مكية، وهي ثماني آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ)] ١ - ٨ [
أقسم بهما لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار المثمرة، وروى: أنه أهدى لرسول الله ﷺ طبٌق من تيٍن فأكل منه وقال لأصحابه: «كلوا، فلو قلت إنّ فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه؛ لأنّ فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها.
_________________
(١) سورة التين مكية، وهي ثماني آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (بلا عجم)، يروى بسكون الجيم وبفتحها. وفي "ديوان الأدب": "العجم بالتحريك: النوى"، وليس في عجم بهذا المعنى. الجوهري: "العامة تقول: عجم، بالتسكين".
[ ١٦ / ٥٠٤ ]
فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس». ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبًا واستاك به وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة». وسمعته يقول: «هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي». وعن ابن عباٍس ﵁: هو تينكم هذا وزيتونكم. وقيل: جبلان من الأرض المقدّسة يقال لهما بالسريانية: طور تينا وطور زيتا؛ لأنهما منبتا التين والزيتون. وقيل: (والتين) جبال ما بين حلوان وهمذان. و(الزيتون) جبال الشام، لأنها منابتهما، كأنه قيل: ومنابت التين والزيتون. وأضيف الطور وهو الجبل، إلى سينين: وهي البقعة. ونحو سينون: يبرون، في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب. والبلد: مكة حماها الله.
والأمين: من أمن الرجل أمانة فهو أمين. وقيل: أمان، كما قيل: كرام في كريم. وأمانته: أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ويجوز أن يكون فعيلًا بمعنى مفعول، من أمنه لأنه مأمون الغوائل، كما وصف بالأمن في قوله تعالى: (حَرَمًا آمِنًا)] القصص: ٥٧ [بمعنى ذي أمن: ومعنى القسم بهذه الأشياء: الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والصالحين
_________________
(١) قوله: (فإنها تقطع البواسير)، قال القاضي: "التين فاكهة طيبة لا فضل له، وعند الغداء لطيف سريع الهضم، ودواء كثير النفع، فإنه يلين الطبع، ويحل البلغم، ويُطهر الكُليتين، ويُزيل رمل المثانة، ويفتح سدة الكبد والطحال، ويُسمن البدن. والزيتون فاكهة وإدام ودواء، وله دُهن لطيف كثير المنافع مع لذته، لكنه قد ينبت حيث لا دهنية فيه كالجبال". قوله: (ويذهب بالحفرة)، يقال: حُفرت أسنانه حفرًا إذا فسد أسناخها، أي: أصولها، ويقال أيضًا: حفرت حفرًا، والحفرة للمرة. قوله: (فهو أمين، وقيل: أمان)، أي: قالوا: في موضع أمين.
[ ١٦ / ٥٠٥ ]
فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ومولد عيسى ومنشؤه، والطور: المكان الذي نودي منه موسى، ومكة: مكان البيت الذي هو هدًى للعالمين، ومولد رسول الله ﷺ ومبعثه. (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه. ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية، أن رددناه أسفل من سفل خلقًا وتركيبًا، يعنى: أقبح من قبح صورةً وأشوهه خلقة، وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من أهل الدركات. أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل: حيث نكسناه في خلقه، فقوّس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتشنن جلده وكان بضًا، وكلّ سمعه وبصره وكانا حديدين، وتغير كل شيء منه؛ فمشيه دليف، وصوته خفات، وقوته ضعف، وشهامته خرف. وقرأ عبد الله: (أسفل السافلين).
فإن قلت: فكيف الاستثناء على المذهبين؟
_________________
(١) قوله: (تشنن)، الأساس: "تشنن جلده من الهرم، أي: تشنج ويبس. ويقال: شيخ كالشن البالي". قوله: (بضًّا)، بالباء الموحدة من تحت والضاد المعجمة. الأساس: "قال الأصمعي: أبيض بض. وهو الشديد البياض. وقال المبرد: هو الرقيق البشرة الذي يؤثر فيه كل شيء. وامرأة غَضة بَضة". قوله: (فمشيه دليف)، الدليف: المشي الرُّويد. الأساس: "دلف الشيخ والمقيد دليفًا ودلوفًا، وهو فوق الدبيب". قوله: (خَرَف)، الخرف بالتحريك: فساد العقل. قوله: (فكيف الاستثناء على المذهبين)، عن بعضهم: أراد الحجازية والتميمية وليس بذلك، بل على الوجهين المذكورين كما ينبئ عنه الجواب ودخول الفاء في السؤال.
[ ١٦ / ٥٠٦ ]
قلت: هو على الأول متصل ظاهر الاتصال، وعلى الثاني: منقطع. يعنى: ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمي فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعتهم وصبرهم على ابتلاء الله بالشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة على تخاذل نهوضهم.
فإن قلت: (فَما يُكَذِّبُكَ) من المخاطب به؟
قلت: هو خطاب للإنسان على طريقة الالتفات، أي: فما يجعلك كاذبًا بسبب الدين وإنكاره بعد هذا الدليل، يعنى أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء، لأنّ كل مكذب بالحق فهو كاذب، فأي شيٍء يضطرك إلى أن تكون كاذبًا بسبب تكذيب الجزاء. والباء مثلها في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ)] النحل: ١٠٠ [، والمعنى: أنّ خلق الإنسان من نطفة، وتقويمه بشرًا سويًا وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر، لا ترى دليلًا أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر من الإنسان على هذا كله،
_________________
(١) قوله: (هو على الأول متصل)، أي على أن يراد بالرد إلى أسفل سافلين، الرد إلى أسفل من سفل خلقًا وتركيبًا، وهم أصحاب النار، أو أسفل من سفل من أهل الدركات. قال الواحدي عن مجاهد: "ثم رددناه إلى النار، والنار أسفل سافلين، لأنه جهنم بعضها أسفل من بعض، ثم استثنى ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: إلا هؤلاء، فإنهم لا يُردون إلى النار". قوله: (وعلى الثاني منقطع)، أي على أن يُراد بـ "أسفل سافلين"، الرد إلى أسفل من سفل في حُسن الصورة والشكل، ولذلك قال: "لكن الذين كانوا صالحين من الهرمى، فلهم ثواب دائم". قوله: (﴿وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠])، أي: بسبب الشيطان يشركون بالله. والباء في ﴿بِهِي﴾ ليست بصلة ﴿مُشْرِكُونَ﴾، بل صلته محذوفة.
[ ١٦ / ٥٠٧ ]
لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك أيها الإنسان بالجزاء بعد هذا الدليل القاطع. وقيل: الخطاب لرسول الله ﷺ (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هم أهله. وعن النبي ﷺ: أنه كان إذا قرأها قال: (بلى وأنا على ذلك من الشاهدين).
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة "التين"، أعطاه الله خصلتين: العافية واليقين ما دام في دار الدنيا، وإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة».
_________________
(١) قوله: (وقيل: الخطاب لرسول الله؟)، عطف على قوله: "هو خطاب للإنسان"، وعلى هذا لا يكون في الكلام التفات، وتكون "ما" بمعنى "من"، أي: فمن يكذبك أيها الرسول الصادق المصدق، بما جئت به من الدين الحق، أو بسبب الدين بعد ظهور هذه الدلائل الدالة على نبوتك؟ أليس الله بأحكم الحاكمين؟ يحكم بينك وبين أهل التكذيب. وإذا قيل: إن الخطاب للإنسان، ينبغي أن يذهب إلى الالتفات، لما سبق من قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ويجعل الباء للتسبيب، لأن الإنسان هو المكذب، والمعنى: أيها الإنسان، ما الذي يلجئك إلى أن تكون كاذبًا بسبب تكذيب الجزاء. وفي الكلام تعجب وتعجيب؛ وذلك أنه تعالى لما قرر أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم رده إلى أرذل العُمر، دل على كمال قدرته على الإنشاء والإعادة، فسأل بعد ذلك عن سبب تكذيب الإنسان بالجزاء، لأن ما يتعجب منه يُخفي سببه، وهذا كما ترى ظاهر جلي، وإليه الإشارة بقوله: "فما سبب تكذيبك أيها الإنسان بالجزاء، بعد هذا الدليل القاطع؟ "، وعلى هذا قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هو أهله. قوله: (قال: "بلى وأنا على ذلك من الشاهدين")، الحديث من رواية الترمذي وأبي داود، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله؟: "من قرأ منكم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، فانتهى إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين". تمت السورة * … * … *
[ ١٦ / ٥٠٨ ]