق. وقيل: دخل كنيسة فأخذ تمثالًا صغيرًا من ذهب كانوا يعبدونه فدفنه. وقيل: كانت في المنزل عناقٌ أو دجاجة فأعطاها السائل. وقيل كانت لإبراهيم ﵇ منطقة يتوارثها أكابر ولده، فورثها إسحاق ثم وقعت إلى ابنته وكانت أكبر أولاده، فحضنت يوسف وهي عمته بعد وفاة أمّه وكانت لا تصبر عنه، فلما شبّ أراد يعقوب أن ينتزعه منها، فعمدت إلى المنطقة فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وقالت: فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها، فوجدوها محزومةً على يوسف، فقالت: إنه لي سلمٌ أفعل به ما شئت، فخلاه يعقوب عندها حتى ماتت.
(فَأَسَرَّها) إضمار على شريطة التفسير،
_________________
(١) ـ (إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) معناه القريب: سرقة الصاع، والبعيد: فعلهم بيوسف ما فعلوا، وهو المراد ها هنا. قوله: (إضمار على شريطة التفسير)، من قول الزجاج: " (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) إضمار
[ ٨ / ٤٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) على شريطة التفسير، لأنه بدل من "ها" في (فَأَسَرَّهَا) أي: أسر يوسف في نفسه قوله: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا)، المعنى: أنتم شر مكانًا في السرقةبالصحة، لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم". وقال أبو علي في "الإغفال": الإضمار على شريطة التفسير على ضربين: أحدهما: أن يفسر بمفرد، نحو: نعم رجلًا زيد، ففي "نعم" ضمير هو الفاعل، و"رجلًا" تفسير له، ومثله: "ربه رجلًا". وثانيهما: أن يفسر بجملة، نحو قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: ١]، أي: الأمر الله أحد، ثم يدخل عليها عوامل المبتدأ، نحو: "كان" و"إن" و"ليس". وتفسير المضمر في كلا الموضعين متصل بالجملة التي فيها الإضمار المشروط تفسيره، ومتعلق به، أما في المبتدأ ففي موضع الخبر، وأما في المفرد فمتعلق بما عمل في الضمير، ألا ترى أن "رجلًا" في قوله: "نعم رجلًا" منتصب عن الفعل، وفي "ربه رجلًا" منتصب عن تمام الهاء المضمر، فهو من باب "لي مثله رجلًا" و"أفضل رجل أنا".
[ ٨ / ٤٠٢ ]
تفسيره: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا) وإنما أنث لأنّ قوله (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا) جملة أو كلمة، على تسميتهم الطائفة من الكلام كلمة، كأنه قيل: فأسرّ الجملة أو الكلمة التي هي قوله (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا). والمعنى: قال في نفسه: أنتم شر مكانًا، لأنّ قوله (قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا) بدل من "أسرَّها". وفي قراءة ابن مسعود: "فأسرَّه"، على التذكير، يريد القول أو الكلام.
_________________
(١) فظهر أن تفسير المضمر المشروط تفسيره لا يكون إلا متعلقًا بالجملة التي تتضمن المضمر، ولا يكون منقطعًا عنها، والذي ذكره الزجاج منقطع". والوجه أن يحمل الضمير في "أسرها" على الإجابة؛ كأنهم لما قالوا: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)، أسر يوسف ﵇ إجابتهم في نفسه في الوقت، ولم يبدها لهم، أو على المقالة؛ أي: أسر مقالتهم، والمقالة والقول واحد، والمراد المقول، كالخلق والمخلوق، فمعنى "أسرها": وعاها وأكنها في نفسه إرادة التوبيخ. وقال القاضي: "وأجيب بأن الحصر ممنوع، فإنهم سموا نحو: "زيدًا ضربته" بهذا الاسم، ولا مناقشة في التسمية". وقال القاضي: "في جعل (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) بدل من الضمير على تأويل الكلمة أو الجملة نظر؛ إذ المفسر بالجملة لا يكون إلا ضمير الشأن". وفي قول المصنف: " (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) بدل من (أسرها) " إثبات لكلام النفس.
[ ٨ / ٤٠٣ ]
ومعنى (أنتم شَرٌّ مَكانًا) أنتم شر منزلة في السرق، لأنكم سارقون بالصحة، لسرقتكم أحاكم من أبيكم (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ) يعلم أنه لم يصح لي ولا لأخي سرقة، وليس الأمر كما تصفون.
[(قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)].
استعطفوه بإذكارهم إياه حق أبيهم يعقوب، وأنه شيخ كبير السنّ أو كبير القدر، وأنّ بنيامين أحب إليه منهم، وكانوا قد أخبروه بأن ولدًا له قد هلك وهو عليه ثكلان، وأنه مستأنس بأخيه (فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ) فخذه بدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد (إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) إلينا فأتمم إحسانك. أو من عادتك الإحسان فاجْرِ على عادتك ولا تغيرها.
[(قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظالِمُونَ)].
(مَعاذَ اللَّهِ) هو كلام موجه، ظاهره: أنه وجب على قضية فتواكم أخذ من وجد الصواع في رحله واستعباده، فلو أخذنا غيره كان ذلك ظلمًا في مذهبكم، فلم تطلبون ما عرفتم أنه ظلم،
_________________
(١) قوله: (شر منزلة في السرق)، السرق: مصدر كالكذب، وقيل: الاسم من "سرق يسرق سرقًا": السرق والسرقة بكسر الراء فيهما. قوله: (أو: من عادتك الإحسان)، فالجملة على هذا معترضة، وعلى الأول استئنافية على بيان الموجب، فتكون متصلة. وبيانه على الأول: فخذ أحدنا مكانه كما كنت تحسن إلينا فيما سلف، فيكون هذا الإحسان من تتمته. وعلى الثاني: إثبات إحسانه على العموم في كل الناس. قوله: (كلام موجه)، أي: ذو وجهين، كقول أبي بكر ﵁ حين سئل عن
[ ٨ / ٤٠٤ ]
وباطنه: إنّ الله أمرني وأوحى إليّ بأخذ بنيامين واحتباسه لمصلحة أو لمصالح جمة علمها في ذلك، فلو أخذت غير من أمرني بأخذه كنت ظالمًا وعاملًا على خلاف الوحي.
ومعنى (مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ) نعوذ بالله معاذًا من أن نأخذ، فأضيف المصدر إلى المفعول به وحذف "من". و(إِذًا) جوابٌ لهم وجزاء، لأن المعنى: إن أخذنا بدله ظلمنا.
_________________
(١) رسول الله ﷺ حين مهاجرتهما: "هذا رجل يهديني السبيل". قوله: (لأن المعنى: إن أخذنا بدله ظلمنا)، تعليل لتصحيح معنى الجزاء، قال ابن الحاجب- في معنى قول الزجاج في قولهم: "يقول الرجل: (أنا آتيك، فتقول: إذن أكرمك): إن كان الأمر كما ذكرت فإني أكرمك-: "نبه الزجاج أن فيها معنى الجزاء حتى صح تقديره مصرحًا به"، وأما جواب المتكلم فإنه سأل ماذا يكون مرتبطًا بالإكرام، فأجابه بارتباط إكرامه به. وقال المرزوقي رحمه الله تعالى: "وفائدة "إذن" في قوله: إذن لقام بنصري معشر خشن هو أن هذا خرج مخرج جواب قائل قال له: ولو استباحوا ماذا كان يفعل بنو مازن؟ فقال: إذن لقام بنصري. قال سيبويه: [إذن] جواب وجزاء، فهذا البيت جواب لهذا
[ ٨ / ٤٠٥ ]
[(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَاذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ)].
(اسْتَيْأَسُوا) يئسوا. وزيادة السين والتاء في المبالغة نحو ما مرّ في "استعصم" [يوسف: ٣٢]. و«النجي» على معنيين: يكون بمعنى: المناجى، كالعشير والسمير؛ بمعنى: المعاشر والمسامر، ومنه قوله تعالى (الأيمن وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا) [مريم: ٥٢]، وبمعنى المصدر الذي هو التناجي، كما قيل "النجوى" بمعناه
_________________
(١) السائل وجزاء على فعل المستبيح". قوله: «اسْتَيْئَسُوا) يئسوا)، الراغب: "اليأس: انتفاء الطمع، يقالك يئس واستيأس، مثل: عجب واستعجب، وسخر واستخسر، قال تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا)، وقال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ) [يوسف: ١١٠]، وقال تعالى: (قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) [الممتحنة: ١٣]، وقوله: (أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا) [الرعد: ٣١]: قيل: معناه: أفلم يعلم، ولم يرد أن اليأس موضوع في كلامهم للعلم، وإنما قصد أن يأس الذين آمنوا من ذلك يقتضي أن يحصل بعد العلم بانتفائه، فإذن ثبوت يأسهم يقتضي حصول علمهم". قوله: (نحو ما مر في "استعصم")، والذي مر هو قوله: "الاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ"، كأنه في عصمته، وهو يجتهد في الاستزادة منها، لأن السين للطلب، ولابد من رعاية معناها. قوله: (وبمعنى المصدر الذي هو التناجي)، كما تقول: قوم رضا، وإنما الرضا فعلهم، يجعل المصدر منزلة الوصف.
[ ٨ / ٤٠٦ ]
ومنه قيل: قوم نجيّ، كما قيل: (وَإِذْ هُمْ نَجْوى) [الإسراء: ٤٧]؛ تنزيلًا للمصدر منزلة الأوصاف. ويجوز أن يقال: هم نجي، كما قيل: هم صديق، لأنه بزنة المصادر وجمع أنجية. قال:
إنِّى إذَا مَا الْقَوْمُ كَانُوا أَنْجِيَهْ
ومعنى (خَلَصُوا): اعتزلوا وانفردوا عن النسا خالصين لا يخالطهم سواهم (نَجِيًّا) ذوى نجوى، أو فوجا نجيًا، أي: مناجيًا لمناجاة بعضهم بعضًا
_________________
(١) قوله: (ومنه قيل)، أي: ومن استعمال "النجي" بمعنى: التناجي، قيل: قوم نجي. قوله: (هم نجي)، أي: ويجوز أن يستعمل "نجي" مكان الجمع، فقوله: "ويجوز أن يقال" على تقدير سؤال يرد على الوجه الأول، معنى: سلمنا أن (نَجِيًّا) بمعنى: المناجي، فكيف يحمل على الجماعة، وهو مفرد؟ فقال: جاز كما جاز أن يقال: هم صديق، لأن المصدر جنس يحمل على القليل والكثير، وهو وإن أريد به الوصف، لكنه لما كان على زنة المصادر عومل معاملة المصدر، ومنه قوله تعالى: (خَلَصُوا نَجِيًّا). قوله: (إني إذا ما القوم كانوا أنجية)، بعده: … واضطرب القوم اضطراب الأرشية هناك أوصني ولا توص بيه "كانوا أنجية": أي: صاروا فرقًا لما حزبهم من الشر؛ يتناجون ويتشاورون، وفارقهم القرار من شدة الخوف، يقومون ويقعدون اضطراب الأرشية عند الاستقاء، "هناك": أي: في ذلك الوقت يوجد الغنى والكفاية عندي.
[ ٨ / ٤٠٧ ]
وأحسن منه: أنهم تمحضوا تناجيًا؛ لاستجماعهم لذلك، وإفاضتهم فيه يجدّ واهتمام، كأنهم في أنفسهم صورة التناجي وحقيقته، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم، على أي: صفة يذهبون؟ وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم؟ كقوم تعايوا بما دهمهم من الخطب، فاحتاجوا إلى التشاور.
(كَبِيرُهُمْ) في السنّ وهو روبيل. وقيل: رئيسهم وهو شمعون: وقيل: كبيرهم في العقل والرأي: وهو يهوذا (ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) فيه وجوه: أن تكون «ما» صلة، أي: ومن قبل هذا قصرتم في شأن يوسف ولم تحفظوا عهد أبيكم.
وأن تكون مصدرية، على أن محل المصدر الرفع على الابتداء وخبره الظرف، وهو (ومِنْ قَبْلُ)
_________________
(١) قوله: (وأحسن منه)، أي: مما ذكر- من أن يكون بمعنى: ذوي نجوى أو فوجًا مناجيًا- أنهم تمحضوا؛ أي: يكون من باب قولهم: رجل عدل، مبالغة في التناجي، وقولها: وإنما هي إقبال وإدبار قوله: (وإفاضتهم)، من: أفاض الناس في الحديث؛ أي: خاضوا وشرعوا فيه. قوله: (على أي صفة يذهبون)، الجار والمجرور معمول "يذهبون"، كما أن "ماذا" معمول "يقولون"، وهو بيان لقوله: "في تدبير أمرهم". قوله: (تعايوا)، أي: عجزوا. قوله: (أن تكون "ما" صلة)، أي: زائدة، قال أبو البقاء: "من: متعلقة على هذا بالفعل، أي: فرطتم من قبل ذلك". قوله: (الرفع على الابتداء، وخبره: (مِن قَبْلُ»، قال أبو البقاء: "المعنى: وتفريطكم
[ ٨ / ٤٠٨ ]
ومعناه: ووقع من قبل تفريطكم في يوسف. أو النصب عطفًا على مفعول (أَلَمْ تَعْلَمُوا) وهو (أَنَّ أَباكُمْ) كأنه قيل: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقًا وتفريطكم من قبل في يوسف، وأن تكون موصولة بمعنى: ومن قبل هذا ما فرطتموه، أي: قدّمتموه في حق يوسف من الجناية العظيمة، ومحله الرفع أو النصب على الوجهين.
(فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) فلن أفارق أرض مصر (حَتَّى يَاذَنَ لِي أَبِي) في الانصراف إليه (أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ) لِي بالخروج منها، أو بالانتصاف ممن أخذ أخي، أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب (وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) لأنه لا يحكم أبدًا إلا بالعدل والحق.
_________________
(١) في يوسف من قبل هذا، وهذا ضعيف؛ لأن "قبل" إذا وقعت خبرًا أو صلة لا تقطع عن الإضافة لئلا تبقى ناقصة". قوله: (أو النصب عطفًا على مفعول (أَلَمْ تَعْلَمُوا»، قال أبو البقاء: "وقيل: هو ضعيف، لأن فيه فصلًا بين حرف العطف والمعطوف عليه". قوله: «فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ) فلن أفارق أرض مصر)، قال الراغب: "البراح: المكان المتسع الظاهر الذي لا بناء فيه ولا شجر، فيعتبر تارة ظهوره فيقال: فعل ذلك براحًا، أي: صراحًا لا يستره شيء، وبرح الخفاء: ظهر، كأنه حصل في براح يرى، وبرح: ذهب في البراح، ومنه: البارح من الظباء والطير، وخص بما ينحرف عن الرامي إلى جهة لا يمكنه فيه الرمي، فيتشاءم به، ولما تصور معنى التشاؤم اشتقت منه: التبريح، فقيل: برح بي الأمر، ولقيت منه البرحين والبرحاء، [أي] الشدائد، وبرح بي فلان في التقاضي".
[ ٨ / ٤٠٩ ]
[(ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ)].
وقرئ "سَرَقَ" أي: نسب إلى السرقة (وَما شَهِدْنا) عليه بالسرقة (إِلَّا بِما عَلِمْنا) من سرقته وتيقناه، لأنّ الصواع استخرج من وعائه ولا شيء أبين من هذا (وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ) وما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق. أو ما علمنا أنك تصاب به كما أصبت بيوسف. ومن قرأ سَرَقَ فمعناه: وما شهدنا إلا بقدر ما علمنا من التسريق، (وما كنا للغيب) للأمر الخفي حافظين، أسرق بالصحة أم دسّ الصاع في رحله ولم يشعر؟
_________________
(١) قوله: (لأن الصواع استخرج من وعائه، ولا شيء أبين من هذا)، "الانتصاف": "إن كان في شرعهم أن مجرد وجود الشيء بيد من يدعى عليه بعد إنكاره يجعله سارقًا، فالعلم على ظاهره إذن، وإن لم يكن كذلك فهذا بمجرده لا يوجب علم كونه سارقًا، لكن ظنًا بينًا". وقلت: على هذا يوافقه معنى قراءة "سرق"، ويلتئم عليه قوله: (وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ) مؤكدًا، وعلى ما ذهب إليه المصنف لا تلتئم القراءتان، ولا يجيء التذييل مطابقًا للمذيل على القراءة المشهورة- كما فسره- إلا مع التعسف. قال محيي السنة: " (وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا) فإنا رأينا إخراج الصاع من متاعه، وقيل: (وَمَا شَهِدْنَا) أي: ما كانت شهادة في عمرنا على شيء إلا بما علمنا، وليست هذه شهادة منا، إنما هو خبر عن صنيع ابنك بزعمهم، (وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ) ". قوله: (أسرق بالصحة أم دس)، الراغب: "الحفظ: يقال تارة لهيئة النفس التي بها
[ ٨ / ٤١٠ ]
[(وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ* قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)].
(الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها) هي مصر، أي: أرسل إلى أهلها فسلهم عن كنه القصة وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وأصحاب العير، وكانوا قومًا من كنعان من جيران يعقوب. وقيل من أهل صنعاء، معناه: فرجعوا إلى أبيهم
_________________
(١) يثبت ما يؤدي إليه الفهم، وتارة لضبط الشيء في النفس، ويضاده النسيان، وتارة لاستعمال تلك القوة، فيقال: حفظت كذلك حفظًا، ثم يستعمل في كل تفقد وتعهد ورعاية، قال تعالى: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [يوسف: ١٢]، (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ) [الأحزاب: ٣٥] كناية عن العفة، والتحفظ: قيل: هو قلة الغفلة، وحقيقته: إنما هو تكلف الحفظ لضعف القوة الحافظة، ولما كانت تلك القوة من أسباب العقل توسعوا في تفسيرها، كما ترى، والحفيظة: الغضب الذي يحمل على المحافظة، ثم استعمل في الغضب المجرد، فقيل: أحفظني فلان؛ أي: أغضبني". قوله: (معناه: فرجعوا إلى أبيهم)، هذا وجه اتصال قوله: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ) بما قبله، لأن قوله: (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ) قول بعض بنيه في مصر، و(بَلْ سَوَّلَتْ) كلام لأبيهم في كنعان. ردًا لعذرهم، فلابد من هذه المقدرات ليتصل الكلامان في الكلام، وإن
[ ٨ / ٤١١ ]
فقالوا له ما قال لهم أخوهم فـ (قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا) أردتموه، وإلا فما أدرى ذلك الرجل أنّ السارق يؤخذ بسرقته لولا فتواكم وتعليمكم (بِهِمْ جَمِيعًا) بيوسف وأخيه وروبيل أو غيره (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ) بحالي في الحزن والأسف (الْحَكِيمُ) الذي لم يبتلنى بذلك إلا لحكمة ومصلحة
_________________
(١) أوجب هذه المضمرات، لكن لا يقتضي ما يتضمن الاتصال بالفاءات كما قدرها، بل يأباه القطع على سبيل الاستئناف، فإن السامع لما سمع تلك المقالة اتجه له أن يقول: إلام عاد مآل هذه المقالة، وما كان جواب أبيهم حين رجعوا بها وأدوها إليه، فأجيب: بأنه قال: بل سولت لكم أنفسكم. قوله: «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا) أردتموه، وإلا فأي شيء أدرى ذلك الرجل)، الانتصاف: "قوله: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ) في الكرة الأولى ظاهر، وأما فيا لثانية فلم يكن من صنيعهم، لكن لما علم يعقوب ﵇ أن أخذ السارق لم يكن من دين الملك، لكن من دين يعقوب كما قال: (مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ)، كان تنبيهًا على وجه اتهام يعقوب بنيه، وأنه إنما فعل ذلك بفتواهم، وكان قد سبق قوله: (فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ* قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ)، فأفتوا- وإن لم يشعروا- أن المراد إلزامهم واتهام من تتطرق إليه التهمة، ويحتمل أن يكون الذي سوغ ذلك أنهم جعلوا مجرد وجود الصواع في رحله سرقة من غير أن يثبت الحكم عليه بوجه معلوم، وهذا لا تثبت به السرقة، وهذا هو التسويل إن كان شرعهم كشرعنا، وإلا فالعمدة هو الوجه الأول". قوله: (وروبيل أو غيره)، يعني: شمعون أو يهوذا، كما سبق في تفسير (كَبِيرُهُمْ).
[ ٨ / ٤١٢ ]
[(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)].
(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ) وأعرض عنهم كراهة لما جاءوا به (يا أَسَفى) أضاف الأسف وهو أشدّ الحزن والحسرة إلى نفسه، والألف بدل من ياء الإضافة، والتجانس بين لفظتي "الأسف" و"يوسف" مما يقع مطبوعًا غير متعمل فيملح ويبدع،
_________________
(١) قوله: (والتجانس بين لفظتي الأسف ويوسف)، وهو من التجنيس المضارع، وإن جعل يوسف عربيًا- كقوله: (إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ) [التوبة: ٣٨]- فهو من الاشتقاقي، وأما قوله: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) [الأنعام: ٢٦] فمن المضارع، لكون الهمزة والهاء مخرجهما الحلق، وقوله: (يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف: ١٠٤] فمن الخطي، وقوله: (مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ) [النمل: ٢٢] فمن المزدوج. قوله: (مما يقع مطبوعًا غير متعمل، فيملح ويبدع)، اعلم أن الترصيع والتصريع والتجنيس والترديد إنما يحسن قليله دون كثيره؛ لما فيها من أمارات الكلفة.
[ ٨ / ٤١٣ ]
ونحوه (اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ) [التوبة: ٣٨]، (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) [الأنعام: ٢٦]، (يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صنعًا) [الكهف: ١٠٤]، (مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإ) [النمل: ٢٢].
وعن النبي ﷺ: «لم تعط أمة من الأمم: "إنا لله وإنا إليه راجعون" عند المصيبة إلا أمّة محمد ﷺ. ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع. وإنما قال: "يا أسفى".
فإن قلت: كيف تأسف على يوسف دون أخيه ودون الثالث، والرزء الأحدث أشدّ على النفس وأظهر أثرًا؟ قلت: هو دليل على تمادى أسفه على يوسف، وأنه لم يقع فائت عنده موقعه، وأنّ الرزء فيه مع تقادم عهده كان غضًا عنده طريًا.
وَلَمْ تُنْسِنِى أَوْفَى الْمُصِيبَاتِ بَعْدَهُ
ولأنّ الرزء في يوسف كان قاعدة مصيباته التي ترتبت عليها الرزايا في ولده، فكان الأسف عليه أسفًا على من لحق به.
(وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ) إذا كثر الاستعبار محقت العبرة سواد العين وقلبته إلى بياض كدر. قيل: قد عمى بصره. وقيل: كان يدرك إدراكًا ضعيفًا
_________________
(١) قوله: (ولم تنسني أوفى المصيبات بعده)، [بعده]: ولكن نكء القرح بالقرح أوجع
[ ٨ / ٤١٤ ]
قرئ (من الحزن) و"من الحزن"، الحزن كان سبب البكاء الذي حدث منه البياض، فكأنه حدث من الحزن. قيل ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاما، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب. وعن رسول الله ﷺ أنه سأل جبريل ﵇: ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟ قال: وجد سبعين ثكلى. قال: "فما كان له من الأجر"؟ قال: أجر مئة شهيد، وما ساء ظنه بالله ساعة قط.
فإن قلت: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟ قلت: الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من الحزن، ولذلك حمد صبره وأن يضبط نفسه حتى لا يخرج إلى ما لا يحسن، ولقد بكى رسول الله ﷺ على ولده إبراهيم وقال: «القلب يجزع، والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» وإنما الجزع المذموم ما يقع من الجهلة من الصياح والنياحة، ولطم الصدور والوجوه، وتمزيق الثياب. وعن النبي ﷺ أنه بكى على ولد بعض بناته وهو يجود بنفسه، فقيل: يا رسول الله، تبكى وقد نهيتنا عن البكاء؟ !
_________________
(١) هشام هذا فجع بأخيه أوفى، ثم أصيب بأخ آخر اسمه غيلان المشهور بذي الرمة، قال: إن الجزع بأوفى لم يزل، وما يعقبه من المصيبات لا يزيده إلا تفجعًا، كما أن الجرح إذا نكأ ثانيًا وأدمى كان إنجاعه أشد، وإيلامه أبلغ. قوله: (القلب يجزع)، الرواية عن البخاري ومسلم عن أنس: "إن العين تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". قوله: (أنه بكى على ولد بعض بناته)، روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي
[ ٨ / ٤١٥ ]
فقال: "ما نهيتكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أحمقين: صوت عند الفرح، وصوت عند الترح". وعن الحسن: أنه بكى على ولدٍ أو غيره، فقيل لهفي ذلك، فقال: ما رأيت الله جعل الحزن عارًا على يعقوب.
(فَهُوَ كَظِيمٌ) فهو مملوة من الغيظ على أولاده ولا يظهر ما يسوؤهم، فعيل بمعنى مفعول، بدليل قوله (وَهُوَ مَكْظُومٌ) [القلم: ٤٨]؛ من كظم السقاء إذا شدّه على ملئه، والكظم بفتح الظاء: مخرج النفس.
يقال: أخذ بأكظامه.
[(قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ)].
(تَفْتَؤُا) أراد: لا تفتؤ، فحذف حرف النفي لأنه لا يلتبس بالإثبات، لأنه لو كان إثباتا لم يكن بدّ من اللام والنون،
_________________
(١) عن أسامة قال: "أرسلت بنت النبي ﷺ: إن ابنًا لي قبض، فأتنا"، وساق الحديث إلى قوله: "فقام وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعبن وزيد بن ثابت، ورجال، فرفع إلى رسول الله ﷺ الصبي، فأقعده في حجره، ونفسه تقعقع كأنها في شن، ففاضت عيناه. فقال سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء". النهاية: "يجود بنفسه؛ أي: يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله يجود به، أي: كان في النزع وسياق الموت". قوله: (لو كان إثباتًا لم يكن بد من اللام والنون)، يعني: أن القسم إذا لم تكن معه علامة
[ ٨ / ٤١٦ ]
ونحوه:
فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا
ومعنى "لا تَفْتَأُ" لا تزال. وعن مجاهد: لا تفتر من حبه، كأنه جعل الفتوء والفتور أخوين، يقال: ما فتئ يفعل. قال أوس:
فَما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وَتَدَّعِي … وَيَلْحَقُ مِنهَا لَاحِقٌ وَتَقَطعُ
_________________
(١) الإثبات كان على النفي، وهو من قول الزجاج: "وإنما جاز إضمار "لا" في قوله: (تَاللَّهِ تَفْتَأُ) لأنه لا يجوز في القسم: تالله تفعل، حتى تقول: لتفعلن؛ في الإثبات، أو تقول: لا تفعل؛ في النفي". قوله: (فقلت: يمين الله أبرح قاعدًا)، تمامه- لامرئ القيس-: ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي الأوصال: جمع وصل- بكسر الواو-، وهو المفصل، قيل: إن امرأ القيس سرى إلى ابنة قيصر، فقالت: تريد أن تفضحني، ألست ترى السمار والرقباء راقدين حولي؟ ! فقال مجيبًا لها: إني لا أبرح حتى أنال منك حاجتي، ولو قطعت إربًا إربًا. قوله: (فما فتئت خيل) البيت، "فما فتئت": أي: ما زالت، و"التثويب": هو أن الرجل إذا استصرخ ولوح بثوبه، كان ذلك كالدعاء والإنذار، و"التداعي" في الحرب: أن يدعو قوم بعضهم بعضًا بأني قول: يا آل فلان، و"تقطع": أي: تتفرق، يقول: ما زالت الخيل
[ ٨ / ٤١٧ ]
(تكون حَرَضًا) مشفيًا على الهلاك مرضًا، وأحرضه المرض، ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، لأنه مصدر. والصفة: حَرِض، بكسر الراء-، ونحوهما: دنف ودنف، وجاءت القراءة بهما جميعًا. وقرأ الحسن: "حُرضًا" بضمتين، ونحوه في الصفات: رجل جنب وغرب.
[(قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)].
البث: أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه، فيبثه إلى الناس أي: ينشره. ومنه: باثه أمره، وأبثه إياه
_________________
(١) تستصرخ، ويدعو بعضهم بعضًا من المنهزمين والمنقطعين، ويلحق منها في الحرب اللاحقون والمنقطعون، استصرخني فأصرخته؛ أي: استغاثني فأغثته. قوله: «حَرَضًا) مشفيًا على الهلاك)، الراغب: "الحرض: ما لا يعتد به ولا خير فيه، ولهذا يقال لما أشرف على الهلاك: حرض، والتحريض: الحث على الشيء بكثرة التزيين وتسهيل الخطب فيه، كأنه في الأصل إزالة الحرض، نحو: مرضته وقذيته؛ أي: أزلت عنه المرض والقذى". قوله: (في الصفات: رجل جنب وغُرب)، الجوهري: "الغربة: الاغتراب، تقول منه: تغرب واغترب، فهو غريب وغرب أيضًا؛ بضم الغين والراء". قوله: (البث: أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه، فيبثه إلى الناس)، الراغب: "أصل البث: إثارة الشيء وتفريقه، كبث الريح التراب، وبث النفس ما انطوت عليه من الغم والسر، يقال: بثثته فانبث، ومنه قوله تعالى: (فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا) [الواقعة: ٦]، وقوله تعالى: (أَشْكُو بَثِّي) أي: غمي أبثه عن كتمان، فهو مصدر في تقدير مفعول، أو غمي الذي
[ ٨ / ٤١٨ ]
ومعنى (إنَّما أَشْكُوا): إني لا أشكو إلى أحد منكم ومن غيركم، إنما أشكو إلى ربي داعيًا له وملتجئًا إليه، فخلوني وشكايتي. وهذا معنى توليه عنهم، أي: فتولى عنهم إلى الله والشكاية إليه. وقيل: دخل على يعقوب جارٌ له فقال: يا يعقوب، قد تهشمت وفنيت وبلغت من السن ما بلغ أبوك! فقال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من همّ يوسف، فأوحى الله إليه: يا يعقوب، أتشكوني إلى خلقي؟ قال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفر لي، فغفر له، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله.
وروي أنه أوحي إلى يعقوب: إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه، وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء، ثم المساكين، فاصنع طعامًا وادع عليه المساكين. وقيل: اشترى جاريةً مع ولدها، فباع ولدها فبكت حتى عميت.
(وأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) أي: أعلم من صنعه ورحمته وحسن ظني به أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب. وروي أنه رأى ملك الموت في منامه فسأله: هل قبضت روح يوسف؟ فقال: لا والله هو حيّ فاطلبه.
وقرأ الحسن: "وحزني" بفتحتين، "وحزني" بضمتين: قتادة.
[(يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ)].
(فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ) فتعرّفوا منهما وتطلبوا خبرهما. وقرئ بالجيم، كما قرئ بهما في "الحجرات"، وهما "تفعَّل" من الإحساس وهو المعرفة؛ (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) [آل عمران: ٥٢]،
_________________
(١) بث فكري، نحو: توزعني الفكر، فيكون في معنى الفاعل".
[ ٨ / ٤١٩ ]
ومن الجس، وهو الطلب، ومنه قالوا لمشاعر الإنسان: الحواس، والجواس.
(مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) من فرجه وتنفيسه، وقرأ الحسن وقتادة: من روح الله، بالضم: أي: من رحمته التي يحيا بها العباد.
[(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)].
(الضُّرُّ) الهزال من الشدّة والجوع (مُزْجاةٍ) مدفوعةٍ يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقارًا لها، من أزجيته إذا دفعته وطردته، والريح تزجى السحاب، قيل: كانت من متاع الأعراب صوفًا وسمنا. وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء. وقيل: سويق المقل والأقط. وقيل: دراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ) الذي هو حقنا (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا) وتفضل علينا بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة، أو زدنا على حقنا، فسموا ما هو فضل وزيادة لا تلزمه صدقة، لأنّ الصدقات محظورة على الأنبياء. وقيل كانت تحل لغير نبينا. وسئل ابن عيينة عن ذلك فقال: ألم تسمع (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا) أراد: أنها كانت حلالا لهم
_________________
(١) قوله: (من: أزجيته؛ إذا دفعته)، قال الزجاج: "التزجية: الشيء الذي يدافع به، تقول: فلان يزجي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفي [به]، أي: إنا جئنا ببضاعة إنما يدافع بها ويتقوت، وليست مما يتسع به". قوله: (إلا بوضيعة)، "يقال: وضع في تجارته وضيعة؛ خسر"، كذا في "الأساس". قوله: «فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ) الذي هو حقنا)، إنما قال: حقنا، لأنهم عطفوا (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) - المعني به الفضل- عليه، لأن الفضل إنما يتبع الواجب.
[ ٨ / ٤٢٠ ]
والظاهر أنهم تمسكنوا له وطلبوا إليه أن يتصدّق عليهم، ومن ثم رق لهم وملكته الرحمة عليهم، فلم يتمالك أن عرّفهم نفسه. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) شاهد لذلك لذكر الله وجزائه، والصدقة: العطية التي تبتغى بها المثوبة من الله: ومنه قول الحسن - لمن سمعه يقول: اللهمّ تصدق عليّ: إن الله تعالى لا يتصدق، إنما يتصدق الذي يبتغي الثواب، قل: اللهم أعطني، أو تفضل عليّ، أو ارحمني.
[(قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ)].
(قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ) أتاهم من جهة الدين، وكان حليما موفقًا، فكلمهم مستفهمًا عن وجه القبح الذي يجب أن يراعيه التائب، فقال: (هل علمتم) قبح (ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) لا تعلمون قبحه، فلذلك أقدمتم عليه، يعني: هل علمتم قبحه فتبتم إلى الله منه، لأنّ علم القبح يدعو إلى الاستقباح، والاستقباح يجرّ إلى التوبة،
_________________
(١) قوله: (والظاهر أنهم تمسكنوا له)، أي: أظهروا المسكنة، وتكلفوها ليرق لهم ويرحمهم لما نالوا من النصب، فجعلوا طلب الصدقة وسيلة إليه، لأن طالب الصدقة لا يكون إلا مسكينًا، وينصره تذييله بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)، لأن ذكر الله يدل على الاستشفاع. قوله: (هل علمتم قبحه فتبتم إلى الله منه)، يعني: استفهم بـ "هل" من كان عالمًا بما فعله، وجعل الفعل ماضيًا، وقيده بقوله: (إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) ليفيد الحث على التوبة، يعني: هل استمر ذلك الجهل بقبح الفعل أم تدورك بالعلم الموجب للرجوع منه وتلافيه بالتوبة، فإن العاقل إذا تجلى له قبح القبيح لا يتوقف رجوعه منه، ولهذا الترتيب جاء بالفاء في قوله: "فتبتم".
[ ٨ / ٤٢١ ]
فكان كلامه شفقة عليهم، وتنصحًا لهم في الدين، لا معاتبة وتثريبًا، إيثارًا لحق الله على حق نفسه، في ذلك المقام الذي يتنفس فيه المكروب، وينفث المصدور، ويتشفى المغيظ المحنق، ويدرك ثأره الموتور، فلله أخلاق الأنبياء ما أوطأها وأسجحها ولله حصا عقولهم ما أرزنها وأرجحها!
_________________
(١) قوله: (وتثريبًا)، الجوهري: "التثريب: كالتأنيب والتغيير والاستقصاء في اللوم". قوله: (المحنق)، الجوهري: "حنق عليه- بالكسر-؛ أي: اغتاظ، فهو حنق، وأحنقه غيره، فهو محنق". قوله: (وأسجحها)، الجوهري: "الإسجاح: حسن العفو، يقال: ملكت فأسجح". قوله: (ولله حصى عقولهم)، الأساس: "ومن المجاز: فلان ذو حصاة: وقور، وماله حصاة؛ أي: رزانة، قال طرفة: وإن لسان المرء ما لم يكن له … حصاة على عوراته لدليل
[ ٨ / ٤٢٢ ]
وقيل. لم يرد نفي العلم عنهم، لأنهم كانوا علماء، ولكنهم لما لم يفعلوا ما يقتضيه العلم ولا يقدم عليه إلا جاهل، سماهم جاهلين. وقيل: معناه إذ أنتم صبيانٌ في حد السفه والطيش قبل أن تبلغوا أوان الحلم والرزانة. روي أنهم لما قالوا: (مسنا وأهلنا الضر) وتضرعوا إليه ارفضت عيناه، ثم قال هذا القول. وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: "من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر. أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء: أما جدّى، فشدّت يداه ورجلاه ورمى به في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت النار عليه بردًا وسلامًا، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله. وأمّا أنا فكان لي ابن وكان أحبّ أولادي إلىّ فذهب به إخوته إلى البرية،
_________________
(١) قوله: (ولا يقدم عليه إلا جاهل)، عطف من حيث المعنى على ما قبله، فإن قوله: "لم يفعلوا ما يقتضيه العلم" في معنى: فعلوا ما اقتضاه الجهل، فكأنه قيل: فعلوا ما اقتضاه الجهل، ولا يقدم عليه إلا جاهل. وقلت: يمكن أن يقال: لم يفعلوا ما يقتضيه العلم، وفعلوا ما لا يقدم عليه إلا جاهل، وعكسه قوله: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: ٦]. قوله: (وقيل: معناه: إذ أنتم صبيان في حد السفه والطيش)، وهذا تعليم منه للاعتذار عنه، كقول موسى ﵇: (فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ) [الشعراء: ٢٠] في جواب (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ) [الشعراء: ١٩]، وهم لو طلبوا عذرًا لم يجدوا كذلك، كقوله تعالى: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) [الانفطار: ٦]. قوله: (ارفضت عيناه)، الجوهري: "ارفضاض الدمع: ترششه".
[ ٨ / ٤٢٣ ]
ثم أتوني بقميصه ملطخًا بالدم وقالوا قد أكله الذئب، فذهبت عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمّه وكنت أتسلى به، فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا: إنه سرق، وأنك حبسته لذلك، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقًا، فإن رددته عليّ وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام. فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره، فقال لهم ذلك. وروي: أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: "اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا".
فإن قلت: ما فعلهم بأخيه؟ قلت: تعريضهم إياه للغم والثكل بإفراده عن أخيه لأبيه وأمّه، وجفاؤهم به، حتى كان لا يستطيع أن يكلم أحدًا منهم إلا كلام الذليل للعزيز، وإيذاؤهم له بأنواع الأذى.
[(قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ* قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ* قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَاتِ بَصِيرًا وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ)].
_________________
(١) قوله: (وعيل صبره)، الجوهري: "عالني الشيء يعيلني عيلًا ومعيلًا: إذا أعجزك". قوله: (تعريضهم إياه)، أي: جعلوه عرضة للغم.
[ ٨ / ٤٢٤ ]
قرئ: (أَإِنَّكَ) على الاستفهام، و"إنك" على الإيجاب، وفي قراءة أُبيّ: "أإنك أو أنت يوسف"، على معنى: أئنك يوسف أو أنت يوسف. فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه، وهذا كلام متعجب مستغرب لما يسمع، فهو يكرر الاستثبات.
فإن قلت: كيف عرفوه؟ قلت: رأوا في روائه وشمائله
_________________
(١) قوله: (و"إنك" على الإيجاب)، ابن كثير: "إنك" بهمزة مكسورة على الخبر، والباقون: على الاستفهام. قوله: (أإنك أو أنت يوسف)، يعني: قرأ بدل اللام "أو"، قال ابن جني: "ينبغي أن يكون هذا على حذف "إن"، حتى كأنه قيل: إنك لغير يوسف أو أنت يوسف؟ فكأنه قيل: بل أنت يوسف، فلما خرج مخرج التوقيف قال: أنا يوسف، وقد جاء عنهم حذف خبر "إن"، قال الأعشى: إن محلًا وإن مرتحلًا … وإن في السفر إذ مضوا مهلا أراد: إن لنا محلًا وإن لنا مرتحلًا، فحذف الخبر، والكوفيون لا يجيزون حذف خبر "إن"، إلا إذا كان اسمها نكرة، ولهذا وجه حسن عندنا، وإن كان أصحابنا يجيزونه مع المعرفة أيضًا". قوله: (يكرر الاستثبات)، يريد: أن المتعجب إذا سمع من المخاطب ما يتعجب منه يكرر ذلك الكلام تعجبًا، أي: هل هو كذا؟ هل هو كذا؟ قوله: (في روائه)، أي: منظره، "ما شعروا به": مفعول "رأوا"، و"مع علمهم" حال.
[ ٨ / ٤٢٥ ]
حين كلمهم بذلك ما شعروا به أنه هو، مع علمهم بأنّ ما خاطبهم به لا يصدر مثله إلا عن حنيف مسلم من سنخ إبراهيم، لا عن بعض أعزاء مصر. وقيل: تبسم عند ذلك فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم. وقيل: ما عرفوه حتى رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه كانت ليعقوب وسارة مثلها، تشبه الشامة البيضاء.
فإن قلت: قد سألوه عن نفسه فلم أجابهم عنها وعن أخيه؟ على أن أخاه كان معلومًا لهم. قلت: لأنه كان في ذكر أخيه بيان لما سألوه عنه.
(مَنْ يَتَّقِ) من يخف الله وعقابه (وَيَصْبِرْ) عن المعاصي وعلى الطاعات (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ) أجرهم، فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين والصابرين.
_________________
(١) ـ قوله: (من سنح إبراهيم)، أي: أصله. قوله: (لأنه كان في ذكر أخيه)، بيان لما سألوه عنه، فإنهم سألوه عن حقيقة كونه يوسف؛ حيث أتوا بالهمزة المقررة المؤكدة للتعجب، وأدخلوا اللام في الخبر، فأجاب بقوله: (أَنَا يُوسُفُ) على الحقيقة، وهذا المتميز الشاهد من أبي وأمي. وفي ذكر الأخ وإيراد اسم الإشارة: مزيد تقرير وفضل تمييز له، وبيان أنه يوسف لا محالة. وكان من حق الظاهر أن يقول: بلى، أو: أنا هو، فعدل ليطابق تعجبهم واستبعادهم في قولهم: أأنت يوسف، ويمكن أن يجري على الأسلوب الحكيم، وهو أنهم لما سألوه متعجبين: أأنت يوسف؟ أجاب: لا تسألوا عن ذلك، فإنه ظاهر، ولكن اسألوا ما فعل الله بك من الامتنان والإعزاز بما صبرت على بلاء الله، وثبت على تقوى الله، وكذلك أخي. قوله: «مَن يَتَّقِ) من يخف الله وعقابه، (وَيَصْبِرْ) عن المعاصي وعلى الطاعات)، قال صاحب "الفرائد": حمل (مَن يَتَّقِ) على المجاز، ولا مانع من الحمل على الحقيقة، والعدول منه إلى المجاز بغير ضرورة غير جائز، فالوجه أن يقال: (مَن يَتَّقِ) من احترز عن ترك ما أمر به، وعن ارتكاب ما نهي عنه، وصبر في المكاره، وذلك باختياره، وهذا بغير
[ ٨ / ٤٢٦ ]
(لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا) أي: فضلك علينا بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين، وإنّ شأننا وحالنا أنا كنا خاطئين متعمدين للإثم، لم نتق ولم نصبر، لا جرم أنّ الله أعزّك بالملك وأذلنا بالتمسكن بين يديك.
(لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) لا تأنيب عليكم ولا عتب. وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش. ومعناه: إزالة الثرب،
_________________
(١) اختياره: فهو محسن. وذكر الصبر بعد التقوى: كذكر الصلاة والزكاة بعد ذكر الأعمال الصالحة، وكذكر جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة. ويجوز أن يكون ذكر الصبر بعد التقوى لإرادة الثبات على التقوى، كأنه قيل: (مَن يَتَّقِ) ويثبت على تقواه. وقلت: ولا ارتياب أن قوله: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) تعليل لقوله: (قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا)، وتعريض بإخوته، يدل عليه قولهم في الجواب: (تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ)، أي: فضلك الله علينا بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين، (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) متعمدين الإثم لم نتق؛ أي: لم نخف عقاب الله وسوء المعصية، ولم نصبر على طاعة الله تعالى وطاعة أبينا وعلى المعصية؛ حيث فعلنا بك ما فعلنا، فأثبتوا في يوسف ما نفوا عن أنفسهم، فإذن لابد من ارتكاب المجاز وتخصيص العام بحسب ما يقتضيه المقام.
[ ٨ / ٤٢٧ ]
كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع، لأنه إذا ذهب كان ذلك غاية الهزال والعجف الذي ليس بعده، فضرب مثلا للتقريع الذي يمزق الأعراض ويذهب بماء الوجوه.
فإن قلت: بم تعلق اليوم؟ قلت: بالتثريب، أو بالمقدر في (عَلَيْكُمُ) من معنى الاستقرار، أو بـ (يغفر)
_________________
(١) قوله: (والقرع)، الجوهري: "القرع- بالتحريك-: بثر أبيض يخرج بالفصال، ودواؤه الملح، وجباب ألبان الإبل"، وهو شيء يعلو ألبان الإبل كالزبد، ولا زبد لها. قوله: (فضرب مثلًا للتقريع)، يعني: أن تثريب الحيوان- أي: إزالة الثرب عنه- يظهر غاية هزاله، وبه تظهر عيوبه، كذلك تقريع الإنسان، وهو ارتداعه، ومنه سمي آية الكرسي ونحوها: قوارع، كأنها تذهب الشيطان وتهلكه وتمزق أعراضه وتذهب بماء وجهه. قوله: (بالتثريب)، أي: أعلق "اليوم" بـ "التثريب"، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ يكون حينئذ مشابهًا للمضاف، نحو: "لا ضاربًا زيدًا"، فكيف يفتح، وقد ذكر في (لا غَالِبَ لَكُمْ) [الأنفال: ٤٨]: إن (لَكُمْ) ليس مفعولًا، وإلا لقيل: "لا غالبًا لكم"، بل هو خبر، كقوله: لا نسب اليوم ولا خلة
[ ٨ / ٤٢٨ ]
- والمعنى: لا أثر بكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب، فما ظنكم بغيره من الأيام، ثم ابتدأ فقال (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم. يقال: غفر الله لك، ويغفر الله لك، على لفظ الماضي والمضارع جميعًا،
_________________
(١) أي: لا تثريب في اليوم. وقال أبو البقاء: "في خبر "لا" وجهان: أحدهما: قوله: (عَلَيْكُمُ). وثانيهما: قوله: (الْيَوْمَ)، و(عَلَيْكُمُ) يتعلق بالظرف أو بالعامل في الظرف، وهو الاستقرار، ولا يجوز أن تتعلق "على" بـ (تَثْرِيبَ)، ولا ينصب (الْيَوْمَ) به، لأن اسم "لا" إذا عمل نون". قوله: (والمعنى: لا أثربكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة للتثريب، فما ظنكم بغيره)، قال في "الانتصاف": "هذا المعنى يتوجه على الإعراب الأول، وهو الأصح، لقولهم: (يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)، وقوله: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ) دليل على أنهم كانوا بعد في عهدة الذنب، ولو كان متعلقًا بـ (يَغْفِرُ) لقطعوا بالغفران بإخبار الصديق، ويحتمل أن يقال: قطع بالمغفرة فما يرجع إلى حقه دون أخيه". وقلت: لو علق بـ (تَثْرِيبَ) لكان (يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) دعاء لهم بالمغفرة، والنبي مستجاب الدعوة، فيلزم في هذا المقام القطع.
[ ٨ / ٤٢٩ ]
ومنه قول المشمت: «يهديكم الله ويصلح بالكم» أو (الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) بشارةٌ بعاجل غفران الله، لما تجدّد يومئذ من توبتهم وندمهم على خطيئتهم.
وروي: أن رسول الله ﷺ أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح، فقال لقريش: "ما ترونني فاعلًا بكم؟ " قالوا: نظن خيرًا، أخ كريم وابن أخر كريم، وقد قدرت، فقال: "أقول ما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم". وروي: أنّ أبا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس: إذا أتيت الرسول فاتل عليه (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ)، ففعل، فقال رسول الله ﷺ: "غفر الله لك ولمن علمك".
ويروى أن إخوته لما عرفوه وأرسلوا إليه: إنك تدعونا إلى طعامك بكرةً وعشية، ونحن نستحيى منك لما فرط منا فيك، فقال يوسف: إنّ أهل مصر وإن ملكت فيهم، فإنهم ينظرون إلىّ بالعين الأولى،
_________________
(١) ـ قال الإمام: "روي عن عطاء: أن طلب الحوائج إلى الشبان أنجح منها إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف ﵇ لإخوته: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ)، وقول يعقوب ﵇: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) ". قوله: (ومنه قول المشمت)، أي: من الوارد على لفظ المضارع للدعاء كالماضي: "يهديكم الله ويصلح بالكم" الحديث، رواه البخاري وأبو داود عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ في حديث. قوله: (أو (الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ»، هذا على أن يتعلق الظرف بـ (يَغْفِرُ)، و(يَغْفِرُ اللهُ) بشارة لا دعاء. قوله: (بعضادتي باب الكعبة)، الجوهري: "أعضاد كل شيء: ما يشد حواليه من البناء وغيره، وعضادتا الباب: هما خشبتاه من جانبيه".
[ ٨ / ٤٣٠ ]
ويقولون: سبحان من بلغ عبدًا بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي، وأني من حفدة إبراهيم.
(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا) قيل هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف وكان من الجنة، أَمره جبريل ﵇ أن يرسله إليه فإنّ فيه ريح الجنة، لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا عوفي (يَاتِ بَصِيرًا) يصر بصيرًا، كقولك: جاء البناء محكمًا، بمعنى صار. ويشهد له (فَارْتَدَّ بَصِيرًا) [يوسف: ٩٦]، أو: يأت إليّ وهو بصير. وينصره قوله: (وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) أي: يأتني أبي، ويأتني آله جميعًا وقيل: يهوذا هو الحامل، قال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخًا بالدم إليه، فأفرّحه كما أحزنته. وقيل: حمله وهو حافٍ حاسرٌ من مصر إلى كنعان، وبينهما مسيرة ثمانين فرسخًا.
[(وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ* قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ* فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا
_________________
(١) قوله: (وينصره قوله: (وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ»، أي: يقوي هذا الوجه- وهو أن يجري (يَاتِ) على حقيقته، ويكون (بَصِيرًا) حالًا من فاعله- عطف قوله: (وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) على (يَاتِ)، لأن المعنى: يأتيني أبي وأهلي كلهم. فإن قلت: أي الدليلين أظهر؛ قوله: (فَارْتَدَّ بَصِيرًا) أم (وَاتُونِي)؟ قلت: الثاني، لأنه أبلغ وأوجز وأقطع لحصول ما ترتب عليه إلقاء القميص- كأنه قيل: لا شك في ارتداد البصر، لأنه مقطوع به، بل الكلام في إتيانه بصيرًا-، ولأن إتيان الأهل على سبيل التبعية أولى من العكس، ودخول الأب في زمرة الأهل.
[ ٨ / ٤٣١ ]
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)].
(فَصَلَتِ الْعِيرُ) خرجت من عريش مصر، يقال: فصل من البلد فصولًا، إذا انفصل منه وجاوز حيطانه. وقرأ ابن عباس: "فلما انفصل العير".
(قالَ) لوَلَدِ وَلَدِه ومن حوله من قومه: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) أوجده الله ريح القميص حين أقبل من مسيرة ثمانٍ. والتفنيد: النسبة إلى الفند، وهو الخرف وإنكار العقل من هرم. يقال: شيخ مفند، ولا يقال عجوز مفندة، لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي، فتفند في كبرها. والمعنى: لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني.
(لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) لفي ذهابك عن الصواب. قدمًا في إفراط محبتك ليوسف، ولهجك بذكره، ورجائك للقائه، وكان عندهم أنه قد مات.
(أَلْقاهُ) طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو: ألقاه يعقوب، (فَارْتَدَّ بَصِيرًا) فرجع بصيرًا. يقال: ردّه فارتد، وارتده إذا ارتجعه.
_________________
(١) قوله: (من عريش مصر)، أي: من عمرانه، الجوهري: "قيل لبيوت مكة: العرش؛ لأنها عيدان تنصب، ويظلل عليها". قوله: (أوجده الله ريح القميص)، أي: جعله الله واجدًا، الجوهري: "أوجده الله مطلوبه؛ أي: أظفره". قوله: «لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) لفي ذهابك عن الصواب)، وأنشد السجاوندي للبيد: تمنى أن تلاقي آل سلمى … بخطمة والمنى طرق الضلال قوله: (ولهجك بذكره)، الجوهري: "اللهج بالشيء: الولوع، وقد لهج به: إذا أغرى به، فثابر عليه"، أي: واظب عليه.
[ ٨ / ٤٣٢ ]
(أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ) يعني قوله: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ)، أو قوله (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ). وقوله: (إِنِّي أَعْلَمُ) كلام مبتدأٌ لم يقع عليه القول، ولك أن توقعه عليه وتربد قوله: (إنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ). وروي: أنه سأل البشير: كيف يوسف؟ فقال: هو ملك مصر. فقال: ما أصنع بالملك؟ على أي دينٍ تركته؟ قال: على دين الإسلام. قال: الآن تمت النعمة.
[(قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ* قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)].
(سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ) قيل: أخر الاستغفار إلى وقت السحر. وقيل: إلى ليلة الجمعة ليتعمد به وقت الإجابة
_________________
(١) قوله: (يعني: قوله: (إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ»، هذا إذا كان الكلام مع ولد ولده ومن حوله، وقوله: (وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) إذا كان الكلام مع ولده، ويحتمل الأمرين لمساعدة قرائن المقام، وقوله: (وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)، وهو تعليل لظهور صدقه فيما قال. وعلى أن يكون مقولًا للقول: المعنى: إنما أشكو إلى ربي داعيًا وملتجئًا لأني أعلم من صنيعه ورحمته وحسن ظني به أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب، فأتى (وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ) هناك بالواو تفويضًا لاستفادة الترتب إلى ذهن السامع، كما تقرر، وصرح هنا بـ "إن" للدلالة على التعليل. قوله: (إلى ليلة الجمعة)، روينا عن الترمذي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه سولم قال: "قال
[ ٨ / ٤٣٣ ]
وقيل: ليتعرّف حالهم في صدق التوبة وإخلاصها. وقيل: أراد الدوام على الاستغفار لهم. فقد روى أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. وقيل: قام إلى الصلاة في وقت السحر، فلما فرغ رفع يديه وقال: اللهمّ اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه، واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم، فأوحي إليه: إنّ الله قد غفر لك ولهم أجمعين.
وروي أنهم قالوا له وقد علتهم الكآبة: ما يُغني عنا عفو كما إن لم يعف عنا ربنا، فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرّت لنا عين أبدًا، فاستقبل الشيخ القبلة قائمًا يدعو، وقام يوسف خلفه يؤمّن، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى بلغ جهدهم وظنوا أنها الهلكة،
_________________
(١) أخي يعقوب لبنيه: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة". قوله: (أراد الدوام)، أي: في (سَوْفَ) زيادة تنفيس وتماد في الفعل، ولا يبعد أن يراد به الدوام، والدليل عليه ما روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. قوله: (واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم)، أي: فعلوا به من الإساءة. "الأساس": "أتى إليه إحسانًا: إذا فعله". قوله: (وقد علتهم الكآبة)، الجوهري: "الكآبة: سوء الحال والانكسار". قوله: (وظنوا أنها الهلكة)، أي: الهلاك، والضمير للقصة، والمبتدأ ضمير يرجع إلى ما هم عليه من استبطاء إجابة الدعاء، وبلوغ جهدهم فيه، أي: أن القصة هي الهلكة.
[ ٨ / ٤٣٤ ]
نزل جبريل ﵇ فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوّة، وقد اختلف في استنبائهم.
[(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ* وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَاوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)].
(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ) قيل: وَجَّهَ يوسف إلى أبيه جهازًا ومئتي راحلةٍ ليتجهز إليه بمن معه. وخرج يوسف والملك في أربعة آلافٍ من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم، فتلقوا يعقوب وهو يمشي يتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا، أهذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا ولدك، فلما لقيه قال يعقوب ﵇: السلام عليك يا مذهب الأحزان
_________________
(١) قوله: (وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة)، من قولهم: عقاد ألوية، جزاز ناصية، جواب قاصية، للخيل جرار. النهاية: "هلك أهل العقد ورب الكعبة، يعني: أرباب الولاية على الأمصار". قوله: (استنبائهم)، استنبأ الرجل وتنبأ: إذا جعل نبيًا. قوله: (ليتجهز إليه بمن معه): النهاية: "تجهيز الغازي: تحميله وإعداد ما يحتاج إليه في غزوه، ومنه تجهيز العروس والميت". قوله: (وهو يمشي يتوكأ)، توكأت على عصا، وأوكأت فلانًا إيكاءً: إذا نصبت له متكئًا.
[ ٨ / ٤٣٥ ]
وقيل: إن يوسف قال له لما التقيا: يا أبت، بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ فقال: بلى، ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك، وقيل: إنّ يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون، ما بين رجل وامرأة، وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعون رجلا سوى الذرية والهرمى، وكانت الذرّية ألف ألف ومئتي ألف.
(آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) ضمهما إليه واعتنقهما. قال ابن أبي إسحاق: كانت أمّه تحيا، وقيل: هما أبوه وخالته، ماتت أمّه فتزوّجها وجعلها أحد الأبوين، لأنّ الرابة تدعى أمًّا، لقيامها مقام الأمّ، أو لأنّ الخالة أمّ كما أنّ العم أب. ومنه قوله: (وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ) [البقرة: ١٣٣].
_________________
(١) ـ قوله: (أن تسلب دينك)، وهو مستند إلى ضمير المخاطب، و"دينك": بدل اشتمال. قوله: (وهم اثنان وسبعون، ما بين رجل وامرأة)، "ما" موصوفة، والظرف مع متعلقه: صفتها، أي: عددًا حصل وثبت بين رجل وامرأة. ويجوز أن يكون المجموع كناية عن المميز، أي: اثنان وسبعون ذكورًا وإناثًا، أو المميز محذوف، والجملة خبر بعد خبر.
[ ٨ / ٤٣٦ ]
فإن قلت: ما معنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر؟ قلت: كأنه حين استقبلهم نزل لهم في مضرب أو بيتٍ ثم، فدخلوا عليه وضمّ إليه أبويه، ثم قال لهم (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) ولما دخل مصر وجلس في مجلسه مستويًا على سريره واجتمعوا إليه، أكرم أبويه فرفعهما على السرير (وَخَرُّوا لَهُ) يعني: الإخوة الأحد عشر والأبوين (سُجَّدًا) ويجوز أن يكون قد خرج في قبةٍ من قباب الملوك التي تحمل على البغال، فأمر أن يرفع إليه أبواه، فدخلا عليه القبة، فآواهما إليه بالضم والاعتناق وقرّبهما منه، وقال بعد ذلك: ادخلوا مصر.
فإن قلت: بم تعلقت المشيئة؟ قلت: بالدخول مكيفًا بالأمن، لأن القصد إلى اتصافهم بالأمن في دخولهم، فكأنه قيل لهم: اسلموا وأمنوا في دخولكم إن شاء الله. ونظيره قولك للغازى: ارجع سالمًا غانمًا إن شاء الله. فلا تعلق المشيئة بالرجوع مطلقًا، ولكن مقيدًا بالسلامة والغنيمة، مكيفًا بهما. والتقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، ثم حذف الجزاء لدلالة الكلام عليه، ثم اعترض بالجملة الجزائية بين الحال وذي الحال.
_________________
(١) قوله: (كأنه قيل [لهم]: اسلموا وائمنوا في دخولكم)، يعني: في التركيب معنى الدعاء، ولذلك أتى بهما على لفظ الأمر. قوله: (ثم اعترض بالجملة الجزائية- أي: الشرطية- بين الحال وعامله)، قال صاحب "الفرائد": التقدير: ادخلوا مصر إن شاء الله دخلتم آمنين، فـ (آَمِنِينَ) متعلق بالجزاء المحذوف، فعلى هذا لا يفتقر إلى التقديم والتأخير، وإلى أن تجعل الجزائية معترضة بين الحال وذي الحال.
[ ٨ / ٤٣٧ ]
ومن بدع التفاسير أن قوله (إِنْ شاءَ اللَّهُ) من باب التقديم والتأخير، وأن موضعها ما بعد قوله (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) في كلام يعقوب، وما أدري ما أقول فيه وفي نظائره!
فإن قلت: كيف جاز لهم أن يسجدوا لغير الله؟ قلت: كانت السجدة عندهم جارية مجرى التحية والتكرمة، كالقيام، والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها مما جرت عليه عادة الناس، من أفعال شهرت في التعظيم والتوقير. وقيل: ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجباه، وخرورهم سجدًا يأباه. وقيل: معناه وخرّوا لأجل يوسف سجدًا لله شكرًا. وهذا أيضًا فيه نبوة.
يقال: أحسن إليه وبه، وكذلك أساء إليه وبه. قال:
أَسِيئِى بِنَا أَوْ أَحْسِنِى لَا مَلُومَةً
(مِنَ الْبَدْوِ) من البادية، لأنهم كانوا أهل عمد وأصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناجع (نَزَغَ) أفسد بيننا وأغرى، وأصله من نخس الرائض الدابة وحمله على الجري. يقال، نزغه ونسغه، إذا نخسه.
_________________
(١) وقلت: ولا ارتياب أن هذا الاستثناء في أثناء الكلام كالتسمية في الشروع فيه للتيمن والتبرك، قال تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا* إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، واستعماله مع الجزاء كالشريعة المنسوخة، فحسن موقعه في الكلام أن يكون معترضًا. قوله: (وهذا أيضًا فيه نبوة)، لأن السجدة كانت تكرمة؛ لقوله: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف: ٤]. قوله: (أهل عمد)، الأساس: "يقال لأصحاب الأخبية هم: أهل عمود، وأهل عماد، وأهل عمد". والنجعة: طلب الكلأ.
[ ٨ / ٤٣٨ ]
(لَطِيفٌ لِما يَشاءُ) لطيف التدبير لأجله، رفيق حتى يجيء على وجه الحكمة والصواب. وروي: أن يوسف أخذ بيد يعقوب فطاف به في خزائنه، فأدخله خزائن الورق والذهب، وخزائن الحلىّ، وخزائن الثياب، وخزائن السلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزانة القراطيس قال: يا بنيّ، ما أعقك! عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل؟ قال: أمرني جبريل. قال أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط إليه مني فسله. قال جبريل ﵇: الله تعالى أمرني بذلك لقولك (وَأَخافُ أَنْ يَاكُلَهُ الذِّئْبُ)، قال: فهلا خفتني؟
وروي أن يعقوب أقام معه أربعًا وعشرين سنة ثم مات. وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق. فمضى بنفسه ودفنه ثمة، ثم عاد إلى مصر، وعاش بعد أبيه ثلاثًا وعشرين سنة، فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له، طلبت نفسه الملك الدائم الخالد، فتاقت نفسه إليه فتمنى الموت. وقيل: ما تمناه نبي قبله ولا بعده، فتوفاه الله طيبًا طاهرًا، فتخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه؛ كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي: أن عملوا له صندوقًا من مرمرٍ وجعلوه فيه، ودفنوه في النيل بمكان يمرّ عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا كلهم فيه شرعًا واحدًا.
_________________
(١) قوله: (لطيف التدبير لأجله)، أي: لأجل ما يشاء، يريد: أن قوله: (لِمَا يَشَاءُ) مطلق، لكن قيد لقرنية المقام به، أي: لطيف التدبير في جميع الأشياء حيث دبر أمري كذلك، قال السجاوندي: ذكر الخروج من السجن دون الدخول لئلا يكون شكاية عن الله تعالى، ولم يذكر الجب لئلا يستحيي إخوته. قوله: (فتاقت)، اشتاقت. قوله: (وتشاحوا): يقال: تشاح الرجلان على الأمر: لا يريدان أن يفوتهما. قوله: (شرعًا واحدًا)، الجوهري: "الناس في هذا الأمر شرع؛ أي: سواء، يحرك ويسكن، يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث".
[ ٨ / ٤٣٩ ]
وولد له: إفراثيم وميشا، وولد لإفراثيم نون، ولنون يوشع فتى موسى، ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه. إلى أن بعث الله موسى ﷺ.
[(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)].
«من» في (مِنَ الْمُلْكِ) و(مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ) - للتبعيض، لأنه لم يعط إلا بعض ملك الدنيا، أو بعض ملك مصر وبعض التأويل (أَنْتَ وَلِيِّي) أنت الذي تتولاني بالنعمة في الدارين، ويوصل الملك الفاني بالملك الباقي (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا) طلبٌ للوفاة على حال الإسلام، ولأن يختم له بالخير والحسنى، كما قال يعقوب لولده: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٢]،
_________________
(١) قوله: (ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر) أي: بعد يوسف، إلى قوله: (إلى أن بعث الله محمدًا صلوات الله عليه)، فيه بحث، ولو قال: إلى أن بعث الله موسى ﵇ كان أولى، لأنه ﵇ خلص بني إسرائيل من تحت يد فرعون، ونقلهم إلى الشام. قوله: (أو بعض ملك مصر)، ظاهره ينافي قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) [يوسف: ٥٦]، اللهم إلا أن يحمل الملك على المالكية، لا على التسلط والتصرف. قوله: (كما قال يعقوب لولده: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»، وجه المشابهة أنه ﵇ أمرهم بأن يموتوا على الإسلام، والموت ليس بمقدورهم، فيكون أمرًا بأن يكونوا
[ ٨ / ٤٤٠ ]
ويجوز أن يكون تمنيًا للموت على ما قيل: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) من آبائي أو على العموم.
وعن عمر بن عبد العزيز: أنّ ميمون بن مهران بات عنده، فرآه كثير البكاء والمسألة للموت، فقال له: صنع الله على يديك خيرًا كثيرًا؛ أحييت سننًا وأمت بدعًا، وفي حياتك خيرٌ وراحة للمسلمين! فقال: أفلا أكون كالعبد الصالح لما أقرّ الله عينه وجمع له أمره قال: توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين.
فإن قلت: علام انتصب (فاطر السموات)؟ قلت: على أنه وصفٌ لقوله (رَبِّ) كقولك: أخا زيدٍ حسن الوجه، أو على النداء.
[(ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ)].
_________________
(١) على حالة إن أدركهم الموت أدركهم وهم على تلك الحالة، وهي حالة الإسلام، فصح قوله: "طلبًا للوفاة على حال الإسلام". قوله: (ويجوز أن يكون تمنيًا للموت على ما قيل)، أي: على ما سبق القول آنفًا، وهو قوله: "وقيل: ما تمناه نبي قبله ولا بعده". قوله: (أن ميمون بن مهران)، قال صاحب "الجامع": "هو أبو أيوب ميمون بن مهران مولى بني أسد، سمع ابن عمر وابن عباس وأبا الدرداء، ولد سنة أربعين، ومات سنة ثماني عشرة ومئة". قوله: (كقولك: أخا زيد حسن الوجه)، قيل: "حسن الوجه" نكرة، لأن الإضافة لفظية، و"أخا زيد" معرفة، فيكف تقع صفة له، وهو بدل في الظاهر؟ والجواب موقوف على المراد من إيقاع (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ) وصفًا لقوله: (رَبِّ)، وأنها من أي قبيل هي؟ وذلك أن
[ ٨ / ٤٤١ ]
(ذلِكَ) إشارةٌ إلى ما سبق من نبأ يوسف، والخطابُ لرسول الله ﷺ ومحله الابتداء. وقوله (مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) خبر "إنّ"
_________________
(١) ـ يوسف ﵇ لما قال: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ) أتبعه بذكر (فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) استلذاذًا ودفعًا لما عسى أن يدخل في خلد غبي من الشركة، فكيف وقد سبق أنه قال: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)؟ ألا ترى إلى سحرة فرعون كيف ميزوا رب العالمين بقولهم: (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) [الأعراف: ١٢٢]! وما ذلك إلا لتوهم الشيوع. ولما كان "أخا زيد" مثالًا له ينبغي أن يحمل على الشيوع أيضًا، وذلك بأن يكون لزيد إخوة فيهم حسن الوجه وقبيحه، فيميز أحدهم بحسن الوجه. ونحوه إيقاع "يسبني" صفة "اللئيم"، فيكون "أخو زيد" في تأويل "واحد من الإخوة"، وفيه بحث. وقيل: يمكن أن يقال: مراده من هذا التشبيه أنه مثله في أنه ليس منادى مستقلًا، فكما أن (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ) تابع لما قبله، وليس منادى مستقلًا، ولما اشتركا في هذا المعنى شبهه به، وإن اختلفا في أن أحدهما صفة، والآخر بدل.
[ ٨ / ٤٤٢ ]
ويجوز أن يكون اسمًا موصولًا بمعنى الذي، و(مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) صلته، و(نُوحِيهِ) الخبر. والمعنى: أن هذا النبأ غيب لم يحصل لك إلا من جهة الوحي؛ لأنك لم تحضر بني يعقوب حين أجمعوا أمرهم، وهو إلقاؤهم أخاهم في البئر، كقوله: (وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ)؛ وهذا تهكم بقريش وبمن كذبه؛
_________________
(١) قوله: (وهذا تهكم بقريش)، يعني قوله: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ) الآية، وذلك أنه صلوات الله عليه أخبرهم بهذه القصة العجيبة التي عجزت عنها رواته من غير أن يخرم منها حرفًا، فصدقوه في ذلك، مع استمرارهم على إنكار الوحي، فخوطب به صلوات الله عليه معرضًا بهم على سبيل التهكم، استركاكًا لعقولهم، وإليه الإشارة بقوله: "يا مكابرة"، يعني: أيها المكابرون، إنه لم يخف عليكم أنه لم يكن من حملة هذا الحديث، ولا لقي فيها أحدًا، ولا سمع منه، ولم يكن من علم قومه، ولم يكن مشاهدًا لذلك أيضًا، فلم يبق إلا الوحي، فإذا أنكرتم الوحي لزم أنكم لم تصدقوه فيما صدقتموه، وإليه الإشارة بقوله: "فإذا أنكروه- أي: الوحي- تهكم بهم"، لأنه لزمهم نفي ما أثبتوه، فإن التهكم ينتزع من نفس التضاد. وأحسن منه قول القاضي: " (ذَلِكَ) إشارة إلى ما ذكر من نبأ يوسف، والخطاب للرسول [ﷺ]، وهو مبتدأ، وقوله: (مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) خبران له، (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ) الآية: كالدليل عليهم، والمعنى: إن هذا النبأ غيب لم تعرفه إلا بالوحي، لأنك لم تحضر إخوة يوسف حين عزموا على ما هموا به في غيابة الجب، وهم يمكرون به وبأبيه ليرسله معهم، ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحدًا سمع ذلك، فتعلمه منه، وإنما حذف هذا الشق استغناء بذكره في غير هذه القصة، كقوله: (مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا) [هود: ٤٩] ".
[ ٨ / ٤٤٣ ]
لأنه لم يخف على أحد من المكذبين أنه لم يكن من حملة هذا الحديث وأشباهه، ولا لقى فيها أحدًا ولا سمع منه. ولم يكن من علم قومه. فإذا أخبر به وقصّ هذا القصص العجيب الذي أعجز حملته ورواته، لم تقع شبهة في أنه ليس منه وأنه من جهة الوحي، فإذا أنكروه تهكم بهم. وقيل لهم: قد علمتم يا مكابرة أنه لم يكن مشاهدًا لمن مضى من القرون الخالية. ونحوه: (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ) [القصص: ٤٤]. (وَهُمْ يَمْكُرُونَ) بيوسف ويبغون له الغوائل.
[(وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ* وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)].
(وَما أَكْثَرُ النَّاسِ) يريد العموم، كقوله: (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) [هود: ١٧]، وعن ابن عباس ﵄: أراد أهل مكة، أي: وما هم بمؤمنين (وَلَوْ حَرَصْتَ) وتهالكت على إيمانهم لتصميمهم على الكفر وعنادهم.
(وَما تَسْئَلُهُمْ) على ما تحدثهم به وتذكرهم أن ينيلوك منفعة وجدوى، كما يعطى حملة الأحاديث والأخبار (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ) عظةٌ من الله (لِلْعالَمِينَ) عامةً، وحث على طلب النجاة على لسان رسول من رسله.
_________________
(١) قوله: (وقصة هذا القصص)، الضمير في "قصه" للحديث، و"هذا القصص": مفعول مطلق. قوله: «لِلْعَالَمِينَ) عامة، وحث على طلب النجاة على لسان رسول من رسله)، اعلم أن هذا الكلام إلى آخره بيان لمنافاة طلب الأجر، لأن كونه تذكيرًا من الله وموعظة، وكونه عامة للثقلين، وكونه طلبًا للنجاة، وكونه رسولًا واحدًا من رسله، يأبى أن يطلب من كفار قريش الأجر؛ لأن كونه تذكيرًا من الله تعالى لعباده، فلأنه تعالى مستغن عن العالمين، فينافي طلب الأجر من قريش، وكونه عامة للثقلين يبعد أن يطلب الأجر من قريش، وكونه طلبًا
[ ٨ / ٤٤٤ ]
[(وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ)].
(مِنْ آيَةٍ) من علامةٍ ودلالة على الخالق وعلى صفاته وتوحيده، (يَمُرُّونَ عَلَيْها) ويشاهدونها وهم معرضون عنها لا يعتبرون بها. وقرئ «والأرض» بالرفع على الابتداء، و(يمرون عليها): خبره. وقرأ السدّي «والأرض» بالنصب؛ على: ويطؤون الأرض يمرّون عليها. وفي مصحف عبد الله: "والأرض يمشون عليها"، برفع "الأرض"، والمراد: ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر.
[(وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ)].
(وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ) في إقراره بالله وبأنه خلقه وخلق السموات والأرض، إلا وهو مشرك بعبادته الوثن، وعن الحسن: هم أهل الكتاب؛ معهم شرك وإيمان. وعن ابن عباس ﵄: هم الذين يشبهون الله بخلقه.
[(أَفَأَمِنُوا أَنْ تَاتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَاتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)].
(غاشِيَةٌ) نقمة تغشاهم. وقيل: ما يغمرهم من العذاب
_________________
(١) للنجاة من الدنيا ينافي أن يطلب به حطام الدنيا، وكونه رسولًا واحدًا من رسله له أسوة بسائر الرسل، وما طلب نبي قط أجرًا من أمته. قوله: (معهم شرك وإيمان)، فإن اليهود والنصارى جمعوا بين الإيمان بالله والتوراة والإنجيل، وبين الشرك؛ قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. قوله: (وقيل: ما يغمرهم)، فعلى الأول: من الغشيان، وعلى الثاني: من الغشاء، وهو الغطاء.
[ ٨ / ٤٤٥ ]
ويجللهم. وقيل: الصواعق.
[(قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)].
(هذِهِ سَبِيلِي) هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي. والسبيل والطريق: يذكران ويؤنثان، ثم فسر سبيله بقوله (أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ) أي: أدعو إلى دينه مع حجة واضحةٍ غير عمياء، و(أَنَا) تأكيدٌ للمستتر في (أَدْعُوا)، (وَمَنِ اتَّبَعَنِي) عطفٌ عليه. يريد: أدعو إليها أنا، ويدعو إليها من اتبعني.
ويجوز أن يكون (أَنَا) مبتدأ، و(عَلى بَصِيرَةٍ) خبرًا مقدّمًا، (ومَنِ اتَّبَعَنِي) عطفًا على (أَنَا) إخبارًا مبتدأ بأنه ومن اتبعه على حجة وبرهان، لا على هوى.
_________________
(١) قوله: (ويجللهم)، جلل الشيء تجليلًا؛ أي: عم، والمجلل: السحاب الذي يعم الأرض بالمطر. قوله: (هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد: سبيلي)، يشير إلى أن المشار إليه ما في الذهن، وهو معنى (سَبِيلِي)، ومعنى (سَبِيلِي) ما في قوله: (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ)، وهو الإيمان، وفي قوله: (وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ)، وهو التوحيد. قوله: (إخبارًا مبتدأ)، عامله مضمر، أي: يخبر إخبارًا، أو خبر بعد خبر لـ "كان"،
[ ٨ / ٤٤٦ ]
ويجوز أن يكون (عَلى بَصِيرَةٍ) حالًا من (أَدْعُوا) عاملة الرفع في (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي).
(وَسُبْحانَ اللَّهِ) وأنزهه من الشركاء.
[(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ)].
_________________
(١) أو تمييزًا، أي: يجوز أن يكون كذا من هذه الجهة. قال صاحب "المرشد": " (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ) وقف حسن، (عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي) مثله، هذا مذهب أبي حاتم، وهو الجيد". قوله: (وأنزهه من الشركاء)، مؤذن بأن قوله: (وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ) حال من فاعل "أسبح"، وأن قوله: (وَسُبْحَانَ اللَّهِ) عطف على قوله: (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ)، هذا يقوي أن يكون قوله: (عَلَى بَصِيرَةٍ) حالًا من (أَدْعُو). وفيه: أن من يدعو الناس إلى الله وإلى دينه ينبغي أن يكون على برهان وحجة من اله؛ لئلا يضلهم، ومن ينزهه عما لا يليق بجلاله ينبغي أن يكون موحدًا؛ لئلا يميل إلى الإلحاد والإشراك، وهو تعريض بمن يثبت العقول، أو يقول: العبد مستقل بالخلق، تلخيصه: أنا هاد غير مضل، ومهتد غير ضال.
[ ٨ / ٤٤٧ ]
(إِلَّا رِجالًا) لا ملائكة، لأنهم كانوا يقولون: (لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) [فصلت: ١٤]، وعن ابن عباس ﵄: يريد ليست فيهم امرأة. وقيل: في سجاح المتنبئة
وَلَمْ تَزَلْ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ ذُكْرَانَا
وقرئ: (نوحي إليهم)، بالنون. (مِنْ أَهْلِ الْقُرى) لأنهم أعلم وأحلم، وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء والقسوة.
_________________
(١) قوله: (ولم تزل أنبياء الله ذكرانًا)، أوله: أضحت نبيتنا أنثى نطوف بها وفي رواية: .. نبيتنا فينا مؤنثة سجاح: هي بنت المنذر، تنبأت في أيام مسليمة، فأتت لتختبره، فآمنت به، وسلمت أمرها له. قوله: (وقرئ: (نُّوحِي) بالنون)، حفص: بالنون وكسر الحاء، والباقون: بالياء وفتح الحاء.
[ ٨ / ٤٤٨ ]
(وَلَدارُ الْآخِرَةِ) ولدار الساعة أو الحال الآخرة (خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) للذين خافوا الله فلم يشركوا به ولم يعصوه. وقرئ: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، بالتاء والياء.
[(حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَاسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)].
(حَتَّى) متعلقة بمحذوفٍ دلّ عليه الكلام، كأنه قيل: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا)، فتراخى نصرهم حتى استيأسوا عن النصر (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) أي: كذبتهم أنفسهم حين حدّثتهم بأنهم ينصرون، أو رجاؤهم لقولهم: رجاءٌ صادق، ورجاءٌ كاذب. والمعنى: أنّ مدّة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله وتأميله قد تطاولت عليهم وتمادت، حتى استشعروا القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا، فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب.
وعن ابن عباسٍ ﵄: وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أُخلفوا ما وعدهم الله من النصر وقال: كانوا بشرا، وتلا قوله (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ) [البقرة: ٢١٤]،
_________________
(١) قوله: (أي: كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون)، يعني: تحدثوا من عند أنفسهم أنهم ينصرون، فملا تراخى النصر وتوهموا أن لا نصر لهم جاءهم النصر، فهو من باب التجريد، كقوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ) [البقرة: ٩] في وجه. قوله: (أو رجاؤهم)، عطف على "أنفسهم"، ويجوز إسناد "كذب" إلى الرجاء؛ لما يقال: رجاء صادق وكاذب.
[ ٨ / ٤٤٩ ]
فإن صح هذا عن ابن عباس، فقد أراد بالظنّ: ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية. وأمّا الظن الذي هو ترجح أحد الجائزين على الآخر، فغير جائز على رجل من المسلمين، فما بال رسل الله الذين هم أعرف الناس بربهم، وأنه متعال عن خلف الميعاد، منزه عن كل قبيح؟ !
وقيل: وظن المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوا، أي: أخلفوا. أو: وظنّ المرسل إليهم أنهم كذبوا من جهة الرسل، أي: كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليهم ولم يصدّقوهم فيه.
_________________
(١) قوله: (فإن صح)، قلت: ما أصحه! وقد رواه البخاري في "صحيحه" في رواية ابن أبي مليكة: "قرأ ابن عباس: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) - خفيفة- قال: ذهب بها هنالك، ثم تلا: (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) الآية، قال: فلقيت عروة بن الزبير، فذكرت ذلك له، فقال: قالت عائشة ﵂: معاذ الله! والله ما وعد الله رسوله من شيء إلا علم أنه كائن قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاء بالرسل، حتى خافوا أن يكون من معهم من قومهم يكذبونهم. وكانت تقرؤها: (أنهم قد كذبوا) - مثقلة-". قوله: (أو: وظن المرسل إليهم أنهم قد كذبوا من جهة الرسل)، يريد: أن الرسل كانوا وعدوهم بنزول العذاب، ثم إنهم إن كانوا معاندين: فوجه الظن ظاهر، وإن لم يكونوا معاندين فكذلك، لأنهم لابد من أن يشاهدوا من الرسل أمارات تدل على صدقهم في الحديث. يؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم عن ابن عباس: عن رسول الله ﷺ أنه قال
[ ٨ / ٤٥٠ ]
وقرئ: "كذبوا" بالتشديد على: وظن الرسل أنهم قد كذبتهم قومهم فيما وعدوهم من العذاب والنصرة عليهم. وقرأ مجاهد: "كذبوا" بالتخفيف، على البناء للفاعل، على: وظن الرسل أنهم قد كذبوا فيما حدثوا به قومهم من النصرة، إمّا على تأويل ابن عباس، وإمّا على أنّ قومهم إذا لم يروا لموعدهم أثرًا قالوا لهم:
إنكم قد كذبتمونا،
_________________
(١) لقريش: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا". وفي "إيجاز البيان" حسب القوم أن الرسل كاذبون، فهم على هذا مكذوبون، لأن من كذبك فأنت مكذوبه، كما في صفة الرسول ﷺ: أنه الصادق المصدوق؛ أي: صدقه جبريل ﵇". وسئل سعيد بن جبير عنها في دعوة حضرها الضحاك مكرهًا، فقال: نعم، حين استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن القوم أن الرسل كذبوهم، فقال الضحاك: ما رأيت كاليوم؛ يدعى إلى علم رجل فلا يتلكأ، لو رحلت في هذا إلى اليمن لكان يسيرًا. تلكأ عن الأمر تلكؤًا: تباطأ عنه وتوقف. قوله: (وقرئ: "كذبوا" بالتشديد)، عاصم وحمزة والكسائي: بالتخفيف، والباقون: بالتشديد. قوله: (إما على تأويل ابن عباس)، أي: وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا.
[ ٨ / ٤٥١ ]
فيكونون كاذبين عند قومهم. أو وظنّ المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوا. ولو قرئ بهذا مشدّدًا، لكان معناه، وظنّ الرسل أن قومهم كذبوهم في موعدهم.
قرئ: "فننجي" بالتخفيف والتشديد، من أنجاه ونجاه. و(فنجى) على لفظ الماضي المبني للمفعول، وقرأ ابن محيصن: "فنجا". والمراد بـ (مَنْ نَشاءُ): المؤمنون؛ لأنهم الذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم. وقد بين ذلك بقوله: (وَلا يُرَدُّ بَاسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ).
[(لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)].
الضمير في (قَصَصِهِمْ) للرسل، وينصره قراءة من قرأ: "فِي قَصَصِهِمْ" بكسر القاف. وقيل: هو راجع إلى يوسف وإخوته.
_________________
(١) قوله: (فيكونون كاذبين عند قومهم)، وعلى الأول: كانوا كاذبين في وسوستهم وبالهم. قوله: (قرئ: فننجي" بالتخفيف والتشديد)، محيي السنة: "قراءة العامة: بنونين، أي: نحن ننجي، وابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب: بنون واحدة مضمومة، وتشديد الجيم، وفتح الياء؛ على ما لم يسم فاعله، لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة". قوله: (وينصره قراءة من قرأ: "في قصصهم")، لأن "القصص" جمع قصة، ولكل
[ ٨ / ٤٥٢ ]
فإن قلت: فإلام يرجع الضمير في (ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى)، فيمن قرأ بالكسر؟ قلت: إلى القرآن، أي: ما كان القرآن حديثًا يفترى لكِنْ كان (تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: قبله من الكتب السماوية (وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ) يحتاج إليه في الدين، لأنه القانون الذي يستند إليه السنة والإجماع والقياس بعد أدلة العقل.
وانتصاب ما نصب بعد (وَلَكِنْ) للعطف على خبر "كان". وقرئ ذلك بالرفع على: ولكن هو تصديق الذي بين يديه.
عن رسول الله ﷺ: "علموا أرقاءكم سورة يوسف، فإنه أيما مسلم تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هؤن الله عليه سكرات الموت، وأعطاه القوّة أن لا يحسد مسلمًا".
_________________
(١) نبي قصة، ولو أريد بالضمير يوسف وإخوته لم يصح إلا الفتح، لأنه لم يكن لهم إلا قصة واحدة. الجوهري: "القصة: الأمر والحديث، وقص عليه الخبر قصصًا، والاسم أيضًا: القصص- بفتح القاف-، وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، وبكسر القاف: جمع القصة التي تكتب". والله ﷾ أعلم
[ ٨ / ٤٥٣ ]