مدنية، وهي ثلاث وسبعون آية
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ الله وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ الله كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ الله كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وَكَفى بِالله وَكِيلًا)] ١ - ٣ [
عن زرّ قال: قال لي أبىّ بن كعب ﵁: كم تعدّون سورة الأحزاب؟
_________________
(١) ـ سورة الأحزاب مدنيّةٌ، وهيَ ثلاث وسبعون آيةً بسم الله الرحمن الرحيم قولُه: (عن زِرِّ) في «جامعِ الأصول»: هو زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ الأسَديُّ الكوفيُّ، جاهِليٌّ إسلامي، من أكابرِ القُرّاءِ والمَشْهورين من أصحاب عبدِ الله بن مسعود، وسمعَ عُمرَ ﵁، وروى عنه خَلْقٌ كثيرٌ من التابعينَ وغيرِهم. زِرٌّ: بكَسْرِ الزاي وتشديدِ الراء. وحُبَيْشٌ: بضَمِّ الحاءِ المُهْمَلة وفَتْح الباءِ المُوحَّدة وسكونِ الياءِ والشينِ المُعْجَمة. وحديثُه هذا مشهورٌ في «مسندِ الإمامِ أحمَد بنِ حنبلٍ»
[ ١٢ / ٣٦٤ ]
قلت: ثلاثًا وسبعين آية. قال: فو الذي يحلف به أبىّ بن كعب، إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول. ولقد قرأنا منها آية الرجم: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم). أراد أبىّ ﵁ أنّ ذلك من جملة ما نسخ من القرآن. وأمّا ما يحكى: أن تلك الزيادة كانت في صحيفةٍ في بيت عائشة ﵂ فأكلتها الداجن: فمن تأليفات الملاحدة والروافض. جعل نداءه بالنبىّ والرسول في قوله: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ الله)، (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ)] التحريم: ١ [، (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ)] المائدة: ٦٧ [، وترك نداءه باسمه، كما قال: (يا آدم)] البقرة: ٣٣ [، (يا موسى)] البقرة: ٥٥ [، (يا عيسى)] آل عمران: ٥٥ [، (يا داود)] ص: ٢٦ [، كرامةً له وتشريفًا، وربئًا بمحله، وتنويهًا بفضله. فإن قلت: إن لم يوقع اسمه في النداء فقد
_________________
(١) ـ مع تغييرٍ يسير. وفي «الموطّأ»: «الشيخُ والشيخةُ فارجُموهما البَّتة»، وكذا في روايةِ ابنِ ماجه. قولُه: (الداجن)، النهاية: هي الشاةُ التي يعلِفُها الناسُ في منازلِهم، وقد يقَعُ على غيرِ الشاءِ مِن كلِّ ما يألفُ البيوتَ من الطيورِ وغيرهِ. يقالُ: شاةٌ داجِنٌ، ودجَنَتْ تدجُنُ دُجونًا. قولُه: (ورَبْئًا بمَحلِّه)، الأساس: إني لأرْبأُ بك عن هذا الأمر: أرفَعُك ولا أرضاهُ لك، ورَباتُ بنَفْسي عن عَملِ كذا. ونوّهْتُ به تَنويهًا: رفَعْتُ ذِكْرَه وأشهَرْتُه، وينصُرُه ما روَيْنا في «صحيح البخاري»: أنَّ البراءَ حين دعا بقولِه: اللهمَّ إني أسلَمْتُ نَفسي إليك، وفَوَّضْتُ أمري إليك، وألجاتُ ظَهْري إليك آمنتُ بكتابِك الذي أنزَلْتَ، ورَسولِك الذي أرسَلْتَ. قال رسولُ الله ﷺ: «لا، ونَبيِّكَ الذي أرسلت». النهاية: قيل: إنّ النبيَّ مُشتَقٌ من النَّباوةِ وهو الشيءُ المُرتفِع. ومن المهموزِ شعْرُ عبّاسِ بنِ مِرْداس يمدَحُه:
[ ١٢ / ٣٦٥ ]
أوقعه في الإخبار في قوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله)] الفتح: ٢٩ [، (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)] آل عمران: ١٤٤ [. قلت: ذاك لتعليم الناس بأنه رسول الله، وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به، فلا تفاوت بين النداء والإخبار، ألا ترى إلى ما لم يقصد به التعليم والتلقين من الأخبار كيف ذكره بنحو ما ذكره في النداء: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ)] التوبة: ١٢٨ [، (وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ)] الفرقان: ٣٠ [، (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي
_________________
(١) يا خاتمَ النَّبئين إنّك مُرْسَلٌ … بالحقِّ كلُّ هُدى السبيلِ هداكا ومن الأولِ حديثُ البَراء. وإنّما رَدّ عليه ليَخْتلفَ اللفظانِ ويَجْمَعَ له الثناءَيْن من معنى النبوةِ والرسالةِ تعديدًا للنعمةِ في الحالَيْن. وتعظيمًا للمِنَّة على الوجهين. وعن الراغب: النبوَّةُ: سِفارةٌ بينَ الله ﷿ وبين ذَوي العُقول مِن عباده لإزاحةِ عِلَلِهم في أمْرِ معادِهم وومعاشِهم، والنبيُّ لكونِه مُنَبّئًا بما تسكُنُ إليه العقولُ الزكية يصحُّ أن يكونَ بمعنى فاعلٍ، لقولِه تعالى ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحِجْر: ٤٩]، وأن يكونَ بمعنى مفعولٍ، لقولِه ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]. وقلتُ: والذي يقتضيه هذا المقامُ من التنويهِ أنّ قولَه: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ خطابٌ فَظيعٌ هائلٌ خصوصًا مُهِّدَ بقولِه: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ فصَدَّر بما يَنْجَبِرُ به تلك الفظاعة، يعني: يا مَنْ تصدّي لمنصبِ النُبوة، كيفَ يليقُ بكَ طاعةُ أعداءِ الدين؟ ! ومن الأسلوبِ قولُه تعالى ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ابتدأ بالعَفْوِ ثم إبداءِ الذنب.
[ ١٢ / ٣٦٦ ]
رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)] الأحزاب: ٢١ [، (وَالله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)] التوبة: ٦٢ [، (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)] الأحزاب: ٦ [. (إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)] الأحزاب: ٥٦ [، (وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالنَّبِيِّ)] المائدة: ٨١ [؟ (اتق الله): واظب على ما أنت عليه من التقوى، واثبت عليه، وازدد منه؛ وذلك لأن التقوى باب لا يبلغ آخره. (وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ): لا تساعدهم على شيء، ولا تقبل لهم رأيًا ولا مشورة، وجانبهم، واحترس منهم؛ فإنهم أعداء الله وأعداء المؤمنين، لا يريدون إلا المضارّة والمضادّة. وروى أنّ النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود: قريظة والنضير وبنى قينقاع، وقد بايعه أناس منهم على النفاق فكان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم، وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه، وكان يسمع منهم؛ فنزلت. وروى: أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبى جهل وأبا الأعور السلمى قدموا عليه في الموادعة التي كانت بينه وبينهم، وقام معهم عبد الله بن أبىّ ومعتب بن قشير والجد بن قيس، فقالوا للرسول الله ﷺ: ارفض ذكر آلهتنا وقل: إنها تشفع وتنفع؛ وندعك وربك، فشق ذلك على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين، وهموا بقتلهم؛ فنزلت. أى: اتق الله في نقض العهد ونبذ الموادعة، ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا إليك. وروى: أنّ أهل مكة دعوا رسول الله ﷺ إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم، وأن يزوجه
_________________
(١) ـ قولُه: (ولا مشورةً)، الجوهري: المَشْوَرةُ: الشُّورى، وكذلك المَشُورة بضَمِّ الشِّين، تقولُ منه: شاوَرْتُه واستَشرْتُه بمعنى. قولُه: (على النفاق)، حال، أي: والحالُ أنّ قلوبَهم مُنْطويةٌ على النفاق. والفاءُ في «فكان يُلين» جواب «لمّا». قولُه: (في المُوادَعة)، الجوهري: المُوادَعة: المُصالَحةُ، والتوادُعُ: التصالح.
[ ١٢ / ٣٦٧ ]
شيبة بن ربيعة بنته، وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع؛ فنزلت. (إِنَّ الله كانَ عَلِيمًا) بالصواب من الخطأ، والمصلحة من المفسدة، (حَكِيمًا) لا يفعل شيئًا ولا يأمر به إلا بداعي الحكمة. (وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ) في ترك طاعة الكافرين والمنافقين وغير ذلك، إِنَّ الله الذي يوحى إليك خبير (بِما تَعْمَلُونَ) فموح إليك ما يصلح به أعمالكم، فلا حاجة بكم إلى الاستماع من الكفرة. وقرئ: (يعملون) بالياء، أى: بما يعمل المنافقون من كيدهم لكم ومكرهم بكم. (وَتَوَكَّلْ عَلَى الله) وأسند أمرك إليه وكله إلى تدبيره. (وَكِيلًا): حافظًا موكولًا إليه كل أمر.
[(ما جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ الله فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا)] ٤ - ٥ [
(مَا جَعَلَ اللَّهُ): ما جمع الله قلبين في جوف، ولا زوجية وأمومة في امرأة، ولا بنوّة ودعوة في رجل. والمعنى: أن الله سبحانه كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان
_________________
(١) ـ قولُه: (وقرِئ: «يَعْملونَ» بالياء)، أبو عَمْرو، والباقونَ بالتاءِ الفَوْقانية. قولُه: (ودِعْوةً)، النهاية: الدِّعْوَةُ في النَّسَبِ: بالكَسْر، وهو أن ينتسِبَ الإنسانُ إلى غيرِ أبيهِ وعشيرتِه. وكانوا يَفْعلونه فنُهِيَ عنه، وجُعِلَ الولدُ للفراش.
[ ١٢ / ٣٦٨ ]
قلبين؛ لأنه لا يخلو: إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب؛ فأحدهما فضلة غير محتاج إليها، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بدأك؛ فذلك يؤدى إلى اتصاف الجملة بكونه مريدًا كارهًا، عالمًا ظانًا، موقنًا شاكًا في حالة واحدة -لم ير أيضًا أن تكون المرأة الواحدة أمّا لرجل زوجًا له؛ لأن الأم مخدومة مخفوض لها جناح الذل، والزوجة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره كالمملوكة، وهما حالتان متنافيتان؛ وأن يكون الرجل الواحد دعيا لرجل وابنًا له؛ لأنّ النبوّة. أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة: إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلًا غير أصيل، وهذا مثل ضربه الله في زيد بن حارثة، وهو رجل من كلب سبى صغيرًا، وكانت العرب في جاهليتها يتغاورون ويتسابون، فاشتراه حكيم بن
_________________
(١) ـ قولُه: (في زيدِ بنِ حارثة)، وهو رجلٌ مِن كَلْب، ذَكر ابنُ عبدِ البَرِّ في «الاستيعاب»: هو زيدُ بنُ حارثةَ بنِ شُراحيل بن كعبِ بن عبدِ العُزّي بن زيدِ بن أسدِ بن عبدِ القيْس بن عابدِ بن النعمانِ بن عَبْدِ بن وُدّ بن امرئِ القيس بن النعمانِ بن عُمَرَ بن عبدٍ بن عوف بن كِنانة بن بكرِ بن عُذْرَةَ بن زيدِ بن اللاتِ بنُ رُفيْدَة بن ثَوْر بن كَلْب بن وَبْرةَ. قد أصابه سَبْيٌ في الجاهليةِ فاشتراهُ حَكيمُ بنُ حِزامٍ لخديجةَ بنتِ خُوَيْلد فوهَبتْهُ للنبيِّ ﷺ، فتبنّاهُ رسولُ الله ﷺ قبْلَ النبوَّة، وهو ابنُ ثمانِ سنين، ورسولُ الله ﷺ أكبَرُ منه بعَشْر سِنين، وقيل: بعِشرين سنةً. قال عبدُ الله بُن عَمَر: ما كُنّا نَدْعو زيدَ بنَ حارثَة إلا زيْدَ بنَ محمدٍ حتى نزلَتْ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾. عن البُخاريِّ ومسلمٍ وأحمدَ بنِ حَنْبلٍ والتِّرمذيِّ عن ابنِ عُمَر قال: إنّ زيدَ بنَ حارثَة مولى رسولِ الله ﷺ ما كُنّا نَدْعُوه إلا زيْدَ بنَ مُحمَدٍ حتى نزلَ القرآنُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].
[ ١٢ / ٣٦٩ ]
حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله ﷺ وهبته له، وطلبه أبوه وعمه، فخير، فاختار رسول الله ﷺ فأعتقه، وكانوا يقولون: زيد بن محمد، فأنزل الله ﷿
_________________
(١) ـ قولُه: (وطلبَه أبوهُ وعَمُّه، فخُيِّر، فاختارَ رسولَ الله ﷺ)، وفي «الاستيعاب»: حَجَّ ناسٌ مِنْ كَلْبٍ فرأَوْا زيدًا فعَرفهم فقال لهم: أبلِغوا أهلي هذه الأبيَات فإنّي أعلَمُ أنّهم قَد جَزِعوا علي فقال: أحِنُّ إلى قومي وإن كُنتُ نائيا … فإنّي قعيدُ البيتِ عند المَشاعرِ فكُفّوا منَ الوجْدِ الذي قد شَجاكُم … ولا تُعْمِلوا في الأرضِ نَصَّ الأباعِرِ فإنّي بحَمْدِ الله في خَيْرِ أُسْرَةٍ … كرام مَعَدٍّ كابرًا بَعْدَ كابر النصُّ -بالصادِ المُهْمَلة-: السيرُ الشديد. كابرًا بعد كابر؛ أي: كبيرًا عن كبير. فانطلق الكَلْبيون فأعلَموا أباه، فخرَج حارثةُ وكَعْبٌ ابنا شُراحيل لفدائِه، فقالا للنبيِّ ﷺ: يا ابنَ عبدِ المطلَب، يا ابنَ هاشمٍ، يا ابن سَيِّدِ قَوْمِه، أنتُم أهلُ الحرَمِ وجيرانُه، تَفكُّون العَاني وتُطْعمونَ الأسير، جئْناكَ في ابنِنا عندك فامنُنْ علينا وأحسِن، فقال رسولُ الله ﷺ: ادعُوه، فإنْ اختاركم فهو لكم، وإن اختارَني فوالله ما أنا بالذي اختارُ على مَنِ اختارَني أحدًا، فدَعاه فقال: هل تعرفِ هؤلاء؟ قال: نَعم هذا عَمِّي وهذا أبي، قال: فأنا مَنْ قد علِمْتَ ورأيْتَ صُحْبَتي فاختَرْني أو اختَرْهُما، فقال زيدٌ: ما أنا بالذي أختارُ عليكَ أحدًا، فقالا: ويحكَ يا زيدُ! أتختارُ العُبوديّةَ على الحريَّةِ وعلى أبيكَ وعَمِّك وأهلِ بيتِك؟ قال: نعم، قد رأيتُ مِنْ هذا الرجلِ شيئًا ما أنا بالذي أختارُ عليه أبدًا، فلما رأى رسولُ الله ﷺ [ذلك] أخرجَهُ إلى الحِجْرِ فقال: يا مَنْ حضر، اشهَدوا أنّ زيدًا ابني يَرِثُني وأرِثُه، فلمّا رأى ذلك أبوه وعَمُّه طابَت نفوسُهما فانصرَفا، ودُعيَ زيدَ بنَ محمَّد حتى جاءَ اللهُ بالإسلام، فنزلَتْ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، فدُعِيَ يومئذٍ زيْدَ بن حارثة.
[ ١٢ / ٣٧٠ ]
هذه الآية، وقوله: (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ)] الأحزاب: ٤٠ [. وقيل: كان أبو معمر رجلا من أحفظ العرب وأرواهم، فقيل له: ذو القلبين. وقيل: هو جميل بن أسد الفهري، وكان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فروى أنه انهزم يوم بدر، فمرّ بأبى سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله. فقال له: ما فعل الناس؟ فقال: هم ما بين مقتول وهارب. فقال له: ما بال إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك؟ فقال: ما ظننت إلا أنهما في رجلىّ، فأكذب الله قوله وقولهم، وضربه مثلًا في الظهار والتبني. وعن ابن عباس ﵄: كان
_________________
(١) ـ قولُه: (وأرْواهم)، وهو مِنَ الرواية، أي: أكثرُهم رِواية. قولُه: (فأكذَبَ اللهُ قَوْلَه وقَوْلَهم وضرَبَه مَثَلًا في الظِّهارِ والتبنِّي)، أي: قَوْلَ جميلٍ: إنّ لي قلبَيْن، وقَوْلَ مَنْ وافَقه من العربِ، ويشهَدُ ما رواه مُحيي السنة عن الزُّهْري ومُقاتلٍ: هذا مَثَلٌ ضرَبَه الله ﷿ للمُظاهِرِ من امرأتِه وللمُتَبنِّي ولَدَ غيرِه يقول: فكما لا يكونُ لرجلٍ قَلْبان، كذلك لا تكونُ امرأةُ المظاهِر أُمَّه، ولا يكونُ أحدٌ ابنَ رجُلَيْن. وإنّما قُلْنا: إنّ المرادَ بقَوْلِهم ما وافَقوه فيه؛ لِما قالَ مُحْيي السنّة: فعَلِموا يومئذٍ أنه لو كان له قلبانِ لما نَسِي نَعْلَه في يده. وقالَ الزجّاج: رُوِيَ أنّ عبدَ الله بنَ حَنْظَلٍ قال: إنّ لي قلبَيْن، أفْهَمُ بكُلِّ واحدٍ منهما أكثرَ مما يعقِلُ محمد، فأكْذَبَهُ الله تعالى فقال: ﴿اجَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]، ثم قرنَ بهذا الكلامِ ما يقولُه المُشركون مِمّا لا حقيقةَ له. وقلتُ: فعلى هذا المذكوراتُ الثلاثُ بجُمْلتِها مَثَلٌ فيما لا حقيقةَ له، ثمَّ ذَيَّلَ الكُلَّ بقوله: ﴿اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾. وقال صاحبُ «الانتصاف»: وأسَدُّ ما ذُكِرَ فيه: أنّهم كانوا يَدَّعونَ لابنِ الحَنْظلِ قلبَيْن،
[ ١٢ / ٣٧١ ]
المنافقون يقولون: لمحمد قلبان، فأكذبهم الله. وقيل: سها في صلاته، فقالت اليهود: له قلبان: قلب مع أصحابه، وقلب معكم. وعن الحسن: نزلت في أن الواحد يقول: نفس تأمرنى ونفس تنهاني. والتنكير في "رجل"، وإدخال "من" الاستغراقية على (قلبين) تأكيدان لما قصد من المعنى، كأنه قال: ما جعل الله لأمة الرجال ولا لواحد منهم قلبين البتة في جوفه. فإن قلت: أى فائدة في ذكر الجوف؟ قلت: الفائدة فيه
_________________
(١) فنفى الله صحَّة ذَلك، وقَرنَه بأقاويلهِم الباطلةِ وهي جَعْلُهم الأدعياءَ أبناءً، والزوجاتِ أمهات، ففي الأولِ لزِمَ قيامُ أحدِ المعنَييْن بالآخَر كالعِلْمِ والجهْل، والأمنِ والخوْف، وأما الثاني فالزوجةُ في مَقامِ الامتنان، والأمُّ في مَقامِ الإكرام، وأما الثالثُ فإنَّ البُنُّوَّةَ أصالةٌ والدَّعْوةَ عَلامةٌ عارضةَ، فالكلُّ مُتناف. قال القاضي: ما جَعَلَ قلبَيْنِ في جَوْف؛ لأنّ القلْبَ معدِنُ الروحِ الحَيَوانيِّ المتعلِّقِ بالنَّفَس الإنسانيِّ أوّلًا، ومَنْبعُ القُوى بأسْرِها، وذلك يمْنَعُ التعدُّدَ؛ لأدائِه إلى تناقُضٍ، وهو أن يكونَ كلٌّ منهما أصلًا لكلِّ القُوى، وغَيْرَ أصل. قولُه: (فقالتِ اليهودُ: له قَلْبان)، رَويْنا عن الإمام أحمَد بنِ حَنْبلٍ والتِّرمذيِّ عن ابنِ عباسٍ: قيلَ له: ما عنى الله تعالى بقولِه ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. قال: قامَ النبيُّ ﷺ يومًا يُصلِّي فخَطرتْ خَطْرةٌ، فقالَ المُنافقونَ الذين يُصلُّونَ معه: ألا ترون أنّ له قلبَيْن: قلبًا معكم وقَلبًا معهم؛ فنزلَتْ. قولُه: (ما جعلَ اللهُ لأمّةِ الرجالِ ولا لواحدٍ منهم قلبَيْن البتَّة)، لعلّه ذهبَ إلى أنّ الأصلَ: ما جعلَ اللهُ لأحدٍ من الرجالِ قلبَيْن في جَوْفِه فقولُه: لرجلٍ وُضِعَ موضعَ أحدٍ بوَساطةِ التنكير، وقَدَّر لأمةٍ منَ الرجالِ باستعانةِ «من» الاستغراقيةِ نَحْوَ قولِه تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢].
[ ١٢ / ٣٧٢ ]
كالفائدة في قوله: (الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)] الحج: ٤٦ [؛ وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصوّر التجلي المدلول عليه؛ لأنه إذا سمع به صور لنفسه جوفًا يشتمل على قلبين، فكان أسرع إلى الإنكار.
قرئ: (اللايئ)، بياء وهمزة مكسورتين، و(اللائي) بياء ساكنة بعد الهمزة. و(تظاهرون) من: ظاهر، و(تظاهرون) من: اظاهر، بمعنى: تظاهر. و(تظهرون)
_________________
(١) قولُه: (قرئَ: «اللايئ»)، قالون، وقُنبلٌ: «اللاءِ» بالهمْز من غير ياء، ووَرْشٌ: بياءٍ مُخْتلَسةٍ خلفًا من الهمزةِ في الحالَيْن، والباقونَ: بالهمزةِ وياءٍ بعْدَها في الحالين قال أبو البقاء: اللاتي: جَمْعُ «التي»، والأصلُ إثباتُ الياءِ، ويجوزُ حَذْفُها اجتزاءً بالكَسرةِ، ويجوزُ تلْيينُ الهمزةِ وقَلْبُها ياء. قولُه: (﴿تُظَاهِرُونَ﴾ مِنْ: ظاهَر)، عاصم: ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ بضَمِّ التاءِ وتخفيفِ الظاءِ وألفٍ بعْدَها وكَسْرِ الهاء، وابنُ عامرٍ: بفَتْحِ التاءِ والهاءِ وتشديدِ الظاءِ والهاءِ من غيرِ ألف، أمّا «يَظَّهَرون» فالأصلُ: يتظهّرون، فأدغَم التاءَ في الظاءِ، و«تَظاهرون» بفتحِ التاءِ والتخفيف، فالأصلُ: تتَظاهرون، فحُذِفَت إحدى التاءَيْن، و«تَظّاهرون» بتشديدِ الظاءِ وإدغامِ التَّاءِ الثانيةِ في الظاء كلُّها لغات. الراغب: الظهْرُ: الجارحة، وقولُه تعالى ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾، الظهر هاهنا تشبيهًا للذُّنوبِ بالحِمْلِ الذي يَنوءُ بحامِله، واستُعيرَ لظاهرِ الأرضِ وقيل: ظَهْرُ الأرضِ وبَطْنُها، ويُعَبَّرُ عن المركوبِ بالظَّهْر، ويُستعارُ لَمنْ يُتَقوّى به، وبَعيرٌ ظَهيرٌ: قَويٌّ بَيِّنُ الظَّهارة، والظِّهْريُّ: ما تجعَلُه بظَهْرِك فتَنْساه، وظهر عليه: غَلَبَه، وظاهَرْتُه: عاونْتُه، وظَهَرَ
[ ١٢ / ٣٧٣ ]
من: أظهر، بمعنى: تظهر، و(تظهرون) من: ظهر، بمعنى: ظاهر، كعقد بمعنى: عاقد. و(تظهرون) من: ظهر، بلفظ: فعل، من الظهور. ومعنى "ظاهر من امرأته": قال لها: أنت علىّ كظهر أمى. ونحوه في العبارة عن اللفظ: لبى المحرم؛ إذا قال لبيك، وأفف الرجل؛ إذا قال: أف، وأخوات لهنّ. فإن قلت: فما وجه تعديته وأخواته بـ"من"؟ قلت: كان الظهار طلاقًا عند أهل الجاهلية، فكانوا يتجنبون المرأة المظاهر منها كما يتجنبون المطلقة، فكان قولهم: تظاهر منها: تباعد منها بجهة الظهار، وتظهر منها: تحرز منها، وظاهر منها: حاذر منها، وظهر منها: وحش منها، وظهر منها: خلص منها. ونظيره: آلى من امرأته، لما ضمن معنى التباعد منها عدّى بـ"من"، وإلا فـ"آلى" في أصله الذي هو بمعنى: حلف وأقسم، ليس هذا بحكمه. فإن قلت: ما معنى قولهم: أنت علىّ كظهر أمى؟ قلت: أرادوا أن يقولوا: أنت علىّ حرام كبطن أمى، فكنوا عن البطن بالظهر؛ لئلا يذكروا البطن الذي ذكره يقارب ذكر الفرج، وإنما جعلوا الكناية عن البطن بالظهر لأنه عمود البطن، ومنه حديث عمر ﵁: "يجيء به أحدهم على عمود بطنه". أراد: على ظهره. ووجه آخر؛ وهو أن إتيان المرأة
_________________
(١) ـ الشيءُ أصْلُه: أن يحصُلَ على ظَهْرِ الأرض، وبَطَنَ إذا حصَلَ في بُطْنانِ الأرض فيَخْفى، ثم صارَ مُسْتعملًا لكلِّ بارزٍ للبَصَرِ والبصيرة. قولُه: (ومنه حديثُ عُمرَ ﵁: «يجيءُ [به] أحدُهم»)، أي: يجيءُ بالغَلَّة أحدُ التُّجارِ على ظهرِه، وأنتم تَخرجونَ وتتلقَّوْنَهم تَشْرونها منهم أرخَصَ من سِعْرِ البلد. ذكَر في «المُغْرب»: قال عُمرُ ﵁: «أيُّما جالبٍ جَلَبَ على عَمودِ بَطْنِه، فإنّه يَبيعُ أنّى شاء ومتى شاء»، يعني الظَّهْرَ؛ لأنّه قِوامُ البطن ومِساكُه. وعن الليث: هو عرق يمتد من الرُّهابةِ إلى السُّرَّةِ. قال أبو عُبَيْد: هذا مَثَلٌ والمرادُ أنه به في تَعبٍ ومَشقّةٍ لا أنه يحمِلُه على
[ ١٢ / ٣٧٤ ]
وظهرها إلى السماء كان محرّمًا عندهم محظورًا، وكان أهل المدينة يقولون: إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول، فلقصد المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه، شبهها بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمّه فلم يترك. فإن قلت: الدعىّ: فعيل بمعنى: مفعول، وهو الذي يدعى ولدًا، فما له جمع على افعلاء، وبابه: ما كان منه بمعنى فاعل، كتقى وأتقياء، وشقىّ وأشقياء، ولا يكون ذلك في نحو رمى وسمى؟ قلت: إن شذوذه عن القياس كشذوذ قتلاء وأسراء، والطريق في مثل ذلك التشبيه اللفظي. (ذلِكُمْ) النسب هو (قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ): هذا ابني لا غير من غير أن يواطئه اعتقاد لصحته وكونه حقًا. (والله) ﷿ لا يقول إلا ما هو حق ظاهره وباطنه، ولا يهدى إلا سبيل الحق. ثم قال ما هو الحق، وهدى إلى ما هو سبيل
_________________
(١) ـ الظّهْرِ أو على هذا العِرْق. والرُّهابةُ: عَظْمٌ في الصدرِ مُشْرِفٌ على البطنِ كأنّه لسانُ الكلب. قولُه: (فلَمْ يَتَّرِكْ)، المُغْرب: في حديثِ عليٍّ ﵁: «مَنْ أوصى بالثُّلُثِ فما اتَّرك» وهو مِنْ قَوْلِهم: فَعل فما اتَّركَ، هو افتَعل من التَّرْكِ، غَيْرُ مُعدًّى إلى مفعولٍ، أي: مَنْ اوصى بالثُّلُثِ لم يَتْرُكْ مما أُذِنَ له فيه شيئًا. المَعْنى: فلم يَتْرُكْ شيئًا منَ المُبالغةِ في التحريم إِلا ذكَره، فهو من بابِ التتميم. قولُه: (الدَّعِيُّ: فَعيلٌ بمَعْنى: مفعول)، قال صاحبُ «المُطلع»: فإنْ قيلَ: فإذا كان فَعيلًا بمعنى مَفعولٍ، فما له جُمِعَ على أفْعِلاء، وهو جَمْعُ فعيلٍ بمَعناك فاعلٍ، كتَقيٍّ وأتقياءَ وشَقِيٍّ وأشقياء؟ قُلنا: هو شاذُّ عن القياسِ كقُتَلاءَ وأُسَراءَ؛ قَتيلٍ وأسيرٍ، وطريقُه تُشاكِلُهما لفظًا، يعني: شُبِّه فَعيلٌ بمَعْنى مفعول، بفَعيلٍ بمَعْنى فاعلٍ، فجُمِعَ كما جُمِع. قولُه: (لا يقولُ إلا ما هو حَقٌّ ولا يَهْدي إلاّ سبيلَ الحق)، أمّا دَلالةُ ﴿هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ على الحصرِ فظاهِرٌ؛ لأنّه على مِنوالِ: أنا عَرفْتُ، لكنّ دَلالةَ: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾
[ ١٢ / ٣٧٥ ]
الحق، وهو قوله: (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ)، وبين أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في القسط والعدل. وفي فصل هذه الجمل ووصلها من الحسن والفصاحة ما لا يغبى على عالم بطرق النظم. وقرأ قتادة: (وهو الذي يهدى السبيل). وقيل: كان الرجل في
_________________
(١) على الحصرِ فإنَّ عنْدَه مِثْلُ هذا التركيبِ مُفيدٌ للتخصيصِ، كما مَرَّ في قولِه ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٦] وأمثالِه. قولُه: (وفي فَصْلِ هذه الجُمَلِ ووَصْلِها من الحُسْنِ والفَصاحةِ ما لا يَغْبى على عالمٍ بطريقِ النَّظْم)، يعني: في إخلاءِ العاطفِ وتوسيطهِ بين الجُمَلِ من مُفْتَتحِ السورة إلى هاهنا موضعُ تأمّل. وبيانُه: أنَّ الأوامرَ والنهْيَ في قولِه: ﴿تَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ﴿واتَّبِعْ﴾، ﴿وَتَوَكَّلْ﴾: وارداتٌ على نَسَقٍ عجيبٍ وتَرتيبٍ أنيق؛ فإنّ الاستهلالَ بقولهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ دالٌّ على أنّ الخطابَ مُشتملٌ على التنبيهِ على أمرٍ مَعْنيٍّ بشَأنه لائحٍ فيه معنى التهييجِ والإلهابِ، ومِنْ ثمَّ عَطَفَ عليه: ﴿وَلَا تُطِعِ﴾ كما يُعْطَفُ الخاصُّ على العامِّ، وأرْدَفَ النَهْيَ بالأمرِ على نحوِ قولِك: لا تُطِعْ مَنْ يخذُلُك واتَّبعْ ناصِرَك، ولا يبعُدُ أن يُسَمّى بالطردِ والعكْس. ثُمَّ أمرَ بالتوكُّلِ تشجيعًا على مخالفةِ أعداءِ الدينِ، والتجاءً إلى حَريمِ جلالِ الله ليكفيَه شرورَهم، ثُمَّ عقَّبَ كلاًّ من تلك الأوامرِ على سبيلِ التتميم والتذييلِ بما يُطابقُه، وعَلَّل قولَه: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ تتميمًا للارتداعِ؛ أي: اتّقِ الله فيما تأتي وتَذّرُ في سِرِّك وعلانِيتِك؛ لأنه عليمٌ بالأحوالِ كُلِّها يجبُ أن تحذَرَ مِنْ سَخَطِه، حكيمٌ لا يُحِبُّ متابعةَ حبيبهِ أعداءَه، وعَلّل قوْلَه: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تتميمًا أيضًا؛ أي: اتَّبعِ الحقَّ ولا تَتَّبعْ أهواءهم الباطلة وآراءَهم الزائغةَ؛ لأنّ الله يعلَمُ عَملَكَ وعَمَلَهم فيُكافِئُ كُلاًّ بما يستحِقُّه. وذَيَّلَ قولَه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ تقريرًا وتوكيدًا على
[ ١٢ / ٣٧٦ ]
الجاهلية إذا أعجبه جلد الرجل وظرفه ضمه إلى نفسه، وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه فيقال: فلان ابن فلان. (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا) لهم آباء تنسبونهم إليهم (فـ) هم (إِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ) وأولياؤكم في الدين، فقولوا: هذا أخى، وهذا مولاي، ويا أخى، ويا مولاي، يريد الأخوّة في الدين والولاية فيه. (ما تَعَمَّدَتْ) في محل الجرّ عطفا على "ما أخطأتم"، ويجوز أن يكون مرتفعًا على
_________________
(١) ـ مِنوالِ: فُلانٌ ينطِقُ بالحقِّ والحقُّ أبلَج، مِنْ حَقِّ مَنْ يكون كافيًا لكلِّ الأمورِ، حَسيبًا في جَميع ما يرجِعُ إليه أن تُفَوَّضَ الأمورُ إليه ويُتوكَّلَ عليه، وفَصل قولَه ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ على سبيلِ الاستئنافِ تنبيهًا على بعضٍ منْ أباطيلِهم وتمحُّلاتِهم، وقوْلُه: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ فَذْلَكةٌ لتلكَ الأقوالِ آذنَتْ بأنّها جَديرَةٌ بأن يُحكَمَ عليها بالبُطلان، وحَقيقٌ بأن يُذَمَّ قائلُها فَضْلًا عن أن يُطاع. ثمَ وصَل ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ على هذه الفَذْلكِة بجامعِ التضادِ على مِنوالِ ما سَبق في المُجْمَلِ في ﴿وَلَا تُطِعِ﴾ ﴿وَاتَّبِعْ﴾، وفَصَل قولَه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ وقَوْلَه ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ وهلُمَّ جَرًّا إلى آخرِ السورة تفصيلًا لقَوْلِ الحقِّ والاهتداءِ إلى السبيلِ القويم، ﴿اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، نسألكَ اللهمَّ التوفيقَ للقولِ بالسداد، والهدايةَ لسُبلِ الرشاد. قولُه: (جَلَدُ الرجلِ وظُرْفُه)، الجَلَدُ والجَلادةُ: الصَّلابةَ، والجَليدُ: ضدُّ البليد، قال أبو بكر الخوارزميّ: عدوى البليدِ إلى الجليدِ سَريعةٌ … كالجمْرِ يوضَعُ في الرماد فَيخْمَدُ الظُّرْفُ: الكَياسةُ وحُسْنُ التأنِّي في الأمور. الأساس: فيه ظُرْفٌ وظَرافةٌ، أي: كَيْسٌ وذكاءٌ، وقد ظَرُفَ فهو ظَريف. قولُه: (﴿مَّا تَعَمَّدَتْ﴾ في محلِّ عطفًا على «ما أخطأتُم») وقيل: هذا ضَعيفٌ؛ لأنّ
[ ١٢ / ٣٧٧ ]
الابتداء، والخبر محذوف تقديره: ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح، والمعنى: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النهى، ولكن الإثم فيما تعمدتموه بعد النهى، أو: لا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم: يا بنىّ، على سبيل الخطأ وسبق اللسان، ولكن إذا قلتموه متعمدين. ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ دون العمد على طريق العموم، كقوله ﵊: «ما أخشى عليكم الخطأ ولكن أخشى عليكم العمد»، وقوله ﵊: "وضع عن أمّتى الخطأ والنسيان
_________________
(١) ـ المعطوفَ المجرورَ لا يُفصَلُ بينَه وبينَ ما عُطِفَ عليه، واستَدلَّ سيبوَيهِ بقولهم: «ما مِثْلُ عبدِ الله يقولُ ذاك ولا أخيه» على أن المُضافَ محذوفٌ، وأقيمَ المُضافَ إليه على إعرابه، إذ لا يجوزُ أن يُعطفَ «أخيه» على «عبدِ الله» للفصل المذكور. وأُجيبَ بأنْ لا فَصْلَ، لأنّ المعطوفَ الموصولَ مع الصِّلةِ على مِثْلِه وهو «ما أخطأتُم». قولُه: (على طريقِ العموم)، وعلى الأولِ: الخَطأُ والعَمْدُ مختَصّانِ بفِعْلِ التبنِّي، فالجُملةُ عَطْفٌ على ﴿ادْعُوهُمْ﴾ بالتأوُّلِ؛ جمعَ بينَ الأمرِ الذي يَلْزَمُ الجُناحُ في التفريطِ فيه قبْلَ ورودِ النهْيِ، وبين رَفْعِ الجُناحِ فيما وقعَ فيه التفريط، أي: ادعوهُم لآبائِهم هو أقسَطُ لكم ولا تَدْعوهم لأنفُسِكم مُتعِّدين، فتأثَموا. وإليه الإشارةُ بقولِه: «لا إثْمَ عليكُم فيما فَعلْتُموه من ذلك مخطئين»، وعلى الثاني: الجملةُ مُستطرَدةٌ على طريقٍ كُلّيٍّ ويدخلُ فيه هذا الحكمُ وما يُشاكِلُه. قولُه: (وَضِعَ عن أمتي الخطأُ)، الحديث رواه ابنُ ماجَه عن ابنِ عباس. ورُوِيَ عن
[ ١٢ / ٣٧٨ ]
وما أكرهوا عليه»، ثم تناول -لعمومه- خطأ التبني وعمده. فإن قلت: فإذا وجد التبني فما حكمه؟ قلت: إذا كان المتبنى مجهول النسب، وأصغر سنا من المتبنى: ثبت نسبه منه، وإن كان عبدا له: عتق مع ثبوت النسب، وإن كان لا يولد مثله لمثله: لم يثبت النسب، ولكنه يعتق عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، وعند صاحبيه: لا يعتق. وأما المعروف النسب: فلا يثبت نسبه بالتبني، وإن كان عبدًا: عتق. (وَكانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا) لعفوه عن الخطأ وعن العمد إذا تاب العامد.
[(النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ الله مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا)] ٦ [
(النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ) في كل شيء من أمور الدين والدنيا (مِنْ أَنْفُسِهِمْ)؛ ولهدا أطلق ولم يقيد، فيجب عليهم أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، وحقه آثر لديهم من حقوقها، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وأن يبذلوها دونه، ويجعلوها فداءه إذا أعضل خطب، ووقاءه إذا لقحت حرب،
_________________
(١) ـ أبي ذَرٍّ: «الله تجاوز عن أمتي». قولُه: (إذا كانَ المُتنبيّ مَجهولَ النَّسَب)، إلى آخره. قال القاضي: اعلَمْ أنَّ التبَنّيَ لا عِبْرَة به عندنا، وعندَ أبي حنيفةَ: يوجِبُ عِتْقَ مَملوكِه، ويثبتُ النسبُ بمَجْهولِه الذي يمكنُ إلحاقه به. قولُه: (ووِقاءَه إذا لقِحَتْ)، الوِقاية: ما وقَيْتُ به الشيء. ولقِحَتْ: إذا اشتدّت. قال: قرِّبا مَرْبِطَ النعامةِ مِنّي … لَقِحَتْ حربُ وائلٍ عن حِيال
[ ١٢ / ٣٧٩ ]
وأن لا يتبعوا ما تدعوهم إليه نفوسهم، ولا ما تصرفهم عنه، ويتبعوا كل ما دعاهم إليه رسول الله ﷺ وصرفهم عنه؛ لأنّ كل ما دعا إليه فهو إرشاد لهم إلى نيل النجاة والظفر بسعادة الدارين، وما صرفهم عنه، فأخذ بحجزهم؛ لئلا يتهافتوا فيما يرمى بهم إلى الشقاوة وعذاب النار. أو: هو أولى بهم، على معنى: أنه أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم، كقوله تعالى: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)] التوبة: ١٢٨ [.
_________________
(١) ـ أي: بعدَ حِيال. قولُه: (فأخَذَ بحُجَزِهم؛ لئلاّ يتهافَتوا)، وفي بعضِ النُّسَخِ: «فأخذه». هذا مُقْتبسٌ من حديثٍ رَواهُ البُخاريُّ ومسلمٌ والتِّرمذيُّ عن أبي هُريرَة: أنه سمِعَ رَسولَ الله ﷺ يقول: «إنَّما مَثَلي وَمَثلُ الناسِ كمَثَلِ رجلٍ استوقَد نارًا فلما أضاءت ما حوْلَه، جعلَ الفَراشُ وهذه الدوابُّ التي تَقعُ فيها فجعلَ يَنْزِعهُنَّ ويَغْلِبْنَه فَيقْتَحِمْنَ فيها فأنا آخِذٌ بحُجَزِكم عنِ النار فتَغْلبوني، وتتقَحَّمون فيها». الاقتحامُ في الشيء: إلقاءُ النّفسِ فيه برَغْبَةٍ وإيثارٍ، والحُجَزُ: جَمْعُ حَجْزَةٍ وهيَ مَعْقِدُ الإزارِ، وحُجْزَةُ السّراويلِ مَعْروفة، وهَتَفَ الشيءُ هُتافًا: تطايرَ لخِفّتِه. ورُوِيَ: «ما يحمِلُكم على أن تَتابعوا في الكَذِبِ كما يتتابَعُ الفراشُ في النارِ وأنا آخِذٌ بحُجَزِكم»، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
[ ١٢ / ٣٨٠ ]
وعن النبي ﷺ: «ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤا إن شئتم: (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)، فأيما مؤمٍن هلك وترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينًا أو ضياعًا فإلىّ». وفي قراءة ابن مسعود: (النبىّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم). وقال مجاهد: كل نبىّ فهو أبو أمّته، ولذلك صار المؤمنون إخوة؛ لأنّ النبي ﷺ أبوهم في الدين. (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) تشبيه لهنّ بالأمهات في بعض الأحكام؛ وهو وجوب تعظيمهنّ واحترامهن، وتحريم نكاحهن، قال الله تعالى: (وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا)] الأحزاب: ٥٣ [وهن فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيات؛ ولذلك قالت عائشة ﵂: لسنا أمهات النساء. تعنى أنهنّ إنما كنّ أمّهات الرجال؛ لكونهنّ محرّماٍت عليهم كتحريم أمّهاتهم. والدليل على ذلك: أنّ هذا التحريم لم يتعد إلى بناتهنّ، وكذلك لم يثبت لهنّ سائر أحكام الأمهات. كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة،
_________________
(١) ـ قولُه: (ما مِنْ مؤمنٍ إلاّ انا أولى به)، الحديثُ مِن رِوايةِ أحمدَ والبُخاريِّ ومُسلمٍ وابن ماجه والدارميِّ عن أبي هُريرةَ: أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «ما مِنْ مؤمنٍ إِلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، وأيُّما مؤمنٍ تركَ مالًا فليرِثه عصبَتُه مَنْ كان، فإنْ تَرَك دَيْنًا أو ضَياعًا فليأتِني فأنا مولاه». ضَياعًا: مَصْدر وصفٍ لمحذوفٍ، أي: عِيالًا ضَياعًا. النهاية: ضاعَ يَضيعُ ضَياعًا، فسَمّى العِيالَ بالمصدر، وإن رُوِيَ بكَسِرِ الضادِ فيكونُ جَمْعَ ضائعٍ، كجائعٍ وجِياع. قولُه: (وهو أبٌ لهم)، قال الزجاج: لا يجوزُ أن يُقرأَ بها، لأنها ليسَتْ في المُصحفِ المُجمَعِ عليه.
[ ١٢ / ٣٨١ ]
كما كانت تتألف قلوب قوم بإسهاٍم لهم في الصدقات، ثم نسخ ذلك لما دجا الإسلام وعزّ أهله، وجعل التوارث بحق القرابة. (فِي كِتابِ الله): في اللوح، أو: فيما أوحى الله إلى نبيه وهو هذه الآية، أو في آية المواريث، أو فيما فرض الله، كقوله: (كِتابَ الله عَلَيْكُمْ)] النساء: ٢٤ [. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ) يجوز أن يكون بيانًا لأولى الأرحام، أى: الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضًا من الأجانب. ويجوز أن يكون لابتداء الغاية، أى: أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية في الدين، ومن المهاجرين بحق الهجرة. فإن قلت: مم استثنى (أَنْ تَفْعَلُوا)؟ قلت: من أعم العام في معنى النفع والإحسان، كما تقول: القريب
_________________
(١) ـ قولُه: (كما كانت تتألّف)، صفةُ مصدرٍ محذوف أي: يتألفون بالإرث تألفًا كما كانت. قولُه: (ثم نُسِخَ)، عن بعضِهم أي: نُسِخَ بحديثٍ رواهُ عمرُ ﵁، وقَبلَت الصحابة، لأنَّ الإجماعَ لا يصلُحُ ناسخًا، أو عادَ على موضعِه بالنَّقضِ؛ لأنّ الله تعالى أعزَّ الإسلامَ وأغنى عنهم، وهذا لا يَكونُ مَطابقًا لقولُه: «نُسِخَ»، والصحيحُ أنه نُسِخَ بقولِه تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. قولُه: (دَجا الإسلام)، النهاية: أي شاعَ وكَثُر؛ من: دَجا الليل؛ أي: تَمَّتْ ظُلْمتُه ولَبِسَ كل شيء. قولُه: (ويجوز أن يكونَ لابتداءِ الغاية)، أي: «مِنْ» في ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: إما بيانٌ لـ «أُولى الأرحام»، وصلَةُ «أولى» مَحْذوفة، وإليه الإشارةُ بقولُه: «إلاّ قُربًا مِن هؤلاءِ أولى من الأجانبِ»، أو لابتداءِ الغاية، أي: يكونُ صِلَة. قولُه: (من أعمِّ العامِّ في معنى النفع)، أي: أولو الأرحامِ أولى من الأجنبيِّ في كلِّ نَفْعٍ إلا في الوصية هو استثناءٌ مفرَّغٌ في الموجِب، نَحْوَ قولك: قرأتُ إلاّ يومَ كذا، خَصَّ
[ ١٢ / ٣٨٢ ]
أولى من الأجنبي إلا في الوصية، تريد: أنه أحق منه في كل نفٍع من ميراث وهبةٍ وهدية وصدقة وغير ذلك، إلا في الوصية. والمراد بفعل المعروف: التوصية؛ لأنه لا وصية لوارٍث، وعدى تفعلوا بـ"إلى"، لأنه في معنى: تسدوا وتزلوا، والمراد بالأولياء: المؤمنون والمهاجرون للولاية في الدين. (ذلِكَ) إشارة إلى ما ذكر في الآيتين جميعًا. وتفسير الكتاب: ما مر آنفًا، والجملة مستأنفة كالخاتمة لما ذكر من الأحكام.
_________________
(١) ـ المعروفَ بالوصيّة وجعَلَها من جُملة المُنتفَعِ به، وعنى بقَوْلِه: ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾ اللوحَ أو الموحى، وبـ ﴿أَوْلِيَائِكُم﴾ نفْسَ أُولي الأرحام، وَضْعًا للمُظْهَرِ موضِعَ المُضْمَرِ، ليصحَّ أن يكونَ الاستثناءُ متصلًا، وأما لو أُريدَ بـ ﴿أَوْلِيَائِكُم﴾ المؤمنون والمهاجرونَ، ويكونُ «المعروفُ» مُجرًى على عمومهِ، فالظاهرُ أن يكونَ الاستثناءُ منقطعًا. وعن بعضِهم: وهو استثناءٌ مُنْقَطع، وخبرُه محذوفٌ، ومعناه: لكنّ فعْلَكم إلى أوليائكم معروفًا جائز، ولا يكون على وجه نهاه الله عنه ولا أذن فيه. قال مكي وأبو البقاء: الاستثناء منقطع، والمعنى: أُولوا الأرحامِ أولى من المؤمنينَ والمهاجرين في كتابِ الله، أي: في الميراثِ، لكنْ إذا أردْتُم ابتداءَ المعروفِ إليهم: أي: إلى المؤمنينَ والمُهاجرين. والأول الوَجْه. قولُه: (وتُزْلوا)، الجوهري: أزلَلْتُ إليه نعمةً: أسدَيْتُها، وأزللْتُ إليه مِنْ حَقِّه شيئًا؛ أي: أعطَيْت. قولُه: (﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ في الآيَتيْن) أي: في قولِه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ الآية، وقولِه ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. قولُه: (وتَفْسيرُ الكتابِ)، أي: الكتابِ المذكورِ في قولِه: ﴿فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾، وقد مرَّ في قوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ في اللوحِ إلى آخره، ثم الجملةُ كالخاتمةِ أي: كالتتميمِ أو التذييلِ لِما سبَق، ومن ثمَّ شرعَ في مَشْرَعٍ آخر وهو قولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾.
[ ١٢ / ٣٨٣ ]
[(وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا)] ٧ - ٨ [
(َو) اذكر حين (أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ) جميعا (مِيثاقَهُمْ) بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم (وَمِنْكَ) خصوصا (وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى) وإنما فعلنا ذلك (لِيَسْئَلَ) الله يوم القيامة عند تواقف الأشهاد المؤمنين الذين صدقوا عهدهم ووفوا به، من جملة من أشهدهم على أنفسهم: (ألست بربكم قالوا بلى)] الأعراف: ١٧٢ [(عَنْ صِدْقِهِمْ): عهدهم وشهادتهم، فيشهد لهم الأنبياء بأنهم صدقوا عهدهم وشهادتهم وكانوا مؤمنين. أو: ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم؛ لأن من قال للصادق: صدقت، كان صادقا في قوله. أو: ليسأل الأنبياء ما الذي أجابتهم به أممهم. وتأويل مسألة الرسل: تبكيت الكافرين بهم، كقوله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ الله)] المائدة: ١١٦ [. فإن قلت: لم قدم رسول الله ﷺ على نوح فمن بعده؟ قلت: هذا العطف لبيان فضيلة الأنبياء الذين هم مشاهيرهم وذراريهم، فلما كان محمد ﷺ أفضل هؤلاء المفضلين؛ قدم عليهم؛ لبيان أنه أفضلهم، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه
_________________
(١) ـ قولُه: (على نوحٍ فمَنْ بعده)، الفاءُ مِثْلُها في الحديثِ: «ثُمَّ الأمثلُ فالأمثَل». قولُه: (ودَراريُّهم)، جمع دُرِّيٍّ وهو الكوكبُ الثاقبُ المضيءُ، نُسِبَ إلى الدُّرٍّ؛ جْمع دُرَّةٍ، وقد يُكْسَرُ، كسُخْريِّ وسِخْرِيٍّ، وهذا من بابِ تغييراتِ النسب. الأساس: ودرأ الكوكبُ: طلعَ كأنه يدْرأُ الظلام. قولُه: (قُدِّمَ عليهم؛ لبيانِ أنَّه أفضَلُهم، ولولا ذلك لقُدِّمَ مَنْ قَدَّمَه زمانُه)، قال الزجاج:
[ ١٢ / ٣٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ جاءَ في التفسيرِ: إني خُلِقْتُ قبْلَ الأنبياءِ وبُعِثْتُ بَعْدَهم، فعلى هذا لا تقديمَ في الكلامِ ولا تأخير، ومَذهَبُ أهلِ اللغة: أنّ الواوَ معناهُ الاجتماع، وليس فيها دليلٌ أنَّ المذكورَ أوّلًا معناه التأخير. وقال صاحبُ «الانتصاف»: ليسَ التقديمُ في الذِّكْرِ مقتضيًا ذلك؛ ألا ترى إلى قولِ الشاعر: بهَا ليلُ مِنهم جعفرٌ وابنُ أُمِّه … عليٌّ، ومنهم أحمَدُ المُتخَيِّرُ خَتَم به تشريفًا، فالسرُّ في تقديمهِ أنه هو المخاطَبُ بهذا، والمُنزَّلُ عليه هذا المَتْلُوُّ، وكان أحقَّ، ثمّ جرى ذكْرُ الأنبياءِ بعْدَه على الترتيب. وقلتُ: إنّما يٌقالُ مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ للمُزالِ لا للقارِّ في مَكانه، ثُمّ لم يكُنِ التقديمُ إلا للاهتمامِ بحَسْبِ اقتضاءِ المقامِ، والواوُ لا مَدْخَلَ له في الاعتبار، فإنَّ الأنبياءَ المذكورينَ بعْدَه ﷺ مُرتَّبون على حَسَبِ تقدُّمِهم في الزمان، وكانَ ينْبغي تأخيرُه لذلك، ولابد لهذهِ المخالفةِ مِنْ فائدةٍ جَليلة، وكَوْنُه مُقدَّمًا بحَسبِ الفَضْل، وأنّه أقدَمُ الأنبياءِ خَلْقًا كما قال الزجاج؛ شَرَفٌ لا مَطْمَحَ وراءه. روَيْنا عن الترمذيِّ، عن أبي هُريرةَ قال: قالوا: يا رسولَا لله متى وجَبتْ لك النبوة؟ قال: «وآدَمُ بين الروح والجسد» زاد رَزين: «وآدَمُ مُنجَدِلٌ في طينتهِ بين الروح والجسد». والمقامُ يقتضي ذلك؛ لأنه ﷾ جعلَ مُفتتحَ السورةِ وبراعةَ استهلالِها خِطابَه بذكْرِ النبيِّ ﷺ، وهو أفضَلُ خطابٍ من جانبِ ربِّ العِزّة كما مرَّ، ثمّ معاقِدُ هذه
[ ١٢ / ٣٨٥ ]
فإن قلت: فقد قدم عليه نوح ﵇ في الآية التي هي أخت هذه الآية؛ وهي قوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ)] الشورى: ١٣ [، ثم قدم على غيره! قلت: مورد هذه الآية على طريقة خلاف طريقة تلك؛ وذلك أنّ الله ﷿ إنما أوردها لوصف دين الإسلام بالأصالة والاستقامة، فكأنه قال: شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير. فإن قلت: فماذا أراد بالميثاق الغليظ؟ قلت: أراد به ذلك الميثاق بعينه. معناه: وأخذنا منهم
_________________
(١) ـ السورةِ واردةٌ على تَنْويهِ فَضْلِه ورَباءِ محَلِّه، وأنه أولى بالمؤنينَ من أنفُسِهم، وأفضَلُ النبيينَ مكانةً، وأسبَقهم منزلةً، وهلمَّ جّرًا إلى آخرِ السورة. وأمّا تأخيرُ ذكْرِه ﷺ في البيتِ الذي أنشَده صاحبُ «الانتصاف» فللترقِّي والأخْذِ بالأفضَل فالأفضَل، وشاهِدُه تأخيرُ ذكْرِه ﷺ إذ لو قُدِّم ابتدأ الفضلُ منه، فله الفضْلُ مُتقدِّمًا ومُتأخِّرًا. قولُه: (أرادَ به ذلك الميثاقَ بعَيْنه)، يريدُ به أنّه أُعيدَ قولُه: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ توكيدًا، ويُعَلَّلُ بقوله ﴿لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ وإليه الإشارةُ بقولِه: «أكّدَ على الأنبياءِ الدعوةَ إلى دينهِ لأجلِ إثابةِ المؤمنينَ ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، وكان أصلُ الكلام: أعدَّ للمؤمنين الإثابةَ وللكافرين التعذيب، وذِكْرُ الأنبياءِ وأخْذُ الميثاقِ العظيمِ توطئةٌ لذكْرِ إثابةِ المؤمنينَ ليُؤْذِنَ بأنّ الله تعالى سبقَتْ رحمتُه غضَبَه، ولعلّه أخفى فيه: أنّه تعالى لا يريدُ من المكلَّفين إلا الإيمانَ، ولو عُطِفَ على ﴿لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ من حيثُ المعنى؛ ليرجِعَ المعنى إلى أنّ الله أخذَ من النبيِّين ميثاقَه ليُبلِّغوا رسالاتِ ربِّهم إلى عَبيدهِ، ليَهلِكَ مَنْ هَلك عن بَيِّنة، ويحيا مَنْ حَيَّ عن بَيِّنة، ويسألَ المؤمنينَ عند تواقُفِ الأشهادِ عن صدْقِهم، فيفوزوا بما لا عَيْنٌ رأتْ ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَر، وليُجْزى الكافرونَ
[ ١٢ / ٣٨٦ ]
بذلك الميثاق ميثاقًا غليظًا. والغلظ: استعارة من وصف الأجرام، والمراد: عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه. وقيل: الميثاق الغليظ: اليمين بالله على الوفاء بما حملوا. فإن قلت: علام عطف قوله: (وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ)؟ قلت: على (أخذنا من النبيين)؛ لأن المعنى: أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين (وأعد للكافرين عذابا أليما). أو على ما دل عليه (لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ)، كأنه قال: فأثاب المؤمنين وأعدّ للكافرين.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ الله بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا)] ٩ - ١١ [
(اذْكُرُوا) ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب، وهو يوم الخندق (إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُود) وهم الأحزاب، فأرسل الله عليهم ريح الصبا. قال رسول الله ﷺ: «نصرت
_________________
(١) ـ على رؤوسِ الأشهاد، ثمّ المآلُ إلى ما أعدّ الله لهم؛ أي من النَّكالِ والعذابِ الأليم؛ لَكَانَ أَحْسَنَ. قال صاحبُ «التقريب»: ﴿أَعَدَّ﴾ عَطْفٌ على ﴿أَخَذْنَا﴾ أو على ما دل عليه ﴿لِيَسْئَلَ﴾، وهو: فأثابَ المُؤمنين وكذا عن القاضي. قولُه: (وقيل: الميثاقُ الغليظُ: اليمينُ بالله)، يعني: بَعْدَما أخذَ من النبيِّين الميثاقَ بتبليغِ الرسالةِ أكّد باليمينِ بالله على الوفاءِ بما حُمِّلوا، فعلى هذا لا يكونُ تكريرًا. قولُه: (فأرسلَ الله)، وفي «مسندِ الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبل»: عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قال: قُلْنا يوْمَ الخندَق: يا رسولَ الله، هَل مِنْ شيءٍ نَقولُه، فقد بلغَتِ القلوبُ الحناجرَ؟
[ ١٢ / ٣٨٧ ]
بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور". (وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها) وهم الملائكة، وكانوا ألفا، بعث الله عليهم صبًا باردة في ليلةٍ شاتية، فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وما جت الخيل بعضها في بعض، وقذف في قلوبهم الرعب، وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم، فقال طليحة بن خويلد الأسدى: أما محمد فقد بدأكم بالسحر، فالنجاء النجاء! فانهزموا من غير قتال، وحين سمع رسول الله ﷺ بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة، أشار عليه بذلك سلمان الفارسي ﵁، ثم خرج في ثلاثة آلاٍف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام، واشتدّ الخوف، وظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من
_________________
(١) ـ قال: «نعَمْ اللهمَّ استُرْ عوراتِنا وآمِن روعاتِنا» قال: فضربَ الله وجوهَ أعدائِه بالريح، فهزمَهم الله بالريح. قولُه: (فأخصَرَتْهُم)، الأساس: يومٌ خَصِرٌ: بارد، وخَصِرَتْ أناملُه من البَرْدِ وأخْصَرَها القَرُّ. قولُه: (وأكفأتِ القُدورَ)، أي: كَبَّتْها وقَلبَتْها، والفاعلُ: الريح. قولُه: (فالنجاءَ النجاءَ)، النهاية: أي: انجُوا بأنفُسِكم. وهو مَصْدرٌ بفِعْلٍ مُضْمَر، أي انجوا النجاءَ. قولُه: (في الآطام)، النهاية: واحدها: أُطُم، وكلُّ بناءٍ مُرْتفعٍ، يعني: أبنيتَها المرتفعَة كالحصون. قولُه: (ونَجَمَ النفاق)، النهاية: كلُّ ما طلعَ وظَهر فقد نجَم.
[ ١٢ / ٣٨٨ ]
المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر! لا نقدر أن نذهب إلى الغائط! وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاٍف من الأحابيش وبنى كنانة وأهل تهامة، وقائدهم أبو سفيان، وخرج غطفان في ألٍف ومن تابعهم من أهل نجد، وقائدهم عيينة بن حصن، وعامر بن الطفيل في هوازن، وضامتهم اليهود من قريظة والنضير، ومضى على الفريقين قريب من شهٍر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة، حتى أنزل الله النصر. (تَعْمَلُونَ) قرئ بالتاء والياء. (مِنْ فَوْقِكُمْ): من أعلى الوادي من قبل المشرق: بنو غطفان، (وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ): من أسفل الوادي من قبل المغرب: قريش، تحزبوا وقالوا: سنكون جملةً واحدة حتى نستأصل محمدا. (زاغَتِ الْأَبْصارُ): مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرةً وشخوصًا. وقيل: عدلت عن كل شيٍء فلم تلتفت إلا إلى عدوّها؛ لشدة الروع. الحنجرة: رأس الغلصمة؛ وهي منتهى الحلقوم. والحلقوم: مدخل الطعام والشراب، قالوا: إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب أو الغمّ الشديد ربت، وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ومن ثمة قيل للجبان: انتفخ سحره. ويجوز أن يكون ذلك مثلًا في اضطراب القلوب
_________________
(١) ـ قولُه: (من الأحابيش)، النهاية: هم أحياءٌ من القارَةِ انضمّوا إلى بني لَيْثٍ في محاربتِهم قُريشًا، والتحبُّشُ: التجمُّع. وقيل: حالفوا قريشًا تحتَ جبلٍ يُسمّى حُبْشِيًّا فسموا بذلك. قولُه: (﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالياءِ والتاء)، أبو عَمْروٍ: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء. قولُه: (وشُخوصًا)، المُغْرب: شخَصَ بَصَرُه: امتدّ وارتفَع، ويُعَدّى بالباء، فيقال: شخَصَ ببَصَرِه.
[ ١٢ / ٣٨٩ ]
ووجيبها وإن لم تبلغ الحناجر حقيقةً. (وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا) خطاٌب للذين آمنوا، ومنهم الثبت القلوب والأقدام، والضعاف القلوب؛ الذين هم على حرف، والمنافقون؛ الذين لم يوجد منهم الإيمان إلا بألسنتهم، فظن الأولون بالله أنه يبتليهم ويفتنهم؛ فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وأمّا الآخرون فظنوا بالله ما حكى عنهم. وعن الحسن: ظنوا ظنونًا مختلفة: ظن المنافقون أنّ المسلمين يستأصلون، وظنّ المؤمنون
_________________
(١) قولُه: (ووَجيبِها)، النهاية: يقال: وجَبَ القلبُ يجُب وجيبًا: إذا خفَق. قولُه: (الذين هم على حَرْف)، أي: على وَجْهٍ واحد، وهو أن يعبُدَ اللهَ على السرّاءِ دونَ الضراء. النهاية: أي: جانبٍ وطرف، فالمؤمنون صنفانِ: صنفٌ ثابتون يظنّونَ النُّصْرةَ والظَّفرَ، والآخَرُ آيِسون قانِطون، وهم الذين على حرف. قولُه: (فظَنَّ الأولون)، أي: الذين آمنوا، وهم فَريقان: الثُّبَّتُ القلوب، خافوا الزّلَل، أي: ذنوبًا اكتَسبوها فمنَعْتُهم التأييدَ وتقويةَ القلوبِ حتى تزلزلوا، كما قالَ في قولهِ تعالى: ﴿نَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥]. والفريقُ الثاني: الضعافُ القلوبِ، فخافوا ضَعْفَ الاحتمالِ؛ أي: احتمالِ الملاقاةِ والمحاربة. ففي كلامِ المصنِّفِ لَفٌّ ونَشْر. وأمّا الآخرونَ فهم المنافِقون وما حُكِيَ عنهم، هو ما حَملَهم على أن يقول رئيسُهم مُعَتِّبُ بنُ قُشَيْر: كانَ محمّدٌ يَعِدُنا كنوزَ كِسْرى! لا نقدِرُ أن نذهبَ إلى الغائط! على ما مرّ، وما رُوِيَ عن الحَسنِ وجْهٌ آخَرُ في الآية. ثمَّ المناسِبُ أن يُرادَ بالابتلاءِ على الوجْهِ الأولِ المِحْنةُ والبَلاء، وعلى الثاني الاختبار، كما أُريدَ مِنْ ظَنِّ المنافقينَ: ما حَملَهم على تلكَ الكلمةِ الشنعاءِ على الأول، وعلى الثاني: الاستئصال.
[ ١٢ / ٣٩٠ ]
أنهم يبتلون. وقرئ: (الظنون) بغير ألف في الوصل والوقف، وهو القياس، وبزيادة ألٍف في الوقف زادوها في الفاصلة، كما زادها في القافية من قال:
أقلّى الّلوم عاذل والعتابا
وكذلك: (الرسولا)] الأحزاب: ٦٦ [و(السبيلا)] الأحزاب: ٦٧ [، وقرئ: بزيادتها في الوصل أيضًا؛ إجرًاء له مجرى الوقف. قال أبو عبيد: وهنّ كلهنّ في الإمام بألف. وعن أبى عمرو إشمام زاى (وزلزلوا). وقرئ: (زلزالا) بالفتح، والمعنى: أنّ الخوف أزعجهم أشد الإزعاج.
[(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ
_________________
(١) ـ قولُه: (قُرِئ: «الظُّنون» بغيرِ ألف)، أبو عَمْرو وحَمزةُ: «الظنون» و«الرسول» و«السبيل» بحَذْفِ الألِفِ في الحالين، وحَفْصٌ والكِسائيُّ: بحَذْفِها فيهن في الوصل خاصّة، والباقون: بإثباتِها في الحالين. قولُه: (أقِلّي اللوم عاذِلَ والعتابا)، تمامُه أنشدَ الزجاج: وقولي إن أصَبْتُ لقد أصابا يقول: يا عاذِلَتي أقِلّي ملامَتي وعِتابي وقولي- إنْ فعَلْتُ حَسَنًا وصَوابا-: لقد أصابَ فلانٌ في قولِه وفِعْلِه. قولُه: (وقُرِئ: «زَلْزالًا» بالفتح)، في الشواذِّ. قال الزجّاج: والمصدَرُ من المُضاعَفِ
[ ١٢ / ٣٩١ ]
بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيرًا)] ١٢ - ١٤ [
(إِلَّا غُرُورًا): قيل: قائله: معتب بن قشير حين رأى الأحزاب قال: يعدنا محمد فتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقا! ما هذا إلا وعد غرور! (طائِفَةٌ مِنْهُمْ): هم: أوس بن قيظى ومن وافقه على رأيه. وعن السدى: عبد الله بن أبىّ وأصحابه. ويثرب: اسم المدينة. وقيل: أرض وقعت المدينة في ناحية منها. (لا مُقامَ لَكُمْ) قرئ بضم الميم وفتحها، أى: لا قرار لكم هاهنا، ولا مكان تقيمون فيه أو تقومون،
_________________
(١) ـ يَجيءُ على ضربَيْن: على فِعْلال وفَعْلال، نحو: قَلْقَلْتُه قَلْقالًا وقِلْقالا والكَسُرْ أجْودُ، لأنّ غيْرَ المُضاعَفِ من هذا البابِ مكسورٌ، نحو: دَحْرَجْتُه دِحْراجًا. قولُه: (أن يتبرّز)، النهاية: البَرازُ بالفَتْحِ: اسمٌ للفضاءِ الواسعِ، فكَنَّوْا به عن قَضاءِ الغائطِ كالخلاءِ؛ لأنّهم كانوا يتَبرّزون في الأمكنةِ الخالية. قولُه: (ويَثْرِبُ: اسمُ المدينة)، النهاية: هي اسمُها قديمةً فغَيَّرها رسولُ الله ﷺ وسَمّاها طَيْبةَ وطابَةَ، كراهةً للتثريبِ، وهو اللومُ والتعبير. وقيل: هو اسمُ أرْضِها، وقيل: سُمِّيَتْ باسمِ رجلٍ من العمالقة. قولُه: (قُرِئ بضَمِّ الميم وفَتْحِها)، حَفْصٌ: بالضمِّ، والباقونَ: بالفَتْح. قال الزجّاج: فمَنْ ضَمَّ فالمعنى: لا إقامَة لكم، تقول: أقَمْتُ في المصرِ إقامةً ومُقامًا، ومَنْ فَتَح فالمعنى: لا مكانَ لكُم تقومون.
[ ١٢ / ٣٩٢ ]
(فَارْجِعُوا) إلى المدينة؛ أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله ﷺ، وقيل: قالوا لهم: ارجعوا كفارا وأسلموا محمدا، وإلا فليست يثرب لكم بمكاٍن. قرئ: (عورة) بسكون الواو وكسرها، فالعورة: الخلل، والعورة: ذات العورة، يقال: عور المكان
_________________
(١) ـ المُغْرب: المَقامُ بالفتح: موضِعُ القيام، ومنه مَقامُ إبراهيم: الحَجَرُ الذي فيه أثرُ قدَمَيْه وموضِعُه أيضًا، وبالضمِّ موضِعُ الإقامة. الجوهري: المَقامُ والمُقامُ: يكون كلُّ واحدٍ منهما بمعنى الإقامةِ وموضعِ القيام، لأنك إذا جَعْلتَه مِن: قامَ يقومُ، فَمفْتوح، وإن جَعْلتَه من: أقامَ يقيم، فمَضْموم. فَقْولُ المصنِّف: «لا قَرارَ لكم ولا مكانَ تُقيمونَ فيه» فهو بمعنى الفتح، وقوله: «أو تُقيمونَ» بمعنى الضم. قولُه: (بالهَربِ من عسْكرِ رسولِ الله ﷺ)، أي: مُعَسْكرِه، كما سَبَق في قولِه: «وحينَ سمِعَ رسولُ الله ﷺ بإقبالِهم ضربَ الخندَقَ على المدينة …، ثمّ خرجَ في ثلاثةِ آلافٍ من المسلمين فضَربَ مُعَسْكَرهُ، والخندقُ بينه وبَيْنَ القوم». أي: قالَ طائفةٌ من المنافقين: يا أهلَ يَثْرِبَ نُقِلْتُم منَ المدينةِ إلى هذا المُقام الصَّعْبِ فارجعوا إليها. قولُه: (وأسْلِموا مُحمّدًا)، هو مِن قولهم: أسْلَمَه؛ أي: خَذَلَه. قولُه: (قُرِئ: ﴿عَوْرَةٌ﴾ بسُكون الواو وكَسْرِها)، قال ابن جِنِّي: بكَسْرِ الواو: ابنُ عبّاسٍ وابنُ يَعْمَرَ وأبو رجاءٍ بخلاف، وصحَّةُ الواوِ في هذا شاذَّةٌ من طريقِ الاستعمال، لأنّها مُتحَرِّكةٌ بعد فَتْحَةٍ، والقياسُ قَلْبُها ألِفًا فيُقال: عارَة، كما يقال: كَبْشٌ صافٌ ونَعْجَةٌ صافَةٌ ويومٌ راحٌ، وله نظائِرُ، وكُلُّ ذلك فَعِلٌ، كرجلٍ فَرِقٍ وحَذِرٍ. ومِثْلُ «عَوِرةٍ» في
[ ١٢ / ٣٩٣ ]
عورًا: إذا بدا فيه خلل يخاف منه العدو والسارق. ويجوز أن تكون (عَوْرَةٌ) تخفيف عورة؛ اعتذروا أنّ بيوتهم معرّضة للعدو ممكنة للسراق؛ لأنها غير محرزة ولا محصنة، فاستأذنوه ليحصنوها ثم يرجعوا إليه، فأكذبهم الله بأنهم لا يخافون ذلك، وإنما يريدون الفرار. (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ) المدينة. وقيل: بيوتهم، من قولك: دخلت على فلان داره. (مِنْ أَقْطارِها): من جوانبها، يريد: ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة التي يفرون خوفًا منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها، وان ثالت على أهاليهم وأولادهم ناهبين سابين، ثم سئلوا عند ذلك الفزع وتلك الرجفة (الْفِتْنَةَ) أى: الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين، (لأتوها): لجاؤها وفعلوها. وقرئ: (لآتوها): لأعطوها، (وَما تَلَبَّثُوا بِها): وما ألبثوا إعطاءها (إِلَّا يَسِيرًا)، ريثما
_________________
(١) ـ صحةِ واوِها قولُهم: رجلٌ عَوِزٌ لَوِزٌ، أي: لا شيءَ له، وكأنَّ عَوِرَة أسهل. وعن بعضِهم: عَوِرَةٌ خَبرُ «إنّ» وهو مَصْدَرٌ في الأصلِ، فِعْلُه: عَوِرَ، وهو بمعنى: ذاتِ عَوِرَة، ويجوز أن يكونَ اسمَ فاعل أصله: عَوَرَةٌ، ثم سُكّن، ويجوزُ أن يكونَ مصدرًا في موضعِ اسمِ الفاعلِ، كَعْدلٍ بمعنى عادِل. قولُه: (مُعَرَّضةٌ للعدو)، أعرضَ لك الخيرُ، أي: أمكَنك، وأعرَضَ لك الظَّبيُ فارْمِه؛ إذا ولاّكَ عُرْضَه، وعرَضْتُ الشيءَ فأعْرضَ، مثل: كَبْتُه فأكبَّ، وأمكَنْتُه من الشيء ومكَّنْتُه الشيء. قولُه: (وانثالَتْ على أهاليهِم)، الجوهري: تناثل إليه الناس أي: انصبُّوا. قولُه: (وقرئَ: ﴿لَأَتَوْهَا﴾)، كلّهم إلاّ نافعًا وابنَ كثيرٍ فإنّهما قرآ: «لأتَوْها» بالقَصْرِ.
[ ١٢ / ٣٩٤ ]
يكون السؤال والجواب من غير توقف، أو: وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيرًا، فإن الله يهلكهم. والمعنى: أنهم يتعللون بإعوار بيوتهم، ويتمحلون ليفروا عن نصرة رسول الله ﷺ والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب الذين ملؤوهم هولًا ورعبًا؛ وهؤلاء الأحزاب كما هم لو كبسوا عليهم أرضهم وديارهم وعرض عليهم الكفر وقيل لهم: كونوا على المسلمين؛ تسارعوا إليه وما تعللوا بشيء، وما ذاك إلا لمقتهم الإسلام، وشدة بغضهم لأهله، وحبهم الكفر، وتهالكهم على حزبه.
[(وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا الله مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ الله مَسْؤُلًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا)] ١٥ - ١٦ [
عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم. وقيل: هم قوم غابوا عن بدر، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالًا لنقاتلنّ. وعن محمد بن إسحاق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفرّوا بعد ما نزل فيهم ما نزل. (مَسْؤُلًا): مطلوبًا مقتضًى حتى يوفى به. (لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ) مما لا بدّ لكم من نزوله بكم من
_________________
(١) ـ قولُه: «لو كَبَسوا عليهم)، أي: تغلَّبوا للإغارةِ فُجْأة. الأساس: أي: اقتَحموا عليهم وسَمِعْتُهم يقولون: أدخله بالكبس؛ إذا قَهَرَه وأذلّه. قولُه: (نزلَ بهم ما نزل)، أي: من الهزيمةِ وقَتْلِ سَبْعين منهم وما حصَلَتْ فيهم من المُثْلَة وشَجَّ رسولِ الله ﷺ وكَسْرِ رَباعِيَتهِ. وذلك مِن مُخالفةِ أمْرِ رسولِ الله ﷺ وتَرْكِهم المركزَ ومَيْلِهم إلى الدنيا وطَلبِ الغنيمة. قولُه: (مطلوبًا مُقْتضى)، يقال: اقتضى حَقّه، أي: تقاضاه. الأساس: تقاضَيْتُه دَيْني، وبدَيني، واقتضيتُه، واقتضَيْتُ منه حَقِّي: أخذتُه.
[ ١٢ / ٣٩٥ ]
حتف أنف أو قتل، وإن نفعكم الفرار -مثلًا- فمنعتم بالتأخير؛ لم يكن ذلك التمتيع إلا زمانًا قليلًا. وعن بعض المروانية: أنه مرّ بحائط مائل فأسرع، فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.
[(قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ الله إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ الله وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا)] ١٧ [
فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة، ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه: أو يصيبكم بسوٍء إن أراد بكم رحمةً، فاختصر الكلام وأجرى مجرى قوله:
متقلّدا سيفا ورمحا
أو حمل الثاني على الأوّل؛ لما في العصمة من معنى المنع.
_________________
(١) قولُه: (كيفَ جُعِلَت الرحمةُ قَرينةَ السُّوء)، يعني: أوقَعَ كلمةَ الترديدِ بين السوءِ والرحمةِ، وأدخَلَهُما تحتَ معنى العِصْمة، والعِصْمةُ لا تُناسِبُ الرحمةَ؛ إذْ لا عِصْمةَ إلاّ من السوءِ؛ أي: العذاب. وأجابَ: أنّ تقديرَ الكلام: مَنْ ذا الذي يعصِمُكم منْ عذابِ الله إن أرادَ بكم سوءًا؟ أو: مَنْ ذا الذي يُصيبُكم بسوءٍ إنْ أراد بكُم رَحْمة؟ قولُه: (مُتَقلِّدًا سيفًا ورمحا)، أوّلُه: يا ليت زوْجَك قد غدا ويروي: «في الوغى»؛ أي: حاملا ومُعْتَقِلا. قولُه: (أو حُمِلَ الثاني على الأولِ لِما في العِصْمةِ مِن معنى المنع)، قال صاحب «المطلع»: كأنّه قيلَ: مَنْ الذي يمنَعُكم من أحدِهما إن أراده بكم؟ وقلتُ: أو المعنى: مَنْ الذي
[ ١٢ / ٣٩٦ ]
[(قَدْ يَعْلَمُ الله الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَاتُونَ الْبَاسَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ الله أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَاتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلًا)] ١٨ - ٢٠ [
(الْمُعَوِّقِينَ): المثبطين عن رسول الله ﷺ وهم المنافقون؛ كانوا يقولون (لِإِخْوانِهِمْ) من ساكني المدينة من أنصار رسول الله ﷺ: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحمًا لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، فخلوهم و(هَلُمَّ إِلَيْنا) أى: قربوا أنفسكم إلينا. وهي لغة أهل الحجاز؛ يسؤون فيه بين الواحد والجماعة.
_________________
(١) يعصِمُكم من الله إن أرادَ بكم سُوءًا ومَن الذي يَمنعُ رحْمةَ الله منكم إن أراد بكم رحمة؟ وقرينةُ التعدِّي ما في ﴿يَعْصِمُكُم﴾ من معنى المَنْع. قولُه: (أكَلَةُ رأس)، أي: قليلون يُشْبِعُهم رأسٌ واحد. قولُه: (لالتَهمَهُم)، الأساس: التَهمَ الشيءَ: ابتلَعَه، والتَهم الفصيلُ ما في ضَرْعِ أمه: اشتَفْه، بالشينِ المعْجَمة؛ مِن: اشتَفَّ ما في الإناء. قولُه: (وهي لغة أهل الحجاز؛ يُسَوّون فيه بين الواحد والجماعة)، قال مَكِّي: وغَيْرُ أهلِ الحجازِ يقولون: هلمّوا للجماعة، وهَلُمِّي للمرأة، وأصلُ هَلُمَّ: ها الممْ، ها: للتنبيه، والمُمْ: اقصُدْ وأقْبِل، فكَثُرَ الاستعمالُ فحُذِفَتْ ألِفُ الوصلِ لمّا تَحرَّكَتِ اللامُ لضّمةِ الميمِ عندَ الإدغامِ فصارَ: ها لُمَّ، فحُذِفَتْ ألفُ «ها» لسكونِها وسكونِ اللامِ بعْدَها، لأنّ حركَتها عارضةٌ، فاتَّصلَت الهاءُ باللام، وفُتِحَت الميمُ لالتقاءِ السَاكنَيْن، نحو: رَدَّ وصَدَّ.
[ ١٢ / ٣٩٧ ]
وأمّا تميم فيقولون: هلمّ يا رجل، وهلموا يا رجال، وهو صوت سمى به فعل متعدّ، مثل: احضر وقرب، (قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ)] الأنعام: ١٥ [. (إِلَّا قَلِيلًا): إلا إتيانًا قليلًا يخرجون مع المؤمنين يوهمونهم أنهم معهم، ولا نراهم يبارزون ويقاتلون إلا شيئًا قليلًا إذا اضطرّوا إليه، كقوله: (ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا)] الأحزاب: ٢٠ [، (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ) في وقت الحرب أضناء بكم، يترفرفون عليكم كما يفعل الرجل بالذاب عنه المناضل دونه عند الخوف، (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ) في تلك الحالة كما ينظر المغشى عليه من معالجة سكرات الموت؛ حذرًا أو خورًا ولواذًا بك، (فإذا ذهب الخوف) وحيزت الغنائم ووقعت القسمة: نقلوا ذلك الشحّ وتلك الضنة والرفرفة عليكم إلى الخير -وهو المال والغنيمة- ونسوا تلك الحالة الأولى، واجترءوا عليكم، وضربوكم بألسنتهم،
_________________
(١) قولُه: (يتَرفْرَفون)، الأساس: ومنَ المجازِ: رَفْرفَ على ولدِه: إذا تحنّى عليه، فقولُه: «يتَرفْرفون» تفسيرٌ لقوله: «ضَنًّا بكم»، أي: يوهِمون أنّهم مُشْفِقون عليكم بُخَلاءُ بأنفُسِكم أنْ تقعَ في التهلُكَة. الجوهري: ضَنَّ بالشيءِ: إذا بَخِلَ به. أي: يتملَّقونَ للمؤمنينَ الذين يذبُّون؛ عنهم؛ ضَمَّنَ ﴿أَشِحَّةً﴾ معنى: رَفْرَفَ عليه، أي: تَملَّق، وعَدِّي تَعْدِيتَه، فالضميرُ في «عنه» و«دونه» راجعٌ إلى الرجُل أو إلى الموصولِ وهو الألِفُ واللامُ في الذابِّ والمناضلِ، فإذن المعنى إذا أتَوُا البأسَ تملَّقوا وأظهَروا الشفقةَ عليكُم كما يترَفْرفُ الطائرُ ليقَعَ على الشيء، وإذا حصَلوا في الخوفِ نظَروا إليك نَظَرَ المَغْشيِّ عليه من الموت لتذبّوا عنهم، ثُمَّ إذ حصَلَتْ قِسمةُ الغنائم نَقلوا ذلك التملُّقَ إلى القولِ الغليظِ طالبين المَال، ونَسُوْا تلك الحالةَ، وإليه الإشارةُ بقولِه: «نقلوا ذلك الشُّحَّ» إلى آخرِه. قولُه: (وخَوَرًا)، أي: رخاوة، الأساس: ومنَ المجازِ: رجلٌ خَوَّارٌ جَبان. قولُه: (ضربوكم بألسنتهم)، هو بمعنى ﴿سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ﴾. قال الزجاج: معنى ﴿سَلَقُوكُم﴾: خاطَبوكم أشدَّ مخاطبة وأبلغَها في الغنيمةِ، يقال: خطيبٌ مِسلاقٌ وسَلاّقٌ؛ إذا كان بليغًا في خُطْبتِه.
[ ١٢ / ٣٩٨ ]
وقالوا: وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوّكم، وبنا نصرتم عليه. ونصب (أَشِحَّةً) على الحال، أو على الذمّ. وقرئ: (أشحة) بالرفع، و(صلقوكم) بالصاد. فإن قلت: هل يثبت للمنافق عمل حتى يرد عليه الإحباط؟ قلت: لا، ولكنه تعليم لمن عسى يظن أنّ الإيمان باللسان إيمان وإن لم يوطئه القلب، وأن ما يعمل المنافق من الأعمال يجدى عليه، فبين أنّ إيمانه ليس بإيمان، وأنّ كل عمل يوجد منه باطل. وفيه بعث على إتقان المكلف أساس أمره؛ وهو الإيمان الصحيح،
_________________
(١) قولُه: (ونُصِبَ ﴿أَشِحَّةً﴾ على الحال)، قال أبو البقاء: ﴿أَشِحَّةً﴾ الأولى حالٌ من الضميرِ في ﴿وَلَا يَاتُونَ﴾، والثاني من الضميرِ المرفوعِ في ﴿سَلَقُوكُم﴾. وقال مكِّي: الصحيحُ أنَّ ﴿أَشِحَّةً﴾، و﴿وَلَا يَاتُونَ﴾ حالٌ من الضميرِ في ﴿وَاَلْقَائِلِينَ﴾، وكذلك إنْ جَعَلْتَهما جميعًا حالَيْن من المُضْمَرِ في ﴿وَاَلْقَائِلِينَ﴾ ويجوزُ نَصْبُه على الذمِّ. وقيل: ﴿يَنظُرُونَ﴾ حالٌ من الضميرِ في ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾، و﴿تَدُورُ﴾ حالٌ من الضميرِ في «ينظرون كالذي» أي: دورانًا كدَورانِ عينِ الذي، ويجوزُ أن يكونَ الكافُ حالًا من أعيُنهِم أي مُشْبِهةً عينَ الذي. قولُه: (و«صَلَقوكم» بالصاد، وأنشد صاحبُ «المطلع»: فصَلَقْنا في مُرادٍ صَلْقةً … وصُداءٍ ألحَقَتْهُم بالثَّلَل الثَّلَل: الهلاكُ. والصَّلْقةُ: الصّدْمَة أيضًا والواقعة المنكرة. قولُه: (وفيه بَعْثٌ على إتقان المكلَّفِ أساسَ أمرِه)، يريدُ أنّ إحباطَ العملِ إنما يُتَصَّوُر
[ ١٢ / ٣٩٩ ]
وتنبيه على أن الأعمال الكثيرة من غير تصحيح المعرفة كالبناء على غير أساس، وأنها مما يذهب عند الله هبًاء منثورًا. فإن قلت: ما معنى قوله: (وَكانَ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرًا) وكل شيء عليه يسير؟ قلت: معناه: أن أعمالهم حقيقة بالإحباط، تدعو إليه الدواعي، ولا يصرف عنه صارف. (يَحْسَبُونَ) أنّ الأحزاب لم ينهزموا، وقد انهزموا فانصرفوا عن الخندق إلى المدينة راجعين لما نزل بهم من الخوف الشديد ودخلهم من الجبن
_________________
(١) ـ إذا وُجِدَ هناك عَملٌ والمنافِقُ لا عَمَلَ له حتى يُحْبَطَ، لكنَّ ورودَ هذا الأسلوبِ على التعريضِ بمَنْ له عَملٌ والحثِّ له على الاحتياطِ والإتقانِ فيه لئلاّ يؤولَ إلى الإحباطِ كقولهِ تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلت: ٦ - ٧]، وليسَ من المشركين مَنْ يُزَكّي، ولكنْ حَثَّ المؤمنينَ على أدائِها لأنّ المنْعَ مِن صفةِ المُشركين فلا يَنْبغي للمؤمنِ أن يتَّصفَ به. ومسألةُ الإحباطِ سَبَق في أولِ «البقرة»، قال القاضي: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾: فأظهَر بطلانَها إذ لم تَثْبُتْ لهم أعمالٌ فتَبْطل، أو أبطَل صنيعَهم ونِفاقَهم. قولُه: (معناهُ: أنَّ أعمالَهم حقيقةٌ بالإحباط تدعو إليه الدواعي)، يريدُ أنّ قولهُ تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ كنايةٌ عن هذا المعنى، كما أنّ الناسَ إذا عَقَدوا هِمَمَهم على حصولِ أمرٍ بَعيدِ المَنالِ واهتَمُّوا به قيل لهم تَسلّيًا: وما ذلك على الله بعزيز. قال القاضي: ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هيّنًا لتعلُّقِ الإرادةِ به وعَدَمِ ما يَمْنَعُه عنه. وقال صاحبُ «التقريب»: لا يخافُ اعتراضًا عليه. قولُه: (فانصرَفوا عن الخندقِ إلى المدينة راجعين)، ليس في «المعالم» ولا في
[ ١٢ / ٤٠٠ ]
المفرط. (وَإِنْ يَاتِ الْأَحْزابُ) كرّة ثانية -تمنوا لخوفهم مما منوا به هذه الكرّة- أنهم خارجون إلى البدو حاصلون بين الأعراب (يَسْئَلُونَ) كل قادم منهم من جانب المدينة عن أخباركم وعما جرى عليكم، (وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ) ولم يرجعوا إلى المدينة، وكان قتال لم يقاتلوا إلا تعلة رياء وسمعة. وقرئ: (بدّى) على فعّل جمع باد، كغاٍز وغزّى. وفي رواية صاحب "الإقليد": (بديا)، بوزن: عدىّ. و(يساءلون)، أى: يتساءلون. ومعناه: يقول بعضهم لبعض: ماذا سمعت؟ ماذا بلغك؟ أو: يتساءلون الأعراب، كما تقول: رأيت الهلال وتراءيناه.
_________________
(١) ـ «الوسيط» هذا. لعلّ ذلك نشَأَ له من فِعْل الحُسْبانِ؛ إذْ لو لم يَغيبوا عن الخندق لم يَحْسِبوا ذلك، وهو ضعيف. قولُه: (مِمّا مُنوا)، أي: ابتُلوا، الجوهري: مَنْوتُه ومَنْيتُه؛ إذا ابتلَيْتَه. قولُه: (ولم يرجِعوا إلى المدينة)، أي: منَ الخندقِ إلى المدينةِ، يدلّ عليه قولُه: «فانصرَفوا من الخندقِ إلى المدينة». قولُه: (تَعِلّة)، الجوهري: عَلَّلَه بالشيءِ، أي: ألهاهُ كما يُعَلَّلُ الصبيُّ بشيءٍ من الطعام يَتجزّأ به عن اللبن. النهاية: ومنه حديثُ أبي حَثْمةَ يصِفُ التَّمْر: «تَعِلّةُ الصبي» أي: ما يُعلَّلُ به الصبيُّ ليسكت. قولُه: (وقُرِئ: «بُدًّى»)، قال ابن جِنّي: وهيَ قراءةُ ابنِ عَبّاس: «بُدّى» شديدة الدالِ مُنَوَّنةٌ، جَمْعُ بادٍ، كغُزّى جَمْعُ غازٍ، على فُعَّلٍ، ولو كان على فَعَّالٍ لكانَ بُدّاءً وغُزّاءً، ككتابٍ وكُتَّابٍ، وضارِبٍ وضُرَّاب. قولُه: (كما تقولُ: رأيتُ الهلالَ وتَراءَيْناه)، يريدُ أنَّ «يتساءلون» بمعنى: يَسْألون، قال: سمِعْتُ العربَ تقولُ: تباصَرْتُه، أي: أبصَرْتُه.
[ ١٢ / ٤٠١ ]
[(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)] ٢١ [
كان عليكم أن تواسوا رسول الله ﷺ بأنفسكم فتوازروه وتثبتوا معه، كما آساكم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مرحى الحرب، حتى كسرت رباعيته يوم أحد وشجّ وجهه. فإن قلت: فما حقيقة قوله: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، وقرئ: (أسوة) بالضم؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه في نفسه أسوة حسنة، أى: قدوة، وهو الموتسى به، أى: المقتدى به، كما تقول: في البيضة
_________________
(١) ـ قولُه: (فتُؤازِروه)، النهاية: يقال: آزَرَه وأَزَّره: إذا أعانَه وأسْعَده، من الأَزْرِ: القُوَّةِ والشِّدة. قولُه: (وفي مَرْحى الحرْب)، النهاية: قال سُليمان بن صُرَد: «أتيتُ عَلِيًّا حين فرغَ مِنْ مَرْحى الحرب». المرحى: الذي دارَتْ عليهِ رحى الحرب، يقال: رحَيْتُ الحرْبَ ورَحْوُتها إذا أدَرْتَها. قوله: (وقُرئ: ﴿أُسْوَةٌ﴾ بالضمِّ) عاصمٌ، والباقونَ: بالكَسْر. المُغْرِب: يُقالُ: آسَيْتُه بما لي؛ أي: جَعلْتُه أُسْوةً أقتدي به ويَقْتدي هُو بي، وواسَيْتُ: لغةٌ ضعيفة، وإليه الإشارةُ بقولِه: «كانَ عليكمُ أن تُواسوا الله بأنفُسِكم كما آساكُم بنَفْسِه في الصبرِ على الجهاد». قولُه: (أنّه في نفسِه أُسْوَةٌ حَسَنة)، أي: أنّه من بابِ التجريدِ، جُرِّدَ مِنْ نَفسِه الزكيةِ ﷺ شَيْءٌ قُدوةً، وهي هو. وأنشد أبو عليّ:
[ ١٢ / ٤٠٢ ]
عشرون منا حديٍد، أى: هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد. والثاني: أن فيه خصلة من حقها أن يؤتسى بها وتتبع؛ وهي المواساة بنفسه. (لِمَنْ كانَ يَرْجُوا الله) بدل من (لكم)، كقوله: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ)] الأعراف: ٧٥ [، (يرجو الله واليوم الآخر): من قولك: رجوت زيدًا وفضله، أى: فضل زيد، أو: يرجو أيام الله واليوم الآخر خصوصًا. والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف، (وَذَكَرَ الله كَثِيرًا): وقرن الرجاء بالطاعات الكثيرة والتوفر على الأعمال الصالحة،
_________________
(١) ـ أفاءت بنو مروانَ ظُلْمًا دِماءَنا … وفي الله إن لم يحكموا حكَمٌ عَدْلُ قال ابنُ جِنّي: وهو تعالى أعرَفُ المعارفِ، وقد سَمّاهُ الشاعرُ حكَمًا عَدْلًا، وأخرجَ اللفظَ مُخْرَجَ التنكيرِ والمآلُ إلى معنى التعريف، ومنه قولك: لئِنْ لقِيتَ رسولَ الله ﷺ لتلقَيَنَّ منه رجلًا مُتناهيًا في الخيرِ ورسولًا جامعًا لسُبُلِ الفَضْلِ، فقد آلَتْ به الحالُ إلى معنى التجريد. قولُه: (﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو﴾ بدَلٌ من ﴿لَكُمْ﴾) قال أبو البقاء: منعَ منه الأكثرون، لأنّ ضميرَ المُخاطَبِ لا يُبدَلُ منه، فعلى هذا يجوزُ أن يَتَعلَّقَ بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾ أو يكونَ نعتًا لها، ولا يَتَعلَّقُ بـ ﴿أُسْوَةٌ﴾، لأنّها قد وُصِفَت. قال صاحب «التقريب»: ﴿لِّمَن﴾ بدَلٌ مِن ﴿لَكُمْ﴾ بَدَلَ بعضٍ أو اشتمالٍ، إذِ المُظْهَرُ لا يُبدَلُ من المُخاطَبِ بدَلَ الكلّ. قولُه: (﴿يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ من قولك: رَجوْتُ زيدًا وفَضْلَه)، أي: هو من بابِ: أعجَبني زيدٌ وكَرُمه، على تقديرِ: يرجو اللهَ وثوابَه، فوُضِعَ اليومُ الآخِرُ مَوْضِعَه، لأنّ ثوابَ الله يَقعُ فيه، وهو من إطلاقِ اسمِ المحلِّ على الحالِّ، وعليه قولُه تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧] أي: في الجنّة. والوجهُ الثاني: من بابِ عَطْفِ العامِّ على الخاصّ. قال صاحب «الفرائد»: يُمكنُ أن يكونَ التقديرُ: يرجو رحْمةَ الله تعالى أو رِضا الله وثوابَ اليومِ الآخر.
[ ١٢ / ٤٠٣ ]
والمؤتسي برسول الله ﷺ: من كان كذلك.
[(وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيمانًا وَتَسْلِيمًا)] ٢٢ [
وعدهم الله أن يزلزلوا حتى يستغيثوه، ويستنصروه في قوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ)] البقرة: ٢١٤ [فلما جاء الأحزاب وشخص بهم واضطربوا ورعبوا الرعب الشديد (قالُوا هذا ما وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ)، وأيقنوا بالجنة والنصر. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ لأصحابه: "إنّ الأحزاب سائرون إليكم تسعًا أو عشرًا، أى: في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك. وهذا إشارة إلى الخطب أو البلاء. (إِيمانًا) بالله وبمواعيده (وَتَسْلِيمًا) لقضاياه وأقداره.
_________________
(١) قولُه: (والمُؤْتسي)، هو المبتدأُ، والخبرُ «مَنْ كان كذلك»، والجملةُ معطوفةٌ على جملة: «قَرَنَ الرجاءَ بالطاعاتِ الكثيرةِ»، المعنى: مَنْ كان مُقْتديًا بسُنَّةِ رسولِ الله ﷺ ومُقْتفيًا آثارَه يَنْبغي أن يخافَ اليومَ ويتوفَّرَ منَ الأعمالِ الصالحة. قولُه: (وعدَهم اللهُ أن يُزَلْزَلوا حتى يَسْتغيثوه)، تفسيرٌ لقولِه تعالى ﴿لَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢]. قال الزجّاج: الوعْدُ في قولِه: ﴿وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وهو قولُه تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. ولمّا ابتُلِيَ أصحابُ النبيّ ﷺ وزُلْزِلوا زلزالًا شديدًا علِموا أنّ الجنّة والنصرَ قد وَجبا لهم. قولُه: (وشُخِصَ بهم)، الأساس: ومِنَ المجازِ: شُخِصَ بفُلانٍ: إذا ورَدَ عليه أمرٌ أقْلَقه. قولُه: (﴿إيمَانًا﴾ بالله)، مفعولٌ له، أي: قالوا هذا مُشيرينَ إلى الخَطْبِ أو البلاءِ إيمانًا بالله وتسليمًا لقضائِه وَقَدرِه.
[ ١٢ / ٤٠٤ ]
[(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ الله الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤) وَرَدَّ الله الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ الله قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَاسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا)] ٢٣ - ٢٧ [
نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حربًا مع رسول الله ﷺ ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا، وهم: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وحمزة، ومصعب بن عمير، وغيرهم، ﵃، (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ) يعنى حمزة ومصعبًا، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) يعنى عثمان وطلحة. وفي الحديث: «من أحب أن ينظر إلى شهيٍد يمشى على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة». فإن قلت: ما
_________________
(١) قولُه: (نَذَر رجالُ من الصحابةِ أنّهم إذا لَقُوا حَربًا مع رسولِ الله ﷺ ثَبَتوا وقاتلوا)، روَيْنا عن البُخاريِّ ومُسلِمٍ والتِّرمذِّي عن أنسٍ: قال عمِّي أنسُ بنُ النَّصْرِ- سُمِّيتُ به، لم يشهَدْ بدرًا مع رسولِ الله ﷺ، فكَبُرَ عليه- فقال: أوّلُ مشهدٍ شَهِدَه رسولُ الله ﷺ غِبتُ عنه، أما والله لئن أراني الله مشهدًا مع رسولِ ﷺ بعْدُ ليرَيَنَّ اللهُ ما أصنَعُ. قال: فهابَ أن يقولَ غيرَها، فشهِدَ معَ رسولِ الله ﷺ يوْمَ أحُدٍ منَ القابلِ، فاستقبَلَه سعْدُ بن مُعاذ فقال له أَنسٌ: يا أبا عَمْروٍ، أيْنَ؟ ثم قال: واهاَ لريحِ الجنَّة أجِدُها دونَ أحُد، فقاتلَ حتّى قُتِل، فوُجِدَ في جَسَدِه بِضْعٌ وثمانونَ؛ مِنْ ضَربةٍ وطَعْنةٍ ورَمْيةٍ. قالت عَمَّتي الرُّبَيِّعُ بنتُ النَّضْر: فما عرفْتُ أخي إلا ببَنانِه، ونزلَتْ هذه الآيةُ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
[ ١٢ / ٤٠٥ ]
قضاء النحب؟ قلت: وقع عبارة عن الموت؛ لأنّ كل حى لا بدّ له من أن يموت، فكأنه نذر لازم في رقبته، فإذا مات فقد قضى نحبه، أى: نذره. وقوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ) يحتمل موته شهيدًا، ويحتمل وفاءه بنذره من الثبات مع رسول الله ﷺ. فإن قلت: فما حقيقة قوله: (صَدَقُوا ما عاهَدُوا الله عَلَيْهِ)؟ قلت: يقال: صدقنى أخوك وكذبني؛ إذا قال لك الصدق والكذب. وأمّا المثل: "صدقنى سنّ بكره" فمعناه: صدقنى في سن بكره، بطرح الحار وإيصال الفعل؛ فلا يخلو (ما عاهَدُوا الله
_________________
(١) قولُه: (ويحتَمِلُ وفاءَه بنَذْرهِ منَ الثباتِ مع رسول الله ﷺ)، فيه حَزازة، لأنّه لما أجابَ عن معنى قَضاءِ النَّحْبِ بأنّه كِنايةٌ عن الموتِ لم يحسُنْ هذا التقسيم. الراغب: النَّحْبُ: النَّذْرُ المحكومُ بوجوبه، يُقال: قضى فلانٌ نَحْبَه؛ أي: وَفّى بنَذْرهِ قال تعالى ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، ويُعَبَّرُ به عَمَّنْ مات كقَوْلِهم: قضى أجلَه، واستَوْفى أُكْلَه، وقَضى من الدنيا حاجتَه. والنحيبُ: البكاءُ الذي معه الصوت. قولُه: «استَوْفى أُكْلَه»: كنايةٌ عن انقضاءِ الأجلِ، والأُكْلُ: اسمٌ لما يُؤكَلُ، بضَمِّ الكافِ وسُكونِه، ويُعَبَّرُ به عن النصيبِ، يقال: فُلانٌ ذو أُكلٍ من الدنيا. قولُه: (صَدَقَني سِنَّ بَكْرِه)، قال الميداني: البَكْرُ: الفتيُّ من الإبلِ، يُقال: صدَقْتُه الحديثَ وفي الحديث، يُضْرَبُ مثلًا في الصدق. وأصْلُه: أنّ رجلًا ساومَ رجُلًا في بَكْرٍ فقال: ما سِنُّة؟ فقال صاحبُه: بازِلٌ، ثم نَفَر البَكْرَ له صاحبه: هِدَعْ هِدَعْ، وهذه لفظةٌ تُسَكَّنُ بها الصِّغار من الإبلِ، فقال المُشتري: صَدقني سِنَّ بَكْرِهِ، ونُصِبَ على معنى: عَرَّفَني سِنَّ بكره ويجوزُ أن يُقالَ: صَدَقَني خَبَرَ سِنٍّ، ثم حَذفَ المُضافَ، ويُروي: «صَدَقني سِنُّ» بالرفعِ،
[ ١٢ / ٤٠٦ ]
عَلَيْهِ) إما أن يكون بمنزلة السنّ في طرح الجار، وإمّا أن يجعل المعاهد عليه مصدوقًا على المجاز، كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفى بك، وهم وافون به؛ فقد صدقوه، ولو كانوا ناكثين لكذبوه، ولكان مكذوبًا، (وَما بَدَّلُوا) العهد ولا غيروه، لا المستشهد ولا من ينتظر الشهادة، ولقد ثبت طلحة مع رسول الله ﷺ يوم أحٍد حتى أصيبت يده، فقال رسول الله ﷺ: «أوجب طلحة»، وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق
_________________
(١) ـ جَعل الصِّدْقَ للسنِّ توسّعًا، وعليه قولُ المصنِّف: «أن يُجْعلَ المُعاهَدُ عليه مَصْدوقًا على المجاز». قولُه: (أوجَبَ طلحة)، النهاية: في الحديثِ: مَنْ فعلَ كذا وكذا فقَد أوْجَبَ، يُقال: أوجَبَ الرجلُ: إذا الرجلُ: إذا فَعل فِعْلًا أوجَبَ له الجنّةَ أو النار. قولُه: (وفيه تَعْريضٌ بمَنْ بَدّلوا من أهلِ النفاق)، أيْ: في قولِه تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، كأنّه قيلَ: من المؤمنينَ رجالٌ صدَقوا ما عاهدوا عليه وما بَدَّلوا تبديلًا ليَجْزِيَهم الله بصِدْقِهم، ومن المنافقينَ رجالٌ كذَبوا ما عاهدوا الله وبَدّلوا تبديلًا ليُعذِّبَهم، فوضَعَ موضِعَ الضميرَيْن المُظْهَرَيْن؛ للإيذانِ بأنّ استحقاقَ كلٍّ بسَببِ عَمَلِه، فاللامُ المُقدَّرُ في «ليُعَذّبَهم» مَجازٌ للعاقبة، وهاهُنا طريقٌ أسْهَلُ مأخذًا، وأبْعَدُ من التعسُّفِ، وأقربُ إلى المقصود وهو أن تُعَلَّقَ اللامُ بمعنى قوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾، كأنه قيلَ: إنّما ابتلاهُم اللهُ برؤيةِ ذلك الخَطْبِ المشارِ إليه «بهذا» - كما قال: «﴿هَذَا﴾ إشارةٌ إلى الخَطْبِ أو إلى البلاءِ» - ليَجْزِيَ الصادقينَ بصِدْقِهم ما لا يدخُلُ تحْتَ الوَصْفِ والعَدِّ، ويُعَذِّبَ المُنافقين، كما سَبق مِثْلُه في قولِه تعالى:
[ ١٢ / ٤٠٧ ]
ومرض القلوب؛ جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم؛ لأنّ كلا الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبهما والسعى لتحصيلهما. ويعذبهم (إِنْ شاءَ) إذا لم يتوبوا (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) إذا تابوا، (وَرَدَّ الله الَّذِينَ كَفَرُوا) الأحزاب (بِغَيْظِهِمْ) مغيظين، كقوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)] المؤمنون: ٢٠ [. (لَمْ يَنالُوا خَيْرًا) غير ظافرين، وهما حالان بتداخل أو تعاقب، ويجوز أن تكون الثانية بيانًا للأولى أو استئنافًا، (وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ) بالريح والملائكة (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ) ظاهروا الأحزاب من أهل الكتاب، (مِنْ صَياصِيهِمْ): من حصونهم. والصيصية: ما تحصن به، يقال لقرن الثور والظبى: صيصية، ولشوكة الديك؛ وهي مخلبه التي في ساقه؛ لأنه يتحصن بها.
_________________
(١) ﴿لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٨] قال: «﴿وَأَعَدَّ﴾ عَطْفٌ على ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾؛ لأنّ المعنى: أنّ اللهَ أكّد على الأنبياءِ الدعوةَ إلى دينهِ لأجلِ إثابةِ المُؤمنين وأعَدَّ للكافرين ». وفي كلامِ أبي البَقاء إشعارٌ بهذا حيث قال: ﴿لِّيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ يجوزُ أن تكونَ لامُ العاقبة، وأن تَتعلَّقَ بـ ﴿صَدَقُوا﴾ أو بـ ﴿زَادَهُمْ﴾ أو بـ ﴿مَا بَدَّلُوا﴾. وعلى الزجَّاج بـ ﴿صَدَقُوا﴾. قولُه: (بتداخُلٍ أو تعاقُب)، التداخلُ: أن يُعْمِلَ الحالَ الأولى في الثانية ويكونُ الحالانِ لشَيْئين لفظًا، والتعاقُبُ: أن يكونا لشيءٍ واحد. قولُه: (﴿كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالريحِ والملائكة)، الراغب: الكفايةُ: ما فيه سَدُّ الخَلَّةِ وبلوغُ المرادِ في الأمرِ، والكُفْيةُ من القُوت: ما فيه كِفاية.
[ ١٢ / ٤٠٨ ]
روي أنّ جبريل ﵇ أتى رسول الله ﷺ صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا سلاحهم على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج، فقال: "ما هذا يا جبريل؟ " فقال: من متابعة قريش. فجعل رسول الله ﷺ يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه، فقال: يا رسول الله، إن الملائكة لم تضع السلاح، إن الله يأمرك بالسير إلى بنى قريظة، وأنا عامد إليهم، فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة، فأذن في الناس: أن "من كان سامعًا مطيعًا فلا يصل العصر إلا في بنى قريظة"، فما صلى كثير من الناس العصر إلا بعد العشاء الآخرة، لقول رسول الله ﷺ، فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلةً حتى جهدهم الحصار، فقال لهم رسول الله ﷺ: "تنزلون على حكمى؟ " فأبوا، فقال: "على حكم سعد بن معاذ؟ " فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر النبي ﷺ، وقال: «لقد حكمت بحكم الله من فوق
_________________
(١) ـ قولُه: (ورُويَ أنّ جِبريل أتى رسولَ الله ﷺ)، الحديث مِنْ روايةِ البُخاريِّ ومُسلمٍ عن عائشةَ ﵂: فلما رَجَعَ رسولُ الله ﷺ منَ الخندقِ ووضعَ السِّلاحَ واغتَسل، أتاه جبريلُ ﵇ وهو ينفُضُ رأسَه من الغُبار فقال: «قد وضَعْتَ السلاحَ! والله ما وضَعْتُه، اخرُجْ إليهم». فقال النبيُّ ﷺ: «فأين؟» فأشارَ إلى بَني قُريظَةَ فأتاهُم رسولُ الله ﷺ فنزلوا على حُكْمه، فَردَّ الحُكْمَ إلى سعدٍ. قال: فإني أحكُمُ فيهم أن تُقْتَلَ المُقاتِلةُ وتُسبي النساءُ والذُّريّةُ وأن يُغْنَم أموالهُم»، وزادَ في رواية: قالَ رسولُ الله ﷺ: «لقد حَكَمْتَ فيهم بحُكْمِ الله»، وفي رواية: «بحُكْمِ المَلِك».
[ ١٢ / ٤٠٩ ]
سبعة أرقعة»، ثم استزلهم، وخندق في سوق المدينة خندقًا، وقدمهم فضرب أعناقهم وهم من ثمان مئة إلى تسع مئة، وقيل: كانوا ست مئة مقاتٍل وسبعمئة أسير. وقرئ: (الرعب) بسكون العين وضمها. و(تأسرون) بضم السين.
وروى: أن النبي ﷺ جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، فقالت الأنصار في ذلك، فقال: "إنكم في منازلكم"، وقال عمر ﵁: أما تخمس كما خمست يوم بدر؟ قال: "لا، إنما جعلت هذه لي طعمة دون الناس"، قال: رضينا بما صنع الله ورسوله. (وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها) عن الحسن ﵁: فارس والروم. وعن قتادة ﵁: كنا نحدث أنها مكة. وعن مقاتل ﵁: هي
_________________
(١) ـ قوله: (سَبْعةِ أرْقِعَة)، جاءَ على لفظِ التذكيرِ كأنه ذهبَ إلى السقف. النهاية: يعني سَبْعَ سماواتٍ، كلُّ سماءٍ يُقال لها: رَقيع، والجَمْعُ أرْقِعَة، ويقال: الرقيعُ: اسمُ سماءِ الدنيا، فأُعْطيَ كلُّ سماءٍ اسْمَها. قولُه: (خَنْدَقَ)، أي: حَفَرَ. قولُه: (من ثمانِ مئة إلى تسعِ مئة)، أي: هم كائنونَ من بين ثمان مئةِ رأسٍ إلى منتهى تسع مئةٍ، لا ينقُصون مِن ذلك، ولا يزيدونَ على هذا. قولُه: (وقُرِئ: ﴿الرُّعْبَ﴾ بسكونِ العَيْنِ وضَمِّها)، بالضمِّ: ابنُ عامرِ والكِسائيُّ، والباقون: بالسكون. قولُه: (فقالَ الأنصارُ في ذلك)، أي: في شأنِه وأمْرِه.
[ ١٢ / ٤١٠ ]
خيبر. وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. ومن بدع التفاسير: أنه أراد نساءهم.
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ الله أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)] ٢٨ - ٢٩ [
أردن شيئًا من الدنيا من ثياب وزيادة نفقة، وتغايرن، فغم ذلك رسول الله ﷺ، فنزلت، فبدأ بعائشة ﵂، وكانت أحبهنّ إليه، فخيرها وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤى الفرح في وجه رسول الله ﷺ، ثم اختارت جميعهنّ اختيارها، فشكر لهنّ الله ذلك؛ فأنزل: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ)] الأحزاب: ٥٢ [.
روى: أنه قال لعائشة: "إنى ذاكر لك أمرًا، ولا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمرى أبويك"، ثم قرأ عليها القرآن، فقالت: أفى هذا أستأمر أبوىّ؟ ! فإنى أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وروى: أنها قالت: لا تخبر أزواجك أنى اخترتك، فقال: "إنما
_________________
(١) قولُه: (فشكَر لهنَّ الله)، أي: حَمِدَ اللهُ على اختيارِهن الرسولَ ﷺ، ووعَدَ لُهنَّ تَضْعيفَ الأجْرِ والرزقِ الكريم. قولُه: (رُويَ أنه ﷺ قال لعائشة: «إنّي ذاكرٌ لك أمرًا»)، الحديث، أخرجَه البُخاريُّ ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجه عنها مع تغييرٍ يسيرٍ في اللَّفظ. قولُه: (ورُوِيَ أنها قالت: لا تُخبر أزواجَك)، هذه الروايةُ في «مسندِ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل» زائدةٌ على الحديثِ الأوّلِ ومُتَّصلةٌ به، قالت: وأسأَلُك أنْ لا تذكُر لامرأةٍ من نسائِك
[ ١٢ / ٤١١ ]
بعثني الله مبلغًا ولم يبعثني متعنتًا". فإن قلت: ما حكم التخيير في الطلاق؟ قلت: إذا قال لها: اختاري، فقالت: اخترت نفسي، أو قال: اختاري نفسك، فقالت: اخترت، لا بد من ذكر النفس في قول الخير أو المخيرة؛ وقعت طلقة بائنة عند أبى حنيفة وأصحابه، واعتبروا أن يكون ذلك في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الإعراض، واعتبر الشافعي ﵀ اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية، وهو مذهب عمر وابن مسعود. وعن الحسن وقتادة والزهري ﵃: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره، وإذا اختارت زوجها؛ لم يقع شيء بإجماع فقهاء الأمصار. وعن عائشة ﵂: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه ولم يعده طلاقًا. وروى: أفكان طلاقا؟ وعن علىّ ﵁: إذا اختارت زوجها: فواحدة رجعية، وإن اختارت نفسها: فواحدة بائنة. وروى عنه أيضًا: أنها إن اختارت زوجها فليس
_________________
(١) ـ ما اختَرْت، فقال: «إنّ الله لم يبعَثْني مُعنِّفًا، ولكنْ بعَثَني مُعلِّمًا مُيسِّرًا، لا تسألنَّ امرأةٌ عما اختَرْتِ إلا أخبرتُها». أوقَعَ «مُتعنِّتًا» مقابِلًا لقولِه: «مُبلِّغًا»، فيجبُ التطابقُ بينهما من جهةِ التضاد. والتعنُّتُ: تَفعُّلٌ من العَنَتِ، أي: الفسادِ والمشقَّة والهلاكِ والإثْمِ والخطأ. والتفعُّلُ والاستفعالُ يَلْتقيانِ في مواضعَ، يُقال: تعجَّلْتُه وتقصَّيْتُه واستقصَيْته، والنبيُّ ما بُعِثَ لطلبِ ذلك وإنَّما بُعِثَ لزَفْعِها وإزالتِها. المُغِرب: أعْنتَه إعناتًا: أوقَعَه في العَنَتِ فيما شقَّ عليه، ومنه: تَعنَّتَه في السؤالِ إذا سأله على جهةِ التلبيسِ عليه، والتلبيسُ ممّا يُنافي الإبلاغ. قولُه: (إذا اختارَتْ زوجَها فواحدةٌ رجْعِيةٌ وإن اختارَتْ نَفْسَها فواحدةٌ بائنة)، قال القاضي: تعليقُ التسريحِ بإرادتِهنَّ الدنيا وجَعْلُها قسيمًا لإرادتِهنَّ الرسولَ ﷺ يدلُّ على أن
[ ١٢ / ٤١٢ ]
بشيء. أصل "تعال": أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان المستوطئ، ثم كثر حتى استوت في استعماله الأمكنة. ومعنى "تعالين": أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد أمرين، ولم يرد نهوضهنّ إليه بأنفسهنّ، كما تقول: أقبل يخاصمني، وذهب يكلمني، وقام يهددنى. (أُمَتِّعْكُنَّ): أعطكنّ متعة الطلاق. فإن قلت: المتعة في الطلاق واجبة أم لا؟ قلت: المطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها في العقد، متعتها واجبة عند أبى حنيفة وأصحابه، وأما سائر المطلقات فمتعتهن مستحبة. وعن الزهري: متعتان، إحداهما: يقضى بها السلطان: من طلق قبل أن يفرض ويدخل بها. والثانية: حق على المتقين: من طلق بعد ما يفرض ويدخل. وخاصمت امرأة إلى شريح في المتعة، فقال: متعها إن كنت من المتقين، ولم يجبره. وعن سعيد بن جبير: المتعة حق مفروض. وعن الحسن: لكل مطلقة متعة إلا المختلعة والملاعنة. والمتعة: درع وخمار وملحفة على حسب السعة والإقتدار، إلا أن يكون نصف مهرها أقل من ذلك، فيجب لها الأقل منهما. ولا ينقص من خمسة دراهم؛ لأن أقل المهر عشرة دراهم، فلا ينقص من نصفها. فإن قلت: ما وجه قراءة من قرأ: (أمتعكنّ وأسرحكنّ) بالرفع؟ قلت:
_________________
(١) ـ المُخَيَّرَة إذا اختارَتِ الزوجَ لم تطلُقْ خِلافًا لزيدٍ والحسنِ ومالكٍ وإحدى الروايتين عن علي ﵁، يؤيِّدُه قولُ عائشةَ ﵂: خَيَّرَنا رسولُ الله ﷺ فاختَرْناه، ولم يَعُدَّه طلاقًا. وتقديمُ التمتيع على التسريحِ المسبَّبِ عنه من الكَرَمِ وحُسْنِ الخلق. قولُه: (المُطلَّقةُ التي لم يُدْخَلْ بها ولم يُفْرَضْ لها في العَقْدِ مُتْعتُها واجبةٌ عند أبي حنيفة)، قال القاضي: ليس في الكلام ما يدلُّ عليه. قولُه: (وعن الزُّهْريِّ مُتْعتان)، هما مبنيتان على ما في «البقرة» مِنْ قَوْلِه ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] بعد قوله ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ
[ ١٢ / ٤١٣ ]
وجهه الاستئناف (سَراحًا جَمِيلًا) من غير ضراٍر طلاقًا بالسنة. (مِنْكُنَّ) للبيان لا للتبعيض.
[(يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَاتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا)] ٣٠ - ٣١ [
الفاحشة: السيئة البليغة في القبح، وهي الكبيرة. والمبينة: الظاهر فحشها، والمراد كل ما اقترفن من الكبائر. وقيل: هي عصيانهن رسول الله ﷺ ونشوزهنّ، وطلبهن منه ما يشق عليه، أو ما يضيق به ذرعه ويغتم لأجله. وقيل: الزنا، والله عاصم رسوله من ذلك، كما مرّ في حديث الإفك، وإنما ضوعف عذابهنّ؛ لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهنّ وأقبح؛ لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل والمرتبة وزيادة النعمة على العاصي من المعصى، وليس لأحٍد من النساء مثل فضل نساء النبي ﷺ، ولا على أحد منهنّ مثل ما لله عليهن من النعمة، والجزاء يتبع الفعل، وكون الجزاء عقابًا يتبع كون الفعل قبيحًا، فمتى ازداد قبحًا ازداد عقابه شدّة؛ ولذلك كان ذم العقلاء للعاصي العالم أشدّ منه للعاصي الجاهل؛ لأن المعصية من العالم أقبح؛ ولذلك فضل حدّ الأحرار على حد العبيد، حتى إن أبا حنيفة وأصحابه لا يرون الرجم على الكافر. (وَكانَ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرًا) إيذان بأن كونهن نساء النبي ﷺ ليس بمغن عنهن شيئًا، وكيف يغنى عنهن وهو سبب مضاعفة العذاب؟ فكان داعيًا إلى تشديد الأمر عليهنّ غير صارٍف عنه.
_________________
(١) ـ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، قال سعيد بن جبير وأبو العالية والزهري: المتعةُ واجبةٌ لكل مُطَلَّقة وفَرَّقَ هاهنا بين الواجبَيْن بأن قال في الأول: «يقضي به السلطان»، أي: يُجبِرُ عليه، وفي الثاني: «حَقٌّ على المتَّقين»، وأتْبَع ذلك حُكْمَ شُرَيْحٍ: «مَتِّعْها»، ولم يُجبره.
[ ١٢ / ٤١٤ ]
قرئ: (يأت) بالتاء والياء، (مبينة) بفتح الياء وكسرها؛ من بين بمعنى تبين، (يضاعف) و(يضعف) على البناء للمفعول، و(يضاعف)، و(نضعف) بالياء والنون. وقرئ: (تقنت) (وتعمل) بالتاء والياء. و(نؤتها) بالياء والنون. والقنوت: الطاعة، وإنما ضوعف أجرهنّ؛ لطلبهنّ رضا رسول الله ﷺ بحسن الخلق، وطيب المعاشرة، والقناعة، وتوفرهنّ على عبادة الله، والتقوى.
_________________
(١) ـ قولُه: (وقُرئ: ﴿يَاتِ﴾ بالتاء والياء)، بالياءِ التحتانية: سَبْعة، والتاء: شاذة. قولُه: (﴿مُّبَيِّنَةٍ﴾، بفتحِ الياءِ)، ابنُ كثيرٍ وأبو بكرٍ، والباقون: بكَسْرِها. قولُه: (﴿يُضَاعَفْ﴾ و«يُضَعَّفْ»)، ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ: بالنون وكسر العين وتشديدها من غير ألف، «العذابَ» بالنَّصْب، والباقون: بفَتْحِ العين ورَفْع «العذاب»، وشَدَّد أبو عَمْروٍ العينَ وحذفَ الألفَ قبلها، وخَفَّفها الباقون وأثبتوا الألف. قولُه: (وقرئ: ﴿يَقْنُتْ﴾ ﴿وَتَعْمَلْ﴾)، بالياءِ التحتانية: السبعة، وبالتاءِ: شاذّة، «ويعمل صالحًا يؤتها» بالياء التحتانية فيهما: حمزة والكسائي، والباقون: بالتاء الفوقانية في الأول، وبالنون في الثاني. قولُه: (إنّما ضوعف أجرُهُنّ لطلبهنّ)، ولو عَلّل بما علّل به قولَه: ﴿مَن يَاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ [الأحزاب: ٣٠] من نحوِ قوله: لأنّ زيادةَ قُبْح المعصية مع زيادةِ الفضلِ والمرتبة، بأن يقول: كما أن العذاب لأجلِ زيادةِ الفضل، وزيادة النعمة من كونهنّ نساءَ خير البَرِيّة، كذلك مضاعفة العذاب لأجلِ ذلك؛ كان أحسَن وأشدّ التئامًا مع قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾
[ ١٢ / ٤١٥ ]
[(يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفا)] ٣٢ [
"أحد" في الأصل بمعنى وحٍد، وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستويًا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه. ومعنى قوله: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ): لستن كجماعةٍ واحدةٍ من جماعات النساء، أى: إذا تقصيت أمة النساء جماعةً جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة، ومثله قوله ﷿:
_________________
(١) قولُه: (تُقُصِّيَت)، أي: استُقصِيَت وتُتبِّعَتُ، والتقصِّي: الاستقصاءُ وهو بلوغُ الأقصى. قولُه: (أي: إذا تُقُصِّيَت أمةُ النساء جماعةً جماعةً، لم توجَدْ منهن جماعةٌ واحدةٌ تُساويكنَّ في الفضل)، الانتصاف: أراد المطابقةَ بين المتفاضلَيِن، فإنّ نساءَ النبيِّ جماعة، وقد كان مُستغنيًا بحملِ المعنى على الوحدة ويكون أبلغ، أي: ليست واحدةٌ منكنَّ كأحدٍ، أي: كواحدةٍ من آحادِ النساء. ويلزَمُ على ما قال تفضيلُ الجماعةِ على الجماعة، ولا يلزم ذلك في عكسه فتأمله، وجاء التفصيلُ هاهنا كمجيئه في قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، وكقوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقد مضت فيه نكته، أي: الأصلُ: أفمَنْ لا يخلقُ كمَنْ يخلق، وليس الأنثى كالذكر، وكذا هاهنا: ليسَت إحداكُنَّ نحو أحدٍ من آحادِ النساء. وقلت: لا شكّ أن اسمَ «ليسَ» ضميرُ الجماعةِ، وقد حُمِلَ عليه ﴿كَأَحَدٍ﴾، وبُيِّن بقوله: ﴿مِّنَ النِّسَاءِ﴾، والتعريفُ فيه للجنس، فوجبَ حَملُ الأحدِ في هذا السياقِ على الجماعة، كما في قولِه تعالى: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] ولو حُملَ أحدٌ على الواحدِ لزمَ التفصيلُ بحسب الوُحْدان، ويرجع ذلك إلى تفضيلهنَّ عليهن على واحدٍ واحدٍ من النساء، ولا ارتيابَ في بُطلانِه. وأمّا تأويلُه بقولِه: «ليست واحدةٌ منكنّ» فخلاف
[ ١٢ / ٤١٦ ]
(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ)] النساء: ١٥٢ [يريد بين جماعةٍ واحدة منهم، تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق المبين. (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ): إن أردتن التقوى، وإن كنتن متقيات. (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ): فلا تجبن بقولكن خاضعًا، أي:
_________________
(١) الظاهر، وأمّا قولُه: «يلزَمُ تفضيلُ الجماعةِ على الجماعة ولا يلزم ذلك في عكسِه» فجوابه: أنَّ تفضيل كلِّ واحدٍ واحدٍ منهنَّ يعُلَمُ من دليلٍ آخرَ، إما عقليٌّ أو نَصّ، مثل: «ونساؤه أمهاتكم» وغيره. الراغب: أحدٌ تُستعملُ على ضربَيْن: أحدُهما: في النفي فقط، وهو لاستغراق جنسِ الناطقين ويتناول القليل والكثير على طريق الاجتماع والافتراق، نحو: ما في الدار أحد، أي: واحد ولا اثنان فصاعدًا لا مجتمعَيْن ولا مُفترقَيْن، وهذا المعنى لم يصلُح استعمالُه في الإثبات، لأنَّ نفْيَ المُتضادّين يصحُّ ولا يصحُّ إثباتهما، فلو قيل: في الدارِ أحدٌ لكان فيها إثباتٌ واحدٍ منفردٍ مع إثباتِ ما فوق الواحدِ مُجتمعِين ومُتفرِّقين، وذلك ظاهر الإحالة، ولتناولِه ما فوقَ الواحدِ يصحُّ أن يقال: ما من أحد فاضلين كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]. وثانيهما: في الإثبات، وهو على ثلاثةِ أوجه: أحدُها: في الواحدِ المضموم إلى العَشرات نحو أحد عشر. وثانيها: أن يُستعملَ مُضافًا أو مُضافًا إليه، كقوله تعالى ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١] وقولهم: يوم الأحد، أي الأول. وثالثها: أن يستعمل مطلقًا وصفًا وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وأصله: وَحَد، لكن وَحَد يُسْتعملُ في غيره. قال النابغة: كأنَّ رحلي وقد زال النهارُ بِنا … بذي الجليل على مستأنسِ وَحِد قولُه: (﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ إن أرَدتُنَّ التقوى)، قال صاحب «الفرائد»: حَمَلَ الاتقاَءَ على
[ ١٢ / ٤١٧ ]
لينًا خنثًا مثل كلام المربيات والمومسات (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) أى: ريبة وفجور. وقرئ: بالجزم؛ عطفًا على محل فعل النهى، على أنهن نهين عن الخضوع بالقول، ونهى المريض القلب عن الطمع، كأنه قيل: لا تخضعن فلا يطمع. وعن ابن محيصن: أنه قرأ بكسر الميم، وسبيله ضم الياء مع كسرها وإسناد الفعل إلى ضمير القول؛ أى: فيطمع القول المريب. (وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا): بعيدًا من طمع المريب بجد وخشونة من غير تخنث، أو قولًا حسنًا مع كونه خشنًا.
[(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)] ٣٣ [
_________________
(١) إرادتِه بطريق المجاز، ومتى أمكن الحقيقة لم يجز الحمل على المجاز، وقد حمله وذكر معه الحقيقة. وقلت: هاهنا تفصيل، وذلك أنّ المخاطَب إما أن يكونُ متقيًا، فيجري الكلام على الحثِّ، كما حكى الله عن مريم تُخاطبُ ﵉: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]. روى البخاريُّ عن أبي وائل قال: علِمَت مريمُ أن التقيَّ ذو نُهْيَة حين قالت: ﴿إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾. هذا الطريق هو الذي سلكَه المصنِّفُ لاقتضاء المقام إياه تهييجًا وإلهابًا، وقد نبّه عليه بقوله: «وإن كُنتُنَّ مُتَّقيات» على «إن» الشرطية، أو تخاطبُ من لم يتَّصف بصفة التقوى وأرادَ الاتصافَ بها، فحينئذ لابد من تقدير الإرادة، والأول أوجه؛ لأن المخاطباتِ مُتَّقياتٌ، والشرطُ كالتعليل. قولُه: (ليّنًا خَنِثًا)، الأساس: خَنِثَ: تكَسّر وتثَنّى. وقد خَنث وتخنّث وخَنّث كلامَه: ليَّنه. قولُه: (المومسِات)، النهاية: المومسة الفاجرة.
[ ١٢ / ٤١٨ ]
(وَقَرْنَ) بكسر القاف، من: وقر يقر وقارًا، أو من: قرّ يقرّ، حذفت الأولى من رائى: أقررن، ونقلت كسرتها إلى القاف، كما تقول: ظلن، و(وقرن): بفتحها، وأصله: أقررن، فحذفت الراء وألقيت فتحتها على ما قبلها، كقولك: ظلن. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب "التبيان" وجهًا آخر، قال: قار يقار: إذا اجتمع، ومنه: القارة؛ لاجتماعها، ألا ترى إلى قول عضل والديش: اجتمعوا فكونوا قارة؟ والْجاهِلِيَّةِ الْأُولى: هي القديمة التي يقال لها: الجاهلية الجهلاء، وهي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم ﵇؛ كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشى وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال. وقيل: ما بين آدم ونوح. وقيل: بين إدريس ونوح. وقيل: زمن داود وسليمان.
_________________
(١) قولُه: «وقِرْنَ) بكَسْرِ القاف)، قرأ نافع وعاصم: بفَتْح القاف، والباقون: بكَسْرِها. قال مكّي: مَنْ قرأ بالكسرِ جَعله من الوقارِ والتوقيرِ في البيوت، نَحْو: عِدْنَ وزِنَّ محذوفَ الفاء، وهو الواو. ويجوز أن يكون من القرار فيكون مُضَعَّفًا. أي: قَرَّ في المكان يَقَرُّ. وأصله: اقرُرْنَ، ثم تُبدلُ من الراءِ التي هي عينُ الفعلِ ياء كراهيةَ التضعيف فتَصيرُ الياءُ مكسورة، فتُلقى حركتُها على القافِ، وتُحذَفُ لسكونها وسكونِ الراءِ، ويُستغنى عن ألفِ الوصل لتحرُّكِ القافِ، فتصير «قَرْن»، وقيل: بَل حُذِفت الراءُ الأولى كراهةَ التضعيف كما قالوا: ظَلْتُ، والأصلُ: ظَلَلْتُ، وأُلقِيَتْ حركتُها على القافِ فحُذِفَت ألِفُ الوصلِ لتحرّك القافِ أيضًا. ومَنْ قرأ بفَتْحِ القافِ وهي لُغةٌ قليلة حَكاها أبو عُبيدةَ عن الكسائي أنه قال: قَررْتُ في المكان أقرُّ، وأنكَرها المازِنيُّ وغيرُه، ثم جرى الاعتلال على الوجهَيْن المذكورين في الكسر. قولُه: (عَضَلٍ والدَّيْش)، بفتحِ الدالِ وكسْرِها وسكونِ الياء. الجوهري: عضل بن الهون بن خُزَيمةَ أخو الديش وهما القارة، سُمُّوا قارة؛ لاجتماعهم والتفافهم. قولُه: (الجاهلية الجهلاء)، الجوهري: «الجهلاءُ» توكيدٌ للأولِ يُشتَق له من اسمِه ما يؤكَّدُ به، كما يقال: ليلةٌ ليلاء وَيوْمٌ أيْوَمُ.
[ ١٢ / ٤١٩ ]
والجاهلية الأخرى: ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. ويجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام، فكأن المعنى: ولا تحدثن بالتبرج جاهلية في الإسلام تتشبهن بها بأهل جاهلية الكفر، ويعضده ما روى: أنّ رسول الله ﷺ قال لأبى الدرداء ﵁: «إن فيك جاهلية»، قال جاهلية كفر أم إسلام؟ فقال: «بل جاهلية كفر». أمرهن أمرًا خاصًا بالصلاة والزكاة، ثم جاء به عامًا في جميع الطاعات؛ لأن هاتين الطاعتين البدنية والمالية هما أصل سائر الطاعات، من اعتنى بهما حق اعتنائه جرّتاه إلى ما وراءهما، ثم بين أنه إنما نهاهن، وأمرهن، ووعظهن؛ لئلا يقارف أهل بيت رسول الله ﷺ المآثم، وليتصوّنوا عنها بالتقوى. واستعار للذنوب الرجس،
_________________
(١) قولُه: (ولا تُحْدِثْنَ بالتبرُّج جاهليةً في الإسلام)، قال الزجاج: التبرُّج: إظهارُ ما يُستدعى به شهوة الرجل، والأشبَهُ أن يراد بالجاهلية الأولى مَنْ كان منذ زمنِ عيسى إلى زمن محمد ﷺ؛ لأنهم هم الجاهلية المعروفون، وكانوا يتخذون البغايا الفواجر، وإنما قيل الأولى، لأن كلّ مُتقدمٍ ومُتقدّمةٍ أوّلُ وأُولى؛ أي: إنَّهم تقدموا أمةَ محمد ﷺ. قولُه: (إن فيك جاهليةً)، قال أبو ذر: إني كنت سابَبْتُ رجلًا وكانت أُمّه أعجميةً، فَعيَّرتُه بأمِّه، فشكاني إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا ذَرّ إنك امرؤ فيك جاهلية» قال: «إنَّهم إخوانكم فضلكم الله عليهم فمن لم يلائمكم فبيعوه ولا تُعذِّبوا خلق الله»، أخرجَه البخاريُّ ومسلم وأبو داود والترمذي. النهاية: فيك جاهلية؛ أي: الحالةُ التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنسابِ والتكبُّرِ والتجبُّرِ وغير ذلك. قولُه: (لئلا يُقارِف)، الأساس: فلان يقترِفُ لعياله؛ يكتسبُ، واقترفَ الإثم، وقارفَ، وهو يقترف بكذا؛ يُتَّهم به، وهو مَقْروفٌ به.
[ ١٢ / ٤٢٠ ]
وللتقوى الطهر؛ لأنّ عرض المقترف للمقبحات يتلوّث بها ويتدنس، كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما المحسنات. فالعرض معها نقى مصون كالثوب الطاهر. وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولى الألباب عما كرهه الله لعباده ونهاهم عنه، ويرغبهم فيما رضيه لهم وأمرهم به. و(أَهْلَ الْبَيْتِ) نصب على النداء، أو على المدح. وفي هذا دليل بين على أنّ نساء النبي ﷺ من أهل بيته.
_________________
(١) ـ قولُه: (وفي هذه الاستعارة ما يُنفِّر أولى الألباب عمّا كرهه)، يريد: أن الغَرَضَ من أصل الاستعارة التنفيرُ والترغيب، فإنّ تشبيه الذنب بالرِّجْسِ مما يُتصَوَّرُ في نفسِ ذي اللُّبِّ ما يُوحِشُه ويُنفِّرُ طبعَه كما أن تشبيه التقوى بالطهارة مما يُرغِّبه ويُميلُ طبْعَه إليه. قال ابنُ الرومي في شأن العسل: تقولُ هذا مُجاجُ النحلِ تمدَحُه … وإن تَعِبْ قُلْتَ ذا قَيءُ الزنابير قال الزجاج: الرجسُ كلُّ مستنكرٍ ومُسْتَقذرٍ من مأكول أو عمل أو فاحشة. قولُه: (وفي هذا دليلٌ بَيِّن على أنّ نساءَ النبي ﷺ من أهلِ بيته)، يُعَرِّضُ بالشيعة. قال القاضي: وتخصيصُ الشيعة أهلَ البيتِ بفاطمةَ وعليِّ وابنيهما ﵃؛ لما رُوِيَ أنه ﷺ خرجَ ذات غُدوةٍ وعليه مِرْطٌ مُرَحَّلٌ من شعرٍ أسودَ، فجلسَ فأتت فاطمةُ فأدخلَها فيه، ثم جاء علي فأدخَله فيه، ثم جاء الحسنُ والحسينُ فأدخلهما فيه، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، والاحتجاجُ بذلك على عِصْمتِهم وكونِ إجماعِهم حُجَّةً ضعيفٌ؛ لأن التخصيصَ بهم لا يناسِبُ ما قبل الآية وما بَعدَها، والحديثُ يقتضي أنّهم أهلُ البيت لا أن ليسَ غيرهم. وقال الزجاج: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ هنا يدلُّ على الرجالِ
[ ١٢ / ٤٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ والنساء لقوله: ﴿عَنكُمُ﴾ بالميم، ودليلُ إدخال النساء قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. وقلتُ: هذا الحديثُ أخرجَه مسلمٌ عن عائشة مع تغيير يسير، ورَوينا عن أم سلمةَ قالت: إن هذه الآيةَ نزلَتْ في بيتِها ﴿نَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قالت: وأنا جالسةٌ عند البابِ قلت: يا رسولَ الله ألسْتُ من أهلِ البيت؟ فقال: «إنّك إلى خير، أنت من أزواج رسول الله»، وفي البيتِ رسولُ الله وعليٌّ وفاطمةُ والحسَنُ والحسينُ، فَجلَّلَهم بكساءٍ وقال: «اللهمَّ هؤلاء أهلُ بَيْتي فأذهِبْ عنهم الرجْسَ وطَهِّرْهم تطهيرًا» أخرَجه رَزينٌ، وأخرجه الترمذي، ولم يَزِدْ على: «إنّك إلى خير». اعلمْ أنّ قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ كالاستئنافِ على سبيلِ التعليل للآياتِ السابقة من لَدُنْ قولهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، وفيها الحثُّ على مكارمِ الأخلاقِ والردعُ عن رذائِلها، فالواجبُ أن تُعَلَّلَ العِلّةُ بما يدل على التخلية والتحلية. ومن ثَمَّ قال: «استعار للذنوبِ الرجسَ وللتقوى الطُّهر، لأنّ عِرْضَ المقترفِ للمُقَبّحاتِ يتلوّثُ بها كما يتلوّثُ بدنه بالأرْجاسِ، وأما المُحسَّنات فالعِرْضُ معها نقي كالثوب الطاهر»، شرعَ أولًا في التخييرِ بين الحياتَيْن: الدنيوية والأخروية، وفيه: أنّ راسَ الأرجاسِ محبَّةُ الدنيا، كما أنّ أساسَ الدينِ محبَّة الله ومحبَّة رسوله. وثانيًا في تفصيلِ ما يؤدي إليه المحبتان: المحبةُ الدنيوية تؤدِّي إلى الفاحشة، والأخروية تستدعي القنوت لله والطاعة للرسول. وإنما أخَّر ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ لتكون كالخاتمة التي تشتمل على التخلص إلى نوع آخر من الكلام.
[ ١٢ / ٤٢٢ ]
[(وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ الله وَالْحِكْمَةِ إِنَّ الله كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا)] ٣٤ [
ثم ذكرهن أنّ بيوتهن مهابط الوحى، وأمرهن أن لا ينسين ما يتلى فيها من الكتاب الجامع بين أمرين: هو آيات بينات يدل على صدق النبوّة؛ لأنه معجزة بنظمه، وهو حكمة وعلوم وشرائع. (إِنَّ الله كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) حين علم ما ينفعكم ويصلحكم في دينكم فأنزله عليكم، أو علم من يصلح لنبوّته ومن يصلح لأن يكونوا أهل بيته، أو حيث جعل الكلام الواحد جامعًا بين الغرضين.
_________________
(١) ـ قال القاضي: الخاتمة تذكيرٌ بما أنعَم الله عليهنّ حيثُ جعَلهنَّ أهلَ بيتِ النبوة ومهبطَ الوحي وما شاهَدْنَ من بُرَحائه مما يوجب قوة الإيمان والحرص على الطاعة والإيثار بما كُلِّفْنَ به. قولُه: (أو حيثُ جَعلَ الكلامَ الواحدَ)، عَطْفٌ على قوله: «حين علِمَ ما ينفعكم»، فـ «حين» كـ «حيث» في إفادة التعليل، يعني: أن قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ تعليل لقوله: ﴿ايُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، والمرادُ بالمتلوِّ: القرآن؛ لأنّ المعنى: ما يُتلى من الكتاب الجامع بين أمرين؛ هو آيات بَيِّنات؛ وهو حكمة وعلوم، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣] قال المصنف: «يعني: الجامعَ بين كونِه كثابًا مُنزّلًا وفرقانًا» يعني: التوراة، كقولك: رأيت الليثَ والغيثَ، تريدُ: الرجل الجامع بين الجود والكرم. ثُمَّ التعليلُ: إما راجعٌ إلى نفس المكنيِّ عنه-وهو القرآنُ- من غيرِ اعتبارِ ما كنى به من المعنَيين على نحو قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]، يعني: السفينة،
[ ١٢ / ٤٢٣ ]
[(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ الله كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ الله لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)] ٣٥ [
_________________
(١) ـ وحققنا القول فيه في «الأنفال»، ويدل على هذا إفرادُ ضميرِ القرآنِ في قوله: «لأنه معجزة»، وقوله: «فأنزَلَه عليكم» وهو لوجهَيْن: أحدهما: أن يكون المُعلَّلُ القرآن، من حيث كونُه نازلًا لمصالحِ الخلق ومنافعِهم وهو المرادُ من قولهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ حين علم ما ينفعُكم ويُصلحُكم من دينكم فأنزله عليكم. وثانيهما: أن يكون مُعلَّلًا من حيثُ كونه نازلًا على حضرةِ الرسالة، وبيوتُهنَّ مهابطُه احترامًا لهن، وإليه الإشارة بقوله «وعَلِمَ منْ يصلحُ لنبوته ومَنْ يصلح لأن يكون أهلَ بيته». وإما راجعٌ إليه باعتبار المعنيين، وهو المراد من قولِه: «أو حيث جَعلَ الكلامَ الواحدَ- أي: القرآنَ- جامعًا بين الغرضَيْن» أي: بين كونه معجزة وبين كونه مشتملًا على بَيانِ العلمِ والعمل المُعَبَّرِ بهما عن الحكمة، وهذا الوجه أحسَنُ طِباقًا وأجرى على قانونِ البلاغةِ لِما في العلّة والمُعلَّلِ من اللفِّ والنشرِ، فإن قولَه: ﴿لَطِيفًا﴾ نَشْرٌ لقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ المعنيِّ بهما المعجزة، وقولَه: ﴿خَبِيرًا﴾ نشرٌ لقولِه: ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ واللطفُ فيه: أنّ شأنَ الإعجازِ يحتاج إلى لُطفِ إدراكٍ ودقّةِ نَظر كما قال صاحب «المفتاح»: شأنُ الإعجازِ عَجيبٌ يدرك ولا يُمكنُ وصفه، فناسب صفة اللطف وأن تحقيقَ وضعِ الشرائعِ والأحكامِ يفتقرُ إلى حِكَم بليغة ولا يصل إلى كُنْهِ تلك الحكمة إلا علم العليم الخبير فناسب الخبير الحكمة، نحوه قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] والله أعلم.
[ ١٢ / ٤٢٤ ]
روي: أنّ أزواج النبي ﷺ قلن: يا رسول الله، ذكر الله الرجال في القرآن بخير، أفما فينا خير نذكر به؟ إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة. وقيل: السائلة أم سلمة.
وروى: أنه لما نزل في نساء النبي ﷺ ما نزل، قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء؟ فنزلت. والمسلم: الداخل في السلم بعد الحرب، المنقاد الذي لا يعاند، أو المفوّض أمره إلى الله، المتوكل عليه، من أسلم وجهه إلى الله. والمؤمن: المصدق بالله ورسوله وبما يجب أن يصدق به. والقانت: القائم بالطاعة الدائم عليها. والصادق: الذي يصدق في نيته وقوله وعمله. والصابر: الذي يصبر على الطاعات وعن المعاصي. والخاشع: المتواضع لله بقلبه وجوارحه. وقيل: الذي إذا صلى لم يعرف من عن يمينه وشماله. والمتصدق: الذي يزكى ماله، ولا يخل بالنوافل. وقيل: من تصدّق في أسبوع بدرهم فهو من المتصدّقين، ومن صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين. والذاكر الله كثيرًا: من لا يكاد يخلو من ذكر الله بقلبه أو لسانه أو بهما، وقراءة القرآن، والاشتغال بالعلم من الذكر. وقال رسول الله ﷺ: «من استيقظ من نومه وأيقظ امرأته فصليا جميعًا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات»، والمعنى: والحافظاتها والذاكراته، فحذف؛ لأنّ الظاهر يدل عليه. فإن قلت: أى فرق بين العطفين، أعنى عطف الإناث على الذكور، وعطف الزوجين على الزوجين؟
_________________
(١) ـ قولُه: (رُوي أنّ أزواج النبي ﷺ)، الحديثُ من روايةِ الترمذي عن أم عُمارَة الأنصارية قالت: أتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلتُ: ما أرى كلَّ شيءٍ إلا للرجال، وما أرى النساءُ يذكَرْنَ بشيءٍ، فنزلت الآية. قولُه: (من اسيقظ من نومه)، الحديثُ رواه أبو داود وابنُ ماجَه عن أبي سعيدٍ وأبي هريرة مع تغيير يسير.
[ ١٢ / ٤٢٥ ]
قلت: العطف الأوّل نحو قوله تعالى: (ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا)] التحريم: ٥ [في أنهما جنسان مختلفان، إذا اشتركا في حكم لم يكن بد من توسيط العاطف بينهما. وأما العطف الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع، فكان معناه: إنّ الجامعين والجامعات لهذه الطاعات (أَعَدَّ الله لَهُمْ).
(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا)] ٣٦ [
خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة، فأبت وأبى أخوها عبد الله؛ فنزلت، فقال: رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفًة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر. وقيل: هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط، وهي أوّل من هاجر من النساء، وهبت نفسها للنبي ﷺ فقال: "قد قبلت"، وزوّجها زيدًا، فسخطت، هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا رسول الله ﷺ، فزوّجنا عبده! والمعنى: وما صح لرجل ولا امرأةٍ من المؤمنين (إِذا قَضَى الله وَرَسُولُهُ) أى: رسول الله، أو لأنّ قضاء رسول الله هو قضاء الله (أَمْرًا) من الأمور؛ أن يختاروا من
_________________
(١) ـ قولُه: (العطف الأول نحو قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥])، قال صاحب «التقريب»: عطفُ الإناثِ على الذكور لاختلافهما ذاتًا، وعطفُ الزوجَيْن على الزوجَيْن لاختلافهما صفة. وقلت: لما كان الثاني على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأنهما ليسا جنسين مختلفَين كالأولِ قال بحرفِ الجمع ليؤذنَ بأنه مسلوبُ الدَّلالة على المغايرة. قال في قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]: «ويجوزُ أن يكون الواو بمعنى: مع»، وقد بُيِّن معناه في مقامه. قولُه: (أي: رسول الله)، يريدُ: قضى رسول الله صلى الله عليه، على هذا: ذِكْرُ الله تمهيدٌ للذكْرِ رسول الله ﷺ، نحو أعجبني زيد وكرمُه. وفائدةُ هذه الطريقة قوةُ الاختصاص وأنه
[ ١٢ / ٤٢٦ ]
أمرهم ما شاءوا، بل من حقهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه، واختيارهم تلوا لاختياره. فإن قلت: كان من حق الضمير أن يوحد، كما تقول: ما جاءني من رجٍل ولا امرأة إلا كان من شأنه كذا. قلت: نعم، ولكنهما وقعا تحت النفي؛ فعما كل مؤمن ومؤمنة؛ فرجع الضمير على المعنى لا على اللفظ. وقرئ: (يكون) بالتاء والياء. و(الْخِيَرَةُ) ما يتخير.
[(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ الله مَفْعُولًا)] ٣٧ [
(لِلَّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ) بالإسلام الذي هو أجل النعم، وبتوفيقك لعتقه ومحبته واختصاصه، (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْه) بما وفقك الله فيه، فهو متقلب في نعمة الله ونعمة
_________________
(١) ـ صلوات الله عليه بمنزلةٍ من الله ومكانة، وعلى الثاني: المرادُ بقضاءِ الله نَصُّه وهو القرآنُ المُنزل، وبقضاءِ رسول الله امتثالُ أمرِه. ذكَر الوجهَيْن في أولِ «الأنفال»، فليُنظَر هناك ليتحقق. قولُه: (فرجع الضمير على المعنى لا على اللفظ)، لم يذكر الفائدةَ في العدول عن الظاهر، ولعل الفائدةَ فيه الإيذانُ بأنه كما لا يصحّ لكل فردٍ من المؤمنين أن يكون لهم الخِيرَةُ، كذلك لا يصح أن يجتمعوا ويَتَّفِقوا على كلمةٍ واحدة؛ لأن تأثيرَ الجماعة واتفاقَهم أقوى من تأثيرِ الواحد، فجمعَ في الآية المعنَيين معًا. قولُه: (قُرئ: ﴿يَكُونَ﴾ بالتاءِ والياءِ)، وبالتاءِ الفَوْقانية: نافعٌ وابنُ ذَكْوان، والباقون: بالياء.
[ ١٢ / ٤٢٧ ]
رسوله ﷺ، وهو زيد بن حارثة: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) يعنى زينب بنت جحش ﵂؛ وذلك أن رسول الله ﷺ أبصرها بعد ما أنكحها إياه، فوقعت في نفسه، فقال: "سبحان الله مقلب القلوب"؛ وذلك أنّ نفسه كانت تجفو عنها قبل ذلك لا تريدها، ولو أرادتها لاختطبها، وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد، ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لرسول الله ﷺ، فقال لرسول الله ﷺ: إنى أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: "مالك؟ أرابك منها شيء؟ " قال: لا والله؛ ما رأيت منها إلا خيرًا، ولكنها تتعظم علىّ لشرفها وتؤذيني، فقال له: "أمسك عليك زوجك واتق الله"، ثم طلقها بعد، فلما اعتدت قال رسول الله ﷺ: "ما أجد أحدًا أوثق في نفسي منك، اخطب علىّ زينب". قال زيد: فانطلقت، فإذا هي تخمر عجينتها، فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، حين علمت أنّ رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري وقلت: يا زينب، أبشرى، إنّ رسول الله ﷺ يخطبك، ففرحت وقالت: ما أنا بصانعةٍ شيئًا حتى أؤامر ربى، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن (زَوَّجْناكَها) فتزوجها رسول الله ﷺ ودخل بها، وما أو لم على امرأةٍ من نسائه ما أو لم عليها: ذبح شاة، وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتدّ النهار. فإن قلت: ماذا أراد بقوله: (وَاتَّقِ الله)؟ قلت: أراد: واتق الله فلا تطلقها، وقصد نهى تنزيه لا تحريم؛ لأن الأولى أن لا يطلق. وقيل: أراد: واتق الله فلا تذمّها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج. فإن قلت: ما الذي أخفى في نفسه؟ قلت: تعلق قلبه بها. وقيل:
_________________
(١) قولُه: (لأنّ الأولى أن لا يُطَلِّق)، عن أبي داودَ عن مُحاربٍ: أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «ما أحلَّ الله شيئا أبغض إليه من الطلاق»، وفي روايةٍ أخرى عن ابنِ عُمر عن رسولِ الله ﷺ: «أبغَضُ الحلالِ إلى الله الطلاق».
[ ١٢ / ٤٢٨ ]
مودة مفارقة زيد إياها. وقيل: علمه بأن زيدًا سيطلقها وسينكحها؛ لأن الله قد أعلمه بذلك. وعن عائشة ﵂: لو كتم رسول الله ﷺ شيئًا مما أوحى إليه لكتم هذه الآية. فإن قلت: فماذا أراد الله منه أن يقوله حين قال له زيد: أريد مفارقتها، وكان من الهجنة أن يقول له: افعل، فإنى أريد نكاحها؟ قلت: كأن الذي أراد منه ﷿ أن يصمت عند ذلك، أو يقول له: أنت أعلم بشأنك، حتى لا يخالف سره في ذلك علانيته؛ لأن الله يريد من الأنبياء تساوى الظاهر والباطن، والتصلب في الأمور، والتجاوب في الأحوال، والاستمرار على طريقة مستتبة،
_________________
(١) ـ قولُه: (لو كتمَ رسول الله ﷺ شيئًا)، الحديثُ من روايةِ البخاريِّ والترمذيِّ والنسائي عن أنس قال: جاء زيدُ بن حارثة يشكو، فجعلَ رسولُ الله ﷺ يقول: «اتّقِ الله وأمسِك عليك زوجك»، لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتَم هذه الآية. قولُه: (وكان من الهُجْنة)، الأساس: هذا ما يُستهجَنُ وفيه هُجْنة. الجوهري: تهجينُ الأمر تقبيحه. قولُه: (كأنّ الذي أرادَ منه ﷿ أن يصمُت)، فيه اعتزالٌ وسوءُ أدبٍ، بل كان الذي أولى له ﷺ أن يسكُتَ، وإنْ كان السكوتُ والنُّطق بإرادتِه ومشيئته. قولُه: (والتجاوب في الأحوال)، الأساس: كلامُ فلانٍ متناسبٌ متجاوب، ولا يتجاوب أول كلامِك وآخرُه. قولُه: (مُستَتِبّة)، الأساس: واستتَبَّ الطريق: ذلَّ وانقاد، كما يُقال: طَريقٌ مُعبَّد. واستتَبَّ له الأمر، ويجوز أن يقال للاستقامةِ والتمام: الاستتباب، أي: طلبِ التّباب، من: تَبَّ الرجل: إذا شاخ لأن التبابَ يتبَعُ التمام. الراغب: التبابُ والتبُّ الاستمرارُ في الخسران.
[ ١٢ / ٤٢٩ ]
كما جاء في حديث إرادة رسول الله ﷺ قتل عبد الله بن أبى سرح واعتراض عثمان بشفاعته له: أن عمر قال له: لقد كان عينى إلى عينك، هل تشير إلىّ فأقتله، فقال: "إن الأنبياء لا تومض، ظاهرهم وباطنهم واحد". فإن قلت: كيف عاتبه الله في ستر ما استهجن التصريح به، ولا يستهجن النبىّ ﷺ التصريح بشيء إلا والشيء في نفسه مستهجن،
_________________
(١) ـ يقال: تَبًّا له وتَبَّ له وتَبَبْتهُ إذا قلت له ذلك ولتضمن الاستمرار قيل: استَتَبَّ لفلان كذا أي استمر. قولُه: (كما جاءَ في حديثِ إرادةِ رسول الله صلى الله عليه)، وحديثُه على ما رواه أبو داود والنسائي عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يومُ فتح مكة أمّن رسول الله الناسَ إلا أربعةَ نفرٍ وامرأَتين- فسَمّاهم- وابنُ أبي سَرْح، فذكر الحديث. وأما ابنُ أبي سَرْحٍ فإنه اختبأ عند عُثمان رضي الله تعالى عنه فلما دعا رسول الله ﷺ الناسَ إلى البيعةِ جاءَ به حتى وقفه على النبيِّ ﷺ فقال: يا نبي الله، بايعِ عبد الله، فرفع رأسَه فنظر إليه ثلاثًا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على الصحابةِ فقال: «أما كان منكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كفَفْتُ يدي عن بَيعتِه فيَقتله فقالوا: مَا ندْري يا رسولَ الله ما في نفسِك ألا ما أوماتَ إلينا بعينك؟ قال: «لا ينبغي لنبيّ أن يكونَ له خائنة الأعين». قولُه: (لا تُومضُ)، الأساس: ومنَ المجازِ: أومَضَتْ بعَيْنها سارَقتِ النظر. قال: قُل للهُمامِ وخَيْرُ القولِ أصدَقُه … والدهرُ يومِضُ بعد الحالِ بالحال هو من قولك: وَمضَ البرقُ وَميضًا ووَمْضًا، وبَرقٌ وامِضٌ، وأوْمضَ إيماضًا: إذا لَمع خَفِيًّا.
[ ١٢ / ٤٣٠ ]
وقالة الناس لا تتعلق إلا بما يستقبح في العقول والعادات؟ وماله لم يعاتبه في نفس الأمر؟ ولم يأمره بقمع الشهوة وكف النفس عن أن تنازع إلى زينب وتتبعها؟ ولم يعصم نبيه ﷺ عن تعلق الهجنة به وما يعرضه للقالة؟ قلت: كم من شيٍء يتحفظ منه الإنسان ويستحيى من اطلاع الناس عليه، وهو في نفسه مباح متسع، وحلال مطلق، لا مقال فيه ولا عيب عند الله، وربما كان الدخول في ذلك المباح سلمًا إلى حصول واجباٍت يعظم أثرها في الدين
_________________
(١) قولُه: (وقالةُ الناس)، النهاية: وفي الحديثِ: «وفَشَتِ القالةُ بين الناس» أي: كثرةُ القولِ وإيقاعُ الخصومة بين الناس بما يُحكى للبعضِ عن البعض. قولُه: (ولم يَعْصِمْ نَبِيَّه)، أي: ومالَهُ لم يعصِم نَبيّه عن تعلق الهُجْنَة به؟ هو عطفٌ على قوله: «ولم يأمره». قولُه: (يتحفظ منه)، الأساس: عليكَ بالتحفّظِ من الناسِ وهو التوقِّي. قولُه: (وربما كان الدخول في ذلك المباح سُلّمًا إلى حُصولِ واجباتٍ يَعظُم أثرُها في الدين)، قال بعضُ المحقِّقين: لعلّ السرَّ في طَلاقِ الزوجِ مَرغوبتَه امتحانُ إيمانِه، ومن رسول الله ﷺ الابتلاءُ بَبليّةِ البشريةِ ومَنْعِه من خائنةِ الأعيُن وإظهارِ ما يخالفُ الإضمارَ وكان ذلك منه في غاية التشديد، ولو كُلِّفَ بذلك آحادُ الناس لما فَتحوا أعيُنهم في الشوارع. قال شيخُنا شيخُ الإسلام أبو حَفْصٍ السُّهْروردي قدّسَ الله سِرَّه- في قولِه ﷺ: «إنه ليُغانُ على قلبي» -: «إن روحَ النبيِّ ﷺ لم يَزْل في الترقِّي إلى مقامِ القربِ مستتبعةً للقلبِ في رُقيِّها إلى مركزِها، وهكذا كان القلب يستتبعُ نَفْسَه الزكيَّة، ولا خفاءَ أنّ حركةَ الروحِ والقلبِ أسرَعُ وأتمُّ من نهضةِ النفسِ وحركتِها، وكانت خُطى النفسِ تقصُر عن مدى الروحِ والقلبِ في العروجِ والولوجِ من حريم القلب ولحوقِها بِها فاقتضت العواطفُ الربانية على الضعفاءِ من الأمةِ إبطاءَ حركةِ القلب بإلقاءِ الغَيْنِ عليه؛ لئلا يُسرعَ ويَسرحَ في معارج الروح ومدارِجها فتنقطع علاقة النفس عنه لقوة الانجذاب فيبقى العبادُ مُهمَلين
[ ١٢ / ٤٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ محرومين من الاستنارةِ بأنوارِ النبوة والاستضاءةِ بمشكاةِ مصباحِ الشريعة، فظهرَ أن الغَيْن كان كمالًا أو تتمَّة كمالٍ لا نقصًا في حاله. قلت- والله أعلم-: إنه سَبقَ أن هذه السورة إلى مختتمها في بيان فضله ﷺ فسلك في هذه الآيات مسلك أن حاله ﷺ مباينٌ لأحوالِ غيره وأنه مَظْهرُ رحمةِ الله تعالى على خلقِه، ولا يصدرُ عنه إلا ما يكونُ منطويًا على مصالح جَمَّة، وإن خفي عليه وعلى الناس أمرُه، فنَبّه عليه بقوله أولًا: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، ثم خَصَّ أزوجَه بالتخييرِ، وأنّ شأنه ليسَ كشأنِ سائر الأزواج، ثم فَرّعٍ عليهما قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ تقريرًا وتوكيدًا، ثم جاءَ بتصويرِ حالةٍ من حالاته التي لا يرضى له بعض الناس بحَسْبِ العُرفِ والعادةِ وجَعله سُلّمًا إلى حصول ما يعظم أثره في الدين وهو قوله: ﴿تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾، يعني: كان الواجب عليك إظهار ما أخْطَرْنا في بالِك وأن لا تخشى قالةَ الناسِ كما عليه العُرْفُ والعادة لأن أمرك خلاف أمرِهم وبشريتُك مغمورةٌ في درجاتِ روحانيتك، ومن تقديرنا أن لا يجري عليك إلا ما فيه رحمةٌ للعباد وإليه الإشارة بقَوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ و﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾؛ ألا ترى كيف عَلّل ذلك برَفْع الحَرجِ عن المؤمنين وعن نفسه الطاهرة بقوله: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾، وختمَ ذلك بقوله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، هذا كلُّه معنى قولِ المصنِّف: «كان الدخولُ في ذلك سُلّمًا إلى واجباتٍ يعظُمُ أثرُها في الدين». ويقرُبُ منه ما روى مُحيي السنة أنّ زينَ العابدين عليّ بنَ الحُسين بن علي رضي الله تعالى عنه سأل عليَّ بن زيد بن جُدعان: ما يقولُ الحسَنُ في قوله ﷿: ﴿تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾؟ قال: يقول: لما قال زيدٌ: يا نبيَّ الله، إني أريدُ أن أطلِّقَ زينبَ، أعجَبَه ذلك وقال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾، فقال زين العابدين: ليس كذلك، كان الله قد أعلمَه أنها ستكونُ من أزواجِه، وأنّ زيدًا سيُطَلِّقَها، فلما قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، عاتبه الله وقال: لم قُلْت: أمسِكْ عليكَ زوْجَك، وقد أعلمتُك أنها
[ ١٢ / ٤٣٢ ]
ويجل ثوابها، ولو لم يتحفظ منه لأطلق كثير من الناس فيه ألسنتهم إلا من أوتى فضلًا وعلمًا ودينًا ونظرًا في حقائق الأمور ولبوبها دون قشورها، ألا ترى أنهم كانوا إذا طمعوا في بيوت رسول الله ﷺ بقوا مرتكزين في مجالسهم لا يريمون مستأنسين بالحديث، وكان رسول الله ﷺ يؤذيه قعودهم، ويضيق صدره حديثهم، والحياء يصده أن يأمرهم بالانتشار، حتى نزلت (إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَالله لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)] الأحزاب: ٥٣ [، ولو أبرز رسول الله ﷺ مكنون ضميره وأمرهم أن ينتشروا؛ لشق عليهم، ولكان بعض القالة؟ فهذا من ذاك القبيل؛ لأن طموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته -من امرأة أو غيرها- غير موصوف بالقبح في العقل ولا في الشرع؛ لأنه ليس بفعل الإنسان ولا وجوده باختياره، وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضًا، وهو خطبة زينب ونكاحها من غير استنزال زيد عنها، ولا طلب إليه وهو أقرب منه من زرّ قميصه أن يواسيه بمفارقتها، مع
_________________
(١) ستكونُ من أزواجِك؟ وهذا هو الأولى والألْيقُ بحالِ الأنبياءِ فهو مُطابقٌ للتلاوةِ، لأنّ الله تعالى أعلمَ أنه تعالى يُبدي ما أخفاهُ، ولم يُظهر غيرَ تزويجِها فقال: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، فلو كان الذي أضمَره محبَّتها وإرادةَ طلاقِها؛ لكان يُظهِرُ ذلك، ثم قال في آخرِ كلامه: هذا قول حَسَنٌ مرضي. قولُه: (مرتكزين)، أي: ثابِتين، من: ركزْتُ الرُّمحَ، وكذا غرَزْتُه في الأرض. قولُه: (لا يَريمون): لا يَبْرحون، الجوهري: رامَه يَريمه رَيْمًا، أي: بَرَحَه. قولُه: (ولا طَلَبٍ إليه)، النهاية: ومنه حديثُ نُقادةَ الأسدي قلت: يا رسول الله اطلُبْ إليّ طَلِبةً فإني أحبُّ أن أُطْلِبَكَها. الطَّلِبةُ: الحاجةُ، والاطّلابُ: إنجازُها وقضاؤها. يُقال: طلبَ إلي فأطْلَبتُه، أي: أسعَفْتُه بما طلب. والضميرُ في «مِنْه» لزيد، و«منْ» صلة،
[ ١٢ / ٤٣٣ ]
قوة العلم بأن نفس زيٍد لم تكن من التعلق بها في شيء، بل كانت تجفو عنها، ونفس رسول الله ﷺ متعلقة بها، ولم يكن مستنكرًا عندهم أن ينزل الرجل عن امرأته لصديقه، ولا مستهجنًا إذا نزل عنها أن ينكحها الآخر؛ فإنّ المهاجرين حين دخلوا المدينة استهم الأنصار بكل شيء، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجر، وإذا كان الأمر مباحًا من جميع جهاته، ولم يكن فيه وجه من وجوه القبح ولا مفسدةٌ ولا مضرّة بزيٍد ولا بأحد، بل كان مستجرًا مصالح -ناهيك بواحدة منها: أن بنت عمة رسول الله ﷺ أمنت الأيمة والضيعة، ونالت الشرف، وعادت أما من أمّهات المسلمين-، إلى ما ذكر الله ﷿ من المصلحة العامّة في قوله: (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا)، فبالحرى أن يعاتب الله رسوله حين كتمه وبالغ في كتمه. بقوله: (أَمْسِكْ
_________________
(١) و«مِن» الثانية هي التي تستعمل مع «أفعل»، و«أن يُواسيه» مفعولُ «طلب». «وهو أقربُ منه من زِرِّ قميصه» جملةٌ معترضة، والجملةُ كنايةٌ عن رضاه على المبالغة. قولُه: (آسَتْهُم الأنصار)، من المواساة، وروي: «اسْتَهَمَ» أي: اقترع. قولُه: (أن بنتَ عَمّةِ رسول الله ﷺ)، زينبُ بنت جحش، أمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، لم تكن امرأةٌ خيرًا من زينب في الدين، وأتقى لله، وأصدقَ حديثًا، وأوصَل للرحم، وأعظَم صدقةً، وأشدَّ تبذُّلًا لنفسها في العملِ الذي يُتصَدَّقُ به ويتقرب إلى الله تعالى. قولُه: (أمِنَت الأَيْمةَ)، أي: أمِنَتْ من أن تَصير أَيِّمةً. قولُه: (إلى ما ذكر الله)، متعلِّق بقولِه «مُسْتَجِرًّا»، وقولُه: «ناهيك» إلى قوله: «أمهات المؤمنين» معترضةٌ، و«منها» صفةٌ لـ «واحدة» و«أن بنتَ عمةِ رسول الله» بدَلٌ من «واحدة». قولُه: (فبالَحرى أن يُعاتِبَ اللهُ رسولَه حين كتمه)، جواب «إذا»، وهو تلخيصُ الجوابِ
[ ١٢ / ٤٣٤ ]
عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله)، وأن لا يرضى له إلا اتحاد الضمير والظاهر، والثبات في مواطن الحق؛ حتى يقتدى به المؤمنون؛ فلا يستحيوا من المكافحة بالحق وإن كان مرًا. فإن قلت: الواو في (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ)، (وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُّ) ما هي؟ قلت: واو الحال، أى: تقول لزيد: أمسك عليك زوجك مخفيًا في نفسك إرادة أن لا يمسكها، وتخفى خاشيًا قالة الناس وتخشى الناس، حقيقًا في ذلك بأن تخشى الله؛ أو واو العطف، كأنه
_________________
(١) عن قولِه: «كيف عاتَبه الله في سَتْرِ ما استُهْجِنَ التصريحُ به؟»، وقولُه: «كَمْ من شيء يتَحفَّظُ منه الإنسان» إلى آخره، توطئةٌ للجواب على وجه كلِّي، وقولُه: «وتناولُ المباحِ بالطريقِ الشرعيِّ ليس بقبيح» إلحاقٌ لهذه الصورة المخصوصة بذلك، بدليل قوله: «وهو خِطبةُ زينب»، وقولُه: «لأَنّ طموحَ قلبِ الإنسانِ» إلى قوله: «غيرُ موصوفٍ بالقبحِ لا بالعقلِ ولا في الشرعِ»، وقولُه: «لذا كان مباحًا» إثباتٌ للحكمِ المستلزمِ للمقصودِ في الجواب، وهو قوله: «فبالحرى أن يعاتبَ الله رسولَه حين كتمه». هذا تقريرٌ متين، لكنّ قولَه: «فلا يستحيوا من المكافحةِ بالحق وإن كان مُرًّا» غيرُ موافقٍ لما قال قَبْلُ: «كان الذي أرادَ منه ﷿ أن يصمُت». قولُه: (وأن لا يرضى له إلا اتّحادَ الضمير)، أي: وبالحرى أن لا يرضي لرسوله ﷺ إلا مطابقةَ ما في ضميره لما في ظاهره، وذلك بأن يخاطب زيْدًا مكافحًا بأنّ زوجتَك ستكون امرأتي وأريد أن لا تُمسكها. قولُه: (من المكافحة)، الأساس: كافَحه: لاقاهُ مواجهةً عن مفاجأةٍ. ومن المجازِ: كفَحْتُ الدابة وأكفَحْتُها: تلقَّيْتُ فاها بلِجام. قولُه: (واو الحال)، الجملةُ الواو فيها للحال على سبيل التداخل، فقولُه: ﴿وَتُخْفِي﴾ حال من المستتر في ﴿تَقُولُ﴾، وإليه الإشارةُ بقوله: «لزيدٍ مُخْفيًا»، وقوله: ﴿تَخْشَى النَّاسَ﴾ من فاعل «تُخفي»، وهو المرادُ بقولِه: و«تُخْفي خاشيًا قالةَ الناسِ»، وقولُه: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ من فاعل «تخشى الناس»، وإليه أومأ بقوله: «وتخشى الناس حقيقًا في ذلك بأن تخشى الله».
[ ١٢ / ٤٣٥ ]
قيل: وإذ تجمع بين قولك: (أمسك)، وإخفاء خلافه، وخشية الناس، (والله أحق أن تخشاه)؛ حتى لا تفعل مثل ذلك. إذا بلغ البالغ حاجته من شيٍء له فيه همة قيل: قضى منه وطره. والمعنى: فلما لم يبق لزيٍد فيها حاجة، وتقاصرت عنها همته، وطابت عنها نفسه، وطلقها، وانقضت عدتها (زَوَّجْناكَها). وقراءة أهل البيت: (زوّجتكها). وقيل لجعفر بن محمد ﵄: أليس تقرأ علىّ غير ذلك؟ فقال: لا والذي لا إله إلا هو، ما قرأتها على أبى إلا كذلك، ولا قرأها الحسن بن علىّ على أبيه إلا كذلك، ولا قرأها على بن أبى طالب على النبي ﷺ إلا كذلك. (وَكانَ أَمْرُ الله مَفْعُولًا) جملة اعتراضية، يعنى: وكان أمر الله الذي يريد أن يكونه مفعولًا مكونًا لا محالة، وهو مثل لما أراد كونه من تزويج رسول الله ﷺ زينب، ومن نفى الحرج عن المؤمنين في إجراء أزواج المتبنين مجرى أزواج البنين في تحريمهن عليهم بعد انقطاع علائق الزواج بينهم وبينهن، ويجوز أن يراد بأمر الله: المكون؛ لأنه مفعول بـ"كن"، وهو أمر.
_________________
(١) قولُه: (﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ حتى لا تفعلَ مثل ذلك)، هذا تقرير معنى كون الجملة مستأنفةً وتذييلٌ للكلام السابق. قولُه: (إذا بلغ البالغ حاجته)، قال الزجاج: قال الخليل: الوَطَرُ: كل حاجةٍ لك فيها هِمّة. فإذا بلغها البالغ قال: قد قضى وَطَره. الراغب: الوَطر: النَّهْمة والحاجَةُ المهمة. قولُه: (ويجوز أن يراد بأمر الله المُكوَّن)، لأنه مفعول بـ «كُنْ»)، هذا كما قيل لعيسى ﵊: «كلمة الله» من إطلاق السَّببِ على المسبَّبِ، فالأمرُ بمعنى المأمور، وأصلُه الأمرُ الذي هو واحد الأوامر، لقوله: «لأنه مفعول بـ (كن»)، وعلى الوجه الأول: لقوله: «وكان أمر الله الذي يريد أن يكونه مفعولًا مكونًا»، فمعنى ﴿أَمْرُ اللهِ﴾: مخلوقُه ومراده.
[ ١٢ / ٤٣٦ ]
[(ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ الله لَهُ سُنَّةَ الله فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ الله قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ الله وَكَفى بِالله حَسِيبًا)] ٣٩ - ٣٨ [
(فَرَضَ الله لَهُ): قسم له وأوجب، من قولهم: فرض لفلان في الديوان كذا، ومنه: فروض العسكر؛ لرزقاتهم. (سُنَّةَ الله) اسم موضوع موضع المصدر -كقولهم: تربًا، وجندلًا- مؤكد لقوله تعالى: (ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ)، كأنه قيل: سنّ الله ذلك سنة في الأنبياء الماضين؛ وهو أن لا يحرج عليهم في الاقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره، وقد كانت تحتهم المهائر والسراري، وكانت لداود ﵇ مئة امرأةٍ وثلاث مئة سرية، ولسليمان ﵇ ثلاث مئة وسبعمئة (فِي الَّذِينَ خَلَوْا): في الأنبياء الذين مضوا. (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ) يحتمل وجوه الإعراب: الجرّ، على الوصف للأنبياء، والرفع والنصب، على المدح على: هم الذين يبلغون، أو على: أعنى الذين يبلغون. وقرئ: (رسالة الله). (قدرا مقدورا): قضًاء مقضيًا، وحكمًا مبتوتًا، ووصف الأنبياء بأنهم لا يخشون إلا الله تعريض بعد التصريح في قوله تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ)] الأحزاب: ٣٧ [. (حَسِيبًا): كافيا للمخاوف، أو: محاسبًا على الصغيرة والكبيرة، فيجب أن يكون
_________________
(١) قولُه: (لرَزَقاتِهم) جمع الرَّزْقةِ، بالفتح، وهو المرة الواحدة، وهي أطماع الجُنْد، أي: إقطاعهم. الأساس: أجْرى عليه رِزْقًا، وكَم رِزْقُك في الشهر، أي: جِرايتُك، وأخذ الجند رَزَقاتَهم وأرزاقَهم. قولُه: (تُرْبًا وجَنْدلًا)، أي: رُغمًا وهوانًا وخيبة. قولُه: (﴿قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾: قضاءً مَقْضِيًّا)، وهو في التلاوةِ مُقدَّمٌ على ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ وقد أخّره.
[ ١٢ / ٤٣٧ ]
حقّ الخشية من مثله.
[(ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ الله وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)] ٤٠ [
(ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ) أى: لم يكن أبا رجل منكم على الحقيقة، حتى يثبت به وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح، (وَلكِنْ) كان (رَسُولَ الله) وكل رسوٍل أبو أمّته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم، ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه، لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء، وزيد واحد من رجالكم الذين ليسوا بأولاده حقيقةً، فكان حكمه حكمكم، والادعاء والتبني من باب الاختصاص والتقريب لا غير، (وَ) كان (خاتَمَ النَّبِيِّينَ) يعنى: أنه لو كان له ولد بالغ مبلغ الرجال؛ لكان نبيًا ولم يكن هو خاتم الأنبياء، كما يروى: أنه قال في إبراهيم حين توفى: "لو عاش لكان نبيا". فإن قلت: أما كان أبًا للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم؟ قلت: قد أخرجوا من حكم النفي بقوله: (مِنْ رِجالِكُمْ) من وجهين؛ أحدهما:
_________________
(١) ـ قولُه: (حَقَّ الخَشْيةِ مِنْ مثله)، أي: منه، يعني: مَنْ هو في صِفتِه من كونه كافيًا للمخاوف أو محاسبًا على الصغيرةِ والكبيرة، وليس كمِثله شيء، فهو كناية. قولُه: (﴿وَلَكِن﴾ كانَ ﴿رَّسُولَ اللهِ﴾ ﷺ وكُلُّ رسولٍ أبو أمته)، وذلك أن «لكن» يقع بين المُتغايرَيْن، فلما نفى عنه ﷺ معنى الأبوة الحقيقية أثبت له الأبوة المجازية، وهو كونه رسولًا، فيقتضي أن يوقروه تعظيم الآباء، وهو يشفق عليكم شفقة الأبناء. روى صاحب «الروضة»: قال بعضُ أصحابنا: لا يجوز أن يقال: هو أبو المؤمنين بهذه الآية. قال: ونَصَّ الشافعيُّ على أنه يجوز «أبو المؤمنين»، أي: في الحرمةِ، المعنى ليس أحدٌ من رجالكم ولدَ صُلْبِه.
[ ١٢ / ٤٣٨ ]
أنّ هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال. والثاني: أنه قد أضاف الرجال إليهم، وهؤلاء رجاله لا رجالهم. فإن قلت: أما كان أبا للحسن والحسين؟ قلت: بلى، ولكنهما لم يكونا رجلين حينئٍذ، وهما أيضًا من رجاله لا من رجالهم، وشيء آخر: وهو أنه إنما قصد ولده خاصة، لا ولد ولده؛ لقوله تعالى: (وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ)، ألا ترى أن الحسن والحسين قد عاشا إلى أن نيف أحدهما على الأربعين والآخر على الخمسين؟
_________________
(١) قولُه: (أنّ هؤلاء لم يبلغوا مبلغَ الرجال)، روَيْنا عن البخاريِّ وابن ماجَه عن إسماعيل بن خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أرأيْتَ إبراهيمَ بن رسول الله ﷺ؟ قال: نعَم، مات صغيرًا، ولو قُضيَ أن يكون بعد محمد ﷺ نبيٌّ لكان ابنَه، ولكن لا نبيَّ بعده. قولُه: (وشيء آخر) عَطْفٌ على قولِه: «بلى، ولكنّهما لم يكونا رجلَيْن»، وتقرير السؤال والجواب حينئذ أن يقال: أما كان النبيّ ﷺ أبا الحسن والحسين؟ قال: نعم أي: لم يكن أباهما، لأنه تعالى إنّما قصد بقوله: ﴿أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ ولده خاصةً، لا ولد ولدِه لقولِه بعد ذلك: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ لأنه يوجبُ أن لا يكون له ولدٌ بلغَ مبلغَ الرجالِ فيصيرَ نَبِيًّا لما يؤدِّي ذلك إلى أنه لم يكن خاتمَ النبيين، ألا ترى كيف بلغ الحسن والحسين مبلغ الرجال وأوانَ أن ينزل عليهما الوحي، وهو بلوغُ أحدِهما فوقَ الأربعين، والآخر الخمسين، ولم ينزل عليهما النبوة، وفي هذا الوجه تكلُّف. قولُه: (ألا ترى الحسن والحسين قد عاشا)، ذكر في «جامع الأصول»: أنه ولد الحسن بن على سنة ثلاث من الهجرة ومات سنة خمسين، وقيل: تسع وأربعين، وقيل: ثمان وأربعين، وقيل: ثمان وأربعين، وقيل: سبعًا، وكان للحسن يوم قتل وخمسون. وفي «الاستيعاب»: قيل: كانت سن الحسن يوم مات سِتًّا وأربعين سنة، وسن الحسين يوم قتل ابن سبع وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين. وفي «تاريخ الكامل»: كانت الأحزابُ في السنة الخامسة من الهجرة،
[ ١٢ / ٤٣٩ ]
قرئ: (ولكن رسول الله) بالنصب؛ عطفًا على (أَبا أَحَدٍ)، وبالرفع؛ على: ولكن هو رسول الله، و(لكنّ) بالتشديد على حذف الخبر، تقديره: ولكنّ رسول الله من عرفتموه، أى: لم يعش له ولد ذكر. (وخاتم) بفتح التاء: بمعنى الطابع،
_________________
(١) وفيها تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، وهي ابنةُ عَمّته، فيكون عمرُ الحسنِ يومئذ سنتَيْن. قولُه: (و«لكنّ» بالتشديدِ) وهي شاذّة، قال ابن جِنّي: روى عن أبي عمرو: ولكنّ رسولَ الله محمد، وعليه قولُ الفرزدق: فلو كنتَ ضَبّيًا عرفْتَ قَرابتي … ولكنّ زَنْجِيًّا غليظَ المشافر أي: ولكن زنْجيًّا لا تعرِفُ قَرابتي، فحَذف الخبرَ لدلالةِ ما قبله عليه، وهو قوله: عرفتَ، كما أن قوله: ﴿ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ يدل على أنه مخالف لهذا الضرب من الناس. يريد: ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم، مفهومُه: أنه ليس ممن عرفتموه، كأنه قيل: محمد ممن عرفتموه من الرجال الذين يعيش لهم أولاد ذكور، ولكنّ رسولَ الله ممّن عرفتموهُ أنه لم يعِشْ له ولَدٌ ذَكَر. قولُه: (﴿وَخَاتَمَ﴾ بفَتْح التاء) عاصم، والباقون: بكَسْرِها. قال الزجاج: فمَنْ قرأها: «وخاتِم» فعناه: خَتم النبيين، ومن قرأه: «خاتَم» بفتح التاء فمعناه: آخِر النبيين لا نبي بعده.
[ ١٢ / ٤٤٠ ]
وبكسرها: بمعنى الطابع وفاعل الختم، وتقوّيه قراءة ابن مسعود: (ولكنّ نبيا ختم النبيين). فإن قلت: كيف كان آخر الأنبياء وعيسى ينزل في آخر الزمان؟ قلت: معنى كونه آخر الأنبياء: أنه لا ينبأ أحد بعده، وعيسى ممن نبئ قبله، وحين ينزل ينزل عاملًا على شريعة محمد، مصليًا إلى قبلته، كأنه بعض أمّته.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا الله ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)] ٤١ - ٤٢ [
(اذْكُرُوا الله): أثنوا عليه بضروب الثناء من التقديس والتحميد والتهليل والتكبير وما هو أهله، وأكثروا ذلك (بُكْرَةً وَأَصِيلًا) أى: في كافة الأوقات، قال رسول الله ﷺ: "ذكر الله على فم كل مسلم"، وروى: "في قلب كل مسلم". وعن قتادة: قولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وعن مجاهد: هذه كلمات يقولها الطاهر والجنب. والفعلان -أعنى: اذكروا وسبحوا- موجهان إلى البكرة والأصيل، كقولك: صم وصلّ يوم الجمعة. والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختصه من بين أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل من بين الملائكة؛ ليبين فضله على سائر الأذكار؛ لأن معناه: تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من
_________________
(١) ـ قولُه: (بمعنى الطابع)، النهاية: في حديث الدعاء: «اختُمْه بآمين، فإنّ آمين مثلُ طابَع- بالفتح- الخاتم»، يريد: أنه يختم عليها ويُرفَعُ كما يَفعَل الإنسان بما يعِزُّ عليه. قولُه: (﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾)، ذُكِرَ الوقتانِ المخصوصان وأريد الدوام، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. قال القاضي: وتخصيصُ الوقتَيْن بالذكر للدلالةِ على فَضْلِهما على سائر الأوقات، لكونهما مشهودين، كإفراد التسبيح بالذكر من جملة الأذكار لأنها العمدة فيها.
[ ١٢ / ٤٤١ ]
الصفات والأفعال، وتبرئته من القبائح. ومثال فضله على غيره من الأذكار: فضل وصف العبد بالنزاهة من أدناس المعاصي، والطهر من أرجاس المآثم، على سائر أوصافه من كثرة الصلاة والصيام، والتوفر على الطاعات كلها، والاشتمال على العلوم، والاشتهار بالفضائل، ويجوز أن يريد بالذكر وإكثاره: تكثير الطاعات، والإقبال على العبادات؛ فان كل طاعة وكل خير من جملة الذكر، ثم خص من ذلك التسبيح بكرةً وأصيلًا وهي الصلاة في جميع أوقاتها؛ لفضل الصلاة على غيرها. أو: صلاة الفجر والعشاءين؛ لأنّ أداءها أشقّ ومراعاتها أشدّ.
[(هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) [٤٣ - ٤٤]
_________________
(١) قولُه: (فَضْلُ وَصْف العبدِ بالنزاهةِ من أدناس المعاصي)، على سائر أوصافه من كثرةِ الصلاة والصيام. وذلك أن العادة استمرت أنه إذا أريد المبالغة في الوصف قيل: فلان معصومٌ نقيُّ الذيلِ طاهرُ الجيب، ومنها قولُه تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، وقولُ حسّان في أمِّ المؤمنين عائشة الصديقة ﵂ في رواية الشيخين: حَصَانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ … وتُصْبحُ غَرْثى من لحوم الغوافل لأن النفسَ إذا كانت زكية طاهرة يتسهَّلُ لها محاسنُ الشِّيَم ولا يتأبّى عليها مكارم الأخلاق. الحصَانُ -بالفتحِ-: المرأةُ العفيفة. ما تُزَنُّ -بالزاي-: أي: ما تُتَّهَمُ يقال: زَنَّه بكذا وأزنّه: إذا اتّهمه به. وغَرْثانُ: جَوْعان، وامرأة غَرْثى.
[ ١٢ / ٤٤٢ ]
لما كان من شأن المصلى أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمن ينعطف على غيره؛ حنوّا عليه وترؤفًا، كعائد المريض في انعطافه عليه، والمرأة في حنوّها على ولدها، ثم كثر حتى استعمل في الرحمة والترؤف، ومنه قولهم: صلى الله عليك، أى: ترحم عليك وترأف. فإن قلت: قوله: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ) إن فسرته بـ: يترحم عليكم ويترأف، فما تصنع بقوله: (وَمَلائِكَتُهُ)؟ وما معنى صلاتهم؟ قلت: هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين، جعلوا لكونهم مستجابى الدعوة كأنهم فاعلون الرحمة والرأفة. ونظيره قوله: حياك الله، أى أحياك وأبقاك، و: حييتك،
_________________
(١) قولُه: (لما كان من شأنِ المصلِّي أن ينعطفَ في ركوعِه وسجوده)، إشارة إلى ما قال في «البقرة» أن اشتقاق الصلاة من تحريك الصَّلَوَيْن. قولُه: (جُعلوا لكونهم مُستجابي الدعوة كأنهم فاعِلونَ الرحمةَ والرأفةَ)، الانتصاف: هو يفِرُّ من إرادةِ الحقيقة والمجاز معًا، وقد التزمَه هاهنا بجَعْلِ الصلاة رحمةً من الله حقيقة ومن الملائكة مجازًا. وأجابَ صاحبُ «الإنصاف»: يُصَلُّونَ فيه ضميرُ جمعٍ فهو مُنزَّلٌ منزلةَ تكرارِ لفظةِ «يُصَلِّي»، فليس هذا من إرادة الحقيقة والمجاز بلفظ واحد، فلا حاجةَ إلى اعتذارِ محمودٍ ولا جوابِ أحمد عنه. قلت: ذهبَ المصنِّفَ إلى القول بالقدرِ المُشتَركِ وعمومِ المجاز وهو معنى الرأفة والرحمة، وإطلاق هذا المعنى على الصلاتين مجاز. ألا ترى إلى قولِه: «استُعيرَ لمن يتعطَّفُ على غيره»، نعم هذا في حقِّ الملائكة مجَاز بمرتبتَين، وذلك لا يمنعُ من الإيرادِ، وذهب عن صاحب «الانتصاف» أن النحويين يشبهون: جاءني زيدٌ، وزيدٌ وزَيدٌ بقَولِهم: جاءَني الزيدون، في أن العامل واحد.
[ ١٢ / ٤٤٣ ]
أي: دعوت لك بأن يحييك الله؛ لأنك لاتكالك على إجابة دعوتك كأنك تبقيه على الحقيقة، وكذلك: عمرك الله، وعمرتك، وسقاك الله، وسقيتك، وعليه قوله تعالى: (إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْه)] الأحزاب: ٥٦ [أى: ادعوا الله بأن يصلى عليه. والمعنى: هو الذي يترحم عليكم ويترأف حيث يدعوكم إلى الخير ويأمركم بإكثار الذكر والتوفر على الصلاة والطاعة؛ (لِيُخْرِجَكُمْ) من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة، (وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) دليل على أنّ المراد بالصلاة الرحمة. ويروى أنه لما نزل قوله تعالى: (إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)] الأحزاب: ٥٦ [قال أبو بكر ﵁: ما خصك يا رسول الله بشرٍف إلا وقد أشركنا فيه؛ فأنزلت. (تَحِيَّتُهُمْ) من إضافة المصدر إلى المفعول، أى: يحيون يوم لقائه بسلام. فيجوز أن يعظمهم الله بسلامه عليهم، كما يفعل بهم سائر أنواع التعظيم، وأن يكون مثلًا كاللقاء على ما فسرنا. وقيل: هو سلام ملك الموت والملائكة معه عليهم، وبشارتهم بالجنة. وقيل: سلام الملائكة عند الخروج من القبور. وقيل: عند دخول الجنة، كما قال: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ)] الرعد: ٢٣ - ٢٤ [، والأجر الكريم: الجنة.
_________________
(١) ـ وقال القاضي: الفعل يتعدّدُ معنًى لا لفظًا، والمرادُ بالصلاةِ المُشتَركُ وهو العنايةُ بصلاحِ أمرِكم وظهور شرفكم، مستعار من الصلاة، وقيل: الترحُّمُ والانعطافُ المعنوي مأخوذٌ من الصلاةِ المشتملةِ على الانعطافِ الصوري الذي هو الركوع والسجود. وقلتُ: هذا التأويلُ أقوى لقولِه تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، ولذلك اختاره المصنِّف، ونصَّ عليه بقوله: «﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ دليلٌ على أن المرادَ بالصلاة الرحمةُ»، والتأويلُ الأول أي: ظهورُ الشرف أنسَبُ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية.
[ ١٢ / ٤٤٤ ]
[(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا)] ٤٥ - ٤٦ [
(شاهِدًا) على من بعثت إليهم، وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أى: مقبولًا قولك عند الله لهم وعليهم، كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم. فإن قلت: وكيف كان شاهدًا وقت الإرسال، وإنما يكون شاهدًا عند تحمل الشهادة أو عند أدائها؟ قلت: هي حال مقدرة كمسألة "الكتاب": مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا، أى: مقدرا به الصيد غدًا. فإن قلت: قد فهم من قوله: إنا أرسلناك داعيًا: أنه مأذون له في الدعاء، فما فائدة قوله: (بِإِذْنِهِ)؟ قلت: لم يرد به حقيقة الإذن، وإنما جعل الإذن مستعارًا للتسهيل والتيسير؛ لأن الدخول في حق المالك متعذر، فإذا صودف الإذن تسهل وتيسر، فلما كان الإذن تسهيلًا لما تعذر من ذلك؛ وضع موضعه؛ وذلك أن دعاء أهل الشرك والجاهلية إلى التوحيد والشرائع أمر في غاية الصعوبة والتعذر، فقيل: (بإذنه) للإيذان بأن الأمر صعب لا يتأتى ولا يستطاع إلا إذا سهله الله ويسره، ومنه قولهم في الشحيح: أنه غير مأذوٍن له في الإنفاق، أى: غير مسهل له الإنفاق؛ لكونه شاقًا عليه داخلًا في حكم التعذر. جلى به الله ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به. أو: أمدّ الله بنور نبوّته نور البصائر، كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار. ووصفه بالإنارة؛ لأن من السرج ما لا
_________________
(١) ـ قولُه: (جَلّى به الله ظلماتِ الشرك)، اعلم أنّ قوله: «سراجًا مُنيرًا» موقعُه المُشبَّهِ بِه، والمشبه الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، وهو على وجهين: أحدهما: أن يكون من التشبيهِ المركّبِ العقلي؛ شبهّه ﷾ بالسراجِ المنيرِ في كونه جَلّى به الظَّلماءَ وهَدى به الضالين. وثانيها: أن يكون من التمثيلي، وهو أن يكون الوجْهُ منتزعًا من عدة أمور متوهمة، ولهذا اعتَبرَ شيئين: أحدُهما: قولُهك أمَدَّ بنور نبوتهِ نورَ البصائر، وثانيها: وصْفُه بالزيادة، ويجوز أن يكون الثاني مُفَرّقًا فالمشبّه به يكونُ حْسّيًّا والمشبَّه عَقْليًّا.
[ ١٢ / ٤٤٥ ]
يضيء إذا قل سليطه ودقت فتيلته. وفي كلام بعضهم: ثلاثة تضيء: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظر لها من يجيء. وسئل بعضهم عن الموحشين؟ فقال: ظلام ساتر، وسراج فاتر. وقيل: وذا سراج منير. أو وتاليًا سراجًا منيرًا. ويجوز على هذا التفسير أن يعطف على كاف (أَرْسَلْناكَ).
_________________
(١) قولُه: (ومائدةٌ يُنْتَظَرُ)، وأنشد في معناه: رَسْمٌ جرى في الناسِ ليس بحامدٍ … جوعَ الجماعةِ بانتظارِ الواحد قولُه: (وقيل: وذا سِراج منير)، قال الزجاج: ﴿وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ أي: وكتابًا مبينًا. المعنى: أرسلناك شاهدًا وذا سراجٍ منير، أي: وذا كتاب نَيِّر، وإن شِئْتَ كانَ «سراجًا» منصوبًا على معنى: وداعيًا وتاليًا كتابًا بيِّنا. وقال أبو البقاء: والسراجُ اسمٌ للتسريجِ وليس بالمصدر. قولُه: (ويجوز على هذا التفسير أن يعطف على كافِ ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾)، يعني: تفسيرُ «ذا سراج» أو «وتاليًا سِراجًا». قال صاحبُ «التقريب»: إذ يجوزُ أن يكون حالَ الإرسالِ ذا سراج وتاليًا له، فيصحّ تقدير «أرسلنا» فيه، وأمّا على الأول -وهو أنه سراجٌ انجلَتْ به الظلماتُ- فلا يصحُّ تقدير «أرسلنا» معه، إذ لم يكن حالَ الإرسالِ كذا، بل مُقَدّرًا كونُه كذلك، فحقُّه أن يُعطفَ على الأحوال المقدرة قبله، ويجوزُ أن يكونَ مرادُه أنّ السراجَ المنير إذا أُريدَ به القرآنُ على الكاف، أي: أرسَلْناك وقرآنًا وإنما صَحَّ بالتبعية وإلا فالقرآنُ لا يكون مرسَلًا. وقلت: عكْسُه «وأنزل معه الكتاب»، على معنى: أنزلَ معه نبوتَه؛ لأن استنباءَهُ كان مصحوبًا بالقرآن مشفوعًا به، والتحقيق: أنّ هذا العطفَ مِن قَبيل: مُتقلّدًا سيفًا ورُمحا
[ ١٢ / ٤٤٦ ]
[(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ الله فَضْلًا كَبِيرًا)] ٤٧ [
الفضل: ما يتفضل به عليهم زيادةً على الثواب، وإذا ذكر المتفضل به وكبره فما ظنك بالثواب؟ ويجوز أن يريد بالفضل: الثواب، من قولهم للعطايا: فضول وفواضل، وأن يريد أنّ لهم فضلًا كبيرًا على سائر الأمم، وذلك الفضل من جهة الله، وأنه آتاهم ما فضلوهم به.
[(وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وَكَفى بِالله وَكِيلًا)] ٤٨ [
(وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ) معناه: الدوام والثبات على ما كان عليه، أو التهييج. (أَذاهُمْ) يحتمل إضافته إلى الفاعل والمفعول، يعنى: ودع أن تؤذيهم بضرر أو قتل، وخذ بظاهرهم، وحسابهم على الله في باطنهم. أو: ودع ما يؤذونك به ولا
_________________
(١) فإذا فسِّر سراجًا بـ «ذا سِراجٍ» يعني به القرآن، وكان التقدير: إنا أرسلناك شاهدًا وأنزلنا عليك ذا سراجٍ منير، وإذا فُسِّر بـ «تاليًا سِراجًا» كنايةً عن رسولِ الله ﷺ كقوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾ [البيّنة: ٢] كان التقدير: أرسلناكَ شاهدًا وجعلناك تاليًا سراجًا منيرًا، ويجوز على هذا أن يكون من باب ﴿ص وَالْقُرْآنِ﴾ [ص: ١] إن أريدَ بهما اسما السورة؛ جَرَّدَ من رسولِ الله صلى الله ﷺ المنعوتِ بتلك الصفاتِ الكاملةِ تاليًا سراجًا مُنيرًا، كما جَرَّدَ من الرجلِ في قولِه: مررتُ بالرجلِ الكريمِ والنَّسمَةِ المباركةِ، وعُطِفَتْ عليه وهي هو. قولُه: (الفَضل ما يتفضَّلُ به عليهم، زيادةَ على الثواب)، مَذْهَبُه، وبيانُه مَرَّ مرارًا. قولُه: (وكَبَّرَه فما ظَنُّك بالثوابِ؟)، أي: وصفَ المتفضَّلَ به بالكِبَرِ في قوله: ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾. قولُه: (معناه الدوامُ والثباتُ على ما كان عليه)، أي: من عدمِ إطاعتِه إيّاهم في فَسْخ عَهْدٍ وفيما لا يحلّ.
[ ١٢ / ٤٤٧ ]
تجازهم عليه حتى تؤمر، وعن ابن عباس ﵄: هي منسوخة بآية السيف. (وَتَوَكَّلْ عَلَى الله) فإنه يكفيكهم، وكفى به مفوّضا إليه. ولقائل أن يقول: وصفه الله بخمسة أوصاف، وقابل كلا منها بخطاٍب مناسب له: قابل الشاهد بقوله:
_________________
(١) ـ قولُه: (وصفه الله تعالى بخَمْسةِ أوصاف، وقابل كُلاًّ مِنها بخطاب مناسب له) إلى آخره، نَظْمٌ في غايةٍ من الحُسْن لكنَّ في مُقابلةِ المُبشِّرِ بالإعراض عن الكافرين: كَلفةً، ولهذا قال القاضي: ﴿وَبَشِّرِ﴾ معطوف على محذوف مثل: فراقِبْ أحوالَ أمتك، لأن ما بعده قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ إلى آخره كالتفصيل له، وقابلَ المُبشِّرَ بالأمرِ بالبشارةِ للمؤمنين، والنذيرَ بالنهيِ عن مراقبةِ الكفار والمبالاةِ بأذاهم، والداعي إلى الله بتيسيره بالأمرِ بالتوكل عليه، والسراج المنير بالاكتفاء به، فإن مَنْ أنارَهُ الله برهانًا على جميعِ خلقه كان حقيقًا بأن يُكْتَفى به عن غيره. وقلت: نظير هذا الآية ما رَوْينا عن البخاريِّ والإمامِ أحمدَ بن حنبل عن عطاء بن يسار قال: لقيتُ عبدَ الله بنَ عمروٍ وقلتُ: أخْبِرني عن صفةِ رسولِ الله ﷺ في التوراة؟ قال: والله إنه لموصوفٌ في التوراة ببَعْض صفَتهِ في القرآن: يا أيها النبي، إنا أرسَلْناك شاهدًا ومُبشّرًا ونذيرًا وحِرْزًا للمؤمنين، أنتَ عَبْدي ورسولي سمَّيتُك المتوكِّلَ، ليس بفَظٍّ ولا غَليظٍ ولا صَخّابٍ في الأسواقِ ولا تدفَعُ السيئةَ بالسيئةِ ولكن تَعْفو وتصفَحُ، ولن يَقْبضَه الله حتى يُقَيم به المِلّةَ العَوْجاء ويفتحَ به أعُينًا عُمْيَا وآذانًا صُمًّا وقُلوبًا غُلْفا. وقد روى الدارميُّ نحْوَه عن عبدِ الله بن سَلام. فقولُه: «حِرْزًا للمؤمنين» مُقابلٌ لقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بتيسيرِه وتسهيلِه، فإنّ دَعْوَتَه صلوات الله عليه إنما حصلت فائدتُها فيمن وفَّقه الله بتيسيره وتسهيله، فلذلك أمِنوا من مكارِه الدنيا وشدائد الآخرة، فكان صلوات الله عليه بهذا الاعتبار حِرْزًا لهم.
[ ١٢ / ٤٤٨ ]
(وبشر المؤمنين)] الأحزاب: ٤٧ [؛ لأنه يكون شاهدًا على أمته وهم يكونون شهداء على سائر الأمم، وهو الفضل الكبير؛ والمبشر بالإعراض عن الكافرين والمنافقين؛ لأنه إذا أعرض عنهم أقبل جميع إقباله على المؤمنين، وهو مناسب للبشارة؛ والنذير بدع أذاهم؛ لأنه إذا ترك أذاهم في الحاضر -والأذى لا بدّ له من عقاب عاجل أو آجل- كانوا منذرين به في المستقبل؛ والداعي إلى الله بتيسيره بقوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الله)؛ لأنّ من توكل على الله يسر عليه كل عسير؛ والسراج المنير بالاكتفاء به وكيلا؛ لأن من أناره الله برهانًا على جميع خلقه، كان جديرًا بأن يكتفى به عن جميع خلقه.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا)] ٤٩ [
_________________
(١) وقولُه: «سمَّيْتُك المتوكِّلَ» إلى آخرِ الحديث مُقابِلٌ لقولِه: «سِراجًا مُنيرًا». فعُلمَ أنّ قولُه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ مناسبٌ لقولِه: ﴿وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾، فإنّ السراجَ مضيءٌ في نَفْسِه ومُنَوِّرٌ لغيرِه، فكَوْنُه متوكّلًا على الله يكون كَمالًا في نفسِه، فهو مناسب لقولِه: «أنت عَبدي ورسولي سمَّيتُك المتوكلَ» إلى قولِه: «يعفو ويَصفح»، وكونُه منيرًا بفَيْضِ الله عليه يكونُ كمالًا لغيرِه، وهو مناسبٌ لقوله: «حتى يُقيم به المِلّةَ العَوْجاءَ ويفتح به أعينًا عُميًا وآذانا صُمًّا». هذا معنى قول المصنف: «أنارَه الله بُرهانًا على جَميع خلقِه، كان جديرًا بأن يُكتَفَى به عن جميع الخلق»، والله أعلم. ويمكن أن تُنَزَّل المراتب على لسان أهل العرفان؛ فقولُه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ هو مقامُ الشريعةِ ودعوةِ الناسِ إلى الإيمانِ وتَرْكِ الكفر ونتيجةُ بِشارةِ مَنْ آمن وإنذارِ مَنْ أعرض، وقولُه: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ مقامُ الطريقةِ ونتيجةُ الإعراضِ عمّا سوى الله، والأخذِ في السيرِ والسلوكِ والالتجاءِ إلى حَرم لُطْفِه والتوكلِ عليه وقولُه: ﴿وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ هو مقامُ الحَقيقة ونتيجتُه فَناءُ السالكِ وقيامُه بقَيُّوميتِه، وكفى بالله وكيلًا، واللهُ أعلَمُ بمراده من كلامه.
[ ١٢ / ٤٤٩ ]
النكاح: الوطء، وتسمية العقد نكاحا؛ لملابسته له، من حيث إنه طريق إليه. ونظيره تسميتهم الخمر إثمًا؛ لأنها سبب في اقتراف الإثم، ونحوه في علم البيان قول الراجز:
أسنمة الآبال في سحابه
سمى الماء بأسنمة الآبال؛ لأنه سبب سمن المال وارتفاع أسنمته، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد؛ لأنه في معنى الوطء من باب التصريح به. ومن آداب القرآن: الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والتغشي والإتيان.
_________________
(١) قولُه: (تسميتُهم الخَمْرَ إثمًا)، قال: شربتُ الإثمَ حتى ضَلَّ عقلي … كذاك الإثمُ يذهَبُ بالعقول قولُه: (أسْنِمةُ الآبالِ في سَحابه)، بعده: أقبلَ في المُسْتَنِّ مِن رَبابه استنّ الفرسَ: قَمَصَ. وفي المَثل: استَنَّتِ الفِصالُ حتى القرعى. قولُه: (ومِن آدابِ القرآنِ الكنايةُ عنه- أي: الوَطء- بلفظ الملامَسةِ) ونحوه احترازًا عن الاستهجان. فإن قيل: هذا لا يناسبُ قولَه: «ولم يَرِدْ النكاحِ في كتابِ الله إلا بلفظِ العَقْدِ»، لأنّ الكنايَة أن يعدِل من اللفظِ الموضوعِ لمعنًى إلى ما يَسْتلزمُه، ورعايةُ الأدبِ العدولُ عن لفظٍ فيه بَشاعةٌ إلى ما ليسَ كذلك، كَالملامسةِ والمُماسّة والقُربان والغِشيانِ، لا عَنْ لفظٍ ليس فيه بَشاعةٌ كالعقدِ إلى ما فيه بشاعةٌ كالوطء. والجوابُ: أنّ استعمالَ النكاحِ في معنى العقد ليس من الكناية في شيء، بل إنه من الحقيقةِ الشرعية منْسيًّا فيه المعنى اللغوي، ولا يكادُ يُفْهَمُ منه معنى الوطءِ إلاّ بقرينة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ كيف قرنَه به حين أرادَ به ذلك المعنى؟ فعلى هذا قولُه: «لأنه في معنى الوطء» تعليلٌ لكونها
[ ١٢ / ٤٥٠ ]
فإن قلت: لم خصّ المؤمنات، والحكم الذي نطقت به الآية تستوي فيه المؤمنات والكتابيات؟ قلت: في اختصاصهنّ تنبيه على أن أصل أمر المؤمن والأولى به أن يتخير لنطفته، وأن لا ينكح إلا مؤمنة عفيفة، ويتنزه عن مزاوجة الفواسق، فما بال الكوافر! ويستنكف أن يدخل تحت لحاٍف واحٍد عدوة الله ووليه، فالتي في سورة المائدة: تعليم ما هو جائز غير محرّم، من نكاح المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، وهذه فيها تعليم ما هو الأولى بالمؤمنين من نكاح المؤمنات. فإن قلت: ما فائدة "ثم" في قوله: (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ)؟ قلت: فائدته نفى التوهم عمن عسى أن يتوهم تفاوت الحكم بين أن
_________________
(١) منقولةً شرعيةً لا أنه كِنايةٌ فصَحَّ قولُه: و«مِن آدابِ القرآنِ الكنايةُ عنه بالملامسةِ» يعني: لا يرادُ به الكناية، بل الاصطلاح؛ لأن من آدابِ القرآنِ عكسَه. قولُه: (وهذه فيها تعليم ما هو الأولى)، وبيان الاختصاص أن ما في «المائدة» وردَت في بيانِ تحريمِ ما يجب تحريمُه وتحليلِ ما هو مباحٌ من الأطعمة والأنكحة كما قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] ففيها تعلُّمُ ما هو جائزٌ غيرُ مُحرَّم. وأما اختصاص هذه الآية بما ذكر فهو أنها عقيب قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، فجُعِلَت تخلُّصًا إلى ذكر ما هو الأفضلُ والأولى والأطيبُ والأزكى بحاله ﷺ من النساء وما يتعلَّق بهن، فطبّقت لذلك مَفْصِلَ البلاغة. قولُه: (نَفْيُ التوهُّمِ عمَّن عسى أن يتوهَّم)، يعني: لا تفاوتَ في عدمِ وجوبِ العِدَّة عليها سواءٌ كانت قريبةَ العهدِ بالنكاحِ أو بعيدتَه منه؛ وذلك أن المرأةَ إذا تراخى بها المدة في حِبالةِ الزوجِ استأنسَ كل واحد بصاحبه وربما توقّعَ الرجلُ من توهُّمِ عُلْقَةِ الزوجية وقد تَقَّرر عندَه أَنّ العِدَّةَ حقٌّ واجبٌ للنساءِ على الرجالِ فجيء بـ «ثُمَّ» لإزالةِ هذا التوهمِ وبيانِ أنّ العُلْقةَ إنما تتمُّ بالدخول. قال القاضي: فائدة «ثمّ» إزاحةُ ما عسى يتَوهَّمُ متوهِّمٌ أن تراخي الطلاق ريثما تمكن الإصابةُ كما يؤثِّر في النسب يؤثِّر في العدة.
[ ١٢ / ٤٥١ ]
يطلقها وهي قريبة العهد من النكاح، وبين أن يبعد عهدها بالنكاح ويتراخى بها المدة في حبالة الزواج ثم يطلقها. فإن قلت: إذا خلا بها خلوة يمكنه معها المساس، هل يقوم ذلك مقام المساس؟ قلت: نعم، عند أبى حنيفة وأصحابه حكم الخلوة الصحيحة حكم المساس، وقوله: (فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) دليل على أن العدة حق واجب على النساء للرجال. (تَعْتَدُّونَها): تستوفون عددها، من قولك: عددت الدراهم فاعتدها، كقولك: كلته فأكتاله، ووزنته فاتزنه. وقرئ: (تعتدونها) مخففًا؛ أى: تعتدون فيها، كقوله:
ويوم شهدناه
والمراد بالاعتداد ما في قوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا)] البقرة: ٢٣١ [.
_________________
(١) قولُه: (في حِبالة الزوج)، الجوهري: الحِبالة: التي يُضادَ بها. قولُه: (نعم عند أبي حنيفة وأصحابه)، قال القاضي: ظاهرُ الآية يقتضي عدمَ وجوبِ العِدّةِ بمُجرَّدِ الخَلْوة. قولهُ: (﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾: تستوفون عَدَها) أي: تعدُّونها عليهنَّ، قال أبو البقاء: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ تفتعلونها من العدد، أي: تعدّونها عليهِنّ، وموضعُه جَرٌّ على اللفظ أوْ رَفْعٌ على الموضع. قولُه: (وقُرِئ: «تَعْتَدُونَها» مخفّفًا)، وهو من الاعتداء، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] أي: لتظلموا. قولُه: (ويومٍ شَهِدناه)، تمامه: سُهيلًا وعامِرًا … قليلٍ سوى الطعنِ الدِّراكِ نوافلُه
[ ١٢ / ٤٥٢ ]
فإن قلت: ما هذا التمتيع؟ أواجب أم مندوب إليه؟ قلت: إن كانت غير مفروض لها؛ كانت المتعة واجبةً، ولا تجب المتعة عند أبى حنيفة إلا لها وحدها دون سائر المطلقات، وإن كانت مفروضا لها؛ فالمتعة مختلف فيها: فبعض على الندب والاستحباب، ومنهم أبو حنيفة، وبعض على الوجوب. (سَراحًا جَمِيلًا) من غير ضراٍر ولا منع واجب.
_________________
(١) قولُه: (إن كانت غير مفروض لها كانت المتعة واجبة)، قال القاضي: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ إن لم يكُن مفروضَا لها، فإن الواجبَ المفروضَ لها نصفُ المفروضِ دونَ المتعةِ، ويجوز أن يُؤوَّلَ التمتيعُ بما يعمّهما أو الأمر بالمشتركِ بين الوجوبِ والندبِ، فإنّ المتعة سنةٌ للمفروضِ لها. سبقَ تقريره في البقرة. قولُه: (﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ من غيرِ ضِرار)، السَّراح: اسمُ التسريح، وليسَ بمصدر. الراغب: السَّرْحُ: شجَرٌ له ثمَر، الواحدة سرحة وسَرَّحْتُ الإبلَ: أن تُرْعِيَه السرح ثم جُعِلَ لكل إرسالٍ في الرعي قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، والتسريح في الطلاق مستعارٌ من تَسريحِ الإبلِ، كالطلاقِ في كونه مُستعارًا من إطلاقِ الإبل، واعتُبر في السرحِ المُضيُّ، فقيل: ناقةٌ سُرُحٌ: تسرَحُ في سيرِها، ومضى سَرْحًا جميلًا، والمُنسرِحُ: ضَرْبٌ من الشعر، استعيرَ لفظَهُ من ذلك. وقلت: وأما بَيانُ رَبْط هذه الآية بأنها كالتمهيدِ للشروع في نوعٍ آخرَ من كرامة النبي ﷺ وفضائله وهو استئثار الله له الأفضلَ والأولى واستخارتُه الأطيبَ والأزكى في قوله: ﴿آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، واختصاصُه من دون المؤمنين بنكاحِ الموهوبةِ نفْسَها لإزاحةِ الحَرجِ عنه وإخلاءِ باله. ألا ترى كيف ضَيَّق على المؤمنين في طلاقِ غيرِ المدخولِ بها حيث أسقط حَقَّهم من العِدّةِ وأمرَهم بسَوْقِ المُتْعةِ والتسريحِ الجميل هذا يؤيد قوله: «﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مُعْتَرضٌ»، هذا ما خَطر بالبالِ، والله أعلم بحقيقة الحال.
[ ١٢ / ٤٥٣ ]
[(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ الله عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا)] ٥٠ [
(أُجُورَهُنَّ): مهورهنّ؛ لأنّ المهر أجر على البضع. وإيتاؤها: إما إعطاؤها عاجلًا، وإما فرضها وتسميتها في العقد. فإن قلت: لم قال: (اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ)، و: (مِمَّا أَفاءَ الله عَلَيْكَ)، و: (اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ)؟ وما فائدة هذه التخصيصات؟ قلت: قد اختار الله لرسوله الأفضل الأولى، واستحبه بالأطيب الأزكى، كما اختصه بغيرها من الخصائص، وآثره بما سواها من الأثر؛ وذلك أنّ تسمية المهر في العقد أولى وأفضل من ترك التسمية، وإن وقع العقد جائزًا؛ وله أن يماسها، وعليه مهر المثل إن دخل بها، والمتعة إن لم يدخل بها. وسوق المهر إليها عاجلًا أفضل من أن يسميه ويؤجله، وكان التعجيل ديدن السلف وسنتهم، وما لا يعرف بينهم غيره. وكذلك الجارية إذا كانت سبية مالكها، وخطبة سيفه ورمحه، ومما غنمه الله من دار الحرب أحل وأطيب مما يشترى من شق الجلب. والسبي على ضربين: سبى طيبة، وسبى خبثة، فسبى الطيبة: ما سبى من أهل الحرب، وأما من كان له عهد فالمسبي منهم
_________________
(١) قولُه: (من الإِثْر)، أي: من الخُلاصةِ والنُّقاوة. الجوهري: الإثرُ بالكَسْر: خُلاصَةُ السَّمْنِ، ويُروى: «من الأُثَر» جَمْعُ أُثْرَة. قولُه: (وخُطبة سيفهِ ورمحه)، ينظرُ إلى قولِ الفرزدق: وذاتِ حَليلٍ أنكحَتْها رماحُنا … حلالٌ لمنْ يبني بها لم تُطلّقِ
[ ١٢ / ٤٥٤ ]
سبي خبثة، ويدل عليه قوله تعالى: (مِمَّا أَفاءَ الله عَلَيْكَ)؛ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، كما أنّ رزق الله يجب إطلاقه على الحلال دون الحرام، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله ﷺ من قرائبه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه. وعن أم هانيء بنت أبى طالب: خطبنى رسول الله ﷺ، فاعتذرت إليه فعذرنى، ثم أنزل الله هذه الآية؛ فلم أحلّ له؛ لأنى لم أهاجر معه؛ كنت من الطلقاء. وأحللنا لك من وقع لها أن تهب لك نفسها
_________________
(١) قولُه: (وعن أم هانئ)، في «جامع الأصول»: هي فاختةُ بنت أبي طالب أختُ علي، خطَبها النبي ﷺ، فقالت: إني امرأة مُصْبِيةٌ، فاعتذرت إليه فعذَرها. وعن الترمذيِّ عن أم هانئ: خطَبني رسول الله ﷺ، فاعتذَرْتُ إليه فعذَرني، ثم أنزل الله تعالى: ﴿نَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]. قالت: فلم أكن أحل له لأني لم أهاجِر، وكُنت من الطّلقاء. النهاية: الطلقاءُ: هو الذين خَلّى عنهم يوم فتح مكة وأطلَقهم ولم يسترِقَّهم، الواحدُ: طَليقٌ؛ فَعيلٌ بمعنى مَفعول، وهو الأسيرُ إذا أُطلِقَ سَبيلُه. قولُه: (وأحلَلْنا لك مَن وقع لها أن تهبَ نفسها لك)، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً﴾ عطْفٌ على قوله: ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ على تقديرِ الفعل. قال صاحبُ «الكشف»: ما أظنّك أنك إذا أعربْتَ ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً﴾ إلاّ أن تقول: إن انتصابها محمولٌ على
[ ١٢ / ٤٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ما قَبْلَه من قولِه: ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، وهذا مِن سوءِ تأمُّلك، لأنّ ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ شَرطٌ، والشرطُ لا يصحّ في الماضي وكذا الجزاء، ألا ترى أن لو قُلْتَ: إن قمتُ غدًا قمتَ أمس، لكنت مخطئًا، وقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ إخبارٌ عن إحلاله في الماضي، فلا يصحُّ ذلك التقدير، بل التقدير: ويُحلُّ لك امرأةً مؤمنةً إن وهبَتْ، ليصحَّ به الجزاء، كما تقول: أقومُ إن قمتَ، وأخرجُ إن خرجْتَ، فافهمه. وعن أبي علي أنه قال: فإن قلتَ: فإن هذا امتنانٌ منه ﷿ على نَبيِّه بأن أحلَّ له امرأةً وهبَت نفْسَها له فيما مضى، وليس الامتنانُ عليه بامرأةٍ ستفعل ذلك، فإنه يكونُ من باب قوله: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: صحَّ أني كنتُ قلته، فكذلك ﴿إِن وَهَبَتْ﴾ أي: إن صح أنها وهبَتْ فإنه تحل لك، فهذا معنى هذا الكلام. وقال القاضي: «امرأة» نصبٌ بفعلٍ يُفَسِّرُه ما قبْلَه، أو عطفٌ على ما سبق، ولا يدفعُه التقييد بـ «إنْ» التي للاستقبال، فإن المعنيَّ بالإحلال الإعلامُ بالحلِّ، أي: أعلمناك حِلَّ امرأةٍ مؤمنةٍ تهَبُ لك نفسَها ولا تطلبُ مهْرَها إن اتفق، ولذلك نكرها. وقال أبو البقاء: قيل في ناصب «وامرأةً» وجهان: أحدُهما: ﴿أَحْلَلْنَا﴾ في أول الآية، وقد ردّ هذا قوم وقالوا: ﴿أَحْلَلْنَا﴾ ماضٍ، و﴿إِن وَهَبَتْ﴾ - وهو صفةُ المرأة- مُستقبل ف ﴿أَحْلَلْنَا﴾ في موضع جوابه، وجوابُ الشرطِ لا يكونُ ماضيًا في المعنى، وهذا ليس بصحيح؛ لأن معنى الإحلال هاهنا الإعلامُ بالحِلِّ إذا وقع الفعلُ على ذلك، كما تقول: أبحْتُ لك أن تكلِّمَ فلانًا إن سَلَّمَ عليك. وقلت: فائدةُ العدولِ المبالغةُ في الامتنان.
[ ١٢ / ٤٥٦ ]
ولا تطلب مهرًا من النساء المؤمنات إن اتفق ذلك؛ ولذلك نكرها. واختلف في اتفاق ذلك: فعن ابن عباس ﵄: لم يكن عند رسول الله ﷺ أحد منهنّ بالهبة. وقيل: الموهوبات أربع: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة أمّ المساكين الأنصارية، وأمّ شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم، ﵅. قرئ: (إِنْ وَهَبَتْ) على الشرط. وقرأ الحسن ﵁: (أنْ) بالفتح، على التعليل بتقدير حذف اللام. ويجوز أن يكون مصدرًا محذوفًا معه الزمان، كقولك: اجلس ما دام زيد جالسًا، بمعنى: وقت دوامه جالسًا، ووقت هبتها نفسها. وقرأ ابن مسعود بغير "إن". فإن قلت: ما معنى الشرط الثاني مع الأوّل؟ قلت: هو تقييد له، شرط في الإحلال هبتها نفسها، وفي الهبة إرادة استنكاح رسول الله ﷺ، كأنه قال: أحللناها
_________________
(١) قولُه: (ميمونة بنت الحارث)، في «الجامع»: توفي عنها أبو رُهم، فتزوجها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة سبع في عمرة القَضِيَّةِ بسرف، على عشرة أميال من مكة. قولُه: (وزينب بنت خُزيمة)، في «الجامع»: وزينب بنت خزيمةَ بنت الحارث العامرية، كانت تسمى في الجاهلية أمَّ المساكين لإطعامِها إياهم، كانت تحتَ عبدِ الله بن جحش، فقُتل عنها يومَ أحدٍ، فتزوَّجها ﷺ سنة ثلاث. قولُه: (وأم شريك بنت جابر)، في «الجامع»: قيل: أم شريك غزيّةُ بنت جابر طلقها النبيُّ ﷺ قبل أن يدخلَ بها، وهي وهَبتْ نفْسَها للنبي ﷺ. قولُه: (وخولة بنت حكيم)، في «الجامع»: هي التي وهبَت نفْسَها للنبي ﷺ، فأرجأها، فتزوّجَها عثمان بن مظعون. قولُه: (وقرئ: ﴿إِن وَهَبَتْ﴾ على الشرط)، وهي المشهورة.
[ ١٢ / ٤٥٧ ]
لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها؛ لأنّ إرادته هي قبول الهبة وما به تتم. فإن قلت: لم عدل عن الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى: (نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ) ثم رجع إلى الخطاب؟ قلت: للإيذان بأنه مما خص به وأوثر، ومجيئه على لفظ النبي؛ للدلالة على أن الاختصاص تكرمة له لأجل النبوّة، وتكريره تفخيم له وتقرير لاستحقاقه الكرامة لنبوته. واستنكاحها: طلب نكاحها والرغبة فيه، وقد استشهد به أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة؛ لأنّ رسول الله) ﷺ وأمّته سواء في الأحكام إلا فيما خصه الدليل، وقال الشافعي: لا يصح، وقد خص رسول الله ﷺ بمعنى الهبة ولفظها جميعا؛ لأنّ اللفظ تابع للمعنى، والمدعى للاشتراك في اللفظ يحتاج
_________________
(١) ـ قولُه: (وتكريره تفخيمٌ له [وتقريرٌ] لاستحقاقِه الكرامةَ لنبوته)، يعني: دلَّ إقامةُ المُظهرِ موضعَ المُضْمرِ في قوله: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ على أنَّ المرأة إنما وهبَتْ نفسَها له، وجاز له ذلك دون غيره تكرِمَةً لأجل نُبوتِه، ودل تكرير ذلك في قولِه: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ على أن الله تعالى إنما آثر إرادته في ذلك لكونه صلوات الله عليه أهلًا لذلك لأجلِ نُبوَّتِه، فظهَر أن طريقَ التعليلَيْن مختلفة، فكما أنّ نبوتَه اقتضت ذلك كذا إرادته، قال الزجاج: وإنما قيل: ﴿لِلنَّبِيِّ﴾؛ لأنه لو قيل: إن وهبَتْ نفْسَها لك، كان يَجوزُ ان يُتوهَّمَ أن في الكلام دليلًا على أنه يجوز ذلك لغير النبيِّ، كما جاء في ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾. قولُه: (وقد خُصَّ رسولُ الله ﷺ بمعنى الهبة ولفظها جميعًا)، قال الإمام: قال الشافعيُّ ﵁: معنى الآية إباحةُ الوَطْءِ بالهبة، وحصولُ التزوجِ بلفظِها من خواصك. وقال أبو حنيفة ﵁: تلك المرأة صارت زوجةً ومن أمهات [المؤمنين] لا تحلُّ لغيرِك أبدًا، وقال: ويمكن أن يقال: فعلى هذا التخصيصُ بالواهبةِ لا فائدةَ فيه؛ فإن أزواجَه كلّهن خالصاتٌ له.
[ ١٢ / ٤٥٨ ]
إلى دليل. وقال أبو الحسن الكرخي: إن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز؛ لقوله تعالى: (اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) وقال أبو بكر الرازي: لا يصح؛ لأنّ الإجارة عقد مؤقت، وعقد النكاح مؤبد؛ فهما متنافيان. (خالِصَةً) مصدر مؤكد، كـ (وعد الله)] النساء: ١٢٢ [، و(صبغة الله)] البقرة: ١٣٨ [، أى: خلص لك إحلال ما أحللنا لك خالصة، بمعنى خلوصًا، والفاعل والفاعلة في المصادر غير عزيزين، كالخارج،
_________________
(١) ـ وقلت: وجهُ التقريرِ: أن الله تعالى ذكر في هذه الآية طبقاتِ النساءِ المحلّلاتِ للرسول ﷺ، واختصاصَهنَّ بما لم يوجَدْ في غيرِهن، وهي كونُهنَّ أمهاتِ المؤمنين ولم يذكر في شيء منها لفظًا تنعقدُ به عُلْقةُ الزوجية سِوى ما ذكر في هذه الواهبة نفسها، فإنه تعالى ما اكتفى بكونها صائرةً من أمهات المؤمنين بسبب إحلالِ الله إياها كالبواقي بل صَرَّح بلفظِ الهبة، ولو لم يكن له مَدخلٌ في الاختصاصِ لم يكن لذكرهِ فائدة، ولقائل أن يقول: فَرْقٌ بين هذه الصورةِ وبين غيرِها فإنه لو لم يذكر لفظ الهبة لم يحصُل المقصود، بخلافِ غيرها فلذلك ذكَره لا أن له مدخلًا في الاختصاص. قولُه: (أي خَلَصَ إحلالُ ما أحلَلْنا لك خالصة)، يعني: أن ﴿خَالِصَةً﴾ مصدرٌ مولِّدٌ لمضامين الجمل كلها كَوْعدَ الله وصِبْغةَ الله، فلا تختصُّ بقولِه: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ كما قال أبو البقاء: ﴿خَالِصَةً﴾ حالٌ من ضميرِ ﴿وَهَبَتْ﴾ أو صفةٌ لمصدرٍ محذوف، واستدلّ المصنِّف لمذهبه بأن قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وردَ بعد ذكرِ الإحلالاتِ التي جمعَها معنى الاختصاصِ برسول الله ﷺ دون المؤمنين. وقيل: الغرضُ في شرعيتها له خاصة. ومفهومُه مؤكِّدٌ لمضمونِ المعاني كلها لا تختصُّ بواحدة دون واحدة، وهو ما قال: «قد عَلِمْنا ما فيه مصلحةُ المؤمنينَ ففرَضْناها وعلمنا ما فيه مصلحةُ الرسول من الاختصاصِ ففَعلْنا»، فلو عَلّقَ ﴿خَالِصَةً لَّكَ﴾ بقِصّةِ الموهوبة لم يكنْ ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾ معترضًا بل يكون أجنبيًّا وذلك لا يَجوز.
[ ١٢ / ٤٥٩ ]
والقاعد، والعافية، والكاذبة. والدليل على أنها وردت في أثر الإحلالات الأربع مخصوصةً برسول الله ﷺ على سبيل التوكيد لها، قوله: (قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) بعد قوله: (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)، وهي جملة اعتراضية، وقوله: (لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ) متصل بـ (خالصة لك من دون المؤمنين)، ومعنى هذه الجملة الاعتراضية: أنّ الله قد علم ما يجب فرضه على المؤمنين في الأزواج والإماء، وعلى أى حدّ وصفةٍ يجب أن يفرض عليهم؛ ففرضه، وعلم المصلحة في اختصاص رسول الله ﷺ بما اختصه به؛ ففعل ومعنى: (لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ): لئلا يكون عليك ضيق في دينك؛ حيث اختصصناك بالتنزيه واختيار ما هو أولى وأفضل، وفي دنياك؛ حيث أحللنا لك أجناس المنكوحات، وزدنا لك الواهبة نفسها. وقرئ: (خالصة) بالرفع، أى: ذاك خلوص لك وخصوص من دون المؤمنين. ومن جعل (خالصة) نعتًا للمرأة، فعلى مذهبه: هذه المرأة خالصة لك من دونهم
_________________
(١) ويلزم أيضًا أنها وحدها خالصة لك من دونهم، قال محيي السنة: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوجَبْنا على المؤمنين في أزواجهم من الأحكام، أن لا تزوجوا أكثر من أربع، ولا يتزوجوا إلا بولي وشهودٍ ومَهْرٍ وما ملكت أيمانهم، أي: ما أوجبنا من الأحكام في مِلكِ اليمين لكي لا يكون عليك حرج، وهذا يرجع إلى أول الآية، أي: أحللنا لك أزواجَك، وما ملكت يمينك، والموهوبة؛ لكيلا يكون عليك حرج، أي: ضيق. قولُه: (وفي دَنْياكَ) عَطْفٌ على «دينِك»، يعني: أطلقَ الحرجَ ولم يُقيِّد أنه في أيِّ شيء، لدَلالة سَوْقِ الكلامِ عليه، والمراد باختصاص التبرئة ما يدل عليه قوله: ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ من أن لا تترك التسمية، ولا تعجيل المهر، وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ من أن لا تكون مُشتراةً مجلوبة، وباختصاصِ ما هو أولى، ما يُنْبيءُ عنه قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ فإن المهاجراتِ معه من قرابتِه أفضَلُ من غير المهاجرات.
[ ١٢ / ٤٦٠ ]
(وَكانَ الله غَفُورًا) للواقع في الحرج إذا تاب (رَحِيمًا) بالتوسعة على عباده.
روى: أن أمهات المؤمنين حين تغايرن وابتغين زيادة النفقة وغظن رسول الله ﷺ، هجرهنّ شهرًا، ونزل التخيير، فأشفقن أنّ يطلقهنّ، فقلن: يا رسول الله، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت.
وروى: أن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، إنى أرى ربك يسارع في هواك.
[(تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشَاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا)
_________________
(١) قولُه: (﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ للواقعِ في الحرج إذا تاب)، اعلم أن قولَه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ واردٌ على سبيل التذييل للآية أجمعِها، ومضمونُها رَفْعُ الحَرجِ عن حضرةِ الرسالةِ في أمور النساء، كذا عن الواحدي، فجيء بالفاصلةِ عامة في نفي الحرج من جميع التكاليف في الدين لِسائرِ المؤمنين، فيدخل فيه أمرُ الرسول ﷺ أوّليًّا فإذن لا مَدْخَل لحديثِ التوبة. قولُه: (وغِظْنَ رسول الله ﷺ)، الجوهري: الغيظُ: غضَبٌ كامنٌ للعاجز، يقال: غاظه فهو مَغيظ، ولا يقال: أغاظه. قولُه: (إني أرى ربّك يُسارع في هواك)، روى البُخاريّ ومُسلم وغيرُهما عن عائشة رضي عنها. كانت خولةُ بنتُ حكيمٍ من اللاتي وهَبْنَ أنفُسَهنّ للنبيِّ ﷺ، فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تَهب نفْسَها للرجل، فلما نزَلت: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾، قلت: يا رسولَ الله، ما أرى ربَّك إلا يُسارعُ في هواك.
[ ١٢ / ٤٦١ ]
(تُرْجِي) بهمز وغير همز: تؤخر (وَتُؤْوِي): تضمّ، يعنى: تترك مضاجعة من تشاء منهن، وتضاجع من تشاء. أو: تطلق من تشاء، وتمسك من تشاء. أو: لا تقسم لأيتهن، تقسم لمن شئت. أو تترك تزوّج من شئت من نساء أمّتك، وتتزوّج من شئت. وعن الحسن ﵁: كان النبي ﷺ إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها. وهذ قسمة جامعة لما هو الغرض؛ لأنه إما أن يطلق، وإما أن
_________________
(١) قولُه: (﴿تُرْجِى﴾ بهَمْز وبغيرِ همز)، بالهمْزِ: ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْروٍ وابنُ عامرٍ وأبو بكر، والباقون: بغَيْرِ همز. قال الزجاج: الهَمْزُ أجودُ وأكثرُ، والمعنى واحد. يقال: أرجأت الأمرَ وَأرجيتُه؛ إذا أخرته. قولُه: (وهذه قسمةٌ جامعة)، قال صاحب «التقريب»: أي: حاضرة؛ لأنه إما أن يُطلق أو يُمْسك، فإذا أمسَك ضاجَع أوْ لا، قَسَم أوْ لا، وإذا طَلَّق إما أن يَبْتغيها أوْ لا، قال محيي السنة: المراد من قوله تعالى: ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ تردُّ إليك مَنْ تشاء بعد العزل، بلا تجديد عقد. واعلم أنّ الزجاجَ والواحديَّ وأبا البقاء جعلوا ﴿فَلَا جَنَاحَ﴾ خبرًا لقوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ فَقدّر الزجاجُ: إنْ أردْتَ أن تُؤويَ إليك امرأةً ممن عزلتَ فلا جناح عليك، والواحدي قال: إن أردتَ أن تُؤوي إليك امرأةً ممّن عزلتَهنَّ من القَسْمِ وتضمَّها إليك
[ ١٢ / ٤٦٢ ]
يمسك؛ فإذا أمسك: ضاجع أو ترك، وقسم أو لم يقسم. وإذا طلق وعزل: فإما أن يخلى المعزولة لا يبتغيها، أو يبتغيها. وروى: أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة، فكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه: عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب ﵅، أرجأ خمسًا وآوى أربعًا.
وروى أنه كان يسوّى مع ما أطلق له وخير فيه إلا سودة؛ فإنها وهبت ليلتها لعائشة، وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك. (ذلِكَ) التفويض إلى مشيئتك (أَدْنى) إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعا؛ لأنه إذا سوّى بينهن في الإيواء والإرجاء والعزل والابتغاء، وارتفع التفاضل، ولم يكن لإحداهن مما تريد ومما لا تريد إلا مثل ما للأخرى، وعلمن أنّ هذا التفويض من عند الله بوحيه؛ اطمأنت نفوسهن، وذهب التنافس والتغاير، وحصل الرضا، وقرّت العيون، وسلت القلوب. (وَالله يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ) فيه وعيد لمن لم ترض منهنّ بما دبر الله من ذلك وفوّض إلى مشيئة رسول الله ﷺ، وبعث على تواطؤ قلوبهن والتصافي بينهن والتوافق على طلب رضا رسول الله ﷺ وما فيه طيب نفسه. وقرئ: (تقرّ أعينهنّ) بضم التاء ونصب
_________________
(١) ـ فلا سَبيلَ عليك بلومٍ ولا عَتَب، فجعلَ الجملةَ الشرطيةَ عَطْفًا على قوله: ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ وقسيمًا لقوله: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ ولم يذكر فائدةَ المعطوف، والمصنّفُ اعتبرَها، وذلك أنه فسر: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ أولًا بالوجوهِ الأربعةِ الماضية، ثم ثنّى ببناءِ التقسيمِ الحاصِر على الوجهِ الثاني، على طريقةِ الجمْع من الوجوهِ الأربعةِ باستعانةِ انضمام قوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ معها، على أنّ المرادَ بـ «مَن عزلت»: المطلقةُ المبتغي إيواؤها، فأوجَب ذلك أن يُضَمَّنَ قولُه: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ﴾ معنًى يَشْملُ المعزولةَ غيرَ المُبتغي إيواؤها أيضًا ليستَقيم ذلك التقسيم، فحينئذ «أو» في الوجوهِ المذكورةِ للتنويعِ لا للترديدِ أو للإباحة، كما في قولِه تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]، وقولُه: «ورُويَ: أنه أرجَأ منهن» إلى آخره: بيانٌ لبعضِ مَنْ وقعَ إليه التقسيم.
[ ١٢ / ٤٦٣ ]
"الأعين"، و"تقرّ أعينهن" على البناء للمفعول. (وَكانَ الله عَلِيمًا) بذات الصدور، (حَلِيمًا) لا يعاجل بالعقاب، فهو حقيق بأن يتقى ويحذر. (كُلُّهُنَّ) تأكيد لنون (ويرضين)، وقرأ ابن مسعود: (ويرضين كلهن بما آتيتهنّ) على التقديم. وقرئ: (كلهن)، تأكيدًا لـ «هن» في (آتَيْتَهُنَّ).
[(لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا)] ٥٢ [
(لا يَحِلُّ) وقرئ بالتذكير؛ لأنّ تأنيث الجمع غير حقيقى، وإذا جاز بغيرِ فصلٍ
_________________
(١) قولُه: (وقُرِئ: «كُلَّهن» تأكيدًا لـ «هُنَّ» في ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾)، قال ابن جِنِّي: وهي قراءةُ أبي إياس وهي راجعةٌ إلى معنى قراءةِ العامةِ ﴿كَلُّهُنَّ﴾ بضَمِّ اللام، وذلك أنّ رضاهُنَّ كلَّهن بما أوتينَ كُلُّهنَّ على انفرادهِن واجتماعِهن فالمعنيان إذن واحد إلاّ أن للرفع معنى أقوى، وذلك أنّ فيه إصراحًا من اللفظِ بأن يَرْضَيْن كلّهن. والإصراحُ في القراءةِ الشاذةِ -أعني النَّصْبَ- إنما هو في إيتائِهن، وإن كان محصولُ الحالِ فيهما واحدًا مع التأويل. وقلت: في توكيدِ الفاعلِ دون المفعولِ إظهارٌ لكمالِ الرضى منهن وإن لم يكن الإيتاء كاملًا سَويًّا، وفي توكيد المفعول إظهارُ أنّهن مع كمال الإيتاء غيرُ كاملاتٍ في الرضى، والأول أبلغُ في المدح؛ لأن فيه معنى التتميم، وذلك أن المؤكِّدَ رفَع إبهامَ التجوُّزِ عن المؤكد. قولُه: «(لا تحِلُّ»، وقُرئ بالتذكير) أبو عَمْرو: بالتاءِ الفوقانية، والباقون: بالياء. قال الزجاج: مَنْ قرأ بالتاءِ فلأنّ النساءَ في معنى جميعِ النساء، والنساءُ يدلُّ على التأنيث فيُسْتغني عن تأنيثِ «يحلُّ»، ومعنى التاءِ: لا تحِلُّ لك جماعةُ النساء.
[ ١٢ / ٤٦٤ ]
في قوله تعالى: (وَقالَ نِسْوَةٌ)] يوسف: ٣٠ [؛ كان مع الفصل أجوز. (مِنْ بَعْدُ) من بعد التسع؛ لأنّ التسع نصاب رسول الله ﷺ من الأزواج، كما أن الأربع نصاب أمّته منهنّ؛ فلا يحل له أن يتجاوز النصاب، (وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ): ولا أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجًا أخر بكلهنّ أو بعضهن، أراد الله لهنّ كرامةً وجزًاء على ما اخترن ورضين. فقصر رسول الله ﷺ عليهنّ، وهي التسع اللاتي مات عنهن: عائشة بنت أبى بكر، حفصة بنت عمر، أمّ حبيبة بنت أبى سفيان، سودة بنت زمعة، أمّ سلمة بنت أبى أمية، صفية بنت حيي الخيبرية، ميمونة بنت الحرث الهلالية، زينب بنت جحش الأسدية، جويرية بنت الحرث المصطلقية، ﵅. "من" في (مِنْ أَزْواجٍ) لتأكيد النفي، وفائدته: استغراق جنس الأزواج بالتحريم. وقيل: معناه: لا تحل لك
_________________
(١) قولُه: (وقيلَ: معناه: لا تحِلّ لك)، معطوفٌ على قولِه: «من بعد التِّسْع». والفرقُ أنّ الأولَ فيه حكمان: تحريمُ الزيادةِ على التسعِ وتحريمُ التبديل، والثاني: فيه حُكمٌ واحدٌ، وهو تحريمُ غيرِ ما نَصَّ عليه من الأجناس الأربعةِ المذكورة في قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية، وقولُه: ﴿وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ تأكيدٌ لذلك، فيجوز أن يزيدَ على العدد، وأن تُبدِّلَ بكُلِّهنَّ أو ببَعْضهنَّ من جِنْسِ ما نَصَّ عليه. يدلُّ عليه ما روى مُحيي السنة عن أبي صالح: أُمِرَ أنْ لا يتزوّجَ أعرابية ولا غريبَةً، ويتزوَّجَ من نساءِ قومِه من بناتِ العمِّ والعمّةِ والخالِ والخالة إن شاء ثلاث مئة. فقولُ المصنِّف: «من الأعربياتِ والغرائبِ» بيانُ النساءِ في ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾، وقولُه: «من الأجناسِ الأربعة» بيانُ النساءِ اللاتي نُصَّ إحلالهنَّ، والأعرابيات في مقابلةِ المهاجراتِ، والغرائبِ في مقابلةِ القرايب، والكتابياتُ في مقابلةِ امرأةٍ مؤمنةٍ، والإماءُ بالنكاحِ في مقابلة ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ﴾. فإن قُلت: ما فائدةُ الاختلافِ بأن جاء بـ «أو» في المعطوفَيْن الأخيرَيْن، أي: في قولِه:
[ ١٢ / ٤٦٥ ]
النساء من بعد النساء اللاتي نص إحلالهنّ لك من الأجناس الأربعه من الأعرابيات والغرائب، أو من الكتابيات، أو من الإماء بالنكاح. وقيل في تحريم التبدل: هو من البدل الذي كان في الجاهلية؛ كان يقول الرجل للرجل: بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتى، فينزل كل واحٍد منهما عن امرأته لصاحبه. ويحكى: أنّ عيينة بن حصن دخل على النبىّ ﷺ وعنده عائشة من غير استئذان، فقال رسول الله ﷺ: "يا عيينة، أين الاستئذان؟ " قال: يا رسول الله، ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت، ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟ فقال ﷺ: "هذه عائشة أمّ المؤمنين". قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟ فقال ﷺ: "إنّ الله قد حرّم ذلك"، فلما خرج قالت عائشة ﵂: من هذا يا رسول الله؟ قال: "أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيد قومه». وعن عائشة ﵂: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء. تعنى: أنّ الآية قد نسخت. ولا يخلو نسخها: إما أن يكون بالسنة، وإما بقوله تعالى: (إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ)] الأحزاب: ٥٠ [، وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف. (وَلَوْ أَعْجَبَكَ) في موضع الحال من الفاعل، وهو الضمير في (تَبَدَّلَ)، لا من المفعول الذي هو (مِنْ أَزْواجٍ)؛
_________________
(١) ـ «أو من الكتابياتِ أو من الإماءِ» دون الثاني، والأصل الواو؟ قلتُ: ليؤذنَ بالاختلافِ والجمعِ بين الأقوال، فالواوُ في «والغرائب» إشارةٌ إلى قولِ أبي صالحٍ: أن لا يتزوَّجَ أعرابيةً ولا غريبةً، و«أو» في «أو من الكتابيات» مشيرةٌ إلى ما رَوى مُحيي السنة عن مُجاهدٍ: أنّ معناهُ: لا يحلُّ لك اليهودياتُ والنصرانياتُ، ولا أن تَبدَّلَ بالمسلماتِ غيرَهُنَّ من اليهودِ والنصارى، إلا ما ملكَتْ يمينُك من الكتابياتِ أن تَتسَرّى بهنَّ. وأما «أو» في «أو من الإماء» فهو ظاهرٌ، لأنه غيرُ مُسْتَنْكرٍ من آحادِ المسلمين أن يتزوج أمَة الغيرِ، فكيفَ بمَنْصِبِ الرسالة، فلو جِيءَ بالواوِ لم يُعْلَم اختلافُ الأقوالِ، وكذا لو أتى بـ «أو» في الغرائب لم يُعلَمْ أنه قولُ واحد، وأما صاحبُ «التقريب» فقَد أجرى الكلَّ على «أو».
[ ١٢ / ٤٦٦ ]
لأنه موغل في التنكير، وتقديره: مفروضًا إعجابك بهنّ. وقيل: هي أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبى طالب، والمراد أنها ممن أعجبه حسنهنّ. واستثنى ممن حرم عليه الإماء. (رَقِيبًا): حافظًا مهيمنًا، وهو تحذير عن مجاوزة حدوده وتخطى حلاله إلى حرامه.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَانِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَالله لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ الله وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ الله عَظِيمًا)] ٥٣ [
_________________
(١) قولُه: (لأنه مُوغِلٌ في التنكير)، وقُلتُ: جائزٌ أن يكونَ صفةً لـ ﴿أَزْوَاجٍ﴾، والواوُ لتأكيد لصوقِ الصفةِ بالموصوفِ كما تَقرَّر، فالمعنى: ولا أن تبدَّلَ بهنَّ من أزواجٍ مفروضًا إعجابُك بهنَّ لا تفارقُ الإعجابَ عنهن لحُسْنِهُنَّ. وعند صاحبِ «المِفتاح»: يجوزُ أن يكونَ حالًا من ﴿أَزْوَاجٍ﴾، ومُصحِّحها موصوفِيّةُ ﴿أَزْوَاجٍ﴾، لأنه على تقديرِ: أزواجٍ من الأزواج، ودخولُ الواوِ لعدَمِ الإلباس بالصفة بناءً على أنه لا يجوزُ توسيطُ الواوِ بين الصفةِ والموصوف. المعنى: ولا أن تبدَّلَ بهنَّ مِن أزواجٍ وإن كُنَّ بالغاتٍ في الحسنِ غايَته، وهذا أبلغ. قولُه: (واستُثنيَ ممّن حُرِّم عليه الإماءُ)، وهُنَّ اللاتي أشيرَ إليهنَّ في ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ وكُرِّرَ توكيدًا لطول الكلام. وقال أبو البقاء: ﴿مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ في موضعِ رَفْعٍ بَدلًا من ﴿النِّسَاءُ﴾ أو موضعِ نَصْبٍ على الاستثناءِ، وهو من الجنْسِ، فيكونُ متَّصلًا، ويجوزُ أن يكونَ من غيرِ الجنسِ، فيكونَ مُنقطعًا.
[ ١٢ / ٤٦٧ ]
(أَنْ يُؤْذَنَ) في معنى الظرف، تقديره: وقت أن يؤذن لكم. و(غَيْرَ ناظِرِينَ) حال من (لا تَدْخُلُوا) وقع الاستثناء على الوقت والحال معًا، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي ﷺ إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين، وهؤلاء قوم كانوا يتحينون طعام رسول الله، فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه. ومعناه: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام -إلا أن يؤذن لكم إلى طعاٍم غير ناظرين إياه، وإلا فلو لم يكن لهؤلاء خصوصًا، لما جاز لأحٍد أن يدخل بيوت النبي ﷺ إلا أن يؤذن له إذنًا خاصًا، وهو الإذن إلى الطعام فحسب. وعن ابن أبى عبلة: أنه قرأ: (غير ناظرين) مجرورًا صفة لـ (طعام)، وليس بالوجه؛ لأنه جرى على غير ما هو له، فمن حق ضمير ما هو له أن يبرز إلى اللفظ، فيقال: غير ناظرين إناه أنتم، كقولك: هند زيد ضاربته هي
_________________
(١) قولُه: (وقعَ الاستثناءُ على الوقتِ والحالِ معًا)، يعني: وقعَ الاستثناء على وقتِ الإذنِ المصحوبِ بقيدِ ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾، وهما قيدان للفعل، فوجبَ تقديرُ مستثنًى منه من أعمِّ هذا المستثنى. أي: لا تدخُلوا في وقتٍ من الأوقاتِ إلا في هذا الوقتِ، لكنَّ النهيَ واردٌ في قومٍ مخصوصين كانوا يضبطون وَقْتَ إدراكِ الطعام فنُهوا عن ذلك، وإليه الإشارةُ بقولِه: «وإلا فلو لم يكُنْ لهؤلاءِ خُصوصًا لَما جازَ لأحدٍ أن يدخُلَ إلاّ أن يؤذَنَ له إذنًا خاصًّا، وهو الإذنُ إلى الطعامِ فحَسْبُ»، لكنه يجوزُ الدخولُ بالإذْنِ مُطلقًا. قال أبو البَقاء: ﴿إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ في موضع الحال، أي: لا تدخُلوا إلا مأذونًا لكم، وهو على هذا حالٌ من فاعل ﴿تَدْخُلُوا﴾ أو حالٌ من المجرور في ﴿لَكُمْ﴾. قولُه: (يتحَيَّنون)، أي: يضْبطونَ وقْتَ إدراكِ الطعامِ وحينَه. قولُه: (كقولك: هِنْدٌ زيدٌ ضارِبتُه هي)، في «المُقْتَبس» عن الطبّاخي: التاءُ علامةٌ لا
[ ١٢ / ٤٦٨ ]
وإنى الطعام: إدراكه، يقال: أنى الطعام إنى، كقولك: قلاه قلى، ومنه قوله: (بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ)] الرحمن: ٤٤ [: بالغ إناه. وقيل: (إِناهُ): وقته، أى: غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله.
وروى: أن رسول الله ﷺ أو لم على زينب بتمٍر وسويٍق وشاةٍ، وأمر أنسا أن يدعو
_________________
(١) فاعل، والفاعلُ «هي»، وإنّما أتى به وإن كانَ في اللفظ ما يدلُّ على أن الضرْبَ لهندٍ وهو التاءُ، لأنه يأتي في مواضعَ مَشْكِلًا، فاحتيجَ إلى هذا المُنفَصِل ليَجْرِيَ المُشْكِلُ وغيرُه على سَنَنٍ واحد. قال ابنُ الحاجب: إذا قلتَ: نحنُ الزيدونَ ضارِبون، أو: زيدٌ ضاربٌ، ونحوُهما، يؤدِّي إلى اللَّبْسِ، فَعدلوا إلى المنفصل. قال الشيخُ عبدُ القادر: يجبُ الإبرازُ في قولِك: هندٌ ضارِبتُه هي، ولو قُلتَ: زيدٌ هِنْدٌ ضارِبَتُه، لم يجبْ؛ لأنَّ في الأولِ جَرى الوصْفُ على غيرِ ما هو له. قال مكّي: ﴿غَيْرَ﴾ حالٌ من «كُم» في ﴿لَكُمْ﴾ والعاملُ ﴿يؤْذَنَ﴾، ولا يجوزُ أن يكونَ وصفًا للطعامِ إذ لو كان وصفًا له لقيل: غيْرَ ناظرينَ أنتُم، لأنّ اسْمَ الفاعلِ إذا جَرى صفةً أو حالًا أو صِلةً من غَيرِ مَنْ هو له لَم يَسْتَترِ فيه ضميرُ الفاعلِ بخلافِه في الفعلِ، فلو قيل: إلى طعامٍ لا يَنْتظرونَ إناهُ؛ على الوصْفِ لجاز. قولُه: (وإني الطعام: إدراكُه)، قال الزجاج: إناهُ: نُضْجُه وبُلوغُه، تقول: أنى يأني إنًى: إذا نَضَج وبَلغ. قال مكّي: ﴿إِنَاءُ﴾: ظرفُ زمانٍ مقلوبٌ مِن: آن، التي بمعنى الحين، فقُلِبَتِ النونُ قبلَ الألفِ وغُيِّرت الهمزةُ إلى الكسرةِ، أي: غَيْرَ ناظرينَ آنه، أي: حينَه، ثم قُلِبَتْ وغُيّرت. قولُه: (أوْلَمَ على زَيْنبَ بتمرٍ)، الحديثُ من روايةِ البخاريِّ ومُسلمٍ والتِّرمذيِّ
[ ١٢ / ٤٦٩ ]
بالناس، فترادفوا أفواجًا يأكل فوج فيخرج، ثم يدخل فوج، إلى أن قال: يا رسول الله، دعوت حتى ما أجد أحدًا أدعوه، فقال: "ارفعوا طعامكم"، وتفرق الناس، وبقي ثلاثة نفٍر يتحدثون، فأطالوا؛ فقام رسول الله ﷺ؛ ليخرجوا، فانطلق إلى حجرة عائشة ﵂، فقال: "السلام عليكم أهل البيت"، فقالوا: عليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ وطاف بالحجرات فسلم عليهن، ودعون له؛ ورجع، فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون، وكان رسول الله ﷺ شديد الحياء، فتولى، فلما رأوه متوليًا خرجوا، فرجع؛ ونزلت. (وَلا مُسْتَانِسِينَ لِحَدِيثٍ): نهوا عن أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعٍض لأجل حديث يحدثه به، أو عن أن يستأنسوا حديث أهل البيت. واستئناسه: تسمعه وتوجسه. وهو مجرور معطوف على (ناظرين). وقيل: هو منصوب على: ولا تدخلوها مستأنسين. لا بد في قوله: (فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ) من تقدير المضاف، أى: من إخراجكم، بدليل قوله: (وَالله لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) يعنى: أن إخراجكم حتى ما ينبغي أن يستحيا منه
_________________
(١) ـ والنَّسائيِّ عن أنسٍ قال: كنتُ أعلمَ الناسِ بشأنِ الحجابِ حين أُنزِلَ، وكانَ أوّلَ ما أُنزِلَ في مُبتنى رسولِ الله ﷺ بزينبَ بنتِ جَحْش؛ أصبحَ النبيُّ ﷺ عروسًا فدعا القومَ فأصابوا الطعامَ ثم خَرجوا، وبقيَ رَهْطٌ منهم عندَ رسولِ الله ﷺ فأطالوا المُكْثَ، فقامَ النبيُّ ﷺ، فخرجَ وخرجتُ معه، الحديثُ على نَحْو ما ذكَره المصنِّفُ مع تغييرٍ في رواياتٍ شتّى. قولُه: (وتوجُّسُه)، الجوهري: التوجُّسُ: التسمُّعُ إلى الصوتِ الخَفيّ. قولُه: (بدليلِ قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾)، لأن معناه: لا يتركُ تأديبَكم، والتأديبُ في هذا المقامِ إخراجُهم من البيتِ لأنّ جلوسَهم فيه كان يُؤذي النبيَّ ﷺ، فوجبَ لذلك أن يُقدَّرُ إخراجُهم ليتطابقَ النفيُ والإثبات. وفي وَضْع الحقِّ مقامَ الإخراجِ إيذانٌ بتعظيمِ جانبِ الرسول ﷺ.
[ ١٢ / ٤٧٠ ]
ولما كان الحياء مما يمنع الحيي من بعض الأفعال قيل: (لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) بمعنى: لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحيي منكم. وهذا أدب أدّب الله به الثقلاء. وعن عائشة ﵂: حسبك في الثقلاء أنّ الله تعالى لم يحتملهم وقال: (فإذا طعمتم فانتشروا). وقرئ: (لا يستحى) بياٍء واحدة. الضمير في (سَأَلْتُمُوهُنَّ) لنساء النبي ﷺ، ولم يذكرن؛ لأنّ الحال ناطقة بذكرهن، (مَتاعًا) حاجة (فَسْئَلُوهُنّ) المتاع.
قيل: إن عمر ﵁ كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبًة شديدة، وكان يذكره كثيرًا، ويود أن ينزل فيه، وكان يقول: لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، وقال: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؛ فنزلت. وروى: أنه مر عليهن وهن مع النساء في المسجد، فقال: لئن احتجبتن، فإن لكن على النساء فضلًا، كما أن لزوجكن على الرجال الفضل، فقالت زينب ﵂: يا ابن الخطاب،
_________________
(١) ـ قولُه: (ولمّا كان الحياءُ ممّا يمنَعُ الحَيِيَّ من بعض الأفعال قيل: ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾)، يعني: استُعير لقولِنا: لا يمتنعُ ولا يتركُ، لفظُ: ﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ بعد التشبيه، بدليلِ قولِه: «تَرْكَ الحَيِيِّ»، أو لأنّ الله ﷾ إذا وُصِفَ بما يختَصُّ بالأجسامِ حُمِلَ على نهاياتِ أغراضِه لا على بداياتِه، فإن الإنسان إذا حيي عن فِعْلٍ عِيبَ فيه، تركَه وامتنعَ منه. قولُه: (تَرْكَ الحَيِيِّ)، منصوبٌ على المصدر، أي: لا يتركُه تركًا مثْلَ تَرْكِ الحَييِّ منكم. فيه إشعارٌ بأنَّ استعمالَ الحياءِ هنا مَجازٌ مسبوقٌ بالتشبيهِ، فيكونُ استعارةً، لأنَّ المُشَبَّه المتروكَ هو: لا يترك. قولُه: (قيل: إنّ عُمرَ ﵁ كان يُحِبُّ ضَرْبَ الحجاب عليهن)، روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أنسٍ: قال عمر ﵁: قلتُ: يا رسولَ الله، يدخلُ عليك البَرُّ والفاجر، فلو أمرْتَ أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزلَ الله ﷾ آيةَ الحجاب. قولُه: (لو أُطاع فيكُنَّ ما رأتكُنَّ عين)، كنايةٌ عن ضَرْبِ الحجابِ، أي: عَيْن الأجانب.
[ ١٢ / ٤٧١ ]
إنك لتغار علينا والوحى ينزل في بيوتنا! فلم يلبثواإلا يسيرا حتى نزلت.
وقيل: إنّ رسول الله ﷺ كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، فكره النبي ﷺ ذلك؛ فنزلت آية الحجاب. وذكر: أنّ بعضهم قال: أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب؟ لئن مات محمد لأتزوجن عائشة. فأعلم الله أن ذلك محرم. (وَما كانَ لَكُمْ): وما صح لكم إيذاء رسول الله ﷺ ولا نكاح أزواجه من بعده، وسمى نكاحهن بعده عظيما عنده، وهو من أعلام تعظيم الله لرسوله وإيجاب حرمته حيًا وميتًا، وإعلامه بذلك مما طيب به نفسه وسر قلبه واستغزر شكره. فإن نحو هذا مما يحدث الرجل به نفسه ولا يخلى منه فكره. ومن الناس من تفرط غيرته على حرمته حتى يتمنى لها الموت؛ لئلا تنكح من بعده. وعن بعض الفتيان: أنه كانت له جارية لا يرى الدنيا بها شغفًا واستهتارًا، فنظر إليها ذات يوم فتنفس الصعداء، وانتحب فعلا نحيبه مما ذهب به فكره هذا المذهب، فلم يزل به ذلك حتى قتلها؛ تصورًا لما عسى يتفق من بقائها بعده وحصولها تحت يد غيره. وعن بعض الفقهاء: أن الزوج الثاني في هدم الثلاث مما يجرى مجرى العقوبة؛ فصين رسول الله ﷺ عما يلاحظ ذلك.
[(إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ الله كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)] ٥٤ [
_________________
(١) ـ قولُه: (وذُكِرَ أنّ بعْضَهم قال: أنُنهي أن نُكَلِّمَ بناتِ عَمِّنا)، روى مُحيي السنّةِ عن مُقاتل بن سُليمانَ: أنّه طَلْحة بن عُبيد الله. وفي روايتِه بَدَلَ «فُلانةٍ»: عائشةُ ﵂. قولُه: (لا يرى الدنيا بها)، قيل: الباءُ فيه كالباءِ في: بِعْتُ هذا بهذا. قولُه: (واستهتارًا)، الاستهتار: أن يبلُغَ في الحبِّ غايةً لا يُبالي فيه ما قيلَ فيه، مأخوذٌ من الهَتْرِ، وهو مَزْقُ العِرْض. قولُه: (في هَدْمِ الثلاث)، أي: الطلقاتِ الثلاثِ عند إرادةِ التحليل.
[ ١٢ / ٤٧٢ ]
(إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا) من نكاحهن على ألسنتكم (أَوْ تُخْفُوهُ) في صدوركم (فَإِنَّ الله) يعلم ذلك فيعاقبكم به. وإنما جاء به على أثر ذلك عامًا لكل باٍد وخاٍف؛ ليدخل تحته نكاحهن وغيره؛ ولأنه على هذه الطريقة أهول وأجزل.
[(لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ الله إِنَّ الله كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا)] ٥٥ [
روى: أنه لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: يا رسول الله، أو نحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فنزلت. (لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ) أى: لا إثم عليهن في أن لا يحتجبن من هؤلاء، ولم يذكر العم والخال؛ لأنهما يجريان مجرى الوالدين، وقد جاءت تسمية العم أبًا، قال الله تعالى: (وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ)] البقرة: ١٣٣ [، وإسماعيل عم يعقوب. وقيل: كره ترك الاحتجاب عنهما؛ لأنهما يصفانها لأبنائهما، وأبناؤهما غير محارم، ثم نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب، وفي هذا النقل ما يدل على فضل تشديد، فقيل: (وَاتَّقِينَ الله) فيما أمرتن به من الاحتجاب وأنزل فيه الوحى من الاستتار، واحططن فيه، وفيما استثنى منه ما قدرتن، واحفظن حدودهما، واسلكن طريق التقوى في حفظهما، وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأنتن
_________________
(١) ـ قولُه: (وإنما جاءَ به على أثَرِ ذلك عامًّا)، يعني: كانَ منَ الظاهرِ أن يُقال: إن تبدوا إنكاحَهُنَّ على ألسنتِكم فإنَّ اللهَ يَعلمُ ذلك، فوضَعَ في مَوْضعِهما ﴿شَيْئًا﴾ و﴿شَيْءٌ﴾؛ ليدخُلَ تحْتَ هذا العامِّ دخولًا أوّليًا على سبيلِ البُرْهان، وكان أجْزَل وأهْول. قولُه: (فقيل: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾)، متَّصلٌ بقَوْلِه: «ثمّ نَقَلَ الكلامَ من الغَيْبةِ إلى الخطاب»، وقولِه: «وفي هذا النقلِ ما يدلُّ على فَضْلِ تشديد» اعتراض، وإنما كان فَضْلَ تشديدٍ لأنّ الخطابَ أقوى من الغيبةِ، ومَنْ كان مُشافَهًا في الزَّجْرِ كان أرْدَع له مِمّا كان غائبًا، ولذلك قيل: كافَحَه وواجَهَه في الكلام. قولُه: (واحفَظْنَ حدودَهما)، أي: حدودَ الاحتجاب وما استُثْنيَ منه من عدمِ الاحتجابِ
[ ١٢ / ٤٧٣ ]
غير محتجبات؛ ليفضل سركن علنكن (إنَّ الله كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من السر والعلن وظاهر الحجاب وباطنه (شَهِيدًا) لا يتفاوت في علمه الأحوال.
[(إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)] ٥٦ [
قرئ: (وملائكته) بالرفع؛ عطفًا على محل (إن) واسمها، وهو ظاهر على مذهب الكوفيين، ووجهه عند البصريين: أن يحذف الخبر؛ لدلالة (يصلون) عليه. (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا) أى قولوا: الصلاة على الرسول والسلام. ومعناه: الدعاء بأن يترحم عليه الله ويسلم. فإن قلت: الصلاة على رسول الله ﷺ واجبة أم مندوب إليها؟ قلت: بل واجبة، وقد اختلفوا في حال وجوبها؛ فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره، وفي الحديث: «من ذكرت عنده فلم يصل علىّ فدخل النار فأبعده الله»، ويروى: أنه قيل: يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى: (إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)؟ فقال ﷺ: «هذا من العلم المكنون، ولولا أنكم سألتمونى عنه ما أخبرتكم به؛ إنّ الله
_________________
(١) من المذكورين. قولُه: (مَنْ ذُكِرْتُ عنْدَه فلم يُصَلِّ عليَّ فَدخلَ النارَ)، روى الشيخُ مُحيي الدين في «الأذكار». عن ابنِ السُّنِّي عن جابرٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «مَنْ ذُكِرْتُ عندَه فلم يُصَلِّ عليَّ فقد شَقي». وروى أيضًا عن التِّرمذيِّ عن أبي هُريرَة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «رَغِمَ أنفُ رجلٍ ذُكِرْتُ عنْدَه فلَمْ يُصَلِّ عليّ». قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسن.
[ ١٢ / ٤٧٤ ]
وكل بي ملكين فلا أذكر عند عبد مسلٍم فيصلى علىّ إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك، وقال الله تعالى وملائكته جوابًا لذينك الملكين: آمين، ولا أذكر عند عبٍد مسلٍم فلا يصلى علىّ إلا قال ذانك الملكان: لا غفر الله لك، وقال الله وملائكته لذينك الملكين: آمين»؛ ومنهم من قال: تجب في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره، كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاٍء في أوله وآخره؛ ومنهم من أوجبها في العمر مرةً، وكذا قال في إظهار الشهادتين. والذي يقتضيه الاحتياط الصلاة عليه عند كل ذكر؛ لما ورد من الأخبار. فإن قلت: فالصلاة عليه في الصلاة، أهى شرط في جوازها أم لا؟ قلت: أبو حنيفة وأصحابه لا يرونها شرطًا، وعن إبراهيم النخعي: كانوا يكتفون عن ذلك -يعنى الصحابة- بالتشهد، وهو: السلام عليك أيها النبي، وأما الشافعي -﵀- فقد جعلها شرطًا. فإن قلت: فما تقول في الصلاة على غيره؟ قلت: القياس جواز الصلاة على كل مؤمن؛ لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ)] الأحزاب: ٤٣ [، وقوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)] التوبة: ١٠٣ [، وقوله ﷺ: «اللهم صل على آل أبى أوفى»، ولكن للعلماء تفصيلًا في ذلك؛ وهو: أنها إن كانت على سبيل التبع كقولك: صلى الله على النبي وآله؛ فلا كلام فيها،
_________________
(١) قولُه: (وهو أنّها إن كانت على سبيلِ التبع)، قال الشيخُ مُحيي الدين في كتابِ «الأذكار»: أجمعوا على الصلاةِ على نَبيِّنا وعلى سائرِ الأنبياءِ والملائكةِ استقلالًا، وأما غَيْرُ الأنبياءِ فالجُمهورُ لا يُصَلّى عليهم ابتداءً، واختُلِفَ فيه فقيل: هو حرام، وقيل: مَكْروهٌ كَراهةَ تنزيهٍ، لأنّه شِعارُ أهلِ البِدَع، وقالوا: إنَّ الصلاةَ صارَتْ مخصوصةً في لسانِ السلفِ بالأنبياءِ كما أنّ قولَنا ﷿ مخصوصٌ بالله ﷾، وكما لا يُقالُ: محمَّدٌ ﷿، وإن كان عزيزًا جليلًا، لا يقالُ: أبو بكرٍ أو عَليٌّ صلى الله عليه وإن كان صحيحًا. واتفقوا على جوازِ غيرِ الأنبياءِ تَبَعًا لهم فيقال: اللهمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آلهِ وأصحابِه وأزواجهِ وأتباعهِ؛ للأحاديثِ الصحيحة. وأما السلامُ فقال الشيخُ أبو محمَّدٍ الجُوَيْني: هو في معنى الصلاةِ،
[ ١٢ / ٤٧٥ ]
وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو: فمكروه؛ لأن ذلك صار شعارًا لذكر رسول الله ﷺ، ولأنه يؤدى إلى الاتهام بالرفض، وقال رسول الله ﷺ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم".
[(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)] ٥٧ - ٥٨ [
(يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ) فيه وجهان؛ أحدهما: أن يعبر بإيذائهما عن فعل ما يكرهانه ولا يرضيانه من الكفر والمعاصي، وإنكار النبوّة، ومخالفة الشريعة، وما كانوا يصيبون به رسول الله ﷺ من أنواع المكروه، على سبيل المجاز. وإنما جعلته مجازًا فيهما جميعًا، وحقيقة الإيذاء صحيحة في رسول الله ﷺ؛ لئلا أجعل العبارة الواحدة معطية معنى المجاز والحقيقة
_________________
(١) فلا يُسْتَعملُ في الغائبِ فلا يُفْرَدُ به غيرُ الأنبياء فلا يُقال: عليٌّ ﵇، وسواءٌ هذا في الأحياءِ والأموات، وأما الحاضرُ فيُخاطَبُ به، ويُسْتحَبُّ الترضِّي والترحُّمُ على الصحابةِ والتابعينَ فمَنْ بعْدَهُم من العلماءِ والعُبَّادِ وسائرِ الأخيارِ. وأما ما قالَه بعضُ العلماءِ: إن قوِلَه: ﵁، مخصوصٌ بالصحابة، ويُقالُ في غيرِهم: ﵀، فليسَ كما قال، بل الصحيحُ الذي عليه الجمهورُ استحبابهُ ودلائلُه أكثَرُ من أن تُحْصى. قولُه: (على سبيلِ المجاز)، متعلِّقٌ بقَوْلِه: «أن يُعَبَّر» يعني: أطلقَ ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وأريدَ به فْعْلُ ما لا يَرْضيانه من الكفرِ والمعاصي وغيرِهما، كأنه قيل: إنّ الذين يَفْعلونَ ما لا يُرْضي الله ورسولَه، فأطْلقَ السَّببُ وأريدَ المسبَّب، وإنّما ارتكبَ طريقَ المجازِ، وإن صَحَّ إطلاقُ الإيذاءِ في حَقِّ رسولِ الله ﷺ حقيقةً؛ لئلاّ يَجْعلَ العبارةَ الواحدةَ مُعطيةً معنى المجازِ والحقيقةِ معًا، هذا الطريقُ هو الذي يُسمِّيه الأصوليون عُمومَ المجاز.
[ ١٢ / ٤٧٦ ]
والثاني: أن يراد: يؤذون رسول الله ﷺ. وقيل في أذى الله: هو قول اليهود والنصارى والمشركين: (يد الله مغلولة)] المائدة: ٦٤ [، و: (ثالث ثلاثة)] المائدة: ٧٣ [، و: (المسيح ابن الله)] التوبة: ٣٠ [، و: الملائكة بنات الله، و: الأصنام شركاؤه. وقيل: قول الذين يلحدون في أسمائه وصفاته. وعن رسول الله ﷺ فيما حكى عن ربه: «شتمني ابن آدم، ولم ينبغ له أن يشتمني، وآذاني ولم ينبغ له أن يؤذيني؛ فأما شتمه إياى فقوله: إنى اتخذت ولدًا. وأما أذاه فقوله: إن الله لا يعيدني بعد أن بدأنى». وعن عكرمة: فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلٍق مثل خلق الله. وقيل في أذى رسول الله ﷺ: قولهم: ساحر، شاعر، كاهن، مجنون. وقيل: كسر رباعيته وشج وجهه يوم أحد. وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حيي وأطلق إيذاء الله
_________________
(١) ـ قولُه: (والثاني: أن يُرادَ: يُؤذونَ رسولَ الله ﷺ)، فيكونُ ذِكْرُ الله تمهيدًا لذكْرِه، وأنّ رسولَ الله ﷺ عندَ الله بمكانةٍ حتى إنّ إيذاءَه إيذاؤه. قولُه: (شتَمني ابنُ آدمَ ولم يَنْبغِ له أن يَشْتُمَني)، الحديث من روايةِ البُخاريِّ والنَّسائي عن أبي هريرة، قد أوردناهُ، وفيما أورَده اختلافٌ في الألفاظ. قولُه: (وقيل: [طعنُهم عليه] في نكاحِ صَفِيّةَ بنت حُيَيّ)، روى في «الاستيعاب» عن أبي عُبَيدةَ: كانت صَفِيّةُ عند سَلاّمِ بن مِشْكَم وكان شاعرًا، ثم خَلفَ عليها كِنانَةُ وهو شاعرٌ، فقُتِلَ يوْمَ خَيْبَر، وتزوَّجَها النبيُّ ﷺ سنَةَ سَبْعٍ من الهجرة. ورُويَ عن أنسٍ أنه قال فيه: إنَّ النبيَّ ﷺ لما جَمعَ سَبْيَ خَيْبَر جاءَه دِحْيَة فقال: أعْطِني جاريةً من السَّبْي، فقال: «اذهَبْ فخُذْ جاريةً»، فأخذَ صَفِيّةَ فقيل: يا رسولَ الله، إنَّها سيِّدةُ بَني قُريظةَ والنَّضير، ما تصْلُحُ إلاّ لَك، فقال النبيَّ ﷺ: «خُذْ جاريةً غَيْرها»، قال ابن شِهاب: كانَتْ مِمّا أفاءَ الله عليهِ فحَجَبها، وأوْلَم عليها بتَمْرٍ وسَويقٍ وقَسَم لها، وكانَتْ إحدى أمَّهاتِ المؤمنين.
[ ١٢ / ٤٧٧ ]
ورسوله، وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات؛ لأن أذى الله ورسوله لا يكون إلا غير حق أبدا، وأما أذى المؤمنين والمؤمنات؛ فمنه ومنه. ومعنى (بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا): بغير جنايةً واستحقاٍق للأذى. وقيل: نزلت في ناس من المنافقين يؤذون عليًا ﵁ ويسمعونه. وقيل: في الذين أفكوا على عائشة ﵂. وقيل: في زناةٍ كانوا يتبعون النساء وهنّ كارهات. وعن الفضيل: لا يحل لك أن تؤذى كلبًا أو خنزيرًا بغير حق، فكيف؟ وكان ابن عوٍن لا يكرى الحوانيت إلا من أهل الذمّة؛ لما فيه من الروعة عند كرّ الحول.
[(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا)] ٥٩ [
الجلباب: ثوب واسع أوسع من الخمار ودون الرداء تلويه المرأة على رأسها وتبقى منه ما ترسله على صدرها. وعن ابن عباس ﵄: الرداء الذي يستر من فوق إلى أسفل. وقيل: الملحفة وكل ما يستتر به من كساء أو غيره. قال أبو زبيد:
مجلبب من سواد اللّيل جلبابا
_________________
(١) ورُويَ أنّ رسولَ الله ﷺ دخَل عليها وهي تَبْكي، فقال لها: «ما يُبكيك»؟ فقالت: إنّ عائشَة وحَفْصَة تنالانِ منّي وتقولان: نَحْنُ خَيْرٌ من صَفيّةَ، قال: «ألا قُلْتِ لهنَّ: كيفَ تكُنَّ خيرًا مني وأبي هارونُ وعَمِّي موسى وزوجي مُحمَّد»، وكانَتْ مِن سِبْط هارون. وليس في «الاستيعاب» ولا في «الجامع» أنَّ أحدًا طَعَنَ في نكاحِها، والله أعلم. قولُه: (فمِنْه ومنْه)، أي فمْنْهُ حَقٌّ ومِنه باطل. والفاءُ للتعقيبِ دخَلَتْ على التفصيل.
[ ١٢ / ٤٧٨ ]
ومعنى (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ): يرخينها عليهنّ، ويغطين بها وجوههنّ وأعطافهنّ. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك؛ وذلك أن النساء كنّ في أول الإسلام على هجيراهنّ في الجاهلية متبذلاٍت، تبرز المرأة في درع وخمار فصل بين الحرّة والأمة، وكان الفتيان وأهل الشطارة يتعرّضون -إذا خرجن بالليل إلى مقاضى حوائجهنّ في النخيل والغيطان- للإماء، وربما تعرّضوا للحرّه بعلة الأمة؛ يقولون: حسبناها أمةً، فأمرن أن يخالفن بزيهنّ عن زى الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه؛ ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن طامع؛ وذلك قوله: (ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ) أى: أولى وأجدر بأن يعرفن فلا يتعرّض لهن ولا يلقين ما يكرهن. فإن قلت: ما معنى (مِنْ) في (مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ)؟ قلت: هو للتبعيض، إلا أن معنى التبعيض محتمل وجهين، أحدهما: أن يتجلببن ببعض مالهنّ من الجلابيب، والمراد: أن لا تكون الحرة متبذلة في درٍع وخمار، كالأمة والماهنة، ولها جلبابان فصاعدًا
_________________
(١) قولُه: (مُبْتذلاتٍ)، الجوهري: وابتذالُ الثوب وغيره: امتهانُه، والتبذُّلُ: ترْكُ التصاوُن. قولُه: (والغِيطان)، الجوهري: أصلُ الغائطِ: المطمئنُّ منَ الأرضِ الواسعُ، والجمْعُ: غُوطٌ وأغواطٌ وغِيطان. قولُه: (والمرادُ: أن لا تكون الحرَّةُ مُبتذَلة)، يعني: عَبر بقوله: «يُدنيَن عليهنّ بَعْضَ جلابيبهنَّ» عن كوْنِ الحرَّةِ غيرَ مبتذلة، لأنه يلزَمُ من ذلك أن تكونَ ذات جلابيبَ، فلا تُنزل نَفْسَها بمَنْزلةِ مَنْ ليسَ لها إلا دِرْعٌ وخِمار، كالأمةِ. قولُه: «ولها جِلْبابان»، حالٌ من الضمير في «مُبْتذَلة». قولُه: (والماهِنة)، أي: الخادمة. الجوهري: المَهْنة بالفَتْح، أي: الخِدمةُ، وحكى أبو زيدٍ
[ ١٢ / ٤٧٩ ]
في بيتها. والثاني: أن ترخى المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة. وعن ابن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن ذلك فقال: أن تضع رداءها فوق الحاجب، ثم تديره حتى تضعه على أنفها. وعن السدى: أن تغطى إحدى عينيها وجبهتها، والشق الآخر إلا العين. وعن الكسائي: يتقنعن بملاحفهن منضمة عليهنّ. أراد بالانضمام معنى الإدناء. (وَكانَ الله غَفُورًا) لما سلف منهن من التفريط، مع التوبة؛ لأن هذا مما يمكن معرفته بالعقل.
[(لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ الله فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلًا)] ٦٠ - ٦٢ [
(الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ): قوم كان فيهم ضعف إيمان وقلة ثبات عليه. وقيل: هم الزناة وأهل الفجور من قوله تعالى: (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ)] الأحزاب: ٣٢ [. (وَالْمُرْجِفُونَ): ناس كانوا يرجفون بأخبار السوء عن سرايا رسول الله ﷺ، فيقولون: هزموا وقتلوا وجرى عليهم كيت وكيت، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين. يقال: أرجف بكذا؛ إذا أخبر به على غير حقيقة؛ لكونه خبرًا متزلزلًا غير ثابت، من الرجفة؛ وهي الزلزلة. والمعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدكم، والفسقة
_________________
(١) والكِسائيُّ بالكَسْرِ، وأنكَره الأصمعيُّ، والماهِنُ: الخادم. قولُه: (لأنّ هذا مِمّا يُمكنُ معرفتُه بالعقل)، وعندَ أهلِ السنّة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ لِما عسى يصدُر عنهُنَّ [من] الإخلالِ في أمرِ التستُر رحيمًا بهنَّ بعد التوبة. وقيل: ﴿غَفُورًا﴾ لِما وَقَع منهنَّ قبْلَ الأمرِ فلا يُؤاخِذهُنَّ به، في «المطلع». قولُه: (يُرْجِفون بأخبارِ السوء)، الراغب: الرجفُ: الاضطرابُ الشديد، والإرجافُ: إيقاعُ الرجفةِ إما بالفِعْلِ أو القولِ، ويقال: الأراجيفُ مَلاقيحُ الفِتن.
[ ١٢ / ٤٨٠ ]
عن فجورهم، والمرجفون عما يؤلفون من أخبار السوء: لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التي تسوءهم وتنوؤهم، ثم بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء عن المدينة، وإلى أن لا يساكنوك فيها (إِلَّا) زمنًا (قَلِيلًا) ريثما يرتحلون ويلتقطون أنفسهم وعيالاتهم. فسمى ذلك إغراء -وهو التحريش- على سبيل المجاز. (مَلْعُونِينَ) نصب على الشتم أو الحال، أى: لا يجاورونك إلا ملعونين. دخل حرف الاستثناء على الظرف والحال معًا، كما مرّ في قوله: (إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ)] الأحزاب: ٥٣ [،
_________________
(١) قولُه: (وتَنُوءُهم)، الجوهري: قال ابنُ السكّيت: يُقال: له عندي ما ساءَهُ وناءَهُ، أي: أثْقَلَه، وما يسوءُه وينوءُه. وقال بعضُهم: أراد: ساءَهُ وأناءه، وإنّما قال: ناءَهُ، وهو لا يتَعدّى لأجل «ساءَه» ليَزْدوِجَ الكَلام. قولُه: (ويلتقطون أنفُسَهم)، الأساس: لَقَطَ الحصا وغَيْرَه والتقَطه ويَلْقُطُه. الانتصاف: في قولهِ: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ إشارةٌ إلى ما فَسَّره الزمخشريُّ إلى أنّ مَنْ توجَّه عليه إخلاءُ مَنْزلٍ مملوكٍ للغيرِ بوَجْهٍ شَرْعيٍّ؛ يُمْهَلُ رَيْثَما نفْسَه ومَتاعَه وعيالَه إن كان له موضعٌ، وإلا يُمْهَلُ حتّى يتَيَّسر له موضِعٌ آخَر. قولُه: (فسَمّى ذلك إغراءً)، أي: أطلقَ على الأمرِ بأن يَفْعلَ بهم الأفاعيلَ التي تَسوءهُم الإغراءَ بقولِه: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ على المجازِ مُبالغة. قولُه: (التحريش)، النهاية: وفي الحديث: نهي عن تحريش البهائم، وهو الإغراءُ وتَهْييُج بعضِها على بعضِ، كما يُفعَلُ بين الجمالِ والكِباشِ والديوك. قولُه: (دخَل حرْفُ الاستثناءِ على الظرفِ والحالِ معًا)، كأنّه قيل: لا يُجاورونَك فيها في حالٍ من الأحوالِ وزَمنٍ من الأزمنةِ، إلاّ مَطرودين مَلعونين، زمنًا قليلًا، ريْثَما يرتحِلون ويلتقطونَ أنفُسَهم وعِيالاتِهم.
[ ١٢ / ٤٨١ ]
ولا يصح أن ينتصب عن (أُخِذُوا)؛ لأنّ ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها. وقيل في (قَلِيلًا): هو منصوب على الحال أيضًا، ومعناه: لا يجاورونك إلا أقلاء أذلاء ملعونين. فإن قلت: ما موقع (لا يجاورونك)؟ قلت: (لا يجاورونك) عطف على (لنغرينك)؛ لأنه يجوز أن يجاب به القسم، ألا نرى إلى صحة قولك: لئن لم ينتهوا لا يجاورونك؟ فإن قلت: أما كان من حق (لا يجاورونك) أن يعطف بالفاء، وأن يقال: لنغرينك بهم فلا يجاورونك؟ قلت: لو جعل الثاني مسببًا عن الأوّل لكان الأمر كما قلت، ولكنه جعل جوابًا آخر للقسم معطوفًا على الأوّل، وإنما عطف بـ"ثم"؛ لأن الجلاء عن الأوطان كان أعظم عليهم وأعظم من جميع ما أصيبوا به، فتراخت حاله عن حال المعطوف عليه. (سُنَّةَ الله) في موضع مصدر مؤكد، أى: سن الله في الذين ينافقون الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا. وعن مقاتل: يعنى: كما قتل أهل بدر وأسروا.
(يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ الله وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا)] ٦٣ [
كان المشركون يسألون رسول الله ﷺ عن وقت قيام الساعة؛ استعجالًا على سبيل الهزء، واليهود يسألونه امتحانا؛ لأن الله تعالى عمى وقتها في التوراة وفي كل كتاب، فأمر رسول الله ﷺ بأن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به؛ لم يطلع عليه ملكًا ولا نبيًا، ثم بين لرسوله أنها قريبة الوقوع؛ تهديدا للمستعجلين، وإسكاتًا للممتحنين.
_________________
(١) قولُه: (أما كانَ مِن حَقِّ ﴿لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ أن يُعطَفَ بالفاءِ)، لأنّ جَلاءَهم عن الأوطانِ كان مُسَبّبًا عن التحريشِ بهم وما يَضْطَرُّهم إلى طَلبِ الجلاء؟ وخُلاصةُ الجواب: أنّ ما عليه التلاوةُ أبلغ، ولاحتواءِ الفائدةِ أملأ، كأنّه قيل: لئن لم يَنْتهِ المنافقونَ ليحصُل لهم خَطْبانِ عَظيمان، لكنّ الثاني أعظَمُ عليهِم من الأول، لأنّ مُفارقةَ الوطنِ أعظَمُ المصائب، ألا ترى إلى بني إسرائيلَ كيفَ اختاروا القَتْلَ على الجَلاء.
[ ١٢ / ٤٨٢ ]
(قَرِيبًا): شيئًا قريبًا، أو لأن الساعة في معنى اليوم، أو في زمان قريب.
[(إِنَّ الله لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا)] ٦٤ - ٦٥ [
السعير: النار المسعورة الشديدة الإتقاد.
[(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرَّسُولا)] ٦٦ [
وقرئ: (تقلب) على البناء للمفعول، و(تقلب) بمعنى: تتقلب، و(نقلب)، أى: نقلب نحن، و(تقلب) على أن الفعل للسعير
_________________
(١) قولُه: (﴿قَرِيبًا﴾: شيئًا قريبًا، أوْ لأنّ الساعةَ في معنى اليوم)، يعني: مِن حَقِّ الظاهرِ أن يُقال: قريبة، لأنّها خَبرُ «كان» واسمُه مؤنَّث، فقيل: ﴿قَرِيبًا﴾ على تأويلِ أنّه صفةُ موصوفٍ محذوفٍ، أو الساعةُ بمعنى اليومِ أو الزمان. روى الزجّاجُ عن أبي عُبيدة: أن «قَريبًا» يكونُ للمؤنَّث والثِّنتَيْن والجَمْع بلَفْظِ واحدٍ، ولا يُدْخِلون الهاءَ لأنه ليسَ بصفةٍ ولكن ظَرف، وأنشدَ: وإنْ تُمْسِ ابنةُ السَّهْميِّ منا … بعيدًا لا تُكلِّمنا كلاما فإذا جَعلوها صفةً في معنى: مُقْتربة، قالوا: هي قريبة. قولُه: (وقُرِئ: ﴿تُقَلَّبُ﴾ على البناء للمفعول)، هي المشهورة. قولُه: (و«نُقَلِّبُ»، أي: نُقَلِّبُ نحنُ، و«تُقَلِّبُ» على أنّ الفعلَ للسَّعير)، قال ابن جِنّي: «تُقَلِّبُ وجوهَهم» بالنصبِ، فاعلُه ضميرُ السعيرِ، فنُسِبَ الفِعْلُ إليها، وإن كان المُقَلِّبُ هو اللهَ تعالى بدلالةِ قراءةِ أبي حَيْوَةَ: «نُقَلِّبُ» بالنونِ للملابسةِ التي بينهما، قال الله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] نسَبَ المكْرَ إليهما لوقوعِه فيهما، وعليه قولُ الشاعر: لقَدْ لُمتِنا يا أمَّ غَيْلَان في السُّرى … ونِمْتِ وما ليلُ المطيِّ بنائمِ
[ ١٢ / ٤٨٣ ]
ومعنى تقليبها: تصريفها في الجهات، كما ترى البضعة تدور في القدر إذا غلت فترامى بها الغليان من جهة إلى جهة. أو: تغييرها عن أحوالها، وتحويلها عن هيئاتها. أو: طرحها في النار مقلوبين منكوسين. وخصت الوجوه بالذكر؛ لأن الوجه أكرم موضٍع
_________________
(١) وبيتُ «الكتاب»: أما النهارُ ففِي قَيْدٍ وسِلْسلةٍ … والليلُ في جَوْفِ مَنْحوتٍ من الساج أي: المذكورُ في نَهاره في القَيْدِ وفي لَيْلهِ في بَطنِ المنحوتِ، أي: السفينةِ، وقد جاءَ في الأماكنِ نَحْو: سارَتْ بهم الفِجاجُ، أي: ساروا فيها. قولُه: (ومعنى تقْليبها: تَصْريفُها في الجهات)، الراغب: قَلْبُ الشيء: تصريفُه وصَرْفُه عن وجْهٍ إلى وجه، وقَلْبُ الإنسان أي: صَرْفُه عن طريقتِه والانقلابُ الانصراف قال الله تعالى: ﴿انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وقَلبُ الإنسانِ قيل: سُمِّيَ به لكَثْرةِ تَقَلُّبهِ، ويُعَبَّرُ بالقلْبِ عن المعاني التي تختصُّ به من الروحِ والعلمِ والشجاعةِ وسائرِ ذلك، وقولُه: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] أي: الأرواح، وقولُه: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أي: عِلْمٌ وفَهْم. وقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٠] أي: تثبُتَ به شجاعَتُكُم ويزولَ خوفُكم، وعلى عكْسِه: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦]، وتقليبُ الشيء: تَغْييرُه مِن حالٍ إلى حالٍ نَحْو: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب: ٦٦]، وتقليبُ الأمور: تدبُّرها والنظرُ فيها، قال الله تعالى: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ [التوبة: ٤٨]، وتقليبُ الله القلوبَ والبصائرَ: صَرْفُها مِن رأيٍ إلى رأي، وتقليبُ اليدِ: عبارةٌ عن النّدمِ ذكرًا لحالِ ما يُوجَدُ عليه النادمُ، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: ٤٢] أي: يُصفِّقُ ندامةً، والقَليبُ: البئرُ التي لم تُطْوَ، والقُلْبُ: المقلوبُ من الإسورة.
[ ١٢ / ٤٨٤ ]
على الإنسان من جسده. ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن الجملة، وناصب الظرف: (يَقُولُونَ)، أو محذوف؛ وهو: «اذكر»، وإذا نصب بالمحذوف كان (يَقُولُونَ) حالًا.
[(وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا)] ٦٧ - ٦٨ [
وقرئ: (سادتنا)، و(ساداتنا)، وهم رؤساء الكفر الذين لقنوهم الكفر وزينوه لهم. يقال: ضلّ السبيل وأضله إياه، وزيادة الألف؛ لإطلاق الصوت؛ جعلت فواصل الآي كقوافى الشعر، وفائدتها: الوقف والدلالة على أن الكلام قد انقطع، وأن ما بعده مستأنف. وقرئ: (كثيرا)؛ تكثيرًا لإعداد اللعائن، و(كبيرا)؛ ليدل على أشد اللعن وأعظمه. (ضِعْفَيْنِ) ضعفًا لضلاله، وضعفًا لإضلاله. يعترفون، ويستغيثون، ويتمنون، ولا ينفعهم شيء من ذلك.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ الله مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ الله وَجِيهًا)] ٦٩ [
_________________
(١) ـ قولُه: (وإذا نُصِبَ بالمحذوفِ كان ﴿يَقُولُونَ﴾ حالًا)، قال أبو البقاء: ﴿يَقُولُونَ﴾ حالٌ من الوجوهِ، لأنّ المرادَ أصحابُها، ويَضْعُفُ أن يكونَ من الضميرِ المجرورِ، لأنه مُضافٌ إليه. قولُه: (وقُرئ: ﴿سَادَتَنَا﴾ و«ساداتِنا»)، ابنُ عامر: بالجمع وبكسر التاء، والباقون: ﴿سَادَتَنَا﴾ بفتح التاء. قولُه: (وقرئ: «كثيرًا»)، عاصمٌ وحْدَه: ﴿كَبِيرًا﴾ بالباء، والباقون: بالثاءِ المثلثة. قولُه: (يعترفون ويَسْتغيثون ويتَمنَّوْن)، إشارةٌ إلى نَظْمِ الآياتِ، فالتمنِّي قَوْلُهم: ﴿يَالَيْتَنَى﴾، والاستغاثةُ: ﴿رَبَّنَا﴾، والاعتراف: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا﴾.
[ ١٢ / ٤٨٥ ]
(لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى) قيل: نزلت في شأن زيٍد وزينب، وما سمع فيه من قالة بعض الناس. وقيل في أذى موسى ﵇: هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذفه بنفسها. وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون، وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك، فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتًا فأبصروه حتى عرفوا أنه غير مقتول. وقيل: أحياه الله فأخبرهم ببراءة موسى ﵇. وقيل: قرفوه بعيٍب في جسده من برص أو أدرة، فأطلعهم الله على أنه بريء منه. (وَجِيهًا): ذا جاٍه ومنزلةٍ عنده؛ فلذلك كان يميط عنه التهم، ويدفع الأذى، ويحافظ عليه؛ لئلا يلحقه وصم ولا يوصف بنقيصة، كما يفعل الملك بمن به عنده قربة ووجاهة. وقرأ ابن مسعود والأعمش وأبو حيوة: (وكان عبد الله وجيها). قال ابن خالويه: صليت خلف ابن شنبوذ في شهر رمضان، فسمعته يقرؤها. وقراءة العامة أوجه؛ لأنها مفصحة عن
_________________
(١) ـ قولُه: (وقيل: في أذن موسى ﵇)، الحديثُ رَواهُ البُخاريُّ ومسلمٌ والتِّرمذيُّ عن أبي هُريرَة عن رسولِ الله ﷺ، وهو مشهورٌ وقد أورَدْناه فيما سبق. قولُه: (قَرفوهُ بعَيْبٍ): اتهَّموه، الأُدْرَةُ؛ بالضم: نَفْخَةٌ بالخُصْية. قولُه: (صَلَّيْتُ خَلْفَ ابنِ شَنَبوذ في شهرِ رَمضانَ فسَمِعتُه يقرؤُها)، أي: «عبدًا لله» بالباء. قال صاحبُ «الروضة»: وتُجْزِئُ بالقراءاتِ السبعةِ، وتَصِحُّ بالقراءةِ الشاذّةِ إن لم يكُنْ فيها تغييرُ معنى ولا زيادةُ حَرْفٍ ولا نُقصان، وهاهُنا بين المعنَيينْ بَوْنٌ كما ذكَره المصنِّفُ، ونَحْوُه عن ابن جِنّي.
[ ١٢ / ٤٨٦ ]
وجاهته عند الله؛ كقوله تعالى: (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ)] التكوير: ٢٠ [، وهذه ليست كذلك. فإن قلت: قوله: (مِمَّا قالُوا) معناه: من قولهم، أو: من مقولهم؛ لأنّ «ما» إما مصدرية أو موصولة، وأيهما كان؛ فكيف تصح البراءة منه؟ قلت: المراد بالقول أو المقول: مؤداه ومضمونه؛ وهو الأمر المعيب، ألا ترى أنهم سموا السبة بالقالة، والقالة بمعنى القول؟
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ الله الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا)] ٧٠ - ٧٣ [
(قَوْلًا سَدِيدًا): قاصدا إلى الحق. والسداد: القصد إلى الحق، والقول بالعدل. يقال: سدّد السهم نحو الرميّة: إذا لم يعدل به عن سمتها، كما قالوا: سهم قاصد، والمراد: نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصٍد وعدٍل في القول،
_________________
(١) ـ قولُه: (فكيفَ تَصِحُّ البراءةُ منه)، يعني: لا يقال: بَراءةٌ من القولِ، بل من العَيْب والدِّين. قولُه: (سَمّوا السُّبَّةَ بالقالة)، النهاية: في الحديثِ «فشَت القالةُ بين الناس»، أي: كَثْرَةُ القولِ وإيقاعُ الخُصومةِ بين الناسِ بما يُحكى للبعضِ عن البعض. قولُه: (والمرادُ: نَهْيُهم)، قيل: أي: بـ ﴿لَا تَكُونُوا﴾، «والبعثُ» أي: بقَوْله: «قولوا». وقلت: وليس بذاك، لأنه عنى بالنَّهْي خوْضَهم في حديثِ زينَب من غيرِ قَصْدٍ وعَدْلٍ في القول، والمنهيُّ في الآية السابقةِ كوْنُهم في أذى رسولِ الله ﷺ مِثْلَ كَوْنِ قومِ موسى ﵇ في أذاهُ، بل عَطْفُ قوْلِه: و«البَعْثُ» على «نَهْيْهِم» مبنيٌّ على أن الأمرَ بالشيءِ نَهْيٌ عن ضِدّه، ولو أريدَ بهذا العطفِ ذلك المعنى لجاءَ قولُه: «وهذه الآيةُ مُقرِّرةٌ للتي قَبلَها»
[ ١٢ / ٤٨٧ ]
والبعث على أن يسد قولهم في كل باب؛ لأنّ حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير كله. والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم؛ فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم الله ما هو غاية الطلبة؛ من: تقبل حسناتكم والإثابة عليها، ومن مغفرة سيئاتكم وتكفيرها. وقيل: إصلاح الأعمال: التوفيق في المجيء بها صالحة مرضية. وهذه الآية مقرّرة للتي قبلها، بنيت تلك على النهى عما يؤذى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذه على الأمر باتقاء الله تعالى في حفظ اللسان؛ ليترادف عليهم النهى والأمر، مع اتباع النهى ما يتضمن الوعيد من قصة موسى ﵇، وإتباع الأمر الوعد البليغ؛ فيقوى الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه. لما قال: (وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ) وعلق بالطاعة الفوز العظيم؛ أتبعه قوله: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ) وهو يريد بالأمانة الطاعة؛ فعظم أمرها وفخم شأنها، وفيه وجهان: أحدهما: أنّ هذه الأجرام العظام من السماوات والأرض والجبال قد انقادت لأمر الله عز وعلا انقياد مثلها، وهو ما يتأتى من الجمادات، وأطاعت له الطاعة التي تصح منها وتليق بها؛ حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجادًا وتكوينًا وتسويةً على هيئاٍت مختلفةٍ وأشكاٍل متنوعة، كما قال: (قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ)] فصلت: ١١ [، وأما الإنسان فلم تكن حاله فيما يصح منه من الطاعات ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه، وهو حيوان عاقل صالح للتكليف مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها ويليق بها من الانقياد وعدم الامتناع. والمراد بالأمانة: الطاعة؛ لأنها لازمة الوجود، كما أن الأمانة لازمة الأداء. وعرضها على الجمادات وإباؤها وإشفاقها: مجاز. وأما حمل الأمانة: فمن قولك: فلان حامل للأمانة
_________________
(١) ـ إلى آخرهِ مُكَرّرًا مُسْتَدْرَكًا مع إتباعِ النهيِ ما يتضمَّنُ الوعيدَ من قصةِ موسى ﵇، وإتباعِ الأمرِ الوعْدَ. والأولُ على سبيلِ التشبيهِ ليُتصوَّرَ التهديدُ من قولِه: ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ مِن أنّ الملِكَ لابُدَّ مِن أن ينتَقِم ممَّن يُريدُ نقيصةَ مَنْ له عندَه قُربةٌ ووَجاهةٌ فيُجْتَنبُ عن مِثْلِه، والثاني على سبيل الاشتقاقِ والتعليلِ فيقوى داعيةُ المأمورِ في الامتثالِ بالمأمورِ به، هذا أحسَنُ من قَوله: «فيقَوى الصارفُ عن الأذى والداعي إلى تركِه»، والله أعلم.
[ ١٢ / ٤٨٨ ]
ومحتمل لها؛ تريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمّته ويخرج عن عهدتها؛ لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها، ألا تراهم يقولون: ركبته الديون، ولى عليه حق، فإذا أداها لم تبق راكبةً له ولا هو حاملًا لها. ونحوه قولهم: لا يملك مولى لمولى نصرًا. يريدون: أنه يبذل النصرة له ويسامحه بها، ولا يمسكها كما يمسكها الخاذل، منه قول القائل:
أخوك الّذى لا تملك الحسّ نفسه … وترفضّ عند المحفظات الكتائف
أى: لا يمسك الرقة والعطف إمساك المالك الضنين ما في يده؛ بل يبذل ذلك ويسمح به. ومنه قولهم ابغض حق أخيك؛ لأنه إذا أحبه لم يخرجه إلى أخيه ولم يؤده، وإذا أبغضه أخرجه وأدّاه، فمعنى (فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان): فأبين إلا أن يؤدينها، وأبى الإنسان إلا أن يكون محتملًا لها لا يؤديها. ثم وصفه بالظلم؛ لكونه تاركا لأداء الأمانة، وبالجهل؛ لإخطائه ما يسعده مع تمكنه منه؛ وهو أداؤها. والثاني: أن ما كلفه الإنسان
_________________
(١) ـ قولُه: (قولُ القائل- وهو القُطاميُّ-: أخوكَ) البيت، الحِسُّ: مصدَرُ قَوْلِك: حَسَّ له، أي: رَفَق له. والارفضاضُ: تَرْشيحُ الدمعِ، وكلُّ مُتَفرِّقٍ ذاهبٍ: مُرفَضّ. الكتيفة: الحِقْد، والمُحْفِظات: المُغْضِبات. يقول: أخوكَ هو الذي إنْ أصابَك مِن أحدٍ ما يَسؤوك يغضَبُ لك ويَرِقُّ لأجْلِك ويذهَبُ حِقْدُه، ولا يُمْسِكُ الرِّقَة والعَطْفَ، بل يَبْذلُ ذلك ويَسْمح به. قولُه: (والثاني: أنّ ما كُلِّفه الإنسان)، اعلَمْ أنّ الفرْقَ بين الوجهَيْن هو: أنّ التمثيلَ على الأولِ واقعٌ في هذه الأجرام العِظام؛ شُبِّهَتْ حالةُ انقيادِها وأنَّها لا تَمْتنعُ عن مشيئةِ الله وإرادتِه إيجادًا وتكوينًا وتسويةً بهيئاتٍ مُختلفةٍ بحالِ مأمورٍ مُطيعٍ منقادٍ لا يتوقَّفُ عن الامتثالِ إذا توجَّه إليه أمرُ آمرِه المطاعِ كالأنبياءِ وأفرادِ المؤمنين كقولِه: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا
[ ١٢ / ٤٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فُصّلت: ١١]، وهذا معنى قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فعلى هذا التأويلِ: معنى ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾ أنّها بَعْدَ ما انقادَت وأطاعَتْ ثَبتَتْ عليها وأدَّتْ ما التزَمتها من الأمانةِ وخرجَتْ عن عُهدتِها، سوى الإنسانِ، فإنه ما وَفّى بذلك وخاسَ به، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. وعلى الثاني: بعكسِ الأول؛ فإنه شَبَّه حالةَ الإنسانِ وهي ما كُلِّفَه من الطاعةِ بحالةٍ مفروضةٍ لو عُرِضَتْ على السماواتِ والأرضِ والجبالِ لأبَتْ حَمْلَها وأشفَقتْ مِنها لعِظَمه وثِقَل مَحْمَلِه، وحَمَله الإنسانُ على ضَعْفه وَرِخاوةِ قُوَّته، إنه ظَلومٌ على نفسِه جاهلٌ بأحوالِها حيثُ قَبِلَ ما لم يُطْقْ عليه هذه الأجرامُ العِظام. وعلى هذا: قولُه: ﴿وَحَمَلَهَا﴾ مُجرًى على حقيقتِه. والمرادُ بالأمانةِ: التكليفُ ومرجِعُه الطاعة، لأنّ المُكلِّفَ ما يريدُ مِنْ تَكليفِه على المُكلَّفِ إلا إظهارَ طاعتِه، فلذلك صَرَّحَ في الأولِ بقوله: «والمرادُ بالأمانةِ الطاعةُ لأنّها لازمةُ الوجودِ» بَعْدَ ما فَرَّعَ الوجهَيْن عليها حيثُ قال: «وهو يريدُ بالأمانةِ الطاعَة»، وفيه وَجْهان، والوجْهُ الأول مِن قولِ الزجاج قال: وحَقيقةُ هذه الآية: أعلَمَنا الله تعالى أنه ائتمنَ بني آدمَ على ما افترضه عليهم من طاعته، وائتمنَ السماواتِ والأرضَ والجبالَ على طاعتِه والخضوعِ له، فأمّا السمواتُ والأرضُ والجبالُ فإنَّهُنَّ أطَعْنَ الله بقوله: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ولم تحتمل الأمانة، أي: أدَّتْها، وكلُّ مَنْ خانَ الأمانةَ فقد احتمَلَها، وكذلك كلُّ مَنْ أثِمَ فقد احتمَلَ الإثْم، وأداؤها طاعةُ الله فيما أمرَ به. قال الحسن: الكافرُ والمُنافق حملا الأمانَة، أي: خانا ولم يُطيعا. قال الزجاج: ومَنْ أطاعَ من الأنبياءِ والصدِّيقين والمؤمنينَ فلا يُقال: كان ظلومًا، وتصديقُ ذلك ما يتلوهُ من قوله: ﴿لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ﴾ الآية.
[ ١٢ / ٤٩٠ ]
بلغ من عظمه وثقل محمله: أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه وأشدّه أن يتحمله ويستقل به، فأبى حمله والاستقلال به وأشفق منه، وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوّته. (إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا) حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها، وضمنها ثم خاس بضمانه فيها، ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب، وما جاء القرآن إلا على طرقهم وأساليبهم؛ من ذلك قولهم: لو قيل للشحم: أين تذهب؟ لقال: أسوى العوج. وكم وكم لهم من أمثاٍل على ألسنة البهائم والجمادات! وتصوّر
_________________
(١) ـ روى صاحبُ «المُطْلع» عن الأزهريِّ قال: ما علِمْتُ أحدًا فَسَّر هذه الآيةَ ما فَسّرَهُ أبو إسحاقَ الزجّاج ﵀. هذا والذي عليه الاعتماد: أنَّ الله ﷿ قادِرٌ بقُدْرتِه على أن يخلِقَ في كُلِّ ذَرّةٍ من ذَرّاتِ الكائناتِ العلمَ والحياة والنُّطقَ للتخاطُب. روى مُحيي السنّة ﵀: عرضَ اللهُ الأمانةَ على أعيانِ السماواتِ والأرضِ والجبال. وعليه جماعةٌ من التابعين وأكثرُ السّلف فقال لهن: أتَحْمِلْنَ هذه الأمانةَ بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسَنْتُنَّ جوزيتنَّ وإن عَصَيْتُنَّ عُوقِبتُنَّ، قُلْنَ: لا يا ربُّ لا نُريدُ ثوابًا ولا عِقابًا خشيةً وتعظيمًا لدينِ الله، وكان العرْضُ تخييرًا لا إلزامًا، ولو ألزمَهُنَّ لم يمتَنِعْنَ من حَمْلِها، والجماداتُ كلّها خاضعةٌ لله ساجدةٌ له، لقوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ١٨] الآية. قال: بعضُهم: ركَّبَ الله فيهن العَقْلَ والفهْمَ حين عرضَ الأمانةَ عليهِنَّ حتى عقَلْنَ الخِطابَ وأجَبْنَ بما أجَبْنَ. تمَّ كلامُه، والله أعلم. قولُه: (ثم خاسَ بضمانه)، الأساس: خاسَ بعَهْدِه وبوَعْده: إذا نكَثَ وأخْلَفَ، وخاسَ بما كان عليه. قال ابنُ الدُّمَيْنَة: فيا ربِّ إنْ خاسَتْ بما كانَ بيننا … من الودِّ فابعَثْ لي بما فعلَتْ صبرا
[ ١٢ / ٤٩١ ]
مقاولة الشحم محال، ولكن الغرض أنّ السمن في الحيوان مما يحسن قبيحه، كما أن العجف مما يقبح حسنه، فصوّر أثر السمن فيه تصويرًا هو أوقع في نفس السامع؛ وهي به آنس، وله أقبل، وعلى حقيقته أوقف. وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها. فإن قلت: قد علم وجه التمثيل في قولهم للذي لا يثبت على رأى واحد: أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى؛ لأنه مثلت حاله في تميله وترجحه بين الرأيين، وتركه المضي على أحدهما بحال من يتردد في ذهابه فلا يجمع رجليه للمضى في وجهه، وكل واحٍد من الممثل والممثل به شيء مستقيم داخل تحت الصحة والمعرفة، وليس كذلك ما في هذه الآية؛ فإن عرض الأمانة على الجماد وإباءه وإشفاقه محال في نفسه، غير مستقيم، فكيف صح بناء التمثيل على المحال؟ وما مثال هذا إلا أن تشبه شيئًا والمشبه به غير معقول. قلت: الممثل به في الآية، وفي قولهم: لو قيل للشحم: أين تذهب؟ وفي نظائره: مفروض، والمفروضات تتخيل في الذهن كما المحققات؛ مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحاله المفروضة لو عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها. واللام في (لِيُعَذِّبَ) لام التعليل على طريق المجاز؛
_________________
(١) ـ قولُه: (وترجُّحه بين الرأيَيْن)، الأساس: ترجَّحَ في القول: تَرجَّحَ في القول: تَميَّلَ فيه، وترجَّحَتِ الأرجوحةُ، ورجَحَ أحدُ قولَيْه على الآخر. قولُه: (واللامُ في ﴿لِّيُعَذِّبَ﴾ لامُ التعليل على طريق المجاز)، يعني: عَلَّل بقَوْلِه: ﴿لِّيُعَذِّبَ﴾ قَولَه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ من حَيثُ إنه نتيجةُ الخيانةِ وإليه مآلُ الحَمْل، كقَولِه تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، ولما كانَ كَرامةُ العدوِّ غَيْظَ العدوِّ وموجبَ شَماتتهِ وكانت التوبةُ على المؤمنين إرغامًا للكافرين، عَطَفَ ﴿وَيَتُوبَ﴾ على ﴿لِّيُعَذِّبَ﴾ ليجمَعَ لهم بينَ العذابَيْن، وإليه الإشارةُ بقوله: «إذا تِيبَ على الوافي كان نوعًا من عذاب الغادر».
[ ١٢ / ٤٩٢ ]
_________________
(١) ـ هذا التكلُّفُ إنّما لزِمَه لأنه فسّرَ الإنسانَ بالكافر، وجعَل التعليلَ للحَمْلِ بدليلِ قوله: «ليُعذِّب الله حاملَ الأمانة، ويتوبَ على غيرِه مِمّن لم يحمِلها» حيثُ أوقعَ حاملَ الأمانةِ موقعَ «على المؤمنين»، ولو حُمِلَ التعليلُ على عَرْضِ الأمانة- كما روى مُحيي السنَّةِ عن ابنِ قُتيبة: عرَضْنا الأمانةَ ليَظْهرَ نِفاقُ المُنافقِ وشِرْكُ المُشْرك فيُعذِّبَهم الله، ويظهَرَ إيمانُ المؤمنِ فيتوبَ الله عليه، أي: يعودُ عليه بالرحمةِ والمغفرةِ إنْ حصلَ منهم تقصيرٌ في بعضِ الطاعات -وحِمُلَ الإنسانُ على الجِنْس كما نَقْلنا عن الزجاج: أنّ الله ائتمنَ آدمَ وأولادَه على ما افترضَه عليهم من طاعتِه إلى آخره، كانَ له مَنْدوحةٌ عن ذلك، وجَرتْ الكلماتُ الأربعُ أعني: اللامَ والحَمْلَ والإنسانَ والتوبةَ على ظواهِرِها. ولعلّه احترزَ أن يُعلِّلَ بإرادةِ العذاب. أو نقولُ -وبالله التوفيق-: إنّ الله تعالى خلَقَ الخلْقَ ليكونَ مَظاهِرَ أسمائِه الحُسْنى وصفاتهِ العُليا؛ فحاملُ معنى الكبرياءِ والعَظَمةِ: السماواتُ والأرضُ والجبالُ من حيثُ كوْنُها عاجزةً عن حَمْلِ سائرِ الأماناتِ لعدمِ استعدادِها وقَبولِها، ولذلك أبَيْنَ أن يحمِلْنَها وأشفَقْنَ مِنها ولعظَمِها عن أقدارِها، وحملَها الإنسانُ لقُوَّةِ استعداده واقتدارِه لكونِه ظلومًا جَهولًا، فاختُصَّ لذلك من بينِ سائرِ المخلوقاتِ بقَبولِ تَجلِّي القهّارية والتّوابيةِ والمغفرة، وشاركَها بقَبولِ تَجلِّي الرحمة، وله النصيبُ الأوفرُ منها لقوةِ استعدادِه واقتداره. قال السجاوَنْدي: إن الله في الأنبياءِ والأصفياءِ ترائكَ وبدائعَ من خصائصِ الإنسانيةِ تحصُل بالسَّهْو وتذهبُ بالعِبَر. ذكَره في «سورة الرعد». وينصُره ما رَويْنا في «مسندِ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل» عن أبي هريرة: قُلنا: يا رسولَ الله، إنا إذا رأيْناكَ قلوبُنا وكنّا من أهلِ الآخرة، وإذا فارقْناك أعجَبَتْنا الدنيا وشَمِمْنا النساءَ والأولادَ قال: «لو أنّكم تكونونَ على حالٍ على الحالِ التي أنتم عليها عندي لصافحتكُم الملائكةُ بأكفِّهم ولزارتكم في بيوتِكم،
[ ١٢ / ٤٩٣ ]
لأنّ التعذيب نتيجة حمل الأمانة، كما أن التأديب في: "ضربته للتأديب" نتيجة الضرب. وقرأ الأعمش: (ويتوب)؛ ليجعل العلة قاصرة على فعل الحامل، ويبتدئ: (ويتوب الله). ومعنى قراءة العامة: ليعذب الله حامل الأمانة ويتوب على غيره ممن لم يحملها؛ لأنه إذا تيب على الوافي كان ذلك نوعًا من عذاب الغادر. والله أعلم.
قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه، أعطى الأمان من عذاب القبر".
_________________
(١) ـ ولو لم تُذْنِبوا لجاءَ الله بقومٍ يُذْنبون كي يغفِرَ لهم». ورُويَ الفصلُ الأخير عن أبي أيوب الأنصاري. وقال الإمام: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ أي: كان مِن شأنِه الظلمُ والجهْلُ، فلما أودعَ الله الأمانةَ فيهم تركَ بعضُهم الظُّلمَ والجهلَ وفاءً بما التزمَه، وبقيَ لعضُهم على ما كان فيهِ فخاس فيه. والله تعالى أعلم.
[ ١٢ / ٤٩٤ ]