مكية، وهي ثماني آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ)] ١ - ٤ [
استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك؛ ولذلك عطف عليه (وضعنا) اعتبارًا للمعنى. ومعنى: شرحنا صدرك: فسحناه حتى وسع هموم النبوّة ودعوة الثقلين جميعًا.
_________________
(١) سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ مكية، وهي ثماني آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (فأفاد إثبات الشرح وإيجابه)، أي: أنكر عدم الشرح، فإذا أنكر ذلك ثبت الشرح، لأن الهمزة للإنكار، والإنكار نفي، والنفي إذا دخل على النفي عاد إثباتًا، ولا يجوز جعل الهزة للتقرير. قوله: (فسحناه حتى وسع هموم النبوة ودعوة الثقلين جميعًا)، فإن قلت: لم فسر هاهنا شرح الصدر أجمع وأشرح من تفسيره في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]، حيث قال: "لما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي، عرف أنه كُلف أمرًا عظيمًا وخطبًا جسيمًا،
[ ١٦ / ٤٩٢ ]
أو حتى احتمل المكاره التي يتعرض لك بها كفار قومك وغيرهم، أو فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم، وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل. وعن الحسن: مليء حكمةً وعلمًا
_________________
(١) يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلا ذو جأش رابط وصدر فسيح، فاستوهب ربه أن يشرح صدره؟ ". قلت: إن الهموم بقدر الهمم، ونعم ما قال الصاحب: وقائلة لم عزتك الهموم وأمرك ممتثل في الأمم؟ فقلت: ذريني على غُصتي فإن الهموم بقدر الهمم ولكل مقام مقال؛ فإن الكليم حين بعث إلى فرعون الطاغي، طلب الانشراح كما قال: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٤ - ٢٥]، والحبيب لما طُلب إلى مقام ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]، قيل له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، كما يجيء في حديث مالك بن صعصعة. وقال جعفر الصادق: "ألم نشرح لك صدرك لمشاهدتي ومُطالعتي. وقال ابن عطاء: ألم نخل سرك عن الكل، فغبت عن مشاهدة الكون وما سوى الحق، فشرح صدرك للنظر، وشرح صدر موسى للكلام. وقال سهل: ألم نوسع صدرك بنور الرسالة، فجعلناه معدنًا للحقائق". قوله: (وعن الحسن: مُلئ حكمة وعلمًا)، لعله يشير إلى ما رويناه عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن مالك بن صعصعة، عن النبي؟: "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان، فأُتيت بطست من ذهب فيها ماء زمزم، فشُرح صدري إلى كذا وكذا. قال قتادة: يعني لأنس: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني، قال: فاستخرج قلبي فغُسل بماء زمزم، ثم أُعيد مكانه، ثم حُشي إيمانًا وحكمة، ثم أُتي بدابة دون البغل وفوق الحمار" الحديث بطوله.
[ ١٦ / ٤٩٣ ]
وعن أبي جعفر المنصور أنه قرأ: (ألم نشرح لك) بفتح الحاء.
_________________
(١) ـ قال الإمام: "لا يبعد أن يكون حصول الدم الأسود الذي غسلوه من قلبه صلوات الله عليه، علامة الميل والركون إلى المعاصي والتحجم عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة كون صاحبة مواظبًا على الطاعات محترزًا عن السيئات، يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد". الراغب: " أصل الشرح بسط اللحم ونحوه، يقال: شرحت اللحم وشرحته، ومنه شرح الصدر، وهو بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه". قوله: (قرأ: "ألم نشرح" بفتح الحاء)، أصله: "نشرحن"، فحذف وأبقى فتحة الحاء دليلًا على النون في "المنتقى"، قال ابن جنى: "رويت عن أبي جعفر المنصور: "ألم نشرح"، بفتح الحاء، قال ابن مجاهد: "هذا غير جائز أصلًا". وقال ابن جني: "ظاهر الأمر ومألوف الاستعمال ما ذكره ابن مجاهد، لكن جاء مثل هذا فيما قرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد: من أي يومي من الموت أفر أيوم لم يُقدر أم يوم قُدر؟ قيل: أراد: لم يُقدرن، بالنون الخفيفة، وحذفها عندنا غير جائز، لأن نون التأكيد أشبه شيء به الإسهاب والإطناب، لا الإيجاز والاختصار. وفي نوادر أبي زيد أيضًا بيت آخر، ويقال إنه مصنوع، وهو قوله: اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسيف قونس الفرس
[ ١٦ / ٤٩٤ ]
وقالوا: لعله بين الحاء وأشبعها في مخرجها، فظنّ السامع أنه فتحها، والوزر الذي أنقض ظهره أي: حمله على النقيض وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله مثل لما كان يثقل على رسول الله ﷺ ويغمه من فرطاته قبل النبوّة، أو من جهله بالأحكام والشرائع، أو من تهالكه على إسلام أولى العناد من قومه وتلهفه. ووضعه عنه: أن غفر له، أو علم الشرائع، أو مهد عذره بعد ما بلغ وبالغ
_________________
(١) ـ أراد: اضربن، بالنون الخفيفة، وحذفها". قوله: (وهو صوت الانتقاض والانفكاك)، وفي "الصحاح": "أنقض الحمل ظهره، أي: أثقله. وأصله الصوت، والنقيض: صوت المحامل والرّحال". الراغب: "أنقض ظهره: أي: كسره حتى صار له نقيض، ونقيض المفاصل صوتها. والظهر استعارة تشبيهًا للذنوب بالحمل الذي ينوء بحامله". قوله: (ووضعه عنه: أن غفر له)، مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على مثلها وهي قوله: "والوزر مثل"، أي: استعارة مسبوقة بالتشبيه، فيكون ﴿وَوَضَعْنَا﴾ ترشيحًا لها، لأنه وصف مناسب للمستعار منه. هذا هو المعنى بقوله: "ووضعه عنه: أن غُفر له" إلى آخره؛ فإذا استعير الوزر للذنب، فالمناسب أن يُحمل الترشيح على معنى الغفران، وإذا استعير للجهل بالأحكام، فالملائم أن يجري على تعليم الشرائع، وإذا حُمل على تهالكه صلوات الله عليه على إسلامهم، فالموافق أن يُتأول بتمهيد العُذر، أي: لا تحرص على هداهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، لأنك بالغت في التبليغ، وألزمت عليهم الحجة، ففيه لف ونشر.
[ ١٦ / ٤٩٥ ]
وقرأ أنس: (وحللنا وحططنا). وقرأ ابن مسعود: (وحللنا عنك وقرك). ورفع ذكره: أن قرن بذكر الله في كلمة الشهادة والأذان والإقامة والتشهد والخطب، وفي غير موضع من القرآن (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)] التوبة: ٦٢ [، (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)] النساء: ١٣ [، (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)] المائدة: ٩٢ [وفي تسميته رسول الله ونبى الله؛ ومنه ذكره في كتب الأولين، والأخذ على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به.
فإن قلت: أي فائدة في زيادة (لك)، والمعنى مستقل بدونه؟
_________________
(١) قوله: (وقرأ أنس: "وحللنا وحططنا")، عن ابن جني، "قال أبان: قلت لأنس: يا أبا حمزة: ﴿وَوَضَعْنَا﴾؟ قال: "وضعنا" و"حللنا" و"حططنا" سواء. إن جبريل ﵇ أتى النبي؟، قال: اقرأ على سبعة أحرف، ما لا تخلط مغفرة بعذاب، وعذابًا بمغفرة". قلت: قد جاء عن مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي، عن أنس في حديث طويل، وفي آخره: "ثم قال: ليس منها إلا شافٍ كافٍ؛ إن قلت: سميعًا عليمًا عزيزًا حكيمًا، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحن بعذاب". قوله: (وفي تسميته رسول الله ونبي الله)، قال جعفر: "لا يذكرك أحد بالرسالة إلا ذكرني بالربوبية، وقال ابن عطاء: جعلت تمام الإيمان بي بذكرك معي". قوله: (والأخذ على الأنبياء وأُممهم أن يؤمنوا به)، لعله أراد ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١].
[ ١٦ / ٤٩٦ ]
قلت: في زيادة (لك) ما في طريقة الإبهام والإيضاح، كأنه قيل: (ألم نشرح لك)، ففهم أن ثم مشروحًا، ثم قيل: (صدرك)، فأوضح ما علم مبهمًا، وكذلك (لَكَ ذِكْرَكَ) و(عَنْكَ وِزْرَكَ).
(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)] ٥ - ٦ [
فإن قلت: كيف تعلق قوله: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) بما قبله؟
قلت: كان المشركون يعيرون رسول الله ﷺ والمؤمنين بالفقر والضيقة،
_________________
(١) قوله: (في زيادة ﴿لَكَ﴾). قال المصنف ﵀: "يحتمل أن يكون ﴿لَكَ﴾ زيادة للاختصاص، كما في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وإن كان المعنى مستقلًا بـ "نعبدك"، وأن يكون من قبيل الأهم فالأهم". وقال السيد ابن الشجري في "الأمالي": "اللام في ﴿لَكَ﴾ لام العلة، نحو قولك: فعلت ذلك لإكرامك، فإن حذفتها قلت: فعلته إكرامك، وإن حذفت المصدر رددت اللام فقلت: فعلت ذلك لك؛ فالمعنى: ألم نشرح لهُداك صدرك؟ كما قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، فلما حُذف المصدر وجب إثبات اللام. وكذلك قوله: "ورفعنا لك ذكرك"، أي: رفعنا لتشريفك ذكرك". قوله: (كان المشركون يُعيرون)، تلخيصه: أن قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، سبب نزوله أن المشركين كانوا يُعيرون رسول الله؟ والمؤمنين بالفقر، فاهتم لذلك رسول الله؟، فأُزيل ذلك بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، فدل الاستفهام على إنكار نفي الانشراح مبالغة في إثباته، يعني: ألم تر كيف فعل الله بك في بدء أمرك من انشراح الصدر والرفع من الذكر، وأنت غير عالم حينئذ بشيء مما تعلمه الآن، وأنت يومئذ خامل الذكر، ففعلنا بك ما فعلنا، فقس على ذلك ولا تهتم بتعييرهم لك وللمؤمنين بالفقر، فإن مع العسر يسرًا.
[ ١٦ / ٤٩٧ ]
حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) كأنه قال: خوّلناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرًا.
فإن قلت: (إِنَّ مَعَ) للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟
قلت: أراد أن الله يصيبهم بيسٍر بعد العسر الذي كانوا فيه بزماٍن قريب، فقرّب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر، زيادةً في التسلية وتقوية القلوب.
فإن قلت: ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود ﵄: "لن يغلب عسر يسرين"، وقد روى مرفوعًا: أنه خرج ﷺ ذات يوم وهو يضحك ويقول: «لن يغلب عسر يسرين»؟
قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوّة الرجاء، وأن موعد الله لا يحمل إلا على أو في ما يحتمله اللفظ وأبلغه، والقول في أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية
_________________
(١) قوله: (وقد روي مرفوعًا)، روى مالك في "الموطأ" عن زيد بن أسلم، قال: "كتب أبو عُبيدة إلى عمر بن الخطاب ﵄، يذكر له جموعًا من الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر ﵁: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن شدة، يجعل الله بعده فرجًا، ولن يغلب عسر يُسرين". قوله: (هذا عمل على الظاهر)، والمعنى بالظاهر: اللفظ المحتمل الراجح أحد محتملاته بقرينة ناهضة، يعني: ما ذكروه عمل بالظاهر؛ فإن ما في التنزيل يحتمل التكرير والاستئناف، والقرينة التي ترجح أحد الاحتمالين، أي: الاستئناف لأنه أوفاهما وأبلغهما، هي أن مبنى "أن موعد الله لا يُحمل إلا على أوفى الاحتمالين"، عطف تفسيري على قوله: "وبناء على قوة الرجاء"، وهو على "عمل بالظاهر" كذلك. وقوله: "والقول فيه" إلى آخره، بيان للاحتمالين.
[ ١٦ / ٤٩٨ ]
تكريرًا للأولى كما كرر قوله: (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)] الطور: ١١ [لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب، وكما يكرر المفرد في قولك: جاءني زيد زيد، وأن تكون الأولى عدةً بأنّ العسر مردوف بيسٍر لا محالة، والثانية عدة مستأنفة بأنّ العسر متبوع بيسر، فهما يسران على تقدير الاستئناف، وإنما كان العسر واحدًا لأنه لا يخلو، إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو؛ لأنّ حكمه حكم زيٍد في قولك: إن مع زيٍد مالًا، إن مع زيٍد مالًا. وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضًا. وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفًا غير مكرر، فقد تناول بعضًا غير البعض الأوّل بغير إشكال.
_________________
(١) ـ فعلى هذا، لو لم يكرر - كما هي قراءة ابن مسعود، - أفاد المراد المقصود، وذلك أن التنكير في ﴿يُسْرًا﴾، يحتمل أن يراد منه بعض من اليسر، وأن يراد منه التفخيم، ولما كان بناء الأمر على قوة الرجاء، رُجح الثاني. والفرق بين هذا والأول أن دلالة الأول على المراد بالوضع كما سيجيء، ودلالة الثاني عليه باللزوم والكناية؛ فإن التفخيم في ﴿يُسْرًا﴾، اقتضى أن يتناهي في، ولو لم يكن متناهيًا فيه، إذن لم يُرد به يسر الدارين، ولزم من ذلك تعدد اليُسر، وأن يقال: "لن يغلب عسر يسرين"، وإليه الإشارة بقوله: "وذلك يُسران في الحقيقة". وإذا ذُهب إلى هذا المعني في التكرير، كان أبلغ من الاستئناف، ولولا التنبيه بالأثر والحديث على هذه اللطيفة، لم يفهم ذلك. ويمكن أن يقال: لما كان ورود الآية في حق الصحابة الكرام، ووعدًا لهم بالفرج بعد الشدة، أوجب أن يُحمل على يسر الدارين: أما في الدنيا، فبالغنى بعد الفقر، والقوة بعد الضعف، وبالعز بعد الذل. وأما في الآخرة، فلا كلام فيه. قوله: "وإنما كان العسر واحدًا)، إلى آخره، اعلم أن لام التعريف عند المحقيين موضوعة للإشارة والعهد، قال صاحب "التخمير": "اعلم أن اللام لنفس الإشارة، لكن الإشارة
[ ١٦ / ٤٩٩ ]
_________________
(١) تقع تارة إلى فرد لمخاطبك به عهد، وأخرى إلى جنس؛ فمعنى اللام واحد على كل حال فاعرفه؛ فإن غلط الناس فيه عظيم، وهي فائدة مذهبية". قلت: فإذن لا بد له من تقدم مشار إليه، فإذا جاء في الكلام ما يصلح أن يكون مشارًا إليه بأي وجه كان، تعين له، قال البزدوي: "اللام المعرفة للعهد، وهو أن يذكر شيئًا ثم يعاوده، فيكون الثاني هو الأول، مثاله قول علمائنا فيمن أقر بألف مقيدًا بقيد، ثم أقر به كذلك أن الثاني هو الأول، وإذا كان كل واحد منهما نكرة، جاء الخلاف في أن اتحاد المجلس شرط لأن يكون الثاني عين الأول، فعند أبي حنيفة ﵀: نعم، وعند أبي يوسف: لا". وروى صاحب "المطلع" عن الفراء، أن العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة مثلها صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهمًا فأنفق درهمًا، فالثاني غير الأول، فإذا أعادتها معرفة فهي هي. وذكر الزجاج نحوه. وقال السيد في "الأمالي": "وإنما كان "العسر" معرفًا و"اليسر" منكرًا، لأن الاسم إذا تكرر منكرًا فالثاني غير الأول، كقولك: جاءني رجل فقلت لرجل: كذا وكذا، وكذلك إن كان الأول معرفة والثاني نكرة، نحو: حضر الرجل، فقلت لرجل: كيت وكيت؛ فإن كان الأول نكرة والثاني معرفة، فالثاني هو الأول، وكذلك ذكر المعرفة بعد المعرفة، نحو: حضر الرجل. فأكرمت الرجل، ولذلك قال ابن عباس: (لن يغلب عسر يسرين) ".
[ ١٦ / ٥٠٠ ]
فإن قلت: فما المراد باليسرين؟
قلت: يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله ﷺ وما تيسر لهم في أيام الخلفاء، وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة، كقوله تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ)] التوبة: ٥٢ [وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب.
فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟
قلت: التفخيم، كأنه قيل: إن مع العسر يسرًا عظيمًا وأاي يسر، وهو في مصحف ابن مسعوٍد مرةً واحدة.
فإن قلت: فإذا ثبت في قراءته غير مكرر، فلم قال: والذي نفسي بيده، لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟
قلت: كأنه قصد باليسرين: ما في قوله: (يُسْرًا) من معنى التفخيم، فتأوله بيسر الدارين، وذلك يسران في الحقيقة.
[(فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ)] ٧ - ٨ [.
فإن قلت: فكيف تعلق قوله: (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) بما قبله؟
قلت: لما عدد عليه نعمه السالفة ووعده الآنفة، بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة والنصب فيها، وأن يواصل بين بعضها وبعض، ويتابع ويحرص على أن لا يخلى وقتًا من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة ذنبها بأخرى. وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء.
_________________
(١) قوله: (فما معنى هذا التنكير؟)، دل الفاء على إنكار، يعني: إذا أُريد باليسرين ما ذكرت من الوجهين، فالواجب أن يجاء بهما معرفتين، فما معنى التنكير؟ قوله: (فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء)، عطف على قوله: "فإذا فرغ من عبادة ذَنَّبَها بأخرى"، فقوله ﴿فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ كلاهما مطلقان؛ يجوز أن يجريا على إطلاقهما بأن
[ ١٦ / ٥٠١ ]
وعن الحسن: فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة. وعن مجاهد: فإذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك. وعن الشعبي: أنه رأى رجلًا يشيل حجرًا فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، وقعود الرجل فارغًا من غير شغل، أو اشتغاله بما لا يعنيه في دينه أو دنياه، من سفه الرأي وسخافة العقل واستيلاء الغفلة، ولقد قال عمر ﵁: إني لأكره أن أرى أحدكم فارغًا سبهللًا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة. وقرأ أبو السمال: فرغت بكسر الراء وليست بفصيحة. ومن البدع: ما روى عن بعض الرافضة أنه قرأ: (فانصب) بكسر الصاد، أي: فانصب عليًا للإمامة؛ ولو صح هذا للرافضي لصح للناصبي أن يقرأ هكذا،
_________________
(١) يقال: فإذا فرغت من عبادة ذنبها بأخرى. وأن يُخصصا بالصلاة والدعاء لأن الصلاة أفضل العبادات والدعاء مخها، أو بالغزو والعبادة كما قيل: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، أو بالدنيا والصلاة، لأن الفراغ أكثر ما يستعمل في الأمور الدنيوية، ومنه الحديث: "فراغك قبل شُغلك"، وهذه الرواية مذكورة في "شرح السنة" عن مجاهد. قوله: (فارغًا سَبَهللًا)، النهاية: "في حديث عمر ﵁: "إني لأكره أن أرى أحدكم سَبَهللًا، لا في عمل دنيًا ولا في عمل آخرة". التنكير في "دنيا" و"آخرة" يرجع إلى المضاف إليهما، وهو العمل، كأنه قال: لا في عمل من أعمال الدنيا، ولا في عمل من أعمال الآخرة. يقال: جاء يمشي سَبَهللا، إذا جاء وذهب فارغًا في غير شيء".
[ ١٦ / ٥٠٢ ]
ويجعله أمرًا بالنصب الذي هو بغض علىّ وعداوته (وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) واجعل رغبتك إليه خصوصًا، ولا تسأل إلا فضله متوكلًا عليه. وقرئ: (فرغب) أي: رغب الناس إلى طلب ما عنده.
عن النبي ﷺ: «من قرأ (ألم نشرح)، فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني».
_________________
(١) قوله: (واجعل رغبتك إليع خصوصًا)، التخصيص يفيده تقديم الجار والمجرور على الفعل، قال السيد في "الأمالي": "جامعت الفاء والواو، "وإلى" متعلقة بما بعد الفاء. ومثله ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]؛ انتصب ما قبل الفاء بما بعدها، وهذا من عجيب كلامهم؛ لأن الفاء تعطف أو تدخل في الجواب وما أشبه الجواب، كخبر الاسم الناقص، أي الموصولة التي صلتها الفعل، وهي هاهنا خارجة عما وضعت له". تمت السورة بحمد الله وعونه وحسبنا الله ونعم الوكيل * … * … *
[ ١٦ / ٥٠٣ ]