مدنية، وآياتها إحدى عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ * هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ وإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * وآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ١ - ٤]
قرئت صفات الله عز وعلا بالرفع على المدح، كأنه قيل: هو الملك القدوس، ولو قرئت منصوبة لكان وجهًا كقول العرب: الحمد لله أهل الحمد.
الأمي: منسوب إلى أمة العرب؛ لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون من بين الأمم.
وقيل: بدأت الكتابة بالطائف، أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل الأنبار.
_________________
(١) سورة الجمعة إحدى عشرة آية، مدنية بخلاف بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (وأهل الحيرة من أهل الأنبار)، الأنبار: موضع قريب من بغداد، وجدت في بعض كتب المحاضرات: أن أول من استخرج الخط العربي ثلاثة رجال من أهل مسكين: وهي
[ ١٥ / ٤٠٠ ]
ومعنى ﴿بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ بعث رجلًا أميًا في قوم أميين، كما جاء في حديث شعيا:
_________________
(١) قرية من أعلى الأنبار، يقال لأحدهم: مرامر بن مرة، وللآخر: أسلم بن سدرة وللثالث: عامر بن جدرة، نظروا رملًا في شاطئ الفرات فيه آثار أرجل البط، فشبهوها بالخطوط، فقالوا هلموا نستخرج منها خطًا غير الخطوط القديمة، ثم فكروا في كلام الخلق فوجدوا سائر الكلام يدور على ثمانية وعشرين حرفًا، فعازتهم ستة أحرف؛ الثاء والخاء والذال والضاد والظاء والغين، فصورها "ثخذ ضظغ" فتم بذلك الكلام، ثم صرفوا الألفاظ وألفوا بعضها إلى بعض، واصطلحوا على ما يصلونه من الكلام أو يقطعونه بالحروف المذكورة، فكان منه هذا الخط العربي. والله أعلم بصحته. قوله: (ومعنى ﴿بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾: بعث رجلًا أميًا في قوم أميين)، وإنما قال: "رجلًا" و"قوم" على سوق المعلوم مساق غير المعلوم، ليؤن بأن قوله: ﴿هُوَ بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ وارد على سنن كلام الجبابرة، نحو ما جاء في قوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ [الرعد: ١٧] وهو الوجه. قوله: (في حديث شعيا)، قال أبو عبد الله الكسائي في كتاب"المبتدأ" ذكر وهب وكعب: إن شيعا بن أمصيا نبي من سلالة بني إسرائيل من ولد هارون وهو الذي بشر قومه بنبينا محمد صلوات الله عليه، وشعيا هو الذي أرسل يونس بن متى إلى قومه من أهل نينوى.
[ ١٥ / ٤٠١ ]
إني أبعث أعمى في عميان، وأميا في أميين، وقيل ﴿مِّنْهُمْ﴾، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] يعلمون نسبه وأحواله. وقرئ: (في الأمين) بحذف ياء النسب.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ يقرؤها عليهم مع كونه أميا مثلهم لم تعهد منه قراءة ولم يعرف بتعلم، وقراءة أمي بغير تعلم آية بينة. ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾: ويطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية.
﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ﴾: القرآن والسنة. و"إن" في ﴿وإن كَانُوا﴾ هي المخففة من الثقيلة، واللام دليل عليها، أي: كانوا في ضلال، لا ترى ضلالًا أعظم منه.
﴿وآخَرِينَ﴾ مجرور عطف على ﴿الأُمِّيِّينَ﴾، يعني: أنه بعثه في الأميين الذين على عهده، وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد، وسيلحقون بهم، وهم الذين بعد الصحابة ﵃.
_________________
(١) قوله: (إني أبعث)، حكاية عن الله تعالى. قوله: (أعمى)، أي: غير عالم بالشرائع، "عميان": في قوم غير عالمين بها، والمراد نبينا صلوات الله عليه وأمته. قوله: (وفي آخرين من الأميين)، جعل ﴿مِنْهُمْ﴾ بيانًا للآخرين، قال صاحب "الكشف": "من" في ﴿مِنْهُمْ﴾ للنبيين، وليست "من" التي تستعمل مع أفعل، لأن "من" تلك لا يجوز معها جمع الاسم، لا يقال: الزيدون أفضلون من عمرو، لأن "أول" و"آخر" وإن كان "أفعل" لا يكاد يوجد استعمال "من" معهما.
[ ١٥ / ٤٠٢ ]
وقيل: لما نزلت قيل: من هم يا رسول الله؟ فوضع يده على سلمان ثم قال: "لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء"، وقيل: هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة، ويجوز أن ينتصب عطفًا على المنصوب في ﴿ويُعَلِّمُهُمُ﴾ أي: يعلمهم ويعلم آخرين؛ لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندًا إلى أوله، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ في تمكينه رجلًا أميًا من ذلك الأمر العظيم، وتأييده عليه، واختياره إياه من بين كافة البشر ﴿ذَلِكَ﴾ الفضل الذي أعطاه محمدًا وهو أن يكون نبي أبناء عصره، ونبي أبناء العصور الغوابر، هو ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ إعطاءه، وتقتضيه حكمته.
_________________
(١) قوله: (فوضع يده على سلمان)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: كنا عند رسول الله ﷺ حين أنزلت سورة الجمعة فتلاها، فلما بلغ: ﴿وآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال رجل: يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فلم يكلمه حتى سأل ثلاثًا، قال: وسلمان فينا؟ فوضع رسول الله ﷺ يده على سلمان وقال: "والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء". قوله: (فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه)، أي: كان رسول الله ﷺ هو الذي تولى كل ما وجد من التعليم، يعني: يصح إسناد التعليم إلى رسول الله ﷺ للأمم- الفائتة للحصر- إلى انقراض العالم، لأنه إذا تناسقت العنعنة من الثقات المتقنين الذين حموا المتون من تحريف الزائغين، والإسناد من تولى الكاذبين، صح أن يقال: هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ويعلم آخرين منهم لما يلحقوا بهم، هذا يدل على جلالة قدر المحدثين وعلو مرتبتهم، ولذلك قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾. اللهم اجعلنا من زمرتهم.
[ ١٥ / ٤٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ولعمري إن علم الرواية من أقوى أركان الدين، وأوثق عرى المتقين، لا يرغب في نشر إلا كل صادق تقي، ولا يزهد في نصره إلا كل منافق شقي. قال أبو نصر بن سلام: ليس شيء أثقل أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته وإسناده. وقال ابن القطان: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث. وقال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وذكر البيهقي في كتاب"المدخل" عن الشافعي عن ابن عيبنة: حدثني الزهر بحديث فقلت: هاته بلا إسناد، قال أترقى السطح بلا سلم؟ ! . وقال محمد بن أسلم الطوسي: قرب الإسناد قرب إلى الله تعالى. وقال الحاكم النيسابوري: لولا كثرة مواظبة طائفة المحدثين على حفظ الإسناد لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد.
[ ١٥ / ٤٠٤ ]
[﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥]
شبه اليهود في أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها، ثم أنهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها، وذلك أن فيها نعت رسول الله ﷺ والبشارة به، ولم يؤمنوا به؛ بالحمار حمل أسفارًا، أي: كتبًا كبارًا من كتب العلم، فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب. وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله، وبئس المثل، ﴿بِئْسَ﴾ مثلًا ﴿مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد ﷺ. ومعنى: ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾: كلفوا علمها والعمل بها، ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ ثم لم يعملوا بها، فكأنهم لم يحملوها. وقرئ: (حملوا التوراة)، أي: حملوها في الحقيقة لفقد العمل. وقرئ: (يحمل الأسفار).
فإن قلت: (يحمل) ما محله؟ قلت: النصب على الحال، أو الجر على الوصف؛ لأن الحمار كاللئيم في قوله:
_________________
(١) والإسناد واسطة بين الحق والخلق، وهو سلم السلامة، ومرقاة النجاة، ومفتاح النجاح، فمن رفع قدره ارتفع، ومن وضع شأنه اتضع. قوله: (وذلك أن فيها نعت رسول الله ﷺ)، اعلم أنه تعالى لما أثبت التوحيد والنبوة، وبين في النبوة أنه ﷺ بعث إلى الأميين، واليهود لما أوردوا تلك الشبهة وهي: أنه صلوات الله عليه مبعوث إلى العرب خاصةً وهم أمة أمية، ونحن أهل كتاب، أتبعه بضرب المثل لمن تمسك بهذه الشبهة وترك الدلائل الواضحة المسطورة فيما حملوا واستحفظوه، وهي: نعت رسول الله ﷺ، والبشارة به ولم يؤمنوا به، فشبههم بالحمار، حمل كتبًا وكبارًا، فهو يمشي بها ولا يدري منها ما يمر بجنبيه. قوله: (لأن الحمار كاللئيم)، تعليل لتقدير الجر على الوصف فحسب، لأن اللئيم في البيت لا يحتمل الحال، لما ذكرنا أن الشاعر يصف نفسه بالحلم والاحتمال من كل لئيم صفته
[ ١٥ / ٤٠٥ ]
ولقد أمر على اللئيم يسبني
[﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ * ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٦ - ٨]
هاد يهود: إذا تهود ﴿أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ﴾ كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، أي: إن كان قولكم حقًا وكنتم على ثقة ﴿فَتَمَنَّوُا﴾ على الله أن يميتكم وينقلكم سريعًا إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه،
_________________
(١) ذاك؛ لا أنه مر على لئيم بعينه حالة ذاك، لأن ذلك لا يثبت له وصف الحلم، وأنه دأبه وعادته كذلك،، شبهت اليهود بهذا الجنس من الدواب إذا كان حاملًا للأسفار. وأما توجيه الحال في الآية فأن تجعل التعريف لاستغراق الجنس، وأن حكم كل فرد من أفراد هذا الجنس كذلك، والبيت لا يحتمل هذا. قوله: (إذا تهود)، الجوهري: هاد يهود هودًا: تاب ورجع إلى الحق، فهو هائد وقوم هود. قوله: (كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه)، آذن بأن الولي بمعنى الحبيب، وهو اسم فاعل اعتمد وعمل في ﴿لِلهِ﴾، ومن ﴿مِن دُونِ﴾ حال من الضمير الراجع إلى اسم"أن"، المعنى: إن كنتم تزعمون أنكم تحبون الله متجاوزين عن الناس فتمنوا الموت، فإن المحب يحب لقاء محبوبه، ولا يكره قربه، نحوه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤].
[ ١٥ / ٤٠٦ ]
ثم قال: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ بسبب ما قدموا من الكفر، وقد قال لهم رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه"، فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله ﷺ لتمنوا، ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد، فما تمالك أحد منهم أن يتمنى؛ وهي إحدى المعجزات. وقرئ: (فتمنوا الموت) بكسر الواو، تشبيهًا ب"لو استطعنا". ولا فرق بين"لا" و"لن" في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل، إلا أن في"لن" تأكيدًا وتشديدًا ليس في "لا" فأتى مرةً بلفظ التأكيد:
_________________
(١) فإن قلت: لم لم يضف"أولياء" لله كما أضاف في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]. قلت: ليؤذن بالفرق بين من يدعي أنه من أولياء الله، وبين من يخصه الله بالولاية، ونحوه في الإضافة قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ قال: "معنى ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]، أي: من الأنصار الذين يختصون بي؟ ويكونون معي في نصرة الله؟ ومعنى ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾: نحن الذين ينصرون الله"، وسبق أن الإضافة الأولى محضة، والثانية غير محضة،، وذكرنا فائدة الاختلاف. قوله: (لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه)، روى الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس: لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار. قوله: (وقرئ: "فتمنوا الموت")، بكسر الواو، قال ابن جني: قرأها ابن يعمر وابن أبي إسحاق. قوله: «فأتى مرةً بلفظ التأكيد)، الراغب: إن قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ * ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ الآية لما كان مفتتحًا بشرط علقت صحته بتمني الموت ووقع
[ ١٥ / ٤٠٧ ]
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ [البقرة: ٩٥]، ومرةً بغير لفظه: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ [الجمعة: ٧]، ثم قيل لهم: ﴿إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ ولا تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم؛ لا تفرتونه وهو ملاقيكم لا محالة ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ إلى الله فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب. وقرأ زيد بن علي ﵁: إنه ملاقيكم. وفي قراءة ابن مسعود: تفرون منه ملاقيكم، وهي ظاهرة. وأما التي بالفاء، فلتضمن الذي معنى الشرط، وقد جعل ﴿إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ كلامًا برأسه في قراءة زيد، أي: أن الموت هو الشيء الذي تفرون منه، ثم استؤنف: إنه ملاقيكم.
_________________
(١) هذا الشرط غاية ما يطلبه المطيع، ولا مطلوب وراءه على ما ادعوه لأنفسهم، وهو أن لهم الدار الآخرة خالصة من دون غيرهم وجب أن يكون ما يبطل تمني الموت المؤدي إلى بطلان شرطهم أقوى ما يستعمل في بابه وأبلغه في نفي ما ينتفي شرطهم به، فكان ذلك بلفظة"لن" التي للقطع والبتات، وليس كذلك الشرط في سورة الجمعة، إذ ليس زعمهم أنهم أولياء لله من دون الناس مثل المطلوب الذي لا مطلوب وراءه وهو الدار الآخرة لأنهم يطلبون بعد ذلك إذا صح لهم هذا الوصف دار الثواب، فلما كان الشرط في هذا المكان قاصرًا عن الشرط في ذلك المكان ولم تكن الدعوى غاية المطلوب لم يحتج في نفيه وإبطاله إلى ما هو غاية في بابه. قلت: ويعضده تخصيص العشرة المبشرة بالجنة من الجم الغفير من بين الصحابة الكرام. قوله: (وأما التي بالفاء)، أي: القراءة التي أتى بالفاء في ﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾، فلتضمن ﴿الَّذي﴾ معنى الشرط. قال أبو البقاء: دخلت في الفاء لما في"الذي من شبه الشرط، ومنع منه قوم وقالوا: إنما يجوز ذلك إذا كان"الذي" هو المبتدأ، أو اسم إن، و﴿الَّذي﴾ ها هنا صفة، وضعفوه من وجه آخر وهو: أن الفرار من الموت لا ينجي منه فلم يشبه الشرط، وقال هؤلاء: الفاء زائدة، وأجيب
[ ١٥ / ٤٠٨ ]
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٩ - ١٠]
يوم الجمعة: يوم الفوج المجموع، كقولهم: ضحكة للمضحوك منه. ويوم الجمعة؛ بفتح الميم: يوم الوقت الجامع، كقولهم: ضحكة، ولعنة، ولعبة؛ ويوم الجمعة: تثقيل للجمعة، كما قيل: عسرة في عسرة. وقرئ بهن جميعًا.
فإن قلت: "من" في قوله: ﴿مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ ما هي؟
_________________
(١) عنه بأن الصفة والموصوف كالشيء الواحد، ولأن"الذي" لا تكون إلا صفة، فإذا لم يذكر الموصوف معها دخلت الفاء والموصوف مراد، فكذلك إذا صرح به، وأما ما ذكروه ثانيًا فغير صحيح، فإن خلقًا كثيرًا يظنون أن الفرار من أسباب الموت ينجيهم إلى وقت آخر. وقد جاء هذا المعنى مصرحًا به في قوله: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم أنشده صاحب"الكشف" مستشهدًا. قوله: (تثقيل للجمعة)، أبو البقاء: "الجمعة" بضمتين، وبإسكان الميم مصدر بمعنى الاجتماع، وقيل في المسكن: هو بمعنى المجتمع فيه، مثل: رجل ضحكة، أي: كثير الضحك منه، و﴿مِنْ﴾ بمعنى: في.
[ ١٥ / ٤٠٩ ]
قلت: هي بيان لـ ﴿إِذَا﴾ وتفسير له. والنداء: الأذان. وقالوا: المراد به الأذان عند قعود الإمام على المنبر، وقد كان لرسول الله ﷺ مؤذن واحد، فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد؛ فإذا نزل أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر ﵄ على ذلك؛ حتى إذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد مؤذنًا آخر، فأمر بالتأذين الأول على داره التي تسمى زوراء، فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام الصلاة، فلم يعب ذلك عليه.
وقيل: أول من سماها جمعةً كعب بن لؤي، وكان يقال لها: العروبة.
وقيل: إن الأنصار قالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك؛ فهلموا نجعل لنا يومًا نجتمع فيه فنذكر الله فيه ونصلي
_________________
(١) قوله: (حتى إذا كان عثمان ﵁)، عن البخاري والترمذي وأبي داود وابن ماجه عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان ﵃، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء. قوله: (يقال لها: العروبة)، النهاية: هو اسم قديم للجمعة، وكأنه ليس بعربي، يقال: يوم عروبة، ويوم العروبة، والأفصح أن لا يدخلها الألف واللام.
[ ١٥ / ٤١٠ ]
فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوا يوم العروبة، فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، فأنزل الله آية الجمعة، فهي أول جمعة كانت في الإسلام.
وأما أول جمعة جمعها رسول الله ﷺ، فهي: أنه لما قدم المدينة مهاجرًا نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامدًا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم، فخطب وصلى الجمعة.
وعن بعضهم: قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث: افتخروا بأنهم أولياء الله وأحباؤه، فكذبهم في قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦]، وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم، فشبههم بالحمار يحمل أسفارًا؛ وبالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة.
_________________
(١) قوله: (قد أبطل الله تعالى قول اليهود في ثلاث)، إلى قوله: (فشرع الله لهم الجمعة)، فعلى هذا يكون في قوله: ﴿إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ تعريضًا باليهود وأنهم ما وفقوا لما سعد به المؤمنون كما ورد في الحديث: "هذا يومهم الذي فرض عليهم"- يعني: يوم الجمعة-، "فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع؛ اليهود غدًا، والنصارى بعد غد"، رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. ومن ثم جعلت الصلة التي هي ﴿آمَنُوا﴾ علة للسعي إلى ذكر الله، كما جعلت الصلة في قوله ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ لأهل الكتاب مقررًا للتمثيل في قوله: ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وكذا الصلة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ عدل فيها من لفظ اليهود إلى
[ ١٥ / ٤١١ ]
وعن النبي ﷺ: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله يوم المزيد".
وعنه ﵇: "أتاني جبريل وفي كفه مرآة بيضاء وقال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدًا ولأمتك من بعدك، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعوه إلى الآخرة يوم المزيد".
وعنه ﷺ: "إن لله تعالى في كل جمعة ست مئة ألف عتيق من النار". وعن كعب: إن الله فضل من البلدان مكة، ومن الشهور رمضان، ومن الأيام الجمعة،
_________________
(١) الموصول والصلة، ليكون ذريعةً إلى التعرض بدعواهم الكاذبة، حيث سموا أنفسهم يهودًا، وهو من هاد، أي: رجع إلى الله تعالى وتاب، وإلى تقرير معنى قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ كأنه قيل: يا أيها الذين ادعوا أنهم رجعوا إلى الله وتابوا إليه، إن زعمتم أنكم أوليا الله، لأن التائب إلى الله ولي الله، فتمنوا لقاء الله، فإن الحبيب لا يكره لقاء حبيبه، ولقاء الله: الموت، على ما ورد في الحديث، ففي كل من الأحاديث الثلاثة تعريض في غاية اللطف والدقة. قوله: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة)، الحديث أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة، وليس في آخره: وهو عند الله يوم المزيد.
[ ١٥ / ٤١٢ ]
وقال ﵊: "من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر"، وفي الحديث: "إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد؛ بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون الأول فالأول على مراتبهم"، وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصةً بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج. وقيل: أول بدعة أحدثت في الإسلام: ترك البكور إلى الجمعة. وعن ابن مسعود: أنه بكر فرأى ثلاثة نفر سبقوه، فاغتم وأخذ يعاتب نفسه يقول: أراك رابع أربعة، وما رابع أربعة بسعيد! ! .
ولا تقام الجمعة عند أبي حنيفة ﵁ إلا في مصر جامع، لقوله ﵇: "لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع"،
_________________
(١) قوله: (من مات يوم الجمعة)، الحديث من رواية أحمد بن حنبل عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: "من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقي فتنة القبر". قوله: (إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة)، روينا عن الإمام أحمد بن حنبل عن أبي سعيد وأبي هريرة عن رسول الله ﷺ: "إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد يكتبون من جاء من الناس على منازلهم؛ فرجل قدم جزورًا، ورجل قدم بقرةً، ورجل قدم شاةً، ورجل قدم دجاجةً، ورجل قدم عصفورًا، ورجل قدم بيضةً، فإذا أذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر طووا الصحف ودخلوا المسجد يستمعون الذكر". قوله: (لا جمعة ولا تشريق)، وفي"الهداية" التشريق: التكبير، كذا نقل عن خليل بن
[ ١٥ / ٤١٣ ]
والمصر الجامع: ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام، ومن شروطها: الإمام أو من يقوم مقامه، لقوله ﵇: "فمن تركها وله إمام عادل أو جائر" الحديث، وقوله ﷺ: "أربع إلى الولاة: الفيء، والصدقات، والحدود، والجماعات". فإن أم رجل بغير إذن الإمام أو من ولاه من قاض أو صاحب شرطة لم يجز؛ فإن لم يكن الاستئذان فاجتمعوا على واحد فصلى بهم جاز، وهي تنعقد بثلاثة سوى الإمام، وعند الشافعي بأربعين، ولا جمعة على المسافرين والعبيد والنساء والمرضى والزمنى، ولا على الأعمى عند أبي حنيفة، ولا على الشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد.
وقرأ عمر وابن عباس وابن مسعود وغيرهم: (فامضوا). وعن عمر ﵁ أنه سمع رجلًا يقرأ: ﴿فَاسْعَوْا﴾، فقال: من أقرأك هذا؟ قال أبي بن كعب،
_________________
(١) أحمد، وفيها: وهو عقيب الصلوات المفروضات على المقيمين في الأمطار في الجماعات المستحبة عند أبي حنيفة ﵁. قوله: (فامضوا)، روى الإمام مالك: فقال ابن شهاب: كان عمر ﵁ يقرأ: "فامضوا"، وليس فيه قول أبي بن كعب: لا يزال يقرأ، إلى آخره.
[ ١٥ / ٤١٤ ]
فقال: لا يزال يقرأ بالمنسوخ! لو كانت ﴿فَاسْعَوْا﴾ لسعيت حتى يسقط ردائي.
وقيل: المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعي: التصرف في كل عمل. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. وعن الحسن: ليس السعي على الأقدام، ولكنه على النيات والقلوب.
وذكر محمد بن الحسن ﵀ في"موطئه": أن ابن عمر سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي. قال محمد: وهذا لا باس به ما لم يجهد نفسه. ﴿إلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى الخطبة والصلاة، ولتسمية الله الخطبة ذكرًا له، وقال أبو حنيفة ﵀: إن اقتصر الخطيب على مقدار يسمى ذكرًا لله كقوله: الحمد لله، سبحان الله، جاز. وعن عثمان أنه صعد المنبر فقال: الحمد لله. وارتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب، ثم نزل، وكان ذلك بحضرة الصحابة ولم ينكر عليه أحد. وعند صاحبيه والشافعي: لا بد من كلام يسمى خطبة.
_________________
(١) قال ابن جني: هذه القراءة تفسير لقراءة العامة ﴿فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: فاقصدوا وتوجهوا، وليس فيه دليل على الإسراع. قوله: (إن اقتصر الخطيب على مقدار يسمى ذكرًا لله كقوله: الحمد لله، سبحان الله، جاز)، الانتصاف: لا دليل فيه؛ لأن العرب تسمي الشيء باسم بعضه، كما سميت الصلاة قرآنًا وركوعًا وسجودًا، والمسمى خطبةً عند العرب يزيد على القدر الذي اقتصر عليه الإمام أبو حنيفة. قوله: (وعن عثمان أنه صعد المنبر فقال: الحمد لله وأرتج عليه)، الانتصاف: هذا سهو
[ ١٥ / ٤١٥ ]
فإن قلت: كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها ذكر غير الله؟
قلت: ما كان من ذكر رسول الله ﷺ والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين، والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله، فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحقاء بعكس ذلك، فمن ذكر الشيطان، وهو من ذكر الله على مراحل.
وإذا قال المنصت للخطبة لصاحبه: "صه" فقد لغا، أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لا غيا؟ ! نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام.
أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا،
_________________
(١) بلا شك، فذلك لم يكن في خطبة الجمعة، وعادة العرب الخطب في المهمات. الجوهري: أرتج على القارئ، على ما لم يسم فاعله: إذا لم يقدر على القراءة، كأنه أطبق عليه، كما يرتج الباب، أي: يغلق. قوله: (من ذكر الظلمة وألقابهم)، الانتصاف: الدعاء للسلطان الواجب الطاعة مشروع بكل حال، فقيل لبعض السلف: تدعو لسلطان ظالم؟ قال: إن ما يدفع الله ببقائه أعظم مما يدفع بزواله، لاسيما إذا ضمن الدعاء صلاحه وسداده. الإنصاف: الذي قاله الزمخشري هو الذي قاله صاحب "الشامل" عن مذهب الشافعي، وهو الأليق والأشبه بسيرة الخلفاء الراشدين، فلا اعتبار بالعذر عما يتورط في أمثاله. قوله: (إذا قال المنصت للخطبة لصاحبه: صه، فقد لغا)، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ
[ ١٥ / ٤١٦ ]
وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم، وينصبون إلى المصر من كل أوب، ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص والأسواق بهم إذا انتفخ النهار وتعالى الضحى ودنا وقت الظهيرة، وحينئذ تحر التجارة ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد، قيل لهم: بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح، ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ الذي نفعه يسير وربحه مقارب.
فإن قلت: فإذا كان البيع في هذا الوقت مأمورًا بتركه محرمًا، فهل هو فاسد؟
قلت: عامة العلماء على أن ذلك لا يوجب فساد البيع. قالوا:
_________________
(١) قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت"، ولفظ الترمذي: "من قال يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغا". قوله: (انتفخ النهار)، الأساس: ومن المجاز، انتفخ النهار: علا. قوله: (تحر التجارة)، في نسخة: "تحر" بفتح التاء والحاء المهملة، وفي أخرى: بكسر الحاء، وهو شدة إقامة السوق؛ من الحرارة، في حديث علي لفاطمة ﵂: لو أتيت النبي ﷺ فسألته خادمًا يقيك حر ما كنت فيه من العمل. يعني: التعب والمشقة من خدمة البيت، لأن الحرارة مقرونة بهما، كما أن البرودة مقرونة بالراحة والسكون. قوله: (وربحه مقارب)، الجوهري: قاربته في البيع مقاربةً، وشيء مقارب بكسر الراء، أي: وسطًا بين الجيد والرديء، وكذلك إذا كان رخيصًا.
[ ١٥ / ٤١٧ ]
لأن البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب، وعن بعض الناس أنه فاسد. ثم أطلق لهم ما حظر عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح؛ مع التوصية بإكثار الذكر وأن لا يلهيهم شيء من تجارة ولا غيرها عنه، وأن تكون هممهم في جميع أحوالهم وأوقاتهم موكلة به لا ينفضون عنه، لأن فلاحهم فيه وفوزهم منوط به. وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا،
_________________
(١) قوله: (فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة)، أي: يكون البيع محرمًا، لكن غير فاسد، كما أن الصلاة في الأرض المغصوبة مسقطة للقضاء، لكن إيقاعها فيها حرام يستحق به العقاب. قال الشيخ محيي الدين النواوي في "شرح صحيح مسلم" في قوله ﷺ: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لن تقبل له صلاة أربعين ليلةً": معنى عدم قبول الصلاة: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئةً في سقوط الفرض عنه، ولا حاجة معها إلى إعادة، ونظير هذا: الصلاة في الأرض المغصوبة، مجزئة مسقطة للقضاء ولكن لا ثواب فيها، كذا قاله جمهور أصحابنا، قالوا: صلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أتي بها على وجهها الكامل ترتب عليها شيئان؛ سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإذا أداها في أرض مغصوبة حصل الأول دون الثاني، ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلاة أربعين ليلة. العراف: هو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها بها، وقال الخطابي: العراف: هو الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق ومكان الضالة وغيرهما. قوله: (وعن بعض الناس: أنه فاسد)، قال محيي السنة في"المعالم": إنما يحرم البيع والشراء
[ ١٥ / ٤١٨ ]
إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله. وعن الحسن وسعيد بن المسيب: طلب العلم، وقيل: صلاة التطوع. وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا نظرًا في هذه الآية.
[﴿وإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إلَيْهَا وتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجَارَةِ واللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ١١]
روي أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقدم دحية بن خليفة بتجارة من زيت الشام، والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة؛ فقاموا إليه، خشوا أن يسبقوا إليه، فما بقي معه إلا يسير. قيل: ثمانية، وأحد عشر، واثنا عشر، وأربعون، فقال ﵇: " والذي نفس محمد بيده، لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارًا"، وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، فهو المراد باللهو. وعن قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل مقدم عير.
فإن قلت: فإن اتفق تفرق الناس عن الإمام في صلاة الجمعة كيف يصنع؟
_________________
(١) ـ عند الأذان. وفي "شرح السنة" عن ابن عباس: ﴿إِذَا نُودِيَ﴾ يحرم البيع حينئذ، وقال عطاء: يحرم الصناعات كلها. قوله: (أصابهم جوع وغلاء شديد)، الحديث من رواية البخاري ومسلم والترمذي عن جابر: بينا نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ أقبلت عير تحمل طعامًا، فالتفتوا إليها، حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلًا، فنزلت.
[ ١٥ / ٤١٩ ]
قلت: إن بقي وحده أو مع أقل من ثلاثة، فعند أبي حنيفة: يستأنف الظهر إذا نفروا عنه قبل الركوع، وعند صاحبيه: إذا كبر وهم معه مضى فيها، وعند زفر: إذا نفروا قبل التشهد بطلت.
فإن قلت: كيف قال: ﴿إلَيْهَا﴾ وقد ذكر شيئين؟
قلت: تقديره: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه؛ فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وكذلك قراءة من قرأ: (انفضوا إليه). وقراءة من قرأ: (لهوا أو تجارة انفضوا إليها) وقرئ: (إليهما).
_________________
(١) قوله: (كيف قال: ﴿إِلَيْهَا﴾ وقد ذكر شيئين؟)، الراغب: أعيد الضمير إلى التجارة دون اللهو لما كانت سبب انفضاض الذين نزلت الآية فيهم، ولأنه قد تشغل التجارة عن العبادة من لا يشغله اللهو، وعلى ذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] لما كان حبس الفضة عن الناس أعظم ضررًا إذ كانت الحاجة إليها أمس، ومنعها للمضرة أجلب. وعلى ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] خصها برد الضمير، لأنها أرفع منزلةً من الصبر، لأنها تجمع ضروبًا من الصبر، إذ هي حبس الحواس على العبادة، وحبس الخواطر والأفكار على الطاعة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. وقلت: ويمكن أن يقال: إن"أو" في ﴿أَوْ لَهْوًا﴾ مثلها في قول الشاعر: بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أو أنت في العين أملح
[ ١٥ / ٤٢٠ ]
عن رسول الله ﷺ: " من قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة وبعدد من لم يأتها في أمصار المسلمين".
_________________
(١) وقال الجوهري: يريد: بل أنت، فالضمير في ﴿إِلَيْهَا﴾ راجع إلى اللهو باعتبار المعنى، والسر فيه: أن التجارة إذا شغلت المكلف عن ذكر الله عدت لهوًا، وتعد فضلًا إن لم تشغله، كما في قوله: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾. ثم أرشدهم بعد التوبيخ والتعيير إلى تحري الأصوب، وتوخي المنهج الأقوم على سبيل العموم، قائلًا: ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجَارَةِ﴾، وقدم ما كان مؤخرًا وكرر الجارة لإرادة الإطلاق في كل واحد واستقلاله فيما قصد منه، التخالف السابق في اتحاد المعنى، لأن ذلك في قصة مخصوصة كما روينا عن الأئمة. تمت السورة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه. * * *
[ ١٥ / ٤٢١ ]