مختلف فيها، وهي ثمان عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿يُسَبِّحُ لله مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإلَيْهِ المَصِيرُ * يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١ - ٤]
قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله ﷿، وذلك لأن الملك على الحقيقة له؛ لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه والقائم به، والمهيمن عليه؛ وكذلك الحمد، لأن أصول وفروعها منه. وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء،
_________________
(١) سورة التغابن ثماني عشرة آيةً، مكية بخلاف بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي قوله: (واسترعاء)، الجوهري: راعيته الشيء، من مراعاة الحقوق، واسترعيته الشيء فرعاه، وفي المثل: "من استرعى الذئب فقد ظلم"، والراعي: الوالي.
[ ١٥ / ٤٤٤ ]
وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾
_________________
(١) وقوله: (وحمده اعتداد) عطف على قوله: "ملك غيره" أتى بإيرادين على إثبات اختصاص الملك بالله، واختصاص الحمد به، ولما حذف "أما" التفصيلية من المعطوف، حذف الفاء اللازمة لها، وقد سبق تقريره في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: ٧]. وأجاب: أن ملك غيره إن كان ظالمًا، فهو تسليط من الله تعالى على الخلق ابتلاءً، وإن كان عادلًا فاسترعاء منه امتنانًا. وأما حمد بعض الناس لبعض فإنما كان معتدًا به لأنه جرت نعمة الله على يده، يعني لولا نعمة الله وخلقه إياها ما جرى ذلك الإعطاء على يد العبد، فإذن: في الحقيقة الله هو المحمود، لأن أصول النعم وفروعها منه، كما أن خازن الملك إذا أعطى الغير فهو إنما يحمد لأنه باشر الفعل، وفي الحقيقة الملك هو المحمود لأن النعمة منه، وذهب عنه أن فعل الإعطاء أيضًا في الحقيقة ليس من العبد، ثم نقول: هب أنه خلص من هذه الورطة بهذا العذر، فأنى له الخلاص من الحمد على الحمد على الأفعال الاختيارية؟ ! وقد قال في فاتحة الفاتحة: "الحمد والمدح أخوان، وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها". ثم قال في الحجرات: "وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة وذهن، لا يغيب عنه أن الرجل لا يمدح بفعل غيره، وحمل الآية على ظاهرها يؤدي إلى أن يثنى عليهم بفضل الله وقد نعى الله هذا على الذين أنزل فيهم ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] " فإذا لم يجز أن يثنى عليهم بفعل الله، لم
[ ١٥ / ٤٤٥ ]
يعني: فمنكم آت بالكفر وفاعل له، ومنكم آت بالإيمان وفاعل له، كقوله تعالى:: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي عالم بكفر كم وإيمانكم اللذين هما من عملكم.
_________________
(١) يجز أن يثنى على الله بفعلهم، فلا يختص الحمد بالله. وهذا كما ترى كالشجى لا يسيغ، ولا يسوغ التكلم في الاختصاص إلا لمن يقول: الحمد لما كان هو الوصف بالجميل، والله خالق كل جمال وكمال، وخالق كل من له الجمال والكمال، وخالق كل ما يستحق الحمد من الأفعال، فله الحمد في الحقيقة، وإن أضيف في الظاهر إلى الغير، وحينئذ تتطابق القرينتان، لا إلى أنهما اسمان، فكما حاز قوله: "له الملك"، أنواع الملك، جمع"له الحمد" أجناس الحمد، ولله الحمد على التوقيف، وله المنة على التوفيق. قوله: (فمنكم آت بالكفر وفاعل له، ومنكم آت بالإيمان وفاعل له) نظرًا إلى اشتقاق اللفظين، لا إلى أنهما اسمان لهذين الفريقين، وجعلهما خارجين من معنى قوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾، يعني أن الله تعالى خلق ذواتهم، وهم الذين أحدثوا الإيمان والكفر، واستدل على مذهبه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]، فإن كونهم فاسقين ليس الغرض في جعل الكتاب فيهم، كذلك كونهم كافرين ليس المراد في خلقهم، وبقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فإنه تهديد ووعيد على أعمالهم. فالحاصل: أنه جعل الفاء في ﴿فَمِنكُمْ﴾ وفي ﴿فَمِنْهُمْ﴾ للترتيب، والغرض على سبيل الاستعارة، كالكلام في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، يدل عليه قوله: "والمعنى هو الذي تفضل عليكم .. " إلى آخره، والذي يدل على أنه
[ ١٥ / ٤٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أخرج ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ من مفهوم قوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾، قوله بعد ذلك: "فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق ويجعله من جملته". والقاضي جعل ما بعد الفاء تفصيلًا لقوله ﴿خَلَقَكُمْ﴾ حيث قال: ﴿هُوَ الَّذي خَلَقَكُمْ﴾، ثم شرع في البيان وقال: ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ﴾، أي: مقدر كفره، ﴿وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ مقدر إيمانه. وقلت: مثله في الإجمال والتفصيل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ [النور: ٤٥] خلقهم وقدرهم على المشي، وما به يقدرون عليه، ثم أسند المشي إليهم، والتفصيل إنما يبين ما أجمل في المفصل في المعنى، فعلم أن كونهم كافرين ومؤمنين مراد في قوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ وعليه السياق، فإن الآيات كلها واردة لبيان عظمة الله في ملكه وملكوته واستبداده فيهما، وفي شمول علمه المعلومات كلها، وفي إنشائه المكونات ذواتها وأعرضها، ولأن قوله: ﴿خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ بيان لقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ويعضد هذا التأويل الأحاديث الكثيرة منها؛ ما روى البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا بأربع كلمات؛ يكتب رزقه وعمله وأجله، وشقي أم سعيد، فو الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها".
[ ١٥ / ٤٤٧ ]
والمعنى: هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد عن العدم، فكان يجب أن تنظروا النظر الصحيح، وتكونوا بأجمعكم عبادًا شاكرين، فما فعلتم مع تمكنكم، بل تشعبتم شعبًا، وتفرقتم أمما؛ ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾، وقدم الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم، وقيل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ﴾ بالخلق، وهم الدهرية، ﴿وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ به.
_________________
(١) ومنها ما رواه مسلم والترمذي وأبو داود، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا". قال صاحب"التيسير" و" المطلع": دلت الآية على أنه لا منزلة بين المنزلتين. وقال ابن عباس: ليس بين الجنة والنار منزل، وليس بين الطاعة والمعصية عمل، وليس بين الكفر والإيمان اسم. وقال محيي السنة: إن الله خلق الكافر وكفره فعلًا له وكسبًا، وخلق المؤمن وإيمانه فعلًا له كسبًا، والكل بتقدير الله ومشيئته. فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان لأن الله تعالى أراد ذلك منه، وهذا طريق أهل السنة من سلكه أصاب الحق وسلم من الجبر والقدر. قوله: (الدهرية) قال حجة الإسلام: الدهريون طائفة من الأقدمين حجدوا الصانع المدبر العالم القادر، وزعموا أن العالم لم يزل موجودًا لذلك بنفسه لا بصانع، ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، كذلك كان وكذلك يكون، فهؤلاء هم الزنادقة خذلهم الله وأبادهم.
[ ١٥ / ٤٤٨ ]
فإن قلت: نعم، إن العباد هم الفاعلون للكفر، ولكن قد سبق في علم الحكيم أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر، ولم يختاروا غيره، فما دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم؟ وهل خلق القبيح وخلق فاعل القبيح إلا واحد؟ وهل مثله إلا مثل من وهب سيفًا باترًا لمن شهر بقطع السبيل وقتل النفس المحرمة فقتل به مؤمنًا؟ أما يطبق العقلاء على ذم الواهب وتعنيفه، والدق في فروته كما يذمون القاتل؟ بل إنحاؤهم باللوائم على الواهب أشد؟
قلت: قد علمنا أن الله حكيم عالم بقبح القبيح، عالم بغناه عنه، فقد علمنا أن أفعاله كلها حسنة، وخلق فاعل القبيح فعله، فوجب أن يكون حسنًا، وأن يكون له وجه حسن؛
_________________
(١) قوله: (نعم، إن العباد هم الفاعلون) إيجاب لقوله: "فمنكم آت بالكفر وفاعل له، ومنكر آت بالإيمان وفاعل له" إلى آخره، وتقرير له بعد الدلائل، كأنه قيل: ظهر أن العباد هم الفاعلون. قوله: (والدق في فروته)، الأساس: لأسلخن فروة رأسك، وضربه على أم فروته وهي هامته، فهي عبارة عن الوقوع فيه وتمزيق عرضه. قوله: (قد علمنا أن الله حكيم عالم) إلى آخره، الانتصاف: اقتحم الزمخشري وعر المسالك، وهو فيها هالك، فتحدق وتشدق، وتفقه فتفيهق، هب أنه نسي أن الله خالق كل شيء، وغفل عن الأدلة العقلية، أليس قد اعترف أن خلق فاعل القبيح كخلق القبيح؟ ! زعمًا منه أن ما قبح شاهدًا، قبح غائبًا، كما علل بأنه يجوز أن يكون فيها حكمة استأثر الله بها، فما الذي يمنعه أن يقول: أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وفي ذلك حكمة استأثر الله بها؟ ! ولا فرق إلا التحكم واتباع الهوى.
[ ١٥ / ٤٤٩ ]
وخفاء وجه الحسن علينا لا يقدح في حسنه، كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلنا بداعي الحكمة إلى خلقها.
﴿بِالْحَقِّ﴾ بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وهو أن جعلها مقار المكلفين ليعملوا فيجازيهم، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ - وقرئ: (صوركم) بالكسر- لتشكروا، وإليه مصيركم فجزاؤكم على الشكر والتفريط فيه.
فإن قلت: كيف أحسن صوركم؟
قلت: جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور. ومن حسن صورته أنه خلق منتصبًا غير منكب، كما قال ﷿: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
فإن قلت: فكم من دميم مشوه والصورة سمج الخلقة تقتحمه العيون؟
قلت: لا سماحة ثم، ولكن الحس كغيره من المعاني على طبقات ومراتب، فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطًا بينًا،
_________________
(١) قوله: (وخفاء وجه الحسن علينا، لا يقدح في حسنه) قال صاحب"الانتصاف" في البقرة: ما ذكرتموه إن صلح جوابًا كان جوابًا عما أعرضتم، فلم لم تسلم الأمر إلى الله في أول الأمر؟ ! قوله: (على الشكر) متعلق ب"جزاؤكم"، وهو مبتدأ خبره محذوف، والجملة معطوفة على جملة قوله: "وإليه مصيركم" يعني: جعلها مقار للمكلفين ليعلموا، وصوركم فأحسن لتشكروا، وإليه مصيركم فعنده جزاؤكم على الشكر والكفران، وقيل: "فجزاؤكم" عطف على "مصيركم"، فكأنه قيل: إليه مصيركم فإليه انتهى جزاؤكم. قوله: (فلانحطاط بعض الصور) اللام فيه تعليل لقوله: "لا يستملح"، والاستثناء
[ ١٥ / ٤٥٠ ]
وإضافتها إلى الموفي عليها لا تستملح، وإلا فهي داخلية في حيز الحسن، غير خارجة عن حده. ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستلحها ولا ترى الدنيا بها، ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن منها فينبو عن الأولى طرفك، وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالكك عليها؟ وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لها: الجمال، والبيان.
نبه بعلمه ما في السموات والأرض، ثم بعلمه ما يسره العباد ويعلنونه، ثم بعلمه ذوات الصدور، أن شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه ولا عازب عنه، فحقه أن يتقى ويحذر ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه. وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد، وكل ما ذكره بعد قوله تعالى: ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾.
_________________
(١) في قوله: "وإلا فهي داخلة" في معنى الشرط، والفاء علة، أي: وإن لا يكن انحطاط بعض الصور ولا تكن هذه الإضافة، لما كان عدم الاستملاح، ولما اقتحمته العيون، لأن هذا البعض داخل في حيز الحسن، والمراد بالموفي عليها: هي التي أتم الله حسنها، يقال: وفى الشيء وفيًا على فعول: تم وكثر، والباء في قوله: "ولا ترى الدنيا بها" بدلية. قوله: (وكل ما ذكره بعد قوله: ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾) "كل" مبتدأ، والخبر "في معنى الوعيد"، "وكما ترى" متعلق بالخبر، أي: كل ما ذكره وارد في معنى الوعيد ورودًا كما ترى، هذا تمسك بدلالة النظم على مطلوبه، وقد ذكر أن الدليل على أن قوله: ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ في معنى: "فمنكم آت بالكفر، ومنكم آت بالإيمان وفاعل له" قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ثم شد عضده بقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وقلت: أما تقريره النظم على أن "الفاء" في ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ﴾ تفصيلية، وأن الآيات كلها واردة لبيان عظمة الله في ملكه وملكوته، فهو أنه تعالى لما أثبت لذاته الأقدس التنزيه، وأن كل شيء ينزهه ويقدسه عما لا يليق بجلاله، ثم خص لها صفة المالكية على الإطلاق، وخص
[ ١٥ / ٤٥١ ]
كما ترى في معنى الوعيد على الكفر وإنكار أن يعصى الخالق، ولا تشكر نعمته فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق ويجعله من جملته، والخلق أعم نعمة من الله على عباده، والكفر أعظم كفران من العباد لربهم.
[﴿أَلَمْ يَاتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّاتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ٥ - ٦]
_________________
(١) أن لها كل كمال وجمال، ومنه كل نعمة وإفضال، وهو خالق كل مهتد وضال، ونظم دليل الآفاق مع دليل الأنفس، وبين أن إليه المصير والمآل، ختمها بإثبات العلم الشامل للكليات والجزئيات وكرره تكريرًا وأكده توكيدًا، وكان ذكر العلم في قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ استطرادًا لذكر الخلق وتفصيله، ولإثبات القضاء والقدر، ولما فرغ من ذكر بيان العظمة جاء بالتهديد والوعيد، وقال: ﴿أَلَمْ يَاتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، والله أعلم. قوله: (فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق) أي: يقول: ﴿فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ دخلان تحت قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ومن جملته كما سبق، ونقول: هذا قول من يجهل القدر، ولا يؤمن بالنصوص القاطعة والبراهين الساطعة، والفرق بين الخلق والكسب، ولو لم يكن لمزج الكفر بالخلق مدخل واعتبار، وكان تهديدًا صرفًا كما ذكر، لم يكن لذكر ﴿وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ فائدة في المتن، لأنه- على ما قال- وعيد على تعكيس أمرهم، حيث وضعوا الكفران موضع الشكر، نحو قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] وهو المعني بقوله: وكل ما ذكره في الوعيد على الكفر وإنكار أن يعصى الخالق، ولا يشكر نعمته، وليس كذلك؛ لأن قوله ﴿وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ يأباه.
[ ١٥ / ٤٥٢ ]
﴿أَلَمْ يَاتِكُمْ﴾ الخطاب لكفار مكة. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا وما أعد لهم من العذاب في الآخرة. ﴿بِأَنَّهُ﴾ بأن الشأن والحديث ﴿كَانَت تَّاتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ أنكروا أن تكون الرسل بشرا، ولم ينكروا أن يكون الله حجرا! ! ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ أطلق ليتناول كل سيء، ومن جملته إيمانهم وطاعتهم.
فإن قلت: قوله: ﴿وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾: يوهم وجود التولي والاستغناء معا، والله تعالى لم يزل غنيا.
قلت: معناه: وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ولم يلجئهم إلى الإيمان ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك.
[﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٧ - ٨]
الزعم: ادعاء العلم، ومنه قوله ﵇: "زعموا مطية الكذب"، وعن شريح لكل شيء كنية الكذب: " زعموا"، ويتعدى إلى المفعولين تعدي العلم. قال:
.. ولم أزعمك عن ذاك معزلا
و﴿أَن﴾ مع ما في حيزه قائم مقامهما. و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أهل مكة. و﴿بَلَى﴾ لما بعد ﴿لَن﴾، وهو البعث،
_________________
(١) قوله: (زعموا مطية الكذب)، النهاية: معناه: أن الرجل إذا أراد شيئًا من المسير إلى بلد، والظعن في حاجة ركب مطيةً وسار حتى يقضي أربه، فشبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه ويتوصل إلى غرضه من قوله: "زعموا كذا وكذا"، بالمطية التي يتوصل بها إلى الحاجة، وإنما يقال: زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه، وإنما يحكى على الألسن على سبيل الإبلاغ.
[ ١٥ / ٤٥٣ ]
﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: لا يصرفه عنه صارف، وعنى برسوله والنور: محمدًا ﷺ والقرآن.
[﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ٩ - ١٠]
وقرئ: ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ و﴿يُكَفِّرْ﴾ و﴿يُدْخِلْهُ﴾، بالياء والنون.
فإن قلت: بم انتصب الظرف؟ قلت: بقوله: ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ أو بـ ﴿خَبِيرٌ﴾، لما فيه من معنى الوعيد، كأنه قيل: والله معاقبكم يوم يجمعكم أو بإضمار (اذكر) ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون. والتغابن: مستعار من: تغابن القوم في التجارة؛
_________________
(١) قوله: (وقريء: ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾) المشهورة: بالياء، وبالنون: شاذة، و"نكفر" و"ندخله" بالنون: نافع وابن عامر، والباقون: بالياء. قوله: (التغابن: مستعار من: تغابن القوم في التجارة)، الراغب، الغبن: أن تبخس صاحبك في معاملة بينك وبينه بضرب من الإخفاء، فإن كان ذلك في مال يقال: غبن فلان؛ بضم الغين، وإن كان في رأي يقال: غبن؛ بكسر الباء. ويوم التغابن: يوم القيامة، لظهور الغبن في المبايعة المشار إليها بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وبقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] وبقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] فعلم أنهم قد غبنوا فيما تركوا من المبايعة، وفيما تعاطوه من ذلك جميعًا.
[ ١٥ / ٤٥٤ ]
وهو أن يغبن بعضهم بعضا لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء، وفيه تهكم بالأشقياء؛ لأن نزولهم ليس بغبن.
_________________
(١) قوله: (وفيه تهكم بالأشقياء) يعني: صح أن يقال باعتبار السعداء: ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾؛ لأنهم يغبنون الأشقياء بنزولهم في منازلهم من الجنة لو كانوا سعداء، ولكن لا يستقيم باعتبار الأشقياء؛ ذلك لأنهم لا يغبنون السعداء بنزولهم ي منازلهم من النار، إلا بالاستعارة التهكمية، وهو المراد من قوله: "لأن نزولهم لي بغبن". وجعل الواحدي التغابن من طرف واحد للمبالغة حيث قال: ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾: يغبن فيه أهل الحق أهل الباطل، وأهل الإيمان أهل الكفر، ولا غبن أبين من هذا، هؤلاء يدخلون الجنة وهؤلاء يدخلون النار. في أهله ومنازله في الجنة، فيظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان. وعليه قول الراغب: ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾: يوم القيامة، لظهور الغبن في المبايعة … إلى آخره، كما مر آنفًا. فالمبايعة من الشخص ونفسه، وكذا المغابنة على سبيل التجريد كما في قوله تعالى: "وما يخادعون إلا أنفسهم" في وجه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، وما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل عن جابر أن النبي ﷺ قال: "يا كعب بن عجرة، الناس غاديان، فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها".
[ ١٥ / ٤٥٥ ]
وفي حديث رسول الله ﷺ: "ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرًا، وما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة".
ومعنى ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ - وقد يتغابن الناس في غير ذلك اليوم-: استعظام له وأن تغابنه هو التغابن في الحقيقة لا التغابن في أمور الدنيا وإن جلت وعظمت.
﴿صَالِحًا﴾: صفة للمصدر، أي: عملًا صالحًا.
[﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١١]
﴿إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾: إلا بتقديره ومشيئته، كأنه أذن للمصيبة أن تصيبه. ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يلطف به ويشرحه الازدياد من الطاعة والخير. وقيل: هو الاسترجاع عند المصيبة.
وعن الضحاك: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
_________________
(١) قوله: (وفي حديث رسول الله ﷺ) الحديث بتمامه رواه البخاري عن أبي هريرة في"صحيحه"، وأورده الصغاني في"مشارق الأنوار". قوله: (ومعنى ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾) مبتدأ، والخبر "استعظام له"، وما توسط بينهما اعتراض، وقوله: "وأن تغابنه هو التغابن" إلى آخره، عطف على الخبر على سبيل التفسير، يعني: في إيقاع ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ خبرًا لاسم الإشارة، والتعريف فيه للجنس، والمشار إليه قريب، استعظام لذلك اليوم كما في قوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢]. قوله: (كأنه أذن للمصيبة أذن تصيبه) وهي استعارة مكنية؛ لأن الإذن إنما يستعمل في تسهيل الحجاب كما مر مرارًا.
[ ١٥ / ٤٥٦ ]
وعن مجاهد: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن ظلم غفر.
وقرئ: (يهد قلبه)، على البناء للمفعول، والقلب مرفوع أو منصوب، ووجه النصب أن يكون مثل: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: يهد في قلبه، ويجوز أن يكون المعنى: أن الكافر ضال عن قلبه بعيد منه، والمؤمن واجد له مهتد إليه، كقوله تعالى: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، وقرئ: (نهد قلبه)، بالنون، و(يهد قلبه)، بمعنى: يهتد و(يهدأ قبله): يطمئن، و(يهد) و(يهدا) على التخفيف. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يعلم ما يؤثر اللطف من القلوب مما لا يؤثر فيه فيمنحه ويمنعه.
_________________
(١) قوله: (أن يكون مثل ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾) قال: معناه: سفه في نفسه، فحذف الجار كقولهم: زيد ظني مقيم، أي: في ظني، وقيل: انتصاب النفس على التمييز، نحو: غبن رأيه، ويجوز تعريف المميز في الشذوذ. قال ابن جني: قرأ عكرمة: "يهدأ قلبه" بالهمز، أي: يطمئن قلبه، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. قوله: (و"يهدا" على التخفيف) قال الزجاج: وقرئت: "يهد قلبه"، على تأويل: هدأ قلبه يهدأ، على طرح الهمزة، ويكون في الرفع"يهدا"؛ غير مهموز، وفي الجزم: "يهد" بطرح الألف، يعني: إذا سلم لأمر الله سكن قلبه. قوله: (فيمنحه ويمنعه) نشر لما سبق، هذا يؤذن أن في الكلام إضمارًا تقديره: ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، أي: بتقديره، فمن لم يؤمن بالله يخذله، ويجعل صدره ضيقًا حرجًا، ومن يؤمن يلطف به ويشرح صدره. ويؤيده قوله في الوجه الثاني المشار إليه بقوله: ويجوز أن يكون"يهد" مسندًا إلى العبد، لا إلى الله تعالى.
[ ١٥ / ٤٥٧ ]
[﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإن تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاغُ المُبِينُ * اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ١٢ - ١٣].
﴿فَإن تَوَلَّيْتُمْ﴾ فلا عليه إذا توليتم؛ لأنه لم يكتب عليه طاعتكم؛ إنما كتب عليه أن يبلغ ويبين فحسب.
_________________
(١) المعنى: أن الكافر ضال عن قلبه، بعيد عن، والمؤمن واجد له مهتد إليه، فيكون قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تابعًا لقوله: ﴿وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ على طرح قرينتيها، وأما على تقدير أهل السنة: وأن علم الله موافق لقضائه وقدره، فهو تذييل لقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ولما كان معنى ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾: بتقديره ومشيئته، كان ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تقديرًا له وتوكيدًا، ينصره ما رواه الواحدي عن ابن عباس: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾: بعلم وقضائه، وعن مقاتل: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ عند المصيبة فيعلم أنها من الله فيسلم لقضائه ويسترجع. وعن محيي السنة: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: يوفقه لليقين حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيسلم لقضائه. وقلت: وينصر هذا التأويل ما رويناه عن أبي داود والترمذي عن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه عند الموت: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان، حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة"، يا بني إنيً سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني". وعليه كلام الضحاك، فحينئذ يحترز أن يقال ما قاله في سورة يونس عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦]: "تلك كتابة معلوم، لا كتابة مقدر".
[ ١٥ / ٤٥٨ ]
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ بعث لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على التوكل عليه والتقوي به في أمره، حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه.
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ١٤ - ١٥]
إن من الأزواج أزواجًا يعادين بعولتهن ويخاصمنهم ويجلبن عليهم،
_________________
(١) إن قلت: هذا لا يلزمه لأنه ذكر في كتاب"المنهاج في الأصول": أن الحسنة التي هي الخصب والصحة، من الله، وأما الطاعات فمن العبد، ولكن الله تعالى قد لطف به في أدائها، وبعثه عليها، والسيئة هي القحط والمرض من الله تعالى، وهو صواب وحكمة، وأما المعصية فمن العبد، والله تعالى بريء منها. وما نحن بصدده من القبيل الأول من القسم الثاني وهو القحط والمرض، لا الكفر والمعصية، ولذلك فسر الآية ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ بقوله: "إلا بتقديره ومشيئته". وقلت: الذي يقتضيه النظم واستشهاد عبادة بالحديث أن تكون المصيبة عامة في جميع المصائب، أما في الحديث فبدلالة قوله: "اكتب مقادير كل شيء"، وأما في الآية فلورودها عقيب بيان جزاء المؤمن وجزاء الكافر،، وإردافها بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وأي مصيبة أعظم من ارتكاب المعاصي والكفر؟ ! فيكون قوله: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ إشارةً إلى الخلق، وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إيماءً إلى الكسب، وقوله: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ كالخاتمة والفذلكة للكل، وكالمخلص إلى مشرع آخر، والله أعلم. قوله: (ويجلبن عليهم) من الجلبة: الصيحة، ويروى: "ويجلبن". الجوهري: جلب على
[ ١٥ / ٤٥٩ ]
ومن الأولاد أولادًا يعادون آباءهم ويعقونهم ويجرعونهم الغصص والأذى.
﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الضمير للعدو أو للأزواج والأولاد جميعًا، أي: لما علمتم أهؤلاء لا يخلون من عدو، فكونوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم. ﴿وَإن تَعْفُوا﴾ عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم تقابلوهم بمثلها، فإن الله يغفر لكم ذنوبكم ويكفر عنكم. وقيل: إن ناسًا أرادوا الهجرة عن مكة، فثبطهم أزواجهم وأولادهم وقالوا: تنطلقون وتضيعوننا فرقوا لهم ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وألادهم فزين لهم العفو.
وقيل قالوا لهم: أين تذهبون وتدعون بلدكم وعشيرتكم وأماالكم؟ فغضبوا عليهم وقالوا: لئن جمعنا الله في دار الهجرة لم نصبكم بخير، فلما هاجروا منعوهم الخير فحثوا أن يعفوا عنهم ويردوا إليهم البر والصلة.
وقيل: كان عوف بن مالك الأشجعي ذا أهل وولد، فإذا أراد أن يغزو تعلقوا به وبكوا إليه ورققوه، فكأنه هم بأذاهم، فنزلت.
﴿فِتْنَةٌ﴾ بلاء ومحنة؛ لأنهم يوقعون في الإثم والعقوبة ولا بلاء أعظم منهما؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾؟ وفي الحديث: " يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: أكل عياله حسناته"، وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات
_________________
(١) فرسه يجلب بالضم جلبًا، إذا صاح به من خلفه واستحثه للسبق. وأجلب عليه مثله. قوله: (وقيل: إن ناسًا أرادوا الهجرة) الحديث رواه الترمذي عن ابن عباس مع اختلاف، وهو عطف على قوله: "إن من الأزواج أزواجًا"، فعلى الأول الآية عامة، وكذلك قوله: "وقيل: إذا أمكنكم الجهاد والهجرة"، وعطف على قوله: " ﴿فِتْنَةٌ﴾ وبلاء ومحنة، لأنهم يوقعون في الإثم".
[ ١٥ / ٤٦٠ ]
وعن النبي ﷺ: أنه كان يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل إليهما فأخذهما ووضعهما في حجره على المنبر فقال: " صدق الله، ﴿إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما" ثم أخذ في خطبته.
وقيل: إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد عنهما.
[﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ١٦]
﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ جهدكم ووسعكم، أي: ابذلوا فيها استطاعتكم ﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما توعظون به ﴿وَأَطِيعُوا﴾ فيما تؤمرون به وتهون عنه، ﴿وَأَنفِقُوا﴾ في الوجوه التي وجبت عليكم النفقة فيها، ﴿خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ﴾ نصب بمحذوف تقديره: ائتوا خيرًا لأنفسكم، وافعلوا ما هو خير لها وأنفع؛ وهذا تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر، وبيان لأن هذه الأمور خير لأنفسكم من الأموال والأولاد وما أنتم عاكفون عليه من حب الشهوات وزخارف الدنيا.
_________________
(١) قوله: (أنه كان يخطب فجاء الحسن والحسين ﵄) الحديث رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والنسائي عن أبي بريدة مع اختلاف يسير. قوله: (ابذلوا فيها) أي: في التقوى. قوله: (وهذا تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر) يعني قوله: "خيرًا لكم"، إذ التقدير: ائتوا خيرًا لأنفسكم، والمعنى: وافعلوا ما هو خير لها، فيكون كالخاتمة لسائر الأوامر السابقة، وكالبيان للترجيح على ما اعتقدوا فيه الخير من الأموال والأولاد.
[ ١٥ / ٤٦١ ]
[﴿إن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ * عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١٧]
﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ وذكر القرض: تلطف في الاستدعاء. ﴿يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ يكتب لكم بالواحدة عشرًا، أو سبع مئة إلى ما شاء من الزيادة. وقرئ: (يضعفه).
﴿شَكُورٌ﴾ مجاز، أي: يفعل بكم ما يفعل المبالغ في الشكر من عظيم الثواب، وكذلك ﴿حَلِيمٌ﴾ يفعل بكم ما يفعل من يحلم عن المسيء، فلا يعاجلكم بالعقاب مع كثرة ذنوبكم.
عن رسول الله ﷺ: " من قرأ سورة التغابن رفع عنه موت الفجأة".
_________________
(١) قال القاضي: يجوز أن يكون ﴿خَيْرًا﴾ صفة مصر محذوف، أو خبرًا لكان مقدرًا جوابًا للأوامر. تمت السورة بحمد الله وعونه. * * *
[ ١٥ / ٤٦٢ ]