مكية، وهي ثمان وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الجِنِّ فَقَالُوا إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا • يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ولَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا • وإنهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَخَّذَ صَاحِبَةً ولا ولَدًا • وإنهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا • وإنا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الإنسُ والْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) ١ - ٥]
قرئ: «أحى»، وأصله وحي؛ يقال: أوحى إليه ووحى إليه،
_________________
(١) سورة الجِنّ ثمان وعشرون آية، مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي قوله: (قُرئ: "أُحِيَ")، قال ابن جني: " وهي قراءة ابن عائذ، أُحِيَ: من وَحَيت في وزن "فُعِلَ"، يقال: أَوْحيت إليه ووَحَيت إليه. وأصله: وُحي، فلما انضمت الواو ضمًا لازمًا هُمِزت كقوله تعالى: ﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]، أي: وُقِّتت، وقالوا في "وجوه": أُجوه".
[ ١٦ / ٤٦ ]
فقلبت الواو همزة، كما يقال: أعد، وأزن، (وإذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ) [المرسلات: ١١]، وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة؛ وقد أطلقه المازني في المكسورة أيضا كإشاح وإسادة، وإعاء أخيه، وقرأ ابن أبى عبلة: «وحي» على الأصل (أَنَّهُ اسْتَمَعَ) بالفتح، لأنه فاعل (أُوحِيَ)، و(إنَّا سَمِعْنَا): بالكسر؛ لأنه مبتدأ محكي بعد القول، ثم تحمل عليهما البواقي، فما كان من الوحي فتح، وما كان من قول الجن كسر؛ وكلهن من قولهم إلا الثنتين الأخريين (وإن المَسَاجِدَ) [الجن: ١٨]،
_________________
(١) قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، بالفتح)، ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بفتح الهمزة من ﴿وَأَنَّهُ﴾، ﴿وَأَنَّا﴾، ﴿وَأَنَّهُمْ﴾، من لَدُن قوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾، في ابتداء كل آية. والباقون: بكسرها. وقال أبو البقاء: "ما في هذه السورة من "إن"، فبعضه مفتوح وبعضه مكسور وفي بعضه اختلاف، ما كان معطوفًا على ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ فهو مفتوح لا غير، لأنها مصدرية وموضعها رفع بـ ﴿أُوحِيَ﴾. وما كان معطوفًا على ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾، فهو مكسور لأنه محكي بعد القول، وما صح أن يكون معطوفًا على الهاء في ﴿بِهِي﴾، كان مفتوحًا على قول الكوفيين على تقدير: وبأن، ولا يُجيزه البصريون، لأن حرف الجر يلزم إعادته عندهم هنا. فأما قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، فالفتح فيه على وجهين: أحدهما: أنه معطوف على ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، فيكون: قد أُوحي. والثاني: أن يكون مُعلقًا بـ ﴿تَدْعُوا﴾، أي: لا تشركوا مع الله أحدًا، لأن المساجد، أي: مواضع السجود. وقيل: هو جمع مسجد، وهو مصدر. ومن كَسَرَ استأنف، وأما ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ﴾، فيحتمل العطف على ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، وعلى ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾ ".
[ ١٦ / ٤٧ ]
(وإنهُ لَمَّا قَامَ) [الجن: ١٩]، ومن فتح كلهن فعطفًا على محل الجار والمجرور في (فَآمَنَّا بِهِ)، كأنه قيل: صدقناه وصدقنا (وإنهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا)، (وإنهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا)، وكذلك البواقي.
(نَفَرٌ مِّنَ الجِنِّ): جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقيل: كانوا من الشيصبان، وهم أكثر الجن عددًا، وعامة جنود إبليس منهم. (فَقَالُوا إنَّا سَمِعْنَا) أي: قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم، كقوله: (فَلَمَّا قُضِيَ ولَّوْا إلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ • قَالُوا يَا قَوْمَنَا إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا) [الأحقاف: ٢٩ - ٣٠]. (عَجَبًا) بديعًا مباينا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه، قائمة فيه دلائل الإعجاز. وعجب مصدر يوضع موضع العجيب، وفيه مبالغة؛ وهو ما خرج عن حد أشكاله ونظائره. (يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ) يدعو إلى الصواب، وقيل: إلى التوحيد والإيمان، والضمير في (بِهِ) للقرآن؛ ولما كان الإيمان به إيمانا بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك، قالوا: (ولَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا)، أي: ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك به في طاعة الشيطان. ويجوز أن يكون الضمير لله ﷿؛ لأن قوله: (بِرَبِّنَا) يفسره.
_________________
(١) قوله: (فعطفًا على محل الجار والمجرور)، أي: فيُعطف عطفًا. وقال الزجاج: "العطف على المجرور رديء، لأنه لا يعطف على الهاء المخفوضة إلا بإظهار الخافض. والوجه أن يكون محمولًا على معنى "آمنا به"، لأن معناه: صدقنا وعلمنا، أي: وصدقنا أنه تعالى جد ربنا". قوله: (قالوا: ﴿وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾، وهو جواب لما أرادوا أن عطف قوله: ﴿وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾، من باب عطف المسبب على السبب، وحرف الجمع يُفوض الترتيب إلى ذهن السامع، وهو أبلغ من الفاء. ويمكن أن يقال: إن مجموع قوله: ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾: مسبب عن مجموع قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾؛ فكونه قرآنًا عجبًا، أي: مُعجزًا بديعًا،
[ ١٦ / ٤٨ ]
(جَدُّ رَبِّنَا) عظمته، من قولك: جد فلان في عيني، أي: عظم. وفي حديث عمر ﵁: «كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا». وروي: «في أعيننا».
أو ملكه وسلطانه أو غناه، استعارة من الجد الذي هو الدولة والبخت؛ لأن الملوك والأغنياء هم المجدودون، والمعنى: وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد لعظمته، أو لسلطانه وملكوته أو لغناه. وقوله: (مَا اتَخَّذَ صَاحِبَةً ولا ولَدًا) بيان لذلك
_________________
(١) يوجب الإيمان به، وكونه يهدي إلى الرشد، موجب قلع الشرك من سِنْخه، والدخول في دين الله كله. قوله: (إذا قرأ البقرة وآل عمران جدَّ فينا)، الحديث من رواية البخاري ومسلم، عن أنس، "أن رجلًا كان يكتب للنبي؟، وقد كان قرأ "البقرة" و"آل عمران"، وكان الرجل إذا قرأ "البقرة" و"آل عمران"جدَّ فينا". قوله: (أو مُلكُه)، عطف على "عظمته". قوله: (استعارة من الجَدّ)، أي استعار الملك والغنى من "الجَدّ"، وهو يحتمل أن يكون استعارة لفظية أو معنوية؛ فاللفظية أن الجَدّ موضوع للبخت والدولة، وهما لا يستعملان إلا في المحلوف، فاستعير في الله تعالى استعارة المرسن للأنف، والمعنوية أن يمثل ما في الغائب، وهو عظمة الله وماكُه وغناه تعالى، بما في الشاهد من البخت والدولة للملوك، فاستعمل في المشبّه ما كان مستعملًا في المشبّه به، من لفظ الجّدّ والبخت، ونحوه سيق في قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥].
[ ١٦ / ٤٩ ]
وقرئ: «جدا ربنا» على التمييز، «جدا ربنا»، بالكسر، أي: صدق ربوبيته وحق إلاهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد، وذلك أنهم لما سمعوا القرآن ووفقوا للتوحيد والإيمان، تنبهوا على الخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيه الله بخلقه واتخاذه صاحبة وولدًا، فاستعظموه ونزهوه عنه. سفيههم: إبليس لعنه الله أو غيره من مردة الجن. والشطط: مجاوزة الحد في الظلم وغيره. ومنه: أشط في السوم إذا أبعد فيه، أي: يقول قولا هو في نفسه شطط؛ لفرط ما أشط فيه، وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله، وكان في ظننا أن أحدًا من الثقلين لن يكذب على الله ولن يفترى عليه ما ليس بحق،
_________________
(١) قوله: (وقُرئ: جدًّا ربنا، على التمييز)، قال ابن جني: "قرأها عكرمة، أي: تعالى ربنا جدًا، ثم قدم المميز، نحو قولك: حسن وجهًا زيد". قوله: ("وجِدُّ رَبِّنا" بالكسر، أي: صدق ربوبيته)، ونحوه: جد العالم، أي: ليس فيه هزل، يعني أن علمه غير مشوب بشيء من الجهل، لقوله ﵇: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، جوابًا على قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾؟ [البقرة: ٦٧]. فمعنى قوله: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ في هذا المقام، معنى قوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧]، إذا فُسِّرَ ﴿لَهْوًا﴾ بـ ﴿وَلَدًا﴾، ولهذا قال: "وحَقُّ إلهيته عن اتُخاذ الصاحبة والولد". قوله: (أشط في السَّوم إذا أبعد فيه)، الجوهري: "يُقال: سامت الماشية تَسوم سومًا، إذا رَعَت، فهي سائمة". قوله: (أي: يقول قولًا هو في نفسه شطط)، أي: "شططًا" صفة لمصدر محذوف. قال القاضي: "أي: قولًا ذا شطط، أو: هو شَطَطٌ لِفَرط ما أشَطّ فيه".
[ ١٦ / ٥٠ ]
فكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه من ذلك، حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم وافتراؤهم كذبًا قولا ()، أي: مكذوبا فيه. أو نصب نصب المصدر لأن الكذب نوع من القول. ومن قرأ: «أن لن تقوّل»، وضع كذبا موضع تقولا، ولم يجعله صفة؛ لأن التقوّل لا يكون إلا كذبًا.
[(وإنهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا • وإنهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا) ٦ - ٧]
والرهق: غشيان المحارم، والمعنى: أن الإنس باستعاذتهم بهم زادوهم كبرًا وكفرًا؛ وذلك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى في واد قفر في بعض مسايره وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم؛ فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الجن والإنس؛ فذلك رهقهم، أو فزاد الجن الإنس رهقا بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم (وإنهُمْ) وأن الإنس (ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ) وهو من كلام الجن، يقوله بعضهم لبعض. وقيل: الآيتان من جملة الوحي، والضمير في (وإنهُمْ ظَنُّوا) للجن، والخطاب في (ظَنَنتُمْ) لكفار قريش.
_________________
(١) قوله: (ومن قرأ: "أن لن تقول")، قال ابن جني: "قرأها الحسن ويعقوب، و﴿كَذِبًا﴾ على هذا منصوب على المصدر من غير حذف موصوف معه، وذلك أن "تقول" في معنى "تَكذِب"، كأنه قيل: أن لن يكذب الإنس والجن على الله كذبًا. وأما من قرأ: ﴿أَن لَّن تَقُولَ﴾، فإنه وصف مصدر محذوف، أي: أن لن تقول على الله قولًا كذبًا، أو نصبه نصب المفعول به، أي: أن لن تقول كذبًا، كقولك: قلت حقًا، وقلت شِعرًا". قوله: (الآيتان من جُملة الوحي)، يعني: قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ﴾، وقولهم: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾، من جملة قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، فعلى هذا، الحق أن تُفتح ﴿أَنَّهُ﴾ و﴿وَأَنَّهُمْ﴾ كما مرَّ آنفًا.
[ ١٦ / ٥١ ]
[(وأنا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا • وإنا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) ٨ - ٩]
اللمس: المس، فاستعير للطلب؛ لأن الماس طالب متعرف قال:
مسنا من الآباء شيئا وكلنا … إلى نسب في قومه غير واضع
يقال: لمسه والتمسه، وتلمسه، (كطلبه وأطلبه وتطلبه)، ونحوه: الجس، وقولهم: جسوه بأعينهم وتجسسوه. والمعنى: طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها. والحرس: اسم مفرد في معنى الحراس، كالخدم في معنى الخدام؛ ولذلك وصف بشديد، ولو ذهب إلى معناه لقيل: شدادًا؛ ونحوه:
أخشى رجيلًا أو ركيبًا غاديا
_________________
(١) قوله: (مَسِسنا من الآباء) البيت، بعده: فلمت بَلغنا الأمّهات وَجَدتُّمُ بَني عَمِّكم كانوا كرامَ المضاجعِ أي: طلبنا عيبًا، لأن الماس طالب مُتعرف، وقوله: "غير واضع" صفة "نسب"، يقول على سبيل المفاخرة مع الأقرباء: طَلَبنا من جانب الآباء، هل فينا من ضَعَةً وفساد، فوجدنا كُلًّا منا ينتمي إلى حسب شريف ونسب كريم يَرفعه ولا يَضعه، فلما بلغنا المفاخرة إلى الأمهات، وجدتم بني عمِّكم، والمراد به أنفسكم، كرام المضاجع. والمضاجع كناية عن الأزواج، وهذا من أحسن المعاريض، لأن المراد: كُنا من طرف الآباءِ سواء، وكانت أمهاتنا أشرف من أمهاتكم.
[ ١٦ / ٥٢ ]
لأن الرجل والركب مفردان في معنى الرجال والركاب. والرصد: مثل الحرس: اسم جمع للراصد، على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب، ويمنعونهم من الاستماع. ويجوز أن يكون صفة للشهاب بمعنى الراصد، أو كقوله:
ومعى جياعًا
يعني: يجد شهابًا راصدًا له ولأجله.
فإن قلت: كأن الرجم لم يكن في الجاهلية، وقد قال الله تعالى: (ولَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ) [الملك: ٥]، فذكر فائدتين في خلق الكواكب: التزيين، ورجم الشياطين؟
_________________
(١) قوله: (ذوي شهاب) إلى آخره، قيل: حاصل الوجه الأول: أن المراد بقوله: ﴿شِهَابًا﴾ الملائكة، و﴿رَّصَدًا﴾ صفته على الوجه الذي ذكره. والثاني: أن المراد بالشهاب معناه المشهور من غير حذف المضاف، والرَّصد مفرد لا اسم جمع، وهو صفة "شِهاب". والثالث: أن يكون المراج بالشهاب اسم جمع، كما في قوله: ومعي جِياعَا فإن المراد بالمعي الجمع؛ ولهذا وصفه بالجمع. وقلت: لعل الحاصلين أن ﴿شِهَابًا رَّصَدًا﴾، لا يخلو: إما أن يُحْملا على الجميع، كما يقال: ذوي شهاب راصدين. أو على الإفراد، بأن يُقال: شهابًا راصدًا، أي: يجد كل واحد من المُستمع شهابًا راصدًا له ولأجله. أو يُحمل ﴿شِهَابًا﴾ على الإفراد، و﴿رَّصَدًا﴾ على الجمع مُبالغة، نحو قوله: "مِعي جياعًا"، تنزيلًا للواحد وهو الموصوف منزلة الجمع؛ فإن المراد أن
[ ١٦ / ٥٣ ]
قلت: قال بعضهم: حدث بعد مبعث رسول الله ﷺ وهو إحدى آياته، والصحيح أنه كان قبل المبعث؛ وقد جاء ذكره في شعر أهل الجاهلية، قال بشر بن أبى خازم:
والعير يرهقها الغبار وجحشها … ينقض خلفهما انقضاض الكوكب
_________________
(١) كل مكان من أمكنة الأمعاء بمنزلة معي واحد، فكأنه أمعاء لشدة الجوع. كذلك، كل واحد من المستمع بمنزلة جماعة فيُرمى بالراصدين؛ فلما كان الوجهان قرينين، عقبهما بقوله: "يعني: يجد شهابًا راصدًا له". الجوهري: "المعي واحد الأمعاء". وفي الحديث: "المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر في سبعة أمعاء". وقلت: الحديث رواه البخاري ومسلم ومالك والترمذي، عن أبي هريرة. وأما "معي جياعًا"، فتمامه: كأن قُتود رَحلي حين ضَمّت حوالب غُرزًا ومِعيً جياعاَ "حوالب"خبر "كأن"، والقتود عيدان الرَّحل، جمع قَتَد، والحالبان: العِرقان المكتنفان بالسُّرة، والحَلوبة الناقة ذات اللبن تُركت، والحوالب جمعها. وغَزَّرت إذا قل لبنها، فهي غارزة، نزل الموصوف وهو واحد منزلة الجمع، ووصف بالجمع وهو "جياعًا". قوله: (والعَيرُ يُرهقُها) البيت، "يُرْهقُها": يُكلِّفها ويُغشيها، يعني: العَير يُكلف الأتان
[ ١٦ / ٥٤ ]
وقال أوس بن حجر:
وانقض كالدري يتبع … نقع يثور تخاله طنبا
وقال عوف بن الخرع:
يرد علينا العير من دون إلفه … أو الثور كالدري يتبعه الدم
_________________
(١) ويتبع أثرها، ويغشيها بالغبار في العدو، والجحش يعدو خلفها، كما يهوي كوكب الرَّجم. خازم، بالخاء المعجمة. قوله: (وانْقَضّ كالدُّرِّي) البيت، يصف فرسه، أي: هوى في العدو كالكوكب الدّرّي، يتبعه نقع، أي: غبار، تخاله، أي: تحسب الغبار طُنُبًا من امتداده، انقض الطائر: سَقَط، وانقض الطائر: هوى في طيرانه، ومنه انقِضاض الكواكب. قوله: (يَرُد علينا العير) البيت، يصف عدو فرسه، أي: يَرُد علينا الحمار الوحشي وهو ينقض، أي: يسقط ويهوي في عدوه. من دون إلفه، أي: قُرب زوجه، مع أنه إذا كان مع إلفه، كان أشدَّ نفارًا وأحدَّ عدوًا. يَتْبعه الدم؛ أي: أنه مجروح. وكالدري، وهو إما صفة للثور أو الفرس، إذا فُسِّرَ الدَّم للتقرب والحُمرة، وهي نار الحاجب. وقوله: "عوف بن الخَرِع"، صح بالخاء المعجمة والراء والعين المهملة.
[ ١٦ / ٥٥ ]
ولكن الشياطين كانت تسترق في بعض الأحوال، فلما بعث رسول الله ﷺ كثر الرجم وزاد زيادة ظاهرة؛ حتى تنبه لها الإنس والجن، ومنع الاستراق أصلًا.
وعن معمر: قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: أرأيت قوله تعالى: (وإنا كُنَّا نَقْعُدُ)؟ فقال: غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي ﷺ. وروى الزهري عن على بن الحسين، عن ابن عباس ﵄: بينا رسول الله ﷺ جالس في نفر من الأنصار إذ رمى بنجم فاستنار، فقال: «ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟ فقالوا: كنا نقول: يموت عظيم أو يولد عظيم». وفي قوله (مُلِئَتْ) دليل على أن الحادث هو الملء والكثرة، وكذلك قوله (نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ)، أي: كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب، والآن ملئت المقاعد كلها، وهذا ذكر ما حملهم على الضرب في البلاد حتى عثروا على رسول الله ﷺ واستمعوا قراءته.
[(وإنا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) ١٠]
يقولون: لما حدث هذا الحادث من كثرة الرجم ومنع الاستراق، قلنا: ما هذا إلا لأمر أراده الله بأهل الأرض، ولا يخلو من أن يكون شرًا أو رشدًا، أي: خيرًا، من عذاب أو رحمة، أو من خذلان أو توفيق.
_________________
(١) قوله: (ولكن الشياطين)، متعلق بقوله: "أنه كان قبل المبعث". قوله: (وهذا ذكر ما حَملهم)، أي: هذا ذكر الداعي الذي حملهم. والذكر المشار إليه ما يُفهم من مجموع: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. ولهذا أوقع "يقولون" بيانًا لقوله: "وهذا ذكر ما حملهم". و"لما" مع جوابه، مقول "يقولون". قوله: (ما هذا إلا لأمر أراده الله تعالى بأهل الأرض، ولا يخلو من أن يكون شرًا أو رشدًا)، الانتصاف: "ومن عقائدهم، أي: الجن، أن الهدى والضلال جميعًا من خلق الله، فتأدبوا
[ ١٦ / ٥٦ ]
[(وأنا مِنَّا الصَّالِحُونَ ومِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) ١١]
(مِنَّا الصَّالِحُونَ) الأبرار المتقون، (ومِنَّا دُونَ ذَلِكَ) ومنا قوم دون ذلك، فحذف الموصوف، كقوله: (ومَا مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ) [الصافات: ١٦٤]، وهم المقتصدون في الصلاح غير الكاملين فيه، أو أرادوا الطالحين. (كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) بيان للقسمة المذكورة، أي: كنا ذوى مذاهب مفترقة مختلفة، أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة، أو كنا في طرائق مختلفة، كقوله:
كما عسل الطريق الثّعلب
_________________
(١) بنسبة الرشاد إليه تعالى، وجعلوا الشر مُضمر الفاعل، فجمعوا بين حسن الاعتقاد والأدب الحسن". وقلت: مثله قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]. قوله: (﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ بيان للقسمة المذكورة)، قال الزجاج: "قددًا: متفرقين مسلمين وغير مسلمين، وقوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾، تفسير لـ ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ ". اعلم أن ﴿طَرَائِقَ﴾ هو خبر ﴿كَانَ﴾، إما بحذف المضاف في الخبر، وهو "ذو" تارة، و﴿قِدَدًا﴾ صفة، وهو المراد من قوله: كنا ذوي مذاهب متفرقة". وأخرى مثل على منوال: زيد أسد، وكذلك أتى بأداة التشبيه وبين وجه الشبه بقوله: "في اختلاف أحوالنا". وإما على أنه ظرف مُستقر يُحذف "في" في المؤقت، وإليه الإشارة بقوله: "كنا في طرائق مختلفة". ويجوز أن يُترك على ما هو عليه، ويقدر مضافًا في اسم كان، وهو المراد من قوله: "أو كانت طرائقنا طرائق قِددًا". قوله: (كما عَسَلَ الطريق الثعلب)، أوله: لَدْن بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُه فيه
[ ١٦ / ٥٧ ]
أو كانت طرائقنا طرائق قددًا، على حذف المضاف الذي هو الطرائق، وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه؛ والقدة من قد، كالقطعة من قطع، ووصفت الطرائق بالقدد، لدلالتها على معنى التقطع والتفرّق.
[(وإنا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ ولَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا) ١٢]
(فِي الأَرْضِ) و(هَرَبًا): حالان، أي: لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها، ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء. وقيل: لن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمرا، ولن نعجزه هربا إن طلبنا. والظن بمعنى اليقين؛ وهذه صفة أحوال الجن وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم: منهم أخيار، وأشرار، ومقتصدون؛ وأنهم يعتقدون أن الله ﷿ عزيز غالب لا يفوته مطلب ولا ينجى عنه مهرب.
[(وإنا لَمَّا سَمِعْنَا الهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا) ١٣]
(لَمَّا سَمِعْنَا الهُدَى): هو سماعهم القرآن وإيمانهم به (فَلا يَخَافُ) فهو لا يخاف، أي فهو غير خائف؛ ولأن الكلام في تقدير مبتدأ وخبر دخلت الفاء، ولولا ذاك لقيل: لا يخف.
فإن قلت: أي فائدة: في رفع الفعل وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبرًا له ووجوب إدخال الفاء، وكان ذلك كله مستغنى عنه بأن يقال: لا يخف؟
قلت: الفائدة فيه: أنه إذا فعل ذلك،
_________________
(١) رمح لدن: أي: لين، عسل: أي: أسرع، والضمير في "فيه" للهز أو "الكف"، أي: عدا في الطريق، وفيه إشكال؛ لأن حُكم مؤقت المكان كحكم غير الظروف، فلا يُحذف "في"، والبيت شاذ. وقيل: منصوب بحذف الجار واتصال الفعل. قوله: (الفائدة فيه: أنه إذا فعل ذلك)، أي: الرفع والتقدير. خلاصة الجواب: أن العدول من الظاهر لفائدتين: إحداهما: دلالة الثبوت والدوام التي تُعطيها الجملة الاسمية. وثانيتهما: تقديم الفاعل المعنوي المفيد للاختصاص، وأنه هو المختص بذلك دون غيره.
[ ١٦ / ٥٨ ]
فكأنه قيل: فهو لا يخاف، فكان دالًا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة وأنه هو المختص بذلك دون غيره. وقرأ الأعمش: فلا يخف، على النهي. (بَخْسًا ولا رَهَقًا): أي جزاء بخس ولا رهق، لأنه لم يبخس أحدا حقًا، ولا رهق ظلم أحد فلا يخاف جزاءهما، وفيه دلالة على أن من حق من آمن بالله أن يجتنب المظالم. ومنه قوله ﵊: «المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم»، ويجوز أن يراد: فلا يخاف أن يبخس؛ بل يجزى الجزاء الأوفى، ولا أن ترهقه ذلة، من قوله ﷿: (وتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) [يونس: ٢٧].
[(وإنا مِنَّا المُسْلِمُونَ ومِنَّا القَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) ١٤ - ١٥]
_________________
(١) قوله: (﴿وَلَا رَهَقًا﴾)، الراغب: "رَهِقَه الأمر، أي: غَشِيَه بِقَهر". الأساس: "رهقه: دنا منه، وأرهقناهم الخيل، وصبي مراهق: مدان للحلم". النهاية: "في حديث علي، ﵁، أنه وعظ رجلًا في صحبة رجل رهق، أي: فيه خِفَّة وحِدة. ويقال: رجل فيه رهق، إذا كان يَخِفُّ إلى الشر ويغشاه". قوله: (لأنه لم يبخس أحدًا حقًّا)، يريد أنه من باب نفي المسبب لانتفاء السبب، وقد وضع موضع ذلك السبب الإيمان بالله؛ ليؤذن بأن الإيمان هو السبب في الاجتناب عن البَخْس والظلم؛ ولذلك استشهد بقوله: "المؤمن من أمنه الناس". والحديث من رواية الترمذي والنسائي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله؟: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمِنه الناس على دمائهم وأموالهم". قوله: (ويجوز أن يراد: فلا يخاف أن يُبْخَس)، عطف على قوله: "أي: جزاء بخس ولا رَهَق".
[ ١٦ / ٥٩ ]
(القَاسِطُونَ) الكافرون الجائرون عن طريق الحق. وعن سعيد بن جبير ﵁: أن الحجاج قال له حين أراد قتله: ما تقول فى؟ قال: قاسط عادل، فقال القوم: ما أحسن ما قال! حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل؛ فقال الحجاج: يا جهلة، إنه سماني ظالما مشركًا، وتلا لهم قوله تعالى: (وأَمَّا القَاسِطُونَ)، وقوله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) [الأنعام: ١]، وقد زعم من لا يرى للجن ثوابًا، أن الله تعالى أوعد قاسطيهم وما وعد مسلميهم؛ وكفى به وعدًا أن قال: (فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا)، فذكر سبب الثواب وموجبه، والله أعدل من أن يعاقب القاسط ولا يثيب الراشد.
_________________
(١) والفرق أن القصد في نفي الخوف على الوجه الأول، كان لأجل انتفاء سببه، وعلى الثاني لإثبات منافيه، وهي الأعمال الصالحة، ليترتب عليها الجزاء الأوفى. كما دل الأول على أن من حق المؤمن أن لا يُنقص حق أخيه المسلم ولا يظلمه، دل الثاني على أن من حقه أن يعمل الأعمال الصالحة، ويفهم منه أيضًا، أن من لم يُؤمن بربه الذي أنعم عليه وأحسن إليه بالنعم الظاهرة والباطنة، تُجعل أعماله التي حسبها أعمالًا، هباءً منثورًا. قوله: (﴿الْقَاسِطُونَ﴾: الكافرون الجائرون)، الراغب: " القسط هو النصيب كالنصف والنَّصفة، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩]. والقَسط بالفتح، هو أن يأخذ قسط غيره، ولذلك قيل: قَسَطَ الرجل: إذا جار، وأَقْسط: إذا عدل، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. قوله: (فذكر سبب الثواب وموجبه)، وهو قوله: ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾، قال: أي: قَصدوا
[ ١٦ / ٦٠ ]
[(وألَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا • لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا) ١٦ - ١٧]
(وأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا): «أن» مخففة من الثقيلة، وهو من جملة الموحى، والمعنى: وأوحي إلى أن الشأن والحديث: لو استقام الجن على الطريقة المثلى، أي: لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله والطاعة، ولم يستكبر عن السجود لآدم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام، لأنعمنا عليهم ولوسعنا رزقهم. وذكر الماء الغدق وهو الكثير بفتح الدال وكسرها؛ وقرئ بهما، لأنه أصل المعاش وسعة الرزق. (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خولوا منه. ويجوز أن يكون معناه: وأن لو استقام الجن الذين استمعوا على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الاستماع ولم ينتقلوا عنها إلى الإسلام، لوسعنا عليهم الرزق مستدرجين لهم،
_________________
(١) طريق الحق والرَّشد. وقيل: تحروا: توخَّوا وعمدوا. والضمير في "به" مُبهم، يفسره قوله: "أن قال". قوله: (بفتح الدال وكسرها، وقُرئ بهما)، الغدق، بالفتح: هي المشهورة، وبالكسر: شاذة. قوله: (ويجوز أن يكون معناه)، عطف من حيث المعنى على قوله: "لو استقام الجنُّ على الطريقة المثلى". واختلاف التَّفسيرين بحسب تفسير ﴿لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾؛ فعلى الأول مُؤول بالاختيار، وعلى الثاني بالفتنة والهَلَكة. وينصر الثاني التذييل بقوله: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾، لأنه توكيد لمضمون السابق من الوعيد، أي: لنستدجهم فيتبعوا الشهوات التي هي موجبة للبطر والإعراض عن ذكر الله.
[ ١٦ / ٦١ ]
لنفتنهم فيه: لتكون النعمة سببًا في إتباعهم شهواتهم، ووقوعهم في الفتنة، وازديادهم إثمًا؛ أو لنعذبهم في كفران النعمة. (عَن ذِكْرِ رَبِّهِ) عن عبادته أو عن موعظته، أو عن وحيه. (يَسْلُكْهُ): وقرئ بالنون مضمومة ومفتوحةً، أي: ندخله (عَذَابًا)، والأصل: نسلكه في عذاب، كقوله: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) [المدثر: ٤٢] فعدي إلى مفعولين: إما بحذف الجار وإيصال الفعل، كقوله: (واخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) [الأعراف: ١٥٥]، وإما بتضمينه معنى «ندخله»، يقال: سلكه وأسلكه، قال:
حتى إذا أسلكوهم في قتائدة
والصعد: مصدر صعد، يقال: صعد صعدًا وصعودًا، فوصف به العذاب، لأنه يتصعد المعذب، أي: يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. ومنه قول عمر ﵁: ما تصعدني شيء ما تصعدني خطبة النكاح، يريد: ما شق علي ولا غلبني.
_________________
(١) قوله: (﴿يَسْلُكْهُ﴾، وقُرئ بالنون)، عاصم وحمزة والكسائي: بالياء مفتوحة، والباقون: بالنون. قوله: (حتى إذا أسْلكوهم في قُتائِدةٍ)، عجزه: شَلًّا كما تَطْردُ الجمّالةُ الشُّرُدَا قُتائدةٍ: ثنية معروفة، والشَّلّ: الطَّرد، أي: يشلون شلًّا؛ يصف جيشًا هزموهم، حتى أدخلوهم في هذه الثنية، كما تطرد الجمالة النوق الشُّرُد النافرة. قوله: (ما تصعّدني شيء ما تَصَعدتني خطبة النكاح)، "ما" الأولى نافية، والثانية مصدرية.
[ ١٦ / ٦٢ ]
[(وأن المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) ١٨]
(وإن المَسَاجِدَ) من جملة الموحى. وقيل معناه: ولأن المساجد (لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا)، على أن اللام متعلقة ب- «لا تدعوا»، أي: فلا تدعوا (مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) في المساجد، لأنها لله خاصة ولعبادته. وعن الحسن: يعني الأرض كلها؛ لأنها جعلت للنبي ﷺ مسجدًا. وقيل: المراد بها المسجد الحرام، لأنه قبلة المساجد، ومنه قوله تعالى: (ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) [البقرة: ١١٤]. وعن قتادة: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله، فأمرنا أن نخلص لله الدعوة إذا دخلنا المساجد. وقيل: المساجد أعضاء السجود السبعة،
_________________
(١) ـ النهاية: "يقال: تصعده الأمر إذا شق عليه وصعب، وهو من الصعود: العقبة؛ وقيل: إنما تصعب عليه لقُرب الوجوه من الوجوه، ونظر بعضهم إلى بعض، لأنهم إذا كان جالسًا معهم كانوا نظراء وأكفاء، وإذا كان على المنبر كانوا سُوقة ورَعية". وروي عن المصنف أنه قال: إنما قال عمر ﵁ ذلك، لأنه كان من عادتهم، أنهم كانوا يذكرون في الخطبة جميع ما كان في الخاطب من الأوصاف الموروثة والمكتسبة، فكان يشق عليهم ارتجالًا، أو كان يشق أن يقول الصدق في وجه الخاطب وعشيرته. قوله: (لأنها جُعِلت للنبي؟)، هو من قوله صلوات الله عليه: "جُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا". الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
[ ١٦ / ٦٣ ]
قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أسجد على سبعة آراب، وهي: الجبهة، والأنف، واليدان، والركبتان، والقدمان»، وقيل: هي جمع مسجد وهو السجود.
[(وإنهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) ١٩]
(عَبْدُ اللَّهِ): النبي ﷺ.
فإن قلت: هلا قيل: رسول الله أو النبي؟ قلت: لأن تقديره: وأوحي إلى أنه لما قام عبد الله، فلما كان واقعا في كلام رسول الله ﷺ عن نفسه، جيء به على ما يقتضيه التواضع والتذلل، أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله لله ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر، حتى يكونوا عليه لبدًا
_________________
(١) قوله: (أُمِرت أن أسجد على سبعة آراب)، عن العباس بن عبد المطلب، أنه سمع رسول الله؟ يقول: "إذا سجد العبد سجدة، سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه ورُكبتاه وقدماه"، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. قوله: (أو لأن المعنى)، يريد أن قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، من جملة الموحى في قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾، ومعطوف على قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾، فيكون من تتمة كلامه صلوات الله عليه، لأنه هو المأمور بقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾، فكان الأصل: قُل أوحي إلى أنه لما قمت تدعو؛ فوضع موضع الضمير عند الله تواضعًا لله تعالى، وتذللًا لجلاله تعليمًا من الله وتأديبًا له. أو يكون نقلًا لكلام الله تعالى الموحى إليه؛ فتخصيص ذكر العبد إدماج لمعنى أن العبادة من العبد غير مُستبعدة، فلا ينبغي أن نتعجب منه.
[ ١٦ / ٦٤ ]
ومعنى «قامَ يدعوه»: قام يعبده، يريد: قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته ﷺ. (كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) أي يزدحمون عليه متراكمين تعجبا مما رأوا من عبادته واقتداء أصحابه به قائمًا وراكعًا وساجدًا، وإعجابًا بما تلا من القرآن، لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره.
_________________
(١) ولعل هذا الثاني أولى وأحرى لاضمحلال رسمه، فرارًا في مطاوي الفناء، فكأنه صلوات الله عليه يقول: أنا مُبلغ كلام ربي هذا. قوله: (قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن)، روى الترمذي عن ابن عباس: "كان الجن يَصعدون إلى السماء يَستمعون الوحي، فإذا سمعوا كلمة زادوا عليه تسعًا، فأما الكملة فتكون حقًا، وأما ما زادوا فيكون باطلًا، فلما بُعث رسول الله؟ مُنِعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يُرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله؟ قائمًا يُصلي بين جبلين أُراه قال: بمكة، فلقوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حَدَثَ في الأرض". وروى الإمام أحمد ابن حنبل عن عكرمة: "كان رسول الله؟، بنخلةٍ يُصلي العِشاء، كادوا يكونون عليه لِبَدًا". قوله: (وإعجابًا)، عطف على "تعجبًا". يقال: تَعَجبت من الشيء، وأعجبني هذا الشيء بِحُسنه. والإعجاب يتعدى بنفسه إلى واحد، فعداه إلى اثنين بزيادة الباء، كأن البعض قال لبعض آخر: انظروا إلى حُسن هذا القرآن، وغرابة نَظْمِه، وغزارة حُكمِه.
[ ١٦ / ٦٥ ]
وقيل معناه: لما قام رسولًا يعبد الله وحده مخالفا للمشركين في عبادتهم الآلهة من دونه، كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه متراكمين. (لِبَدًا): جمع لبدة، وهو ما تلبد بعضه على بعض، ومنها (لبدة الأسد). وقرئ: «لبدا» واللبدة في معنى اللبدة، ولبدا: جمع لابد، كساجد وسجد. ولبدا بضمتين: جمع لبود، كصبور وصبر. وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من ناوأه. ومن قرأ «وإنه» بالكسر، جعله من كلام الجن، قالوه لقومهم حين رجعوا إليهم حاكين ما رأوا من صلاته وازدحام أصحابه عليه في ائتمامهم به.
_________________
(١) قوله: (وقيل: معناه: لما قام رسولًا)، ويروى أن رسول الله. وهو من باب سَوق المعلوم مساق غيره، فوضع موضع "رسولًا" "عبد الله"، نعيًا على المشركين سوء صنيعهم ممن يُحد الله ويعبده وحده، نظيره قوله تعالى: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨]. ويمكن أن يُحمل هذا الوجه، على قراءة من قرأ بكسر الهمزة حكاية لقول الجن. قوله: (ومنها لبدة الأسد)، الجوهري: "قيل لزُبرة الأسد: لِبدة، وهي الشعر المتراكب بين كتفيه". قوله: (وقُرئ: "لُبَدًا")، هشام: بضم اللام، والباقون: بكسرها. قوله: (ناوأه)، أي: عاداه. الجوهري: "أصله الهمز، لأنه من النَّوء، وهو النهوض". قوله: (ومن قرأ: "وإنه"، بالكسر)، في "المعالم": "قرأ نافع وأبو بكر بكسر الهمزة،
[ ١٦ / ٦٦ ]
[(قُلْ إنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا • قُلْ إنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًا ولا رَشَدًا • قُلْ إنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ولَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا • إلاَّ بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ ورِسَالاتِهِ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا • حَتَّى إذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وأَقَلُّ عَدَدًا • قُلْ إنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا • عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا • إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) ٢٠ - ٢٨]
«قال» للمتظاهرين عليه: (إنَّمَا أَدْعُو رَبِّي)، يريد: ما أتيتكم بأمر منكر، إنما أعبد ربى وحده (ولا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا)، وليس ذاك مما يوجب إطباقكم على مقتي وعداوتي. أو قال للجن عند ازدحامهم متعجبين: ليس ما ترون من عبادتي الله ورفضي الإشراك به بأمر يتعجب منه، إنما يتعجب ممن يدعو غير الله ويجعل له شريكًا. أو قال الجن لقومهم ذلك حكاية عن رسول الله ﷺ (ولا رَشَدًا) ولا نفعًا،
_________________
(١) ـ والباقون بفتحها" وهو عطف من حيث المعنى على قوله: " ﴿عَبْدُ اللَّهِ﴾: النبي؟ "، والكلام على ما سبق مبني على "أنه" بالفتح. وقد مر أن قراءة الفتح مبنية على أنه من جملة الموجى، والكسر على أنه من كلام الجن. قوله: ("قال" للمتظاهرين عليه)، أي: الضمير في "قال إنما أدعو"، لرسول الله؟ . والتعريف في "المتظاهرين"، معهود خارجي تقديري لما يفهم من قوله الاسابق: "لتظاهرهم عليه … مُتراكمين". قوله: (أو قال الجن لقومهم)، عطف على قوله: "قال للمتظاهرين عليه"، وفي كلامه لفٌّ
[ ١٦ / ٦٧ ]
أو أراد بالضر: الغي، ويدل عليه قراءة أبى: «غيا ولا رشدا»،
_________________
(١) ونَشْر. وتقريره: أن قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُوا رَبِّي﴾ الآية، من كلام رسول الله؟؛ فإذا قُرئ: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ بالفتح، يُقدر أن الله تعالى يحكي كلامه صلوات الله عليه، وهو ﴿إِنَّمَا أَدْعُوا رَبِّي﴾، وهو لوجهين بناء على تفسير قوله تعالى: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾: فإذا أُريد بهم المشركون كما قال: "كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه"، فالمعنى: إنما أدعو ربي، أي: ما أتيتكم بأمر مُنكر، إنما أعبد ربي وحده، إلى آخره. وإذا أريد بهم الجن، كما قال حين أتاه الجن فاستمعوا لقراته: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾، فالمعنى: ليس ما ترون من عبادتي الله، ورفضي الإشراك به، بأمر مُتعجب منه، إلى آخره. وإذا قُرئ: "إنه لما قام" بالكسر، يكون الجن قد حكوا لقومهم حين قفلوا إليهم، ما رأوا من رسول الله؟ من قيامه لعبادة الله وما سمعوا منه، من قوله لهم: ﴿إِنَّمَا أَدْعُوا رَبِّي﴾ الآية. قوله: (ويدل عليه قراءة أُبي: "غيًا")، يريد أن ﴿رَشَدًا﴾ وقع مقابلًا لـ ﴿ضَرًّا﴾، وليس من التقابل الحقيقي؛ فإما أن يُؤول الثاني بما يُطابق الأول أو عكسه، وينصر الثاني قراءة أُبَيّ: "غيًّا". وقلت: الأسلوب والنظم يقتضيانهما معًا، لأنه صلوات الله عليه، لما ازدحم عليه الجن ازدحامًا عظيمًا، وتعجبوا منه تعجبًا بليغًا، قيل له: قل لهم: هَونوا على أنفسكم ولا تزدحموا عليّ، لأني عبد مبعوث مُبلغ، ليس إليّ ضَرُّكم ولا نفعكم ولا رشدكم ولا غيكم، فإن ذلك إلى الله تعالى؛ وإنما ذهب إلى هذا الأسلوب، وعَدَل من التقابل الحقيقي، ليجمع بين المعنيين،
[ ١٦ / ٦٨ ]
والمعنى: لا أستطيع أن أضركم وأن أنفعكم، إنما الضار والنافع الله. أو لا أستطيع أن أقسركم على الغي والرشد، إنما القادر على ذلك الله ﷿، و(إلاَّ بَلاغًا) استثناء منه، أي: لا أملك إلا بلاغًا من الله. و(قُلْ إنِّي لَن يُجِيرَنِي) جملة معترضة اعترض بها لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه، على معنى أن الله إن أراد به سوءا من مرض أو موت أو غيرهما، لم يصح أن يجيره منه أحد أو يجد من دونه ملاذا يأوي إليه. والملتحد الملتجأ، وأصله المدخل، من اللحد. وقيل: محيصا ومعدلًا. وقرئ: «قال لا أملك»، أي: قال عبد الله للمشركين أو للجن. ويجوز أن يكون من حكاية الجن لقومهم. وقيل: (بَلاغًا) بدل من (مُلْتَحَدًا)،
_________________
(١) وقد مر في قوله تعالى في "يونس": ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]. فإن قلت: لم ذكر المس في أحدهما والإرادة في الثاني؟ قلت: كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعًا: الإرادة والإصابة في كل واحد من الضُّر والخير. قوله: (أو لا أستطيع أن أقسركم على الغي والرشد)، الانتصاف: "الآية لما دلت على أن الله تعالى هو الذي يملك لعباده الرَّشد والغي، فإنه صلوات الله عليه، إنما سلبهما عن نفسه يمحض إضافتهما إلى الله تعالى، أعمل الزمخشري الحيلة، فتارة يحمل الرشد على النفع، وتارة ينظر إلى خصوصية الرشد، فيضيف إليه قيد الإكراه. ومع هذا، فالجن أشد منهم نظرًا لما سبق من اعتقادهم الحق". قوله: (و﴿إِلَّا بَلَاغًا﴾ استثناء منه)، أي: من قوله: ﴿لَا أَمْلِكُ﴾، قال القاضي: "لأن التبليغ إرشاد"، وقال أبو البقاء: "هو استثناء من غير جنس". قوله: (وقيل: ﴿بَلَاغًا﴾ بدل من ﴿مُلْتَحَدًا﴾، فعلى هذا لا يكون قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ اعتراضًا.
[ ١٦ / ٦٩ ]
أي: لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به. وقيل: (إلاَّ) هي (إن لا) ومعناه: إن لا أبلغ بلاغًا كقولك: إن لا قيامًا فقعودًا. (ورِسَالاتِهِ) عطف على (بَلاغًا)، وكأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات. والمعنى: إلا أن أبلغ عن الله فأقول: قال الله كذا، ناسبًا لقوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان.
فإن قلت: ألا يقال: بلغ عنه، ومنه قوله ﵊: «بلغوا عني بلغوا عني»؟
قلت: «من» ليست بصلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة «من» في قوله: (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ) [التوبة: ١]، بمعنى بلاغًا كائنًا من الله
_________________
(١) قوله: (إن لا قيامًا)، حذف الفعل بعد "إنْ" الشرطية الداخلة على "لا" النافية، وأقام المصدر مقامه، والمعنى: إني لن يجيرني من الله، أن لا أُبلغ بلاغًا، وأن لا أبلغ رسالاته. ومعنى قوله: إن لا قيامًا فقعودًا: إن لم تَقُم قيامًا فاقعد قعودًا. قوله: (وأن أُبلِّغ رسالاتِه)، إنما قدَّر: أن أبلغ، لكونه معطوفًا على مصدر "أُبَلِّغ" المضمر، فيدل الأول على إيجاد التبليغ على التأكيد، ولهذا قال: "فأقول الله كذا، ناسيًا القول إليه". ةالثاني على تبليغ أشياء واجبة الإرسال، ومن ثم قال: "أن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نُقصان". وهذا من باب العطف على التقدير لا الانسحاب، لما يلزم منه عطف المفعول به على المفعول المطلق.
[ ١٦ / ٧٠ ]
وقرئ: «فأن له نار جهنم» على: فجزاؤة أن له نار جهنم، كقوله: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) [الأنفال: ٤١]، أي: فحكمه أن لله خمسه. وقال: (خَالِدِينَ) حملًا على معنى الجمع في «من».
فإن قلت: بم تعلق (حَتَّى)، وجعل ما بعده غاية له؟
قلت: بقوله: (يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) [الجن: ١٩]، على أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة، ويستضعفون أنصاره، ويستقلون عددهم (حَتَّى إذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ) من يوم بدر وإظهار الله له عليهم، أو من يوم القيامة، (فَسَيَعْلَمُونَ) حينئذ أنهم (أَضْعَفُ نَاصِرًا وأَقَلُّ عَدَدًا).
ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال، من استضعاف الكفار له واستقلالهم لعدده، كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه، (حَتَّى إذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ)،
_________________
(١) قوله: (بقوله: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾، أي: ﴿حَتَّى﴾ غاية قوله: ﴿يَكُونُونَ﴾. هذا إنما يَستقيم، إذا فسر ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾، بالتظاهر والتعاون به. وأما إذا فُسِّر بتراكم الجن وتزاحمهم، فالواجب أن يُعلق بمحذوف كما في الوجه الآتي. ونظيره ما في "مريم": ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [مريم: ٧٥]، قال: تقديره: "قالوا: أي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًا، ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾، أي: لا يبرحون يقولون هذا القول، إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين". وها هنا لما سمع المشركون هذا الوعيد والتهديد الشديد، قالوا: متى يكون هذا الموعود؟ إنكارًا له. فقيل لرسول الله؟: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾. وإنما أُعيد ﴿تُوعَدُونَ﴾، ليؤذن بأنه كائن لا ريب فيه، فقوله: "قال المشركون" إشارة إلى تقدير سؤال يقتضيه الفصل بقوله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾.
[ ١٦ / ٧١ ]
قال المشركون: متى يكون هذا الموعود؟ إنكارًا له، فقيل: (قُلْ) إنه كائن لا ريب فيه، فلا تنكروه؛ فإن الله قد وعد ذلك وهو لا يخلف الميعاد. وأما وقته فما أدري متى يكون؛ لأن الله لم يبينه لما رأى في إخفاء وقته من المصلحة.
فإن قلت: ما معنى قوله: (أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا)، والأمد يكون قريبًا وبيعدًا، ألا ترى إلى قوله: (تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) [آل عمران: ٣٠]؟
قلت: كان رسول الله ﷺ يستقرب الموعد، فكأنه قال: ما أدري أهو حال متوقع في كل ساعة أم مؤجل ضربت له غاية، أي: هو (عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ) فلا يطلع، و(مِن رَّسُولٍ) تبيين لمن ارتضى،
_________________
(١) قوله: (ما معنى قوله: ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾)، أي أن الهمزة و"أم" المعادلة يقتضيان أن يقال: أقريب ما توعدون أم بعيد؟ والأمر مشترك بين البُعد والقُرب. وأجاب أن رسول الله؟، لما كان مُهتمًا بقُرب الوعد، صرح في الجزء الأول من الكلام ما كان مُقتضيًا إثباته. وفي الجزء الثاني أُطلق، على أنه غير مُلبس أن المراد: أم مؤجل ضُربت له غاية. قوله: (أي: هو ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾)، يريد أن ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، خبر مبتدأ محذوف، والإضافة مَحضة. وأنت تعلم أن تعريف الخبر يُنبئ عن التخصيص، والكلام وقع تعليلًا لنفي الدراية، كأنه قيل: ما أدري قُرب ذلك الموعد ولا بُعده، إلا أن يُطلعني الله عليه، لأن علم جميع الغيب مُختص به، وهو يُطلع على بعضه بعض الخَلق، على هذه الطريقة المخصوصة المذكورة في هذه الآية، و"الفاء" في ﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾، لتعقيب حُكم بَعد حُكم،
[ ١٦ / ٧٢ ]
يعني: أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي هو مصطفى للنبوة خاصة، لا كل مرتضى، وفي هذا إبطال للكرامات؛
_________________
(١) وفي ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ﴾ للسبب. قال أبو البقاء: " ﴿مَنِ ارْتَضَى﴾ مبتدأ، والخبر: ﴿فَإِنَّهُ﴾، و﴿رَصَدًا﴾ مفعول ﴿يَسْلُكُ﴾ "، وقيل: الضمير في "فإنه" للمرتضى. قوله: (وفي هذا إبطال للكرامات)، قال الإمام: "قوله ﴿عَلَى غَيْبِهِي﴾ لفظ مفرد ليس فيه صفة العموم، فيكفي أن يقال: إن الله لا يُظهر على غيب واحد من غُيوبه أحدًا إلا الرسل، فيُحمل على وقت وقوع يوم القيامة، فكيف وقد ذكرها عُقيب قوله ﴿أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾؟ . وقلت: هو ضعيف، لأن الرُّسل أيضًا لم يظهروا على ذلك. أما إذا حُمل ﴿مَّا تُوعَدُونَ﴾ على إظهار الله له صلوات الله عليه يوم بدر، فيجوز ذلك. وقال الإمام: "ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا، أي: لا يُظهر على غَيبه المخصوص أحدًا. لكن، من ارتضى من رسول، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه، حفظة يحفظونه من مَردة الجن والإنس، لأن هذا الكلام كان جوابًا لسؤال مُستهزئٍ". وقال القاضي: "جوابه تخصيص الرسول بالملك والإظهار بما يكون بغير وسط، وكرامات الأولياء على المُغيبات، إنما تكون تلقيًا عن الملائكة، كاطلاعنا على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء".
[ ١٦ / ٧٣ ]
لأنّ الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين، فليسوا برسل، وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم، لأنّ أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط. (فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) يدي من ارتضى للرسالة. (ومِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين؛ يطردونهم عنه ويعصمونه من وساوسهم، حتى يبلغ ما أوحي به إليه
_________________
(١) الانتصاف: "ادعى الزمخشري عامًا واستدل بخاص، فالدعوى امتناع الكرامات كلها، فيجوز إعطاؤه الكرامات كلها إلا الاطلاع على الغيب. ولعل شُبهة القدرية في إبطالها، ان الله تعالى لا يتخذ منهم وليًا أبدًا". وقلت: الأقرب تخصيص الإطلاع بالضعف والخفاء؛ فإن إطلاع الله الأنبياء على الغيب، أمكن وأقوى من إطلاعه الأولياء، يدل على حرف الاستعلاء في ﴿عَلَى غَيْبِهِي﴾، قال الله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]، فضُمّن ﴿يُظْهِرُ﴾ معنى "يُطلع"، أي: فلا يُطلع الله على غيبه إظهارًا تامًا، وكشفًا مرضيًا جليًا، إلا لمن ارتضى من رسول الله، فإن الله تعالى إذا أراد أن يُطلع النبي على الغيب، يُوحي إليه أو يُرسل إليه المَلَك، ويحفظ الموحى برصد من الملائكة، يدل عليه ترتيب الكلام في قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾، وتعليله بقوله: ﴿لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾. وأما كرامات الأولياء، فهي من قبيل التَّلويحات واللَّمحات، أو من جنس إجابة دعوة وصدق فراسة؛ فإن كشف الأولياء غير تام كالأنبياء، قال الشيخ العارف أبو القاسم القُشيري
[ ١٦ / ٧٤ ]
وعن الضحاك: ما بعث نبي إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك. (لِيَعْلَمَ) الله (أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ) يعني الأنبياء؛ وحد أولًا على اللفظ في قوله: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ)، ثم جمع على المعنى، كقوله: (فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ) [الجن: ٢٣]، والمعنى: ليبلغوا رسالات ربهم كما هي، محروسة من الزيادة والنقصان؛
_________________
(١) رحمه الله تعالى: "ظهور الكرامات على الأولياء جائز، لأنه لا يؤدي إلى رفع أصل من الأصول، وظهورها علامة صدق من ظهرت عليه في أحواله"، كما أن ظهور المعجزة، علامة صدق من ادَّعى النُّبوة. قال الإمام أبو إسحاق: "الأولياء لهم كرامات شبه إجابة الدعوة، وأما جنس ما هو معجزة للأنبياء فلا". وقال الإمام أبو بكر بن فُورك: "الفرق بين المعجزات والكرامات، هو أن الأنبياء صلوات الله عليهم مأمورين بإظهارها، والولي يجب عليه سترها وإخفاؤها. والنبي يدعي ذلك ويقطع القول به، والولي لا يدعي ولا يقطع لجواز الاستدراج". وقلت: لا يدخل في هذا المعنى حكم المنجم المخذول، لأن ذلك تكرمة وتشريف، والمنجم مطرود مرجوم، قال الزجاج والواحدي وصاحب "المطلع" ﵏: "الآية توجب على من ادعى أن النجوم تدله على ما يكون من حياة أو موت أو غير ذلك، فقد كفر بما في القرآن".
[ ١٦ / ٧٥ ]
وذكر العلم كذكره في قوله تعالى: (حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ) [محمد: ٣١]، وقرئ: «ليعلم»، على البناء للمفعول. (وأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ) بما عند الرسل من الحكم والشرائع، لا يفوته منها شيء ولا ينسى منها حرفًا، فهو مهيمن عليها حافظ لها، (وأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) من القطر والرمل وورق الأشجار، وزبد البحار، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟ و«عددًا»: حال، أي: وضبط كل شيء معدودًا محصورًا، أو مصدر في معنى إحصاء.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الجن، كان له بعدد كل جني صدق محمدًا ﷺ وكذب به عتق رقبة».
_________________
(١) قوله: (وذكر العلم كذكره في قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾)، والمعنى: لنُعلمه علمًا يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمه موجودًا حاصلًا. تمت السورة * … * … *
[ ١٦ / ٧٦ ]