مكية وآياتها اثنتا عشرة ومئة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) [الأنبياء: ١].
هذه اللام: لا تخلو من أن تكون صلة ل (اَقَتَرَبَ)، أو تأكيدا لإضافة الحساب إليهم،
_________________
(١) ـ سورة الأنبياء مكية، وهي مئة واثنتا عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (أو تأكيدًا لإضافة الحساب إليهم)، الأصل: اقترب حسابُ الناس، كقوله: أزف رحيلُ الحي. ثم اقترب للناس الحساب، كقوله: أزف للحي الرحيلُ، فقدم المضاف إليه، وعرفا لناس تعريف جنس: ليفيد ضربًا من الإبهام والتبيين، وعند التقديم احتيج إلى تقدير مضاف؛ لأنه ليس صلة (اقْتَرَبَ) فصار مثل: حسابٌ للناس الحساب، فحذف المفسر
[ ١٠ / ٢٨١ ]
كقولك: «أزف للحي رحيلهم» الأصل: أزف رحيل الحىّ، ثم أزف للحىّ الرحيل، ثم أزف للحىّ رحيلهم. ونحوه ما أورده سيبويه في «باب ما يثنى فيه المستقرّ توكيدا» عليك زيد حريص عليك. وفيك زيد راغب فيك. ومنه قولهم: لا أبا لك: لأنّ اللام مؤكدة لمعنى الإضافة. وهذا الوجه أغرب من الأوّل. والمراد اقتراب الساعة. (وإذا اقتربت الساعة فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب والثواب) والعقاب وغير ذلك. ونحوه (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ) [الأنبياء: ٩٧] ..
فإن قلت: كيف وصف بالاقتراب وقد عدّت دون هذا القول أكثر من خمسمائة عام؟
_________________
(١) ـ لدلالة المفسرِ عليه. ولما كان الحسابُ لا يتعداهم جيء بضمير الناس ليعود إليهم فيحصل تأيدٌ آخرُ نحو: أزف للحي رحيلهم، فعلى هذا: فيك زيدٌ راغبٌ فيك. الأصلُ: زيدٌ راغبٌ في، ثم قدم "فيك" فصار معمولًا لمقدرٍ لإعادة "فيك"، وإليه الإشارةُ بقوله: "وهذا الوجه أغربُ". وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يكون التقدير: اقترب لمجازات الناس حسابهم، فيكون (لِلنَّاسِ) مفعولًا له، كقولك: جئتك للسمن، أي: لحصوله، وقيل: إذا جُعِل اللامُ صلةً كان المقترب له، أي: المدنو منه مذكورًا، وإذا جُعِل تأكيدًا للإضافة لم يكن مذكوراص. قوله: (أزف للحي رحيلُهم) يأزف أزفًا، أي: دنا. قوله: (المستقر) وهو الظرفُ الذي يقع خبرًا محتاجًا إليه، وسُمي مستقرًا؛ لتعلقه بفعل الاستقرار، فهو مستقرٌّ فيه، فحذف "فيه" اختصارًا، والظرفُ اللغو: ما كان فضله، ولو حُذف لكان الكلام مستقيمًا، الظرفُ في المثال لغوٌ، فسماه مستقرًا مجازًا. قوله: (وقد عدت دون هذا القول أكثر من خمس مئة عام) أي: عدت أزمنة أكثر من خمس مئة عام بعد هذا القول.
[ ١٠ / ٢٨٢ ]
قلت: هو مقترب عند الله والدليل عليه قوله ﷿ (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج: ٤٧] ولأنّ كلّ آت - وإن طالت أوقات استقباله وترقبه - قريب، إنما البعيد هو الذي وجد وانقرض، ولأنّ ما بقي في الدنيا أقصر وأقل مما سلف منها، بدليل انبعاث خاتم النبيين الموعود مبعثه في آخر الزمان. وقال ﵇ «بعثت في نسم الساعة» وفي خطبة بعض المتقدّمين: "ولت الدنيا حذاء، ولم تبق إلا صبابة كصبابة الإناء". وإذا
_________________
(١) ـ قوله: (بُعثتُ في نسم الساعة)، قيل: بقيته: "إن كادت لتسبقني". النهاية: في الحديث: "بُعثتُ في نسم الساعة"، وهو جمع نسمة، أي: بُعثتُ في ذوي أرواح خلقهم الله قبل اقتراب الساعة، كأنه قال: آخر النشء من بني آدم، النسمةُ: النفس والروح. الجوهري: "نسم الساعة": حين ابتدأت وأقبلت أوائلها، ونسمُ الريح: أولها حين تُقبل، ويؤيده ما جاء: "بُعثتُ في الساعة فسبقتها كما سبقت هذه لهذه" لإصبعيه: السبابة والوسطى، أخرجه الترمذي عن المستورد. قوله: (وفي خطبة بعض المتقدمين ٩، قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": هو عتبة بن غزوان صاحب رسول الله ﷺ، شهد المشاهد كلها، وهو الذي اختط البصرة. وخطبته بعد الحمد لله والثناء عليه: "أما بعدُ، فإن الدنيا قد آذنت بصُرْمٍ وولتْ حذاء، وإنما بقي منها صبابةٌ كصبابة الإناء، وأنتم منقلبون عنها إلى دارٍ لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما
[ ١٠ / ٢٨٣ ]
كانت بقية الشيء -وإن كثرت في نفسها- قليلة بالإضافة إلى معظمه، كانت خليقة بأن توصف بالقلة وقصر الذرع. وعن ابن عباس ﵄: أنّ المراد ب"الناس": المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم، وهو ما يتلوه من صفات المشركين.
وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى: أنهم غافلون عن حسابهم ساهون،
_________________
(١) ـ بحضرتكم" وفيها: "ولقد رأيتُني وأنا سابعُ سبعةٍ مع رسول الله ﷺ وما لنا طعامٌ إلا ورقُ الشجر حتى تقرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرت ببعضها، واتزر سعدٌ ببعضها، فما أصبح منا اليوم واحدٌ إلا وهو أميرٌ على مصرٍ من الأمصار، فإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا، وعند الناس صغيرًا". ورواه صاحب "رياض الصالحين" عن مُسلم، عن خالد بن عمير العدوي. آذنت: أعلمتْ. بصُرْم: بانقطاع وفناء. الصبابةُ، بضم الصاد المهملة: البقية اليسيرة. النهاية: حذاءَ، بالحاء المهملة، الذال المعجمة مشددة، وبالمد: الخفيفة السريعة، وفي حديث علي ﵁: بيدٍ حذاء، أي: قصيرةٍ لا تمتد إلى ما تريد. قوله: (من إطلاقِ اسم الجنس على بعضه للدليل القائم). قد سبق أن تعريف الجنس يحتملُ الكل والبعض، وهو كاللفظ المشترك، مفتقرٌ في تعيين المراد إلى انتهاض القرينة. فـ"الناسُ" في قوله: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ): للجنس، مُحتملٌ لأن يُراد به الناسُ من لدُنْ آدمَ على تلك المدة، وأن يُراد البعضُ، والقرينة هاهنا لإرادة الثاني قوله: (مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) الآية، وهو المراد من قوله: "هو ما يتلوه من صفات المشركين". قوله: (وصفهم بالغفلة مع الإعراض)، أي: أوقع (مُعْرِضُونَ) خبرًا بعد خبرٍ لضميرِ
[ ١٠ / ٢٨٤ ]
لا يتفكرون في عاقبتهم، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بدّ من جزاء للمحسن والمسيء، وإذا قرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر، أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا.
(ما يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَاتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) [الأنبياء: ٢ - ٣].
قرّر إعراضهم عن تنبيه المنبه وإيقاظ الموقظ: بأنّ الله يجدّد لهم الذكر
_________________
(١) ـ "هم"، ألا ترى كيف أوقع "غافلون عن حسابهم" خبر "أنّ" في قوله: "على معنى أنهم غافلون"؟ وقال أبو البقاء والقاضي: ويجوز أيضًا أن يكون الظرفُ حالًا من الضمير في (مُعْرِضُونَ). قوله: (وإذا قُرعت لهم العصا). أصلُ المثل على ما قاله الميداني: "إن العصا قُرعت لذي الحلم" أولُ من قُرعت له عمرو بن مالك الكناني، يُضربُ لمن إذا نُبه انتبه. مضى بيانه في أول "البقرة". قوله: (قُرر إعراضُهم) على ما لم يُسم فاعله، عطفٌ على "ما وصفهُم". ولو قرئ معروفًا كان ظاهراص، يعني: جيء بقوله: (مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) بغير عاطفٍ مؤكدًا للجملة الأولى، مقررًا لها، لما فيه من معنى الإعراض والغفلة، مع تنبيه المنبه وقتًا فوقتًا.
[ ١٠ / ٢٨٥ ]
وقتا فوقتًا، ويحدث لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة، ليكرّر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم استماع الآي والسور وما فيها من فنون المواعظ والبصائر - التي هي أحق الحق وأجدّ الجدّ - إلا لعبا وتلهيا واستسخارا. و"الذكر": هو الطائفة النازلة من القرآن.
وقرأ ابن أبى عبلة "مُحْدَثٍ" بالرفع صفة على المحل.
قوله (وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) حالان مترادفتان أو متداخلتان. ومن قرأ "لاهِيَةً" بالرفع فالحال واحدة، لأن "لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ" خبر بعد خبر، لقوله (وَهُمْ) واللاهية: من لها عنه إذا ذهل وغفل، يعنى أنهم وإن فطنوا فهم في قلة جدوى فطنتهم كأنهم لم يفطنوا أصلا، وثبتوا على رأس غفلتهم وذهولهم عن التأمّل
_________________
(١) ـ قوله: (حالان مترادفتان)، وهي أن يُجعلا حالين من الضمير في (اسْتَمَعُوهُ)، أو متداخلتان بأن يُجعل (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) حالًا من الضمير في (اسْتَمَعُوهُ) و(لاهِيَةً) حالًا من الضمير في (يَلْعَبُونَ). قوله: (كأنهم لم يفطنوا أصلًا)، يعني: أفاد قوله: (مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ) أنهم فطنوا كل ما تجدد لهم من الذكر آية فآية، وسورةٌ فسورة، فطنةً لا مزيد عليها، بدلالة "مِن" الاستغراقية وأداة احصر، وأفاد قوله: (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) أنهم ذاهلون غافلون عن ذلك، فنفى آخرُ الكلام ما أثبته أولًا على سبيل التوكيد؛ ليؤذن بأنهم لما لم ينتفعوا بذلك الاستماع والتفطن، حيث استهزؤوا بالذكر، كأنهم لم يفطنوا أصلًا، وثبتوا على رأس غفلتهم، ونحوه قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [البقرة: ١٠٢]، أكد إثبات العلم أولًا بالقسيمة، ثم نفاهُ نفيًا كليًا لعدم جريهم على موجب العلم.
[ ١٠ / ٢٨٦ ]
والتبصر بقلوبهم. فإن قلت: (النجوى) وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية، فما معنى قوله (وَأَسَرُّوا)؟ قلت: معناه: وبالغوا في إخفائها. أو جعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم ولا يعلم أنهم متناجون.
أبدل (الَّذِينَ ظَلَمُوا) من واو (وأسرّوا)، إشعارا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسرّوا به. أو جاء على لغة من قال «أكلونى البراغيث» أو هو منصوب
_________________
(١) ـ قوله: (اسمٌ من التناجي). الجوهري: النجوُ: السر بين اثنين، يقال نجوتُه نجوى، أي: ساررته، والاسم: النجوى، وقال الفراء: قد يكون النجي والنجوى اسمًا ومصدرًا، قال تعالى: (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى) [الإسراء: ٤٧] فجعلهم هم النجوى، وإنما النجوى فِعلُهم. قوله: (بالغوا في إخفائها)، أي: أسروا قول التناجي، تلخيصه: وأسروا السر. قوله: (أو جعلوها بحيث لا يفطن أحد)، معناه: وأسروا فعل التناجي، أي: جعلوها في الخلوة، ولا يبعد في الأول أن يعلم تناجيهم، لكن لا يفطن قطعًا ما أسروا به. قوله: (إشعارًا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش)؛ لأن في الإبدال فائدة البيان والتوكيد كما سبق في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ) [الفاتحة: ٧ - ٨] والذي خص هذا الموضع من الفائدة ما ذكره؛ لأنه أبدل المظهر من المضمر وخصه بذكر الظلم للإشعار بقُبح ما أسروا به وأنه الظلمُ الفاحش. قوله: (أو جاء على لغة من قال: أكلوني البراغيث)، قيل: هي لغة أزدِ شنؤةَ، وفيه شذوذان، أحدهما: تعددُ الفاعل، وثانيهما: جعلُ ضمير اولي العلم لغيره. واعتذر للأولِ أبو عبيدة، وقال عن بعضهم: إن العرب قد يُظهرون عدد القوم في فعلهم إذا بدؤوا بالفعل. قال أبوعمرو الهذلي: أكلوني البراغيث، فجاء بلفظ الجمعِ في الفعل، وأظهر الفاعلين بعده.
[ ١٠ / ٢٨٧ ]
المحل على الذم. أو هو مبتدأ خبره (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) قدم عليه: والمعنى: وهؤلاء أسروا النجوى. فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلا على فعلهم بأنه ظلم.
_________________
(١) ـ وقال أبو البقاء: الواو حرفٌ للجمع لا اسمٌ. قيل جيء بالواو وهي حرفٌ للدلالة على أن الفاعل جمعٌ، كما يُجاءُ بالتاء للدلالة على أن الفاعل مؤنث. واعتذر للثاني الزجاج، حيث قال لما وُصفت البراغيثُ بالأكل، قيل: أكلوني. قال الشاعر: تمززتُها والديكُ يدعو صباحه … إذا ما بنو نعشٍ دنوا فتصوبوا قوله: (فوضع المظهر موضع المضمر)، هذا يوهم أن "هؤلاء" في تقديره: "وهؤلاء أسروا النجوى" مُضمرٌ وُضع موضع (الَّذِينَ ظَلَمُوا) وليس بذلك؛ لأنه مثلُ "الذين" على قول من قال: "أولاءِ" موصولةً، إذ الأصلُ: هم أسروا النجوى، لاقتضاء قوله: (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) ذلك. كشف الله تعالى عن معنى قوله: (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) بثلاثة أنواع من القبائح، أحدها: أنهم استمعوا الذكر استماع تفطن، لكنهم قرنوا بذلك الاستهزاء. نقل الواحديُّ عن ابن عباس ﵄ في معنى (إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ): يستمعون القرآن مستهزئين. وثانيها: (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ)، قال القاضي: (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) يستهزئون لتناهي غفلتهم، وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور، والتفكر في العواقب؛ جعل (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) علةً لقوله: (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) على تداخل الحالين، والأولى أن يجعل لاهية قلوبهم أمرًا مستقلًا عن ترادف الحالين، أنه قيل: يستمعون مستهزئين، كأنهم ما يستمعون؛ لأنهم ما انتفعوا
[ ١٠ / ٢٨٨ ]
(هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَاتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من (النجوى)، أى: وأسروا هذا الحديث. ويجوز أن يتعلق ب"قالوا" مضمرا: اعتقدوا أنّ رسول الله ﷺ لا يكون إلا ملكا، وأن كل من ادّعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة هو ساحر ومعجزته سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر.
فإن قلت: لم أسروا هذا الحديث وبالغوا في إخفائه؟ قلت: كان ذلك شبه التشاور فيما بينهم، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعمل المنصوبة في التثبيط عنه. وعادة المتشاورين في خطب أن لا يشركوا أعداءهم في شوراهم، ويتجاهدوا في طىّ سرّهم عنهم ما أمكن وأستطيع. ومنه قول الناس «استعينوا على حوائجكم بالكتمان» ويرفع إلى رسول الله ﷺ ويجوز أن يسرّوا نجواهم بذلك ثم يقولوا لرسول الله ﷺ والمؤمنين: إن كان ما تدعونه حقا فأخبرونا بما أسررناه.
(قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الأنبياء: ٤].
_________________
(١) ـ به؛ ليؤذن به أن استماعهم ذلك لم يكن استماعًا؛ لأنهم ما عملوا بموجبه، بل عكسوا حيث لعبوا، فهم على رأس غفلتهم. ثالثها: أنهم ما اكتفوا في العناد على هذا المقدار حتى بالغوا في التناجي خُبثًا ودهاءً ليُظهروا للأتباع أن ذلك ليس للعناد، بل لأنه سحرٌ باطل، فهو الطريق إلى هدم أمره، وعمل المنصوبة في التثبيط عنه، وظهر بهذا أن الجواب الثاني للمتصور في النفس قبل الإبراز باللفظ عن قوله: "لم أسروا" وهو قوله: "ويجوز أن يُسروا نجواهم بذلك" ضعيفٌ. قوله: (وعمل المنصوبة). الجوهري: النصيب: الشركُ المنصوبُ، ويقال: فلانٌ سوى منصوبةً، وهي في الأصل صفةٌ للشبكة أو الحبالة، فجرت مجرى الأسماء كالدابة.
[ ١٠ / ٢٨٩ ]
فإن قلت: هلا قيل: يعلم السر لقوله (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى)] الأنبياء: ٣ [؟ «١»؟ قلت: القول عام يشمل السرّ والجهر، فكان في العلم به العلم بالسرّ وزيادة، فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول: يعلم السرّ، كما أنّ قوله: يعلم السرّ، آكد من أن يقول: يعلم سرهم. ثم بين ذلك بأنه السميع العليم لذاته فكيف تخفى عليه خافية.
_________________
(١) ـ قوله: (القول عام). الراغب: القول يستعمل على وجه: أظهرها: أن يكون للمُركبِ من الحروف المبرز بالنطق مفردًا كان أو جملةً. الثاني: للمتصور في النفس قبل الإبراز باللفظ فيقال: في نفسي قولٌ لم أظهره، قال تعالى: (وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ) [المجادلة: ٨]، فجعل ما في اعتقادهم قولًا. الثالث: للاعتقاد، نحو: فلانٌ يقولُ بقول أبي حنيفة. الرابعُ: للدلالة على الشيء، قال الشاعر: امتلأ الحوضُ وقال قطني الخامس: للعناية الصادقة بالشيء نحو: فلانٌ يقول بكذا، والسادس: يستعمل في معنى الحد فيقال: قول الجوهر كذا، وقول العرض كذا أي: حدهما. السابع: للإلهام نحو: (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ) [الكهف: ٨٦]، فإن ذلك لم يكن بخطاب فيما رُوي، وقيل في قوله تعالى: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: ١١]: إن ذلك [كان] بتسخير لا بخطاب. وكذا في قوله تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا) [الأنبياء: ٦٩]. قوله: (ثم بين ذلك بأنه السميع العليم) يحتملُ أن يراد أن الجملة حالٌ من فاعل (يَعْلَمُ)، والحالُ بيانٌ، أو مُذيلة، وفيها نوعٌ من التأكيد والبيان، لكن قوله: "بأنه السميع العليم لذاته" مذهبه. وفي "شرح السنة": على العبد أن يعتقد أن الله تعالى عالمٌ له علمن وسميعٌ له سمع،
[ ١٠ / ٢٩٠ ]
فإن قلت: فلم ترك هذا الآكد في سورة الفرقان في قوله (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)] الفرقان: ٦ [؟ قلت: ليس بواجب أن يجيء بالآكد في كل موضع، ولكن يجيء بالوكيد تارة وبالآكد أخرى، كما يجيء بالحسن في موضع وبالأحسن في غيره ليفتنّ الكلام افتنانا، وتجمع الغاية وما دونها، على أن أسلوب
_________________
(١) ـ قال الله تعالى: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ) [البقرة: ٢٥٥]، (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء: ١٧]، (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء: ١٣٤]، (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) [طه: ٤٦]. قال في "الانتصاف": (السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) إثباتُ صفتين لله تعالى، والزمخشري يحرفهما عن مواضعهما، فيكونُ سميعًا بصيرًا لذاته، والصفات مشتقاتٌ من المصادر لا تثبتُ إلا بمصادرها، فمن أنكر السمع والعلم فقد تسارع على إنكار السميع العليم، وتحقيقُ هذا يُعلمُ من الكلام، وإنما الزمخشري إذا ادعى أن الآية ظاهرةٌ له بينا خلافه، أو حرف شيئًا عن موضعه نبهنا عليه، وهذه الآية خاصة تعسف فيها، وخالف نصها. قوله: (ليفتن الكلامُ). الجوهري: الفنُّ: واحدُ الفنون، وهي الأنواع، والأفانينُ: الأساليبُ، وهي أجناسُ الكلام وطرقه. وافتن الرجل في حديثه: إذا جاء بالأفانين. قال صاحب "الفرائد": ما ذكر يوجب أن يكون البعضُ في الدرجة العليا من البلاغة والفصاح، والبعض نازلا ًعنها، ومنحطًا في الدرجة، هذا لا يجوز. والافتنان إنما يحسنُ إذا كان غير مفضٍ إلى نزول البعض؛ لأنه يُنبئ عن نقصان البعض، بل الافتنان المستحسن: أن يكون الكل في الدرجة العليا ويبدل بعض اللفظ بالبعض باعتبار اقتضاء الموارد والموضع، لا بالنزول من الأعلى إلى الأسفل؛ لأنه يكون اختلافًا وتفاوتًا في البلاغة والفصاحة. والجواب عن قوله: "بل الافتنان المستحسنُ أن يكون الكل في الدرجة العُليا" أنْ
[ ١٠ / ٢٩١ ]
تلك الآية خلاف أسلوب هذه، من قبل أنه قدم هاهنا أنهم أسروا النجوى، فكأنه أراد أن يقول: إن ربى يعلم ما أسروه، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة، وثم قصد
_________________
(١) ـ يقال: إن أردت به أن التراكيب بأسرها ينبغي أن تكون مفرغةً في قالب المبالغة، فهو غير مسلم، فكم من تركيب في كلام الله المجيد تجده ابتدائيًا ليس فيه رائحة المبالغة، وترى تراكيب فيه بلغت في المبالغة الدرجة القُصيا، وإن أردت أن التركيب في استعماله في مقامه ينبغي أن يكون في الدرجة العليا، فهذا لا ننكره؛ لأن مقامات المقاولة ومقتضيات الأحوال تتغيرُ وبحسبها يتغير اللامُ، فمن مقام يقتضي الخلو عن التأكيد، فإثباته خروجٌ عن مقتضى البلاغة، ومن مقام يستدعي توكيدًا ما، فلا يؤتي بالآكد؛ لأن البلاغة هي: إصابة المحز، وتطبيق المفضل، ومراعاةُ وجه النظم، ومن ثم لم يقع التحدي بأقل من سورة. قوله: (من قبل أنه قدم هاهنا أنهم أسروا النجوى) إلى قوله: (فوضع القول موضع ذلك للمبالغة)، قال صاحب "التقريب": فيه نظرٌ؛ لأن تلخيص كلامه يؤول إلى أن اللام في القول للعهد، وقد تقدم هاهنا معهودٌ دون ثم؛ إذ لو أراد الجنس لم يؤثر تقدم شيء عليه، لكنه حينئذٍ يفوت كونه أوكد، إذ القول المعهود والسرُّ واحد. وقلت: مغزى كلامه: أن اللام إن جعلته للعهد لم يحصل التأكيدُ. قُلنا: نختارُ الأول. فلا نُسلمُ عدم تأثيره؛ لأن المراد من الثاني العامُّ الذي سيق لقصد الخاص، فيدخل فيه الأول دخولًا أوليًا؛ ولذلك كان آكد، فعلى هذا مبنى لامه حيثُ قال: "على أن أسلوب تلك الآية خلافُ أسلوب هذه"، يعني: إيرادُ هذا القول الذي هاهنا مسبوقق بإيراد إخفائهم سرهم
[ ١٠ / ٢٩٢ ]
وصف ذاته بأن أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، فهو كقوله: (علام الغيوب) (عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ)] سبأ: ٣ [. وقرئ (قالَ رَبِّي) حكاية لقول رسول الله ﷺ لهم.
(بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَاتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) [الأنبياء: ٥].
أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى من
_________________
(١) ـ ونجواهم أقصى الغاية لينبههم به على أن إخفاءهم ذلك لا يجديهم شيئًا؛ لأنه تعالى يعلمُ القول، الذي هو الجنسُ الشائعُ للجهر، والهمس والسر وأخفى منه، فيدخل سرهم في هذا العام بالطريق البرهاني كما سبق غير مرةٍ. وأما سياقُ قوله (أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ) [الفرقان: ٦] فعلى ابتداء إثبات صفة العلم من كلام سابق؛ لأن المراد من قوله: (يَعْلَمُ السِّرَّ) ما أسروه في قولهم: (إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الفرقان: ٤ - ٥]؛ لأنهم أيقنوا أن الأمر على خلافه، ولكن قصدوا بذلك إيقاع الشبه في قلوب الناس؛ ولهذا قال: ومن جملته ما تسرونه من الكيد لرسوله مع علمكم أنما تقولونه باطل. فالمراد من السر ما يتضمنه قولهم: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) فقيل: لا يعلمُ ذلك إلا عالمُ الغيب والشهادة، كقوله: (عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) [المائدة: ١٠٩] (عَالِمَ الْغَيْبِ) [الجن: ٢٦] (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) [سبأ: ٣]، فإذن القصدُ في الثاني إجراءُ الوصف على الله ﷿. وفي الأول تقريرُ ما مر من المعنى السابق والمبالغة فيه. قوله: (وقرئ: (قَالَ رَبِّي»: أبو عمرو، وحفص، والكسائي.
[ ١٠ / ٢٩٣ ]
عنده، ثم إلى أنه قول شاعر، وهكذا الباطل لجلج،
_________________
(١) ـ قوله: (الباطل لجلج) هو من قولهم: الحق أبلج، والباطلُ لجلج. قال الميداني: يعني: أن الحق واضحٌ، يقالُ: صبحٌ أبلج، أي: مشرق، ومنه قوله: حتى بدت أعناقُ صبح أبلجا وفي صفة النبي ﷺ: "أبلج الوجه" أي: مشرقه. "والباطلُ لجلج" أي: ملتبسٌ. قال المبردُ: قولٌ لجلج، أي: يترددُ فيه صاحبه ولا يصيب منه مخرجًا. ومقصودُ المصنف من هذا الاستشهاد: بيانُ أن إضراب الكفرة عن قولهم: هو سحرٌ، إلى أنه تخاليطُ أحلام، إلى آخره، ليس على النسق السوي، بل هو خبط عشواء، وفعل المتحير من غير تمييز بين مضربٍ عنه ومُضربٍ عنه، يدل عليه قوله بعد ذلك: "ويجوز أن يكون تنزيلًا من الله لأقوالهم"، يعني: انه تعالى أتى بأقوالهم، ونزلها على سبيل التدرج والترقي ليؤذن بفاسدها وأفسدها، فظهر من هذا أن الإضراب فيا لوجه الأول واقعٌ في لام الكفرة، وانه تعالى حاك إضرابه الواقع في كلامهم. وفي الثاني الإضراب واقعٌ في كلام الله تعالى، وأنه تعالى حكى كلامهم. وفي الوجه الأول إشكالٌ؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل: قالوا بل أضغاث أحلام. ويمن أن يقال: إن (قَالُوا) زيادةُ تأكيدٍ لما يتضمن قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ) من القول، يؤيده قوله تعالى: (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ)، فإنه يدل على أنه صدر منهم قولٌ سرًا لطول الكلام. وسبق مثله في "يونس" عند قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ) إلى قوله: (قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) [يونس: ٥٩] في وجهٍ. وأما بيانُ الترقي في الوجه الثاني: فأن يقال: إن نسبتهم القرآن إلى السحر فاسدٌ؛ لأن
[ ١٠ / ٢٩٤ ]
_________________
(١) ـ هذا حقٌ، وذلك باطلٌ، وأنى يُشبه هذا السحر (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ) [الطور: ١٥]؟ ثم إن قولهم: إنه أضغاث أحلام، أي: تخاليطها، أفسد منه؛ لأن تشبهي النظم المعجز الفائق بالسحر أقربُ من ذلك، كقوله: "إن من البيان لسحرا"، لكن أين هذا من التخاليط: إنه (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: ١] ثم قولهم: إنه كلامٌ مفترى من عنده أبعد من ذلك؛ لأنهم لم يحرروا أنفسهم، ولم يدركوا أن قوى البشرية وإن استفرغت طوقها، لا تطيق على الإتيان بمثله: (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) [هود: ١٣]؛ ولأن المفترى مبطل، وكلامه باطل، وهذا (لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: ٤٢]. ثم قولهم: إنه قول شاعر، أبعد وأفسد؛ لأن الشعر: متخيلات ملفقة وتخرصاتٌ مزخرفةٌ تدعو إلى الهوى والشيطان، وهذا يدعو إلى الهدى وطاعة الرحمن: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) [يس: ٦٩ - ٧٠]، وهذا الوجه أدل على التحير من حيث الحقيقة. الراغب: (بل): للتدارك، وهو ضربان: ضربٌ يناقض ما بعده ما قبله لكن ربما يقصد لتصحيح الحكم الذي بعده، وإبطال ما قبله، قال تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [المطففين: ١٣ - ١٤]، أي: يس الأمر كما قال، بل جهلٌ، أو يقصد به تصحيح الأول، وإبطال الثاني، كقوله تعالى: (فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) إلى قوله: (فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) [الفجر: ١٥ - ١٧]، أي: ليس إعطاؤه من الإكرام، ولا منعه من الإهانة، لكن جهلوا وظلموا، حيثُ وضعوا المال في غير موضعه، والضرب الثاني: أن يكون (بل) مبينًا للحكم الأول وزائدًا عليه بما بعده، نحو: (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلْ افْتَرَاهُ)، فإنه نبه أنهم يقولون: أضغاثُ أحلام، ويزيدون على ذلك بأن
[ ١٠ / ٢٩٥ ]
والمبطل متحير رجاع غير ثابت على قول واحد.
ويجوز أن يكون تنزيلا من الله تعالى لأقوالهم في درج الفساد: وأن قولهم الثاني أفسد من الأول، والثالث أفسد من الثاني، وكذلك الرابع من الثالث.
صحة التشبيه في قوله (كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) من حيث أنه في معنى: كما أتى الأوّلون بالآيات، لأنّ إرسال الرسل متضمن للإتيان بالآيات ألا ترى أنه لا فرق بين أن تقول: أرسل محمد ﷺ، وبين قولك: أتى محمد بالمعجزة.
_________________
(١) ـ الذي أتى به مُفترىً، بل يزيدون ويدعون أنه كذاب؛ فإن الشاعر في القرآن عبارةٌ عن الكاذب بالطبع. قوله: (لا فرق بين أن تقول: أرسل محمدٌ صلى الله عليه وسلمن وبين قولك: أتى محمدٌ بالمعجزة)، قيل: فيه نظرٌ؛ لأن قوله: أرسل محمدٌ، إثباتٌ للرسالة؛ لأنها ثبتت بإرسال الملك، وقوله: أتى بالمعجزة، إظهارٌ للرسالة، وما تثبت به النبوة غير ما تظهر به الرسالة. قلتُ: ليس مراده من قوله: "لا فرق … " أن معنى العبارتين سواءٌ، بل مراده أن مؤدى العبارتين سواءٌ، فإن قولك: أُرسل محمدٌ صلواتُ الله عليه معناه: أنه ادعى الرسالة، وأتى بالمعجزة، فثبتت رسالته، وقولك: أتى محمدٌ بالمعجزة، مؤداه: ادعى الرسالة وأتى بالمعجزة، فيكون رسولًا. والأول كنايةٌ، والثاني تصريحٌ، ومؤداهما واحدٌ، ألا ترى إلى تفسيره لقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]؟ قولك: يد فلانٍ مبسوطةٌ، بمعنى أنه جواد، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلتُ، يعني: كون أحدهما كنايةً، والآخر صريحًا، والكناية أشرح وأبسط. فإن قلت: ما فائدة العدول؟ قلتُ: لو قيل: كما أتى الأولون لكان من القصد بمعزل؛
[ ١٠ / ٢٩٦ ]
(ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء: ٦].
(أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) فيه أنهم أعتى من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات وعاهدوا أنهم يؤمنون عندها، فلما جاءتهم نكثوا أو خالفوا، فأهلكهم الله. فلو أعطيناهم ما يقترحون لكانوا أنكث وأنكث.
(وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [الأنبياء: ٧].
أمرهم أن يستعلموا أهل الذكر وهم أهل الكتاب، حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشرا ولم يكونوا ملائكة كما اعتقدوا، وإنما أحالهم على أولئك لأنهم كانوا يشايعون المشركين في معاداة رسول الله ﷺ،
_________________
(١) ـ لأن قصدهم: فليأتنا بآية مثل ما أتى به المرسلون نحو موسى وعيسى ﵉ من قلبِ العصا ثعبانًا، وإحياء الموتى، لا كغيرهما من الأنبياء. قوله: (فيه أنهم أعتى من الذين اقترحوا على أنبيائهم)، وكان أصلُ الكلام: ما آمنت قبل هؤلاء المشركين أهل قريةٍ أردنا إهلاكها بسبب عنادهم، فهؤلاء أيضًا لا يؤمنون، ثم أدخل همزة الإنكار والاستبعاد؛ لتدل على الإدماج، وأن هؤلاء أعتى من السابقين. فقوله: (مَا آمَنَتْ) متعلقٌ بقوله: (فَلْيَاتِنَا بِآيَةٍ)؛ لأنهم لما طعنوا في القرآن، وأنه معجزةٌ وبالغوا فيه حتى أخذوا من قوله: (أَفَتَاتُونَ السِّحْرَ) إلى أن انتهوا إلى قوله: (فَلْيَاتِنَا بِآيَةٍ) وأرادوا انه ليس من جنس اليد البيضاء، والعصا، وإبراء الأكمه وإحياء الموتى، علم أنهم مُعاندون، فقيل مُسليًا لرسول الله ﷺ في أن الإنذار لا يُجدي فيهم بقوله: (مَا آمَنَتْ) الآية. قوله: (يشايعون المشركين). الجوهري: شيعةُ الرجل: أتباعه وأنصاره، يقال: شايعه كما يُقال: والاه، والمشايعُ أيضًا: اللاحق.
[ ١٠ / ٢٩٧ ]
قال الله تعالى (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا)] آل عمران: ١٨٦ [فلا يكاذبونهم فيما هم فيه ردء لرسول الله ﷺ.
(وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَاكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ) [الأنبياء: ٨].
(لا يَاكُلُونَ الطَّعامَ) صفة ل (جَسَدًَا)، والمعنى: وما جعلنا الأنبياء ﵈ قبله ذوى جسد غير طاعمين. ووحد الجسد لإرادة الجنس، كأنه قال: ذوى ضرب من الأجساد. وهذا ردّ لقولهم (مالِ هذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعامَ) [الفرقان: ٧].
فإن قلت: نعم قد ردّ إنكارهم أن يكون الرسول بشرا يأكل ويشرب بما ذكرت.فماذا ردّ من قولهم بقوله (وَما كانُوا خالِدِينَ)؟ قلت: يحتمل أن يقولوا إنه بشر مثلنا
_________________
(١) ـ قوله: «وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا) [آل عمران: ١٨٦]) استشهدبها على اتفاق كلمتهم على أذى رسول الله ﷺ حيث عطف (من الَّذِينَ أَشْرَكُوا) على (مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) ونبه بصلة الموصول على علة الأذى. قوله: (ردءٌ لرسول الله ﷺ) أي: عونٌ له، أي: لا يكاذبُ أهلُ الكتاب المشركين، أي: لا يكذبُ في الذي هم [فيه] عونٌ لرسول الله ﷺ من أن الأنبياء ﵈ لم يكونوا ملائكة، يعني: كانوا متفقين مع رسول الله ﷺ في هذه المسألة، وكيف لا وفي مخالفتها إبطالُ دينهم؟ وقيل [قوله]: "لرسول الله" متعلقٌ بـ"فلا يكاذبونهم"، أي: لأجل الرسول، وفيه نظرٌ؛ لبقاء "ردءٌ" لا متعلق له، وأن المعنى لا يساعد عليه. قوله: (ذوى ضربٍ من الأجساد)، أي: نوع منها. قال أولًا: لإرادة الجنس، وفسره بالنوع لأن الجسد جنسٌ تحته نوعان من الحيوان والجماد، فالحيوانُ الجنسُ السافل. قوله: (يحتمل أن يقولوا: إنهُ بشرٌ)، أجاب أن قوله: (وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ) ردٌّ لما لزم من
[ ١٠ / ٢٩٨ ]
يعيش كما نعيش ويموت كما نموت. أو يقولوا: هلا كان ملكا لا يطعم ويخلد: إما معتقدين أن الملائكة لا يموتون. أو مسمين حياتهم المتطاولة وبقاءهم الممتدّ خلودا.
(ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) [الأنبياء: ٩].
(صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ) مثل (واختار موسى قومه) [الأعراف: ١٥٥]. والأصل "في الوعد": و"من قومه". ومنه:
صدقوهم القتال. وصدقنى سنّ بكره
_________________
(١) ـ قولهم: إنه بشرٌ مثلنا يعيشُ كما نعيشُ، ويموتُ كما نموتُ، أن النبي يجب أن يكون خالدًا كالملك، أو ردٌّ لما صرحوا به من قولهم: هلا كان ملكًا لا يطعم، ويخلد؟ قوله: (صدقني سن بكره)، قال الميداني: البكر: الفتيُّ من الإبل، يقال: صدقته الحديث، وفي الحديث، يُضربُ مثلًا في الصدق. أصله أن رجلًا ساوم رجلًا في بكرٍ، فقال: ما سنه؟ فقال: بازلٌ، ثم نفر البكر فقال صاحبه: هدع هدعْ، وهذه لفظةٌ يسكنُ بها الصغار من الإبل، فلما سمع المشتري هذه الكلمة قال: صدقني سن بكره، ونصب سن على معنى عرفني سنَّ، أو: صدقني خبر سنِّ، ثم حذف، ويُروى بالرفع، فجعل الصدق للسنِّ توسعًا. الراغب: صدق قد يتعدى إلى مفعولين نحو قوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ) [آل عمران: ١٥٢]، وصدقته؛ نسبته إلى الصدق، وأصدقته: وجدته صادقًا، وقيل: هما واحدٌ، ويقالان فيهما جميعًا، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) [البقرة: ١٠١]، ويستعمل التصديق في كل ما هو تحقيقٌ. يقال: صدقني فعله وكتابُه، قال الله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) [البقرة: ٨٩]، والصداقة: صدقُ الاعتقاد في المودة، وذلك مختصٌّ بالإنسان، قال تعالى: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١].
[ ١٠ / ٢٩٩ ]
(وَمَنْ نَشاءُ) هم المؤمنون ومن في بقائه مصلحة.
(لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [الأنبياء: ١٠].
(ذِكْرُكُمْ) شرفكم وصيتكم، كما قال (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) [الزخرف: ٤٤] أو موعظتكم. أو فيه مكارم الأخلاق التي كنتم تطلبون بها الثناء أو حسن الذكر، كحسن الجوار، والوفاء بالعهد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والسخاء، وما أشبه ذلك.
(وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَانا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَاسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ
_________________
(١) ـ قوله: «ذْكُرْكُمْ): شرفكم وصيتكم). الأساس: ذكرته ذكرًا وذكرى، (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [الذاريات: ٥٥]، ومن المجاز: له ذكرٌ في الناس، أي: صيتٌ وشرف. قوله: (أو موعظتكم)، قال الزجاج: فيه تذكرةٌ لكم فيما تلقونه من رحمة أو عذاب كما قال تعالى: (كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) [عبس: ١١]. قوله: (تطلبون بها الثناء الحسن) أي: فيه ما يطلبون به الصيت والشرف، والفرق بين هذا، وبين الوجه الأول هو أن- على الأول - المراد بالكتاب كما هو موجبٌ لصيتكم؛ لأنه منزلٌ بلسانكم ولغتكم، فإذا اشتهر اشتهرتم. وعلى الثاني: إذا عملتم بما فيه حصل لكم مكارمُ الأخلاق فحسن بذلك صيتكم، فذكر "الذكر"، وأراد مكارم الأخلاق الموجبة للثناء الحسن، فيكون من باب إطلاق المسبب وإرادة السبب أو يكون كناية تلويحية، ويعني: فيه ذكر ما تطلبونه من مكارم الأخلاق فتحروا فيه، واجتهدوا على العمل بما فيه. فإذا عملتم به كنتم أصحاب الأخلاق، فحينئذ ينتشر بذلك صيتكم.
[ ١٠ / ٣٠٠ ]
لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ) [الأنبياء: ١١ - ١٥].
(وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ) واردة عن غضب شديد ومنادية على سخط عظيم، لأنّ القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء، بخلاف الفصم.
وأراد بالقرية: أهلها، ولذلك وصفها بالظلم. وقال (قَوْمًا آخَرِينَ) لأن المعنى: أهلكنا قوما وأنشأنا قوما آخرين. وعن ابن عباس: أنها «حضور» وهي و«سحول» قريتان باليمن، تنسب إليهما الثياب. وفي الحديث «كفن رسول الله ﷺ في ثوبين سحوليين» وروى «حضوريين» بعث الله إليهم نبيا فقتلوه، فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم. وروى: أنهم لما أخذتهم السيوف ونادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء، ندموا واعترفوا بالخطإ، وذلك
_________________
(١) ـ قوله: (ومناديةٌ على سخطٍ عظيم)؛ لأنه استعير ما استعمل في الجسم للمعنى، واختير ما هو الأبلغ فيه؛ ليدل على إبادة بليغة. قوله: (في ثوبين سحوليين)، عن البخاري ومسلم وغيرهما، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كُفنَ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كُرسُفٍن ليس فيها قميصٌ ولا عمامة. وفي "الجامع": سحولٌ: قريةٌ من اليمن ينسب إليها الثياب. وقيل: السحولية: المقصورة، كأنها نسبت إلى السحول وهو القصارُ؛ لأنه يسحلها أي: يغسلها. ورُوي بضم السين. قوله: (يا لثارات). الجوهري: "يا لقتلة فلان". النهاية: ومنه: يا ثارات عثمان! أي:
[ ١٠ / ٣٠١ ]
حين لم ينفعهم الندم. وظاهر الاية على الكثرة. ولعل ابن عباس ذكر «حضور» بأنها إحدى القرى التي أرادها الله بهذه الآية. فلما علموا شدّة عذابنا وبطشتنا علم حسّ ومشاهدة، لم يشكوا فيها، ركضوا من ديارهم. والركض: ضرب الدابة بالرجل. ومنه قوله تعالى (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) فيجوز أن يركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب. ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين لدوابهم، فقيل لهم. (لا تَرْكُضُوا) والقول محذوف.
فإن قلت: من القائل؟ قلت يحتمل أن يكون بعض الملائكة أو من ثم من المؤمنين أو يجعلوا خلفاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل. أو يقوله رب العزة ويسمعه
_________________
(١) ـ يا أهل ثاراته، ويا أيها الطالبون بدمه، فحُذف المضافُ، وأقيم المضافُ إليه مقامه، فيكون قد نادى طالبي الثأر ليعينوه على استيفائه وأخذه، وعلى قول الجوهري: نداءُ القتلة لتعريف الجرم والتقريع وتفظيع الأمر حتى يجتمع لهم عند أخذ الثأر بين القتل وبين تعريف الجرم وقرع أسماعهم به؛ ليصدع به قلوبهم، ويكون أدعى في الإنكاء فيهم، والتشفي منهم. وإلى تعريف الجرم الإشارة بقوله: "لما نادى منادٍ من السماء ندموا واعترفوا بالخطأ". قوله: (وظاهر الآية على الكثرة)، يعني: يقتضي قوله تعالى: (وَكَمْ قَصَمْنَا) أن يجري على العموم، وعلى كثير من القرى. قوله: (ويجوز أن يشبهوا)، فعلى الأول الركضُ مجازٌ في العدو، ومستعملٌ استعمال المرسن في أنف الإنسان، وعلى الثاني حقيقةٌ، وعلى الثالث استعارة. قوله: (أو يُجعلون خلقاء بأن يقال لهم ذلك)، يعني: أنهم بالغوا في الركض والفرار من العذاب بعد ذلك الإتراف والتنعم بحيثُ من رآهم قال هذا الكلام بلسان الحال. الراغب: الركضُ: الضربُ بالرجل، فمتى نُسب إلى الراكب فهو إعداءُ مركوبٍ،
[ ١٠ / ٣٠٢ ]
ملائكته لينفعهم في دينهم. أو يلهمهم ذلك فيحدثوا به نفوسهم.
(وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ) من العيش الرأفة والحال الناعمة. والإتراف: إبطار النعمة وهي الترفة (لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) تهكم بهم وتوبيخ، أى: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسئلون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة. أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم. وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم ومن تملكون أمره وينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقول لكم: بم تأمرون؟ وبماذا ترسمون؟ وكيف نأتى ونذر كعادة المنعمين المخدّمين؟ أو يسألكم الناس في أنديتكم المعاون في نوازل الخطوب، ويستشيرونكم في المهمات والعوارض ويستشفون بتدابيركم، ويستضيئون بآرائكم. أو يسألكم الوافدون عليكم والطماع ويستمطرون سحائب أكفكم،
_________________
(١) ـ نحو: ركضت الفرس، ومتى نُسب إلى الماشي: فوطء الأرض، نحو قوله تعالى: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) [ص: ٤٢]، وقال تعالى: (لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ) [الأنبياء: ١٣] فنهوا عن الانهزام. الترفه: التوسعُ في النعمة، يقالُ: أُترفَ فلانٌ فهو مترفٌ، قال تعالى: (وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [المؤمنون: ٣٣]. قوله: (أو يلهمهم ذلك) أي: يُلهم الله تعالى بهذا الكلام نفوس الملائكة، فتحدث الملائكة به فيكون كلامًا نفسيًا يخاطبون به الفار الراكضين وليس هناك مخاطبةٌ، وإنما هو شيءٌ يفيد الملائكة في دينهم. قوله: (ترتبوا في مراتبكم)، أي: تمكنوا فيها، الأساس: رتب فلانٌ رتوبَ الكعب، في المقام الصعب، ورتب في الصلاة: انتصب قائمًا.
[ ١٠ / ٣٠٣ ]
ويمترون أخلاف معروفكم وأياديكم: إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء، أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم، وتوبيخا إلى توبيخ.
(تِلْكَ) إشارة إلى (يا ويلنا)، لأنها دعوى، كأنه قيل: فما زالت تلك الدعوى
_________________
(١) ـ قوله: (ويمترون أخلاف معروكم). الجوهري: مريتُ الناقة مريًا: إذا مسحت ضرعها ليدر، والريح تمري السحاب، تمتريه، أي: تستدره. الأساس: ومن المجاز: وأخلفت النجومُ والشجر: لم تُمطر ولم تثمر. وناقةٌ مخلفة: ظُنَّ بها حملٌ ثم لم يكن، وهو خالفةُ أهل بيته، أي: فاسدهم وشرهم، ودرت لفلانٍ أخلافُ الدنيا. يمترون: ترشيحٌ لاستعارة أخلاف معروفكم، ويستمطرون: ترشيحٌ لسحائب أكفكم. اعلم أنه فُسر (لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ) بوجوه، بناء على أنه مطلقٌ يحتملُ أن يقيد بما يقتضيه المقام بحسب الاستعمال، وأن يُترك على إطلاقه. قال في "الأساس": سألتُ عنه مسألةً، وسألته حاجةً. وأصبتُ منهُ سُؤلي: طلبتي، فعلٌ بمعنى مفعول. فقدر في الوجه الأول "عن" حيثُ قال "تسألون غدًا عما جرى عليكم"، وأطلق في الثاني حين قال: "حتى يسألكم عبيدكم وحشمُكم ومن تملكون أمره"، فهو إما يجري مجرى اللام، أو يُقدر أشياء مما يليقُ بحالهم لا تُحصى. وبنى الثالث والرابع على أنه من قولهم: سألته حاجةً مما يقتضي مفعولين، فهو إما أنهم شجعانٌ يستنجدهم الناس، ويطلبون منهمُ المعونة، وإليه الإشارة بقوله: "يسألكم الناس المعاون"، أو أسخياء يستجدون من نائلهم، ويستمطرون سحائب أكفهم. المعاونُ: جمعُ المعونة. قوله: (تهكمًا إلى تهكُّم)، أي: منضمًا إلى مثله. أوله: يقالُ لهم: ارجعوا إلى ما أُترفتُم فيه حين ولات حين مناص. وثانيه: يقالُ لهم: يسألكم الوافدون ويستمطرون سحائب أكفكم، وهم الجامدون البخلاء.
[ ١٠ / ٣٠٤ ]
(دَعْواهُمْ) والدعوى بمعنى الدعوة. قال تعالى (وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) [يونس: ١٠].
فإن قلت: لم سميت دعوى؟ قلت: لأن المولول كأنه يدعو الويل، فيقول تعالى: يا ويل فهذا وقتك. و(تِلْكَ) مرفوع أو منصوب اسما أو خبرا وكذلك دعواهم. "الحصيد": الزرع المحصود، أى: جعلناهم مثل الحصيد، شبههم به في استنصالهم واصطلامهم «٢» كما تقول: جعلناهم رمادا، أى مثل الرماد. والضمير المنصوب هو الذي كان مبتدأ والمنصوبان بعده كانا خبرين له، فلما دخل عليها جعل نصبها جميعا على المفعولية. فإن قلت كيف ينصب «جعل» ثلاثة مفاعيل؟ قلت: حكم الاثنين الآخرين حكم الواحد، لأنّ معنى قولك «جعلته حلوا حامضا» جعلته جامعا للطعمين. وكذلك معنى ذلك: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود.
_________________
(١) ـ قوله: «وَكَذَلِكَ) مرفوعٌ أو منصوبٌ اسمًا أو خبرًا)، وفيه نظرٌ؛ لأن (تِلْكَ) اسمٌ لفظًا ومعنىً؛ لأن المعنى: لا زالت تلك الدعوى دعواهم، ولأن الاسم المبهم أشدُّ توغلًا في التعريف من المضاف؛ لأنهُ قريبُ من المضمر على أنه مقدم. قوله: (واصطلامهم) أي: استئصالهم، قاله الجوهري. قوله: (جامعين لمماثلة الحصيد والخمود) يعني: كما يجتمع الحلو والحامض في معنى واحد، وهو المزُّ، كذا الحصيدُ والخمود؛ لأن النار إذا خمدت فصارت رمادًا، كانت كالزرع المحصود المدقوق. الراغب: قوله: (جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ) [الأنبياء: ١٥] كنايةٌ عن موتهم، من خمدتِ النارُ: إذا طُفئ لهبُها. وعنه استعير: خمدت الحُمي: سكنتْ. فيكونُ "والخمود"
[ ١٠ / ٣٠٥ ]
(وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) [الأنبياء: ١٦ - ١٧].
أى: وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلائق مشحونة بضروب البدائع والعجائب، كما تسوّى الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم، للهو واللعب، وإنما سويناها للفوائد الدينية والحكم الربانية، لتكون مطارح افتكار واعتبار واستدلال ونظر لعبادنا، مع ما يتعلق لهم بها من المنافع التي لا تعدّ والمرافق التي لا تحصى. ثم بين أنّ السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب وانتفائه عن أفعالى: هو أن الحكمة صارفة عنه، وإلا فأنا قادر
_________________
(١) ـ في المتن عطفًا على الحصيد، لا على المماثلة كما ظنَّ؛ لأن قوله: (حَصِيدًا خَامِدِينَ) كلاهما مشبهٌ بهما، والمشبه (هم) في قوله: (جَعَلْنَاهُمْ). قوله: (ونظر لعبادنا)، قال القاضي: (خَلَقْنَاهُمَا) تسبيبًا لما ينتظمُ به أمورُ العباد في المعاش والمعاد، فينبغي أن يتسلقوا إلى تحصيل الكمال، ولا يغتروا بزخارفها، فإنها سريعةُ الزوال. قوله: (هو أن الحكمة صارفةٌ [عنه] وإلا فأنا قادرٌ)، عن بعضهم: هذا بناء على أن الله تعالى عندهم قادرٌ على السفه والظلم، وإن كان لا يفعله. وعند أهل الحق: أن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على الظلم والسفه، لأن القدرة مصححةٌ للإمكان، والمحالُ لا يدخلُ تحت الإمكان، وقيل: إنه لما قال: (لَوْ أَرَدْنَا) إلى آخره عُلم أن المانع عدمُ الإرادة، فينبغي أن يكون مقدورًا؛ لأنه لا يقال فيما لا يكون مقدورًا: لو أردتُ فعلته، وقيل: هذا منظورٌ فيه؛ لأن تفسير اللهو بالولد أو بالمراة، يأباه؛ لأنه لا يقال: إن اتخاذ الولد أو المرأة لو أراده لفعله؛ لأنه من قبل المستحيل. وقلتُ: لا يخفى سقوط هذا النظر على من تأمل في كلام الزجاج كما مر، ولا ارتياب بين
[ ١٠ / ٣٠٦ ]
_________________
(١) ـ علماء الأصول ومعتني علم البيان أن حمل اللفظ على المجاز والعدول عن الحقيقة من غير صارفٍ وداعٍ قوي غير جائز، لا سيما إذا انضم معه قرينة إرادة الحقيقة، هو مقتضى المقام؛ وذلك أن مجيء قوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا) عقيب قوله: (وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) من باب وضع المُظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق؛ لأن اللهو: ما يُتلهى به ويُلعب، وليس في الكلام السابق رائحةٌ من معنى الولد والمرأة، فلا يُحمل الآتي إلا على ظاهره. وسيجيء الكلام في الولد في مشرع آخر، ولأن قوله تعالى: (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) على الشرط، أظهرُ من النفي، والذوقُ له أدعى، ولأن تفسير اللهو بالولد والمرأة يخرجُ الكلام عن سنن النظام. قال الإمامُ: الغرضُ من سوق هذه الآيات تقريرُ نبوة محمدٍ صلوات الله عليه، والرد على منكريه؛ لأنه تعالى أظهر المعجزة عليه، ولو كان غير صادق كان إظهار المعجزة عليه من باب العبث، وإن كان صادقًا يفسدُ ما ذكروه من المطاعن. وقلتُ: تحريرُ النظم: أنهذه السورة من مفتتحها واردةٌ في أمر النبوة وما يتصل بها، ومن ثم سميت بسورة الأنبياء، ألا ترى كيف بدأ بقوله: (مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ)، وثنى بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) ثم ثلث بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) [الأنبياء: ١٠] فوبخهم وسفههم وسجل بحرمان عقلهم حيث دفعوا ما فيه شرفهم وعزهم، ثم ربع بقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) [الأنبياء: ١٦] ليُنبههم عن رقدةِ الجهالة، وأنهم في ارتكابهم العناد كمن يحاول في إبطال الحكمة في خلق السماء والأرض، وهي العبادةُ والمعرفة، قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦]، وقال: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: ١٩١]. قال المصنف: "المعنى: ما خلقته خلقًا باطلًا، بل لداعي حكمةٍ عظيمة، وهو أن يجعلها مساكن المكلفين، وأدلةً لهم على معرفتك،
[ ١٠ / ٣٠٧ ]
على اتخاذه إن كنت فاعلا لأنى على كل شيء قدير.
_________________
(١) ـ ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك، ولذلك وصل قوله: (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: ١٩١] به؛ لأنه جزاءُ من عصى ولم يُطع". وقال في "النجم" في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) [النجم: ٣١]: "إن الله تعالى إنما خلق العالم، وسوى هذا الملكوت، ليُجازي المحسن من المكلفين والمسيء منهم"، ولا يتم ذلك إلا بإنزال الكتاب، وإرسال الرسول، وإظهار المعجزة على يده، فإذا حصلت هذه المطالب وجبت المتابعة، وإنكارها يؤدي إلى إنكار هذا المطلوب. ثم علل استحقاق العبادة بقوله: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، أي: هو خالقهم ومالكهم ورازقهم ومتولي أمورهم، فيجب عليهم أن يخصوه بالعبادة، وإن استكبر هؤلاء وعاندوا فله من لا يستكبر ولا يعاند، فهو مستغنٍ عن هؤلاء كقوله تعالى: (وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) [الأعراف: ٢٠٣]. فلما فرغ من هذا النوع من الكلام رجع إلى توبيخ المعاندين وقال: (أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً) وساق الحديث إلى ما هو سوق الكلام له من قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)، والله أعلم. قوله: (إن كنتُ فاعلًا)، جعل "إنْ" في قوله: (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) شرطيةً، قال الزجاجُ: اللهو في لغة حضرموت: الولدُ. وقيل: اللهوُ: المراةُ، وتأويله في اللغة أن الولد لهوُ الدنيا، أي: فلو أردنا أن نتخذ ولدًا إذ اللهو يُلهى به، ومعنى: (لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا) أي: لاصطفيناه مما نخلُقُ، معناه: ما كنا فاعلين؛ وكذلك جاء في التفسير: ويجوزُ أن يكون للشرط، أي: إن كنا ممن يفعلُ ذلك، ولسنا ممن يفعله. والقول الأول قول المفسرين، والثاني قول النحويين. وهم أجمعون يقولون: إن القول هو الأول ويستجيدونه؛ لأن "إنْ" تكونُ
[ ١٠ / ٣٠٨ ]
وقوله (لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا) كقوله (رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا)] القصص: ٥٧ [أى من جهة قدرتنا. وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن. وقيل المرأة.
وقيل (من لدنا)، أى من الملائكة لا من الإنس، ردّا لولادة المسيح وعزير.
(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء: ١٨].
(بَلْ) إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب، وتنزيه منه لذاته، كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب،
_________________
(١) ـ في معنى النفي، إلا أن أكثر ما جاءت مع اللام، تقول: إن كنت لصالحًا، أي: ما كنت إلا صالحًا. وقال ابن الحاجب: هذا مذهب الكوفيين، وأما البصريون فيقولون: إن اللام الفارقة لا تدخل بعد "إن" النافية. فإذا قلت: إن زيدًا لقائم فالمفهوم إثبات القيام، وإذا قلت: إنْ زيدٌ قائمٌ فالمفهومُ نفيُ القيام. وقال صاحبُ "المطلع": فإن قيل على الثاني: ما معنى تكرار كلمة الشرط؟ قُلنا: دخلت على جواز الوصف به، والأولى على جواز الإيجاد، وكلاهما منفيان. قوله: (سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب)، هذا التنزيه يفيده صيغةُ الكبرياء والتعظيم، وتكريره مرارًا ثمانية وإلى التعظيم الإشارةُ بقوله: "كما تُسوي الجبابرةُ سُقوفهم"، كأنه قيل: أيها الناظرُ المنكرُ، ألا ترى إلى هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع، كيف سويناهما؟ وكيف جعلناهما مطارح الافتكار، ومطامح الاعتبار، ومناطًا لمرافق العباد في المعاش
[ ١٠ / ٣٠٩ ]
_________________
(١) ـ والمعاد؛ إذ لا يليقُ بعظمتنا وجلالتنا أن نخلقهما باطلًا؛ فسبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب؛ إذ من شأننا محقُ الباطل ودمغُه، وإليه الإشارة بقوله: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ). ثُم اعلمْ أن قوله: "أن الحكمةَ صارفةُ عنه، وإلا فانا قادرٌ على اتخاذه" كلامٌ مبنيٌّ على قاعدة مذهبه، وأما تقريره على مذهب أهل السنة والجماعة فهو أن يقال: له أنيخلق ما يشاء، وإن توهمه المعتزلي قبيحًا وحسنًا، وأنه فاعلٌ مختارٌ له أن يختار خلق هذا دون ذلك. فقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) إخبارٌ عما وُجِدَ، لا عما وجب، وقوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا) إيذانٌ بأن له أن يختار خلق هذا دون ذلك، وقد تقرر في البلاغة أن مفعول الإرادة والمشيئة يجب أن لا يُذكر إلا إذا تعلقت به غرابة. ولا شك أن اتخاذ اللهو بالنسبة إلى الله تعالى غريب، كأنه قيل: إن العظمة والكبرياء اقتضيا التنزيه عن اتخاذ اللهو، كما أنهما استدعيا أن لا يُمنع من ذلك وإن خفي على بعض الخلق؛ لأنه فاعلٌ لما يشاء لا يسأل عما يفعلُ وهم يسألون، لكن من شأنه أن يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وأن يتصف بما فيه التعظيم والكبرياء وإن كان الكل منه، (وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) أي: تنسُبون إيه ما لا يليقُ بجلاله من اتخاذ اللهو واللعب حيثُ تطعنون في رسله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (اللهو: الولدُ …، وقيل: المرأة)، في "المطلع": اللهوُ: طلبُ الترويح عن النفس، ثم المرأة تُسمى لهوًا وكذا الولد؛ لأن النفس تستروح بكل واحدٍ منهما، والمعنى: امرأة ذات لهو، أو ولدٌ ذو لهو. الراغب: اللهوُ: ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه، يقال: لهوت بكذا ولهيتُ عن كذا: اشتغلت عنه بلهو. قال تعالى: (إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) [محمد: ٣٦]، ويعبرُ عن كل ما به استمتاعٌ باللهو، قال تعالى: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا) [الأنبياء: ١٧]، ومن قال: أراد باللهو:
[ ١٠ / ٣١٠ ]
بل من عادتنا وموجب حكمتنا واستغنائنا عن القبيح أن نغلب اللعب بالجد، وندحض الباطل بالحق. واستعار لذلك القذف والدمغ، تصويرا لإبطاله وإهداره ومحقه فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلا، قذف به على جرم رخو أجوف
_________________
(١) ـ المرأة والولد فتخصيصٌ لبعض ما هو من زينة الحياة الدنيا التي جعل لهوًا ولعبًا. وقلتُ: ومما يقربُ منه من حيث إرادة التخسيس قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ) [آل عمران: ١٤] الآية. قوله: (وموجب حكمتنا واستغنائنا عن القيح)، قال صاحب "الانتصاف": أراد باستغنائه عن القبيح وجوب رعاية المصالح، وفعل ما ينونه حسنًا بعقولهم، فلا يستغني الحكيمُ عن خلقِ الحسن، والحكمة تقتضي الاستغناء عن القبيح، ويقولون: ليس في الإمكان ذلك ولو أمكن لفعله؛ إذ لو تركه لكان إما بخلًا أو عجزًا تعالى الله عنهما، والحق أن الله تعالى مستغنٍ عن الأفعال، وله أن يخلق ما يتوهمه القدري حسنًا أو قبيحًا، وليس في الوجود إلا الله تعالى وصفاتُه. قوله: (واستعار لذلك القذف والدمغ)، قال صاحب "المفتاح": أصلُ استعمال القذف والدمغ في الجسام، ثم استعير القذفُ لإيراد الحق على الباطل، والدمغُ لإذهاب الباطل، فالمستعارُ منه حسيٌّ، والمستعارُ له عقليٌّ. قوله: (فجعله كأنه جرمٌ صلبٌ كالصخرة [مثلًا] قُذف به على جرم رخوٍ أجوف)، يعني: بولغ في طرفي الإفراط والتفريط؛ لأن القذف غنما يستعمل في رمي الحجارة، والدمغ
[ ١٠ / ٣١١ ]
فدمغه، ثم قال (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) به مما لا يجوز عليه وعلى حكمته. وقرئ: "فيدمغه" بالنصب، وهو في ضعف قوله:
سأترك منزلي لبنى تميم … وألحق بالحجاز فاستريحا
وقرئ "فيدمغه".
_________________
(١) ـ لا يكونُ إلا في الدماغ، وهو جسمٌ رخوٌ مجوف، وقيل: إنما اختير الدماغُ دون سائر البدن؛ لأن الدماغَ مجمعُ الحواسِّ، وهو مقتلٌ، يقال: دمغهُ دمغًا، أي: شجهُ حتى بلغت الشجةُ الدماغ. قوله: ("فيدمغه" بالنصب، وهو ضعيف)، قال النحاة: لا ينتصب بإضمار "أن" بعد الكلام الموجب، لا يقال: يقومُ زيدٌ فيغضب، إلا في الضرورة، كما في قوله: سأتركُ منزلي لبني تميمٍ … وألحقُ بالحجاز فأستريحا لأن إضمار "أنْ" إنما يجبُ إذا لم يتسق الكلامُ بإدخال الثاني تحت حُكم الأول فينصب الثاني إظهارًا لإرادة المخالفة. وفي الموجب هما متحدا الحكم، فكأن الشاعر توهم معنى غير الموجب في الأول إما بالتمني أو بالشرط فنصب بعد الفاء. ووجه ضعفه أنه ليس في جواب الستة. والعذر أن فعل المضارع كالتمني والترجي في كونهما مترقبين. قوله: (وقرئ: "فيدمغه")، أي: بضمتين، في "المطلع": هي كما جاء في الحروف الحلقية من البابين، كطبخ وصبغ.
[ ١٠ / ٣١٢ ]
(وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
(وَمَنْ عِنْدَهُ) هم الملائكة. والمراد أنهم مكرمون، منزلون - لكرامتهم عليه - منزلة المقرّبين عند الملوك على طريق التمثيل والبيان لشرفهم وفضلهم على جميع خلقه.
فإن قلت: الاستحسار مبالغة في الحسور، فكان الأبلغ في وصفهم أن ينفي
_________________
(١) ـ قوله: (والبيان لشرفهم وفضلهم على جميع خلقه) يعني: اختصاصُ لفظ "عند" مع عطفِ الخاص على العام دليلٌ على ذلك، قال الإمام: إنه تعالى لما حكى كلام الطاعنين في النبوات وأجاب عنها، وبين أن غرضهم من تلك المطاعن التمرد وعدم الانقياد، بيَّنَ في هذه الآية أنه تعالى منزهٌ عن طاعتهم؛ لأنه المالك لجميع المخلوقات؛ ولأن الملائكة مع جلالتهم مطيعون خائفون منه، فالبشر مع نهاية الضعف أولى أن يطيعوه. وقلتُ: عنى أن الكلام في أقوام مخصوصين معاندين، وهو حق كما سبق، ومجرد لفظ "عند" لا يدل على المطلوب. وقد جاء (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: ٥٤ - ٥٥]، (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ) [ص: ٤٧]، وغير ذلك، وغاية معنى الترقي والتدرج في الضعف والقوة الدلالة على أنهم لا يفترون في العبادة، وأن أحدًا من البشر لا يدرك شأوهم في هذا المعنى، وهذا مما لا نزاع فيه، وإنما النزاع في أمر آخر. قوله: (الاستحسارُ مبالغةٌ في الحسور)، وذلك أن السين فيه: طلب الحسور، ولا طلب هنا، فدل على المبالغة، فنفيُ الأبلغ لا يفيد نفي الأدونِ فيفيد إثبات التعب مطلقًا، والحالُ أنهم لا يتعبون رأسًا، وأجاب أن في بناء المبالغة الإشعار بأن ما هم فيه من الطاعات في غاية من الثقل والتعب وإن كانوا لا يتعبون، نحوه قوله تعالى: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)
[ ١٠ / ٣١٣ ]
عنهم أدنى الحسور؟ . قلت في الاستحسار بيان أنّ ما هم فيه يوجب غاية الحسور وأقصاه، وأنهم أحقاء لتلك العبادات الباهظة بأن يستحسروا فيما يفعلون. أى، تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم، لا يتخلله فترة بفراغ أو شغل آخر.
(أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) [الأنبياء: ٢١].
هذه "أم" المنقطعة الكائنة بمعنى "بل" والهمزة، قد آذنت بالإضراب عما
_________________
(١) ـ [فصلت: ٤٦] في أحد وجهيه، وهو أن الذنب في العظم بحيثُ من نظر إلى العذاب العظيم علم أن الذنب ما هو؛ لأن عظم العقوبة بحسب عظم الجناية، وفيه أنهم أحقاءُ لتلك العبادات الباهظة لأن اختصاصهم بنعمٍ لم ينعم بها على غيرهم يوجبُ ذلك، وفيه رائحةٌ من الاعتزال. قوله: (الباهظة) أي: المثقلة، يقال: بهظه الحملُ: أثقله. قوله: (أي: تسبيحهم متصل دائم)، تفسيرٌ لقوله (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) ويجوز أن يكون ذلك بيانًا للجملة الأولى، قال الزجاج: (لا يَفْتُرُونَ): لا يشغلهم عن التسبيح رسالةٌ، ومجرى التسبيح منهم كمجرى النفس منا، لا يشغلنا عن النفس شيءٌ، كذلك تسبيحهم دائم. قوله: (قد آذنت) أي: دل تضمنُ "أمْ" معنى "بَل" على الإضراب عما سبق، كما أعلم تضمنها معنى الهمزة بالإنكار لما بعدها. وأما الإضراب فهو أن الكلام السابق واردٌ في شان طعنهم في النبوات، وما يتصلُ بها على ما سبق، أي: دع هذا النوع من الكلام، وافتح مشرعًا آخر، وهذا دل على أن الأوجه لتفسير اللهو بالولد لما يتلوه من قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا).
[ ١٠ / ٣١٤ ]
قبلها والإنكار لما بعدها، والمنكر: هو اتخاذهم (آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) الموتى، ولعمري أن من أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات.
فإن قلت: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم؟ وكيف وهم أبعد شيء عن هذه الدعوى وذلك أنهم كانوا - مع إقرارهم لله ﷿ بأنه خالق السماوات والأرض (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)] لقمان: ٢٥ [وبأنه القادر على المقدورات كلها وعلى النشأة الأولى - منكرين البعث ويقولون: من يحيى العظام وهي رميم، وكان عندهم من قبيل المحال الخارج عن قدرة القادر كثانى القديم، فكيف يدعونه للجماد الذي لا يوصف بالقدرة رأسا؟ قلت: الأمر كما ذكرت، ولكنهم بادّعائهم لها الإلهية، يلزمهم أن يدعوا لها الإنشار، لأنه لا
_________________
(١) ـ قوله: (ولكنهم بادعائهم لها الإلهية يلزمهم أن يدعوا لها الإنشار)، قال الإمام: لأنهم لما اشتغلوا بعبادتها، ولابد للعبادة من فائدة، وهي الثواب، فإقدامهم على عبادتها يوجب عليهم الإقرار بكونهم قادرين على الحشر والنشر والثواب والعقاب. وكذلك قال القاضي. والذي أقولُ - والعلمُ عند الله-: أن سبيل قوله تعالى: (أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ) مع الكلام السابق سبيل قوله تعالى: (هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ) [الروم: ٤٠]؛ ولذلك قُيد بقوله: (مِنْ الأَرْضِ)، وذلك أن معنى قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) كما مر: إنما خلقناهما لنجعلهما مساكن المكلفين وأدلةً لهم على المعرفة ووجوب الطاعة، والاحتراز عن المعصية، ثم بعد ذلك لابد من البعث والحشر (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ) [يونس: ٤]، الآية، يعني: ينبغي أن يكون الإله كما وصفناه، وألا لا يستقيم ولا يصح أن يكون إلهًا، ثم نزل من ذلك، وقال: دع ذلك كله، فالذي اتخذوه إلها هل يصح
[ ١٠ / ٣١٥ ]
يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور، والإنشار من جملة المقدورات. وفيه باب من التهكم بهم والتوبيخ والتجهيل، وإشعار بأنّ ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأنّ الإلهية لما صحت صحّ معها الاقتدار على الإبداء والإعادة. ونحو قوله (مِنَ الْأَرْضِ) قولك: فلان من مكة أو من المدينة، تريد: مكيًا أو مدنىيًا. ومعنى نسبتها إلى الأرض: الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض: لأنّ الآلهة على ضربين: أرضية وسماوية. ومن ذلك حديث الأمة التي قال لها رسول الله ﷺ: «أين ربك»؟ فأشارت إلى السماء، فقال "إنها مؤمنة" لأنه فهم منها أنّ مرادها نفي الآلهة
_________________
(١) ـ أن يُطلق عليه ما يتم به أمر الإلهية، وهو إثابة مطيعها وعقاب عاصيها؟ لأن مصحح المعبودية الحشرُ والنشرُ. يدل على التنزيل قوله تعالى بعد ذلك: (أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) يعني: اترك ذلك، ألهم آلهةُ يقدرون على إثباتها بدليل من السمع والعقل، فـ"هم"- في قوله تعالى: (هُمْ يُنشِرُونَ) -: للدلالة على قوة أمرهم فيما أُسند إليهم، لا على الاختصاص، لما قُلنا: أن لابد للمعبود من الإثابة العقاب. قال محيي السنة: ولا يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم والإماتة، والإنعام بأبلغ وجوه النعم. قوله: (وفيه بابٌ من التهكم بهم، والتوبيخ والتجهيل)، يعني: أنهم إذا كانوا غير قادرين على أن يحييوا ويُميتوا ويضروا وينفعوا فبأي عقلٍ يجوزُ أن يتخذوا آلهةً؟ قوله: (ومن ذلك حديثُ الأمة)، وهو ما روى معاويةُ بن الحكم، قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فقلت: ن جاريةً لي كانت ترعى غنمًا لي، فجئتها وقد فُقدت شاةٌ من الغنم، فسألتها عنها فقالت: أكلها الذئبُ، فأسفتُ عليها، وكنتُ من بني آدم فلطمتُ وجهها وعليَّ رقبةٌ، فأعتقها؟ فقال لها رسول الله ﷺ: "أين الله؟ "، فقالت: في السماء. فقال: "من أنا؟ "، فقالت: أنت رسول الله صلى الله لعيه وسلم، فقال: "أعتقها". هذا لفظُ مالك، وقد أخرجهُ مسلمٌ
[ ١٠ / ٣١٦ ]
الأرضية التي هي الأصنام، لا إثبات السماء مكانا لله ﷿. ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض، لأنها إمّا أن تنحت من بعض الحجارة، أو تعمل من بعض جواهر الأرض.
فإن قلت: لا بدّ من نكتة في قوله (هُمْ)؟ قلت: النكتة فيه إفادة معنى الخصوصية، كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم
_________________
(١) ـ وأبو داود والنسائي من حديث طويل كلهم عن معاوية بن الحكم ﵁، إلا مالكًا، فإنه أخرجه عن هلال بن أسامة. قوله: (كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم)، والنُكتةُ فيه تتميمُ معنى التهكم والمبالغةُ فيه، قال في "الانتصاف": وفيه نظرٌ؛ لأن أداة الحصر مفقودة، وليس من قبيل: صديقي زيدٌ؛ فن المبتدأ في الآية أخص شيء؛ لأنه ضميرٌ. وعندي أن فائدة "هم": الإيذانُ بأنهم لم يتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون، و"هم": استئنافٌ، كأنه قال: أم اتخذوا آلهةً من الأرض مع الله فهم إذن ينشرون، إذ هو لازمُ قولهم، ومما يوضحه دليلُ التمانع الذي اقتبس من نور هذه الآية. وقلتُ: ليس لصاحب "الانتصاف" أن يشرع معه في البحث عن خواص التراكيب؛ لأنه ليس من رجاله. قال المصنف في "الفرقان": "هذا الفعلُ- أعني (اتَّخَذَ) - يتعدى إلى مفعولٍ واحد كقولك: اتخذ وليًا"، وإلى مفعولين كقولك: اتخذ فُلانًا وليًا"، فهنا إن جُعل متعديًا إلى مفعولين، وأُحلق بباب أفعال القلوب مثلًا، لاستقامة الحمل في الآية، وفي أمثال وفي قوله: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) [النساء: ١٢٥] بأن يقال: (مِنْ الأَرْضِ) صفةٌ لـ (آلِهَةً)، والخبر: (يُنشِرُونَ)، كان (هُمْ) ضمير فصل فيفيد التخصيص، وإن جُعل متعديًا إلى مفعولٍ واحد، وجُعل (مِنْ الأَرْضِ) ثاني مفعوليه، كان (هُمْ يُنشِرُونَ)
[ ١٠ / ٣١٧ ]
_________________
(١) ـ من قبيل: أنا عرفتُ وهو عرفَ، في إفادة معنى التخصيص، ثم الذي عليه السياق الدلالة على قوة أمرهم فيما أُسند إليهم، لا الاختصاص كما سبق. وليتصل دليلُ التمانع به، أي اتخذوه إلها لا يصح أن يُطلق عليه ما يتم به أمر الإلهية، ويسند إليه ذلك على الحقيقة، ثم قيل: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا)، يعني: لو فُرض ذلك وقُدر كما يُقدرُ المحالاتُ لانقلبت تلك الفائدة- التي ذكرناها في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ)؛ لأن ضمير التثنية عائدٌ ليهما- مفسدةً، وذهب كل غله بما خلق. والفائدة أن جعلها مساكن المكلفين، وأدلةً على المعرفة، وجوب الطاعة، والاحتراز عن المعصية؛ ليجزيهم بالثواب والعقاب، قال الله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ) [الزمر: ٢٩]، وإليه أشار المصنفُ بقوله: "لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين" إلى قوله: "وهذا ظاهرٌ"، ولاحتمال الغير قال: "وأما طريقةُ التمانع فللمتكلمين فيها تجاول"، أي: ليس من اقتضاء المقام. ثم فرع على بيان التوحيد قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) كما فرعَ فيما سبق على النبوة قوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا)؛ ولذلك فسره بقوله: "سبحاننا أن نتخذ الله واللعب". ثم المطلوبُ في التنزيه إما تنزيهُ ذاته عن جميع ما ينسبُ غليه أهلُ الشرك، فهو المراد من قوله: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ) وإما تنزيه ذاته عن جميع ما يتوهمه المتوهمون من نسبة القبائح إليه قياسًا على المشاهد، فهو المراد من قوله: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) يدل عليه قوله: "عادةُ الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في مملكتهم"، يعني: لا يجو أن تُسأل الملوك ما يجوز ان يُسأل عنه غيرهم، ويرد عليهم تهيبًا وجلالةً. وهذا المعنى مناسبٌ لقول
[ ١٠ / ٣١٨ ]
وحدهم. وقرأ الحسن "يُنْشِرُونَ" وهما لغتان: أنشر الله الموتى، ونشرها.
(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الأنبياء: ٢٢].
وصفت (آلهة) ب (إلا) كما توصف "بغير"، لو قيل "آلهة غير الله". وإن قلت: ما منعك من الرفع على البدل؟ قلت: لأنّ «لو» بمنزلة «إن» في أنّ الكلام معه
_________________
(١) ـ المصنف في قوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ): "كما تُسوي الجبابرة سقوفهم وفرشهم"، فسبحان الذي دقت حكمته في كلامه، وعظمت جلالته في مُلكه وملكوته. قوله: (لأن "لو" بمنزلة "إنْ")، رُوي عن المصنف: "لوْ" بمعنى "إن" الشرطية في أن الغرض محضُ الملازمة. وقال ابن الحاجب: "لوْ" بمنزلة "إنْ" في أن الكلام معه موجب؛ لأن النفي المعنوي لا يجري مجرى الني اللفظين ألا ترى أنك تقولُ: أبي القوم إلا زيدًا، بالنصب ليس إلا؟ ولو كان النفي المعنوي كاللفظي لجاز: أتى القوم إلا زيدٌ، وكان المختار، وهاهنا أولى؛ إذ النفيُ في "أتى" محققٌ غير مقدر، وفي "لو" مقدرٌ ما بعدها الإثبات. وقال صاحب "الكشف": ومما يدل على بطلان القول بالبدل هو أن قولك: ما جاءني في القوم إلا زيدٌ، ونحوه، مما يكون ما بعد "إلا" بدلًا مما قبلها عائدٌ إلى الإثبات، فمعنى: ما جاءني القوم إلا زيدٌ: جاءني زيدٌ، فكذلك هاهنا: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) لو كان بدلًا لكان معناه: لو ان فيهما الله لفسدتا، وهذا فاسدٌ، فثبت أن قوله: (إِلاَّ اللَّهُ) بمنزلة الوصف لآلهة. وقال المالكي في "شرح التسهيل": ولا يجوز أن يُجعل (اللَّهُ) بدلًا؛ لأن من شرط البدل في الاستثناء صحةُ الاستغناء به عن الأول، وذلك ممتنعُ بعد "لو"، كما يمتنعُ بعد
[ ١٠ / ٣١٩ ]
موجب، والبدل لا يسوّغ إلا في الكلام غير الموجب، كقوله تعالى (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ)] هود: ٨١ [وذلك لأنّ أعم العامّ يصح نفيه ولا يصح إيجابه.
_________________
(١) ـ "إن"؛ لأنهما حرفا شرط، والكلامُ معهما موجبٌ. ولذلك قال سيبويه: "لو قلت: لو كان معنا إلا زيدٌ لهلكنا، لكنت قد أحلتَ"، أي: أتيت بممنوع، فصح قول سيبويه أن "لو" لم تُفرغ العامل من بعدها لما بعد "إلا" كما فُرغ بعد النفي، وإن كان ما تدل عليه من الامتناع شبيهًا بالنفي، ولو كانت بذلك مستحقةً لتفريغ ما يليها من العوامل لكانت مستحقةً لغير ذلك مما يختص بحروف النفي، كزيادة "مِن" في معمول ما يليها وإعماله في "أحد". قال السيرافي شارحًا لقول سيبويه: "لكنت قد أحلت"؛ لأنه يصير المعنى: لو كان معنا زيدٌ لهلكنا؛ لأن البدل بعد "إلا" موجبٌ، وكذا: لو كان فيهما الله لفسدتا، وهذا فاسدٌ. وحكى ابن السراج أن أبا العباس المبرد قال: لو كان معنا إلا زيدٌ أجودُ كلامٍ وأحسنهُ، وكلام المبرد في "المقتضب" مثلُ كلام سيبويه، وأن التفريغ والبدل بعد "لو" غيرُ جائز. انتهى كلامه. قوله: (وذلك لأن أعم العام يصح نفيه، ولا يصح إثباته)، قيل: مراده أن الاستثناء من أعم العام في طرف النفي غير ممتنع، وفي طرف الإثبات ممتنع؛ يجوز أن تقول: ما في الدار أحدٌ إلا زيدٌ، ولا يصحٌُّ: كان في الدار إلا زيدًا، أي: في الدار جميعُ الأشياء إلا زيدٌ. وقال أبو البقاء: لا يجوز نصبُ "غير" على الاستثناء لوجهين، أحدهما: أنه فاسدٌ في المعنى، وذلك أنك إذا قلت: لو جاءني القومُ إلا زيدًا لقتلتهم، كان معناه: أن القتل امتنع لكون زيدٍ مع
[ ١٠ / ٣٢٠ ]
والمعنى: لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا. وفيه دلالة على أمرين، أحدهما: وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحدا.
_________________
(١) ـ القوم، فلو نصبت في الآية لكان المعنى: أن فساد السماوات والأرض امتنع لوجود الله مع الآلهة، وفي ذلك إثباتُ إلهٍ مع الله تعالى، وإذا رفعت على الوصف لا يلزم مثل ذلك؛ لأن المعنى: لو كان فيهما آلهةٌ غير الله لفسدتا. والوجه الثاني: أن (آلِهَةٌ) هنا نكرةٌ، والجمعُ إذا كان نكرةً لم يستثن منه عند جماعةٍ من المحققين؛ لأنه لا عموم له بحيث يدخلُ فيه المستثنى لولا الاستثناء. وإلى هذا يشير ابن الحاجب بقوله: لو كان معنى قوله: (إِلاَّ اللَّهُ) معنى الاستثناء، لجاز أن يقول: إلا الله بالنصب، ولا يستقيم المعنى؛ لأن الاستثناء إذا سُكتَ عنه دخل ما بعده فيما قبله؛ ألا ترى أنك لا تقولُ: جاءني رجالٌ إلا زيدًا؟ فكذلك لا يستقيم أن تقول: لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا. قوله: (وفيه دلالة على أمرين) إلى آخره وقال صاحب "الفرائد": قوله: "وجوب ألا يكون مدبرهما إلا واحدًا"، منظورٌ فيه من وجهين، أحدهما: أن من نفي الجماعة لا يلزم منه نفي الاثنين ولا الواحد، فكيف يلزم من نفي الآلهة وجوب التدبير للواحد؟ والثاني: لا يلزم من هذا التركيب كونه تعالى مدبرًا، وإنما يلزم أن يكون منتفيًا، كما انتفت الآلهة. والجواب: أنه لما تقرر أن هذه الآية متصلة بقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) وأن قوله: (أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ) إنكارٌ عليهم، وتسجيلٌ على قلة نظرهم في تلك الدلائل، كان قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) برهانًا على تلك الدعوى، فالرد واردٌ على اتخاذهم الآلهة، فلايعمل بالمفهوم، كما في قوله تعالى: (لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) [آل عمران: ١٣٠]، ولأنه قد سبق أن المراد بالفساد فسادُ أمر المكلفين وعدم تمكنهم منا لعبادة التي ما خلقت السماوات والأرض إلا لأجلها،
[ ١٠ / ٣٢١ ]
والثاني: أن لا يكون ذلك الواحد إلا إياه وحده، لقوله (إِلَّا اللَّهُ).
فإن قلت: لم وجب الأمران؟ قلت: لعلمنا أنّ الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف. وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد
_________________
(١) ـ واستشهدنا بقوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ) [الزمر: ٢٩] الآية. ولكونه بُرهانًا على تلك الدعوى، وردًا على المشركين جمع الآلهة ولم يقل: لو كان فيهما إلهٌ، ولزم من إشارة النص على طريقة الإدماج المشار إليه بقوله: "وفيه دلالةٌ على أمرين" التوحيدُ؛ لان هذا الفساد كما يلزمُ من المجموع يلزمُ من الاثنين، ولذلك أورد السؤال: "لِم وجب الأمران وأجاب: "لعلمنا أن الرعية تفسدُ بتدبير الملكين"ن وأما لزوم التدبير من هذا التركيب فمن إيقاع (فِيهِمَا) ظرفًا لـ (آلِهَةً)، على منوال قوله: (هُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ) [الزخرف: ٨٤]، وقوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ) [الأنعام: ٣]، ولأن اسمه الجامع حاملٌ للمعاني الإلهية كما نقل الأزهري عن أبي الهيثم: لا يكونُ إلها حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعباده خالقًا ورازقًا ومدبرًا وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله. قوله: (حين قُتِلَ عمرو بن سعيد)، وفي "التاريخ الكامل": هو عمرو بن سعيد بن أبي العاص بن أمية الأشدق. وأما عبد الملك فهو ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص. وكانت أمُّ عمرو أم البنين بنتُ الحكم عمة عبد الملك. وكان سبب قتله على ما رواه أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوريُّ في "الأخبار الطوال"، أن عبد الملك لما ملك خرج عليه عمرو بن سعيد، ثم اصطلحا على أن يكونا مشتركين في المُلك، وأن يكون اسم الخلافة لعبد الملك، وعمروٌ بعده يلي أمر الخلافة، وكتبا بذلك كتابًا وأشهدا أشراف أهل الشام عليه،
[ ١٠ / ٣٢٢ ]
الأشدق: "كان والله أعزّ علىّ من دم ناظري، ولكن لا يجتمع فحلان في شول" وهذا ظاهر.
وأمّا طريقة التمانع فللمتكلمين فيها تجاول وطراد،
_________________
(١) ـ وكان روحُ بن زنباع من أخص الناس بعبد الملك، فقال له وقد خلا به: يا أمير المؤمنين، هل من رأيك الوفاءُ بعمرو؟ فقال: ويحك يا ابن زنباع! وهل اجتمع فحلان على هجمةٍ قطُّ إلا قتل أحدهما صاحبه؟ فدخل يمًا عمرو على عبد الملك وقد استعد للغدر بهن فأُخذ وذُبح ذبحًا، فأحس أصحابه فتنادوا، وكان عبد الملك قد هيأ خمسين صُرةً، فأمر بها فألقيت إليهم مع رأسه، فترك أصحابه الرأس وأخذوا الصرر وتفرقوا. وفي ذلك يقولُ قائلهم: غدرتم بعمرو آل مروان ضلةً … ومثلكم يبني البيوت على الغدر وما كان عمرو عاجزًا غير أنه … أتته المنايا بغتةً وهو لا يدري أن بني مروان إذ يقتلونه … بُغاثٌ من الطير اجتمعن على صقر الهجمةُ من الإبل: أولها الأربعون إلى ما زادت. قوله: (الأشدق). الجوهري: الشدقُ: جانبُ الفم، والجمعُ: الأشداقُ. والشدقُ بالتحريك: سعةُ الشدق، يقال: خطيبٌ أشدقُ، بيِّنُ الشدق. والشولُ: النوقُ التي قل لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعةُ أشهرٍ وثمانية، والواحدةُ: شائلةٌ، وهو جمعٌ على غير قياس. قوله: (وأما طريقة التمانع فللمتكلمين فيها تجادل وطراد)، ويُروى: "تجاولٌ"، من الجولان، وهو أنسبُ لصنعةِ مراعاة النظير بين التمانع والتجاول والطراد. قال الإمام: قال المتكلمون: القول بوجود إلهين يُفضي إلى المحال؛ لأنا لو فرضنا إلهين، ولابد أن يكون كل واحدٍ منهما قادرًا على كل المقدورات، فلو فرضنا أن أحدهما أراد تحريك زيد، والآخر تسكينه، فإما أن يقع المرادان وهو محالٌ أو لا يقع مراد ٌواحدٌ منهما وهو محالٌ؛ لأن المانع من وجود مُرادِ كل واحدٍ منهما مرادُ الآخر فلا يمتنعُ مرادُ هذا إلا عند وجود مراد ذلك
[ ١٠ / ٣٢٣ ]
_________________
(١) ـ وبالعكس، فلو امتنعا معًا لوُجدا معًا، وذلك محالٌ، أو يقع مرادُ أحدهما دون الآخر، وذلك أيضًا محالٌ؛ لأنه إذا وقع مراد أحدهما دون الآخر، فالذي وقع مراده يكون قادرا، والآخر عاجزًا، والعجز نقصٌ، وهو على الله تعالى مُحال. فإن قيل: الفسادُ إنما يلزمُ عند اختلافهما في الإرادة، وأنتم لا تدعون وجوب اختلافهما، بل أقصى ما تدعونه أنه ممكن، فكان الفسادُ ممكنًا لا واقعًا، فكيف جزم الله تعالى بوقوع الفساد؟ قُلنا: الجواب من وجهين، أحدهما: لعله تعالى أجرى الممكن مُجرى الواقع بناءً على الظاهر، ولعل مراد المصنف من قوله: "وهذا ظاهرٌ" هذا. وثانيهما: أنا لو فرضنا إلهين لكان كل واحدٍ منهما قادرً على جميع المقدورات فيفضي إلى وقوع مقدور عن قادرين مستقلين من وجه واحد، وهو محالٌ؛ لأن إسناد الفعل إلى الفاعل إنما كان لإمكانه، فإذا كان كل واحدٍ منهما مستقلًا بالإيجاد فالفعلُ لكونه مع هذا يكون واجب الوقوع فيستحيلُ استناده إلى هذا، لكونه حاصلًا منهما جميعًا، فيلزم استغناؤه عنهما، احتياجه إليهما معًا. وهذه الحجةُ قائمةٌ في مسألة التوحيد، فثبت أن القول بوجود إلهين يُفضي إلى امتناع وقوع المقدور لواحدٍ منهما، فلا يقع البتة، فيلزمُ وقوعُ الفساد. وقال صاحبُ "الانتصاف": دليلُ التمانع الذي يقتبس من نور هذه الآية أن يقال: لو فُرضَ وجودُ إلهين فإما أن يتم لكل واحدٍ منهما القدرة على ما يشاء، أو لا يتم لواحدٍ منهما، أو لأحدهما دون الآخر، وأدقُّ الأقسام إبطالا ًأن يكونا قادرين، فاقتصر في الكتاب العزيز عليه.
[ ١٠ / ٣٢٤ ]
ولأنّ هذه الأفعال محتاجة إلى تلك الذات المتميزة بتلك الصفات حتى تثبت وتستقرّ.
(لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) [الأنبياء: ٢٣].
إذا كانت عادة الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في مملكتهم عن أفعالهم،
_________________
(١) ـ وقوله: "وأما طريقةُ التمانع فللمتكلمين فيها تجاولٌ وطراد" جُملةٌ مستطردة دخلت بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لأن قوله: "ولأن هذه الأفعال" معطوفٌ على قوله: "ولعلمنا أن الرعية"، وملزوزٌ به، وبانضمامه معه يتم الجواب قطعًا، والمراد من قوله: "هذه الأفعال" هو خلق السماوات والأرض وما بينهما وما بين يدينا وبحضرتنا من المصنوعات، يدل عليه قوله - فيما مر في تفسير (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ) الآيات-: "أي: ما سوينا هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلائق" إلى قوله: "اللهو واللعب"، يعني: أن هذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة محتاجةٌ إلى ذات له الحكمة الفائقة والقدرة الكاملة، والعلمُ النافذ حتى تثبت وتستقر: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [فاطر: ٤١]. قوله: (بتلك الصفات) متعلقٌ بقوله: "المتميزة"، قيل: فيه إشارة إلى مذهبه، وهو أن ذاته تُساوي سائر الذوات في كونه ذاتًا؛ إذ المعنى بالذات: مايصح أن يُعلم ويُخبر عنه، وهو مشتركٌ، ويخالفه الأحوال الأربعة: الحيةُ، والواجبية، والعالمية، والقادرية، وهذا قول أكثر المعتزلة، وأثبت أبو هاشم حالةً خامسةً، وهي علةٌ للأحوال الأربعة مميزةٌ للذات، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون: ذاته المقدس تخالف سائر الذوات في كونه ذاتًا، أي: حقيقة لا تماثل غيرهن ويمنعون أن يقال: معنى الذات: ما يصح أن يُعلم ويُجبر عنه؛ لجواز
[ ١٠ / ٣٢٥ ]
وعما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم، تهيبا وإجلالا، مع جواز الخطإ والزلل وأنواع الفساد عليهم - كان ملك الملوك وربّ الأرباب خالقهم ورازقهم أولى بأن لا يسئل عن أفعاله، مع ما علم واستقرّ في العقول من أن ما يفعله كله مفعول بدواعى الحكمة، ولا يجوز عليه الخطأ ولا فعل القبائح.
(وَهُمْ يُسْئَلُونَ) أى هم مملوكون مستعبدون خطاؤون، فما خلقهم بأن يقال لهم: لم فعلتم؟ في كل شيء فعلوه.
(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ) [الأنبياء: ٢٤].
_________________
(١) ـ أن يكون هذا المفهوم أمرًا عارضًا لما صدق عليه، واشتراكُ العوارض لايستلزمُ اشتراك المروضات وتماثلها، وتحقيق هذه المسألة في الكتب الكلامية. قوله: (مفعولٌ بدواعي الحكمة). الانتصاف: ما أقبح هذا في حق الله تعالى! فالدواعي والصوارفُ تُستعملُ في أفعال المحدثين. وقوله: "ولا يجوزُ عليه فعلُ القبائح"، لقد نسيت. وما بالعهد من قدم حيثُ يجعلُ مع الله شريكًا في خلق الأفعال، وغيرهم أشركوا الملائكة، وهؤلاء أشركوا أنفسهم والجن والحيوانات، نعوذُ بالله تعالى من ذلك. قوله: (هم مملوكون مُستعبدون خطاؤون) يُشير إلى أن قوله: (وَهُمْ يُسْأَلُونَ) كنايةٌ عن هذا المعنى؛ لأن من يسألُ عنه: لم فعلتَ؟ لم يكن إلا مقهورًا خطاءً، وبضده إذا لم يُسأل عنه ما فعل.
[ ١٠ / ٣٢٦ ]
كرّر (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) استفظاعا لشأنهم واستعظاما لكفرهم، أى: وصفتم الله تعالى بأنّ له شريكا، فهاتوا برهانكم على ذلك: إمّا من جهة العقل، وإمّا من جهة الوحى، فإنكم لا تجدون كتابا من كتب الأوّلين إلا وتوحيد الله وتنزيهه عن الأنداد مدعوّ إليه، والإشراك به منهى عنه متوعد عليه.
أى (هَذَا) الوحى الوارد في معنى توحيد الله ونفى الشركاء عنه، كما ورد علىّ فقد ورد على جميع الأنبياء، فهو ذكر: أى عظة للذين معى: يعنى أمّته، وذكر للذين من قبلي: يريد أمم الأنبياء ﵈. وقرئ "ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي" بالتنوين. و"من" مفعول منصوب بالذكر كقوله (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا) [البلد: ١٤ - ١٥] وهو الأصل، والإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله: (غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) [الروم: ٣].
_________________
(١) ـ قوله: (كرر (أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً)، أي: قال: "أم اتخذوا آلهةً من الأرض هم ينشرون" ثم عاد إلى هذا القول استفظاعًا لشأنهم، يعني: خلقنا السماء والأرض لداعي المعرفة والعبادة، ثم الجزاء، وهم اتخذوا آلهةً ليس من شأنها ذلك، بل اتخذوا من لم يُنزل فيه سلطانًا، فانظروا إلى هذا الأمر الفظيع. وقلتُ: وليكون وسيلةً إلى الرجوع إلى ما سبق الكلام له، وهو قوله تعالى: (هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي)، ثم قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ) الآية، ثم في مجيء هذا، والإضراب بقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ) إلى آخر الآية تتميمٌ لذلك الاستفظاع ومبالغةٌ فيه، فقوله: (هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) نفيُ البرهان من جهة الوحي، وقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ) نفيُ البرهان من جهة العقل، وقوله: (فَهُمْ مُعْرِضُونَ) مسببٌ لفقدان دليل العقل، وإليه الإشارة بقوله: "فمن ثم جاء هذا الإعراضُ". قوله: (متوعدٌ عليه فيه) الضمير في "فيه" راجعٌ إلى قوله: "كتابا"، وقوله: "مدعو "ومنهيٌّ" و"متوعد"، قد تنازعت في الظرف.
[ ١٠ / ٣٢٧ ]
وقرئ (مَنْ مَعِيَ) و"مَنْ قَبْلِي" على "من" الإضافية في هذه القراءة. وإدخال الجار على «مع» غريب، والعذر فيه أنه اسم هو ظرف، نحو: قبل، وبعد، وعند، ولدن، وما أشبه ذلك، فدخل عليه «من» كما يدخل على أخواته. وقرئ: "ذكر معى وذكر قبلي". كأنه قيل: بل عندهم ما هو أصل الشرّ والفساد كله وهو الجهل وفقد العلم، وعدم التمييز بين الحق والباطل، فمن ثم جاء هذا الإعراض، ومن هناك ورد هذا الإنكار. وقرئ «الحق» بالرفع على توسيط التوكيد بين السبب والمسبب. والمعنى: أن
_________________
(١) ـ قوله: (على "مِن" الإضافية)، قال ابن جني: "هذا ذكرٌ من معي وذكرٌ من قبلي" بالتنوين، وكسرُ الميم من "مِن" هي قراءة يحيى بن يعمُرَ وطلحة بن مُصرف. وهذا أحدُ ما يدل على أن "مع" اسمٌ. حكى صاحبُ "الكتاب" وأبو زيدٍ ذلك عنهم، يقولُ: جئتُ من معهم، أي: من عندهم، فكأنه قال: هذا ذكرُ من عندي ومن قبلي، أي: جئتُ أنا به كما جاء به الأنبياء من قبلي. قوله: (وقرئ: "الحقُّ" بالرفع)، قال ابن جني: هي قراءة الحسن وابن محيصن. قال ابن جني وصاحب "المرشد": يجوز حينئذ الوقفُ على قوله: (لا يَعْلَمُونَ)، ويُبتدأ "الحق" بمعنى: هو الحقن والوقف التام عند قوله: (مُعْرِضُونَ). وقُلتُ: فعلى هذا (لا يَعْلَمُونَ) مطلقٌ من قبيل: فلانٌ يعطي ويمنع؛ ولذلك عبر عنه بالجهل. وقوله: "وهو الحقُّ" معترضٌ بين السبب والمسبب لتأكيد هذا الحكم، فإذا وقف على (مُعْرِضُونَ) كان الوقفُ تامًا من حيث المعنى؛ لأن السبب والمسبب كالشيء الواحد. وإذا وقف على (لا يَعْلَمُونَ) كان جائزًا من حيث اللفظ، فقول المصنف: "أن إعراضهم بسبب الجهل"، كلامٌ تامٌ، وقوله: "هو الحقُّ" توكيدٌ له، فهو وزان قوله: هذا عبد الله الحق
[ ١٠ / ٣٢٨ ]
إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل. ويجوز أن يكون المنصوب أيضا على هذا المعنى، كما تقول: هذا عبد الله الحق لا الباطل.
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ٢٥].
(يوحى) و(نُوحِي): مشهورتان. وهذه الآية مقرّرة لما سبقها من آي التوحيد.
(وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩].
نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله. نزه ذاته عن ذلك، ثم أخبر عنهم
_________________
(١) ـ لا الباطلُ، فلا تعلق لقوله: "بسبب الجهل" بقوله: "إعراضهم" ليُجعل الخبر "هوا لحق"، وقول من قال: الحكم بأن إعراضهم بسبب الجهل حقٌّ، يُحملُ على تلخيص المعنى كما مر آنفًا أن قوله: هو الحق معترضٌ لتأكيد الحكم، لا أنه عمد به إلى أن يبين تعلق قوله: "بسبب الجهل" بقوله: "بإعراضهم" كما توهم. قوله: ("يوحى، و(نُوحِي»، بالنون: حفصٌ وحمزة والكسائي، والباقون: بالياء. قوله: (وهذه الآية مقررةٌ لما سبقها من آي التوحيد)، وقلت: قد مر مرارًا أن السورة نازلةٌ في شأن النبوة وما يتعلق بها، وكلما فرغ من الكلام كرَّ إلى ما سيق له الكلام ليتعلق به نوعٌ آخر، فلما قيل: " (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ) وعلق به منشور التوحيد، وتوقيع (لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا)، جُعل ذريعةً وتخلصًا إلى قوله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا).
[ ١٠ / ٣٢٩ ]
بأنهم عباد والعبودية تنافى الولادة، إلا أنهم (مُكْرَمُونَ) مقرّبون عندي مفضلون على سائر العباد، لما هم عليه من أحوال وصفات ليست لغيرهم، فذلك هو الذي غرّ منهم من زعم أنهم أولادى، تعاليت عن ذلك علوا كبيرا. وقرئ "مكرّمون". و"لا يَسْبِقُونَهُ" بالضم، من: سابقته فسبقته أسبقه. والمعنى: أنهم يتبعون قوله ولا يقولون شيئا حتى يقوله، فلا يسبق قولهم قوله. والمراد: بقولهم، فأنيب اللام مناب الإضافة، أى لا يتقدّمون قوله بقولهم، كما تقول: "سبقت بفرسي فرسه"، وكما أنّ قولهم تابع لقوله، فعملهم أيضا كذلك مبنى على أمره: لا يعملون عملا ما لم
_________________
(١) ـ قوله: (مَن زعَمَ): مفعولُ "غَرَّ"، و"منهم": بيانُ "مَن"، أو: للتبعيض، وهو مفعولُ "غَرَّ"، و"مَن زعَمَ": بدلٌ منه. قوله: (مُفضلون على سائر العباد)، قال في "الانتصاف": جعل الزمخشري القرآن تبعًا لرأيه، وليس غرضُنا إلا بيان ذلك خاصة، فإن لفظ (مُكْرَمُونَ) لا يفيدُ إلا إكرامًا مطلقًا. أما على كونه مفضلين على سائر العباد، أو على بعضهم فلا. قوله: (أي: لا يتقدمون قوله بقولهم)، قيل: جعل "تقدم" متعديًا إلى واحدٍ وعداه بالباء إلى اثنين، ولم يوجد ذلك في اللغة، لكن يُجعلُ تركيبه بمنزلة نقله. قلتُ: لعل هذا السائل ما نظر إلى قوله في الحجرات: "قدمَه"، وأقدمه: منقولان بتثقيل الحشو والهمزة، مِن: قدمه: إذا تقدمه في قوله تعالى: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ) [هود: ٩٨]، ونظيرهُ معنى ونقلًا: سلفه وأسلفه … "، وأنشد الجوهريُّ للبيد: فمضى وقدمها … البيت، أي: تقدمها. قوله: (كما تقولُ: سبقتُ بفرسي فرسه)، قال القاضي: أصلُه: لا يسبقُ قولهم قوله، فنسب السبق إليه تعالى وإليهم، وجعل القول محله وقرينته تنبيهًا على استهجان السبق، وتعريضًا بالقائلين على الله ما لم يقُلهُ، ونحوه قال المصنفُ في قوله تعالى: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ
[ ١٠ / ٣٣٠ ]
يؤمروا به. وجميع ما يأتون ويذرون مما قدّموا وأخروا بعين الله، وهو مجازيهم عليه، فلإحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم، ويراعون أحوالهم، ويعمرون أوقاتهم. ومن تحفظهم أنهم لا يجسرون أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله وأهله للشفاعة في ازدياد الثواب والتعظيم، ثم إنهم مع هذا كله من خشية الله (مُشْفِقُونَ) أى متوقعون من
_________________
(١) ـ يدي اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [الحجرات: ١]: هو تمثيلٌ، وفيه تصويرُ الهُجنةِ والشناعةِ فيما نهُهوا عنهُ من الإقدام على أمرٍ من الأمور دون الاحتذاء على الكتاب والسُّنة. قوله: (بعين الله)، أي: بمراقبة الله، وهو حالٌ، وقال في طه: (عَلَى عَيْنِي) [طه: ٣٩] أي: أنا أراقبُك كما يُراقبُ الرجلُ الشيء بعينه: إذا اعتنى به. قوله: (فلإحاطتهم بذلك)، معناه: بسبب إحاطة الملائكة بأن الله تعالى مراقبٌ لأحوالهم كلها، وأنه يعلمُ ما بين أيديهم وما خلفهم يضبطون جميع أحوالهم، وبعضُ ذلك الضبط أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، فدل هذا الكلام على أن قوله تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ) عطفٌ على محذوفٍ هو مسببٌ عن جملة قوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)، وأن ذلك المحذوف عامٌّ في جميع ما يجب أن يُراعى ويحفظ من الأحوال، وقوله: (وَلا يَشْفَعُونَ) بعض منها، وإليه الإشارة بقوله "يضبطون أنفسهم، ويراعون أحوالهم ويعمرون أوقاتهم"، فقوله: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) تتميمٌ في غاية الحُسن لضبط أنفسهم، ورعاية أحوالهم كلها سابقها ولاحقها؛ ولذلك قال: "من أمارةٍ ضعيفةٍ كائنون على حذر"، وعن بعضهم، أي: يقولون: لعلنا نقصرُ في عبادة الله، والمؤمنون متوقعون من أمارة قوية لكثرة ذنوبهم. وفيه أن الصغيرة جائزةٌ للتعذيب. قوله: (للشفاعة في ازدياد الثواب والتعظيم)، مذهبه.
[ ١٠ / ٣٣١ ]
أمارة ضعيفة، كائنون على حذر ورقبة لا يأمنون مكر الله. وعن رسول الله ﷺ "أنه رأى جبريل ﵇ ليلة المعراج ساقطا كالحلس من خشية الله"، وبعد أن وصف كرامتهم عليه، وقرب منزلتهم عنده، وأثنى عليهم، وأضاف إليهم تلك الأفعال السنية والأعمال المرضية.
فاجأ بالوعيد الشديد، وأنذر بعذاب جهنم من أشرك منهم إن كان ذلك على سبيل الفرض والتمثيل، مع إحاطة علمه بأنه لا يكون، كما قال (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)] الأنعام: ٨٨ [قصد بذلك تفظيع أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد.
(أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء: ٣٠].
قرئ «ألم تر» بغير واو.
_________________
(١) ـ قوله: (ورقبة). الأساس: رقبهُ وراقبه: حاذره؛ لأن الخائف يرقُبُ العذاب. قوله: (كالحلس). النهاية: هو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، شُبه به للزومه. قوله: (فاجأ بالوعيد الشديد)، يعني: أتى بما لم يحتسب، وكان من مقتضى الظاهر بعد إجراء كل الصفات الكاملة على الملائكة المقربين أن يُعقب بالوعد العظيم، وبالثواب والتكريم، لكن جيء بقوله: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ)، أي: من دون الله، وهو وعيدٌ شديد؛ ليؤذن بأن الشرك أمر فظيع، وأنهم مع جلالتهم إن صدر منهم الشركُ، ترتب عليه ذلك العذاب نحو قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥]. قوله: ("ألم ير" بغير واو)، أي: بعد الهمزة: ابن كثيرٍ، والباقون: بالواو.
[ ١٠ / ٣٣٢ ]
و"رَتْقًا" بفتح التاء، وكلاهما في معنى المفعول، كالخلق والنقض، أى: كانتا مرتوقتين. فإن قلت: "الرتق" صالح أن يقع موقع "مرتوقتين" لأنه مصدر، فما بال الرتق؟ قلت: هو على تقرير موصوف، أى: كانتا شيئا رتقا. ومعنى ذلك: أن السماء كانت لاصقة بالأرض لا فضاء بينهما. أو كانت السماوات متلاصقات، وكذلك
_________________
(١) ـ قوله: (و"رتقًا" بفتح التاء، وكلاهما في معنى المفعول)، قال ابن جني: قراها الحسنُ وعيسى الثقفيُّ، وقد كثُرَ عنهم مجيءُ المصدر على "فعل" ساكن العين، واسمُ المفعولِ منه على "فعلٍ" مفتوحها، فالرتق بفتح التاء هوالمرتوقُ، كالنقض والطرد بمعنى المنقوض والمطرود. قوله: ("الرتقُ" صالحٌ أن يقع)، تلخيصه: المصدر يصح أن يُراد به التثنية والجمعُ والواحدُ، فما بالُ: "الترقُ" بفتح التاء؛ فإنه اسم مفعول استعمل بمعنى: مرتقوتين. وأجاب: أن السماوات والأرض يقع عليهما اسمُ الشيء، فكأنه قيل: شيئًا رتقًا. الراغب: الرتق: الضمُّ والالتحامُ خلقةً كان أو صنعةً، قال تعالى: (كَانَتَا رَتْقًا)، أي: منضمتين، والرتقاءُ من الجارية: المنضمة الشفرتين، وفلانٌ راتقٌ وفاتقٌ في كذا أي: هو عاقدٌ وحال. قوله: (أن السماء كانت لاصقة) ن روى محيي السنة، عن مجاهد والسدى: كانت السماوات مرتقةً طبقةً واحدة، ففتقها فجعلها سبع سماواتٍ، وكذلك الأرضُ. وقال عكرمةُ وعطيةُ: كانت السماءُ رتقًا لا تُمطر، والأرض رتقًا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات. وقال الزجاجُ: ويدل على هذا التفسير قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا
[ ١٠ / ٣٣٣ ]
الأرضون لا فرج بينها ففتقها الله وفرّج بينها. وقيل: ففتقناهما بالمطر والنبات بعد ما كانت مصمتة، وإنما قيل: (كَانتَاَ) دون "كنّ"، لأنّ المراد جماعة السماوات وجماعة الأرض، ونحوه قولهم: "لقاحان سوداوان"، أى: جماعتان، فعل في المضمر نحو ما فعل في المظهر. فإن قلت: متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك؟
_________________
(١) ـ مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، وقال القاضي: فعلى هذا المراد بالسماوات: سماءُ الدنيا، وجمعها باعتبار الآفاق، أو: السماوات بأسرها على أن لها مدخلًا ما في الأمطار. قوله: (مُصمتةً): الأساس: شيءٌ مصمتٌ: لا جوف له، وقُفلٌ مصمتٌ: قد أُبهم إغلاقه. قوله: (لقاحان سوداوان)، الجوهري: اللقاح بالكسر: الإبل بأعيانها، الواحدة لقوح، وهي الحلوب، وقولهم: لقاحان سوداوان كما قالوا: قطيعان؛ لأنهم يقولون: لقاحٌ واحدةٌ، كما يقولون: قطيع واحدٌ، وإبلٌ واحد. قوله: (فُعِلَ في المضمر)، أي: في (كَانَتَا)، حيثُ جعل ضمير "السماوات"، وضمير "الأرض"، كل واحدٍ منهما بمنزلة جماعة، كما في المظهر، "أي": "لقاحان". قوله: (متى رأوهما رتقًا حتى جاء تقريرهم بذلك)، أي: الهمزة في (أَوَلَمْ يَرَ) للتقرير، وتحريرُ السؤال والجواب ما ذكره الإمام، قال: لقائل أن يقول: إن المراد بالرؤية إما النظر وإما العلمُ، والأولُ مشكل؛ لأن القوم ما رأوهما قطُّ، لقوله تعالى: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [الكهف: ٥١]، والثاني كذلك؛ لأن الجسام قابلةٌ للفتق والرتق في أنفسها، فالحكم عليها بالرتق أولًا، وبالفتق ثانيًا، لا سبيل إليه إلا بالسمع، والمناظرةُ مع المنكرين للرسالة؟ والجوابُ: أن المراد من الرؤية: العلمُ، ودفعُ السؤال من وجهين، أحدهما: إنا نثبتُ نبوةَ محمدٍ صلواتُ الله وسلامه عليهن ثم نستدل بقوله، ثم نجعله دليلًا على حصوله.
[ ١٠ / ٣٣٤ ]
_________________
(١) ـ وثانيهما: أن يُحمل الفتقُ والرتقُ على إمكانهما، والعقلُ يدل عليه، لأن الأجسام يصحُّ عليها الاجتماعُ والافتراق، فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصًا. ويجوزُ أن يقال: إن أهل الكتاب كانوا عالمين بذلك، وكان بين عبدة الأوثان وبينهم مخالطة، فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الحجة بناء على أنهم يقبلون قولهم. وقال صاحب "الفرائد": أما الجواب الأول لصاحب "الكشاف" فمنظورٌ فيه؛ لأنهم كُفار، فكيف يكون لهم اعتقادٌ بما في القرآن لكونه في القرآن؟ فإن قيل: لما كان القرآن معجزةً وجب أن يؤمنوا به ثم يروا ذل. قُلنا المراد من هذا إنكارُ إشراكهم، وأنهم لم يستدلوا به على أنه واحدٌ لا شريك له؛ لأنهم مقرون بأن السماوات والأرض وما يتعلق بهما لم يكن إلا مخلوقًا لله تعالى، وأنه لا يمكن مثلُ ذلك مما جعلوه له شركاء. فكيف يستقيمُ أني قال لهم: لِمَ لمْ تعلموا أن النبي ﷺ حقٌّ بما أتى به من الكتاب؛ لتروا أن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما، أي: لتعلموا، لأنكم وجدتموه في الكتاب، ثم تعلموا أنه واحدٌ لا شريك له، ولا يتوقفُ العلم بالتوحيد على العلم بالنبي صلى الله عليه ولم، وكما يدل الرتق يدل الفتق مع أن العلم بالفتق ضروريٌّ، وبالرتق استدلالي. والاعتراضُ على الثاني أن يقال: كما أنه لابد للتباين من مخصص، لابد للتلاصق من مخصص؛ لأنه يمكن أن يكون متلاصقين، كما يمكن أن يكونا متباينين، ووجوب المخصص باعتبار الجواز، فكان لا الطرفين مفتقرًا إلى المخصص فقوله: "فلابد للتباين دون التلاصق من مخصص" مع أنه موهم بتخصيص المخصص بالتباين في جواب السائل: "متى رأوهما رُتِقا؟ " منظورٌ فيه. وقلتُ: إذا حُمل على فتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات، فالمعنى ظاهرٌ. وإذا حُمل أن السماوات كانت طبقةً واحدة ففتقها الله تعالى وجعلها سبعًا، وكذا الأرض،
[ ١٠ / ٣٣٥ ]
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه، فقام مقام المرئىّ المشاهد. والثاني: أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل، فلا بدّ للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم سبحانه.
_________________
(١) ـ فالمراد من قوله: (أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا) فليعلموا ذلك، على هذا المعنى حُمل في "التفسير"، وقال في هذا الوجه: (أَفَلا يُؤْمِنُونَ): أفلا يصدقون. تم كلام صاحب "الفرائد". وقلتُ: ولا ارتياب في بُعد ذلك الاستدلال، فنهم إذا استدلوا بأن القرآن حقٌّ، فأيُّ حاجة إلى العلم بأن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما؛ فإن علم التوحيد والتنزيه فيه أشد سطوعًا من ذلك، فيجوزُ إثبات التوحيد بقول الرسول ﷺ، لما تقرر في الأصول: أن إثبات للرسالة موقوفٌ على وجود الصانع، لا على وحدته. فنقول: إن هذا الإنكار وقع مع الذين نسبوا الولد إلى الله تعالى، فهم لا ينكرون البتة بأنه ﷾ خالقُ السماوات والأرض ومبدعهما ومخترعهما، ألا ترى إلى قوله تعالى في البقرة: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [البقرة: ١١٦ - ١١٧]، وفي الأنعام: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ) [الأنعام: ١٠١]؟ فكأنه قيل لهم: كيف تتفوهون بهذه العظيمة، وتغفلون عما أنتم مقرون به وتعتقدونه من أنا أبدعنا هذه الأجرام العظام، واخترعناها ابتداءً، فهلا تتفكرون فتعلمون أن مبدع السماوات والأرض لا يستقيم أن يوصف بالولادة كما سبق في "الأنعام"، فوضع موضع "أبدع السماوات والأرض" قوله تعالى: (أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) مزيدًا للتصور، أنه تعالى يصورُ لهم تلك الحالة التي وقعت الخلقةُ والإبداعُ عليها ليكون أردع وأزجر. وإذا كانوا مقرين بأصل الإبداع فأي بُعدٍ في إثبات العلم بذكر الفتق والرتق الذي هو بيان حالة الإبداع وتفصيلهن بل هو آكد؟ ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا) بعد قوله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا)، حيث وضع (الَّذِينَ كَفَرُوا) موضع الضمير للإشعار بأن القائلين ستروا الحق، وغطوا على عقولهم بهذا القول الفظيع، والله تعالى أعلم.
[ ١٠ / ٣٣٦ ]
(وَجَعَلْنا) لا يخلو أن يتعدى إلى واحد أو اثنين، فإن تعدّى إلى واحد، فالمعنى: خلقنا من الماء كل حيوان، كقوله (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ)] النور: ٤٥ [، أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه، كقوله تعالى (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ)] الأنبياء: ٣٧ [وإن تعدى إلى اثنين فالمعنى: صيرنا كل شيء حىّ بسبب من الماء لا بدّ له منه. و«من» هذا نحو «من» في قوله ﵇ «ما أنا من دد ولا الدد منى» وقرئ: "حيا"، وهو المفعول الثاني. والظرف لغو.
_________________
(١) ـ قوله: (فالمعنى: خلقنا من الماء)، يعني: إذا جعل (وَجَعَلْنَا) متعديًا إلى مفعولٍ واحد فهو بمعنى: خلقنا، فـ"مِنْ" إما ابتدائيةٌ أو بيانيةٌ، فعلى أن تكون ابتدائيةً: الجار والمجرورُ متصل بالفعل، و(كُلَّ شَيْءٍ): مفعولٌ به، و(حَيٍّ): صفةٌ للشيء، فالمعنى: أنشأنا كل حيوان من الماء، وهو المراد من قوله: "خلقنا من الماء كل حيوان"، فقدم الجار والمجرور على المنصوب، وعلى الثاني: الجار والمجرورُ حالٌ قُدمت على صاحبها؛ لكونها نكرةً، وأنت تعلمُ أن "مِن" البيانية قد تكونُ تجريدية، نحو: رأيتُ منك أسدًا، جُردَ من الماء الحي مبالغةً، كأنه هو، وإليه الإشارة بقوله: "أو كأنما خلقناه من الماء لفرطِ احتياجه إليه"، فأخر الظرف، وإذا جُعِلَ متعديًا إلى مفعولين كان المعنى صيرنا، فـ"مِنْ": إما اتصاليةٌ، أو صلةٌ، فعلى الأول المعنى: كل حيٍّ متصلٌ بالماء وملابسٌ له، كقوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [التوبة: ٦٧]، أي: مُشتبكٌ ببعض متصلٌ بالأسباب، وإليه الإشارة بقوله: "بسببٍ من الماء"، أي: مخالطٌ به غير منفك عنه؛ لأن السبب هو: ما تُوصل به إلى المقصود من علم أو آلةٍ أو قدرة، وعلى الثاني الظرف: لغوٌ، فيحتاجُ "جعلنا" إلى مفعولين؛ لأن اللغو: ما يتم الكلام بدونه، وإليه الإشارة بقوله: "حيًا"، وهو المفعول الثاني، والظرف لغوٌ. قوله: (ما أنا من ددٍ، ولا الددُ مني)، النهاية: الددُ: اللهوُ واللعبُ، وهي محذوفةُ اللام، ولا يخلو المحذوفُ من أن يكون ياءً، كقوله: يدٌ في يدي، أو نونًا كقولهم: لدُ في لدن، ومعنى التنكير في الأول: الشياعُ والاستغراق، وأن لا يبقى شيءٌ منه إلا وهو منزهٌ
[ ١٠ / ٣٣٧ ]
(وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ) [الأنبياء: ٣١ - ٣٢].
أى: كراهة (أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) وتضطرب. أو لأن تميد بهم، فحذف «لا» واللام.
_________________
(١) ـ عنه صلواتُ الله وسلامه عليهن أي: ما أنا في شيءٍ من اللهو واللعب، والتعريفُ في الثاني: للعهد، أي: ولا ذلك النوع مني، وإنما لم يقل: ولا هو مني لأن الصريح آكد وأبلغ. وقيل: اللامُ للجنس. قال: واختار الزمخشري الأول وقال: ليس يحسنُ أن تكون للجنس؛ لأنه يخرجُ الكلام عن التئامه، والكلام جملتان وفي الموضعين المضافُ محذوف، أي: ما أنا من أهل ددٍ، ولا الددُ من أشغالي. قال أبو عليٍّ: قد جاء: "موالي القوم منهم"، و"الأذُنانِ من الرأس" وقال تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [التوبة: ٦٧]، أي: بعضٌ يُلابس بعضًا ويوالي بعضًا، وليس المعنى على النسل والولادة؛ لأنه قد يكونُ من نسل المنافق مؤمنٌ وبالعكس. وعن بعضهم: أي: ما أنا لعبي ولا الددينوي، كقوله تعالى: (أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأَرْضِ) أي: آلهةً أرضيةً، أي: جعلنا كل رطبٍ مائيًا. قوله: (أي: كراهة (أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) وتضطرب، أو لأن لا تميد بهم)، الانتصاف: وأولى من هذين الوجهين أن يكون مثل قولك: أعددتُ هذه الخشبة أن يميل الحائط، أي: أعددتها أن أدعم الحائط بها إذا مال، وقدم ذكر الميل عنايةً بأمره، ولأنه السبب في الإدعام، والإدعامُ سببُ إعدادِ الخشبة، فعامل سبب السببِ معاملةَ السبب، فكذا هذا، أي: يُثبتها إذا مادت. المعنى: خلقنا في الأرض رواسي لأن تستقر الأرضُ بها إذا مادت، قال: هذا أقربُ من قول الزمخشري، إذ مكروه الله تعالى محالٌ أن يقع، ولأن المُشاهد خلافُه،
[ ١٠ / ٣٣٨ ]
وإنما جاز حذف «لا» لعدم الالتباس، كما تزاد لذلك في نحو قوله (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهلُ الكِتَابِ)] الحديد: ٢٩ [وهذا مذهب الكوفيين.
الفج: الطريق الواسع. فإن قلت: في الفجاج معنى الوصف، فما لها قدمت على السبل ولم تؤخر كما في قوله تعالى (لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا)] نوح: ٢٠ [؟ قلت: لم تقدّم وهي صفة، ولكن جعلت حالا كقوله:
لعزّة موحشا طلل قديم
_________________
(١) ـ فكم من زلزلة أمادت الأرض، وعلى تقديرنا معناه: أن الله تعالى يُثبت الأرض بالجبال إذا مادت، وذلك لا ينافي الميد. قوله: (الفج: الطريق الواسع)، الراغب: الفج: شقةٌ يكتنفها جبلان، قال تعالى: (مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) [الحج: ٢٧]، وقال: (فِجَاجًا سُبُلًا)، والفجج: تباعد الركبتين، وهو أفج، من الفجج، ومنه: حافرٌ مفججٌ، وجرحٌ فجٌّ: لم ينضج. قوله: (لعزة موحشًا طللٌ قديمُ)، تمامه: عفاه كل أسحم مستديم مذهب الكوفيين والأخفش أن "طللٌ" فاعلٌ "لعزةَ"، والحالُ مقدمٌ على ذي الحال. ومذهب سيبويه أن ذا الحال هو الضمير المستتر في "لعزةَ"، و"طللٌ" مبتدأ، والتقديرُ: طللٌ قديمٌ حصل لعزة موحشًا، فلا تكون مقدمةً على ذي الحال النكرة، والتمثيل إنما يصح على مذهب الكوفيين والأخفش.
[ ١٠ / ٣٣٩ ]
فإن قلت: ما الفرق بينهما من جهة المعنى؟ قلت: أحدهما: الإعلام بأنه جعل فيها طرقا واسعة.
والثاني: بأنه حين خلقها خلقها على تلك الصفة، فهو بيان لما أبهم ثمة، محفوظا حفظه بالإمساك بقدرته من أن يقع على الأرض ويتزلزل، أو بالشهب عن تسمع الشياطين على سكانه من الملائكة.
(عَنْ آياتِها) أى عما وضع الله فيها من الأدلة والعبر بالشمس «٢» والقمر وسائر النيرات، ومسايرها وطلوعها وغروبها، على الحساب القويم والترتيب العجيب، الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة، وأىّ جهل أعظم من جهل من أعرض
_________________
(١) ـ قوله: (ما الفرقُ بينهما من جهة المعنى؟)، أي: بين قوله: (سُبُلًا فِجَاجًا) [نوح: ٢٠] وبين قوله: (فِجَاجًا سُبُلًا)، وخلاصةُ الجواب: أن (سُبُلًا فِجَاجًا): دل على أنه تعالى جعل فيها طرقًا واسعة، ولكن لم يعلم كيفية خلقها، أي: أنها خُلقت ابتداءً كذلك أم غُيرت من حالة إلى حالة، فبين بقوله: (فِجَاجًا سُبُلًا) أنها كانت فجاجًا غير نافذةٍ مانعة لقاصديها من السلوك، ثم جعلت نافذةً مسلكةً امتنانًا، كقوله تعالى: (أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا)، وهو المراد من قوله: "فهو بيانٌ لما أبهم ثمةَ"، أي: في تلك الآية. وقال محيي السُّنة: الفج: الطريق الواسع بين جبلين، و(سُبُلًا): تفسيرٌ للفجاج. معناه ما قال صاحب "المطلع": (سُبُلًا): تفسيرٌ للفجاج، وبيانُ أن تلك الفجاج نافذةٌ مسلوكةٌ، فقد يكون الفج غير نافذ. وقال الزجاجُ: كل مخترق بين جبلين فهو فج. فإن قلت: لم قُدم هاهنا، وأخر هناك؟ قلتُ: تلك الآية واردةٌ لبيان الامتنان على سبيل الإجمال، وهذه لبيان الاعتبار، والبعث على إمعان النظر فيه، وذلك يقتضي التفصيل، ومن ثم عقب قوله: (كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) بهذه، وهذا يُقوي ما ذهبنا إليه في إيثار "الفتقِ" و"الرتْقِ" على "الإبداع" لاقتضاء المقام التفصيل.
[ ١٠ / ٣٤٠ ]
عنها ولم يذهب به وهمه إلى تدبرها، والاعتبار بها، والاستدلال على عظمة شأن من أوجدها عن عدم، ودبرها ونصبها هذه النصبة، وأودعها ما أودعها مما لا يعرف كنهه إلا هو عزت قدرته ولطف علمه.
وقرئ "عن آيتها"، على التوحيد، اكتفاء بالواحدة في الدلالة على الجنس أى: هم متفطنون لما يرد عليهم من السماء من المنافع الدنيوية، كالاستضاءة بقمريها، والاهتداء بكواكبها، وحياة الأرض والحيوان بأمطارها، وهم عن كونها آية بينة على الخالق (مُعْرِضُونَ).
_________________
(١) ـ قوله: (هذه النصبة)، "النصبةُ": مصدرٌ بمعنى النوع، كالركبة والجلسة، أي: نوعٌ منه عجيبٌ. قوله: (وقرئ: "عن آيتها" على التوحيد اكتفاءً بالواحدة في الدلالة على الجنس)، يعني: المرادُ بالآية ما يدل على وجود الصانع القادر العليم الحكيم، وذلك كما يحصلُ من مجموع ما وضع في السماء من الشمس والقمر والنجوم ومسايرها وغير ذلك، قد يحصل من واحدةٍ منها. والمرادُ بالإعراض: إنكارُ كونها دالةً على المطلوب، يعني: أنهم متفطنونَ لتلك التفاصيل، ويدركون أوضاعها وينتفعون منها بالمنافع الدنيوية، لكنهم معطلةٌ ينكرون المنفعة العظمى، وهي دلالتها على وجود مُنشئها، وأنه فاعلٌ مختار، ومعبودٌ مستحقٌّ أن يُعبد، فيدخل فيه المنجمون والطبيعيون والمعاندون، وهؤلاء أسوأ حالًا من الأولين، وأما المعنى بالآيات على قراءة الجمع فهو ما وضع فيها من الدلائل والعبر المتكاثرة. والمرادُ بالإعراض: الذهول، وعدم إجالة الفكر، فهم كالأنعام ساهون غافلون، كقوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) [يوسف: ١٠٥]، أي: لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون، ومن ثم قال: "وأيُّ جهلٍ أعظمُ من جهلِ من لم يذهب وهمه إلى مدبرها والاعتبار بها".
[ ١٠ / ٣٤١ ]
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء: ٣٣].
(كُلٌّ) التنوين فيه عوض من المضاف إليه، أى: كلهم فِي (فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) والضمير للشمس والقمر، والمراد بهما جنس الطوالع كل يوم وليلة، جعلوها متكاثرة لتكاثر مطالعها وهو السبب في جمعهما بالشموس والأقمار، وإلا فالشمس واحدة والقمر واحد، وإنما جعل الضمير واو العقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة.
فإن قلت: الجملة ما محلها؟ قلت: محلها النصب على الحال من الشمس والقمر. فإن قلت: كيف استبدّ بهما دون الليل والنهار بنصب الحال عنهما؟ قلت: كما تقول:
_________________
(١) ـ قوله: (جنسُ الطوالع كل يوم)، ["كل يوم"] متعلقٌ بـ"الطوالع". قوله: (وهو السبب في جمعهما، بالشموس والأقمار)، قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: لما ذكر الشمس والقمر جعل الضمير لكل ما يسبح وهو الكواكب السيارة. وقوله: "وهو السبب في جمعهما" منظورٌ فيه؛ لأن الجمع - باعتبار كل واحد منهما-: اسمُ جنس، وفي صيرورة اسم الجنس جمعًا لا يفتقرُ إلى وجود الجمع، وهذا ظاهرٌ. قلتُ: في كلامه غموضٌ وإن قال: "هذا ظاهرٌ"، لعل مُراده أن الجمع في الآية ليس كالجمع في المثال؛ لأن الجمع في المثال باعتبار استقلال كل واحدٍ من الشمس والقمر في إرادة الجمعية منه؛ لطلوعه كل يوم وليلةٍ من مشرق، ومنه قوله تعالى: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) [المعارج: ٤٠]، وهذا لا يقتضي الجمعية في (يُسَبِّحُونَ) باعتبار أن كل واحدٍ من الشمس والقمر اسمُ جنس، ولذلك غير صاحبُ "التقريب" العبارة حيثُ قال: الضمير للشمس والقمر، والمراد جنس الطوالع، أوالكثرةُ باعتبار كثرة مطالعها؛ ولذلك جُمعا بالشموسِ والأقمار. والوجه الأول من باب التغليبن غُلبَ القمرانِ على سائر السيارة لشرفهما، والثاني من أسلوب المثال المذكور في الكتاب، وأما قولُ المصنفِ: "المرادُ بهما جنسُ الطوالع كل يوم وليلة"، فهو أن ذكرهما لإرادة مطالعهما كل يوم وليلة، يدل عليه قوله: جعلوه متكاثرة لتكاثر مطالعها.
[ ١٠ / ٣٤٢ ]
"رأيت زيدا وهندا متبرجة" ونحو ذلك، إذا جئت بصفة يختص بها بعض ما تعلق به العامل. ومنه قوله تعالى في هذه السورة (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً)] الأنبياء: ٧٢ [أو لا محل لها لاستئنافها. فإن قلت: لكل واحد من القمرين فلك على حدة، فكيف قيل: جميعهم يسبحون في فلك؟ قلت: هذا كقولهم «كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفا» أى كل واحد منهم، أو كساهم وقلدهم هذين الجنسين، فاكتفى بما يدل على الجنس اختصارا، ولأنّ الغرض الدلالة على الجنس.
(وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥].
كانوا يقدّرون أنه سيموت فيشمتون بموته، فنفى الله تعالى عنه الشماتة بهذا، أي:
_________________
(١) ـ قوله: (هذا كقولهم: كساهُم الأمير حُلةً)، قال صاحب "الفرائد": قولنا: كلهم في دار، مثلًا، يحتملُ وجهين: أن يكونوا مجتمعين في دار، وأن يكون كل واحدٍ منهم في دار على حدة، فلابد هاهنا من قرينة، والأول أسبق إلى الفهم، وهو أنه كونه حقيقةً، ولما كان كل واحدٍ منهما في فلك على حدة ظاهرًا عُلم أن المراد هو الثاني. قوله: (أو كساهم وقلدهم)، قال بعضهم: فالمجاز في الأول في "هم" من كساهم، وفي الثاني في "حُلةً"، كأنه أطلق فردًا وأراد به الجنس، وفي الثاني أراد به الجنس كما في قولهم: تمرةٌ خيرٌ من جرادةٍ. قوله: (كانوا يقدرون أنه سيموتُ فيشتمون بموته)، إشارةٌ إلى الرجوع إلى ما سيق له الكلامُ في السورة من حديث النبوة، ليتخلص به إلى تقرير مشرع آخر، وذلك أنه تعالى لما أفحم القائلين باتخاذ الولد، وبكتهم بالدليل الإلزامي كما مر، ذكر ما يدل على إفحامهم وهو قوله: (أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ)؛ لأن الخصم إذا لم يبق له متشبثٌ في الحجة تمنى هلاك خصمه، قال القاضي: الفاء في (أَفَإِيْنْ مِتَّ) لتعليق الشرط بما قبله، والهمزةُ لإنكاره بعد ما تقرر.
[ ١٠ / ٣٤٣ ]
قضى الله أن لا يخلد في الدنيا بشرا، فلا أنت ولا هم إلا عرضة للموت. فإذا كان الأمر كذلك فإن مت أنت أيبقى هؤلاء؟ وفي معناه قول القائل:
فقل للشّامتين بنا أفيقوا … سيلقى الشّامتون كما لقينا
أى نختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب فيه الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر، وإنما سمى ذلك ابتلاء وهو عالم بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم، لأنه في صورة الاختبار. و(فِتْنَةً) مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه.
(وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) [الأنبياء: ٣٦].
الذكر يكون بخير وبخلافه، فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد، كقولك
_________________
(١) ـ قوله: (إلا عرضةٌ للموت)، الجوهري: جعلتُ فلانًا عرضةً لكذا، أي: نصبته له. قوله: (فقل للشامتين)، قبله: إذا ما الدهر جر على أناس … كلاكله أناخ بآخرينا فقُل للشامتين بنا: أفيقوا … سلقى الشامتون كما لقينا الكلاكلُ: جمعُ كلكلة، وهي الصدرُ، يقول: إذا الدهرُ ألقى على أناس كلاكلُه، أي: عصرهم فأهلكهم، أناخ بعدهم على آخرين فيفنيهم، فقُل للشامتين أن ينتهوا ولايشمتوا فسيلقون من حوادث الزمان أكثر ما لقينا؛ لأن الإناخة أصعبُ من جر الكلاكل. قوله: (أطلقَ ولم يُقيدْ)، وفيه لطيفةٌ، يعني: أن "الذكْرَ" من الألفاظ المطلقةِ كالمشترك يحتاجُ في تقييده بمتعينٍ إلى قرينة، فإذا حصلت القرينةُ ينبغي أن لا يقيدَ، أي: لا يُذكر معهُ
[ ١٠ / ٣٤٤ ]
للرجل: "سمعت فلانا يذكرك"، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء، وإن كان عدوّا فذمّ.
ومنه قوله تعالى: (سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ) [الأنبايء: ٦٠] وقوله: (أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) والمعنى أنهم عاكفون على ذكر آلهتهم بهممهم وما يجب أن لا تذكر به، من كونهم شفعاء وشهداء. ويسوؤهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك. وأما
_________________
(١) ـ الخيرُ أو الشر؛ لكون القرينة تكفي في التقييد. فقولهم: (أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) متضمنٌ لتحقير شأن الآلهة، فالذكرُ متعينٌ للذم، وقوله: (وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ) إنكارٌ عليهمُ الإعراض عمن هو موصوفٌ بصفة العظمة، وأن جلائل النعم وعظائم الأفضال ليس إلا منه، فالذكرُ لا يكونُ إلا للمدح، وتخصيصُ ذكرِ "الرحمنِ" كالتتميم لقوله: (وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ)؛ لأنه حالٌ مقررةٌ لجهة الإشكال، وإليه الإشارةُ بقوله: "أنهم عاكفون … بهممهم" إلى آخره، إذ المعنى: العجب أنهم بمجامع هممهم يذكرون بالتعظيم ما يجب أن لا يُذكر إلا بالمذمة، الحالُ أنهم معرضون كافرون عن ذكر ما يجب أن يذكر بكل الفضائل، لكونه رمانًا له الرحمة الواسعة في الدنيا والآخرة. وفي تكرير "هم" وتقديم الجار والمجرور على عامله: شأنٌ في الإنكار، وتوبيخٌ عظيمٌ يقتضي أكثر مما قال: "لا يُصدقون به أصلًا". قوله: (ويسوؤهم أن يذكرها ذاكرٌ بخلاف ذلك)، الانتصاف: وإنما لم يقولوا: أهذا الذي يذكرُ آلهتكم بكل سُوء، استفظاعًا منهم أن يحكوا ما قال من رميها بأنها لا تسمعُ ولا تُبصر ولا تنفعُ ولا تضرُّ، حاشوها من نقل ذمه فرموا إليه بالإشارة، كما يتحاشى المؤمنُ من حكاية كلمةِ الكفر فيومئ إليها، فسبحان من أضلهم فتأدبوا مع الأوثان، وأساؤوا الأدب مع الرحمن! وفي قول المصنف: "أن لا يذكر به من كونهم شُفعاء وشُهداء" إيماءٌ إلى هذا المعنى. الراغبُ: الذكرُ: تارةً يقالُ ويرادُ به هيئةٌ للنفسِ بها يمكنُ للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه
[ ١٠ / ٣٤٥ ]
ذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، فهم به كافرون لا يصدّقون به أصلا فهم أحق بأن يتخذوا هزؤا منك، فإنك محق وهم مبطلون. وقيل معنى (بِذِكْرِ الرَّحْمنِ) قولهم: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة، وقولهم (وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَامُرُنا)] الفرقان: ٦٠ [وقيل (بِذِكْرِ الرَّحْمنِ) بما أنزل عليك من القرآن. والجملة في موضع الحال، أى: يتخذونك هزؤا، وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بالله.
(خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [الأنبياء: ٣٧ - ٣٨]
كانوا يستعجلون عذاب الله وآياته الملجئة إلى العلم والإقرار (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ) فأراد نهيهم عن الاستعجال وزجرهم، فقدم أو لا ذم الإنسان على إفراط العجلة، وأنه مطبوع عليها، ثم نهاهم وزجرهم، كأنه قال: ليس ببدع منكم أن تستعجلوا فإنكم مجبولون على ذلك وهو طبعكم وسجيتكم. وعن ابن عباس
_________________
(١) ـ من المعرفة، وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يُقالُ اعتبارًا بإحرازه، والذكرُ اعتبارًا باستحضاره، وتارةً يقالُ لحضور الشيء بالقلب والقول، ولذلك قيل: الذكرُ ذكران: ذكرٌ بالقلب، وذكرٌ باللسان، وكل منهما ضربان: ذكرٌ عن نسيانٍ وذكرٌ لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقالُ له: ذكرٌ. قوله: «بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ): قولهم: ما نعرفُ الرحمن)، يعني: يرادُ بـ"الذكر": الاسمُ، أي: باسم الرحمن، أي: ما نعرفُ من يُسمى به سوى مُسيلمة. قوله: (فإنكم مجبولون على ذلك، وهو طبعكم وسجيتكم)، قال القاضي: كأنه خُلق منه لفرط استعجاله، وقلة تأنيه، كقولك: زيدٌ من الكرم، جعل ما طُبع عليه منزلة المطبوع عنه مبالغةً في لزومه له. ومن عجلته: مبادرته إلى الكفر، واستعجاله الوعيد.
[ ١٠ / ٣٤٦ ]
﵁: أنه أراد بالإنسان آدم ﵇، وأنه حين بلغ الروح صدره ولم يتبالغ فيه أراد أن يقوم. وروى أنه لما دخل الروح في عينه نظر إلى ثمار الجنة، ولما دخل جوفه اشتهى الطعام. وقيل خلقه الله تعالى في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس، فأسرع في خلقه قبل مغيبها. وعن ابن عباس ﵁ أنه النضر بن الحارث. والظاهر أن المراد الجنس. وقيل «العجل»: الطين، بلغة حمير. وقال شاعرهم:
والنّخل ينبت بين الماء والعجل
والله أعلم بصحته.
_________________
(١) ـ قوله: (ولم يتبالغ فيه)، أي: لم يتمكن من البلوغ فيه. قوله: (والظاهر أن المراد الجنسُ)، يعني به القول الأول، وهو قوله: "فقدم أولًا ذم الإنسان"، يدل عيه قوله: "ليس ببدع منكم أن تستعجلوا، فإنكم مجبولون على ذلك". وقوله: "وعن ابن عباس ﵄ أن النضر" عطفٌ على قوله: "عن ابن عباس أنه أراد بالإنسان آدم ﵇"، على هذين القولين التعريفُ في الإنسان للعهد، وقوله: "قيل: العجلُ: الطين" متفرعٌ على القول بالجنس، فيكونُ القصدُ تحقير شأنه تتميمًا لمعنى التهديد في قوله: (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي)، أي: لا تستعجلوا أيها المُهانون سأريكم ما تستعجلونه من العذاب، ونظيره في التحقير: (قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) [عبس: ١٧ - ١٩]. قوله: (والنخلُ ينبتُ بين الماء والعجل)، أوله في "المعالم": والنبعُ في الصخرة الصماء منبته النبعُ: شجرةٌ يُتخذُ منها القسيُّ.
[ ١٠ / ٣٤٧ ]
فإن قلت: لم نهاهم عن الاستعجال مع قوله (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) وقوله (وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا)] الإسراء: ١١ [، أليس هذا من تكليف ما لا يطاق؟ قلت: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها، لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة. وقرئ: خلق الإنسان.
(لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَاتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) [الأنبياء: ٣٩ - ٤٠].
جواب لَوْ محذوف. و(حِينَ) مفعول به ل (يعلم)، أى: لو يعلمون الوقت الذي يستعلمون عنه بقولهم (مَتى هذَا الْوَعْدُ) وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدّام، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم: لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به
_________________
(١) ـ قوله: (من وراء وقُدامُ)، صح بالرفع على معنى الغاية، كـ: بعدُ وقبلُ. قوله: (لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال)، هذا هو جواب "لو" المقدرُ، والمراد بالكفر: ما في قوله: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، وبالاستهزاء: قوله: (أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ)؛ لأنه بيانٌ لقوله: (إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا) وفي اسم الإشارة معنى التعظيم كما في قوله: هذا أبو الصقرِ فردًا في محاسنه ليستقيم الاستهزاءُ، أي: هذا النبيُّ المعظمُ يذكرُ آلهتكم، أي يعبها، قال الواحدي: (إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا) ما يتخذونك إلا هُزوًا، نزلت في أبي جهل مر به النبي ﷺ وقال: هذا نبيُّ بني عبد مناف. وبالاستعجال: قوله: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ)، وقد أشار
[ ١٠ / ٣٤٨ ]
هو الذي هوّنه عندهم. ويجوز أن يكون (يَعْلَمُ) متروكا بلا تعدية، بمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين. و(حين): منصوب بمضمر، أى حين (لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ) يعلمون أنهم كانوا على الباطل وينتفي عنهم هذا الجهل العظيم، أى: لا يكفونها، بل تفجؤهم فتغلبهم. يقال للمغلوب في المحاجة: "مبهوت". ومنه: (فبهت الذي كفر)] البقرة: ٢٥٨ [، أى: غلب إبراهيم ﵇ الكافر. وقرأ الأعمش: "يأتيهم … فيبهتهم"، على التذكير. والضمير للوعد أو للحين.
_________________
(١) ـ بهذا إلى وجه توفيق النظم بين الآيات، وذلك أن قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) في قوله تعالى: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) تكريرٌ لقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) في (أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ)، وهو كما سبق، مُظهرٌ وُضع موضع مضمر، المعنيُّ به القائلون: (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا)، فالمعنى: أنهم إنما استحقوا أن يُسموا كفارًا؛ لأنك لما عددت عليهم تلك الآيات الدالة على القدرة الباهرة، والحكمة البالغة، من الآثار: العلوية والسُّفلية، وأدمغت باطلهم وألقمتهم الحجر، أعرضُوا عنها وتمنوا موتك، واستهزؤوا بك وصغروا شأنك. ولما أنذرتهم بالعذاب، وأوعدتهم بنزول الهوان استعجلوه تكذيبًا، وذلك لجهلهم؛ لأنهم لو علموا ذلك الوقت الصعب لما ارتكبوا هذا الصعب، ولما أريد أن ينقل من الكفر والاستهزاء أتى بقوله: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) تمهيدًا؛ ويتخلص منه إليه، وإليه الإشارة بقوله: "فأراد نهيهم عن الاستعجال فقدم أولًا ذم الإنسان … ثم نهاهم وزجرهم"، قوله: (ويجوز أن يكون (يَعْلَمُ) متروكًا): عطفٌ على قوله: " (حِينَ): مفعولٌ به لـ (يَعْلَمُ) "، أي: متروكًا مفعوله: نسيًا منسيًا، ومن ثم قال: "لو كان معهم علمٌ"، فحينئذ لابد لقوله: (حِينَ) من متعلق، فيقدرُ ما دل عليه (يَعْلَمُ)، والجملة مستأنفةٌ، كأنه لما قيل: لو وُجد منهم علمٌ لما استعجلوا، اتجه لسائل أن يقول: فحين لم يحصل لهم العلمُ الآن فمتى يحصلُ به؟ فقيل: يعلمون حين لا يقدرون أن يدفعوا النار عن أنفسهم. قوله: (أي: غلب إبراهيمُ الكافر). الراغب: قال الله تعالى: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)
[ ١٠ / ٣٤٩ ]
فإن قلت: فإلام يرجع الضمير المؤنث في هذه القراءة؟ قلت: إلى النار أو إلى الوعد، لأنه في معنى النار وهي التي وعدوها أو على تأويل العدة أو الموعدة. أو إلى الحين، لأنه في معنى الساعة. أو إلى البغتة. وقيل في القراءة الأولى: الضمير للساعة. وقرأ الأعمش: بغتة، بفتح الغين.
(وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) تذكير بإنظاره إياهم وإمهاله، وتفسيح وقت التذكر عليهم، أى: لا يمهلون بعد طول الإمهال.
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) [الأنبياء: ٤١].
سَلَّى رسول الله ﷺ عن استهزائهم به بأن له في الأنبياء ﵈ أسوة وأن
_________________
(١) ـ [البقرة: ٢٥٨] أي: دهش وتحيَّر، وقد بهته. وقال الله تعالى: (هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) [النور: ١٦] أي: كذبٌ يُبهتُ سامعه لفظاعته. ويقال: يا للبهيتة، أي: الكذب. وقال: البغتُ: مفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب، يقال: بغتَ كذا فهو باغتٌ، قال الشاعر: إذا بغتت أشياءُ قد كان مثلها … قديمًا فلا تعتدها بغتاتِ قوله: (تذكيرٌ بإنظاره إياهم)، أي: يُذكرهم الله تعالى أنهم لا ينظرون الآن هناك ليغتنموا هذه الفرصة. قوله: (سلى رسول الله ﷺ عن استهزائهم به بأن له في الأنبياء ﵈ أسوةً)، إشارة إلى ما عليه أساس هذه السورة الكريمة من الكرِّ إلى ذكر النبوة وما يتصلُ بها بعد الشروع في نمطٍ من الكلام، فأتى هاهنا بقوله: (وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) لينصبَّ الكلامُ معه إلى مشرع ذكر الأنبياء ﵈ مفصلًا إلى آخر السورة تسليًا
[ ١٠ / ٣٥٠ ]
ما يفعلونه به يحيق بهم، كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ﵈ ما فعلوا.
(قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) [الأنبياء: ٤٢]
(مِنَ الرَّحْمنِ) أى من بأسه وعذابه (بَلْ هُمْ) معرضون عن ذكره لا يخطرونه ببالهم، فضلا أن يخافوا بأسه، حتى إذا رزقوا الكلاءة منه عرفوا من الكالئ وصلحوا للسؤال عنه. والمراد أنه أمر رسوله ﵊
_________________
(١) ـ لرسول الله ﷺ. قوله: (ما فعلوا) فاعل "حاق". قوله: (والمرادُ أنه أمر رسول الله ﷺ)، اعلم أن في هذه الآيات إضراباتٍ توجبُ أن يُراعى فيها ما يوجبه من التدرج، والمصنفُ نظر- في تقريره - إلى ذلك المعنى. قوله: "والمرادُ أنه أمر رسول الله ﷺ"، يريد أنه صلوات الله عليه وسلامه أُمر أولًا بقوله: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ الرَّحْمَنِ) أن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ، يعني: أنتم تستعجلون العذاب وتقولون: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) تكذيبًا واستهزاءً بالبعث، وذلك وقتٌ صعبٌ شديدٌ تحيطُ بكم النارُ من كل جانب، ومجيء ذلك مفروغٌ عنه، فمن يكلؤكم من بأسه ونقمته إن قدر إنزاله الآن؟ ثم أضربَ عن هذا السؤال بقوله: (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) وترقى فيه أي: دعهمُ الآن عن هذا السؤال؛ لأنهم لا يصلحون له لإعراضهم عن ذكر الله فلا يُجدي فيهم، واتركهم حتى إذا ورطوا في الهلاك عرفوا من الكالئ، فحينئذ سلهم سُؤال تقريع: من يكلؤكم؟ كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ)، إلى قوله: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ
[ ١٠ / ٣٥١ ]
_________________
(١) ـ الْحَقِّ) [يونس: ٢٢ - ٢٣]، وهو المراد من قوله: "حتى إذا رُزقوا الكلاءة منه، عرفوا من الكالئ وصلحوا للسؤال". هذا المعنى يُعطيه هذا الإضرابُ تعريضًا، ثم ترقى إلى ما هو أبلغ منه، وقيل: (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا) أي: دع هذا، وسل: متى يُتصور أنهم لم يكونوا تحت كلائنا وحفظنا، وأن أصنامهم متى كانت تحميهم وتمنعهم من الآفات؟ أفلا يعقلون أن ما ليس بقادرٍ على نصر نفسه ومنعها، كيف يمنعُ غيره وينصره؟ وإليه الإشارة بقوله: "ثم أضرب عن ذلك" أي: ذلك السؤال وهو "من يحرسكم"، ثم قال: (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ) أي: بل ما هم فيه من الحفظ إنما هو من استدراج، فهو إضرابٌ من نفس السؤال، أي: لا تسألهم عن شيء لأنه لا يجديهم، ولا ينفعُ الإنذار فيهم؛ لأنه طال عليهم الأمدُ فقست قلوبهم؛ فإنك قد أبلغت وأديت ما عليك، بقي أن تُعاملهم بالإهلاك على سبيل التدرج بالاستئصال في الدنيا، والنار في العقبى، أغفلوا وعملوا، فلا يرون كيف شرعنا في ذلك، حيث إننا ننقص دار الكفر، ونحذفُ أطرافها بتسليط المسلمين عليها، وإهارهم على أهلها، فينظروا هل يقدرون على دفعه، فهم الغالبون أم المغلوبون؟ فالفاء في (أَفَلا يَرَوْنَ) لعطفِ الجملة على المقدر، وفي (أَفَهُمْ) على المذكور، والهمزة الثانية مكررةٌ مقحمةٌ بين المعطوف والمعطوف عليه، لتأكيد التقرير على سبيل التعكيس، أ]: أفلا ينظرون كيف نغلبهم وننقص من أطراف أرضهم فهم الغالبون أم نحن؟ وإنما خولف في الإضراب الثاني بأن أتى "بأم" المتضمنة للهمزة وبل؛ ليؤذن بالاهتمام، وأن الجملة مستطردةٌ بين الإضرابين بـ"بل".
[ ١٠ / ٣٥٢ ]
بسؤالهم عن الكالئ، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم.
(أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) [الأنبياء: ٤٣].
ثم أضرب عن ذلك بما في «أم» من معنى «بل» وقال (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ) من العذاب تتجاوز منعنا وحفظنا. ثم استأنف فبين أنّ ما ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد، كيف يمنع غيره وينصره؟
(بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) [الأنبياء: ٤٤].
_________________
(١) ـ ولما أُريد أن ينتقل من عذاب الاستئصال إلى عذاب النار، وهو قوله: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ) الآية، وسط بينهما ما هو مهم بشأنه من حديث الوحي، وهو قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ) توكيدًا ليتخلص منه إليه، وإليه الإشارة بقوله: "ولئن مستهم من هذا الذي يُنذرون به أدنى شيء لأذعنوا"، وفيه أن قوله: (مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ) وُضع موضع المضمر. والذي يدل على أن قوله: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ) متعلقٌ بأحوال القيامة: إيقاعُ قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) حالًا من الضمير في (لَيَقُولُنَّ) بتقديرِ: نحنُ نضعُ، خاليًا عن الضمير، على منوالِ: جئتُكَ والشمسُ طالعةٌ. نقلَ بعضُ الشارحين "للكافيةِ" عن المصنفِ أنه قال في حواشي "المفصل": إن مثل قولك: أتيته وزيدٌ قائمٌ، ليست الحالُ هنا بيان هيئة الفاعل ولا المفعول، ولكنها بيانُ لازم الفاعل أو المفعول، وقد استمر في كلام العرب: العبارةُ عن الملزوم باللازم، فاللازمُ هنا: زمانُ الإتيان، فكأنه بيان ذاتهما، على أن من الجائز أن يكون الحالُ هنا لبيان هيئة الفاعل صريحًا؛ لأن الذي أقيم مقام العائد العمومُ في قوله: (فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا)، المعنى: ليقولُنَّ: إن كنا ظالمين، الحالُ أنهم لا يُظلمون شيئًا.
[ ١٠ / ٣٥٣ ]
ثم قال: بل ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا، لا من مانع يمنعهم من إهلاكنا، وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعا لهم بالحياة الدنيا وإمهالا، كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم (حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ) الأمد، وامتدت بهم أيام الروح والطمأنينة، فحسبوا أن لا يزالوا على ذلك لا يغلبون ولا ينزع عنهم ثوب أمنهم واستمتاعهم، وذلك طمع فارغ وأمل كاذب.
(أَفَلا يَرَوْنَ) أَنَّا ننقص أرض الكفر ودار الحرب، ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها وردّها دار إسلام. فإن قلت: أى فائدة في قوله (نَاتِي الْأَرْضَ)؟ قلت فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدى المسلمين، وأن عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها، ناقصة من أطرافها.
(قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) [الأنبياء: ٤٥ - ٤٦].
قرئ (وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ) "ولا تسمع الصم"، بالتاء والياء، أي: لا تسمع
_________________
(١) ـ قوله: (ونحدقُ أطرافها)، بفتح النون، وفي أكثر النسخ: "نحذفُ" بالفاء. الجوهري: حدقوا بالرجل وأحدقوا به: أحاطوا. وقال: حذفته بالعصا، أي: رميته بها، وحذفتُ رأسه بالسيف: إذا ضربته وقطعت منه قطعةً. قوله: (أي فائدةٍ في قوله: (نَاتِي الأَرْضَ)؟)، يعني: كان ذلك واقعًا فلم جيء بالمضارع؟ قوله: (غالبةً عليها)، وفي نسخةٍ: بالياء. الأساس: تغالى النبتُ: ارتفع. قوله: (قرئ: (وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ»، ابن عامر: "ولا تُسمعُ" بالتاء الفوقانية مضمومةً وكسر الميم، و"الصُّمَّ": بالنصب، والباقون: بالياء مفتوحةً وفتح الميم، و"الصُمَّ": بالرفع.
[ ١٠ / ٣٥٤ ]
أنت الصم، ولا يسمع رسول الله ﷺ. (ولا يسمع الصم)، من أسمع. فإن قلت: الصم لا يسمعون دعاء المبشر كما لا يسمعون دعاء المنذر، فكيف قيل (إِذا ما يُنْذَرُونَ)؟ قلت: اللام في "الصم" إشارة إلى هؤلاء المنذرين، كائنة للعهد لا للجنس. والأصل: "ولا يسمعون إذا ما ينذرون"، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامهم وسدّهم أسماعهم إذا أنذروا. أى: هم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصامّ من آيات الإنذار.
(وَلَئِنْ) مَسَّتْهُمْ من هذا الذي ينذرون به أدنى شيء، لأذعنوا وذلوا، وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم حين تصاموا وأعرضوا. وفي المس والنفحة ثلاث مبالغات،
_________________
(١) ـ قوله: (ولا يسمع رسول الله ﷺ)، فيه التفاتٌ. قوله: (وفي المس والنفحة ثلاثُ مبالغات): واحدةٌ في المس، وثنتان في النفحة، وزاد صاحب "المفتاح" فيها التحقير بواسطة التنكير، واعترض عليه صاحب "التلخيص" وقال: خلافُ التعظيم، مستفادٌ من بناء المرة ومن نفس الكلمة. وقلتُ: لا ارتياب في أن اعتبار التنكير غير اعتبار البناء؛ لأنك إذا أدخلتَ على هذا البناء حرف التعريف أفاد المرة دون التحقير؛ ولذا أكد البناء في قوله تعالى: (نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ) بالوحدة لما كان المقصود منه الوحدة لا التحقير، فعُلم أن البناء لا يستلزمُ التحقير بل يحتمله باقتضاء المقام كذلك التنكير، ولما اقتضى المقام المبالغة في التقليل والتحقير كما قال: "ولئن مستهم نفحةٌ من هذا الذي يُنذرون به أدنى شيء لأذعنوا" وجب اعتبارُ ما يؤذن بالتحقير من نفس الكلمة، ومن البناء والتنكير، على أن قول صاحب "الكشاف": "في المس والنفحة ثلاث مبالغات" محتملٌ لأن يكون إحداهن بالتنكير.
[ ١٠ / ٣٥٥ ]
لأنّ النفح في معنى القلة والنزارة. يقال: "نفحته الدابة وهو رمح يسير، ونفحه بعطية: رضخه، ولبناء المرة.
(وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) [الأنبياء: ٤٧].
وصفت الْمَوازِينَ بالقسط وهو العدل، مبالغة، كأنها في أنفسها قسط. أو على
_________________
(١) ـ الراغب: نفح الريحُ ينفح نفحًا، وله نفحةٌ طيبة، أي: هبوبٌ من الخير، وقد يُستعارُ ذلك للشر، قال تعالى: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ)، ونفحه بالسيف: ضربه، والنفوحُ من النوق: التي يخرج لبنها من غير حلب، وقوسٌ نفوحٌ: بعيدةُ الدفع للسهم. ونقل في "المطلع" عن المبرد: النفحةُ: الوقعةُ من الشيء التي دون معظمه، يقالُ: نفحهُ بنائلٍ، أي: بشيءٍ يسيرٍ منه، ويقالُ: نفحةٌ بالسيف: للضربة الخفيفة. الأساس: نفحته الدابةُ: ضربته بحدِّ حافرها. قوله: (وُصفت الموازينُ بالقسط)، الراغب: القسطُ: هو النصيب بالعدل، كالنصف والنصفة، قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) [الرحمن: ٩]، والقسط-بالفتح- هو أن يأخذ قسط غيره، وذلك جور، والإقساطُ: أن يُعطي قسط غيره، وذلك إنصافٌ؛ ولذلك قيل: قسط الرجل: إذا جار، وأقسط: إذا عدل، قال تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) [الجن: ١٥]، وقال: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الجرات: ٩].
[ ١٠ / ٣٥٦ ]
حذف المضاف، أى: ذوات القسط. واللام في (لِيَوْمِ الْقِيامَةِ) مثلها في قولك: "جئته لخمس ليال خلون من الشهر". ومنه بيت النابغة:
ترسّمت آيات لها فعرفتها .. لسنّة أعوام وذا العام سابع
وقيل: لأهل يوم القيامة، أى لأجلهم.
فإن قلت: ما المراد بوضع الموازين؟ قلت: فيه قولان، أحدهما: إرصاد الحساب السوىّ، والجزاء على حسب الأعمال بالعدل والنصفة، من غير أن يظلم عباده مثقال ذرّة، فمثل ذلك بوضع الموازين لتوزن بها الموزونات. والثاني: أنه يضع الموازين الحقيقية ويزن بها الأعمال. عن الحسن: هو ميزان له كفتان ولسان. ويروى: أن داود ﵇ سأل ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشى عليه، ثم أفاق فقال: يا إلهى من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، فقال: "يا داود، إنى إذا رضيت عن عبدى ملأتها بتمرة".
_________________
(١) ـ قوله: (ترسمت آياتٍ لها)، البيت، ويُروى: توسمتُ. الترسُم: التأمل في رسم الشيء كالتوسم: التطلبُ في وسمه، يقول: درست آثارُ المحبوبة، وتوسمتها فعرفتها بالوسم لشدة تبدلها وتغيرها، بعد سبعة أعوام مضت عليها. قوله: (وقيل لأهل يوم القيامة)، قال صاحب "الفرائد": والظاهر أن نحو هذا مفعولٌ له، كقولك: جئتك للسمن واللبن، ثم توسع في الاستعمال، وأجرى ما يُغايره في المعنى مجراه للاختصاص المشترك بينهما، والبيت الذي ذكره ليس بنظيرٍ للآية؛ لأنهُ يصلح أن يُقال: لأجل يوم القيامة، ولا يصلح لأجل ستة أعوام. وقلت: استشهد به لأحد الوجهين، وقال غيره: معنى جئته لخمس ليالٍ، جعلتَ المجيء مختصًا بخلو خمس ليالٍ، كقوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) [الفجر: ٢٤].
[ ١٠ / ٣٥٧ ]
فإن قلت: كيف توزن الأعمال وإنما هي أعراض؟ قلت: فيه قولان، أحدهما: توزن صحائف الأعمال. والثاني: تجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة. وقرئ "مِثْقالَ حَبَّةٍ" على «كان» التامة، كقوله تعالى (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ)] البقرة: ٢٨٠ [. وقرأ ابن عباس ومجاهد: "أَتَيْنا بِها" وهي مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة، لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء. وقرأ حميد: "أثبنا بها"، من الثواب. وفي حرف أبىّ: "جئنا بها". وأنث ضمير المثقال لإضافته إلى الحبة، كقولهم: "ذهبت بعض أصابعه".
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ) [الأنبياء: ٤٨].
أي: آتيناهما (الْفُرْقانَ) وهو التوراة وَأتينا به ضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ والمعنى:
_________________
(١) ـ قوله: (آتينا بها)، أي: أحضرناها، قال ابن جني: "آتينا بها" بالمد، ينبغي أن يكون "فاعلنا" لا "أفعلنا"؛ لأنه لو كانت "أفعلنا" لما احتيج إلى الباء، ولقيل: آتيناها، كقوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) [الإسراء: ٥٩] ومضارعها: يُؤاتي مؤاتاةً، وأنا مُؤاتٍ وهو مؤاتي. قوله: (وأتينا به ضياء وذكرا)، أتى بالباء التجريدي، نحو: رأيتُ بك أسدًا، ليوقفك أن العطف من باب قولك: مررتُ بالرجل الكريم، والنسمة المباركة، جُرد من الفرقان- وهو التوراة- شيءٌ يُسمى ضياءً وذكرًا، وهما نفسُ التوراة ثم عطف عليه، وإليه الإشارةُ بقوله: "أنه في نفسه ضياءٌ وذكرٌ" وسيجيء في أول ص بيانه إن شاء الله. وقال صاحبُ "الكشفِ": أدخل الواو على الضياء وإن كانت صفةً في المعنى دون اللفظ كما يدخل على الصفة التي هي صفة لفظًا، كقوله تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)
[ ١٠ / ٣٥٨ ]
أنه في نفسه ضياء وذكر. أو وآتيناهما بما فيه من الشرائع والمواعظ ضياء وذكرا. وعن ابن عباس ﵄: "الفرقان: الفتح"، كقوله (يَوْمَ الْفُرْقانِ)] الأنفال: ٤١ [وعن الضحاك: فلق البحر. وعن محمد ابن كعب: المخرج من الشبهات. وقرأ ابن عباس: "ضياء"، بغير واو: وهو حال عن الفرقان. و"الذكر": الموعظة، أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم. أو الشرف
_________________
(١) ـ [الأحزاب: ١٢]، قال سيبويه: مررتُ بزيدٍ وصاحبك، فإذا قلت: مررتُ بزيدٍ فصاحبك، بالفاء: لم يجز كما جاز بالواو؛ لأن الفاء تقتضي التعقيب، وتأخير الاسم عن المعطوف عليه، بخلاف الواو. وأما قولُ القائل: يا لهف زيابة للحارث الصا … بح فالغانم فالآيب فإنما ذُكر بالفاء وجاد؛ لأنه ليس بصفةٍ على ذلك الحد؛ لأن الألف واللام بمعنى الذين أي: فالذي صبح، فالذي غنم فالذي آب. وأبوا لحسن يُجيز المسألة بالفاء كما يجوز بالواو. قوله: (أو آتيناهما بما فيه من الشرائع والمواعظ)، فعلى هذا لا يُراد بالفرقان التوراةُ، بل ما يفرق بين الحق والباطل. قوله: (وقرأ ابن عباس ﵄: "ضياءً" بغير واو)، قال ابن جني: هو حالٌ، نحو: دفعتُ إليك زيدًا محملًا لك، ومسددًا من أمورك، وأصبحتك القرآن دافعًا عنك ومؤنسًا لك. وأما في قراءة الجماعة فهو عطفٌ على (الْفُرْقَانَ) على أنه مفعولٌ به على ذلك.
[ ١٠ / ٣٥٩ ]
(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء: ٤٩].
محل (الَّذِينَ) جرّ على الوصفية. أو نصب على المدح. أو رفع عليه.
(وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) [الأنبياء: ٥٠].
(وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ) هو القرآن. وبركته: كثرة منافعه، وغزارة خيره.
(وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [الأنبياء: ٥١ - ٥٤].
"الرشد": الاهتداء لوجوه الصلاح. قال الله تعالى (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) [النساء: ٦] وقرئ: "رشده". والرشد والرشد، كالعدم والعدم. ومعنى إضافته إليه: أنه رشد مثله.
وأنه رشد له شأن
_________________
(١) ـ قوله: (ومعنى إضافته إليه أنه رشدٌ مثله)، يعني: الإضافة فيه بمعنى اللام والاختصاص، والمعنى: والله لقد آتينا بجلالتنا وعظم شأننا إبراهيم رُشدًا يليقُ بمثله وبحال من انتصب للرسالة وخلة الرحمن، ولإرادة هذه الوصفية قال: "رشدٌ مثله" على الكناية، ولو قيل: الرُشد أو ترك الكلام خلوًا من القسم وضمير الجماعة، لم يُفخم هذا التفخيم، ثم جاء قوله تعالى: (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) تذييلًا لهذا المعنى، كما قال: "إنه علم منه أحوالًا بديعة، وأسرارًا عجيبة"، إلى قوله: "حتى أهله لمخالته ومخالصته. الراغب: الرشدُ والرشدُ: خلافُ الغي، يستعملُ استعمال الهداية، يقال: رَشَدَ يَرْشَد ورَشِدَ يَرْشَد، قال تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) [النساء: ٦]، وبين الرُّشدين، أعين الرشد المؤنس من اليتيم، والرشد الذي أوتي إبراهيم، بونٌ بعيد. وقال بعضهم: الرشد بالفتح أخص من الرشد بالضم، فإن الرشيد يقال في الأمور الدنيوية، والرشد لا يقال إلا في الأمور الأخروية، والراشدُ والرشيدُ يقالُ
[ ١٠ / ٣٦٠ ]
(مِنْ قَبْلُ) من قبل موسى وهارون ﵉. ومعنى علمه به: أنه علم منه أحوالا بديعة وأسرارا عجيبة وصفات قد رضيها وأحمدها، حتى أهله لمخالته ومخالصته، وهذا كقولك في خير من الناس: "أنا عالم بفلان". فكلامك هذا من الاحتواء على محاسن الأوصاف بمنزل
_________________
(١) ـ فيهما، قال تعالى: (أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ) [الحجرات: ٧]، (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) [هود: ٩٧]. قوله: «من قبلُ) من قبل موسى وهارون)، قال الإمامُ: هذا قولُ ابن عباس وابن عمر. وفي "معالم التنزيل": من قَبْلِ البلوغ حين خرج من السربِ. وقال القاضي: من قبل محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه. قلتُ: والذي يقتضيه النظمُ: الأولُ؛ لما سبق أن السورة أسس مبانيها على ذكر النبوة وما يتصلُ بها من ذكر الوحي، وأن ذكر الأنبياء واردٌ لتسلية الرسول ﷺ، وكان من حق الظاهر تقدمُ نوحٍ على إبراهيم، وهو على موسى، صلوات الله وسلامه عليهم، لكن المناسبة استدعت تقدم موسى ﵇؛ لأن حاله أشبه بحال النبي ﷺ من حيث إيتاء الكتاب، وكثرةُ الدلائل القاهرة، ومقاساةُ الشدة، وثقلُ أعباء النبوة والدعوة، وكثرةُ التوابع والأمة، وأن حال إبراهيم ﵇ أقربُ إليه من حال نوح ﵇، فقد رُوعي في تأخرهم تلك اللطيفة، وهي أن قيل: من قبلُ، ويؤيدُ هذا التأويل قوله تعالى: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ) [الأنبياء: ٧٦]، أي: من قبل المذكورين. وفي "المعالم": من قَبْلِ إبراهيم ولُوطٍ ﵉. والله اعلمُ بأسرارِ كلامه.
[ ١٠ / ٣٦١ ]
(إِذْ) إما أن يتعلق ب (آتينا)، أو ب (رشده)، أو بمحذوف، أى: اذكر من أوقات رشده هذا الوقت.
قوله (ما هذِهِ التَّماثِيلُ) تجاهل لهم وتغاب، ليحقر آلهتهم ويصغر شأنها، مع علمه بتعظيمهم وإجلالهم لها. لم ينو للعاكفين مفعولا، وأجراه مجرى ما لا يتعدى، كقولك: فاعلون العكوف لها. أو واقفون لها. فإن قلت: هلا قيل: "عليها عاكفون"، كقوله تعالى (يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ) [الأعراف: ١٣٨]؟ قلت: لو قصد التعدية لعدّاه بصلته التي هي «على».
_________________
(١) ـ قوله: «إذْ) إما أن يتعلق بـ (ءآتينَا)، أو بـ (رُشدَهُ)، أو بمحذوفٍ)، والثالثُ أبلغُ من الأول، ولاستدعاء المقام أوفق، وهو من الثاني لاختصاص الوصف به عند إرشاده الناس وقت هذا القول. قال أبو البقاء: (إذْ) ظرفٌ لـ (عَالَمِينَ)، أو لـ (رُشْدَهُ)، أو لـ (ءآتينا)، ويجوز أن يكون بدلًا من موضع (مِنْ قَبْلُ)، أو أن ينتصب بإضمار: أعني أو اذكُرْ. قوله: (تجاهلٌ لهم وتغابٍ)، الجوهري: تغابي: تغافل، وأنشدوا: ليس الغبي بسيد في قومه … لكن سيد قومه المتغابي قوله: (لو قصد التعدية لعداه بصلته)، يعني: قد ذكرنا أن اسم الفاعل يجري مجرى اللازم، فال يكون اللام صلته، بل جيء بالجار والمجرور بيانًا لمن عكف له، كقوله تعالى: (لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف: ٤٣] في أحد وجهيه. إنما أورد هذا السؤال والجواب؛ لأنه لما قال: "لم ينو للعاكفين مفعولًا"، وقدر "فاعلون العكوف لها، أو واقفون لها" اتجه لسائل أن
[ ١٠ / ٣٦٢ ]
ما أقبح التقليد والقول المتقبل بغير برهان، وما أعظم كيد الشيطان للمقلدين حين استدرجهم إلى أن قلدوا آباءهم في عبادة التماثيل وعفروا لها جباههم، وهم معتقدون أنهم على شيء، وجادّون في نصرة مذهبهم، ومجادلون لأهل الحق عن باطلهم، وكفى أهل التقليد سبة أنّ عبدة الأصنام منهم.
(أَنْتُمْ) من التأكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال به، لأنّ العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع. ونحوه: (اسكن أنت وزوجك الجنة)] البقرة: ٣٥ [، أراد أن المقلدين والمقلدين جميعا، منخرطون في سلك ضلال لا يخفى على من به أدنى مسكة، لاستناد الفريقين إلى غير دليل، بل إلى هوى متبع وشيطان مطاع، لاستبعادهم أن يكون ما هم عليه ضلالا.
(قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ) [الأنبياء: ٥٥].
بقوا متعجبين من تضليله إياهم، وحسبوا أن ما قاله إنما قاله على وجه المزاح والمداعبة، لا على طريق الجدّ، فقالوا له: هذا الذي جئتنا به، أهو جدّ وحق، أم لعب وهزل؟
_________________
(١) ـ يقول: لم قيل: لها، وكان الواجب: عليها؟ وأجاب: أن ذلك ليس للتعدية، بل للبيان؛ إذ لو أراد التعدية لعداه بما يختص به من الجار به. والحاصل أن مقام المبالغة اقتضى أن يترك عاكفون على إطلاقه، سواءٌ كان المتعلقُ مفعولًا بواسطةٍ أو بغير واسطة. الجوهري: عكفه: أي: حبسه ووقفه، يعكفُ عكفًا، ومنه قوله تعالى: (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا) [الفتح: ٢٥]، وعكف على الشيء يعكفُ عكوفًا، أي: أقبلَ عليه مواظبًا. قوله: (ومجادلون لأهل الحق)، ضمن "مُجادلون" معنى الدفع؛ ولذلك عُدِّي بـ"عَنْ". قوله: (هذا الذي جئتنا به أهو جدٌّ وحقٌّ، أم لعبٌ وهزل؟)، فإن قلت: ما الفرقُ بينَ هذا القول وبينَ قولِ صاحبِ "المفتاح": أجددتَ تعاطي الحقِّ أم أحوالِ الصبا بعدُ على الاستمرار؟
[ ١٠ / ٣٦٣ ]
_________________
(١) ـ قلت: نظر صاحبُ "المفتاح" إلى ما يلي حرف الاستفهام ومعادلتها، فأوقع السؤال على التجدد والاستمرار، ونظر المصنفُ إلى متعلقهما وهو الحقُّ واللعب، وإلى ظاهر الجواب قال: (بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) فأوقع السؤال على ما يطابقه، أي: ما جئت إلا بالحق الساطع، وهو الذي لا تُنكرونه أنتم ولا آباؤكم الأقدمون. ويمكن أن يُوجه قولُ صاحب "المفتاح" بأن يُقال: ما جددتُ شيئًا بل جئتُ بما استمر عليه آباؤكم الأولون، وأنتُم لا تُنكرونه إذا تركتم العناد. وقلت: والذي عليه النظمُ المعجز حملُ "أم" في قوله: (أَمْ أَنْتَ مِنْ اللاَّعِبِينَ) على المنقطعة لا المتصلة، كما عليه اهرُ كلام هذين البحرين؛ لأن هذا الاستفهام وقع في مقام المقاولة بين خليل الله ﵇ وبين أعداءِ الله، فإنه ﵇ لما قال لأبيه وقومه: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) استجهالًا لهم؛ حيث جاء بما الاستفهامية التي تُستعملُ غالبًا بما لا معرفة فيه ولا علم، وضم معه لفظة (هذِهِ) التي تدُل على تحقير شأن المشار إليه في مثل هذا المقام، وجعلها تماثيل صور لا يعتد بها من له مسكةٌ، بالغ في إبطال عبادة تلك التماثيل، وكما نسبها إلى الإفراط في الحقارة، نسبهم إلى الإفراط في العُكوف لها حيثُ قال: (أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) بالضمير المرفوع وبناء الخبر عليه المفيد لتقوي الحكم وتخصيص العكوف بالذكر. ولما لم يكن جوابهم إلا أن قالوا: (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) ضللهم وجعلهم منغمسين في الضلال بالجملة القسمية، وقرن آباءهم معهم، وأكد الضمير المرفوع، ووصف الضلال بالمبين، ولما سمعوا منه هذه الغلظة، وشاهدوا هذا الجد، طلبوا منه البرهان، يعني: هب أنا قد قلدنا آباءنا فيما نحن فيه، فهل معك دليلٌ على ما ادعيت أجئتنا بالحق، ثم أضربوا عن ذلك، وجاءوا بأم المتضمنة لمعنى بل الإضرابية والهمزة للتقرير، فأضربوا بـ "بل" عما أثبتوا له، وقرروا بالهمزة خلافه على سبيل التوكيد والبت والقطع، وذلك أنهم قطعوا أنه
[ ١٠ / ٣٦٤ ]
(قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) [الأنبياء: ٥٦].
الضمير في (فَطَرَهُنَّ) للسماوات والأرض. أو للتماثيل، وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم، وأثبت للاحتجاج عليهم.
_________________
(١) ـ لاعبٌ وليس بمحقٍّ البتةَ؛ لأن إدخالهم إياه في زُمرة اللاعبين، أي: أنت غريقٌ في اللعب، داخلٌ في زُمرة الذين قُصارى أمرهم في إثبات الدعاوى اللعبُ واللهوُ على سبيل الكناية الإيمائية، دل على إثبات ذلك بالدليل والبرهان. وهذه الكناية توقفك على أن "أمْ" لا يجوز أن تكون متصلة قطعًا، وكذا "بل" في قوله: (بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ). وهذا الجواب واردٌ على الأسلوب الحكيم، وكان من الظاهر أن يجيبهم بقوله: بل أنا من المحقين وليستُ من اللاعبين، فجاء بقوله: (بَل رَبُّكُمْ) الآية؛ لينبه به على أن إبطالي لما أنتم عاكفون عليه وتضليلي إياكم مما لاحاجة فيه لوضوحه إلى الدليل، ولكن انظروا إلى هذه العظيمة، وهي أنكم تتركون عبادة خالقكم ومالك أمركم، ورازقكم ومالك العالمين، والذي فطر ما أنتم لها عاكفون، وتشتغلون بعبادتها دون، فأي باطل أظهر من ذلك؟ وأي ضلال أبين من هذا؟ ثم ذيل الجواب بما هو مقابلٌ لقولهم، وهو قوله: (وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ) من حيث الأسلوب، وهي الكناية، ومن حيث التركيب، وهو بناء الخير على الضمير أي: لست من اللاعبين في الدعاوى، بل أنا من القائمين فيها بالبراهين القاطعة، والحجج الساطعة، كالشاهد الذي تُقطعُ به الدعاوى، وبه يتقوى قول المصنف: "كونُ الضمير للتماثيل أدخلُ في تضليلهم، وأثبتُ للاحتجاج عليهم"، قال القاضي: (قَالَ بَل رَبُّكُمْ): إضرابٌ عن كونه لاعبًا بإقامة البرهان على ما ادعاه. وقال: معنى (مِنْ الشَّاهِدِينَ): من المحققين له، والمبرهنين عليه، فإن الشاهد من يحقق الشيء.
[ ١٠ / ٣٦٥ ]
وشهادته على ذلك: إدلاؤه بالحجة عليه، وتصحيحه بها كما تصحح الدعوى بالشهادة، كأنه قال: وأنا أبين ذلك وأبرهن عليه كما تبين الدعاوى بالبينات، لأنى لست مثلكم، فأقول ما لا أقدر على إثباته بالحجة. كما لم تقدروا على الاحتجاج لمذهبكم، ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم.
(وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) [الأنبياء: ٥٨].
قرأ معاذ بن جبل: "بالله". وقرئ: "تولوا"، بمعنى تتولوا. ويقويها قوله (فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ)] الصافات: ٩٠ [.
فإن قلت: ما الفرق بين الباء والتاء؟ قلت: إن الباء هي الأصل، والتاء بدل من الواو المبدلة منها، وأن التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب،
_________________
(١) ـ قوله: (شهادته على ذلك)، أي: شهادةُ إبراهيم على معنى قوله: (بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، ولما كانت الشهادة على خلاف المتعارف، كقوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) [آل عمران: ١٨] الآية، قال: "شهادته على ذلك، إدلاؤه بالحجة عليه"، أي: توصله بها على ما قال. وفي "المُغرب": أدليتُ الدلو: أرسلتها في البئر، ومنه أدلى بالحجة: أحضرها، وفي التنزيل: (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) [البقرة: ١٨٨]، أي: لا تلقوا أمرها والحكومة فيها. وفلانٌ يدلي إلى الميت بذكر، أي: يتصل. قوله: (وأبرهن عليه)، "الأساس": حُكي عن الفراء: أبره فلانٌ: جاء بالبرهان، وبرهن مولد، والبرهان: بيانُ الحجة وإيضاحها، من البرهرهة، وهي البيضاء من الجواري. قوله: (قرأ معاذُ بن جبل: "بالله")، قال الزجاجُ: ولا يصلح التاء في القسم إلا في "الله"، تقول: وحق الله لأفلعن، ولا يجوزُ: تحق الله، والتاء بدلٌ من الواو، ويجوزُ: تالله لأكيدن، وقراءة العامة: بالتاء الفوقانية. قوله: (وإن التاء فيها زيادة معنى)، وهو التعجب، وذلك أن المقسم عليه بالتاء يجبُ
[ ١٠ / ٣٦٦ ]
كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده وتأتيه، لأن ذلك كان أمرا مقنوطا منه لصعوبته وتعذره، ولعمري إن مثله صعب متعذر في كل زمان، خصوصا في زمن نمروذ مع عتوّه واستكباره وقوة سلطانه وتهالكه على نصره دينه ولكن:
إذا الله سنّى عقد شيء تيسّرا
روى أن آزر خرج به في يوم عيد لهم، فبدؤا ببيت الأصنام فدخلوه وسجدوا لها ووضعوا بينها طعاما خرجوا به معهم وقالوا: إلى أن نرجع بركت الآلهة على طعامنا، فذهبوا وبقي إبراهيم فنظر إلى الأصنام وكانت سبعين صنما مصطفة، وثم صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسرها كلها بفأس في يده، حتى إذا لم يبق إلا الكبير علق الفأس في عنقه. عن قتادة: قال ذلك سرا من قومه، وروى: سمعه رجل واحد.
(جُذاذًا) قطاعا، من الجذ وهو القطع. وقرئ بالكسر والفتح. وقرئ: "جذذا".
_________________
(١) ـ أن يكون نادر الوقوع، فإن الشيء المعجب لا يكثر وقوعه، وألا لم يكن معجبًا. ومن ثم قل استعمال التاء إلا مع اسم الله تعالى. قوله: (إذا الله سنى عقد شيء تيسرا)، أوله: ولا تيأسا واستغورا الله إنه ويُروى: "واستعونا الله". وقيل: أوله: وأعلم علمًا ليس بالظن أنه … إذا الله سنى عقد شيء تيسرا سنى الأمر: سهله، وسنى العقدة: حلها، والضمير في أنه: للشأن. قوله: (وقر بالكسر الفتح)، أي: (جُذَاذًا). الكسائي: بكسر الجيم، والباقون:
[ ١٠ / ٣٦٧ ]
جمع "جذيذ"، و"جذذا" جمع جذة. وإنما استبقى الكبير لأنه غلب في ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه، لما تسامعوه من إنكاره لدينهم وسبه لآلهتهم، فيبكتهم بما أجاب به من قوله (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ) وعن الكلبي (إِلَيْهِ) إلى كبيرهم. ومعنى هذا: لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات، فيقولون له: ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحا والفأس على عاتقك؟ قال هذا بناء على ظنه بهم، لما جرب وذاق من مكابرتهم لعقولهم واعتقادهم في آلهتهم وتعظيمهم لها. أو قاله مع علمه أنهم لا يرجعون إليه استهزاء بهم واستجهالا، وأن قياس حال من يسجد له ويؤهله للعبادة أن يرجع إليه في حل كل مشكل.
فإن قلت: إذا رجعوا إلى الصنم بمكابرتهم لعقولهم ورسوخ الإشراك في أعراقهم، فأى فائدة دينية في رجوعهم إليه حتى يجعله إبراهيم صلوات الله عليه
_________________
(١) ـ بضمها. روى ابن جني عن أبي حاتم قال: فيها لغاتٌ: "جُذاذٌ" بالضم والفتح والكسر، وأجودها الضمُّ، كالحطام والرفات. وقال الزجاج أبنيةُ كل ما كُسرَ وقُطع وحُطم على فُعال، ومن قال: "جِذاذٌ" بالكسر فقال: هو جمعُ جذيذ، نحو: ثقيل وثقالٍ وخفيفٍ وخفاف، ويجوزُ "جذاذًا" بالفتح على القطاع والحصاد. ويجوزُ "جُذُذًا" بضم الجيم والذال: جمع جذيذ، و"جُذُذ" مثل: جديدٍ وجُدُد، وقال أبو عبيدة: (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا)، أي: مستأصلين. ولفظ "جُذاذ" يقعُ على الواحد والاثنين والجمع من الذكر والمؤني بمنزلة المصدر. الراغب: الجذُّ: كسرُ الشيء وتفتيته، ويقالُ لحجارة الذهب المكسورة، ولفُتاتِ الذهب: جُذاذٌ، وما عليه جُذَّةن أي: متقطعٌ من الثياب.
[ ١٠ / ٣٦٨ ]
غرضا؟ قلت: إذا رجعوا إليه تبين أنه عاجز لا ينفع ولا يضر، وظهر أنهم في عبادته على جهل عظيم.
(قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: ٥٩].
أى: أن من فعل هذا الكسر والحطم لشديد الظلم، معدود في الظلمة: إمّا لجرأته على الآلهة الحقيقة عندهم بالتوقير والإعظام، وإمّا لأنهم رأوا إفراطا في حطمها وتماديا في الاستهانة بها.
(قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَاتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) [الأنبياء: ٦٠ - ٦١].
فإن قلت: ما حكم الفعلين بعد (سَمِعْنا فَتًى) وأى فرق بينهما؟ قلت: هما صفتان لفتى، إلا أن الأوّل وهو (يَذْكُرُهُمْ) لا بد منه لسمع، لأنك لا تقول: سمعت زيدا
_________________
(١) ـ قوله: (أي: إن من فعل هذا الكسر والحطم لشديد الظلم)، هذا تفسيرٌ لقوله: (مَنْ فَعَلَ) إلى آخره، أوقع (إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ) خبرًا للموصولة. قال أبو البقاء: (مَن): يجوز أن يكون بمعنى "الذي"، و(إنهُ) وما بعده: الخبرُ، وأن يكون استفهامًا، و(إنَّهُ): استئناف. فدل إيقاعُ (فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا) صلة للموصول على تحقيق الخبر، أي: هذا الفعل الشنيع الفظيع لا يفعله إلا ظالمٌ، كما قال: "إنهم رأوا إفراطًا في حطمها، وتماديًا في الاستهانة بها"، ودل "أنّ" واللامُ في الخبر على مزيد التأكيد، وإليه الإشارة بقوله: "لشديد الظلم"، ودل اللامُ الاستغراقي في الظالمين على أنه غريقٌ فيه، وإليه الإشارة بقوله: "معدودٌ في الظلمة"، وهذه المبالغات إنما ذهبوا إليها لاعتقادهم أنها آلهةٌ حقيقةً يجب توقيرهم وإعظامهم، وإليه الإشارة بقوله: "إما لجرأته على الآلهة الحقيقة عندهم". قوله: (لابد منه لسمع)، قال أبو البقاء (يَذْكُرُهُمْ): مفعولٌ ثانٍ لـ (سَمِعْنَا)،
[ ١٠ / ٣٦٩ ]
وتسكت، حتى تذكر شيئا مما يسمع. وأمّا الثاني فليس كذلك. فإن قلت: (إِبْراهِيمُ) ما هو؟ قلت: قيل هو خبر مبتدأ محذوف، أو منادى. والصحيح أنه فاعل "يقال"، لأن المراد الاسم لا المسمى (عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ) في محل الحال، بمعنى معاينا مشاهدا، أى: بمرأى منهم ومنظر. فإن قلت: فما معنى الاستعلاء في "على"؟ قلت: هو وارد على طريق المثل، أى: يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن فيها ثبات الراكب على المركوب وتمكنه منه (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) عليه بما سمع منه. وبما فعله أو يحضرون عقوبتنا له. روى أنّ الخبر بلغ نمروذ وأشراف قومه، فأمروا بإحضاره.
(قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) [الأنبياء: ٦٣].
هذا من معاريض الكلام ولطائف هذا النوع لا يتغلغل فيها إلا أذهان الراضة من علماء المعاني. والقول فيه
_________________
(١) ـ ولا يكونُ ذلك إلا مسموعًا، كقولك: سمعتُ زيدًا يقولُ كذا، أي: سمعتُ قول زيد. وعند المصنف: "يقولُ كذا" حالٌ عن المفعول. قوله: (هو خبرُ مبتدأ محذوفٍ أو مُنادى)، والصحيح أنه فاعل (يُقالُ)؛ لأن المراد الاسم لا المسمى، أي: يقالُ له هذا اللفظُ. هذا التعليلُ يؤذن أن في الوجهين الأولين ليس المراد منه الاسم، قال صاحب "الفرائد": قوله: (لَهُ) إما أن يكون بالخطاب، كقولك: قلتُ لزيدٍ إذا خاطبته، فكان منادى، كأنه قيل: يقال له: يا إبراهيم، إذ نودي، أو بالغيبة، كقولك: قلت لزيدٍ، إذا قلت في بابه من غير أن يكون مخاطبًا، فكأنه قيل: إذا أُخبر عنهُ يقال: هو إبراهيم، وإذا كان المراد من إبراهيم اللفظ فلابد من اعتبار التسمية في قوله: (يُقَالُ لَهُ) كأنه قيل: يُسمى إبراهيم، ويمكن أن يكون (عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ): حالًا من الفاعل، أي: فأتوا به عارضين على أعينِ الناس، أو ناوين العرض، او مُريدين العرضَ.
[ ١٠ / ٣٧٠ ]
أنّ قصد إبراهيم صلوات الله عليه لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضى يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم، وهذا كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتابا بخط رشيق
_________________
(١) ـ قوله: (إن قصد إبراهيم ﵇ لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه، وإثباته لها على أسلوبٍ تعريضي)، قال صاحب "الفرائد": هذا بعيدٌ؛ لأن ذلك إنما يستقيمُ إذا كان الفعلُ دائرًا بين الاثنين، فإذا انتفى من أحدهما ثبت بالآخر بالضرورة، وهاهنا ليس كذلك؛ لأن الكسر لم يكن دائرًا بين إبراهيم ﵇ وبين الصنم الكبير؛ لاحتمال أن يكو كسرها غير إبراهيم. والنظيرُ الذي ذكره لذلك، ليس الفعلُ دائرًا بين الاثنين أيضًا؛ لأنه يمكن أن يكون الفعل للثالث، فإن اتفق أن يكون دائرًا بينهما كان صحيحًا، إلا أنه لم يطابق لما نحن فيه. والوجه الثاني وهو أن يقال: "غاظته تلك الأصنامُ" إلى قوله: "كما يُسندُ الفعلُ إلى مباشره، يُسندُ إلى الحامل عليه"، أيضًا ضعيفٌ؛ لأن غيظه من عبادة غير الله تعالى، فاستوى فيه الكبير والصغير. والجوابُ: أنه دل تقديم الفاعل المعنوي في قوله: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ) على أن الكلام ليس في الفعل لأنه معلومٌ، بل في الفاعل كما مر في قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) [هود: ٩١]، ودل قولهم: (سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) وقولهم: (قَالُوا فَاتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ) على أنهم لم يشكوا أن الفاعل هو، فإذن لا يكون قصدهم في قولهم: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا) إلا بأن يُقر بأنه هو، فلما رد بقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) تعريضًا، دار الأمر بين الفاعلين. وقال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يُقال: القضية كما كانت فعلية كانت إمكانية، تقول: زيدٌ كاتبٌ بالإمكان، تريد أنه يمكن الكتابة منه، ولذلك قيل في قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ) [القصص: ٨٨]: أي: كان قابلًا للهلاك؛ إذا عرفت هذا فنقول: قوله: (فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) هذا مرتبطٌ بقوله: (إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ)، المعنى: بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون، فاسألوهم إن أمكن هذا الفعلُ من كبيرهم إن كان
[ ١٠ / ٣٧١ ]
وأنت شهير بحسن الخط: أأنت كتبت هذا وصاحبك أمّىّ لا يحسن الخطّ ولا يقدر إلا على خرمشة فاسدة، فقلت له: بل كتبته أنت، كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به، لا نفيه عنك وإثباته للأمّىّ أو المخرمش، لأنّ إثباته - والأمر دائر بينكما للعاجز منكما - استهزاء به وإثبات للقادر، ولقائل أن يقول: غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مرتبة، وكان غيظ كبيرها أكبر وأشدّ لما رأى من زيادة تعظيمهم له، فأسند الفعل إليه لأنه هو الذي تسبب لاستهانته بها وحطمه لها، والفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه. ويجوز أن يكون حكاية لما يقول إلى تجويزه مذهبهم، كأنه قال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم. فإنّ من حق من يعبد ويدعى إلها أن يقدر على هذا وأشدّ منه، ويحكى أنه قال: فعله كبيرهم هذا غضب أن تعبد معه هذه الصغار وهو أكبر منها. وقرأ محمد بن السميفع: "فعله كبيرهم"، يعني: فلعله، أى فلعلّ الفاعل كبيرهم.
(فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) [الأنبياء: ٦٤].
_________________
(١) ـ هو وغيره -مما تعبدون من الأصنام- من أهل النطق؛ لأنها إذا كانت من أهل النطق كانت علماء قُدراء. قوله: (خرمشة)، الجوهري: المخرشُ: خشبةٌ يخط بها الخرازُ. قوله: (فعلهُ كبيرهم)، في "المطلع": قال أبو العباس: أصلُ لعل: علَّ، زيدت اللامُ للتوكيد، وأنشد: يا أبتا علَّك أو عساكا
[ ١٠ / ٣٧٢ ]
فلما ألقمهم الحجر وأخذ بمخانقهم، رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: أنتم الظالمون على الحقيقة، لا من ظلمتموه حين قلتم: من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين.
(ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) [الأنبياء: ٦٥].
"نكسته": قلبته فجعلت أسفله أعلاه، و"انتكس": انقلب، أى: استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وجاءوا بالفكرة الصالحة، ثم انتكسوا وانقلبوا عن تلك الحالة، فأخذوا في المجادلة بالباطل والمكابرة، وأنّ هؤلاء - مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق - آلهة معبودة، مضارّة منهم. أو انتكسوا عن كونهم مجادلين لإبراهيم ﵇ مجادلين عنه، حين نفوا عنها القدرة على النطق. أو قلبوا على رؤوسهم حقيقة،
_________________
(١) ـ قوله: (ألقمهم الحجر)، كنايةٌ عن الإفحام والإسكات. قوله: (بمخانقهم)، الجوهري: المخنقةُ - بالكسر-: القلادة. قوله: (مضارةً منهم)، مفعولٌ له لقوله: "في المجادلة"، وقيل: مفعولٌ مطلقٌ، أو: حالٌ من فاعل "أخذوا". قوله: (أو قُلبوا على رؤوسهم حقيقةً): عطفٌ على قوله: "وانقلبوا عن تلك الحالة، فاخذوا في المجادلة" وكذلك: "أو انتكسوا عن كونهم مُجادلين لإبراهيم"، فهذه وجوهٌ ثلاثةٌ: الوجهان الأولان واردان على التمثيل، قال القاضي: شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفلِ الشيء مُستعليًا على أعلاه. تم كلامُه. أما على الأول فقوله: (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ) عبارةٌ عن انقلابهم من الفكرة الصالحة إلى الفاسدة، وذلك أنهم لما سمعوا من الخليل كلمة الحق رجعوا إلى أنفسهم، وأصابوا في الفكر، وقال بعضهم لبعض: إنكم أنتم الظالمون بعبادة ما لا ينطقُ ولا ينفعُ ولا يضُر، لا من نسبتم إليه الظلم بقولكم: (مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ)، ثم انقلب رأيهم من الاستقامة إلى التسفل قائلين: هؤلاء معبودةٌ لا شك فيها مع كونها غير ناطقة، ومع أنها
[ ١٠ / ٣٧٣ ]
_________________
(١) ـ مُتضررةٌ بالكسر، وإليه الإشارة بقوله: "وهؤلاء مع تقاصُرِ حالها عن حال الحيوان الناطق معبودةٌ مضارةً منهم"، وهو معنى قوله: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ)، أي: اشتهر عند كل واحدٍ أن هذه الآلهة لا تتحدث، والتاءُ في علمت خطابٌ لكل أحدن ويدل على قولهم: "هؤلاءِ معبودةٌ" قوله: (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) لما ادعوه من عبادتهم لها مع كونها غير قادرة. وأما الثاني فهو عبارة عن انقلابهم من الفكرة الفاسدة إلى الصحيحة، وإليه الإشارةُ بقوله: "انتكسوا عن كونهم مُجادلين لإبراهيم ﵇ مُجادلين عنه"، أي: أنهم جادلوا إبراهيم ﵇ أولًا في قولهم: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ) ونحوه، ثم انقلبوا فصاروا مُجادلين عنه ذابِّين بقولهم: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ)، فهذا يدل على أنها لا تنطق، ولا تصلح للإلهية، وهذا أوفق لما في الكتاب، فاللامُ في قوله: "مجادلين لإبراهيم" كاللام في مثل: أنا ضاربٌ لزيدٍ، أو أنهم جادلوا قومهم ذابين عن إبراهيم مُجادلين لأجله حين قالوا: (إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ)، لا إبراهيم، ثم انقلبوا عن هذه المجادلة لأجله بقولهم: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ)، فكيف يأمرنا بالسؤال عنها؟ فهذا جدال مع إبراهيم، فقد انقلبوا عن الدفع عنه إلى المجادلة معه؛ إذ المرادُ: لقد علمت أنهم لا ينطقون فكيف تأمرنا بالسؤال عنهم؟ وأشار إليه في تفسير "اللُّباب". وأما على الثالث فالمعنى: أنهم لما رجعوا إلى أنفسهم، وتفكروا زمانا ًطويلًا، عرفوا الحق فقُلبوا على رؤوسهم لفرط خجلهم قائلين: والله لقد صدق إبراهيمُ فيما قال، وعلمت- أيها المخاطبُ- ما هؤلاء ينطقون، وهو المراد من قوله: "فما أحاروا جوابًا إلا ما هو حجةٌ عليهم" لاعترافهم بعدم قدرة آلهتهم على النطق المستلزم لعجزهم. وعلى هذا الوَجه والوَجْهِ الذي قبله: على تقدير أن يكون اللامُ في "إبراهيم" صلةً ينطبقُ قوله: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ)؛ لأنه تذييلٌ لهذا المعنى كما سيجيءُ.
[ ١٠ / ٣٧٤ ]
لفرط إطراقهم خجلا وانكسارا وانخزالا مما بهتهم به إبراهيم ﵇، فما أحاروا جوابا إلا ما هو حجة عليهم. وقرئ: "نكسوا"، بالتشديد. و"نكسوا"، على لفظ ما سمى فاعله، أى: نكسوا أنفسهم على رؤسهم. قرأ به رضوان ابن عبد المعبود.
(قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [الأنبياء: ٦٦ - ٦٧]
(أُفٍّ) صوت إذا صوّت به علم أنّ صاحبه متضجر، أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم وبعد وضوح الحق وزهوق الباطل، فتأفف بهم. واللام لبيان المتأفف به. أي: لكم ولآلهتكم هذا التأفف.
(قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠].
أجمعوا رأيهم - لما غلبوا - بإهلاكه: وهكذا المبطل إذا قرعت شبهته بالحجة وافتضح، لم يكن أحد أبغض إليه من المحق، ولم يبق له مفزع إلا مناصبته، كما
_________________
(١) ـ قوله: (وانخزالًا)، الجوهري: انخزل الشيءُ: انطقع. والاختزالُ: الانقطاع. قوله: (فما أحاروا جوابًا)، الجوهري: المحاورةُ: المجاوبةُ، يقال: كلمته فما أحار إليَّ جوابًا، وما رجع إلى حويرًا ولا حوارًا، أي: ما رد جوابًا. قوله: (إلا ما هو حجةٌ عليهم)، هو من أسلوب قوله: ما معه من العقل شيءٌ إلا ما يوجب الحجة عليه، وهو المسمى بالرجوع. قوله: (واللام لبيان المتأفف به)، وأنشد صاحب "المُطلِع": أفا وتُفا لمن مودته … إن غبتُ عنه سويعةً زالت قوله: (إلا مناصبته). الجوهري: نصبتُ لفلانِ نصبًا: إذا عاديته، وناصبته الحرب مناصبةً.
[ ١٠ / ٣٧٥ ]
فعلت قريش برسول الله ﷺ حين عجزوا عن المعارضة، والذي أشار بإحراقه نمرود. وعن ابن عمر ﵄: رجل من أعراب العجم يريد الأكراد. وروى أنهم حين هموا بإحراقه، حبسوه ثم بنوا بيتا كالحظيرة بكوثى، وجمعوا شهرا أصناف الخشب الصلاب، حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول: إن عافاني الله لأجمعنّ حطبا لإبراهيم ﵇، ثم أشعلوا نارا عظيمة كادت الطير تحترق في الجوّ من وهجها، ثم وضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا فرموا به فيها، فناداها جبريل ﵇ (قُلنَا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا) ويحكى. ما أحرقت منه إلا وثاقه. وقال له جبريل ﵇ حين رمى به: هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك. قال: حسبي من سؤالى علمه بحالي. وعن ابن عباس ﵁: إنما نجا بقوله: "حسبي الله ونعم الوكيل"، وأطل عليه نمروذ من الصرح فإذا هو في روضة ومعه جليس له من الملائكة، فقال: إنى مقرّب إلى إلهك، فذبح أربعة آلاف بقرة وكفّ عن إبراهيم، وكان إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه -إذ ذاك- ابن ست
_________________
(١) ـ قوله: (من أعراب العجم، يريدُ الأكراد)، تشبيهًا بالأعرابي من العرب، وهم الذين يسكنون البادية ولايدخلونها إلا لحاجة. قوله: (إنما نجا بقوله: حسبي الله ونعم الوكيل)، عن البخاري، عن ابن عباس قال في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: ١٧٣]: قالها إبراهيمُ حين أُلقيَ في النار، وقالها محمدٌ ﷺ حين قالوا: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ). قوله: (وأطل عليه)، الجوهري: أي: أشرف. قوله: (ومعهُ جليسٌ له من الملائكة، فقال: إني مُقربٌ) الفاءُ فصيحة، يعني: بعث
[ ١٠ / ٣٧٦ ]
عشرة سنة. واختاروا المعاقبة بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظعه، ولذلك جاء: «لا يعذب بالنار إلا خالقها» ومن ثم قالوا (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) أى إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مؤزرا، فاختاروا له أهول المعاقبات وهي الإحراق بالنار، وإلا فرّطتم في نصرتها. ولهذا عظموا النار وتكلفوا في تشهير أمرها وتفخيم شأنها، ولم يألوا جهدا في ذلك. جعلت النار لمطاوعتها فعل الله وإرادته كمأمور أمر بشيء فامتثله. والمعنى: ذات برد وسلام، فبولغ في ذلك. كأن ذاتها برد وسلام. والمراد: ابردى فيسلم منك إبراهيم.
أو ابردى بردا غير ضارّ. وعن ابن عباس ﵁: لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها.
فإن قلت: كيف بردت النار وهي نار؟ قلت: نزع الله عنها طبعها الذي طبعها
_________________
(١) ـ نمروذُ وأخرج إبراهيم ﵇ من النار وأحضره عنده فأكرمه وألطفَ له القول فقال: إني مُقربٌ إلى إلهك. قوله: (ومن ثم قالوا: إن كنتم فاعلين)، تعليلٌ لقوله: واختاروا المعاقبة بالنار؛ لأنها أهولُ، وإنما أفاد هذا المعنى اتحادُ الشرط والجزاء؛ لأن قوله: (إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ) جزاؤه ما دل عليه قوله تعالى: (حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا) نحو قوله: من أدرك الصمان فقد أدرك، أي: أدرك مرعًا بالغًا في شأنه، وإليه الإشارة بقوله: "إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرًا مؤزرًا فاختاروا له أهول المعاقبات وهي الإحراقُ بالنار"، ألا ترى كيف أتى في الشرط من معاني الجزاء، وفي الجزاء عكس؟ قوله: (نصرًا مؤزرًا). النهاية: مؤزرًا، أي: بالغًا شديدًا، يقال: أزره وآره: إذا أعانه وأسعده، من الأزر: القوة والشدة. قوله: (ولم يألوا جُهدًا)، الجوهري: ألا يألو، أي: قصر، وفلانٌ لا يألوك نُصحًا، فهو آلٍ. وحكى الكسائي عن العرب: أقبل يضربه لا يأل، يريد يألو، فحذف.
[ ١٠ / ٣٧٧ ]
عليه من الحرّ والإحراق، وأبقاها على الإضاءة والاشتعال كما كانت، والله على كل شيء قدير. ويجوز أن يدفع بقدرته عن جسم إبراهيم ﵇ أذى حرّها ويذيقه فيها عكس ذلك، كما يفعل بخزنة جهنم، ويدل عليه قوله (عَلى إِبْراهِيمَ) وأرادوا أن يكيدوه ويمكروا به، فما كانوا إلا مغلوبين مقهورين غالبوه بالجدال فغلبه الله ولقنه بالمبكت، وفزعوا إلى القوّة والجبروت، فنصره وقوّاه.
(وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء: ٧١].
نجيا من العراق إلى الشام. وبركاته الواصلة إلى العالمين: أن أكثر الأنبياء ﵈ بعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرائعهم وآثارهم الدينية وهي البركات الحقيقية. وقيل: بارك الله فيه بكثرة الماء والشجر والثمر والخصب
_________________
(١) ـ قوله: (ويدل عليه قوله: (عَلَى إِبْرَاهِيمَ»، وذلك من وضع المُظهر موضع المضمر، أي: كرامةً لهذا المسمى، قيل: لأنه على الوجه الأول لم يكُن بردُها مخصوصًا بإبراهيم، فلا يكونُ للتخصيص بقوله (عَلَى إِبْرَاهِيمَ) وجهٌ، وفيه بحث. قوله: (وأرادوا أن يكيدوه ويمكروا به)، تفسيرٌ لقوله تعالى: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا)، وهو تذييلٌ للكلام السابق وفيه كيدان، الكيدُ الأول: قولهم: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ) لما سبق أنهم ما سألوا ذلك عنه ليُقر بأن كسر الأصنام قد كان، بل ليُقر بأنه منه، فألهمه الله ما يبكتهم به، ويجعلهم خاسرين بقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) إلى آخره، وهو المراد من قوله: "غالبوه بالجدال فغلبه الله تعالى"، والكيدُ الثاني: قولهم بعد ما ألقمهم الحجر: (حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ). فأوحى الله تعالى إلى النار أن (كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) فجعلهم خاسرين بأن افتضحوا حتى نذر نُمروذُ بأن يُقرب إلى الله تعالى القرابين، وهو المراد من قوله: "وفزعوا إلى القوة والجبروت فنصره"، وقال: "فزعوا إلى القوة والجبروت"، بناءً على قول قبل هذا: "اجمعوا رأيهم لما غُلبوا بإهلاكه"، وهكذا المبطل إذا قُرعت شبهته بالحجة لم يبق له مفزعٌ إلا مناصبته، فالتنكير في (كَيْدًا) للنوع، أي: النوع العظيم من الكيد، المطلقُ محمولٌ على المقيد، ولهذا قُيد بالكيدين المذكورين.
[ ١٠ / ٣٧٨ ]
وطيب عيش الغنيّ والفقير. وعن سفيان أنه خرج إلى الشام فقيل له: إلى أين؟ فقال: إلى بلد يملأ فيه الجراب بدرهم. وقيل: ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس. وروى أنه نزل بفلسطين، ولوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة.
(وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ) [الأنبياء: ٧٢].
النافلة: ولد الولد. وقيل: سأل إسحاق فأعطيه، وأعطى يعقوب نافلة، أى: زيادة وفضلا من غير سؤال.
(وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ) [الأنبياء: ٧٣].
(يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) فيه أن من صلح ليكون قدوة في دين الله فالهداية محتومة عليه مأمور هو بها من جهة الله، ليس له أن يخل بها ويتثاقل عنها، وأوّل ذلك أن يهتدى بنفسه، لأنّ الانتفاع بهداه أعم، والنفوس إلى الاقتداء بالمهدى أميل (فِعْلَ الْخَيْراتِ) أصله أن تفعل الخيرات، ثم فعلا الخيرات، ثم فعل الخيرات. وكذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
_________________
(١) ـ قوله: (وطيب عيش الغني والفقير)، فإن الغني فيها شاكرٌ، والفقير قانعٌ صابر. قوله: (وفيه أن من صلح ليكون قُدوةً)، يريدُ أن هذا الكلام واردٌ على سبيل المدح لهؤلاء المذورين، وأدمج فيه معنى مدحهم أولًا بصلاحهم في أنفسهم بقوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً) أي: قُدوةً يُقتدى بهم في الخير، ثم بإصلاحهم غيرهم بأمر ربهم بقوله (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) أي: يُرشدون الناس إلى طرق الخير بأمرنا إياهم بذلك، فيلزمُ على هذا أن تكون الهدايةُ محتومةً عليه وهو مأمورٌ به. قوله: (لأن الانتفاع بهداه أعمُّ)، أي: أشملُ؛ لأن داعي الخير إذا لم يكن مهتديًا ربما فعله سببًا لتقاعس بعضِ الناس. قوله: (أصله أن تُفعل الخيراتُ)، أي: الأصل في هذا أن يُقال: وأوحينا إليهم أن تفعلَ
[ ١٠ / ٣٧٩ ]
(وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) [الأنبياء: ٧٤ - ٧٥].
(حُكْمًا) حكمة وهو ما يجب فعله. أو فصلا بين الخصوم. وقيل: هو النبوّة. و(القرية): سذوم، أى: في أهل رحمتنا. أو في الجنة. ومنه الحديث «هذه رحمتي أرحم بها من أشاء».
(وَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنبياء: ٧٦ - ٧٧].
(مِنْ قَبْلُ) من قبل هؤلاء المذكورين.
هو «نصر» الذي مطاوعه «انتصر» وسمعت هذليا يدعو على سارق: اللهم انصرهم منه، أى: اجعلهم منتصرين منه. و(الكرب): الطوفان وما كان فيه من تكذيب قومه.
_________________
(١) ـ الخيراتُ وأن تُقام الصلاةُ، ثم: فعلًا الخيرات؛ لأنه في معنى الأول؛ لأن "أنْ" مع الفعل في تأويل المصدر؛ ولذلك رفع "الخيراتُ" لأنه مصدرُ الفعل المجهول، كذلك البواقي. قوله: «حُكمًا) حكمة)، وهو ما يجب فعله. والحكمةُ على ما فسره مرارًا عبارةٌ عن العلم والعمل، وحملها هاهنا على مجرد العمل لعطف قوله: (وَعِلْمًا) عليه. قوله: (هذه رحمتي أرحم بها من أشاءُ)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، قال الله ﷿ للجنة: "أنتِ رحمتي أرحمُ بك من أشاءُ من عبادي" الحديث. قوله: (هو "نَصَرَ" الذي مُطاوعُه "انتصر")، أي: عُدِّيَ بـ"مِنْ" كما عُدِّي انتصر بها.
[ ١٠ / ٣٨٠ ]
(وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَاسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ) [الأنبياء: ٧٨ - ٨٠].
أى: واذكرهما. وإذ: بدل منهما. و"النفش": الانتشار بالليل. وجمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما. وقرئ: "لحكمهما". والضمير في (فَفَهَّمْناها) للحكومة أو الفتوى.
وقرئ: "فأفهمناها". حكم داود بالغنم لصاحب الحرث. فقال سليمان ﵇ وهو ابن إحدى عشرة سنة: غير هذا أرفق بالفريقين، فعزم عليه ليحكمنّ،
_________________
(١) ـ الأساس: نصره الله على عدوِّه، ومن عدُوِّه (وَنَصَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)، وانتصرت منه. وفي "المُطلع": أي: منعناهُ وحميناهُ منهم بإغراقهم وتخليصه. قوله: (جمع الضمير؛ لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما)، قال الإمامُ: احتج من قال: أقلُّ الجمع اثنان بقوله: (لِحُكْمِهِمْ) مع أن المراد داود وسُليمان ﵉. وجوابه: أن الحكم كما يُضاف إلى الحاكم قد يُضاف إلى المحكوم عليه، فأضيف إلى المجموع. تَمَّ كلامه. فإن قلتَ: الحكمُ مصدرٌ فلابدَ في إضافته إلى الضمير من العمل، فلا يجوزُ الجمعُ. قلتُ: يُؤولُ الحكمُ بالقضية، فلا يكونُ من إضافة العامل إلى المعمول، كأنهُ قيل: كُنا شاهدين لتلك الحالة العجيبة، ولماجرى بين أولئك الأقوام من إصابة أحد الحاكمين، وخطأِ الآخر، واستيفاءِ المحكوم لهُ من المحكوم عليه حقه على النهج المستقيم، وهذا المعنى لا يحصلُ من تلك الإضافة، والحاصلُ أنه من باب عموم المجاز.
[ ١٠ / ٣٨١ ]
فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها، والحرث إلى أرباب الشاء يقومون عليه حتى يعود كهيئته يوم أفسد، ثم يترادّان. فقال: القضاء ما قضيت، وأمضى الحكم بذلك.
فإن قلت: أحكما بوحي أم باجتهاد؟ قلت: حكما جميعا بالوحي، إلا أن حكومة داود نسخت بحكومة سليمان. وقيل: اجتهدا جميعا، فجاء اجتهاد سليمان ﵇ أشبه بالصواب.
فإن قلت: ما وجه كل واحدة من الحكومتين؟ قلت: أمّا وجه حكومة داود ﵇، فلأن الضرر لما وقع بالغنم فسلمت بجنايتها إلى المجنى عليه، كما قال أبو حنيفة ﵁ في العبد إذا جنى على النفس: يدفعه المولى بذلك أو يفديه. وعند الشافعي ﵁: يبيعه في ذلك أو يفديه. ولعل قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث.
ووجه حكومة سليمان ﵇ أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث، من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان، مثاله ما قال أصحاب الشافعي فيمن غصب عبدا فأبق من يده: أنه يضمن القيمة فينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوّته الغاصب من منافع العبد، فإذا ظهر ترادّا.
فإن قلت: فلو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها؟ قلت: أبو حنيفة وأصحابه ﵃ لا يرون فيه ضمانا بالليل أو بالنهار، إلا أن يكون مع البهيمة
_________________
(١) ـ قوله: (فسُلمتْ بجنايتها إلى المجني عليه)، قيل: هذا مُقدمٌ على قوله: "فلأن الضرر وقع بالغنم" لأن تسليم الغنم حُكم، وكونُ الضررواقعًا بسبب الغنم علة، والعلةُ متأخرةٌ عن الحكم لفظًا.
[ ١٠ / ٣٨٢ ]
سائق أو قائد والشافعي ﵁ يوجب الضمان بالليل. وفي قوله (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ) دليل على أنّ الأصوب كان مع سليمان ﵇.
_________________
(١) ـ قوله: (والشافعيُّ يوجبُ الضمان بالليل)، ودليله: أنه صلواتُ الله وسلامه عليه قضى على أهل الماشية حفظها بالليل. روينا عن مالك وأبي داود وابن ماجه، عن حرام بن سعد بن محيصة، أن ناقةً للبراء دخلت حائطًا لرجل من الأنصار فأفسدت فيه فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل. قوله: (وفي قوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) دليل على أن الأصوب كان مع سليمان)، قال الراغب: الفهمُ: هيئةٌ للنفس بها تتحقق معاني ما يحسنُ، يقال: فهمت كذا، وقوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)، وذلك بأن جعل الله تعالى له من فضل قوة الفهم ما أدرك به ذلك، وإما بأن ألقي في رُوعه، أو بأن أُوحي إليه وخُص به. ثم قوله: " [دليل] على أنهما جميعًا كانا على الصواب" فيه إشارة إلى أن كل مجتهدٍ مصيبٌ من وجه كونه طالبًا للحق، ومخطئ من وجه كونه لم يوافق الحكم عند الله، فقوله تعالى (وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) كالتكميل لما سبق من توهم النقص في شأن نبي الله داود ﵇، جيء بها جُبرانًا لذلك، يريد ما أورده ابن الأثير عن بعض العلماء: في الآية دليل على أن كل مجتهد في الأحكام الفرعية مُصيب، فإن داود أخطأ الحكم الذي عند الله، وأصابه سليمان، فقال تعالى: (وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا). وقال القاضي: في الآية دليلٌ على أن خطأ المجتهد لا يقدحُ فيه. وقيل: فيه دليلٌ على
[ ١٠ / ٣٨٣ ]
وفي قوله (وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا) دليل على أنهما جميعا كانا على الصواب (يُسَبِّحْنَ) حال بمعنى مسبحات. أو استئناف، كأن قائلا قال: كيف سخرهنّ؟ فقال: يسبحن (وَالطَّيْرَ) إمّا معطوف على الجبال، أو مفعول معه. فإن قلت: لم قدمت الجبال على الطير؟ قلت: لأنّ تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدلّ على القدرة وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد والطير حيوان ناطق. روى أنه كان يمرّ بالجبال مسبحا وهي تجاوبه. وقيل: كانت تسير معه حيث سار. فإن قلت: كيف تنطق الجبال وتسبح؟ قلت. بأن يخلق الله فيها الكلام كما خلقه في الشجرة حين كلم موسى. وجواب آخر:
_________________
(١) ـ أن كل مجتهد مصيبٌ. وهذه مخالفةٌ لقوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)، ولولا النقلُ لاحتمل توافقهما، على أن قوله: (فَفَهَّمْنَاهَا) لإظهار ما تفضل عليه في صغره. تم كلامه. يريد أن الأصل: ففهمناهما، ولما اختص سُليمان ﵇ بصغر السن، والفهم منه أغربُ، خُص بالذكر. قوله: (والطير حيوانٌ ناطقٌ)، يعني: أن الجبل صامتٌ والطير ناطقٌ. النهاية: في الحديث: "على رقبته صامت" يعني الذهب والفضة، خلاف الناطق وهو الحيوان. الراغب: لا يكاد يُقال النطقُ إلا للإنسان، ولا يُقالُ لغيره إلا على سبيل التبع نحو: النطق والصامت، فيرادُ بالناطق: ماله صوتٌ، وبالصامت: مالا صوت له. قوله: (كما خلقه في الشجرة)، مذهبه.
[ ١٠ / ٣٨٤ ]
وهو أن يسبح من رآها تسير بتسيير الله، فلما حملت على التسبيح وصفت به (وَكُنَّا فاعِلِينَ) أى قادرين على أن نفعل هذا وإن كان عجبا عندكم وقيل: وكنا نفعل بالأنبياء مثل ذلك.
اللبوس: اللباس. قال:
البس لكلّ حالة لبوسها
والمراد الدرع. قال قتادة: كانت صفائح فأوّل من سردها وحلقها داود، فجمعت الخفة والتحصين (لِتُحْصِنَكُمْ) قرئ بالنون والياء والتاء، وتخفيف الصاد
_________________
(١) ـ قوله: (وهو أن يُسبح من رآها تسيرُ بتسيير الله تعالى)، يريد أنه من الإسناد المجازي. قال صاحب "الفرائد": هذا الجوابُ يشكلُ لقوله: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ) [سبأ: ١٠]، وتسيير الجبال معه ليس في القرآن، ولا ضرورة في حمل التسبيح على السير. قوله: (وكنا نفعلُ مثل ذلك بالأنبياء ﵈)، يريدُ أن قوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) تذييلٌ للكلام السابق، نحو قوله: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا) إلى قوله: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل: ٣٤]، ثم متعلقُ (فَاعِلِينَ) إما خاصٌّ فيُقدرُ: على أن يُفعل هذا، أي: ما فعلنا بداود ﵇، أو عامٌّ فيقدر: كما نفعلُ مثل ذلك بالأنبياء أي: ما يشبه هذه المعجزة التي آتينا الأنبياء الماضية. قوله: (البس لكل حالةٍ لبوسها؟)، تمامه في "المُطلِع": إما نعيمُها وإما بوسُها أي: البس لكل حالةٍ ما يصلحُ لها، يعني: أعدد لكلِّ زمانٍ ما يُشاكلُه ويلائمه قوله: «لِتُحْصِنَكُمْ) قرئ بالنون والتاء والياء)، بالنون: ابن عامرٍ وأبو بكر،
[ ١٠ / ٣٨٥ ]
وتشديدها، فالنون لله ﷿، والتاء للصنعة أو للبوس على تأويل الدرع، والياء لداود أو للبوس.
(وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ) [الأنبياء: ٨١ - ٨٢].
قرئ: (اَلريحَ). و"الرياح"، بالرفع والنصب فيهما، فالرفع على الابتداء، والنصب على العطف على الجبال.
فإن قلت: وصفت هذه الرياح بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى، فما التوفيق بينهما؟ قلت: كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة، على ما قال (غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ) [سبأ: ١٢] فكان جمعها بين الأمرين أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها، مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم: آية إلى آية ومعجزة إلى معجزة.
_________________
(١) ـ وبالتاء: حفصٌ، والباقون: بالياء التحتاني، والتشديد: شاذٌ. قوله: (قرئ: (الرِّيحُ) و"الرياح")، بالإفراد والنصب: سبعة، والبواقي: شواذ. قوله: (ويحتكم: آية إلى آية)، أي: يحتكم سليمانُ. الأساس: حكمه في ماله فاحتكم فيه وتحكم، ولا تحكم علي. و"آية": نصبٌ خبرُ "كان"، "وان تكون رُخاء" بدلٌ من "الأمرين". ويُروى "آية" و"هُبوبها" مرفوعين على الابتداء والخبر، فعلى هذا خبرُ "كان": "أن تكون"، والوجهُ الأول نظرًا إلى المعنى.
[ ١٠ / ٣٨٦ ]
وقيل: كانت في وقت رخاء، وفي وقت عاصفا، لهبوبها على حكم إرادته، وقد أحاط علمنا بكل شيء فنجري الأشياء كلها على ما يقتضيه علمنا وحكمتنا.
أى: يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر، ويتجاوزون ذلك إلى الأعمال والمهن وبناء المدائن والقصور واختراع الصنائع العجيبة، كما قال (يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ)] سبأ: ١٣ [والله حافظهم أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا أو يغيروا، أو يوجد منهم فساد في الجملة فيما هم مسخرون فيه.
(وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤]. أي: ناداه بأنى مسنى الضر. وقرئ: "إنى"، بالكسر على إضمار القول أو لتضمن النداء معناه و"الضر" - بالفتح -: الضرر في كل شيء، وبالضم: الضرر في النفس من
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: كانت في وقتٍ رُخاءً، وفي وقتٍ عاصفًا)، كما وُصفت عصا موسى تارةً بأنها جانّ، وتارةً بأنها ثُعبانٌ، فإنها في بدء الإلقاء جان، وفي الانتهاء ثُعبان، أو أنها جانٌّ في خفتها، وثعبانٌ في عظم خلقها. قوله: (والمهن)، الجوهري: المهنة بالفتح: الخدمة، وحكى أبو زيدٍ والكسائي بالكسر، وأنكره الأصمعي، والماهنُ: الخادم. قوله: (والله حافظهم أن يزيغوا عن أمره) إلى قوله: (أو يوجد منهم فسادٌ في الجملة فيماهم مسخرون فيه)، إيذانٌ بأن قوله: (وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) تذييلٌ لقوله: (وَمِنْ الشَّيَاطِينِ)، كما كان قوله: (وَكُنَّا فَاعِلِينَ) تذييلًا لقوله: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ)، وقوله: (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) لقوله: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ) (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً)، وكان إثبات العلم مناسبًا لقوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) للجزاء، وإن قدر المصنف: "فنُجري الأشياء كلها على ما يقتضيه علمُنا".
[ ١٠ / ٣٨٧ ]
مرض وهزال، فرق بين البناءين لافتراق المعنيين. ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب.
ويحكى أنّ عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين، مشت جرذان بيتي على العصىّ! فقال لها: ألطفت في السؤال، لا جرم لأردنها تثب وثب الفهود وملأ بيتها حبا. كان أيوب ﵇ روميا من ولد إسحاق بن يعقوب ﵈، وقد استنبأه الله وبسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله: كان له سبعة بنين وسبع بنات، وله أصناف البهائم، وخمس مئة فدان «١» يتبعها خمس مائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ونخيل، فابتلاه الله بذهاب ولده - انهدم عليهم البيت فهلكوا - وبذهاب ماله، وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة. وعن قتادة: ثلاث عشرة سنة. وعن
_________________
(١) ـ قوله: (ولم يُصرح بالمطلوب)، أي: قال: (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ولم يقل: ارحم ضُرِّي، ليعم ويشمل ويُشعر بالتعليل، ولذلك استجيب له، ونُكر الضُّرُّ في قوله: (فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ) أي: ضرٍّ عظيمٍ متميزٍ من بين الضُّر، فلو عرفَ لكان عين الضُّر السابق ولم يُعلم تهويلُه. قوله: (جِرذان بيتي)، الجوهري: الجرذُ: ضربٌ من الفأر، والجمعُ: الجرذانُ بكسر الجيم والذال المعجمة. "على العصي": حالٌ، أي: مشت متكئةً على العصي، وذكر صاحبُ "المثل السائر": أن امرأةً اشتكت بعض ولدِ سعد بن عُبادة قلة الفأرِ في بيتها، فقال: املؤوا بيتها خُبزًا وسمنًا ولحمًا. قوله: (لأرُدَّنَّها تثبُ)، مشاكلةٌ، على نحو قول شُريح فيمن شهد عنده: إنك لسبطُ الشهادة، فقال: لأنها لم تجعد عليّ. قوله: (فدان)، الجوهري: هو آلةُ الثورين للحرث، وهو فعالٌ بالتشديد، وقال أبو عمرو: هي البقر التي تحرث، والجمعُ الفدادينُ مخفف.
[ ١٠ / ٣٨٨ ]
مقاتل: سبعا وسبعة أشهر وسبع ساعات، وقالت له امرأته يوما: لو دعوت الله، فقال لها: كم كانت مدة الرخاء فقالت ثمانين سنة، فقال: أنا أستحى من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي فلما كشف الله عنه أحيا ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم. وروى أن امرأته ولدت بعد ستة وعشرين ابنا.
أى: لرحمتنا العابدين وأنا نذكرهم بالإحسان لا ننساهم أو رحمة منا لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين، ليصبروا كما صبر حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة.
(وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) [الأنبياء: ٨٥ - ٨٦].
قيل في ذى الكفل: هو إلياس. وقيل: زكريا. وقيل: يوشع بن نون، وكأنه سمى بذلك لأنه ذو الحظ من الله والمجدود على الحقيقة. وقيل: كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه وضعف ثوابهم. وقيل: خمسة من الأنبياء ذوو اسمين: إسرائيل
_________________
(١) ـ قوله: (لو دعوت)، لو: يحتملُ أن تكون بمعنى التمني، وأن تكون للشرط. قوله: (أو رحمةً منا)، عطفٌ على قوله: "لرحمتنا" أتى باللام أولًا، ثم نزعها ثانيًا، والرحمةُ: مفعولُ له؛ ليُؤذن بأن الكلام على الأول: تذييلٌ عامٌ في العابدين، فيدخُلُ فيه أيوبُ دخولًا أوليًا، فلابد من تقدير اللام لحصولها قبلُ وبعدُ، وعلى الثاني: تتميمٌ، فتختصُّ الرحمةُ بأيوب ﵇، فلم يحتج إلى اللام لحصول المقارنة، و"الرحمةُ" و"الذكرى" في الأول متنازعان في "العابدين"، ولذلك قال أولًا: "لرحمتنا العابدين"، وثانيا: "وأنا نذكرهم" حيثُ أتى بضمير "العابدين". قوله: (ذو الحظ من الله)، لأن الكفل بالكسر: الحظُّ والنصيبُ. روى محيي السُّنة عن عطاءٍ: أن نبيًا من الأنبياءِ أوحى الله تعالى إليه: إني أريدُ قبض رُوحك، فاعرض مُلكك على بني إسرائيل، فمن تكفل لك أنه يُصلي بالليل لا يفترُ، ويصومُ بالنهارِ لا يُفطرُ، ويقضي
[ ١٠ / ٣٨٩ ]
ويعقوب. إلياس وذو الكفل. عيسى والمسيح. يونس وذو النون. محمد وأحمد: صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: ٨٧].
(النُّونِ) الحوت، فأضيف إليه. برم بقومه لطول ما ذكرهم فلم يذكروا وأقاموا على كفرهم، فراغمهم وظنّ أنّ ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضبا لله وأنفة لدينه وبغضا للكفر وأهله، وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم، فابتلى ببطن الحوت. ومعنى مغاضبته لقومه: أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها. وقرأ أبو شرف: "مغضبا". قرئ: (نقدر). و(نقدّر)، مخففا ومثقلا. و"يقدر"، بالياء بالتخفيف. و"يقدر". و"يقدّر"، على البناء للمفعول مخففا ومثقلا. وفسرت بالتضييق عليه،
_________________
(١) ـ بين الناس ولا يغضب، فادفع مُلكك غليه، ففعل شابٌ، فقال: أنا أتكفلُ ذلك، فتكفلَ ووفي به، فشكر الله تعالى له ونبأه فسُمِّي ذا الكِفْل. قوله: (برم بقومه)، الجوهري: البرمُ بالتحريك: مصدرُ برم به بالكسر: إذا سئمه، وتبرم به مثله، وأبرمه، أي: أمله وأضجره. قوله: (فراغمهم)، الأساس: وراغم أباه: فارقه على رغم منه وكراهة. قوله: (وأنفةً لدينه)، الجوهري: أنف من الشيء يأنفُ أنفًا وأنفةً: استنكفَ. قوله: (قرئ: (نَقْدِرَ» بالنون مخففًا: الجماعةُ، والبواقي: شواذٌّ. قوله: (وفُسرتْ بالتضييق عليه)، قال محيي السُّنة: قال عطاءٌ وكثيرٌ من العلماء: لن
[ ١٠ / ٣٩٠ ]
_________________
(١) ـ يُضيقَ عليه بالحبس من قوله تعالى: (اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) بالرعد: ٢٦] أي: يُضيقُ، وقال أيضًا: لن يقدر عليه، أي لن يقضي عليه بالعقوبة، قاله مجاهدٌ والضحاكُ والكلبيُّ، وفي روايةٍ عن ابن عباس ﵄، يقال: قدر الله الشيء تقديرًا، وقدر يقدرُ قدرًا بمعنى واحد، قال تعالى: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ) [الواقعة: ٦٠]، وفي قراءة مَن خففها دليلٌ على هذا، وعليه قراءةُ عُمر بن عبد العزيز والزُّهري: "لن نُقدرَ" بالتشديد. قال الزجاجُ: أي: ظن أن لن نُقدرَ عليه ما قدرنا من كونه في بطن الحُوت، و"نَقِدرُ" بمعنى: نُقَدِّر. جاء في التفسير، ورُوي عن المصنف أنه قال: تفسيرُ ابن عباس بمعنى القدرة معناه: أن لا نُورد عليه تقديرًا يضُرُّه لكونه مُبتلى به، يقول: قدر الله عليه الضراء، وقدر له السراء، كقولك: قضى القاضي على فلانٍ وحكم عليه، وإذا جُعل من القُدرة فسبيله سبيلُ الاستعارة، أي: فعلَ فعْلَ من ظنَّ أنلن نقدر عليه، والاستعارةُ تكونُ في الأسماء والأفعال والحروف، ونظيره سبع الرجل: إذا ذمه، وحقيقته فعل به فعل السبع بالمسبوع من قولهم: شاةٌ مسبوعة. وقلتُ: مرجعُ كلامه أنه من الاستعارة التبعية التي وقعت على سبيل الاستعارة التمثيلية، يدل عليه قوله: "فكانت حالُه ممثلةً بحال من يظُنُّ أن لن نقدر عليه"، فاستعير الفعلُ هاهنا كما استعير "لعل" في قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: ٢١] كما قررهُ صاحبُ "المفتاح". وقال صاحبُ "الفرائد": لما أمكن حملُه على الحقيقة، وهو أنه من القدر لقوله تعالى: (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) [الفجر: ١٦] أي: ضيق، فأيُّ ضرورةٍ في أن يُحملَ على ما ذكر من المجاز، وأما الوهمُ الذي ذكر فمردودٌ من أوجهٍ، أحدها: أن مثل هذا الخاطر والظن من المؤمن بعيدٌ، فكيف من النبي المعصوم؟ لأن ذلك كُفرٌ، وقوله تعالى: (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)
[ ١٠ / ٣٩١ ]
وبتقدير الله عليه عقوبة. وعن ابن عباس: أنه دخل على معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك. قال: وما هي يا معاوية، فقرأ هذه الآية وقال: أو يظن نبىّ الله أن لا يقدر عليه؟ قال: هذا من القدر لا من القدرة. والمخفف يصح أن يفسر بالقدرة، على معنى: أن لن نعمل فيه قدرتنا، وأن يكون من باب التمثيل، بمعنى: فكانت حاله ممثلة بحال من ظنّ أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه، من غير انتظار لأمر الله. ويجوز أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان، ثم يردعه ويرده بالبرهان، كما يفعل المؤمن المحقق بنزغات الشيطان وما يوسوس إليه في كل وقت. ومنه قوله تعالى (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)] الأحزاب: ١٠ [والخطاب للمؤمنين (فِي الظُّلُماتِ) أى في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت، كقوله (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ) [البقرة: ١٧]
_________________
(١) ـ [الأحزاب: ١٠] ليس من الظن الذي يكونُ كفرًا. وثانيها: أن ما هجس بالخاطر ولم يستقر ولم يُلتفت إليه لم يكن من باب الظن. وثالثها: مثل هذا الخاطر لم يكن أحدٌ معاتبًا به. ورابعها: لما كان هذا الظن حاملًا له على الخروج من بين القوم من الغضب عُلِمَ أنه لم يكن مما ظهر بالوسوسة ولم يُلتفت إليه، ولم يكن مُخلًا بالاعتقاد. والجوابُ: أن قوله: "والمخففُ يصحُّ أن يُفسر بالقدرة"، بعدما ذكرها بين القوم من الوجوه، تنبيهٌ على التوسع في الكلام، وأن هذا وجهٌ يصار إليه لمن له يدٌ في البيان، لا أنه واجبٌ، وأما بقيةُ السؤال فجوابه سبق في خاتمة سورة يوسف ﵇. قوله: (أي: في الكلمة الشديدة المتكاثفة)، وذلك أنه حُبس في بطن حوتٍ واحد، والجمعُ يدل على التكاثف، وأنشد السيرافي: وليلٍ يقولُ الناسُ في ظُلماته … سواءٌ صحيحات العيون وعورها
[ ١٠ / ٣٩٢ ]
وقوله (يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ) [البقرة: ٢٥٧] وقيل: ظلمات بطن الحوت والبحر والليل. وقيل: ابتلع حوته حوت أكبر منه، فحصل في ظلمتى بطني الحوتين وظلمة البحر. أى بأنه (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ) أو بمعنى «أى». عن النبي ﷺ «ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له» وعن الحسن: ما نجاه والله إلا إقراره على نفسه بالظلم.
(فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء: ٨٨].
(نُنْجِي) و"ننجي". و"نجي".
_________________
(١) ـ والدليل عليه الوجه الثاني: "وقيل: ظلماتُ بطن الحوت والبحر والليل" إلى آخره. قوله: (ما من مكروب يدعو)، روينا عن أحمد بن حنبل والترمذي، عن سعد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "دعوة ذي النون إذ دعا في بطن الحوت قال: لا إله غلا أنت سبحانك غني كنتُ من الظالمين، ما دعا بها أحدٌ قطُّ إلا استجيب له"، وفي رواية أحمد: "فإنه لم يدعُ بها مسلمٌ ربه في شيء إلا استجاب له". قوله: «نُنَجِّي)، و"نُنَجِّي"، و"نُجِّي")، في "المعالم": قرأ عاصمٌ برواية أبي بكر: "نُجِّي" بنونٍ واحدةٍ وتشديد الجيم وتسكين الياء لأنها مكتوبةٌ في المصحف بنونٍ واحدة، وقراءة العامة: (نُنَجِّي) بنونين، من الإنجاء، وإنما كُتب بواحدةٍ؛ لأن الثانية كانت ساكنةً والساكنُ غيرُ ظاهرٍ على اللسان، فحذفت، كما فعلوا في "إلا" حذفوا النون لخفائها. قال الزجاج: كُتبت بنونٍ واحدةٍ لأن النون الثانية تخفى مع الجيم، فأما ما رُويَ عن
[ ١٠ / ٣٩٣ ]
_________________
(١) ـ عاصم بنونٍ واحدةٍ فلا وجه لهُ؛ لأن ما لم يُسم فاعلُه لا يكونُ بغير فاعل، وقد قال بعضهم: المعنى: نُجِّي النجاءُ المؤمنين، وهذا خطأٌ بإجماع النحويين، لا يجوزُ "ضُرِبَ زيدًا" تريدُ: ضُرِبَ الضربُ زيدًا؛ لأنك إذا قلت: "ضُرِبَ زيدٌ" فقد عُلِمَ أن الذي ضربه ضربٌ، ولا فائدة في إضماره وإقامته مقامَ الفاعل، قيل: لأنه لو كان على ما لم يُسمَّ فاعلُه لم يُسكنِ الياءَ، ورفع المؤمنون. وقال أبو عليٍّ: راوي هذه القراءة عن عاصم غالطٌ، وأنه قرأ (نُنَجِّي) بنونين كما روى حفصٌ عنه، لكن النون الثانية تُخفى مع الجيم، ولايجوزُ تبيينها، فالتبس على السامع الإخفاء بالإدغام، ويدل على هذا إسكانه الياء في "نُجِّي"؛ لأن الفعل إذا كان مبنيًا للمفعول وكان ماضيًا لم يسكنْ آخره، وإسكانُ آخر الماضي إنما يكونُ في قول من قال: رضي رضًا، وليس هذا منه. وأيضًا، الفعلُ المبنيُّ للمفعول ينبغي أن يُسند إلى المفعول كما يُسندُ المبنيُّ للفاعل إلى الفاعل، وإنما يُسند إلى غيره إذا لم يُذكر المفعولُ به. وقال الشيخ الجعبري: وجهُ تشديد "نُجِّي": أن أصله "نُنْجي" مضارعُ "أنجى"، أُدغمت النونُ في الجيم لتجانسها في الانفتاح والاستفال والجهر والترقيق على حد إجاصٍ وإجانة. وقال أبو عبيد: أصله "نُنَجِّي" مضارع "نَجَّى" ثم أدغم، أو ماضٍ مبنيٌّ للمفعول سُكنتْ ياؤه للتخفيف وأقيم المصدرُ المقدرُ مقامَ الفاعل، أي: نُجَّي النجاءُ، فبقي "المؤمنين" منصوبًا على المفعولية. ورُدَّ بمنع الإدغام في المشدد، وبأن المصدر لو وُجد لقُدِّمَ المفعولُ به عليه في النيابة، والمفتوحةُ لا تخففُ. وأجيب على ضعفٍ، لجواز الإدغام في المُشدد على لغة تخفيف المضاعف، وهي روايةأ [ي زيد عن أبي عمرو. ويجوز إقامةُ المصدر مطلقًا مرجوحًا على الكوفية، ومنه قراءة يزيد: "ليُجزي قومًا"، أي: ليُجزي الجزاء قومًا. وقوله:
[ ١٠ / ٣٩٤ ]
والنون لا تدغم في الجيم، ومن تمحل لصحته فجعله "فعل" وقال نجى النجاء المؤمنين، فأرسل الياء وأسنده إلى مصدره ونصب المؤمنين بالنجاء - فمتعسف بارد التعسف.
(وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠].
_________________
(١) ـ ولو ولدت قفيرة جرو كلبٍ … لسُبَّ بذلك الكلبِ الكلابا ولجواز حملِ الفتحةِ على أختها، ومنهُ قراءةُ الحسن: "وذرُوا ما بقى"، وقوله: هو الخليفةُ فارضوا ما رضي لكمُ … ماضي العزيمة ما في حُكمه جنفُ ووجه تخفيفه أنه مضارعُ "أنْجَى"، والإخفاءُ أغنى عن الإدغام، وهو المختارُ عملًا بالأفصح السالم من التأويل، خلافًا لأبي عُبيدةَ، إذ لا تمسُّكَ له برسمها واحدة، وإذا صَحّ نقلُها وظهر وجهها فلا نلتفتُ إلى قول جاهلٍ به ومُعانِد فيه، ومن ثم احتاج قارئه إلى ذكاءٍ يبينُ له الحق من الباطل. وقال الشيخُ موفقُ الدين الكواشيُّ: لا شك أن هذه أقوالُ من غفل عن أثبت أصلٍ أُخذت عنه العربية، وركن إلى أقوالٍ وأشعارٍ نُقلت عمن لا يعتمد عليه لجهله وعدم عدالته. وأيضًا، قولهم: لم يأتِ عن العرب مِثلُها، يُشير إلى أنه أحاط بجميع كلام العرب، وهذا تجرٌ للواسع، وسهوٌ ظاهر، ومن زعم أنه غلطٌ من الراوي، زعم أنه ليس بثقةٍ ولا ضابط، فكانت غير مقطوع بصحتها وقولُ من زعم أنه: متعسفٌ؛ باردٌ بشعٌ وأشنعُ تعسفًا.
[ ١٠ / ٣٩٥ ]
سأل ربه أن يرزقه ولدا يرثه ولا يدعه وحيدا بلا وارث، ثم ردّ أمره إلى الله مستسلما فقال (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) أى إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالى، فإنك خير وارث. "إصلاح زوجه": أن جعلها صالحة للولادة بعد عقرها. وقيل: تحسين خلقها وكانت سيئة الخلق.
الضمير للمذكورين من الأنبياء ﵈ يريد أنهم ما استحقوا الإجابة
_________________
(١) ـ قوله: (الضميرُ- في (إِنَّهُمْ) - للمذكورين من الأنبياء ﵈)، اعلمْ أنهُ تعالى عقب استجابة دعاءِ زكرياَّ بما يشتملُ على تعليل استجابة دعوة الأنبياء السالفة، أما أولًا فقوله تعالى في حق إبراهيم ﵇: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ) فإنه مسبوقٌ بالدعاء من أبيه نوح ﵇ لقوله تعالى: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ)، وأما ثانيًا فقوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ) إلى قوله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ)، وأما ثالثًا فقوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا) إلى قوله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ)، وشرط في التعليل ثلاث شرائط، أحدها: المسارعة في الخيرات؛ لأن الوسيلة مقدمةٌ على الطلب. وثانيها: أن يكون الداعي بين الخوف والرجاء يخافُ تقصيره، كقوله تعالى: (يَحْذَرُ الآخِرَةَ) [الزمر: ٩] أي: لا يعتمدُ على عمله؛ لأن العمل بالخواتيم، ويرجو مع ذلك رحمةَ ربه الواسعة، وثالثها: أن يكون مخلصًا لا مُرائيًا كما قال إبراهيم: أن يرى الله من العبد الإخلاص والخشوع إذا تخلى معه، إذ ليس الخشوعُ أن تراه يأكل الجشب، ويلبس ويُرائي.
[ ١٠ / ٣٩٦ ]
إلى طلباتهم إلا لمبادرتهم أبواب الخير ومسارعتهم في تحصيلها كما يفعل الراغبون في الأمور الجادون. وقرئ "رَغَبًا وَرَهَبًا" بالإسكان، وهو كقوله تعالى (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ) [الزمر: ٩].
(خاشِعِينَ) قال الحسن: ذللا لأمر الله. وعن مجاهد: "الخشوع" الخوف الدائم في القلب. وقيل: متواضعين. وسئل الأعمش فقال: أما إنى سألت إبراهيم فقال: ألا تدرى؟ قلت: أفدنى. قال: بينه وبين الله إذا أرخى ستره وأغلق بابه، فلير الله منه خيرا، لعلك ترى أنه أن يأكل جشنا ويلبس خشنا ويطأطئ رأسه.
(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء: ٩١].
(أَحْصَنَتْ فَرْجَها) إحصانا كليا من الحلال والحرام جميعا كما قالت: (وَلَمْ
_________________
(١) ـ قوله: (فلير الله منه خيرًا)، أي: يكونُ على حالةٍ يرى الله منه بها خيرًا، على نحو: لا أرينك هاهنا. قوله: (لعلك ترى)، أي: لعلك تظن أن الخشوع أكل الخشن ولبس المسوح وتطاطُؤ الرأس عند الملأ من الناس، لا، بل الخشوع بأن يُعامل مع الله في الخلوة بالإخلاص. قوله: (جشبًا)، بالجيم والباء الموحدة. الجهري: طعامٌ جشبٌ ومجشوبٌ، أي: غليظٌ خشن، ويقال: هو الذي لا أُدم معهُ. قوله: «أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا»، أي: اذكُر التي أحصنت فرجها إحصانًا كُليًا من الحلال والحرام جميعًا، هذه المبالغة يعطيها معنى عطف هذا المذكور على ما قبله من أسماء الأنبياء ﵈، ثم التعبير عن اسمها بهذه الصفة المختصة بها على الكناية. قال صاحب "المفتاح": إذا اتفق في صفة من الصفات اختصاص بموصوفٍ معينٍ
[ ١٠ / ٣٩٧ ]
يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) [مريم: ٢٠]. فإن قلت: نفخ الروح في الجسد عبارة عن إحيائه. قال الله تعالى (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) [الحجر: ٢٩] أى: أحييته. وإذا ثبت ذلك كان قوله (فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا) ظاهر الإشكال، لأنه يدل على إحياء مريم. قلت: معناه نفخنا الروح في عيسى فيها، أى: أحييناه في جوفها. ونحو ذلك أن يقول الزمار: نفخت في بيت فلان، أى: نفخت في المزمار في بيته. ويجوز أن يراد: وفعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا وهو جبريل ﵇، لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها.
فإن قلت: هلا قيل آيتين كما قال (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ) [الإسراء: ١٢]؟ قلت: لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل.
(إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ٩٢].
الأمّة: الملة،
_________________
(١) ـ لعارضٍ فيذكُرُها متوصلًا بها إلى ذلك الموصوف، مثل أن تقول: جاء المضيافُ، وتريد زيدًا لعارض اختصاص للمضايف بزيد. ثم في الإتيان بالموصولة مع الصلة الدلالة على مزيد تقرير الإحصان، على نحو قوله: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ) [يوسف: ٢٣]، والإيذانُ بأنها إنما انتظمت في سلك الأنبياء بسبب هذه الخصلة. قوله: (من جهة رُوحنا، وهو جبريل)، فـ"مِنْ" على هذا: ابتدائية، والإسنادُ مجازيٌّ نحو: بنى الأمير المدينة، والنفخ حقيقةٌ، وعلى أن يُراد بنفخ الروح الإحياء: بيانية، أي: نفخت به ما يحيا به من الروح. وإليه الإشارة: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) [ص: ٧٢]، أي: أحييته، والأسلوب تمثيل، نحو قوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ) [البقرة: ١١٧]. قوله: (الأمةُ: الملة)، قال صاحب "المُطلِع": الأمةُ: أصلُها القومُ يجتمعون على دينٍ
[ ١٠ / ٣٩٨ ]
(وهذِهِ) إشارة إلى ملة الإسلام، أى: إن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها، يشار إليها ملة واحدة
_________________
(١) ـ واحد، ثم اتُّسِعَ فيها حتى قيل للدين: أمةٌ، واشتقاقها من أم: قصد، وهي الملةُ المقصودة، قال تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) [الزخرف: ٢٣] أي: دينٍ وملة. قوله: (و(هذه) إشارة إلى ملة الإسلام)، أي: المشارُ إليه ما في الذهنِ كما مضى في قوله تعالى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨]، ولما كان معنى الإشارة هاهنا لأجل أكمل التمييز والتعيين، والمشارُ إليه غير محسوس ومعرفٌ تعريف إضافةٍ للاختصاص، قال: "التي يجبُ أن تكونوا عليها"، أي: هذه الملةُ متعينةٌ لكم، فلا مجال للانحراف عنها. قوله: (يُشارُ إليها ملةً واحدة)، إشارةٌ إلى أن قوله: (أُمَّةً وَاحِدَةً): حالٌ، والعاملُ: اسمُ الإشارة، نحو قوله تعالى: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) [هود: ٧٢]، وفيه إيماءٌ إلى أن عامل الحال غير عاملٍ فيها. قال المالكيُّ في "شرح التسهيل": والأكثرُ أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحبها؛ لأنها وإياهُ كالصفةِ والموصوفِ ولكنهما كالمميز والمميز عنهُ، وكالخبر والمخبر عنه، ومعلومٌ أن ما يعمل في المميز والمميز قد يكون واحدًا وقد يكون غير واحد، وكذا ما يعملُ في الخبر والمُخبر عنه، فكذا الحالُ وصاحبها، ومثالُ اتحاد العامل في الأبواب الثلاثة: طاب زيدٌ نفسًا، وإن زيدًا قائمٌ، وجاء زيدٌ راكبًا، ومثالُ عدم الاتحاد في الثلاثة: لي عشرون درهما، وزيدٌ منطلقٌ، على مذهب سيبويه، (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، فـ (أُمَّةً): حالٌ، والعامل فيها: اسم الإشارة، و(أُمَّتُكُمْ): صاحب الحال، والعامل فيها: (َإِنَّ). وقال ابن جني في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ) [الفتح: ٢٩]: نصب أشداء على الحال، أي: هم معه على هذه الحالة، فتجعلُه حالًا من الضمير في "معه"، ولو جعلته حالًا من (وَالَّذِينَ) كان العامل في الحال غير العامل في صاحبها، كان ذلك جائزًا كقوله تعالى: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا) [البقرة: ٩١]، وقوله: "يُشار إليها" في الكتاب: حالٌ من الضمير المجرور في "عنها"، وكذا "ملة واحدةً: حالٌ من الضمير المجرور في "يُشارُ إليها".
[ ١٠ / ٣٩٩ ]
غير مختلفة (وَأَنَا) إلهكم إله واحد (فَاعْبُدُونِ) ونصب الحسن "أمّتكم" على البدل من (هذه)، ورفع "أمّة" خبرا. وعنه رفعهما جميعا خبرين (لهذه). أو نوى للثاني مبتدأ، والخطاب للناس كافة.
_________________
(١) ـ قوله: (غير مختلفة)، يريد: قوله: (وَاحِدَةً): صفةٌ مؤكدةٌ لمعنى الوحدة في "ملةً" فيوافقه قوله: (أَنَا رَبُّكُمْ)، ولهذا فسره بقوله: "وأنا إلهكم إله واحد"؛ لأن التركيب مثلُ قولك: أنا أخوك، لمن يعرفُ أخًا له ويعرفُك، لكن لا يعرفُ أنك أخوه. قوله: (وأنا إلهكم إلهٌ واحد)، تفسيرٌ لقوله: (أَنَا رَبُّكُمْ)، وتخصيصه بالتوحيد لاقتضاء المقام، وعطفه على قوله: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) والفاء في (فَاعْبُدُونِ) لترتب الحكم على الوصف. وأما قضيةُ ترتيب النظم فإن هذه السورة كما مر نازلةٌ في بيان النبوة وما يتعلقُ بها، والمخاطبون: المعاندون من أمة محمدٍ صلوات وسلامه عليه، ولما فرغ من بيان النبوة، وتكريره تقريرًا، ومن ذكر الأنبياء مسليًا، عاد إلى خطابهم بقوله: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي هذه الملة التي كررتها عليكم ملةٌ واحدةٌ أختارها لكم فتمسكوا بها وبعبادة الله تعالى والقول بالتوحيد، وهي التي أدعوكم إليها، لتعضوا عليها بالنواجذ؛ لأن سائر الكتب نازلةٌ في شأنها، والأنبياء كلهم مبعوثون للدعوة إليها، ومتفقةٌ عليها، ثم لما عُلم إصرارهم وعنادهم قيل: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ)، المعنى: الملةُ واحدة، والربُّ واحد، والأنبياءُ متفقون عليها، وهؤلاء البُعداءُ جعلوا أمر الدين الواحد فيما بينهم قطعًا كما تتوزعُ الجماعةُ الشيء الواحد. قوله: (ونصب الحسنُ "أمتكم")، قال ابن جني: ورويت عن أبي عمرو: "أمتكم أمةٌ واحدةٌ" بالرفع، فتكونُ "أمةٌ واحدةٌ" بدلًا من (أُمَّتُكُمْ)، كقولك: زيدٌ أخوك رجلٌ صالحٌ، ولو قرئ أمتكم بالنصب بدلًا وتوضيحًا لـ (هذه)، ورُفع (أُمَّةً وَاحِدَةً) لأنه خبرُ (إنَّ) كان وجهًا جميلًا حسنًا.
[ ١٠ / ٤٠٠ ]
(وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ) [الأنبياء: ٩٣].
والأصل: وتقطعتم، إلا أن الكلام حرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم، ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله. والمعنى: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا، كما يتوزع الجماعة الشيء ويتقسمونه، فيطير لهذا نصيب ولذاك نصيب، تمثيلا لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى. ثم توعدهم بأنّ هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو محاسبهم ومجازيهم.
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) [الأنبياء: ٩٤].
"الكفران": مثل في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثل في إعطائه إذا قيل لله:
_________________
(١) ـ قوله: (والمعنى: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعًا)، ضمن "تقطع" معنى "جعل". وقال أبو البقاء: (أَمْرِهِمْ) أي: في أمرهم، أي: تفرقوا. وقيل: عدى تقطعوا بنفسه؛ لأنه بمعنى قطعوا، أي: فرقوا. قوله: (فيطير لهذا نصيبٌ)، يقالُ: طار له سهمٌ، أي: أسرع وخف، وأصله من التطير بالسانح والبارح للحظ والنصيب والخيبة والحرمان. قوله: (تمثيلًا لاختلافهم)، مفعولٌ له لقوله: "ينعي عليهم". قوله: (الكفران)، مثلٌ في حرمان الثواب، يدلٌّ عليه قوله تعالى: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) [آل عمران: ١١٥]، أي: لن تُحرموا ثوابه ولن تُمنعوه. وإنما قال: هو مثلٌ؛ لأن حقيقة الشُكرِ الثناءُ على المحسن بما أولاكَهُ من المعروف، وهذا في حق الله تعالى محالٌ،
[ ١٠ / ٤٠١ ]
شكور. وقد نفى نفي الجنس ليكون أبلغ من أن يقول: فلا نكفر سعيه (وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) أى نحن كاتبو ذلك السعى ومثبتوه في صحيفة عمله، وما نحن مثبتوه فهو غير ضائع ومثاب عليه صاحبه.
(وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَاجُوجُ وَمَاجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) [الأنبياء: ٩٥ - ٩٦].
استعير الحرام للممتنع وجوده. ومنه قوله ﷿ (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى
_________________
(١) ـ فشبه معاملته مع من أطاعه، وعمل صالحًا لوجهه، بثناء من قد أحسن إليه غيره وأولاهُ من معروفه، ثم استعمل لجانب المشبه ما كان مستعملًا في المشبه به من لفظ الشكور، وفي عكسه الكفران. "النهاية": وفي أسماء الله تعالى الشكور، وهو الذي يزكو عنده القليلُ من أعمال العباد، فيُضاعفُ لهم الجزاء، وهو من أبنية المبالغة. قوله: (فهو غير ضائع)، إشارةٌ إلى ملزوم قوله: (وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ)؛ لأنه كنايةٌ عنه. قوله: (استعير الحرامُ للممتنع وجوده)، أنشد صاحبُ "المطلع" للخنساء: وإن حرامًا لا أرى الدهر باكيًا … على شجوه إلا بكيت على عمرو وإنما جعله استعارةً لأن الحرام اسمٌ لما امتنع تناوله قطعًا بسبب شرعي، فما حكم الله بامتناعه يكونُ كالشيء المحرم على الناس، ومنه الحديث: "حرمتُ الظُّلمَ على نفسي"، أي: تقدستُ عنهُ وتعاليت.
[ ١٠ / ٤٠٢ ]
الْكافِرِينَ) [الأعراف: ٥٠] أى منعهما منهم، وأبى أن يكونا لهم. وقرئ: "وحرم"، "وحرم" بالفتح والكسر. "وحرّم" "وحرّم".
ومعنى (أَهْلَكْناها) عزمنا على إهلاكها. أو قدرنا إهلاكها. ومعنى "الرجوع": الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة. ومجاز الآية: أن قوما عزم الله على إهلاكهم غير متصوّر أن يرجعوا وينيبوا، إلى أن تقوم القيامة فحينئذ يرجعون ويقولون: (يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ)] الأنبياء: ٩٧ [يعنى: أنهم مطبوع على قلوبهم فلا يزالون على كفرهم ويموتون عليه حتى يروا العذاب.
وقرئ: "إنهم"، بالكسر. وحق هذا أن يتمّ الكلام قبله، فلا بدّ من تقدير محذوف، كأنه قيل: وحرام على قرية أهلكناها ذاك. وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعى المشكور غير المكفور، ثم علل فقيل: إنهم لا يرجعون عن الكفر،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "وحَرْم"، و"حِرْم" بالفتح والكسر)، أبو بكر وحمزةُ والكسائي: بالكسر وإسكان الراء، والباقون: بفتحهما وألف بعد الراء. الجوهري: الحرامُ ضد الحلال، وكذلك الحرمُ بالكسر، قال الكسائي: ومعناهُ الواجبُ. وقال ابن جني: قرأ ابن عباس: "حرم" بفتح الحاء وسكون الراء والتنوين، وهو مخففٌ من "حَرِم" على لُغةِ بني تميم كبطرٍ من: بطرٍ، وفخذٍ من: فخذ. وقرأ ابن عباس أيضًا: "حرُم" بضم الراء. قوله: (ومجاز الآية)، أي: الذي ينبني جوازُ الآية وطريقتها وسياقها عليه وبيانُ تقرير الاستعارة واستعمالُ الحرام في الممتنع وجوده، وذلك أن ما عزم الله تعالى عليه غير متصور أن يكون خلافه، فيمتنعُ وجودُ إنابةِ هؤلاء؛ لأن الله تعالى عزم على إهلاكهم، فلا يرجعون ولا يُنيبون.
[ ١٠ / ٤٠٣ ]
فكيف لا يمتنع ذلك. والقراءة بالفتح يصح حملها على هذا؟ أى: لأنهم لا يرجعون ولا صلة على الوجه الأوّل.
_________________
(١) ـ قوله: (فكيف لا يمتنع ذلك؟)، أي: فكيف يحصلُ منهمُ العملُ الصالحُ والسعيُ المشكور؟ لأن الإنكار إذا دخل على المنفي أفاد الثبوت. قوله: (ولا صلة على الوجه الأول)، على أن يكون (أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) مُبتدأ، والخبر: "حرامٌ"، لا أن يكون تعليلًا، ولهذا قدر في الأول "لا" زائدةً وقال: "إن قومًا عزم اللهُ على إهلاكهم غير متصورٍ أن يرجعوا"، وجعل في التعليل غير زائدة، وقال: "ثم عُلل، فقيل: لأنهم لايرجعون". قال ابن الحاجب في "الأمالي": إذا جُعلت (أَنَّهُمْ) مبتدأ، و"حرامٌ": خبرٌ مقدم، وجب تقديمه لما تقرر في النحو من أن الخبر عن "أن" لابد أن يكون مقدمًا، فعلى هذا لو جُعلت "لا" نافية يفسدُ المعنى، إذ يصيرُ التقديرُ: انتفاءُ رجوعهم ممتنعٌ، فيؤدي إلى معنى الإثبات، إذ نفيُ النفي إثباتٌ قطعًا. وإن جُعلت "لا" زائدةً استقام، وإذا جُعلت (أَنَّهُمْ) تعليلًا، لا تكونُ زائدةً، و"حرامٌ": خبرُ مبتدأِ مقدَّر وهو ذاك، يعني ما تقدم من العمل الصالح المدلول عليه بقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ)، ويكون (أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) تعليلًا لقوله: وذاك حرامٌ، كأنه قيل: لم كان ممتنعًا؟ فقيل: لأنهم لا يرجعون، وقد يُضعفُ هذا الوجهُ بأنه معلومٌ امتناعُ العمل على الهالك، فهو إخبارُ بما قد تحقق وعُلم. ويُجاب عنه بأن المراد امتناعُ دخولهم الجنة؛ وكنى عنه بامتناع العمل الصالح، وهو السببُ، فترك ذكر المسبب وذكر السبب، فأنه قيل: يمتنعُ دخولهم الجنة؛ لامتناع عملهم. وقال القاضي: معنى (أَهْلَكْنَاهَا): حكمنا بإهلاكها. وقلتُ: الذي يقتضيه النظمُ أن يكون قوله تعالى: (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) مجملًا كما قال: "ثم توعدهم بأن هذه الفرق المختلفة إليه يرجعون فهو محاسبهم ومجازيهم"، وقوله:
[ ١٠ / ٤٠٤ ]
فإن قلت: بم تعلقت (حَتَّى) واقعة غاية له، وأية الثلاث هي؟ قلت: هي متعلقة ب"حرام"، وهي غاية له لأنّ امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة، وهي (حَتَّى) التي يحكى بعدها الكلام، والكلام المحكىّ: الجملة من الشرط والجزاء، أعنى: «إذا» وما في حيزها.
حذف المضاف إلى (يَاجُوجُ وَمَاجُوجُ) وهو سدّهما، كما حذف المضاف إلى "القرية" وهو أهلها.
وقيل: (فتحت) كما قيل (أَهْلَكْناها) وقرئ: "آجوج". وهما قبيلتان من جنس الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج
_________________
(١) ـ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ) الآية تفصيلًا له، على أن يُقدر ما يُقابله لمن يُضادهم في العمل فحذف وأقيم مقامه: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) على أن المعنى: وحرامٌ على قريةٍ أهلكناها العملُ الصالحُ والسعيُ المشكورُ غير المكفور؛ لأنهم لا يرجعون عن الكفر، كما قال نعيًا على أولئك الذين تقطعوا أمر دينهم، وتسجيلًا على تصميمهم وعدم ارعوائهم. قوله: (واقعةً غايةً له)، "واقعةً": حالٌ، والضميرُ في "لهُ" يرجعُ إلى "ما" التي في قوله: "بِمَ". قوله: (وأية الثلاث هي؟)، المعنى أن "حتى" ثلاثةُ أقسام: حرفُ جر، وحرفُ عطف، وحرفٌ يبتدأ بما بعدها، فهذه من أية هذه الأقسام؟ قوله: (وقيل: (فُتِحَتْ)، كما قيل: «أَهْلَكْنَاهَا»، أي: أُنثَ باعتبار المذكور، أي: القرية. قوله: (هما قبيلتان من جنس الإنس)، روى محيي السنة عن الضحاك: هم جيلٌ من الترك. وقال أهل التاريخ: أولادُ نوح ﵇ ثلاثةٌ: سامٌ، وحامٌ، ويافث. سامٌ
[ ١٠ / ٤٠٥ ]
ومأجوج (وَهُمْ) راجع إلى الناس المسوقين إلى المحشر وقيل: هم يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السدّ. "الحدب": النشز «١» من الأرض. وقرأ ابن عباس ﵁: "من كل جدث"، وهو القبر، الثاء: حجازية، والفاء: تميمية. وقرئ (يَنْسِلُونَ) بضم السين. و"نسل" و"عسل": أسرع.
(وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ) [الأنبياء: ٩٧].
و(إِذا) هي "إذا" المفاجأة، وهي تقع في المجازاة سادّة مسدّ الفاء، كقوله تعالى (إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ)] الروم: ٣٦ [فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء
_________________
(١) ـ أبو العرب والعجم والروم، وحامٌ أبو الحبشة والزنج والنوبة، ويافثُ أبو التُّركِ والخزر والصقالبة ويأجوج ومأجوج. ورُوي عن حذيفة مرفوعًا: أن يأجوج أمة، ومأجوج أمة. قوله: (وقرأ ابن عباس: "من كل جدث")، قال ابن جني: قالوا: أجدثت له جدثًا، ولم يقولوا: أجدفتُ. فهذا يُريك أن الفاء في "جدف" بدلٌ من الثاء في "جدث"، ألا ترى الثاء أذهب في التصرف من الفاء؟ ويجوز أن يكونا أصليين، إلا أن أحدهما أوسعُ تصرفًا من صاحبه كما قالوا: وكدتُ عهده وأكدته، إلا أن الواو أوسعُ تصرفًا، وعليه قالوا: مودة قديمة وكيدة. ولم يقولوا: أكيدةٌ، فهو مذهبٌ مقتاسٌ في أمثاله. قوله: (فإذا جاءت الفاءُ معها تعاونتا)، قال صاحب "الفرائد": إذا المفاجأة بدلٌ من الفاء في الجواب، فكان هذا جمعًا بين البدل والمُبدل منهُ، ويمكن أن يكون جواب (إِذَا فُتِحَتْ): (يَا وَيْلَنَا)، أي: قالوا: يا ويلنا، وقيل: محذوف، أي: ندموا وعلموا فإذا
[ ١٠ / ٤٠٦ ]
بالشرط فيتأكد. ولو قيل: إذا هي شاخصة. أو فهي شاخصة، كان سديدا.
(هِيَ) ضمير مبهم توضحه "الأبصار" وتفسره، كما فسر (الذين ظلموا) و(أسروا) (يا وَيْلَنا) متعلق بمحذوف تقديره: يقولون يا ويلنا. و"يقولون": في موضع الحال من (الذين كفروا).
(إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ) [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠].
_________________
(١) ـ أبصارهم شاخصةٌ. وأما على الوجه الأول فالتقدير: إذا فُتحدت يأجوج ومأجوجُ وكان كيت وكيت، ففاجؤوا وقت شخوص أبصارهم قالوا: يا ويلنا. وقال الزجاج: الجوابُ عند البصريين قوله: (يَا وَيْلَنَا) والقول محذوفٌ. وعند بعضهم: (وَاقْتَرِبْ)، والواو مُطرحٌ، وهو لا يجوزُ عند البصريين. قوله: (هي: ضميرٌ مبهمٌ يوضحه: "الأبصار")، يعني: ضميرُ "هي" عند بعضهم، أي: صورته صورة ضمير، لا أنه الضمير المصطلحُ عليه" لأن الضمير المصطلح عليه معرفة، ولابد له من شيء قبله يعود إليه ولا شيء هنا، فيكونُ على وزان قوله: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنبياء: ٣]، قال القاضي: يجوزُ أن يكون الضمير للقصة. وقال أبو البقاء: (فإذا) هي: "إذا" للمفاجأة، وهي مكان، والعاملُ فيها: (شَاخِصَةٌ)، وهي ضمير القصة، و(أَبْصَارُ الَّذِينَ): مبتدأ و(شَاخِصَةٌ): خبره.
[ ١٠ / ٤٠٧ ]
ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يحتمل الأصنام وإبليس وأعوانه، لأنهم بطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم. ويصدّقه ما روى: أنّ رسول الله ﷺ دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحرث فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليهم (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) … الآية، فأقبل عبد الله بن الزبعرى فرآهم يتهامسون، فقال: فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله ﷺ، فقال عبد الله: أما والله لو وجدته لخصمته، فدعوه. فقال ابن الزبعرى: أأنت قلت ذلك؟ قال: نعم. قال: قد خصمتك ورب الكعبة. أليس اليهود عبدوا عزيرا، والنصارى عبدوا المسيح، وبنو مليح عبدوا الملائكة؟
فقال ﷺ: "بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك". فأنزل الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ)] الأنبياء: ١٠١ [… الآية يعنى عزيرا والمسيح والملائكة ﵈.
فإن قلت: لم قرنوا بآلهتهم؟ قلت: لأنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غمّ وحسرة،
_________________
(١) ـ قوله: (ما تعبدون من دون الله: يحتمل الأصنام)، قال في "البقرة": "ما: عامٌّ في كل شيء، فإذا عُلم فُرِّق بـ (ما) و(مَنْ) ". وقد عُلم هنا بقرينة الخطاب في قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ) وفيما سبق (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، والالتفات في قوله: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ) أن المخاطبين: المشركون، فإن "ما" محمولةٌ على الأصنام، ومن ثم قدر محيي السنة: إنكم أيها المشركون وما تعبدون من دون الله، يعني الأصنام، حصبُ جهنم. وقال محيي السنة: وزعم جماعةٌ أن المراد من الآية الأًنام، لقوله: (وَمَا تَعْبُدُونَ)، ولو أريد الملائكة والناس لقيل: ومن تعبدون. وهو ضعيفٌ؛ لأن ما: عامةٌ.
[ ١٠ / ٤٠٨ ]
حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم. والنظر إلى وجه العدوّ باب من العذاب، ولأنهم قدّروا، أنهم يستشفعون بهم في الآخرة ويستنفعون بشفاعتهم، فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم.
فإن قلت: إذا عنيت ب"ما تعبدون" الأصنام، فما معنى (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ)؟ قلت: إذا كانوا هم وأصنامهم في قرن واحد، جاز أن يقال: "لهم زفير"، وإن لم يكن الزافرين إلا هم دون الأصنام للتغليب ولعدم الإلباس.
و"الحصب": المحصوب به، أى: يحصب بهم في النار. والحصب: الرمي. وقرئ بسكون الصاد، وصفا بالمصدر. وقرئ "حطب"، و"حضب"، بالضاد متحركًا
_________________
(١) ـ قوله: (للتغليب)، قال صاحب "الفرائد": لا تغليب هاهنا، والمرادُ من ضمير (وَهُمْ): المخاطبون في قوله: (إِنَّكُمْ)، فالالتفاتُ من الخطاب إلى الغيبة، وقلتُ: لما حكم على جميعهم وأنهم مع أصنامهم حصبُ جهنم، ثم حقق ذلك بأن هذا وعدٌ لابد منه بقوله: (أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) وعطف عليه قوله: (وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ) توكيدًا لشمول الأشخاص والأزمان على سبيل الالتفات، ثم أوقع بني المعطوف والمعطوف عليه قوله تعالى: (لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا) اعتراضًا وتجهيلًا للكفرة، واحتجاجًا عليهم، عقبه ببيان أحوال كلهم في جهنم بقوله: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ)، وكان مقتضى السياق الشركة أيضًا، لكن امتنع وصفها بالزفير، فوجب المصير إلى التأويل بالتغليب، ويجوز وصفها به ما وصف جهنم بالتغيظ والزفير على الحقيقة. قوله: (و"الحصبُ": المحصوبُ به)، والمحصوب: النارُ، والمحصوب به: الحطبُ، كما أن المرمي: الهدفُ، والمرميَّ به: السهمُ. قوله: (وقرئ بسكون الصاد)، قال ابن جني: وهي قراءة ابن السميفع. وقرأ ابن عباس: "حضبُ" بالضاد مفتوحةً، وبسكونها: كثيرُ عزة، وبالطاء: عليُّ بن أبي طالب وعائشةُ وابن الزبير ﵃. والحصبُ بالضاد والصاد: الحطبُ، وفيه ثلاث لغات. حطبٌ، وحضبٌ، وحصبٌ، إنما يقال: حصبٌ إذا ألقي في التنور والموقد، فأما ما لم يُستعمل
[ ١٠ / ٤٠٩ ]
وساكنا. وعن ابن مسعود: يجعلون في توابيت من نار فلا يسمعون. ويجوز أن يصمهم الله كما يعميهم.
(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) [الأنبياء: ١٠١].
(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٣].
(الْحُسْنى) الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن: إمّا السعادة، وإما البشرى بالثواب وإما التوفيق للطاعة.
_________________
(١) ـ فلا يقال: حصبٌ. قال أحمد بن يحيى: أصل الحصب: الرميُ، حطبًا كان أو غيره، فهذا يؤكد ما ذكرناه، فأما الحضبُ ساكنًا بالضاد المعجمة وغير المعجمة فالطرحُ، فهو هنا على إيقاع المصدر موقع اسم المفعول. قوله: (إما السعادةُ، وإما البشرى بالثواب، وإما التوفيق للطاعة)، أما السعادةُ فما روينا عن الترمذي، عن رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحدٍ أو من نفس منفوسة، إلا قد كُتبت شقيةً أو سعيدة"، الحديث. وعن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، عن رسول الله ﷺ: "إن خلقَ أحدكم يُجمعُ في بطن أمه" إلى قوله: "يُكتبُ رزقه وأجلُه وعملُه وشقيٌّ أو سعيد، ثم يُنفخُ في الروح" الحديث. وأما البشرى فلقوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى) [يونس: ٢٦]، وقوله تعالى: (تَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ).
[ ١٠ / ٤١٠ ]
يُروى أنّ عليا ﵁ قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم، وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف، ثم أقيمت الصلاة فقام يجرّ رداءه وهو يقول (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها) و"الحسيس": الصوت يحس، و"الشهوة": طلب النفس اللذة. وقرئ "لا يَحْزُنُهُمُ" من أحزن. و(الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) قيل: النفخة الأخيرة، لقوله تعالى (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ)] النمل: ٨٧ [وعن الحسن: الانصراف إلى النار. وعن الضحاك: حين يطبق على النار. وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح، أي:
_________________
(١) ـ وأما التوفيق فلقوله صلواتُ الله عليه: "وأما من كان من أهل السعادة فسيصيرُ لعمل السعادة"، الحديث، أخرجه البخاري ومسلمٌ عن علي ﵁. قوله: (يُروى أن عليًا ﵁)، يشيرُ إلى معنى ما روينا عن سعيد بن زيدٍ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ، وإني لغنيٌّ أن أقول عليه ما لم يقل، فيسألني عنه غدًا إذا لقيته: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، عليٌّ في الجنة، والزبيرُ في الجنة، وسعد بن مالكٍ في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة"، وسكت عن العاشر، فقالوا: ومن العاشرُ؟ قال: "سعيد بن زيد"، يعني نفسه. أخرجه أبو داود والترمذي أيضًا عن عبد الرحمن بن عوف مثله. قوله: (يُذبحُ الموتُ على صورة كبش أملح)، الحديثُ من رواية البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسول الله ﷺ: "يُؤتي بالموتِ كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرفون وينظرون، فيقولون: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموتُ": إلى قوله: "فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة، خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار، خلودٌ فلا موت"، الحديث.
[ ١٠ / ٤١١ ]
تستقبلهم (الْمَلائِكَةُ) مهنئين على أبواب الجنة. ويقولون: هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم قد حلّ.
(يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَانا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) [الأنبياء: ١٠٤].
العامل في (يَوْمَ نَطْوِي) (لا يحزنهم). أو (الفزع). أو (تتلقاهم). وقرئ: "تطوى السماء"، على البناء للمفعول "السِّجِلِّ" بوزن العتلّ و"السجل" بلفظ الدلو. وروى فيه الكسر: وهو الصحيفة، أى: كما يطوى الطومار للكتابة، أى: ليكتب فيه، أو: لما يكتب فيه، لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء، ثم يوقع على
_________________
(١) ـ النهاية: الأملحُ: الذي بياضه أكثر من سواده، وقيل: هو النقي البياض. قوله: (أو (الْفَزَعُ»، أي: العامل في (يَوْمَ نَطْوِي) الفزعُ: فإن قيل: الفزعُ الأكبرُ مصدرٌ موصوف، وهو لا يعمل؟ وأجيب: أنه اتسع في الظرف ما لم يُتسع في غيره. قوله: ("السُّجُلّ"، بوزن العُتُلِّ)، قال ابن جني: بضم السين والجيم مشددة، قراءة أبي زُرعة، وقرأ الحسنُ: بكسر السين وسُكون الجيم، واختاره أبو عمرو، وقرأ أبوالسمال بفتح السين وسكون الجيم وتخفيف اللام. قال ابن جني: السجلُّ: الكتابُ، وهو كتابُ العهدة ونحوها. وقال قومٌ: هو فارسيٌّ معرب، وأنكر أصحابنا كلهم ذلك. وقيل: هو ملكٌ، وقيل: هو كاتبٌ للنبي ﷺ، وذلك مدفوعٌ؛ لأن كُتابه معروفون، وما وُقِفَ على مثلِ هذا الاسم في ذكر أسامي الصحابة. ويُشبهُ عند من قال بهذين القولين أن السجل فاعلٌ في المعنى، وغنما هو مفعولٌ، وهو كطي الكتاب للكتابة، أي: كطي الكتاب لأن يُكتب فيه. قوله: (أو لما يُكتبُ فيه)، قيل: اللام: متعلقٌ بالطي، إلا أنه إذا كان السجلُّ فاعلًا كانت
[ ١٠ / ٤١٢ ]
المكتوب، ومن جمع فمعناه: للمكتوبات، أى: لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة.
وقيل (السِّجِلِّ) ملك يطوى كتب بنى آدم إذا رفعت إليه. وقيل: كاتب كان لرسول الله ﷺ. والكتاب - على هذا - اسم الصحيفة المكتوب فيها.
(أَوَّلَ خَلْقٍ) مفعول "نعيد" الذي يفسره (نُعِيدُهُ) والكاف مكفوفة ب"ما". والمعنى: نعيد أوّل الخلق كما بدأناه، تشبيها للإعادة بالإبداء في تناول القدرة لهما على السواء.
فإن قلت: وما أوّل الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلت: أوّله إيجاده عن العدم، فكما أوجده أولا عن عدم، يعيده ثانيا عن عدم. فإن قلت: ما بال (خَلْقٍ) منكرا؟ قلت: هو كقولك: " هو أوّل رجل جاءني"، تريد أوّل الرجال، ولكنك وحدته ونكرته
_________________
(١) ـ للاختصاص، وإذا كان مفعولًا كان بمعنى لأجل. وقال أبو البقاء: اللامُ زائدةٌ، كقولك: لا أبا لك. وقيل: هي بمعنى على، وقيل: تتعلقُ بطي. مضى كلامه. فقوله: ليكتب فيه على أن المصدر بمعناه، أو لما يُكتبُ فيه، على أن المصدر بمعنى المفعول. قوله: (كقول: هو أول رجلٍ جاءني)، يريدُ: أولُ الرجال. اعلم أن (أَوَّلَ) إذا كان مفعولًا به لـ "نُعيدُ" المفسر كما ذكر، فالظاهرُ أن يُضافَ إلى الجمع؛ لا الخلق على هذا التأويل عامٌّ في السماء وغيرها، فإذا نُكر أريد به تفصيلُ الجنس واحدًا واحدًا، و(كَمَا) على هذا: منصوبٌ على المصدر بـ "نُعيدُ المقدر، ومفعول (بَدَانَا): ضميرُ "أول الخلق"، وإليه الإشارة بقوله: "نعيدُ أول الخلقِ كما بدأناهُ"، ولا كذلك إذا جُعلَ (أَوَّلَ) ظرفًا أو حالًا؛ لأن مفعولَ (بَدَانَا) على هذا: ضميرٌ يرجع إلى "ما" في (كَمَا)، وهي موصولةٌ، وأريدُ به السماء، فيختص الإبداء والإعادة به؛ ولهذا قال: "أول ما خلق"، فلا يحتاج إذن إلى التعميم. وقال ابن الحاجب: (كَمَا بَدَانَا) يجوزُ أن يكون في موضع نصبٍ على المصدر بـ (نُعِيدُهُ)، كأن الأصل: نُعيدُ أول خلقٍ إعادةً مثل ما بدأناه، وتكونُ "ما": مصدرية،
[ ١٠ / ٤١٣ ]
إرادة تفصيلهم رجلا رجلا، فكذلك معنى (أَوَّلَ خَلْقٍ): أوّل الخلق، بمعنى: أوّل الخلائق، لأن الخلق مصدر لا يجمع. ووجه آخر، وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره (نُعِيدُهُ) و"ما" موصولة، أى: نعيد مثل الذي بدأناه نعيده. و"أول خلق": ظرف ل"بدأناه"، أى: أوّل ما خلق، أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ، الثابت في المعنى.
(وَعْدًا) مصدر مؤكد، لأنّ قوله (نُعِيدُهُ) عدة للإعادة (إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) أى قادرين على أن نفعل ذلك.
(وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء: ١٠٥].
عن الشعبي رحمة الله عليه: زبور داود ﵇، و(الذكر): التوراة. وقيل اسم لجنس ما أنزل على الأنبياء من الكتب. و(الذكر): أم الكتاب، يعني اللوح،
_________________
(١) ـ وأن تكون في موضع الحال، كأنه قال: نُعيدُه أول خلقٍ مماثلًا للذي بدأناه، وصح الحالُ؛ لأنه من الضمير في (نُعِيدُهُ)، يعني: "نُعيدُ" المفسر الساقط من اللفظ، الثابت في المعنى. قوله: (زبور داود)، خبرُ مبتدأ محذوف، أي: الزبورُ المذكور في الآية: زبورُ داود ﵇. قوله: (وقيل: اسمٌ لجنس ما أُنزل)، كقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ) [الشعراء: ١٩٦]. نقل محيي السنة عن سعيد بن جبير ومجاهد: أن الزبور: جميع الكتب المنزلة، والذكرُ: أمُّ الكتاب، أي: بعد ما كُتب ذكره في اللوح المحفوظ، ويؤيدها ما رويناه في "صحيح البخاري" عن عمران بن حصين في حديث وفد اليمن: جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك
[ ١٠ / ٤١٤ ]
أي: يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكفار، كقوله تعالى (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا)] الأعراف: ١٣٧ [، (قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)] الأعراف: ١٢٨ [وعن ابن عباس ﵁: هي أرض الجنة. وقيل: الأرض المقدّسة، ترثها أمّة محمد ﷺ.
(إِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ) [الأنبياء: ١٠٦].
الإشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة. و"البلاغ":
الكفاية وما تبلغ به البغية.
_________________
(١) ـ عن أول هذا الأمر: ما كان؟ قال ﷺ: "كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق الله تعالى السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء". قوله: (أي: يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكُفار)، روينا عن مسلم وأبي داود والترمذي، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله زوى لي الأرض فأريتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغُ ملكها ما زُوي لي منها"، ورواه الإمام أحمد بن حنبل عن شداد بن أوس. قال الإمام: دليلُ هذا القول قوله تعالى: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ) [النور: ٥٥]. قوله: (وعن ابن عباس: هي أرضُ الجنة)، وقال الإمام: يؤيده قوله تعالى: (وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ) [الزمر: ٧٤]، ولأنها الأرضُ التي يختص بها الصالحون لأنها لهم خُلقت، وغيرهم إذا حصلوا فيها فعل ىوجه التبع، ولأنها ذُكرت عقيب ذكرِ الإعادة فلا تكونُ غير الجنة.
[ ١٠ / ٤١٥ ]
(وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء: ١٠٧].
أرسل ﷺ (رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه. ومن خالف ولم يتبع. فإنما أتى من عند نفسه حيث ضيع نصيبه منها. ومثاله: أن يفجر الله عينا غديقة،
_________________
(١) ـ قوله: (ومن خالف ولم يتبع)، جوابُ سؤال، أي: كيف قال: (رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) "والعالمين" - كما تقرر- عامٌّ في جميع المخلوقات، ونرى كثيرًا ممن خالفه محرومين من تلك الرحمة؟ فقال: ومن خالف ولم يتبع فإنما أُتي من عند نفسه؟ قوله: (ومثالهُ: أن يُفجر الله تعالى عينًا غديقةً)، وقلتُ: ومثاله في مذهبنا: ما رويناه عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيثٍ أصاب أرضًا، فكانت منها طائفةٌ طيبةٌ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفةً منها أخرى إنما هي قيعانٌ لا تمسكُ ماءً ولا تنبتُ كلأ، فذلك مثلُ من فقه في دين الله ﷿ ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثلُ من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به". أخرجه البخاري ومسلم. "الأجادبُ" بالجيم والدال المهملة: قال الخطابي: هي الأرضُ التي تُمسكُ الماء فلا يسرعُ فيه النضوب. روى الشيخ الإمام محيي الدين النواوي في "شرح صحيح مسلم"، عن بعضهم: إنما هي أخاذاتٌ، بالخاء والذال المعجمتين، جمعُ إخاذة، وهي الغديرُ. شبه العلم والهدى بسبب الرحمة المهداة صلاوتُ الله وسلامه عليه بالغيث، كما شبه الغيث بالرحمة في قوله: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) [الأعراف: ٥٧]،
[ ١٠ / ٤١٦ ]
_________________
(١) ـ وكما أن الغيث يحيي البلد الميت بأصناف العشب والكلأ وغيره، كذلك الهدى والعلمُ يحييان القلب الميت، وإنما أوثر الغيث على سائر أسماء المطر ليؤذن بشدة اضطرار الخلقِ إليه حينئذٍ، قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ) [الشورى: ٢٨]، وفي حديث الاستسقاء: "اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا"، أخرجه أبو داود. وقال التوربشتيُّ: وقد كان الناس قبل المبعثِ وهم على فترة من الرسل قد امتحنوا بموت القلب، ونُضوبِ العلم، حتى أصابهم الله تعالى برحمةٍ من عنده، فأفاض عليهم سجال الوحي السماوي، فأشبهت حالهم حال من توالت عليهم السنون، وأخلفتهم المخايل حتى تداركهم الله بلطفه وأرخت عليهم السماء عزاليها، ثم كان حظُّ كل فريق من تلك الرحمة على ما ذكره من الأمثلة والنظائر. وقلتُ: وقد يتوهم أن الشطر الأول من التمثيل مشتملٌ على تمثيلين مستقلين وليس بذلك، ولكنه تمثيلٌ واحدٌ مركبٌ من أمرين: وذلك أن "أصاب طائفة منها" عطفٌ على "أصاب أرضًا"، ثم قُسمت الأرضُ الأولى بحرف التعقيب في قوله: "فكانت"، وعُطفَ كان على كانت قسمين، فيلزم اشتمال الأرض الأولى على الطائفة الطيبة وعلى الأجادب، ولأن أصل التمثيل مُركبٌ من أمرين، من الهدى والعلم لتغايرهما في الاعتبار، كما ورد: "من ازداد علمًا ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بُعدا"، ويعضده مراعاةُ معنى التقابل بين القرينتين من إثبات إنبات الكلأ وإمساك الماء في أحداهما، ونفيهما في الأخرى على سبيلا لحصر، ثم تعقبهما بالفذلكة المقررة للتفصيل المذكور المنصوص فيها المثلان المشيران إلى
[ ١٠ / ٤١٧ ]
_________________
(١) ـ الأرضين لرفع ما عسى أن يتوهم متوهمٌ أزيد منهما، وذلك قوله: "فذلك مثلُ من فقه في دين الله تعالى" إلى آخره. وكذا يؤيده ما ذكره شارحُ "الصحيح"، وهو: أما قوله: "ورعوا" فهو بالراء من الرعي، هكذا هو في جميع نسخ "مسلم"، ووقع في "البخاري": "وزرعوا"، وكلاهما صحيحٌ. انتهى كلامه؛ لأنه -على الأول- في الكلام لفٌّ ونشر، فإن "رعوا" مناسبٌ لقوله: "أنبتت الكلأ والعشب الكثير"، وقوله: "فشربوا وسقوا"، مناسبٌ لقوله: "أجادب" فيكونُ الضميرُ في نفع الله تعالى بها لقوله أرضًا، ومعنى قوله: "كلاهما صحيحٌ": أن "زرعوا" متعلقٌ بالأول لا بالأجادب، فإنها لا تكفي الشرب والسقي فضلًا عن الزرع، فعلى هذا قد ذُكر في الحديث الطرفان: العالي في الاهتداء، والغالي في الضلال، فعبر عمن قبل هدى الله والعلم بقوله: "من فقه في دين الله"، إلى آخره، وكنى عمن قبل هدى الله والعلم بقوله: "من فقه في دين الله" إلى آخره، وكنى عمن أبى قبولهما بقوله: "لم يرفع بذلك رأسًا"، وبقوله: (لم يقبل هدى الله)، وترك الوسط، وهما قسمان، أحدهما: العامل الذي انتفع بالعلم في نفسه فحسبُ، والثاني: الذي لم ينتفع هو بنفسه ولكن نفع الغير. ثم تأمل أيها الناظر في الفاءات الست تعجب من حسن مواقعها، فالأولى: تفصيلية، قسمت إحدى الأرضين قسمين، والثانية: سببية؛ لأن القبول سببُ النتيجة، والثالثة: جمعت القسمين في معنى النفع، والرابعة: أتبعت كل واحدٍ منهما بما يناسبه، والخامسة: عكس الأولى حيث عقبت التفصيل بالإجمال؛ لأنها ردت الأقسام الثلاثة إلى التمثيلين. والسادسة: سببيةٌ، أي: فعلم الحق ولم، آذنت بأن الفقيه هو الوارث يجب عليه تكميل الناقصين بعد كماله، ما قال تعالى: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ) [التوبة: ١٢٢]، وفي الحديث إشعارٌ بأن الاستعدادات ليست مكتسبةً، لا كما عليه ظاهرُ كلام المصنف، بل هي مواهبُ ربانية، يختص بها من يشاء، وكمالها أن يفيض الله ﷿ عليها من المشكاة
[ ١٠ / ٤١٨ ]
_________________
(١) ـ النبوية، فإذا وُجد من يشتغلُ بغير الكتاب والسنة وما والاهما عُلم أن الله تعالى لم يُرد به خيرًا فلا يعبأ باستعداده الظاهر، وأن الفقيه هو الذي علم وعمل ثم علم، وفاقد أحدهما فاقد هذا الاسم، وأن العالم العامل ينبغي أن يفيد الناس بعمله كما يفيدهم بعلمه. ولو أفاد بالعمل فحسبُ لم يحظ منه بطائل، كأرض معشبة لا ماء فيها، فلا يمرؤ مرعاها، ولو اقتصر على القول لأشبه السقي مجردًا عن الرعي، فيشبه الآخذ بالمستسقي، ولو منعهما معًا كان كأرض ذات ماءٍ وكلأٍ وعُشب، وحماها بعضُ الظلمة عن مستحقيها. قال: ومن منح الجهال علمًا أضاعه … ومن منع المستوجبين فقد ظلم وفي اختصاص الإخاذات: إيماءٌ إلى أن القلب الخالي من الكتاب والسنة كالمصنع الفارغ من الماء، وأن آخذ الحديث ينبغي أن يكون واعيًا كالإخاذ، حافظًا للألفاظ الجامعة بين التعريفات المغيرة، ليتمكن من الاستنباطات المتنوعة؛ إذ لو انخرم حرفٌ أو انحرفت كلمةٌ لفاتت الفوائدُ المتكاثرة. وعن مسروقٍ قال: صحبتُ أصحاب رسول الله ﷺ فوجدتهم كإخاذاتٍ؛ لأن قلوبهم كانت واعيةً فصارت أوعيةً للعلوم بما رزقوا من صفاء الفهوم. وأن يكون واقيًا لها من الشوائب النفسانية متفاديًا من الأعراض الدنيوية كالمصنع الذي يقي الماء عن الكدورات: الداخلة والخارجة، ولهذه الأسرار الغامضة ورد فيهم عن رسول الله ﷺ: "فقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطان من ألف عابد"، أخرجه الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄.
[ ١٠ / ٤١٩ ]
فيسقي ناس زروعهم ومواشيهم بمائها فيفلحوا، ويبقى ناس مفرطون عن السقي فيضيعوا، فالعين المفجرة في نفسها، نعمة من الله ورحمة للفريقين، ولكن الكسلان محنة على نفسه، حيث حرمها ما ينفعها. وقيل: كونه رحمة للفجار، من حيث أنّ عقوبتهم أخرت بسببه وأمنوا به عذاب الاستئصال.
(قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [الأنبياء: ١٠٨].
إنما لقصر الحكم على شيء،
_________________
(١) ـ وروى الدارمي، عن عمران، عن الحسن: "إنما الفقيهُ: الزاهد في الدنيا الراغبُ في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداومُ على عبادة ربه". هذه خاتمةٌ شريفة، حيثُ ختمت سورةُ الأنبياء ﵈ بختام خاتمهم صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. والحمد لله رب العالمين. ونحن نختمُ أيضًا بما رُوي عن أبي صالح قال: كان النبي ﷺ يُنادي: "يا أيها الناس، إنما أنا رحمةٌ مهداة". أخرجه الدارمي هكذا مرسلًا، ورُوي موصولًا بذكر أبي هريرة ﵁، وقيل في معناه قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). قوله: (عينًا غديقةً)، الجوهري: غدقت العينُ، بالكسر، أي: غزرت، والغدقُ بالفتح: الماء الكثير، وإنما قال: "محنةً" ليطابق قوله تعالى: (رَحْمَةً). قوله: «إنما) لقصر الحكم على شيء)، مثالُه: إنما زيدٌ قائمٌ، وهو فرعٌ لقولك: ما زيدٌ إلا قائمٌ، وهو من تخصيص الموصوف بالصفة، أي: ليس له صفةٌ سوى القيام.
[ ١٠ / ٤٢٠ ]
أو لقصر الشيء على حكم، كقولك: إنما زيد قائم، وإنما يقوم زيد. وقد اجتمع المثالان في هذه الآية، لأن (إِنَّما يُوحى إِلَيَّ) مع فاعله، بمنزلة: إنما يقوم زيد. و(أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) بمنزلة: إنما زيد قائم. وفائدة اجتماعهما: الدلالة على أن الوحى إلى رسول الله ﷺ مقصور على استئثار الله بالوحدانية: وفي قوله (فَهَلْ أَنْتُمْ
_________________
(١) ـ قوله: (أو لقصر الشيء على حُكم)، مثاله: إنما يقوم زيدٌ، وهو فرعُ قولك: ما يقوم إلا زيدٌ، وهو من تخصيص الصفة بالموصوف، أي: صفةُ القيام لا تتعدى عن زيد. قوله: (وفائدةُ اجتماعهما [الدلالة على] أن الوحي على رسول الله ﷺ مقصورٌ على استئثار الله بالوحدانية)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ؛ لأداء الحصر إلى مُشكل، وهو أنه لا يُوحي إليه إلا الوحدانية دون غيرها من التكاليف؛ ولأنه لم يذكر الحصر إلا في إنما المكسورة، ولعل المراد أن المقصود الأعظم من الوحي هو الوحدانية، وإنما ألحق بها المفتوحة، إما لأنها بمعنى المكسورة؛ لأن ٠ يُوحَى) بمعنى القول، أو لاطراد دليل حصر المكسورة على ما قيل فيها أيضًا. وقلتُ: أما مزيدُ تقرير الجواب فهو أن الكلام الذي يفيد الحصر لا يؤتى لإفادة العموم غالبًا، بل قد يؤتى لرد المنكر فيما وقع النزاع فيه. وهنا الكلام السابق في الرد على المشركين كما قال تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)، وكذا اللاحق: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ)، على أن سائر التكاليف متفرعٌ على أصل التوحيد، مقررٌ له، لقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ) [البينة: ٥]، ألا ترى كيف ذم في قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) [المسد: ١] شانئ سيد الموحدين وشتم من يشيكُ الشوكة في طريقه؟ ولهذا عقب بهذه السورة سورة التوحيد، والسورتان على وزان (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) [الكوثر: ١] (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر) [الكوثر: ٣]، وقوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر: ٢] تعليلٌ لهما، وأمرٌ بالقيام بشكرهما، قُدم قبل تمام الكلام لشدة الاهتمام.
[ ١٠ / ٤٢١ ]
مُسْلِمُونَ) أن الوحي الوارد على هذا السنن موجب أن تخلصوا التوحيد لله، وأن تخلعوا الأنداد. وفيه أن صفة الوحدانية يصح أن يكون طريقها السمع. ويجوز أن يكون المعنى: أن الذي يوحى إلى، فتكون «ما» موصولة.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) [الأنبياء: ١٠٩ - ١١١].
"آذن": منقول من "أذن" إذا علم، ولكنه كثر استعماله في الجري مجرى الإنذار. ومنه قوله تعالى (فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)] البقرة: ٢٧٩ [، وقول ابن حلزة:
_________________
(١) ـ قوله: (أن الوحي الوارد على هذا السنن يوجب أن يخلصوا التوحيد لله تعالى)، وذلك أن قوله تعالى: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ونحوه إنما يُذكر إذا تقدم أمرٌ أو شأنٌ قُرنَ معه ما يوجبُ الائتمار به أو الترغيب فيه، فيؤتى به للتحريض عليه، والتنبيه على إزاحة الموانع والصوارف عنه، وهاهنا لما بولغ في أمر التوحيد بالحصرين عقبه به إيجابًا للامتثال بإخلاص التوحيد، وإن شئت فانظر إلى قول المصنف في تفسير قوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) [المائدة: ٩١] ليتحقق لك ما أردنا إيراده هاهنا. قوله: (وفيه أن صفة الوحدانية يصح أن يكون طريقها السمع)، يريد أن قوله تعالى: (إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) مع كونه مسبوقًا لإثبات إخلاص التوحيد قد أدمج فيه هذا المعنى. قال الإمام: العلمُ بصحة النبوة لا يتوقف على العلم بكون الإله واحدًا، فلا جرم أمكن إثبات الوحدانية بالدلائل السمعية.
[ ١٠ / ٤٢٢ ]
آذنتنا ببينها أسماء
والمعنى: أنى بعد توليكم وإعراضكم عن قبول ما عرض عليكم من وجوب توحيد الله وتنزيهه عن الأنداد والشركاء، كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحس منهم بغدرة، فنبذ اليهم العهد، وشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعا بذلك (عَلى سَواءٍ) أى مستوين في الإعلام به، لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم، وقشر العصا عن لحائها. وما تُوعَدُونَ من غلبة المسلمين عليكم كائن لا محالة، ولا بد من أن يلحقكم
_________________
(١) ـ قوله: (آذنتنا ببينها أسماء)، تمامه: رُبَّ ثاوٍ يُملُّ منه الثواءُ الإيذانُ: الإعلامُ، والثويُّ: الإقامةُ. يقولُ: أعلمتنا بمفارقتها إيانا أسماءُ، ورُبَّ مُقيم يُملُّ إقامته، ولم تكن أسماءُ منهم. قوله: (كرجل بينه وبين أعدائه)، بيانٌ لتقرير المشبه به، وطريقُ مجاز (آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ) في الكلام، وأنه استعارةُ تبعيةٌ واقعةٌ على التمثيل. قوله: (هدنة)، الجوهري: هادنه، أي: صالحه، والاسم منها: الهدنةُ. قوله: «عَلَى سَوَاءٍ» أي: مستوين، يعني أنه: حالٌ، قال أبو البقاء هو حالٌ من الفاعل والمفعول، أي: مستوين في العلم بما أعلمتكم به. قوله: (وقشر العصا عن لحائها)، قال الميداني: قشرتُ له العصا، يُضربُ في خلوص الوُد: أظهرتُ له ما كان في نفسي، ويقال: أقشر له العصا، أي: كاشفه وأظهر له العداوة. قوله: (وما توعدونه من غلبة المسلمين عليكم كائنٌ لا محالة)، قال صاحب "الفرائد":
[ ١٠ / ٤٢٣ ]
بذلك الذلة والصغار، وإن كنت لا أدرى متى يكون ذلك لأن الله لم يعلمني علمه ولم يطلعني عليه، والله عالم لا يخفى عليه ما تجاهرون به من كلام الطعانين في الإسلام، و(ما تَكْتُمُونَ) في صدوركم من الإحن والأحقاد للمسلمين، وهو يجازيكم عليه. وما أدرى لعلّ تأخير هذا الموعد امتحان لكم لينظر كيف تعملون. أو تمتيع لكم (إِلى حِينٍ) ليكون ذلك حجة عليكم، وليقع الموعد في وقت هو فيه حكمة.
(قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) [الأنبياء: ١١٢].
قرئ "قل" و(قالَ)، على حكاية قول رسول الله ﷺ. و(رَبِّ احْكُمْ) على الاكتفاء بالكسرة. و"رب احكم"، على الضم. و"ربى أحكم"، على أفعل التفضيل.
_________________
(١) ـ يمكنُ أن يُقال: ما توعدون يشملُ غلبةَ المسلمين وعذاب الآخرة، فيكونُ المرادُ ما يعمهما؛ إذ لا امتناعَ في إرادته، وقلتُ: يأباهُ قوله تعالى: (فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ)؛ لأنه بمعنى قشر العصا عن لحائها. قوله: (علمه)، نصبٌ على المصدر، وأصله: لم يعلمنيهُ علمًا، ثم قُدم المصدرُ وأضيف، على نحو: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) [محمد: ٤]. قوله: (من الإحن)، الجوهري: يقالُ: في صدره عليَّ إحنة: أي: حقدٌ، والجمعُ: إحن. قوله: (قرئ: "قُلْ" و(قَالَ»، قال حفصٌ: (قَالَ) بالألف، والباقون: بغير ألف. قوله: (و"رَبُّ احكُمْ" على الضم)، قال ابن جني: قرأ أبو جعفر: بضم الباء، والألفُ ساقطةٌ، على أنه نداءُ مفردٍ، وهذا ضعيفٌ، أعني حذف حرف النداء مع الاسم الذي يجوز أن يكون وصفًا لأي. ألا تراك لا تقولُ: رجلُ أقبِلْ؛ لأنه يمكنك إن تجعل الرجُلَ وصفًا لأي، فتقولُ: يا أيها الرجلُ، ولهذا ضَعُفَ عندنا قولُ من قال في قوله تعالى: (هَؤُلاءِ بَنَاتِي)
[ ١٠ / ٤٢٤ ]
و"ربي أحكم": من الإحكام، أمر باستعجال العذاب لقومه فعذبوا ببدر. ومعنى (بِالْحَقِّ) لا تحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم،
_________________
(١) ـ [الحجر: ٧١] أنه أراد: يا هؤلاء، حذف حرف النداء من حيثُ إن هؤلاء من أسماء الإشارة، وهو جائزٌ أن يكون وصفًا لـ"أي"، نحو قوله: ألا يا أيُّهذا المنزلُ الدارسُ "وربُّ" يجوزُ أن يكون وصفًا لـ"أي"، فتقولُ: يا أيها الربُّ، وأما ما جاء في الأمثال نحو: أصبح ليلُ، وأطرق كرا فإن الأمثال تجري في محمل الضرورة لها مجرى المنظوم. ورُوي أن هذه القراءة مبنيةٌ على جواز: يا غلامُ في: يا غلامي، وهي لغةٌ حكاها سيبويه، كما قرأ ابن أبي عبلة: يا قوم إنكم ظلمتم. ولو لم يُقدر "رب" مضافًا لزم حذفُ حرفالنداء عما يقع صفة لأي، وهو غير جائز. قوله: " (ومعنى (بالْحَقُّ): لا تحابهم وشدد عليهم)، قال القاضي: اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل المُقتضي استعجال العذاب والتشديد عليهم. قال محيي السنة: كأنه استعجل العذاب لقومه فعُذبوا يوم بدر، نظيره قوله تعالى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا) [الأعراف: ٨٩].
[ ١٠ / ٤٢٥ ]
كما قال «اشدد وطأتك على مضر» قرئ (تَصِفُونَ) بالتاء والياء. كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون لهم الشوكة والغلبة، فكذب الله ظنونهم وخيب آمالهم، ونصر رسول الله ﷺ والمؤمنين، وخذلهم.
عن رسول الله ﵌ «من قرأ (اقترب للناس حسابهم) حاسبه الله حسابا يسيرا، وصافحه وسلم عليه كل نبىّ ذكر اسمه في القرآن».
_________________
(١) ـ قوله: (اشدد وطأتك على مُضر). النهاية: معناهُ: خُذهم أخذًا شديدًا. والوطءُ في الأصل: الدوسُ بالقدم، فسُمي به الغزو والقتل؛ لأن من يطأ على الشيء برجله فقد استقصى في هلاكه وأهانه. تمت السورة، والله أعلم
[ ١٠ / ٤٢٦ ]