مكية، وهي عشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ)] ١ - ٧ [
أقسم سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أن الإنسان خلق مغمورًا في مكابدة المشاق والشدائد؛ واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ) يعنى: ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم. عن شرحبيل: يحرّمون أن يقتلوا بها صيدًا ويعضدوا بها شجرةً، ويستحلون إخراجك وقتلك وفيه تثبيت من رسول الله ﷺ، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته، أو سلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالقسم ببلده،
_________________
(١) ـ سورة البلد مكية، وهي عشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (أو سلي رسول الله؟)، عطف على قوله: "أقسم ﷾ بالبلد الحرام"، وفائدة القسم على الأول راجعة إلى تعظيم مُكابدة الإنسان المشاق والشدائد، ثم اعترض بين القسم والمقسوم عليه مكابدة النبي؟، توكيدًا لتلك المكابدة ولإرادة ذلك التعظيم.
[ ١٦ / ٤٤٠ ]
على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد؛ واعترض بأن وعده فتح مكة تتميمًا للتسلية والتنفيس عنه. فقال: وأنت حل بهذا البلد، يعنى: وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر. وذلك أنّ الله فتح عليه مكة وأحلها له، وما فتحت على أحٍد قبله ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرّم ما شاء؛ قتل ابن خطٍل وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقبس بن صبابة وغيرهما، وحرّم دار أبى سفيان، ثم قال: "إنّ الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحٍد قبلي ولن تحل لأحٍد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعةً من نهار، فلا يعضد شجرها،
_________________
(١) فسر "وأنت حِلٌ" بقوله: "إن مثلك على عظم حُرمتك"، وجعله من باب: أنت تجود، وقد مر غير مرة أن "أنت"، إذا بُني عليه الخبر في مقام التعظيم، نظير "مثل" في: مثلك يجود. وفائدة الاعتراض إرادة التثبيت من الرسول؟، لجعل حاله مؤكدة للحكم العام الذي عليه جبلة جنس الإنسان، وتعجيب من حال كفار مكة حيث صلحت أن يستشهد بها لذلك. وعلى الثاني راجعة إلى تعظيم المقسم به، ثم إلى تعظيم الرسول؟ تسلية، ولذلك أتى بلفظة "هذا" دلالة على كمال التمييز كقوله: هذا أبو الصقر فردًا من محاسنه ولا شك أن ترك استحلال البلد تعظيم شأنه، ثم أكد تلك الحُرمة بقوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، أي: أنت على الخصوص تستحله دون غيرك لجلالة شأنك، كما جاء: "لم تَحِلَّ لأحد قبلي ولا لأحد بعدي"؛ و"أنت" على هذا من باب التقديم للاختصاص، نحو: أنا عرفت، ولذلك كانت المعترضة تتميمًا للتسلية، قال الواحدي: "إن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة، دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا، فوعد نبيه؟ أن يحلها له يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده ويكون بها حِلًا". قوله: (فلا يعضد شجرها)، النهاية: "يعضد: يقطع، يقال: عضدت الشجر أعضده
[ ١٦ / ٤٤١ ]
ولا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقيوننا وقبورنا وبيوتنا؛ فقال ﷺ: «إلا الإذخر».
فإن قلت: أين نظير قوله: (وَأَنْتَ حِلٌّ) في معنى الاستقبال؟
قلت: قوله ﷿: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)] الزمر: ٣٠ [ومثله واسع في كلام العباد، تقول لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبو، وهو في كلام الله أوسع؛ لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة. وكفاك دليلًا قاطعًا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال: أن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة عن وقت نزولها، فما بال الفتح؟
_________________
(١) عضدًا. والخلا مقصور: النبات الرقيق ما دام رطبًا، واختلاؤه: قطعه، وأخلت الأرض: كثر خلاها، فإذا يبس فهو حشيش. القين: الحداد". قوله: (إلا لمنشد)، المنشد: المعرف. عن بعضهم: تأويل الحديث على قول أبي حنيفة ﵁، تأكيد لئلا يُظن أن حكم لُقَطَة مكة بخلافه في سائر البلدان. وعلى قول الشافعي ﵁، تخصيص مكة بهذا الحكم، وهو أنه لا يجوز لأحد أخذ اللُّقَطَة إلا لمنشد، بخلاف سائر البلدان. القين: الحدّاد. قوله: (عن وقت نزولها)، قيل: هو متعلق بقوله "أين" من حيث المعنى، لأنه استفهام إنكار عن مقاربة الهجرة وقت نزول الآية، فكأنه قيل: بعدت الهجرة عن وقت نزلوها بعدًا، وإن كانت الهجرة بعيدة فكيف بالفتح؟ وإذا ثبت أن وقت نزول الآية بعيد عن الفتح، فلا يكون قوله ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ بمعنى الحال، ويجوز أن يكون حالًا مقدرة وإن كانت جملة، وقد مر في سورة هود عند قوله ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، اعتراض وجواب.
[ ١٦ / ٤٤٢ ]
فإن قلت: ما المراد بوالٍد وما ولد؟
قلت: رسول الله ﵌ ومن ولده، أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه إبراهيم ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولده وبه.
فإن قلت: لم نكر؟
قلت: للإبهام المستقل بالمدح والتعجب.
فإن قلت: هلا قيل ومن ولد؟
قلت: فيه ما في قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ)] آل عمران: ٣٦ [أي: بأي شيٍء وضعت، يعنى موضوعًا عجيب الشأن. وقيل: هما آدم وولده. وقيل: كل والٍد وولد.
والكبد: أصله من قولك: كبد الرجل كبدًا، فهو أكبد: إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعٍب ومشقة. ومنه اشتقت المكابدة، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه. وأصله: كبده، إذا أصاب كبده.
_________________
(١) قوله: (هو مسقط رأسه)، الأساس: "ومن المجاز: هذا البلد مسقط رأسي، وفلان يحن إلى مسقطه"، قال: خرجنا جميعًا من مساقط رؤسنا على ثقة منا بجود ابن عامر قوله: (وبمن ولده وبه)، أي: بمن ولده، أي: بإسماعيل وبه، أي: بالرسول؟ . قوله: (فيه ما في قوله ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦])، يعني: أوثر "ما" على "من" لإرادة الوصف، ليفيد في مقام المدح ما لا يكتنه كُنهه من التعظيم.
[ ١٦ / ٤٤٣ ]
قال لبيد:
يا عين هلّا بكيت أربد إذ … قمنا وقام الخصوم في كبد
أي: في شدة الأمر وصعوبة الخطب. والضمير في (أَيَحْسَبُ) لبعض صناديد قريش الذي كان رسول الله ﷺ يكابد منهم ما يكابد. والمعنى: أيظن هذا الصنديد القوى في قومه المتضعف للمؤمنين: أن لن تقوم قيامة، ولن يقدر على الانتقام منه وعلى مكافأته بما هو عليه، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم، أنه يقول: (أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا) يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم، ويدعونها معالي ومفاخر، (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) حين كان ينفق ما ينفق رئاء الناس وافتخارًا بينهم، يعنى: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبًا. ويجوز أن يكون الضمير للإنسان،
_________________
(١) قوله: (يا عين هلا بكيت) البيت، قبله: ما إن تعري المنون من أحد لا والد مُشفق ولا ولد يرثي لبيد أخاه أربد بن ربيعة، وهو الذي جاء النبي؟ مع عامر بن الطفيل، فدعا رسول الله؟ عليهما، فأربد أصابته صاعقة، وأصاب عامرًا طاعونٌ، فقال: أغُدة كغُدة البعير، والموت في بيت سلولية؟ ! قوله: (هذا الصنديد)، النهاية: "كل عظيم غالب صنديد، والجمع: الصناديد، وهو عظماء القوم ورؤوسهم". قوله: (ويجوز أن يكون الضمير للإنسان)، عطف على قوله: "والضمير في ﴿أَيَحْسَبُ﴾ لبعض صناديد قريش"، ولما دل اختلاف مرجع الضميرين على اختلاف المعنى، قال: "على أن يكون المعنى: أقسم بهذا البلد"، إلى آخره. فحصل من هذا الاختلاف إشكال، وهو أنه جًعل الضمير للصناديد، لم فرعه على المعنيين السابقين في أول السورة؟ وحين جُعل
[ ١٦ / ٤٤٤ ]
على أن يكون المعنى: أقسم بهذا البلد الشريف، ومن شرفه أنك حل به مما يقترفه أهله من المآثم متحرٌج بريٌء، فهو حقيق بأن أعظمه بقسمي به (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ) أي: في مرض، وهو مرض القلب وفساد الباطن، يريد: الذين علم الله منهم حين خلقهم أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات. وقيل: الذي يحسب أن لن يقدر عليه أحد هو أبو الأشد، وكان قويًا يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فلا ينزع إلا قطعًا ويبقى موضع قدميه. وقيل: الوليد بن المغيرة. (لُبَدًا) قرى: بالضم والكسر: جمع لبدةٍ ولبدة، وهو ما تلبد يريد الكثرة: وقرئ: (لبدا) بضمتين: جمع لبود. ولبدا: بالتشديد جمع لا بد.
_________________
(١) ـ الضمير للإنسان لم كان المعنى ما ذكره وما وقع الاستفهام في ﴿أَيَحْسَبُ﴾ على التقديرين؟ ولم خص قوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ على هذا بما خصه؟ ويمكن أن يقال: إن الكبد إذا فسر بالمشاق والشدائد رجع المعنى إلى مقاساة الرسول؟ من القوم المكابد؛ فحينئذ يكون ﴿أَيَحْسَبُ﴾ ورادًا على توبيخ القوم، فيجب أن يكونوا أقوامًا مخصوصين. وإذا فُسرت المكابدة بمرض القلب والعقائد الفاسدة، فالواجب أن يراد من جنس الإنسان الموصوف به. والمناسب على هذا أن يجعل ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، توكيدًا لبراءة ساحته صلوات الله عليه من هذه المكابدة، ومما اقترفوه من المآثم وأمراض القلب، وكالتعليل لتعظيم المقسم به. ولذلك قال: "ومن شرفه أنك حِلٌ به مما يقترفه أهله من المآثم". قوله: (من المآثم)، الأساس: "وتخرج من كذا: تأثَّم، ووقع في الحرج وهو ضيق المأثم"؛ فقوله: (حل به متحرج بريء)، أخبار مترادفة. قوله: (وقيل: الذي يحسب)، مردود إلى قوله: "والضمير في "يحسب" لبعض صناديد قريش"، وتعيين للمُبهم. قوله: (ولُبدًا، بالتشديد، جمع لابِد)، قال ابن جني: "هي قراءة أبي جعفر، ويجوز أن
[ ١٦ / ٤٤٥ ]
[(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ)] ٨ - ١٦ [
(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ) يبصر بهما المرئيات، (وَلِسانًا) يترجم به عن ضمائره، (وَشَفَتَيْنِ) يطبقهما على فيه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك، (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) أي: طريقي الخير والشر. وقيل: الثديين. (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) يعنى: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين،
_________________
(١) ـ يكون بلفظ واحد، مثل: زُمل، وجباء. وبلفظ جمع نحو قائم وقوم، وصائم وصوم". الزمل بالزاي: الجبان الضعيف. قوله: (﴿النَّجْدَيْنِ﴾: أي: طريقي الخير والشر)، قال الزجاج: " ﴿النَّجْدَيْنِ﴾: الطريقين الواضحين، والنجد: المرتفع من الأرض. المعنى: ألم نبين له طريقي الخير والشر بيانًا كبيان الطريقين العاليتين". قوله: (وقيل: الثديين)، في "المطلع": "الثديين مما تُقسم به العرب، فتقول: أما ونجديها ما فعلت، تريد: وثديي الأم، لأنهما كالنجدين للبطن، وهو كالغور". قوله: (﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، يعني: فلم يشكر تلك الأيادي والأنعام بمعاجلة الأعمال الصالحة)، قال محيي السنة: "ذِكر العقبة هاهنا مثل ضربه الله لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة"، وإليه الإشارة بقوله: "جعل الصالحة:
[ ١٦ / ٤٤٦ ]
ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير؛ بل غمط النعم وكفر بالمنعم. والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضى النافع عند الله، لا أن يهلك مالًا لبدًا في الرياء والفخار، فيكون مثله (كمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ)] آل عمران: ١١٧ [الآية.
فإن قلت: قل ما تقع (لا) الداخلة على الماضي إلا مكررة، ونحو قوله:
فأي أمر سيّئ لأفعله
لا يكاد يقع، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟
_________________
(١) ـ عقبة، وعملها: اقتحامًا لها"، قال صاحب "الفرائد": "هذا تنبيه على أن النفس لا توافق صاحبها في الإنفاق لوجه الله ألبتة، فلا بد من التكلف وحمل المشقة على النفس. والذي توافقه النفس هو الافتخار والمراءاة، فكأنه تعالى ذكر هذا المثل بإزاء ما قال: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾، والمراد بيان الإنفاق المفيد، وإن ذلك الإنفاق مُضر". وقلت: في التمثيل بالعقبة بعد ذكر النجدين ترشيح، ثم التقريع عليه بالاقتحام تربية لتلك المبالغة. قوله: (قل ما تقع "لا" الداخلة على الماضي إلا مكررة)، الراغب: " (لا): يستعمل في العدم المحض، نحو: زيد لا عالم، وهو يدل على كونه جاهلًا، وذلك يكون للنفي. و(لا): ويستعمل في الأزمنة الثلاثة، ومع الاسم والفعل، غير أنه إذا نُفي به الماضي، فإما أن لا يؤتى بعده بالفعل، نحو أن يقال لك: هل خرجت؟ فتقول: لا، أي: لا خرجت. ولكن قل ما يذكر بعده الماضي، إلا إذا فُصل بينهما بشيء نحو: لا رجل ضربت ولا امرأة، أو يكون عطفًا نحو: ما خرجت ولا ركبت، أو عند تكرير نحو: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، وعند الدعاء نحو: لا كان ولا أفلح، ونحو ذلك. ومما نُفي به المستقبل قوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣]، وقد حُمل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١]. وقوله: ﴿وَمَا
[ ١٦ / ٤٤٧ ]
قلت: هي متكررة في المعنى؛ لأن معنى (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) فلا فك رقبةً، ولا أطعم مسكينًا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك. وقال الزجاج قوله: (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) يدل على معنى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ)، ولا آمن.
_________________
(١) ـ لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ [النساء: ٧٥]، يصح أن يكون في موضع الحال، أي: ما لكم غير مقاتلين. وقد يكرر ﴿لَا﴾ في المتضادين ويراد إثبات الأمر فيهما جميعًا، نحو: زيد ليس بمقيم ولا ظاعن، أي: يكون تارة كذا وتارة كذا. وقد يقال ذلك ويراد إثبات حالة بينهما، نحو أن يقال: ليس بأبيض ولا أسود، وقوله تعالى: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]، فقد قيل: معناه: إنها شرقية وغربية، وقيل: معناه: مصونة عن الإفراط والتفريط". قوله: (ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك)، يريد أن المفسِّر والمفسَّر واحد؛ فإن قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ منفي عن تلك العقبة، لأن المعرَّف باللام إذا أعيد معرفًا كان الثاني عين الأول، فتكون الجملة معترضة مُقحمة لبيان العقبة، مقررة لبيان معنى الإبهام والتفسير؛ فإن ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ مفسر بقوله ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (أَوْ إِطْعَامٌ﴾، والمفسَّر منفي، والمفسِّر كذلك لاتحادهما في الاعتبار، كأنه قيل: غلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينًا. قوله: (وقال الزجاج: قوله ﴿ثُمَّ كَانَ﴾)، هذا وجه آخر، وصورة كلامه أنه قال: "قلما يتكلم العرب في مثل هذا المكان إلا بـ (لا) مرتين أو أكثر، فلا تقول: لا جئتني، تريد: ما جئتني. وإن قلت: لا جئتني ولا زُرتني صلح. وهذا التكرير هاهنا موجود، لأن قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل عليه، كأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن". وقلت: فعلى هذا يكون من اللف التقديري، لأن الضمير في ﴿كَانَ﴾ للمذكور، ولا يمكن الإيمان داخلًا
[ ١٦ / ٤٤٨ ]
والاقتحام: الدخول والمجاوزة بشدةٍ ومشقةٍ. والقحمة: الشدة، وجعل الصالحة: عقبةً، وعملها: اقتحامًا لها، لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن: عقبة والله شديدة، مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان. وفك الرقبة: تخليصها من رق أو غيره. وفي الحديث: أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال: تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أو ليسا سواء؟ قال: لا، إعتاقها أن تنفرد بعتقها. وفكها: أن تعين في تخليصها من قود أو غرم، والعتق والصدقة من أفاضل الأعمال. وعن أبى حنيفة ﵁: أن العتق أفضل من الصدقة، وعند صاحبيه الصدقة أفضل، والآية أدل على قول أبى حنيفة لتقديم العتق على الصدقة. وعن الشعبي في رجٍل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذي قرابة، أو يعتق رقبة؟ قال: الرقبة أفضل، لأن النبي ﷺ قال: «من فك رقبةً فك الله بكل عضٍو منها عضوًا منه من النار"
_________________
(١) ـ تحت مفهوم العقبة المعبرة عن الأعمال الصالحة، وعلى الأول داخل تحتها جزء منها، لكنه أشرفها. ونُقل عن أبي على الفاري أنه رد قول الزجاج، وقال: "إذا كانت "لا" بمعنى "لم"، كان التكرير غير واجب، وإن تكررت في موضع نحو ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾، فهو كتكرير ﴿وَلَمْ﴾ نحو: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] ". قوله: (وفي الحديث أن رجلًا قال)، الحديث رواه محيي السنة في "شرح السنة"، عن البراء بن عازب. قوله: (من فك رقبة)، الحديث من رواية البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، قال النبي؟: "من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار، حتى فرجه بفرجه".
[ ١٦ / ٤٤٩ ]
قرئ: (فك رقبةٍ أو إطعام) على: هي فك رقبة، أو إطعام. وقرئ: (فك رقبة) أو أطعم، على الإبدال من اقتحم العقبة. وقوله: (وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ) اعتراض، ومعناه: أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة، والمقربة، والمتربة مفعلات من سغب إذا جاع وقرب في النسب، يقال: فلان ذو قرابتي، وذو مقربتي. وترب: إذا افتقر، ومعناه: التصق بالتراب. وأما أترب فاستغنى، أي: صار ذا ماٍل كالتراب في الكثرة، كما قيل: أثرى.
_________________
(١) ـ قوله: (وقُرئ: "فك رقبة")، ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: "فك"، بفتح الكاف، "رقبة": بالنصب، "أو أطعم": بفتح الهمزة وحذف الألف. والباقون: برفع الكاف والخفض وكسر الهمزة وألف بعد العين. قال أبو البقاء: " ﴿مَا الْعَقَبَةُ﴾: ما اقتحام العقبة؟ لأنه فسره بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾؛ وهو فعل، سواء كان بلفظ الفعل، أو بلفظ المصدر. والعقبة: عين، فلا يفَّر بالفعل، فمن قرأ: "فك … أو أطعم"، فسر المصدر بالجملة الفعلية لدلالتها عليه. ومن قرأ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (أَوْ إِطْعَامٌ﴾، كان التقدير: هو فك رقبة، والمصدر مضاف إلى المفعول، و﴿إِطْعَامٌ﴾ غير مضاف إلى المفعول، ولا ضمير فيها، لأن المصدر لا يتحمل الضمير. وذهب بعض البصريين إلى أن المصدر إذا عمل في المفعول، كان فيه ضمير كالضمير في اسم الفاعل. و﴿يَتِيمًا﴾: مفعول (إطعام) ". والمصنف أيضًا أشار إلى هذا حيث قال: "لأن معنى ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾: فلا فك رقبة ولا أطعم مسكينًا". قوله: (يقال: فلان ذو قرابتي، وذو مقربتي)، قال الزجاج: "وزيد قرابتي قبيح، لأن
[ ١٦ / ٤٥٠ ]
وعن النبي ﷺ في قوله: (ذا مَتْرَبَةٍ) الذي مأواه المزابل، ووصف اليوم بذي مسغبةٍ نحو ما يقول النحويون في قولهم: هم ناصب: ذو نصب. وقرأ الحسن: (ذا مسغبة) نصبه بإطعام. ومعناه: أو إطعام في يوٍم من الأيام ذا مسغبة.
[(ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ)] ١٧ - ٢٠ [
(ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) جاء بـ (ثم) لتراخى الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأنّ الإيمان هو السابق المقدّم على غيره،
_________________
(١) ـ القرابة مصدر"، قال: يبكي الغريب عليه ليس يعرفه وذو قرابته في الحي مسرور قوله: (ووصف اليوم بذي مسغبة)، أي: على النسبة، قيل: معناه أنه ثابت له وحاصل. روى الإمام عن الحسن أنه قال: "يوم يُحرص فيه [على] الإطعام، وقال أبو علي: معناه ما قالوا في قولهم: ليله نائم ونهاره صائم، أي: ذو نوم، وذو صوم". قوله: (جاء بـ ﴿ثُمَّ﴾ لتراخي الإيمان وتباعده في الرُتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت)، ويجوز أن تُجرى على حقيقتها، قال صاحب "الكشف": "يجوز أن يكون
[ ١٦ / ٤٥١ ]
ولا يثبت عمل صالح إلا به. والمرحمة: الرحمة، أي: أوصى بعضهم بعضًا بالصبر على الإيمان والثبات عليه. أو بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن، وبأن يكونوا متراحمين متعاطفين، أو بما يؤدى إلى رحمة الله. الميمنة والمشأمة: اليمين والشمال، أو اليمن والشؤم، أي: الميامين على أنفسهم والمشائيم عليهنّ. قرئ: (موصدة) بالواو والهمزة، من: وصدت الباب وآصدته: إذا أطبقته وأغلقته. وعن أبى بكر بن عياش: لنا إمام يهمز
_________________
(١) ـ لترتيب خبر على خبر، كقوله: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، قال الإمام في وجه: إن من أتى بهذه القرية تقربًا إلى الله تعالى، قبل إيمانه بمحمد صلوات الله عليه، ثم آمن به يُثاب عليه". وقلت: على هذا، "كان" بمعنى "صار"، ويؤيده ما روينا عن البخاري عن حكيم بن حزام، أنه قال: "يا رسول الله، أرأيت أمورًا كنت أتحنث بها في الجاهلية، من صلة وعتاقة وصدقة، هل لي فيها أجر؟ قال حكيم: قال رسول؟: أسلمت على ما سلف من خير". قوله: (أي: أوصى بعضهم بعضًا بالصبر على الإيمان والثبات عليه)، قال الإمام: "هذا يدل على أنه يجب على المؤمن، أن يدل الناس على طريق الحق، ويمنعهم من سلوك طريق الباطل؛ وأن الأصل في التصوف أمران: صدق مع الحق، وخُلق مع الخلق". وقلت: وفيه تحريض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[ ١٦ / ٤٥٢ ]
(مؤصدة)؛ فأشتهي أن أسدّ أذني إذا سمعته.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ لا أقسم بهذا البلد" أعطاه الله الأمان من غضبه يوم القيامة».
_________________
(١) قوله: (﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾)، حمزة وحفص وأبو عمرو: بالهمزة، وحمزة إذا وقف أبدلها واوًا. والباقون: بغير همز. في "الكواشي": "من همز جعل من: آصدت الباب: أطبقته. ومن لم يهمز جعل مخفف: آصدت، أبدل الهمزة واوًا للضمن قبلها، أو من أوصدت بمعنى آصدت؛ ففاء الفعل واو، فلا يُهمز اسم المفعول، إذ لا أصل له في الهمزة". تمت السورة بعون الله * … * … *
[ ١٦ / ٤٥٣ ]