مكية، وهي تسع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ • وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ • وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ • وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ • وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ • وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ • وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ • وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ • بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ • وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ • وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ • وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ • وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ • عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) ١ - ١٤].
في التكوير وجهان: أن يكون من كوّرت العمامة إذا لففتها، أي: يلف ضوءها لفًا فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق، وهو عبارةٌ عن إزالتها والذهاب بها؛ لأنها ما دامت باقيةً كان ضياؤها منبسطًا غير ملفوف. أو يكون لفها عبارةً عن رفعها وسترها؛
_________________
(١) سورة التكوير مكية، وهي تسع وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (أو يكون لفها)، عطف على قوله: أي: يلف ضوءها لفًا، وقوله: "وأن يكون من: طعنه"، عطف على قوله: "أن يكون من كُورت العمامة"، وهو الوجه الثاني، وكلا
[ ١٦ / ٣٠٤ ]
لأنّ الثوب إذا أريد رفعه لف وطوي؛ ونحوه قوله: (يَوْمَ نَطْوِي السَّماء) [الأنبياء: ١٠٤ َ] وأن يكون من طعنه فجوّره وكوّره: إذا ألقاه، أي: تلقى وتطرح عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار. فإن قلت: ارتفاع الشمس على الابتداء أو الفاعلية؟
قلت: بل على الفاعلية، رافعها فعلٌ مضمرٌ يفسره كوّرت؛ لأنّ «إذا» يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط (انْكَدَرَتْ) انقضت، قال:
أبصر خربان فضاءٍ فانكدر
_________________
(١) الوجهين كناية. الراغب: "كور الشيء: إدارته وضم بعضه إلى بعض، ككور العمامة. وطعنه فكوره: إذا ألقاه مجتمعًا". قوله: (فجوره)، بالجيم، الجوهري: "ضربه فجوره، أي: صرعه، مثل: كوره، فتجور". قوله: (﴿انكَدَرَتْ﴾: انقضت)، الراغب: "الكدر: ضد الصفاء، يقال: عيش كدر، والكدرة: في اللون خاصة، والكدرة في الماء والعيش، والانكدار: تغير من انتشار الشيء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾. وانكدار القوم على كذا: إذا قصدوا متناثرين عليه". قوله: (أبصر خربان فضاء فانكدر)، قبله في "المطلع": تقضى البازي إذا البازي كسر داني جناحيه من الطور فمر انقضت: هوت. خربان: جمع خرب، وهو ذكر الحبارى، فانكدر، أي أبصر البازي الحُبارى فانقض وسقط عليه. والشعر للعجاج يمدح عمر بن معمر.
[ ١٦ / ٣٠٥ ]
ويروى في الشمس والنجوم: أنها تطرح في جهنم ليراها من عبدها كما قال: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) [الأنبياء: ٩٨]، (سُيِّرَتْ) أي على وجه الأرض وأبعدت، أو سيرت في الجوّ تسيير السحاب كقوله (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ) [النمل: ٨٨]. والعشار في جمع عشراء، كالنفاس في جمع نفساء: وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة، وهي أنفس ما تكون عند أهلها وأعزها. (عُطِّلَتْ) تركت مسيبة مهملة. وقيل: عطلها أهلها عن الحلب والصر، لاشتغالهم بأنفسهم. وقرئ: (عطلت) بالتخفيف. (حُشِرَتْ) جمعت من كل ناحية؛ قال قتادة: يحشر كل شيءٍ حتى الذباب للقصاص. وقيل: إذا قضى بينها ردّت ترابًا فلا يبقى منها إلا ما فيه سرورٌ لبنى آدم وإعجابٌ بصورته، كالطاوس ونحوه. وعن ابن عباسٍ ﵄: حشرها موتها. يقال: إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم حشرتهم السنة
_________________
(١) قوله: (﴿عُطِّلَتْ﴾: تُركت مُسيبة)، الراغب: "العطل: فقدان الزينة والشغل، يقال: عطلت المرأة فهي عَطِل وعاطل، وعطلته من الحلي ومن العمل فتعطل، قال تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥]، ويقال لمن يجعل العالم بجهله وبزعمه فارغًا عن صانع أتقنه وزينة: معطل، وعطل الدار عن ساكنيها والإبل عن راعيها". قوله: (يُحشر كل شيء حتى الذباب)، عن مسلم والترمذي، عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قال النبي؟: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" وزاد أحمد بن حنبل: وحتى الدرة من الدرة". قوله: (إذا أجحفت السنة)، بالجيم والحاء المهملة. الأساس: "أجحف بهم الدهر: استأصلهم، وأجحفهم فلان: كلفهم ما لا يطاق، وسنة مجحفة".
[ ١٦ / ٣٠٦ ]
وقرئ (حشرت) بالتشديد. (سُجِّرَتْ) قرئ بالتخفيف والتشديد، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، أي: ملئت وفجر بعضها إلى بعضٍ حتى تعود بحرًا واحدًا. وقيل: ملئت نيرانًا تضطرم لتعذيب أهل النار. وعن الحسن: يذهب ماؤها فلا تبقى فيها قطرة. (زُوِّجَتْ) قرنت كل نفسٍ بشكلها، وقيل: قرنت الأرواح بالأجساد. وقيل بكتبها وأعمالها. وعن الحسن هو كقوله: (وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً) [الواقعة: ٧] وقيل: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. وأد يئد مقلوبٌ من آد يؤود: إذا أثقل. قال الله تعالى: (وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما) [البقرة: ٢٥٥]؛ لأنه إثقالٌ بالتراب: كان الرجل إذا ولدت له بنتٌ فأراد أن يستحييها: ألبسها جبةً من صوفٍ أو شعرٍ ترعى له الإبل والغنم في البادية؛ وإن أراد قتلها تركها، حتى إذا كانت سداسيةً فيقول لأمها: طيبيها وزينيها، حتى أذهب بها إلى أحمائها،
_________________
(١) قوله: (﴿سُجِّرَتْ﴾ قُرئ بالتخفيف والتشديد)، ابن كثير وأبو عمرو: بالتخفيف، والباقون: بالتشديد. قوله: (قُرنت كل نفس بشكلها)، في "الكواشي": يُقرن الصالح بالصالح في الجنة، ويُقرن الطالح بالطالح في النار. قوله: (وعن الحسن: هو كقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾)، فالأزواج على هذا: الأصناف، قال: يقال للأصناف التي بعضها مع بعض أو يذكر بعضها مع بعض: أزواج، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا﴾ [طه: ١٣١]. قوله: (فأراد أن يستجيبها)، هو من قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]. قوله: (سُداسية)، أي: بلغت قامتها ستة أشبار، وعمرها ست سنين. الأساس: "إزار سديس وسداسي: ست أذرع، وأسدس البعير: ألقى سديسه".
[ ١٦ / ٣٠٧ ]
وقد حفر لها بئرًا في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب، حتى تستوي البئر بالأرض. وقيل: كانت الحامل إذا أقربت حفرت حفرةً فتمخضت على رأس الحفرة؛ فإذا ولدت بنتًا رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابنًا حبسته.
فإن قلت: ما حملهم على وأد البنات؟
قلت: الخوف من لحوق العار بهم من أجلهنّ، أو الخوف من الإملاق، كما قال الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) [الإسراء: ٣١]، وكانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به، فهو أحق بهنّ. وصعصعة بن ناجية ممن منع الوأد؛ فيه افتخر الفرزدق في قوله:
ومنّا الّذي منع الوائدات … فأحيا الوئيد فلم توأد
_________________
(١) قوله: (ومنا الذي) البيت، وفي رواية: وجدي الذي الوئيد: فعيل بمعنى مفعول، فلذا لم يؤنث. روي أن صعصعة جد الفرزدق قدم على رسول الله؟، فعرض عليه الإسلام، فقال له: يا رسول الله، عملت أعمالًا في الجاهلية، فهل لي فيها أجر؟ أحييت ثلاث مئة وستين من الموءودة، واشتريت كل واحدة منها بناقتين عشراوين وجمل، قال رسول الله؟: "هذا باب من البر ولك أجره إذ من الله عليك بالإسلام"، وبه افتخر الفرزدق، والله أعلم بصحبته. وعد صاحب "الاستيعاب" صعصعة جد الفرزدق في الصحابة، وقال: روى عنه
[ ١٦ / ٣٠٨ ]
فإن قلت: فما معنى سؤال الموءودة عن ذنبها الذي قتلت به؛ وهلا سئل الوائد عن موجب قتله لها؟
قلت: سؤالها وجوابها تبكيتٌ لقاتلها، نحو التبكيت في قوله تعالى لعيسى: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتخذوني) إلى قوله: (سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) [المائدة: ١١٦]. وقرئ: (سألت)، أي: خاصمت عن نفسها، وسألت الله أو قاتلها؛ وإنما قيل (قُتِلَتْ) بناءً على أن الكلام إخبارٌ عنها؛ ولو حكي ما خوطبت به حين سئلت. فقيل: قتلت أو كلامها حين سئلت لقيل: قتلت. وقرأ ابن عباسٍ ﵄: (قتلت)، على الحكاية، وقرئ (قتلت) بالتشديد،
_________________
(١) طفيل بن عمرو، وابنه عقال بن صعصعة، وروى عنه الحسن، وكان من أشراف بني تميم وكان في الجاهلية يفتدي الموءودات من بني تميم، وقال الفرزدق فيه: وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم تُوأد قوله: (فما معنى سؤال الموءودة؟) الفاء دلت على إنكار على كلامه السابق، أي: ذكرت أن موجب الوأد؛ إما خوف العار أو الإملاق، لا من ذنب صدر عنها، فما معنى سؤال الموءودة، إلى آخره. قوله: (تبكيت لقائلها)، الأساس: "بكته بالحجة وبكته: غلبه، يقال: بكته حتى أسكته". وتقريره أن المجني عليه إذا سُئل بمحضر من الجاني ونُسب إليه الجناية دون الجاني، كان ذلك بعثًا للجاني على التفكر في حال نفسه وحال المجني عليه، فيعثر على براءة ساحة صاحبه، وعلى أنه هو المستحق لكل نكال فيفحم، وهذا نوع من الاستدراج واقع على طريق التعريض.
[ ١٦ / ٣٠٩ ]
وفيه دليلٌ بينٌ على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بالذنب، وإذا بكت الله الكافر ببراءة الموؤودة من الذنب: فما أقبح به، وهو الذي لا يظلم مثقال ذرّةٍ أن يكرّ عليها بعد هذا التبكيت فيفعل بها ما تنسى عنده فعل المبكت من العذاب الشديد السرمد! وعن ابن عباسٍ ﵄ أنه سئل عن ذلك، فاحتجّ بهذه الآية. (نُشِرَتْ) قرئ بالتخفيف والتشديد، يريد: صحف الأعمال؛ تطوى صحيفة الإنسان عند موته، ثم تنشر إذا حوسب. عن قتادة: صحيفتك يا ابن آدم تطوى على عملك، ثم تنشر يوم القيامة،
_________________
(١) قوله: (وفيه دليل بين على أن أطفال المشركين لا يُعذبون)، ودليله أنه إذا بكت الله الكافرين ببراءة الموءودة من الذنب، فما أقبح به، وهو الذي لا يَظلم مثقال ذرة، أن يكر عليها بعد ذلك هذا التبكيت! وهو مبني على مسألة الحسن والقُبح العقلي. وروينا خلافه عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله؟ عن أولاد المشركين، فقال: "الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين". تفسيره ما روى أبو داود، عن عائشة ﵂، قلت: يا رسول الله، ذراري المؤمنين؟ فقال: "من آبائهم"، فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين. قلت: يا رسول الله، فذراري المشركين؟ فقال: "من آبائهم"، أي: متصلين بهم، كقوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٨]. وفي "مسند" الإمام أحمد بن حنبل: سألت خديجة عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله؟: "هما في النار". قوله: (﴿نُشِرَتْ﴾ قُرئ بالتخفيف)، نافع وعاصم وابن عامر، والباقون: بتشديدها.
[ ١٦ / ٣١٠ ]
فلينظر رجلٌ ما يملى في صحيفته. وعن عمر ﵁ أنه كان إذا قرأها قال: إليك يساق الأمر يا ابن آدم. وعن النبي ﷺ أنه قال: «يحشر الناس عراةً حفاةً»، فقالت أمّ سلمة: كيف بالنساء؟ فقال: شغل الناس يا أمّ سلمة. قالت: وما شغلهم؟ قال: "نشر الصحف فيها مثاقيل الذرّ ومثاقيل الخردل". ويجوز أن يراد: نشرت بين أصحابها، أي فرقت بينهم. وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنةٍ عالية، وتقع صحيفة الكافر في يده في سمومٍ وحميم، أي مكتوبٌ فيها ذلك، وهي صحفٌ غير صحف الأعمال. (كُشِطَتْ) كشفت وأزيلت، كما يكشط الإهاب عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء. وقرأ ابن مسعودٍ (قشطت) واعتقاب الكاف والقاف كثير. يقال: لبكت الثريد ولبقته، والكافور والقافور. (سُعِّرَتْ) أو قدت إيقادًا شديدًا، وقرئ: (سعرت) بالتشديد للمبالغة
_________________
(١) قوله: (يُحشر الناس عُراة)، الحديث من رواية الترمذي، عن ابن عباس، أن النبي؟ قال: "تحشرون حفاة عراة غُرلًا". فقالت امرأة: أيبصر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: "يا فلانة، لكل امرئٍ منهم يومئذٍ شأن يغنيه". وعن البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂، قلت: الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: "الأمر أشد من أن يُهمهم ذلك". قوله: (لبكت الثريد ولبقته)، الأساس: "لبق طعامه ولبقه، يلبقه، مثل: لبكه: إذا خلطه ولينه، ومنه: رجل لبق ولبيق: [لين] الأخلاق لطيف ظريف". قوله: (وقُرئ ﴿سُعِّرَتْ﴾ بالتشديد)، نافع وحفص وابن ذكوان، والباقون: بالتخفيف.
[ ١٦ / ٣١١ ]
قيل: سعرها غضب الله تعالى وخطايا بني آدم، (أُزْلِفَتْ) أدنيت من المتقين، كقوله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) [ق: ٣١]، قيل: هذه اثنتا عشرة خصلة؛ ست منها في الدنيا، وست في الآخرة.
و(عَلِمَتْ) هو عامل النصب في (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) وفيما عطف عليه. فإن قلت: كل نفسٍ تعلم ما أحضرت، كقوله: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا) [آل عمران: ٣٠]
_________________
(١) قوله: (ست منها في الدنيا)، وهي من قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾، (وست في الآخرة)، وهي من قوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾. قوله: (و﴿عَلِمَتْ﴾ هو عامل النصب في ﴿إِذَا الشَّمْسُ﴾)، قال الزجاج: "التقدير: إذا كانت هذه الأشياء، علمت كل نفس ما أحضرت من خير أو شر تُجزى به". وقال صاحب "الكشف": "هذه اثنتا عشرة خصالًا: من قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ﴾، كلها مضافة إلى الجمل، لم يتم بها الكلام، وإنما إتمامه بما عمل فيها من قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾، فهي جملة من فعل وفاعل، ثم ابتدأ فأقسم، فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾، وتمامه آخر السورة؛ لأن قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ جواب القسم". قوله: (كقوله: ﴿مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠])، الراغب: "الحضر: خلاف البدو، والحضارة والحضارة: السكون بالحضر، كالبداوة والبداوة، ثم جُعل ذلك [اسمًا] لشهادة مكان أو إنسان أو غيره. ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، نحو: جاء أحدكم الموت، ﴿وَأَعُوذُ بِكَ
[ ١٦ / ٣١٢ ]
لا نفسٌ واحدةٌ، فما معنى قوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ)؟
قلت: هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه
_________________
(١) رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨]، فذلك من باب الكناية، أي: أن يحضرني الجن، وكني عن المجنون بالمحتضر وعمن حضره الموت بذلك". قوله: ﴿مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾، أي: مُشاهدًا مُعاينًا عنده. قوله: (لا نفس واحدة)، يعني: نفس في قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق الإثبات، فلا يُفيد العموم والمقام يقتضيه. وأجاب الإمام بجوابين، أحدهما: ما ذكره المصنف ثم قال: "وهذا كمن يسأل عالمًا عن مسألة ظاهرية ويقول له: هل عندك شيء فيها؟ فيقول ربما حضر شيء، وغرضه الإشارة إلى أن ما عنده في تلك المسألة، ما لا يقوم به غيره، وثانيهما: لعل الكفار كانوا يُتعبون أنفسهم في الدنيا فيما يعتقدونه طاعات، ثم بدا لهم يوم القيامة خلاف ذلك". وقلت: والتنوين في ﴿نَفْسٌ﴾ إذن: للنوع، أي: علمت نفس كافرة أن ما حسبته طاعة كان وبالًا عليها، ويؤيده قوله: ﴿وَإِذَاالْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾. وأما الواحدي ومحيي السنة فقد قالا: "علمت كل نفس ما أحضرت من خير أو شر"، وقال القاضي: "نفس في معنى العموم، كقولهم: تمرة خير من جرادة". قوله: (يقصدون به الإفراط فيما يُعكس عنه)، أي: يقصدون الإفراط في الشيء الذي يجعل الكلام معكوسًا عنه، مثاله: ﴿نَفْسٌ﴾ فيما نحن بصدده، فإنها تُفيد القلَّة وضعت موضع الكثرة تعكيسًا، لإرادة الإفراط في الكثرة.
[ ١٦ / ٣١٣ ]
ومنه قوله ﷿: (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) [الحجر: ٢] ومعناه: معنى كم، وأبلغ منه وقول القائل:
قد أترك القرن مصفرّا أنامله
وتقول لبعض قوّاد العساكر: كم عندك من الفرسان؟ فيقول: رب فارسٍ عندي. أولا تعدم عندي فارسًا، وعنده المقانب: وقصده بذلك التمادي في تكثير فرسانه. ولكنه أراد إظهار براءته من التزيد، وأنه ممن يقلل كثير ما عنده، فضلًا أن يتزيد، فجاء بلفظ التقليل، ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين
_________________
(١) قوله: (قد أترك القرن مُصفرًا أنامله)، تمامه: كأن أثوابه مُجَّت بفرصاد القرن: مثلك في الشجاعة. مُصفرًا أنامله: كناية عن القتل. ومجَّ الماء من فيه: رمى به، الفرصاد: التوت. يقول: أترك قرني في المعركة مقتولًا مُلطخ الثوب بالدم. أراد بالتقليل في قوله: "قد أترك القِرن"، التكثير لمقام المدح. قوله: (المقانب)، الجوهري: "المقنب: ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل". قوله: (ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين)، وذلك أن العكس في الكلام إنما يُصار إليه للمبالغة، والمتكلم إنما يتمكن منه إذا لم يُنازع فيما عكس فيه، وأنه كالمجمع عليه بقرائن الأحوال، ولذلك قال: وتقول لبعض قُواد العساكر، وعليه قوله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢].
[ ١٦ / ٣١٤ ]
وعن ابن مسعود ﵁، أنّ قارئًا قرأها عنده، فلما بلغ (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) قال: وانقطاع ظهرياه!
[(فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ) ١٥ - ١٨].
(بِالْخُنَّسِ) الرواجع، بينا ترى النجم في آخر البرج إذ كرّ راجعًا إلى أوله، و(الْجَوارِ) السيارة. و(الْكُنَّسِ) الغيب، من كنس الوحشي: إذا دخل كناسه. قيل: هي الدراري الخمسة: بهرام، وزحل، وعطارد، والزهرة، والمشترى، تجرى مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس؛ فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوء الشمس. وقيل: هي جميع الكواكب، تخنس بالنهار فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل: أي تطلع في أماكنها، كالوحش في كنسها، عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر. قال العجاج:
حتّى إذا الصّبح لها تنفّسا … وانجاب عنها ليلها وعسعسا
وقيل: (عسعس): إذا أقبل ظلامه.
_________________
(١) قوله: (وعطارد والزُّهرة)، عن بعضهم: صح الزُّهَرة، بفتح الهاء. قوله: (حتى إذا الصُّبح لها تنفَّسا) البيت، الضمير في "عنها" و"لها" و"ليلها": للمفازة. وانجاب: انكشف، وانجابت السحابة: انكشفت. قوله: (وقيل: ﴿عَسْعَسَ﴾: إذا أقبل ظلامه)، قال الواحدي: " ﴿عَسْعَسَ﴾: أدبر وذهب، وقال الحسن: أقبل بظلامه، وهو من الأضداد. ويدل على أن المراد هاهنا أدبر قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، أي: امتد ضوؤه حتى يصير نهارًا"، ولمن يقول بالأول أن يقول: إن التقابل لا يحصل إلا إذا فُسر بأقبل. وعن بعضهم: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ أي: أقبل وأدبر، وذلك في مبدأ الليل ومنتهاه، فالعسعسة والعساس: رقة الظلام، وذلك في طرفي الليل، والعَس والعسس: نفض الليل من أهل الريبة، فجعل ذلك نفسًا له على المجاز بأدنى ملابسة. وقال الإمام: "ويجوز
[ ١٦ / ٣١٥ ]
فإن قلت: ما معنى تنفس الصبح؟
قلت: إذا أقبل الصبح: أقبل بإقباله روحٌ ونسيم، فجعل ذلك نفسًا له على المجاز وقيل: تنفس الصبح.
[(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) ١٩ - ٢١].
(إِنَّهُ) الضمير للقرآن، (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) هو جبريل صلوات الله عليه، (ذِي قُوَّةٍ) كقوله تعالى: (شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ) [النجم: ٥ - ٦]؛ لما كانت حال المكانة على حسب حال الممكن، قال: (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ) ليدل على عظم منزلته ومكانته (ثَمَّ) إشارةٌ إلى الظرف المذكور، أعنى: عند ذي العرش، على أنه عند الله مطاعٌ في ملائكته المقرّبين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه. وقرئ: (ثم) تعظيمًا للأمانة، وبيانًا لأنها أفضل صفاته المعدودة.
_________________
(١) أن يشبه النهار الذي غشيه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي يخنس، وإذا تنفس يجد راحة، فالصبح لما تخلص من الظلام، كأنه تخلص من كربه، وهو استعارة لطيفة". قوله: (لما كانت حال المكانة على حسب حال الممكن)، يعني: وصف جبريل بقوله: ﴿مَكِينٍ﴾، وخص من أوصاف الله ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾، ليدل على عظم منزلة جبريل عند الله ومكانته؛ لأن حال الشخص يتفاوت بتفاوت حال من له عنده المنزلة، فمرتبة من يُلازم السلطان عند سرير الملك، مُباين لمرتبة من يلازمه عند الوضوء. قال القاضي: "معنى قوله: ﴿عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾: عند الله ذي مكانة". قال الإمام: معنى: ﴿مَكِينٍ﴾: ذي الجاه الذي يُعطى ما سأل، يقال: مُكن فلان، بالضم، عند فلان، مكانة. قوله: (بيانًا لأنها أفضل صفاته)؛ لن ثم للتراخي في المرتبة هاهنا.
[ ١٦ / ٣١٦ ]
[(وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) ٢٢].
(وَما صاحِبُكُمْ) يعنى: محمدًا ﷺ (بِمَجْنُونٍ) كما تبهته الكفرة، وناهيك بهذا دليلًا على جلالة مكان جبريل ﵇ وفضله على الملائكة، ومباينة منزلته أفضل الإنس محمد ﷺ، إذا وازنت بين الذكرين حين قرن بينهما، وقايست بين قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ)، وبين قوله: (وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ).
_________________
(١) قوله: (وناهيك بهذا دليلًا على جلالة مكان جبريل … ومُباينة منزلة لمنزلة أفضل الإنس)، الانتصاف: "ما يرضى له جبريل هذا التفسير المقتضي لتنقيص البشير النذير، السراج المنير، وقد قيل: الرسول الكريم محمد صلوات الله عليه، ولو كان جبريل، وقيل بتفضيل الملائكة مثلًا، لما جاز أيضًا؛ لأنهم اتفقوا على أنه لا يجوز تنقيص أحد منهم بتعيين من يفضل عليه بعينه، وفي معناه: "لا تُفضلوني على يونس بن متى"، فلو قلت: زيد أفضل أهل عصره لما شق [على أحد، بخلاف] ما إذا قلت: هو أفضل منك أيها المخاطب. وهذه الصفات إذا سُلمت لجبريل في حق نبينا في آخر الحاقة: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الآية: ٤٠] ". وإن قيل: هو جبريل: رد بقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١]. والزمخشري وافق هناك. وقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾، لا نزاع أن جبريل أقوى، وقوله: ﴿مُّطَاعٍ﴾، فطاعة الملائكة لنبينا ظاهرة، فقال له ملك الجبال: إن الله أمرني أن أُطيعك، فإن أمرتني أن أُطبق عليهم الأخشبين فعلت. وله الشفاعة: العامة والخاصة. وأما أنه أمين فقوله صلوات الله عليه: "إني أمين في السماء أمين في الأرض".
[ ١٦ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقال الإمام ما معناه: "كما أنه ﷾ أجرى على جبريل هذه الصفات هاهنا، أجرى على نبينا صلوات الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]، فإفراد أحد الشخصين بالذكر وإجراء صفاته عليه، لا يدل على انتفاء تلك الصفات عن الآخر". وقال القاضي: "استدلاله ضعيف، إذ المقصود من ذلك رد قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨]، لا تعداد فضلهما والموازنة بينهما". وقلت: سيقت الآيات لبيان شأن الكتاب، حيث جعل ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ مقسمًا عليه بالأقسام السابقة فذُكر محمد صلوات الله عليه، وجبريل ﵇ تابع لذكره، ونحوه قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٣]؛ لأنهم كانوا يقولون تارة: إنه مجنون، وأخرى: إنه كاهن، وشاعر، فرد الله عليهم بهذه الآيات، يعني: أنه صلوات الله عليه يتلقى هذا القرآن من لدُن حكيم عليم، بواسطة ملك مقرب، ومن صفاته أنه كيت وكيت، لا من جني متمرد رجيم كما يفترونه، ولذا فالموازنة إذن بين الجني والملك، لا بين محمد صلوات الله عليه والملك. وأما تسميته مجنونًا في قوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾، فعلى المشاكلة وإطباق الجواب على ما سُمع منهم، ويؤيده قول الزجاج: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾ جواب القسم، أي: أقسم بهذه الأشياء أن القرآن نزل به جبريل وأن صاحبكم ليس بمجنون؛ لأنهم قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]. تم كلامه.
[ ١٦ / ٣١٨ ]
[(وَلَقَدْ رءاهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) ٢٣ - ٢٥].
(وَلَقَدْ رَأَىهُ) ولقد رأى رسول الله ﷺ جبريل، (بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) بمطلع الشمس الأعلى، (وَما هُوَ) وما محمد على ما يخبر به من الغيب، من رؤية جبريل والوحي إليه وغير ذلك، (بِظَنِين) بمتهمٍ من الظنة وهي التهمة. وقرئ: (بضنينٍ)، من الضنّ وهو البخل أي: لا يبخل بالوحي فيزوى بعضه غير مبلغه؛ أو يسأل تعليمه فلا يعلمه؛ وهو في مصحف عبد الله بالظاء، وفي مصحف أبىّ بالضاد، وكان رسول الله ﷺ يقرأ بهما.
وإتقان الفصل بين الضاد والظاء واجب، ومعرفة مخرجيهما مما لا بد منه للقارئ؛ فإنّ أكثر العجم لا يفرّقون بين الحرفين، وإن فرقوا ففرقًا غير صواب، وبينهما بونٌ بعيد؛ فإن مخرج الضاد من أصل حافة اللسان،
_________________
(١) ثم إنك إن أمعنت النظر، وقفت على أن في إجراء تلك الصفات على جبريل في هذا المقام إدماجًا لتعظيم الرسول؟، وأنه بلغ من المكانة وعلو المنزلة عند ذي العرش، بأن جعل السفير بينه وبينه، مثل هذا الملك المُقرب المُطاع الأمين، فالقول في هذه الصفات بالنسبة إلى رسول الله؟ رفعة منزلته، كالقول في قوله: ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾ بالنسبة إلى رفعة منزلة جبريل كما سبق والله أعلم. قوله: (هو في مصحف عبد الله بالظاء)، ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: بالظاء، والباقون: بالضاد.
[ ١٦ / ٣١٩ ]
وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره، وكان عمر بن الخطاب ﵁ أضبط، يعمل بكلتا يديه، وكان يخرج الضاد من جانبي لسانه، وهي أحد الأحرف الشجرية أخت الجيم والشين. وأما الظاء فمخرجها من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا، وهي أحد الأحرف الذولقية أخت الذال والثاء. ولو استوى الحرفان لما ثبتت في هذه الكلمة قراءتان اثنتان، واختلافٌ بين جبلين من جبال العلم والقراءة، ولما اختلف المعنى والاشتقاق والتركيب.
فإن قلت: فإن وضع المصلى أحد الحرفين مكان صاحبه؟
قلت: هو كواضع الذال مكان الجيم،
_________________
(١) ـ قوله: (أحد الأحرف الشجرية)، الجوهري: الشجر: ما بين اللحيين، وذلق اللسان: طرفه. وقال الخليل: إن الذلاقة في المنطق إنما هي بطرف أسلة اللسان، وهي مُستدقه. قوله: (واختلاف بين جبلين من جبال العلم والقراءة)، يعني: عبد الله بن مسعود وأُبي ابن كعب. تشبيههما بجبلين، إشارة إلى رسوخهما في العلم، قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]. قوله: (والاشتقاق والتركيب)، التركيب من حيث إن الظنين: فعيل بمعنى مفعول، والضنين: اسم فاعل. نسبتهما بجبلين، إشارة إلى رسوخهما في العلم، قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]. قوله: (هو كواضع الذال مكان الجيم)، كنى بهذا بطلان صلاة من بدل الظاء بالضاد، وهو الظاهر من مذهب الشافعي، وجاء في كتاب "الروضة" جواز الإبدال، وقال الإمام: "والمختار الجواز لعُسر التمييز وشدة الاشتباه؛ لأنهما من المجهورة ومن الرِّخوة ومن
[ ١٦ / ٣٢٠ ]
والثاء مكان الشين، لأن التفاوت بين الضاد والظاء كالتفاوت بين أخواتهما. (وَما هُوَ) وما القرآن، (بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) أي: بقول بعض المسترقة للسمع، وبوحيهم إلى أوليائهم من الكهنة.
[(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ * لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَما تَشاءوُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) ٢٦ - ٢٩].
(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) استضلالٌ لهم كما يقال لتارك الجادّة اعتسافًا أو ذهابًا في بنيات الطريق: أين تذهب؟ مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ) بدلٌ من (للعالمين)،
_________________
(١) المطبقة، ولأن النطق بالضاد مخصوص بالعرب، لما روى: "أنا أفصح من نطق بالضاد"، فلو اعتبر الفرق بينهما لوقع السؤال عنه في زمن الرسول؟ وزمن الصحابة، لا سيما عند دخول العجم في الإسلام، ولو وقع لثقل، فلما لم ينقل علم أن التمييز ليس في محل التكليف". قوله: (كالتفاوت بين أخواتهما)، قال: ذكرت العرب ثلاث لغات في حُظظ بظاءين، وحُضض بضادين، وحُضظ بضاد بعدها ظاء، فلو اتحد الحرفان لما كان لروايتهم فيها ثلاث لغات معنى، وينادى عليه: الخَولان الخَولان؛ لأنه يجلب من بلاد خَولان، وهو دواء للعين تُطلى به الأجفان ولا يُدخل في العين. قوله: (في بنيات الطريق)، الجوهري: "هي الطرق الصغار تتشعب من الجادة".
[ ١٦ / ٣٢١ ]
وإنما أبدلوا منهم لأنّ الذين شاءوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم وإن كانوا موعظين جميعًا (وَما تَشاءوُنَ) الاستقامة يا من يشاؤها إلا بتوفيق الله ولطفه. أو: وما تشاؤونها أنتم يا من لا يشاؤها إلا بقسر الله وإلجائه.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة "إذا الشمس كورت" أعاذه الله أن يفضحه حين تنشر صحيفته».
_________________
(١) قوله: (أو: وما تشاءونها أنتم)، وإنما غير العبارة، بأن زاد في الثاني كلمة النفي في (من لا يشاؤها)، ولفظة ﴿أَنتُمْ﴾؛ لأن الخطاب في قوله تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ﴾ إما عام وعليه الوجه الأول، وإما خاص والمخاطبون هم المار ذكرهم في قوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾، وعليه الوجه الثاني، ولذلك سجل على عنادهم بقوله: "يا من لا يشاؤها إلا بقسر الله وإلجائه". قال الإمام: "إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله؛ لأن مشيئة العبد مُحدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، فأفعال العباد في طرفي ثبوتها وانتفائها موقوفة على مشيئة الله، وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القسر والإلجاء ضعيف؛ لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يُحدثها والله أعلم". تمت السورة بعون الله وحسن توفيقه وصلى الله على محمد * … * … *
[ ١٦ / ٣٢٢ ]