مكية، وهي ثنتان وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ • والْيَوْمِ المَوْعُودِ • وشَاهِدٍ ومَشْهُودٍ) ١ - ٣]
هي البروج الاثنا عشر، وهي قصور السماء على التشبيه.
_________________
(١) سورة البروج مكية، وهي ثنتان وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (على التشبيه)، أي: تشبيه السماء بسور المدينة؛ فإنه ذو أبراج، الأساس: "لها وجه مسرج، وعليها ثوب مبرج، وهو الذي عليه تصاوير كبروج السور". الراغب: "البروج: القصور. وسمي بروج النجوم بها لمنازلها المختصة بها، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، وثوب مبرج: صور عليه بروج، واعتبر حُسنه، فقيل: تبرجت المرأة، أي: تشبهت به في إظهار المحاسن. وقيل: ظهرت من بُرجها، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] ".
[ ١٦ / ٣٦٦ ]
وقيل: البروجِ: النجوم التي هي منازل القمر. وقيل: عظام الكواكب. سميت بروجًا لظهورها. وقيل: أبواب السماء. (والْيَوْمِ المَوْعُودِ) يوم القيامة. (وشَاهِدٍ ومَشْهُودٍ) يعني: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود: ما في ذلك اليوم من عجائبه. وطريق تنكيرهما: إما ما ذكرته في قوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ) [التكوير: ١٤] كأنه قيل: وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود. وإما الإبهام في الوصف، كأنه قيل: وشاهد مشهود لا يكتنه وصفهما. وقد اضطربت أقاويل المفسرين فيهما؛ فقيل: الشاهد والمشهود: محمد ﷺ، ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته، لقوله: (وكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ) [المائدة: ١١٧] وقيل: أمة محمد، وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية، ويوم عرفة، وقيل: يوم عرفة، ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود والحجيج، وقيل: الأيام والليالي، وبنو آدم. وعن الحسن: ما من يوم إلا وينادي: إنى يوم جديد وإني على ما يعمل في شهيد؛ فاغتمنى، فلو غابت شمس لم تدركني إلى يوم القيامة؛ وقيل: الحفظة وبنو آدم. وقيل: الأنبياء ومحمد ﵇
_________________
(١) قال الإمام وصاحب "التيسير" والقاضي: "وهي البروج الاثنا عشر، تسير الشمس فيها في سنة، والقمر في شهر، وقد تعلقت بها مصالح ومنافع، فأقسم بها إظهارًا لقدرها". وأما قوله: (البروج: النجوم التي هي منازل القمر)، فيرجع إلى المعنى الأول، لأن البروج الاثنى عشر منقسمة إلى ثمان وعشرين منزلًا. وقال الواحدي: "البروج: النجوم، أو منازلها". قوله: (سُميت بروجًا لظهورها)، مأخوذ من التبرج، وهو إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال. قوله: (وقد اضطربت أقاويل المفسرين فيهما)، والضابط أن الشاهد قد يحمل على الذي يشهد للمدعي على المدعى عليه، أو على الحاضر نحو: فلان شاهد مجلس فلان، ضد غائب.
[ ١٦ / ٣٦٧ ]
_________________
(١) والمشهود أيضًا قد يُحمل على المشهود عليه، أو على المشهود فيه. وكل واحد منهما إما حقيقي أو مجازي، وفيه وجوه: أ- أن الشاهد محمد؟، والمشهود يوم القيامة. روى محيي السنة عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: الشاهد محمد؟، والمشهود يوم القيامة، ثم تلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. ب- الشاهد عيسى ﵇، والمشهود أُمته، وهو من قوله: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]. ج- الشاهد أمة محمد؟، والمشهود سائر الأمم، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. د- الشاهد يوم التروية، والمشهود يوم عرفة، رواه محيي السنة عن سعيد بن المسيب. وعن بعضهم: وصف يوم التروية بصفة أهله، لأنه مشهود عليهم. هـ- الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم الجمعة، رواه الإمام عن سعيد بن المسيب مُرسلًا. و- الشاهد الحجر والمشهود الحجيج، لعله أُخذ مما روي أن الحجر الأسود يشهد لمن استلمه يوم القيامة. ز- الشاهد الأيام والليالي، والمشهود بنو آدم، وهو من قول الحسن كما رواه.
[ ١٦ / ٣٦٨ ]
[(قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ • النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ • إذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ • وهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ • ومَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ • الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) ٤ - ٩]
فإن قلت: أين جواب القسم؟
قلت: محذوف يدل عليه قوله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ) كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أنهم ملعونون، يعني كفار قريش كما لعن أصحاب الأخدود؛ وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان، وإلحاق أنواع الأذى، وصبرهم وثباتهم، حتى يأنسوا بهم ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن كفارهم عند الله بمنزلة أولئك المعذبين المحرقين بالنار، ملعونون أحقاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش، كما قيل: قتل أصحاب الأخدود وقتل: دعاء عليهم، كقوله: (قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [عيس: ١٧]، وقرئ: (قتل) بالتشديد.
_________________
(١) قوله: (محذوف)، أي: جواب القسم أنهم ملعونون. فعلى هذا، ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ لا يكون دعاء عليهم، بل هي كلمة تعجب، يُعجب الناس من عنادهم وشدة شكيمتهم ومبالغتهم في تعذيب المؤمنين، فيكون كناية عن كونهم ملعونين، كما يقول قائله: لله ما أشجعه! يدل على قوله: "و﴿قُتِلَ﴾: دعاء عليه". قال الإمام: "كان مشركو قريش يؤذون المؤمنين على حسب ما اشتهرت به الأخبار عن مبالغتهم في إيذاء عمار وبلال". وروى الإمام عن الزجاج والأخفش، "أن جواب القسم: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، واللام مضمرة كما قال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا … قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ١، ٩]، أي: لقد أفلح. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾، وقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقيل: الجواب محذوف، والتقدير: إن الأمر حق في الجزاء".
[ ١٦ / ٣٦٩ ]
والأخدود: الخد في الأرض وهو الشق، ونحوهما بناء ومعنى: الخق والأخقوق. ومنه فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان. روي عن النبي ﷺ أنه قال: كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضم إليه غلامًا ليعلمه السحر، وكان في طريق الغلام راهب فسمع منه، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان الراهب أحبّ إليك من الساحر فاقتلها؛ فقتلها، فكان الغلام بعد ذلك يبرئ الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، وعمي جليس للملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله فقال: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربى، فغضب فعذبه. فدل على الغلام فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه، فقد بالمنشار وأبى الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته، فدعا فرجب بالقوم، فطاحوا ونجا، فذهب به إلى قرقور فلججوا به ليغرقوه، فدعا فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا ونجا،
_________________
(١) قوله: (فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان)، عن بعضهم: أي: غابت ودخلت قوائم فرس سُراقة بن جعشم، حين اتبع رسول الله؟ حين خرج من الغار. النهاية: "وفي حديث المحرم: "فوقصت به ناقته في أخاقيق جُرذان فمات". الوقص: كسر العنق، والباء في "به" كقولك: خذِ الخطام وخذْ بالخطام. ولا يقال: وقصت العنق نفسها، ولكن: وقص الرجل فهو موقوص. والأخاقيق: شقوق في الأرض كالأخاديد، وأحدها أُخقوق، يقال: خق في الأرض، صححه الأزهري". قوله: (عن النبي؟: كان لبعض الملوك)، هذا حديث طويل، أخرجه الإمام أحمد بن حنبل، ومسلم، والترمذي عن صهيب، مع زيادات واختلافات، يطول ذكره. قوله: (إلى قُرقور فلججوه)، النهاية: "القرقور: هو السفينة العظيمة، وجمعها قراقير".
[ ١٦ / ٣٧٠ ]
فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهمًا من كنانتي وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه ومات؛ فقال الناس: آمنا برب الغلام؛ فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر؛ فأمر بأخاديد في أفواه السكك وأوقدت فيها النيران، فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها، فقال الصبي: يا أماه، اصبري فإنك على الحق؛ فاقتحمت. وقيل: قال لها قعي ولا تنافقي. وقيل: قال لها: ما هي إلا غميضة فصبرت.
وعن علي ﵁: أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس قال: هم أهل كتاب وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم، فتناولها بعض ملوكهم فسكر، فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج، فقالت له: المخرج أن تخطب الناس فتقول: يا أيها الناس، إن الله أحل نكاح الأخوات، ثم تخطبهم بعد ذلك فتقول: إن الله حرمه؛ فخطب فلم يقبلوا منه فقالت له: ابسط فيهم السوط؛
_________________
(١) فلججوه: أي أدخلوه في لجة البحر. وروى عن المصنف أنه قال: هو سفينة صغيرة، وأهل جدة يقولون: سنبوك، وجمعه سنابيك. قوله: (فاقتحمت)، أي: رمت نفسها من غير روية. قوله: (قفي)، ويروى: "قعي". قوله: (وما هي إلا غُميضة)، يقال: أغمض عينها، وغمضها: إذا أطبق أجفانها، والضمير أي: هي، قيل: يعود إلى النار، يعني: ليس العذاب بتلك النار إلا زمانًا قليلًا قدر إطباق أجفان العين، ويمكن أن يقال: إن الضمير للقصة، أي: ليس الأمر إلا قدر إطباق العين.
[ ١٦ / ٣٧١ ]
فلم يقبلوا؛ فقالت له: ابسط فيهم السيف، فلم يقبلوا؛ فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها؛ فهم الذين أرادهم الله بقوله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ).
وقيل: وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى ﵇، فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا، فأحرق منهم اثني عشر ألفًا في الأخاديد، وقيل: سبعين ألفًا؛ وذكر أن طول الأخدود، أربعون ذراعًا وعرضه اثنا عشر ذراعًا. وعن النبي ﷺ: أنه كان إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ من جهد البلاء. (النَّارِ) بدل اشتمال من الأخدود، (ذَاتِ الوَقُودِ) وصف لها بأنها نار عظيمة لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس، وقرئ: (الوقود)، بالضم (إِذْ) ظرف لقتل، أي لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين حولها. ومعنى (عَلَيْهَا) على ما يدنو منها من حافات الأخدود، كقوله:
وبات على النار النّدى والمحلق
وكما تقول: مرت عليه، تريد: مستعليًا لمكان يدنو منه، ومعنى شهادتهم على إحراق المؤمنين: أنهم وكلوا بذلك وجعلوا شهودًا يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدًا منهم لم يفرط فيما أمر به وفوض إليه من التعذيب.
_________________
(١) قوله: (من جهد البلاء)، أي: من شدة البلاء والتكليف فوق الطاقة. قوله: (وبات على النار النَّدى والمحلق)، أوله: تُشب لمقرورين يصطليانها تُشب: تُوقد، المقرور: من أصابه البرد، والمحلق: اسم رجل مضى شرحه غير مرة.
[ ١٦ / ٣٧٢ ]
ويجوز أن يراد: أنهم شهود على ما يفعلون بالمؤمنين، يؤدون شهادتهم يوم القيامة (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النور: ٢٤]، (ومَا نَقَمُوا مِنْهُمْ) وما عابوا منهم، وما أنكروا إلا الإيمان، كقوله:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم
قال ابن الرقيات:
ما نقموا من بني أمية إلا … أنهم يحلمون إن غضبوا
وقرأ أبو حيوة: (نقموا) بالكسر، والفصيح هو الفتح. وذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به ويعبد، وهو كونه عزيزا غالبًا قادرا يخشى عقابه حميدًا منعمًا، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه، (لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ) فكل من فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له تقديرًا؛ لأن (مَا نَقَمُوا مِنْهُمْ)
_________________
(١) قوله: (ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم)، تمامه: بهن فُلول من قراع الكتائب مضى شرحه. قوله: (ما نقموا) البيت، أي: ما أنكروا من بني أمية إلا ما هو أصل الشرف والسيادة، وهو الحلم عند الغضب، وكظم الغيظ. قوله: (تقريرًا، لأن ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾)، "لأن" صلة "تقريرًا"، وهو مفعول له، لقوله: "وذكر
[ ١٦ / ٣٧٣ ]
هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل منهمك في الغي، وإن الناقمين أهل لانتقام الله منهم بعذاب لا يعدله عذاب، (واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) وعيد لهم، يعني أنه علم ما فعلوا، وهو مجازيهم عليه.
[(إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ولَهُمْ عَذَابُ الحَرِيقِ • إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ) ١٠ - ١١]
ويجوز أن يريد بالذين فتنوا: أصحاب الأخدود خاصة، وبالذين آمنوا: المطروحين في الأخدود. ومعنى فتنوهم عذبوهم بالنار وأحرقوهم، (فَلَهُمْ) في الآخرة، (عَذَابُ جَهَنَّمَ) بكفرهم، (ولَهُمْ عَذَابُ الحَرِيقِ) وهي نار أخرى عظيمة تتسع كما يتسع الحريق بإحراقهم المؤمنين. أو لهم عذاب جهنم في الآخرة،
_________________
(١) الأوصاف"، يعني: إنما لم يكتف بقوله ﴿إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا﴾، وذكر اسم الله وأجرى عليه تلك الأوصاف العظيمة، ليقرر أن وصف الإيمان الذي عابوا منهم، وصف عظيم له جلاله، وأن من قصد صاحبه بالانتقام والعيب كان مبطلًا مبالغًا في الغيّ، فإن من يضاد الحق الأبلج، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يعدله عذاب. قوله: (كما يتسع الحريق بإحراقهم)، الأساس: "أحرقه بالنار وحرقته، واحترق ووقع الحريق في داره". يريد أن عطف ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ على ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ يقتضي المغايرة، فيحمل الأول على أنهم استحقوه لكفرهم، والثاني على أنهم كما أحرقوا المؤمنين يُحرقون بنار تشبه الحريق المشاهد في الاتساع، وأخّر عذاب الدنيا عن عذاب الآخرة مراعاة للفواصل؛ قال الإمام في الوجه الأول: "لما كان عذال جهنم بالنسبة إلى عذاب الحريق كلا عذاب، لأنه قد اجتمع فيه أنواع الإحراق، قيل له: عذاب الحريق".
[ ١٦ / ٣٧٤ ]
ولهم عذاب الحريق في الدنيا، لما روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم. ويجوز أن يريد: الذين فتنوا المؤمنين، أي: بلوهم بالأذى على العموم؛ والمؤمنين: المفتونين؛ وأن للفاتنين عذابين في الآخرة: لكفرهم، ولفتنتهم.
[(إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ • إنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ ويُعِيدُ • وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ • ذُو العَرْشِ المَجِيدُ • فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) ١٢ - ١٦]
البطش: الأخذ بالعنف؛ فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم: وهو بطشه بالجبابرة والظلمة، وأخذهم بالعذاب والانتقام، (إنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ ويُعِيدُ) أي يبدئ البطش ويعيده. يعني: يبطش بهم في الدنيا وفي الآخرة، أو دل باقتداره على الإبداء والاعادة على شدة بطشه، وأوعد الكفرة بأنه يعيدهم كما أبدأهم ليبطش بهم،
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يريد: الذين فتنوا المؤمنين، أي: بلوهم بالأذى على العموم)، معنى الآية تذييل للكلام السابق، وتوكيد لمعنى قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾. وعلى الوجه السابق وهو أن يراد: بـ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ أصحاب الأخدود خاصة، وبـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المطروحين، يكون لمجرد معنى ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، من باب المظهر الذي وضع أقيم موضع المضمر. قوله: (أو دل باقتداره على الإبداء)، يريد أن قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾، استئناف على بيان موجب شدة البطش، ولما كان ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ مُطلقين، تركهما في هذا الوجه على إطلاقهما، لإفادة أنه يُبدئ المخلوقات كلها ويعيدها بأسرها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٤]. فمن كان كذلك كان قادرًا على الإطلاق، وكان بطشه شديدًا لاقتداره العظيم. وصرح بالمفعول في الوجهين: أما في الأول، فالمفعول البطش لدلالة ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾، وأما في الثاني فضمير الكفرة المار ذكرهم، ليؤذن بضرب من الوعيد كما قال.
[ ١٦ / ٣٧٥ ]
إذ لم يشكروا نعمة الإبداء وكذبوا بالاعادة، وقرئ: (يبدأ). (الوَدُودُ) الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود: من إعطائهم ما أرادوا. وقرئ: (ذى العرش) صفة لربك، وقرئ: (المجيد) بالجر صفة للعرش. ومجد الله عظمته. (فَعَّالٌ) خبر مبتدأ محذوف. وإنما قيل: فعال؛ لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة.
_________________
(١) قوله: (الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود)، أي: استعار لذاته صفة الودادة على سبيل التمثيل، قال الإمام: "الودود: المحب، وهو قول أكثر المفسرين، قال الكلبي: الودود: المتودد إلى أوليائه بالمغفرة والجزاء. وقال الأزهري: يجوز أن يكون الودود فعولًا بمعنى مفعولًا، كركوب وحلوب، يعني أن عباده الصالحين يُحبونه لما عرفوا من كماله في ذاته وصفاته وأفعاله، وكلتا الصفتين مدح، لأنه تعالى إذا أحب عباده المخلصين فلإفضاله، وإن أحبوه فلجزيل إحسانه". قوله: (وقُرئ: "المجيد" بالجر)، حمزة والكسائي، والباقون: بالرفع. قوله: (خبر مبتدأ محذوف)، وعن بعضهم: كأنه فصله لفصل المجرورين والتنكير، وقلت: إنما فصله لأنه كالفذلكة للأوصاف السابقة والخاتمة لها، ونُكرت لضرب من التعظيم، يتلاشى عنده الأوهام والعقول. قوله: (وإنما قيل: فعال، لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة)، "الانتصاف": "لا فاعل إلا هو، وبهذا تنتظم الآية، فإن أكثر ما أراد الله تعالى عند المعتزلة لم يكن تعالى الله عن ذلك، وهب أنا أعرضنا عن أدلتنا، أليس قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ يقتضي العموم، وأنه تعالى يفعل ما يريد؟ ".
[ ١٦ / ٣٧٦ ]
[(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ • فِرْعَوْنَ وثَمُودَ • بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ • واللَّهُ مِن ورَائِهِم مُّحِيطٌ • بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ • فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ) ١٧ - ٢٢]
(فِرْعَوْنَ وثَمُودَ) بدل من الجنود، وأراد بفرعون إياه وآله، كما في قوله: (مِّن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ) [يونس: ٨٣]، والمعنى: قد عرفت تكذيب تلك الجنود الرسل وما نزل بهم لتكذيبهم. (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا) من قومك (فِي تَكْذِيبٍ) أي: تكذيب واستيجاب للعذاب، والله عالم بأحوالهم وقادر عليهم وهم لا يعجزونه.
_________________
(١) إن اقتضاء مذهبه يخالف تفسيره؛ فإنهم يقولون: الله يريد من العباد الإيمان والطاعة، ولا يريد الكفر والمعصية، ولا شك أن الثاني أكثر وقوعًا. وأيضًا إن العباد إذا كانوا فاعلين لأفعالهم مستقلين في خلقها، فكأن الكثرة فيها. وقال الإمام: "احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة خلق الأعمال، قالوا: لا خلاف في أنه يريد الإيمان من المكلف، فوجب أن يكون فاعلًا له، وإذا كان فاعلًا للإيمان، وجب أن يكون فاعلًا للكفر ضرورة، لأنه لا قائل بالفرق. وقال القفال: الفعّال لما يريد: يفعل ما يريد على ما يراه، ولا اعتراض عليه، ولا يغلبه غالب، فيُدخل من يشاء الجنة لا يمنعه مانع، ويُدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر". قوله: (قد عرفت تكذيب تلك الجنود)، تفسير لقوله ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾، وفيه أن ﴿هَلْ﴾ هاهنا بمعنى ﴿قَدْ﴾، وضُمن معنى التعجب بدلالة ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾، ليفيد الترقي من التعجيب إلى التعجب في الإضراب الأول، والترقي من التكذيب إلى التكذيب في الإضراب الثاني. بيان ذلك قوله: "إن أمرهم أعجب من أمر أولئك، لأنهم سمعوا بقصصهم"، إلى قوله: "وكذبوا أشد من تكذيبهم". والمبالغة في الثاني تفهم من التنكير في قوله ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾، ثم ترقى وقال: دع تكذيبهم بذلك، فإن هاهنا ما هو أطَمّ منه، وهو تكذيبهم بهذا القرآن المجيد المثبت في اللوح المحفوظ.
[ ١٦ / ٣٧٧ ]
والإحاطة بهم من ورائهم: مثل لأنهم لا يفوتونه، كما لا يفوت فائت الشيء المحيط به. ومعنى الاضراب: أن أمرهم أعجب من أمر أولئك؛ لأنهم سمعوا بقصصهم وبما جرى عليهم، ورأوا آثار هلاكهم ولم يعتبروا، وكذبوا أشد من تكذيبهم. (بَلْ هُوَ) أي: بل هذا الذي كذبوا به (قُرْآنٌ مَّجِيدٌ) شريف عالي الطبقة في الكتب وفي نظمه وإعجازه. وقرئ: (قرآن مجيد) بالإضافة، أي: قرآن رب مجيد. وقرأ يحيى بن يعمر: (في لوح) واللوح: الهواء، يعني: اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح (مَّحْفُوظٍ) من وصول الشياطين إليه، وقرئ: (محفوظ) بالرفع صفة القرآن.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة «البروج» أعطاه الله بعدد كل يوم جمعة وكل يوم عرفة يكون في الدنيا عشر حسنات».
_________________
(١) قوله: (لأنهم لا يفوتونه)، اللام صلة "مثل"، وليست للتعليل، أي: مثل لعدم الفوات. قوله: (وقُرئ: "محفوظ" بالرفع)، قرأها نافع. قوله: (وكل يوم عرفة)، عرفة: علم للموقف. عن بعضهم: إنما صُرفت هاهنا لأنه أراد تنكير اليوم، ولا طريق إليه إلا بتنكير المضاف إليه. تمت السورة * … * … *
[ ١٦ / ٣٧٨ ]