مكية، وهي أربع وثلاثون آية، وقيل: خمس
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ ١ - ٣]
﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلا خلقًا ملتبسًا بالحكمة والغرض الصحيح وَبتقدير أَجَلٍ مُسَمًّى تنتهي إليه، وهو يوم القيامة، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا﴾ من هول ذلك اليوم
_________________
(١) ـ سورة الأحقاف مكية، وهي أربع وثلاثون آية، وقيل: خمس وثلاثون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (وبتقدير أجل مسمى تنتهي إليه): فاعل "ينتهي" ضمير راجع إلى ﴿خَلَقْنَا﴾، يريد: أن قوله: ﴿وأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ عطف على ﴿بِالْحَقِّ﴾ بتقدير مضاف، نحوه قوله تعالى في الحجر: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥]، والمعنى: ما خلقنا السماوات والأرض إلا بأن نوحد ونعبد، وبأن نثيب من أقبل على ذلك، ونعاقب من أعرض عنه، ولذلك أنزلنا الكتب وأرسلنا الرسل، وهؤلاء الكفار يعكسون الأمر ويعرضون، ونحو هذا الأسلوب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، وقد استقصينا فيه القول في الأنعام. ؟
[ ١٤ / ٢٦٤ ]
الذي لا بد لكل خلق من انتهائه إليه مُعْرِضُونَ لا يؤمنون به، ولا يهتمون بالاستعداد له. ويجوز أن تكون "ما" مصدرية، أي: عن إنذارهم ذلك اليوم.
[﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ٤]
﴿بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا﴾ أي: من قبل هذا الكتاب، وهو القرآن، يعني: أنّ هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك، وما من كتاب أنزل من قبله من كتب الله إلا وهو ناطق بمثل ذلك، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله، ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأوّلين؛ من قولهم: سمنت الناقة على أثارة من شحم، أي: على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب.
وقرئ: "أثرة"، أي: من شيء أوثرتم به وخصصتم من علم لا إحاطة به لغيركم. وقرئ: "أثرة" بالحركات الثلاث في الهمزة مع سكون الثاء، فالإثرة -بالكسر- بمعنى: الأثرة، وأما الأثرة: فالمرّة من مصدر: أثر الحديث: إذا رواه، وأما الأثرة -بالضم- فاسم ما يؤثر، كالخطبة: اسم ما يخطب به.
_________________
(١) ـ قوله: (وإبطال الشرك): قال القاضي: "وتخصيص الشرك بالسماوات احتراز عما يتوهم أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية". قوله: (وقرئ: "أثرة"): وفي أكثر النسخ: "قرأ علي: أثرة، ولا وجه لها"، وفي "الكواشي" أيضًا: "وقرئ: "أثرة" بفتح الهمزة والثاء"، وفي "المحتسب": "قرأ ابن عباس- بخلاف- وعكرمة وقتادة وعمرو بن ميمون: "أو أثرة من علم" بغير ألف، وقرأ علي ﵁ والسلمي: "أو أثرة" ساكنة الثاء". ؟
[ ١٤ / ٢٦٥ ]
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ٥]
﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ معنى الاستفهام فيه إنكار أن يكون في الضلال كلهم أبلغ ضلالًا من عبدة الأصنام، حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر على تحصيل كلّ بغية ومرام، ويدعون من دونه جمادًا لا يستجيب لهم، ولا قدرة به على استجابة أحد منهم ما دامت الدنيا، وإلى أن تقوم القيامة، وإذا قامت القيامة وحشر الناس كانوا لهم أعداء، وكانوا عليهم ضدًا، فليسوا في الدارين إلا على نكد ومضرّة، لا تتولاهم في الدنيا بالاستجابة، وفي الآخرة تعاديهم وتجحد عبادتهم.
وإنما قيل "مَنْ" و"هُمْ"؛ لأنه أسند إليهم ما يسند إلى أولي العلم؛ من الاستجابة والغفلة، ولأنهم كانوا يصفونهم بالتمييز جهلًا وغباوة. ويجوز أن يريد: كلّ معبود من دون الله من الجن والإنس والأوثان، فغلب غير الأوثان عليها.
وقرئ: "ما لا يستجيب"، وقرئ: "يدعو غير الله من لا يستجيب"، ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة طريقه طريق التهكم بها وبعبدتها. ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤].
_________________
(١) ـ قوله: (وإذا قامت القيامة وحشر الناس كانوا لهم أعداء): الانتصاف: "في قوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ نكتة، وهي أنه تعالى جعله غاية عدم الاستجابة، وهي مستمرة، لكن أشعرت بأن ما بعدها أزيد منه زيادةً بينةً ملحقةً بالمباين، إذ تتجدد هناك العداوة". وقلت: نحوه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨]، يعني: أن عليك الطرد والرجم إلى يوم الدين، فإذا جاء ذلك اليوم لقيت ما تنسى معه اللعن. ؟
[ ١٤ / ٢٦٦ ]
﴿وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ * وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٦ - ٧]
﴿بَيِّناتٍ﴾ جمع بينة، وهي الحجة والشاهد، أو واضحات مبينات، واللام في ﴿لِلْحَقِّ﴾ مثلها في قوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا﴾ [الأحقاف: ١١]، أي: لأجل الحق، ولأجل الذين آمنوا، والمراد بالحق: الآيات، وبالذين كفروا: المتلو عليهم، فوضع الظاهران موضع الضميرين؛ للتسجيل عليهم بالكفر، وللمتلوّ بالحق، ﴿لَمَّا جاءَهُمْ﴾ أي: بادهوه بالجحود ساعة أتاهم، وأوّل ما سمعوه من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر، ومن عنادهم وظلمهم: أنهم سموه سحرًا مبينًا ظاهرًا أمره في البطلان لا شبهة فيه.
[﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٨]
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرًا إلى ذكر قولهم: إن محمدًا افتراه. ومعنى الهمزة في ﴿أَمْ﴾: الإنكار والتعجيب، كأنه قيل: دع هذا واسمع قولهم المستنكر المقضي منه العجب،
_________________
(١) ـ قوله: (كأنه قيل: دع هذا واسمع قولهم المستنكر): الانتصاف: "هذا الإضراب مثل الغاية التي ذكرها لكونها أزيد من الأول، فنزلت لزيادتها عليها كالمنافية لها، إذ تكذيب الآيات أبلغ من قولهم: إنها سحر، والغاية هي التي ذكرها آنفًا في قوله: ﴿مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾ ". قوله: (المقضي منه العجب): قيل: يقال: يقضى منه: ينهى منه، أي: يبلغ النهاية؛ من: قضى حاجته، أو يفعل؛ من: قضيت كذا: إذا فعلته، أو يحكم منه بالعجب؛ من: قضيت كذا؛ أي: حكمت به. ؟
[ ١٤ / ٢٦٧ ]
وذلك أن محمدًا كان لا يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه على الله، ولو قدر عليه دون أمّة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقًا من الله له، والحكيم لا يصدّق الكاذب فلا يكون مفتريًا. والضمير للحق، والمراد به الآيات.
﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ على سبيل الفرض: عاجلني الله تعالى -لا محالة- بعقوبة الافتراء عليه، فلا تقدرون على كفه عن معاجلتي، ولا تطيقون دفع شيء من عقابه عني، فكيف أفتريه وأتعرّض لعقابه؟ ! يقال: فلان لا يملك إذا غضب، ولا يملك عنانه إذا صمم، ومثله: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، ومنه قوله ﵇ «لا أملك لكم من الله شيئًا».
_________________
(١) ـ قوله: (وذلك أن محمدًا): إشارة إلى "قولهم المستنكر"؛ يعني: أن قولهم: أن محمدًا افتراه، بعد إقرارهم أنه معجز، مما يقضى منه العجب، وتقريره: أن محمدًا لا يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه على الله، لأن هذا مباين لكلام البشر، ولو فرض أنه قادر على هذا المفترى لكانت قدرته عليه معجزة لكونه خارقًا للعادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقًا من الله له، والحكيم لا يصدق الكاذب، فلا يكون مفتريًا، وخلاصته: أن إقرارهم بإعجازه، ونسبتهم إياه إلى الافتراء: مما يقضى منه العجب. هذا التقرير إنما يستحسن إذا أريد بقولهم: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ الدلالة على اعترافهم به، وعجزهم عن الإتيان بمثله، كما قال في مفتتح سورة يونس: "قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [يونس: ٢]: دليل عجزهم واعترافهم به، وإن كانوا كاذبين في تسميته سحرًا". قوله: (لا يقدر عليه): الضمير المجرور راجع إلى ﴿آيَاتِنَا﴾ باعتبار وضع "الحق" موضعها، والإشارة بقوله: ﴿هَذَا﴾ في التنزيل أيضًا إليه بهذا الاعتبار. ؟
[ ١٤ / ٢٦٨ ]
ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: تندفعون فيه؛ من القدح في وحي الله تعالى، والطعن في آياته، وتسميته سحرًا تارة وفرية أخرى، ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ يشهد لي بالصدق والبلاغ، ويشهد عليكم بالكذب والجحود. ومعنى ذكر العلم والشهادة: وعيد بجزاء إفاضتهم، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ موعدة بالغفران والرحمة إن رجعوا عن الكفر وتابوا وآمنوا، وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوا.
فإن قلت: فما معنى إسناد الفعل إليهم في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِي﴾؟ قلت: كان فيما أتاهم به النصيحة لهم والإشفاق عليهم من سوء العاقبة وإرادة الخير بهم، فكأنه قال لهم: إن افتريته وأنا أريد بذلك النصح لكم وصدكم عن عبادة الآلهة إلى عبادة الله، فما تغنون عني -أيها المنصوحون- إن أخذني الله بعقوبة الافتراء عليه؟ !
_________________
(١) ـ قوله: (﴿بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: تندفعون فيه): اندفع الفرس؛ أي: أسرع، واندفعوا في الحديث؛ أي: خاضوا. الراغب: "فاض الماء: إذا سال منصبًا، وأفاض إناءه: ملأه حتى أساله، قال تعالى: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾، ومنه: فاض صدره بالسر، أي: سال، ورجل فياض: سخي، ومنه استعير: أفاضوا في الحديث: إذا خاضوا فيه، وحديث مستفيض: منتشر، وقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، أي: ادفعوا بكثرة؛ تشبيهًا بفيض الماء". قوله: (وإشعار بحلم الله عنهم): نظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ إلى قوله: ﴿حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، أي: لا يعاجل بالعقوبة بأن لا يمسكها ويهدمها عليهم لعظم جرمهم. قوله: (فكأنه قال لهم: أن افتريته وأنا أريد بذلك النصح لكم): خلاصة الجواب: أن إسناد "لا تملكون" على الفرض، وهو من باب إرخاء العنان والكلام المنصف. ؟
[ ١٤ / ٢٦٩ ]
[﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ٩]
البدع: بمعنى: البديع، كالخف بمعنى الخفيف، وقرئ: "بدعًا" بفتح الدال، أي: ذا بدع، ويجوز أن يكون صفة على "فعل"، كقولهم: دين قيم، ولحم زيم.
كانوا يقترحون عليه الآيات ويسألونه عما لم يوح به إليه من الغيوب، فقيل له: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ فآتيكم بكل ما تقترحونه، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيبات، فإنّ الرسل لم يكونوا يأتون إلا بما آتاهم الله من آياته، ولا يخبرون إلا بما أوحى إليهم، ولقد أجاب موسى صلوات الله عليه عن قول فرعون: ﴿فَمَا بَالُ القُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١]؟ بقوله: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [طه: ٥٢].
_________________
(١) ـ الانتصاف: "الكلام جرى فرضًا وتقديرًا، ومتى فرض الافتراء امتنع كونه ناصحًا، فلا مصلحة للمكلف في العمل بالمفترى، ويتم ذلك على قاعدة المعتزلة: أن العقل يصل إلى معرفة حكم الله تعالى، فيتصور النصح مع الافتراء، إذا أمر بالتوحيد مثلًا، ولو قال: حكم الله بوجوب التوحيد، وأنا رسول به، كان محقًا عندهم، وهي قاعدة باطلة. والجواب عن الآية عندنا أن إسناد ﴿تَمْلِكُونَ﴾ إليهم تنبيه بالشيء على مقابله بالمفهوم، أي: أن كنت مفتريًا وأنتم المحقون، فالعقوبة واقعة لا بد منها، ولا تقدرون على دفعها عني، وإن كنت محقًا وأنتم المفترون، فالعقوبة تقع بكم، ولا أقدر على دفعها عنكم، كقوله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: ٣٥] "، انتهى كلامه. قوله: (دين قيم): أي: قائم، و"البدع" على هذا التقدير بمعنى: مبدع. قوله: (ولحم زيم): روى الجوهري عن الأصمعي: "اللحم الزيم: المتفرق، ليس بمجتمع في مكان". ؟
[ ١٤ / ٢٧٠ ]
﴿وَما أَدْرِي﴾ -لأنه لا علم لي بالغيب- ما يفعل الله بي وبكم فيما يستقبل من الزمان من أفعاله، ويقذر لي ولكم من قضاياه، ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ﴾، وعن الحسن: وما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، ومن الغالب منا والمغلوب. وعن الكلبي: قال له أصحابه -وقد ضجروا من أذى المشركين-: حتى متى نكون على هذا؟ فقال: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، أأترك بمكة أم أؤمر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها- يعني: في منامه- ذات نخيل وشجر؟ ". وعن ابن عباس: ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، وقال: هي منسوخة بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، ويجوز أن يكون نفيًا للدراية المفصلة.
_________________
(١) ـ قوله: (إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها) إلى قوله: (ذات نخيل وشجر): والحديث من رواية البخاري عن عائشة ﵂، قال النبي ﷺ للمسلمين بمكة: "إني أريت دار هجرتكم سبخةً ذات نخل بين لابتين، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر ﵁ قبل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ: على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي وأمي أنت؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر ﵁ نفسه على رسول الله ﷺ، الحديث. الأساس: "رفعته لأمر كذا: قدمته إليه، ورفعت له غاية فسما إليها، قال بشر: إذا ما المكرمات رفعن يومًا وقصر مبتغوها عن مداها وضاقت أذرع المثرين عنها سما أوس إليها فاحتواها" وقال غيره: رفع لي شخص ونار، أي: لاح لي ورأيته. قوله: (نفيًا للدراية المفضلة): هذا ينصرف إلى تفسير ابن عباس، فلا تكون الآية منسوخة. ؟
[ ١٤ / ٢٧١ ]
وقرئ: "ما يفعل"، بفتح الياء؛ أي: يفعل الله ﷿.
فإن قلت: ﴿إنّ يُفْعَلُ﴾ مثبت غير منفي، فكان وجه الكلام: ما يفعل بي وبكم؟ قلت: أجل، ولكن النفي في ﴿وَمَا أَدْرِي﴾ لما كان مشتملًا عليه لتناوله "ما" وما في حيزه، صح ذلك وحسن، ألا ترى إلى قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، كيف دخلت الياء في خبر "أنّ"، وذلك لتناول النفي إياها مع ما في حيزها.
و"ما" -في ﴿مَا يُفْعَلُ﴾ - يجوز أن تكون موصولة منصوبة، وأن تكون استفهامية مرفوعة، وقرئ: "يوحي"، أي: الله ﷿.
[﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ١٠]
_________________
(١) ـ الانتصاف: "أجود ما قيل فيه: حمله على الدراية المفضلة"، وإن كان يدري أن مصيره إلى النعيم، ومصيرهم إلى العذاب. قوله: (النفي في ﴿وَمَا أَدْرِي﴾ لما كان مشتملًا عليه لتناوله "ما" وما في حيزه، صح ذلك وحسن): الانتصاف: "بني على أن المجرور قد عطف على مثله، وأنهما جمعيًا في صلة موصول واحد، ولو قيل: المجرور الثاني من صلة موصول محذوف على مثله، أي: وما أدري ما يفعل بي ولا ما يفعل بكم، لم يفتقر إلى تأويل، وحذف الموصول وتفاصيله صحيح، قال: فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء أي: أفمن يهجوه ومن ينصره سواء؟ ". ؟
[ ١٤ / ٢٧٢ ]
جواب الشرط محذوف، تقديره: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين. ويدل على هذا المحذوف قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
والشاهد من بني إسرائيل: عبد الله بن سلام، لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نظر إلى وجهه، فعلم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله، فتحقق أنه هو النبي المنتظر،
_________________
(١) ـ قوله: (والشاهد من بني إسرائيل: عبد الله بن سلام، لما قدم رسول الله ﷺ المدينة): هذا القول بعد قوله: "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، أأترك بمكة أم أؤمر بالخروج إلى أرض": يوهم أن إحدى الآيتين نازلة بمكة، والأخرى بالمدينة، ومن ثم قال صاحب "الكواشي": "السورة مكية، إلا ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ الآية، وإلا ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] الآية، ﴿ووَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٥] ". وروى محيي السنة عن بعض المفسرين: "أن الشاهد هو موسى بن عمران ﵇، قال مسروق في هذه الآية: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، لأن آل (حم) نزلت بمكة، وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة، والآية واردة في محاجة كانت من رسول الله ﷺ لقومه، ومثل القرآن: التوراة، فشهد موسى على التوراة، ومحمد ﷺ على القرآن، وكل واحد يصدق الآخر". وروى محيي السنة أيضًا عن قتادة والضحاك: " أن الشاهد هو عبد الله بن سلام". وقلت: دليلهما: أن قوله ﴿وشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ عطف على الشرط، فيكونان شرطين، وجواب كل منهما على البدل: فلا تكونوا ظالمين، يدل عليه قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، والشرط لا يستدعي حصوله عند التكلم به، فتضمن الشرط الأول معنى الاستدراج والكلام المنصف، لأن كون القرآن من عند الله متيقن محقق، فلا يعلق بـ"إن" إلا لنكتة، واشتمل الشرط الثاني على معنى المعجزة والإخبار بالغيب، فلا تنافي شهادة عبد الله ابن سلام بالمدينة أن تكون الآية نازلة بمكة. ؟
[ ١٤ / ٢٧٣ ]
_________________
(١) أما تقريره على ما رواه محيي السنة: "أن الآية نزلت في محاجة كانت من رسول الله ﷺ لقومه": فهو أن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وكَفَرْتُم بِهِ﴾: أمر له صلوات الله عليه بالرد عليهم فيما طعنوا في القرآن، ولما كان قوله: ﴿مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ قرينةً له، اقتضى أيضًا أن يكون مثل ذلك في الرد، وكذا قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. أما الأول: فهو أن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أمر لرسول الله ﷺ بالرد عليهم، وذلك أن قوله: ﴿وإذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾، والإضراب عنه بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أوجب أن يقال لهم: أخبروني أن القرآن الذي تنسبونه إلى السحر تارة، وإلى الافتراء أخرى- مع أنكم عرفتم أنه حق وصدق محض، وأنه من عند الله، لما جربتم به قواكم، وعجزتم عن الإتيان بمثل أقصر سوره، وأنتم أرباب البلاغة وفرسان البيان، ولما تضمن الدعوة إلى التوحيد ومكارم الأخلاق- أن كان من عند الله أما تكونون ظالمين؟ يدل على هذه المعاني تصريح قوله: ﴿لِلْحَقِّ﴾ بعد ذكر ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾. وأخبروني أيضًا: أن يشهد بذلك أعلم علماء أهل الكتاب مما يجده في الوحي النازل: أما تكونون ظالمين وأخس الناس وأضلهم عن طريق الحق؟، أفلا تتفكرون وتتركون العناد والإعراض؟ فأضيف إلى دليل العقل دليل السمع. وأما الثالث: فهو أن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ رد آخر، وذلك أن قوله: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا إلاَّ بِالْحَقِّ وأَجَلٍ مُّسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] دل على أن القوم أعرضوا عن قبول القول بالحشر والإقرار بالتوحيد، وأبوا إلا الشرك والمعاندة، فقيل: قل لهم: ﴿مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾، إلى قوله: ﴿وإذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف: ٦]. وأما الثاني: فهو أن قوله: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ رد آخر، وبيان ذلك أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ ؟
[ ١٤ / ٢٧٤ ]
وقال له: "إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيّ: ما أوّل أشراط الساعة؟
_________________
(١) ـ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٥]، دل بالإدماج وإشارة النص على أنه تعالى ضمن فيه ما به أعرضوا عن التوحيد والبعث والطعن في الرسول المنذر، فقيل: قل لهم: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ الآية، فدل على أن ذلك الطعن هو أنهم اقترحوا عليه الآيات، وكانوا يسألونه عما لم يوح إليه من الغيوب، كما ينبئ عنه كلام المصنف، ويؤيد هذا أن فصلت الآية بقوله: ﴿ومَا أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، لأنه مطابق لقوله: ﴿عَمَّا أُنْذِرُوا﴾. قوله: (عبد الله بن سلام): بالتخفيف، قال: "ليس في الأسماء "سلام" بالتشديد إلا أبو عبيد القاسم بن سلام، وفي النساء: سلامة بالتشديد"، قال: "إسلامه شبيه بإسلام أبي بكر ﵄، فإنه لم يتلعثم، كما أن أبا بكر ﵁ كان كذلك". قوله: (إني سائلك عن ثلاث) الحديث: أخرجه البخاري عن أنس، وفي رواية المصنف اختلاف وزوائد. "أشراط الساعة": العلامات التي تتقدمها، مثل: خروج الدجال، وطلوع الشمس من المغرب. ؟
[ ١٤ / ٢٧٥ ]
وما أوّل طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمّه؟ فقال ﵊: أمّا أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته. فقال: أشهد أنك رسول الله حقًا".
ثم قال: "يا رسول الله"، إن اليهود قوم بهت، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود، فقال لهم النبي ﷺ: أي رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه. قال: هذا ما كنت أخاف -يا رسول الله- وأحذر.
_________________
(١) ـ قوله: (ينزع إلى أبيه أو إلى أمه): أي: إذا جاء يشبه أحدهما ويجذب إليه، ويقال: "العرق نزاع". قوله: (قوم بهت): بهت فلان فلانًا: إذا كذب عليه، فهو باهت، وقوم بهت. قيل: زيادة الكبد: هي شيء نابت على جانب الكبد، وهو ألذ من الكبد. كل ذلك في"جامع الأصول". وروى المظهري في شرحه عن بعض العلماء: لعل ذلك إشارة إلى إعدام ما يقبل التغير والتأثر، كما في ذبح الموت الذي يؤتى به على صورة الكبش؛ إشارةً إلى أن نعيم أهل الجنة في الجنة أبدي بلا انقطاع، وعذاب أهل النار- الذين لهم استحقاق الخلود في النار- أبديٌّ بلا انقطاع. ؟
[ ١٤ / ٢٧٦ ]
قال سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: "إنه من أهل الجنة"، إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾.
_________________
(١) ـ قوله: (ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمسي على الأرض: "إنه من أهل الجنة"، إلا لعبد الله بن سلام): يعني: كلما رآه يقول: إنه من أهل الجنة، وإلا فإنه صلوات الله عليه قال ذلك في حق كثير من أصحابه، رضوان الله عليهم. الحديث: أخرجه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص، وفيه بدل: "لأحد يمشي": "لحي يمشي"، وتمامه: وقال: نزلت: ﴿وشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ الآية أو في الحديث. وروينا عن الشيخين أيضًا عن قيس بن عباد في حديث طويل قال: "كنت جالسًا في مسجد المدينة، فجاء رجل فيه أثر من الخشوع، فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فلما خرج، فاتبعته، وسألته عن ذلك، فقال: سأحدثك ما ذاك، رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ، فقصصتها عليه، رأيتني في روضة، ووسط الروضة عمود من حديد، أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء، وفي أعلاه عروة، فقيل لي: ارقه"، إلى أن قال: "فرقيت حتى كنت في أعلى العمود، فأخذت بالعروة، فقيل لي: استمسك، فلقد استيقظت وإنها لفي يدي، ؟
[ ١٤ / ٢٧٧ ]
الضمير للقرآن، أي: على مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ [الأعلى: ١٨]، ﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الشورى: ٣]. ويجوز أن يكون المعنى: إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد على نحو ذلك، يعني كونه من عند الله.
_________________
(١) ـ فقصصتها على النبي ﷺ، فقال: تلك الروضة: الإسلام، وذلك العمود: عمود الإسلام، وتلك العروة: العروة الوثقى، وأنت على الإسلام حتى تموت". قوله: (على نحو ذلك، يعني: كونه من عند الله): يريد: أن الضمير المضاف إليه في قوله: ﴿مِثْلِهِ﴾ راجع إلى القرآن، والمشبه إما ما في التوارة من الألفاظ الدالة على معاني التوحيد والوعد والوعيد، دون ما دل على بيان الفروع، وإما الكتب المنزلة، ووجه الشبه: كونه من عند الله. وقال محيي السنة والواحدي: "إن "المثل" صلة، معناه: عليه، أي: على أنه من عند الله". ويجوز أن يحمل الوجه الآخر على هذا، ويمكن أن يقال: إن"المثل" نحوه في قولك: مثلك يجود، أي: أنت تجود، يعني: من هو على صفتك من الكرم والسخاوة وبسطة اليد يجود. المعنى: وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه، أي: على ما هو عليه، وعلى صفته من كونه وحيًا من الله، نازلًا من عنده، معجزًا بالغًا في فصاحته، وفي إخباره عن المغيبات، موافقًا لما في كتب الله، كما قال: "وأنه من جنس الوحي، وليس من كلام البشر". وحينئذ يحسن عطف قوله: ﴿واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ على "آمن"، وترتيبهما بالفاء معًا على المذكور؛ ليكون إيمانه واستكبارهم صادرين عن أمر واحد، وه عرفانهم أن القرآن حق وصدق وصواب، وأنه معجزة من الله، وأن عبد الله أنصف فآمن، وأن المشركين عاندوا فكفروا، ؟
[ ١٤ / ٢٧٨ ]
فإن قلت: أخبرني عن نظم هذا الكلام لأقف على معناه من جهة النظم. قلت: الواو الأولى عاطفة لـ"كفرتم" على فعل الشرط، كما عطفته "ثُمَّ" في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت: ٥٢]، وكذلك الواو الآخرة عاطفة لـ"استكبرتم" على "شهد شاهد"، وأما الواو في ﴿وَشَهِدَ﴾ فقد عطفت جملة قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾، على جملة قوله: ﴿كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾، ونظيره قولك: "إن أحسنت إليك وأسأت،
_________________
(١) ـ ويقع قوله: ﴿القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ في محزه، لأنه من وضع العام موضع المضمر؛ للإيذان بأنهم وضعوا الاستكبار موضع الإذعان للحق بعد وضوح البينات. قال الواحدي: "معنى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أن الله جعل جزاء المعاندين للإيمان بعد الوضوح والبيان أن يمدهم في ضلالتهم، ويحرمهم الهداية"، والله أعلم. قوله: (الواو الأولى عاطفة لـ"كفرتم" على فعل الشرط) إلى آخره: الانتصاف: "لم يوجه المعطوفات على جهة واحدة، لأنه قد يكون العطف لمجموع مفردات على مجموع مفردات للتقابل بين المفردات، ومنه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٠]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ". وقوله: (ونظيره قولك: أن أحسنت إليك): فقوله: ﴿إن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وكَفَرْتُم﴾ نظير قوله: "إن أحسنت إليك وأسأت"، فآذن بأن كونه من عند الله إحسان وإنعام يوجب استقباله بالشكر التام، فعكسوا وكفروا به، وقوله: ﴿وشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ نظير قوله: "وأقبلت عليك وأعرضت"، فإن شهادة عبد الله بن سلام الموجبة لإيمانه: إقبال ؟
[ ١٤ / ٢٧٩ ]
وأقبلت عليك وأعرضت عني، لم "نتفق" في أنك أخذت ضميمتين، فعطفتهما على مثليهما. والمعنى: قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به، مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟
_________________
(١) ـ من الله تعالى عليهم وإرشاد لهم بأن أعلم أهل الكتاب إذا شهد وآمن، فحق أمثالهم التلقي بالخضوع والاستكانة، فعكسوا أيضًا بالاستكبار والإعراض. وهذا التقرير يؤذن بأن "استكبرتم" عطف على ﴿فَآمَنَ﴾، وكلاهما مسببان عن ﴿وشَهِدَ شَاهِدٌ﴾، وهذا أحسن من جعل المصنف عطف "استكبرتم" على ﴿وشَهِدَ﴾، ويعضده قول القوم: "شرنا وابن شرنا". قوله: (ضميمتين): أي: "أقبلت" و"أعرضت" (على مثليهما): وهما "أحسنت" و"أسأت"، يقال: ضميمك في السفر، أي: رفيقك، وجواب الشرط: "لم نتفق"، و"في أنك أخذت" متعلق "نظيره". وقوله تعالى: ﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إلَيْهِ﴾ بالواو، عطفًا على مقدرات شتى، بيان لبعض استكبارهم الذي منعهم عن الإيمان بالقرآن. قوله: (ألستم أضل الناس وأظلمهم؟): يريد: أن جواب الشرط محذوف، وهو هذا، قال الواحدي ومحيي السنة: "جواب الشرط محذوف، على تقدير: أليس قد ظلمتم، يدل عليه قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال الحسن: جوابه: فمن أضل منكم، كما قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ﴾ [فصلت: ٥٢] الآية، وقال أبو علي: تقديره: أتأمنون عقوبة الله". وقلت: تقدير إثبات مطلق الظلم أوفق لما سبق أنهم وضعوا الاستكبار موضع الإذعان والإيمان. ؟
[ ١٤ / ٢٨٠ ]
وقد جعل الإيمان في قوله: ﴿فَآمَنَ﴾ مسببًا عن الشهادة على مثله، لأنه لما علم أنّ مثله أنزل على موسى صلوات الله عليه، وأنه من جنس الوحي، وليس من كلام البشر، وأنصف من نفسه، فشهد عليه واعترف، كان الإيمان نتيجة ذلك.
[﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١١ - ١٤]
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأجلهم، وهو كلام كفار مكة، قالوا: عامّة من يتبع محمدًا السقاط، يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود، فلو كان ما جاء به خيرًا ما سبقنا إليه هؤلاء. وقيل: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان خيرًا ما سبقنا إليه رعاء البهم. وقيل: إن أمة لعمر أسلمت، فكان عمر يضربها حتى يفتر، ثم يقول: لولا إني فترت لزدتك ضربًا، وكان كفار قريش يقولون: لو كان ما يدعو إليه محمد حقًا ما سبقتنا إليه فلانة. وقيل: كان اليهود يقولونه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.
فإن قلت: لا بدّ من عامل في الظرف في قوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، ومن متعلق لقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾، وغير مستقيم أن يكون ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ هو العامل في الظرف؛ لتدافع دلالتي المضي والاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟
_________________
(١) ـ قوله: (لا بد من عامل في الظرف): يعني: "إذ" لازمة الإضافة، وقد أضيفت إلى قوله: ﴿لَمْ يَهْتَدُوا﴾ فلا يعمل فيها، وأيضًا هي للمضي، فلا يجوز أن يكون العامل: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾، للاستقبال، والفاء في ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ للاستقبال، والفاء في ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ تقتضي سببًا، ولا بد من البيان. ؟
[ ١٤ / ٢٨١ ]
_________________
(١) وأجاب: أن عاملها مقدر، وهو السبب في ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾، والتقدير: إذ لم يهتدوا ظهر عنادهم فسيقولون، وحذف عامل الظرف جائز، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥]، قال أبو البقاء: "تقديره: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عرفناه، لدلالة ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ عليه"، وكذا في قول الناس: حينئذ الآن، أي: كان ذلك حينئذ، واسمع الآن منه. وقال الواحدي: "إذ: بمعنى "إن"، والمعنى: إن لم يصيبوا الهداية بالقرآن فسيقولون إنه كذب". وقال ابن الحاجب في "الأمالي": "يجوز "إذ" أن تكون متضمنةً معنى الشرط؛ لدلالة الفاء بعدها، وكونها في معنى "إذا"، وحسن تعبيرها بها لدلالتها على تحقق ذلك؛ لكونها للماضي، ويجوز أن تكون معمولًا لقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ باعتبار إرادة الاستمرار". الانتصاف: "لم يمنع عمل ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ إلا الاستقبال، فلا مانع لأن الاستقبال إنما جاء للإشعار بدوام ما وقع، وأنهم حرفوا وقالوا: هذا أساطير، وإفك قديم، فمعناها: وقالوا إذ لم يهتدوا به: هذا إفك قديم، وداموا عليه؛ فعبر عن الوقع والدوام والاستقبال بالسين، كقول إبراهيم ﵇: ﴿إلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧]، وهذا طريق الجمع بين قوله: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨]، وبين قوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧]، ولولا دخول الفاء على الفعل لتعين هذا، لكن الفاء دلت بسببيتها على محذوف هو السبب، وقطعت الفعل عن الظرف، فتعين ما ذكره الزمخشري لأجل الفاء، لا لأجل السين". ؟
[ ١٤ / ٢٨٢ ]
قلت: العامل في "إذ" محذوف، لدلالة الكلام عليه، كما حذف من قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥]، وقولهم: حينئذ الآن، وتقديره: وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم فسيقولون: هذا إفك قديم. فهذا المضمر صحّ به الكلام، حيث انتصب به الظرف، وكان قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ مسببًا عنه، كما صحّ بإضمار "أنّ" قوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، لمصادفة "حَتَّى" مجرورها، والمضارع ناصبه.
_________________
(١) ـ وقلت: الاستقبال إذا دل على الاستمرار فيما مضى حالًا فحالًا، نحو: لو تحسن إلى لشكرت، كان بمعنى المضي، وإذا دل على الاستمرار فيما يجيء وقتًا فوقتًا كان متوغلًا في معناه، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، وربما دل على الاستمرار دائمًا، نحو: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، وهذا من القبيل الثاني، ولذلك قرن بالسين، وذلك أن قوله: ﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ متصل بقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وكَفَرْتُم بِهِ﴾، على معنى: أخبروني أن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم ظالمين؟ ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم عند سماعهم هذا الكلام المنصف الذي ليس بعده إرشاد أظهروا العناد، ولم ينظروا بنظر الإنصاف، وتكلموا بما هو نص على الاستكبار والتجبر، وقالوا لأجل الذين آمنوا: لو كان الإيمان خيرًا ما سبقونا إليه. ولهذا وضع المضمر. فنبه ﷾ بقوله: ﴿وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ﴾ حبيبه صلوات الله عليه على تماديهم في العناد، وإقناطًا له عن إيمانهم، وتسليةً عن طعنهم، وأنهم حين لم يهتدوا بهذا الكلام المنصف ظهر عنادهم، فأعلم أنهم لا يهتدون بعد ذلك أبدًا، ويستمر منهم حينًا بعد حين الطعن في القرآن، فتارةً يقولون: أساطير الأولين، وأخرى: إنه سحر مبين، وإفك قديم، وأمثال ذلك. قوله: (كما صح بإضمار "أن"): يريد: أن "إذ" ها هنا تقتضي عاملًا، نظير ﴿يَقُولَ﴾ هناك تستدعي ناصبًا، والفاء هنا تقتضي سببًا، نحو ﴿حَتَّى﴾ هناك تستدعي مجرورًا، فيقدر هنا: "ظهر عنادهم"، ليكون عاملًا في "إذ" سببًا لقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾، وهناك "أن" ليكون عاملًا في ﴿يَقُولَ﴾، ويجعل الفعل في تأويل المصدر؛ ليصح أن يقع مجرورًا بـ ﴿حَتَّى﴾. ؟
[ ١٤ / ٢٨٣ ]
وقولهم: ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ كقولهم: أساطير الأوّلين.
﴿كِتابُ مُوسى﴾ مبتدأ، ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ ظرف واقع خبرًا مقدمًا عليه، وهو ناصب ﴿إِمَامًا﴾ على الحال، كقولك: في الدار زيد قائمًا. وقرئ: "ومن قبله كتاب موسى"؛ على: وآتينا الذين قبله التوراة. ومعنى ﴿إِمَامًا﴾: قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه، كما يؤتم بالإمام، ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به وعمل بما فيه، ﴿وَهَذَا﴾ القرآن ﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ لكتاب موسى، أو: لما بين يديه وتقدّمه من جميع الكتب. وقرئ: "مصدق لما بين يديه".
_________________
(١) ـ قوله: (﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ مبتدأ، ﴿ومِن قَبْلِهِ﴾ ظرف واقع خبرًا): وقلت: لو روعي التناسب بين القرينتين ويقال: ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ فاعل الظرف على مذهب الأخفش، وقد ذكره صاحب "الكشف"، كان أحسن، ولم يلزم التقديم الذي لا يفيد هنا معنى التخصيص إليه، ولا الفصل بين الحال وعاملها، ويكون المعنى: حصل ومضى من قبله كتاب موسى إمامًا، وميز وشوهد عيانًا أن كتابك هذا مصدق معجز، وأطلق ﴿مُصَدِّقٌ﴾، ولم يقل: "مصدق له"، أي: لكتاب موسى؛ تعميمًا وإيذانًا بأنه مصدق للكتب السماوية كلها، لاسيما نفسه، لكونه معجزًا نازلًا بلسان عربي مبين، تحدي به العرب العرباء، فأفحموا، ومع ذلك أنه نذير للذين ظلموا بشير للمحسنين. وإنما عدل عن "العادلين" إلى "المحسنين" ليكون ذريعةً إلى البشارة بقوله: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لمن قال: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، وقيل: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ دون "الذين أحسنوا"، بعد قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أي: لينذر الذين وجد منهم الظلم، ويبشر الذين ثبتوا واستقاموا على الإحسان والإخلاص، إعلامًا بأن الإنسان مفتقر إلى ما يهذب به نفسه ويقوم أوده كل الافتقار؛ لأن الاستقامة على الصراط السوي لا توجد إلا في الأفراد، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. ؟
[ ١٤ / ٢٨٤ ]
﴿لَسَانًا عَرَبِيًّا﴾ حال من ضمير الكتاب في "مصدق"، والعامل فيه ﴿مُصَدِّقٌ﴾، ويجوز أن ينتصب حالًا عن: ﴿كِتَابٌ﴾ لتخصصه بالصفة، ويعمل فيه معنى الإشارة، وجوّز أن يكون مفعولًا لـ ﴿مُصَدِّقٌ﴾، أي: يصدق ذا لسان عربي، وهو الرسول.
وقرئ: ﴿لِيُنذِرَ﴾ بالياء والتاء، و"لينذر": من: نذر ينذر: إذا حذر.
﴿وَبُشْرى﴾ في محل النصب، معطوف على محل ﴿لِيُنذِرَ﴾، لأنه مفعول له.
_________________
(١) ـ ومن ثم علل بشارة المحسنين بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾، ومن هنا تقف على جلالة محل العشرة المبشرة رضوان الله عليهم. قوله: ﴿لِّسَانًا عَرَبِيًا﴾ حال من ضمير الكتاب): قال الزجاج: "المعنى" مصدق لما بين يديه عربيًا، وذكر ﴿لِّسَانًا﴾ توكيدًا، كما تقول: جاءني زيد رجلًا صالحًا، أي: جاءني زيد صالحًا، و"رجلًا" توكيد"، وسمى أبو البقاء هذه الحال حالًا موطئة، وأما قوله: "أن ينتصب [حالًا] عن كتاب، ويعمل فيه معنى الإشارة"، ففيه خلاف، ذكرناه في أول البقرة. قال القاضي: "فائدتها الإشعار بالدلالة على أن كونه مصدقًا للتوارة، كما دل على أنه حق، دل على أنه وحي وتوقيف من الله ﷾". قوله: (وقرئ: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ بالياء والتاء): نافع وابن عامر والبزي- بخلاف عنه-: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء. ؟
[ ١٤ / ٢٨٥ ]
[﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ١٥ - ١٦]
قرئ: "حسنًا"، بضم الحاء وسكون السين، وبضمهما، وبفتحهما، و﴿إِحْسَانًا﴾، و﴿كُرْهًا﴾، بالفتح والضم، وهما لغتان في معنى المشقة، كالفقر والفقر، وانتصابه على الحال، أي: ذات كره، أو على أنه صفة للمصدر، أي: حملًا ذا كره.
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ﴾ ومدّة حمله وفصاله ﴿ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وهذا دليل على أن أقل الحمل ستة أشهر، لأن مدّة الرضاع إذا كانت حولين؛ لقوله ﷿: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، بقيت للحمل ستة أشهر. وقرئ: "وفصله"، والفصل والفصال: كالفطم والفطام، بناء ومعنى.
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: "حسنًا" بضم الحاء وسكون السين): الكوفيون: ﴿إحْسَانًا﴾، والباقون: "حسنًا"، والكوفيون وابن ذكوان: ﴿كُرْهًا﴾ بضم الكاف، والباقون: بفتحها. قال ابن جني: " (حسنًا) بالفتح، قراءة علي ﵁ والسلمي، يحتمل أن يكون مصدرًا كالمصادر التي اعتقب فيها الفعل، نحو: الشغل والبخل، وأن يكون صفةً لا مصدرًا، لكونه رسيل القبيح، أي: وصيناه بوالديه فعلًا حسنًا، وإن شئت نصبته بـ"وصينا"، لأنه بمعنى: ألزمناه الحسن في أبويه، وإن شئت قدرت: "ألزمناه"، ونصبت به لا بـ"وصينا" المذكور". ؟
[ ١٤ / ٢٨٦ ]
فإن قلت: المراد بيان مدّة الرضاع لا الفطام، فكيف عبر عنه بالفصال؟ قلت: لما كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه، لأنه ينتهي به ويتم، سمي فصالًا، كما سمى المدّة بالأمد من قال:
كل حي مستكمل مدّة العمر ومود إذا انتهى أمده
وفيه فائدة، وهي الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال ووقته.
_________________
(١) ـ قوله: (كما سمى المدة بالأمد): الراغب: "الأمد والأبد: يتقاربان، لكن الأبد: عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حد محدود، ولا يتقيد، ولا يقال: أبد كذا، والأمد: مدة لها حد مجهول إذا أطلق، وقد ينحصر، نحو أن يقال: أمد كذا، كما يقال: زمن كذا، والفرق بين الزمان والأمد: أن الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عام في المبدأ والغاية، ولذلك قيل: المدى والأمد يتقاربان". قوله: (كل حي مستكمل) البيت: "مود": أي هالك؛ من: أوى: إذا هلك، يقول: كل حي يستكمل مدة عمره، ويهلك إذا انتهى عمره. قوله: (وفيه فائدة): أي: فيه إشارة النص وإدماج معنى الفصل والفطام التام المنتهي بالفصال، ولو قيل: "وحمله وفطامه ثلاثون شهرًا" لم يكن نصًا في الرضاع التام المنتهي بالفصال، وفي كل عدول عن الظاهر إشارةً إلى دقيقة. ؟
[ ١٤ / ٢٨٧ ]
وقرئ: "حتى إذا استوى وبلغ أشدّه"، وبلوغ الأشد: أن يكتهل ويستوفى السنّ التي تستحكم فيها قوّته وعقله وتمييزه، وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين. وعن قتادة: ثلاث وثلاثون سنة، ووجهه: أن يكون ذلك أوّل الأشد، وغايته الأربعين. وقيل: لم يبعث نبيّ قط إلا بعد أربعين سنة.
والمراد بالنعمة التي استوزع الشكر عليها: نعمة التوحيد والإسلام، وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه، لأن النعمة عليهما نعمة عليه. وقيل في العمل المرضي: هو الصلوات الخمس.
_________________
(١) ـ قوله: (أناف على الثلاثين): الجوهري: "أناف: أشرف". قوله: (وناطح الأربعين): الأساس: "الناطح: هو المستقبل مما يزجر". قوله: (استوزع الشكر): الجوهري: "استوزعت الله شكره، فأوزعني، أي: استلهمته فألهمني". الراغب: "أوزعني: معناه: ألهمني، وتحقيقه: أولعني بذلك أو اجعلني بحيث أزع نفسي عن الكفران، يقال: وزعته عن كذا: كففته، وقيل: الوزوع: الولوع بالشيء، ورجل وزع". قوله: (وقيل في العمل المرضي: هو الصلوات الخمس): هو معطوف على مقدر، أي: يجوز أن يقال في قوله: ﴿وأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾: أنه يراد به الأعمال الصالحات مطلقًا، ويجوز أن يراد به الصلوات الخمس، والأول أوجه، لأنه علم من قوله تعالى: ﴿نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ الإسلام والتوحيد، كما نص عليه، ويعلم من هذا الأعمال الصالحات، فيعود المعنى إلى قوله: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ الإسلام والتوحيد، ﴿وأَنْ أَعْمَلَ﴾ الأعمال الصالحات، ويجوز أن يكون من عطف الخاص على العام، وفيه إشارة إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. ؟
[ ١٤ / ٢٨٨ ]
فإن قلت: ما معنى "فِي" في قوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾؟ قلت: معناه: أن يجعل ذرّيته موقعًا للصلاح ومظنة له، كأنه قال: هب لي الصلاح في ذرّيتي، وأوقعه فيهم. ونحوه:
يجرح في عراقيبها نصلي
﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من المخلصين، وقرئ: "يتقبل"، و"يتجاوز" بفتح الياء، والضمير فيهما لله ﷿، وقرئا بالنون.
_________________
(١) ـ قوله: (يجرح في عراقيبها نصلي): أوله: وإن تعتذر بالمحل عن ذي ضروعها إلى الضيف أي: يحدث الجرح في عراقيبها نصلي، المعنى: أن اعتذرت بقلة اللبن بسبب القحط إلى الضيف أعقرها؛ لتكون هي بدل اللبن، "ذي ضروعها": أي: لبنها، جعل المتعدي بمنزلة اللازم لإرادة الحقيقة، ثم عداه كما يعدى اللازم مبالغة. قال ابن الحاجب: "الآية من باب قوله: "فلان يعطي ويمنع"، مما استعمل فيه الفعل المتعدي محذوفًا مفعوله حذفًا غير مقصود، وهذا أبلغ في المدح من القصد إلى المفعول على طريقة خصوص وعموم، لما فيه من المبالغة، وجعل "الذرية" كأنها محل للصلاح". قوله: (وقرئ: "يتقبل" و"يتجاوز" بفتح الياء): شاذة، قال الزجاج: "وهي جائزة، ولا أعلم أحدًا قرأ بها"، وقرأ حفص وحمزة والكسائي: ﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ونَتَجَاوَزُ﴾ بالنون فيهما مفتوحة، ونصب ﴿أَحْسَنَ﴾، والباقون: بالياء مضمومةً فيهما، ورفع "أحسن". ؟
[ ١٤ / ٢٨٩ ]
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ﴾؟ قلت: هو نحو قولك: أكرمني الأمير في ناس من أصحابه، تريد: أكرمني في جملة من أكرم منهم، ونظمني في عدادهم، ومحله النصب على الحال، على معنى: كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم.
﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ مصدر مؤكد؛ لأن قوله: ﴿نَتَقَبَّلُ﴾ ﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾: وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز. وقيل: نزلت في أبي بكر ﵁، وفي أبيه أبي قحافة، وأمّه أم الخير، وفي أولاده، واستجابة دعائه فيهم. وقيل: لم يكن أحد من الصحابة، من المهاجرين منهم والأنصار، أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر.
[﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ * أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ ١٧ - ١٨]
﴿وَالَّذِي قالَ﴾ مبتدأ خبره: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾، والمراد بـ"الذي قال": الجنس القائل ذلك القول، ولذلك وقع الخبر مجموعًا.
_________________
(١) ـ قوله: (لأن قوله: ﴿نَتَقَبَّلُ﴾ ﴿ونَتَجَاوَزُ﴾: وعد من الله تعالى): الراغب: "التقبل: قبول الشيء على وجه يقتضي ثوابًا كالهدية ونحوها"، وقال الواحدي ومحيي السنة: "الأحسن: بمعنى: الحسن"، وقال القاضي: " ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ يعني: طاعاتهم، فإن المباح حسن ولا يثاب عليه". قوله: المراد بـ"الذي قال": الجنس القائل ذلك القول، ولذلك وقع الخبر مجموعًا): الانتصاف: "وفي الآية رد على من زعم أن المفرد الجنسي لا يعامل معاملة الجمع، لا في الصفة، ولا في، فلا يقال: الدينار الصفر خير من الدرهم البيض". ؟
[ ١٤ / ٢٩٠ ]
وعن الحسن: هو في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وعن قتادة: هو نعت عبد سوء عاق لوالديه فاجر لربه. وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، وقد دعاه أبوه أبو بكر وأمّه أمّ رومان إلى الإسلام، فأفف بهما، وقال: ابعثوا لي جدعان بن عمرو وعثمان بن عمرو، وهما من أجداده، حتى أسألهما عما يقول محمد.
ويشهدوا لبطلانه أن المراد بـ"الذي قال": جنس القائلين ذلك، وأنّ قوله: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: هم أصحاب النار، وعبد الرحمن كان من أفاضل المسلمين وسرواتهم، وعن عائشة ﵂ إنكار نزولها فيه، وحين كتب معاوية إلى مروان بأن يبايع الناس ليزيد، قال عبد الرحمن: لقد جئتم بها هرقلية، تبايعون لأبنائكم، فقال مروان: يا أيها الناس، هو الذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾، فسمعت عائشة، فغضبت، وقالت: والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فضض من لعنة الله.
_________________
(١) ـ قلت: يمكن أن يرد بهذا قول صاحب "المفتاح" حيث قال: "امتنع لوجوه كثيرة لا تخفى على متقني أنواع الأدب، أدناها: وجوب نحو: الرجل الطوال، والفرس الدهم، أو صحته لا أقل، على الاطراد، وكل ذلك على ما ترى فاسد". قوله: (وعن عائشة ﵂ إنكار نزولها فيه): عن البخاري عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فخطب، فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ شيئًا، فقال: فخذوه، فدخل بيت عائشة ﵂، فلم يقدروا عليه، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿والَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا﴾، فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب: "ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلا ما أنزل في سورة النور من براءتي". ؟
[ ١٤ / ٢٩١ ]
وقرئ: "أف": بالكسر والفتح بغير تنوين، وبالحركات الثلاث مع التنوين، وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر، كما إذا قال: حس، علم منه أنه متوجع. واللام للبيان، معناه: هذا التأفيف لكما خاصة، ولأجلكما دون غيركما.
وقرئ: ﴿أَتَعِدَانِّنِي﴾: بنونين، و"أتعداني" بأحدهما، و"أتعداني" بالإدغام،
_________________
(١) ـ النهاية: "قال عبد الرحمن: "أجئتم بها هرقليةً وقوقية! "، أراد: أن البيعة لأولاد الملوك سنة ملوك الروم والعجم، وهرقل: اسم ملك الروم"، "وقالت عائشة ﵂ لمروان: أن النبي ﷺ لعن أباك، وأنت فضض من لعنة الله"، أي: قطعة وطائفة منها". قوق: اسم ملك من ملوك الروم، قال في "الفائق": "هرقل: كان من ملوك الروم، وهو أول من ضرب الدنانير، وأول من أحدث البيعة، يريد: أن البيعة للأولاد من عادتهم. الفضض: فعل بمعنى: مفعول؛ من: فض: إذا كسر، أي: أنت طائفة من اللعنة فضضت منها، وروي: فضيض وفضض، والفضض: جمع فضيض، وهو الماء العريض، افتضضت الماء: أخذته ساعة يخرج، كورد جني، وصبي وليد، أي: قريبي العهد من الجني والولادة، أي: سلت من اللعنة حديث عهد بها". قوله: (وقرئ: "أف" بالكسر والفتح): نافع وحفص: ﴿أُفٍّ﴾ بالتنوين وكسر الفاء، وابن كثير وابن عامر: بفتح الفاء من غير تنوين، والباقون: بكسر الفاء من غير تنوين. قوله: (وقرئ: ﴿أَتَعِدَانِنِي﴾): هشام: "أتعدان" بنون واحدة مشددة، والباقون: بنونين مكسورتين، قال الزجاج: "ويجوز تعداني" بالإدغام، وإن شئت أظهرت النونين، وإن شئت ؟
[ ١٤ / ٢٩٢ ]
وقد قرأ بعضهم: "أتعدانني" بفتح النون، كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرتين والياء، ففتح الأولى تحريًا للتخفيف، كما تحراه من أدغم، ومن أطرح أحدهما، ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ أن أبعث وأخرج من الأرض، وقرئ: "أخرج".
﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ يعني: ولم يبعث منهم أحد، ﴿يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾ يقولان: الغياث بالله منك ومن قولك، وهو استعظام لقوله، ﴿وَيْلَكَ﴾ دعاء عليه بالثبور، والمراد به الحث والتحريض على الإيمان، لا حقيقة الهلاك.
﴿فِي أُمَمٍ﴾: نحو قوله: ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ﴾ [الأحقاف: ١٦]. وقرئ: "أن"، بالفتح، على معنى: آمن بأن وعد الله حق.
[﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ١٩]
﴿وَلِكُلٍّ﴾ من الجنسين المذكورين ﴿دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، ومن أجل ما عملوا منهما. فإن قلت: كيف قيل: ﴿دَرَجَاتٌ﴾، وقد جاء: "الجنة درجات، والنار دركات"؟ قلت: يجوز أن يقال ذلك على وجه التغليب؛ لاشتمال "كل" على الفريقين.
_________________
(١) ـ أسكنت الياء، وإن شئت فتحتها، ورويت عن بعضهم: "أتعدانني" بالفتح، وذلك لحن لا وجه له، فلا تقرأن به؛ لأن فتح نون الاثنين خطأ، وإن حكي في شذوذ، فلا تحمل القراءة على الشذوذ". قوله: (﴿وَيْلَكَ﴾ دعاء عليه بالثبور، والمراد به الحث): قالوا: الويل: بمعنى الهلاك، ودلالته على الحث على الفعل من حيث أن فيه إشعارًا بأن ما هو مرتكب له: حقيق بأن يهلك مرتكبه، وأن يطلب له الهلاك، فإذا سمع ذلك كان باعثًا على تركه. قوله: (على وجه التغليب؛ لاشتمال "كل" على الفريقين): جعل مصحح التغليب لفظ ؟
[ ١٤ / ٢٩٣ ]
_________________
(١) "كل"؛ لاشتماله على فريق المؤمنين الذين لهم الدرجات، وفريق الكافرين أصحاب الدركات، والمراد بالفريقين ما ذكرهما في قوله، والظاهر أن أحد الجنسين ما دل عليه قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣]، والآخر قوله: ﴿والَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ [الأحقاف: ١٧]، إذا ليس مما يقرب ذكره ويصلح لذلك غيرهما. وأما تقرير التغليب: فهو أنه تعالى لما ذكر الفريق الأول، ووصفهم بثبات في القول، واستقامة في الفعل، ورتب عليه جزاءهم، وأوقع قوله: ﴿ووَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إحْسَانًا﴾ [الأحقاف: ١٥] استطرادًا في البين، وعقب ذلك بذكر فريق الكافرين، ووصفهم بعقوق الوالدين، وبإنكارهم البعث، وجعل العقوق أصلًا في الاعتبار وكرر في القسم الأول الجزاء، وهو ذكر الجنة مرارًا ثلاثًا، وأفرد جزاء الكافر، وهو ذكر النار، وأخره بعد ذكر ما يجمعهما من قوله: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾، غلب "الدرجات" على "الدركات" لذلك. فيه: أن لا شيء أعظم من التوحيد والثبات عليه، ثم بر الوالدين والإحسان إليهما، ولا شيء أفحش من عقوق الوالدين وإنكار الحشر، وفي إيقاع إنكار الحشر مقابلًا لإثبات التوحيد؛ الدلالة على أن المنكر معطل مبطل لحكمة الله في إيجاد العالم. وهذا الترتيب الأفيق، والنظم الرصين: يوقفك على ضعف قول من قال: أن الآية في حق عبد الرحمن، روى محيي السنة عن الزجاج أنه قال: "قول من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن قبل إسلامه: يبطله قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ الآية، لأنه تعالى أعلم أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وعبد الرحمن من أفاضل المسلمين، فلا يكون ممن حقت عليه كلمة العذاب". ؟
[ ١٤ / ٢٩٤ ]
﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾ -وقرئ: بالنون- تعليل معلله محذوف لدلالة الكلام عليه، كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم، فجعل الثواب درجات، والعقاب دركات.
[﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ٢٠]
ناصب الظرف هو القول المضمر قبل ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾، وعرضهم على النار: تعذيبهم بها؛ من قولهم: عرض بنو فلان على السيف؛ إذا قتلوا به، ومنه قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [غافر: ٤٦]، ويجوز أن يراد: عرض النار عليهم؛ من قولهم: عرضت الناقة على الحوض، يريدون: عرض الحوض عليها، فقلبوا. ويدل عليه تفسير ابن عباس: يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿ولِيُوَفِّيَهُمْ﴾ وقرئ بالنون): ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وهشام: بالياء، والباقون: بالنون. قوله: (ويجوز أن يراد: عرض النار عليهم؛ من قولهم: عرضت الناقة على الحوض، يريدون: عرض الحوض عليها): الانتصاف: "إن كان "عرضت الناقة على الحوض" مقلوبًا، فعرض الذين كفروا على النار ليس مقلوبًا؛ لأن الحوض جماد لا إدراك له، والناقة هي المدركة، وأما النار فقد ورد أنها مدركة إدراك أولي العلم، فهو كقولك: عرضت الأسرى على الأمير". وقلت: عرضت الناقة على الحوض: من القلب المقبول الذي نزل فيه الحوض منزلة المدرك، أنشد المصنف رحمه الله تعالى: إذا ما استحين الماء يعرض نفسه كرعن بسبت في إناء من الورد ؟
[ ١٤ / ٢٩٥ ]
﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾ أي: ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم، وقد ذهبتم به وأخذتموه، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها. وعن عمر ﵁: "لو شئت لدعوت بصلائق وصناب وكراكر وأسنمة،
_________________
(١) ـ وقال أبو العلاء: إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت عن الماء فاشتاقت إليها المناهل ألا ترى كيف أتبع- الأول_ عرض الماء نفسه قوله: "إناء من الورد"، والثاني: صرح بالاشتياق لما في ورودها المناهل ترتيبها بجمالها، بخلافها إذا تركت غير واردة، كذلك هؤلاء الكفار بلغ عنادهم وتصميمهم إلى أن جهنم تستعرض قربانهم، كما قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. قوله: (بصلائق وصناب): ويروى: "بصلاء وصناب)، الصلاء؛ من صلاه: كالشواء؛ من شواه، النهاية: "في حديث عمر ﵁: "أما- والله- ما أجهل عن كراكر وأسنمة، ولو شئت لدعوت بصلاف وصناب وصلائق": الصلف: هو الغلو في الظرف، والزيادة على المقدار، مع تكبر. والصلائق: الرقاق، واحدتها: صليقة، وقيل: هي الحملان المشوية؛ والصلائق: الرقاق، واحدتها: صليقة، وقيل: هي الحملان المشوية؛ ؟
[ ١٤ / ٢٩٦ ]
ولكني رأيت الله تعالى نعى على قوم طيباتهم، فقال: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا"، وعنه: "لو شئت لكنت أطيبكم طعامًا، وأحسنكم لباسًا، ولكني أستبقي طيباتي".
وعن رسول الله ﷺ: "أنه دخل على أهل الصفة، وهم يرقعون ثيابهم بالأدم، ما يجدون لها رقاعًا، فقال: أأنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى، ويغدى عليه بجفنة، ويراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تستر الكعبة؟ قالوا: نحن يومئذ خير، قال: بل أنتم اليوم خير".
وقرئ: "أأذهبتم" بهمزة الاستفهام، و"آأذهبتم" بألف بين همزتين.
_________________
(١) ـ من: صلقت الشاة: إذا شويتها، ويروى بالسين، وهو ما سلق من البقول وغيرهم، والصناب: الخردل المعموم بالزيت، وهو صباغ يؤتدم به، والكركرة- بالكسر- زور البعير الذي إذا برك أصاب الأرض، وجمعها: كراكر، يريد: إحضارهم للأكل؛ لأنها من أطايب ما يؤكل من الإبل". قوله: (بل أنتم اليوم خير): أي: حالتكم اليوم أنفع لكم في الدين، مما إذا فتح عليكم البلاد، واستغنيتم، روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل" عن معاوية: أنه دخل على خاله أبي هاشم بن عتبة يعوده، فبكى أبو هاشم، فقال: ما يبكيك يا خال، أوجعًا يشئزك أم حرصًا على الدنيا؟ فقال: فكلا لا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا وقال: "لعلك تدرك أموالًا يؤتاها أقوام، وإنما يكفيك من جميع المال خادم ومركب في سبيل الله"، وإني أراني قد جمعت. وفي "صحيح البخاري" عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: "أتي عبد الرحمن ابن عوف بطعام، وكان صائمًا"، فساق الحديث إلى قوله: "قد بسط للناس من الدنيا ما بسط، ولقد خشيت أن عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام". قوله: (وقرئ: "أأذهبتم" بهمزة الاستفهام): ابن ذكوان: "أأذهبتم" بهمزتين محققتين من غير مد، وابن كثير وهشام أطول مدًا على أصله، والباقون: بهمزة واحدة من غير مد على الخبر. ؟
[ ١٤ / ٢٩٧ ]
﴿الهُونِ﴾: الهوان، وقرئ: "عذاب الهوان"، وقرئ: ﴿تَفْسُقُونَ﴾ بضم السين وكسرها.
[﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٢١]
الأحقاف: جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء، من: احقوقف الشيء: إذا اعوج، وكانت عاد أصحاب عمد، يسكنون بين رمال، مشرفين على البحر، بأرض يقال لها: الشحر، من بلاد اليمن. وقيل: بين عمان ومهرة.
و﴿النُّذُرُ﴾ جمع نذير، بمعنى: المنذر أو الإنذار، ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ من قبله ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ ومن بعده. وقرئ: "من بين يديه ومن بعده"، والمعنى: أنّ هودًا ﵇ قد أنذرهم، فقال لهم: لا تعبدوا إلا الله، إني أخاف عليكم العذاب. وأعلمهم أنّ الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره.
وعن ابن عباس ﵁: يعني الرسل الذين بعثوا قبله والذين بعثوا في زمانه. ومعنى ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ على هذا التفسير: ومن بعد إنذاره. هذا إذا علقت ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ بقوله: ﴿أَنذَرَ قَوْمَهُ﴾،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: ﴿تَفْسُقُونَ﴾ بضم السين وكسرها): الضم: السبعة، والكسر: شاذ. قوله: (هذا إذا علقت ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ بقوله: ﴿أَنذَرَ قَوْمَهُ﴾): يعني: يحتمل أن يكون ﴿وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ حالًا، وأن يكون معترضةً بين المفسر والمفسر، قال القاضي: "أي: لا تعبدوا، فإن النهي عن الشيء إنذار عن مضرته، فعلى أن يكون حالًا ينبغي أن يقدر للقوم العلم بمقتضى الحال؛ ليدخل تحت الإنذار ويفيد الاعتبار، إما بتعليم هود إياهم قطعًا؛ إذا أريد ب" من خلفه": الذين سيبعثون بعده، أو أنهم شاهدوا ذلك وعلموا؛ إذا أريد بهم الذين بعثوا في زمانه وأنذروا بعده، ويجوز أن يحصل لهم العلم بذلك بالتعليم، وقريب منه قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨]، أي: أتكفرون والحال أنكم عالمون بهذه القصة؟ ! ؟
[ ١٤ / ٢٩٨ ]
ولك أن تجعل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ اعتراضًا بين ﴿أَنذَرَ قَوْمَهُ﴾ وبين ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾، ويكون المعنى: واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم، وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك، فاذكرهم.
[﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَافِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَاتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٢٢]
الإفك: الصرف، يقال: أفكه عن رأيه، ﴿عَنْ آلِهَتِنا﴾ عن عبادتها، ﴿بِما تَعِدُنا﴾ من معاجلة العذاب على الشرك، ﴿إِنْ كُنْتَ﴾ صادقًا في وعدك.
[﴿قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ٢٣]
فإن قلت: من أين طابق قوله: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾
_________________
(١) ـ والحال يجوز أن يكون من فاعل ﴿أَنذَرَ﴾، أي: أنذر قومه معلمًا إنذار الرسل قبله وبعده، أو من مفعوله، أي: أنذرهم وهم عالمون بإنذار سائر الرسل؛ إما بالمشاهدة أو بتعليمه إياهم. وعلى أن تكون معترضة: المعنى: اذكر- يا محمد- إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب الأليم، واذكر أيضًا أنه قد أنذر من تقدمه من الرسل، ومن تأخر عنه مثل ذلك الإنذار، وإليه الإشارة بقوله: "فاذكرهم"، وإنما كرر "اذكر" لأن كلًا من المعترض والمعترض فيه مستقلان في القصد، بخلاف الحال. وأما قوله: "ومعنى: ﴿ومِنْ خَلْفِهِ﴾ على هذا التفسير": فإشارة إلى تفسير ابن عباس؛ لأن ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ إذا فسر بالذين بعثوا في زمانه: يصح أن يقع إنذار بعضهم بعد إنذاره، وقوله تعالى: ﴿وقَدْ خَلَتِ﴾ - على الوجه الأول- جاء بلفظ الماضي، والمراد: الذين سيبعثون، على سنن الإخبار عن المستقبل بالماضي تحقيقًا له. قوله: (من أين طابق): تحرير السؤال والجواب: كأنهم قالوا: أجئتنا لتصرفنا عن ألهتنا بما تعدنا من نزول العذاب، فمتى هذا الوعد؟ فأتنا بالموعود أن كنت صادقًا. فأجيبوا: إنما العلم عند الله لا يأتيه لوقته إلا هو، فكيف آتيكم به- كما قال-؟ ؟
[ ١٤ / ٢٩٩ ]
جوابًا لقولهم: ﴿فَاتِنا بِما تَعِدُنا﴾؟ قلت: من حيث إنّ قولهم هذا استعجال منهم بالعذاب، ألا ترى إلى قوله: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٢٤]، فقال لهم: لا علم عندي بالوقت الذي يكون فيه تعذيبكم حكمة وصوابًا، إنما علم ذلك عند الله، فكيف أدعوه بأن يأتيكم بعذابه في وقت عاجل تقترحونه أنتم؟
ومعنى: ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ -وقرئ بالتخفيف- أن الذي هو شأني وشرطي أن أبلغكم ما أرسلت به من الإنذار والتخويف والصرف عما يعرّضكم لسخط الله بجهدي، ولكنكم جاهلون لا تعلمون أنّ الرسل لم يبعثوا إلا منذرين، لا مقترحين، ولا سائلين غير ما أذن لهم فيه.
[﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٢٤ - ٢٥]
_________________
(١) ـ قوله: (حكمةً وصوابًا): مفعول له، أي: ما أعلمني الله ذلك إلا لحكمة يعلمها الله، ومصالح لا أعلمها. قوله: (وقرئ بالتخفيف): أي: "أبلغكم"، بالتخفيف: أبو عمرو، والباقون: بالتشديد. قوله: (أن الذي هو شأني وشرطي): خبر، والمبتدأ هو: "معنى"، وقوله: "قرئ بالتخفيف" اعتراض، وقوله: "لا مقترحين ولا سائلين" بعد قوله: "لم يبعثوا إلا منذرين": نحو: ما زيد إلا قائم لا قاعد، وقد منعه صاحب "المفتاح"، وفيه إيذان بأن قوله: ﴿إنَّمَا العِلْمُ عِندَ اللَّهِ وأُبَلِّغُكُم﴾ جواب عن قوله: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَافِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَاتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾، وخلاصته: أن إتيان العذاب ليس إلي، وأن الذي علي وأنا مأمور به: تبليغ ما أرسلت به. ؟
[ ١٤ / ٣٠٠ ]
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ في الضمير وجهان: أن يرجع إلى ﴿مَا تَعِدُنَا﴾، وأن يكون مبهمًا قد وضح أمره بقوله: ﴿عَارِضًا﴾ إما تمييزًا وإما حالًا، وهذا الوجه أعرب وأفصح، والعارض: السحاب الذي يعرض في أفق السماء، ومثله: الحبي والعنان؛ من حبا وعنّ: إذا عرض. وإضافة "مستقبل" و"ممطر" مجازية غير معرفة، بدليل وقوعهما -وهما مضافان إلى معرفتين- وصفًا للنكرة.
﴿بَلْ هُوَ﴾ قول قبله مضمر، والقائل: هود ﵇، والدليل عليه قراءة من قرأ: "قال هود: بل هو"، وقرئ: "قل: بل ما استعجلتم به هي ريح"، أي: قال الله: قل.
_________________
(١) ـ قوله: (أعرب وأفصح): لما فيه من البيان بعد الإبهام، والإيضاح غب التعمية. قوله: (الحبي): الجوهري: "الحبي: السحاب الذي يعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء". قوله: (والقائل: هود، والدليل عليه): هذا يشعر بأن في خلافًا، قال محيي السنة: "يقول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ﴾ ". وقلت: يؤيد هذا القول التعقيب في قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾، لأنه ليس ثمة قول، بل هو عبارة عن سرعة استئصالهم وحصول دمارهم من غير ريب، وكذلك ذكر " الأمر"، كما قال: "وذكر" الأمر"، وكونها مأمورةً من جهته عز وعلا يعضد ذلك ويقويه". ونحو هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]، قال: "معناه: فأماتهم الله، وإنما جيء بهذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته". ؟
[ ١٤ / ٣٠١ ]
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير، فعبر عن الكثرة بالكلية، وقرئ: "يدمر كل شيء"، من: دمر دمارًا: إذا هلك. ﴿لَا تَرَى﴾ الخطاب للرائي من كان، وقرئ: ﴿لَا يُرَى﴾، على البناء للمفعول بالياء والتاء، وتأويل القراءة بالتاء -وهي عن الحسن-: لا ترى بقايا ولا أشياء منهم إلا مساكنهم. ومنه بيت ذي الرمّة:
وما بقيت إلّا الضلوع الجراشع
_________________
(١) ـ وعلى تقدير المصنف: الفاء فصيحة، أي: قال لهم هود ذلك ثم أدركتهم الريح، فأبادتهم، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. ولا ارتياب في أن ذلك القول أبلغ وأجرى على قوانين البلاغة، وأنسب للفصاحة التنزيلية. قوله: (وقرئ: ﴿لا يُرَى﴾ على البناء للمفعول): عاصم وحمزة: ﴿إلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ بالرفع، والباقون: بالتاء المفتوحة وبالنصب، قال: القراءة بالياء أقوى؛ لأنه لا يقال: ما جاءتني إلا امرأة، لكن: ما جاءني إلا امرأة، أي: شيء إلا امرأة، والأصل: ﴿لا يُرَى﴾ بالتذكير؛ لأن المعنى: شيء من الأشياء، وإنما أنث نظرًا إلى لفظ " مساكنهم". قوله: (وما بقيت): أوله- من رواية ابن جني لذي الرمة-: برى النحز والأجرال ما في غروضها فما بقيت إلا الصدور الجراشع ؟
[ ١٤ / ٣٠٢ ]
وليست بالقوية. وقرئ: "لا ترى إلا مسكنهم"، و"لا يرى إلا مسكنهم".
وروي: أنّ الريح كانت تحمل الفسطاط والظعينة، فترفعها في الجوّ حتى ترى كأنها جرادة. وقيل: أوّل من أبصر العذاب امرأة منهم، قالت: رأيت ريحًا فيها كشهب النار. وروي: أوّل ما عرفوا به أنه عذاب: أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمال الله عليهم الأحقاف، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين، ثم كشفت الريح عنهم، فاحتملتهم، فطرحتهم في البحر.
وروي: أنّ هودًا لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطًا إلى جنب عين تنبع. وعن ابن عباس: اعتزل هود ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما يلين على الجلود، وتلذه الأنفس، وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة.
وعن النبي ﷺ: أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به،
_________________
(١) ـ الراكب ينحز بواسطة الرحل: أي: يدق، والجرل- بالتحريك-: الحجارة، وأرض حركة: أي: ذات جراول، والجمع: الأجرال، والغرض: غرض الدابة، وهو للرحل بمنزلة الحزام للسرج، والبطان للقتب، يقال: غرضت البعير: مددت عليه الغرض، والجراشع: جمع الجرشع، وهو من الإبل العظيم الصدر المنتفخ الجنبين، يصف النون يقول: هزلها الاستحثاث والأعمال فما بقيت إلا الصدور المنتفخة. قوله: (اللهم إني أسألك خيرها) الحديث: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة ﵂ مع اختلاف يسير. ؟
[ ١٤ / ٣٠٣ ]
وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به، وإذا رأى مخيلة: قام وقعد، وجاء وذهب، وتغير لونه، فيقال له: يا رسول الله، ما تخاف؟ فيقول: إني أخاف أن يكون مثل قوم عاد حيث قالوا: «هذا عارض ممطرنا».
فإن قلت: ما فائدة إضافة "الرب" إلى الريح؟ قلت: الدلالة على أن الريح وتصريف أعنتها مما يشهد لعظم قدرته، لأنها من أعاجيب خلقه وأكابر جنوده، وذكر الأمر وكونها مأمورة من جهته عز وعلا يعضد ذلك ويقوّيه.
[﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ ٢٦]
﴿إِنْ﴾ نافية، أي: فيما ما مكناكم فيه، إلا أنّ "إِنْ" أحسن في اللفظ؛ لما فيه مجامعة "ما" مثلها من التكرير المستبشع، ومثله مجتنب، ألا ترى أن الأصل في «مهما»: ماما، فلبشاعة التكرير قلبوا الألف هاء.
_________________
(١) ـ النهاية: "المخيلة: موضع الخال، وهو الظن، كالمظنة، وهي السحابة الخليقة بالمطر، ويجوز أن تكون مسماةً بالمخيلة التي هي مصدر، كالمحبسة من الحبس". قوله: (يعضد ذلك): أي: لعظم قدرته، فإن في إضافة "الرب" إلى "الريح" في قوله " ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ دلالةً على عظم شأنها، وأنها من جنود الله، ومما يستقيم أن ينسب إلى الرب ﷾، ثم دل ذلك على عظمة بارئها، وأن مثل هذا الشيء العظيم مملوك له، منقاد لتصرفه، ثم أكد هذا المعنى باقتران الأمر معه، تتميمًا لتعظيم من أضيف إليها، لأن المراد بالأمر: واحد الأوامر، فيكون استعارةً مكنية، شبهت- لكونها منقادةً لتكوين الله فيها ما يشاء، وأنها غير ممتنعة على الله- بالعقلاء المميزين، فلا يتوقفون لامتثال أوامره. ؟
[ ١٤ / ٣٠٤ ]
ولقد أغث أبو الطيب في قوله:
لعمرك ماما بان منك لضارب
وما ضره لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل، فقال: لعمرك ما إن بان منك لضارب.
_________________
(١) ـ قوله: (ولقد أغث أبو الطيب): الأساس: "أغث فلان في كلامه: إذا تكلم بما لا خير فيه، وفلان لا يغث عليه شيء: لا يمتنع". قوله: "لعمرك ما ما بان): وفي رواية: يرى أن ما ما بان منه لضارب بأقتل مما بان منه لعائب "ما" الأولى: ناقية، والثانية: موصولة، وهي اسم "ما"، و"بأقتل" في موضع الخبر، واسم "أن": ضمير الشأن، يقول: إنه يرى العيب أشد من القتل، قال الواحدي: "معناه: أنه ما الذي بان منك لضارب بأقتل من الذي بان منك لعائب". وقال صاحب "المثل السائر": "أخذه أبو الطيب من أبي تمام حيث قال: فتىً لا يرى أن الفريضة مقتل ولكن يرى أن العيوب مقاتل وسرقه". ؟
[ ١٤ / ٣٠٥ ]
وقد جعلت إن صلة، مثلها فيما أنشده الأخفش:
يرجّي المرء ما إن لا يراه وتعرض دون أدناه الخطوب
وتؤوّل بـ: أنا مكناهم في مثل ما مكناكم فيه. والوجه هو الأوّل،
_________________
(١) ـ قوله: (لعمرك ما أن بان): وفي بعض النسخ: "إن ما بان"، ولا يجوز الوجهان؛ لأن "ما" إذا قدمت كانت موصولةً مبتدأ، ولا تستقيم الباء في خبره، وإذا أخرت تقع الباء في خبر "إن" النافية، ولا يجوز أيضًا، لأن الباء لا تستقيم إلا في خبر "ليس"، أو "ما" بمعنى "ليس"، أو "هل". قوله: (يرجي المرء ما أن لا يراه) البيت: قيل: هو مأخوذ من قوله: "تؤملون ما لا تدركون"، وقريب من معناه قول الآخر: المرء قد يرجو الرجا ء مؤملًا والموت دونه قوله: (والوجه هو الأول): لأن المعنى الثاني يؤدي إلى أن يقال: مكناهم في مثل ما مكناكم فيه، فيلزم تفصيل تمكين هؤلاء على أولئك، لأن المشبه به أقوى في الوجه غالبًا، وعلى الأول: معناه: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه، والذي سيق له الكلام أن كفار مكة دون أولئك الكفار في التمكين في الأرض، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦]، والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادًا وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام، السعة في الأموال، والاستظهار بأسباب الدنيا. ؟
[ ١٤ / ٣٠٦ ]
ولقد جاء عليه غير آية في القرآن؛ ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا﴾ [مريم: ٧٤]، ﴿كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا﴾ [غافر: ٨٢]، وهو أبلغ في التوبيخ، وأدخل في الحث على الاعتبار.
﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: من شيء من الإغناء، وهو القليل منه. فإن قلت: بم انتصب ﴿إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ﴾؟ قلت: بقوله: ﴿فَما أَغْنى﴾. فإن قلت: لم جرى مجرى التعليل؟ قلت: لاستواء مؤدى التعليل والظرف في قولك: ضربته لإساءته، وضربته إذا أساء؛ لأنك إذا ضربته في وقت إساءته، فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه، إلا أن "إذ" و"حيث"، غلبتا دون سائر الظروف في ذلك.
[﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢٧]
﴿ما حَوْلَكُمْ﴾ يا أهل مكة، ﴿مِنَ الْقُرى﴾ من نحو حجر ثمود وقرية سدوم وغيرهما. والمراد: أهل القرى. ولذلك قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
[﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٢٨]
القربان: ما تقرب به إلى الله تعالى، أي: اتخذوهم شفعاء متقربًا بهم إلى الله، حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وأحد مفعولي "اتخذ": الراجع إلى ﴿الَّذِينَ﴾ المحذوف، والثاني: ﴿آلِهَةً﴾. و﴿قُرْبَانًا﴾: حال، ولا يصح أن يكون ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولًا ثانيًا، و﴿آلِهَةً﴾ بدلًا منه؛ لفساد المعنى. وقرئ "قربانًا" بضم الراء، والمعنى: فهلا منعهم من الهلاك آلهتهم.
_________________
(١) ـ قوله: (ولا يصح أن يكون ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولًا ثانيًا، و﴿آلِهَةً﴾ بدلًا منه، لفساد المعنى): قيل: لأن الآلهة لا تتخذ قربانًا، وإنما يتقرب إليها، وقال بعضهم: لا يصح أن يقال: تقربوا بها من دون الله، لأن الآلهة لا يتقرب بها، لأنك إذا جعلت ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولًا ثانيًا لـ"اتخذ"، فكأنك قلت: اتخذوهم- أي: الأصنام- قربانًا وآلهة، والإله لا يتخذ قربانًا، فيفسد المعنى. قال الفاضل نور الدين الحكيم الأبرقوهي: يفسد المعنى؛ لأنه لا يستقيم أن يقال: كان من حق الله أن يتخذ فربانًا، وهو اتخذوا الأصنام من دونه قربانًا، كما استقام أن يقال: كان من حق الله؟
[ ١٤ / ٣٠٧ ]
_________________
(١) أن يتخذ إلهًا، وهم اتخذوا الأصنام من دونه آلهة. هذا تقرير كلامه، وهو سديد، إلا أن لقائل أن يقول: أن المصنف ذكر في "البقرة" في قوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]: " أي: بين يدي الله، على قول، وعلى ذلك يستقيم أن يقال: اتخذوا الأصنام متقربًا بها بين يدي الله، وأيضًا قد قيل: إن ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعول له، وعلى ذلك فهو غير مخصوص بما يتقرب به، فيسوغ أن يجري بمعنى المتقرب إليه، وحينئذ يستد أن يقال: إنه مفعول ثان أيضًا. هذا كلامه. وقال مكي وأبو البقاء: "إنه مفعول ثان". وقال صاحب "الكشف": " ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعول ثان قدم على الأول، أي: آلهةً ذات قربة". وقال صاحب "التقريب": وغاية تقريره: أن اتخاذ الله قربانًا وشفعاء جهة معتبرة في النصرة، ولو جعل مبدلًا منه لكان في حكم الطرح، وخرج عن الاعتبار، وفيه نظر. الانتصاب: "لا يصح أن يكون ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولًا ثانيًا، و﴿آلِهَةً﴾ حالًا؛ لأنه يصير بمعنى الذم إلى ترك اتخاذ الله متقربًا به، لأنك إذا قلت لعبدك: اتخذت فلانًا سيدًا دوني! لمته على نسبة السيادة لغيره، والله تعالى لا يتقرب به، ولكن يتقرب إليه". وقلت: المصنف لم يرد بـ" فساد المعنى" إلا خلاف المعنى المقصود؛ إذ لم يكن قصدهم في اتخاذهم الأصنام آلهةً على زعمهم إلا أن يتقربوا بها إلى الله تعالى، ألا ترى كيف صرح وكيف جيء بأداة الحصر في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣﴾، لاسيما في هذا المقام، لأن الذي سيق له الكلام، وجعل أصلًا في ؟
[ ١٤ / ٣٠٨ ]
﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أي: غابوا عن نصرتهم، ﴿وَذلِكَ﴾ إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم لهم وضلالهم عنهم، أي: وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة، وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب من كونه ذا شركاء.
وقرئ: "أفكهم": والإفك والأفك: كالحِذر والحَذر. وقرئ: "وذلك أفكهم"، أي: وذلك الاتخاذ الذي هذا أثره وثمرته صرفهم عن الحق. وقرئ: "أفَّكهم" على التشديد للمبالغة، و"آفكهم" جعلهم آفكين، و"آفكهم"، أي: قولهم الآفك ذو الإفك، كما تقول: قول كاذب، و"ذلك إفك مما كانوا يفترون"، أي: بعض ما كانوا يفترون من الإفك.
_________________
(١) ـ الاعتبار: هو التقريع والتوبيخ على عدم الشفاعة والنصرة التي جعلوها وسيلةً إليها وغرضًا في اتخاذهم آلهةً معبودة، حيث أولي كلمة التخضيض لفظ النصرة، ولو جعل مبدلًا لانعكس، سواء جعل في حكم الساقط أو توطئةً وتمهيدًا للبدل، لأن التوطئة غير مقصودة بالذات، وبه لوح في قوله: "أي: اتخذوهم شفعاء متقربًا بهم إلى الله، حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا". ولو حمل على المفعول له صح أيضًا، وأفاد المقصود. وقول من قال: إن ﴿قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ مفعولان: أشد فسادًا؛ لما يؤدي إلى صيرورة الناصر والمنصور- في قوله: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ - واحدًا، لأن الضمير في ﴿اتَّخَذُوا﴾ حينئذ راجع إلى الموصول. والمعنى الصحيح- كما ذهب إليه المصنف-: هلا نصر هؤلاء الكفار الذين اتخذوهم آلهة من دون الله متقربًا بهم إلى الله. قوله: (وقرئ: "وذلك أفكهم"): وقال مكي: "وهو فعل ماض، و"ما" في موضع رفع أيضًا؛ عطف على ذلك، وقيل: على المضمر المرفوع في "أفكهم"، وحسن ذلك للتفرقة بالمضمر المنصوب بينهما، فقام مقام التأكيد". قوله: (و"ذلك إفك مما كانوا يفترون"): أي: وقرئ: "إفك"، ومعنى هذه القراءة راجع إلى الأولى، لأن عطف ﴿ومَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ على ﴿إفْكُهُمْ﴾ من باب عطف العام على الخاص، ؟
[ ١٤ / ٣٠٩ ]
[﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢٩ - ٣٢]
﴿صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا﴾ أملناهم إليك، وأقبلنا بهم نحوك. وقرئ: "صرفنا" بالتشديد، لأنهم جماعة. والنفر: دون العشرة، ويجمع: أنفارًا. وفي حديث أبي ذر ﵁: "لو كان ها هنا أحد من أنفارنا". ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ الضمير للقرآن، أي: فلما كان بمسمع منهم، أو لرسول الله ﷺ، وتعضده قراءة من قرأ "فَلَمَّا قضى"، أي: أتمّ قراءته وفرع منها، ﴿قَالُوا﴾ قال بعضهم لبعض: ﴿أَنْصِتُوا﴾ اسكتوا مستمعين، يقال: أنصت لكذا، واستنصت له.
_________________
(١) ـ يعني: قولهم: هؤلاء شفعاؤنا، أو اتخذناهم آلهةً نتقرب بها إلى الله: إفك وبعض ما كانوا يفترون؛ قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣]. قوله: (وفي حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا): وحديثه على ما ذكر في "الفائق": "قال أبو ذر: قال أخي أنيس: أن لي حاجةً بمكة، فانطلق، فراث، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلًا على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت: ما يقول الناس؟ قال: يقولون: ساحر شاعر كاهن، وكان أنيس أحد الشعراء، فقال: والله لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلا يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون، فقلت: اكفني حتى أنظر، قال: نعم، وكن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا. ؟
[ ١٤ / ٣١٠ ]
_________________
(١) فانطلقت، فتضعفت رجلًا من أهل مكة، فقلت: أين هذا الذي تزعمونه الصابئ؟ فأشار إلي وقال: الصابئ الصابئ، فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم وحجر، فخررت مغشيًا علي، فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر، فأتيت زمزم، فغسلت عني الدم، وشربت من مائها، ثم دخلت بين الكعبة وأستارها، فلبثت بها ثلاثين، ما بين يوم وليلة، وما لي بها طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع. فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان، قد ضرب الله على أصمختهم، فما يطوف بالبيت غير امرأتين، فأتتا علي وهما تدعوان إسافًا ونائلًا، فقلت: أنكحوا إحداهما الأخرى، فما ثناهما ذلك، فقلت، وذكرت كلامًا فاحشًا لم يكن عنه، فانطلقتا وهما تقولان: لو كان ها هنا أحد من أنفارنا، فاستقبلها رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ بالليل، وهما هابطان من الجبل، فقال رسول الله ﷺ: ما لكما؟ قالتا: صابئ بين الكعبة وأستارها، قال: فما قال لكما: فقالتا: كلمةً تملأ الفم. ثم ذكر خروجه إلى رسول الله ﷺ، وتسليمه عليه، وأنه أول من حياه بتحيةً الإسلام، وقال: فذهبت لأقبل بين عينيه، فقدعني عنه صاحبه. قوله: الريث: الإبطاء، ورجل ريث، وعن الفراء: رجل مريث العينين: إذا كان بطيء النظر. أقراء الشعر: أنحاؤه وأنواعه، جمع قرو، ويقال للبيتين أو القصيدتين: هما على قرو واحد، وقري واحد. وشنف وشنئ: أخوان، ولكن شنف لا يتعدى إلا باللام. تجهمه: كلح في وجهه وغلظ له في القول، تضعفته: استضعفته، النصب والنصب: حجر كانوا ينصبونه فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح. يقال: وجدت سخفةً من جوع، وهي الخفة تعتري الإنسان إذا جاع، من السخف، وهي الخفة في العقل. يقال: ليلة ضحياء وإضحيان وإضحيانة، وهي المقمرة من أولها إلى آخرها، وإفعلان: مما قل في كلامهم. ؟
[ ١٤ / ٣١١ ]
روي: أنّ الجنّ كانت تسترق السمع، فلما حرست السماء، ورجموا بالشهب، قالوا: ما هذا إلا لنبإ حدث، فنهض سبعة نفر أو تسعة من أشراف جنّ نصيبين- أو نينوى-، منهم زوبعة، فضربوا، حتى بلغوا تهامة، ثم اندفعوا إلى وادي نخلة، فوافقوا رسول الله ﷺ، وهو قائم في جوف الليل يصلى -أو في صلاة الفجر-، فاستمعوا لقراءته، وذلك عند منصرفه من الطائف، حين خرج إليهم يستنصرهم، فلم يجيبوه إلى طلبته، وأغروا به سفهاء ثقيف. وعن سعيد بن جبير ﵁: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، وإنما كان يتلو في صلاته، فمروا به، فوقفوا مستمعين وهو لا يشعر، فأنبأه الله باستماعهم.
_________________
(١) ـ وقيل: أن إسافًا كان رجلًا، ونائلة امرأة، فدخلا البيت، فوجدا خلوة، ففجرا، فمسخهما الله حجرين. الأنفار: جمع نفر، وهم الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العسرة، والنفرة: مثله، وهو من النفير، لأن الرجال هم الذين إذا حزبهم أمر نفروا لكفايته، القدع والردع: أخوان". كلها في"الفائق". وذكر ابن عبد البر في"الاستيعاب" حديث إسلام أبي ذر بغير هذا الوجه، والله أعلم. قوله: (زوبعة): النهاية: "التزبع: التغير وسوء الخلق وقلة الاستقامة، كأنه من الزوبعة؛ الريح المعروفة". قوله: (وعن سعيد بن جبير: ما قرأ رسول الله ﷺ [على الجن] ولا رآهم): هذا يخالف ما روينا عن مسلم والترمذي وأبي داود عن علقمة، قلت لابن مسعود: هل صخب النبي ﷺ ليلة الجن منكم أحد، قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك وطلبناك فلم نجدك، ؟
[ ١٤ / ٣١٢ ]
وقيل: بل أمر الله رسوله أن ينذر الجنّ، ويقرأ عليهم، فصرف إليه نفرًا منهم، جمعهم له، فقال: "إني أمرت أن أقرأ على الجنّ الليلة، فمن يتبعني؟ " قالها ثلاثًا، فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لم يحضره ليلة الجنّ أحد غيري،
_________________
(١) ـ فبتنا بشر بات بها قوم، قال: أتاني داعي الحن، فذهبت معه، وقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم"، الحديث. وفي رواية لمسلم: أن ابن مسعود قال: "لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ، ووددت أني كنت معه". قوله: (إلا عبد الله بن مسعود، قال: لم يحضره ليلة الجن أحد غيري) الحديث: من رواية الإمام أحمد بن حنبل عن ابن مسعود: "قمت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، وأخذت إداوة، ولا أحسبها إلا ماء، حتى إذا كنا بأعلى مكة رأيت أسودةً مجتمعة، قال: فخط لي رسول الله ﷺ [خطأ]، ثم قال: قم هاهنا حتى آتيك، ومضى رسول الله ﷺ إليهم، فرأيتهم يتثورون إليه، فسمر معهم ليلًا طويلًا، حتى جاءني مع الفجر، وقال لي: هل معك من وضوء؟ قلت: نعم، ففتحت الإداوة فإذا هو نبيذ، فقلت: ما كنت أحسبها إلا ماء، فإذا هو نبيذ، فقال رسول الله ﷺ: تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ منها، ثم قام يصلي، فأدركه شخصان منهم. ؟
[ ١٤ / ٣١٣ ]
فانطلقنا، حتى إذا كنا بأعلى مكة في شعب الحجون، فخط لي خطًا، وقال: "لا تخرج منه حتى أعود إليك"، ثم افتتح القرآن، وسمعت لغطًا شديدًا، حتى خفت على رسول الله ﷺ، وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم انقطعوا كقطع السحاب، فقال لي رسول الله ﷺ: "هل رأيت شيئا؟ ". قلت: نعمن رجالًا سودًا مستثفري ثياب بيض. فقال: "أولئك جنّ نصيبين"، وكانوا اثني عشر ألفًا، والسورة التي قرأها عليهم: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١].
فإن قلت: كيف قالوا: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾؟ قلت: عن عطاء: أنهم كانوا على اليهودية. وعن ابن عباس: إنّ الجنّ لم تكن سمعت بأمر عيسى ﵇، فلذلك قالت: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾. فإن قلت: لم بعّض في قوله: ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾؟
_________________
(١) ـ فصفهما خلفه، ثم صلى بنا، فقلت: من هؤلاء يا رسول الله؟ قال: جن نصيبين". قوله: (في شعب الحجون): الحجون: موضع فيه مقابر مكة، أنشد لجرهم: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي والجدود العواثر قوله: (أسودة): النهاية: " أسودة: جمع قلة لـ"سواد"، وهو الشخص، لأنه يرى من بعيد أسود". قوله: (مستثفري ثياب): النهاية: "وهو أن يدخل الرجل ثوبه بين رجليه، كما يفعل الكلب بذنبه". ؟
[ ١٤ / ٣١٤ ]
قلت: لأن من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كذنوب المظالم ونحوها.
_________________
(١) ـ قوله: (لأن من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان): وقلت: قد استقصينا القول في هذا المعنى في سورة إبراهيم ﵇، وعند قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٣ - ٤] في سورة نوح ﵇. الانتصاف: "الحربي إذا نهب الأموال، وسفك الدماء، ثم حسن إسلامه، جب الإسلام ما تقدم، ويقال: إنه لا يرد وعد المغفرة للكافر على تقدير الإيمان في كتاب الله إلا مبعضة، وهذا منه، فلعل سره: أن مقام الكافر قبض لا بسط، فلذلك لم يبسط رجاؤه في مغفرة كل الذنوب". قال صاحب "الانتصاف": مقام الكافر عند ترغيبه في الإسلام بسط لا قبض، وقد أمر الله موسى أن يقول لفرعون قولًا لينًا، وقد ورد: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وهي غير مبعضة، و"ما" للعموم، ولا سيما وقد وقعت في الشرط، والحديث الصحيح ينصر هذا التأويل، وقد أوردناه في سورة إبراهيم ﵇. ؟
[ ١٤ / ٣١٥ ]
ونحوه قوله عزّ وعلا: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٣ - ٤]. فإن قلت: هل للجنّ ثواب كما للإنس؟ قلت: اختلف فيه: فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، لقوله: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾، وإليه كان يذهب أبو حنيفة ﵀، والصحيح أنهم في حكم بني آدم، لأنهم مكلفون مثلهم.
﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا ينجي منه مهرب، ولا يسبق قضاءه سابق، ونحوه قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢].
[﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣٣]
﴿بِقادِرٍ﴾ محله الرفع؛ لأنه خبر "أن"، يدل عليه قراءة عبد الله: "قادر"، وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أوّل الآية على "أن" وما في حيزها. وقال الزجاج: "لو قلت: ما ظننت أنّ زيدًا بقائم، جاز. كأنه قيل: أليس الله بقادر؟ !، ألا ترى إلى وقوع ﴿بَلَى﴾ مقرّرة للقدرة على كل شيء من البعث وغيره، لا لرؤيتهم.
_________________
(١) ـ قوله: (وقال الزجاج): وفي "كتابه": "دخلت الباء في خبر "أن" لدخول ﴿أَوَ لَمْ﴾ في أول الكلام، ولو قلت: "ظننت أن زيدًا بقائم" لم يجز، ولو قلت: "ما ظننت أن زيدًا بقائم" جاز؛ لدخول "ما"، ودخول "أن" إنما هو توكيد الكلام، فكأنه في تقديره: أليس الله بقادر على أن يحيي الموتى". قوله: (وقوع ﴿بَلَى﴾ مقررة للقدرة، لا لرؤيتهم): يعني: "بلى" كلمة إيجاب يجاب بها النفي، وقوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا﴾ فيه نفي، وهي ليست بمقررة له، لأن المعنى لا يساعد عليه، بل لقوله: ﴿بِقَادِرٍ﴾ من حيث المعنى، قال القاضي: " ﴿بَلَى﴾ تقرير للقدرة على وجه عام، ليكون كالبرهان على المقصود، كأنه تعالى لما صدر السورة بتحقيق المبدأ، أراد ختمها بإثبات المعاد". ؟
[ ١٤ / ٣١٦ ]
وقرئ: "يقدر"، ويقال: عييت بالأمر: إذا لم تعرف وجهه. ومنه: ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ [ق: ١٥].
[﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ٣٤]
﴿أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ محكي بعد قول مضمر، وهذا المضمر هو ناصب الظرف، و﴿هَذَا﴾ إشارة إلى العذاب، بدليل قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾، والمعنى: التهكم بهم، والتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله ووعيده، وقولهم: ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨].
[﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ ٣٥]
﴿أُولُوا الْعَزْمِ﴾ أولوا الجد والثبات والصبر، و﴿مِنَ﴾ يجوز أن تكون للتبعيض، ويراد بأولي العزم: بعض الأنبياء، قيل: هم نوح صبر على أذى قومه، كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح ولده، وإسحاق على الذبح، ويعقوب على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضرّ، وموسى قال له قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبَّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]، وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة، وقال: إنها معبر، …
_________________
(١) ـ قوله: (ويراد بأولي العزم: بعض الأنبياء): قال القاضي: "وهم أصحاب الشرائع، اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها، وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها". قوله: (معبرة): وفي نسخة: "معبرة"، روي عن المصنف: المعبر- بفتح الميم-: موضع العبور، كالجسر والقنطرة، وبكسره: السفينة المعبرة. ؟
[ ١٤ / ٣١٧ ]
فاعبروها ولا تعمروها. وقال الله تعالى في آدم: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، وفي يونس: ﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨].
ويجوز أن تكون للبيان، فيكون: ﴿أُولُو الْعَزْمِ﴾ صفة الرسل كلهم.
﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ﴾ لكفار قريش بالعذاب، أي: لا تدع لهم بتعجيله، فإنه نازل بهم لا محالة، وإن تأخر، وأنهم مستقصرون حينئذ مدّة لبثهم في الدنيا حتى يحسبوها ﴿ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾.
﴿بَلاغٌ﴾ أي: هذا الذي وعظتم به كفاية في الموعظة، أو هذا تبليغ من الرسول ﵇، ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ إلا الخارجون عن الاتعاظ به، والعمل بموجبه، ويدل على معنى التبليغ قراءة من قرأ: "بلغ فهل يهلك"، وقرئ: "بلاغًا"، أي بلغوا بلاغًا، وقرئ: "يهلك" بفتح الياء وكسر اللام وفتحها؛ مِن: هلك وهلِك، و"نهلك" بالنون، ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾.
وعن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا».
_________________
(١) ـ قوله: (فيكون ﴿أُوْلُوا العَزْمِ﴾ صفة الرسل): أي: من حيث المعنى، لأن ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ على هذا: حال من "أولي العزم"، وفي الحقيقة: الحال بيان لهيئة صاحبها، كالصفة، وعلى الأول: "من" للتبعيض. قوله: (أو هذا تبليغ): قال القاضي: " ﴿هَذَا﴾ الذي وعظتم به، أو هذه السورة، ﴿بَلَاغٌ﴾ أي: كفاية، أو تبليغ من الرسول ﷺ، وقيل: ﴿بَلَاغٌ﴾ مبتدأ، والخبر: ﴿لَهُمْ﴾، وما بينهما اعتراض، أي: لهم وقت يبلغون إليه، كأنهم إذا بلغوه ورأوا ما فيه، استقصروا مدة عمره". وقلت: الذي هو أقضى لحق البلاغة: أن تجعل الآية كالخاتمة للسورة، والفذلكة لما ؟
[ ١٤ / ٣١٨ ]
_________________
(١) اشتملت عليه، ويقد: "هذا تبليغ"، ويكون اتصال ما بعد الفاء بـ ﴿بَلَاغٌ﴾ اتصال الحكم بالوصف، والمعنى: كن صابرًا على أذي قومك، ولا تضجر منهم، ولا تستعجل نزول العذاب، وأد ما عليك، والزم الحجة عليهم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة. ويعضده ما رواه الواحدي عن الزجاج: "تأويله: لا يهلك- مع رحمة الله وتفضيله- إلا القوم الفاسقون. ولهذا قال قوم: وما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية". نظيره في خاتمة سورة الأنبياء: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦]، قال: "الإشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة، والبلاغ: الكفاية، وما تبلغ به "البغية"، والله أعلم. * * * ؟
[ ١٤ / ٣١٩ ]