مكية، وقيل: مدنية، وهي أربع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)] ١ - ٤ [
(هُوَ) ضمير الشأن، و(اللَّهُ أَحَدٌ) هو الشأن، كقولك: هو زيد منطلق، كأنه قيل: الشأن هذا، وهو أنّ الله واحد لا ثاني له.
فإن قلت: ما محل (هو)؟
قلت: الرفع على الابتداء والخبر الجملة.
فإن قلت: فالجملة الواقعة خبرًا لا بد فيها من راجع إلى المبتدأ، فأين الراجع؟
قلت: حكم هذه الجملة حكم المفرد في قولك: (زيد غلامك) في أنه هو المبتدأ في المعنى، وذلك أن قوله: (اللَّهُ أَحَدٌ) هو الشأن الذي هو عبارة عنه، وليس كذلك (زيد أبوه منطلق)؛ فإنّ زيدًا والجملة يدلان على معنيين مختلفين، فلا بد مما يصل بينهما. وعن ابن عباس: قالت قريش: يا محمد، صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فنزلت، يعنى: الذي سألتموني وصفه هو الله، و(أحد): بدل من قوله: (الله)،
_________________
(١) سورة الإخلاص مكية، وقيل مدنية، وهي أربع آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قولُه: (الذي سألتموني وَصْفَه هو الله، و﴿أَحَدٌ﴾ بدل)، قالَ أبو البقاء: «﴿هُوَ﴾: مبتدأُ
[ ١٦ / ٦٣٢ ]
أو على: هو أحد، وهو بمعنى واحد، وأصله: وحد
_________________
(١) بمعنى المسؤولِ عنه؛ لأنهم قالوا: ربُّك من نحاس أم من ذهب؟ فعلى هذا: يجوزُ أن يكونَ ﴿اللَّهُ﴾ خبرَ المبتدأ، و﴿أَحَدٌ﴾ بدل، أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ. يجوزُ أن يكونَ ﴿اللَّهُ﴾ بدلًا، و﴿أَحَدٌ﴾ الخبر. وهمزةُ ﴿أَحَدٌ﴾ بدل من الواو؛ لأنه بمعنى الواحد»، وإبدالُ الواو المفتوحةِ همزةً قليل، وقيل: الهمزةُ أصلٌ كالهمزة في ﴿أَحَدٌ﴾ المستعمل للعموم. قولُه: (وهو بمعنى واحد)، وفيه احتمالان: أحدُهما أن يتعلقَ بالوجهِ الثاني، وهو أن يكون ﴿هُوَ﴾ جوابًا عن قولهم: صِفْ لنا ربك، ولفظةُ ﴿هُوَ﴾ ضميرُ المسؤول؛ فإذن لابُدَّ من الفرقِ بين واحد وأَحد؛ قال في " الأحزاب": «أحدٌ في الأصلِ بمعنى وَحَدٍ، وهو الواحد، ثم وضعَ في النفيِ العامِّ مستويًا فيه المذكرُ والمؤنتُ والواحدُ وما وراءَه». وروى صاحبُ "النهاية" عن الأزهري أنه قال: «الفرقُ بين الواحدِ والأحدِ: أن الأحدَ بُني لنفيِ ما يُذْكَرُ معه من العدد، تقول: ما جاءني أحد، والواحدُ: اسمٌ بني لمفتتحِ العدد، تقول: جاءني واحد من الناس، ولا تقول: جاءني أحد؛ فالواحدُ منفردٌ بالذاتِ في عدمِ المثلِ والنظير، والأحدُ منفردٌ بالمعنى. وقيل: الواحدُ هو الذي يتجزّأ، ولا يُثنى، ولا يقبلُ الانقسام، ولا نظيرَ له ولا مِثْل، ولا يَجمعُ هذين الوصفين إلى الله تعالى». وقال الأزهريُّ في "تفسير أسماء الله الحسنى": «الأحدُ من صفاتِ الله التي استأثرَ اللهُ بها، فلايشركه فيها شئٌ، ولا يوصفُ شئٌ بالأحدِ غيرُ الله؛ لا يقال: رجلٌ احدٌ، ولا درهمٌ أحدٌ؛ وإنما يقال: رجلٌ واحدٌ».
[ ١٦ / ٦٣٣ ]
وقرأ عبد الله وأبىّ: (هو الله أحد) بغير (قُلْ)، وفي قراءة النبي ﷺ: (الله أحد) بغير (قُلْ هُوَ)، وقال: "من قرأ: الله أحد، كان بعدل القرآن). وقرأ الأعمش: (قل هو الله الواحد). وقرئ: (أحد الله) بغير تنوين؛
_________________
(١) إذا عُلِمَ هذا، فنقول: إنهم لما قالوا: صِفْ لنا ربَّك الذي تدعونا إليه، قيل لهم: المسؤول عنه الله، وهو واحدٌ متفردٌ بالذاتِ في عدم المثلِ والنظير؛ فإجراءُ الكلامِ للتمييز، والصّفةُ فارقة. وإن استلزمَ التعظيم؛ لأنه ابتداءُ أمرِ الرسول -ﷺ-، إرشادًا للقوم، وتنبيهًا على معبودٍ عظيمِ الشأنِ قاهرِ السلطان، فكأنه قيل: قُلْ يا محمدُ: الشأنُ والأمرُ أن الله أحدٌ لا ثاني له، فَدلَّ بقوله: ﴿اللَّهُ﴾، على جميعِ صفاتِ الكمال، وبالأحدِ على جميع صفاتِ الجلال؛ فالمناسبُ أن يقالَ: واحدٌ لا ثاني له، لأنه دالٌّ لنفيِ ما يُذكرُ معه. والاحتمالُ الثاني، وهو أن يتعلَّق بالوجهينِ كليهما، أي: ﴿هُوَ﴾ ضميرُ الشأن، أو ﴿هُوَ﴾ بمعنى المسؤول؛ فحينئذٍ لا فرق بين أحدٍ وواحد، قالَ الجوهري: «الأحدُ بمعنى الواحد، وهو أول العدد»، وقال صاحب "النهاية": «الواحدُ هو الفردُ الذي لم يزل وحدَه، ولم يكن معه آخر». قولُه: (كانَ يَعْدلُ القرآن)، قيل: كان قراءتُه يَعْدلُ قراءةَ القرآن، والحديث استشهادٌ لهذه القراءة. ولعلّ المرادَ أن قولَه: ﴿قُلْ هُوَ﴾ كالمقدمةِ والتمهيدِ لقوله ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وهو إنما يستقيمُ على جَعْلِ الضميرِ للشأن.
[ ١٦ / ٦٣٤ ]
أسقط لملاقاته لام التعريف. ونحوه:
ولا ذاكر الله إلّا قليلا
والجيد هو التنوين، وكسره لالتقاء الساكنين. و(الصَّمَدُ) فعل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج
_________________
(١) قولُه: (ولا ذاكِرِ اللهَ إلا قليلًا)، أولُه: فأَلفيتُه غيرَ مستعتبٍ أي: ذَكّرْتُه. أي: ولا ذاكر، على إرادةِ التنوين، فحذفَ لالتقاءِ الساكنين، فبقى "الله" منصوبًا لا مجرورًا للإضافةِ. و"ذاكر" جُرَّ عطفًا على "مُسْتعتِبٍ"، أي: ولا ذاكرٍ. أي: ذكّرتُه ما كانَ بيننا من المودةِ، فوجدَ غيرَ راجعٍ بالعتابِ من قُبحِ ما فَعَل. قولُه: (والجيّدُ هو التنوين)، وهي المشهورة. قولُه: (وهو السَّيدُ المصمودُ إليه في الحوائج)، وأنشدَ الزجاجُ للأسدي: لقد بَكَّرِ الناعي بِخَيْرَي بني أَسَد … بعمرِو بنِ مسعودٍ وبالسيِّدِ الصَّمد الصَّمد: أي يصمدُ إليه كلُّ شئٍ، أي: الذي خلقَ الأشياء كلَّها، لا يستغنى عنه شئٌ. روى محيي السُّنة عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ والحسنِ وسعيدِ بنِ جُبير: «الصَّمَدُ: الذي لا جَوْفَ له، وقال الشعبي: الذي لا يأكلُ ولا يشربُ».
[ ١٦ / ٦٣٥ ]
والمعنى: هو الله الذي تعرفونه وتقرّون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم، وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك فيها، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق ولا يستغنون عنه، وهو الغنى عنهم. (لَمْ يَلِدْ) لأنه لا يجانس، حتى يكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا. وقد دل على هذا المعنى بقوله: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ)] الأنعام: ١٠١ [. (وَلَمْ يُولَدْ) لأنّ كل مولود محدث وجسم، وهو قديم لا أوّل لوجوده وليس يجسم ولم يكافئه أحد، أي: لم يماثله ولم يشاكله. ويجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، نفيًا للصاحبة: سألوه أن يصفه لهم، فأوحى إليه ما يحتوى على صفاته، فقوله: (هُوَ اللَّهُ) إشارة لهم إلى من هو خالق الأشياء وفاطرها،
_________________
(١) الراغب: «الذي ليسَ بأجوفٍ، شيئان: أدونُ من الإنسانِ كالجمادات، وأعلى وهو الباري تعالى وتَقدّس. والقصدُ بقوله ﴿الصَّمَدُ﴾، تنبيهٌ أنه بخلافِ مَن أثبتوا له الإلهية، وإلى نحوِ هذا أشار بقولِه: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]». قولُه: (وقَدْ دَلَّ على هذا المعنى بقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، عطفٌ على قوله: (لأنه لا يُجانَس)، يعني: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾: إما كنايةٌ عن كونه تعالى متعاليًا عن الجنسية؛ لأن مَن جانسَ شيئًا اتّخذ من جنسِه صاحبةً، ومَن اتخذَ صاحبةٍ حصَل التوالدُ. أو بالعكس بأن يقال: كيف يكونُ له ولدٌ، وأنه ما اتخذ صاحبةً؟ لأن الولادةَ لا تكونُ إلّا بين زوجين من جنسٍ واحد، وهو متعالٍ عن مجانسٍ؛ فلم يَصحَّ أن تكونَ له صاحبة، فلم تَصحَّ الولادة، قالَه في تفسيرِ هذه الآيةِ في الأنعام. قولُه: (فقولُه: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾)، الفاءُ تفصيليةٌ، والُمجمَلُ قولُه: "ما يحتوي على صفاته". ولمّا كان الله اسمًا للذات، وقرّرَ في فاتحةِ الكتابِ استحالةَ كونِه وصفًا، لكنْ له في كلِّ مقامٍ بحسبِ
[ ١٦ / ٦٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مقتضاه معنى، وخصوصيةُ سؤالِ المشركين، أوجبَ أن يفسّرَ بأنه الخالق، لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]؛ فاللهُ ها هنا، جوابًا، إشارةٌ لهم إلى مَن هو خالقُ الأشياء؟ وأنتَ تعلمُ أنّ مُصحّحَ الخالقية هو العلمُ والقُدرةُ، فاندرج تحته هاتانِ الصفتان، وإليه الإشارةُ بقولِه: "وفي طيِّ ذلك وَصَفَه بأنه قادرٌ عالم"، ولا يكونُ قادرًا عالمًا، حتى يكونَ عالمًا حيًّا سميعًا بصيرًا. ثُم عَقبَ هذه الأوصافَ معنى الوحدانية بقولِه: ﴿أَحَدٌ﴾. ولما اقتضى الفردانيةُ قَطْعَ السبيلِ من الغير، أثبتَ له صفةَ الصَّمدانية، ليكون الإلتجاءُ إليه. ولما عُلم من ذلك ثبوتُ الذاتِ المستلزمةِ للصفاتِ من الخالقيةِ والعالمِيةِ والقادريةِ والحييّةِ والإلهية، أريدَ بيانُ كمالهِا وأنها مباينةٌ لصفاتِ المخلوقاتِ فيما مضى ويُستقبل. والآن قيل: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، ولحجةِ الإسلامِ كلامٌ إجماليٌ فيها، قال: «أحدٌ: هو الواحدُ الذي هو مرفوعُ الشركة، والأَحَدُ الذي لا تركيبَ فيه فالواحدُ نفيُ الشريكِ والمثلِ، والأحدُ نفيٌ للكثرةِ في ذاتِه، والصمدُ الغنيُّ المحتاجُ إليه غيرُه، وهو أحديُّ الذاتِ وواحديُّ الصفات، لأنه لو كان له شريكٌ في مُلكِه، لما كانَ غنيًا يحتاجُ إليه غيرُه، بل كانَ محتاجًا في قوامِه ووجودَه إلى أجزاءِ تركيبِه؛ فالصمديّةُ دليلٌ على الوحدانيةِ والأحديةِ، و﴿لَمْ يَلِدْ﴾ دليلٌ على أن وجوده المستمرّ، ليس مثل وجود الإنسانِ الذي يبقى نوعُه بالتوالدِ والتناسلِ، بل هو وجودٌ مستمرٌ أزليٌ أبديّ، و﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ دليلٌ على أنّ وجودِه ليس مثلَ وجودِ نفس الإنسان الذي يتحصّلُ بعدَ العدم: يبقى دائمًا إمّا في جنةٍ عاليةٍ لا تفنى، وإمّا في هاويةٍ لا تنقطع. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، دليلُ على الوجودِ الحقيقي الذي له تعالى، هو الوجودُ الذي يفيدُ وجودَ غيرِه، ولا يستفيدُ الوجودُ من غيرِه؛ فقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، دليلٌ على إثباتِ ذاتِه المقدّسةِ المنزَّهة. والصَّمديةُ تقتضي نفي الحاجةِ عنه واحتياجَ غيرهِ إليه،
[ ١٦ / ٦٣٧ ]
وفي طيّ ذلك وصفه بأنه قادر عالم؛ لأن الخلق يستدعى القدرة والعلم، لكونه واقعًا على غاية إحكام واتساق وانتظام، وفي ذلك وصفه بأنه حي سميع بصير. وقوله: (أَحَدٌ) وصف بالوحدانية ونفى الشركاء. وقوله: (الصَّمَدُ) وصف بأنه ليس إلا محتاجًا إليه، وإذا لم يكن إلا محتاجًا إليه، فهو غنى، وفي كونه غنيًا مع كونه عالمًا، أنه عدل غير فاعل للقبائح، لعلمه بقبح القبيح وعلمه بغناه عنه. وقوله: (ولَمْ يُولَدْ) وصف بالقدم والأوّلية. وقوله: (لَمْ يَلِدْ) نفى للشبه والمجانسة. وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) تقرير لذلك وبت للحكم به.
فإن قلت: الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه، فما باله مقدّمًا في أفصح كلام وأعربه؟
_________________
(١) ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ في آخر السورة، سلبُ ما يوصفُ به غيره عنه، ولا طريق في معرفة الله تعالى أوضحُ مِن سلبِ صفاتِ المخلوقات عنه». قولُه: (ليس إلا محتاجًا إليه)، والاستثناءُ مفرّغٌ، أي: ليس الله إلا محتاجًا إليه، أي بالنسبة إلى المخلوقات. قولُه: (لَغوٌ غير مستقر)، الظرفُ المستقر: هو الذي يفتقرُ تمام الكلامِ إليه، وذلك بأن يكون خبرًا كما في قولك: ما كانَ فيها أحدٌ خيرٌ منك. والَّلغوُ أن يكونَ الكلامُ تامًا بدونه كما في قولك: ما كانَ أحدٌ خيرًا منك فيها؛ وإنما قُدّم في اول المستقرّ لكونه مقصودًا، ةإنما رُفِضَ في الآية الأصل، لأنها سبقت لبيانِ التوحيد. قالَ ابنُ الحاجب: «إنما قُدِّمَ لاهتمامِ تناسبِ الفواصل، فلو قُدِّمَ على " أحد" لحصلَ الغرض، لكن كان يقع الفصلُ بين الجزأين اللذين هما مسندٌ إليه، فقدَّمَ عليهما جميعً وحصلَ الغرض».
[ ١٦ / ٦٣٨ ]
قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفى المكافأة عن ذات الباري سبحانه؛ وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيٍء وأعناه، وأحقه بالتقدم وأجراه. وقرئ: (كفؤا) بضم الكاف والفاء، وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء.
_________________
(١) وقال صاحبُ "الانتصاف": «نقلَ سيبويه أن سمعَ بعضَ الجُفاةِ من العربِ يقرأ: ولم يكنْ أحدٌ كفوًا له، فجرى هذا الجلفُ على عادته، فجفا طبعُه عن لُطفِ المعنى، الذي لأجله اقتضى تقديمَ الظرفِ والخبرِ على الاسم، وذلك أن الغرضَ الذي سيقت إليه الآيةُ، نفيُ المكافأة والمساواةِ عن ذاتِ الله تعالى، فكان تقديم المكافأةِ المقصودةِ بأن تُسلبَ عنه أنه أولى، ثم لما قُدِّمتْ لتسلبَ ذُكرَ معها الظرف، لتُبيَّنَ الذاتُ المقدسةُ بسلبِ المكافأة». وقلتُ: تلخيصُه أن مراعاةَ المعنى الذي يقتضيه المقامُ، أحرى وأحقُّ وأقدمُ من مراعاةِ اللفظِ والفواصلِ. قولُه: (وقرئ: ﴿كُفُوًا﴾، بضم الكاف)، حَفْص: بضِّمها وضِّم الفاء من غيرِ همز، وحمزة: بإسكانِ الفاءِ مع الهمزةِ في الوصل، فإذا وقفَ أبدلَ واوًا مفتوحة، والباقون: بضمِّ الفاءِ مع الهمزة. الراغب: «الكُفْءُ: في المنزلةِ والقَدْر، ومنه الكِفاءُ لشُقّةٍ تُنْصحُ بالأخرى، فيُجَلّلُ بها مؤخرُ الخباء. قال: فلانٌ كفءُ فلانٍ في المناكحةِ والمحاربةِ ونحوِ ذلك. ومنه المكافأةُ أي: المساواةُ والمقابلةُ في الفعل، والإكفاءُ: قلبُ الشئِ كأنه إزالةُ المساواة، ومنه الإكفاءُ في الشعر».
[ ١٦ / ٦٣٩ ]
فإن قلت: لم كانت هذه السورة عدل القرآن كله على قصر منها وتقارب طرفيها؟ قلت:
لأمر ما يسود من يسود
_________________
(١) قولُه: (عَدْلَ القرآنِ كلِّه)، يُروى بفتح العين وكسرها، قال الأخفش: العِدْلُ بالكسر: المِثْل، والعَدْلُ بالفتح: أصلُه مصدر قولك: عَدَلْتَ بهذا عَدْلًا حسنًا، تجعله اسمًا للمِثْلِ، لِتُفْرُق بينه وبين عِدْل المتاع. وقال الفرّاء: العَدْلُ بالفتح: ما عادلَ الشّئ من غير جنسه، والعِدْلُ بالكسر: المِثْل. وتقول: عندي عِدْلُ غلامك، وعِدْلُ شاتك، إذا كان غلامًا يعدلُ غلامًا، أو شاةً تعدلُ شاة، فإذا أردت قيمته من غير جنسه، نَصبتَ العين، وربّما كَسَرها بعضُ العرب، وكان منهم غلط. والصحيحُ: ثلثُ القرآن؛ رَوينا عن البخاريّ ومسلم ومالك وأبي داودَ والنسائي، عن أبي سعيد، أن رجلًا سمعَ رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يردّدها، فلما أصبحَ جاءَ إلى النبيّ -ﷺ-، فذكرَ ذلك له، وكأنّ الرجلَ يتَقألُّها، فقال رسول الله -ﷺ-: «والذي نفسي بيده، إنها لتعدلُ ثُلُثَ القرآن». قال القاضي: «ولاشتمال هذه السورة مع قِصرِها على جميع المعارفِ الإلهية، والردِّ على مَن ألحدَ فيها، جاء في الحديثِ أنها تعدلُ ثلثَ القرآن، لأن مقاصدِ القرآنِ محصورةٌ في بيانِ العقائد، والأحكام، والقضض، ومَن عَدَلَها بكلِّه اعتبرَ المقصودِ بالذاتِ من ذلك». قولُه: (لأمرٍ ما يُسَوَّدُ مَن يَسودُ)، أوله: عَزَمتُ على إقامةِ ذي صباحِ
[ ١٦ / ٦٤٠ ]
وما ذاك إلا لاحتوائها على صفات الله تعالى وعدله وتوحيده، وكفى دليلًا من اعترف بفضلها وصدق بقول رسول الله ﷺ فيها: إنّ علم التوحيد من الله تعالى بمكان، وكيف لا يكون كذلك والعلم تابع للمعلوم: يشرف بشرفه، ويتضع بضعته؛ ومعلوم هذا العلم هو الله تعالى وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله،
_________________
(١) و"ما" مزيدةٌ إبهاميّة، أي: لأمرٍ عظيمٍ يُسَوَّدُ مَن يَسود. قولُه: (وكفى دليلًا من اعترف)، "من اعترف" مفعولُ "كفى"، والفاعلُ ما دلَّ عليه لاحتوائها على صفات الله، والضمير في "بفضلها" للسورة، و"صَدَّقَ" عطفٌ على "اعترف"، و"بقولِ رسولِ الله -ﷺ- متعلقٌ بـ"صَدَّقَ". وقولُه: أن "علم التوحيد" متعلّقٌ بـ"دليلًا" وهو تمييز، أي" كفى ذلك مَن اعترفَ بفضلِ السورة، وصَدَّقَ بقولِ الرسولِ، دليلًا على أن علم التوحيد من الله بمكان. والمرادُ بقولِ النبي -ﷺ- ما رواه في خاتمة السورة: "أُسِّستْ السماواتُ السبعُ" إلى آخره؛ ولم أجدِ الحديثَ في الأصولِ المعتبرة. وقد وردَ عن الترمذيِّ وأبي داودَ وابن ماجه، عن بريدة، أن رسول الله -ﷺ- سمع رجلًا يقول: «اللهم إني أسألأك بأني أشهدُ أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحدُ الصمد، الذي لم يلدْ ولم يولدْ، ولم يكن له كفوًا أحد. فقال النبي -ﷺ-" والذي نفسي بيده، لقد سألَ اللهَ باسمِه الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئِلَ به أعطى».
[ ١٦ / ٦٤١ ]
وإنافته على كل علم، واستيلائه على قصب السبق دونه؛ ومن ازدراه فلضعف علمه بمعلومة، وقلة تعظيمه له، وخلوه من خشيته، وبعده من النظر لعاقبته. اللهم احشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك، القائلين بعدلك وتوحيدك، الخائفين من وعيدك.
وتسمى "سورة الأساس" لاشتمالها على أصول الدين، وروى أبىّ وأنس عن النبي ﷺ: «أسست السماوات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد»، يعنى ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته التي نطقت بها هذه السورة.
عن رسول الله ﷺ أنه سمع رجلا يقرأ: (قل هو الله أحد)، فقال: «وجبت». قيل: يا رسول الله وما "وجبت"؟ قال: «وجبت له الجنة».
_________________
(١) قولُه: (فقال: وَجَبَتْ) الحديثُ أخرجه مالكٌ وأحمدُ والترمذيُّ والنسائي عن أبي هريرة. خاتِمة م كلامِ الشيخ فصيح الدين ﵀: لم يُعطفْ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ على الجملةِ المتقدمة؛ لأنها محقِّقة لمضمونها ومبينةٌ لها، وكذا ﴿لَمْ يَلِدْ﴾؛ لأنها محقِّقةٌ لمضمونِ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾؛ لأن الغني المطلقَ الذي يفتقرُ إليه كل شئٍ لا ينبغي أن يكون والدًا ولا مولودًا؛ لأن ذلك يستلزم الافتقار بالضرورة. وعُطفَ ﴿لَمْ يُولَدْ﴾ على ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأن ﴿لَمْ يُولَدْ﴾ لم يُنبئ عن معنى ﴿لَمْ يَلِدْ﴾، فلم يكن محققًا لمعناه، بل الجملتانِ محققتانِ لمضمونِ الجملة السابقة. وعَطفُ ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، أن مضمونَها لم يكن محققًا لمضمون السابقتين؛ لأنها تُنبئ عن أنه لا يمكنُ أن يكون له مماثلٌ في شئ مِمّا ذُكِرَ في الذاتِ والصفات، فهو واحدٌ لا شريك له تعالى وتقدّسَ وتَعظّم.
[ ١٦ / ٦٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وعُرفَ الخبرُ في ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، نفيًا لنفيِ مَن زعم وسمّى غيرَه صمدًا، ونُكِّرَ في ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾، لأنهم لم يُسمّوا أشياءًا "أحدًا" بهذا المعنى. تَمّتِ السُّورَة ************
[ ١٦ / ٦٤٣ ]