مكية، وهي مئة وتسع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ * أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ) ١ - ٢].
(الر) تعديد للحروف على طريق التحدي،
_________________
(١) سورة يونس ﵇ مكية، وهي مئة وتسع آيات بسم الله الرحمن الرحيم قوله: «الر) تعديد للحروف على طريق التحدي): أي: بالقرآن، كما قال في البقرة: "هو كقرع العصا، وكالتحريك للنظر في أن هذا المتلو عليهم- وقد عجزوا عنه- كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم، ليؤديهم إلى النظر إلى أنه ليس من كلام البشر، وانه كلام خالق القوى والقدر".
[ ٧ / ٤١٠ ]
و(تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ) إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، و"الكتاب": السورة، و"الْحَكِيمِ" ذو الحكمة؛ لاشتماله عليها ونطقه بها، أو وصف بصفة محدثة. قال الأعشى:
وَغَرِيبَةٍ تَاتِى المُلُوكَ حَكِيمَة … قَدْ قُلْتُهَا لِيُقَالَ مَنْ ذَا قَالَهَا؟ !
الهمزة لإنكار التعجب والتعجيب منه، و(أَنْ أَوْحَيْنا) اسم "كان"، و(عجبًا): خبرها. وقرأ ابن مسعود: "عجب"،
_________________
(١) قوله: (و(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) إشارة إلى ماتضمنته السورة من الآيات): فإن قلت: كيف يُشار إلى ما تضمنته السورة، وهو مترقب؟ قلت: قال في قوله تعالى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨]: "تصور فراق بينهما، فأشار إليه"، وسيجيء التحقيق فيه هنالك. قوله: (ونطقه بها): يعني: وُصِفَ (الْكِتَابِ) بـ (الْحَكِيمُ) على الاستعارة المكنية بجامع اشتماله على الحكمة. قوله: (أو وُصِف بصفة محدثه): وعند أهل السنة: بصفة متكلمه الحكيم، وهو من الإسناد المجازي، كقولهم: نهاره صائم، وليله قائم. الراغب: "الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعمل، فالحكمة من الله تعالى: معرفة الأشياء. وإيجادها على غاية الإحكام، وإذا وُصف بها القرآن فلتضمنه الحكمة". قوله: (وغريبة) البيت: أي: رب قصيدة غريبة قد قلتها في مدح الملوك ذات حكمة، ليتعجب الناس ويقولوا: من قالها؟ !
[ ٧ / ٤١١ ]
فجعله اسما، وهو نكرة، و(أَنْ أَوْحَيْنا) خبرًا، وهو معرفة، كقوله:
يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاء
والأجود أن تكون "كان" تامّة، و(أن أوحينا) بدلا من "عجب".
فإن قلت: فما معنى اللام في قوله: (أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا)؟ وما هو الفرق بينه وبين قولك: أكان عند الناس عجبًا؟
_________________
(١) قوله: (فجعله اسمًا، وهو نكرة، و(أَنْ أَوْحَيْنَا) خبرًا، وهو معرفة): أي: هو من باب القلب لأمن الإلباس، والضمير في "كقوله" لحسان، أوله: كأن سلافة من بيت رأس ورواية "الصحاح": "كأن سبيئة من بيت رأس". "السلافة": أول ما يسيل من ماء العنب، وهو أرق ما فيه، "السبيئة": الخمر، يقال: سبأت الخمر سبأ: إذا اشتريتها لتشربها، و"بيت رأس": اسم قرية بالشام تُباع فيه الخمر. قال ابن جني: "إنما جاز ذلك من حيث كان "عسل وماء" جنسين، فكأنه قال: يكون مزاجها العسل والماء، لأن نكرة الجنس تفيد مفاد معرفته، ألا ترى أنك تقول: خرجت فإذا أسد بالباب، أي: فإذا الأسد بالباب، لا فرق بينهما، لأنك في الموضعين لا تريد أسدًا معينًا،
[ ٧ / ٤١٢ ]
قلت: معناه: أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها، ونصبوه علمًا لهم يوجهون نحوه استهزاءهم وإنكارهم، وليس في "عند الناس" هذا المعنى.
والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر، وأن يكون رجلا من أفناء رجالهم، دون عظيم من عظمائهم، فقد كانوا يقولون: العجب أنّ الله لم يجد رسولا يرسله
_________________
(١) ـ وإنما لم يجز هذا في قولك: كان قائم أخاك، وكان جالس أباك، لأنه ليس في "جالس" و"قائم" معنى الجنسية التي تلاقي معينًا نكرتها ومعرفتها [على ما قدمناه] ". ومعنى الآية على هذا: أكان الوحي للناس هذا الجنس من الفعل، وهو التعجب. وقال ابن جني أيضًا: "يجوز مع النفي جعلُ اسم "كان" وأخواتها نكرة، ولا يجوز مع الإيجاب، ألا تراك تقول: ما كان إنسان خيرًا منك، ولا تقول: كان إنسان خيرا ًمنك". والاستفهام في قوله تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا) للتوبيخ، فيفيد معنى النفي. قوله: (معناه: أنهم جعلوه لهم أعجوبة): فإذن اللام مثلها في قوله تعالى: (هيت لك) [يوسف: ٢٣]، قال أبو البقاء: "اللام متعلق بـ "عجب" للتبيين". قوله: (أفناء رجالهم)، الجوهري: "يقال: هو من أفناء الناس: إذا لم يعلم ممن هو"، ولم يرد هاهنا حمول نسبه، لأنه صلوات الله عليه كان من الأعلام المشاهير كابرًا عن كابر، لكن أريد أنه لم يكن من العظماء والرؤساء، يدل عليه قولهم: (عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: ٣١]، وقولهم: "يتيم أبي طالب".
[ ٧ / ٤١٣ ]
إلى الناس إلا يتيم أبى طالب، وأن يذكر لهم البعث، وينذر بالنار، ويبشر بالجنة.
وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب، لأنّ الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلا بشر مثلهم، وقال الله تعالى (قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا) [الإسراء: ٩٥]، وإرسال الفقير أو اليتيم ليس بعجب أيضًا، لأنّ الله تعالى: إنما يختار من استحق الاختيار، لجمعه أسباب الاستقلال بما اختير له من النبوّة، والغنى والتقدّم في الدنيا ليس من تلك الأسباب في شيء (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى) [سبأ: ٣٧]، والبعث للجزاء على الخير والشر هو الحكمة العظمى، فكيف يكون عجبًا؟ إنما العجب العجيب والمنكر في العقول تعطيل الجزاء.
(أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ): (أن) هي المفسرة، لأنّ الإيحاء فيه معنى القول، ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، وأصله: أنه أنذر الناس، على معنى: أن الشأن قولنا: أنذر الناس، و(أَنَّ لَهُمْ) الباء معه محذوف، (قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: سابقة وفضلا ومنزلة رفيعة.
_________________
(١) ـ قوله: (وأن يذكر لهم البعث): معطوف على محذوف تقديره: لم يجد رسولًا يرسله إلى الناس؛ لأن يدعوهم إلى الله، وأن يذكر لهم البعث، إلا يتيم أبي طالب. قوله: (والبعث للجزاء): عطف على قوله: "وإرسالُ الفقير"، وهو على قوله: "لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلا بشرًا" من حيث المعنى، وذلك أن المتعجب منه في قوله: (أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ) ثلاثة أشياء: كون الرسول رجلًا، وكونه بعضًا منهم، وكون المنذر البعث. وأجاب عن كل واحد على سبيل التفصيل وأحسن، لا سيما قوله: "إنما العجب العجيب والمنكر في العقول تعطيل الجزاء"، لكن في قوله: "إنما يختار من استحق الاختيار" بحث. وعلل نفي التعجب بقوله: "لأن الرسل" إلى آخره، لأن العجب: هو حال يعتري الإنسان من رؤية خلاف العادة.
[ ٧ / ٤١٤ ]
فإن قلت: لم سميت السابقة قدما؟ قلت: لما كان السعي والسبق بالقدم، سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدما، كما سميت النعمة يدًا؛ لأنها تعطى باليد، وباعًا؛ لأنّ صاحبها يبوع بها، فقيل: لفلان قدم في الخير، وإضافته إلى (صدق) دلالة على زيادة فضل، وأنه من السوابق العظيمة. وقيل: مقام صدق.
(إِنَّ هذا): إن هذا الكتاب وما جاء به محمد "لَسحِرٌ"،
_________________
(١) ـ قوله: (سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدمًا): قال السجاوندي: "سُمي المُقدم قدمًا، كما سُمي الجاسوس عينًا، والمستعلي رأسًا، بل كل صفة مرضية للعبد عند سيده: قدم، وكل نعمة شاملة للسيد على عبده: يد". قوله: (لأن صاحبها يبوع بها)، الأساس: "ومن المجاز: لفلان سابقة وباع، وتبوع للمساعي: مد باعه". قوله: (مقام صدق): هو كقوله تعالى (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: ٥٥]، الأساس: "مشى فلان اليقدمية والقدمية: إذا تقدم في المكارم ومعالي الأمور". الانتصاف: "لم يسموا السابقة السوء: قدمًا، إما لكون المجاز لم يطرد، أو اطرد ولكن غلب العرف على قصرها". قوله: (إن هذا الكتاب وما جاء به محمد لسحر): إشارة إلى اتصال هذه الآية بالآيتين السابقتين، آذنت الأولى: بأن السورة تحدي بها، وأفحم من تحدى بها، وأثبت بالآيتين السابقتين، آذنت الأولى: بأن السورة تحدى بها، وأفحم من تحدى بها، وأثبتت رسالة المدعي، والثانية: بأنهم بعد العجز عاندوا وتعجبوا مستهزئين، والثالثة: بأنهم أظهروا ما به يتبين عجزهم من تلك الكلمة التي يرمي بها العاجز المبهوت، وإليه الإشارة بقوله: "وهو دليل عجزهم واعترافهم به".
[ ٧ / ٤١٥ ]
ومن قرأ: (لساحر): فهذا إشارة إلى رسول الله ﷺ، وهو دليل عجزهم واعترافهم به وإن كانوا كاذبين في تسميته سحرًا، وفي قراءة أبىّ: "ما هذا إلا سحر".
[(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) ٣ - ٤].
(يُدَبِّرُ) يقضى ويقدر على حسب مقتضى الحكمة، ويفعل ما يفعل المتحرى للصواب الناظر في أدبار الأمور وعواقبها، لئلا يلقاه ما يكره آخرًا، و(الْأَمْر): َ أمر الخلق كله، وأمر ملكوت السموات والأرض والعرش.
_________________
(١) وإنما فُصلت الجمل لاختلافها خبرًا وطلبًا على سبيل التعداد، نحو قولهم: "واعبد ربك، العبادة حق له"، على تعويل الترتيب إلى الذهن دون اللفظ. قوله: (ومن قرأ: (لَسَاحِرٌ): ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي. قوله: (الناظر في أدبار الأمور [وعواقبها] لئلا يلقاه ما يكره آخرًا): لخص المعنى القاضي حيث قال: "التدبير: النظر في أدبار الأمور لتجيء محمودة العاقبة". قلت: هذا تمثيل، ولذلك قال: "ويفعل ما يفعلُ المتحري".
[ ٧ / ٤١٦ ]
فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟ قلت: قد دل بالجملة قبلها على عظمة شأنه وملكه بخلق السماوات والأرض، مع بسطتها واتساعها في وقت يسير، وبالاستواء على العرش، وأتبعها هذه الجملة لزيادة الدلالة على العظمة، وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره.
وكذلك قوله: (ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) دليل على العزة والكبرياء، كقوله: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ) [النبأ: ٣٨].
و(ذلِكُمُ) إشارة إلى المعلوم بتلك العظمة، أي: ذلك العظيم الموصوف بما وصف به: هو ربكم، وهو الذي يستحق منكم العبادة، (فَاعْبُدُوهُ) وحده،
_________________
(١) قوله: (وبالاستواء على العرش): عطف على "بخلق السماوات والأرض"، وهو بدل من قوله: "بالجملة" بإعادة العامل، وكرر الباء في المعطوف ليؤذن باستقلاله بنفسه، وفيه لف، فقوله: "على عظمة شأنه" مستفاد من قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، وقوله: "ومُلكه" -أي: عظمة مُلكه-من قوله: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)، فكان قوله: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ) تتميمًا لهذا المعنى، لأن الأول دل على عظم الشؤون وجلائل الأمور، وهذا على توابعها، وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وقدره، وكذلك قوله: (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) تتميم للمجموع وتمثيل لما عُهد من السلاطين من اجتماع الملأ حول سرير الملك، وعليه قوله تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ) [النبأ: ٣٨]. قال القاضي: "فيه رد على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وإثبات الشفاعة لمن أذن له". قلت: آذن - ﵀- بارتباط هذه الآية مع قوله: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) [يونس: ١٨]. قوله: (أي: ذلك العظيم الموصوف بما وصف به) إلى آخره: إشارة إلى أن في اسم الإشارة
[ ٧ / ٤١٧ ]
ولا تشركوا به بعض خلقه من ملك أو إنسان، فضلا عن جماد لا يضر ولا ينفع، (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) فإن أدنى التفكر والنظر ينبهكم على الخطأ فيما أنتم عليه.
(إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا) أي: لا ترجعون في العاقبة إلا إليه فاستعدوا للقائه.
(وَعْدَ اللَّهِ) مصدر مؤكد لقوله: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ)، و(حَقًّا) مصدر مؤكد لقوله: (وَعْدَ اللَّهِ).
(إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) استئناف معناه التعليل لوجوب المرجع إليه، وهو أنّ الغرض ومقتضى الحكمة بابتداء الخلق وإعادته: هو جزاء المكلفين على أعمالهم.
_________________
(١) إشعارًا بأن ما قبله- وهو الله الموصوف بكونه ربًا، خالقًا، مستويًا على العرش، مدبرًا للأمور - حقيق بما بعده؛ وهو أن يخص بالعبادة، ولا يشرك فيها غيره، كما سبق في أول البقرة. قوله: «أَفَلا تَذَكَّرُونَ) فإن أدنى التفكر والنظر ينبهم على الخطأ): مُشعرٌ بأن التذكر دون التفكر، الجوهري: "ذكرته بلساني وبقلبي، وتذكرته"، وقال: "التفكر: التأمل". يعني: كان من حق الظاهر أن يُقال: "أفلا تفكرون"، أي: في تلك الدلائل القاهرة الباهرة، لتعرفوا أن الله هوا لمستحق للعبادة، لأنه هو المنعم بجميع تلك النعم المتظاهرة، فوضع موضعه (تَذَكَّرُونَ)؛ تتميمًا للمعنى وتربية للفائدة، يعني: يكفيكم الإخطار بالبال دون استعمال الرؤية. قال الإمام: "هذا يدل على أن التفكر في المخلوقات والاستدلال بها على جلال الله وعزته وعظمته من أعلى المراتب، وأكمل الدرجات". قوله: (لا ترجعون في العاقبة إلا إليه): الحصر ومعنى التخصيص مستفاد من التقديم. قوله: (وهو أن الغرض): الجملة معطوفة على جملة قوله: "معناهالتعليل"؛ على سبيل البيان،
[ ٧ / ٤١٨ ]
وقرئ: "أنه يبدأ الخلق"، بمعنى: لأنه، أو: هو منصوب بالفعل الذي نصب (وعد الله)، أي: وعد الله وعدًا بدأ الخلق ثم إعادته، والمعنى: إعادة الخلق بعد بدئه، وقرئ: (وعد الله)، على لفظ الفعل، و"يبدئ"، من أبدأ، ويجوز أن يكون مرفوعًا بما نصب (حقا)، أي: حقّ حقا بدأ الخلق، كقوله:
أَحَقَّا عِبَادَ اللَّهِ أَنْ لَسْتُ جَائِيًا … وَلَا ذَاهِبًا إلّا عَلَيَّ رَقِيبُ
_________________
(١) ـ والضمير المرفوع راجع إلى "معناه"، أي: قوله (إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) استئناف معناه أن الغرض يقتضي الحكمة، إلى آخره. قوله: (والمعنى: إعادة الخلق بعد بدئه): يعني: على تقدير المصدر لابد من التقديم والتأخير؛ لأن الإبداء ليس موعودًا، بل الموعود الإعادة، فتقدر "إعادة الخلق بعد بدئه". قوله: (ويجوز أن يكون مرفوعًا): عطف على قوله: "أو هو منصوب بالفعل"، يعني: على قراءة من قرأ "أنه يبدأُ الخلق" بالفتح، يجوز أن يكون منصوبًا بفعل مقدر ناصب له، أي: وعد الله وعدًا بدء الخلق، أو أن يكون مرفوعًا بفعل مقدر رافع له، أي: حق حقًا بدء الخلق. قوله: (مرفوعًا بما نصب (حَقًا): لأنه مصدر مؤكد لغيره، وهو قوله: "حق"، وإليه الإشارة بقوله: "أي: حق بدء الخلق حقًا". قوله: (أحقًا عباد الله)، البيت: قيل: "أحقًا": في موضع الظرف، كأنه قال: أفي حق؟
[ ٧ / ٤١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ و"أن": مخففة من الثقيلة، وموضعه مع ما بعده موضع المبتدأ، و"أحقًا" في موضع الخبر، يقول: أفي حق، يا عباد الله، أني لا أجيء ولا أذهب إلا علي رقيب محافظ يَعُدُّ خُطاي وأنفاسي ويتأمل قصوري. ومثله قول الحماسي: أحقًا عباد الله أن لستُ رائيًا … رفاعة طول الدهر إلا توهما قال المرزوقي: "أحقًا: انتصب عند سيبويه على الظرف، كأنه قال: أفي الحق ذلك، فإن قيل: وكيف جاز أن يكون ظرفًا؟ قلت: لما رآهم يقولون: أفي حق كذا، أو: أفي الحقن جعلوه إذا نصبوه على تلك الطريقة، قال: أفي الحق أني مُغرم بك هائم والمعنى: أفي الحق [لست رائيًا] هذا الفتى إلا متوهمًا أبد الدهر، وفائدة قوله: "عباد الله"،
[ ٧ / ٤٢٠ ]
وقرئ: "حق أنه يبدؤ الخلق"؛ كقولك: حق أنّ زيدًا منطلق.
(بِالْقِسْطِ): بالعدل، وهو متعلق بـ"يجزى"، والمعنى: ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجورهم، أو: بقسطهم وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا حين آمنوا وعملوا صالحًا، لأنّ الشرك ظلم، قال الله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]، والعصاة: ظلام أنفسهم، وهذا أوجه، لمقابلة قوله: (بِما كانُوا يَكْفُرُونَ).
_________________
(١) ـ أنه رجع فيما كان لايؤمن به ولا يسكن إليه بشاعة وقباحة إلى الناس كافة، يستنبئهم فيه ويستفتيهم". قوله: (وهذا أوجه) أي: إذا كان (بِالْقِسْطِ) معناه: بقسطهم، على أن تكون اللام بدلًا من المضاف إليه، والفاعل: (الَّذِينَ آمَنُوا)، كان أوجه من أن يكون معناه: بقسطه، والفاعل: الله، ليتجاوب كل من المتقابلين، وهما (الَّذِينَ آمَنُوا) (وَالَّذِينَ كَفَرُوا)، فيما استحقوا به الجزاء وعدًا وتفضلًا، فإن قوله: (بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) يُوجب أن يقال: بقسطهم. قال القاضي: "معنى قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ): ليجزي الذين كفروا بشراب من حميم وعذاب أليم بسبب كفرهم، لكنه غير النظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب، والتنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هو الإثابة، والعقاب واقع بالعرض، وأنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه، ولذلك لم يُعينه، وأما عقاب
[ ٧ / ٤٢١ ]
[(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ٥].
الياء في (ضِياءً) منقلبة عن واو "ضواء" لكسرة ما قبلها، وقرئ: "ضئاء" بهمزتين بينهما ألف على القلب، بتقديم اللام على العين، كما قيل في عاق: عقا، والضياء أقوى من النور.
_________________
(١) ـ الكفرة فكأنه داء ساقه إليه سوء اعتقادهم وشؤم أفعالهم، والآية كالتعليل لقوله: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا)، فإنه لما كان المقصود من الإبداء والإعادة مجازاة المكلفين على أعمالهم، كان مرجع الجميع إليه لا محالة، ويؤيده قراءة من قرأ: "أنه يبدأ" بالفتح، أي: لأنه". قوله: (وقرئ: "ضئاء" بهمزتين): قُنبُل ابن كثير، قال أبو البقاء: "الياء في "ضياء" منقلبة عن واو، لقولك: ضوء، والهمزة أصل، ويُقرأ بهمزتين بينهما ألف، والوجه فيه: أن يكون أخر الياء، وقدم الهمزة، فلما وقعت الياء طرفًا بعد ألف زائدة قلبت همزة عند قوم، وعند آخرين قلبت ألفًا، ثم قلبت الألف همزة؛ لئلا تجتمع ألفان". قوله: (والضياء أقوى من النور): قد سبق بيانه في أول البقرة، قال القاضي: "ما بالذات: ضُوء، وما بالعرض: نور، وقد نبه ﷾ بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها، والقمر نيرًا بعرض الاكتساب"، قال السجاوندي: " (جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً) مضيئة مع سياسة قاهرة للبصر، (وَالْقَمَرَ نُورًا)، أي: ظهورًا بلُطف".
[ ٧ / ٤٢٢ ]
(وَقَدَّرَهُ) وقدّر القمر، والمعنى: وقدّر مسيره (مَنازِلَ)، أو قدّره ذا منازل، كقوله تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ) [يس: ٣٩]، (وَالْحِسابَ): وحساب الأوقات من الشهور والأيام والليالي، (ذلِكَ) إشارة إلى المذكور، أي: ما خلقه إلا ملتبسًا بالحق الذي هو الحكمة البالغة، ولم يخلقه عبثًا. وقرئ: "يفصل"، بالياء.
[(إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) ٦].
خصّ المتقين لأنهم يحذرون العاقبة، فيدعوهم الحذر إلى النظر والتدبر.
[(إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ * أُولئِكَ مَاواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) ٧ - ٨].
_________________
(١) ـ قوله: «وَقَدَّرَهُ): وقدر القمر): قال محيي السنة: "قيل: تقدير المنازل ينصرف إلى القمر خاصة، لأن بالقمر يُعرف انقضاء الشهور والسنين لا بالشمس، ومنازل القمر ثمانية وعشرون، وقيل: ينصرف إليهما، واكتفى بذكر ادهما عن الآخر، لأن مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يومًا، فيكون انقضاء السنة مع انقضائها". قوله: «ذَلِكَ) إشارة إلى المذكور): قال محيي السنة: " (ذَلِكَ) رد إلى الجعل والتقدير". وقلت - والله اعلم- وفيه إشعار بأن ذلك الجعل والتقدير مُنحصر ومقصور على الحق الذي هو معرفة الله تعالى، ومعرفة صفاتهن واستحقاقه لأن يُعبد ولا يُشرك به شيء، والعبادة لها أوقات معلومة وحُسبانات معينة، وأن الفائدة من الجعل والتقدير هي الحسبان المنوط به العبادة لا غير، قال الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة: ١٨٩].
[ ٧ / ٤٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وأن المتقي العالم العامل من يستدل بذلك على معرفة بارئه ومنشئه؛ لينشيء له العبادة، وإليه لَوَّحَ الله تعالى بقوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) إلى قوله: (لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة: ١٦٤]، وهنا بقوله: (إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) إلى قوله: (لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) [يونس: ٦]. وأن المنجم المخذول القائل بأن لا مرجع ولا معاد، يشتغل بما لا يعنيه، ويخلد إلى الأرض متبعًا لهواه، فيغفل عن تلك المعرفة والعبادة فيهلك، وإليه أومأ بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، ألا ترى كيف ختم الآية بالكسب والعمل، كما استعقب الآية السابقة بقوله: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا) إلى قوله: (بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) [يونس: ٤]، ليُعلم أن الكلام في المعرفة والعبادة وما يتعلق بهما. ويؤيد هذا التأويل ما روينا في "صحيح البخاري" عن قتادة قال: "خلق الله تعالى هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف بما لا يعلم". وروى أبو داود عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قال: "من اقتبس بابا من علم النجوم لغير ما ذكر الله، فقد اقتبس شعبة من السحر، المنجم كاهن، والكاهن ساحر، والساحر كافر".
[ ٧ / ٤٢٤ ]
(لا يَرْجُونَ لِقاءَنا): لا يتوقعونه أصلا، ولا يخطرونه ببالهم؛ لغفلتهم المستولية عليهم، المذهلة باللذات وحب العاجل عن التفطن للحقائق،
_________________
(١) وفي رواية رزين عن قتادة: "والله، ما جعل الله في النجم حياة أد ولا رزقه ولا موته، وإنما يفترون على الله الكذب، ويتعللون بالنجوم". قال صاحب "الجامع": "جعل المُنجم الذي يتعلم النجوم للحم بها وعليها، وينسب التأثيرات من السعادة والشقاوة إليها كافرًا، نعوذ بالله من ذلك، ونسأله العصمة في القول والعمل". قوله «لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا): لا يتوقعونه أصلًا): اعلم أن الرجاء حقيقته توقع الخير، ويُستعمل في معنى الخوف مجازًا، قال في"الأساس": "أرجو من الله المغفرة، ورجوت في ولدي الرُّشد، وأتيت فلانًا رجاء أن يحسن غلي، ومن المجاز: استعمال الرجاء في معنى الخوف والاكتراث، يُقال: لقيت هولًا ما رجوته وما ارتجيته". والوجه الأول مبني على معنى الاكتراث، ولهذا زاد: "أصلًا"، وفسر "لا يتوقعونه" بقوله"ولا يخطرونه ببالهم؛ لغفلتهم"، والثاني على حقيقته، ولهذا قال: "لا يأملون حُسن لقاءنا"، والثالث على مجرد الخوف، ومن ثم قال: "ولا يخافون سوء لقاءنا". قوله: (ولا يخطرونه ببالهم؛ لغفلتهم): إيذان بأن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) [يونس: ٧] من عطف الصفة على الصفة، بمعنى: أنهم الجامعون بين عدم التوقع وثبوت الغفلة، وأن كل واحدة من هاتين الصفتين مستقلة فيهم مستقرة بهم مميزة لذواتهم، ولما صح أن تكون الثانية سببًا في الأولى، قال: "ولا يخطرونه ببالهم؛ لغفلتهم"، فوكل الترتب إلى ذهن الذكي.
[ ٧ / ٤٢٥ ]
أو لا يؤملون حسن لقائنا كما يأمله السعداء، أو لا يخافون سوء لقائنا الذي يجب أن يخاف، (وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا) من الآخرة، وآثروا القليل الفاني على الكثير الباقي، كقوله تعالى: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) [التوبة: ٣٨]، (وَاطْمَأَنُّوا بِها) أي: وسكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها، فبنوا شديدًا وأمّلوا بعيدًا.
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) ٩ - ١٠].
(يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ): يسدّدهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك السبيل المؤدّى إلى الثواب، ولذلك جعل (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ) بيانا له وتفسيرا، لأنّ التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها.
_________________
(١) قال القاضي: "يجوز أن يكون العطف لتغاير الفريقين، والمراد بالأولين من أنكر البعث، ولم يُرد الحياة الدنيا، وبالآخرين من ألهاه العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد له". قوله: (يُسددهم)، الأساس: "سد الرجل يسد: صار سديدًا، وسد قوله وأمره يسد، وأمره سديد، وتسددهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك السبيل المؤدي إلى الثواب"، جعل (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ) بيانًا لهن لأن ما يؤدي إلى الثواب كأنه نفس الثواب تنزيلًا للسبب منزلة المسبب، وذلك أن في إيقاع (يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) خبرًا لقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، وهو عين الهداية، الدلالة على الثواب والاستقامة والمزيد منها، قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا) [التوبة: ١٢٤]، ولم تكن الهداية بهذه المثابة إلا أن تكون موجبة للثواب ومستحقة للأجر عندهم، ولذلك قال: "لأن
[ ٧ / ٤٢٦ ]
ويجوز أن يريد: يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة، كقوله تعالى: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) (الحديد: ١٢).
ومنه الحديث: "إنّ المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة حسنة، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نورًا وقائدًا إلى الجنة. والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة فيقول له: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار".
فإن قلت: فلقد دلت هذه الآية على أنّ الإيمان الذي يستحق به العبد الهداية والتوفيق والنور يوم القيامة: هو إيمان مقيد، وهو الإيمان المقرون بالعمل الصالح، والإيمان الذي لم مقرونا بالعمل الصالح فصاحبه لا توفيق له ولا نور
_________________
(١) ـ التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها"، [فالهداية] على هذا التفسير عبارة عن الدلالة الموصلة إلى البغية، وسبيل هذا البيان سبيل البدل في قوله تعالى: (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) [فاطر: ٣٢ - ٣٣]، قال: "جعلَ (جَنَّاتُ عَدْنٍ) الذي هو السبق بالخيرات، لأن السبق لما كان السبق في نيل الثواب نُزل منزلة السبب، كأنه الثواب، فأبدلت عنه (جَنَّاتُ عَدْنٍ) ". قوله: (يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة): فعلى هذا الهداية مجرد الدلالة، وقال أبو البقاء: " (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ) يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون حالًا من ضمير المفعول في (يَهْدِيهِمْ)، والمعنى: يهديهم في الجنة إلى مُراداتهم في هذه الحال"، وقال القاضي: "يجوز أن يكون خبرًا ثانيًا".
[ ٧ / ٤٢٧ ]
قلت: الأمر كذلك، ألا ترى كيف أوقع الصلة مجموعا فيها بين الإيمان والعمل، كأنه قال: إنّ الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح،
_________________
(١) ـ قوله: (ألا ترى كيف أوقع الصلة مجموعًا فيها بين الإيمان والعمل): اعلم أن من خواص "الذي" إيقاع صلته علة لخبره، قال صاحب "المفتاح": "أو أن تُومئ بذلك-أي: بالإتيان بالموصول- إلى وجه بناء الخبر الذي تبنيه عليه، فتقول: الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم"، وإذا كان كذلك كان مجموع الصلة علة لكونه تعالى يهديهم، ومن انتفاء فرد من أفراد المجموع ينتفي حكم التعليل. فإن قلت: فإذا حصل التعليل من بناء الخبر على الموصول وصلته- كما ذكر -، فأي فائدة في ذكر تعليل آخر، وهو (بِإِيمَانِهِمْ)؟ قلت: الظاهر أن يحمل بناء الخبر على الموصول على تحقيق الخبر، كقوله: إن التي ضربت بيتًا مهاجرة … بكوفة الجند غالت وُدَّها غول فتبقى الباء مخلصة للتعليل، فيحصل التحقيق مع التعليل، ويؤذن بأن الإيمان الموصوف له أثر عظيم في تحصيل البُغية، قال القاضي: "ومفهوم الترتيب، وإن دل على أن سبب الهداية
[ ٧ / ٤٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) هو الإيمان والعمل الصالح، لكن دل منطوق قوله: (بِإِيمَانِهِمْ) على استقلال الإيمان بالسببية، وأن العمل الصالح كالتتمة والرديف له". وقلت: الحق أن الضمير في (يَهْدِيهِمْ) وفي (بِإِيمَانِهِمْ)، راجع إلى الموصول مع صلته، والصلة مشتملة على المعنيين، وتخصيص أحدهما بالذكر لإنافته وشرفه، لا أن مجرد الإيمان كافٍ في السببية، ولأن مذهب السلف الصالح على أن العمال داخلة في الإيمان، وروينا في "سنن ابن ماجه" عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان". وفي "شرح السُّنة": "أن الصحابة التابعين ومن بعدهم من علماء السنة اتفقت على أن الأعمال من الإيمان، قالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"، وأيده بالآيات والأخبار، وقد سبق الكلام فيه مستقصى في الأنفال. على أن المقام مقام مدح، ولا شك أن مجرد التصديق لا مدح فيه، وأن الكلم الطيب إنما يرفعه العمل الصالح، كأنه قيل: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يرفع الله منزلتهم إلى مباغيهم بسبب إيمانهم المعتبر المحلي بالعمل الصالح.
[ ٧ / ٤٢٩ ]
ثم قال: (بإيمانهم)، أي: بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهو بين واضح لا شبهة فيه.
_________________
(١) روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن أبي ذر وأبي الدرداء: أن رسول الله ﷺ قال: "إني لأعرف أمتي يوم القيام من بين سائر الأمم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم"، وفي رواية قال: "هم غُر محجلون من أثر الوضوء، ليس كذلك أحد غيرهم". وأما خلاف الأصوليين فمشهور لا حاجة إلى عرضه. ومقام المدح لا يدل على ما أورده صاحب "الانتصاف" من أنه يلزم أن المؤمن إذا لم يعمل صالحًا مخلدٌ في النار، وقال: "إنه تعالى جعل سبب الهداية إلى الجنة مطلق الإيمان، فقال: (يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ)، وقوله: "إن المراد إضافة العمل إلى الإيمان" لا تنتهض به الدعوى، وشبهته أن الإيمان الذي جُعل سببًا مقيد بالأعمال الصالحة، فيقيد به الثاني، وهو ممنوع، فإن الضمير يعود إلى الذوات لا باعتبار الصفات". وقلت: قد ذكرنا أن هذا مما يأباه اللفظ. قوله: (ثم قال: (بِإِيمَانِهِمْ»: يعني: أن الإضافة بدل من لام التعريف، كقوله تعالى حكاية عن زكريا ﵇: (وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبًا) [مريم: ٤]، أي: رأسي، أو أن الإيمان إذا قُرنَ بالعمل أريد مجرد التصديق، وإذا جُرد عنه أريد به المجموع.
[ ٧ / ٤٣٠ ]
(دَعْواهُمْ): دعاؤهم، لأن (اللهمّ) نداء لله، ومعناه: اللهمّ إنا نسبحك، كقول القانت في دعاء القنوت: "اللهمّ إياك نعبد، ولك نصلى ونسجد"، ويجوز أن يراد بالدعاء: العبادة، (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [مريم: ٤٨]، على معنى: أن لا تكليف في الجنة ولا عبادة، وما عبادتهم إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، وذلك ليس بعبادة، إنما يلهمونه، فينطقون به تلذذًا بلا كلفة، كقوله تعالى: (وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً) [الأنفال: ٣٥].
(وَآخِرُ دَعْواهُمْ): وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح (أَنِ) يقولوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)، ومعنى (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ): أنّ بعضهم يحيى بعضا بالسلام،
_________________
(١) ـ قوله: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد): قال صاحب "الروضة" في "الأذكار": "قال أصحابنا: وإن قنت بما جاء عن عمر بن الخطاب ﵄ [كان حسنًا، وهو]: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك، ونؤمن بكن ونخلع ونترك من يفجركن اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق". قوله: (وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح (أنْ) يقولوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»: قال القاضي: "ولعل المعنى: أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال، ثم حياهم الملائكة بالسلامة من الآفات، والفوز بأصناف الكرامات، فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام".
[ ٧ / ٤٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقلت: ولعل الظاهر هو أن يضاف السلام إلى الله ﷿ إكرامًا لأهل الجنة، كما ذكر المصنف في الوجه الأخير، وينصره قوله تعالى في سورة يس: (سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) [يس: ٥٨]، "أي: يُسلمُ عليهم بغير واسطة مبالغة في تعظيمهم، وذلك متمناهم"، كذا فسره المصنف. وهذا يدل على أنه يحصل للمؤمنين بعد نعيمهم في الجنة ثلاثة أنواع من الكرامة: وسطها: (سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ). وأولها: ما يقولون عند مشاهدتها: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ)، وهي سطوع نور الجمال من وراء حجاب الجلال، وما أفخم شأن اقتران (اللَّهُمَّ) بـ (سُبْحَانَكَ) في هذا المقام، كأنهم لما رأوا أشعة تلك الأنوار لم يتمالكوا أن لا يرفعوا أصواتهم به. وآخرها: أجل منهما، ولذلك ختموا الدعاء عند رؤيتها بـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وما هي إلا نعمة الرؤية التي كل نعمة دونها. فكانت الكرامة الأولى كالتمهيد للثالثة، وما أشد طباقًا لهذا التأويل ما رويا عن ابن ماجه عن جابر، عن النبي ﷺ: "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نورن فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، قال: وذلك قوله تعالى: (سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) [يس: ٥٨]، قال: فينظر إليهم وينظرون إليه،
[ ٧ / ٤٣٢ ]
وقيل: هي تحية الملائكة إياهم، إضافة للمصدر إلى المفعول، وقيل: تحية الله لهم، و"أن" هي المخففة من الثقيلة، وأصله: أنه الحمد لله، على أن الضمير للشأن، كقوله:
أَنْ هالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ
_________________
(١) فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره". والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (أن هالك كل من يحفى وينتعل): صدره: في فتية كسيوف الهند قد علموا "كسيوف الهند": أي: تبرق أسارير جبهتهم كالسيوف، خفف "أن" المفتوحة، وأضمر اسمها، وهو ضمير الشأن، "من يحفى": كناية عن الفقير، كما أن "من ينتعلُ" كناية عن الغني، يقول: قد علم هؤلاء الفتيان أن الهلاك يعم الناس فقيرهم وغنيم، وهم يتبادرون إلى اللذات قبل أن يُحال بينهم وبينها. والشعر للأعشى، وهو محرف، وفي "ديوانه": قد علموا … أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل
[ ٧ / ٤٣٣ ]
وقرئ: "أنّ الحمد لله" بالتشديد ونصب "الحمد".
[(وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) ١١].
أصله: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ) تعجيله لهم الخير،
_________________
(١) ـ وقبله: أنا برئنا حفاة لا نعال لنا … أنا كذلك قد نحفى وننتعلُ قوله: (وقرئ: "أن الحمد لله"): قال ابن جني: "قرأها ابن محيصن، وهي تدل على أن قراءة الجماعة: (أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ): "أنْ" فيها مخففة، بمنزلة قول الأعشى: "أن هالكٌ" البيت، ولا يجوز أن تكون زائدة، كقوله: ويومًا توافينا بوجه مقسم … كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم أي: كظبية".
[ ٧ / ٤٣٤ ]
فوضع (اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ) موضع "تعجيله لهم الخير" إشعارًا بسرعة إجابته لهم وإسعافه بطلبتهم، حتى كأنّ استعجالهم بالخير تعجيل له، والمراد أهل مكة وقولهم: (فأمطر علينا حجارة من السماء) [الأنفال: ٣٢]، يعنى: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما نعجل الخير ونجيبهم إليه، (لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) لأميتوا وأهلكوا.
وقرئ: "لقضى إليهم أجلهم" على البناء للفاعل، وهو الله ﷿، وتنصره قراءة عبد الله: "لقضينا إليهم أجلهم".
_________________
(١) ـ قوله: (إشعارًا بسرعة إجابته لهم)، الانتصاف: "هذا من بديع القرآن، لا ترى العدول من لفظ إلى آخر إلا لمعنى، والنحوي يقول في (أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتًا) [نوح: ١٧]: إنه أجرى المصدر على غير فعله، وهذا المصدر لفعل دل عليه هذا الفعل، كأنه قال: "فنبتم نباتًا"، وله فائدة في التحقيق وراء هذا، وهو التنبيه على تحتم القدرة وسرعة نفاذ حكمها، حتى كأن إنبات الله نفس النبات، فقرن أحدهما بالآخر". وقلت: كان أصل الكلام: "ولو يُعجل الله للناس الشر تعجيله"، ثم وضع موضعه "الاستعجال"، ثم نُسب إليهم، فقيل: (اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ)؛ لأن المراد أن رمته سبقت غضبه، فأريد مزيد المبالغة، وذلك أن استعجالهم الخير أسرع من تعجيل الله لهم الخير، فإن الإنسان خُلق عجولًا، إذا سمع بخير لا يثبت على شيء حتى يسرع إليه، والله صبور حليم؛ يؤخر للمصالح الجمة التي لا يهتدي إليها عقل الإنسان، ومع ذلك يسعف بطلبتهم ويُسرع بإجابتهم. فإن قلت: كيف اتصال هذه الآية بما قبلها؟ قلت- والله أعلم-: إنه تعالى لما افتتح السورة بقوله: (الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)، وذكر تعجب قريش عن إرساله صلوات الله عليه، واختصاصه بالنبوة دونهم، وقولهم تعنتًا وعنادًا: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ) [يونس: ٢]؛ طعنًا في كلامه المجيد، آذن بذلك أن هذه السورة الشريفة محتوية على بيان تكذيب قريش رسول الله ﷺ، وإيذائهم لهن وطعنهم فيه، ومشتملة على بيان الآيات الدالة على عظمة الله تعالى وكبرياء شأنه؛
[ ٧ / ٤٣٥ ]
فإن قلت: فكيف اتصل به قوله: (فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ)، وما معناه؟ قلت: قوله (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ) متضمن معنى نفى التعجيل، كأنه قيل: ولا نعجل لهم الشر، ولا نقضي إليهم أجلهم، فنذرهم (فِي طُغْيانِهِمْ) أي: فنمهلهم ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم، إلزاما للحجة عليهم.
[(وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ١٢].
_________________
(١) تنبيهًا وتفريعًا، فجعل قوله: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا) إلى قوله: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ) [يونس: ٢]، تمهيدًا وتوطئة لذكر أصول الآيات وأمهاتها، وهو قوله: (إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) [يونس: ٣] إلى آخر الآيات بيانًا لكبرياء سُلطانه، وأن له أن يختص برسالته من يشاء، وأن المقصود من الإرسال الدعوة إلى معرفة الله، وبيان كيفية عبادته، لأن المبدأ منه والمرجع إليه، ليثيب المحسن ويعاقب المسيء، فقد حصل هذا المقصود من هذا الرسول الكريم والكتاب المجيد، وقطع بهما المعاذير، وأزاح الحجج. وبين بعد ذلك صفة عفوه وحلمه بهذه الآية، حيث لم يهلكهم بغتة بما تكلموا به من تلك الشنعاء في كتابه المجيد: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ)، وفي رسوله المجتبي: "إن الله لم يجد رسولًا يرسله على الناس إلا يتيم أبي طالب"، كقوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) [فاطر: ٤٥]. قوله: (فكيف اتصل): الفاء تدل على الإنكار، أي: لزم من قضية "لو"، وقولك: " (لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ): لأميتوا وأهلكوا": أنهم ما أهلكوا، بل أمهلوا، ومعنى قوله: (فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) الإمهال أيضًا، فكيف اتصل به؟
[ ٧ / ٤٣٦ ]
(لِجَنْبِهِ) في موضع الحال، بدليل عطف الحالين عليه، أي: دعانا مضطجعًا، (أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا). فإن قلت: فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟
_________________
(١) وأجاب: أن اتصاله به من حيث المعنى لا اللفظ، لأن قوله: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ) متضمن معنى نفي التعجيل، لأن "لو" لتعليق ما امتنع بامتناع غيره، يعني: لم يكن التعجيل ولا قضاء العذاب، فيلزم من ذلك حصول المهلة، قال القاضي: (فَنَذَرُ) معطوف على فعل محذوف دل عليه الشرطية، كأنه قيل: لا نعجل ولا نقضي، فنذرهم إمهالًا لهم واستدراجًا". وقلت: الظاهر أن الفاء في (فَنَذَرُ) جواب شرط محذوف، وقوله: (الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) تكرير لما سبق من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [يونس: ٧]، كُرر للذم ولإناطة ما لم ينط به أولًا، ويُراد بهم منكرو البعث من أهل مكة الذين قالوا: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأنفال: ٣٢] جُحودًا وإنكارًا، كما مر في تفسيره، ويكون قوله: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ) كالتوطئة والتمهيد لذكرهم، و(النَّاسَ) يُراد به: جنسُ المعاندين. والمعنى: ولو يُعجل الله لهذا الجنس من الأمم الشر تعجيله لهم الخير لأبادهم وأهلكهم، ولكن يمهلهم استدراجًا؛ ليزيدوا في طغيانهم، ثم يستأصلهم، كما قال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) الآية [فاطر: ٤٥]، فإذا كان كذلك فنحن نذرُ هؤلاء - الذين لا يؤمنون بالبعث ولا يرجون لقاءنا، ويقولون: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء- في طغيانهم يعمهون، ثم نقطع دابرهم. قوله: «لِجَنْبِهِ) في موضع الحال): قال أبو البقاء: "واللام في (لِجَنْبِهِ) على أصلها
[ ٧ / ٤٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ عند البصريين، أي: دعانا مُلقيًا لجنبه"، وقال السجاوندي: (لِجَنْبِهِ): مضطجعًا عليه، كقوله: فخر صريعًا لليدين وللفم قال المصنف: "اللام- في (يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ) [الإسراء: ١٠٧] للاختصاص"، أي: أنهم ما يدعون الله إلا عند الاضطرار، ويخصون هذه الحالة بالخضوع أكثر من تلك الحالات، ومجاز هذه اللام كمجاز ["في"] في قوله: (فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [طه: ٧١]. وكما خُصصت هذه الحالة باللام قدمت على الحالتين؛ لينبه على كون الإنسان هلوعًا، إذا مسه الشر جزوعًا لا صبر له في الصدمة الأولى على المصيبات، ثم إنه إذا أصابه بعض التسلي قعد، ثم قام
[ ٧ / ٤٣٨ ]
قلت: معناه: أنّ المضرور لا يزال داعيًا لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر، فهو يدعونا في حالاته كلها؛ إن كان منبطحًا عاجز النهض متخاذل النوء، أو كان قاعدًا لا يقدر على القيام، أو كان قائمًا لا يطيق المشي والمضطرب إلى أن يخف كل الخفة، ويرزق الصحة بكمالها والمسحة بتمامها.
ويجوز أن يراد: أن من المضرورين من هو أشدّ حالا وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام، وكلهم لا يستغنون عن الدعاء واستدفاع البلاء، لأنّ الإنسان للجنس.
_________________
(١) ـ وأما قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) [آل عمران: ١٩١]: ففي شأن الخاصة الذين يبذلون جهدهم في خدمة بارئهم، ويستغرقون أوقاتهم في طاعته، فإذا قدروا على القيام في أداء العبادة لا يقعدون ولا يذكرون مضطجعين إلا عند الاضطرار، فتلك الآية في شأن الإنسان الضجور، وهذه في شأن المؤمن الصبور. قوله: (منبطحًا)، الجوهري: "بطحه: ألقاه على وجهه، فانبطح". قوله: (متخاذل النوء)، الجوهري: "ناء ينوء: نهض بجهد ومشقة"، الأساس: "ونؤت بالحمل: نهضت به: وفلان نوؤه متخاذل: إذا كان ضعيف النهض". قوله: (والمسحة بتمامها)، الأساس: "يقال: من الله عليك بالمسحة، وأذاقك حلاوة الصحة، وبه مسحة من جمال، ومسح الله ما بك". قوله: (ويجوز أن يُراد أن من المضرورين): عطف على قوله: "أن المضرور لا يزال داعيًا"، فاعتبر الجنس في "الإنسان" على الأول بحسب كل فرد من أفراده، فالتفصيل بحسب أحوال كل شخص، ولهذا قال: "معناه أن المضرور لا يزال داعيًا، فهو يدعونا في حالاته كلها"، واعتبر في الثاني الجنس بحسب الأنواع، فالتفصيل بحسب أحوال الأشخاص، قال: "ومِنَ المضرورين من هو أشد حالًا، ومن هو كذا ومن هو كذا".
[ ٧ / ٤٣٩ ]
(مَرَّ) أي: مضى على طريقته الأولى قبل مس الضر، ونسى حال الجهد، أو: مرّ عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه، كأنه لا عهد له به، (كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا): كأنه لم يدعنا، فخفف وحذف ضمير الشأن، قال:
كَأَنْ ثَدْيَاهُ حُقّانِ
_________________
(١) قوله: (أو: مر عن موقف الابتهال): يعني: لم يذكر متعلق (مَرَّ)، فيحتمل أن يُعدى بـ"على" تارة لتضمينه معنى "مضى"، وأخرى بـ"عن" لتضمين معنى المجاوزة. قوله: (كأن ثدياه حُقان): أوله: ونحرٍ مشرق اللون "النحر": موضع القلادة من الصدر، والأصل: حُقتان، لأن التاء الثابتة في الواحدة ثابتة في التثنية، فحذف على خلاف القياس، وخفف "كأن"، وأبطل العمل، وقال: "ثدياه حُقان"، وهما مرفوعان بالابتداء والخبر، والضمير في "ثدياه" يعود إلى "النحر".
[ ٧ / ٤٤٠ ]
(كَذلِكَ) مثل ذلك التزيين (زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ): زين الشيطان بوسوسته، أو: الله ﷿ بخذلانه وتخليته، (ما كانُوا يَعْمَلُونَ) من الإعراض عن الذكر وإتباع الشهوات.
[(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) ١٣ - ١٤].
(لَمَّا) ظرف لـ (أهلكنا)، والواو في (وَجاءَتْهُمْ) للحال، أي: ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم بالحجج والشواهد على صدقهم وهي المعجزات.
وقوله: (وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) يجوز أن يكون عطفًا على (ظلموا)، وأن يكون اعتراضًا، واللام لتأكيد النفي، يعنى: وما كانوا يؤمنون حقًا، تأكيدًا لنفي إيمانهم،
_________________
(١) قوله: (وأن يكون اعتراضًا): وإذا كان عطفًا تفسيرًا للمعطوف عليه، لأن ظلمهم على الأنبياء عند مجيئهم بالبينات والمعجزات هو الظلم كله، وهو الكفر البالغ. وإذا كان اعتراضًا كان تأكيدًا لمضمون الجملة، وهو الهلاك لما يستحقون من الإجرام، لأن مثل ذلك الإهلاك لا يكون إلا لمن لم يؤمن قط، ولزمته الحجة. قوله: (واللام لتأكيد النفي): ليس تقريرًا لمعنى الاعتراض، بل ابتداء تفسير لقوله: (وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا)، وقوله: "وأن الله قد علم منهم أنهم يصرون على كفرهم" عطف تفسيري على قوله: "تأكيدًا"، وهو مفعول له لمقدر، أي: إنما أتى باللام في الكلام المنفي لهذا الأمر، ويريد
[ ٧ / ٤٤١ ]
وأن الله قد علم منهم أنهم يصرون على كفرهم، وأن الإيمان مستبعد منهم.
والمعنى: أن السبب في إهلاكهم تكذيب الرسل، وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجة ببعثه الرسل.
(كَذلِكَ) مثل ذلك الجزاء، يعنى الإهلاك (نَجْزِي) كل مجرم، وهو وعيد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله ﷺ. وقرئ: يجزى، بالياء.
(ثُمَّ جَعَلْناكُمْ) الخطاب للذين بعث إليهم محمد ﷺ، أي: استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكنا، (لِنَنْظُرَ) أتعملون خيرًا أم شرًا، فنعاملكم على حسب عملكم، (وكَيْفَ) في محل النصب بـ (تعملون) لا بـ"ننظر"، لأنّ معنى الاستفهام فيه يحجب أن يتقدّم عليه عامله.
_________________
(١) ـ به: أن معنى العلم مستفاد من معنى التأكيد، وأن نفي الإيمان عنهم بهذه الحيثية تابع لسبق علم الله فيهم بأنهم لا يؤمنون، وقوله: "والمعنى أن السبب" إلى آخره: تلخيص لمعنى الآية بحسب العطف لا الاعتراض، فظهر منه أن علم الله ليس سببًا مستقلًا في إهلاكهم، وهو مذهبه. وأما بيان وجه الاعتراض: فهو أن السبب في إهلاكهم تكذيبهم الرسل، والسبب في التكذيب والإهلاك سبق علم الله أنهم يصرون على الكفر، وانه تعالى مهلكهم، ونحوه في الاعتراض قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: ٥١ و٩٢]، أي: "وانتم قوم عادتكم الظلم"، فرجع مآل التأويل إلى بطلان مذهبه. قوله: (و(كَيْفَ) في محل النصب بـ (تَعْمَلُونَ): المعنى: لننظر عملكم أهو خير أم شر، إيمان أم كفر؟ وهذا هو الوجه، وقيل: "ننظر" بمعنى "نعلم"، أي: لنعلم جواب كيف تعملون؟ كما ذكر سيبويه في قولك: علمت أزيد عندك أم عمرو؟ والمعنى: علمت جواب ذلك.
[ ٧ / ٤٤٢ ]
فإن قلت: كيف جاز النظر على الله تعالى، وفيه معنى المقابلة؟ قلت: هو مستعار للعلم المحقق الذي هو العلم بالشيء موجودًا، شبه بنظر الناظر وعيان المعاين في تحققه.
_________________
(١) وبيانه: أن الرسل إذا قالوا للقوم: كيف تعملون؟ أتعملون الخير أم الشر- مثلًا-؟ فإجابتهم: إما بالقول؛ بأن يقولوا: سمعنا وأطعنا، وإما بالفعل؛ بأن يشتغلوا بالعمل، وإما لا يجيبون. وعلى أي وجه كان، فلابد من حصول جواب لقولهم: كيف تعملون؟ فيعلم الله الجواب واقعًا بالفعل حاصلًا، بعدما علم أنه سيحصل. حاصل المعنى يؤول إلى أن المعنى: جعلناكم خلائف في الأرض لنعلم ما تجيبون به الأنبياء من قولهم: كيف تعملون؟ ولما كان "ننظر" بمعنى "نعلم" يكون معلقًا عن العمل فيما بعده، قال ابن الحاجب: "فإذا قلت: علمت أزيد عندك أم عمرو؟ فمعناه: علمت أحدهما معينًا على صفة هو كونه عندكن لأنه ذلك الذي يُقال في جوابه"، فعلى هذا: فإذا قيل: علمت كيف زيد، فمعناه: علمت زيدًا على حالة هو كونه صحيحًا أم سقيمًا، لأنه ذلك الذي يُقال في جوابه، فإن "كيف يُسأل بها عن الحال. فمعنى (لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ): نعلم عملكم على أي حال كان من الخير والشر، قال القاضي: "وفائدته الدلالة على أن المعتبر في الجزاء جهات الأفعال وكيفياتها، لا هي من حيث ذاتها، ولذلك يحسن الفعل تارة، ويقبح أخرى". قوله: (هو مستعار للعلم المحقق)، الانتصاف: "لو اقتصر الزمخشري رحمه الله تعالى على إنكار الرؤية من العبد لله تعالى لقبح، فكيف وقد ضم إليه إنكار رؤية الله للعبد، وليس النظر مستلزمًا للمقابلة، وقد أبطل في موضعه".
[ ٧ / ٤٤٣ ]
[(وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ١٥].
غاظهم ما في القرآن من ذم عبادة الأوثان والوعيد للمشركين، فقالوا: (ائْتِ بِقُرْآنٍ) آخر ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك، (أَوْ بَدِّلْهُ) بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة، وتسقط ذكر الآلهة وذمّ عبادتها، فأمر بأن يجيب عن التبديل، لأنه داخل تحت قدرة الإنسان، وهو أن يضع مكان آية عذاب آية رحمة مما أنزل، وأن يسقط ذكر الآلهة. وأما الإتيان بقرآن آخر، فغير مقدور عليه للإنسان.
_________________
(١) ـ قوله: (فأمر بأن يُجيب عن التبديل؛ لأنه داخل تحت قدرة الإنسان …، وأما الإتيان بقرآن آخر فغير مقدور): اعلم أن التبديل يجيء بمعنيين، قال المصنف في قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ) [إبراهيم: ٤٨]: "التبديل: التغيير، وقد يكون في الذوات كقولك: بدلت الدراهم دنانير، وفي الأوصاف كقولك: بدلت الحلقة خاتمًا". ويمكن أن ينزل قوله: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا) على المعنى الأول، ولهذا قال: "إن نُسخت آية تبعت النسخ"، لأن النسخ إبطال للمنسوخ مع إبداله الناسخ، ويُنزل قوله: (أَوْ بَدِّلْهُ) على المعنى الثاني، ولهذا قال: "وهو أن يضع مكان آية عذاب آية رحمة مما أنزل، وأن يُسقط ذكر الآلهة"، ثم الجواب- وهو قوله: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي) - يحتمل أن يجرى على المعنيين، فيكون جوابًا عن الاقتراحين، وأن يُحمل على الأهون، فيدخل الأغلظ بطريق الأولى، وفي كلامه إشعار بهذا.
[ ٧ / ٤٤٤ ]
(ما يَكُونُ لِي): ما ينبغي لي وما يحل، كقوله تعالى: (ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) [المائدة: ١١٦]، (أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي): من قبل نفسي - وقرئ بفتح التاء - من غير أن يأمرنى بذلك ربى (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيّ) لا آتى ولا أذر شيئًا من نحو ذلك، إلا متبعًا لوحي الله وأوامره، إن نسخت آية تبعت النسخ، وإن بدِّلت آية مكان آية تبعت التبديل، وليس إلىّ تبديل ولا نسخ.
(إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) بالتبديل والنسخ من عند نفسي (عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ).
فإن قلت: أما ظهر وتبين لهم العجز عن الإتيان بمثل القرآن حتى قالوا: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا)؟ قلت: بلى، ولكنهم كانوا لا يعترفون بالعجز، وكانوا يقولون: لو نشاء لقلنا مثل هذا، ويقولون: افترى على الله كذبا، فينسبونه إلى الرسول، ويزعمونه قادرًا عليه وعلى مثله، مع علمهم بأنّ العرب مع كثرة فصحائها وبلغائها إذا عجزوا عنه، كان الواحد منهم أعجز.
فإن قلت: لعلهم أرادوا: (ائت بقرآن غير هذا أو بدّله) من جهة الوحي، كما أتيت بالقرآن من جهته، وأراد بقوله: (ما يَكُونُ لِي): ما يتسهل لي، وما يمكنني أن أُبدّله؟ قلت: يردّه قوله: (إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي).
_________________
(١) وأما قوله: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى) فجاء مستأنفًا وعلى الانحصار؛ بيانًا لموجب أن ليس إليه النسخ والتغيير، ولا أمر من الأمور مما يتعلق بالوحي، لأن المعنى: ما أتبع شيئًا مما يتعلق بالدين إلا ما يوحى إلي. قوله: (لعلهم أرادوا: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا»: السؤال واردٌ على قوله فيما سبق: "وأما الإتيان بقرآن آخر غير مقدور عليه للإنسان". قوله: (يرده قوله: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي): يعني: أنه صلوات الله عليه علل
[ ٧ / ٤٤٥ ]
فإن قلت: فما كان غرضهم -وهم أدهى الناس وأنكرهم- في هذا الاقتراح؟ قلت: الكيد والمكر، أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن: ففيه أنه من عندك، وأنك قادر على مثله، فأبدل مكانه آخر، وأما اقتراح التبديل والتغيير: فللطمع ولاختبار الحال، وأنه إن وجد منه تبديل، فإمّا أن يهلكه الله فينجوا منه، أو لا يهلكه فيسخروا منه، ويجعلوا التبديل حجة عليه، وتصحيحًا لافترائه على الله.
[(قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُون) ١٦].
(لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ يعنى أن تلاوته ليست إلا بمشيئة الله وإحداثه أمرًا عجيبًا خارجا عن العادات، وهو أن يخرج رجل أُميّ لم يتعلم ولم يستمع ولم يشاهد العلماء ساعة من عمره، ولا نشأ في بلد فيه علماء،
_________________
(١) قوله: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) بقوله: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، ولو حُمل النسخ والتبديل على أن يكون من جهة الوحي - كما جاء في كثير من القرآن - لم يستقم ترتب العذاب عليه. وقلت: ويُمكن أن يُقال: معناه: ما يتسهل لي ولا يمكنني أن أقترح على الله بأن ينسخ ويُغير ويأتي بما تريدونه؛ لأنه عصيان وطغيان، لأني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، ويكون تعريضًا بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح. قوله: (وأنكرهم)، الأساس: "فلان فيه نكارة ونكر - بالفتح-: أي: دهاء وفطنة". الراغب: "النكر: الدهاء والأمر الصعب الذي لا يعرف، وقد نكر نكارة، قال الله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ) [القمر: ٦]. قوله: (وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم) إلى آخره: بيان وتفسير لقوله: "أمرًا عجيبًا".
[ ٧ / ٤٤٦ ]
فيقرأ عليهم كتابًا فصيحًا، يبهر كل كلام فصيح، ويعلو على كل منثور ومنظوم، مشحونًا بعلوم من علوم الأصول والفروع، وأخبار مما كان وما يكون، ناطقًا بالغيوب التي لا يعلمها إلا الله، وقد بلغ بين ظهرانيكم أربعين سنة تطلعون على أحواله، ولا يخفى عليكم شيء من أسراره، وما سمعتم منه حرفًا من ذلك، ولا عرفه به أحد من أقرب الناس منه، وألصقهم به.
(وَلا أَدْراكُمْ بِهِ): ولا أعلمكم به على لساني، وقرأ الحسن: "ولا أدراتكم به"، على لغة من يقول: أعطاته وأرضاته، في معنى أعطيته وأرضيته،
_________________
(١) وهو مفعول "إحداثه"، ومعنى قوله: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ): أني عبد مجبور في التلاوة، وليس في وُسعي أن لا أتلوه وأحط عبأه، فضلًا عن أن آتي بما اقترحتموه من الإتيان بغيره أو إبداله من عند نفسي، ولله في كوني مجبورًا أسرارٌ وحكم وإحداث أمر عجيب غريب. وفيه إبطال لمذهبه؛ لأنه جعل التلاوة تابعة لمشيئة الله، وقرر أنه مجبور في ذلك. قوله: «وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ) ولا أعلمكم به على لساني): أي: لو شاء الله ما تلوته عليكم، ولا أعلمكم الله به على لساني، قال القاضي: "المعنى: أنه الحق الذي لا محيص عنه، لو لم أرسل به لأرسل به غيري". قوله: (وقرأ الحسن: "ولا أدراتكم به"): قال ابن جني: "قراءة ابن عباس والحسن وابن سيرين، وهي قراءة قديمة التناكر لها والتعجب منها، ولعمري إنها في بادئ أمرها على ذلك، غير أن لها وجهًا، وإن كانت فيه صنعة وإطالة، وطريقه: أنه أراد: "ولا أدريتكم به"، ثم قُلبت الياء لانفتاح ما قبلها- وإن كانت ساكنة - ألفًا، كقولهم في ييأس: ياءس، وقالوا: عاعيت
[ ٧ / ٤٤٧ ]
وتعضده قراءة ابن عباس: "ولا أنذرتكم به". ورواه الفراء: "ولا أدرأتكم به"، وبالهمزة، وفيه وجهان، أحدهما: أن تقلب الألف همزة، كما قيل: لبأت بالحج، ورثأت الميت وحلأت السويق، وذلك لأنّ الألف والهمزة من واد واحد، ألا ترى أنّ الألف إذا مستها الحركة انقلبت همزة. والثاني: أن يكون من: درأته إذا دفعته، وأدرأته إذا جعلته دارئا، والمعنى: ولا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرؤونني بالجدال وتكذبونني.
وعن ابن كثير: "ولأدراكم به" بلام الابتداء، لإثبات الإدراء، ومعناه: لو شاء الله ما تلوته أنا عليكم ولأعلمكم به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده، فخصني بهذه الكرامة ورآني لها أهلا دون سائر الناس.
(فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا وقرئ عُمُرًا بالسكون. يعنى: فقد أقمت فيما بينكم يافعا وكهلا،
_________________
(١) وهاهيت، والأصل: عيعيت وهيهيت، فقلبت الياء الساكنة فيها ألفًا، وكذلك قلبت ياء "أدريتكم" ألفًا، فصارت "أدراتكم"، وروينا أيضًا عن قُطرب أن لغة عقيل في قولك: أعطيتك: أعطاتك، فلما صار من "أدريتكم" إلى "أدراتكم"، هُمز على لغة من قال في الباز: البأز، وفي العالم: العألم، وفي الخاتم: الخأتم، ولها نظائر، وقد أوردناها في "الخصائص" في باب [ما] همزته العرب ولا اصل له في همز مثله". قوله: (وتعضده قراءة ابن عباس): يعني: كما أن "أنذرتكم" مسند إلى رسول الله ﷺ، كذلك "أدرأتكم" مسند إليه بخلاف المشهور، فإنها مسند إلى الله تعالى. قوله: (يافعًا)، الجوهري: "أيفع الغلام، أي: ارتفع، فهو يافع، ولا يُقال: موفع، وهو من النوادر".
[ ٧ / ٤٤٨ ]
فلم يعرفني أحد منكم متعاطيًا شيئًا من نحوه، ولا قدرت عليه، ولا كنت متواصفًا بعلم وبيان فتتهموني باختراعه.
(أَفَلا تَعْقِلُونَ) فتعلموا أنه ليس إلا من الله، لا من مثلي، وهذا جواب عما دسوه تحت قولهم: (ائت بقرآن غير هذا)؛ من إضافة الافتراء إليه.
[(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) ١٧]
(مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) يحتمل أن يريد افتراء المشركين على الله في قولهم: إنه ذو شريك وذو ولد، وأن يكون تفاديا مما أضافوه إليه من الافتراء.
_________________
(١) قوله: (دسوه)، الجوهري: "ودسست الشيء في التراب: أخفيته، والدسيس: إخفاء المكر". والذي دسوه فيه: ما ذكره في الجواب: "كان غرضهم في هذا القول الكيد والمكر، وفيه أنه من عندك وأنت قادر على مثله، وأنه إن وُجد منه تبديل، فإما أن يهلكه الله، أو يسخروا منه، ويجعلوه حجة عليه وتصحيحًا لافترائه". قوله: (تفاديًا)، الأساس: "ومن المجاز: تفادي منه: تحاماه، قال: تفادي الأسود الغلب منه تفاديًا" يعني: إذا عُلق قوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى) بقوله: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا)، أي: أشركوا، كان المراد افتراء المشركين في قولهم: إنه ذو شريك وولد، ويكون قوله: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ) [يونس: ١٤]، وقوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) [يونس: ١٥] إلى هاهنا، إعلامًا بأن المشركين الذين بعث إليهم
[ ٧ / ٤٤٩ ]
[(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ١٨]
(ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ الأوثان التي هي جماد لا تقدر على نفع ولا ضر. وقيل: إن عبدوها لا تنفعهم،
_________________
(١) رسول الله ﷺ استنوا سنن من قبلهم في تكذيب آيات الله والرسل، في قوله: (وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) [يونس: ١٣]، ولما فرغ من قصة المشركين عاد إلى الأول، وربط به قوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ). وإذا عُلق بقوله: (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [يونس: ١٦]، ومعناه كما قال: "وهو جواب عما دسوه تحت قولهم: ائت بقرآن غير هذا من إضافة الافتراء إليه" كان احترازًا أو تحاميًا مما أضافوه إليه من الافتراء، وجيء بالعام ليكون أبلغ، وهذا الوجه أنسب وأدل على معنى التعريض. قوله: (الأوثان): بالنصب؛ عطف بيان لقوله: (مَا لا يَضُرُّهُمْ)، وهو مفعول (يَعْبُدُونَ). قوله: (وقيل: إن عبدوها لا تنفعهم): والفرق أن المقصود الأولي على الأول من قوله: (مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) الأصنام بعينها، وأنها جمادات لا تقدر على ضر ولا نفع، كقوله تعالى: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) [القمر: ١٣]، أي: على السفينة. وعلى الثاني: المقصود فقدان أوصاف المعبودية، فإن من حق المعبود أن يُثيب عابده إن عبد، ويُعاقب عن قعد، ويجوز أن يدخل في الثاني غير الأصنام من الملائكة والمسيح، تلخيصه: ويعبدون لما لا يُعتد به، أو لما لا يستحق العبادة.
[ ٧ / ٤٥٠ ]
وإن تركوا عبادتها لم تضرهم، ومن حق المعبود أن يكون مثيبًا على الطاعة، معاقبًا على المعصية، وكان أهل الطائف يعبدون اللات، وأهل مكة العزي ومناة وهبل وإسافا ونائلة وَكانوا يَقُولُونَ (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ)، وعن النضر بن الحارث: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى.
(أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ): أتخبرونه بكونكم شفعاء عنده، وهو إنباء بما ليس بمعلوم لله، وإذا لم يكن معلوما له - وهو العالم الذات المحيط بجميع المعلومات - لم يكن شيئا، لأن الشيء ما يعلم ويخبر عنه، فكان خبرًا ليس له مخبر عنه. فإن قلت: كيف أنبؤوا الله بذلك؟ قلت: هو تهكم بهم وبما ادعوه من المحال الذي هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأنّ الذي أنبؤوا به باطل غير منطو تحت الصحة، فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق به علمه، كما يخبر الرجل الرجل بما لا يعلمه. وقرئ: "أتنبئون" بالتخفيف.
_________________
(١) قوله: (العالم الذات)، وقوله: (لأن الشيء ما يُعلم ويخبر عنه): كلاهما مذهبه. قوله: (فكان خبرًا): أي: قولهم: (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) ليس له مخبر عنه، لأنه لو كان له مخبر عنه لتعلق علم الله تعالى [به] لشمول علم الله جميع الكائنات، وحين لم يتعلق علم الله به علم انه لم يكن مخبرًا عنه.
[ ٧ / ٤٥١ ]
وقوله: (فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) تأكيد لنفيه، لأنّ ما لم يوجد فيهما فهو منتف معدوم، (يُشْرِكُونَ) قرئ بالتاء والياء و"ما" موصولة أو مصدرية، أي: عن الشركاء الذين يشركونهم به، أو عن إشراكهم.
[(وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) ١٩ - ٢٠].
(وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً) حنفاء متفقين على ملة واحدة من غير أن يختلفوا بينهم، وذلك في عهد آدم ﵇ إلى أن قتل قابيل هابيل، وقيل: بعد الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين ديارا.
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) وهو تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) عاجلا فيما اختلفوا فيه، ولميز المحق من المبطل، وسبق كلمته بالتأخير لحكمة أوجبت أن تكون هذه الدار دار تكليف، وتلك دار ثواب وعقاب.
_________________
(١) قوله: (لأن ما لم يُوجد فيهما- أي: في السماوات والأرض - فهو منتفٍ معدوم): كلام على سبيل إلزام الخصم على الفرض والتقدير، وألا فالمسلمون منزهون عن أمثاله، قال الإمام الداعي إلى الله فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى: "ثبت بالدليل انه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية لهان وثبت انه تعالى قادر على جميع الممكنات، فهو تعالى قادر أن يخلق خارج العالم ألف ألفِ عالمٍ أعظم وأوسع منه، ودلائل الفلاسفة - خذلهم الله - في إثبات أن العالم واحد دلائل ضعيفة مبنية على مقدمات واهية". على أن المصنف فسر (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) [البقرة: ٢٥٥] بـ"ما رُوي: أنه تعالى خلق كرسيًا، وهو بين يدي العرش، دون السماوات والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء".
[ ٧ / ٤٥٢ ]
وقالوا: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) أرادوا: آية من الآيات التي كانوا يقترحونها، وكانوا لا يعتدّون بما أنزل عليه من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر، بديعة غريبة في الآيات، دقيقة المسلك من بين المعجزات، وجعلوا نزولها كلا نزول، وكأنه لم تنزل عليه آية قط، حتى قالوا: (لولا أنزل عليه آية) واحدة من (ربه)، وذلك لفرط عنادهم، وتماديهم في التمرّد، وانهماكهم في الغيّ.
(فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ) أي: هو المختص بعلم الغيب المستأثر به، لا علم لي ولا لأحد به، يعنى أنّ الصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب لا يعلمه إلا هو، (فَانْتَظِرُوا) نزول ما اقترحتموه، (إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) لما يفعل الله بكم؛ لعنادكم وجحودكم الآيات.
_________________
(١) قوله: (وقالوا: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ): والتلاوة: (وَيَقُولُونَ)، وإنما عدل عنه ليؤذن به أن قوله: (وَيَقُولُونَ) ليس معطوفًا على قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا) [يونس: ١٨]، كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وإنما هو معطوف على قوله: (قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا) [يونس: ١٥] ما بينهما اعتراض، وأوثر المضارع على الماضي ليؤذن باستمرار هذا القول منهم، وأن هذا القول من دأبهم وعادتهم. قوله: (أن الصارف عن إنزال الآيات [المقترحة] أمر مغيب): فيه إشارة إلى أن قوله تعالى: (إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا) جواب على الأسلوب الحكيم، فإنهم حين طلبوا إنزال آية واحدة، مع تلك الآيات المتكاثرة، دل على أن سؤالهم للتعنت والعناد، فأجيبوا بما أجيبوا؛ يؤذن بأن سؤالهم سؤال المقترحين يستحقون به نقمة الله وحلول عقابه، يعني: أنه لابد أن
[ ٧ / ٤٥٣ ]
[(وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ) ٢١].
سلط الله القحط سبع سنين على أهل مكة، حتى كادوا يهلكون، ثم رحمهم بالحياة، فلما رحمهم طفقوا يطعنون في الآيات، ويعادون رسول الله ﷺ ويكيدونه، و"إذا" الأولى للشرط، والآخرة جوابها، وهي للمفاجأة، و"المكر": إخفاء الكيد وطيه، من الجارية الممكورة: المطوية الخلق، ومعنى (مَسَّتْهُمْ): خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم.
فإن قلت: ما وصفهم بسرعة المكر، فكيف صح قوله: (أَسْرَعُ مَكْرًا)؟ قلت: بلى، دلت على ذلك كلمة المفاجأة، كأنه قال: وإذا رحمناهم من بعد ضراء
_________________
(١) تُستأصل شأفتكم، لكن أنا لا أعلم متى يكون، وأنتم كذلك، لأنه من علم الغيب، وإذا كان كذلك فانتظروا ما يوجبه اقتراحكم، إني معكم من المنتظرين إياه. هذا التقرير أنسب من تقريره؛ لأن قوله: "أن الصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب" لا وجه له، لأن الصارف مُعين، وهو عنادهم، قال الله تعالى: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) [الأنعام: ١٠٩]. قوله: (و"إذا" الأولى للشرط، والآخرة جوابها، وهي للمفاجأة): قال أبو البقاء: "والعامل في الثانية الاستقرار الذي في (لهُم)، وقيل: "إذا" الثانية زمانية أيضًا، وهي وما بعدها جواب الأولى". قوله: (من: الجارية الممكورة)، الجوهري: "الممكورة: المطوية الخلق من النساء". الأساس: "امرأة ممكورة الساقين: خدلجتهما".
[ ٧ / ٤٥٤ ]
فاجؤوا وقوع المكر منهم، وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا رؤوسهم من مس الضراء، ولم يتلبثوا ريثما يسيغون غصتهم. والمعنى: أنّ الله دبر عقابكم، وهو موقعه بكم قبل أن تدبروا كيف تعملون في إطفاء نور الإسلام.
(إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ) إعلام بأنّ ما تظنونه خافيا مطويا لا يخفى على الله، وهو منتقم منكم. وقرئ: (تمكرون) بالتاء والياء.
وقيل: مكرهم قولهم: سقينا بنوء كذا. وعن أبى هريرة: "إنّ الله ليصبح القوم بالنعمة ويمسيهم بها، فتصبح طائفة منهم بها كافرين؛ يقولون: مطرنا بنوء كذا.
[(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ٢٢ - ٢٣].
_________________
(١) ـ قوله: (ريثما يسيغون)، الجوهري: "راث علي خبرك يريث ريثًا: أبطأ". و"ما" مصدرية، أي: مقدار ساعة غصنهم، فأطلق "ريث" على المقدار، وجاز لأن البطء للمقدار. قوله: (وقرئ: (تَمْكُرُونَ) بالتاء والياء): بالتاء الفوقانية: السبعة، وبالياء: شاذة. قوله: (وعن أبي هريرة) الحديث: من رواية مسلم والنسائي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: "ألم تروا إلى ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكواكب، الكواكب".
[ ٧ / ٤٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وروينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي عن زيد بن خالد قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذل مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب". قال صاحب "الجامع": "النوء: واحد الأنواء، وهي ثمان وعشرون منزلة، ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، يسقط في الغرب كل ثلاثة عشر ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلها، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع نظيرها: يكون مطر، فينسبون المطر إلى المنزلة، ويقولون: "مُطرنا بنوء كذا، وإنما سُمي "نوءًا"؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب، ناء الطالع بالمشرق ينوء نوءًا، أي: نهض وطلع، وقيل: النوء: هو الغروب، فهو من الأضداد". ثم قال: "وعلمُ النجوم المنهي عنه: هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكائنات والحوادث التي لم تقع، وأنهم يُدركون معرفتها بتسيير الكواكب وانتقالاتها، واجتماعاتها وافتراقها، وأن لها تأثيرًا اختياريًا في العالم، وأما ما يُعرف من النجوم، كمعرفة الأوقات، والاهتداء بها في الطرقات، ومعرفة القبلة، وأشباه ذلك، فليس به بأس". فإن قلت: بين لي صورة هذا المكر؟ قلت: إنهم بعدما أنجاهم الله تعالى من المكاره والضراء كانوا يلبسون الأمر على أتباعهم في أن ذلك من الله ومن قدرته، لسوء صنيعهم وتكذيبهم الأنبياء، وينسبون ذلك إلى الأنواء؛ إرادة أن لا يؤمنوا، ولا يشكروا الله، ولا يستدلوا على وجود الخالق.
[ ٧ / ٤٥٦ ]
قرأ زيد بن ثابت: "ينشركم"، ومثله قوله (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) [الجمعة: ١٠]، (ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) [الروم: ٢٠].
فإن قلت: كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر،
_________________
(١) قوله: (قرأ زيدُ بن ثابت: "ينشركم"): قال صاحب "التيسير": "قرأ ابن عامر: (ينشركم في البر والبحر) بالنون والشين؛ من النشر، والباقون: بالياء والسين، أي: من التسيير". قوله: (كيف جعل الكون في الفلك غاية؟): يعني: أنه تعالى قال: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ)، والسير في البحر ابتداؤه الكون في الفلك لا غايته؟ وخلاصة الجواب: أنه تعالى لم يجعل ابتداء السير مختصًا بالبحر، بل بالبر والبحر، ولم يجعل الكون في البحر وحده غاية للسير، بل جعل الكون مع ما عطف عليه وما اتصل به غاية للمذكور قبله، كأنه قيل: هو الذي قدر لكم في البر والبحر الرفاهية والرخاء فتنقلبون فيها كيف شئتم، وتسيرون أني أردتم، لا تصيبكم شدة وبأساء، وأنتم مع ذلك لا تذكرون الله ولا تشكرونه بما أولاكم، حتى إذا وقعتم في الضر والشدة التي لا غاية لها دعوتم الله مخلصين له الدين، فوضع موضع هذه الغاية: (إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) إلى آخره، ليدل على النهاية في الضر، لأنه لا غاية بعدها. وتلخيصه: أن في ذكر ابر والبحر بيان غاية حالة الرفاهية في السير، وفي اختصاصه بحالة البحر بيان انتهاء حالة الشدة والمشقة، ونحوه في المعنى قوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) [النحل: ٥٣ - ٥٤].
[ ٧ / ٤٥٧ ]
والتسيير في البحر إنما هو بالكون في الفلك؟ قلت: لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر، ولكن مضمون الجملة الشرطية الواقعة بعد "حتى" بما في حيزها، كأنه قيل: يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة، وكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف، وتراكم الأمواج، والظنّ للهلاك والدعاء بالإنجاء.
فإن قلت: ما جواب (إذا)؟ قلت: (جاءتها). فإن قلت: فـ (دعوا)؟ قلت: بدل من "ظنوا"، لأنّ دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو ملتبس به. فإن قلت: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة؟ قلت: المبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، ويستدعى منهم الإنكار والتقبيح. فإن قلت: ما وجه قراءة أمّ الدرداء: "في الفلكي"، بزيادة ياء النسب؟ قلت: قيل: هما زائدتان، كما في الخارجي والأحمري، ويجوز أن يراد به اللجّ والماء الغمر الذي لا تجرى الفلك إلا فيه.
_________________
(١) الانتصاف: "مثله في الاعتبار قوله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا) [النساء: ٦]، واستدل أبو حنيفة ﵁ بأن الصغير يُبتلى قبل البلوغ، فجعل البلوغ غاية وقوع الابتلاء، فيلزم وقوع الابتلاء قبله". الإنصاف: "المجعول غاية هو جملة ما في حيز (حَتَّى)؛ من البلوغ المقرون بإيناس الرشد، وهذا المجموع يلزم وقوعه بعد الابتلاء، فلا يلزم أن يقع كل واحد بعد الابتلاء، وهذه الآية موضحة لذلك". وقلت: بين الآيتين بون بعيد؛ لما ذكرنا من أخذ الزبدة والخلاصة من الغاية والمُغيا. قوله: (فإن قلت: فـ (دَعَوُا)؟): أي: إذا كان الجواب (إذَا) قوله: (جاءَتْهَا)، فما موقع قوله: (دَعَوَا اللَّهَ)؟ قوله: (قيل: هما زائدتان، كما في الخارجي): قال ابن جني: "العرب قد زادت في الإضافة
[ ٧ / ٤٥٨ ]
والضمير في "جَرَيْنَ" للفلك، لأنه جمع "فلك" كالأسد، في "فعل" أخي "فعل"،
_________________
(١) ما لا يحتاج إليها، من قولهم في الأحمر: وفي الأشقر: أشقري. فإن قلت: هذا أمر يختص بالصفات، وليس (الْفُلْكِ) بصفة؟ قيل: قد جاء ذلك في الاسم أيضًا، قال الصلتان: أنا الصلتاني الذي وأيضًا قد شُبه كل واحدٍ من الاسم والصفة بصاحبه". قوله: (لأنه جمعُ "فَلك"): قيل: الضمة في "فُلْك" إذا أريد به الواحد الضمة في "بُرد"، وإذا أريد به الجمع كالضمة في "كُتْب". قوله: (الأسد في "فُعل" أخي "فَعَل"): قال المصنف: في "القصريات" عن أبي علي الفارسي: أن الضمة في "فُعْل" لثقلها: بمنزلة الفتحتين في "فَعَل"، فلذلك آخوا بينهما، وجمعوا "فعلًا" على "فُعْل"، كما جمعوا "فُعْلًا" على "فعْل".
[ ٧ / ٤٥٩ ]
وفي قراءة أمّ الدرداء: للفلك أيضًا، لأنّ "الفلكي" يدلّ عليه.
(جاءَتْها): جاءت الريح الطيبة، أي: تلقتها، وقيل: الضمير للفلك، (مِنْ كُلِّ مَكانٍ): من جميع أمكنة الموج، (أُحِيطَ بِهِمْ) أي: أهلكوا، جعل إحاطة العدوّ بالحي مثلا في الهلاك، (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) من غير إشراك به، لأنهم لا يدعون حينئذ غيره معه، (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا) على إرادة القول، أو لأن (دَعَوُا) من جملة القول، (يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ): يفسدون فيها ويعبثون مترافين في ذلك، ممعنين فيه، من قولك: بغى الجرح: إذا ترامى إلى الفساد.
_________________
(١) قوله: (للفُلْكِ أيضًا): أي: الضمير في قراءة أم الدرداء للفلك أيضًا، لأن "الفلكي" يدل عليه، قال المصنف رحمه الله تعالى: هذا كقولك: إذا زُجر السفيه جرى إليه أي: إلى السفه، لأن السفيه يدل عليه، فاستغنى عن ذكر السفه بذكر السفيه. قوله: (جاءت الريح الطيبة، أي: تلقتها) ريح عاصف، فالضميران للريحين، أحداهما: ريح عاصف، والأخرى: ريح طيبة. قوله: (جعل إحاطة العدو بالحي مثلا): هو مثل قوله تعالى: (وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) [البقرة: ١٩]، وقد سبق تحقيقه. قوله: (مترادفين): هو اسم فاعل من الترافؤ، وهو التوافق، مهموز اللام، "والمرافاة: الاتفاق،
[ ٧ / ٤٦٠ ]
فإن قلت: فما معنى قوله: (بِغَيْرِ الْحَقِّ)، والبغي لا يكون بحق؟ قلت: بلى، وهو استيلاء المسلمين على أرض الكفرة، وهدم دورهم، وإحراق زروعهم، وقطع أشجارهم، كما فعل رسول الله ﷺ ببني قريظة.
_________________
(١) ـ والرفاء: الالتحام والاتفاق"، ذكره الجوهري؛ الرفاء في المهموز، والمُرافاة في الناقص، وإنما بالغ المصنف في تفسير (يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ)؛ بقوله: "ويعيثون"، فإنه الغلو في الفساد، وبقوله: "مترافين"؛ لتعدية (يَبْغُونَ) بـ (فِي)، وهو يتعدى بـ"على" للمبالغة، على نحو قوله: يجر في عراقيبها نصلي قال الجوهري: "بغى الرجل على الرجل: استطال". قوله: (بلى): أي: بلى، يكون البغى بحق، كهدم المسلمين دور الكفرة، وإحراق زروعهم، قال صاحب "الفرائد": هذا يُشعر بأن البغي موضوع للاستيلاء، سواء كان حقًا أو باطلًا، وقيد (بِغَيْرِ الْحَقِّ) لإخراج ما هو حق، وهذا منظور فيه، لأنه قال قبل هذا: "هو من قولك: بغى الجرح: إذا ترامى إلى الفساد". وقال الزجاج: "البغي: الترامي في الفساد"، وإذا ذُكر البغي لا يخطر بالبال إلى الظلم. وقلت: ويمكن أن يُقال: البغيُ بحسب اللغة: هو ترامي الشيء إلى الفساد، سواء كان الفساد عدلًا أو ظلمًا، لأن الفساد: خروج الشيء من أن يكون منتفعًا به، فهذا قد يكون عدلًا، كهدم دور المشركين وإحراق زروعهم وقتلهم، ثم خصه العُرف بما يكون ظلما، فالقيد بالنظر إلى ما يكون بحسب اللغة.
[ ٧ / ٤٦١ ]
وقرئ: (متاع الحياة الدنيا)، بالنصب. فإن قلت: ما الفرق بين القراءتين؟ قلت: إذا رفعت كان "المتاع" خبرًا للمبتدأ الذي هو (بَغْيُكُمْ)، و(عَلى أَنْفُسِكُمْ) صلته - كقوله (فَبَغى عَلَيْهِمْ) [القصص: ٧٦]-، ومعناه: إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم جنسكم، يعنى: بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا، لا بقاء لها.
وإذا نصبت فـ (عَلى أَنْفُسِكُمْ) خبر غير صلة، معناه: إنما بغيكم وبال على أنفسكم، و(مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا) في موضع المصدر المؤكد، كأنه قيل: تتمتعون متاع الحياة الدنيا. ويجوز أن يكون الرفع على: هو متاع الحياة الدنيا، بعد تمام الكلام.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "لا تمكر ولا تعن ماكرا، ولا تبغ ولا تعن باغيًا، ولا تنكث ولا تعن ناكثًا"، وكان يتلوها. وعنه ﵊: "أسرع الخير ثوابًا: صلة الرحم، وأعجل الشر عقابًا: البغي واليمين الفاجرة"،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: (مَتَاعُ الْحَيَاةِ) بالنصب): حفص، والباقون: بالرفع. قوله: (على: هو متاع الحياة الدنيا، بعد تمام الكلام): قال صاحب "المرشد": " (مَتَاعُ): من قرأ بالرفع: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون خبرًا لقوله: (بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)، ولا يحسن الوقف على قوله: (بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) للفصل بين المبتدأ والخبر. والآخر: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، ويكون خبر (بَغْيُكُمْ) قوله: (عَلَى أَنْفُسِكُمْ)، وهو كلام تام، والوقف عليه تمام، ويبتدئ: (مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، على: هو متاع الحياة الدنيا". قوله: (واليمين الفاجرة): أي: الكاذبة، الجوهري: "فجر، أي: كذب، وأصله: الميل، والفاجر: المائل".
[ ٧ / ٤٦٢ ]
وروي: "ثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين". وعن ابن عباس ﵄: "لو بغي جبل على جبل لدك الباقي"، وكان المأمون رحمة الله عليه يتمثل بهذين البيتين في أخيه:
_________________
(١) ـ قوله: (وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه): أي: الأمين، وكان من خبرهما على ما ذكره الفقيه أبو حنيفة الدينوري: أنه بويع الأمين بعد وفاة أبيه هارون الرشيد بالخلافة، ووصل الخبر إلى أخيه المأمون، وهو بمرو الروذ، فركب إلى المسجد الأعظم، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، أحسن الله عزاءنا وعزاءكم في الخليفة الماضين وبارك لنا ولكم في خليفتكم الحادث، ومد الله في عمره، جددوا البيعة لإمامكم الأمين، فبايعه الناس. ثم إن الأمين استشار إسماعيل بن صبيح في عزل أخيه المأمون من خُراسان، فقال له: أعيذك الله أن تنقض ما استنه الرشيد ومهده، فقال له الأمين: ويحك يا ابن صبيح، عن عبد الملك ابن مروان كان أحزم رأيًا منك؛ حيثُ قال: لا يجتمع الفحلان في هجمة إلا قتل أحدهما صاحبه. ثم كتب إليه وسأله أن يقدم عليه ليعينه على أموره، فامتنع المأمون، فجرى بينهما ما جرى حتى قتل الأمين. وقال ابن حمدون: ولما أتى طاهر برأس الأمين حمد الله وأثنى عليه، وقال: (قُلْ اللَّهُمَّ
[ ٧ / ٤٦٣ ]
يَا صَاحِبَ الْبَغْي إنَّ الْبَغْيَ مَصْرَعَةٌ … فَارْبَعْ فَخَيْرُ فِعَالِ المَرْءِ أعْسَلُهُ
فَلَوْ بَغَى جَبَلٌ يَوْمًا عَلَى جَبَلٍ … لَانْدَكَّ مِنْهُ أَعَالِيهِ وَأَسْفَلُهُ
وعن محمد بن كعب: ثلاث من كنّ فيه: كنّ عليه، البغي والنكث والمكر، قال الله تعالى:
(إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ).
[(إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ٢٤].
هذا من التشبيه المركب، شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها، وانقراض نعيمها بعد الإقبال، بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطامًا، بعد ما التف وتكاثف، وزين الأرض بخضرته ورفيفه، (فَاخْتَلَطَ بِهِ): فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضًا.
_________________
(١) ـ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) بآل عمران: ٢٦]، فبعث بالرأس والبُردة إلى المأمون، وكتب: وجهت إليك بالدنيا والآخرة، فبُويع المأمون بالخلافة، والله أعلم. قوله: (يا صاحب البغي) البيتين: "مصرعة": أي: كثير المصارعة شديدها، "فاربع" أي: ارفق وكُف، ربع الرجل: إذا وقف، و"الفَعَال" - بفتح الفاء -: غالب في المكارم، واستعمل هاهنا لمجرد الفعل. قوله: (هذا من التشبيه المركب): لأن الوجه على ما ذكره منتزع من عدة أمور متوهمة، وقوله: (أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا) استعارة وقعت في طرف المشبه به، فالمشبه به مركب من أمور حقيقية وأمور مجازية. قوله: (ورفيفه)، الجوهري: "رف لونه يرف - بالكسر - رفا ورفيفًا، أي: برق وتلألأ".
[ ٧ / ٤٦٤ ]
(أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ) كلام فصيح: جعلت الأرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون، فاكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزين، وأصل (وازَّيَّنَتْ): تزينت، فأدغم، وبالأصل قرأ عبد الله، وقرئ: "وازينت"، أي: أفعلت، من غير إعلال الفعل، كأغيلت، أي: صارت ذات زينة، و"ازيانت"، بوزن ابياضت.
_________________
(١) ـ قوله: «أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) كلام فصيح): ومجيء (وَازَّيَّنَتْ) عقيب قوله: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا) ترشيح لتلك الاستعارة، شُبهت الأرض بالعروس، وحُذف المشبه به، وأقيم المشبه مقامه على المكنية، ثم جعلت القرينة أخذها الزخرف، ثم فُرع عليها قوله: (وَازَّيَّنَتْ). قال المصنف في البقرة: "إني أراعي الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام فلا عليَّ أولىَ حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به أم لم يله، ألا ترى إلى قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية، كيف ولي "الماء" الكاف، وليس الغرض تشبيه "الدنيا" بـ "الماء"، ولا بمفرد آخر يتمحل لتقديره". قوله: ("وأزينت" على: أفعلت): ابن جني: "قرأ الأعرج: "وأزينت"، وأبو عثمان النهدي: "وازيأنت"، أما "أزينت" فمعناه": صارت ذا زينة بالنبت، ومثله: أجذع المهر، أي: صار إلى الإجذاع، وأحصد الزرع، أي: صار إلى الحصاد، إلا أنه أخرج العين على الصحة،
[ ٧ / ٤٦٥ ]
(أنهم قادِرُونَ عَلَيْها): متمكنون من منفعتها، محصلون لثمرتها، رافعون لغلتها، (أَتاها أَمْرُنا) وهو ضرب زرعها ببعض العاهات بعد أمنهم واستيقانهم أنه قد سلم، (فَجَعَلْناها): فجعلنا زرعها، (حَصِيدًا): شبيهًا بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله، (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ): كأن لم يغن زرعها، أي: لم ينبت، على حذف المضاف في هذه المواضع لا بدّ منه، وإلا لم يستقم المعنى.
وقرأ الحسن: "كأن لم يغن" بالياء، على أنّ الضمير للمضاف المحذوف، الذي هو الزرع، وعن مروان: أنه قرأ على المنبر: "كأن لم تتغن" بالأمس، من قول الأعشى:
طَوِيلُ الثّوَاءِ طَوِيلُ التَّغَنِّ
_________________
(١) وكان قياسه: "أزانت"، مثل: أشاع الحديث، وأباع الثوب، أي: عرضه للبيع. وأما "ازيأنت": فإنه أراد "افعالت"، مثل: ابياضت واسوادت، إلا أنه كره اتقاء الألف والنون الأولى ساكنتين، فحرك الألف، فانقلب همزة". قوله: (لم يغن زرعها) فحذف المضاف، فانقلب الضمير المضرور مرفوعًا، واستتر في الفعل. قوله: ٠ طويل الثواء طويل التغن): ويروي أوله: لعمرك ما طول هذا الزمن … على المرء إلا عناء معن أراد: مُعنى، طرح الياء ثم خفف.
[ ٧ / ٤٦٦ ]
و"الأمس": مثل في الوقت القريب، كأنه قيل: كأن لم تغن آنفًا.
[(وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) ٢٥].
(دارِ السَّلامِ): الجنة، أضافها إلى اسمه تعظيما لها، وقيل: السلام: السلامة، لأنّ أهلها سالمون من كل مكروه. وقيل: لفشوّ السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم، (إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا) [الواقعة: ٢٦]، (وَيَهْدِي): ويوفق (مَنْ يَشاءُ)، وهم الذين علم أنّ اللطف يجدي عليهم، لأنّ مشيئته تابعة لحكمته، ومعناه: يدعو العباد كلهم إلى دار السلام، ولا يدخلها إلا المهديون.
[(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) ٢٦].
(الْحُسْنى): المثوبة الحسنى، (وَزِيادَةٌ): وما يزيد على المثوبة، وهي التفضل، ويدل عليه قوله: (وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) [النساء: ١٧٣]، وعن علىّ ﵁: الزيادة: غرفة من لؤلؤة واحدة.
_________________
(١) قوله: (لأن مشيئة الله تابعة لحكمته): تعليل لاختصاص الهداية بمن علم أن اللطف يُجدي عليهم، أي: ينفعهم، يريد: انه تعالى لا يوفق من علم أن اللطف لا ينفعه، فإنه منافٍ لحكمته؛ لوقوع التوفيق حينئذ عبثًا، وهو تعالى منزه عن فعل العبث، لأنه حكيم. وعندنا: أن الله تعالى يخلق الهداية فيمن يشاء، ولا غنى له عن أن لا يهتدي؛ لأن الكائنات تابعة لمشيئة الله وإرادته، وأفعاله كلها حكمة وصواب، وإن خفي علينا وجهها. قال القاضي: "وفي تعميم الدعوة، وتخصيص الهداية بالمشيئة: دليل على أن الأمر غير الإرادة، وأن المصر على الضلالة لم يُرد الله رشده".
[ ٧ / ٤٦٧ ]
وعن ابن عباس ﵁: الحسنى: الحسنة، والزيادة: عشر أمثالها. وعن الحسن: عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، وعن مجاهد: الزيادة مغفرة من الله ورضوان. وعن يزيد بن شجرة: الزيادة: أن تمرّ السحابة بأهل الجنة، فتقول: ما تريدون أن أمطركم؟ فلا يريدون شيئًا إلا أمطرتهم.
وزعمت المشبهة والمجبرة: أن الزيادة النظر إلى وجه الله تعالى، وجاءت بحديث مرقوع: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: أن يا أهل الجنة، فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا هو أحب إليهم منه".
_________________
(١) قوله: (أن الزيادة النظر إلى وجه الله تعالى): قال محيي السنة: "هذا قول جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر الصديق ﵁، وحذيفة، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت. وهو قول الحسن وعكرمة وعطاء ومقاتل والضحاك والسدى"، رضوان الله عليهم أجمعين. قوله: (بحديث مرفوع): صح بالقاف عنده، أي: مرقع مفترى، وأما عند أهل السنة فهو مرفوع - بالفاء-، قال محيي الدين النواوي في "مختصر ابن الصلاح": "المرفوع: هو ما أضيف إلى رسول الله ﷺ، ولا يقع مطلقه على غيره، ويدخل فيه متصل الإسناد ومنقطعه، هذا هو المشهور. وقال الخطيب الحافظ: المرفوع: ما أخبر به الصحابي عن قول رسول الله ﷺ أو فعله، فخصه بالصحابي".
[ ٧ / ٤٦٨ ]
(وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ): لا يغشاها، (قَتَرٌ): غبرة فيها سواد، (وَلا ذِلَّةٌ): ولا أثر هوان وكسوف بال، والمعنى: لا يرهقهم ما يرهق أهل النار؛ إذكارا بما ينقذهم منه برحمته. ألا ترى إلى قوله تعالى: (تَرْهَقُها قَتَرَةٌ) [عبس: ٤١]، (وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) [يونس: ٢٧].
_________________
(١) ـ وأما هذا الحديث: فقد رويناه عن مسلم وأحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجة عن صهيب، عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ: إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، قالوا: ألم تبيض وجوهنا، وتنجنا من النار، وتدخلنا الجنة؟ ! قال: فكشف الحجاب، قال: فوالله ما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه"، زاد في رواية لمسلم: "ثم تلا: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) "، وفي رواية ابن ماجة: "تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، وقال: إذا دخل أهل الجنة"، الحديث. قوله: (إذكارًا بما يُنقذهم): هو مفعول له لقول مقدر، أي: قال الله تعالى: لا يرهق وجوههم قتر؛ ليذكر أهل الجنة بما ينقذهم الله منه، وهو إرهاق وجوههم، أي: غشيانها غبرة فيها سواد، بسبب رحمته، فإنهم إذا ذكروا ذلك زاد فرحهم وتبجحهم، كما أن أهل النار إذا ذكروا ما فاتهم من النعيم المقيم ازداد غمهم وحسرتهم. روى محيي السنة عن ابن أبي ليلى: "هذا بعد نظرهم إلى ربهم". وقال السجاوندي: "قتر: غبار الحرمان والخيبة". وقلت: في هذا الكلام مسحة من قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، فيكون قوله: (وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ) كناية عن حصل غاية مباغيهم ونهاية سرورهم- يقال للكئيب الحزين: كأن على وجهه قترًا وذلة - لأن الجنة مع نعيمها وذاتها - عند العارف إذا لم يظفر بتلك النعمة الكبرى - مكان حزن وكآبة.
[ ٧ / ٤٦٩ ]
[(وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) ٢٧].
فإن قلت: ما وجه قوله (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها)، وكيف يتلاءم؟ قلت:
لا يخلو، إمّا أن يكون (وَالَّذِينَ) كَسَبُوا معطوفًا على قوله: (الَّذِينَ أَحْسَنُوا)، كأنه قيل: والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وإمّا أن يقدّر: وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، على معنى: جزاؤهم أن تجازى سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها.
وهذا أوجه من الأوّل، لأنّ في الأوّل عطفًا على عاملين،
_________________
(١) ـ قوله: (ما وجه قوله: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ)؟): أي: ما وجه إعرابه في التركيب؟ وكيف يلتئم بما قبله؟ وأجاب بجوابين: أحدهما: أنه من عطف المفرد على المفرد، ووجهه: أن "الذين كسبوا" مجرور؛ خبرٌ لقوله: (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ)، كما أن المعطوف عليه كذلك، نحو قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو. وثانيهما: أنه من عطف الجملة على مثلها، فلا يلزم العطف على عاملين مختلفين، لكن لا بُد من تقدير محذوف؛ لأنه لا يجوز حمل الجزاء على المسيء، فيقدر مضاف ليصح. قوله: (عطفًا على عاملين): العامل الأول: اللام، والعامل الثاني: الابتداء، وسيبويه لا يجيزه.
[ ٧ / ٤٧٠ ]
وإن كان الأخفش يجيزه. وفي هذا دليل على أنّ المراد بالزيادة: الفضل، لأنه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله، ودل ثمة بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله.
وقرئ: "يرهقهم" بالياء.
_________________
(١) قوله: (وفي هذا دليل): أي: في هذا النظم والترتيب دليل على أن المراد بالزيادة الفضل لا الرؤية، وذلك أن قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) [يونس: ٢٥] مجمل يعم الفريقين: المهتدي والضال، لأن الدعوة عامة، وقوله: (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [يونس: ٢٥] تفصيل له، وذكر فيه أحد الفريقين - وهم المهتدون - وترك الضالين؛ بدلالة قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى) [يونس: ٢٦] (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ) عليه، كأنه قيل: والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ثم فرق ما لكل من الفريقين من الجزاء والفضل، فقيل: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى) (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا)، فإن قوله: (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ) مقابل لقوله: (الْحُسْنَى)، وهو العدل، ولا تكون الزيادة على العدل إلا الفضل. وقلت: نعم ما قلت، ولكن لابد للنظم المعجز والعدول من الأصل من فائدة؛ وفي تقييد جانب السيئة بالجزاء، والتخصيص بالمثل، وإطلاق جانب الحسنة، ثم تقييده بالزيادة: إعلام بالفرق العظيم، وأن (الْحُسْنَى) أيضًا فضل، كما في قوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا) [الأنعام: ١٦٠]، ولا ارتياب أن (عَشْرُ أَمْثَالِهَا) الواقع في مقابلة (لا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا) ليس غير الفضل، ولأنه لابد في نصوصية الجزاء وإطلاق ما يقابله في كلام الله المجيد من مزيد فائدة. وتفسير "الزيادة" على ما جاء عن أفضل البشر واجب المصير لا محيد عنه، ثم إن الإمام
[ ٧ / ٤٧١ ]
(مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ) أي: لا يعصمهم أحد من سخط الله وعذابه، ويجوز: ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم، كما يكون للمؤمنين. (مُظْلِمًا) حال من (اللَّيْلِ)، ومن قرأ: (قِطَعًا) بالسكون -من قوله: (بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) [هود: ٨١]- جعله صفة له، وتعضده قراءة أبىّ بن كعب: "كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل مظلم".
_________________
(١) ـ نقل تفسير الزيادة بالفضل عن القاضي، وأتى بدلائل جمة على أن المراد بالزيادة الرؤية، فلينظر هناك. قوله: (من يعصمهم): يريد: أن (مِن) في (مِنْ عَاصِمٍ): زائدة، وفي (مِنْ اللَّهِ): حال منه، أي كائنًا من جهة الله وشفيعًا بإذنه. قوله: (ومن قرأ: "قطعًا" بالسكون): ابن كثير والكسائي، والباقون: بفتحها. قوله: (جعله): أي جعل (مُظْلِمًا) صفة لـ (قطعًا)، إنما قيد هذه القراءة به؛ لأن قطعًا على هذا مفرد يطابق قوله: (مُظْلِمًا)، ولهذا قال: "من قوله: (بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ) "، أي: مأخوذ من قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ) [هود: ٨١]، أي: بعضه، وأما (قِطَعًا) - بفتح الطاء-: فهو
[ ٧ / ٤٧٢ ]
فإن قلت: إذا جعلت (مظلمًا) حالا من (الليل)، فما العامل فيه؟ قلت: لا يخلو: إمّا أن يكون (أُغْشِيَتْ) من قبل، أو (مِنَ اللَّيْلِ) صفة لقوله: (قِطَعًا)، فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة، وإما أن يكون معنى الفعل في (مِنَ اللَّيْلِ).
_________________
(١) ـ جمعُ "قطعة" غير مطابق لقوله: (مُظْلِمًا)، اللهم إلا أن يُقال: "إن (قِطَعًا) في معنى الكثير"، كما قاله أبو البقاء. قوله: (فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن (مِنْ اللَّيْلِ) ليس صلة (أُغْشِيَتْ) حتى يكون عاملًا في المجرور، بل التقدير أنه صفة، فيكون العامل فيه معنى الفعل، وهو "كائنة"، فلا يكون العامل فيه (أُغْشِيَتْ)، وأيضًا الصفة هو (مِنْ اللَّيْلِ)، وذو الحال هو (اللَّيْلِ)، فلا يكون (أُغْشِيَتْ) عاملًا في ذي الحال، مع أنه المقصود. وقد يقال: إن (مِنَ) للتبيين، والتقدير: كائنة من الليل، فـ (أُغْشِيَتْ) عامل في الصفة، وهي "كائنة"، فكأنه عامل في (اللَّيْلِ)، لكنك تعلم أنه مبني على أن العامل في الشيء عامل فيه، فهو فاسد، فالوجه أن يُقال: إن (مِنَ) للتبعيض، أي: بعض الليل، ويكون بدلًا من (قِطَعًا)، ويُجعل (مُظْلِمًا) حالًا من "البعض" لا من (اللَّيْلِ)، فيكون العامل في ذي الحال
[ ٧ / ٤٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ (أُغْشِيَتْ). قال مكي بن أبي طالب: "الواجب أن يُقال: إن العامل في ذي الحال هو العامل في الحال؛ لأنها هو في المعنى، إذ لو اختلف لكان قد عمل عاملان في معمول واحد". وأجاب الإمام المغفور [له] أمين الدين الشرفشاهي ﵀: إن نسبة (أُغْشِيَتْ) إلى (قِطَعًا) إنما هي باعتبار ذاتها المبهمة المفسرة بـ (اللَّيْلِ)، لا باعتبار مفهوم "القطع" في نفسها، وإنما ذُكرت لبيان مقدار ما أغشيت به وجوههم، وهو الليل مظلمًا، فإفضاء الفعل إلى (قِطَعًا) - باعتبار ما لا يتم معناها المراد إلا به- كإفضاء الفعل إليه، كما إذا قيل: اشتريت أرطالًا من الزيت صافيًا، فإن المشتري منه: الزيت، والأرطال مبينة لمقدار المشترى صافيًا، فالعامل في الحال إنما هو الفاعل اللفظي، ولا يلاحظ معنى الفعل في الجار والمجرور في جهة العمل لغلبة العامل اللفظي عليه بالظهور، وفيما أورد المعترض من تقدير المبدل في هذا المحل نظر؛ لأن (مِنْ اللَّيْلِ) تتمة لـ (قِطَعًا)، فلا يكون بدلًا منه. وقلت- والله أعلم-: ليس إجراء الصفات كلها على الموصوفات سواء، فكم ترى من صفات أو أحوال هي المقصودة في الاعتبار، والموصوفات تابعة، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ) [الحج: ٣٠]، وقولك: رأيت منك أسدًا، فإن المقصود ذم الأوثان، وأنها عين الرجس، وأن المخاطب شجاع بالغ في الشجاعة. وهاهنا جُرد من نفس الليل ذو وصف مثله، وهو "قطعه"، مبالغة؛ لكمالها فيه، فكأنه جعل الليل بماله قطعًا، وأغشيت بها وجوههم، ولأن الليل هو المصحح للتشبيه، ومنه
[ ٧ / ٤٧٤ ]
[(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ) ٢٨].
(مَكانَكُمْ): الزموا مكانكم، لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم، و(أَنْتُمْ) أكد به الضمير في (مكانكم)؛ لسدّه مسدّ قوله: الزموا، (وَشُرَكاؤُكُمْ) عطف عليه، وقرئ: "وَشُرَكاؤُكُمْ" على أنّ الواو بمعنى "مع"، والعامل فيه ما في (مكانكم) من معنى الفعل.
_________________
(١) الغشيان، ولتوطئة ذكر (قِطَعًا)، كما مر في كلام المجيب، ولولاه لكان أصل الكلام: ترى وجوههم مسودة، كقوله تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) [الزمر: ٦٠]، ولما أريد التتميم فيه وانضمام العبوسة والتحير مع الظلمة شبهت بالليل، وأوقع (مُظْلِمًا) حالًا منه؛ ليتصور من ذلك تخمة السحاب وتكاثف المطر وما يلحق لمن حصل فيه من التحير والخوف والدهشة، ولما أريد اتصاله بالمشبه جعلت الوسيلة أداة التشبيه ولفظ الغشيان، ولمزيد المبالغة جيء بقوله: (قِطَعًا) على سبيل التجريد، وأوقع (مِنْ اللَّيْلِ) بيانًا له- ما مر-، ولا يتنبه لهذه المعاني إذا أجري الكلام على ظاهره، وإن يُقال: إن عامل الصفة "هم" المقدر دون (أُغْشِيَتْ)؛ إذ لا يُفهم منه الاهتمام بشأن الليل. قوله: (لسده مسد [قوله]: الزموا): قال أبو البقاء: " (مَكَانَكُمْ) ظرف لوقوعه موقع الأمر،
[ ٧ / ٤٧٥ ]
(فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ): ففرّقنا بينهم، وقطعنا أقرانهم والوصل التي كانت بينهم في الدنيا، أو فباعدنا بينهم بعد الجمع بينهم في الموقف،
_________________
(١) ـ أي: الزموا، وفيه ضمير فاعل، و(أَنْتُمْ) توكيد له، والكاف والميم في موضع جر عند قومن وعند آخرين: الكاف للخطاب لا موضع لها، كالكاف في إياكم". قوله: «فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ): ففرقنا بينهم)، الأساس: "المزايل: المباين، وإني لا أزايلك، وتزايلوا وتزيلوا"، قال أبو البقاء: " (فَزَيَّلْنَا): عينُ الكلمة واو، لأنه من: زال يزول، وإنما قُلبت ياء لأن وزنه "فَيْعَل"، أي: زيولنا، مثل: بيطر وبيقر، وقيل: هو مِن: زِلتُ الشيء أزيله، فعينه ياء، فيحتمل أن يكون: فعلنا وفيعلنا". وقلت: فالمباينة: إما بحسب قطع الوصل، كقوله ﷾: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ) [عبس: ٣٤ - ٣٥]، فهو المراد بقوله: "وقطعنا أقرانهم والوصل التي كانت بينهم في الدنيا"، أو بحسب الأبدان بعد اجتماعها، فهو المراد من قوله: "فباعدنا بينهم بعد الجمع بينهم"، فقوله: "كقوله: (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ) [غافر: ٧٣ - ٧٤] " يجوز أن يستشهد به للبعد بحسب الأبدان، فمعنى (ضَلُّوا عَنَّا): غابوا عن عيوننا، فلا نراهم، وأن يُستشهد به للبعد بحسب الأبدان، فمعنى (ضَلُّوا عَنَّا): بطل عنا ما كنا نختلق من الكذب وشفاعة الآلهة، كما سيجيء بُعيد هذا. قوله: (والوصل التي كانت بينهم): عطف على: "أقرانهم"، أي: حبالهم، على سبيل البيان.
[ ٧ / ٤٧٦ ]
وتبرؤ شركائهم منهم ومن عبادتهم، كقوله تعالى: (ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ *مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا) [غافر: ٧٣ - ٧٤]، وقرئ: "فزايلنا بينهم"، كقولك: صاعر خدّه وصعره، وكالمته وكلمته.
(ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ) إنما كنتم تعبدون الشياطين، حيث أمروكم أن تتخذوا لله أندادًا فأطعتموهم.
(فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ * هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) [٢٩ - ٣٠].
(إِنْ كُنَّا) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وهم الملائكة والمسيح ومن عبدوه من دون الله من أولى العقل، وقيل: الأصنام؛ ينطقها الله ﷿، فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي زعموها وعلقوا بها أطماعهم.
(هُنالِكَ) في ذلك المقام، وفي ذلك الموقف، أو في ذلك الوقت -على استعارة اسم المكان للزمان- (تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ): تختبر وتذوق، (ما أَسْلَفَتْ) من العمل، فتعرف كيف هو، أقبيح أم حسن، أنافع أم ضارّ، أمقبول أم مردود؟ كما يختبر الرجل الشيء ويتعرّفه ليكتنه حاله، ومنه قوله تعالى (يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ) (الطارق: ٩).
_________________
(١) ـ قوله: (تختبر وتذوق … فتتعرف): فالابتلاء على هذا مجاز عن المعرفة، ولهذا جاء بالفاء في "فتتعرف"، وشبهه بقوله: "كما يختبر الرجل الشيء ويتعرفه، ومنه قوله تعالى: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) [الطارق: ٩] "، أي: تُكشف وتظهر.
[ ٧ / ٤٧٧ ]
وعن عاصم: "نبلو كلَّ نفس"، بالنون ونصب "كل"؛ أي: نختبرها باختبار ما أسلفت من العمل، فنعرف حالها بمعرفة حال عملها؛ إن كان حسنًا فهي سعيدة، وإن كان سيئًا فهي شقية. والمعنى: نفعل بها فعل الخابر، كقوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود: ٧، الملك: ٢]، ويجوز أن يراد: نصيب بالبلاء -وهو العذاب- كل نفس عاصية، بسبب ما أسلفت من الشر.
وقرئ: "تتلو"، أي تتبع ما أسلفت، لأنَّ عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار، أو تقرأ في صحيفتها ما قدّمت من خير أو شر.
(مَوْلاهُمُ الْحَقِّ): ربهم الصادق ربوبيته، لأنهم كانوا يتولون ما ليس لربوبيته حقيقة، أو الذي يتولى حسابهم وثوابهم، العدل الذي لا يظلم أحدًا، وقرئ: "الحق"، بالفتح على تأكيد قوله" (رُدُّوا إِلَى اللَّهِ) [الأنعام: ٦٢]، كقولك: هذا عبد الله الحق لا الباطل، أو على المدح؛ كقولك: الحمد لله أهل الحمد.
_________________
(١) ـ قوله: (وعن عاصم: "نبلو"): وهي شاذة، وإن أُسند إليه، وقرأ حمزة والكسائي: "تتلو كل نفس"، بتاءين، والباقون: بالتاء والباء بعدها. قوله: (أي: نختبرها باختبار ما أسلفت) إلى آخره: يُعلم من تقريره: أن قوله: (مَا أَسْلَفَتْ) بدل من قوله: (كُلِّ نَفْسٍ)، لأن المراد: يبلو كل نفس عمله، فينظر: إن كان عمله خيرًا فهو سعيد، وإن كان شرًا فهو شقي، ونحوه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا) [الزمر: ١٧]. قوله: «مَوْلاهُمْ الْحَقِّ) ربهم الصادق ربوبيته): اعلم أن "المولى" لفظ مشترك في معنى السيد والمالك، وفي معنى متولي الأمور، فإن كان الأول: فالمناسب أن يفسر (الْحَقِّ) بالصادق ربوبيته، لأن الكلام تعريض بالمشركين، يدل عليه عطف قوله: (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا
[ ٧ / ٤٧٨ ]
(وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ): وضاع عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء لله، أو بطل عنهم ما كانوا يختلقون من الكذب وشفاعة الآلهة.
[(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ * كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) ٣١ - ٣٣].
(مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) أي: يرزقكم منهما جميعًا، لم يقتصر برزقكم على جهة واحدة؛ ليفيض عليكم نعمته ويوسع رحمته.
_________________
(١) ـ يَفْتَرُونَ)، ولهذا عرف "الحق" باللام، وإليه الإشارة بقوله: "لأنهم كانوا يتولون ما ليس لربوبيته حقيقة"، أي: يتخذون مالكًا لأنفسهم بالباطل. وإن كان الثاني: فاللائق أن يؤول (الْحَقِّ) بالعدل، لأن من يتولى أمر الغير ينبغي أن يكون عادلًا، وهو المراد من قوله: "العدل الذي لا يظلم". اعلم أن قوله: (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ) كالاعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، لأن الضمير في (عنهُم) راجع إلى قوله: (لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا). قوله: (لم يقتصر برزقكم على جهةٍ واحدة): يعني: إنما ذكر الجهتين ليدل به على التوسعة والشمول. الانتصاف: "هذه الآية رادة على المعتزلة أن من الأرزاق مالم يرزقه الله، بل يرزقه العبد نفسه، وهو الحرام". وقلت: يقوى هذا عطف قوله: (أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ)، وجوابهم: (فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ)، إذ المعنى: من الذي له الرزق الواسع، والملك الشامل، والتصرف العجيب، والتدبير الأنيق؟ فينبغي أن لا يخصص شيء من ذلك.
[ ٧ / ٤٧٩ ]
(أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ): من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحدّ الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة. أو: من يحميهما ويحصنهما من الآفات مع كثرتها في المدد الطوال، وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء بكلاءته وحفظه، (وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ): ومن يلي تدبير أمر العالم كله، جاء بالعموم بعد الخصوص، (أَفَلا تَتَّقُونَ): أفلا تقون أنفسكم ولا تحذرون عليها عقابه فيما أنتم بصدده من الضلال.
(فَذلِكُمُ) إشارة إلى من هذه قدرته وأفعاله، (رَبُّكُمُ الْحَقُّ) الثابت ربوبيته ثباتًا لا ريب فيه لمن حقق النظر، (فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) يعنى: أن الحق والضلال لا واسطة بينهما، فمن تخطى الحق وقع في الضلال، (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) عن الحق إلى الضلال، وعن التوحيد إلى الشرك، وعن السعادة إلى الشقاء.
_________________
(١) ـ قوله: (أو: من يحميهما): عطف على "من يستطيع خلقهما"، فسر (يَمْلِكُ) تارة بالاستطاعة مجازًا، كما فسر أبو حنيفة ﵁ (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا) [النساء: ٢٥]: بمن لم يملك طول الحرة، وأخرى بـ"يحميها ويحصنهما"، لأن في الملك معنى التسلط والغلبة. والأول أوفق؛ ليضم الخالقية مع الرازقية، كقوله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [فاطر: ٣]. قوله: «فَذَلِكُمْ) إشارة إلى من هذه قدرته): فهو من باب الإعلام بأن ما قبل اسم الإشارة جدير بما بعده، لما عددت من صفات. قوله: (يعني: أن الحق والضلال لا واسطة بينهما): يريد أن الاستفهام في قوله: (مَاذَا) للإنكار، يعني: بعد هذا البيان الشافي وإظهار الحق، ما هذا التواني والتقاعد؟ ! وليس ذلك إلا الركوب على متن الباطل ومتابعة الزيغ والهوى، وقوله تعالى: (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) تنبيه على هذا التوبيخ.
[ ٧ / ٤٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ولما كان (تُصْرَفُونَ) مطلقًا يحتمل العموم قدر: "عن الحق إلى الضلال، وعن التوحيد إلى الشرك، وعن السعادة إلى الشقاوة"، ثم فرع على هذا الإصرار قوله: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا)، أي: حقت عليهم كلمة العذاب، فوضع (الَّذِينَ فَسَقُوا) موضع الضمير للعلية، والدليل على الإصرار ترتب الفسق على عدم الإيمان، ثم عاد إلى ذم آلهتهم وتقبحي عبادتها منهم بقوله: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ). هذا تقرير الوجه الأخير، وهو أوفق لتأليف النظم. وأما حل تركيبه: فإنه بنى التشبيه بقوله: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ)، تارة على قوله تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ)، وأخرى على قوله: (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)، ثم فرع تفسير "الكلمة" على الأول: بالعلم، وعلى الثاني: بالحكم، وجعل على هذين التفريعين (أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) بدلًا من "الكلمة". وخص تفسير "الكلمة" بالعدة بالعذاب، على التشبيه الثاني، وجعل (أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) تعليلًا للعدة؛ لأن الحكم بعدم الإيمان لا يصلح أن يكون تفسيرًا للعدة، المعنى: كما ثبت صرفهم عن الحق كذلك ثبت الوعد لهم بالعذاب، ويجوز أيضًا: وكما ثبت صرفهم عن الحق كذلك ثبت القول عليهم بالخذلان. فإن قلت: من أين فسرت "الكلمة" بالعلم تارة، والحكم أخرى؟ قلت: لما قال: "حق عليهم انتفاء الإيمان"، وعطف عليه قوله: "وعلم الله منهم ذلك"؛ على سبيل التفسير، عُلم أن قوله تعالى: (كَلِمَةُ رَبِّكَ) معبر به عن العلم الأزلي، ولا قول ثمة.
[ ٧ / ٤٨١ ]
(كَذلِكَ) مثل ذلك الحق (حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ)، أي: كما حق وثبت أنّ الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق، فكذلك حقت كلمة ربك (عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا) أي: تمرّدوا في كفرهم، وخرجوا إلى الحد الأقصى فيه، و(أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) بدل من "الكلمة" أي: حق عليهم انتفاء الإيمان، وعلم الله منهم ذلك، أو حق عليهم كلمة الله أنهم من أهل الخذلان، وأن إيمانهم غير كائن، أو أراد بـ"الكلمة": العدة بالعذاب، و(أنهم لا يؤمنون) تعليل، بمعنى: لأنهم لا يؤمنون.
[(قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ *قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) ٣٤ - ٣٥].
فإن قلت: كيف قيل لهم: (هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)،
_________________
(١) نحوه قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) [يونس: ٩٦]، قال: في تفسيره بناء على مذهبه: "تلك كتابة معلوم لا كتابة مقدر". ولما قال: حق عليهم كلمة الله، عُلم ان هناك قولًا قيل في حقهم وحكم عليهم: أنهم من أهل الخذلان، فإذن لابد أن لا يؤمنوا، ونحوه قوله تعالى: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [يس: ٧]، ومنه سُمي المسيح بـ"كلمة الله"، لأنه ﵇ وُجد بكلمة "كُنْ" وكلا المعنيين متقاربان. وأما المعنى الثالث: فمأخوذ من قوله تعالى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) [الزمر: ١٩]. والله أعلم. قوله: (كيف قيل لهم: (هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ)؟): توجيه السؤال: أن قوله: (هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ) الآية، كيف ينتهص حجة عليهم، وأنهم منكرون للإعادة، لأن لهم أن
[ ٧ / ٤٨٢ ]
وهم غير معترفين بالإعادة؟ قلت: قد وضعت إعادة الخلق - لظهور برهانها - موضع ما إن دفعه دافع كان مكابرًا، رادّا للظاهر البين الذي لا مدخل للشبهة فيه، دلالة على أنهم في إنكارهم لها منكرون أمرًا مسلمًا معترفًا بصحته عند العقلاء، وقال لنبيه ﷺ (قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)، فأمره بأن ينوب عنهم في الجواب، يعنى: أنه لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق، فكلم عنهم.
يقال: هداه للحق وإلى الحق، فجمع بين اللغتين: ويقال: هدى بنفسه؛ بمعنى: اهتدى، كما يقال: شرى بمعنى: اشترى. ومنه قوله: (أَمَّنْ لا يَهِدِّي). وقرئ: (لا يهدّى)
_________________
(١) ـ يقولوا: ما ثبت عندنا أن الإعادة كائنة، فكيف نُقر بإلهية من ادعيت إلهيته بهذه الدعوى؟ ! نعم، لو أتى بالاستدلال بالخالقية والرازقية دون الإماتة والإحياء- كما في قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء) [الروم: ٤٠]، لاستقام لإثبات الدعوى. وأجاب: أن في وضع هذه الآية مكان تلك الآية نظرًا دقيقًا، وهو الإشارة إلى أن الإعادة أمر مكشوف ظاهر، بلغ في الظهور والجلاء بحيث يصح أن تثبت به دعوى أخرى، ففيه صنعة الإدماج، كقول ابن نباتة: فلابد لي من جهلة في وصاله … فمن لي بخل أودع الحلم عنده ضمن الغزل الفخر بكونه حليمًا، والفخر شكاية الإخوان. ثم الدليل على ظهور الدليل: أمره تعالى لنبيه ﷺ بقوله: (قُلْ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) [يونس: ٣٤]: أمره بأن يُجيب عنه كما يجاب عن الأمر المسلم ثبوته، كقوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ) [الأنعام: ١٩]، لكن الذي يمنعهم المكابرة واللجاج. قوله: (وقرئ: (لا يَهْدِي»: ابن كثر وورش وابن عامر: "أمن لا يهدي"، بفتح الياء
[ ٧ / ٤٨٣ ]
بفتح الهاء وكسرها مع تشديد الدال، والأصل: يهتدي، فأدغم، وفتحت الهاء بحركة التاء، أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لإتباع ما بعدها، وقرئ: "إلا أن يهدى"؛ من هداه، وهدّاه: للمبالغة، ومنه قولهم: تهدى، ومعناه: أن الله وحده هو الذي يهدى للحق، بما ركب في المكلفين من العقول، وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم، وبما لطف بهم، ووفقهم، وألهمهم، وأخطر ببالهم، ووقفهم على الشرائع، فهل من شركائكم الذين جعلتم أندادا لله أحد من أشرفهم، كالملائكة والمسيح وعزير، يهدى إلى الحق مثل هداية الله.
_________________
(١) ـ والهاء وتشديد الدال، وقالون وأبو عمرو كذلك إلا أنهما يخفيان حركة الهاء، وأبو بكر: يكسر الياء والهاء، وحفص: بفتح الياء وكسر الهاء، حمزة والكسائي: بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال. قوله: (بما ركب في المكلفين من العقول، وأعطاهم من التمكين): قيل: هذا بناء على مذهبه، لأن عند أهل السنة: أنه هو الهادي؛ بأن يخلق فيهم الهداية.
[ ٧ / ٤٨٤ ]
ثم قال: (أفمن يهدى إلى الحق) هذه الهداية (أحق) بالإتباع، أم الذي (لا يهدى) أي: لا يهتدي بنفسه، أو لا يهدى غيره، (إلا أن) يهديه الله. وقيل: معناه أمن لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه، (إِلَّا أَنْ يُهْدى) إلا أن ينقل، أو لا يهتدي ولا يصح منه الاهتداء إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيوانًا مكلفًا، فيهديه.
(فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) بالباطل، حيث تزعمون أنهم أندادا لله.
[(وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ) ٣٦].
(وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ) في إقرارهم بالله، (إِلَّا ظَنًّا) لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم، (إِنَّ الظَّنَّ) في معرفة الله (لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ) وهو العلم (شَيْئًا).
وقيل: وما يتبع أكثرهم في قولهم للأصنام: أنها آلهة، وأنها شفعاء عند الله إلا الظن، والمراد بالأكثر: الجميع، (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ) وعيد على ما يفعلون من إتباع الظن وتقليد الآباء، وقرئ: " تفعلون" بالتاء.
_________________
(١) ـ وقلت: الهداية هاهنا: هي بعثة الرسل، وإنزال الكتب، ومنح العقول، وتوفيق طريق النظر والاستدلال، لا مجرد العقل؛ لأن مجرد العقل يعارضه الوهم والظن، قال القاضي: "يهدي للحق بنصب الحجج وإرسال الرسل والتوفيق للنظر والتدبر". قوله: (أمن لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه)، الجوهري: "الهداء: مصدر قولك: هديت المرأة إلى زوجها، وقد هُديت إليه". قوله: «فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) بالباطل): قال الزجاج: "ما لكم": كلام تام، أي: شيء لكم في عبادة الأوثان، ثم قيل لهم: (كَيْفَ تَحْكُمُونَ)، أي: على أي حال تحكمون، و(كَيْفَ) نصب بـ (تَحْكُمُونَ). قوله: (والمراد بالأكثر: الجميع): يعني: أن جميعهم متابعون الظن في القول بأن الأصنام
[ ٧ / ٤٨٥ ]
[(وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَاتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) ٣٧ - ٤٠].
(وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ) افتراء (مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ) كان (تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)، وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة،
_________________
(١) ـ آلهة وشفعاء. قال صاحب "الفرائد": "يُمكن أن يُقال: لما كان عاقبة بعضهم الإيمان باتباع العلم، ذكر الأكثر". وقلت: هذا مجاز باعتبار ما يؤول، وهو بعيد، بل يمكن أن يُقال: إن في إطلاق "الأكثر" فائدة، وهي ما يُشعر به أن القائلين كانوا متفاوتين في جحد الحق، فمنهم من كان شاكًا فيه، ومنهم من علم ولكن عاند وكابر، وأكثرهم اتبعوا الظن، ويؤيده ما سبق من قوله: "إنه لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق". وأما إطلاق الأكثر على الجميع، فهو كاستعمال القليل للعدم، كما في قول الشاعر: قليل التشكي للمصيبات حافظ … من اليوم أعقاب الأحاديث في غد المرزوقي: "نفي أنواع التشكي كلها عنه، وعلى هذا قوله تعالى: (فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: ٨٨]، وحمل النقيض على النقيض حسن، وطريقته مسلوكة. قوله: «وَلَكِنْ) كان (تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)، وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة): إشارة
[ ٧ / ٤٨٦ ]
لأنه معجز دونها، فهو عيار عليها، وشاهد لصحتها، كقوله: (هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) [فاطر: ٣١]. وقرئ: "ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب"، على: ولكن هو تصديق وتفصيل. ومعنى "وما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى": وما صحّ وما استقام، وكان محالا أن يكون مثله في علو أمره وإعجازه مفترى.
(وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ): وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع، من قوله: (كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٢٤].
فإن قلت: بم اتصل قوله: (لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ)؟ قلت: هو داخل في حيز الاستدراك، كأنه قال: ولكن كان تصديقًا وتفصيلا منتفيًا عنه الريب كائنا من رب العالمين، ويجوز أن يراد: ولكن كان تصديقًا من رب العالمين، وتفصيلا منه،
_________________
(١) إلى المبالغة في انتفاء الافتراء عنه، يعني: كيف يكون كذبًا، وهو مما يثبت به الصدق والحق، غذ لولاه لما هرت لكم حقية الكتب المنزلة من قبل، فما كان كذلك كيف يُقال: إنه مُفترى؟ ! قوله: (فهو عيار عليها)، المغرب: "العيار: المعيار الذي يقاس به غيره ويسوى، وعيار الدراهم والدنانير: ما جُعل فيها من الفضة الخالصة أو الذهب الخالص. قوله: (ولكن كان تصديقًا وتفصيلًا منتفيًا عنه الريب كائنًا من رب العالمين): قال أبو البقاء: "قوله: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى): (هذا) اسم (كان)، و(القرآن) عطف بيان، و(أَنْ يُفْتَرَى) خبر (كان)، أي: ما كان هذا القرآن مفترى، ولكن كان تصديق الذي، أي: مصدق الذي، و"تفصيل الكتاب" مثل (تَصْدِيقَ)، (لا رَيْبَ فِيهِ) يجوز أن يكون حالًا من (الْكِتَابَ)، و(الْكِتَابَ) مفعول في المعنى، ويجوز أن يكون مستأنفا، (مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يجوز أن يكون حالًا أخرى".
[ ٧ / ٤٨٧ ]
لا ريب فيه، فيكون (مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) متعلقًا بـ (تصديق) و"تفصيل"، ويكون (لا رَيْبَ فِيهِ) اعتراضًا، كما تقول: زيد لا شكّ فيه كريم.
(أَمْ يَقُولُونَ افْتَراه) ُ بل أيقولون: اختلقه، على أن الهمزة تقرير لإلزام الحجة عليهم، أو إنكار لقولهم واستبعاد، والمعنيان متقاربان.
(قُلْ) إن كان الأمر كما تزعمون (فَاتُوا) أنتم على وجه الافتراء (بِسُورَةٍ مِثْلِهِ)، فأنتم مثلي في العربية والفصاحة، ومعنى (بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) أي: شبيهة به في البلاغة وحسن النظم. وقرئ: "بسورة مثله"، على الإضافة، أي: بسورة كتاب مثله، وَادْعُوا من دون الله مَنِ اسْتَطَعْتُمْ من خلقه للاستعانة به على الإتيان بمثله،
_________________
(١) ـ قوله: (بل أيقولون: اختلقه): إشارة إلى أن (أمْ) هي المنقطعة، والهمزة: إما للتقرير أو الإنكار؛ فإذا كانت للتقرير كان المعنى: أنتم قلتم: إنه اختلقه؛ فأتوا بسورة مثله. وإذا كانت للاستبعاد والإنكار كان المعنى: إنه بعيد أن يقولوا: إنه مختلق، وهم عاجزون عن الإتيان بمثله، فالمعنيان متقاربان في إلزام الحجة عليهم. قوله: (ومعنى (بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) أي: شبيهة به في البلاغة): مضى تحقيقه في سورة البقرة. قوله: (وادعوا من دون الله من استطعتم): قدم الجار والمجرور على المفعول به، وفي التلاوة خلافه؛ ليؤذن بأن (مِنْ دُونِ) صلة الفعل لا حال من المفعول، ليفيد العموم المراد من قوله: "لا يقدر على ذلك أد غيره"، فيكون على وزان قوله: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ) الآية [الإسراء: ٨٨]، ولو جُعل حالًا رجع المعنى: أي: وادعوا من استطعتم، والحال أنه غير الله، وهو عن المقصود بمعزل.
[ ٧ / ٤٨٨ ]
يعني: أنّ الله وحده هو القادر على أن الإتيان بمثله، لا يقدر على ذلك أحد غيره، فلا تستعينوه وحده، ثم استعينوا بكل من دونه، (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أنه افتراء.
(بَلْ كَذَّبُوا): بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن، وفاجؤوه في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم،
_________________
(١) قوله: (فلا تستعينوه وحده): الفاء تدل على انه لازم المفهوم، وهو أيضًا يقوى المقصود، إذ لو جُعل حالًا لم يفد هذا المعنى. قوله: (بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن، وفاجؤوه): هذا المعنى مستفاد من تقييد الفعل بقوله: (وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ). قوله: (ويعلموا كنه أمره): هذه المبالغة يعطيه معنى قوله: (مَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ)، لأن الظاهر: ما لم يحيطوا به علمًا، فعدل إليه ليكون أبلغ، وفي الكلام ترق من الأهون إلى الأغلظ، وذلك أنه تعالى لما نعى على المعاندين بقوله: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا)، ثم أتبعه بقوله: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى)، نبه على أن من جملة متابعتهم الظن زعمهم في هذا الحق الواضح الصادق في نفسه المصدق لغيره: أنه مفترى وليس من عند الله، ثم أضرب عن الزعم بقوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) يعني: دع الكلام في الزعم والظن، بل صرحوا بالقول بالافتراء، ثم أضرب عن هذا بقوله: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ)، يعني: دع نسبتهم الافتراء إليهن بل إنهم كذبوه بديهًا مطلقًا، ولم يلتفتوا إلى وضوحه في نفسه، ولا أنهم نظروا في الدليل الدال على صحته، وهو أن يُجربوا قواهم ويحرزوا أنفسهم، هل يقدرون على أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، واستمروا على التقليد، وأصروا على التكذيب.
[ ٧ / ٤٨٩ ]
كالناشئ على التقليد من الحشوية، إذا أحسّ بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه، وإن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحة وبيان الاستقامة، أنكرها في أوّل وهلة، واشمأز منها، قبل أن يحس إدراكها بحاسة سمعه، من غير أن يفكر في صحة أو فساد، لأنه لم يشعر قلبه إلا صحة مذهبه وفساد ما عداه من المذاهب.
فإن قلت: ما معنى التوقع في قوله: (وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ)؟ قلت: معناه: أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل؛ تقليدًا للآباء، وكذبوه بعد التدبر، تمردًا وعنادًا، فذمّهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به، وجاء بكلمة التوقع؛ ليؤذن أنهم علموا بعد علو شأنه وإعجازه لما كرّر عليهم التحدّي، ورازوا قواهم في المعارضة، واستيقنوا عجزهم عن مثله، فكذبوا به بغيًا وحسدًا.
_________________
(١) قوله: (في أول وهلة)، النهاية: "لقيته وهلة، أي: أول شيء، والوهلة: المرة من الفزع، أي: لقيته أول فزعة فزعتها بلقاء إنسان". قوله: (أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر): يعني: تكذيبهم القرآن كان مستمرًا قبل التدبر، وانتهى الاستمرار بعد التدبر مع تغير الجهل إلى العلم، والكفر إلى العناد، قال في "المفصل": "إن "لم يَفعَل" نفيُ "فَعَل"، و"لما يفعل" نفيُ "قد فعل"، وهي "لم" ضُمت إليها "ما"، فازدادت في معناها أن تضمنت معنى التوقع والانتظار، واستطال زمان فعلها". فعلى هذا: عُلم أن تكذيبهم استطال زمانه، لن لم يعلم أنهم بعدما جاءهم تأويله عاندوا أم أنصفوا؟ لكن مقام النعي عليهم دل على معنى العناد، ويؤيده ما ذكرنا من معنى الترقي آنفًا، وقوله بعده: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).
[ ٧ / ٤٩٠ ]
(كَذلِكَ) أي: مثل ذلك التكذيب (كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يعنى: قبل النظر في معجزات الأنبياء وقبل تدبرها، من غير إنصاف من أنفسهم، ولكن قلدوا الآباء وعاندوا. وقيل: هو في الذين كذبوا وهم شاكون.
ويجوز أن يكون معنى (وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ): ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب، أي: عاقبته، حتى يتبين لهم أهو كذب أم صدق؟
_________________
(١) ـ قوله: (ولكن قلدوا الآباء): مستدرك معنوي، فإن معنى قوله: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): يعني: قبل النظر من غير إنصاف أنهم ما أنصفوا في التكذيب بديهًا، لكن قلدوا الآباء وعاندوا، نحوه قول الشاعر: إذا قيل: هذا منهل، قلت: قد أرى … ولن نفس الحر تحتمل الظما قوله: (وقيل: هو في الذين كذبوا وهم شاكون): عطف على معنى قوله: "بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن"، وذلك أن الذي لم يحط بالشيء علمًا: إما أن لا يُدرك منه شيئًا قط، أو يدركه لكن بحيث لا يسمى علمًا، بل شكا. قوله: (ويجوز أن يكون معنى (وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ): عطف على قوله: قبل أن يفقهوه، ويعلموا كنه أمره، ويقفوا على تأويله ومعانيه"، وذلك أن "التأويل": تفسير مايؤول إليه
[ ٧ / ٤٩١ ]
يعني: أنه كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه، ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب، فتسرّعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حدّ الإعجاز، وقبل أن يخبروا أخباره بالغيوب وصدقه وكذبه.
(وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ): يصدق به في نفسه، ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند بالتكذيب، ومنهم من يشكّ فيه لا يصدق به، أو يكون للاستقبال، أي: ومنهم من سيؤمن به، ومنهم من سيصرّ، (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) بالمعاندين، أو المصرين.
[(وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) ٤١].
(وَإِنْ كَذَّبُوكَ): وإن تموا على تكذيبك ويئست من إجابتهم، فتبرأ منهم وخلهم، فقد أعذرت، كقوله تعالى: (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ) [الشعراء: ٢١٦]، وقيل: هي منسوخة بآية السيف.
_________________
(١) الشيء، وما يؤول إليه أمر القرآن: إما من جهة الغموض والخفاء وكونه معجزًا، وإما من جهة عاقبة ما أخبر فيه من المغيبات، وإلى ذلك أشار بقوله: "إنه كتاب معجز من جهتين" إلى آخره، وفرع بقوله: "فيسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقبل أن يخبروا إخباره بالمغيبات". قوله: (أو يكون للاستقبال): عطف على قوله: "يصدق به في نفسه"، فالإيمان على الأول: بمعنى التصديق القلبي، وإليه أشار بقوله: "في نفسه"ن والصيغة للحال، وعلى الثاني: بمعنى الإيمان المتعارف، والصيغة للاستقبال المتعارف. قوله: (وإن تموا على تكذيبك): إشارة على أنه لم يرد به معنى المضي، بل الدوام والثبات على التكذيب، وتكذيب غب تكذيب، يدل عليه الجزاء، وهو قوله: (فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ
[ ٧ / ٤٩٢ ]
[(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ) ٤٢ - ٤٣].
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) معناه: ومنهم ناس يستمعون إليك إذا قرأت القرآن، وعلمت الشرائع، ولكنهم لا يعون ولا يقبلون، وناس ينظرون إليك، ويعاينون أدلة الصدق، وأعلام النبوّة، ولكنهم لا يصدقون.
ثم قال: أتطمع أنك تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، لأنّ الأصم العاقل ربما تفرّس واستدل إذا وقع في صماخه دوي الصوت،
_________________
(١) ـ عَمَلُكُمْ)، فإنه أمر بالتخلية المتاركة، ولا يكون ذلك إلا بعدما بُولغ في الإبلاغ، وأيس من الإجابة، ولهذا قال: "فقد أعذرت"، مثله قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا) [القمر: ٩]، أي: كذبوه تكذيبًا على غب تكذيب. قوله: (ثم قال: أتطمع أنك تقدر على إسماع الصم): يريد: أن قوله: (أَفَأَنْتَ) معطوف بحرف التعقيب على الجملة السابقة، المعنى: ومنهم من يستمعون إليك ولكن لا يصدقونك، فأنت تبذل جهدك في إسماعهم وتصديقهم، ثم أدخلت الهمزة بين المعطوف والمعطوف عليه لمزيد الإنكار. قوله: (لأن الأصم العاقل ربما تفرس): إشارة على أن قوله: (وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ) تتميم لقوله: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ)، كما في قولك: أتكرم زيدًا ولو أهانك. فـ"لو" بمعنى "إن"، فقوله: "لأن الأصم" تعليل لإرداف التتميم. قوله: (دوي الصوت): الإضافة من باب: جرد قطيفه. الجوهري: "دوي الريح: حفيفها".
[ ٧ / ٤٩٣ ]
فإذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعًا، فقد تمّ الأمر، أو تحسب أنك تقدر على هداية العمى، ولو انضم إلى العمى -وهو فقد البصر- فقد البصيرة، لأنّ الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يحدس ويتظنن، وأما العمى مع الحمق فجهد البلاء، يعنى: أنهم في اليأس من أن يقبلوا ويصدقوا، كالصمّ والعمى الذين لا عقول لهم ولا بصائر.
وقوله: (أَفَأَنْتَ … أَفَأَنْتَ) دلالة على أنه لا يقدر على إسماعهم وهدايتهم إلا الله ﷿ بالقسر والإلجاء، كما لا يقدر على ردّ الأصم والأعمى المسلوبى العقل: حديدي السمع والبصر راجحى العقل، إلا هو وحده.
[(إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ٤٤].
_________________
(١) ـ قوله: (فجهد البلاء): أي: غاية البلاء. قوله: «أفَأَنتَ … أفَأَنتَ): يعني: في تكرير (أفأَنتَ) مع ما فيه من تقديم الفاعل المعنوي، وإيلائه همزة الإنكار: الدلالة على أن نبي الله ﷺ تصور في نفسه من حرصه على إيمان القوم: أنه قادر على الإسماع والهداية، وأنه تعالى يسلب ذلك المعنى منه، ويثبته لنفسه على الاختصاص. قال القاضي: "في الآية تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام فهم المقصود منه، ولذلك لا توصف به البهائم، وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل السليم في تدبره، وعقولهم لما كانت مؤوفة بمعارضة الوهم ومشايعة الإلف والتقليد، تعذر إفهامهم الحكم والمعاني الدقيقة، فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق".
[ ٧ / ٤٩٤ ]
(إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا) أي: لا ينقصهم شيئًا مما يتصل بمصالحهم، من بعثة الرسل وإنزال الكتب، ولكنهم يظلمون أنفسهم بالكفر والتكذيب، ويجوز أن يكون وعيدًا للمكذبين، يعنى: أن ما يلحقهم يوم القيامة من العذاب لا حق بهم على سبيل العدل والاستيجاب، ولا يظلمهم الله به، ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف ما كان سببا فيه.
[(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) ٤٥].
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يكون وعيدًا للمكذبين): وعلى الوجه الأول: لم يكن وعيدًا، بل بيانًا لإزاحة العلة وإلزام الحجة، فعلى التقديرين: الآية تذييل للكلام السابق، إما للتكاليف المذكورة والأقاصيص المعدودة من أول السورة، يعني: أن الله تعالى لا ينقص شيئًا مما يحتاج رسول الله ﷺ. و"الظلمُ" على الأول: مُضمنٌ معنى النقصان، فعداه على مفعولين، وعلى الثاني: بمعناه. و(شَيْئًا) منصوب بنزع الخافض، ولهذا قدر: "ولا يظلمهم الله به". الانتصاف: "الوجه الأول مبني على مسألة رعاية الأصلح، والثاني صحيح". وقال القاضي: "في الآية دليل على أن للعبد كسبًا، وأنه ليس مسلوب الاختيار بالكلية، كما زعمت المجبرة".
[ ٧ / ٤٩٥ ]
(إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ) يستقربون وقت لبثهم في الدنيا، وقيل: في القبور، لهول ما يرون، (يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ): يعرف بعضهم بعضًا، كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلا، وذلك عند خروجهم من القبور، ثم ينقطع التعارف بينهم لشدّة الأمر عليهم.
فإن قلت: (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) و(يَتَعارَفُونَ كيف موقعهما؟ قلت: أما الأولى: فحال من «هم» أي: يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة، وأما الثانية: فإما أن تتعلق بالظرف، وإما أن تكون مبينة، لقوله: (كأن لم يلبثوا إلا ساعة)، لأنّ التعارف لا يبقى مع طول العهد، وينقلب تناكرا.
_________________
(١) ـ قوله: (يستقربون وقت لبثهم): أي: يعدونه قريبًا، نحو: استعجب الشيء: عده عجيبًا. قوله: (مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة): قال أبو البقاء: " (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ) حال، والعامل فيها (يَحْشُرُهُمْ)، و(كان) مخففة من الثقيلة، اسمها محذوف، أي: كأنهم و(مِنْ النَّهَارِ) نعت لـ (سَاعَةً)، (يَتَعَارَفُونَ) حال أخرى مقدرة، والعامل (يَحْشُرُهُمْ)؛ لأن التعارف لا يكون حال الحشر، والعامل في (يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ): اذكر". وأما المصنف فجعله متعلقًا بالظرف عاملًا فيه، المعنى: يتعارفون يوم يحشرهم، أو عينًا له حيث جعله بيانًا للحال، على نحو: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [الزخرف: ٣]، وهذا يوافق قول أبي البقاء: " (يَتَعَارَفُونَ) حال أخرى". قوله: (لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد): تعليل لكون الجملة الثانية مبينة للأولى، يعني: في قوله: (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً) معنى (يَتَعَارَفُونَ)، وذلك أن قرب العهد بين الخلان مما لا يبلى جديدهم، وقد قيل: طول العهد منس، فكان فيها مظنة التعارف، فتبين بقوله: (يَتَعَارَفُونَ) هذا المعنى المبهم فيه، فعلى هذا: الحال غير مقدرة، والمراد باللبث: اللبث في
[ ٧ / ٤٩٦ ]
(قَدْ خَسِرَ) على إرادة القول، أي: يتعارفون بينهم قائلين ذلك، أو هي شهادة من الله تعالى على خسرانهم. والمعنى أنهم وضعوا في تجارتهم وبيعهم الإيمان بالكفر، (وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) للتجارة عارفين بها، وهو استئناف فيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أخسرهم.
[(وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ) ٤٦].
(فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ) جواب (نتوفينك)، وجواب (نرينك) محذوف، كأنه قيل: وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن نريكه فنحن نريكه في الآخرة.
فإن قلت: الله شهيد على ما يفعلون في الدارين، فما معنى (ثم)؟
_________________
(١) ـ القبور، ذلك أن قلة اللبث في القبور غير مانعة من التعارف الكائن في الدنيا، بخلافه إذا قُدر اللبث في الدنيا، وطوله في القبور، فإنه سبب للتناكر لا التعارف. قوله: (أي: يتعارفون قائلين ذلك): فعلى هذا يكون (قَدْ خَسِرَ) حالًا من فاعل (يَتَعَارَفُونَ)، و(الَّذِينَ كَذَّبُوا) مظهر وضع موضع المضمر. وعلى أن يكون شهادة من الله تعالى تكون الجملة تذييلًا للكلام السابق، وفي (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ) تعميم، وقوله: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) تتميم ومبالغة، ولهذا قال: "ما أخسرهم". قوله: (أنهم وُضعوا في تجارتهم)، الجوهري: "وُضع الرجل في تجارته وأوضع- على ما لم يسم فاعله فيهما- أي: خسر". قوله: (فذاك): أي: فذاك حق وصواب، أو ثابت وواقع في الدنيا، بدليل قوله: "فنحن نريكه في الآخرة". قوله: (الله شهيد على ما يفعلون في الدارين، فما معنى (ثُمَّ)؟): يعني: أن شهادة الله على
[ ٧ / ٤٩٧ ]
قلت: ذكرت الشهادة، والمراد مقتضاها ونتيجتها، وهو العقاب، كأنه قال: ثم الله معاقب على ما يفعلون. وقرأ ابن أبى عبلة: "ثم"، بالفتح، أي: هنالك، ويجوز أن يراد: أنّ الله مؤدّ شهادته على أفعالهم يوم القيامة، حين ينطق جلودهم وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم شاهدة عليهم.
[(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) ٤٧].
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ) يبعث إليهم لينبههم على التوحيد، ويدعوهم إلى دين الحق، (فَإِذا جاءَ) هم (رَسُولُهُمْ) بالبينات فكذبوه، ولم يتبعوه، (قُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي: بين النبي ومكذبيه، (بِالْقِسْطِ): بالعدل، فأنجى الرسول وعذب المكذبون، كقوله: (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]، أو لكل أمّة من الأمم يوم القيامة رسول تنسب إليه وتدعى به، فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان، كقوله تعالى: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ) [الزمر: ٦٩].
_________________
(١) ـ الخلق كونه رقيبًا عليهم وحافظًا، وهذا المعنى لا يبرح في الدارين، وإيراد (ثُمَّ) يدل على حدوثه. وأجاب: أن المراد بالشهادة لازمها، لأن اطلاع الله على أفعالهم القبيحة مستلزم للعقاب، و(ثُمَّ) للتراخي في الرتبة، أو المراد بها إظهار الشهادة يوم القيامة بإنطاق الجوارح، و(ثُمَّ) على ظاهرها. قوله: (ويجوز أن يُراد): جواب آخر عن السؤال، و"الشهيدُ" على حقيقته، و(ثُمَّ) للتراخي في الزمان أيضًا. قوله: ٠ (قْضِي بَيْنَهُمْ»: ويُروى بالواو، فعلى هذا لابد من تقدير جواب "إذا".
[ ٧ / ٤٩٨ ]
[(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَاخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) ٤٨ - ٤٩].
(مَتى هذَا الْوَعْدُ) استعجال لما وعدوا من العذاب استبعادا له، (لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا) من مرض أو فقر (وَلا نَفْعًا) من صحة أو غنى، (إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) استثناء منقطع، أي: ولكن ما شاء الله من ذلك كائن، فكيف أملك لكم الضرر وجلب العذاب؟ !
(لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) يعنى: أن عذابكم له أجل مضروب عند الله وحدّ محدود من الزمان (إِذا جاءَ) ذلك الوقت أنجز وعدكم لا محالة، فلا تستعجلوا.
وقرأ ابن سيرين: "فإذا جاء آجالهم".
[(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) ٥٠ - ٥٢].
_________________
(١) ـ قوله: (أجل مضروب عند الله، وحد محدود من الزمان): يعني: قوله: (فَلا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) عبارة عن حد معين وزمان لا يتجاوز عنه الشخص ولا يتعداه، وقريب منه قول الحماسي: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي … متأخر عنه ولا متقدم قال المرزوقي: "يقول: حبسني الهوى في الموضع الذي تستقرين فيه، فألزمه ولا أفارقه، وأنا معك مقيمة وظاعنة، لا أعدل عنك ولا أميل إلى سواك". وقال الجوهري: "أخرته فتأخرن واستأخر؛ مثل: تأخر".
[ ٧ / ٤٩٩ ]
(بَياتًا) نصب على الظرف، بمعنى: وقت بيات، فإن قلت: هلا قيل: ليلا أو نهارًا؟ قلت:
لأنه أريد: إن أتاكم عذابه وقت بيات، فبيتكم وأنتم ساهون نائمون لا تشعرون، كما يبيت العدو المباغت، والبيات: بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى التسليم. وكذلك قوله: (نَهارًا) معناه: في وقت أنتم فيه مشتغلون بطلب المعاش والكسب، ونحوه: (بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ) [الأعراف: ٩٧]، (ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأعراف: ٩٨].
الضمير في (مِنْهُ) للعذاب، والمعنى: أن العذاب كله مكروه مرّ المذاق موجب للنفار، فأي شيء يستعجلون منه؟ وليس شيء منه يوجب الاستعجال!
ويجوز أن يكون معناه التعجب، كأنه قيل: أي: شيء هول شديد يستعجلون منه؟
_________________
(١) ـ والجواب وارد على الأسلوب الحكيم، لأنهم ما أرادوا بالسؤال إلا استبعاد أن الموعود من الله تعالى، وأنه صلوات الله عليه هو الذي يدعي أن ذلك منه، فطلبوا منه تعيين الوقت تهكمًا وسخرية، فقيل في الجواب: هذا التهكم إنما يتم إذا ادعيت بأني أنا الجالب لذلك الموعود، وإذا كنت مقرًا بأني مثلكم في أن لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا، كيف أدعي ما ليس لي بحق؟ ثم شرع في الجواب الصحيح، ولم يلتفت إلى تهكمكم واستبعادهم، فقال: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ) الآية. قوله: (لأنه أريد: إن أتاكم عذابه وقت بيات): يعني: عدل عن ظاهر المقابلة، ولم يقل: ليلًا أو نهارًا، ليُعلم أن القصد منهما إلى الوقتين المختصين بالترفه والاشتغال بأمور المعاش، إذ لو قيل: ليلًا أو نهارًا، لم يكن كذلك، فهو مثل قوله تعالى: (بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ) [الأعراف: ٩٧]، (ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأعراف: ٩٨]، وهو من باب التتميم. قوله: (كأنه قيل: أي شيء هولٍ شديد): اعلم أن (ماذا) فيه وجهان: أن يكونا اسمين؛ بمعنى: ما الذي، وأن يكون اسمًا واحدًا؛ بمعنى: أي شيء، والمراد هنا هذا الثاني. قال أبو البقاء: "في (ماذا) مذهبان: أحدهما: "ما" استفهام، و"ذا" بمعنى "الذي"، وما بعده صلته، فتكون "ما" مبتدأ، والصلة والموصول خبر. والثاني: أن تجعل "ماذا" بمنزلة اسم واحد
[ ٧ / ٥٠٠ ]
ويجب أن تكون "من" للبيان في هذا الوجه. وقيل: الضمير في (مِنْهُ) لله تعالى.
فإن قلت: بم تعلق الاستفهام؟ وأين جواب الشرط؟ قلت: تعلق بـ (أرأيتم)، لأنّ المعنى: أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون، وجواب الشرط محذوف، وهو: تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ فيه.
_________________
(١) ـ للاستفهام". وهاهنا: " (ماذا) اسم واحد مبتدأ، و(يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ) الخبر، وقد ضُعف من حيث إن الخبر جملة، ولا ضمير فيه يعود إلى المبتدأ، وأجيب بأن العائد الهاء في (مِنْهُ)، فهو كقولك: زيد أخذت منه درهمًا". تم كلامه. ثم التنكير في "شيء": إما للشيوع أو للنوع، فإن كان الأول: فالتقدير: أي فرد من أفراد هذا الجنس يستعجلون، و"من" في (مِنهُ) للتبعيض، وإليه الإشارة بقوله: "إن العذاب كله مر المذاق، فأي شيء يستعجلون منه؟ "، وإن كان الثاني: فـ"مِن" تجريدية، فيُنتزع من العذاب شيء يُقال في حقه: أي شيء هول شديد يستعجلون؟ فـ"الشيءُ" هو نفس العذاب، كما تقول: رأيت أسدًا منك، ولهذا قال: "يجب أن تكون "مِن" للبيان في هذا الوجه". قوله: (وقيل: الضمير في (مِنْهُ) لله تعالى) قال الزجاج: "المعنى: أي شيء يستعجل المجرمون من الله ﷿؟ والأجود أن يكون للعذاب؛ لقوله: (أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) ". وقلت: اتصاله بما قبله لايخرجه من ذكر العذاب، بل هذا أبلغ، لأن المراد: أي شيء يستعجل المجرمون من الله ﷿؟ أي: هل تعرفون ما العذاب الذي المعذب به هو الله تعالى؟ ففيه تعجب وتعجيب.
[ ٧ / ٥٠١ ]
فإن قلت: فهلا قيل: ماذا تستعجلون منه؟ قلت: أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال، وهو الإجرام؛ لأنّ من حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه، ويهلك فزعا من مجيئه وإن أبطأ، فضلا أن يستعجله.
ويجوز أن يكون (ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) جوابا للشرط، كقولك: إن أتيتك ماذا تطعمني؟ ثم تتعلق الجملة بـ (أرأيتم)، وأن يكون (أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) جواب الشرط، و(ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) اعتراضًا.
والمعنى: إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان،
_________________
(١) ـ قوله: (أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال): يعني: وضع المُظهر - وهو (الْمُجْرِمُونَ) - موضع الضمير؛ للإشعار بالعلية، وأن من حق المجرم أن يخاف التعذيب. قوله: (ويجوز أن يكون (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) جوابًا للشرط): عطف على قوله: "وجواب الشرط محذوف". اعلم أن جواب الشرط إذا كان محذوفًا: فتقدير الكلام: أخبروني أي نوع من العذاب تستعجلونه، أو أي شيء عظيم تستعجلون منه، ثم قيل تقريرًا للإنكار إن أتاكم أمارات ما تستعجلونه، ورأيتم هولها وشدتها، تعرفوا الخطأ فيه. ففي الكلام التفات، ووضع للظاهر موضع المضمر، ثم عطف قوله: (َثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِه) على الجزاء المحذوف، لبُعد ما بين المرتبتين، وأدخل همزة الإنكار بين المعطوف والمعطوف عليه.
[ ٧ / ٥٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وإن كان الجواب: (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ): فالتقدير: أخبروني إن أتاكم عذاب الله، فأي نوع من العذاب تستعجلونه فتذوقونه. ونظيره قولك: إن أتيتك ماذا تطعمني، أي: أي شيء من المطعومات الشهية والمأكولات اللذيذة تُطعمني. وهذا لا يقال إلا فيما كان الإطعام مما لا مثل فيه، فيستفهم عن نوع ما يطعمه. وإن كان الجواب مايدل عليه قوله: (َثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِه): فالتقدير: "إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم" فدل هذا على أن الجواب (آمَنْتُمْ)، وهو مضمر على شريطة التفسير، وأن قوله: «َثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِه) عطف عليه، لأن قوله: "بعد وقوعه حين لا ينفعكم" وُضع موضع "ثُمَّ" ومدخولها، فكأنه قيل: إن أتاكم عذابه آمنتم به، ثم آمنتم به حين لاينفعكم الإيمان. ثم أدخلت همزة الاستفهام بين المعطوف والمعطوف عليه لمزيد الإنكار، يدل عليه قوله: "دخول حرف الاستفهام على "ثُمَّ" كدخوله على الواو والفاء، في قوله: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى) [الأعراف: ٩٧]، (أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى) [الأعراف: ٩٨] "، وذكر هناك: "انهما معطوفان على قوله: (فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً) [الأعراف: ٩٥]، وأن الفاء والواو حرفًا عطف دخلت عليهما همزة الإنكار"، وقد سبق غير مرة بيان هذا الأسلوب، فلا يُقدر المعطوف عليه بعد الهمزة، كما يقال: إن أتاكم عذابه، فقال لكم: أكفرتم قبل إتيان العذاب، ثم إذا ما وقع آمنتم به، كما قيل، فإنه عن مقصود المصنف بمعزل. وهذا المقام من عويصات هذا الكتاب، قلما يخوض فيه إلا المرتاض في علمي المعاني والبيان.
[ ٧ / ٥٠٣ ]
ودخول حرف الاستفهام على "ثم"، كدخوله على الواو والفاء في قوله: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) [الأعراف: ٩٧]، (أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) [الأعراف: ٩٨].
(آلْآنَ) على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب: آلآن آمنتم به (وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ)، يعنى: وقد كنتم به تكذبون، لأنّ استعجالهم كان على جهة التكذيب والإنكار. وقرئ: "آلان"، بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام.
(ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) عطف على "قيل" المضمر قبل (آلآن).
_________________
(١) ـ قوله: (يعني: وقد كنتم به تكذبون): يريد: أن قوله: (آمَنْتُمْ بِهِ أَالآنَ)، يقتضي أن يُقال بعده: وقد كنتم به تكذبون، لا: تستعجلون، وإنما جاز وضعه في موضعه، لأن المراد الاستعجال السابق، وهو قوله: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)، وكان هذا القول تهكمًا منهم وتكذيبًا واستبعادًا، وفي العدول استحضار لتلك المقالة الشنيعة، فتكون أبلغ من "تُكذبون". قوله: ("آلان" بحذف الهمزة التي بعد اللام): نحوه من الجوهري: "الآن: اسم للوقت الذي أنت فيه، وهو ظرف غير متمكن، وقع معرفة، ولم تدخل عليه الألف واللام للتعريف؛ لأنه ليس له ما يشره"، ونقل الزجاج عن الخليل: "أن الألف واللام إنما تدخل لعهد، و"الآن" لم يُعهده قبل هذا الوقت، فدخلت الألف واللام للإشارة إلى الوقت الحاضر، فلما تضمنت معنى هذا وجب أن تكون موقوفة، ففتحت لالتقاء الساكنين، وهما الألف واللام".
[ ٧ / ٥٠٤ ]
[(وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) ٥٣].
(وَيَسْتَنْبِئُونَكَ): ويستخبرونك فيقولون: (أَحَقٌّ هُوَ)، وهو استفهام على جهة الإنكار والاستهزاء، وقرأ الأعمش: "آلحق هو"، وهو أدخل في الاستهزاء، لتضمنه معنى التعريض بأنه باطل؛ وذلك أنّ اللام للجنس، فكأنه قيل: أهو الحق لا الباطل؟ أو أهو الذي سميتموه الحق؟ والضمير للعذاب الموعود، و(إِي) بمعنى: نعم، في القسم خاصة، كما كان "هل" بمعنى "قد" في الاستفهام خاصة، وسمعتهم يقولون في التصديق: إيوَ، فيصلونه بواو القسم، ولا ينطقون به وحده (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ): بفائتين العذاب، وهو لا حق بكم لا محالة.
_________________
(١) ـ قوله: (وهو أدخل في الاستهزاء): وذلك أن المبتدأ والخبر إذا عُرفا، وكان أحد التعريفين باللام أفاد الانحصار، سواء كان تعريف عهد أو جنس، نحو: زيد المنطَلِق أو المنطلِقُ زيد. ثم إذا أريد تعريف جنس احتمل الانحصار حقيقة؛ نحو الله الخالق، وهو المراد بقوله: "أهو الحق لا الباطل"، وادعاء؛ نحو: حاتم الجواد، وهو المراد بقوله: "هو الذي سميتموه الحق"، وعلى التقديرين: هذا أبلغ في الاستهزاء من مجرد قولهم: (أَحَقٌّ هُوَ)، لأن معناه: ليس بحق، وليس فيه معنى التهكم المفيد للتعريض. قوله: (والضمير للعذاب): إشارة إلى اتصال الآية بقوله: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ)، يعني: لما أجاب الرسول ﷺ بما أجاب ما زادوا على التكذيب والاستبعاد سوى التهكم والإنكار، فدل على تماديهم في الطغيان والجحود. قوله: ("هل") بمعنى "قد" في الاستفهام خاصة): قال في "المفصل": "إن "هل" بمعنى "قد"، إلا أنهم قد تركوا الألف بعدها"، وفي "الإقليد": "هل" ضعيفة في الاستفهام، ألا
[ ٧ / ٥٠٥ ]
[(وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ٥٤ - ٥٦].
(ظَلَمَتْ) صفة لـ (نفس)؛ على: ولو أنّ لكل نفس ظالمة، (ما فِي الْأَرْضِ) أي: ما في الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها وجميع منافعها على كثرتها، (لَافْتَدَتْ بِهِ): لجعلته فدية لها. يقال: فداه فافتدى، ويقال: افتداه أيضًا؛ بمعنى فداه، (وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ) لأنهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحتسبوه ولم يخطر ببالهم، وعاينوا من شدّة الأمر وتفاقمه ما سلبهم قواهم، وبهرهم، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا ولا ما يفعله الجازع، سوى إسرار الندم والحسرة في القلوب، كما ترى المقدّم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخطب، ويغلب حتى لا ينبس بكلمة، ويبقى جامدًا مبهوتًا.
_________________
(١) ـ تراها تجيء بمعنى "قد"، كقوله: "أهل رأونا"، فلو كان للاستفهام للزم الجمع بين حرفيه: الهمزة و"هل"، وهو ممتنع. قوله: (يثخنه ما دهمه)، الأساس: "أثخنه قوله: بلغ منه"، أي: كل مبلغ. قوله: (حتى لا ينبس بكلمة): المرزوقي: "يُقال: كلمته فما نبس، أي: لم يتكلم بحرف، وما سمعت للقوم نبسة".
[ ٧ / ٥٠٦ ]
وقيل: أسرّ رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم حياء منهم وخوفا من توبيخهم. وقيل: أسروها: أخلصوها، إما لأن إخفاءها إخلاصها، وإما من قولهم: سرّ الشيء؛ لخالصه، وفيه تهكم بهم وبأخطائهم وقت إخلاص الندامة. وقيل: أسروا الندامة: أظهروها، من قولهم: أسر الشيء وأشره: إذا أظهره. وليس هنالك تجلد.
_________________
(١) ـ قوله: (لأن إخفاءها إحلاصها): وذلك أن الندامة هي حصول الغم بسبب العثور على سوء الصنيع، فيُقال: ندم فُلان: إذا حصلت له هذه الحقيقة في القلب، وإذا قيل: أخفى الندامة، آذن بشدة تمكنها في القلب وإخلاصها عن شوائب ما ينافيها، ثم إذا خُوطب بها في مقام الانتقام والتوبيخ كان تهكمًا بالمخاطب، أو يقال: أظهر الندامة: إذا أبدى أمارات حصولها في القلب، من انتكاس الرأس، وعض الأنامل، وتغير الكلام. وأخفى الندامة: إذا تجلد وكمنها في القلب حذار الشماتة، فتكون مخلصة بهذا الاعتبار، قال: وتجلدي للشامتين أربهم … أني لريب الدهر لا أتضعضع مثله قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) [الأنبياء: ٣]، قال: "النجوى لا تكون إلا خفية، فقال: (وَأَسَرُّوا) للمبالغة"، كأنه قيل: واسروا السر. قوله: (وقيل: أسروا الندامة: أظهروها): عطف على قوله: (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ)؛ لأن المراد من الأول: إخفاؤها، وكذلك قوله: "وقيل: أسر رؤساؤهم الندامة" عطف عليه باعتبار اختلاف الفاعل في "أسروا". الجوهري: "أسررت الشيء: كتمته وأعلنته أيضًا، وهو من الأضداد". قوله: (وليس هنالك تجلد): أي: أظهروه عجزًا وضعفًا، وفيه كناية.
[ ٧ / ٥٠٧ ]
(وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي: بين الظالمين والمظلومين، دل على ذلك ذكر الظلم.
ثم أتبع ذلك الإعلام بأنّ له الملك كله، وأنه المثيب المعاقب، وما وعده من الثواب والعقاب فهو حق، وهو القادر على الإحياء والإماتة، لا يقدر عليهما غيره، وإلى حسابه وجزائه المرجع، ليعلم أن الأمر كذلك، فيخاف ويرجى، ولا يغتر به المغترون.
[(يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) ٥٧ - ٥٨].
(قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ) أي: قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد؛ من موعظة وتنبيه على التوحيد، (و) َهو (شِفاءٌ) أي: دواء (لِما) فِي صدوركم من العقائد الفاسدة، ودعاء إلى الحق، (وَرَحْمَةٌ) لمن آمن به منكم.
_________________
(١) ـ قوله: (ثم أتبع ذلك): معطوف على محذوف، أي: ذكر الله تعالى ما ذكر، ثم أتبع ذلك، وتلخيصه: أن قوله: (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) الآية، كالتذييل لما سبق من الوعد وتحقيق إنجازه، يجري مجرى التعليل، يعني: تفهموا أني أنا المالك على الإطلاق فيبعد مني أن لا أفي بوعدي، وأنا القادر على الإحياء والإماتة، وأن الرجوع إليَّ، فكيف أخلف وعدي؟ ! قوله: (جامع لهذه الفوائد؛ من موعظة وتنبيه على التوحيد ..، ودُعاءٍ إلى الحق): إلى هنا مناسب لقوله تعالى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) [يونس: ٢٥]، وقوله: (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) مناسب لقوله: (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [يونس: ٢٥]، ولهذا قال: "ورحمة لمن آمن به منكم"، فقوله: "دعاء" يُقرأ بالجر عطفًا على "موعظة"، وكذا "رحمة". وإنما فسر (وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) بقوله: "وتنبيه على التوحيد"؛ لأن المراد بالشفاء بالقرآن، وهو بنفسه لا يرفع العقائد الفاسدة، بل بما فيه من التنبيهات والآيات الدالة على التوحيد والحجج المزيلة للشك والريب، فقوله: "هو شفاء" إشارة على التنبيه على التوحيد.
[ ٧ / ٥٠٨ ]
أصل الكلام: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا فبذلك فليفرحوا، والتكرير للتأكد.
_________________
(١) ـ قال القاضي: "قد جاءكم كتاب جامع للحِكَم العملية الكاشفة عن محاسن الأعمال وقبائحها، والمرغبة في المحاسن، والزاجرة عن القبائح، والحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد، وهدى إلى الحق واليقين، ورحمة للمؤمنين حيث أنزل عليهم، فنجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات الجنان". قوله: (ودعاء إلى الحق): تفسير لقوله: (وَهُدًى)، وهو محمول على أن الهدى: مجرد الدلالة؛ ليكون عامًا في جميع الخلق، يدل عليه قوله: "ورحمة لمن آمن منكم"، لأنه خصها بهم. ويمكن أن يحمل على الدلالة الموصلة إلى البغية، فيختص بالمؤمنين، كقوله تعالى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢]، اختصاص الرحمة بهم لما سبق أن قوله: (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) على وزان (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) في تلك الآية، وتكون الإشارة بقوله: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ) إليهما، أي: إلى الهدى والرحمة؛ وضعًا للمظهرين موضع ضميريهما، لأنه خطاب للمؤمنين، بدلالة قوله: (هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ). قوله: (والتكرير للتأكيد): يعني: إذا جُعلت من باب الحذف على شريطة التفسير كان توكيدًا مع التخصيص للتكرير والتقديم، كقوله تعالى: (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) [العنكبوت: ٥٦]، فالفاء في (فَلْيَفْرَحُوا)، جواب للشرط، كالفاء في (فَاعْبُدُونِ)، فتكون الفاء في (فَبِذَلِكَ) زائدة كما نص عليه المالكي في كتاب "الشواهد"، ومن ثم قدر المصنف في أصل الكلام ثلاث فاءات؛ فالأولى لربط الكلام بما قبله، والثالثة جواب للشرط، فالثانية زائدة.
[ ٧ / ٥٠٩ ]
والتقرير، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه، والفاء داخلة لمعنى الشرط، كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، فإنه لا مفروح به أحق منهما.
ويجوز أن يراد: بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا،
_________________
(١) ـ قوله: (وإيجاب اختصاصهما بالفرح): فإن قلت: كيف قال: "اختصاصهما بالفرح"، والواجب أن يُقال: "إيجاب اختصاص الفرح بهما"، فإن تقديم قوله: (فَبِذَلِكَ) على الفعل يفيد ذلك، كأنه قيل: افرحوا بهما لا بغيرهما؟ والجواب: إذا اختص الفرح بهما فقد اختصا بالفرح مبالغة، ويجوز أن يكون من باب القلب. قوله: (لا مفروح به): "به" متعلق بـ"مفروح"، وخبره "أحق منهما"، وكان من حقه أن يكون منصوبًا، كما ذكره في "المفصل"، لأنه مشابه للمضاف، وهو ما يتعلق به شيء من تمامه معناهن لا على جهة الإضافة، نحو: لا خيرًا من زيد عندنا. قوله: (ويجوز أن يُراد: بفضل الله وبرحمته فليعتنوا): وقرينة الحذف صورة التركيب، وتقديم الجار والمجرور دال على الاعتناء بشأنهما، كقوله تعالى: (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) [العنكبوت: ٥٦]، فإنه في تأويل: فإن لم تخلصوا لي العبادة في أرض فأخصوها في غيرها، دل على تقدير الإخلاص تقديم المفعول المؤذن بالاختصاص، أو دل على تقدير "فليعتنوا" قوله: (فَلْيَفْرَحُوا)، لأن الفرح معنى بشأنه، مثل قولك: زيدًا ضربت غلامه، أي: أهنت زيدًا ضربت غلامه.
[ ٧ / ٥١٠ ]
ويجوز أن يراد: قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته، فبذلك - فبمجيئها - فليفرحوا.
وقرئ: "فليفرحوا" بالتاء، وهو الأصل والقياس، وهي قراءة رسول الله ﷺ فيما روى عنه، و"لتأخذوا مضاجعكم"، قالها في بعض الغزوات. وفي قراءة أبي: "فافرحوا".
_________________
(١) ـ وقال أبو البقاء: "الفاء الأولى مرتبطة بما قبلها، والثانية بفعل محذوف، أي: فليعجبوا بذلك فليفرحوا، كقولهم: زيدًا فاضربه، أي: تعمد زيدًا فاضربه". قوله: (فبذلك- فبمجيئها-فليفرحوا): قال القاضي: "فالباء على هذا متعلقة بفعل دل عليه (قَدْ جَاءَتْكُمْ)، وذلك إشارة إلى مصدرهن والفاء بمعنى الشرط، أنه قيل: إن فرحوا بشيء فبمجيئهما ليفرحوا، أو للربط بما قبلها، والدلالة على أن مجيء الكتاب الجامع بين هذه الصفات موجب للفرح، وتكريرها للتأكيد". هذا الوجه أوفق لملائمة الكلام. قوله: ("فلتفرحوا" بالتاء، وهو الأصل والقياس، وهي قراءة رسول الله ﷺ): وروينا عن أبي داود عن أبي بن كعب: "أن رسول الله ﷺ قرأ: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) - بالتاء الفوقانية-". قال المصنف: كأن النبي ﷺ آثر القراءة بالأصل، لأنه أدل على الأمر بالفرح، وأشد
[ ٧ / ٥١١ ]
(هُوَ) راجع إلى "ذلك"، وقرئ: (مما تجمعون) بالياء والتاء.
_________________
(١) ـ تصريحًا به، إيذانًا بأن الفرح بفضل الله تعالى وبرحمته بليغ التوصية به، ليطابق التكرير والتقرير، وتضمين الكلام معنى الشرط لذلك. ونظيره مما انقلب فيه ما ليس بفصيح فصيحًا: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، من تقديم الظرف اللغوِ ليكون الغرض اختصاص التوحيد. وقال ابن جني: "قراءة (فَلْتَفْرَحُوا) - بالتاء- خرجت على أصلها، وذلك أن أصل الأمر أن يكون بحرفه، وهو اللام، فأصل "اضرب": لتضرب، كما هو للغائب، لكن لما كثر أمر الحاضر حذفوه، كما حذفوا حرف المضارعة تخفيفًا، وإنما القوا في الأكثر الهمزة لئلا يقع الابتداء بالساكن، ولم يحذفوا من أمر الغائب لأنه لم يكثر كثرته، ولهذا لم يؤمر الغائب بنحو: صه، ومهن وحيهل، والذي حسن التاء هاهنا على الأصل أنه أمر للحاضرين بالفرح، لأن النفس تقبل الفرح، فذهب به إلى قوة الخطاب فاعرفه، ولا تقل قياسًا على ذلك: فبذلك فلتحزنوا، لأن الحزن لا تقبله النفس قبول الفرح، إلا أن تريد صغارهم وإرغامهم. وقلت: هذا معنى قول المصنف في الحاشية: "لأنه أدل على الأمر بالفرح". قوله: (وقرئ: (مِمَّا يَجْمَعُونَ) بالياء والتاء): ابن عامر: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء.
[ ٧ / ٥١٢ ]
وعن أبي بن كعب: أنّ رسول الله ﷺ تلا: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ)، فقال: "بكتاب الله والإسلام"، وقيل فضله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.
[(قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ * وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ٥٩ - ٦٠].
(أَرَأَيْتُمْ): أخبروني، و(ما أَنْزَلَ اللَّهُ): (ما) في موضع النصب بـ (أنزل)، أو بـ (أرأيتم)، في معنى: أخبرونيه، (فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا) أي: أنزله الله رزقا حلالا كله،
_________________
(١) قوله: (فضله: الإسلام، ورحمته: ما وعد عليه): فيه اعتزال خفي؛ لأن ما عد على الإسلام، وهو الثواب، فينبغي أن لا يكون فضلًا. قوله: «مَا) في موضع النصب بـ (أنزَلَ»: هذا على أن تكون (مَا) استفهامية، لدلالة الكلام على الإنكار، أي: أي شيء أنزل الله من رزق فبعضتموه، وقلتم: هذا حلال وهذا حرام؟ والمنكر: إنزال ما هو سبب لتجزئتهم الرزق، أي: ليس لأحد أن يُحرم أو يُحل شيئًا من رزق الله تعالى، لأن ذلك مختص بالله ﷿. وعلى أن تكون متعلقة بالاستخبار تكون موصولة، ومن ثم قال: "أخبرونيه". قوله: (أي: أنزله الله رزقًا حلالًا كله): قال القاضي: " (لكُمْ) دل على أن المراد منه ما حل، ولذل وبخ على التبعيض".
[ ٧ / ٥١٣ ]
فبعضتموه وقلتم: هذا حلال وهذا حرام، وكقولهم: (هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ) [الأنعام: ١٣٨]، (ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا) [الأنعام: ١٣٩].
(ءآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) متعلق بـ (أرأيتم)، و(قل): تكرير للتوكيد، والمعنى: أخبروني: الله أذن لكم في التحليل والتحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تتكذبون على الله في نسبة ذلك إليه؟ ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار، و(أم) منقطعة، بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريرا للافتراء.
_________________
(١) ـ قوله: (اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) متعلق بـ (أَرَءَيْتُمْ): أي: مفعوله على تأويل ما يُجاب عنه، ومن ثم قدر: "أخبروني: الله أذن لكم"، ويؤيده ما ذكر في الأنعام في قوله: (قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ) [الأنعام: ٤٠]: "مُتعلق الاستخبار محذوف، تقديره: أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة، من تدعون؟ ". قوله: (ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار، و(أمْ) منقطعة): فالمعنى: أنه تعالى لما استخبر بقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا) على سبيل التقرير، أنكر عليهم أن يكون ذلك مما يأذن الله به، بقوله: (اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ)، ثم أضرب عنه بقوله (أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) تقريرًا للافتراء. وعُلم منه أن الهمزة- على الأول- للاستخبار، و(أمْ) متصلة، قال القاضي "ويجوز أن تكون متصلة بـ «أَرَءَيْتُمْ)، و(قُلْ) مكرر للتأكيد". وقيل: لا يجوز أن تكون (أمْ) متصلة، لأنه يصير المعنى: أي الأمرين واقع؛ الإذن منه أم الافتراء؟ وهو وهم، لأن الاستخبار بقوله: "أخبروني"، وهو عالم بأنه ما أذن الله لهم، وأنهم مفترون؛ للوعيد وطلب الإقرار منهم على الكذب والافتراء وإلزام الحجة.
[ ٧ / ٥١٤ ]
وكفى بهذه الآية زاجرة زجرًا بليغًا عن التجوز فيما يسأل عنه من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد في شيء: جائز أو غير جائز؛ إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت، وإلا فهو مفتر على الله.
(يَوْمَ الْقِيامَةِ) منصوب بالظنّ، وهو ظنّ واقع فيه، يعنى: أي: شيء ظنّ المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم فيه؟ وهو يوم الجزاء بالإحسان والإساءة، وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره. وقرأ عيسى بن عمر: "وما ظنّ"، على لفظ الفعل. ومعناه: وأي ظنّ ظنوا يوم القيامة. وجيء به على لفظ الماضي لأنه كائن فكأن قد كان.
(إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) حيث أنعم عليهم بالعقل، ورحمهم بالوحي، وتعليم الحلال والحرام، (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ) هذه النعمة، ولا يتبعون ما هدوا إليه.
_________________
(١) قوله: (عن التجوز): أي: التساهل والتسامح، وفي الحديث: "كان من خلقه الجواز"، ذكره في "النهاية". قوله: (ما يُصنع بهم): قيل: "ما" موصولة، وهي مفعول به لـ "ظن المفترين"، فحذف للإبهام، وإليه الإشارة بقوله: "أبهم أمره". قوله: (حيث أنعم عليهم بالعقل، ورحمهم بالوحي): وقلت: سياق الكلام في الوحي، لأنه تعالى لما عم الخطاب بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) [يونس: ٥٧]، وفيهم المؤمن والافر، ومن عليهم بإنزال الكتاب الجامع لتلك الصفات، أمر
[ ٧ / ٥١٥ ]
[(وَما تَكُونُ فِي شَأنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ) ٦١].
(وَما تَكُونُ فِي شَانٍ): "ما" نافية، والخطاب لرسول الله ﷺ، والشأن: الأمر، وأصله الهمز بمعنى: القصد، من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.
والضمير في (مِنْهُ) للشأن، لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله ﷺ، بل هو معظم شأنه، أو للتنزيل، كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن، لأنّ كلّ جزء منه قرآن، والإضمار قبل الذكر تفخيم له، أو لله ﷿.
_________________
(١) ـ حبيبه بأن يخاطب كلا من الفريقين بما يناسب حاله، قال في حق المؤمنين: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ) الآية [يونس: ٥٨]، أي: هذا الهدى والرحمة، وقال في حق الكافرين: (قُلْ أَرَءَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ) الآيتين، يعني: لكم هذه الموعظة والدواء لما في الصدور من العقائد الفاسدة وظن الافتراء، بل الامتنان بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ)، حيث أنعم عليهم بهذا الكتاب الجامع لصفات الكمال. ثم وعد حبيبه صلوات الله عليه على تبليغه، وبشارته، ونذارته للفريقين، ومواظبتهن ومواظبة أمته لتلاوته، بما لا يدخل تحت الوصف، حيث قال: (وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ) [يونس: ٦١]، وعلى هذا الضمير في (مِنهُ) للتنزيل، ولايلزم الإضمار قبل الذكر، كما سيجيء في كلامه. قوله: (أو لله ﷿): أي: الضمير في (مِنْهُ) لله تعالى، و"مِن" الأولى: ابتدائية، والثانية: مزيدة، وعلى أن يكون الضمير للشأن: الأولى: تبعيض، والثانية: بيان؛ على تقدير: وما تفعل
[ ٧ / ٥١٦ ]
وما (تَعْمَلُونَ) أنتم جميعًا (مِنْ عَمَلٍ) أيّ عمل كان، (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا): شاهدين رقباء نحصي عليكم، (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) من: أفاض في الأمر: إذا اندفع فيه.
(وَما يَعْزُبُ) قرئ بالضم والكسر: وما يبعد وما يغيب، ومنه: الروض العازب، (وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ) القراءة بالنصب والرفع، والوجه: النصب على نفى الجنس، والرفع على الابتداء،
_________________
(١) ـ من هذه الشؤون التلاوة، وعلى أن يكون الضمير للتنزيل: الأولى: ابتداء، والثانية: بيان أبو البقاء: " (مِن) الثانية: مزيدة، والضمير في (مِنْهُ) للشأن، أي: من أجله". قوله: (القراءة بالنصب والرفع): حمزة: برفع الراء في "أصغر" و"أكبر"، والباقون: بفتحهما. قوله: (والوجه: النصب على نفي الجنس): قيل: فيه نظر؛ لأنه لو كان اسمًا لـ "لا" التي لنفي الجنس لكان الواجب النصب، لأنه مضارع للمضاف، على نحو: لا خيرًا منه قائم، ولم يذكر أحد إلا الفتح، قال الزجاج هاهنا وفي سبأ: "إنه في موضع خفض، إلا أنه فُتح لأنه لا ينصرف". وقال القاضي: " (وَلا أَصْغَرَ) إلى آخره: كلام برأسه مقرر لما قبله،
[ ٧ / ٥١٧ ]
ليكون كلاما برأسه، وفي العطف على محل (مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ)
_________________
(١) (لا) نافية، و(أصغَرَ) اسمها، و(مِن) عطف على لفظ (مِثْقَالُ ذَرَّةٍ)، وجُعل الفتح بدل الكسر لامتناع الصرف". قوله: (وفي العطف على محل (مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ)، يعني: إذا قرئ "أصغر" مرفوعًا عطفًا على محل (مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ) أو على لفظ (مِثْقَالِ ذَرَّةٍ)، فتحًا في موضع الجر، لأن (أَصْغَرَ) و(أَكْبَرْ) لا ينصرفان؛ للزوم الصفة ووزن الفعل، (إشكال) لما يؤدي على التقديرين، إلا أن يُقال: لا يعزُبُ عنه شيء إلا في كتاب، تقريره: هو أن الكتاب المبين: إما اللوح المحفوظ أو علمه، كما فسره في الأنعام، فعلى الأول: لا يعزب عنه شيء قط إلا ما في اللوح، فإنه يعزب عنه، وعلى الثاني: لا يعزب عن ذاته شيء إلا ما في علمه، فإنه يعزب، وهو مشكل. ولك أن تقول: إذا جُعل الاستثناء من باب قوله تعالى: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى) [الدخان: ٥٦] لا يبقى الإشكال، المعنى: لا يبعد عنه شيء قط، لا الصغير ولا الكبير، إلا ما في اللوح أو في علمه، إن عُد ذلك من العزوب فهو العزوب، ومعلوم أنه ليس من العزوب قطعًا، فإذن لا يعزب عنه شيء قط. وفي "الكواشي" معنى "لا يعزب": لا يبين ولا يصدر، أي: لم يصدر عن الله شيء بعد خلقه له إلا وهو في اللوح، أو الاستثناء منقطع، المعنى: لا يعزب عن ربك شيء، لكن جميع الأشياء ثابت في كتاب مبين.
[ ٧ / ٥١٨ ]
أو على لفظ: (مِثْقالِ ذَرَّةٍ) فتحًا في موضع الجرّ لامتناع الصرف: إشكال، لأنّ قولك "لا يعزب عنه شيء إلا في كتاب" مشكل.
فإن قلت: لم قدّمت "الأرض" على "السماء"، بخلاف قوله في سورة سبأ: (عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) (سبأ: ٣)؟ قلت: حق السماء أن تقدم على الأرض، ولكنه لما ذكر شهادته على شئون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ووصل بذلك قوله: "لا يَعْزُبُ عَنْهُ"، لاءم ذلك أن قدّم الأرض على السماء،
_________________
(١) ـ وعن الراغب: "العازب: المتباعد في طلب الكلأ عن أهله، يُقال: رجل عزب، وامرأة عزبة، وعزب عنه حلمه". قوله: (لما ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم) إلى قوله: (لاءم ذلك أن قدم الأرض على السماء) يريد: أن في الآية الترقي من الأهون إلى الأغلظ، وأن الكلام في أعمال العباد، وذلك أن سياق الكلام من ابتداء قوله: (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) [يونس: ٤١] إلى هاهنا، في تقبيح أعمال الكفرة، وتسلية الرسول ﷺ مما بلا من مقاساة القوم وطعنهم في الدين، يدل عليه قوله تعالى بعد هذا: (وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [يونس: ٦٥]، وكان الاهتمام بشمول العلم والإحاطة التامة ليترتب عليه الوعد والوعيد بجزاء الأعمال، أوجب الترقي من الأهون إلى الأغلظ. ألا ترى كيف بدأ الخطاب مع حبيبه بخاصة نفسه، وقال: (وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ)، ثم ثنى بما هو أعم خطابًا ومعلومًا، وقال: (وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ)، ثم رجع إلى
[ ٧ / ٥١٩ ]
على أنّ العطف بالواو حكمه حكم التثنية.
[(أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ٦٢ - ٦٤].
_________________
(١) ـ خطاب نفسه وعم المعلومات بأسرها مسليًا له، ولذلك خص لفظ "الرب"، فكما رُوعي الترقي في ذلك ناسب أن يُراعي في الأرض والسماء، لأن الكلام في الأعمال. ومن ثم لما أجرى الكلام في سبأ لإثبات مُطلق الحمد لله تعالى، أجرى ذكر السماء والأرض على الظاهر، ولما قيد المد في الآخرة في قوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ) [سبأ: ١] قدم الأرض في قوله: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ) [سبأ: ٢] على خلاف الظاهر، لأن الحمد في الآخرة مسبوق بوجود الأعمال الصالحة للحامد، (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [يونس: ١٠]، (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) [فاطر: ٣٤] ن ولما رد على منكر الحشر في قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَاتِينَا السَّاعَةُ) [سبأ: ٣]، بقوله: (ُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَاتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ) [سبأ: ٣] إلى آخر الآيات، عاد إلى الظاهر؛ لأن المراد من إثبات العلم الشامل مجرد التهديد والوعيد. قوله: (حُكمه حكم التثنية): وذلك أن قولك: جاءني زيدٌ وزيد، وقولك: جاءني الزيدان، سواء، كما أن التثنية تُفيد الجمعية، فكذلك العطف.
[ ٧ / ٥٢٠ ]
(أَوْلِياءَ اللَّهِ): الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة. وقد فسر ذلك في قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ) فهو توليهم إياه،
_________________
(١) قوله: (يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة): بيان لوجه نسبة الولايتين في قوله: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ) ولاية الله وولاية العبد؛ لأنه من الأمور النسبية، فاعتبر الولاية من جانب العبد بالطاعة، ومن جانب الله بالكرامة، وجعل القدر المشترك بينهما التولي؛ فرارًا من تفسير الولاية بالمحبة الحقيقية، كما في قوله تعالى: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: ٥٤]. فإذا حُمل الولي على المحب أمن من التكلف الذي ذكره، ويكون قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) صفة واردة على المدح بتقدير: اذكر، أو: هُم، لا الكشف كما قال، يسلم من الفصل بين الصفة الموصوف بالخبر، وليثبت لهم بها ما يناسبها من البشارة في الدارين، كما نُفي عنهم عند ذكر الولاية خوف الأجل وحزن العاجل، كأنه قيل: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم في الآجل، ولا هم يحزنون في العاجل؛ لون الله وليًا لهم، وهم أولياء الله، ولهم البشرى في الدنيا والآخرة؛ لكونهم موصوفين بالإيمان والتقوى. فينطبق على هذا التفسير الحديث النبوي على ما أورده الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن عمرو بن الجموح: أنه سمع النبي ﷺ يقول عن الله: "أوليائي من عبادي، وأحبائي من خلقي: الذين يذكرون بذكري، وأذكر بذكرهم"، فإنه صُرح فيه بذكر المحبة، ولم يُذكر فيه ما ذكره: "يُذكر الله برؤيتهم"؛ ليُحتاج إلى تفسيره بالسمت الهيئة، وأن يُقال: من نظر إلى سيماهم رأى أثر طاعتهم إياي فيذكرني.
[ ٧ / ٥٢١ ]
(لهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ) فهو توليه إياهم. وعن سعيد بن جبير: أنّ رسول الله ﷺ سُئل: "من أولياء الله؟ فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم"، يعنى: السمت والهيئة. وعن ابن عباس ﵁: الإخبات والسكينة.
وقيل: هم المتحابون في الله. وعن عمر ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول "إنّ من عباد الله عبادًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة؛ لمكانهم من الله" قالوا: يا رسول الله، خبرنا من هم، وما أعمالهم؟ فلعلنا نحبهم، قال: "هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم،
_________________
(١) ـ النهاية: "في حديث عمر ﵁: "فينظرون إلى سمته وهديه": أي: حُسن هيئته ومنظره في الدين، وليس من الحسن والجمال، وقيل: هو من السمت: الطريق، يُقال: الزم هذا السمت". قوله: (الإخبات والسكينة)، النهاية: "في الدعاء: "اجعلني لك مخبتًا"، أي: خاشعًا مطيعًا، والإخبات: التواضع والخشوع، وأصله من الخبت: المطمئن من الأرض". قوله: (وعن عمر ﵁: سمعت النبي ﷺ) الحديث: رواه أبو داود مع تغيير يسير. فإن قلت: ظاهر الحديث يوهم فضلهم على من يغبطهم؟ والجواب: أن هذه الحالة قبل دخول الجنة حين يتجلى الله بعظمته على أهل العرصات، يدل عليه: "لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس".
[ ٧ / ٥٢٢ ]
ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس"، ثم قرأ الآية.
(الَّذِينَ آمَنُوا) نصب أو رفع؛ على المدح أو على وصف الأولياء، أو على الابتداء والخبر: (لهم البشرى).
_________________
(١) ـ وما روينا عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله ﷿: المتحابون بجلال الله يكونون يوم القيامة على منابر من نور، يغبطهم أهل الجمع". أخرجه رزين. وعن مسلم ومالك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي"، فإذا الأنباء والشهداء مشتغلون بما يهمهم من أمر الشفاعة والأمة. ولا يبعد أن يكون قد خصهم وحدهم في هذه الحالة بتلك الكرامة، ولا يلزم منه فضلهم على أولئك في غيرها من الكرامات، وفي سائر الحالات والأوقات. النهاية: "الغبط: حسد خاص، يقال: غبطت الرجل أغبطه غبطًا: إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ماله، وأن يدوم عليه ما هو له. والحسد: إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ما له، وأن يزول عنه ما هو فيه". قوله: (نصب أو رفع) فالنصب: إما بتقدير: أعني، أو على الوصف. والرفع: إما بتقدير: هم، أو على الابتداء، والخبر: (لَهُمُ)، ففيه لفٌ ونشر.
[ ٧ / ٥٢٣ ]
والبشرى في الدنيا: ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه، وعن النبىّ ﷺ "هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له"، وعنه ﵊: "ذهبت النبوّة وبقيت المبشرات". وقيل: هي محبة الناس له والذكر الحسن، وعن أبى ذر: قلت: لرسول الله ﷺ: الرجل يعمل العمل لله، ويحبه الناس، فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن"، وعن عطاء: لهم البشرى عند الموت؛ تأتيهم الملائكة بالرحمة، قال الله تعالى: (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ) [فصلت: ٣٠]، وأمّا البشرى في الآخرة: فتلقى الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة، وما يرون من بياض وجوههم، وإعطاء الصحائف بأيمانهم، وما يقرؤون منها، وغير ذلك من البشارات.
(لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ): لا تغيير لأقواله، ولا إخلاف لمواعيده، كقوله:: (ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) [ق: ٢٩]، و(ذلِكَ) إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض.
_________________
(١) ـ قوله: (هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له) الحديث: أخرجه أحمد بن حنبل والترمذي عن أبي الدرداء. قوله: (وكلتا الجملتين اعتراض): أما الأولى: فهو قوله: (لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ)، إذ معناه: لا إخلاف لمواعيده، فيكون مؤكدًا لمعنى الوعد في قوله: (لَهُمْ الْبُشْرَى). وأما الثانية: فهي قوله تعالى: (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، إذ معناه: أن البشارة في الدارين هو الفوز العظيم، فيكون مؤكدًا لهذا المعنى، ولو جُعلت الأولى معترضة، والثانية تذييلًا للمعترض والمعترض فيه ومؤكدة لها: كان أحسن.
[ ٧ / ٥٢٤ ]
[(وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ٦٥].
(وَلا يَحْزُنْكَ) وقرئ: "ولا يحزنك"؛ من: أحزنه، (قَوْلُهُمْ): تكذيبهم لك، وتهديدهم، وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وسائر ما يتكلمون به في شأنك، (إِنَّ الْعِزَّةَ) ِ استئناف بمعنى التعليل، كأنه قيل: مالي لا أحزن؟ فقيل، إنّ العزة لله جميعًا، أي: إن الغلبة والقهر في ملكة الله جميعًا، لا يملك أحد شيئًا منها لا هم ولا غيرهم، فهو يغلبهم وينصرك عليهم، (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: ٢١]. (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا) [غافر: ٥١].
وقرأ أبو حيوة: "أن العزة"، بالفتح بمعنى: لأن العزة؛ على صريح التعليل، ومن جعله بدلا من (قولهم) ثم أنكره، فالمنكر هو تخريجه، لا ما أنكر من القراءة به.
(هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): يسمع ما يقولون، ويعلم ما يدبرون ويعزمون عليه، وهو مكافئهم بذلك.
[(أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) ٦٦].
_________________
(١) ـ قوله: (ومن جعله بدلًا من (قولهم»: قيل: هو قتيبة بن مسلم؛ جعل "أن العزة"- بفتح "أن" - بدلًا من قوله تعالى: (قولهم)، ثم أنكره بأن قال: "هذا يؤدي إلى أن يُقال: فلا يحزنك أن العزة لله جميعًا، وهو فاسد"، فالمنكر تخرجيه حيث جعله بدلًا، ولم يجعله تعليلًا على حذف حرف العلة، كما قررناه، وحين جعله بدلًا لم يجعله من قبيل قوله تعالى: (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ …) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) [القصص: ٨٦ و٨٩]، ومثله في سورة يس، فيكون للتهييج والإلهاب والتعريض بالغير.
[ ٧ / ٥٢٥ ]
(مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ): يعنى العقلاء المميزين، وهم الملائكة والثقلان، وإنما خصهم، ليؤذن أن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكته فهم عبيد كلهم، وهو ﷾، ربهم ولا يصلح أحد منهم للربوبية، ولا أن يكون شريكا له فيها، فما وراءهم مما لا يعقل أحق أن لا يكون له ندًا وشريكا، وليدلّ على أنّ من اتخذ غيره ربا من ملك أو إنسي، فضلا عن صنم أو غير ذلك، فهو مبطل تابع لما أدّى إليه التقليد وترك النظر.
ومعنى: وما يتبعون شركاء، أي: وما يتبعون حقيقة الشركاء وإن كانوا يسمونها شركاء، لأنّ شركة الله في الربوبية محال، (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظن) أنها شركاء، (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ): يحزرون ويقدرون أن تكون شركاء تقديرًا باطلا.
ويجوز أن يكون (وَما يَتَّبِعُ) في معنى الاستفهام، يعنى: وأي شيء يتبعون، (وشُرَكاءَ) نصب علي هذا بـ (يدعون)، وعلى الأوّل بـ (يتبع)، وكان حقه: وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء، فاقتصر على أحدهما للدلالة.
_________________
(١) قوله: (وكان حقه): أي: على التقدير الأول، لأنه لابد لقوله: (يَدْعُونَ) من مفعول، فإذا كان (شُرَكَاءَ) مفعولًا لقوله: (وَمَا يَتَّبِعُ) فيقدر له أيضًا آخر مثله، المعنى على هذا: من في السماوات ومن في الأرض مملو لله ومختص به، لا شركي له فيهما أحد، وهؤلاء ما يتبعون شركاء، وإن سموه شركاء. والمعنى على الثاني: كل من في السماوات ومن في الأرض من الملائكة والثقلين مملوكون له، أي شيء هذا الذي يتبعه هؤلاء الذين يدعونه شركاء من دون الله؟ أي: ما مقداره؟ يعني: ما يتبعونه ليس بشيء.
[ ٧ / ٥٢٦ ]
ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على (من)، كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء، أي: وله شركاؤهم.
وقرأ على بن أبى طالب ﵁: "تدعون"، بالتاء، ووجهه: أن يحمل (وَما يَتَّبِعُ) على الاستفهام، أي: وأي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين، يعنى: أنهم يتبعون الله ويطيعونه، فما لكم لا تفعلون مثل فعلهم؟ كقوله: (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) [الإسراء: ٥٧].
ثم صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة فقال: إن يتبع هؤلاء المشركون إلا الظن، ولا يتبعون ما يتبع الملائكة والنبيون من الحق.
_________________
(١) ـ والمعنى على الموصولة: لله من في السماوات ومن في الأرض، وله شركاؤهم، أي: ملكه ومملوكه وتحت قهره. والمعنى على قراءة علي ﵁: أي شيء الذي يتبعه الملائكة والمسيح وعزير؟ هل تعرفونه؟ وهو الله ﷿، فما لكم لا تتبعونهم وتعبدونه؟ ! فيكون إلزامًا بعد برهان. قوله: (ثم صرف الكلام عن الخطاب): أي: في قراءة علي ﵁: "الذين تدعون"، إلى الغيبة في قوله: "إن يتبع هؤلاء"؛ نعيًا عليهم سوء صنيعهم إلى غيرهم، فيكون "ثم صرف" عطفًا على "أي شيء" من حيث المعنى، أي: قال الله تعالى مخاطبًا: أي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء، ثم صرف الكلام إلى الغيبة، وقوله بعد ذلك: "ثم نبه على عظيم قدرته" عطف على قوله: "إنما خصهم" من حيث المعنى أيضًا، أي: إنما نبه المشركين خطابهم بحرف التنبيه في قوله: (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ)، رخص العقلاء بالذكر لتلك النكتة، ثم بعد ذلك نبههم بقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ) [يونس: ٦٧]؛ ليؤذن بأن من يكون موصوفًا بهذه الصفات يستحق أن لا يُشرك به شيء.
[ ٧ / ٥٢٧ ]
[(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) ٦٧].
ثم نبه على عظيم قدرته ونعمته الشاملة لعباده التي يستحق بها أن يوحدوه بالعبادة، بأنه جعل لهم الليل مظلمًا ليسكنوا فيه مما يقاسون في نهارهم من تعب التردّد في المعاش، والنهار مضيئًا يبصرون فيه مطالب أرزاقهم ومكاسبهم، (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) سماع معتبر مدّكر.
[(قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) ٦٨].
(سُبْحانَهُ) تنزيه له عن اتخاذ الولد، وتعجب من كلمتهم الحمقاء، (هُوَ الْغَنِيُّ) علة لنفى الولد، لأنّ ما يطلب به الولد من يلد، وما يطلبه له: السبب في كله الحاجة، فمن الحاجة منتفية عنه كان الولد عنه منتفيا.
(لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) فهو مستغن بملكه لهم عن اتخاذ أحد منهم ولدا، (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا): ما عندكم من حجة بهذا القول،
_________________
(١) ـ قوله: (يبصرون فيه): إشارة إلى أن الإسناد في قوله: (مُبْصِرًا) مجاز، أي: أسنده إلى النهار مبالغة في إبصارهم الأشياء فيه، كقولك: نهاره صائم. قوله: (لأن ما يطلب به الولد من يلدن وما يطلبه له): يعني: الذي يطلب الوالد باستعانته الولد- وهو الزوجة-، والذي يطلب الوالد لأجله الولد- وهو أن يكون ظهيرًا له في حياته، وخلفًا بعد مماته-: السبب في كل ذلك الحاجة، والله ﷾ هو الغني عن الحاجة. هذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنعام: ١٠١]، وقد أشبعنا القول فيه.
[ ٧ / ٥٢٨ ]
والباء حقها أن تتعلق بقوله: (إِنْ عِنْدَكُمْ) على أن يجعل القول مكانًا للسلطان، كقولك: ما عندكم بأرضكم موز، كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان، (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) لما نفى عنهم البرهان جعلهم غير عالمين، فدلّ على أنّ كل قول لا برهان عليه لقائله؛ فذاك جهل وليس يعلم.
[(قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) ٦٩ - ٧٠].
(يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) بإضافة الولد إليه (مَتاعٌ فِي الدُّنْيا) أي: افتراؤهم هذا منفعة قليلة في الدنيا، وذلك حيث يقيمون رئاستهم في الكفر ومناصبتهم النبي ﷺ بالتظاهر به، ثم يلقون الشقاء المؤبد بعده.
[(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) ٧١ - ٧٣].
_________________
(١) ـ قوله: «إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ»: قيل: قوله: (سُلْطَانٍ) مبتدأ، و(إنْ) نافية، و(مِن) زائدة، و(عِنْدَكُمْ) الخبر، و(بِهَذَا) حال من الضمير في الظرف العائد إلى (سُلْطَانٍ)، كأنه قيل: ما عندكم حجة حاصلة أو واقعة في هذا القول مكانًا ومحلًا للسلطان. وهو متعسف؛ لأنه يلزم الفصل بين العامل المعنوي ومعموله بأجنبي، والأولى أن يُقال: (مِن سُلْطَانٍ) فاعل الظرف، لأنه اعتمد على النفي، و(بِهَذَا) ظرف، والباء بمعنى "في"، أي: ما حصل عندكم في هذا سلطان، قال أبو البقاء: " (إنْ) هاهنا بمعنى "ما" لا غير". قوله: (ومناصبتهم النبي بالتظاهر به): أي: معاداته ﷺ بسبب التعاون بالافتراء.
[ ٧ / ٥٢٩ ]
(كَبُرَ عَلَيْكُمْ): عظم عليكم وشق وثقل، ومنها قوله تعالى: (وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) [البقرة: ٤٥]، ويقال: تعاظمه الأمر، (مَقامِي): مكاني، يعنى نفسه، كما تقول: فعلت كذا لمكان فلان، وفلان ثقيل الظل، ومنه: (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ) [الرحمن: ٤٦]، بمعنى: خاف ربه، أو قيامي ومكثي بين أظهركم مددًا طوالا؛ ألف سنة إلا خمسين عامًا، أو: مقامي وتذكيري، لأنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم، ليكون مكانهم بينًا، وكلامهم مسموعا، كما يحكى عن عيسى صلوات الله عليه: أنه كان يعظ الحواريين قائمًا وهم قعود.
(فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ) من: أجمع الأمر وأزمعه: إذا نواه وعزم عليه، قال:
هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمعُ
_________________
(١) قوله: (وفلان ثقيل الظل): كناية عن بعده عن القلوب، وتنافر النفوس عنه، يعني: إذا كان الظل الذي هو أخف الأشياء على الأرض ثقيلًا منه، فكيف بنفسه وطلله، وكل الأمثلة من باب الكناية الإيمائية. قوله: (أو قيامي ومُكثي): يعني: المراد من قوله: (مَقَامِي): إما المكان أو المصدر، فإن كان الأول فيكون كناية عن النفس كما مر، وإن كان الثاني: فإما أن يكون المراد المكث والسكون مجازًا، فقوله: "ومكثي" عطف تفسيري لـ"قيامي"، وإما أن يراد به حقيقة القيام، فهو المراد من قوله: "لأنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا". قوله: (هل أغدون يومًا وأمري مجمع): أوله: يا ليت شعري والمنى لا تنفع
[ ٧ / ٥٣٠ ]
والواو بمعنى "مع" يعنى: فأجمعوا أمركم مع شركائكم. وقرأ الحسن: "وشركاؤكم" بالرفع، عطفا على الضمير المتصل، وجاز من غير تأكيد بالمنفصل؛ لقيام الفاصل مقامه لطول الكلام، كما تقول: اضرب زيدًا وعمرو.
وقرئ: "فاجمعوا" من الجمع، و"شركاءكم"؛ نصب للعطف على المفعول، أو لأنّ الواو بمعنى "مع"، وفي قراءة أبىّ: "فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم".
فإن قلت: كيف جاز إسناد الإجماع إلى الشركاء؟ قلت: على وجه التهكم، كقوله (قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ) [الأعراف: ١٩٥].
فإن قلت: ما معنى الأمرين؛ أمرهم الذي يجمعونه، وأمرهم الذي لا يكون عليهم غمة؟ قلت: أمّا الأمر الأوّل: فالقصد إلى إهلاكه، يعنى: فأجمعوا ما تريدون من إهلاكي، واحتشدوا فيه وابذلوا وسعكم في كيدي، وإنما قال ذلك إظهارا لقلة مبالاته، وثقته بما وعده ربه من كلاءته وعصمته إياه، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلا.
وأما الثاني ففيه وجهان، أحدهما: أن يراد مصاحبتهم له،
_________________
(١) ـ قوله: ("فاجمعوا"؛ من الجمع): يمكن أن يكون المراد: فاجمعوا ذوي الأمر منكم، أي: رؤساءكم ووجوهكم، كما قال تعالى: (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: ٥٩]، ويجوز أن يكون المراد بالأمر: ما كانوا يجمعونه من كيدهم، كقوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا) [طه: ٦٤]. زعم أبو الحسن: أن وصل الألف في (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) أكثر في كلامهم، وإنما يقطعون الألف إذا قالوا: على كذا وكذا.
[ ٧ / ٥٣١ ]
وما كانوا فيه معه من الحال الشديدة عليهم المكروهة عندهم، يعنى: ثم أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة، وحالكم عليكم غمة، أي، غما وهما، والغم والغمة، كالكرب والكربة. والثاني أن يراد به ما أريد بالأمر الأول، والغمة: السترة؛ من غمه: إذا ستره.
ومنها قوله ﵇: "ولا غمة في فرائض الله" أي: لا تستر، ولكن يجاهر بها، يعنى:
ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورا عليكم، ولكن مكشوفًا مشهورًا تجاهرونني به.
(ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ) ذلك الأمر الذي تريدون بى، أي: أدوا إلىَّ قطعه وتصحيحه، كقوله: (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ) أو: أدّوا إلىّ ما هو حق عليكم عندكم من هلاكي، كما يقضى الرجل غريمه، (وَلا تُنْظِرُونِ): ولا تمهلوني.
_________________
(١) قوله: (والغم والغمة كالكرب والكربة)، الراغب: "الغم: ستر الشيء، ومنه الغمام؛ لكونه سائرًا لضوء الشمس والقمر، والغمي مثله، ومنه: غُم الهلال، ويوم غمُّن وليلة غمة وغُمي، وغمة الأمر، قال الله تعالى: (لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً)، أي: كربة، يُقال: غم وغمة؛ نحو: كرب وكربة، وناصية غماء: تستر الوجه". قوله: (أن يُراد به ما أريد بالأمر الأول): وهو ما تريدون من إهلاكي وبذل الوُسع في كيدي، أي: لا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورًا عليكم، لكن مكشوفًا، فـ (ثُمَّ) على هذا للتراخي في الرتبة، فإن المراد بالأمر الأول: القصد إلى إهلاكه مطلقًا، وبالثاني: ذلك القصد مع قيد كونه مزيلًا للغمة والكرب، ففي الكلام ترق من الأدنى إلى الأغلظ، ومثله قول الحماسي: ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة … يرى غمرات الموت ثم يزورها قوله: (أو: أدوا إليَّ ما هو حق عليكم): يريد: أن قوله: (ثُمَّ اقْضُوا) مضمن معنى
[ ٧ / ٥٣٢ ]
وقرئ: "ثم أفضوا إلىّ"، بالفاء بمعنى: ثم انتهوا إلىّ بشرّكم. وقيل: هو من: أفضى الرجل: إذا خرج إلى الفضاء، أي: أصحروا به إلىّ وأبرزوه لي
(فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ): فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي، (فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ): فما كان عندي ما ينفركم عنى وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم، وطلب أجر على عظتكم، (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة، أي: ما نصحتكم إلا لوجه الله تعالي، لا لغرض من أغراض الدنيا، (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئا، ولا يطلبون به دنيا،
_________________
(١) ـ الأداء، ثم القضاء: إما بمعنى قطع الحكم وبته وتصحيحه، واستشهد له بقوله: (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ)، قال: " (قضى) عُدي بـ "إلى"، لأنه ضُمن معنى "أوحينا"، كأنه قيل: أوحينا إليك مقضيًا مبتوتًا"، وإما بمعنى قضاء الدين، والمعنى: أدوا إليَّ ما هو حق عليكم عندكم، أي: في معتقدكم، فعلى هذا فيه استعارة، ولهذا قال: "كما يقضي الرجلُ غريمه"، فكأنه كان في معتقدهم أن إهلاك نوح كالحق الثابت للرجل على غريمه، فلابد من استيفائه. قوله: (فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي): إنما أعاد ذكر "تذكيري" ليؤذن أن هذا الشرط مرتبط بالشرط الأول، وأن المعنى: إن توليتم لأنكم ضجرتم عنين وشق عليكم طول مقامي وتذكيري، فابذلوا وسعكم في هلاكي وإبطال كيدي، ليظهر لكم أني ما أريد بذاك إلا نُصحكم وهدايتكم، وإن توليتم، لا أني طامع في أموالكم، وأطلب منكم أجر الموعظة، فاعلموا وأيقنوا أني ما نصحتكم إلا لوجه الله تعالى، لا لغرض من أغراض الدنيا. وهذا يُنبئ أن نوحًا ما أتى بهذا النوع من الكلام إلا بعد مراجعات طويلة وإلزامهم الحجة، كما قالوا: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) [هود: ٣٢]، وأنه بذل وُسعهُ في
[ ٧ / ٥٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) التذكير والنصح وإبلاغ ما يجب عليه أن يبلغه، وأن القوم بلغوا الغاية في العناد، وإليه الإشارة بقوله: "فذكر أن توليهم لم يكن عن تفريط منه". فإن قلت: لم خص المقام الأول بالتوكل، والثاني بالإسلام؟ فنقول- على لسان العارفين، والعلم عند الله تعالى-: إن مقام التسليم فوق مقام التوكل- وسيأتيك تصديقه في قوله تعالى: (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) بُعيد هذا-، ولأن التوكل: كلة الأمر كله إلى مالكه، والتعويل على وكالته، ومن ثم جعل الله تعالى قوله: (فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ) مقدمة للجزاء، وهو قوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ) وبالغ فيه غاية المبالغة. وقال المصنف: "إنما قال ذلك إظهارًا لقلة مبالاته، وثقته بما وعده ربه من كلاءته"، والتسليم وترك الأسباب التي تُزاحم العقول والأوهام. ومن ثم ذيل قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ)، لقوله: (فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ). قال العارف أبو [إسماعيل] عبد الله الأنصاري: "التوكل أصعب المنازل، والتسليم أعلى الدرجات"، وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: "التوكل صفة المؤمنين، والتسليم صفة الأولياء، والتفويض صفة الموحدين. والتوكل صفة الأنبياء، والتسليم صفة إبراهيم - لقوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [البقرة: ١٣١]-، والتفويض صفة نبينا محمد"، صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، والله أعلم.
[ ٧ / ٥٣٤ ]
يريد: أن ذلك مقتضى الإسلام، والذي كل مسلم مأمور به. والمراد أن يجعل الحجة لازمة لهم، ويبرئ ساحته، فذكر أن توليهم لم يكن تفريط منه في سوق الأمر معهم على الطريق الذي يجب أن يساق عليه، وإنما ذلك لعنادهم وتمرّدهم لا غير.
(فَكَذَّبُوهُ): فتموا على تكذيبه، وكان تكذيبهم له في آخر المدّة المتطاولة كتكذيبهم في أوّلها، وذلك عند مشارفة الهلاك بالطوفان، (وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ) يخلفون الهالكين بالغرق، (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) تعظيم لما جرى عليهم، وتحذير لمن أنذرهم رسول الله ﷺ عن مثله، وتسلية له.
[(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) ٧٤].
_________________
(١) ـ قوله: (يريد: أن ذلك مقتضى الإسلام، والذي كل مسلم مأمور به): يريد: أن قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) جملة مذيلة للكلام السابق مقررة لمضمون معناه، وإلى التقرير والتأكيد الإشارة بقوله: "المراد أن يجعل الحجة لازمة لهم، ويبرئ ساحته". وفيه أن من دعا الناس إلى هداية أو علمهم من علوم الدين شيئًا، وأخذ عليه الأجرة، خرج من جملة الورثة. قوله: «فَكَذَّبُوهُ) فتموا على تكذيبه): يعني: أن في تعقيب (فَكَذَّبُوهُ) بما سبق إشعارًا بتجدد التكذيب، وليس به، بل المراد التعاقب والاستمرار؛ لأن قول نوح ﵇: (إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ) لم يكن إلا عن تكذيب سابق منهم، يعني: كذبوه ابتداء، ثم بعد التذكير والنصح لم ينزلوا عن عادتهم من التكذيب، بل استمروا عليه، مثله في "القمر": (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا) [القمر: ٩]، "أي: كذبوه تكذيبًا عقيب تكذيب".
[ ٧ / ٥٣٥ ]
(مِنْ بَعْدِهِ): من بعد نوح، (رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ) يعنى: هودًا وصالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا، (فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ): بالحجج الواضحة المثبتة لدعواهم، (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا): فما كان إيمانهم إلا ممتنعًا كالمحال؛ لشدّة شكيمتهم في الكفر وتصميمهم عليه، (بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) يريد: أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق، فما وقع فصل بين حالتيهم؛ بعد بعثة الرسل وقبلها، كأن لم يبعث إليهم أحد.
(كَذلِكَ نَطْبَعُ): مثل ذلك الطبع المحكم نطبع (عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ)، والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم، لأنّ الخذلان يتبعه، ألا ترى كيف أسند إليهم الاعتداء ووصفهم به.
_________________
(١) ـ قوله: (فما كان إيمانهم إلا ممتنعًا كالمحال): هذه الاستحالة تستفاد من لام "كي" المؤكدة، كقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) [آل عمران: ١٦١]. قوله: (والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم): أي: الكناية التلويحية، وذلك أن من عاند وثبت على اللجاج خذله الله، ومنع عنه التوفيق واللطف، فلا يزال على هذا حتى يتراكم الرين، ويطبع على قلبه، قال تعالى: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [المطففين: ١٤]، والدليل على أن الطبع كناية عن العناد واللجاج: تصريح الاعتداء في قوله: (الْمُعْتَدِينَ)، قال القاضي: " (نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) بخذلانهم لانهماكهم في الضلال واتباع المألوف، وفي أمثال ذلك دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد".
[ ٧ / ٥٣٦ ]
[(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ * قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ) ٧٥ - ٧٨].
(مِنْ بَعْدِهِمْ): من بعد الرسل، (بِآياتِنا): بالآيات التسع، (فَاسْتَكْبَرُوا) عن قبولها، وهو أعظم الكبر؛ أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها، ويتعظموا عن تقبلها، (وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ): كفارًا ذوى آثام عظام، فلذلك استكبروا عنها واجترءوا على ردّها.
_________________
(١) ـ قوله: (وهو أعظم الكبر): قيل: هو ضمير الشأن، و"أن يتهاون" خبر "أعظم الكبر"، والجملة مفسرة للضمير، ويمكن أن يعود الضمير إلى الاستكبار الذي هو مدلول "استكبر"، و"أن يتهاون" بدل من "أعظم الكبر". والمعنى ينظر إلى قوله صلوات الله عليه: "الكبر بطر الحق وغمط الناس" الحديث، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي. النهاية: "بطر الحق: أن يجعل ما جعله الله حقًا من توحيده وعبادته باطلًا، وقيل: أنا يطغى ويتكبر عند سماع الحق فلا يقبله"، غمط الناس: الاحتقار لهم والازدراء بهم. قوله: «وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ): كفارًا ذوي آثام عظام، فلذلك استكبروا): قال صاحب "الفرائد": لا دلالة في هذا الكلام على ما ذكر، والظاهر أنه عطف على "استكبروا" أي: استكبروا وثبتوا على إجرامهم، ولا يلزم أيضًا أن استكبارهم بسبب إجرامهم، سلمنا أنه يلزم، لكن لما أمكن أن يكون للعطف ولا مرجح لأن يكون للحال، والعطف فيه الأصل، والعدول عنه إلى غيره لغير ضرورة عدول عن الأصل.
[ ٧ / ٥٣٧ ]
(فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا): فلما عرفوا أنه هو الحق، وأنه من عند الله، لا من قبل موسى وهارون، (قالُوا) لحبهم الشهوات: (إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) وهم يعلمون أنّ الحق أبعد شيء من السحر الذي ليس إلا تمويهًا وباطلا.
_________________
(١) وقلت: العجب أنه نسب إلى المصنف ما هو عنه بريء، ثم قام مجادلًا يغضب عليه، ولم يدر أنه سلك مسلك التذييل والاعتراض، ألا ترى إلى قوله في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: ٩٢]: "يجوز أن يكون (وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) حالًا، أي: عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها، وأن يكون اعتراضًا؛ بمعنى: وأنتم قوم عادتكم الظلم"، فلذلك اتخذتم العجل من بعده إلها، ويُقال في هذا المقام: كان عادتهم الإجرام وركوب الآثام العظام، فلذلك استكبروا. وإنما فسر (مُجْرِمِينَ) بآثام عظام؛ لأن الكافر إذا وُصف بالفسق أو الجرم أريد التمرد في الكفر، والتناهي فيه. قوله: (فلما عرفوا أنه هوا لحق، وأنه من عند الله): قال صاحب "الفرائد": لا دلالة في الكلام على أنهم عرفوا أنه هو الحق، وأنه من عند الله، لا من قبل موسى وهارون، وإنما عُلم هذا المعنى في موضع آخر، وهو قوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ) [النمل: ١٤]، إلا أنه من حقه أن يعرف أنه الحق بأدنى تأمل، وليس بسحر لبعده عن السحر. وقلت: ما أوضح دلائله، وهو أن قوله: (الْحَقِّ) مُظهر أقيم موضع المضمر من غير لفظه السابق- والمراد منه الآيات السابقة في قوله: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا)، وهي الآيات على الاستعارة؛ ليدل على غاية ظهوره وشدة سطوعه، حيث لا يخفى على من له أدنى مسكه، ولا يستقيم قولهم: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ) جوابًا لقوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ)، إلا على حمل الحق على المعجزات، لأن هذا الكلام يقوله العاجز عندما قهرته الحجة، وبهرته سلطانها، ولا يبقى له متشبث.
[ ٧ / ٥٣٨ ]
فإن قلت: هم قطعوا بقولهم: (إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) على أنه سحر،
_________________
(١) ويعضده ما مر في أول السورة يونس في قوله تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ) إلى قوله: (قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ) [يونس: ٢]، قال المصنف: "هو دليل عجزهم واعترافهم به"، والمعنى: ثم بعثنا من بعدهم موسى إلى فرعون وملئه بالمعجزات، فلم يلتفتوا إليها، واستكبروا، ثم لما تبين لهم بعد ذلك حقيقته، عاندوا وقالوا: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ)، وأجابهم ﵇ بقوله: (أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ)، وصرح بالحق. قوله: (هم قطعوا بقولهم): توجيه السؤال: كيف أوقع (أَسِحْرٌ هَذَا) مقولًا لقوله: (أَتَقُولُونَ) على الاستفهام، وأنهم لم يقولوا: (أَسِحْرٌ) على الاستفهام، بل قطعوا فيه القول، حيث صدروا الجملة بـ (إنَّ) وأدخلوا اللام في الخبر؟ وأجاب عنه بأوجه: أحدها: أن يكون قوله: (أَتَقُولُونَ) كناية عن العيب والطعن؛ لكونه واقعًا في مقابلة طعنهم وعيبهم، واللام لبيان المطعون فيه- كما في قوله: (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣]، و(لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف: ٤٣]-، ثم جاء بقوله: (أَسِحْرٌ هَذَا)؛ تقريرًا لقولهم: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) واستجهالًا لهم، ما يشبه هذا السحر، وإنه لحق ثابت قاهر في الحجة، والسحر باطل، وصاحبه غير فائز بالبغية، كما قال الزجاج: "والمفلح الذي يفوز بإرادته، أي: كيف يكون سحرًا، وقد أفلح الذي أتى به، أي: فاز في حجته".
[ ٧ / ٥٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وثانيها: ظاهر. وثالثها: أن يكون حكاية لكلامهم، كأنهم قالوا: أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح، ولا يفلح الساحر؟ ! وهو ليه السلام يحكي عنهم على طريقة المشاكلة وإطباق الجواب على السؤال، ويرد عليهم، أو أن يكون لهم كلام يقرب من هذا، فإنهم لما قالوا: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) جيء بهذا الكلام حاكيًا لذلك، يعني: دعوا هذا، فنكم أنكرتموه بأبلغ من ذلك حيث قلتم: أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح؟ ! نحوه مر في قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) [البقرة: ٧]، وفي قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا) [البقرة: ٢٦]، هذا أغمض الوجوه، وإن قال صاحب "الانتصاف": " [في] الفرق بين القولين غموض، وإيضاحه: أن "القول" في الأول: كناية عن العيب، فلا يتقاضى مفعولًا، وفي الثاني: على بابه، فطلب مفعولًا". وقلت: يحتمل وجهًا آخر في الآية، وهو أن قولهم: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) دل على هذا الجواب من حيث المعنى، فإنهم لما أثبتوا لهما السحر، وأكدوا الجملة بـ (إنَّ) واللام، كأنهم ادعوا أن ما جاء به من قبيل الباطل الذي لا يفلح صاحبهن لما اشتهر بين الناس أن السحر باطل، وصاحبه غير مفلح، ألا ترى إلى قول موسى ﵇: (مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ) - ولذلك سمي رسول الله ﷺ السحرة بالبطلة في قوله: "اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة"، أخرجه مسلم عن أبيأمامة-، فجاء موسى ﵇ بمايلزم من كلامهم، وأنكر عليهم ذلك، أي: أتقولون للحق الواضح الذي يفوز صاحبه بكل بغية ذلك، أي: أسحر هذا، والحال أن الساحر لا يُفلح؟ !
[ ٧ / ٥٤٠ ]
فكيف قيل لهم: أتقولون أسحر هذا؟ قلت: فيه أوجه: أن يكون معنى قوله (أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ): أتعيبونه وتطعنون فيه، وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه، من قولهم: فلا يخاف القالة، وبين الناس تقاول: إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه، ونحو القول: الذكر، في قوله (سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ) (الأنبياء: ٦٠)، ثم قال (أَسِحْرٌ هذا) فأنكر ما قالوه في عيبه والطعن عليه.
وأن يحذف مفعول (أتقولون)، وهو ما دل عليه قولهم: (إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ)، كأنه قيل: أتقولون ما تقولون؟ يعنى قولهم: (إن هذا لسحر مبين)، ثم قيل: (أسحر هذا). وأن يكون جملة قوله: (أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) حكاية لكلامهم، كأنهم قالوا: أَجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ)، كما قال موسى للسحرة: (ما جئتم به السحر، إنّ الله سيبطله) [يونس: ٨١].
(لِتَلْفِتَنا): لتصرفنا، واللفت والفتل: أخوان، ومطاوعهما: الالتفات والانفتال، (عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) يعنون عبادة الأصنام، (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ) أي: الملك، لأنّ الملوك موصوفون بالكبر، ولذلك قيل للملك: الجبار، ووصف بالصيد والشوس،
_________________
(١) ـ قوله: (ووصف بالصيد)، الجوهري: "الصيد- بالتحريك-: مصدر للأصيد، وهو الذي يرفع رأسه كبرًا، ومنه قيل للملك: أصيد، وأصله في البعير يكون به داء في رأسه فيرفعه، ويُقال: إنما قيل للملك: أصيد؛ لأنه لا يلتفت يمينًا وشمالًا". و"الشوس" بالتحريك: النظر بمؤخر العين تكبرًا أو تغيظًا، فعلى هذا: الكبرياء من لوازم الملك، فيكون كناية عنه، قال الزجاج: "وإنما سُمي الملك كبرياء؛ لأنه أكبر ما يُطلب من أمر الدنيا".
[ ٧ / ٥٤١ ]
ولهذا وصف ابن الرقيات مصعبًا في قوله:
مُلْكُهُ مُلْكُ رَأفَة لَيْسَ فِيهِ … جَبَرُوتٌ مِنْهُ وَلَا كِبْرِيَاءُ
ينفى ما عليه الملوك من ذلك.
ويجوز أن يقصدوا ذمّهما، وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا، كما قال القبطي لموسى ﵇: (إن تريد إلا أن تكون جبارًا في الأرض) (القصص: ١٩).
(وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ) أي: مصدّقين لكما فيما جئتما به، وقرئ: "يطبع"، "ويكون لكما الكبرياء" بالياء.
[(وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) ٧٩ - ٨٢].
_________________
(١) ـ قوله: (كما قال القبطي لموسى ﵇: (إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ»: وهو على خلاف نقل المفسرين، قال محيي السنة والواحدي: "القائل الإسرائيلي، وذلك أن موسى ﵇ لما أدركته الرقة بالإسرائيلي، فمد يده ليبطش بالفرعوني، ظن الإسرائيلي انه يريد أن يبطش به لما رأى من غضبه ﵇، وسمع قوله: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) [القصص: ١٨]، قال: (يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ) [القصص: ١٩]، وذلك أن القبطي ما كان عالمًا أن موسى ﵇ كان قاتل القبطي، وحين سمع انطلق إلى فرعون وأخبره"، وقد ذكر نحوه في "الكواشي".
[ ٧ / ٥٤٢ ]
(ما جِئْتُمْ بِهِ): (ما) موصولة واقعة مبتدأ، و(السِّحْرُ) خبر، أي: الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحرًا من آيات الله.
وقرئ: (آلسحر)، على الاستفهام، فعلى هذه القراءة (ما) استفهامية، أي: أي شيء جئتم به، أهو السحر؟ وقرأ عبد الله: "ما جئتم به سحر"، وقرأ أبىّ: "ما أتيتم به سحر". والمعنى: لا ما أتيت به.
(إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ) أي: سيمحقه أو يظهر بطلانه بإظهار المعجزة على الشعوذة.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "السحر" على الاستفهام): وهي قراءة أبي عمرو، فيوقف على (جِئْتُمْ بِهِ)، ويبدأ "السحر". قال أبو البقاء: " (ما) استفهام على هذا، نصب بفعل محذوف، أي: أي شيء أتيتم؟ و(جِئْتُمْ بِهِ) تفسير للمحذوف، ويجوز أن يكون مرفوعًا على الابتداء، و(جِئْتُمْ بِهِ) الخبر، و"السحر": يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أو عكسه، وعلى هذا يجوز أن يكون "السحر" بدل من موضع (مَا)، كما تقول: ما عندك؟ أدينار أم درهم؟ "، قال أبو علي: "فعلى هذا لا يلزم أن يضمر للسحر خبر، لأنك إذا أبدلته من المبتدأ صار في موضعه، وصار ما كان خبرًا لما أبدلت منه، في موضع خبر المبدل". وقلت: فعلى القراءة المشهورة: الحصر لازم لتعريف الخبر، فيكون الرد ثابتًا على ما قال: "الذي جئتم به السحر"، لا الذي سماه فرعون وقومه سحرًا، وكذا على قراءة "السحر" في غير البدل. وأما على البدل وعلى قراءة عبد الله وأبي: فالحصر مستفاد من التعريض، حيث وقع في مقابل قولهم: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ)، ولهذا قال: "لا ما أتيت به"، على النفي.
[ ٧ / ٥٤٣ ]
(لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ): لا يثبته ولا يديمه، ولكن يسلط عليه الدمار، (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ): ويثبته (بِكَلِماتِهِ): بأوامره وقضاياه. وقرئ: "بكلمته": بأمره ومشيئته.
[(فَما ءآمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) ٨٣].
(فَما ءآمَنَ لِمُوسى) في أوّل أمره (إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ): إلا طائفة من ذراري بني إسرائيل، كأنه قيل: إلا أولاد من أولاد قومه، وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف. وقيل: الضمير في (قومه) لفرعون، والذرية: مؤمن آل فرعون، وآسية امرأته، وخازنه، وامرأة خازنه، وماشطته.
_________________
(١) ـ قوله: (لا يُثبته ولا يديمه): اعلم أن الإفساد: إخراج الشيء عن كونه منتفعًا به، فقوله: (لا يُصْلِحُ) يحتمل أن يُراد أنه تعالى يتركهم وإفسادهم، وما لم يصلحه الله لا يدوم ولا يثبت، فيصير باطلًا زائلًا، ويحتمل أنه يفسد إفسادهم بأن يسلط عليه الدمار فيبطله، والمصنف نظر إلى الاعتبارين؛ لأنها مقابلة لقوله تعالى: (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ)، فكأنه قيل: ويحق الله الحق ويبطل الباطل. قوله: «بِكَلِمَاتِهِ) بأوامره وقضاياه): فسر "الكلمات" حيث جيء بها جمعًا بالأوامر التي هي مقابلة للنواهي، وحيث جيء بها مفردًا بالأمر الذي هو واحد الأمور، وعطف المشيئة عليها، على سبيل البيان؛ ليؤذن بأنه من قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]، وهو أشمل من الأول، لأن الأوامر والنواهي والأمور والشؤون كلها تابعة لمشيئة الله تعالى وإرادته، ولذلك عطف على الأول: "وقضاياه"، لتتناول "كلماته" ما تناولته "كلمته"، فيستويا في الشمول.
[ ٧ / ٥٤٤ ]
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: (وَمَلَإيهِمْ)؟ قلت: إلى فرعون، بمعنى: آل فرعون، كما يقال: ربيعة ومضر، أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له. ويجوز أن يرجع إلى "الذرية"، أي: على خوف من فرعون وخوف من أشراف بنى إسرائيل، لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم، ويدل عليه قوله: (أَنْ يَفْتِنَهُمْ) يريد: أن يعذبهم.
(وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ): لغالب فيها قاهر، (وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) في الظلم والفساد، وفي الكبر والعتوّ، بادعائه الربوبية.
[(وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) ٨٤ - ٨٦].
(إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ): صدقتم به وبآياته (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا): فإليه أسندوا أمركم في العصمة من فرعون،
_________________
(١) ـ قوله: (ذو أصحاب): قال الزجاج: "جاز أن يُقال: (وَمَلَئِهِمْ)، لأن فرعون ذو أصحاب يأتمرون له، والملأ من القوم: الرؤساء الذين يرجع إلى قولهم". وقلت: اعتبر التعدد في نفس فرعون من جهة كونه ذا أصحاب كأنه جماعة، كما وقع في مخاطباتهم: إنا فعلنا، وهم فعلوا. والفرق أن معنى التعدد في الثاني للتعظيم، وفي الأول لمجرد الإضافة، فعلى هذا: الضمير المرفوع في (أَنْ يَفْتِنَهُمْ) لفرعون وملئه، غُلب "فرعون" على "الملأ"؛ لأنهم يأتمرون بأمره، ولو رجع إليه وإلى الملأ لقيل: "أن يفتنوهم". والظاهر أن يرجع الضمير في (وَمَلَئِهِمْ) إلى ذرية بني إسرائيل، فلا يفتقر إلى التأويلين، ولهذا قال: "ويدل عليه قوله: (أَن يَفْتِنَهُمْ) ".
[ ٧ / ٥٤٥ ]
ثم شرط في التوكل الإسلام، وهو أن يسلموا نفوسهم لله، أي: يجعلوها له سالمة خالصة لا حظّ للشيطان فيها، لأن التوكل لا يكون مع التخليط، ونظيره في الكلام: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوّة.
(فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا) إنما قالوا ذلك، لأنّ القوم كانوا مخلصين، لا جرم أنّ الله سبحانه قبل توكلهم،
_________________
(١) قوله: (ثم شرط في التوكل الإسلام): فهاهنا أشياء ثلاثة: الإيمان والتوكل والإسلام، والمراد بالإيمان: التصديق، وبالتوكل: إسناد الأمر إليه، وبالإسلام: إسلام النفس إليه وقطع الأسباب. فعلق التوكل بالتصديق بعد تعلقه بالإسلام؛ لأن الجزاء معلق بالشرط الأول، وتفسير للجزاء الثاني، كأنه قيل: إن كنتم مصدقين الله وآياته فخصوه بإسناد جميع الأمور إليه، وذلك لا يحصل إلا بعد أن تكونوا مخلصين لله مستسلمين أنفسكم له، ليس للشيطان فيكم نصيب، وإلا فاتركوا أمر التوكل. فعُلم منه أنه ليس لكل من المؤمنين الخوض في التوكل، بل للآحاد منهم، وأن مقام التوكل دون مقام التسليم، وهذا يؤيد ما سبق لنا في قوله تعالى: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) [يونس: ٧٢]، والتصديق مصححة التوكل، وعليه ينطبق المثال، وهو قوله: "إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة"، لأن مكافأة الضرب مشروط بوجدان القوة، وألا فالتحمل والاعتراف بالقصور. والذي يؤيد أن التوكل متوقف على الإخلاص والتسليم قول المصنف: "إنما قالوا ذلك لأن القوم كانوا مخلصين"، وذلك أن موسى ﵇ حين شرط عليهم في التوكل الإخلاص والتسليم، وهم أجابوه بحرف التعقيب دل على سبق الإخلاص على الإجابة.
[ ٧ / ٥٤٦ ]
وأجاب دعاءهم، ونجاهم وأهلك من كانوا يخافونه، وجعلهم خلفاء في أرضه، فمن أراد أن يصلح للتوكل على ربه والتفويض إليه، فعليه برفض التخليط إلى الإخلاص.
(لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً): موضع فتنة لهم، أي: عذاب يعذبوننا ويفتنوننا عن ديننا، أو فتنة لهم يفتتنون بنا ويقولون: لو كان هؤلاء على الحق لما أصيبوا.
[(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) ٨٧].
(أن تبوءّأ) تبوأ المكان: اتخذه مباءة، كقولك: توطنه، إذا اتخذه وطنًا. والمعنى اجعلا بمصر بيوتًا من بيوته مباءة لقومكما،
_________________
(١) ـ قوله: (وأجاب دعاؤهم ونجاهم): هذا يُعلم من قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ) [الدخان: ٣٠ - ٣١]. قوله: (أو فتنة لهم يفتنون بنا): عن بعضهم: أصل الفتن: إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل في إدخال الناس النار، وقال تعالى: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) [الذاريات: ١٣]، وسمي ما يحصل عنه العذاب فتنة، قال تعالى: (أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) [التوبة: ٤٩]، ويستعمل في الاختبار، قال تعالى: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) [طه: ٤٠]، وجُعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يُستعملان فيما يُدفع إليه الإنسان منشدة ورخاء، وهما في الشدة أكبر معنى وأكثر استعمالًا، وقد قال تعالى فيهما: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء: ٣٥]، وقال في الشر: (عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ)، أي: يبتليهم ويعذبهم. قوله: (والمعنى: اجعلا بمصر بيوتًا من بيوته مباءة لقومكما): يريد: أن (تَبَوَّءَا) مُتعد إلى مفعول واحد، تقول: تبوأت بيتًا وتبوأ القوم بيوتًا، فإذا أدخلت اللام قلت: تبوأت للقوم بيوتًا، صار ما كان فاعلًا مفعولًا، وتعدى إلى مفعولين. قوله: (بيوتًا من بيوته): "مِن" فيه تبعيضية، واللفظان، وإن اتحدت صيغتهما في الجمع، لكن الثاني لما أضيف إلى المعرفة أفاد العموم والاستغراق، كما عُلم في الأصول، والأول لما
[ ٧ / ٥٤٧ ]
ومرجعًا يرجعون إليه للعبادة والصلاة فيه، (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ) تلك (قِبْلَةً) أي: مساجد متوجهة نحو القبلة، وهي الكعبة، وكان موسى ومن معه يصلون إلى الكعبة، وكانوا في أوّل أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم في خفية من الكفرة، لئلا يظهروا عليهم، فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم، كما كان المؤمنون على ذلك في أوّل الإسلام بمكة.
فإن قلت: كيف نوّع الخطاب، فثنى أوّلا، ثم جمع، ثم وحد آخرًا؟ قلت: خوطب موسى وهارون ﵉ أن يتبوآ لقومهما بيوتا، ويختاراها للعبادة، وذلك مما يفوّض إلى الأنبياء، ثم سيق الخطاب عامًّا لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها، لأنّ ذلك واجب على الجمهور، ثم خص موسى ﵇ بالبشارة التي هي الغرض، تعظيما لها وللمبشر بها.
[(وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) ٨٨].
الزينة: ما يتزين به من لباس أو حلى أو فرش أو أثاث أو غير ذلك، وعن ابن عباس: كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت.
فإن قلت: ما معنى قوله (رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)؟
_________________
(١) ـ نُكر أفاد القلة، ولهذا قيل: الجمع المنكر لا يستثني منه على الأكثر، فمعنى قوله: "بيوتًا من بيوته": بيوتًا متعددة من جملة بيوته المتكاثرة. قوله: «بُيُوتِكُمْ) تلك): إشارة إلى أن الإضافة في (بُيُوتِكُمْ) بمعنى لام العهد، وأن النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى.
[ ٧ / ٥٤٨ ]
قلت: هو دعاء بلفظ الأمر، كقوله: (رَبَّنَا اطْمِسْ)، (وَاشْدُدْ)، وذلك أنه لما عرض عليهم آيات الله وبيناته عرضا مكرّرا، وردّد عليهم النصائح والمواعظ زمانًا طويلا، وحذرهم عذاب الله وانتقامه، وأنذرهم عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال المبين، ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفرًا، وعلى الإنذار إلا استكبارا، وعن النصيحة إلا نبوّا، ولم يبق له مطمع فيهم، وعلم بالتجربة وطول الصحبة أنه لا يجيء منهم إلا الغي والضلال، وأنّ إيمانهم كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة، أو علم ذلك بوحي من الله، اشتد غضبه عليهم، وأفرط مقته وكراهته لحالهم، فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره، كما تقول: لعن الله إبليس، وأخزى الله الكفرة، مع علمك أنه لا يكون غير ذلك.
وليشهد عليهم بأنه لم يبق له فيهم حيلة، وأنهم لا يستأهلون إلا أن يخذلوا ويخلى بينهم وبين ضلالهم يتسكعون فيه، كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال،
_________________
(١) ـ قوله: (هو دعاء بلفظ الأمر): يُريد: أن القاتل كأنه يدعو الله أن يأمرهم- وهم غيبٌ- بأن يُضلوا عن الدين، والتقدير: ربنا أضلهم. قوله: (اشتد غضبه): جواب "لما عرض"، وقوله: "وليشهد عليهم بأنه لم يبق له فيهم حيلة" عطف على قوله: "أنه لما عرض"، والظاهر أنه عطف على قوله: "بما علم أنه لا يكون غيره"، ليكون ما ذكر من المقدمات تمهيدًا للدعاء، ويكون قوله: "ليشهد" مبنيًا عليه، يعني: لما فعلوا كيت وكيت، ودعا عليهم، ليكون كالتسجيل على أنهم من أهل الخذلان، وعلامة لمن سمع به أنه لم يبق له فيهم حيلة. قوله: (يتسكعون فيه)، الأساس: "فلان يتسكع: لايدري أين يتوجه، ومن المجاز: فلان يتسكع في أمره: لايهتدي لوجهه، وأراك متسكعًا في ضلالك".
[ ٧ / ٥٤٩ ]
وليكونوا ضلالا، وليطبع الله على قلوبهم، فلا يؤمنوا، وما علىّ منهم! هم أحق بذلك وأحق، كما يقوله الأب المشفق لولده الشاطر إذا ما لم يقبل منه، حسرة على ما فاته من قبول نصيحته، وحردًا عليه، لا أن يريد خلاعته وإتباعه هواه.
ومعنى الشدّ على القلوب: الاستيثاق منها، حتى لا يدخلها الإيمان، (فَلا يُؤْمِنُوا) جواب للدعاء الذي هو (اشدد)، أو دعاء بلفظ النهى،
وقد حملت اللام في (ليضلوا) على التعليل،
_________________
(١) ـ قوله: (وما علي منهم! هم أحق بذلك): "ما" استفهامية أو نافية، يعني: كان موسى ﵇ بعد الضجر حين لم يبق له حيلة، قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال، وأي شيء يلزمني من جانبهم حتى يطول علي تحسرهم؟ ثم استأنف: هم أحق بذلك وأحق، أو: ليثبتوا على ما هم عليه، وما يلزمني من جانبهم شيء، إني بالغت في الإنذار، وما على الرسول إلا البلاغ. وقيل: "ما" موصولة، وهو مبتدأ، وقوله: "هم" خبره، وفيه تعسف وبُعد عن المقام. قوله: (وقد حُملت اللام في (لِيُضِلُّوا»: هذا وجه آخر، وهذه العبارة مؤذنة بأن الوجه الأول أوجه، أي: أنك آتيت فرعون وملأه زينة ليضلوا عن سبيلك فلا يؤمنوا. وذكره الواحدي وقال: " (فَلا يُؤْمِنُوا) دعاء عليهم، والتأويل: فلا آمنوا". قال صاحب "الفرائد": الوجه أن يُقال: إنها للتعليل، وإلا فما وجه قوله: (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، وإنما عدل إلى أمر الغائب؛ ميلًا إلى مذهبه. الانتصاف: "هذا اعتزال خفي؛ فرارًا من أن تكون لام "كي"، فتدل على أن الله أمدهم لعلة الإضلال استدراجًا، كما قال: (لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) [آل عمران: ١٧٨]، ففر من هذا، وحمل على معتقده".
[ ٧ / ٥٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقلت: اللام إذا جُعلت مستعارًا على نحو قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) [القصص: ٨] لا يضره أيضًا، وإليه الإشارة بقوله: "على أنهم جعلوا نعمة الله سببًا في الضلال"، كما قال الزجاج: ويُقرأ: "ليضلوا عن سبيلك"، المعنى: أنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة الدنيا، وأصارهم ذلك إلى الضلال. وأما وجه قوله: ٠ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً) على أمر الغائب: فهو أن موسى ﵇ ما تكلم بها إلى توطئة وتمهيدًا، ليتخلص منها إلى الدعاء عليهم، يعني: أنك أوليتهم هذه النعمة ليشكروك ولا يعبدوا غيرك، فما زادتهم تلك النعمة إلا أشرًا وتماديًا في الطغيان، وإذا كانت الحالة هذه، فليضلوا عن سبيلك. ولو دعا عليهم ابتداء ربما لم يُعذر، فقدم الشكاية منهم والنعي بسوء صنيعهم، ليتسلق منه إلى الدعاء، مع مراعاة تلاؤم الكلام من إيراد الأدعية منسوقة نسقًا واحدًا، ولا مجال للاعتراض؛ لأن الاعتراض حُسن موقعه من الكلام أن تلتذ النفس بسماعه، ولذلك عيب قول النابغة: لعل زيادًا - لا أبا لك - غافل فليُذق ليدرك.
[ ٧ / ٥٥١ ]
على أنهم جعلوا نعمة الله سببًا في الضلال، فكأنهم أوتوها ليضلوا، وقوله: (فَلا يُؤْمِنُوا) عطف على (ليضلوا)، وقوله: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ) دعاء معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
وقرأ الفضل الرقاشي: "أإنك آتيت"؛ على الاستفهام، و"اطمس" بضم الميم.
[(قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) ٨٩].
قرئ: "دعواتكما"، قيل: كان موسى يدعو وهارون يؤمّن.، ويجوز أن يكونا جميعًا يدعوان. والمعنى: إنّ دعاء كما مستجاب، وما طلبتما كائن، ولكن في وقته، (فَاسْتَقِيما): فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة والزيادة في إلزام الحجة، فقد لبث نوح ﵇ في قومه ألف عام إلا قليلا، ولا تستعجلا. قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة.
(وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) أي: لا تتبعا طريق الجهلة بعادة الله في تعليقه الأمور بالمصالح، ولا تعجلا فإن العجلة ليست بمصلحة، وهذا كما قال لنوح ﵇: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) [هود: ٤٦].
_________________
(١) ـ قوله: (فَلا يُؤْمِنُوا) عطفٌ على (لِيُضِلُّوا): وقال مكي: " (فَلا يُؤْمِنُوا): عطف على (لِيُضِلُّوا)، وفي موضع نصب عند المبرد والزجاج، وقال الأخفش والفراء: منصوب؛ جواب الدعاء في قوله: (اطْمِسْ)، وقال الكسائي وأبو عبيدة: هو في موضع جزم، لأنه دعاء عليهم"، وقال أبو البقاء: " (فَلا يُؤْمِنُوا) نصبٌ؛ عطف على (لِيُضِلُّوا)، أو جواب الدعاء في قوله: (اطْمِسْ)، أو جزم، ومعناه الدعاء، كما تقول: لا تُعذبني".
[ ٧ / ٥٥٢ ]
وقرئ: (ولا تتبعان)، بالنون الخفيفة - وكسرها لالتقاء الساكنين؛ تشبيهًا بنون التثنية - وبتخفيف التاء من: تبع.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "ولا تتبعان" بالنون الخفيفة): ابن ذكوان: بتخفيف النون، والباقون: بتشديدها، قال ابن الحاجب: "رُوي عن ابن ذكوان بتشديد التاء وتخفيف النون، ورُوي عنه أيضًا بتخفيف التاء وإسكانها وفتح الباء وتشديد النون، من: تبع يتبع، وليس فيها إشكال، وإنما الإشكال في تخفيف النون، ووجهه: أن "لا" نافية، والفعل مرفوع على وجهين: أحدهما: أن يكون جملة خبرية معناها النهي، كقوله تعالى: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [الصف: ١١]، و(لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ) [البقرة: ٨٣]، والمعنى: على الأمر والنهي، وعطف جملة خبرية معناها النهي على جملة معناها الطلب. وثانيهما: أن تكون الواو للحال، أي استقيما غير متبعين، والجملة الفعلية المنفية يجوز أن تأتي بالواو وبغير الواو. وقول من قال: إن "لا" للنهي، والنون نون التوكيد الخفيفة كُسرت، أو الثقيلة حُذفت الأولى منهما: ضعيف، لا ينبغي أن تؤول قراءة صحيحة عليه، لأنه لم يثبت في اللغة مثله". قوله: (تشبيهًا بنون التثنية): قال الزجاج: "موضع (تَتَّبِعَانِ) جزم، إلا أن النون
[ ٧ / ٥٥٣ ]
[(وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ٩٠]
قرأ الحسن: "وجوزنا"؛ من: أجاز المكان وجوزه وجاوزه، وليس من: جوز الذي في بيت الأعشى:
وَإذَا تَجَوَّزْنَا حِبَالَ قَبِيلَةٍ
_________________
(١) الشديدة دخلت للنهي مؤكدة، وكُسرت لسكونها وسكون النون التي قبلها، واختير لها الكسر؛ لأنها بعد ألف تشبه نون الاثنين". قوله: (وليس من: جوز): يعني: هذه القراءة من: أجاز المكان، أي: خلفه وقطعه، فيُعدى بالباء لأنه لازم؛ الأساس: "جُزت المكان وأجزته وجاوزته وتجاوزته"، وليس من: جوز، بمعنى: نفذ؛ لأنه لا يحتاج إلى التعدية بالباء، يدل عليه قوله: كما جوز السي في الباب فيتق قوله: (وإذا تُجوزها حبال قبيلة): تمامه: أخذت من الأخرى إليك حبالها
[ ٧ / ٥٥٤ ]
لأنه لو كان منه، لكان حقه أن يقال: وجوّزنا بني إسرائيل في البحر، كما قال:
كَمَا جَوَّزَ السَّكِّيَّ فِي الْبَابِ فَيْتَقُ
(فَأَتْبَعَهُمْ): فلحقهم، يقال: تبعته حتى أتبعته. وقرأ الحسن: "وعدوّا"، وقرئ: (أنه) بالفتح؛ على حذف الباء التي هي صلة الإيمان، و"إنه" بالكسر؛ على الاستئناف بدلا من (آمنت)
_________________
(١) ـ "تجوزها": أي: تنفدها، يعني: الناقة، "الحبال": جمعُ حبل، وهو مستعار للعهد والأمان، يصف ما قاساه في السفر من خوف الطريق حتى وصل إلى الممدوح، يقول: إذا أدخلها وسط قبيلة أمانها، أخذت تلك القبيلة من القبيلة الأخرى أمانها إليك، وعادة العرب أنهم يستجيرون من قوم إلى قوم ليأمنوا من عادتهم وشرهم. قوله: (كما جوز السكي في الباب فيتق): أوله: ولابد من جار يجيز سبيلها "جوز": أي: نفذ ووسط، و"السكي": المسمار، و"الفيتق": النجار قوله: (يُقال: تبعته حتى أتبعته): أي: جئت بعده حتى لحقت به. قوله: (وقرأ الحسن: "وعدوا"): العدو: تجاوز الحد والظلم، عدا عليه عَدْوًا وعُدُوًا قوله: (وقرئ: (أنه) بالفتح على حذف الباء): وذلك أن الإيمان يُعدى بالباء، نحو: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: ٣]، فلما حذف وصل.
[ ٧ / ٥٥٥ ]
كرر المخذول المعنى الواحد ثلاث مرات في ثلاث عبارات، حرصًا على القبول، ثم لم يقبل منه حيث أخطأ وقته، وقاله حين لم يبق له اختيار قط، وكانت المرّة الواحدة كافية في حال الاختيار، وعند بقاء التكليف.
[(آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ) ٩١ - ٩٢].
(آلْآنَ): أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين أدركك الغرق، وأيست من نفسك. قيل: قال ذلك حين ألجمه الغرق، يعنى: حين أوشك أن يغرق. وقيل: قاله بعد أن غرق في نفسه، والذي يحكى: "أنه حين قال: (آمَنَتْ) أخذ جبريل ﵇ من حال البحر
_________________
(١) ـ قوله: (كرر المخذول المعنى الواحد ثلاث مرات في ثلاث عبارات): يريد بالمعنى الواحد: ما لو تلفظ به في حال الاختيار عن صدق منه، لقبل منه، وانخرط في سلك امؤمنين الناجين، هذا على قراءة كسر "إن" في (أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ) الآية؛ صريح. أما قوله: (آمَنَتْ) فإخبار عن نفسه في الزمان الماضي أنه صدر منه الإيمان المعتبر الذي عليه بنو إسرائيل، لأن الإيمان حينئذ قطع عن متعلقه، فصار كقولهم: فلان يعطي ويمنع، إما باعتبار العموم أو الإطلاق. وأما قوله: (وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ) فهو أبلغ منه؛ لأنه ادعى بالبرهان أنه دخل في زمرة المسلمينن وصار معدودًا فيهم. قوله: (ألجمه الغرق): في الحديث: "يبلغ العرق منهم ما يلجمهم"، أي: يصل إلى أفواههم، فيصير لهم بمنزلة اللجام يمنعهم عن الكلام. قوله: (من حال البحر)، النهاية: "الحال: الطين الأسود كالحمأة".
[ ٧ / ٥٥٦ ]
فدسه في فيه"، فللغضب لله على الكافر في وقت قد علم أنّ إيمانه لا ينفعه، وأمّا ما يضم إليه من قولهم: "خشية أن تدركه رحمة الله" فمن زيادات الباهتين لله وملائكته،
_________________
(١) ـ قوله: (فدسه)، الأساس: "دس الشيء في التراب، وكل شيء أخفيته تحت شيء فقد دسسته". قوله: (فمن زيادات الباهتين): يُقال: بهته بهتًا وبهتانًا فهو باهت، أي: افترى عليه ما لم يفعله. الحديث رواه ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "لما أغرق الله تعالى فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين. قال جبريل: يا محمد، لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة"، أخرجه الترمذي، وهو أحد أئمة الثقات المقدم بعد مسلم.
[ ٧ / ٥٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقلت: العجب أنه كيف نسي كلامه آنفًا: "أن قوله: (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) دعاء"، وخالف أهل التفسير فيه، وأقام له بمعاذير، وحين بلغ إلى الخبر المرفوع بهت وبهت. وأما الحديث: فقوله: "لو رأيتني" إلى آخره: معناه: لرأيت أمرًا عجيبًا يبهت الواصف عن كنهه، فإني لما شاهدت تلك الحالة نهضت غضبًا لله على عدو الله؛ لادعائه تلك العظيمة، فعمدت إلى حال البحر، فادسه في فيه، مخافة أن تدركه الرحمة لسعتها، مع علمي أن الصد عن رحمة الله غير جابر، الا ترى إلى قوله ﵇: "وأنا آخذ من حال البحر"، كيف يصور تلك الحالة في مشاهدته، ويستحضرها، ويستدعي منه العجب على فعله. ونحوه في الشاهد من ينتهز الفرصة على من يغضب ويحنق عليه، فإذا صادفها وفتك به، ربما اختلج في صدره من الفرح أنه بعدُ لم ينل منه، وأن له الخلاص منه. ونحوه ما روى المصنف: "أن بني إسرائيل كانوا يقولون: إن فرعون أعظم شأنًا من أن يغرق، وأنه ما مات، ولا يموت أبدًا بعدما غرق". على أن ليس للعقل مجال في أمثال هذا النقل الصحيح إلا التسليم ونسبة القصور إلى النفس.
[ ٧ / ٥٥٨ ]
وفيه جهالتان: إحداهما: أنّ الإيمان يصح بالقلب، كإيمان الأخرس، فحال البحر لا يمنعه. والأخرى: أنّ من كره إيمان الكافر وأحب بقاءه على الكفر: فهو كافر؛ لأن الرضا بالكفر كفر. (مِنَ الْمُفْسِدِينَ): من الضالين المضلين عن الإيمان،
_________________
(١) ـ أما قوله: "الرضا بالكفر كفر" فجوابه ما قال أبو منصور الماتريدي في "التأويلات": "الرضا بالكفر ليس بكفر مطلقًا، إنما يكون كذلك إذا رضي بكفر نفسه، لا بكفر غيره". وقلت: يؤيده ما روينا عن أبي داود النسائيعن سعد بن أبي وقاص قال: "لما كان يوم فتح مكة، أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر - فسماهم- وابن أبي سرح"، وذكر الحديث: وأما ابن أبي سرح، فإنه اختبأ عند عثمان رضي اللهعنه، فلما دعا رسول الله ﷺ إلى البيعة جاء به، حتى وقفه على النبي ﷺ، فقال: يا نبي الله، بايع عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: "أما فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله"، فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسكن ألا أومأت إلينا بعينك، قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين". قوله: «مِنْ الْمُفْسِدِينَ): من الضالين المضلين): فقد سبق أن الكافر إذا وُصف بالإجرام أو الفسق أو الفساد ونحوها كان مبالغة في كفره.
[ ٧ / ٥٥٩ ]
كقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ) [النحل: ٩٨].
وروى: "أنّ جبريل ﵇ أتاه بفتيا: ما قول الأمير في عبد لرجل نشأ في ماله ونعمته، فكفر نعمته، وجحد حقه، وادّعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيه: يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده، الكافر نعماه: أن يغرق في البحر، فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل خطه، فعرفه".
(نُنَجِّيكَ) بالتشديد والتخفيف: نبعدك مما وقع فيه قومك من قعر البحر. وقيل: نلقيك بنجوة من الأرض. وقرئ "ننحيك"، بالحاء: نلقيك بناحية مما يلي البحر، وذلك أنه طرح بعد الغرق بجانب البحر، قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، (بِبَدَنِكَ) في موضع الحال،
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: نلقيك بنجوة من الأرض)، الراغب: "أصل النجاء: الانفصال، ومنه: نجا فلان من فلان، وأنجيته ونجيته، قال تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) [البقرة: ٤٩]، (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [فصلت: ١٨]، والنجوة والنجاة: [المكان المرتفع] المنفصل بارتفاعه عما حوله، وقيل: سمي لكونه ناجيًا من السيل، ونجيته: تركته بنجوة، وعليه قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ)، ونجوت قشر الشجرة، وجلد الشاة". قوله: «ببدنك) في موضع الحال): وهو كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، أي: معها. وفي "الضوء": الفرق بين الباء و"مع": أن و"مع": أن "مع" لإثبات المصاحبة ابتداء، والباء لاستدامتها.
[ ٧ / ٥٦٠ ]
أي: في الحال التي لا روح فيك، وإنما أنت بدن، أو ببدنك كاملا سويا لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عريانًا لست إلا بدنًا من غير لباس. أو بدرعك
_________________
(١) ـ قال الزجاج: (نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ): نلقيك عريانًا، وقيل: نلقيك على نجوة من الأرض". فعلى هذا: كان أصل الكلام: اليوم نطرحك بعد الغرق بجانب البحر، ثم سلك طريق التهكم، وقيل: ننجي بدنك، ثم لمزيد التصوير والتويل أوقع "بدنك" حالًا من الضمير المنصوب. وقيل: ننجيك مع بدنك، لتصور تلك الهيئة المنكرة في نظر المعتبرين، كما قال: "أي: في الحال التي لا روح فيك"، وإنما أنت بدن، أي: جيفة ملقاة في ساحل البحر، كما يُلقي البحر الجيف ولا يقبله، ثم لإرادة الاستدامة وشدة اللصوق قيل: (نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ)، وكذلك قال: "وإنما أنت بدن"، أي: لست سوى الجيفة شيئا. ولو جُعلت الباء للآلة، ليكون على وزان قولك: أخذت بيديك، ونظرته بعينيك؛ إيذانًا بحصول هذا المطلوب البعيد التناول، كما قال: "وكان فرعون أعظم شأنًا من أن يغرق"، لكان أيضًا وجهًا. قوله: (أو ببدنك كاملًا سويًا): يعني: لو اقتصر على قوله: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ) لاحتمل النقصان من قطع رأٍ أو رجل أو يد، فزيد (بِبَدَنِكَ)؛ لرفع ذلك التوهم، فالحال مؤكدة. قوله: (أو عُريانًا): فالحال لبيان الهيئة الفظيعة كما سبق، ومن ثم جاء بإداة الحصر: "لست إلا بدنًا".
[ ٧ / ٥٦١ ]
قال عمرو بن معدي كرب:
أَعَاذِلُ صاحبي بَدَنِي وَسَيْفِي … َوكُلُّ مُقَلّصٍ سَلِسُ الْقِيَادِ
وكانت له درع من ذهب يعرف بها.
وقرأ أبو حنيفة ﵀: "بأبدانك"، وهو على وجهين: إما أن يكون مثل قولهم: "هوى بأجرامه"، يعنى: ببدنك كله وافيًا بأجزائه. أو يريد: بدروعك؛
_________________
(١) قوله: (أعاذل صاحبي بدني وسيفي) البيت: ويُروى: "شكتي بدني"، والشكة: السلاح. "أعاذل": أصله: أعاذلة، فرس مقلص- بكسر اللام-: أي: مشرف مشمر طويل القوائم، "سلس القياد": سهل القود. قوله: (هوى بأجرامه): مأوخذ من قوله: وكم موطن لولاي طحت كما هوى … بأجرامه من قلة النيق منهوي "طحت": أي: هلكت، "النيق": أرفع موضع في الجبل.
[ ٧ / ٥٦٢ ]
كأنه كان مظاهرًا بينها.
(لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً): لمن وراءك من الناس علامة، وهم بنو إسرائيل، وكان في أنفسهم أن فرعون أعظم شأنًا من أن يغرق. وروى أنهم قالوا: "ما مات فرعون ولا يموت أبدًا". وقيل: أخبرهم موسى بهلاكه فلم يصدّقوه، فألقاه الله على الساحل حتى عاينوه، وكأن مطرحه كان على ممرّ من بني إسرائيل حتى قيل: (لمن خلفك). وقيل: (لِمَنْ خَلْفَكَ): لمن يأتي بعدك من القرون.
ومعنى كونه آية: أن تظهر للناس عبوديته ومهانته، وأنّ ما كان يدّعيه من الربوبية باطل محال، وأنه - مع ما كان فيه من عظم الشأن وكبرياء الملك - آل أمره إلى ما ترون، لعصيانه ربه ﷿، فما الظنّ بغيره؟ أو لتكون عبرة تعتبر بها الأمم بعدك، فلا يجترئوا على نحو ما اجترأت عليه إذا سمعوا بحالك وبهوانك على الله.
وقرئ: (لمن خلقك)، بالقاف؛ أي: لتكون لخالقك آية كسائر آياته.
ويجوز أن يراد: ليكون طرحك على الساحل وحدك، وتمييزك من بين المغرقين - لئلا يشتبه على الناس أمرك، ولئلا يقولوا لادعائك العظمة: إنّ مثله لا يغرق ولا يموت -: آية من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، وليعلموا أنَّ ذلك تعمد منه؛ لإماطة الشبهة في أمرك.
_________________
(١) ـ قوله: (كان مظاهرًا بينها): أي: ليس بعضها فوق بعض، الجوهري: "وظاهر بين ثوبين، أي: طارق بينهما وطابق". قوله: (وكأن مطرحه كان على ممر بني إسرائيل): أي: على طريقهم الذي كانوا يؤمونه، فهم حينئذ خلفه، وهو قدامهم، لينظروا إليه، ويعتبروا، ويصدقوا قول موسى ﵇، ويشكروا نعمة الخلاص وهلاك العدو.
[ ٧ / ٥٦٣ ]
[(وَلَقَدْ بَوَّانا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ٩٣]
(مُبَوَّأَ صِدْقٍ): منزلا صالحًا مرضيا، وهو مصر والشام، (فَمَا اخْتَلَفُوا) في دينهم، وما تشعبوا فيه شعبًا، إلا من بعد ما قرؤُوا التوراة، وكسبوا العلم بدين الحق، ولزمهم الثبات عليه واتحاد الكلمة، وعلموا أن الاختلاف فيه تفرّق عنه.
وقيل: هو العلم بمحمد ﷺ واختلاف بنى إسرائيل - وهم أهل الكتاب-: اختلافهم في صفته ونعته، وأنه هو أم ليس به. بعدما جاءهم العلم والبيان أنه هو لم يرتابوا فيه، كما قال الله تعالى (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ) [البقرة: ١٤٦، الأنعام: ٢٠].
[(فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ * وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ) ٩٤ - ٩٥].
فإن قلت: كيف قال لرسول الله ﷺ (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ) مع قوله في الكفرة: (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) [هود: ١١٠، فصلت: ٤٥]؟ قلت: فرق عظيم بين قوله (وإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) بإثبات الشك لهم على سبيل التأكيد والتحقيق، وبين قوله (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ) بمعنى الفرض والتمثيل، كأنه قيل: فإن وقع لك شك مثلا، وخيل لك الشيطان خيالا منه تقديرًا (فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ).
والمعنى: أن الله ﷿ قدم ذكر بني إسرائيل -وهم قرأة الكتاب-، ووصفهم بأنّ العلم قد جاءهم، لأنّ أمر رسول الله ﷺ مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فأراد أن يؤكد علمهم بصحة القرآن وصحة نبوّة محمد ﵇، ويبالغ في ذلك،
_________________
(١) قوله: (فأراد أن يُؤكد علمهم بصحة القرآن، وصحة نبوة محمد صلوات الله عليه): يعني: أن قوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ)
[ ٧ / ٥٦٤ ]
فقال: فإن وقع لك شك فرضا وتقديرًا، وسبيل من خالجته شبهة في الدين أن يسارع إلى حلها وإماطتها، إما بالرجوع إلى قوانين الدين وأدلته، وإما بمقادحة العلماء المنبهين على الحق، فسل علماء أهل الكتاب، يعنى: أنهم من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك، وقتلها علمًا، بحيث يصلحون لمراجعة مثلك ومساءلتهم، فضلا عن غيرك.
_________________
(١) معناه: أن الذي قصصنا عليك من أخبار بني إسرائيل، وصحة القرآن، وصحة نبوتك: لا شك عندهم، وأنهم في رسوخ العلم فيه والثبات في اليقين، بحيث إن فُرض لك شك، كما تُفرض المحالات، يصح أن تزيل شكك باستخبارك إياهم، مع إنكارهم نبوتك، "والفضل ما شهدت به الأعداء"، وهو المراد من قوله: "وصف الأحبار بالرسوخ في العلم، لا وصف رسول الله ﷺ بالشك فيه". قوله: (أنهم من الإحاطة): "من": يجوز أن تكون اتصالية، كقولك: أنا منك بفرسخين، أي: أنا منك بمسافة فرسخين، فعلى هذا: "مِن" إلى آخره: خبرُ "أنَّ"، ويجوز أن يكون التقدير: أنهم متمكنون من الإحاطة، و"بحيثُ" إلى آخره: حال، كقوله: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) [هود: ٧٢]، في أن الخبر لا يتم إلا بالحال، وأن تكون "مِن": ابتدائية، و"بحيث": خبرُ "أنَّ"، و"مِنَ الإحاطة": حال. قوله: (وقتلها علمًا): يُقال: قتلتُ الشيء خُبرًا، قال الله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) [النساء: ١٥٧]، أي: لم يُحيطوا به علمًا، قال الحماسي: يروعك من سعد بن عمرو جسومها … وتزهد فيها حين تقتلها خُبرا
[ ٧ / ٥٦٥ ]
فالغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى رسول الله، لا وصف رسول الله بالشك فيه.
ثم قال: (لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أي: ثبت عندك بالآيات والبراهين القاطعة أنّ ما أتاك هو الحق الذي لا مدخل فيه للمرية، (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ * وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ) أي: فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك والتكذيب بآيات الله.
ويجوز أن يكون على طريقة التهييج والإلهاب،
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يكون على طريقة التهييج): هو عطف على قوله: "فإن وقع لك شك مثلًا". الأساس: "ومن المجاز: إذا استقل الرجل غضبًان قيل: هاج فيه"، "ويُقال: ألهبته الأمر: أردتُ بذلك تهييجه". وفائدة هذا الأسلوب أيضًا راجعةٌ إلى الثبات في اليقين، والبعث على طلب المزيد فيه، كما تقول لمن يجتهد في مزاولة أمر، وأنت تريد مزيد بعثه عليه: أراك توانيت عن هذا الأمر وقعدت عنه؛ تريد تهييجه وتحريضه، وإليه الإشارة بقوله: "ولزيادة التثبيت والعصمة"، هذا هو الوجه، وعليه النظم والتأليف، فإنه تعالى لما قال لحبيبه ﷺ تهييجًا وإلهابًا: فإن كُنت في شك أن ما أنزلناه إليك حق، وأنك نبي مرسل، فاسأل أهل الكتاب من الذين آمنوا، فإنهم يشهدون بذلك، والله ﷿ بجلالته وعظمته أيضًا يشهد، ويؤكد الشهادة بالقسم.
[ ٧ / ٥٦٦ ]
كقوله: (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ * وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ) [القصص: ٨٦ - ٨٧]، ولزيادة التثبيت والعصمة، ولذلك قال ﵇ عند نزوله: "لا أشك ولا أسأل، بل أشهد أنه الحق"، وعن ابن عباس: "لا والله، ما شك طرفة عين، ولا سأل أحدًا منهم".
وقيل: خوطب رسول الله ﷺ، والمراد خطاب أمته، ومعناه: فإن كنتم في شك مما أنزلنا إليكم، كقوله: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) [النساء: ١٧٤].
وقيل: الخطاب للسامع ممن يجوز عليه الشك، كقول العرب: إذا عز أخوك فهن.
_________________
(١) ـ ونظيره قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) [الرعد: ٤٣]. وقوله: (فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ) تفريع على قوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ)، وقوله: (وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) تفريع على قوله: (لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ). قوله: (وعن ابن عباس: لا والله، ما شك طرفة عين، ولا سأل أحدًا منهم): فالتعليق بالشرط للفرض، والنهي على التقديرين: إما كناية عن رسوخ أهل الكتاب في معرفة حقية الكتاب والرسول، أو من التهييج والإلهاب، فلا يلزم السؤال. هذا على أن يكون الخطاب لرسول الله ﷺ. قوله: (إذا عز أخوك فهُنْ): أي: إذا شكست أخلاقه فحسن خلقك، قال الميداني: "قال أبو عبيد: معناه: مياسرتك صديقك ليست بضيم ركبك منه، فتدخلك الحمية به،
[ ٧ / ٥٦٧ ]
وقيل: "إن" للنفي، أي: فما كنت في شك فسل، يعنى: لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك، ولكن لتزداد يقينا، كما ازداد إبراهيم ﵇ بمعاينه إحياء الموتى.
_________________
(١) ـ إنما هو حُسنُ خلقٍ وتفضل، فإذا عاسرك فياسره، وقال المفضل: إن المثل لهذيل بن هبيرة التغلبي، وكان أغار على بني ضبة، فغنم، فأقبل بالغنائم، فقال له أصحابه: اقسمها بيننا، فقال: إن أخاف إن تشاغلتم بالاقتسام أن يُدرككم الطلب، فأبوا، فعندها قال: إذا عز أخوك فهن، فنزل فقسم". وعلى هذا الخطاب لكل أحد، كقوله صلوات الله عليه: "بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام"، فإنه أمر لكل من تتأتي منه البشارة. قوله: (لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك، ولن لتزداد يقينا): كما تقول لصاحبك: أنت على يقين من هذه المسألة، فاسأل أهل العلم ليزداد يقينك. الانتصاف: "لو قال هذا المفسر: إن نفي الشك عنه توطئة للسؤال لتقوم حجته على المسؤولين، لا لمزيد يقين، كما في قوله تعالى: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ) [الأنعام: ١٢]، لكان أقوم وأسلم".
[ ٧ / ٥٦٨ ]
وقرئ: "فاسأل الذين يقرؤون الكتب".
[(إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) ٩٦ - ٩٧].
(حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ): ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح، وأخبر به الملائكة؛ أنهم يموتون كفارًا، فلا يكون غيره. وتلك كتابة معلوم لا كتابة مقدّر ومراد، تعالى الله عن ذلك.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "فسل"): ابن كثير والكسائي. قوله: (وتلك كتابة معلوم لا كتابة مقدر): يعني: هو معلوم الله لا مقدره، وعند أهل السنة: هو معلوم الله ومقدره ومُراده تعالى، فعلمه تعالى يوافق تقديره وإرادته، ولا وتجوز المخالفة. هذه المسألة تُحرك سلسلة القضاء والقدر، فيجب أن يكشف عن بعض أسرارها نصًا ودراية: أما النص: فهذه الآية، قال الإمام: "وقد احتج أصحابنا على المطلوب". وأما الدراية: فما رويناه عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والترمذي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "حاج آدم موسى، قال: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك
[ ٧ / ٥٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وأشقيتهم، قال: قال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني"، فقال رسول الله ﷺ: "فحج آدم موسى". وعن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي في حديث عمر ﵁، قال: "أخبرني عن الإيمان"، إلى قوله: "قال: تؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت". قال التوربشتي: "أن تؤمن بما أخبر الله تعالى أنه عالم بما هم عاملون له، وحاكم بما هم صائرون إليه، ولا يمكن أن يكون خلاف ما علم وما حكم. أو يُقال: أن تؤمن بما أخبر الله تعالى عن تقدم علمه تعالى بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم، وصدورها عن تقدير منه، وخلقٍ لها، خيرها وشرها". هذا من قول الخطابي، رواه صابح "جامع الأصول". وقال: "القدر: اسم لما صدر عن فعل القادر، كالهدم والنشر والقبض التي هي أسماء لماي صدر عنفعل الهادم والناشر والقابض، يُقال: قدرت الشيء وقدرت- خفيفة وثقيلة- بمعنى واحد. والقضاء في هذا: معناها الخلق، كقوله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت: ١٢]، أي: خلقهن، وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم أفعالهم وأكسابهم، ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقديم إرادة واختيار، فالحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلحقهم بها.
[ ٧ / ٥٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وجماع القول في هذا: أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه". وقال القاضي في "شرح المصابيح": القضاء: هو الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر: تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها. وقلت: يمكن أن ينزل على هذا المعنى: ما ذكره المصنف في تفسير قوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ) [الرحمن: ٢٩]: "سأل عبد الله بن طاهر الحسين بن فضل، وقال: أشكلتعلي ثلاث آيات: إحداهن: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ) [الرحمن: ٢٩]، وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة؟ وأجاب الحسين: أنها شؤون يبديها، لا شؤون يبتدئها". وقال العلامة قُطبُ الدين الشيرازي: اعلم أن أفعال العباد تنقسم إلى ما يكون تابعًا لقدرته وإرادته، وإلى ما لا يكون كذلك، مثال الأول: المشي والأكل من الإنسان الصحيح الذي لم يُكره على هذين الفعلين، مثال الثاني: حركة الإنسان إلى أسفل إذا وقع من موضع عالٍ. والقدرة: يُراد بها سلامة آلات الفعل من الأعضاء، ويُراد بها الحالة التي يكون الإنسان عليها وقت صدور الفعل عنهن والأول: يكون قبل الفعل ومعه وبعده، وهي القدرة عند المعتزلة، والثاني: لا يكون إلا مع الفعل، وهي القدرة عند الأشعري، ولا شك أن القدرة بالوجهين لا تكون مقدورة للعبد، بل ربما تكون بعض أسبابها- كالتغذي أو التداوي المقتضين لسلامة الأعضاء - مقدورًا له. وأما الإرادة فسببها: إما العلمُ بالمصلحة وإما الشهوة وإما الغضب، ولايكون واحدٌ منها
[ ٧ / ٥٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ إلا عند الشعور، والشعور أيضًا لا يكون مقدورًا للعبد، وربما يكون بعض أسبابه مقدورًا له، وأما عند حصول القدرة والداعي، فهل يجب الفعل أم لا؟ فالحق أنه يجب، وإلا لزم رجحان أحد طرفي الفعل وتركه بغير مرجح، وهذا الوجوب لا يخرج الفعل عن حد الاختيار، أن يكون الفعل أو الترك بإرادة الفاعل، يختار منهما أيهما أراد، وهاهنا كذلك، لأنه لزم الفعل من القدرة والإرادة. فمن نظر إلى أسباب القدرة والإرادة، وهما في الأصل من الله تعالى، وعند وجودهما الفعل واجب وعند عدمهما ممتنع، ذهب على أنه جبر محض، وأن أفعال العباد صادرة عنهم على سبيل القهر والإلجاء من غير قدرة واختيار لهم أصلًا. ومن نظر إلى قدرة العبد وإرادته، ذهب إلى أنه قدر محض، وأن أفعالهم صادرة عنهم على سبيل الاستقلال. وكل واحد منهما أعور بأي عينيه شاء، فإن المذهب الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: هو أنه لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين الأمرين، إذ الاختيار حق، والإسناد إلى فعل الله حق، ولا يتم الفعل بأحدهما دون الآخر. وما قيل في إثبات الجبر: "إن خلاف ما علم الله وقوعه محال، وهو يوجب الجبر"؛ منقوض إجمالًا: بأنه لو صح هذا لزم الجبر في أفعاله تعالى، لأنه كان في الأزل عالمًا بأفعاله فيما لا يزال، وخلافُ ما علم الله وقوعه محال، فما هو جوابكم هناك، فهو الجواب هاهنا، وتفصيلًا: بأن العلم بالشيء ربما لا يكون سببًا لوقوعه، فغن من علم بأن الشمس غدًا تطلع، لا يكون علمه سببًا لطلوعها، وإذا لم يكن للعلم أثر في الفعل، فلا يكون الفعل ولا الإيجاب، والله أعلم بالصواب.
[ ٧ / ٥٧٢ ]
[(فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) ٩٨].
(فَلَوْلا كانَتْ): فهلا كانت (قَرْيَةٌ) واحدة من القرى التي أهلكناها، تابت عن الكفر، وأخلصت الإيمان قبل المعاينة وقت بقاء التكليف، ولم تؤخر كما أخر فرعون إلى أن أخذ بمخنقه، (فَنَفَعَها إِيمانُها) بأن يقبله الله منها لوقوعه في وقت الاختيار. وقرأ أبىّ وعبد الله: "فهلا كانت".
(إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) استثناء من القرى، لأنّ المراد أهاليها، وهو استثناء منقطع بمعنى: ولكن قوم يونس لما آمنوا. ويجوز أن يكون متصلا، والجملة في معنى النفي، كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس، وانتصابه على أصل الاستثناء، وقرئ بالرفع على البدل، هكذا روى عن الجرمي والكسائي.
_________________
(١) قوله: (لأن المراد أهاليها): تعليل لجعل الاستثناء منقطعًا، ونحوه قوله في سورة الجر: "فإن قلت: (إِلاَّ آلَ لُوطٍ) [الحجر: ٥٩] استثناء متصل أو منقطع؟ قلت: لا يخلو من أن يكون استثناء من (قوْمٍ) [الحجر: ٥٨]، فيكون منقطعًا، لأن القوم موصوفون بالإجرام، فكان كاختلاف الجنسين، وان يكون استثناء من ضمير (مُجْرِمِينَ) [الحجر: ٥٨]، فيكون متصلًا، كانه قيل: إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم"، فكذلك هاهنا، فإن أهالي تلك القرى موصوفون بأن يقال في حقهم: هلا كانت قرية من القرى آمنت فنفعها غيمانها، فلا يكونون إذن موصوفين بالإيمان، ثم قيل: لكن قوم يونس آمنوا، فيصح جعله منقطعًا لاختلاف الصفتين، فلو جُعل متصلًا فسد المعنى، لأنه يكون تحضيضًا لأهل القرى على الإيمان النافع، وهو الإيمان في وقت الاختيار، إلا لقوم يونس. وأما إن قلت: في تحضيضهم على الإيمان النافع معنى نفيه عنهم، كان المعنى: ما كانت قرية آمنت إلا قوم يونس، كان استثناء متصلًا ومعنى صحيحًا، فكان انتصابه على أصل
[ ٧ / ٥٧٣ ]
روي: أن يونس ﵇ بعث إلى نينوى من أرض الموصل، فكذبوه، فذهب عنهم مغاضبًا، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب، فلبسوا المسوح، وعجوا أربعين ليلة. وقيل: قال لهم يونس: إن أجلكم أربعون ليلة، فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانًا شديدًا، ثم يهبط، حتى يغشى مدينتهم، ويسوّد سطوحهم، فلبسوا المسوح، وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، وفرّقوا بين النساء والصبيان، وبين الدواب وأولادها، فحنّ بعضها على بعض، وعلت الأصوات والعجيج، وأظهروا الإيمان والتوبة، وتضرعوا، فرحمهم الله، وكشف عنهم، وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة.
وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادّوا المظالم، حتى إنّ الرجل كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه، فيردّه، وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال لهم: قولوا: "يا حيّ حين لا حي، ويا حي محيى الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت"، فقالوها، فكشف عنهم.
وعن الفضيل بن عياض: قالوا: "اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت، وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله".
[(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) ٩٩].
(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ) مشيئة القسر والإلجاء، (لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ)
_________________
(١) ـ الاستثناء، وإن كان الأفصح أن يُرفع على البدل، لأنه في كلام غير موجب. نحوه مذكور في آخر سورة هود. قوله: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ) مشيئة القسر والإلجاء)، الانتصاف: "لما علم أن الآية تقتضي عدم مشيئة الله الإيمان من الجميع، وإنما شاء ممن آمن لا ممن كفر، أوله بمشيئة القسر
[ ٧ / ٥٧٤ ]
على وجه الإحاطة والشمول، (جَمِيعًا) على الإيمان مطبقين عليه، لا يختلفون فيه، ألا ترى إلى قوله: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ) يعنى: إنما يقدر على إكراههم واضطرارهم إلى الإيمان هو لا أنت، وإيلاء الاسم حرف الاستفهام، للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الشأن في المكره؛ من هو؟ وما هو إلا هو وحده لا يشارك فيه، لأنه هو القادر على أن يفعل في قلوبهم ما يضطرّون عنده إلى الإيمان، وذلك غير مستطاع للبشر.
_________________
(١) ـ والإلجاء، ليتم له". وقال القاضي: "هو دليل على القدرية في أنه تعالى لم يشأ إيمانهم أجمعين، وأن من شاء إيمانه يؤمن لا محالة، والتقييد بمشيئة الإلجاء خلاف الظاهر". قوله: (للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه): ومذهب المعتزلة: أن الله تعالى قادر على فعل القبائح، لكن الحكمة صارفة عنه، وقد أشار إليه في سورة الأنبياء، في قوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا) [الأنبياء: ١٧] ن فدل هذا على أن افكراه ممكن، ودل قوله: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ) على وقوعه قطعًا، لأن إيلاء الضمير حرف الاستفهام يدل على وقوع الفعل وحصوله، لكن الكلام في الفاعل؛ هو هذا المذكور أم غيره؟ قال صاحب "المفتاح": "فلا يجوز بعدما عرفت أن التقديم يستدعي العلم بحال نفس الفعل: أنت ضربت زيدًا؟ ". فقول المصنف بـ"أن الإكراه ممكن مقدور عليه" خلاف مايقتضيه التركيب، فالمعنى: أن الله ﷿ وحده فاعل هذا الإكراه الموجود لا أنت، لأن الإيمان والأعمال الصالحة مشروع على خلاف مقتضى الطبيعة والجبلة الإنسانية، لأنها مائلة على اللذات والشهوات وحُب الرئاسة، ولا يقدر على إيجاد خلاف ما تقتضيه الطبيعة إلا الله ﷿، ويعضده قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ)، أي: لا ينبغي ولا يستقيم بالنظر إلى جبلته وخلقته ان يؤمن لأنه مناف له، إلا أن يسهل الله عليه.
[ ٧ / ٥٧٥ ]
[(وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) ١٠٠].
(وَما كانَ لِنَفْسٍ) يعنى: من النفوس التي علم أنها تؤمن، (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بتسهيله، وهو منح الألطاف، (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) قابل الإذن بالرجس، وهو الخذلان، والنفس المعلوم إيمانها بالذين لا يعقلون، وهم المصرون على الكفر، كقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) [البقرة: ١٧١]، وسمى الخذلان رجسا -وهو العذاب- لأنه سببه. وقرئ: "الرجز"، بالزاي، وقرئ "ونجعل" بالنون.
[(قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) ١٠١].
_________________
(١) ـ قوله: (قابل الإذن بالرجس، وهو الخذلان، والنفس المعلوم إيمانها بالذين لا يعقلون): يُريد: أن الآية من باب المقابلة، وذلك أن الإذن لما كان معبرًا عن التسهيل، وهو من الله التوفيق ومنح الألطاف، ووقع مقابلًا للرجس، ينبغي أن يفسر "الرجس" الذي يُراد به العذاب بالخذلان؛ لأن الخذلان سبب العاب، وإليه الإشارة بقوله: "وسمي الخذلان رجسًا- وهو العذاب- لأنه سببه". انظر إلى هذا التعسف والانحراف عن محجة الصواب، أين التقابل؟ أم كيف يموه قوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) بهذا التأويل؟ ! وهو مثل قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) [آل عمران: ١٤٥]، وقد قال: "إن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشيئة الله، فأخرجه مخرج فعل لا ينبغي لأحد أن يُقدم عليه إلا بغذن الله تمثيلًا"، وقد سبق بيان المبالغة فيه.
[ ٧ / ٥٧٦ ]
_________________
(١) . بل الأسلوب من باب اللف والنشر، فقوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) مفرعٌ على قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، كما أن قوله: (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) مبني على قوله: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ)، يعني: لما أوجبنا عليهم القول، وقدرنا أنهم من أصحاب النار، فلا يؤمنون ألبتة، ولو جاءتهم كل آية، حتى يصلوا إلى ما قُدر لهم من العذاب الأليم، وكذلك نجعل الرجس - أي: أدناس الشرك والعصيان والعناد- على الذين ختمنا على قلوبهم وعلى سمعهم وأبصارهم، كقوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) [البقرة: ١٧١]. المعنى: إذا كان إيمان من في الأرض كلهم معلقًا بمشيئة الله وإرادته، فلا يصح ولا يستقيم أن يؤمن أحد إلا بإذن الله ومشيئته، فلا تقدر أنت أن تكرههم على الإيمان، وإذا سبق التقدير، وحقت كلمة العذاب على الكفرة، وجفت الأقلام، فلابد أن يُجعل الرجس عليهم، والطبع على قلوبهم وعلى سمعهم، حتى لا يعقلوا آيات الله، ولا يلتفتوا إلى إرشادك، ولو جئتهم بكل آية. تأمل يا أيها الناظر في هذه الآيات، واقطع بأن الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية: تابعة لمشيئة الله وإرادته، جارية بقضائه وقدره، ولا ترى كلامًا أجمع من هذا، ومن حاول تحريفه زل وضل، هيهات! جرى الوادي فطم على القرى، واتسع الخرق على الراقع.
[ ٧ / ٥٧٧ ]
(ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) من الآيات والعبر، (وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ): والرسل المنذرون، أو الإنذارات، (عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ): لا يتوقع إيمانهم، وهم الذين لا يعقلون، وقرئ: "وما يغنى"، بالياء، و"ما" نافية، أو استفهامية.
[(فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) ١٠٢ - ١٠٣].
(أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ): وقائع الله تعالى فيهم، كما يقال: أيام العرب لوقائعها، (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا) معطوف على كلام محذوف يدل عليه قوله: (إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ)، كأنه قيل: نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا، على حكاية الأحوال الماضية، (وَالَّذِينَ آمَنُوا): ومن آمن معهم، كذلك (نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم ونهلك المشركين، و(حَقًّا عَلَيْنا) اعتراض، يعنى: حقّ ذلك علينا حقًا. وقرئ: (ننجّ) بالتشديد.
(قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ١٠٤].
(يا أَيُّهَا النَّاسُ): يا أهل مكة (إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي) وصحته وسداده، فهذا ديني فاسمعوا وصفه، واعرضوه على عقولكم،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "نُنَجِّ" بالتشديد): كلهم إلا حفص والكسائي. قوله: (فهذا ديني، فاسمعوا وصفه، واعرضوه على عقولكم): إشارة إلى أن جواب الشرط- وهو قوله: (فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) - لا يستقيم أن يكون جوابًا ومسببًا عن قوله: (إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي)، إلا بتأويل الإعلام والإسماع، على منوال قوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) [النحل: ٥٣]، قال ابن الحاجب: "إن استقرار النعمة بالمخاطبين
[ ٧ / ٥٧٨ ]
وانظروا فيه بعين الإنصاف، لتعلموا أنه دين لا مدخل فيه للشك، وهو أنى لا أعبد الحجارة التي تعبدونها من دون من هو إلهكم وخالقكم، (وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) وإنما وصفه بالتوفي، ليريهم أنه الحقيق بأن يخاف ويتقى، فيعبد دون مالا يقدر على شيء.
(وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يعنى: أنّ الله أمرني بذلك، بما ركب فيّ من العقل، وبما أوحى إلىّ في كتابه. وقيل: معناه إن كنتم في شك من ديني ومما أنا عليه: أثبت عليه أم أتركه وأوافقكم، فلا تحدّثوا أنفسكم بالمحال، ولا تشكوا في أمري، واقطعوا غنى أطماعكم، واعلموا أنى لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، ولا أختار الضلالة على الهدى، كقوله: (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ * لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) [الكافرون: ١ - ٢].
(أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ) أصله: بأن أكون، فحذف الجار، وهذا الحذف يحتمل أن يكون من الحذف المطرد؛
_________________
(١) ـ ليس سببًا لكونها من عند الله تعالى، من جهة كونه فرعًا عنه، فالآية جيء بها لإخبار قوم استقرت بهم نعم جهلوا معطيها، فاستقرارها- مجهولة أو مشكوكة- سبب للإخبار بكونها من الله تعالى"، كذا هاهنا؛ كونهم شاكين معرضين عن دين الله: سبب لإقامة دعوته صلوات الله عليه، بإثبات التوحيد، وغسماعه إياهم، ليعرضوه على عقولهم. قوله: (وهذا الحذف يحتمل أن يكون من الحذف المطرد) إلى آخره: قال صاحب "التقريب": "وفيه نظر؛ لأن تفسيره المطرد بحذف حروف الجارة مع "أن"، يقتضي كونه من المطرد قطعًا، فلعل المراد من قوله: "وهذا الحذف": أن هذا النوع من الحذف، وهو حذف حرف الجر بعد فعل الأمر مثلًا، يحتمل المطرد كما نحن فيه، وغير المطرد كـ "أمرتك الخير"، ونحوه.
[ ٧ / ٥٧٩ ]
الذي هو حذف الحروف الجارّة مع "إن" و"أن"، وأن يكون من الحذف غير المطرد، وهو قوله: أمرتك الخير (فاصدع بما تؤمر) [الحجر: ٩٤].
_________________
(١) ـ ويمكن أن يُقال: في (أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ) حذف، ويحتمل المطرد وغيره، بيانه: أن الحذف المطرد له ركنان: حذف الجار وحده وذكر "أن" بعده، فلو لم يذكر "أن"-كـ"أمرتُك الخير"-، أو ليس المحذوف الجار وحده، بل مع المجرور- نحو: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) [الحجر: ٩٤]، أي: بصدعه، فحذف الباء ثم الصدع-، فليس بمطرد، فـ (أَنْ أَكُونَ): إما أن يكون مأمورًا به، فهو من المُطرد، وإما أن يكون للتعليل - كما ذكره في (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ) [الأنعام: ٧١]-، والمأمور به محذوف، أي: أمرت بالإيمان لأن أكون مؤمنًا، فهو غيرمطرد، إذ حذف الجار والمجرور معًا، نحو: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) [الحجر: ٩٤] " تم كلامه. وتحريره: أن قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ) فيه اعتباران، فبالنظر إلى لفة "أنْ" من غير اعتبار كونها واقعة بعد لفظ "الأمر"، مع تقدير حذف الجار، يكون من حذف المطرد. وباعتبار لفظ "الأمر" - فإنه قد يحذف معه الجار، نحو: "أمرتك الخير"، (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) [الحجر: ٩٤]-، من غير نظر إلى لفظ "أنْ"، يكون من الحذف غير المطرد. وأما قوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) [الحجر: ٩٤]: فأصله: بماتؤمر به، فحذف حرف الجر وأوصل، فصار: بما تؤمره، ثم حذف الضمير المنصوب. قوله: (أمرتك الخير): تمامه: فافعل ما أمرت به … فقد تركتك ذا مال وذا نشب "النشب": المال والعقار.
[ ٧ / ٥٨٠ ]
[(وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ١٠٥].
فإن قلت، عطفُ قوله: (وَأَنْ أَقِمْ) على (أَنْ أَكُونَ) [يونس: ١٠٤] فيه إشكال، لأنّ "أن" لا تخلو من أن تكون التي للعبارة، أو التي تكون مع الفعل في تأويل المصدر، فلا يصح أن تكون للعبارة، وإن كان الأمر مما يتضمن معنى القول، لأنّ عطفها على الموصولة يأبى ذلك، والقول بكونها موصولة مثل الأولى، لا يساعد عليه لفظ الأمر، وهو (أَقِمْ)، لأنّ الصلة حقها أن تكون جملة تحتمل الصدق والكذب؟
_________________
(١) ـ قوله: (التي للعبارة): أي: المفسرة. قوله: (لأن عطفها على الموصولة يأبى ذلك): والموصولة لفظة "أن" في قوله: (أَنْ أَكُونَ) [يونس: ١٠٤]؛ لأنها متصلة بالفعل مفيدة معها معنى المصدر، والموصولة- كما قيل - على ثلاثة اضرب: ضرب اتفق على اسميته، وهو "الذي" وأخواتهان وضرب اتفق على حرفيته، وهو "أنَّ" و"أنْ" و"كي"، وضرب اختلف فيه، وهو "ما" المصدرية، والألف واللام، فمن أوجب عود الضمي رعليها جعلها اسمًا، وإلا فلا. قوله: (يأبى ذلك): لأن من شرط "أنْ" المفسرة: ان لا يتصل بها شيء منصلة الفعل الذي تفسره، غذ لو اتصل ذلك بها صار في جملة ذلك الفعل، ولم يكن تفسيرًا له، قاله في "الإقليد"، فإذا عطفتها على الموصولة اتصلت بها، لأن المطعوف في حكم المعطوف عليه، فيقتضي الاتصال، والذي يدل على أن الأولى موصولة: أنها عملت في (أَكُونَ)، والمفسرة لا تنصب. قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يُقال: (وَأَنْ أَقِمْ) لم يكن عطفًا على (أَكُونَ)، بل المعطوف مقدر، وهو "أوحى إلي" أو "نوديت"، فتكون "أنْ" للعبارة. وقلت: هذا سائغ من حيث الإعراب، لكن في ذلك العطف فائدة معنوية، وهو أن قوله: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ) مع التي تليها من الآيات، كالتفسير لقوله: (أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)، على
[ ٧ / ٥٨١ ]
قلت: قد سوّغ سيبويه أن توصل "أن" بالأمر والنهى، وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل، على الخطاب، لأنّ الغرض وصلها بما تكون معه في معنى المصدر. والأمر والنهى دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال.
(وأن أَقِمْ وَجْهَكَ): استقم إليه ولا تلتفت يمينًا ولا شمالا. و(حَنِيفًا) حال من "الدين"، أو من "الوجه".
[(وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ) ١٠٦].
_________________
(١) ـ أسلوب: "أعجبني زيدٌ وكرمه"، داخل معها في حكم المأمور به، فلو قُدر ذلك فات غرض التفسير، وتكون الجملة مستقلة معطوفة على مثلها. قوله: (أنت الذي تفعل، على الخطاب): والأصل أن يقال: أنت الذي يفعل، على الغيبة؛ نظرًا إلى لفظ "الذي"، فلما كان "الذي" وقع خبرًا لـ "أنت"، ومعناه معناه، قيل على الخطاب، ووجه الشبه هو أنه لما كان "الذي" يقتضي أن يكون صلتها جملة مشتملة على ضمير راجع إليها، واقتضى أن يكون للغائب، فبالنظر إلى المعنى جاز الخطاب، كذلك جاز أن ينظروا إلى المعنى ويدخلوا "أنْ" المصدرية على الأمر والنهي، لأن الغرض أن يكون ماب عدها في تأويل المصدر، وقد حصل الغرض، سواء كان الفعل إخباريًا أو إنشائيًا، بخلافه في الموصول الاسمي، فنه يجب أن تكون صلته جملة خبرية؛ لأن وضعه على جعل الجملة معرفة، ليصح وصف المعرفة بها، ولا تكون الصفة إلا خبرية، وأما الموصول الحرفي فليس كذلك، فصح أن تقع صلته خبرية وطلبية.
[ ٧ / ٥٨٢ ]
(فَإِنْ فَعَلْتَ) معناه: فإن دعوت من دون الله مالا ينفعك ولا يضرّك، فكنى عنه بالفعل إيجازًا (فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ): (إذًا) جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدّر، كأنّ سائلا سأل عن تبعة عبادة الأوثان. وجعل من الظالمين، لأنه لا ظلم أعظم من الشرك، (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣].
[(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) ١٠٧ - ١٠٨].
_________________
(١) قوله: (فكنى عنه بالفعل إيجازًا): يعني: قد يجاء بلفظ "فعل" بعد تقدم أفعال شتى وكيفيات متعددة، فيعبر به عنها كلها إيجازًا، كما يشار باسم الإشارة إلى كلام طويل اختصارًا، نحوه قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) [البقرة: ٢٤]، أي: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ولم تأتوا بشهدائكم من دون الله. قوله: «إذًا) جزاء للشرط، وجواب السؤال مقدر): قال ابن الحاجب: "لسنا نعني بالجواب جواب متكلم بالتحقيق، بل قد يكون جوابًا لمتكلم، وقد يكون جوابًا لتقدير ثبوت أمر، فمثال الأول: يقول الرجل: أنا آتيك، فتقول: إذن أكرمك، فأجبته بهذا الكلام، وصيرت إكرامك جزاء على إتيانه، ومثال الثاني: قولك: لو أكرمتني إذن أكرمك، وأشباهه، في تقدير جواب متكلم سأل: ماذا يكون مرتبطًا بالإكرام؟ فأجابه: بارتباط إكرامه به. وأما معنى الجزاء فيها فواضح، قال الزجاج تأويلها: إن كان الأمر كما ذكرت فني أكرمك؛ تنبيهًا على أن فيها معنى الجزاء، حتى يصح تقديره مصرحًا به".
[ ٧ / ٥٨٣ ]
أتبع النهي عن عبادة الأوثان ووصفها بأنها لا تنفع ولا تضر، أنّ الله ﷿ هو الضارّ النافع، الذي إن أصابك بضرّ لم يقدر على كشفه إلا هو وحده دون كل أحد، فكيف بالجماد الذي لا شعور به؟ وكذلك إن أرادك بخير لم يردّ أحد ما يريده بك من فضله وإحسانه، فكيف بالأوثان؟ فهو الحقيق إذن بأن توجه إليه العبادة دونها،
_________________
(١) ـ قوله: (أتبع النهي عن عبادة الأثان): مفعول "أتبع": أن الله هو الضار النافع"، يريد: أن قوله: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ) الآية، متصل بما قبله، معطوف على قوله: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الآية: (يونس: ١٠٦]، على تأويل الإخباري بالإنشائي، وهما جميعًا متفرعان على قوله: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) [يونس: ١٠٥]، أي: كن مائلًا عن سوى دين الله موحدًا غير مشرك. ثم أكد ذلك بأن نهاه بقوله: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ)، وأمره بأن يدعو من يضره وينفعه بقوله: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ)، أي: وادع من أن يمسسك بضر فلا كاشف له إلا هو، وصور هاهنا حالتي النفع والضر، وخالف بين القرينتين؛ لأن المقام يقتضي الترغيب والتنفير، كقوله تعالى: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) [يونس: ١٠٥]، فالمناسب ذكر المس مع الضر، والإرادة مع الخير، من غير تأويل، يعني: إذا أوقعك في الضراء لا يكشفها إلا هو، إذ لا ملجأ إلا إليه، فلا تكونن من المشركين، وإذا أراد بك الخير فلا يقدر أحد أن يرد ذلك، فلا مرجو إلا هو، فأقم وجهك لدينه، واعبده مخلصًا، يعني: إذا اراد الله أن يتفضل على احد بمحض فضله، لا يقدر أحد رد فضله، ﷾. ثم علل ذلك بأنه فعال لما يشاء، وليس لأحد أن يمنعه مما أراد؛ حيث قال: (يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ).
[ ٧ / ٥٨٤ ]
وهو أبلغ من قوله: (إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ، أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ) [الزمر: ٣٨].
فان قلت: لم ذكر المس في أحدهما، والإرادة في الثاني؟ قلت: كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعًا -الإرادة والإصابة- في كل واحد من الضرّ والخير، وأنه لا رادّ لما يريده منهما، ولا مزيل لما يصيب به منهما،
_________________
(١) وفي تخصيص الضر بالمس، والخير بالإرادة: الإشارة إلى أن الإنسان في الضراء أخضع وأخبت، وإلى كشفها أدعى وأميل، وأن المطلوب اللياذ إليه، وأنه في الرخاء إلى مزيد الخير ورجاء الفضل أحرص وأقبل، والمقصود الركون إليه. أما مقصود المصنف من إيراده: فهو أن الكلام مطلوب فيه التوكيد، فذكر في كل من الفقرتين المتقابلتين ما يدل على إرادة مثله فيما يقابله، وحذف اختصارًا. وهذا ليس بمرضي من مثله؛ لأن فائدة العدول ليس الاختصار ولا التأكيد. وقال القاضي: "ولعله تعالى ذكر الإرادة في الخير، والمس في الضر، مع تلازم الأمرين، للتنبيه على أن الخير مراد بالذات، وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول، ووضع "الفضل" موضع الضمير؛ للدلالة على أنه تعالى متفضل بما يريد بهم من الخير، لا بالاستحقاق عليه، ولم يستثن؛ لأن مراد الله لا يمكن رده". قوله: (وهو أبلغ من قوله: (إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ) [الزمر: ٣٨]: قال صاحب "التقريب": وهو أبلغ؛ لعموم النفي ولتصريحه هاهنا، وتخصيص النفي بالأصنام والتجوزعن النفي بالاستفهام".
[ ٧ / ٥٨٥ ]
فأوجز الكلام بأن ذكر المسّ - وهو الإصابة - في أحدهما، والإرادة في الآخر، ليدلّ بما ذكر على ما ترك، على أنه قد ذكر الإصابة بالخير في قوله (يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ)، والمراد بالمشيئة: مشيئة المصلحة.
(قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ) فلم يبق لكم عذر، ولا على الله حجة، فمن اختار الهدى وإتباع الحق فما نفع باختياره إلا نفسه، ومن آثر الضلال فما ضرّ إلا نفسه، واللام و"على": دلا على معنى النفع والضر، ووكل إليهم الأمر بعد إبانة الحق وإزاحة العلل، وفيه حث على إيثار الهدى واطراح الضلال مع ذلك.
(وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ): بحفيظ موكول إلىّ أمركم وحملكم على ما أريد، إنما أنا بشير ونذير.
[(وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) ١٠٩].
(وَاصْبِرْ) على دعوتهم واحتمال أذاهم وإعراضهم، (حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ) لك بالنصر عليهم والغلبة.
_________________
(١) وقلت: أما التجوز عن النفي بالاستفهام: فهو أبلغ لما فيه من إعطائه معنى النفي مع الاستبعاد من أن تكون ممسكات ألبتة، لكن المبالغة هاهنا لإفادة الحصر الحقيقي بـ"لا" و"إلا"، وبالجهات التي أوردناها. قوله: (والمراد بالمشيئة: مشيئة المصلحة): قيدها نظرًا إلى معتقده، وإلا فهو ﷾ فاعل لما يشاء. قوله: (مع ذلك): المشار إليه: قوله: "وكل إليهم" إلى آخره، أي: سيقت الآية لبيان توكيل الأمر بعد إبانة الحق وإزاحة العلل، وأدمج فيه معنى حب إيثار الهدى واطراح الضلال.
[ ٧ / ٥٨٦ ]
وروي أنها لما نزلت جمع رسول الله ﷺ الأنصار، فقال "إنكم ستجدون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني"، يعنى: أنى أُمرت في هذه الآية بالصبر على ما سامتني الكفرة، فصبرت، فاصبروا أنتم على ما يسومكم الأمراء الجورة، قال أنس: فلم نصبر.
وروى: أنّ أبا قتادة تخلف عن تلقى معاوية حين قدم المدينة، وقد تلقته الأنصار، ثم دخل عليه من بعد، فقال له: مالك لم تتلقنا؟ قال: لم تكن عندنا دواب. قال: فأين النواضح؟ قال: قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، وقد قال ﷺ: " يا معشر الأنصار، إنكم ستلقون بعدي أثره". قال معاوية: فماذا قال؟ قال: قال "فاصبروا حتى تلقوني" قال: فاصبر
_________________
(١) ـ قوله: (ستجدون بعدي أثرة) الحديث: من رواية البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول للأنصار: "إنكم ستلقون بعدي أثرة"، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض". رواه أحمد بن حنبل. وروى البخاري عن أنس، عن النبي ﷺ: "إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني، وموعدكم على الحوض". النهاية: "الأثرة- بفتح الهمزة والثاء-: الاسم من: آثر يؤثر إيثارًا: إذا أعطى، أراد أنه يستأثر عليكم، فيفضل غيركم في نصيبه من الفيء". وفي غيرها: أثرة: بضم الهمزة وإسكان الثاء وبفتحها، وبكسر الهمزة وسكون الثاء، قال الأزهري: هو الاستئثار، أي: يستأثر عليكم بأمور الدنيا، ويفضل غيركم عليكم، ولا يجعل لكم في الأمر من نصيب. قوله: (فأين النواضح؟): وهي الإبل التي تسقي الزروع.
[ ٧ / ٥٨٧ ]
قال: إذن نصبر. فقال عبد الرحمن بن حسان:
أَلَا أبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ … أمِيرَ الظّالِمِينَ نَثَا كَلَامِي
بِأَنّا صَابِرُونَ فَمُنْظِرُوكُمْ … إلَى يَوْمِ التَّغَابُنِ وَالْخِصَامِ
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة يونس أعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بيونس وكذب به، وبعدد من غرق مع فرعون".
_________________
(١) النهاية: "منه حديث معاوية للأنصار، رضوان الله عليهم، وقد قعدوا عن تلقيه لما حج: "ما فعلت نواضحكم؟ "، كأنه يقرعهم بذلك، لأنهم كانوا أهل حرث وزروع وسقي". وقيل: فقابله أبو طلحة بقوله: "قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر"، تعريضًا بأنا ظفرنا على أسلافكم، إذ قابلناهم عليها، أشار إلى أنها كانت نجائب. قوله: (نثا كلامي): النثا - بالنون: خبر، مشهور. النهاية: "النثا في الكلام: يطلق على القبيح والحسن".
[ ٧ / ٥٨٨ ]