مدنية، وتسمى سورة النبي ﷺ،
وهي ثنتا عشرة أو ثلاث عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ واللَّهُ مَوْلاكُمْ وهُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ١ - ٢]
روي أن رسول الله ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة فقال لها: "اكتمي علي، وقد حرمت مارية على نفسي، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي"، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين.
_________________
(١) سورة التحريم وهي ثنتا عشرة آية، مدنية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي قوله: (خلا بمارية في يوم عائشة)، الحديث من رواية النسائي عن أنس أن رسول الله ﷺ كان له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾.
[ ١٥ / ٤٨٨ ]
وقيل: خلا بها في يوم حفصة، فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم، فطلقها واعتزل نساءه؛ ومكث تسعًا وعشرين ليلة في بيت مارية.
وروي أن عمر قال لها: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك، فنزل جبريل ﵇ وقال: راجعها؛ فإنها صوامة قوامة، وغنها لمن نسائك في الجنة.
وروي أنه شرب عسلًا في بيت زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا: إنا نشم منك ريح المغافير،
_________________
(١) قوله: (شرب عسلًا)، الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة ﵂، وفيه أنه ﷺ شرب حفصة، وأما القائلة فهي سودة وصفية، وفي رواية: شرب في بيت زينب بنت جحش كما رواه المصنف مع اختلاف، وفيه: قالت سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: "لا" قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: "سقتني حفصة شربة عسل" فقالت: جرست نحله العرفط. وأما الحديث الأول فما وجدته في الكتب المشهورة. الجوهري: الجرس: الصوت الخفي، يقال: سمعت جرس الطير، إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله. النهاية: مغافير واحد مغفور، بالضم، وله ريح كريهة منكرة، وهذا البناء قليل في
[ ١٥ / ٤٨٩ ]
وكان رسول الله ﷺ يكره التفل، فحرم العسل، فمعناه: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ من ملك اليمين أو العسل. ﴿تَبْتَغِي﴾ إما تفسير لـ ﴿تُحَرِّمُ﴾ أو حال أو استئناف،
_________________
(١) العربية. وفي "المطلع": العرفط: شبه الصمغ ذو رائحة كريهة تظهر على المغفور، وهو شوك له نور يأكل منه النحل. قوله: (التفل)، النهاية: هو الريح الكريهة، ومنه الحديث"إذا خرجن تفلات" أي: تاركات للطيب، رجل تفل، وامرأة تفلة ومتفال. قوله: (﴿تَبْتَغِي﴾؛ إما تفسير لـ ﴿تُحَرِّمُ﴾، أو حال، أو استئناف)، والفرق أنه على التفسير: ابتغاء مرضاتهن عين التحريم، ويكون هو المنكر، وإنما ذكر التحريم للإيهام تفخيمًا وتهويلًا، وأن ابتغاء مرضاتهن من أعظم الشؤون. وعلى الحال: الإنكار وارد على المجموع دفعةً واحدةً، ويكون هذا التقييد مثل التقييد في قوله: ﴿لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]. وعلى الاستئناف لا يكون الثاني عين الأول، لأنه سؤال عن كيفية التحريم، فإنه لما قيل: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال: كيف أحرم؟ فأجيب: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ وفيه تكرير للإنكار. والتفسير الأول؛ أعني التفسير لما جمع بين التفخيم والتهويل، ولذلك أردف بقوله: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ جبرانًا له، ولولا الإرداف لما قام بصولة ذلك الخطاب، ونظيره قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، على أنه صلوات الله عليه ما ارتكب عظيمةً، بل كان ذلك منه من باب ترك الأولى، والامتناع من المباح، وإنما شدد ذلك التشديد رفعًا لمحله، وربًا لمنزلته، ألا ترى كيف صدر الخطاب بذكر النبي وقرن بياء البعيد وهاء التنبيه، أي: تنبه لجلالة شأنك ونباوة مرتبتك فلا تبتغ مرضات أزواجك فيما أبيح لك. ويؤيده قول المصنف بعد هذا: "ولم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال لما أحله الله: هو حرام علي، وإنما امتنع عن مارية ليمين تقدمت منه".
[ ١٥ / ٤٩٠ ]
وكان هذا زلة منه؛ لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله؛ لن الله ﷿ إنما أحل ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله، فإذا حرم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة.
﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ قد غفر لك ما زللت فيه، ﴿رَّحِيمٌ﴾ قد رحمك فلم يؤاخذك به.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فيه معنيان، أحدهما: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم، من قولك: حلل فلان في يمينه، إذا استثنى فيها، ومنه: حلا أبيت اللعن،
_________________
(١) قوله: (وكان هذا زلة منه، لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله)، الانتصاف: افترى على رسول الله ﷺ! ! فتحريم ما أحل الله باعتقاد حله لا يصدر من مؤمن، وأما مجرد الامتناع من الحلال- وقد يكون مؤكدًا باليمين- فليس من ذلك في شيء، ولو أنكر ذلك لاستحالت حقيقة المباح. وغايته أنه حلف ما يقرب مارية فنزلت كفارةً لليمين، ومعاذ الله، وحاش لله مما نسبه إليه! وهذه جرأة. وقلت: الطريق الذي سلكناه آمن- والحمد لله- من هذه المخاوف. قوله: (إذا استثنى فيها)، المغرب: استثنيت الشيء: زويته لنفسي، والاستثناء في اصطلاح النحويين: إخراج الشيء مما دخل فيه، لأن فيه كفا وردًا عن الدخول، والاستثناء في اليمين أن يقول الحالف: إن شاء الله، لأن فيه رد ما قاله بمشيئة الله. قوله: (أبيت اللعن)، الأساس: لعنه أهله: طردوه وأبعده، وهو لعين: طريد، ومن المجاز:: أبيت اللعن، وهي تحية الملوك في الجاهلية، أي: لا فعلت ما تستوجب به اللعن.
[ ١٥ / ٤٩١ ]
بمعنى: استثن في يمينك إذا أطلقها؛ وذلك أن يقول: (إن شاء الله) عقيبها حتى لا يحنث. والثاني: قد شرع الله لكم تحلتها بالكفارة. ومنه قوله ﵇: "لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم"، وقول ذي الرمة:
_________________
(١) قوله: (إذا أطلقها)، أي: يقال هذا إذا أطلق اليمين. قوله: (لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه)، بالرفع، وفي نسخة بالنصب، والرواية: فيلج، وقدر المظهري: فإن يلج، روينا عن البخاري ومسلم ومالك والترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فليلج النار، إلا تحلة القسم". النهاية: قيل: أراد بالقسم قوله تعالى: ﴿وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ تقول العرب: ضربته تحليلًا وضربته تعزيرًا، إذا لم يبالغ في ضربه، وهذا مثل في القليل المفرط في القلة، وهو أن يباشر من الفعل الذي يقسم عليه المقدار الذي يبر به قسمه، مثل أن يحلف على النزول بمكان، فلو وقع فيه وقعةً خفيفةً أجزأته، فتلك تحلة قسمه، فالمعنى: لا تمسه النار إلا مسةً يسيرةً مثل قسم الحالف، ويريد بتحلته: الورود على النار والاجتياز بها، والتاء في "تحلة" زائدة، وفي "المطلع": وأصل تحلة تحللة، كتعلة في تعللة، ومعناه: التحليل. وقال التوربشتي: التحلة: ما تنحل به عقدة اليمين، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن معنى قوله: إلا تحلة القسم: إلا مقدار ما يبر الله قسمه بالجواز على النار، ذهابًا إلى قوله:
[ ١٥ / ٤٩٢ ]
قليلًا كتحليل الألى
فإن قلت: ما حكم تحريم الحلال؟
قلت: قد اختلفت فيه؛ فأبو حنيفة يراه يمينًا في كل شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرمه؛ فإذا حرم طعامًا فقد حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها،
_________________
(١) ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، وفي قوله: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ معنى القسم. وقيل: معنى ترتب الفاء في "فيلج النار" كمعنى قولهم: ما تأتينا فتحدثنا، في أحد الوجهين، أحدهما: أن يكون الأول سببًا للثاني، أي: انتقى السبب فينتقي المسبب، أي: لم يوجد الإتيان فكيف الحديث! فلذلك قيل: ما تأتينا فكيف تحدثنا؟ ! وثانيهما: أن الفعل الثاني لم يحصل عقيب الأول، فكأنه نفى وقوعهما بصفة كون الثاني عقيب الأول كما تقول: ما جاءني زيد وعمرو، أي: ما جاءا بصفة الاجتماع، فيجوز أن يكون أحدهما جاء، فلذلك يجوز أن يكون الإتيان وقع دون الحديث، فكأنه نفى الأول بصفة معاقبة الثاني له، فالحديث محمول على هذا الوجه دون الأول، إذ لا يقدر موت الولد سببًا للمس. وقلت: حتى ينتفي لانتقائه،، بل الأمر بالعكس لأن موت الولد سبب عدم المس. قوله: (كتحليل الألى)، جمع ألوة وهي الحلف. الأساس: آلى وائتلى ليفعلن، وتألى على الله، إذا حلف ليغفرن الله له، وعلي أليةً في ذلك. قوله: (قد اختلف فيه؛ فأبو حنيفة رحمه الله تعالى)، الفاء تفصيلية، يعني: فأبو حنيفة قال
[ ١٥ / ٤٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كذا والشافعي كذا، روى البخاري ومسلم وابن ماجه، والنسائي عن ابن عباس قال: من حرم امرأته فليس بشيء، وقرأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وفي رواية: إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وللنسائي أنه أتاه رجل فقال: جعلت امرأتي علي حرامًا. فقال: "كذبت، ليست عليك بحرام. ثم تلا هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، عليك أغلظ الكفارة: عتق رقبة". قال محيي السنة: واختلف أهل العلم في لفظ التحريم، فقال قوم: هو ليس بيمين، فإن قال لزوجته: أنت علي حرام، فإن نوى به طلاقًا أو ظهارًا فهو كما نواه، وإن نوى تحريم ذاتها، أو أطلق، فعليه كفارة اليمين بنفس اللفظ، وإن قال ذلك لجاريته فإن نوى عتقها عتقت، وإن نوى تحريم ذاتها أو أطلق فعليه كفارة اليمين، وإن قال لطعام: حرمته على نفسي فلا شيء عليه، وهذا ابن مسعود وإليه ذهب الشافعي ﵄، وذهب جماعة إلى أنه يمين، فإن قال ذلك لزوجته أو جاريته فلا تجب عليه الكفارة ما لم يقربها، وإن حرم طعامًا فهو كما لو حلف أن لا يأكله، فلا كفارة عليه ما لم يأكل، يروى ذلك عن أبي بكر وعائشة، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة ﵄.
[ ١٥ / ٤٩٤ ]
أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية، وإن نوى الظهار فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن، وكذلك إن نوى ثنتين، وإن نوى ثلاثًا فكما نوى، ولإن قال: نويت الكذب دين فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء. وإن قال: كل حلال على حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وغلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يمينًا، ولكن سببًا في الكفارة في النساء وحدهن، وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده.
وعن أب بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد ﵃ أن الحرام يمين، وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي، وعن علي ﵁: ثلاث، وعن زيد: واحدة بائنة. وعن عثمان: ظهار، وكان مسروق لا يراه شيئًا ويقول: ما أبالي أحرمتها أم قصعة من ثريد، وكذلك عن الشعبي قال: ليس بشء، محتجًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، وما لم يحرمه الله تعالى فليس لأحد أن يحرمه، ولا أن يصير بتحريمه حرامًا، ولم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال لما أحله الله: هو حرام علي، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدمت منه، وهو قوله ﵇: "والله لا أقربها بعد اليوم"،
_________________
(١) قوله: (وكذلك إن نوى ثنتين)، قال بعض الحنفية: هذا عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة: لا تصح نية الاثنتين، وتقع واحدة. قوله: (وإن قال: نويت الكذب، دين فيما بينه وبين الله)، كما لو قال: حرمت علي زينب مثلًا، هذا من حيث التركيب إخبار عن إحداث التحريم في الزمان الماضي، ومن حيث الاستعمال إنشاء تحريم، كما يقال حال انعقاد أسباب البيع والشراء: بعت واشتريت، فإذا
[ ١٥ / ٤٩٥ ]
فقيل له: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أي: لم تمتنع منه بسبب اليمين؟ يعني: أقدم على ما حلفت عليه، وكفر عن يمينك! ونحوه قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢] أي؛ منعناه منها. وظاهر قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أنه كانت منه يمين.
فإن قلت: هل كفر رسول الله ﷺ لذلك؟
قلت: عن الحسن: أنه لم يكفر؛ لأنه كان مغفورًا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين، وعن مقاتل: أن رسول الله ﷺ أعتق رقبة في تحريم مارية.
﴿واللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ سيدكم ومتولي أموركم، ﴿وهُوَ العَلِيمُ﴾ بما يصلحكم فيشرعه لكم، ﴿الحَكِيمُ﴾ فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما توجبه الحكمة. وقيل: ﴿مَوْلاكُمْ﴾ أولى بكم من أنفسكم، فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم.
[﴿وإذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ ٣]
_________________
(١) قال: نويت به الإخبار، لم يقع ذلك، فلا شك أنه كذب، دين فيما بينه بين الله تعالى، ولكن لا يدين في قضاء الحاكم بإبطال الإيلاء لأن اللفظ إنشاء في العرف. قوله: (أعتق رقبة في تحريم مارية)، روى الترمذي وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: آلى رسول الله ﷺ من نسائه وحرم، فجعل الحلال حرامًا، وجعل في اليمين الكفارة.
[ ١٥ / ٤٩٦ ]
﴿بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ حفصة، والحديث الذي أسر إليها: حديث مارية وإمامة الشيخين، ﴿نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أفشته إلى عائشة. وقرئ: (أنبأت) به ﴿وأَظْهَرَهُ﴾ وأطلع النبي ﵇ ﴿عَلَيْهِ﴾ على الحديث، أي: على إفشائه على لسان جبريل، وقيل: أظهر الله الحديث على النبي ﷺ، من الظهور، ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ أعلم ببعض الحديث تكرمًا. قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام، وقرئ: (عرف بعضه)، أي: جازى عليه،
_________________
(١) قوله: (من الظهور)، أي: يكون"أظهر" بمعنى الظهور،، فالجار للتعدية، أي: جعله ظاهرًا عليه، وعلى الأول بمعنى: أطلع، أي: مضمن معناه، والجار صلة. قوله: (ما زال التغافل من فعل الكرام)، قال: ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي قوله: (وقرئ: "عرف بعضه"، أي: بالتخفيف؛ الكسائي، والباقون: بالتشديد. قال الزجاج: من قرأ بالتخفيف معناه: أن النبي ﷺ، قد عرف كل ما كان أسره، والإعراض لا يكون إلا عما يعرف، وتأويله: جازى عليه، كما تقول لمن تتوعده: علمت ما علمت، وعرفت ما صنعت، أي: فسأجازيك عليه، ولا يقصد به المعرفة فقط. وقال صاحب"الكشف": من قال: "عرف" بالتخفيف، فإنه لا يجوز أن يكون بمعنى: علم، لأنه إذا أعلمه الله فقد أعلمه جمعيه، وإنما معناه: جازى عن بعض ولم يجاز عن بعض، نحو قوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥] أي: يجازه عليه.
[ ١٥ / ٤٩٧ ]
من قولك للمسيء: لأعرفن لك ذلك، وقد عرفت ما صنعت. ومنه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣] أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم، وهو كثير في القرآن؛ وكان جزاؤه تطليقه إياها.
وقيل: المعرف: حديث الإمامة، والمعرض عنه: حديث مارية.
وروي أنه ﷺ قال لها: "ألم أقل لك اكتمي علي؟ "، قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي؛ فرحًا بالكرامة التي خص الله بها أباها.
_________________
(١) قوله: (وكان جزاءها تطليقه إياها)، قال الزجاج: قيل: إن النبي ﷺ طلق حفصة تطليقةً واحدةً فكان ذلك جزاءها عنده، فذلك تأويل ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أي: جازى على بعض الحديث، وكانت حفصة صوامةً قوامةً، فأمره الله تعالى أن يراجعها فراجعها. وقال القاضي: ليس في قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ﴾ ما يدل على أنه لم يطلق حفصة، وأن في النساء خيرًا منهن، لأن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة، والمعلق بما لم يقع لا يجب وقوعه. وقلت: روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن ابن عباس الحديث الطويل عن عمر ﵄، وفيه: نزلت آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ الآية، فكانت عائشة بنت أبي بكر ﵄، وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي ﷺ، قلت: يا رسول الله، أطلقتهن؟ قال: "لا"، قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصا ويقولون: طلق رسول الله ﷺ، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: "نعم". الحديث. قوله: (فرجًا بالكرامة)، قيل: مفعول له، لقوله: "قالت"، وهو فاسد، إذ ليس المعنى أنها
[ ١٥ / ٤٩٨ ]
فإن قلت: هلا قيل: فلما نبأت به بعضهن، وعرفها بعضه؟
قلت: ليس الغرض بيان من المذاع إليه ومن المعرف، وإنما هو ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به وإفشائه من قبلها، وأن رسول الله ﷺ بكرمه وحلمه، لم يوجد منه إلا الإعلام ببعضه، وهو حديث الإمامة. ألا ترى أنه لما كان المقصود في قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ ذكر المنبأ، كيف أتى بضميره؟ !
[﴿إن تَتُوبَا إلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وإن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصَالِحُ المُؤْمِنِينَ والْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ٤]
_________________
(١) قالت هذا الكلام لرسول الله ﷺ لأجل الفرج، لأن مقام العتاب الذي يترشح من قوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ أي: جازى عليه، من قولك للمسيء: لأعرفن لك، يأبى ذلك، بل هو تعليل أو تمييز لقولها: "ما ملكت نفسي فرجًا"، وكان القياس أن يقال: خص الله بها أبي، ولعل الراوي نقل المعنى لا لفظها، أو التفتت. قوله: (هلا قيل: فلما نبأت به بعضهن)، يعني: كان القياس أن يقال: "نبأت به بعضهن" بدل ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ لأن حفصة نبأت بالحديث الذي أسرها النبي ﷺ بعض أزواجه، يعني: عائشة، وأن يقال: عرفها بعضه، لأنه عرف رسول الله ﷺ بعض الحديث لحفصة، وهو حديث الإمامة. وأجاب أن سياق الكلام ليس في شأن المذاع إليه، أي: عائشة ﵂، وفي شأن المعروف، أي: حفصة ﵄ ليذكرهما، بل في معاتبة النبي ﷺ وابتغائه مرضات أزواجه، وفي شأن جناية حفصة، ثم في حكم النبي ﷺ وإعراضه عن بعض جنايتها، فلما دل قوله ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ على الجناية، وقوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ على الإعراض عن البعض، أتى بهما وترك ذكرهما. ويعضده إتيان ضمير المنبأ به في قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ مع الاستغناء عنه بقرينة الأحوال لأنه هو المقصود في الذكر.
[ ١٥ / ٤٩٩ ]
﴿إن تَتُوبَا﴾ خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات، ليكون أبلغ في معاتبتهما، وعن ابن عباس: لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر عنهما حتى حج وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل وعدلت معه بالإداوة، فسكبت الماء على يده فتوضأ، فقلت: من هما؟ فقال: عجبًا يا ابن عباس! ! كأنه كره ما سألته عنه، ثم قال: هما حفصة وعائشة.
﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول الله ﷺ من حب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه. وقرأ ابن مسعود: (فقد زاغت). ﴿وإن تَظَاهَرَا﴾ وإن تعاونا ﴿عَلَيْهِ﴾ بما يسوؤه من الإفراط في الغيرة وإفشاء سره،
_________________
(١) فإن قلت: فلم ترك الضمير في قوله: ﴿نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾؟ قلت: لكونه جوابًا عن قولها: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾؟ وقد اعتمد في السؤال عن المنبئ، وأوقع المنبأ به فضلةً في الكلام، ولأن في تركه إفادة الشمول والتفخيم، لذلك أردف بالعليم الخبير، أي: العليم بكليات الأحوال، والخبير بجزئياتها، ونظير هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ إلى قوله ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص: ٣٣] وقد سبق بيانه. قوله: (على طريقة الالتفات)، التفت من قوله: ﴿وإذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ إلى الخطاب، وأما حديث ابن عباس: لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر ﵁، فقد رواه البخاري ومسلم وفيه طول. قوله: (فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل القلب)، يعني: أن قوله: ﴿فَقَدْ
[ ١٥ / ٥٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لا يصح أن يكون جوابًا للشرط إلا بهذا التأويل، قال بعضهم: التقدير: إن تتوبا فلتوبتكما موجب وسبب، كقوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْريلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ [البقرة: ٩٧]، أي: فلمعاداتكم موجب وسبب. وقال ابن الحاجب في"الأمالي": جواب الشرط: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ من حيث الإخبار، كقولهم: إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس، الإكرام المذكور شرط وسبب للإخبار بالإكرام الواقع من المتكلم، لا نفس الإكرام منه، لأن ذلك غير مستقيم، لوجهين؛ أحدهما: أن الإكرام الثاني سبب للأول، فلا يستقيم أن يكون مسببًا، وثانيهما: أن ما في حيز الشرط في معنى المستقبل وهذا ماض،، وعلى ما ذكرنا يحمل الجواب في الآية: ﴿إن تَتُوبَا إلَى اللَّهِ﴾ يكن سببًا لذكر هذا الخبر، وهو قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي: وجد منكما ما يوجب التوبة. فإن قلت: الآية سيقت في التحريض على التوبة، فكيف تجعل سببًا لذكر الذنب؟ قلت: ذكر الذنب متوبًا منه لا ينافي التحريض، ولاسيما الذنب مشهور، المعنى: إن تتوبا إلى الله، يعلم براءتكما من إثم هذا الصغو، لأن الخبر بالصغو سبب لذكره، والذكر متوبًا عنه سبب للعلم ببراءتهم من إثمه، واستغنى بسبب السبب، ولو جعل الجواب محذوفًا لجاز، أي: إن تتوبا إلى الله يمح إثمكما، ثم قيل: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ جوابًا لتقدير سؤال سائل عن سبب التوبة الماحية. تم كلامه. وقلت: الفاء مانعة لأن يقدر سؤال، لأن موقع الاستئناف بين الجملتين خلو العاطف. وقال أبو البقاء: جواب الشرط محذوف، أي: فذلك واجب، ودل عليه قوله:: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، لأن ميل القلب سبب للذنب.
[ ١٥ / ٥٠١ ]
فلن يعدم هو من يظاهره، وكيف يعدم المظاهر من الله مولاه، أي: وليه وناصره، وزيادة ﴿هُوَ﴾ إيذان بأن نصرته عزيمة من عزائمه، وأنه يتولى ذلك بذاته، ﴿وجِبْرِيلُ﴾ رأس الكروبيين؛ وقرن ذكره بذكره، مفردا له من بين الملائكة، تعظيما له وإظهارا لمكانته عنده، ﴿وصَالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ ومن صلح من المؤمنين، يعني: كل من آمن وعمل صالحا.
وعن سعيد بن جبير: من برئ منهم من النفاق. وقيل: الأنبياء، وقيل الصحابة، وقيل الخلفاء منهم.
فإن قلت: "صالح المؤمنين" واحدا أم جمع؟
قلت: هو واحد أريد به الجمع، كقولك: لا يفعل هذا الصالح من الناس، تريد الجنس، كقولك: لا يفعله من صلح منهم، ومثله قولك: كنت في السامر والحاضر.
_________________
(١) قوله: (عزيمة من عزائمه)، النهاية: العزيمة: ما وكدت رأيك على شيء. قوله: (رأس الكروبيين)، وعن بعضهم: في هذا اللفظ ثلاث مبالغات، أحدها: أن كرب أبلغ من قرب حين وضع موضع كاد، يقال: كربت الشمس أن تغرب، كما تقول: كادت، والثانية أنه على وزن فعول، وهو للمبالغة، والثالثة: زيادة الياء فيه، وهي تزاد للمبالغة كأحمري. قوله: (في السامر)، السامر: السمار، وهم الذين يسمرون، كما يقال للحجاج: حاج، والحاضر: القبيلة الكبيرة الذين يحضرون الماء، قال الشاعر:
[ ١٥ / ٥٠٢ ]
ويجوز أن يكون أصله: صالحو المؤمنين بالواو، فكتب بغير واو على اللفظ؛ لأن لفظ الواحد والجمع واحد فيه، كما جاءت أشياء في المصحف متبوع فيها حكم اللفظ دون وضح الخط. ﴿والْمَلائِكَةُ﴾ على تكاثر عددهم، وامتلاء السموات من جموعهم، ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد نصرة الله وناموسه وصالحي المؤمنين، ﴿ظَهِيرٌ﴾ فوج مظاهر له، كأنهم يد واحدة على ما يعاديه، فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه؟
فإن قلت: قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ تعظيم للملائكة ومظاهرتهم، وقد تقدمت نصرة الله وجبريل وصالح المؤمنين، ونصرة الله تعالى أعظم وأعظم.
_________________
(١) لنا حاضر فعم وباد كأنه قطين الإله عزةً وتكرما قوله: (كما جاءت أشياء في المصحف)، من ذلك: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ﴾ [الإسراء: ١١]، و﴿وَيَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦]، ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ [ص: ٢١] كتب على لفظ الجمع نحو كفروا. قوله: (وناموسه)، النهاية: الناموس: صاحب سر الملك، وأراد به جبريل ﵇، لأنه تعالى خصه بالوحي والغيب، لا يطلع عليهما غيره. قوله: (كأنهم يد واحدة)، أي: أوقع "ظهيرًا" وهو خبرًا للجمع، كما أوقع "يدًا" في قوله ﷺ: "وهم يد على من سواهم" للمبالغة في الموافقة. قوله: (﴿بَعْدَ ذّلِكَ﴾ تعظيم للملائكة)، يعني موقع ﴿بَعْدَ ذّلِكَ﴾ في هذا التركيب موقع ﴿ثُمَّ﴾ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] في إعطاء معنى التفاوت في المرتبة، نص عليه في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]، فيلزم من ذلك أن تكون نصرة الملائكة أعظم من نصرة الله وهو محال، وأجاب بأن وجوه نصرة الله كثيرة، وأعظمها نصرته بالملائكة.
[ ١٥ / ٥٠٣ ]
قلت: مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، فكأنه فضل نصرته تعالى بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته تعالى، لفضلهم على جميع خلقه.
_________________
(١) أما تعليله بقوله: "لفضلهم على جميع خلقه" فلا وجه له، لأنه لا يخلو إما أن يكون"جبريل وصالح لمؤمنين" عطفًا على معنى الابتداء، أي: على موضع إن واسمها، أو أن يكون مبتدًا و"الملائكة" معطوفًا عليه، و﴿ظَهِيرٌ﴾ خبر الجميع، وهو واحد في معنى الجمع ذكره أبو البقاء، فيلزم من الأول إما نقص معنى الحصر الذي يفيده تعريف الخبر وتوسيطه ضمير الفصل، لأنه لا يقال: زيد هو المنطلق وعمرو، بل يقال: لا غير، نص عليه صاحب"المفتاح". وأما هدم قاعدته: فإنه قال: "وجبريل رأس الكروبيين، وقرن ذكره مفردًا له من الملائكة تعظيمًا له"، لأن اعتبار التعظيم حينئذ من اقتران المعطوف بالمعطوف عليه، والتخصيص بالذكر، فيكون صالح المؤمنين دون جبريل، والملائكة دونهم، ونحوه في وجه قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] قال: "من حق الخمس أن يكون متقربًا به إليه، ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة تفضيلًا لها على غيرها"، وعليه مذهب مالك والأصولي والنحوي، إن قالا بعد الترتيب، لكن صاحب المعاني يراعي النظم والتقديم، ألا ترى كيف سأل المصنف في سورة يوسف: "لم أخر الشمس والقمر؟ "فظهر من هذا الترتيب مراتب المذكورين على ما عليه مذهب أهل السنة. هذا وإن الوجه هو أن يكون"جبريل" مبتدأ، والخبر ﴿ظَهِيرٌ﴾، و"صالح المؤمنين والملائكة" عطف عليه، وأن يقال: إنما عدل من عطف المفرد إلى عطف الجملة ليؤذن بالفرق، وأن نصرة الله هي النصرة في الحقيقة، وأنه تعالى إنما ضم إليها المظاهرة بجبريل وبصالح المؤمنين والملائكة للتتميم، تطييبًا لقلوب المؤمنين، وتوقيرًا لجانب الرسول، وإظهارًا للآيات البينات كما في يوم بدر وحنين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ
[ ١٥ / ٥٠٤ ]
وقرئ: (تظاهرا)، (تتظاهرا)، و(تظهرا).
[﴿عَسَى رَبُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وأَبْكَارًا﴾ ٥].
قرئ: ﴿يُبْدِلَهُ﴾، بالتخفيف والتشديد للكثرة، ﴿مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ﴾ مقرات مخلصات، ﴿سَائِحَاتٍ﴾ صائمات، وقرئ: (سيحات)، وهي أبلغ.
وقيل للصائم: سائح؛ لأن السائح لا زاد معه، فلا يزال
_________________
(١) قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] ونحوه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] أي: ثم إنكم بعد تقلبكم في تلك الأطوار التي تخرق العقول، تموتون ويسلب منكم ذلك الكمال الذي من حقه أن يصان من النقص، لقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وكذا قوله: ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور: ٤٧]، نعلم أن ﴿بَعْدِ ذَلِكَ﴾ في هذا التركيب ليس من قبيل "ثم" في قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، بل هو عكسه، ويؤيد هذا التأويل ما رواه مسلم في "صحيحه" عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: دخلت عليه وأنا أرى في وجهه الغضب فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت- وأحمد الله بكلام- إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، فنزلت. قوله: (وقرئ: "تظاهرًا")، الكوفيون: بتخفيف الظاء، والباقون: بتشديدها. قوله: (قرئ: ﴿يُبْدِلْهُ﴾ بالتخفيف والتشديد)، نافع وابن كثير وأبو عمرو: بالتشديد، والباقون: بالتخفيف.
[ ١٥ / ٥٠٥ ]
ممسكا إلى أن يجد ما يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجئ وقت إفطاره. وقيل ﴿سَائِحَاتٍ﴾ مهاجرات، وعن زيد بن أسلم: لم تكن في هذه الأمة سياحة إلا الهجرة.
فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيرا منهن، ولم تكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟
قلت: إذا طلقهن رسول الله لعصيانهن له وإيذائهن إياه، لم يبقين على تلك الصفة وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله ﷺ والنزول على هواه ورضاه خيرا منهن، وقد عرض بذلك في قوله ﴿قَانِتَاتٍ﴾؛ لأن القنوت هو القيام بطاعة الله، وطاعة الله في طاعة رسوله.
فإن قلت: لم أخليت الصفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار؟
قلت: لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات، فلم يكن بد من الواو.
_________________
(١) قوله: (لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما)، الانتصاف: ذكر أبو عمرو بن الحاجب أن القاضي عبد الرحيم البيساني كان يعتقد أن الواو [في الآية] واو الثمانية، وكان يتبجح باستخراجها زائدةً على المواضع الثلاثة؛ أحدها: في التوبة ﴿التَّائِبُونَ العَابِدُونَ﴾
[ ١٥ / ٥٠٦ ]
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَارًا وقُودُهَا النَّاسُ والْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٦ - ٧].
﴿قُوا أَنفُسَكُمْ﴾ بترك المعاصي وفعل الطاعات، ﴿وأَهْلِيكُمْ﴾ بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسٍكم. وفي الحديث: "رحم الله رجلًا قال: يا أهلاه، صلاتكم، صيامكم، زكاتكم، مسكينكم، يتيمكم، جيرانكم،
_________________
(١) [التوبة: ١١٢]، والأخرى في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] والثالث في قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] قال ابن الحاجب: فذكر القاضي ذلك يومًا مستحسنًا له بحضرة أبي الجود النحوي المقرئ، فبين له أنه واهم في عدها من هذا القسم، وذكر له ما ذكره الزمخشري من دعاء الضرورة إليها واستحالة المعنى بعدمها، وواو الثمانية لا ترد إلا حيث لا حاجة إليها إلا الإشعار بتمام عدد السبعة، فقال: أرشدتنا يا أبا الجواد. وروي عن المصنف أنه قال: الواو تدخل في الثامن كقوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] وقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، ويسمونها واو الثمانية، وهي كذلك وليس بشيء، وقد قال لنا عند قراءة هذا الموضع: أنسيتم واو الثمانية عند جوابي هذا؟ أي: هو جواب حسن، وذلك خطأ محص ولا يجوز أن يؤخذ به. قوله: (صلاتكم وصيامكم)، قال الزجاج: معناه: الزموا، احفظوا صلاتكم، وهذه الأشياء المذكورة، أي: أدوا فرض الله فيها.
[ ١٥ / ٥٠٧ ]
لعل الله يجمعهم في الجنة"، وقيل: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله. وقرئ: (وأهلوكم) عطفا على واو ﴿قُوا﴾ وحسن العطف للفاصل.
فإن قلت: أليس التقدير: قوا أنفسكم، وليق أهلوكم أنفسهم؟
قلت: لا، ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو، و﴿أَنفُسَكُمْ﴾ واقع بعده، فكأنه قيل: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم، لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه، فجعلت ضميرهما معا على لفظ المخاطب.
_________________
(١) قوله: (لعل الله يجمعهم معه في الجنة)، هكذا في النسخ المعتمدة، وروي: يجمعكم معهم، وليس يثبت، ولا يساعده المعنى إلا تعسفًا. قوله: (أليس التقدير …) إلى آخره، قيل: المعنى: لما كان الأمر للفاعل المخاطب بالصيغة، وللغائب باللام، كان يخيل أن التقدير: قوا أنفسكم، وليق أهلوكم أنفسهم، فيكون من عطف الجملة على الجملة، وأجاب بأن ليس التقدير كذلك، لأنه لما أريد أمر المخاطب والغائب، غلب حال المخاطب، فقيل: ﴿قُوا﴾ ثم لما عطف الغائب على الضمير، غلب في المفعول أيضًا المخاطب على الغائب، للتطابق، وقدم المفعول. وقلت: معنى جوابه أن"أهليكم" الذي هو معطوف على واو ﴿قُوا﴾ في التقدير مقارن للواو، و﴿أَنفُسَكُمْ﴾ الذي هو المفعول مقدر بعد"أهلوكم"، لأن أصل الكلام: قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم وأنفسهم، فلما وقع الفاصل بين الواو و"أهلوكم" بـ ﴿أَنفُسَكُمْ﴾، استغنى عن"أنتم" لصحة العطف على الضمير بدون التأكيد لوجود الفصل، ولما غلب في المفعول- الذي هو ﴿أَنفُسَكُمْ﴾ - المخاطب على الغائب اكتفى بـ ﴿أَنفُسَكُمْ﴾ عن"أنفسهم". فإن قلت: لم حظر أن تقدر: "وليق"؟
[ ١٥ / ٥٠٨ ]
﴿نَارًا وقُودُهَا النَّاسُ والْحِجَارَةُ﴾: نوعا من النار لا يتقيد إلا بالناس والحجارة، كما يتقد غيرها من النيران بالحطب. وعن ابن عباس ﵄: هي حجارة الكبريت، وهي أشد الأشياء حرا إذا أوقد عليها. وقرئ: (وقودها) بالضم، أي: ذو وقودها، ﴿عَلَيْهَا﴾ يلي أمرها وتعذيب أهلها، ﴿مَلائِكَةٌ﴾ يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم،
_________________
(١) قلت: لتكون الشاذة أقرب إلى معنى المشهورة، ومعناه كما قال: "قوا أنفسكم بترك المعاصي وفعل الطاعات، وأهليكم بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم"، وعلى تقدير"ليق" يكونون مستقلين في الأمر استقلالًا تامًا بخلاف ذلك التقدير، فإن عطف"أهلوكم"، - وهو غائب- على الضمير- وهو حاضر-، لا يصح إلا على التبعية، كما سبق في قوله تعالى: ﴿اسْكُن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. قال القاضي: إنما لم يخاطبها أولًا تنبيهًا على أنه المقصود بالحكم، والمعطوف تبع له. وعلى هذا معنى التغليب في أنفسكم. وفي"شرح السنة": روي عن علي ﵁ قال: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾: علموهم وأدبوهم، وعن ابن عباس نحوه. قوله: (وعن ابن عباس: هي حجارة الكبريت)، منع هذا التفسير في سورة البقرة، وهو تخصيص بغير دليل، وأثبت هاهنا. قوله: (وقرئ: "وقودها")، بالضم، قال ابن جني: وهي قراءة الحسن ومجاهد، وهو على حذف المضاف، أي: ذو وقودها، يعني: ما تطعمه النار من الوقود.
[ ١٥ / ٥٠٩ ]
﴿غِلاظٌ شِدادٌ﴾ في أجرامهم غلظة وشدة، أي: جفاء وقوة. أو في أفعالهم جفاء وخشونة، لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله والغضب له والانتقام من أعدائه.
﴿مَا أَمَرَهُمْ﴾ في محل النصب على البدل، أي: لا يعصون ما أمر الله. أي أمره، كقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] أولا يعصونه فيما أمرهم.
فإن قلت: أليست الجملتان في معنى واحد؟
قلت: لا، فإن معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه.
فإن قلت: قد خاطب الله المشركين المكذبين بالوحي بهذا بعينه في قوله تعالى:
﴿فَإن َّلَمْ تَفْعَلُوا ولَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] وقال ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] فجعلها معدة للكافرين، فما معنى مخاطبته به المؤمنين؟
_________________
(١) قوله: (أليست الجملتان في معنى واحد)، يعني قوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ معناه لا يتركون فعل المأمور به، ومفهومه: أنهم يفعلون ما يؤمرون به. وأجاب: بأن الأولى لبيان موافقة الأمر في الباطن واعتقاد حقيقة الأمر والاعتراف به والثانية لبيان موافقة الأمر في الظاهر، لأن الموافقة الإتيان بالمأمور به، فإن موافقة الشيء ما يوجب ثبوت مقتضاه، ويمكن أن يقال: إنه من باب الطرد والعكس، وهو كل كلامين يقرر الأول بمنطوقه مفهوم الثاني وبالعكس، مبالغةً في أنهم لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله والغضب له. روي عن المصنف أنه قال: نظير الآية قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ الَّليلَ والنَّهَارَ لا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] نفى المعاندة عن الملائكة والاستكبار بقوله: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] وأثبت لهم الكياسة، ونفى عنهم الكسل بقوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] كقوله تعالى: ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾.
[ ١٥ / ٥١٠ ]
قلت: الفساق- وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار- فإنهم مساكنون الكفار في دار واحدة، فقيل للذين آمنوا: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ﴾ باجتناب الفسوق مساكنة الكفار الذين أعدت لهم هذه النار الموصوفة.
ويجوز أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد والندم على الدخول في الإسلام، وأن يكون خطابها للذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون، ويعضد ذلك قوله تعالى على إثره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يقال لهم ذلك عند دخولهم النار: لا تعتذروا، لأنه لا عذر لكم، أو لأنه لا ينفكم الاعتذار.
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ويُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا واغْفِرْ لَنَا إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٨].
﴿تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازي؛ والنصح: طريقة التائبين؛ وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم، فيأتوا بها على طريقها متداركة للفرطات ماحية للسيئات، وذلك أن يتوبوا عن القبائح لقبحها
_________________
(١) قوله: (الفساق- وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار- فإنهم مساكنون الكفار في دار واحدة)، الانتصاف: جوابه بناء على اعتقاده في خلود الفساق، أورد السؤال ليتنفس عن ما في نفسه من هذا الباطل الذي لا يطيق كتمانه، ولا يمتنع أن يحذر المؤمن من عذاب الكافر تثبيتًا له على الإيمان كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]. قوله: (والنصح: صفة التائبين)، الراغب: النصح: تحري فعل أو قول فيه صلاح، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، وهو من قولهم: نصحت له الود.
[ ١٥ / ٥١١ ]
نادمين عليها، مغتمين أشد الاغتمام لارتكابها، عازمين على أنهم لا يعودون في قبيح من القبائح إلى أن يعود اللبن في الضرع، موطنين أنفسهم على ذلك.
وعن علي رضي الله تعالى عنه: أنه سمع أعرابيا يقول: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، فقال: يا هذا، إن سرعة اللسان في التوبة توبة الكذابين. قال: وما التوبة؟ قال يجمعها ستة أشياء. على الماضي من الذنوب: الندامة، وللفرائض: الإعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله، كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذاقتها حلاوة المعاصي.
وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب عن الذنب ثم يعود فيه.
_________________
(١) أي: أخلصت، وناصح العسل: خالصه، أو من قولهم: نصحت الجلد: خطته، والناصح: الخياط، والنصاح: الخيط، وقوله تعالى: ﴿تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] فمن أحد هذين: إما الإخلاص، وإما الإحكام، يقال: نصوح ونصاح كذهوب وذهاب، قال: أحببت حبًا خالطته نصاحة قوله: (لا يعودون في قبيح من القبائح)، قيل: هذا مذهبه، لأن عندهم أن التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار غير صحيح. قوله: (أنه سمع أعرابيًا يقول)، ذكر هذا الحديث في الشورى مع تغيير يسير، قال: منن التوبة وعمودها الانتهاء، على ما قال تعالى: ﴿إِن يَنتَهُوا يُغْفَرُ لَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٨] وجناحاها: الندم والعزم، والندم: هو الغم الملازم للذنب. قوله: (بحسب الرجل)، مبتدأ، والباء زائدة، والخبر: "أن يتوب".
[ ١٥ / ٥١٢ ]
وعن شهر بن حوشب: أنه لا يعود ولو حز بالسيف وأحرق بالنار. وعن ابن السماك: أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام عينك، وتستعد لمنتظرك. وقيل: توبة لا يتاب منها. وعن السدي: لا تصح التوبة إلا بنصيحة النفس والمؤمنين، لأن من صحت توبته أحب أن يكون الناس مثله.
وقيل ﴿نَّصُوحًا﴾ من نصاحة الثوب، أي توبة ترفو خروقك في دينك، وترم خللك. وقيل: خالصة، من قولهم: عسل ناصح إذا خلص من الشمع. ويجوز أن يراد: توبة تنصح الناس، أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها، واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها.
وقرأ زيد بن علي: (توبا نصوحا) وقرئ: (نَّصُوحًا) بالضم، وهو مصدر "نصح".
_________________
(١) قوله: (أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء)، أقللت: صفة الذنب، على منوال قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني قوله: (لمنتظرك)، أي: موتك، وقيل: عاقبتك. قوله: (من نصاحة الثوب)، في"المطلع": نصاحة الثوب: خياطته، والنصاح: الخياط، أي: توبة ترفو خروقك في دينك، فهي استعارة. قوله: (وقرئ: "نصوحًا" بالضم)، أبو بكر، والباقون: بالفتح.
[ ١٥ / ٥١٣ ]
والنصح والنصوح، كالشكر والشكور، والكفر والكفور، أي: ذات نصوح، أو تنصح نصوحا، أو توبوا لنصح أنفسكم على أنه مفعول له، ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ إطماع من الله لعباده، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الإجابة بـ "عسى" و"لعل" ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. والثاني: أن يجئ به تعليما للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء، والذي يدل على المعنى الأول وأنه في معنى البت: قراءة ابن أبي عبلة: (ويدخلكم) بالجزم، عطفا على محل (عسى أن يكفر)، كأنه قيل: توبوا يوجب لكم تكفير سيئاتكم ويدخلكم، ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ﴾ نصب بـ ﴿ويُدْخِلَكُمْ﴾، و﴿لا يُخْزِي﴾: تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر والفسوق، واستحماد إلى المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم، ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى﴾ على الصراط.
﴿أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ قال ابن عباس: يقولون ذلك إذا طفئ نور المنافقين إشفاقا.
_________________
(١) قوله: (ووجوب الترجح)، الأساس: ومن المجاز: رجح أحد قوليه على الآخر، وترجح في القول: تميل فيه، وقيل: الترجح: التردد، وكونهم دائراين بينهما، غير مرجحين أحدهما على الآخر. قوله: (واستحماد إلى المؤمنين على أنه عصمهم)، الأساس: واستحمد الله إلى خلقه بإحسانه إليهم وإنعامه عليهم. ضمن "استحمد" معنى الإحسان، أي: أحسن إليهم طالبًا للحمد منهم على عصمته إياهم. قوله: (﴿أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ قال ابن عباس)، فسر ﴿أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ بالنظر إلى قوله تعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ بوجوه أربعة؛ أحدها: يطلبون الدوام إشفاقًا بسبب ما ينظرون إلى نور المنافقين وانطماسه، جزاءً لما كانوا يخادعون الله والذين آمنوا، وبه فسر قوله: ﴿ذّهّبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] في وجه. قال الواحدي: ومعنى إذهاب الله نورهم: هو أن الله تعالى يسلب المنافقين ما أعطوا من النور مع المؤمنين في الآخرة.
[ ١٥ / ٥١٤ ]
وعن الحسن: الله متممة لهم ولكنهم يدعون تقربا إلى الله، كقوله تعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] وهو مغفور له. وقيل: يقول أدناهم منزلة؛ لأنهم يعطون من النور قدر ما يبصرون به مواطئ أقدامهم؛ لأن النور على قدر الأعمال، فيسألون إتمامه تفضلا. وقيل السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط، وبعضهم كالريح، وبعضهم حبوا وزحفا، فأولئك الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾.
فإن قلت: كيف يشفقون والمؤمنون آمنون ﴿أَم مَّن يَاتِي آمِنًا يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: ٦٢]، ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٣]؟
أو كيف يتقربون وليست الدار دار تقرب؟
_________________
(١) وثانيها: يطلبون الدوام لا خوفًا بل تقربًا. وثالثها: يطلبون المزيد لنقصان نورهم من نور غيرهم. ورابعها: ذلك النور الذي يسعى بين أيديهم هو نور السابقين، وهم يطلبون ابتداءً إتمام النور، أي: هب لنا نورنا وأتممه لنا، والسؤال الآتي متوجه إلى الوجهين الأولين. قوله: (كيف يشفقون)، هذا الإيراد على قول ابن عباس: يقولون ذلك إشفاقًا، وقوله: أو كيف يتقربون؟ هذا على قول الحسن: ولكنهم يدعون تقربًا إلى الله تعالى. قوله: (وليست الدار دار تقرب)، أي: الدار الآخرة ليست دار التكليف، فمن لم يتقرب في الدنيا إلى الله تعالى، لا يتقرب إليه في الآخرة، وجاء في الحديث ما يخالفه، روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي وأبي داود عن عيد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها". وروى ابن ماجه عن أبي سعيد نحوه.
[ ١٥ / ٥١٥ ]
قلت: أما الإشفاق فيجوز أن يكون على عادة البشرية وإن كانوا معتقدين الأمن، وأما التقرب فلما كانت حالهم كحال المتقربين حيث يطلبون ما هو حاصل لهم من الرحمة: سماه تقريبا.
[﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ والْمُنَافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ٩].
﴿جَاهِدِ الكُفَّارَ﴾ بالسيف ﴿والْمُنَافِقِينَ﴾ بالاحتجاج؛ واستعمل الغلظة والخشونة على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال والمحاجة.
وعن قتادة: مجاهدة المنافقين لإقامة الحدود عليهم.
وعن مجاهد: بالوعيد. وقيل: بإفشاء أسرارهم.
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ ١٠].
مثل الله ﷿ حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين، معاقبة مثلهم من غير إبقاء ولا محاباة،
_________________
(١) ويمكن أن يقال: إن الترقي بحسب ما ثبت له في الدنيا، والترقي في الجنة بالقراءة علامة انتهاء تلك المنزلة. قوله: (معاقبة مثلهم)، والمثل هاهنا كما في قولك: مثلك لا يبخل، أي: أنت لا تبخل، يعني: من هو في صددك من الجود والسخاوة لا يبخل. أي: يعاقبون معاقبة من هو مبالغ في الكفر والنفاق، وتلك المعاقبة هي ما قال: "معاقبة مثلهم من غير إبقاء ولا محاباة".
[ ١٥ / ٥١٦ ]
ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من لحمة نسب أو وصلة صهر؛ لأن عداوتهم لهم وكفرهم بالله ورسوله قطع العلائق وبت الوصل، وجعلهم أبعد من الأجانب وأبعد، وإن كان المؤمن الذي كان يتصل به الكافر نبيا من أنبياء الله بحال امرأة نوح وامرأة لوط لما نافقتا وخانتا الرسولين لم يغن الرسولان عنهما بحق ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج إغناء ما من عذاب الله ﴿وقِيلَ﴾ لهما عند موتهما أو يوم القيامة: [ادْخُلا النَّارَ مَعَ﴾ سائر ﴿الدَّاخِلِينَ﴾ الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء، أو مع داخليها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط.
ومثل حال المؤمنين في أن وصلة الكافرين لا تضرهم ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله، بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله تعالى، مع كونها زوجة أعدى أعداء الله الناطق بالكلمة العظمى، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين، مع أن قومها كانوا كفارا.
وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة وما فرط
_________________
(١) قوله: (الناطق بالكلمة العظمى)، وهي: ﴿أنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، و﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. قوله: (وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة)، إشارة إلى النظم، وأنه تعالى بعدما حكى عن أمي المؤمنين ما فعلتا مما حصلت منه الكراهة لحضرة الرسالة من التظاهر عليه، وعم التوبيخ بقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ وهما المرادتان أوليًا، وذكر أوصاف المبدلات تقريعًا، ثم وعظ المؤمنين تلويحًا، وحرضهم على التوبة ورغبهم فيها، ثم أمر رسوله بالغلظة مع المعاندين من الكافرين والمنافقين تحريضًا، أتى بهذين التمثيلين تذييلًا لذكر المؤمنين والكافرين، وتتميمًا للتعريض بأمي المؤمنين، ومن تأمل في هذه التشديدات لاح له منزلة حبيب الله عند الله، وحقق معنى قول أم المؤمنين
[ ١٥ / ٥١٧ ]
من التظاهر على رسول الله ﷺ بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده، لما في التمثيل من ذكر الكفر، ونحوه في التغليظ قوله تعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين، وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله، فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين، والتعريض بحفصة أرجح؛ لأن امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله! وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدا يدق عن تفطن العالم ويزل عن تبصره.
فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾؟
قلت: لما كان مبنى التمثيل على وجود الصلاح في الإنسان كائنا من كان، وأنه وحده هو الذي يبلغ به الفوز وينال من عند الله: قال: ﴿عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾، فذكر النبيين المشهورين العلمين بأنهما عبدان لم يكونا إلا كسائر عبادنا من غير تفاوت بينهما وبينهم إلا بالصلاح وحده، إظهارا وإبانة لأن عبدا من العباد لا يرجح عنده إلا بالصلاح لا غير، وأن ما سواه مما يرجح به الناس عند الناس ليس بسبب للرجحان عنده.
_________________
(١) الصديقة ﵂: يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. الحديث متفق على صحته. ولله دره حيث قال: "وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدًا يدق عن تفطن العالم ويزل عن تبصره! ". قوله: (لم يكونا إلا كسائر عبادنا)، لعله قصد في تعميم ﴿عِبَادِنَا﴾، تقرير معنى العموم الذي اعتبره في قوله تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] اعتزالًا، وقد بينا هناك أن
[ ١٥ / ٥١٨ ]
فإن قلت: ما كانت خيانتهما؟
قلت: نفاقهما وإبطانهما الكفر، وتظاهرهما على الرسولين، فامرأة نوح قالت لقومه: إنه مجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه، ولا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور؛ لأنه سمج في الطباع، نقيصة عند كل أحد، بخلاف الكفر؛ فإن الكفار لا يستسمجونه بل يستحسنونه ويسمونه حقا.
وعن ابن عباس ﵄: ما بغت امرأة نبي قط.
[﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١١].
_________________
(١) عادة الله جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين المكرمين، ولا سيما وقد أضيف إلى ضمير التعظيم، وأما فائدته هنا فتربية معنى التعريض في التمثيل، كأنه قيل: إن امرأة نوح وامرأة لوط ما نفعهما شيء من صحبة هذين النبيين المكرمين الداخلين في زمرة العباد المخلصين. ويدل على إرادة المدح تكرير قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١، ١١١، ١٢٢، ١٣٢] في الصافات عند ذكر نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس ﵈ في خاتمة قصصهم. الراغب: تخصيص إضافة العبد إل الله تنبيه على مدحه في كونه مطيعًا له منصرفًا عن أمره، وأنه غير معرج على غيره ثم إضافته بنون المملوكية، مبالغة في الاختصاص، وفي كل إضافة إلى الله بهذا الوجه مبالغة. قوله: (ما كانت خيانتهما؟)، "ما" استفهاميةً، وضمير "كانت" يعود إليها، و"خيانتهما" خبره، والتأنيث باعتبار الخبر، كما في: "من كانت أمك؟ ". قوله: (بخلاف الكفر، فإن الكفار لا يستسمجونه) فيه إيماء إلى أن العقل لا يصلح أن يحكم في أمور الديانة.
[ ١٥ / ٥١٩ ]
وامرأة فرعون: آسية بنت مزاحم. وقيل: هي عمة موسى ﵇، آمنت حين سمعت بتلقف عصا موسى الإفك، فعذبها فرعون.
عن أبي هريرة: أن فرعون وتد امرأته بأربعة أوتاد، واستقبل بها الشمس، وأضجعها على ظهرها، ووضع رحى على صدرها، وقيل: أمر بأن تلقى عليها صخرة عظيمة فدعت الله فرقى بروحها، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه. وعن الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة؛ فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتتنعم فيها، وقيل: لما قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ﴾ أريت بيتها في الجنة يبنى. وقيل: إنه من درة، وقيل: كانت تعذب في الشمس فتظلها الملائكة.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين ﴿عِندَكَ﴾ و﴿فِي الجَنَّةِ﴾؟
قلت: طلبت القرب من رحمة الله والبعد من عذاب أعدائه، ثم بنيت مكان القرب بقولها: ﴿فِي الجَنَّةِ﴾ أو أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة، وأن تكون جنتها من الجنان التي هي أقرب إلى العرش وهي جنات المأوى، فعبرت عن القرب إلى العرش بقولها: ﴿عِندَكَ﴾. ﴿مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ﴾ من عمل فرعون
_________________
(١) قوله: (ما معنى الجمع بين ﴿عِندَكَ﴾، و﴿في الجَنَّةِ﴾)، أي: المقام المعين عند الله في الآخرة الجنة فما معنى الجمع؟ وأجاب أولًا: أن ﴿في الجَنَّةِ﴾ غير متعلق بـ ﴿ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا﴾ بل هو بيان، كأنها حين قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا﴾ قيل لها: أين؟ فقالت: ﴿في الجَنَّةِ﴾، نحوه قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] فإن ﴿فِيهِ﴾ بيان لما زهدوا فيه، أو أن مرادها بيان المقامات والمنازل، طلبت بقولها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ القرب من رحمة الله، وبقولها: ﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ الآية، البعد من أعدائه، ولا ارتياب أن القرب له مراتب لا تنحصر، فأدمجت بقولها: ﴿عِندَكَ﴾، تعني: أعلى المراتب وأقربها عند الله، فعلى هذا قوله: ﴿في الجَنَّةِ﴾ صفة بيتًا، أو ظرف لـ ﴿ابْنِ﴾.
[ ١٥ / ٥٢٠ ]
أو من نفس فرعون الخبيثة وسلطانه الغشوم، وخصوصا من عمله وهو: الكفر، وعبادة الأصنام، والظلم، والتعذيب بغير جرم، ﴿ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ من القبط كلهم. وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل من سير الصالحين وسنن الأنبياء والمرسلين، ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهُمْ فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَّعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٨]، ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * ونَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكَافِرِينَ﴾ [يونس: ٨٦].
﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وكُتُبِهِ وكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ﴾ ١٢].
﴿فِيهِ﴾ في الفرج. وقرأ ابن مسعود: (فيها)، كما قرئ في سورة الأنبياء، والضمير للجملة، وقد مر لي في هذا الظرف كلام. ومن بدع التفاسير أن الفرج هو جيب الدرع، ومعنى (أَحْصَنَتْه): منعته جبريل، وأنه جمع في التمثيل بين التي لها زوج والتي لا زوج لها،
_________________
(١) قوله: (وخصوصًا من عمله)، يريد أن قوله: ﴿مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ يجوز أن يكون من باب: أعجبني زيد وكرمه، ويجوز أن يراد: ونجني من نفس فرعون الخبيثة، ثم قيل خصوصًا: "من عمله"، وهو قريب من عطف الخاص على العام، وفيه: أن ذاته الخبيثة معدن كل شرً، وما ظهر منه من الكفر وعبادة الأصنام والظلم نعتان منه، وهذا أبلغ. قوله: (وقد مر لي في هذا الظرف كلام) أي: في سورة الأنبياء، وذلك أن قوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١] يدل على إحياء مريم، والمراد إحياء عيسى ﵇ منها، والتقدير: ونفخنا الروح في عيسى منها، أي: أحييناه منها. قوله: (ومعنى "أحصنته": منعته جبريل)، عطف على "أن الفرج"، وكذا قوله: "وأنه جمع في التمثيل" عطف عليه، والمعنى بالمنع قولها: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]. وعن الواحدي رحمه الله تعالى: ﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾: حفظت فرجها ومنعتها عما
[ ١٥ / ٥٢١ ]
تسلية للأرامل وتطييبا لأنفسهن، ﴿وصَدَّقَتْ﴾ قرئ بالتشديد وبالتخفيف على أنها جعلت الكلمات والكتب صادقة، يعني: وصفتها بالصدق، وهو معنى بالتصديق بعينه.
فإن قلت: فما كلمات الله وكتبه؟ قلت: يجوز أن يراد بكلماته: صحفه التي أنزلها على إدريس وغيره، سماها "كلمات" لقصرها، ﴿وكُتُبِهِ﴾؛ الكتب الأربعة، وأن يراد جميع ما كلم الله به ملائكته وغيرهم، وجميع مع كتبه في اللوح وغيره. وقرئ: (بكلمة الله وكتابه) أي: بعيسى وبالكتاب المنزل عليه وهو الإنجيل.
_________________
(١) لا يحل، قال الفراء: ذكر المفسرون أنه جيب درعها، وهذا محتمل، لأن الفرج معناه في اللغة: كل فرجة بين شيئين، وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج، وهذا أبلغ في الثناء عليها لأنها إذا منعت جيب درعها فهي للنفس أمنع. وقلت: هو كناية، نحو قولهم: هو نقي الجيب طاهر الذيل، لكن العدول عن الظاهر المكشوف إلى الخفي الذي لا قرينة له بعيد، ولذلك قال المصنف: "ومن بدع التفاسير". قوله: (قرئ بالتشديد وبالتخفيف) "صدقت" بالتشديد: المشهورة، وبالتخفيف شاذة. قوله: (جعلت الكلمات والكتب صادقةً)، إما بأن قال: إن كتب الله صادقة فيما جاءت به، أو صدقت بمعنى آمنت بكلمات ربها مصدقةً لها، وهو معنى التصديق بعينه، والباء للتعدية. قوله: (يجوز أن يراد بكلماته: صحفه)، إلى قوله: (وجميع ما كتبه في اللوح وغيره)، الانتصاف: هو يجحد الكلام القديم، فلا جرم كلامه يشعر بأن كلمات الله متناهية، لأنه
[ ١٥ / ٥٢٢ ]
فإن قلت: لم قيل ﴿مِنَ القَانِتِينَ﴾ على التذكير؟
قلت: لأن القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين، فغلب ذكوره على إناثه، و﴿مِنَ﴾ للتبعيض، ويجوز أن يكون لابتداء الغاية، على أنها ولدت من القانتين؛ لأنها من أعقاب هارون أخي موسى صلوات الله عليهما.
وعن النبي ﷺ: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد،
_________________
(١) جمعها في الأول جمع قلة لقصرها، وفي الثاني حصرها بقوله: و"جميع"، وأين هو من قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] وكلام الله صفة أزلية أبدية غير متناهية. وقلت: ومن ثم ورد عن مصدر النبوة في الدعاء: "أعوذ بكلمات الله التامات"، وأما معنى الجمع في ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ فهو ما ذكره في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] من أن المراد والقصد بها "جماعة الثمرة التي في قولك: أدركت ثمرة بستانه، تريد ثماره، ونظيره قولهم: كلمة الحويدرة؛ وقولهم للقرية: المدرة، وإنما هي مدر متلاحق". قوله: (فغلب ذكوره على إنائه)، قال القاضي: وفائدة التغليب الإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين، حتى عدت من جملتهم. قوله: (كمل من الرجال كثير)، الحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي عن أبي موسى، وليس فيه حديث خديجة ﵂.
[ ١٥ / ٥٢٣ ]
وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"، وأما ما روي أن عائشة سألت رسول الله ﷺ كيف سمى الله المسلمة (تعني مريم)، ولم يسم الكافرة؟ فقال: "بغضا لها": قالت: وما اسمها؟ قال: اسم امرأة نوح: واعلة، واسم امرأة لوط: وأهله، فحديث أثر الصنعة عليه ظاهر بين، ولقد سمى الله تعالى جماعة من الكفار بأسمائهم وكناهم، ولو كانت التسمية للحب وتركها للبغض لسمى آسية، وقد قرن بينها وبين مريم في التمثيل للمؤمنين، وأبى الله ألا يجعل للمصنوع أمارة تنم عليه، وكلام رسول الله ﷺ أحكم وأسلم من ذلك.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحا".
_________________
(١) قوله: (كفضل الثريد على سائر الطعام)، قيل: إنما مثل الثريد لأنه أفضل كعام العرب ولا يرون في الشبع أغنى غناء منه، وقيل: إنهم كانوا يحمدون الثريد فيما طبخ بلحم، وروي: "سيد الطعام اللحم"، فكأنها فضلت على النساء كفضل اللحم على سائر الأطعمة، والسر فيه أن الثريد مع اللحم جامع بين الغذاء واللذة والقوة وسهولة التناول، وقلة المؤونة في المضغ وسرعة المرور في المريء، فضرب به مثلًا ليؤذن بأنها أعطيت مع حسن الخلق حسن الخلق، وحلاوة المنطق، وفصاحة اللهجة، وجودة القريحة، ورزانة الرأي، ورصانة العقل، والتحبب إلى البعل، فهي تصلح للتبعل، والتحدث والاستئناس بها، والإصغاء إليها. وحسبك أنها عقلت عن النبي ﷺ ما لم تعقل غيرها من النساء، وروت ما لم يرو مثلها من الرجال، ومما يدل على أن الثريد أشهى الأطعمة عندهم وألذها قول الشاعر: إذا ما الخبز تأدمه بلحم فذاك- أمانة الله- الثريد تمت السورة حامدًا الله ومصليًا.
[ ١٥ / ٥٢٤ ]