مكية، وهي ثماني آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)] ١ - ٨ [.
ألهاه عن كذا وأقهاه: إذا شغله. و(التَّكاثُرُ) التباري في الكثرة والتباهي بها، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر، وهؤلاء: نحن أكثر. روى أن بني عبد مناٍف وبني سهٍم تفاخروا أيهم أكثر عددًا، فكثرهم بنو عبد مناف فقالت بنو سهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادّونا بالأحياء والأموات، فكثرتهم بنو سهم
_________________
(١) سورة التكاثر مكية، وهي ثماني آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (فكثرتهم بنوسهم)، أي: غلبوهم بالكثرة، من قولهم: كاثرته فكثرته. والتكاثر تكلف الكثرة مالًا وعددًا.
[ ١٦ / ٥٥٨ ]
والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء حتى إذا استوعبتم عددهم صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات؛ عبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة المقابر تهكمًا بهم. وقيل: كانوا يزورون المقابر فيقولون: هذا قبر فلاٍن وهذا قبر فلاٍن عند تفاخرهم. والمعنى: ألهاكم ذلك وهو مما لا يعنيكم ولا يجدي عليكم في دنياكم وآخرتكم عما يعنيكم من أمر الدين الذي هو أهم وأعنى من كل مهم. أو أراد: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم، منفقين أعماركم في طلب الدنيا والاستباق إليها والتهالك عليها، إلى أن أتاكم الموت لا همّ لكم غيرها، عما هو أولى بكم من السعي لعاقبتكم والعمل لآخرتكم. وزيارة القبور: عبارة عن الموت؛ قال:
لن يخلص العام خليل عشرا … ذاق الضّماد أو يزور القبرا
_________________
(١) ـ قوله: (صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات)، فعلى هذا، ﴿الْمَقَابِرَ﴾ كناية عن الانتقال من ذكر الأحياء إلى ذكر الأموات تفاخرًا؛ وإنما كان تهكمًا، لأن زيارة القبور شُرعت لتذكر الموت، ورفض حب الدنيا، وترك المباهاة والتفاخر. وهؤلاء عكسوا، جيث جعلوا زيارة القبور سببًا لمزيد القسوة، والاستغراق في حب الدنيا، والتفاخر في الكثرة. روينا عن مسلم وأبي داود والنسائي، عن بريدة قال: قال رسول الله؟: "نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها". وفي رواية أبي داود: "فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة". قوله: (أو أراد: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم)، فحاصل الوجوه الثلاثة راجع إلى أن المراد بالزيارة، إما الانتقال من الذكر إلى الذكر، أو إلى حقيقة الزيارة، أو إلى الموت. و"مُنفقين" حال من ﴿أَلْهَاكُمُ﴾، و"عما هو أولى بكم" متعلق بألهاكم. قوله: (لن يخلص العام)، البيت قال في "الفائق": "ضمد المرأة جمعها واتخاذها
[ ١٦ / ٥٥٩ ]
وقال:
زار القبور أبو مالك … فأصبح الأمّ زوّارها
وقرأ ابن عباس: (أألهاكم)؟ على الاستفهام الذي معناه التقرير. (كَلَّا): ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون الدنيا جميع همه ولا يهتم بدينه
_________________
(١) الخليلين"، قال أبو ذؤيب: تُريدين كيما تضمديني وخالدًا وهل يُجمع السيفات ويحك في غمد قائله: مقداد بن حسان الزُّبيري، قبله: إني رأيت الضَّمد شيئًا نُكرا وكانت المرأة في الجاهلية تتخذ سوى زوجها خليلًا، وهو الضَّمد. قوله: (عشرًا)، أي: عشر ليال، وروي بكسر العين، أي: معاشرة، والمعاشرة: المخالطة، وكذلك التعاشر، والاسم: العِشرة. والخليل: الزوج. المعنى: لن يُخلص زوج معاشرة امرأة عشر ليال، إلا أن يموت. ذاق الضماد: صفة الخليل. قوله: (﴿كَلَّا﴾: ردع وتنبيه)، أي: رد للكلام السابق، وتنبيه على ما دل عليه الكلام التالي، فاعتبر في ﴿كَلَّا﴾ كلا مفهوميه، قال الإمام: "كلا: متصل بما قبله على وجه الرد والتكذيب، أي: ليس الأمر كما يتوهمه هؤلاء من أن السعادة الحقيقية بكثرة العدد والأموال
[ ١٦ / ٥٦٠ ]
(سَوْفَ تَعْلَمُونَ) إنذار ليخافوا فينتبهوا من غفلتهم. والتكرير: تأكيد للردع والإنذار عليهم. و(ثُمَّ) دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأوّل وأشد، كما تقول للمنصوح: أقول لك ثم أقول لك: لا تفعل، والمعنى: سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدّامكم من هول لقاء الله، وإنّ هذا التنبيه نصيحة لكم ورحمة عليكم. ثم كرّر التنبيه أيضًا وقال: (لَوْ تَعْلَمُونَ) محذوف الجواب، يعنى: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين، أي: كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور التي وكلتم بعلمها هممكم،
_________________
(١) والأولاد، ومتصل بما بعده على معنى: حقًا سوف تعلمون، لكن حين يصير الفاسق تائبًا، والكافر مسلمًا، والحريص زاهدًا". وفي كلام المصنف إشعار بهذين المعنيين. الكواشي: "الوقف على ﴿الْمَقَابِرَ﴾: تام، إن جعل ﴿كَلَّا﴾ تنبيهًا، وإن جعل ردعًا، الوقف على ﴿كَلَّا﴾ ". فإن قلت: على ما ذهب إليه المصنف، يلزم استعمال اللفظ المشترك في كلا معنييه المخالف. قلت: ليس كذلك؛ إذ المراد أنه إذا ابتدئ بها وقع الاستئناف عندها، فيقدر السؤال: فما جزاء هؤلاء الغفلة، وما يقال في حقهم؟ فيجاب: حقًا سيعلمون مآل حالهم حين يرون الجحيم، ففي الكلام ردع من حيث المعنى. وإذا وُقف عليها يقع السؤال بعدها، أي: فما يُفعل بهؤلاء المطرودين الذين ارتدعوا؟ فيقال: سوف يعلمون ما يُفعل بهم حين يرون الجحيم؛ فالكلام مستلزم للتنبيه من حيث المعنى. قال صاحب "المرشد": "حتى زرتم المقابر: وقف تام، وتبتدئ ﴿كَلَّا﴾ في معنى التهديد والوعيد". قوله: (يعني: لو تعلمون ما بين أيديكم)، قيل: المراد بالعلم هاهنا: هو علم الشيء في نفسه، لا علمه على صفته.
[ ١٦ / ٥٦١ ]
لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه؛ ولكنكم ضلال جهلة؛ ثم قال: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) فبين لهم ما أنذرهم منه وأوعدهم به؛ وقد مرّ ما في إيضاح الشيء بعد إبهامه من تفخيمه وتعظيمه، وهو جواب قسم محذوف، والقسم لتوكيد الوعيد، وأن ما أوعدوا به ما لا مدخل فيه للريب؛ وكرره معطوفًا بثم تغليظا في التهديد وزيادة في التهويل. وقرئ: (لترؤن) بالهمز وهي مستكرهة.
فإن قلت: لم استكرهت والواو المضمومة قبلها همزة قياس مطرد؟
قلت: ذاك في الواو التي ضمتها لازمة، وهذه عارضة لالتقاء الساكنين. وقرئ: (لترون) و(لترونها) على البناء للمفعول، (عَيْنَ الْيَقِينِ) أي: الرؤية التي هي نفس اليقين وخالصته. ويجوز أن يراد بالرؤية: العلم والإبصار (عَنِ النَّعِيمِ) عن اللهو والتنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه.
_________________
(١) قوله: (ذاك في الواو التي ضمتها لازمة)، قال الزجاج: "القراءة: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾، بضم الواو غير مهموز، فضمت الواو لسكونها وسكون النون، وقد همزها بعضهم، والنحويون يكرهونها لأن ضمتها غير لازمة، لأنها حُركت لالتقاء الساكنين، ويهمزون الواو التي ضمتها لازمة، نحو: أدؤُر، جمع دار، ويجوز: أَدْوُر أيضًا". قوله: (وقرئ: "لَتُرَونّ")، ابن عامر والكسائي: بضم التاء، والباقون: بفتحها. ولا خلاف في السبعة في قوله: ﴿لَتَرَوُنَّهَا﴾ بفتح التاء. قوله: (﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾: أي: الرؤية التي هي نفس اليقين)، قيل: أراد أن ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ نُصب على المصدر، والعين هاهنا بمعنى نفس الشيء، كقولك: جاء زيد نفسه وعينه. والصواب أن الرؤية هاهنا بمعنى الإبصار لا العلم.
[ ١٦ / ٥٦٢ ]
فإن قلت: ما النعيم الذي يسأل عنه الإنسان ويعاتب عليه؟ فما من أحد إلا وله نعيم؟
قلت: هو نعيم من عكف همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب ويلبس اللين، ويقطع أوقاته باللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل نفسه مشاقهما؛ فأما من تمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده، وتقوّى بها على دراسة العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضًا بالشكر، فهو من ذاك بمعزل؛ وإليه أشار رسول الله ﷺ فيما يروى: أنه أكل هو وأصحابه تمرًا وشربوا عليه مًاء فقال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين».
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ (ألهاكم التكاثر) لم يحاسبه الله بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا، وأعطى من الأجر كأنما قرأ ألف آية».
_________________
(١) وقلت: هذا هو الذي أراده بقوله: "ويجوز أن يراد بالرؤية العلم والإبصار"، على العطف التفسيري. وقال القاضي: "عين اليقين: الرؤية التي هي نفس اليقين؛ فإن علم المشاهدة أعلى مراتب اليقين". وقال شيخنا شيخ الإسلام قُدس سِره في "العوارف": "علم اليقين ما كان من طريق النظر والاستدلال، وعين اليقين ما كان من طريق الكشوف والنوال، وحق اليقين ما كان بتحقيق الانفصال عن لوث الصلصال، بورود رائد الوصال. وقال الجنيد: حق اليقين ما يتحقق العبد بذلك، وهو أن يُشاهد الغيوب كما يشاهد المرئيات مشاهدة عيان". قوله: (هو نعيم من عكف همته على استيفاء اللذات)، قال القاضي: "الخطاب بقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، مخصوص بكل من ألهاه دُنياه عن دينه، لا بالمؤمنين للقرينة
[ ١٦ / ٥٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ والنصوص الكثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقوله: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقيل: مخصوص بالكفار، وقيل: عام؛ إذ كل يُسأل عن شُكره". وقلت: ويعضده ما روينا عن مسلم والترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة: خرج رسول الله؟، فإذا هو بأبي بكر وعمر ﵄، فقال: ما أخرجكما عن بيتكما؟ قالا: الجوع. قال: وأنا، والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما. فجاؤوا بيت أنصاري، فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورُطب وذبح لهم، فأكلوا من الشاة والعِذق وشربوا، فلما أن شبعوا وَرَوَوا، قال رسول الله؟ لهما: "والذي نفسي بيده، لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة". الحديث مختصر. وروى الواحدي عن مقاتل: "يعني كفار مكة، كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامو عن شُكر ما كانوا فيه ول يشكروا رب النعم، حيث عبدوا غيره وأشركوا به، ثم يُعذبون. هذا قول الحسن". وقلت: ويؤيده أن الخطاب من أول السورة مع المتكاثرين والمتباهين وهم كفرة، على ما سبق. ولما كان الاشتغال بنعيم الدنيا من صفات الغافلين، ويجب على المؤمن أن يجتنب عن رذائل الأخلاق، غلظ رسول الله؟ حيث قال: لتُسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، لا أنه صلوات الله عليه فسر الآية بما قال. تمت * … * … *
[ ١٦ / ٥٦٤ ]