مكية، وهي سبع وثلاثون آية، وقيل: ست
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ١ - ٦]
﴿حم﴾ إن جعلتها اسمًا مبتدأ مخبرًا عنه بـ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾، لم يكن بدّ من حذف مضاف، تقديره: تنزيل حم تنزيل الكتاب، و﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديدًا للحروف، كان ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ مبتدأ، والظرف خبرًا.
_________________
(١) ـ سورة الجاثية مكية، وهي سبع وثلاثون آية، وقيل: ست وثلاثون بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (تنزيل حم تنزيل الكتاب): يعني: تنزيل هذه السورة كتنزيل سائر القرآن، فيكون في قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ دلالة على وجه الشبه، فكونه من الله دل على أنه حق وصدق وصواب، وكونه من العزيز دل على أنه معجز يغلب ولا يغلب، وكونه من الحكيم دل على أنه مشتمل على الحكم البالغة، وعلى أنه محكم في نفسه، ينسخ ولا ينسخ. ؟
[ ١٤ / ٢٣١ ]
﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يجوز أن يكون على ظاهره، وأن يكون المعنى: إنّ في خلق السماوات والأرض؛ لقوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾. فإن قلت: علام عطف ﴿وَما يَبُثُّ﴾، أعلى الخلق المضاف، أم على الضمير المضاف إليه؟ قلت: بل على المضاف، لأنّ المضاف إليه ضمير متصل مجرور يقبح العطف عليه، استقبحوا أن يقال: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو، وكذلك إن أكدوه كرهوا أن يقولوا: مررت بك أنت وزيد.
_________________
(١) ـ قوله: (يجوز أن يكون على ظاهره): أي: لا يقدر مضاف، قال الإمام: "وذلك أنه حصل في ذوات السماوات والأرض أحوال دالة على وجود الله تعالى، مثل مقاديرها وكيفياتها وحركتها، وأيضًا الشمس والقمر والنجوم والجبال موجودة فيهما، وهي آيات". وقلت: يجوز -على هذا- أن يكون قوله ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ إلى آخر الآيتين من عطف الخاص على العام، لأن المذكور بعض ما في السماوات والأرض. قوله: (وأن يكون المعنى: أن في خلق السماوات والأرض): روى الواحدي عن الزجاج هذا القول. قوله: (ضمير متصل مجرور يقبح العطف عليه): يعني: العطف على المضمر المجرور قبيح، كان مجرورًا بحرف الجر أو بالإضافة، لا فرق بين أن يؤكد أم لا، قال في "النساء": "الضمير المتصل كاسمه، والجار والمجرور كشيء واحد، فلما اشتد الاتصال لتكرره أشبه العطف على بعض الكلمة، فوجب تكرير العامل، كقولك: مررت به وبزيد، وهذا غلامه وغلام زيد". ؟
[ ١٤ / ٢٣٢ ]
قرئ: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالنصب والرفع، على قولك: إنّ زيدًا في الدار وعمرًا في السوق، أو عمرو في السوق.
وأمّا قوله: ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فمن العطف على عاملين، سواء نصبت أو رفعت؛ فالعاملان إذا نصبت هما: "إن"، و"في"، أقيمت الواو مقامهما، فعملت الجر في ﴿اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾، والنصب في ﴿آياتٍ﴾، وإذا رفعت فالعاملان: الابتداء و"في"، عملت الرفع في ﴿آياتٌ﴾، والجر في ﴿وَاخْتِلافِ﴾. وقرأ ابن مسعود: "وفي اختلاف الليل والنهار".
_________________
(١) ـ عن بعضهم: لأن اتصال الضمير له اتحاد لفظًا، والجار مع المجرور متحد معنىً، فلما كان فيه اتحاد من وجهين، يصير في التقدير كأنه عطف على الحرف الجار، والعطف على الحرف لا يجوز، وكأنه عطف على بعض الكلمة، وذلك لا يجوز، لأنه ليس للمجرور ضمير منفصل. وذكر ابن الحاجب في" شرح المفصل" في باب الوقف منه: "أن بعض النحويين يجوزونه في المجرور بالإضافة دون المجرور بحرف الجر، لأن اتصال المجرور بالمضاف ليس كاتصاله بالجار، لاستقلال كل واحد منهما، فلم يشتد اتصاله فيه اشتداده مع الحرف، ولذلك زعم بعض النحويين أن قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] معطوف على الكاف والميم في قوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] " ولذا جوزه المصنف. قوله: (قرئ: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالنصب والرفع): بالنصب: حمزة والكسائي، والباقون: بالرفع. قوله: (وأما قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فمن العطف على عاملين): يعني: لم يكن قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ من العطف على عاملين لتكرير"في" في قوله: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾، ولكن ؟
[ ١٤ / ٢٣٣ ]
فإن قلت: العطف على عاملين على مذهب الأخفش سديد لا مقام فيه، وقد أباه سيبويه، فما وجه تخريج الآية عنده؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون على إضمار "في"، والذي حسنه تقدّم ذكره في الآيتين قبلها، ويعضده قراءة ابن مسعود. والثاني: أن ينتصب "آيات" على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفًا على ما قبله أو على التكرير،
_________________
(١) ـ في قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لابد من العطف على عاملين، قال ابن الحاجب: "اختلف الناس في مسألة العطف على عاملين: فمنهم من يمنعه، وهم أكثر البصريين، ومنهم من يجوزه، وهم أكثر الكوفيين، ومنهم من يفصل فيقول: أما مثل قولك: "في الدار زيد والحجرة عمرو" فجائز، وأما مثل قولك: " زيد في الدار وعمرو الحجرة" فلا يجوز؛ لأن إحدى المسألتين: المجرور فيها يلي العاطف، فقام العاطف فيها مقام الجار، والأخرى: ليس المجرور فيها يلي العاطف، فكان فيها إضمار الجار من غير عوض. وأما من يمنع العطف على عاملين فيقول في الآيات: إن ﴿آيَاتٌ﴾ فيها تأكيد لـ ﴿آيَاتٌ﴾ الأولى، ولو كانت موضع "الآيات" الأخيرة لفظة أخرى لم يجز". قوله: (بعد انقضاء المجرور): وهو قوله: "اختلاف" و"ما أنزل" و"تصريف الرياح". قوله: (أو على التكرير): قال أبو البقاء: "كرر (آيات) للتوكيد؛ لأنها من لفظ (آيات) الأولى، وإعرابها كإعرابها، كقولك: أن بثوبك دمًا وبثوب زيد دمًا، فـ "دم" الثاني مكرر؛ لأنك مستغن عن ذكره". قال مكي: "و(آيات) نصب على التكرير لما طال الكلام، كما تقول: ما زيد قائمًا ولا جالسًا زيد، فتنصب "جالسًا" على أن زيدًا الآخر هو الأول، جيء به مؤكدًا، ولو كان غير الأول لم يجز نصب "جالسًا"؛ لأن خبر "ما" لا يتقدم على اسمها، بخلاف (ليس) ". ؟
[ ١٤ / ٢٣٤ ]
ورفعها بإضمار "هي".
وقرئ: "واختلاف الليل والنهار" بالرفع، وقرئ: "آية"، وكذلك: "وما يبث من دابة آية". وقرئ: "وتصريف الريح"، والمعنى: إنّ المنصفين من العباد إذا نظروا في السماوات والأرض النظر الصحيح: علموا أنها مصنوعة، وأنه لا بدّ لها من صانع، فآمنوا بالله وأقرّوا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال، وهيئة إلى هيئة، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان: ازدادوا إيمانًا وأيقنوا، وانتفى عنهم اللبس، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدّد في كل وقت -كاختلاف الليل والنهار، ونزول الأمطار، وحياة الأرض بها بعد موتها، وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ جنوبًا وشمالًا، وقبولًا ودبورًا-: عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم.
وسمي المطر رزقًا، لأنه سبب الرزق.
_________________
(١) ـ قوله: (ورفعها): عطف على قوله: "أن ينتصب"، فكان انتصابها على الاختصاص، ورفعها بإضمار "هي"، وهو أيضًا مدح، قال أبو البقاء: "ويقرأ بالرفع على التوكيد أيضًا". وقوله: (والمعنى: أن المنصفين): أراد به المعنى البياني، يعني بالبيان: ترتيب ما قدمت وما وسطت وما أخرت. قوله: (إذا نظروا في السماوات): أعلم أنه جعل نتيجة النظر في السماوات والأرض: الإيمان، ونتيجة النظر في الأنفس وأحوالها: الازدياد في الإيمان، ونتيجة النظر في سائر الحوادث: الإخلاص في اليقين الذي هو الزيادة في الإيمان، هذه طريقة السلوك والترقي. وقال الراغب في "درة التنزيل": "ما تقدم من الآيات يدل على قادر لا يشبهه قادر، فمن وفى النظر في ذلك أداه إلى الإيمان بالله تعالى، [فلذلك قال: ﴿لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾، فخصهم لانتفاعهم بها]، وإن كانت الآيات منصوبةً لهم ولغيرهم، فحين لم ينتفع الغير كأنها لم تكن ؟
[ ١٤ / ٢٣٥ ]
_________________
(١) لهم آيات، وأما قوله: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ الآية: فإن عجائب الله في خلق الحيوان من الأعضاء والخواص التي يدرك بها المدركات، وما في باطنه من جواذب المواد التي بها قوام الحياة، ثم الروح التي بها ثبات الأجساد، أكثر من أن تحصى وتعد، فإن عرضت شبهة الملحد بأن كون الولد من الوالدين ومن نطفهما يأخذ شبههما، فإنه يطرح ذلك، ويزاح بالآيات التي ليس إلى الوالد فعلها، ولا جارحة من جوارحه تحيط علمًا بتلفيقها، وحكمةً في تركيبها، فثبت أن يكون فاعلها من صنعها وزينها بالعقل الذي هو أكبر نعمة الله ﵎، فهذا الفكر ينتقل من ظن إلى علم، ومن شك إلى يقين، ولذلك لا يوصف الله تعالى، بأنه موقن، بل عالم. وخصت الآية الأخيرة بقوله: ﴿يَعْقِلُونَ﴾؛ لأنهم يعقلون من إحياء الأرض بالمطر حتى تكتسبي بالنبات والشجر أنه يحيي العظام وهي رميم، هذا موضع يقال فيه: عقل من كذا كذا، أي: استدركه بالعقل بعد أن لم يكن مستدركًا له، كما أن أصل الوصف بالعاقل موضوع لحالة ثابتة ومعرفة طارئة". وقال الإمام: "ذكر هنا ثلاثة مقاطع: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ و﴿يُوقِنُونَ﴾ و﴿يَعْقِلُونَ﴾، فكأنه قيل لهم: أن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين، بل أنتم من طلاب الجزم واليقين فافهموا تلك الدلائل، وإن كنتم لستم من هؤلاء ولا من هؤلاء فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة الدلائل". وقلت: وعلى هذا هو من باب التنزل، وبيان ذلك: أن الناس ثلاث طبقات: منهم من سلمت فطرته الأصلية من الشكوك، ومنهم من اجتالتهم شياطين الإنس والجن، وأبطلت استعداداتهم كالفلاسفة، ومنهم من بقي بين المنزلتين، ووقع في ورطة الشكوك والشبهات. ؟
[ ١٤ / ٢٣٦ ]
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الآيات المتقدّمة، أي: تلك الآيات ﴿آياتُ اللَّهِ﴾، و﴿نَتْلُوها﴾ في محل الحال، أي: متلوة ﴿عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾، والعامل ما دل عليه ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارة، ونحوه: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾. وقرئ: "يتلوها"، بالياء.
[﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ * مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ٧ - ١٠]
﴿بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ﴾ أي: بعد آيات الله، كقولهم: أعجبنى زيد وكرمه، يريدون: أعجبنى كرم زيد. ويجوز أن يراد: بعد حديث الله، وهو كتابه وقرآنه،
_________________
(١) ـ فالأولون: تكفيهم أدنى إشارة، قال: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا فهم المؤمنون، فقيل لهم: ﴿إنَّ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. والفرق الثاني: أن ساعدهم التوفيق لا يضطرهم إلى المعرفة إلا دليل الأنفس، قال حجة الإسلام: الطبيعيون أكثروا البحث عن عالم الطبيعة، وعن عجائب الحيوان، وأكثروا الخوض في تشريح أعضاء الحيوان، فرأوا فيها من عجائب صنع الله وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم مطلع على غايات الأمر ومقاصدها، فهؤلاء نودوا بقوله: ﴿وفِي خَلْقِكُمْ ومَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. والمترددون بين النفي والإثبات: لا يحتاجون إلى التعمق، ولا يكفيهم أيضًا أدنى تأمل، فنبهوا بقوله: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. والله أعلم بحقيقة كلامه. قوله: (ويجوز أن يراد: بعد حديث الله، وهو كتابه وقرآنه): كذا عن الواحدي، وفي ؟
[ ١٤ / ٢٣٧ ]
كقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]. وقرئ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بالياء والتاء.
_________________
(١) ـ "الأعراف" وفي آخر "المرسلات": ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥، والمرسلات: ٥٠]، وقال في تفسيره: " ﴿بَعْدَهُ﴾: بعد القرآن"، يعني: أن القرآن من بين الكتب المنزلة آية مبصرة ومعجزة باهرة، فحين لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون. ويعضد هذا التأويل عطف ﴿وآيَاتِهِ﴾ على ﴿اللهِ﴾، أي: بعد كتاب الله وآياته الباهرة وبراهينه الساطعة، وهو من عطف الخاص على العام، وكذا ترتب الفاء في ﴿فَبِأَيِّ﴾ على ما قبله. فعلى هذا: المناسب في الوجه الأول- وهو أن يراد بقوله: ﴿بَعْدَ اللَّهِ﴾: بعد آيات الله- أن يكون المشار إليه بقوله: ﴿تِلْكَ﴾: الآيات المتقدمة، وفي الوجه الثاني: الآيات التالية، على نحو: هذا أخوك. وهذا أجمع، لأنه يضم الدلائل المنصوبة من الآفاقية والأنفسية مع النصوص القاهرة، وحصل منه الترقي من الأدنى إلى الأعلى في البيان والكشف، وتبين أن بيانات النصوص هي التي تزيل من ألباب أرباب العقول الشكوك وتجلي الريب. ثم في الإبهام في اسم الإشارة، وتفسيره بـ ﴿آيَاتِ اللهِ﴾، وقرب المشار إليه، وهو موضوع للبعيد، وتخصيص اسم "الله" الجامع، وتكريره، وإيثار صيغة الجمع للتعظيم: خطب خطير وشأن جليل في الاستبعاد. قوله: (وقرئ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بالياء والتاء): بالتاء الفوقانية: ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي، والباقون: بالياء. ؟
[ ١٤ / ٢٣٨ ]
الأفاك: الكذاب، والأثيم: المتبالغ في اقتراف الآثام.
﴿يُصِرُّ﴾ يقبل على كفره ويقيم عليه، وأصله من إصرار الحمار على العانة، وهو أن ينحى عليها صارّ أذنيه، ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ عن الإيمان بالآيات والإذعان لما ينطق به من الحق، مزدريًا لها، معجبًا بما عنده. قيل: نزلت في النضر بن الحارث، وما كان يشترى من أحاديث الأعاجم، ويشغل الناس بها عن استماع القرآن. والآية عامّة في كل ما كان مضارًّا لدين الله.
فإن قلت: ما معنى "ثم" في قوله: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا﴾؟
_________________
(١) ـ قوله: (العانة): الجوهري: "العانة: القطيع من حمر الوحش، والجمع: عون". قوله: (أن ينحى عليها): الأساس: "انتحاه: قصده، وانتحى لقرنه: عرض له، ومن المجاز: وأنحى عليه باللوائم؛ إذا أقبل عليه". قوله: (صار أذنيه): الجوهري: "صر إلى وجهك، أي: أقبل علي"، قال: تقول: صر الحمار أذنيه، وتقول: أصر الحمار، ولا تقول: أذنيه، ومعنى: أصر الحمار، أي: صر أذنيه. وقال مكي: " ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ حال من المرفوع في ﴿يُصِرُّ﴾، وكذلك قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾، فهما حالان من ذلك الضمير، أو الثاني من الضمير في ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾، أي: ثم يصر على الكفر بآيات الله في حال تكبره، وحال تصامه". ؟
[ ١٤ / ٢٣٩ ]
قلت: كمعناه في قول القائل:
يرى غمرات الموت ثمّ يزورها
وذلك أنّ غمرات الموت حقيقة، بأن ينجو رائيها بنفسه، ويطلب الفرار عنها، وأمّا زيارتها والإقدام على مزاولتها، فأمر مستبعد، فمعنى "ثم": الإيذان بأن فعل المقدّم عليها بعد ما رآها وعاينها: شيء يستبعد في العادات والطباع، وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق، من تليت عليه وسمعها، كان مستبعدًا في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها.
﴿كَأَنْ﴾ مخففة، والأصل: كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن، كما في قوله:
كأن ظبية تعطو إلى ناضر السّلم
ومحل الجملة: النصب على الحال، أي: يصير مثل غير السامع.
_________________
(١) ـ قوله: (يرى غمرات الموت ثم يزورها): أوله: لا يكشف الغماء إلا ابن حرة البيت: أي أن زيارة غمرات الموت بعد رؤيته إياها مستبعدة مستنكرة في العقل والعادة، وهو مع لك يزورها بعد استيقانه إياها، بالغ في مدحه. ونظيره في الاستبعاد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢]. قوله: (كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم): أوله: ويومًا توافينا بوجه مقسَّم ؟
[ ١٤ / ٢٤٠ ]
﴿وَإِذا﴾ بلغه شيء من آياتنا، وعلم أنه منها، ﴿اتَّخَذَها﴾ أي: اتخذ الآيات ﴿هُزُوًا﴾، ولم يقل: اتخذه؛ للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله تعالى على محمد ﷺ، خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، ويحتمل: وإذا علم من آياتنا شيئًا يمكن أن يتشبث به المعاند، ويجد له محملًا يتسلق به على الطعن والغميزة: افترصه واتخذ آيات الله هزوًا، وذلك نحو افتراص ابن الزبعرى قوله عز وعلا: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ومغالطته رسول الله ﷺ، وقوله: "خصمتك".
_________________
(١) ـ توافينا: أي: تأتينا، والمقسم: المحسن، يقال: وجه مقسم؛ إذا وافى كل جزء منه حظه من الحسن، تعطو: أي: تناول وتأخذ، والناضر: الطري، والسلم: ضرب من الشجر، والواحدة: سلمة، يصف يوم الوصل. "تعطو إلى ناضر السلم"، أي: تميل إلى المعانقة والتقبيل. وقيل في "ظبية" ثلاثة أوجه: الرفع على إلغاء "كأن" المخففة، والنصب على إعمالها، والجر على "أن" زائدة بعد الكاف. قوله: (ويحتمل: وإذا علم من آياتنا شيئًا): الفرق بين هذا الوجه والسابق: أن الطاعن في الأول طاعن من غير روية، فلما سمع أنه من جملة الآيات طعن فيه، وعلى هذا: أنه متدبر مستنبط منه ما يتشبث به على الطعن. قوله: (يتسلق به): الجوهري: "تسلق الحائط؛ أي: تسوره". والأساس: "سلقه بلسانه، ولسان مسلق". قوله: (والغميزة): الأساس: "ومن المجاز: ما فيه مغمز ولا غميزة، أي: معاب، وغمز فيه: طعن". قوله: (نحو اعتراض ابن الزبعرى): في نسخة: "نحو اعتراض النضر"، قال: يحتمل أن ابن الزبعرى قال ذلك، والنضر أيضًا، لا منافاة فيه. ؟
[ ١٤ / ٢٤١ ]
ويجوز أن يرجع الضمير إلى "شيء"، لأنه في معنى الآية، كقول أبي العتاهية:
نفسي بشيء من الدنيا معلّقة الله والقائم المهدي يكفيها
حيث أراد عتبة. وقرئ: "علم".
﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى "كل أفاك أثيم"، لشموله الأفاكين.
والوراء: اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام، قال:
أليس ورائي أن تراخت منيّتي أدب مع الولدان أزحف كالنّسر
_________________
(١) ـ قوله: (نفسي بشيء من الدنيا معلقة): البيت: قبله: إني لأيأس منها ثم يطمعني فيها احتقارك للدنيا وما فيها الضمير في "يكفيها" يرجع إلى "شيء"، لأنه في المعنى مؤنث، وهي عتبة؛ جارية من جواري المهدي، أهواها أبو العتاهية، وأهدى إلى المهدي في النيروز برنية فيها ثوب، وفي حواشيها البيتان، فهم المهدي أن يدفع عتبه إليه، فقالت: يا أمير المؤمنين، أتدفعني إليه؟ فانصرف المهدي عن ذلك الرأي، وأمر بالبرنية أن تمتلئ مالًا، وناقش أبو العتاهية الخزان بأن المأمور الدنانير، وقد أملأها دراهم، وتراجعا إلى المهدي، فقالت عتبة: لو كان عاشقًا كما وصف، لما فرق بين الدراهم والدنانير، وما صرف همه إليها. قوله: (﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارة إلى "كل أفاك"): أي: إلى معنى "كل"، ولهذا جمع ﴿مِن ورَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، وقوله: "يسمع" إلى لفظه. قوله: (أليس ورائي) البيت: الوراء: بمعنى قدام، وتراخت: تباعدت، أدب: أمشي على ؟
[ ١٤ / ٢٤٢ ]
ومنه قوله ﷿: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ﴾ أي: من قدّامهم، ﴿ما كَسَبُوا﴾ من الأموال في رحلهم ومتاجرهم، ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الأوثان.
[﴿هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ ١١]
﴿هَذَا﴾ إشارة إلى القرآن، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾،
_________________
(١) ـ هينة، أزحف: من: أزحف الصبي: إذا مشى على استه، ويروى: "أرجف" بالجيم، أي: أرعد واضطرب، قال بعضهم: خبر "ليس" أنا، أي: أنا أدب، لأن "أدب" لا يصلح خبرًا لـ "ليس"، لأن "ليس" فعل، و"أدب" فعل، والفعل لا يصلح أن يكون خبرًا للفعل. وليس بذاك. وقيل: "أدب": اسم "ليس"، أي: ليس ورائي أن أدب، فحذف "أن"، قال شارح الأبيات: استشهاده بهذا البيت غير مناسب، لأنه لا مناسبة بين المصراعين من حيث اللفظ؛ المصراع الأول من قول لبيد بن ربيعة: أليس ورائي أن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأني كلما قمت راكع لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع ولعل اشتبه على المصنف الأمر، حتى ما فرق بين قوله: أدب كأني كلما قمت راكع وبين قول القائل: أدب مع الولدان أزحف كالنسر وأبيات القصيدة تسعة عشر بيتًا، أولها: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع وتبقى الجبال بعدنا والمصانع وآخرها: "لعمرك" البيت، وليس فيها هذا. قوله: (﴿هَذَا﴾ إشارة إلى القرآن، يدل عليه: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾): وقال الواحدي: ؟
[ ١٤ / ٢٤٣ ]
_________________
(١) " ﴿هَذَا هُدًى﴾: هذا القرآن بيان الضلالة، والذين كفروا به ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾. وقلت: والآيات السابقة أيضًا- أعني قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ - تدل عليه. واعلم أنه تعالى لما عد أنواع استخفافهم وتكذيبهم بالقرآن، ووصفهم بالكذب الإفك والإثم والاستكبار، ورتب عليه البشارة بالعذاب، وحكى عن استهزائهم وانتهاز فرصتهم ليستخفوا به، ورتب عليه: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، عينه تعيينًا، وميزه تمييزًا، وجعله كالعلم المشار إليه بالحسن، ونكر خبره تنكير تهويل، فقال: ﴿هَذَا هُدًى﴾، أي: هذا المتميز المشخص كامل في الهداية، ليس بخاف على كل ذي بصيرة: أنه ليس بمكان للتكذيب والاستهزاء، والذين كذبوا به، واستكبروا عن قبوله، وأعرضوا عنه بالاستهزاء: لهم عذاب بعد عذاب، أي: عذاب مضاعف، لأن الرجز والعذاب شيء واحد، والمراد: التكثير لا التحديد، ثم ثنى إلى ما أبدأ السورة به من ذكر الآيات: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ﴾. ويمكن أن يقال- والله أعلم-: أن المشار إليه بقوله: ﴿هَذَا﴾ المذكور، يعني: ما ذكر من أول السورة من الآيات الدالة على الوحدانية، كالوحي النازل من العزيز الحكيم، وكأفعاله الخاصة الآفاقية والأنفسية، ﴿هُدًى﴾ أي: هدى لا يقادر قدره، ولا يكتنه كنهه. يؤيده قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾، وتفسير المصنف: " ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الآيات المتقدمة"، فيكون المراد بقوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أيضًا: تلك الآيات. وفي اقتران ذكر "الرب" معه، وذكر "الله" في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: إشعار بأن تلك لتلاوة وذلك الإرشاد لم يكن إلا لمحض الإنعام، والكافرون عكسوا القضية، فكفروا بدل الشكر، ولذلك جيء بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ﴾، وبقوله: ﴿وسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ﴾، وفصل الأولى بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، والثانية بقوله: ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ لينبه ؟
[ ١٤ / ٢٤٤ ]
لأنّ "آيات ربهم" هي القرآن، أي: هذا القرآن كامل في الهداية، كما تقول: زيد رجل، تريد: كامل في الرجولية، وأيما رجل. "والرجز": أشد العذاب، وقرئ بجر "أليم" ورفعه.
[﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١٢ - ١٣]
﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة، أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان، واستخراج اللحم الطري وغير ذلك من منافع البحر.
فإن قلت: ما معنى ﴿مِنْهُ﴾ في قوله: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾، وما موقعها من الإعراب؟ قلت: هي واقعة موقع الحال، والمعنى: أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه، وحاصلة من عنده، يعني: أنه مكوّنها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم مسخرها لخلقه. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هي جميعًا منه، وأن يكون ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾ تأكيدًا لقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ﴾، ثم ابتدئ قوله: ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، وأن يكون ﴿ما فِي الْأَرْضِ﴾ مبتدأ، و﴿مِنْهُ﴾ خبره.
_________________
(١) ـ بالشكر على الإنعام، وبالتفكر على أن ذلك الإنعام أيضًا دليل من الدلائل السابقة، وأخرت من أخواتها تطرئةً للتنبيه، وعلم من ذلك أن التفكر ملاك التعقل والإيقان والإيمان، والله أعلم. قوله: (وأيما رجل): تفسير ثان لقوله: "زيد رجل". فإن قلت: ليس ما في الآية كالمثال، لأن "رجل" هو "زيد"؟ قلت: بل الكتاب هو هدىً مبالغة، قال صاحب "المفتاح": "أنت تعلم أن شأن الكتب السماوية الهداية لا غير، وبحسبها يتفاوت شأنهن في درجات الكمال". قوله: (تقديره: هي جميعًا منه): أي: المذكورات كائنة منه جميعًا. ؟
[ ١٤ / ٢٤٥ ]
وقرأ ابن عباس: " منة"، وقرأ سلمة بن محارب: "منه"، على أن يكون "منه" فاعل ﴿سَخَّرَ﴾ على الإسناد المجازي، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك -أو: هو- منه.
[﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ١٤ - ١٥]
حذف المقول لأنّ الجواب دال عليه، والمعنى: قل لهم: اغفروا يغفروا، ﴿لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه، من قولهم لوقائع العرب: أيام العرب. وقيل: لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين، ووعدهم الفوز فيها. قيل: نزلت قبل آية القتال، ثم نسخ حكمها. وقيل: نزولها في عمر ﵁، وقد شتمه رجل من غفار، فهمّ أن يبطش به. وعن سعيد بن المسيب: كنا بين يدي عمر بن الخطاب، فقرأ قارئ هذه الآية، فقال عمر: ليجزي عمر بما صنع.
﴿لِيَجْزِيَ﴾ تعليل الأمر بالمغفرة، أي: إنما أمروا بأن يغفروا لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرأ ابن عباس: "منة"): قال ابن جني: "وقرأها أيضًا [عبد الله بن] عمرو الجحدري، فهي منصوبة على المصدر، دل عليه قوله: ﴿سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ جَمِيعً﴾، لأن ذلك من منة الله تعالى، أي: من عليه منة". قوله: (على أن يكون "منه" فاعل ﴿سَخَّرَ﴾ على الإسناد المجازي): ووجهه: أن الله تعالى سخر ذلك للمنة علينا، فكأن المنة هو السبب في ذلك. قوله: (لأن الجواب دال عليه): أو ﴿يَغْفِرُوا﴾ دال على أن المقول: اغفروا، كقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، أي: في القتال، فحذف، لأن ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ دل عليه. ؟
[ ١٤ / ٢٤٦ ]
فإن قلت: قوله: ﴿قَوْمًا﴾ ما وجه تنكيره، وإنما أراد الذين آمنوا، وهم معارف؟ قلت: هو مدح لهم وثناء عليهم، كأنه قيل: ليجزي أيما قوم وقومًا مخصوصين؛ لصبرهم وإغضائهم على أذى أعدائهم من الكفار، وعلى ما كانوا يجرعونهم من الغصص.
_________________
(١) ـ قوله: (هو مدح لهم وثناء عليهم): وهو من باب التجريد، وأنشد ابن جني عن أبي علي الفارسي: أفاءت بنو مروان ظلمًا دماءنا وفي الله أن لم يعدلوا حكم عدل وقال: "وهو تعالى أعرف المعارف، وسماه الشاعر حكمًا عدلًا، وأخرج اللفظ مخرج التنكير، ألا ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف". وقلت: وإليه أشار المصنف بقوله: "أيما قوم وقومًا مخصوصين" إلى آخره، وكذا جرد عمر ﵁ من نفسه شخصًا اسمه عمر، كأنه غيره، وحكم عليه بأنه ليجزى ما صنع من صبره واحتماله من الرجل الذي شتمه من غفار، وهم أن يبطش به. ؟
[ ١٤ / ٢٤٧ ]
﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه.
ومعنى قوله عمر: "ليجزى عمر بما صنع": ليجزي بصبره واحتماله وقوله لرسول الله ﷺ عند نزول الآية: "والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي".
وقرئ: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾؛ أي: الله ﷿، و"ليجزى قوم"، "وليجزي قومًا"، على معنى: وليجزي الجزاء قومًا.
[﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ * وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١٦ - ١٧]
﴿الْكِتابَ﴾ التوراة، ﴿وَالْحُكْمَ﴾ الحكمة والفقه، أو فصل الخصومات بين الناس، لأنّ الملك كان فيهم والنبوّة، ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق، ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ حيث لم نؤت غيرهم مثل ما آتيناهم.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾): ابن عامر وحمزة والكسائي: بالنون، والباقون: بالياء. قوله: (على معنى: وليجزى الجزاء قومًا): قال صاحب "التقريب": وفي المجهول في نصب ﴿قَوْمًا﴾ على: ليجزى الجزاء قومًا: نظر؛ لأنهم قالوا: إذا وجد المفعول به تعين، فالأولى أن ينتصب بـ"أعني" أو "يجزي" لدلالة المجهول على جاز، وقال أبو البقاء: "الجيد أن يكون التقدير: ليجزى الخير قومًا، على أن "الخير" مفعول بع في الأصل، كقولك: جزاك الله خيرًا، وإقامة المفعول الثاني إقامة الفاعل جائز، أو التقدير: ليجزى الجزاء، على أن القائم مقام الفاعل المصدر، وهو بعيد". وقال صاحب "الكشف": لأن المصدر لا يقوم مقام الفاعل، ومعك مفعول صحيح، ؟
[ ١٤ / ٢٤٨ ]
﴿بَيِّناتٍ﴾ آيات ومعجزات، ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ من أمر الدين، فما وقع بينهم الخلاف في الدين ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ﴾ ما هو موجب لزوال الخلاف، وهو ﴿العِلْمُ﴾، وإنما اختلفوا لبغي حدث بينهم، أي: لعداوة وحسد.
[﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ١٨ - ١٩]
﴿عَلى شَرِيعَةٍ﴾ على طريقة ومنهاج، ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ من أمر الدين، فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والحجج، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ﴾ ما لا حجة عليه من أهواء الجهال. ودينهم المبنى على هوى وبدعة -وهم رؤساء قريش حين قالوا: ارجع إلى دين آبائك-، ولا توالهم؛ إنما يوالي الظالمين من هو ظالم مثلهم، وأما المتقون: فوليهم الله، وهم موالوه. وما أبين الفصل بين الولايتين.
[﴿هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٢٠]
﴿هَذَا﴾ القرآن ﴿بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى﴾ جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب، كما جعل روحًا وحياة، (و) هو (هدًى) من الضلالة، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ من العذاب لمن آمن وأيقن. وقرئ: "هذه بصائر"، أي: هذه الآيات.
[﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ٢١]
_________________
(١) ـ فإذن الخبر مضمر، كما أضمر "الشمس" في قوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، لأن ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ [ص: ٣٢] دليل على تواري الشمس. قوله: (بمنزلة البصائر في القلوب): البصيرة في القلب: ما يستبصر به الإنسان، كما أن البصر في العين: ما يبصر به. وقيل: أن البصيرة نور القلب، كما أن البصر نور العين. ؟
[ ١٤ / ٢٤٩ ]
﴿أَمْ﴾ منقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان، والاجتراح: الاكتساب. ومنه: الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي: كاسبهم، ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ أي: نصيرهم، وهو من "جعل" المتعدي إلى مفعولين، فأوّلهما: الضمير، والثاني: الكاف، والجملة -التي هي (سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ) - بدل من الكاف؛ لأنّ الجملة تقع مفعولًا ثانيًا، فكانت في حكم المفرد، ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم، كان سديدًا، كما تقول: ظننت زبدًا أبوه منطلق.
ومن قرأ: ﴿سَواءً﴾ بالنصب: أجرى "سواء" مجرى مستويًا، وارتفع ﴿مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ على الفاعلية، وكان مفردًا غير جملة، ومن قرأ: "ومماتهم" بالنصب: جعل "محياهم ومماتهم": ظرفين، كمقدم الحاج وخفوق النجم، أي: سواء في محياهم وفي مماتهم.
والمعنى: إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيًا، وأن يستووا مماتًا،
_________________
(١) ـ قوله: (والجملة - التي هي "سواء محياهم ومماتهم"- بدل من الكاف): وقلت: الضميران في "محياهم" و"مماتهم" للكافرين وللمؤمنين جميعًا، قال مكي: " (سواء محياهم ومماتهم) مستو في البعد من رحمة الله، والضميران للكفار والمؤمنين، ويبعد عند سيبويه رفع ﴿مَّحْيَاهُمْ ومَمَاتُهُمْ﴾ بـ (سواء)، لأنه ليس باسم فاعل ولا مشبه به، وإنما هو مصدر". قوله: (ومن قرأ ﴿سَوَاءً﴾ بالنصب): حفص وحمزة والكسائي، والباقون: بالرفع. قال مكي: "على هذا: ﴿سَوَاءً﴾ حال من الضمير في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾، ويرفع ﴿مَّحْيَاهُمْ ومَمَاتُهُمْ﴾ به، لأنه بمعنى: مستو، والمفعول الثاني لـ "جعل": الكاف في ﴿كَالَّذِينَ﴾، والضميران يعودان على الكفار والمؤمنين". ؟
[ ١٤ / ٢٥٠ ]
لافتراق أحوالهم أحياء، حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات، وأولئك على ركوب المعاصي، ومماتًا، حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه، وأولئك على اليأس من رحمة الله والوصول إلى هول ما أعدّ لهم. وقيل: معناه: إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة، لأنّ المسيئين والمحسنين مستوٍ محياهم في الرزق والصحة، وإنما يفترقون في الممات، وقيل: (سواء محياهم ومماتهم) كلام مستأنف على معنى: أن محيا المسيئين ومماتهم سواء، وكذلك محيا المحسنين ومماتهم، كل يموت على حسب ما عاش عليه.
وعن تميم الداري ﵁: أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام، فبلغ هذه الآية، فجعل يبكي ويردّد إلى الصباح: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. وعن الفضيل: أنه بلغها فجعل يردّدها ويبكي ويقول: يا فضيل، ليت شعري من أي الفريقين أنت؟
[﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٢٢]
﴿وَلِتُجْزى﴾ معطوف على ﴿بِالحَقِّ﴾، لأنّ فيه معنى التعليل،
_________________
(١) ـ وقال مكي: " (ما) - في قوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ - أن جعلت معرفةً كانت في موضع رفع بـ ﴿سَاءَ﴾ فاعلًا، وإن جعلت نكرةً كانت في موضع نصب على البيان". قوله: ("سواء محياهم ومماتهم"): كلام مستأنف، وذلك أنه حين أنكر حسبان أن يستوي الكافر والمؤمن، قيل: فإذن كيف الحال؟ فأجيب: أن المؤمن يعيش حميدًا ويموت سعيدًا، يعيش في طاعة الرحمن، ثم المرجع إلى الرضوان، والكافر يعيش في طاعة الشيطان، والمآب إلى النيران، فأنى يستويان. قوله: ﴿ولِتُجْزَى﴾ معطوف على ﴿بِالْحَقِّ﴾، لأن فيه معنى التعليل): أي: إنما خلقها ؟
[ ١٤ / ٢٥١ ]
أو على معلل محذوف، تقديره: خلق الله السماوات والأرض، ليدل به على قدرته ولتجزى كل نفس.
[﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢٣]
﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾ أي: هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه. وقرئ: "آلهة هواه"، لأنه كان يستحسن الحجر فيعبده، فإذا رأى ما هو أحسن رفضه إليه، فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى، يعبد كل وقت واحدًا منها،
_________________
(١) ـ لكون خلقها حقًا "أو على معلل محذوف"، ولو قال: "على علة محذوفة" كان أولى، لأن المقدر هو قوله: "ليدل بها على قدرته". ولقائل أن قوله: "ليدل بها على قدرته": معنى ﴿بِالْحَقِّ﴾ وبيان للوجه الأول، وأما بيان الوجه الثاني: فهو أن يقال: "ولتجزى كل نفس بما كسبت فعل ذلك"، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقيل: أراد بـ"المعلل": التعليل، فيكون المعلل مصدرًا ميميًا، قال القاضي: " ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ كأنه دليل على الحكم السابق، من حيث أن خلق ذلك بالحق المقتضي للعدل يستدعي انتصار المظلوم من الظالم، والتفاوت بين المسيء والمحسن، وإذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات". قوله: (لأنه كان يستحسن الحجر فيعبده): وفي "التيسير": كانوا في الجاهلية يعبدون ما يستحسنونه، فإذا استحسنوا غيره تركوا الأول، وعبدوا الثاني، فإنما كان أحد يعبد ما يهواه، فعلى هذا يكون "الهوى" مصدرًا بمعنى المفعول، أي: يجعل إلهه مهويه، كقولك: فلان رجائي، أي: مرجوي. ؟
[ ١٤ / ٢٥٢ ]
﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ وتركه عن الهداية واللطف وخذله، ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ عالما بأنّ ذلك لا يجدي عليه، وأنه ممن لا لطف له، أو مع علمه بوجوه الهداية وإحاطته بأنواع الألطاف المحصلة والمقرّبة، ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ﴾ إضلال ﴿اللَّهُ﴾؟ !
وقرئ: ﴿غِشَاوَةً﴾ بالحركات الثلاث، و"غشوة" بالكسر والفتح، وقرئ: "تتذكرون".
[﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ٢٤]
﴿نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ نموت نحن ويحيا أولادنا، أو يموت بعض ويحيا بعض، أو نكون مواتًا نطفًا في الأصلاب، ونحيا بعد ذلك، أو يصيبنا الأمران: الموت والحياة، يريدون: الحياة في الدنيا والموت بعدها، وليس وراء ذلك حياة. وقرئ: "نحيا"، بضم النون، وقرئ: "إلا دهر يمرّ".
وما يقولون ذلك عن علم، ولكن عن ظنّ وتخمين، كانوا يزعمون أنّ مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس، وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان،
_________________
(١) ـ قوله: (الألطاف المحصلة والمقربة): مضى تفسيرها في أول البقرة. قوله: (وقرئ: ﴿غِشَاوَةً﴾ بالحركات الثلاث): حمزة والكسائي: بفتح الغين وإسكان الشين، والباقون: بكسر الغين وفتح الشين وألف بعدها. قوله: (كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر): هذا تفسير الدهر. قال القاضي: "الدهر: مرور الزمان، والأصل: مدة بقاء العالم". الراغب: "الدهر في الأصل: اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، واستعير للعادة الباقية مدة الحياة، فقيل: ما دهري بكذا". ؟
[ ١٤ / ٢٥٣ ]
وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان، ومنه قوله ﵇: «لا تسبوا الدهر، فإنّ الله هو الدهر»، أي: فإنّ الله هو الآتي بالحوادث، لا الدهر.
_________________
(١) ـ واعلم أنه تعالى لما ذكر خلق السماوات والأرض وقيده بالحق، وقد تقرر غير مرة أن المراد بالحق: المعرفة والعبادة، وتعليل الخلق ها هنا بقوله: ﴿ولِتُجْزَى﴾ دلالة بينة عليه، قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ﴾، يعني: ألا تتعجبوا من هذا الذي اتبع هواه، وأضله الله، وختم على سمعه وقلبه، كيف ضل عن سبيل المعرفة ورفض العمل، وطعن في تلك الحكمة البالغة، وادعى الحكمة لنفسه، وقال: لا عمل ولا جزاء، و﴿مَا هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ ونَحْيَا ومَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ﴾؟ ! بخلاف المؤمن الذي جعل هواه تبعًا لدينه، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، ألا ترى كيف رتب قوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ على التفكر في خلق السماوات والأرض المؤدي إلى حقية خلقهما؟ فدل بعطف قوله: ﴿وأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ على ﴿اتَّخَذَ﴾ على أنهم إنما اتبعوا أهواءهم الباطلة، ولم يجيلوا فكرهم في تلك الآيات الباهرة الدالة على تلك الحكمة البالغة لسبق علمه الأزلي والقضاء المقدر، وذلك الذي جسرهم أن يبطلوا حكمة الله بقولهم: ﴿مَا هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ ونَحْيَا﴾. ثم نفى العلم عنهم على الاستغراق بقوله: ﴿مَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، وذيل الآيات بقوله: ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾، ورتب فيه: ﴿ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ تقريرًا وتأكيدًا، فعلم قطعًا أن من اقتنى شيئًا من الهذيان، وسماه حكمة، واتبع الهوى، ورفض العمل، وأنكر الهدى الذي هو القول بالحشر: هو ممن أضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، وما له بما يقول من علم، وهو أجهل خلق الله، وإن جمع أسفارًا من الهذيانات، نعوذ بالله من سخط الله. قوله: (لا تسبوا الدهر): روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود عن أبي هريرة ؟
[ ١٤ / ٢٥٤ ]
[﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢٥ - ٢٦]
وقرئ: حجتهم بالنصب والرفع؛ على تقديم خبر كان وتأخيره.
فإن قلت: لم سمى قولهم حجة وليس بحجة؟ قلت: لأنهم أدلوا به كما يدلى المحتج بحجته، وساقوه مساقها، فسميت حجة على سبيل التهكم، أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة، أو لأنه في أسلوب قوله:
تحيّة بينهم ضرب وجيع
كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة، والمراد: نفى أن تكون لهم حجة البتة.
_________________
(١) ـ في قوله تعالى: ﴿ومَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ﴾، قال: قال النبي ﷺ: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار". النهاية: "كان من شأن العرب ذم الدهر وسبه عند النوازل والحوادث، أي: لا تسبوا الدهر، فإنكم إذا سببتموه وقع السب على الله تعالى، لأنه تعالى هو الفعال لما يريد، لا الدهر". الراغب: "قيل: معناه: أن الله فاعل ما يضاف إلى الدهر، فإذا سببتم الدهر تعتقدون أنه فاعل ذلك فقد سببتموه، قيل: الدهر الثاني في الخبر غير الأول، وإنما هو مصدر بمعنى الفاعل، ومعناه: أن الله هو الدهر، أي المتصرف المدبر المقيض لما يحدث، والأول أظهر". قوله: (كما يدلي المحتج بحجته): المغرب: "أدليت الدلو: أرسلتها في البئر، ومنه: أدلى بالحجة: أحضرها، وفي التنزيل: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨﴾، أي: تلقوا أمرها والحكومة فيها". قوله: (نفي أن تكون لهم حجة البتة): وهو على مذهب التميمي نحو قوله: ؟
[ ١٤ / ٢٥٥ ]
فإن قلت: كيف وقع قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ جوابًا لقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؟ قلت: لما أنكروا البعث، وكذبوا الرسل، وحسبوا أنّ ما قالوه قول مبكت: ألزموا ما هو مقرّون به من أنّ الله ﷿ هو الذي يحييهم ثم يميتهم، وضم إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به إن أنصفوا وأصغوا إلى داعى الحق، وهو جمعهم إلى يوم القيامة، ومن كان قادرًا على ذلك كان قادرُا على الإتيان بآبائهم، وكان أهون شيء عليه.
[﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ * وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ٢٧ - ٣١]
_________________
(١) ـ وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس يعني: ليس لهم حجة البتة، إذ لو كانت لهم حجة كانت هذه، وهذه ليست بحجة، بل هي استبعاد وعناد، فإذن ليست لهم حجة البتة. قوله: (ألزموا ما هم مقرون به): يعني: لما لم يكن لهم حجة عند إيراد الآيات البينات لإثبات الحشر إلا قولهم: "ائتوا بآبائنا" عنادًا، قيل لهم ذلك لأنهم مقرون بأنه المحيي والمميت. ؟
[ ١٤ / ٢٥٦ ]
عامل النصب في ﴿يَوْمَ تَقُومُ﴾: ﴿يَخْسَرُ﴾، و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من﴾ يَوْمَ تَقُومُ﴾.
﴿جاثِيَةً﴾ باركة مستوفزة على الركب، وقرئ: "جاذية"، والجذوّ: أشد استيفازًا من الجثوّ، لأن الجاذي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وعن ابن عباس: جاثية: مجتمعة، وعن قتادة: جماعات؛ من الجثوة، وهي الجماعة، وجمعها: جثا، وفي الحديث: «من جثا جهنم».
وقرئ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ﴾؛ على الابتداء، و"كل أمة" على الإبدال من ﴿كُلَّ أُمَّةٍ﴾.
_________________
(١) ـ وقلت: ويمكن أن يقال: إنهم لما قالوا: "ائتوا بآبائنا أن كنتم صادقين" عنادًا وتمردًا، قيل لهم: دعوا آباءكم، فإن القاهر القادر العالم بكل شيء يفعل كيت وكيت، فضلًا عما اقترحتموه، ولكن أنتم جهلاء لا تعلمون ذلك، كما قال: ﴿ومَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾. ونحوه في الإنكار قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] جوابًا عن قولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧ - ٤٨]. قوله: (من جثا جهنم): النهاية: "في الحديث: "من دعاء الجاهلية فهو من جثا جهنم"، وفي آخر: "من دعا: يا لفلان، فإنما يدعو إلى جثا النار"، والجثا: جمع"جثوة" بالضم، وهو الشيء المجموع، ومنه حديث ابن عمر: "أن الناس يصيرون يوم القيامة جثًا، كل أمة تتبع نبيها"، أي: جماعة". وفي "الفائق": "والجثوة: ما جمع من تراب وغيره، فاستعيرت". ؟
[ ١٤ / ٢٥٧ ]
﴿إِلى كِتابِهَا﴾ إلى صحائف أعمالها، فاكتفى باسم الجنس، كقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ محمول على القول.
فإن قلت: كيف أضيف "الكتاب" إليهم وإلى الله ﷿؟ قلت: الإضافة تكون للملابسة، وقد لابسهم ولابسه؛ أما ملابسته إياهم: فلأن أعمالهم مثبتة فيه، وأما ملابسته إياه: فلأنه مالكه، والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده.
﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾ يشهد عليكم بما عملتم، ﴿بِالْحَقِّ﴾ من غير زيادة ولا نقصان، ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ﴾ الملائكة ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: نستكتبهم أعمالكم.
﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ في جنته، وجواب "أما" محذوف، تقديره: وأما الذين كفروا فيقال لهم: ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، والمعنى: ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم، فحذف المعطوف عليه.
[﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ * وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ ٣٢ - ٣٣]
وقرئ: "والساعة" بالنصب؛ عطفًا على الوعد، وبالرفع عطفًا على محل "إن" واسمها، ﴿مَا السَّاعَةُ﴾ أي شيء الساعة؟
_________________
(١) ـ قوله: (الإضافة تكون للملابسة): ويمكن أن يقال: أن الإضافة إليها تدل على معنى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، أي: تدعى إلى كتابها، وإلى ما يختص بها من الأعمال صالحها وسيئها، لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، ومن ثم ذيل بقوله: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وأما الإضافة إلى الله: فللإشارة إلى أن كل ما ثبت فيه صدق وحق وعدل، وأنه تعالى يجازيها على القليل والكثير، ولذلك عقب بقوله: ﴿يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ﴾، وذيل بالجمع، ثم قسم بقوله: ﴿فَأَمَّا﴾ ﴿وَأَمَّا﴾. والله أعلم. ؟
[ ١٤ / ٢٥٨ ]
فإن قلت: ما معنى ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾؟ قلت: أصله نظن ظنًا، ومعناه: إثبات الظن فحسب، فأدخل حرفا النفي والاستثناء،
_________________
(١) ـ قوله: (أصله: نظن ظنًا، ومعناه: إثبات الظن فحسب): قال صاحب"التقريب": وفيه نظر؛ لأن موردهما واحد، وهو الظن، والحصر حيث تغاير الموردان، والأولى أن يحمل المنفي على الاعتقاد المطلق؛ تعميمًا للخاص، والمثبت على موضوعه، أي: لا نعتقد إلا اعتقادًا راجحًا لا جازمًا، ولذلك أكده بقوله: ﴿ومَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾، أو يحمل المنفي على موضوعه، ويخصص المثبت بالظن الضعيف. قلت: أخذ الوجه الأول من قول الواحدي: " ﴿إن نَّظُنُّ إلاَّ ظَنًا﴾: أي: ما نعلم ذلك إلا حدسًا وتوهمًا، وما نستيقن كونها"، ومن قول أبي البقاء: "إن الظن قد يكون بمعنى العلم والشك، فاستثنى الشك، أي: ما لنا اعتقاد إلا الشك". وقلت: معنى سؤال المصنف ﵀: "ما معنى ﴿إن نَّظُنُّ إلاَّ ظَنًا﴾؟ ": أن"المصدر فائدته كفائدة الفعل، فلو أجري الكلام على الظاهر لقيل: أن نظن إلا نظن، وهو ناقص من الكلام، ولم يجيزوا: ما ضربت إلا ضربًا؛ لأن معناه، ما ضربت إلا ضربت، لأنه لا فائدة فيه"، هذا كلام مكي. وقال أبو البقاء: "التقدير: أن نحن إلا نظن ظنًا، و"إلا" مؤخرة، ولولا هذا التقدير لكان المعنى: ما نظن إلا نظن". ؟
[ ١٤ / ٢٥٩ ]
ليفاد إثبات الظن مع نفى ما سواه، وزيد نفي ما سوى الظن توكيدًا بقوله: ﴿وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾.
﴿سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أي: قبائح أعمالهم، أو عقوبات أعمالهم السيئات، كقوله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٥].
[﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَاواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ * ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ٣٤ - ٣٥]
﴿نَنْساكُمْ﴾ نترككم في العذاب كما تركتم عدة لِقاءَ ﴿يَوْمِكُمْ هذا﴾،
_________________
(١) ـ وأما معنى جواب المصنف: فإنه جعل أصل الكلام: نظن ظنًا، ثم زيد أداة الحصر لمزيد التأكيد، وإثبات الظن ونفي ما سواه للمبالغة، لا ليرد ب"ما" و"إلا" إنكار المنكر كما هو مقتضاهما، ولذلك أكد بقوله: ﴿ومَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾. ونحوه مجيء"إن" في قولنا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٦]، فإنها لمجرد التوكيد، ثم بسط الكلام لا لنفي الشك ورد الإنكار كما عليه موضوعها. فإذن مورد التركيبين واحد، ولم يتغاير سوى التوكيد، وأما معنى قوله: "وزيد نفي ما سوى الظن توكيدًا": فهو ﴿إن نَّظُنُّ إلاَّ ظَنًا﴾ لما دل بمفهومه [على] نفي سوى الظن، وهو اليقين، أكد بمنطوق قوله: ﴿ومَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ذلك المفهوم، فيكون من باب الطرد والعكس. قوله: (أو عقوبات أعمالهم): أي: وضع"السيئات" التي هي أسباب العقوبات موضع مسبباتها، فلا يكون الاستشهاد بقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٥] لجهة المشاكلة، إذ ليس في الكلام ما يذكر في صحبته: السيئات المراد بها العقوبات. ؟
[ ١٤ / ٢٦٠ ]
وهي الطاعة، أو نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم، ولم تخطروه ببال، كالشيء الذي يطرح نسيًا منسيًا. فإن قلت: فما معنى إضافة اللقاء إلى اليوم؟ قلت: كمعنى إضافة المكر في قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، أي: نسيتم لقاء الله في يومكم هذا ولقاء جزائه.
وقرئ: "لا يخرجون" يفتح الياء، ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم، أي يرضوه.
[﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣٦ - ٣٧]
_________________
(١) ـ قوله: (أو نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي): فعلى هذا النسيان وإسناده إلى الله على الاستعارة التمثيلية، ولذلك جاء بكاف التشبيه في قوله: "كالشيء الذي يطرح"، وعلى الأول: محمول على الغاية والنهاية، لأن من نسي شيئًا تركه، فيكون من وضع اسم السبب على المسبب. قوله: (كمعنى إضافة المكر في قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾): قال: "ومعنى ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: مكرهم في الليل والنهار، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، وإضافة المكر إليه، أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي". وما نحن بصدده من القبيل الأول؛ لأن "اليوم" مفعول، وهو ملقىً لا لاق، إلا أن يقال: أن اللقاء مضاف إلى الفاعل، على أن ما تستقبله أنت فهو أيضًا يستقبلك، وعليه قراءة من قرأ: "فتلقى آدم من ربه كلمات"؛ بنصب "آدم" ورفع"كلمات"، ونحوه قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَاتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]، قال: " ﴿مَاتِيًّا﴾ مفعول بمعنى فاعل"؛ لأن وعد الله يأتي، وقال أبو البقاء: " ﴿مَاتِيًّا﴾ على بابه، لأن ما تأتيه فهو يأتيك". ؟
[ ١٤ / ٢٦١ ]
﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ﴾ فاحمدوا الله لذي هو ربكم ورب كل شيء من السماوات والأرض والعالمين، فان مثل هذه الربوبية العامة توجب الحمد والثناء على كل مربوب، وكبروه، فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته ﴿فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾، وحق مثله أن يكبر ويعظم.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ حم الجاثية ستر الله عورته، وسكن روعته يوم الحساب».
_________________
(١) ـ الأساس: "لقيته لقاءً ولقيانًا، ولاقيته والتقيته". ونحوه: "نهاره صائم"؛ أسند "الصوم" إلى "النهار" للزومه فيها، ولإيجاب المصير إلى الله ولقائه- كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٧]، ولا يقع ذلك إلا في ذلك اليوم- جعل "اليوم" بنفسه لاقيًا، يعني: أن الاشتغال باللذات والانهماك في الشهوات أذهلكم وألهتكم عن تذكر العاقبة، وسلط عليكم نسيانها، فيكون قوله: ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ واردًا على المشاكلة، وإن تقدم على صاحبه، يعني: جازيناكم جزاء نسيانكم، والله أعلم. قوله: (فإن مثل هذه الربوبية العامة توجب الحمد والثناء على كل مربوب): اعتبر فيه عموم الحمد وعموم الوصف وعموم الحامد، وذلك من ترتب قوله: ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ﴾ على قوله: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ ورَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، وتكرير الوصف وتعانقه بكل من المذكورات بحسب ما يقتضيه الوصف من معنى المالكية والتربية، وما يوجب على المربوبين من النداء بالثناء نطقًا وحالًا. وتحريره: أن "الحمد" مطلقًا: هو الثناء على الجميل من نعمة وغيرها من الفضائل والكمالات، وهذا المقام يوجبه؛ فإن المربوب عام في العقلاء وغير العقلاء، وفيضان معنى الربوبية على قدر قابلية كل منهم ظاهر، وشهادة كل منهم على حسب استعداده معلوم مكشوف، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ؟
[ ١٤ / ٢٦٢ ]
_________________
(١) ولعل المصنف ما تعرض لمعنى الاستغراق الذي يعطيه معنى التعريف في"الحمد"، وتقديم"لله" عليه، كما تعرض في فاتحة الكتاب؛ أنه لمطلق الجنس، لا للاستغراق؛ فرارًا مما لا يطاق. واعلم أنك إذا ضممت مع معنى الزبدة والخلاصة من قوله: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ ورَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، وهو تصوير عظمة الله، معنى قوله: ﴿ولَهُ الكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾، وأخذت فائدة تقديم المسند على المسند إليه فيهما، لمحت مسحةً من معنى الحديث القدسي: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار"، أخرجه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة. وإذا تأملت معنى الفاء في قوله: ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ﴾، وترتبه على معاني السورة المحتوية على آلاء الله وأفضاله، المشتملة على الدلائل الآفاقية والأنفسية، المنطوية على البراهين الساطعة والنصوص القاهرة في المبدأ والمعاد، عثرت على أمور غربية وأسرار عجيبة. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. والحمد لله رب العالمين. * * * ؟
[ ١٤ / ٢٦٣ ]