مكية، غيرست آيات،
وهي: (هذان خصمان) … إلى قوله … إلى (صراط الحميد) وهي ثمان وسبعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج: ١].
الزلزلة: شدّة التحريك والإزعاج، وأن يضاعف زليل الأشياء
_________________
(١) ـ سورة الحج مكيةٌ، غير ست آيات وهي (هَذَانِ خَصْمَانِ) إلى قوله: (إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) وهي ثمانٍ وسبعون آيةً بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (وأن يضاعف زليلُ الأشياء)، يقالُ: صَلَّ: إذا تحركَ مرةً، وصلصلَ: إذا تكررت.
[ ١٠ / ٤٢٧ ]
عن مقارّها ومراكزها ولا تخلو "السَّاعَةِ" من أن تكون على تقدير الفاعلة لها، كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي، فتكون الزلزلة مصدرا مضافا إلى فاعله. أو على تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به، كقوله تعالى (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ)] سبأ: ٣٣ [وهي الزلزلة المذكورة في قوله (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها)] الزلزلة: ١ [واختلف في وقتها، فعن الحسن أنها تكون يوم القيامة وعن علقمة والشعبي: عند طلوع الشمس من مغربها.
أمر بنى آدم بالتقوى، ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول
_________________
(١) ـ قوله: (عن مقارِّها)، متعلقٌ بـ"زليل"، والزليلُ: مصدرٌ كالصَّرير. قوله: (فعن الحسن: أنها تكونُ يوم القيامة)، ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "يقولُ الله ﷿ يوم القيامة: يا آدمُ، فيقول: لبيك وسعديك، فيُنادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذُريتك بعثًا إلى النار؟ فقال: يا رب، وما بعثُ النار؟ قال: من كل ألفٍ تسع مئة وتسعةً وتسعين، فحينئذٍ تضعُ الحاملُ حملها، ويشيبُ الوليدُ، وترى الناس سُكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد". فإن قلت: كيف يستقيم على هذا قوله: (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا)؟ قلتُ، والعلمُ عند الله: لعل ذلك تمثيلٌ لبيان شدة الأمر وتفاقمه، كما قال: (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ). نحو قوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) [القلم: ٤٢]، أو أن يكون ذلك عند النفخة الثانية، فإنهم يقومون على ما صُعقوا في النفخة الأولى لقوله تعالى: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) [الزمر: ٦٣]، وينطبقُ على هذا قوله ﷺ: "يشيبُ الوليدُ" مع قوله تعالى: (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) [المزمل: ١٧]، أي: الوليدُ والولدانُ الذين ماتوا على هذه الحالة، وعلى هذا لا يخالف قول علقمة والشعبي: عند طلوع الشمس من مغربها، مخالفةً ظاهرة.
[ ١٠ / ٤٢٨ ]
صفة، لينظروا إلى تلك الصفة ببصائرهم ويتصوّروها بعقولهم، حتى يبقوا على أنفسهم ويرحموها من شدائد ذلك اليوم، بامتثال ما أمرهم به ربهم من التردي بلباس التقوى، الذي لا يؤمنهم من تلك الأفزاع إلا أن يتردوا به. وروى أنّ هاتين الآيتين نزلتا ليلا في غزوة بنى المصطلق، فقرأهما رسول الله ﷺ فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب، ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدرا، وكانوا من بين حزين وباك ومفكر.
(يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: ٢].
_________________
(١) ـ قوله: (يُبقوا على أنفسهم)، أي: يحفظونها. النهاية: يقالُ: أبقيتُ عليه إبقاءً: إذا رحمته وأشفقت عليه، والاسمُ: البُقيا. قوله: (في غزوة بني المصطلق)، وهُم قومٌ من خُزاعة. قال الإمامُ محمد بن إسماعيل البخاري: هي غزوةُ المُريسيع. وقال ابن إسحاق: وذلك في سنةِ ستٍّ. روى البخاريُّ ومسلمٌ وأبو داود عن عبد الله بن عون: أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامُهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية.
[ ١٠ / ٤٢٩ ]
(يَوْمَ تَرَوْنَها) منصوب ب (تذهل). والضمير للزلزلة. وقرئ: "تذهل كل مرضعة"، على البناء للمفعول: و"تذهل كل مرضعة" أى: تذهلها الزلزلة. والذهول: الذهاب عن الأمر مع دهشة.
فإن قلت: لم قيل (مُرْضِعَةٍ) دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبى. والمرضع: التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به فقيل: (مرضعة)، ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة.
(عَمَّا أَرْضَعَتْ) عن إرضاعها، أو عن الذي أرضعته وهو الطفل وعن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها
_________________
(١) ـ قوله: (المرضعةُ: التي هي في حال الإرضاع)، قال الزجاج: و(مُرْضِعَةٍ) جارٍ على المفعل، أي: أرضعتْ، ويقالُ: امرأةٌ مرضعٌ، أي: ذاتُ رضاع أرضعت ولدها أو أرضعت غيره. الانتصاف: والرفقُ أن النسب لا يلاحظُ فيه حدوثُ الصفة المشتق منها، بل مقتضاها أنها موصوفٌ بها، وفي غير النسب يلاحظ حدوث الفعل، وخروج الصفة عليه. فإذا قلت: مررتُ بامرأةٍ حاملة، يكون معناه: مررت بها في حال كونها حاملةً، وإذا قلت: حامل، بغير تاءٍ، كان معناه: مررتُ بامرأة من شأنها أن تحمل، لا يلزم أن تكون في وقت مرورك بها حاملةً. قوله: (أو عن الذي أرضعته)، فعبر عن العقلاء بما إرادةً للوصفية، أي: عن مولودها وقُرة عينها، وفلذة كبدها، ونحوها تصويرًا لشدة الأمر.
[ ١٠ / ٤٣٠ ]
لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.
قرئ "وَتَرَى" بالضم من أريتك قائما. أو رؤيتك قائما». و"النَّاسَ" منصوب ومرفوع، والنصب ظاهر. ومن رفع جعل "الناس" اسم "ترى"، وأنثه على تأويل الجماعة.
وقرئ: "سكرى". و"بسكرى"، وهو نظير: جوعى وعطشى، في جوعان وعطشان.
_________________
(١) ـ قوله: (لغيرِ فطام) و(لغير تمام)، يجوزُ أن يكون اللامُ للتعليل، أي: لايكونُ الذهولُ لأجلِ الفطام، والرضعُ لأجل التمام، بل لأمر غيرهما، وهو ما يلحقها من الدهشة والحيرة، وما يصيبها من تفاقم الأمر، وأن يكون للوقت، نحوُ قولك: جئتُك لثلاثٍ خلونَ من الشهر. قوله: (قرئ: "وُترى"، بالضم، من: أُريتُك قائمًا)، النهاية: رُئي: فعلُ ما لم يُسم فاعله، من "رأيتُ" بمعنى: ظننتُ. انقضى كلامُه، إن كان تُرى مِن: أريتُك قائمًا، فمعناهُ: تظنُّ أنت الناس سُكارى، أقيم الضميرُ مقام الفاعل، ونصبُ (النَّاسَ) و(سُكَارَى) على أنهما مفعولان؛ لأن أُريت مُتعدٍّ إلى ثلاثةٍ، وإن كان من: رأيتُك قائمًا، فالمعنى: تظنُّ الناس سُكارى، أقيم "الناسُ" مقام الفاعل، ونُصبَ (سُكَارَى) على المفعولية؛ لأن "رأيتُ" متعدٍّ إلى اثنين. وفي نُسخة البخاريين: "رُؤيتُكَ"، وهو مشكلٌ، فإنا ما وجدنا رأيتُ متعديًا إلى ثلاثة. وقوله: (أو: رُيتُكَ قائمًا) مشكلٌ، ولعل المراد من: أريتُكَ قائمًا، رأيتُكَ قائمًا. أو نقولُ: منصوب، ومرفوعٌ على الثاني، مع أن المرفوع الذي قررهُ في الأول أيضًا جائزٌ. وقوله: "اسمُ (تُرى) "، لعله ذكره كذلك ذهابًا إلى أن "ترى" من دواخل المبتدأ والخبر، قالُه الفاضِلُ نورُ الدين الحكيمُ. قوله: (وقرئ: "سكْرى"، و"بسكْرَى")، وفي "التيسير": قرأ حمزةُ والكسائي: "سَكْرى"،
[ ١٠ / ٤٣١ ]
و(سكارى) وب"سكارى"، نحو كسالى وعجالى. وعن الأعمش: "سُكرى"، و"بسكرى"، بالضم، وهو غريب.
والمعنى: وتراهم سكارى على التشبيه، وما هم بسكارى على التحقيق ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم وردّهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه. وقيل وتراهم سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب.
_________________
(١) ـ "وما هم بسكرى" بغير ألفٍ فيهما على وزن فعلى، والباقون بالألف على فُعالى. قال ابنُ جني رحمه الله تعالى: وأما "سُكارى" بضم السِّين، فظاهره أن يكون اسمًا مفردًا غير مُكسر، كجُمادي وسُماني وسُلامَى. ويجوزُ أن يكون مكسرًا مما جاء على فُعال، كالظُّؤارِ والعُراقِ والرُّخال والثُّناءِ والتُّؤام، إلا أنه أنثَ كما أنثَ فعالٌ في نحو: حجارة وعيارة. وأما "سكْرى" كصرعى وجرحى؛ لأن السُّكْرَ علةٌ لحقت عقولهم، كما أن الصرعَ والجُرْحَ علةٌ لحقت أجسامهم. وفعلى في التكسير ما يختص به المبتلون. وقال ابن جني: روينا عن أبي زُرعة أنه قرأها بضم السين الكافُ ساكنةٌ، وهو اسمٌ مفردٌ على فُعلى، كالحُبلى والبُشرى، وبهذا أفتاني أبوعليٍّ وقد سألت عن هذا. قوله: (وما هُم بسُكارى من الشرابِ)، بعد قوله: "وما هم بسُكارى على التحقيق"
[ ١٠ / ٤٣٢ ]
فإن قلت: لم قيل أوّلا: "ترون"، ثم قيل: (وترى)، على الإفراد؟ قلت: لأنّ الرؤية أوّلا علقت بالزلزلة فجعل الناس جميعا رائين لها، وهي معلقة أخيرا بكون الناس على حال السكر، فلا بد أن يجعل كل واحد منهم رائيا لسائرهم.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ) [الحج: ٣ - ٤].
_________________
(١) ـ مؤذنٌ أن قوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) بيانٌ لإرادة معنى السُّكْرِ من قوله تعالى: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) فإنه إما أن يُراد منه التشبيهُ، كما نقولُ: وترى الناس كالسُّكارى شُبهوا بسُكارى بسبب ما غشيهم من الخوف فبقُوا مسلوبي العقول كالسَّكران، أو أن يُراد الاستعارةُ، كأنه قيل: ترى الناس خائفين، فوضع موضعه سُكارى؛ ولهذا بينه بقوله: "منَ الخَوْف"، وصرح "وما هم بسكارى من الشراب". الانتصاف: ومن علامات المجاز: صحةُ سلبِه، كما إذا قلت للبليد: حمار! يصحُّ نفيُه، وكذا هاهُنا، نفي السُّكَر الحقيقي بقوله: (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) مؤكدًا بالباء؛ لأن هذا السُّكر أمرٌ لم يُعهد مثله؛ ولكن الاستدراك بقوله: (وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) تعليلٌ لإثبات السكر المجازي لما نفى عنهم السكر. قوله: (لأن الرؤية عُلقت أولًا بالزلزلة)، تلخيص الجواب: أن المرئي على الأول: حالةُ الزلزلة، والجمعُ كلهمُ يشاهدونها. وفي الثاني: المرئي: حالةُ تحيُّرِ الناس، فكل واحدٍ لا يشاهد حالة نفسه، بل يشاهد سائر الناس دون نفسه، ولهذا أتى بلفظ السائر؛ لأنه من السؤر، وهو البقية، أو يكون عامًا قصدًا إلى تفظيع حال الناس، وأن تلك بلغت من الظهور حتى يمتنع خفاؤها البتة، فلا يختصُّ برؤية راءٍ دون راءِ. قال صاحبُ "الفرائد": يمكنُ أن يكون (َتَرَى) خطابًا للنبي صلى الله عليه سلم، أو يمكنُ أن يُراد بها المخاطبُ، وإنما المرادُ من الأول التهديدُ بالوقوع، ومن الثاني التعجبُ من حالهم.
[ ١٠ / ٤٣٣ ]
قيل: نزلت في النضر بن الحرث، وكان جدلا يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، والله غير قادر على إحياء من بلى وصار ترابا. وهي عامة في كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على الله وما لا يجوز من الصفات والأفعال، ولا يرجع إلى علم ولا يعضّ فيه بضرس قاطع، وليس فيه اتباع للبرهان ولا نزول على النصفة، فهو يخبط خبط عشواء، غير فارق بين الحق والباطل (وَيَتَّبِعُ) في ذلك خطوات كُلَّ شَيْطانٍ عات، علم من حاله وظهر وتبين أنه من جعله وليا له لم تثمر له ولايته إلا
_________________
(١) ـ قوله: (ولا يعضُّ فيه بضرسٍ قاطع)، النهاية: وفي الحديث: "ولا يعضُّ في العلم بضرسٍ قاطع"، أي: لم يُتقنه، ولم يُحكِم الأمورَ، وفي الحديث أيضًا: "كان ما نشاءُ من ضرسٍ قاطع"، أي: ماضٍ في الأمور نافذِ العزيمة، يقال: فلانٌ ضرسٌ من الأضراس، أي: داهيةٌ. قوله: (يخبطُ خبط عشواءَ)، النهاية: أي: يخبطُ في الظلام، وهو الذي يمشي في الليل بلا مصباح فيتحير ويضل، وربما تردى في بئرٍ، أو سقط على سبُع، وهو كقولهم: يخبطُ في عمياء: إذا ركب أمرًا لجهالةٍ. قوله: (عُلِمَ من حالِه وظهر وتبينَ)، إلى آخرِه، تفسيرٌ لقوله: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) فالضميرُ في (عَلَيْهِ): للشيطان، وكذا المنصوب في (تَوَلاَّهُ)، والمرفوعُ لمن، وإنما قال: "عُلمِ من حاله وظهر وتبين" لما أن قوله: (كُتِبَ عَلَيْهِ) وصفٌ آخر لشيطانٍ وتمثيلٌ، كأنه قيل: وجب على الشيطان ولزم عليه إضلالُ من يتولاه، ألا ترى كيف يجتهد في ذلك ويبذل وسعه فيه، ولا يترك من الحيل والنصب شيئًا إلا يفعله؟ وهذا بينٌ ظاهرٌ جليّ،
[ ١٠ / ٤٣٤ ]
الإضلال عن طريق الجنة والهداية إلى النار. وما أرى رؤساء أهل الأهواء والبدع والحشوية المتلقبين بالإمامة في دين الله إلا داخلين تحت كل هذا دخولا أوليا، بل هم أشدّ الشياطين إضلالا وأقطعهم لطريق الحق، حيث دوّنوا الضلال تدوينا ولقنوه أشياعهم تلقينا، وكأنهم ساطوه بلحومهم ودمائهم، وإياهم عنى من قال:
يا ربّ مقفوّ الخطا بين قومه … طريق نجاة عندهم مستو نهج
ولو قرءوا في الّلوح ما خطّ فيه من … بيان اعوجاج في طريقته عجّوا
اللهم ثبتنا على المعتقد الصحيح الذي رضيته لملائكتك في سمواتك، وأنبيائك في أرضك، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. والكتبة عليه مثل، أى: كأنما كتب إضلال من يتولاه عليه ورقم به لظهور ذلك في حاله.
_________________
(١) ـ وإليه الإشارةُ بقوله: "والكتبةُ عليه مثلٌ، أي: كأنما كُتب إضلالُ من يتولاه عليه، ورُقِمَ به لظهور ذلك في حالهِ". قوله: (ساطوُهُ بلحومهم)، الجوهري: السوطُ: خلطُ الشيء بعضه ببعض. النهاية: ومنه حديث عليٍّ مع فاطمة ﵄: "مَسُوطٌ لحمُها بدمي، ولحمي بدمها"، أي: ممزوجٌ مخلوط. قوله: (ويا رُبَّ مقفوٍّ الخُطا) البيت، مقفوٌّ: من قفوتُ الرجل: إذا تبعته. النهج الطريقُ الواضح. عجوا: صاحوا، نحاهُ، بالحاءِ المهملة، عن الصغاني: أي: قصد. يقولُ. رُبَّ رجُلٍ مفيدٍ في قومه، متبوعٍ في حزبه، عندهم أنه على صراطٍ مستقيم، ولو قرؤوا ما في اللوح المحفوظ من ضلالته وغوايته ضجُّوا متضرعين إلى الله تعالى من أن يكونوا مثله.
[ ١٠ / ٤٣٥ ]
وقرئ: (أنه، فأنه) بالفتح والكسر، فمن فتح فلأن الأول فاعل (كتب)، والثاني عطف عليه.
_________________
(١) ـ قوله: «أنَّهُ … فأنَّهُ)، بالفتح والكسر)، بالفتح: سبعةٌ، بالكسر: شاذ. قوله: (فمن فتح فلأن الأول فاعلُ (كُتِبَ)، والثاني: عطف عليه)، قلتُ: هذا موضعٌ صعبٌ من حيث الإعراب، وقد اختلفت آراءُ الأدباء فيه، فالواجب أن نبسُط الكلامَ فيه فضلَ بسط، قال الزجاجُ: (أنَّهُ) في موضع رفع، و(فأَنَّهُ) عطفٌ عليه وموضعُها رفعٌ أيضًا، والفاءُ: الأجودُ فيها أن تكون في معنى الجزاء، وجائزٌ كسرُ "إنّ" مع الفاء، ويكونُ جزاءً لا غيرُ. والتأويلُ: كُتِبَ عليه- أي: على الشيطان- إضلالُ متوليه وهدايته إلى عذاب السعير. وحقيقةُ "أنّ" الثانية أنها مكررةٌ على جهة التأكيد؛ لأن المعنى: كُتِبَ عليه أنهُ من تولاهُ أضلَّه. وقال أبو عليٍّ رحمه الله تعالى في "الإغفال": إعرابُ هذه الآية مُشكل، وأنا أشرحُه وأبينُ السهو فيه: قوله: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ)، (أنَّهُ): في موضع رفع، وهي ما توصلُ بالجمل، و(مَن) هاهُنا إما أن تكون شرطيةً أو موصولةً، فإن جعلتها شرطيةً فالفاء للجزاء، وإن جعلتها موصولةً فالفاء هي الداخلةُ في خبر المبتدأ المتضمن للشرط، فعلى التقديرين لا تكونُ عاطفةً، ثم "أنه" في قوله: (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) ليس بكلام تام؛ لأنك تقولُ: أنك منطلق، بفتح "أنّ"، فلا يكونُ ما بعده جملةً، فينبغي أن يقدر: فشأنه أنه يضله أو أمره، فثبت أن قول أبي إسحاق الزجاج رحمه الله تعالى: (فأنَّهُ) عطفٌ على (أنَّهُ) خطأٌ. وقلتُ: والذي ذهب إليه المصنفُ رحمةُ الله تعالى عليه في العطف فنٌّ غريب؛ لأنه
[ ١٠ / ٤٣٦ ]
_________________
(١) ـ جعله معطوفًا على (أنَّهُ) مع ما في حيزها، وما يتصلُ بها على تقدير حذفِ الجزاء. المعنى: كُتِبَ على الشيطان أنهُ من تولاه يُهلكه، فإنه يُضله عن طريق الجنة وثوابها، ويهديه إلى طريق السعير وعذابها، فالفاء مثلها في قوله: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤] والكلامُ متضمنٌ لأمورٍ مترتبةٍ بعضها على بعض، وهذا أقضى لحق البلاغة مما ذهب إليه أبو علي، وأشرحُ. ويدلُّ على هذا التقدير قوله في تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) [التوبة: ٦٣]، قال: ويجوزُ أن يكون (فَأَنَّ لَهُ) معطوفًا يهلك؟ فإن له نار جهنم، فاندفع بهذا قول صاحب "التقريب": وفي عطف (فَأَنَّهُ) على (أَنَّهُ) قبل تمام صلته، وعلى الثاني: تخللُ العطف بين أجزاء الشرطية والعطف قبل التمام. والأولى أن يُقدر بعد الفاء، وهي الجزائيةُ، مبتدأُ أو خبر، أي: فالأمرُ أنه، أو: فحقٌّ أنه، على أنه وافق المصنف في قوله: (أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ) الآية [التوبة: ٦٣]، وقال: جواب الشرط محذوفٌ، وهو: يهلك، و(فَأَنَّ لَهُ): عطفٌ على (أنَّهُ)، أي: ألم يعلموا هذا، فهذا فلا يُلتفتُ إلى مخالفته هاهنا، وأما قوله: يلزمُ تخللُ العطف بين أجزاء الشرطية فهو واردٌ على تقدير الزجاج إذا جعل (فَأَنَّه) مكررًا، وهو أيضًا ضعيفٌ؛ لأنهم عدوا مثل ها التخللِ من المحسنات البديعية. وعن بعض الفضلاء أن الضمير في (َأَنَّهُ) للمُجادل، أي: كُتِبَ على الشيطان أن المجادل من تولاه، (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ): عطف عليه، فلا يلزم المحذوران اللذان ذكرهما صاحب "التقريب". ويدفعه إرادةُ العموم من الآية وتعسفُ هذا المعنى. ويقالُ أيضًا: دل تقديرُ المصنف رحمةُ الله تعالى عليه كأنما كُتبَ إضلالُ من يتولاهُ على أن ما بعد الفاء إما جواب الشرط، أو خبرٌ للمبتدأ المتضمن معنى الشرط، ويأباه قوله: و"الثاني عطفٌ عليه"، لكن تقدير ذلك تحريرُ المعنى وتلخيصه.
[ ١٠ / ٤٣٧ ]
ومن كسر فعلى حكاية المكتوب كما هو، كأنما كتب عليه هذا الكلام، كما تقول: كتبت: إنّ الله هو الغنى الحميد. أو على تقدير: "قيل". أو على أن " كتب" فيه معنى القول.
(يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) [الحج: ٥].
قرأ الحسن "مِنَ الْبَعْثِ" بالتحريك. ونظيره: الجلب والطرد، في الجلب
_________________
(١) ـ قوله: (أو على تقدير "قيلَ")، عطفٌ على قوله: "فعلى حكاية المكتوب"، أي: ومن كر فعلى تقدير: وكُتب عليه قيل: إنه من تولاه، أي: كُتِبَ عليه هذا القولُ، و"قيل" هاهنا كما في قوله: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ) على تقدير: وأُقسمُ بـ (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ) [الزخرف: ٨٨]، والضميرُ في "قيله" لرسول الله ﷺ، وإقسامُ الله تعالى بـ (وَقِيلِهِ) رفعٌ منه، وتعظيمٌ لدعائه. النهاية: وفي الحديث: " نهي عن قيل وقال"، وهو في حكاية أقوال الناس. قال القاضي رحمه الله تعالى: وقُرئ: "إنَّهُ" بالكسر في الموضعين على حكاية المكتوب، أو إضمار القول، أو تضمين الكتب معناه. قوله: ("من البعث" بالتحريك)، في "المطلع": وهو قياسٌ عند الكوفيين فيما جاء من هذا المثال، وعينُه من حروف الحَلْق، كالشعر والنهر، وعند البصريين ليس بقياس، بل هما لُغتان كالحلبِ والحَلَب، والطردِ والطرَد، فيتوقفُ على السماع.
[ ١٠ / ٤٣٨ ]
والطرد، كأنه قيل: إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم. و"العلقة": قطعة الدم الجامدة. و"المضغة": اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ. و"المخلقة": المسواة الملساء من النقصان والعيب. يقال: خلق السواك والعود، إذا سواه وملسه، من قولهم: "صخرة خلقاء"، وإذا كانت ملساء، كأنّ الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة: منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم، وتمامهم ونقصانهم. وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى خلقة (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانيا ولا تناسب بين الماء والتراب وقدر على أن يجعل النطفة علقة وبينهما تباين ظاهر، ثم يجعل العلقة مضغة والمضغة عظاما: قدر على إعادة ما أبدأه، بل هذا أدخل في القدرة من تلك، وأهون في القياس.
_________________
(١) ـ قوله: (فمُزيلُ ريبكم، أن تنظروا في بدء خلقكم)، يريدُ أن قوله: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) جزاءٌ لقوله: (إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ)، وشرط الجزاء أن يكون مسببًا عن الشرط، فلابد هاهنا من التأويل، فيقالُ: كونُكم في ريبٍ من البعث سببٌ حاملٌ للتنيه على النظر المؤدي إلى مزيل الريب، والإشارة إلى طريق الحق والصواب، وهو: (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) الآية، ولأن الكلام مع المرتابين؛ لأن التعريف في الناس للعهد، والمعهودُ: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ)، وكان من حق الظاهر: إذا كنتم في ريب، ففُرضَ ريبُهم فيه كما تُفرضُ المحالاتُ بعثًا لهم على النظر، وإرشادًا إلى أن المقام ليس موقعًا للريب ومنة له لوضوح دلائله، وسُطوع براهينه، فهو كقوله تعالى: (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [البقرة: ٢٣]. قوله: (وأهونُ في القياس)، أي: عند الناس وتقديرهم، وإلا فإن إرادة الله إذا تعلقت بشيء كان كما قال: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]. فالإبداء والإعادةُ سواءٌ.
[ ١٠ / ٤٣٩ ]
وورود الفعل غير معدى إلى المبين: إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه الذكر ولا يحيط به الوصف وقرأ ابن أبى عبلة: "ليبين لكم. ويقرّ"، بالياء. وقرئ: و"نقرّ". و"نخرجكم"، بالنون والنصب. و"يقرّ"، و"يخرجكم"، و"يقرّ"، و"يخرجكم": بالنصب والرفع. وعن يعقوب: "نقرّ"، بالنون وضم القاف، من قرّ الماء إذا صبه، فالقراءة بالرفع إخبار بأنه يقرّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ أن يقرّه من ذلك إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وهو وقت الوضع آخر ستة أشهر، أو تسعة، أو سنتين، أو أربع، أو كما شاء وقدّر.
وما لم يشأ إقراره محته الأرحام أو أسقطته. والقراءة بالنصب: تعليل معطوف على تعليل. ومعناه: خلقناكم مدرجين هذا التدريج
_________________
(١) ـ قوله: (وورودُ الفعل غير مُعدى إلى المُبيَّن)، يعني قوله: (لِنُبَيِّنَ) لم يُذكر له مفعولٌ ليعم التقدير، أو أنه يجري مجرى اللازم. قوله: ("ونُفِرَّ"، و"نُخرجكم"، بالنون والنصب)، وهي شاذةٌ. وقرأ الجماعةُ: "نُقِرُّ" و(نُخْرِجُكُمْ)، بالنون والرفع. قوله: (مَجَّتْه الأرحامُ)، أي: إذا كان نُطفةً، (أو أسقطته)، أي: إذا كان مُضغةً أو علقة أو غيرهما. قوله: (تعليلٌ معطوفٌ على تعليل)، أي: لنبين ولنُقرَّ. قال الزجاجُ: (وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ) لا يجوز فيها إلا الرفع، ولايجوز أن يكون معناه: فعلنا لك لنقر في الأرحام؛ لأن الله تعالى لم يخلق الأنام ليقر في الأرحام، وإنما ليدلهم على رشدهم وصلاحهم. والمصنفُ فرارًا من هذا السؤال قال: "حتى يولدوا وينشؤوا ويبلغوا حد التكاليف فأكلفهم"، فعلى هذا (لِتَبْلُغُوا) عطفٌ على (نُخْرِجُكُمْ)، وإنما أتى باللام ليؤذن بأن البلوغ هو المقصود الأولى؛ لأنه أوانُ التكليف. وعلى قراءة الرفع: (لِتَبْلُغُوا): عطفٌ على (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ).
[ ١٠ / ٤٤٠ ]
لغرضين، أحدهما: أن نبين قدرتنا. والثاني: أن نقر في الأرحام من نقرّ، حتى يولدوا وينشؤا ويبلغوا حد التكليف فأكلفهم. ويعضد هذه القراءة قوله (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ)
_________________
(١) ـ قال المصنفُ: "فإن قلتَ: كيف صح عطفُ (لِتَبْلُغُوا) على (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) ولا طباق؟ قلتُ: بل الطباقُ حاصلٌ؛ لأن قوله: (وَنُقِرُّ) قرينٌ للتعليل، ومقارنته له والتباسهُ به ينزلانه منزلةَ نفسه، فهو راجعٌ من هذه الجهة إلى متانة القراءة بالنصب. هذا السؤال والجواب في بعض النسخ مثبت في المتن. قوله: (ويعضد هذه القراءة قوله: (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ»، أي: قراءة النصب، وذلك أن قوله: (لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) يدل على التدرج والبلوغ إلى الغاية، فجيء من قوله: (وَنُقِرُّ)، (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ)، (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) منسوقًا على نسق التدرج، بخلاف القراءة بالرفع، وقلتُ: القراءةُ بالرفع، وهي التي اجتمع عليها الأئمة، أمتن معنى، وأمكن ترصيفًا؛ لأن قوله: (وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ) إلى آخره عطفٌ على (خَلَقْنَاكُمْ)، فاجتمع مع ذكر تلك الأطوار ذكرُ الزمانين: زمان لُبثِ الجنين في رحم الأم! ِ، وزمان المُكثِ في الدنيا من ابتداء الطفولة إلى البلوغ وإلى انتهاء الشيخوخة والرد إلى أرذل العمر، فلا يكون (لِتَبْلُغُوا) عطفًا على (لِنُبَيِّنَ) كما ذكرَ، بل على (نُخْرِجُكُمْ) كما عليه القراءةُ بالنصب، ويكون قوله: (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) واقعًا في البين اعتراضًا؛ لأن الكلام إلى آخر الآية سيق في الرد على مُنكري البعثِ والاحتجاج عليهم، ولبيان إثبات قُدرته الكاملة، وعلمه الشامل، فلا يختص البيانُ ببعضه دون بعض، لكن لما اشتمل تلك الأطوار السابقة على احتقار المنكر من كونه نطفةً وعلقةً ومُضغةً، أبرز (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) تنبيهًا على اختصامه مع احتقاره، كما قال: (أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) [يس: ٧٧]، وقال: (إِنَّا
[ ١٠ / ٤٤١ ]
_________________
(١) ـ خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) [المعارج: ٣٩] أي: من نُطفةِ مهين، ويعضده ما روى الواحديُّ عن صاحب النظم رحمة الله تعالى عليهما: (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) أن البعث حق؛ لأن الآية نزلت دلالةً على البعث. وقال الإمامُ: لنُبين لكم أن تغيير النطفة إلى العلقة، ثم إلى المُضغة المخلقة غير المخلقة، إنما هو من الفاعل المختار، أو المعنى: إن كنتم في ريب من البعث فإنا نُخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبين لكم ما يزيل عنكم ذلك الريب، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يكون عاجزًا عن الإعادة؟ وقال أيضًا: ثم نخرجكم ثم نسهل في تربيتكم وأغذيتكم أمورًا لتبلغوا أشدكم، فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه، وبين بلوغ الأشُد، ويكون بين الحالتين وسائط. أراد أن معلل (لِتَبْلُغُوا) محذوف، وهو عطفٌ على (نُخْرِجُكُمْ). وقلتُ: ويمكنُ أن يُقال: إن التقدير: ثم لتبلغوا أشدكم، فعل ما فعل إرادةً للتخصيص، إيذانًا بأن بلوغ الأشد أفضل الأحوال، والإخراج أبدعُها، والرد إلى أرذل العمر أسوأها، فتغيير العبارة لذلك، ومن ثم نسب الإخراج إلى ذاته الأقدس، وحذف المعلل في الثاني، ولم ينسب الثالث إلى ذاته ﷿، وسلب فيه ما أثبت للإنسان في تلك الحالة من اتصافه بالعلم والقدرة المومى إليه بالأشد، كأنه قيل: ثم نخرجكم من تلك الأطوار الخسيسة طفلًا، أي: إنشاءً بديعًا غريبًا، ما قال: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: ١٤]، ثُم لتبلغوا أشدكم دبر ذلك التدبير العجيب، والإنشاء الغريب؛ لأنه أوانُ رسوخ العلم والمعرفة، والتمكن من العمل والطاعة، هو المقصود من الإنشاء بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦]، ثم يميتكم، أو يردكم إلى أرذل العمر الذي يسلبُ به العلم والقدرة على العمل.
[ ١٠ / ٤٤٢ ]
وحده لأن الغرض الدلالة على الجنس. ويحتمل: نخرج كل واحد منكم طفلا.
_________________
(١) ـ ونظيرُ هذا تقديرًا ومعنى: ما في سورة يوسف، أما تقديرًا فقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ) [يوسف: ٢١]، أي: ولنُعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك الإيحاء والتمكين. وأما معنى فقوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) [يوسف: ٢٢]، فعلى هذا لا يردُ السؤال: كيف صح عطفُ (لِتَبْلُغُوا) على نبين لكم ولا طباق؟ ولم يحتج إلى ذلك الجواب الواهي، على أن عطف (وَنُقِرُّ) بالنصب على (لِنُبَيِّنَ) غيرُ ظاهرٍ كما قال الزجاج. وقال أبو البقاء: (وَنُقِرُّ) الجمهور: على الضم على الاستئناف؛ إذ ليس المعنى: خلقناكم لنُقر، وقرئ بالنصب على أن يكون معطوفًا في اللفظ، والمعنى مختلفٌ؛ لأن اللام في (لِنُبَيِّنَ) للتعليل، واللامُ المقدرة مع "نُقرّ" للصيرورة. وقلتُ: ودل العطف بـ"ثُمَّ" على التراخي بحسب الأزمنة، وبحسب المرتبة كنايةٌ. ولما كانت الدلائل الآفاقية مرتبطة بالأنفسية كما قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) [فصلت: ٥٣] ومشتبكة بعضها مع بعض، خصوصًا دلالة إحياء الأرض بعد موتها، وكانت أنموذجًا للبعث والنشر، عطف (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً) على قوله: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) وإليه أشار بقوله: "هذه دلالة ثانية على البعث". وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) كالفذلكة للدليلين، وهو بمنزلة قوله: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) في تلك الآية، وإليه أشار بقوله: "ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم، وإحياء الأرض حاصلٌ بهذا"، والله يقولُ الحقَّ وهو يهدي السبيل، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. قوله: (وحده)، أي (طِفْلًا)، قال القاضي: (طِفْلًا): حالٌ أجريت على تأويل: كل واحد، أو للدلالة على الجنس، أو لأنه في الأصل مصدرٌ.
[ ١٠ / ٤٤٣ ]
"الأشد": كمال القوة والعقل والتمييز، وهو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد كالأسدّة والقتود والأباطيل وغير ذلك، وكأنها شدّة في غير شيء واحد، فبنيت لذلك على لفظ الجمع. وقرئ: "ومنكم من يتوفى"، أى يتوفاه الله (أَرْذَلِ الْعُمُرِ) الهرم والخرف، حتى يعود كهيئته الأولى في أوان طفولته: ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم. بين أنه كما قدر على أن يرقيه في درجات الزيادة حتى يبلغه حد التمام، فهو قادر على أن يحطه حتى ينتهى به إلى الحالة السفلى (لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) أى: ليصير نساء بحيث إذا كسب علما في شيء لم ينشب أن ينساه ويزل عنه علمه حتى يسأل عنه من ساعته، يقول لك: من هذا؟ فتقول: فلان، فما يلبث لحظة إلا سألك عنه. وقرأ أبو عمرو: "العمر"، بسكون الميم. "الهامدة": الميتة اليابسة. وهذه دلالة ثانية على البعث، ولظهورها وكونها مشاهدة معاينة، كررها الله في كتابه.
_________________
(١) ـ قوله: (كالأسدة)، وهو جمعُ "سَدّ" بمعنى العيب كالحاجز. الجوهري: والسد بالفتح: واحدُ الأسدة، هي العيوبُ، مثل العمى والصمم والبكم، جُمع على غير قياس، وكان قياسه: سُدودًا. ومنه قولهم: لا تجعلن بجنبك الأسدةَ: أي: لا تُضيقنَّ صدرك، فتسكُتَ عن الجواب كمن به صممٌ وبكمٌ. قوله: (والقتودُ) جمع قَتَدٍ، وهي على غير قياس، وجمعه لقياسي في القلة: أقتادٌ، ونظيره في الشذوذ: أسودٌ، جمع أسدٍ في الكثرة، وقال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ؛ لأنه جمعٌ على غير قياس. قال الجوهري القتدُ: خشبُ الرحل، وجمعه، أقتادٌ وقتود. قوله: (لم ينشب)، ويروى: لم يلبث، وهو مثل قولهم: ما لبث أن فعل كذا لقوله تعالى: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) بهود: ٦٩]. قوله: (وقرأ أبو عمرو: "العُمْرُ"، بسكون الميم)، أي: في الشاذة.
[ ١٠ / ٤٤٤ ]
(اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) تحرّكت بالنبات وانتفخت، وقرئ: "ربأت"، أى ارتفعت. و"البهيج": الحسن السارّ للناظر إليه.
(ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) ٦ - ٧ [
أى: ذلك الذي ذكرنا من خلق بنى آدم وإحياء الأرض، مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم واللطائف، حاصل بهذا وهو السبب في حصوله، ولولاه
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "ربأت")، قال ابن جني: و"ربأت" بالهمز رُويت عن أبي عمرو بن العلاء، والمشهور: ربت، من: ربا يربو: إذا ذهب في جهاته زائدة، وأما الهمز فمن: ربأتُ القوم: إذا أشرفتَ مكانًا عليًا لتحفظهم. وهذا النماء فيه الشخوص والانتصاب لكن إذا وُصف عُلوها دل على أن الزيادة قد شاعت في جميع جهاتها، وهذا مما يُذكر أحدُ أوصاف الشيء فيدل على بقيته. قوله: (أي: ذلك) إلى قوله: (حاصلٌ بهذا)، "هذا" إشارةٌ إلى قوله تعالى: (بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) الآية، والضميرُ في "وهو أن الله" راجعٌ إلى لفظ "هذا" باعتبار معناه المشار إليه. قال أبو علي: موضع (ذَلِكَ) رفعٌ على الابتداء، والجارُّ مع المجرور في موضع خبره، ولايجوز غيره. وقلتُ: فيه تلويحٌ من حكاية قوله تعالى: "كنتُ كنزًا مخفيًا فخلقتُ الخلقَ لأُعرفَ"، يعني: خلقُ الإنسان من التراب، وتقلبه في الأطوار المختلفة الحالات المتنافية، وإنشاء النبات من الأرض الهامدة، وتصييره كل صنف بهيج رائقٍ مختلفًا ألوانُه،
[ ١٠ / ٤٤٥ ]
لم يتصور كونه، وهو بِأَنَّ (اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) أى الثابت الموجود، وأنه قادر على إحياء الموتى وعلى كل مقدور، وأنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث، فلا بدّ أن يفي بما وعد.
[(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)].
عن ابن عباس أنه أبو جهل بن هشام. وقيل: كرر كما كررت سائر الأقاصيص. وقيل: الأوّل في المقلدين، وهذا في المقلدين. والمراد ب"العلم": العلم الضروري. وب"الهدى": الاستدلال والنظر، لأنه يهدى إلى المعرفة. وبـ"الكتاب المنير":
_________________
(١) إنما كان ليُظهر أن الله هو الموجود الحي الأزليُّ الدائم، والحكيم العالم بدقائق الأشياء وعظائمها، وأنه القادرُ على ما يرتابون فيه من البعث، على كل ما يدخل تحت القدرة من الممكنات، وإنما كان ذلك لئلا يُخلف وعده من جزاء المحسن والمسيء لإتيان الساعة، وبعث من في القبور، فسبيل (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ) من قوله: (وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) سبيلُ قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من قوله تعالى: (وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى)، لكن قدم وأخر لرعاية الفواصل. قوله: (وقيل: كُرر كما كررت سائر الأقاصيص) عطفٌ على قوله: "عن ابن عباس: أنه أبو جهل"، يعني: أن قوله تعالى: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) إما نازلٌ في أبي جهل كما قال ابن عباس، أو نازلٌ في النضر بن الحارث كما ذكر أن قوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) نازلٌ فيه فكُررت قصته كما كررت أقاصيص سائر المعاندين، أو كرر ليناط به ما لم ينط به أولًا، (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) نازلٌ فيه ليكون ذمًا للمقلدين، وثانيًا قوله: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ليكون ذمًا للمقلدين بفتح اللام. قوله: (والمرادُ بالعلم العلمُ الضروريُّ)، قال الإمام: المعنى أنه يجادل من غير معرفة
[ ١٠ / ٤٤٦ ]
الوحي، أي يجادل بظن وتخمين، لا بأحد هذه الثلاثة. و"ثنى العطف": عبارة عن الكبر والخيلاء، كتصعير الخدّ ولىّ الجيد. وقيل: عن الإعراض عن الذكر. وعن الحسن: "ثانى عطفه"، بفتح العين، أى: مانع تعطفه (لِيُضِلَّ) تعليل للمجادلة. قرئ بضم الياء وفتحها.
فإن قلت:
_________________
(١) ـ ضروريةٍ ولا نظريةٍ ولا سمعية، والآية دالة على أن الجدال مع العلم والهدى والكتاب المنير حق حسن. قوله: (وثنى العطف عبارة عن الكبر)، قال صاحب "المطلع": الثني: الليُّ، والعطفُ: الجانب، وهو ما يعطفه الإنسان ويلويه ويميله عند الإعراض عن الشيء، وهو عبارةُ عن الكبر والخيلاء. قال ابن عباس: متكبرًا في نفسه. وقال ابن زيد: معرضًا عما يُدعى إليه كبرًا. وهو حالٌ من فاعل يُجادلُ. قوله: (كتصعير الخد)، الجوهري: الصعرُ: الميلُ في الخدَّ خاصة، وقد صعر خده وصاعر، إذا أماله من الكبر. الراغب: الصعرُ: ميلٌ في العنق، والتصعير: إمالته عن النظر كبرًا، قال تعالى: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) [لقمان: ١٨]، وكل صعبٍ يقالُ له: مصعرٌ، الظليمُ أصعر خلقة. قوله: (ثاني عطفه، بفتح العين)، أي: مانع تعطفه، فهو أيضًا كنايةُ عن الكبرياء والجبروت؛ لأن ذا الجبروت لا تعطف له ولا رحمة، كأنه قيل: من الناس من يجادل في الله متجبرًا في نفسه، ولا يعطفُ على أحد. قوله: (قرئ بضم الياء فتحها)، "ليضل" بالفتح: ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو، والباقون: بالضم.
[ ١٠ / ٤٤٧ ]
ما كان غرضه من جداله الضلال عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فكيف علل به؟ وما كان أيضا مهتديا حتى إذا جادل خرج بالجدال من الهدى إلى الضلال؟ قلت: لما أدّى جداله إلى الضلال، جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضا له فتركه وأعرض عنه وأقبل على الجدال بالباطل، جعل كالخارج من الهدى إلى الضلال. و"خزيه": ما أصابه يوم بدر من الصغار والقتل، والسبب فيما منى به من خزى الدنيا وعذاب الآخرة: هو ما قدمت يداه، وعدل الله في معاقبته الفجار وإثابته الصالحين.
[(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ* يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ* يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ)].
_________________
(١) ـ قوله: (وما كان غرضه في جداله الضلال)، تلخيص السؤال أن قوله: (لِيُضِلَّ) إما أن يتعلق به (يُجَادِلُ) تعليلًا أو (ثَانِيَ عِطْفِهِ)؛ وعلى الأول كيف يستقيم؛ لأن أحدًا لا يجادل ليضل؟ وعلى الثاني أنَّى يتسنى؛ لأن الثني للضلال مسبوقُ بوجود الاهتداء؟ وأجاب عن الأول أن اللام مثلها في قوله: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ) [القصص: ٨]، وعن الثاني أنه من قبيل (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: ١٦] في جعلِ التمكن على الهدى كالحصول عليه. قوله: (معرضًا له)، من "أعرضً" بمعنى: مكن، أي: ممكنًا، من العُرض وهو الجانب. والعرضة: المتعرض للأمر، قال: فلا تجعلوني عرضة للوائم قوله: (فيما مُني به)، الأساس: مُني بكذا: بُلي به، وهو ممنوٌّ به.
[ ١٠ / ٤٤٨ ]
(عَلى حَرْفٍ) على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه. وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم، لا على سكون وطمأنينة، كالذي يكون على طرف من العسكر، فإن أحسّ بظفر وغنيمه قرّ واطمأن، وإلا فرّ وطار على وجهه.
قالوا: نزلت في أعاريب قدموا المدينة، وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا، وولدت امرأته غلاما سويا، وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في دينى هذا إلا خيرا، واطمأن. وإن كان الأمر بخلافه قال: ما أصبت إلا شرا، وانقلب.
وعن أبى سعيد الخدري أن رجلا من اليهود أسلم فأصابته مصائب، فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي ﷺ فقال: أقلنى، فقال «إنّ الإسلام لا يقال» فنزلت.
المصاب بالمحنة بترك التسليم لقضاء الله والخروج إلى ما يسخط الله: جامع
_________________
(١) ـ قوله: (وطار على وجهه)، أي: أسرع مستعليًا على وجهه هائمًا لا يدري أين يتوجه، وهو كنايةٌ عن الهزيمة، فإن المنهزم مولي ظهره العدو، ويُقبلُ بوجهه الجهة التي يقصدها، لكن هاهنا عبارةٌ عن القلق والاضطراب لوقوعه مقابلًا لقوله: (اطْمَانَ) فعُدل للمبالغة. قوله: (قالوا: نزلت في أعاريب)، روى البخاري عن ابن عباس، قال: " (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) كان الرجل يقدم على المدينة، فإن ولدت امرأته غلامًا ونتجت خيله قال: هذا دينٌ صالح، وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال: هذا دينٌ سوء". قوله: (ونتجت فرسه)، الجوهري: نُتجت الناقة- على ما لم يسم فاعله- تنتج نتاجًا، وقد نتجها أهلها نتجًا، وأنتجت الفرسُ: إذا حان نتاجها. الأساس: نُتجت الناقة، وهي منتوجةٌ وأنتجت فهي منتجة: إذا وضعت، وقد نتجت: إذا حملت. قوله: (مهرًا سريًا)، أي: خطيرًا كريمًا.
[ ١٠ / ٤٤٩ ]
على نفسه محنتين، إحداهما: ذهاب ما أصيب به. والثانية: ذهاب ثواب الصابرين، فهو خسران الدارين.
وقرئ: "خاسر الدنيا والآخرة" بالنصب والرفع، فالنصب على الحال، والرفع على الفاعلية. ووضع الظاهر موضع الضمير، وهو وجه حسن. أو على أنه خبر مبتدأ محذوف.
استعير (الضَّلالُ الْبَعِيدُ) من ضلال من أبعد في التيه ضالا، فطالت وبعدت مسافة ضلالته.
فإن قلت: الضرر والنفع منفيان عن الأصنام مثبتان لها في الآيتين، وهذا تناقض. قلت: إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم، وذلك أن الله تعالى سفه الكافر بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ولا نفعًا، وهو يعتقد فيه بجهله وضلاله أنه يستنفع
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "خاسر الدنيا والآخرة")، قال ابن جني: هي قراءة مجاهد وحُميد بن قيس، على معنى: انقلب على وجهه خاسرًا؛ لأنه على تقديرالانفصال. وقراءة الجماعة: (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ)، الجملة بدل من قوله: (انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ)، فكأنه قال: إن أصابته فتنةٌ خسر الدنيا والآخرة. قوله: (ووضع الظاهر موضع الضمير)، لأن في (انقَلَبُ) الضمير المرفوع الراجع إلى "الناس"، فإذا جُعِلَ "خاسر الدنيا" فاعلًا له، وانقلب المستتر بارزًا ظاهرًا، فقد آذن بأن من يعبد الله على حرف هو الخاسر الدامر، ففيه تعليلٌ، وإليه الإشارة بقوله: "وهو وجهٌ حسن"، وعلى المشهورة: (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ)، كالتوضيح والبيان للجملة السابقة وتكرير معنى الخسران والتصوير؛ لأن فائدة البدل التفسيرُ والتوكيد، وعلى أن يكون "خاسرُ": خبر مبتدأ محذوف، تكونُ الجملة واردةً على الذم والشتم، وعلى الال تكون مؤكدة، نحو قوله تعالى: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥].
[ ١٠ / ٤٥٠ ]
به حين يستشفع به، ثم قال: يوم القيامة يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ، حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها، ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها لها (لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ)
_________________
(١) ـ قوله: (يوم القيامة يقولهذا الكافر بدعاءٍ وصُراخ)، يوم القيامة: ظرفٌ ليقول، لا لقال، يريد أن يدعو الثاني بمعنى يقول، وأنشد الزجاج لعنترة قوله: يدعون عنتر والرماح كأنها … أشطان بئرٍ في لبان الأدهم أي: يقولون: يا عنترةُ، والشطن: الحبل، والأدهم: فرسه. فقوله تعالى: (لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) مستأنفٌ مرفوعٌ بالابتداء، وخبره: (لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ)، والهاء في (ضَرُّهُ) و(نَفْعِهِ): ضمير الصنم، والجملة مقول (يَدْعُوا)؛ لأنه بمعنى القول. والمعنى: يقول الكافر في القيامة حين لا يرى للشفاعة أثرًا للصنم الذي حاله هذا: لبئس الناصر والشفيع هو، ولبئس المعاشر والمخالط. قال السجاوندي: اللام في (لَمَن) للابتداء، و(وَلَبِئْسَ): خبره، واللام فيه: جوابُ قسم محذوف. وقال أبو البقاء: (يَدْعُوا) بمعنى: يقول، و(مَن): مبتدأ، و(ضَرُّهُ): مبتدأ، و(َأَقْرَبَ): خبره، والجملة صلة (مَن)، وخبرُ (مَن) محذوف تقديره: إلهٌ أو إلهي، وموضعُ الجملة نصبٌ بالقول. و(وَلَبِئْسَ): مستأنفة؛ لأنه لا يصح دخوله في الحكاية؛ لأن الكفار لا يقولون عن أصنامهم: لبس المولى. وقال صاحب "الكشاف": قال البصريون: الوجه في الآية أن يكون في (يَدْعُوا): ضميرٌ عائدٌ إلى ذلك، أي: ذلك هو الضلالُ البعيدُ يدعوه، والجملةُ في موضع النصب على الحال، أي: ذلك هو الضلالُ البعيدُ مدعواًّ.
[ ١٠ / ٤٥١ ]
أو كرّر يدعو، كأنه قال: يدعو يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبودا أقرب من نفعه بكونه شفيعا لبئس المولى. وفي حرف عبد الله: "من ضره"، بغير لام. "المولى": الناصر. و"العشير": الصاحب، كقوله (فَبِئْسَ الْقَرِينُ) [الزخرف: ٣٨].
[(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ* مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ) ١٤ - ١٥]
_________________
(١) ـ قوله: (أو كرر يدعو)، قال أبو البقاء: (يَدْعُوا) إذا قُدر مكررًا لا يكون له معمول، لا لفظًا ولاتقديرًا. وقلتُ: فعلى هذا (يَدْعُوا) في الموضعين بمعنى: يعبُد، ولهذا قدر في الجملة الثانية معنى العبودية. وقال: "لمن ضرُّه بكونه معبودًا"، فالجملة الاثنية استئنافٌ على بيان الموجب، فنه تعالى لما قبح فعلهم وشنعَ عليهم عبادتهم لما لا ينفع ولا يضر، اتجه لسائل: لماذا هي النقيصة لهم في معبودهم؟ فقيل: (لَمَنْ ضَرُّهُ) إلى آخره. المعنى: من ضره أقربُ من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير، فكيف بما كله ضر ولايوجد فيه نفعٌ البتة. قوله: (وفي حرف عبد الله: "من ضره" بغير لام)، وهي مؤذنةٌ بأن اللام في (لمَن): زائدةٌ. قال ابن الحاجب: قيل: إن اللام في (لَمَنْ ضَرُّهُ) زائدةٌ، و"من ضرُّه" في موضع نصب مفعول (يَدْعُوا). وليس بشيء؛ لأن اللام المفتوحة لا تُزاد بين الفعل ومفعوله. وقال الفراءُ: إن اللام مقدمةٌ عن موضعها، والتقدير: يدعو من لضره أقربُ من نفعه. وليس بجيدٍ أيضًا؛ لأن لام الابتداء لا تتقدمُ عن موضعها، وأيضًا ما في صلة الذي لا يتقدمُ عليها.
[ ١٠ / ٤٥٢ ]
هذا كلام قد دخله اختصار. والمعنى. إن الله ناصر رسوله في الدنيا والاخرة، فمن كان يظنّ من حاسديه وأعاديه أن الله يفعل خلاف ذلك ويطمع فيه، ويغيظه أنه يظفر بمطلوبه، فليستقص وسعه وليستفرغ مجهوده في إزالة ما يغيظه، بأن يفعل ما يفعل من بلغ منه الغيظ كل مبلغ حتى مدّ حبلا إلى سماء بيته فاختنق، فلينظر وليصوّر في نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه؟
_________________
(١) ـ قوله: (هذا كلامٌ قد دخله اختصارٌ)، يعني: قوله: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) يستدعي كلامًا يذكرُ فيه أن الله تعالى ينصر رسوله في الدنيا والآخرة. ومنكرًا ينكره؛ لأن الضمير في (يَنصُرَهُ) يطلب مرجوعًا إليه، و(لَنْ يَنصُرَهُ) يوجب كلامًا أنكر فيه ما يصلح أن يكون هذا رده، كما سبق أنك تقول لصاحبك: لا أقيم غدًا، وإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غدًا. وأما بيانُ النظم فإنهُ تعالى لما قسم المعاندين والمخالفين إلى المجادلين ومن لا يثبت على الإسلام، وبالغ في هدم قواعدهم وأساس دينهم، وبين أنهم خسروا الدنيا والآخرة، وأن معبوديهم غير قادرين على دفع خسرانهم ذلك، بل يتضررون بسبب عبادتهم ويعبدون من ضره أقرب من نفعه، ومن يقالُ في حقه: لبئس المولى والعشير، عقبه بذكر أضدادهم ومن أعمالهم علىخلاف أعمالهم، من مولاهم وناصرهم يقالُ في حقه: نعم المولى ونعم النصير، حيث يُدخلهم- لأعمالهم الصالحة- جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، وينصرهم في الدنيا والآخرة، وأبرز ذلك إبرازًا يزيدُ في حرة أضدادهم، فإن الإحسان إلى الأضداد مما يزيدُ في غم الضد، وداخلٌ في جملة التنكيل بهم. قوله: (ويغيظه أنه يظفرُ بمطلوبه)، والضميرُ في "أنه" لرسول الله ﷺ، ويروى: "أنه لا يظفر بمطلوبه"، فالضمير حينئذٍ للحاسد. قوله: (الذي يغيظه)، يريد أن "ما" في (مَا يَغِيظُ): موصولةٌ، وجعلها الزجاج مصدرية، أي: هل يُذهبن كيده غيظه، أي على سبيل الاستهزاء. أي: سمى خنق نفسه
[ ١٠ / ٤٥٣ ]
وسمي الاختناق قطعا لأنّ المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه. ومنه قيل للبهر: القطع «١». وسمى فعله كيدا لأنه وضعه موضع الكيد، حيث لم يقدر على غيره. أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده إنما كاد به نفسه. والمراد: ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ
_________________
(١) ـ كيدًا تهكمًا به؛ لأن وبال الكيد راجعٌ إليهم. قوله: (وسُمي الاختناقُ قطعًا)، يعني: كنى عن الاختناق بالقطع، فإنه لازمه، تقول العرب: قُطع فلانٌ: إذا اختنق. قوله: (قيل للبهر: القطع)، البهرُ بالضم: العلةُ التي تمنعُ التنفس. قوله: (وسُمي فعلُه كيدًا)، وهو قوله تعالى: (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ) الآية. قوله: (لأنه وضعه موضع الكيد)؛ لأن المراد بالمد والقطع: الكيدُ، فكأنه قيل: من كان يظن من حاسديه أن الله تعالى لا ينصر رسوله في الدنيا والآخرة فليستقص وُسعه في إزالة ما يغيظه، وهو الكيد نفسه ادعاء، فوضع موضع (فَلْيَمْدُدْ) إلى آخره. وعن بعضهم: لم يقدر على غيره، أي: المناسبة بين ما فعل وبين الكيد هي أن الكائد كيده منتهى فعله وقدرته، كما أن هنا كذلك. قوله: (أو على سبيل الاستهزاء) أي: سمى خنق نفسه كيدًا؛ تهكمًا به؛ لأن وبال الكيد راجعٌ إليه. قوله: (والمرادُ: ليس في يده إلا ما ليس بمذهبٍ لما يغيظ)، يعني: حاصلُ الوجهين
[ ١٠ / ٤٥٤ ]
وقيل: فليمدد بحبل إلى السماء المظلة. وليصعد عليه فليقطع الوحى أو ينزل عليه. وقيل: كان قوم من المسلمين لشدّة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يثبت أمره. فنزلت.
وقد فسر النصر: بالرزق، وقيل: معناه أن الأرزاق بيد الله لا تنال إلا بمشيئته،
_________________
(١) ـ يعودُ إلى هذا المعنى، وهو من أسلوب قوله تعالى: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى) [الدخان: ٥٦]، أي: لوقدروا على كيدٍ لكان هذا الفعلُ، وهذا ليس بكيدٍ، فلا يكون كيدٌ قطُّ. قوله: (وقيل: فليمدد بحبل إلى السماء)، عطفٌ على قوله: "حتى مد حبلًا إلى سماء بيته فاختنق"، فعلى هذا الكلامُ فيه استعارةٌ تمثيلية، والأمرُ للتعجيز، وعلى الأول: كنايةٌ عن شدة الغيظ، والأمر للإهانة. قال محيي السنة: ليس هذا الأمر على سبيل الحتم؛ لأنهُ لا يمكنه القطعُ النظرُ بعد الاختناق والموت، وهو مثل قولك للحاسد: إن لم ترض هذا فاختنق ومُت غيظًا. قوله: (كان قومٌ من المسلمين)، والمعنى: من استبطأ نص رالله، وطلب الموعود عاجلًا، فليهلك نفسه بالخنق أو خرورٍ من السماء، فإن لذلك وقتًا لا يجوز إيقاعه إلا فيه. قوله: (وقد فُسرَ النصرُ بالرزق)، فعلى هذا الكلام تام، فلم يدخله الاختصار، وكذا على الوجه الأخير، والضمير في (يَنْصُرُهُ) لكل أحد، وهو راجعٌ إلى "مَنْ"؛ ولهذا قال: "لا بد للعبد من الرضا بقسمته، فمن ظن أن الله غير رازقه فليبلغ غاية الجزع". روى محيي السنة عن مجاهد: النصرُ: الرزق. وقال أبو عبيدة: تقول العربُ: أرضٌ منصورةٌ، أي: ممطورةٌ، وحينئذٍ تكونُ الآية متصلةً بقوله: " (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى
[ ١٠ / ٤٥٥ ]
ولا بد للعبد من الرضا بقسمته، فمن ظنّ أن الله غير رازقه وليس به صبر واستسلام، فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق، فإن ذلك لا يقلب القسمة ولا يردّه مرزوقا.
[(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ)].
أي: ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله (آياتٍ بَيِّناتٍ) (وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي) به الذين يعلم أنهم يؤمنون. أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، أنزله كذلك مبينا.
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)].
الفصل مطلق يحتمل الفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعا، فلا يجازيهم
_________________
(١) ـ حَرْفٍ) فإنها نازلةٌ في أعاريب، وكان أحدهم إذا صح بدنه، ونُتجت فرسه مهرًا"، إلى آخره ويكون قوله: (يَدْعُوا) إلى آخر الآيات معترضةً مؤكدةً لمعنى تجهيلهم، وأن الله هوالقابض الباسط وهو الضار النافع وحده. قوله: (ومثلُ ذلك الإنزال)، يعني: مثل ما تقدم من آيات القرآن المشتملة على البيان التام، أنزلنا القرآن كله، يعني: كل آيات القرآن مبنيات، وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي) تعليلٌ لكون القرآن بيانًا، ومعلله محذوفٌ يدل عليه المذكور، والجملة من التعليل والمعلل معطوفةٌ على ما قبلها علىطريقة: أعجبني زيدٌ وكرمُه. ونظيره قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام: ٥٥]. وأما بيانُ النظم فنه تعالى لما ذكر المجادلين من المخالفين، وأراد أن يعم المخالفين كلهم بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا …) الآية، أوقع هذه الآية كالتخلص من وصفهم إلى وصفهم. قوله: (يحتملُ الفصل بينهم في الأحوال والأماكن)، هذا إعمالٌ للفظ الواحد في معنيين متوافقين إعمال القدر المشترك.
[ ١٠ / ٤٥٦ ]
جزاء واحدا بغير تفاوت، ولا يجمعهم في موطن واحد. وقيل: الأديان خمسة: أربعة للشيطان وواحد للرحمن. جعل الصابئون مع النصارى لأنهم نوع منهم. وقيل (يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ) يقضى بينهم، أى بين المؤمنين والكافرين. وأدخلت (إِنَّ) على كل واحد من جزأى الجملة لزيادة التوكيد.
ونحوه قول جرير:
إنّ الخليفة إنّ الله سربله … سربال ملك به ترجى الخواتيم
[(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ)].
سميت مطاوعتها له فيما يحدث فيها من أفعاله ويجريها عليه من تدبيره وتسخيره لها: سجودا له، تشبيها لمطاوعتها بإدخال أفعال المكلف في باب الطاعة والانقياد، وهو السجود الذي كل خضوع دونه.
_________________
(١) ـ قوله: (وأُدخلت (إنَّ) على كل واحد من جُزأي الجملة)، قال الزجاج: خبرُ "إنّ" الأولى في الآية جملة الكلام مع "إنّ" الثانية. وقد زعم قومٌ أن قولك: "إن زيدًا إنه قائمٌ" رديءٌ، وأن هذه الآية إنما صلُحت في "الذي"، ولا فرق بين "الذي" غيره في باب "إنّ"، إن قلت: إن زيدًا إنه قائمٌ، كان جيدًا، ومثله قول جرير: إن الخليفة إن الله سربله … سربال مُلكٍ به تُزجى الخواتيم وليس بين البصريين خلافٌ في أن "إن" تدخلُ على كل ابتداء وخبر، تقول: إن زيدًا هو قائمٌ، وإن زيدًا أنه قام. الإزجاء: السوق، والمراد بالخواتيم: المُلك. قوله: (تشبيهًا لمطاوعتها بإدخال أفعال المكلفِ في باب الطاعة)، هذا بيانٌ لتمهيد
[ ١٠ / ٤٥٧ ]
فإن قلت: فما تصنع بقوله (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) وبما فيه من الاعتراضين:
_________________
(١) ـ الاستعارة؛ لأنها نوعٌ من المجاز الذي العلاقة فيه التشبيه، يعني: استعار السجود المتعارف وهو وضعُ الجبهة على الأرض خُضعانًا للباري لمطاوعة الأشياء له فيما يحدث فيها من أفعاله لعلاقة الحصول على وفق إرادته، وجريان مشيئةٍ من غير امتناع منها، كقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]، كل نوع من أنواعه المختلفة، سواءٌ كانت حقيقةً أم مجازًا مُرادًا منهذا العام دفعةً واحدة. قوله: (فإن قلت: فما تصنعُ بقوله: (وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ)؟)، يعني: هذا يرد تأويلك السجود من وجهين: أحدهما: أن هذا المعنى شامل للجماد والحيوان والمطيع والعاصي، فأي فائدة في ذكر (وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ)؟ وثانيهما: أن إسناد السجود إلى المذكورات يوجبُ أن شيئًا منها لا يخرجُ عن هذا الحكم، ومفهوم قوله تعالى: (وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ) يخرجُ البعض نمه فيلزمُ التناقض. وأما جوابه: "لا أنظم "كثيرًا" من المفردات"، يعني: لا أجعلُ العطف من باب عطفِ المفرد على المفرد، بل أجعله منباب عطف الجملة، وأضمرُ عاملًا آخر، وأفسرُ السجود الأول بالمطاوعة والانقياد، والثاني بالمتعارف، هو الطاعة والعبادةن ليكون من باب عطف الخاص على العام من حيث الفعل والفاعل تشريفًا لعباده الصالحين فليدفع هذا السؤال، لا ان عموم المجاز يقتضي ذلك. فلا يردُ أيضًا ما أوردهُ صاحب "الفرائد"، وقال: إن اللفظ الواحد لا يصلح استعماله على معنيين مختلفين منظورٌ فيه، ولا شك أن قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) [الأحزاب: ٥٦] أن الصلاة مستعملةٌ على معنيين مختلفين في حالة واحدة لما قررنا أن المانع عطفُ (وَكَثِيرٌ) على (مِنَ)، فيجوز أن تُحمل الصلاةُ عليه - صلواتُ الله وسلامه عليه- للاعتناء بشأنه، وإظهار شرفه
[ ١٠ / ٤٥٨ ]
أحدهما: أنّ السجود على المعنى الذي فسرته به، لا يسجده بعض الناس دون بعض. والثاني: أنّ السجود قد أسند على سبيل العموم إلى من في الأرض من الإنس والجن أولا، فإسناده إلى كثير منهم آخرا مناقضة؟ قلت: لا أنظم كثيرا في المفردات المتناسقة الداخلة تحت حكم الفعل، وإنما أرفعه بفعل مضمر يدل عليه قوله (يَسْجُدُ) أى ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة.
ولم أقل: أفسر (يسجد) الذي هو ظاهر بمعنى الطاعة والعبادة في حق هؤلاء، لأنّ اللفظ الواحد لا يصحّ استعماله في حالة واحدة على معنيين مختلفين، أو أرفعه على الابتداء والخبر محذوف وهو "مثاب"، لأنّ خبر مقابله يدل عليه، وهو قوله (حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ) ويجوز أن يجعل (مِنَ النَّاسِ) خبرا له، أى: من الناس الذين هم الناس
_________________
(١) ـ ونبوته، أمره صلوات الله وسلامه عليه على عموم المجاز، فتكون مستعملةً على حقيقته مختلفتين في حالة واحدة؛ لأنه لا صارف. قوله: (ولم أقل: أفسرُ (يَسْجُدُ»، "أفسرُ"، بدلٌ من "أقلْ"، أو عطفُ بيان، أي: لم أرفع "كثير" بالفعل المذكور، ولم أفسرِ الفعل المذكور بمعنى المطاوعة والعبادة معًا. قوله: (ويجوز أن يُجعل (مِنْ النَّاسِ) خبرًا له)، أي: لـ"كثير"، وهو نكرةٌ صرفة. قال صاحب "التقريب": مصححه التنوين نحوُ: "شرٌّ أهر ذا ناب". وقلت: المعنى: كثيرٌ له فضلٌ واعتدادٌ لا يخفى على كل أحدٍ وهم المؤمنون الكاملون؛ لكونه مقابلًا لقوله: (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ)، ويجوز أن يكون المصحح وقوعه مقابلًا لمن يضاده، فيكون كتعريف غير إذا وقع بين الضدين، أو يكون على منوال قول الشاعر:
[ ١٠ / ٤٥٩ ]
على الحقيقة وهم الصالحون والمتقون. ويجوز أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب، فيعطف كثير على كثير، ثم يخبر عنهم ب (حقّ عليهم العذاب)، كأنه قيل: وكثير وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وقرئ: "حق"، بالضم. وقرئ: "حقا"، أى حقّ عليهم العذاب حقا. ومن أهانه الله - بأن كتب عليه الشقاوة لما سبق في علمه من كفره أو فسقه - فقد بقي مهانا «١»، لن تجد له مكرما. وقرئ: "مكرم"، بفتح الراء بمعنى الإكرام. (إنه يَفْعَلُ ما يَشاءُ) من الإكرام والإهانة، ولا يشاء من ذلك إلا ما يقتضيه عمل العاملين واعتقاد المعتقدين.
_________________
(١) ـ فيومٌ علينا ويومٌ لنا … ويومٌ نساءُ ويومٌ نسرُّ أي: من الناس الذين هم الناس على الحقيقة، يعني: يحملُ التعريفُ في الناس على الحقيقة والجنس، فإن الجنس إذا أطلق على بعضه اعتبر الكمال فيه؛ ولهذا قال: "وهم الصالحون المتقون". قوله: (ومن أهانه الله)، والتلاوة (يُهِنْ اللَّهُ) مؤذن بأن إيثار المضارع في الآية للاستمرار لا لمطلق الإخبار. قوله: (ولا يشاءُ من ذلك إلا ما يقتضيه عملُ العاملين)، يعني: إن كان العاملُ مؤمنًا يشاء الثواب، وإن كان بخلافه فالعقاب بناء على أن المشيئة تابعة لأعمال العباد كما هو معتقده، لكن النظم يقتضي خلافه؛ لأن قوله: (وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) تذييلٌ لقوله: (أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ) الآية، يعني: ألا تتعجب من حال المخالفين، فإن الكائنات مطوعةٌ لله خاضعةٌ لجلاله، وكثيرٌ من عباده الصالحين ساجدون له مطيعون أمره منتهون عن نواهيه، وهؤلاء الكفرة الين حق عليهم العذاب كيف خرجا من هذه الكرامة (وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ)؟ وما ذلك إلا أن المشيئة تعلقت بإهانتهم.
[ ١٠ / ٤٦٠ ]
[(هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ* يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ* وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ* كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ)].
الخصم: صفة وصف بها الفوج أو الفريق، فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان مختصمان وقوله (هذانِ) للفظ. و(اخْتَصَمُوا) للمعنى، كقوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا) [محمد: ١٦] ولو قيل: "هؤلاء خصمان". أو "اختصما": جاز. يراد المؤمنون والكافرون. قال ابن عباس:
رجع إلى أهل الأديان الستة (فِي رَبِّهِمْ) أى في دينه وصفاته. وروى أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين: نحن أحق بالله، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد، وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسدا، فهذه خصومتهم في ربهم (فَالَّذِينَ كَفَرُوا) هو فصل الخصومة المعنىّ بقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) [الحج: ١٧] وفي رواية عن الكسائي: "خصمان"،
_________________
(١) ـ قوله: (الخصم صفةٌ وصف بها الفوج)، الجوهري: الخصم يستوي فيه الجمع والمؤنث؛ لأنه في الأصل مصدرٌ، ومن العرب من يثنيه ويجمعه. وقال المصنف: الخصمُ: الخصماء، يقع على الجمع والواحد، فثناه على تأويل: فريقان خصمان، وقيل: الخصم: اسم جمع كالركب، فثناه على تأويل الفرقتين أو الجماعتين. قوله: «فَالَّذِينَ كَفَرُوا)، هو فصل الخصومة المعنيُّ بقله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، هذا الكلام مبنيٌّ على تفسير ابن عباس ﵁: هذان خصمان رجع إلى أهل الأديان الستةن يعني: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)، فعلى هذا، في الكلام تقسيمٌ وجمعٌ وتفريق، فالتقسيمُ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) إلى قوله: (وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)، والجمع: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ) إلى قوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)، والتفريق: قوله: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا) إلى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، ورُوعي فيه معنى قوله
[ ١٠ / ٤٦١ ]
بالكسر، وقرئ: "قطعت" بالتخفيف، كأنّ الله تعالى يقدّر لهم نيرانا على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة. ويجوز أن تظاهر على كل واحدٍ
_________________
(١) ـ تعالى: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧]؛ لأنه حين ذكر فريق الكفار وما أسند جزاءهم إلى الله تعالى، وحين ذكر جزاء المؤمنين أتى باسمه الجامع، وصدر الجملة بـ"إنّ"، وفصلها للاستئناف؛ ليكون أدل على التفخيم والتعظيم، وذيل الكلام بقوله: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ). وأما توسيط قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ) الآية، فللتفريع على اختلاف الكفرة، واستبعاده مع وجود هذه الآيات الصارفة، والخطاب بقوله: (أَلَمْ تَرَ) لكل أحدٍ لعظمه، يعني: أن الرب واحد، وكل شيء مطيعٌ له ومنقاد، وليست الخصومة والاختلاف إلا بمحض مشيئة الله وإرادته. ويؤيدُ ما ذكرنا قول الزجاج: "إن الله يدخل الذين آمنوا: أحد الخصمين"، ومن التقسيم مع الجمع قول حسان: قومٌ إذا حاربوا ضروا عدوهم … أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا شجيةٌ تلك منهم غير محدثةٍ … أن الخلائق فاعلم شرها البدع قوله: (ويجوزُ أن تُاهر على كل واحد)، النهاية: وفي الحديث: "أنه ﷺ ظاهر بين درعين يوم أحد"، أي: جمع ولبس إحداهما فوق الأخرى، وكأنه من التظاهر والتعاون والتساعد، ومنه حديث علي: "أنه بارز يوم بدرٍ وظاهر"، أي: نصر وأعان.
[ ١٠ / ٤٦٢ ]
منهم تلك النيران كالثياب المظاهرة على اللابس بعضها فوق بعض. ونحوه (سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ)] إبراهيم: ٥٠ [. (الْحَمِيمُ) الماء الحار. عن ابن عباس ﵁: لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها (يُصْهَرُ) يذاب. وعن الحسن بتشديد الهاء للمبالغة، أى: إذا صبّ الحميم على رؤوسهم كان تأثيره في الباطن نحو تأثيره في الظاهر، فيذيب أحشاءهم وأمعاءهم كما يذيب جلودهم، وهو أبلغ من قوله (وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ)] محمد: ١٥ [و"المقامع": السياط. في الحديث: «لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها»، وقرأ الأعمش: "ردوا فيها". والإعادة والرد لا يكون إلا بعد الخروج، فالمعنى: كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا
_________________
(١) ـ قوله: (ما أقلوها)، النهاية: وفي حديث العباس: "فحثا في ثوبه، ثم ذهب يُقله، فلم يستطع". يقال: أقل الشيء يُقله، واستقله يستقله: إذا رفعه وحمله. وإنما قال المصنف رحمة الله تعالى عليه: "ما أقلوها"، ولم يقل: ما رفعوها؛ ليؤذن بأنهم استقلوا قواهم لرفعها. قوله: (أن يخرجوا منها من غم فخرجوا) ولابد من هذا التقدير؛ لأنه تعالى جعل إرادة الخروج سببًا للإعادة، وإنما السبب نفسُ الخروجن وفائدةُ الحذف الإشعارُ بسرعة تعلق الإرادة بالإعادة، وأنه حين تعلقت إرادتهم بالخروج حصل وترتب عليه الإعارة، كأن إرادة الخروج نفس الخروج، فأعيدوا بلا مكث، ومن ثم حسن تأويل الحسن الخروج بكونهم في أعلى النار، والإعادة بالهوي إليها، ومن الأسلوب قوله تعالى: (واللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتًا) [نوح: ١٧]، قال الزجاج: أراد الله إنباتكم فنبتم نباتًا. قيل: فائدته: التنبيه على سرعة نفاذ قدرة الله تعالى فيم أراد كونه، كأن إنبات الله نفس النبات.
[ ١٠ / ٤٦٣ ]
فيها. ومعنى الخروج: ما يروى عن الحسن أنّ النار تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا وَقيل لهم (ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) والحريق: الغليظ من النار المنتشر العظيم الإهلاك. [سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٥] (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥»
(يُحَلَّوْنَ) عن ابن عباس: من حليت المرأة فهي حال «٢» (وَلُؤْلُؤًا) بالنصب
_________________
(١) ـ قال أبو البقاء: و(مِنْ غَمٍّ) بدلٌ بإعادة الخافض بدل الاشتمال، وقيل: الأولى: لابتداء الغاية، الثانية: بمعنى: من اجل. وقيل الغم هنا: تغطية العذاب لهم، والأخذُ بكظمهم؛ لأن ما هم فيه أعظم من الحزن. وقال صاحب "الكشف": (مِنْ غَمٍّ): بدلٌ من (مِنْهَا)، والغم هاهنا: مصدرُ غممتُ الشيء، أي: غطيتُه، أي: كلما أرادوا أن يخرجوا مما يغمهم من العذاب أعيدوا فيها، ويقال لهم: ذوقوا. قوله: (سبعين خريفًا)، قال التوربشتي: كان العرب يؤرخون أعوامهم بالخريف؛ لأنه كان أوان جُذاذهم وقطافهم وإدراك غلاتهم، وكان الأمر على ذلك حتى أرخ عمر بن الخطاب ﵁ سنة الهجرة. قوله: «وَلُؤْلُؤًا) بالنصب): عاصمٌ ونافع، والباقون: بالجر، وأبو بكرٍ يقلبُ الهمزة الثانية واوًا، والبواقي شواذ.
[ ١٠ / ٤٦٤ ]
على: "ويؤتون لؤلؤا"، كقوله: "وحورا عينا". و"لؤلوا" بقلب الهمزة الثانية واوا. و"لوليا"، بقلبهما واوين، ثم بقلب الثانية ياء كأدل. و"لول" كأدل فيمن جرّ. و"لولؤ". و"ليليا"، بقلبهما ياءين، عن ابن عباس: وهداهم الله وألهمهم أن يقولوا "الحمد لله الذي صدقنا وعده"، وهداهم إلى طريق الجنة. يقال: فلان يحسن إلى الفقراء وينعش المضطهدين، لا يراد حال ولا استقبال، وإنما يراد استمرار وجود الإحسان منه والنعشة في جميع أزمنته وأوقاته. ومنه قوله تعالى (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أى الصدود منهم مستمرّ دائم (لِلنَّاسِ) أى الذين يقع عليهم اسم الناس من غير فرق بين حاضر وباد وتانئ وطارئ ومكي وآفاقى. وقد استشهد به أصحاب أبى حنيفة قائلين: إنّ المراد بالمسجد الحرام: مكة، على امتناع جواز بيع دور مكة
_________________
(١) ـ قوله: (ويُنعشُ المضطهدين)، الجوهري: نعشه الله ينعشه نعشًا: رفعه، وضهدتُّه فهو مضهودٌ ومضطهدٌ، أي: مقهورٌ ومضطر. قوله: (أي: الصدود منهم مستمر دائم)، وهو من عطف المستقبل على الماضي، يعني: أن صدودهم كان دائمًا مستمرًا لا مترقبًا، وكذلك قول: فلانٌ يحسنُ إلى الفقراء، في مقام المدح؛ لأنك لا تريد به الإخبار بأنه سيفعله في الزمان الآتي، بل تردي أن ذلك دأبه عادته التي نشأ عليها. قوله: (تانئ وطارئ)، أي: بالهمزة: الجوهري: تنأتُ بالبلد تُنوءًا: إذا قطنته، التانئُ من ذلك، هم تُناءُ البلد. والاسم: التناءةُ. وطرأتُ على القوم أطرأ طروءًا: إذا طلعت عليهم من بلد آخر. قوله: (وآفاقي)، قال المصنف: المسموعُ منالعرب: أفقي وأفقي، وهو القياس والاستعمال؛ لأنالنسبة إلى الواحد، واستعمال الفقهاء آفاقي، وهو صحيح؛ لأنه أريد به الخارجي، أي: الخارج من المواقيت، فكان بمنزلة النصاري حيث أريدت القبيلة. قوله: (وقد استشهد به أصحاب أبي حنيفة ﵏ … على امتناع جواز بيع دور مكة)، قال الإمامُ: وفي المسألة قولان:
[ ١٠ / ٤٦٥ ]
_________________
(١) ـ أحدهما: أن أرض مكة لا تُملك، وأنها لو مُلكت لم يستو فيه العاكف والباد، فلما استويا عُلم أن سبيله سبيلُ المساجد، فعلى هذا المراد بالمسجد الحرام: الحرمُ كله، كما يدل عليه قوله تعالى: (مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) [الإسراء: ١]، وقوله: (الْعَاكِفُ فِيهِ)؛ لأنه المقيم، وإقامته لا تكون في المسجد بل في المنازل، وهذا قول ابن عباس في بعض الروايات، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، ومذهب أبي حنيفة في إحدى الروايتين، ومذهب هؤلاء ان كراء دور مكة وبيعها حرام. وثانيهما: أنها تُملك، والمراد بقوله تعالى: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي) الاستواء في العبادة، أي: ليس للمقيم أن يمنع البادي من العبادة فيه وبالعكس. ورُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يا بني عبد مناف، من ولي منكم من أمور الناس شيئًا فلا يمنعن أحدًا طاف بهذا البيت أو صلىية ساعةٍ من ليلٍ او نهار"، هذا قول الحسن ومجاهدٍ والشافعي، ورواية الحسن عن أبي حنيفة. وقال الزجاج سواءٌ في تفضيله وإقامة المناسك العاكف بالحرم والنازع إليه. وقال محيي السنة: ومعنى التسوية: هوالتسوية في تعظيم الكعبة، وفي فضل الصلاة في المسجد الحرام والطواف فيه. وقلتُ - والله أعلم-: والمقامُ لا يقتضي غير ذلك، وبيانه: أنه تعالى لما ذم المشركين، وبين
[ ١٠ / ٤٦٦ ]
_________________
(١) ـ سوء صنيعهم بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أتى بقوله: (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) عاطفًا عليه وهو مضارعٌ، ونوعٌ من أنواع الكفر، فدل الاستقبال على أن الصد عادتهم ودأبهم كما مر آنفًا، ودل عطف النوع على الجنس على تمادي هذا الكفر - وهو الصد- الغاية، حتى خرج من ذلك الجنس على منوال قوله: (ومَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) [البقرة: ٩٨] ثم عقب بقوله تعالى: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي) عاطفًا على (سَبِيلِ اللَّهِ) على منوال العطف السابق تتميمًا ومبالغةً، يعني: ما كفاهم إعراضهم عن العبادة، حتى بلغ أن منعوا الغير عنها، وتمادى ذلك المنعُ إلى أن بلغ على الموضع الذي عظمناه وحرمناه لغير عبادتنا، ولا يختص به أحدٌ دون أحد، سواءٌ في ذلك قُطانه وقُصادُه، ويعضده تذييل الكلام بقوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ)؛ لأن الصاد مائلٌ عن الحق، ملحدٌ واضعٌ للشيء في غير موضعه، وإليه الإشارة بقوله: "وكل من ارتكب فيه ذنبًا فهو كذلك"، فأين في الكلام مجالُ بيع الدور وتمليكها، اللهم إلا أن يقال: إن دلالة الآية على ذلك بالإدماج وإشارة النص، ومن ثم لما حاور الإمام الشافعي إسحاق عارض دليله بمثله، وهو قوله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) [الحج: ٤٠] وأتى بحديث عُمر ﵁، سكت إسحاقُ، والمصنفُ أيضًا لم يزد على ذلك، وما اشتغل بالجواب لما عرف المقام. وأما استدلالهم بقوله تعالى: (مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) [الإسراء: ١] بأن المراد بالمسجد الحرام الحرم فضعيفُ، لما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن مالك بن صعصعة، أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أُسري به قال: "بينما أنا في الحطيم- وربماقال: في الحجر مضطجعًا، ومنهم من قال: بين النائم واليقظان- إذ أتاني
[ ١٠ / ٤٦٧ ]
وإجارتها. وعند الشافعي: لا يمتنع ذلك. وقد حاور إسحاق بن راهويه فاحتجّ
_________________
(١) ـ آتٍ"، الحديث. وفي حديث آخر، عن البخاري ومسلم والنسائي، عن أنسٍ قال: ليلة أُسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة. الحديث. وقولهم: الإقامة لا تكون إلا خارج المسجد فضعيفٌ أيضًا؛ لأن الظاهر من لفظ العاكف أنه الملازم للمسجد، والمعتكفُ فيه. قوله: (وقد حاور إسحق بن راهويه)، في "جامع الأصول": هو أبو يعقوب إسحاقُ بن إبراهيم التميميُّ الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، بالراء وفتح الهاء والواو وسكون الياء وكسر الهاء، أحد أركان المسلمين، وعَلَمٌ من أعلام الدين، وممن جمع بين الحديث والفقه، والإتقان الحفظ والورع. وقال الإمامُ: وقد جرت مناظرةٌ بين الشافعي وإسحاق الحنظلي بمكة، وكان إسحاقُ لا يرخصُ في كراء دور مكة، فاحتج الشافعي ﵁ بقوله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) [الحج: ٤٠] فأضيف الديارُ إلى مالكيها، وهو المراد من قول المصنف: "أنسب الديار إلى مالكيها أو غير مالكيها؟ "، وقال الشافعي: قال رسول الله يوم فتح مكة: "من أغلق بابه فهو آمنٌ"، وقال ﷺ: "هل ترك لنا عقيلٌ من ربع"، وقد اشترى عمر ﵁ دار السجن، أترى أنه اشترى من مالكيها أو غير مالكيها؟
[ ١٠ / ٤٦٨ ]
بقوله (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) [الحج: ٤٠]، [الحشر: ٨] وقال أنسب الديار إلى مالكيها، أو غير مالكيها؟ واشترى عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه دار السجن من مالكيه أو غير مالكيه؟ (سَواءً) بالنصب: قراءة حفص. والباقون على الرفع. ووجه النصب أنه ثانى مفعولي (جعلناه)، أى: جعلناه مستويا الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وفي القراءة بالرفع. الجملة مفعول ثان. "الإلحاد": العدول عن القصد، وأصله إلحاد الحافر. وقوله (بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ) حالان مترادفتان. ومفعول (يُرِدْ) متروك ليتناول كل متناول، كأنه قال: ومن يرد فيه مرادا ما عادلا عن القصد ظالما (نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) يعنى أنّ الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهمّ به ويقصده. وقيل: الإلحاد في الحرم منع الناس عن عمارته وعن سعيد بن جبير: الاحتكار. وعن عطاء: قول الرجل في المبايعة «لا والله، وبلى والله» وعن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان، أحدهما: في الحل، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فقيل له، فقال، كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: "لا والله، وبلى والله". وقرئ: "يرد"، بفتح الياء من الورود. ومعناه: من أتى فيه بإلحاد ظالما. وعن الحسن: ومن يرد إلحاده بظلم، أراد: إلحادا فيه، فأضافه على الاتساع في الظرف، كـ"مكر الليل". ومعناه: من
_________________
(١) ـ قال إسحاق: فلما علمتُ أن الحجة قد لزمتني تركتُ قولي. قوله: (إلحادُ الحافر)، أي: حافرُ القبر. الجوهري: اللحدُ بالتسكين: الشقُّ في جانب القبر. قوله: (فُسطاطانِ)، الفسطاطُ: السُّرادقُ، وقيل: الفسطاط: ضربٌ من الأبنية.
[ ١٠ / ٤٦٩ ]
يرد أن يلحد فيه ظالما. وخبر "إن" محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، تقديره: إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم، وكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك. عن ابن مسعود: الهمة في الحرم تكتب ذنبا.
(وَإِذْ بَوَّانا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) ٢٦ [
واذكر حين جعلنا (لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ) مباءة، أى: مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة. رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم الله إبراهيم مكانه بريح أرسلها يقال لها الخجوج: كنست ما حوله، فبناه على أسه القديم. و"أن" هي المفسرة. فإن قلت: كيف يكون النهى عن الشرك والأمر بتطهير البيت تفسيرا للتبوئة؟ قلت: كانت التبوئة مقصودة من أجل العبادة، فكأنه قيل: تعبدنا إبراهيم قلنا له: (لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) من الأصنام والأوثان «١» والأقذار أن تطرح حوله. وقرئ: "يشرك"، بالياء على الغيبة.
(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَاتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) ٢٧ [
(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ) ناد فيهم. وقرأ ابن محيصن: "وآذن". والنداء بالحج: أن يقول: حجوا، أو عليكم بالحج. وروى أنه صعد أبا قبيس فقال: يا أيها الناس
_________________
(١) ـ قوله: (يقال له: الخجوج)، بفتح الخاء المعجمة، وبالجيمين. الجوهري: ريحٌ خجُوجٌ: تلتوي في هبوبها. الأصمعي: الخجوجُ من الرياح: الشديدة المرة. قوله: (تعبدنا إبراهيم)، الأساس: تعبدني فلانٌ واعتبدني: صيرني كالعبد له، أي في التكليف بالأمر والنهي.
[ ١٠ / ٤٧٠ ]
حجوا بيت ربكم. وعن الحسن أنه خطاب لرسول الله ﷺ، أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع «٣» (رِجالًا) مشاة جمع راجل، كقائم وقيام. وقرئ: "رجالا"، بضم الراء مخفف الجيم ومثقله، و"رجالي" كعجالى عن ابن عباس.
(وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ) حال معطوفة على حال، كأنه قال: رجالا وركبانا (يَاتِينَ) صفة ل (كل ضامر)، لأنه في معنى الجمع. وقرئ: "يأتون"، صفة للرجال والركبان. و"العميق": البعيد، وقرأ ابن مسعود: "معيق". يقال: بئر بعيدة العمق والمعق.
[(لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ)].
نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات. وعن أبى حنيفة ﵀: أنه كان يفاضل بين العبادات قبل أن يحج، فلما حجّ فضل الحج على العبادات كلها، لما شاهد من تلك الخصائص.
وكنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله،
_________________
(١) ـ قوله: (ورُجالى)، وهو جمعُ رجلانَ، كسكران وسُكارى، وهو بمعنى الراجل، قال كُثيرُ عزة: على إذا لاقيتها في سلامةٍ … زيارة بيت الله رجلان حافيا قوله: (نكر المنافع)، يعني: دل التنكيرُ فيها على تفخيم المنافع وتكثيرها بحيثُ لا توجد في غيرها. وعن بعض العارفين: هي سُبحاتُ البادية وزلفاتها: الليليةُ والنهارية.
[ ١٠ / ٤٧١ ]
لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا أو ذبحوا. وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلى فيما يتقرّب به إلى الله أن يذكر اسمه، وقد حسن الكلام تحسينا بينا: أن جمع بين قوله (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ)، وقوله: (عَلى ما رَزَقَهُمْ) ولو قيل: لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام، لم تر شيئا من ذلك الحسن والروعة.
"الأيام المعلومات":
_________________
(١) ـ قوله: (لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا)، تعليلٌ لصحة الكناية، والانتقال من اللازم إلى الملزوم، فإن الشرط فيها أن تكون الملازمة مساويةً إما في نفس الأمر أو بالادعاء والعرف، وليست الكناية في مجرد قوله تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) بل مع قوله: (عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ)؛ لأن "على" متعلقٌ بالفعل، كأنه قيل: وانحروا بهيمة الأنعام مسمين الله تعالى. قوله: (وفيه تنبيهٌ)، أي: في العدول من النحر والذبح إلى ذكر اسم الله إدماجٌ وإشارةٌ إلى أن الغرض الأصلي في العبادات ذكرُ اسم الله. قوله: (وقد حسن الكلام تحسينًا بينًا أن جمع)، يعني: جمع بين ذكر الرازق والمرزوق على طريقة التعليل. وذلك أن رتب ذكر اسم الله على الوصف المناسب، هو كونه رزقًا منه، ويؤيده قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ)، فإنه تصريحٌ في المقصود، ومع هذه النكتة الجليلة رُوعي فيه معنى الإجمال والتفصيل. قوله: (الحُسْن والروعة)، الأساس: رُعُته وروعتُه، وارتعتُ منه وأصابته روعةُ الفراق، ووقع ذلك في روعي أي: في خلدي، ومن المجاز: فرسٌ رائع، يروع الرائي بجماله، وكلامٌ رائع. قوله: (الأيام المعلومات)، المطلع: قيل لها: معلوماتٌ للحرص على علمها بحسابها؛
[ ١٠ / ٤٧٢ ]
أيام العشر عند أبى حنيفة، وهو قول الحسن وقتادة. وعند صاحبيه: أيام النحر.
"البهيمة": مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام: وهي الإبل والبقر والضأن والمعز. الأمر بالأكل منها أمر إباحة، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من نسائكهم، ويجوز أن يكون ندبا لما فيه من مساواة الفقراء ومواساتهم ومن استعمال التواضع. ومن ثمة استحب الفقهاء أن يأكل الموسع من أضحيته مقدار الثلث. وعن ابن مسعود أنه بعث بهدى وقال فيه: إذا نحرته فكل وتصدّق
_________________
(١) ـ لأن وقت الحج في آخرها، وكثرةُ ذكر الله تعالى فيها بالتلبية والتكبير، وقيل لأيام النحر: معلوماتٌ؛ لأن الذكر على بهيمة الأنعام يدلُ على التسمية على نحرها، ونحر الهدايا يكونُ في هذه الأيام قاله الزجاج. قوله: (أيام العشر)، أي: أيام الليالي العشر. قوله: (ومن ثم استحبالفقهاء ان يأكل الموسع من أضحيته)، قال مُحيي السُّنة: اتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعًا يجوز للمُهدي أن يأكل منه، وكذلك أضحية التطع، واختلفوا في الهدي الواجب مثل دم التمتع والقران، والواجب بإفساد الحج وفواته وجزاء الصيد، وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر، فذهب قومٌ إلى أنه لا يجوز، وبه قال الشافعي. وقال ابن عمر: لا يأكل من جزاء الصيد والنذور، ويأكل مما سوى ذلك، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال مالكٌ: يأكلُ من هدي التمتع ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور. وعند أصحاب الرأي: يأكل من دم التمتع والقران، ولا يأكل من واجب سواهما.
[ ١٠ / ٤٧٣ ]
وابعث منه إلى عتبة، يعنى ابنه. وفي الحديث: «كلوا وادخروا وائتجروا».
(الْبائِسَ) الذي أصابه بؤس أى شدة: و(الْفَقِيرَ) الذي أضعفه الإعسار.
[(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)] ٢٩ [.
"قضاء التفث": قص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد، و"التفث": الوسخ، فالمراد قضاء إزالة التفث. وقرئ: "وليوفوا"، بتشديد الفاء (نُذُورَهُمْ)
_________________
(١) ـ قوله: (وادخروا وائتجروا)، ورُوي: "واتجروا". النهاية: وفي حديث الأضاحي: "كلُوا وادخروا وائتجرا" أي: تصدقوا طالبين الأجر بذلك، ولا يجوزُ فيه "اتجروا" بالإدغام؛ لأن الهمزة لا تُدغمُ في التاء، وإنما هو من الأجر لا من التجارة، وقد أجار الهرويُّ في "كتابهِ"، واستشهد عليه بقوله في الحديث: إن رجلًا دخل المسجد وقد قضى النبي ﷺ صلاته فقال: "من يتجر فيقوم ويُصلي معه؟ "، والرواية إنما هي: "يأتجرُ"، وإن صح فيها: "يتجرُ"، فيكون من التجارة لا من الأجر، كأنه بصلاته معه قد حصل لنفسه تجارةً، أي مكسبًا. قوله: (والْفَقِيرَ) الذي اضعفه الإعسارُ)، الأساس: فلانٌ فقيرٌ أصابته النواقر، وعملت فيه الفواقر، أي: الدواهي التي تكسرُ فقار ظهره.
[ ١٠ / ٤٧٤ ]
مواجب حجهم، أو ما عسى ينذرونه من أعمال البر في حجهم (وَلْيَطَّوَّفُوا) طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة الذي هو من أركان الحج، ويقع به تمام التحلل. وقيل: طواف الصدر، وهو طواف الوداع (الْعَتِيقِ) القديم، لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن. وعن قتادة: أعتق من الجبابرة، كم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله. وعن مجاهد: لم يملك قط. وعنه: أعتق من الغرق. وقيل: بيت كريم، من قولهم: عتاق الخيل والطير.
فإن قلت: قد تسلط عليه الحجاج فلم يمنع. قلت: ما قصد التسلط على البيت، وإنما تحصن به ابن الزبير، فاحتال لإخراجه ثم بناه. ولما قصد التسلط عليه أبرهة، فعل به ما فعل.
_________________
(١) ـ قوله: (أو ما عسى ينذُرونه من أعمال البر)، فالنذرُ على هذا حقيقةٌ، وعلى الأول مجازٌ. الأساس: ومن المجاز: أعطيتُ الرجل نذر جرحه، أي: أرشه؛ لأنه مما نذر رسول الله ﷺ، أي: أوجبه ما يوجب الرجلُ على نفسه، ولذلك قال: "مواجب حجهم". قوله: (بيتٌ كريم)، أي: العتيق، بمعنى الكريم، الراغب: كل شيء شرُفض في بابه؛ فإنه يوصفُ بالكرم. وقال بعضهم: الكرمُ بالحرية، إلاأن الحرية قد تُقالُ في المحاسن الصغيرة؛ الكرمُ لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة، قال الل تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: ١٣] فعُلِمَ أن الكرم أبلغُ من العتاقة. الجوهري: العتقُ: الكرم، والعتقُ: الجمال، والعتقُ: الحرية، وكذلك العتاقُ- بالفتح- والعتاقة. قوله: (وإنما تحصن به ابن الزبير)، قال أبو حنيفة الدينوريُّ في "الأخبار الطوال": سار الحجاجُ من الطائف حتى دخل مكة، ونصب المنجنيق على أبي قُبيس، وتحصن منه ابن
[ ١٠ / ٤٧٥ ]
[(ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ* حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ) [.
(ذلِكَ) خبر مبتدإ محذوف، أى: الأمر والشأن ذلك، كما يقدّم الكاتب جملة من كتابه في بعض المعاني، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال: هذا وقد كان كذا.
_________________
(١) ـ الزُّبير في المسجد، فجعلوا يرمون أهل المسجد، واشتد على ابن الزبير وأصحابه الحصارُ وجعل أهل الشام يدخلون المسجد، فيشتد عليهم ابن الزبير، فيخرجهم، فأحدقوا به من كل جانب، فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه ﵀. فأمر به الحجاج فصلب، وأقام الحجاج بمكة حتى قضى الناس الحج؛ وأمر بالكعبة فنُقضت، وأعاد بناءها، وهو هذا البناء القائم اليوم، وقصة إبراهيم ستجيءُ، إن شاء الله تعالى. قوله: (قال: هذا، وقد كان كذا)، يريدُ أن "ذلك" هاهنا نحو "هذا" في قوله تعالى: (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ) [ص: ٥٥] وأنهُ من فصل الخطاب، وهاهنا لما ذكر نُبذًا من مناسك الحج وكان حديثًا في بيان التوصية في حُرمات الحج، وتعظيم شعائر الله، ناسب أن يذكر سائر المحرمات استطرادًا، فقدم من أمهات الخبائث ما يستتبع سائرها من الشرك، وقول الزور، وجعل التخلص إلى ذكرهما ما كانوا يعظمونها من النسائك والقرابين تشبيهًا لها بالمعبود بالحق، فقال: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) ثُم قصد إلى تحقير شأنها بأن جرد من الأصنام مثل الرجس، وأدخل عبادتها في جنس قول الزور، ومثل لعبادتها تمثيلًا عجيبًا وتصويرًا غريبًا حيث قال: (فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ
[ ١٠ / ٤٧٦ ]
و"الحرمة": ما لا يحل هتكه. وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، فيحتمل أن يكون عاما في جميع تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصا فيما يتعلق بالحج. وعن زيد بن أسلم: "الحرمات خمس الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمحرم حتى يحل (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) أى فالتعظيم خير له. ومعنى التعظيم: العلم بأنها واجبة المراعاة والحفظ والقيام بمراعاتها.
المتلوّ لا يستثنى من الأنعام، ولكن المعنى (إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) آية تحريمه، وذلك قوله في سورة المائدة (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ)] المائدة: ٣ [والمعنى: أنّ الله قد أحل لكم الأنعام كلها إلا ما استثناه في كتابه، فحافظوا على حدوده، وإياكم أن تحرموا مما أحل شيئا، كتحريم عبدة الأوثان البحيرة والسائبة وغير ذلك، وأن تحلوا مما حرم الله، كاحلالهم أكل الموقوذة والميتة وغير ذلك.
لما حث على تعظيم حرماته وأحمد من يعظمها أتبعه الأمر باجتناب الأوثان وقول
_________________
(١) ـ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)، ولما أراد أن يكِرَّ إلى ما بُدئ به من حديث المناسك أعاد بفصل الخطاب فقال: "ذلك ومن يعظم شعائر الله فنها من تقوى القلوب". قوله: (المتلو لا يُستثنى من الأنعام)، يعني: ظاهرُ قوله: (إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) مستثنى من قوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ) وليس المتلو من جنس الأنعام، فلا يصحُّ الاستثناء، لكن التقدير: "إلا ما يتلى عليكم" آية تحريمه" آية تحريمه، والمتلو في تحريم الأشياء المحرمة في سورة المائدة هو قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) الآية [المائدة: ٣]. قوله: (لما حث على تعظيم حرماته، وأحمد من يعظمها، أتبعه الأمر باجتناب الأوثان)، إشارةٌ إلى أن قوله: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) محمولٌ على أحد الوجهين السابقين، وهو العموم المشار إليه بقوله: "فيحتمل أن يكون عامًا في جميع تكاليفه"، ليدخُل فيه
[ ١٠ / ٤٧٧ ]
الزور، لأن توحيد الله ونفى الشركاء عنه وصدق القول أعظم الحرمات وأسبقها خطوا. وجمع الشرك وقول الزور في قران واحد، وذلك أنّ الشرك من باب الزور لأنّ المشرك زاعم أنّ الوثن تحق له العبادة، فكأنه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور واجتنبوا قول الزور كله لا تقربوا شيئا منه لتماديه في القبح والسماجة. وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان. وسمى الأوثان رجسا وكذلك الخمر والميسر والأزلام، على طريق التشبيه. يعنى: أنكم كما تنفرون بطباعكم عن
_________________
(١) ـ المحرماتُ التي تتعلق بالحج دخولًا أوليًا، وأن قوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ) وقوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ) تعريضٌ وإيماءٌ إلى بيان النوعين من قبائح المشركين، أحدهما: تحريمهم السوائب والحام والوصيلة، وتحليل الميتة والدم وغيرهما. وثانيهما: عكوفهم على عبادة الأوثان، فأتى بهما تخصيصًا بعد تعميم ليؤذن بأنهما من أعظم أنواع المحرمات، ثم ضم مع عبادة الأوثان قول الزور، ولم يعطف عليه، بل أعاد الفعل؛ ليكون مستقلًا في الاجتناب عنهُ، وما اكتفي بذلك، بل جعل التعريف للجنس؛ ليكون من باب عطفِ العامِّ على الخاص. قوله: (في قرانٍ واحد)، أي: أدخلهما في حُكم الأمر بالاجتناب عنهما، ورُوعي فيه تأخيرُ العامِّ عن الخاص، على عكس قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ) تناول بظاهره كل ما تنفر عنه النفس والطبيعة من القاذورات، وحين بينه بقوله: (مِنْ الأَوْثَانِ) عُلم منه تشبيه الأوثان به، كقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧]، ولما قال: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ) [المائدة: ٩٠] فُهم منه التشبيه؛ لعدم صحة الحمل، فكأنه قيل: هي كالرجس، كقولك: زيدٌ أسدٌ، لكن الأول من التشبيه الواقع على طريق التجريد، فجُرد من الرجس شيءٌ يسمى وثنًا، وهو هو، والجهة الجامعة: تنفيرُ النفس،
[ ١٠ / ٤٧٨ ]
الرجس وتجتنبونه، فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء مثل تلك النفرة. ونبه على هذا المعنى بقوله (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ)] المائدة: ٩٠ [جعل العلة في اجتنابه أنه رجس، والرجس مجتنب (مِنَ الْأَوْثانِ) بيان للرجس وتمييز له، كقولك: عندي عشرون من الدراهم، لأنّ الرجس مبهم يتناول غير شيء، كأنه قيل: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. والزور من الزور والازورار وهو الانحراف، كما أنّ الإفك من أفكه إذا صرفه. وقيل "قَوْلَ الزُّورِ" قولهم: (هذا حلال وهذا حرام)] النحل: ١١٦ [، وما أشبه ذلك من افترائهم. وقيل: شهادة الزور. عن النبي ﷺ أنه صلى الصبح فلما سلم قام قائما واستقبل الناس بوجهه وقال «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» «١» وتلا هذه الاية. وقيل: الكذب والبهتان. وقيل: قول أهل الجاهلية في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك". يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق.
_________________
(١) ـ وإليه الإشارة بقوله: "كما تنفرون بطباعكم عن الرجس وتجتنبونه فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء". قوله: (جعل العلةَ في اجتنابه أنه رجس)، يعني: جمع الأشياء في معنى الرجس، ثم رتب على ذلك بالفاء قوله: (فَاجْتَنِبُوهُ) ترتُّبًا للحكم على الوصف المناسب. قوله: (عن النبي ﷺ "أنه صلى الصبح، فلما سلم")، الحديث من رواية الإمام أحمد والترمذي وأبي داود وابن ماجه، عن أيمن بن خريم: أن النبي ﷺ قام خطيبًا فقال: "يا أيها الناس، عدلت شهادة الزُّور إشراكًا بالله" ثم قرأ رسول الله ﷺ: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ). قوله: (يجوزُ في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق)، فالمركبُ يجوزُ أن يكونَ
[ ١٠ / ٤٧٩ ]
_________________
(١) ـ عقليًا بأخذِ الزُّبدةِ والخلاصة من المجموع، وأن يكون تمثيليًا بأن تشبهَ الحالةُ المنتزعةُ بمثلها المقدرة. الانتصاف: تقديرُ كونه مفرقًا تشبيهٌ للمشرك بالهاوي من السماء إن كان من ردة، كمثل من علا السماء ذاهبًا ثم أهبط بارتداده. وإن كان مشركًا أصلياًّ، فقد عُدَّ تمكنهُ منَ الإيمان وعدولُه عنه بمنزلةِ الصاعد ثم الهابط، كقوله تعالى: (يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة: ٢٥٧]، ولم يدخلوا في النور بل كانوا متمكنين منه، وفي قول الزمخشري: "الأهواءُ التي تتوزعُ أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة" نظرٌ؛ لأنه رجع بهما إلى أمرٍ واحد؛ إذ الأفكارٌ من نتائج وسوسة الشيطان، والآية سيقت لجعلهما شيئين، والذي يتضح في التشبيهين غير ذلك. فالكافرون قسمان، أحدهما: مُذبذبٌ شاكٌّ ليس بمصمم، وهذا مشبهٌ بمن اختطفه الطيرُ فلا يتولى طائرٌ منه على مزعةٍ إلا انتهبها منه آخرُ، كذا المُذبذبُ متى لاح له خيالٌ اتبعه، وترك ما كان عليه. والآخر مصممٌ لا يرجع، وهو فرحٌ بضلاله، فهو مشبهٌ باستقرار من ألقته الريح في وادٍ فاستقر فيه. وقال القاضي: (أوْ) للتخيير، كما في قوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ) [البقرة: ١٩]، أو للتنويع، فن من المشركين من لا خلاص له أصلًا، ومنهم من يمكنُ خلاصه بالتوبة ولكن على بُعد. وقلتُ: الذي عليه ظاهرُ كلام الله المجيد أن (أوْ) للتخيير، وهُو المختارُ عند المصنفِ رحمه الله تعالى؛ لأن المشبه هو المشرك، والمشبه به من خر من السماء، ثم هذا الشخصُ المخرور منها بين حالين: إما أن تخطفه الطيرُ، أو تهوي به الريح، فإن (أَوْ تَهْوِي بِهِ) عطفٌ على (فَتَخْطَفُهُ)، وهو عطفٌ على (خَرَّ). قال أبو البقاء: (خَرَّ) بمعنى: يخرُّ؛ ولذلك عطف عليه (فَتَخْطَفُهُ).
[ ١٠ / ٤٨٠ ]
فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده نهاية، بأن صور حاله بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته الطير،
_________________
(١) ـ وقلتُ: في إيثار المضارع إشعارٌ باستحضار تلك الحالة العجيبة في مشاهد المخاطب تعجيبًا له. واعلم أن تشبيه الأفكار المتوزعة بخطف الطير مأخوذٌ من قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ) [الزمر: ٢٩]. قال المصنف: "فهو متحيرٌ في أمره، قد تشعبت الهمومُ قلبه، وتوزعت أفكاره، لا يدري أيهم يُرضي؟ ". وأن تشبيه الشيطان المضل بالريح المهوية إلى مكان سحيق مأخوذٌ من قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) [مريم: ٨٣]. قال: "تُغريهم على المعاصي، وتهيجهم لها، فتؤديهم إلى التمادي في الغي، والإفراط في العناد، والتصميم على الكفر، وإلى الضلال البعيد"، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: (فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ). وإذا حُمِلَ (أوْ) على التخيير يُمكن أن يُحمل على المعنيين كما قال في قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ) [البقرة: ١٩]: "معناه: أن كيفية قصة المنافين مشبهةٌ بكيفيتي هاتين القصتين، وأن القصتين سواءٌ في استقلال كل واحدةٍ منهما بوجه التمثيل، فبأيتهما مثلتَ فأنت مُصيب، وإن مثلتها بهما جميعًا فكذلك". ولهذا عطف في المفرق قوله: "والشيطان الذي يطوح"، بالواو على "الأهواء التي تتوزع" ليؤذن به أن (أَوْ تَهْوِي) عطفٌ على (فَتَخْطَفُهُ)، والمجموعُ تشبيهٌ واحد، وعطف في المركب قوله: "أو عصفت به الريحُ" على قوله: "خر من السماء فاختطفه الطير" بـ"أوْ" ليشير به إلى أن قوله: (أَوْ تَهْوِي) عطفٌ على قوله: (خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ)، والمجموع تشبيهان؛ لأن المركب يكفي في أخذ الزبدة من كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه، بخلاف المُفرقِ فإنهُ كلما كانت المفردات أكثر كان التشبيه أحسن، وفي القبول أدخل.
[ ١٠ / ٤٨١ ]
فتفرق مزعا في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح «٣» البعيدة. وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوّح به في وادى الضلالة بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوى المتلفة. وقرئ: "فتخطفه". بكسر الخاء والطاء. وبكسر التاء مع كسرهما، وهي قراءة الحسن. وأصلها: تختطفه. وقرئ: "الرياح".
[(ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ)].
تعظيم الشعائر - وهي الهدايا، لأنها من معالم الحج -: أن يختارها عظام الأجرام
_________________
(١) ـ قوله: (فتفرقَ مُزعًا)، الجوهري: التمزيعُ التفريق، والمزعة بالضم والسكون: قطعةُ لحم. قوله: (يطرحُ)، الجوهري: طاح يطوحُ: هلك. قوله: (وقرئ: "فتخطفه")، يعني: بالفتحات، أصله: فتخطتفه، نُقلت حركةُ التاء إلى الخاء، وأدغمت في الطاء. قوله: (وبكسر الخاء والطاء)، أصله: تختطفه أيضًا، حُذفت حركةُ التاء، ثم أدغمت في الطاء، وحُركت الخاء والتاء بالكسر لالتقاء الساكنين، وأُتبعتِ الطاءُ الخاء. قوله: (وبكسر التاء مع كسرهما)، أي: مع كسر الخاء والطاء، وجهُ هذا مثل الوجه الثاني إلا أنه كسر التاء أيضًا، فلذلك جعل المصنفُ الثاني والثالث كالوجه الواحد، وقال: "أصلُهما" يريدُ أصل الثاني والثالث. قوله: (تعظيمُ الشعائر)، هو مبتدأ، والخبرُ: "أن يختارها عظام الأجرام"، وقوله: "وهي
[ ١٠ / ٤٨٢ ]
حسانا سمانًا غالية الأتمان، ويترك المكاس في شرائها، فقد كانوا يغالون في ثلاث - ويكرهون المكاس فيهنّ -: الهدى، والأضحية، والرقبة. وروى ابن عمر عن أبيه ﵄ أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاث مائة دينار، فسأل رسول الله ﷺ أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا.
فنهاه عن ذلك وقال: «بل أهدها» وأهدى رسول الله ﷺ مئة بدنة، فيها جمل لأبى جهل في أنفه برّة من ذهب. وكان ابن عمر ﵁ يسوق البدن مجللة بالقباطى «٣» فيتصدّق بلحومها وبجلالها «٤»، ويعتقد أن طاعة الله في التقرّب بها وإهدائها إلى بيته المعظم أمر عظيم لا بدّ أن يقام به ويسارع فيه (فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) أى فإن تعظيمها من أفعال ذوى تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى "مَنْ" ليرتبط به،
_________________
(١) ـ الهدايا تفسيرٌ للشعائر"، وقوله: "لأنها من معالم الحج" تعليلٌ لتسمية الهدايا بالشعائر، ويؤيد تفسير الشعائر بالهدايا في هذا المقام قوله تعالى في آخر الآية التالية: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ)؛ ولهذا نقل قول من فسر الشعائر: بالمناسك كلها، وردهُ بهذه العلة حيثُ قال: "و(ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) يأباه". قوله: (بُرة)، البُرةُ: حلقةٌ من صُفرٍ تُجعلُ في أنفِ البعير. قوله: (مجللةً بالقباطي)، النهاية: القُبطيةُ: الثوبُ من ثياب مصر رقيقةٌ بيضاء، كأنه منسوبٌ إلى قبط، وهم أهل مصر، وضم القاف من تغيير النسب، وهذا في الثياب، وأما في الناس فقبطيٌّ بالكسر. قوله: (ويعتقد)، بالنصب، عطفٌ على "أن يختارها". قوله: (ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها؛ لأنه لابد من راجع … إلى"مَن")، أي: لابد من رابطة تربط الجزاء مع الشرط. قال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ؛ لأنه إنما يُحتاجُ إلى المضمرات إذا جُعل من للتبعيض، فإن جُعلت للابتداء لم يُحتج إلى إضمار "أفعال"، ولا "ذوي"؛ إذ المعنى: فإن تعظيمها ناشئٌ من تقوى القلوب.
[ ١٠ / ٤٨٣ ]
وإنما ذكرت القلوب لأنها مراكز التقوى التي إذا ثبتت فيها وتمكنت، ظهر أثرها في سائر الأعضاء. (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) إلى أن تنحر ويتصدق بلحومها ويؤكل منها. و(ثُمَّ) للتراخي في الوقت، فاستعيرت للتراخي في الأحوال. والمعنى: أن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وإنما يعتدّ الله بالمنافع الدينية، قال سبحانه (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)] الأنفال: ٦٧ [وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطا في النفع: (مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ) أى وجوب نحرها. أو وقت وجوب نحرها في الحرم منتهية إلى البيت، كقوله (هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ)] المائدة: ٩٥ [والمراد نحرها في الحرم الذي هو في حكم البيت، لأن الحرم هو حريم البيت. ومثل هذا في الاتساع قولك: "بلغنا البلد"، وإنما شارفتموه واتصل مسيركم بحدوده. وقيل: المراد ب"الشعائر": المناسك كلها، و(مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) يأباه.
[(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) ٣٤ - ٣٥].
_________________
(١) ـ وقلتُ: فعلى هذا لابد من جعل اللام بدلًا من المضاف إليه للربط، كما أن الراجع من تقدير المصنف ما دل عليه عمومُ ذوي القلوب، قال أبو البقاء: والعائدٌ على من محذوفٌ، أي: فإن تعظيمها منه، أو من تقوى القلوب منهم، ويُخرجُ على قول الكوفيين أن يكون التقديرُ: من تقوى قلوبهم، والألف واللامُ بدلٌ من الضمير. قوله: (وإنما ذُكرت القلوبُ؛ لأنها مراكزُ التقوى)، يعني: أُطلقتِ القلوبُ على الجملة كلها إطلاقًا للبعض على الكل؛ لأن التقوى لا تختصُّ بالقلب، فإن لكل عُضو تقوى، ولكونه رئيس الأعضاء وأِرفها صح هذا المجازُ لقوله تعالى: (فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) [البقرة: ٢٨٣].
[ ١٠ / ٤٨٤ ]
شرع الله لكل أمة أن ينسكوا له: أى يذبحوا لوجهه على وجه التقرّب، وجعل العلة في ذلك أيذكر اسمه تقدست أسماؤه على النسائك: وقرئ (مَنْسَكًا) بفتح السين وكسرها، وهو مصدر بمعنى النسك، والمكسور يكون بمعنى الموضع (فَلَهُ أَسْلِمُوا) أى أخلصوا له الذكر خاصة، واجعلوه لوجهه سالما، أى: خالصا لا تشوبوه بإشراك.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: (مَنْسَكًا) بفتح السين وكسرها)، حمزة والكسائي: بالكسر، والباقون: بالفتح. قوله: (أي: أخلصوا له الذكر خاصة)، فـ"أخلِصُوا": تفسيرٌ لقوله: (أَسْلِمُوا)، وقوله: "خاصةً" تأكيدٌ له وتأويل لتقديم الجار والمجرور على عامله، وإنما قيد (أَسْلِمُوا) وهو مطلقٌ بأخلصوا الذكر؛ لأن قوله: أسلموا مترتبٌ على قوله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ)، فالفاء في (فَلَهُ أَسْلِمُوا) الفاء في (فَاسْتَبَقُوا) في قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) إلى قوله: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [المائدة: ٤٨]، وفي قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة: ١٤٨]، قال المصنف: "لكل أمةٍ قبلةٌ تتوجه إليها منكم ومن غيركم، فاستبقوا أنتم الخيرات، واستبقوا إليها غيركم من أمرِ القبلة وغيرها". وهاهنا لما كانت الجملةُ الأولى- أعني قوله: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) - متضمنةً لمعنى الإخلاص؛ لأن المقصود الأولى من الذبح ذكرُ اسم الله، ولا ارتياب أن الذكر لا يكونُ معتدًا به إذا كان مشوبًا بشيء من الرياء، ولذلك قال: "أي: يذبحوا لوجهه على وجه التقرب" جعل قوله: (فَلَهُ أَسْلِمُوا) المفيد للإخلاص منطوقًا ومفهومًا مسببًا عنها، ولما أُريد مزيدُ الحض، والبعثُ على الأمر أوقع قوله: (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) في البين تمهيدًا للثاني، وجعله مسببًا عن السابق، وسببًا للاحق، المصنفُ ما ذكر هذا التمهيد
[ ١٠ / ٤٨٥ ]
"المخبتون": المتواضعون الخاشعون، من الخبت وهو المطمئن من الأرض. وقيل: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقرأ الحسن "وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ" بالنصب على تقدير النون. وقرأ ابن مسعود: "والمقيمين الصلاة"، على الأصل.
_________________
(١) ـ واكتفى بذكرِ السابق واللاحق، فكأنهُ قيل: شرع لكل أمةٍ من الأمم: السابقة والحاضرة منكم ومن غيركم أن ينحروا النسيكة خالصًا لوجه الله تعالى، وتُخلصوا له الذكر، وإذا كان كذلك فأنتم- أيتها العصابةُ من أمة محمدٍ ﷺأحرى بذلك؛ لأن إلهكم إلهٌ واحدٌ فأخلصوا له الذكر خاصة، واجعلوه لوجهه سالمًا خالصًا لا تشوبوه بإشراكٍ كما قال: "فاستبقوا أنتم الخيرات، واستبقوا إليها غيركم من أمر القبلة وغيرها"، وفيه تعريضٌ بالمشركين. قوله: (وقرأ الحسنُ: "المقيمي الصلاة"، بالنصب على تقدير النون)، قال ابن جني: وهي قراءةُ إسحاق، ورُويت عن أبي عمرو. أراد "المقيمين" فحذف النون تخفيفًا، لا لتعاقبها الإضافةُ، وشبه ذلك بـ"الذين" في قوله: فإن الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القومُ كل القوم يا أم خالد حذف النون تخفيفًا لطول الاسم، وأما الإضافة فساقطةٌ هنا، وعليه قول الأخطل: أبني كُليب إن عمي اللذا … قتلا الملك وفككا الأغلالا ونحوه بيتُ "الكتاب": الحافظو عورةَ العشيرة لا … يأتيهم من ورائهم نطفُ بنصبِ "العورة".
[ ١٠ / ٤٨٦ ]
[(وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ٣٦].
"الْبُدْنَ" جمع بدنة، سميت لعظم بدنها وهي الإبل خاصة، ولأن رسول الله ﷺ ألحق البقر بالإبل حين قال: «البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة»، فجعل البقر في
_________________
(١) ـ النطفُ: التلطُّخُ بالعيب، ونطفانُ الماء: سيلانُه. وقال الزجاجُ: (الْمُقِيمِي الصَّلاةِ) القراءة بالخفض، وإسقاط النون على الإضافة، ويجوز "المقيمين الصلاة" إلا أنه خلافُ المصحف، قيل هو مثلُ قوله: هم الآمرون الخير والفاعلون … إذا ما خشُوا من مفظع الأمر جانبا قوله: (ولأن رسول الله ﷺ ألحق البقر بالإبل)، تعليلٌ لما يردُ عقيبه، والجملةُ معطوفةٌ على قوله: "سُميت لعظم بدنها وهي الإبلُ"، المعنى: البدنة في اللغة مضوعة للإبل خاصة، ولأجل أن الشارع ﷺ ألحق البقر بالإبل صارت البدنةُ جنسًا متناولًا للنوعين: الإبل والبقر. روينا عن مسلم ومالكٍ والترمذي وأبي داود والنسائي، عن جابرٍ، قال: "كنا نتمتعُ مع رسول الله ﷺ فنذبحُ البقرة عن سبعة"، وفي رواية: "قد خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج، فأمرنا رسولُ الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعةٍ منا في بدنة"، وفي أخرى لأبي داود قال: قال ﷺ: "البقرةُ عن سبعة، والجزورُ عن سبعة".
[ ١٠ / ٤٨٧ ]
حكم الإبل، صارت البدنة في الشريعة متناولة للجنسين عند أبى حنيفة وأصحابه، وإلا فالبدن هي الإبل وعليه تدل الآية، وقرأ الحسن: "والبدن"، بضمتين، ك"ثمر" في جمع "ثمرة". وابن أبى إسحاق بالضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف. وقرئ بالنصب والرفع كقوله (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ)] يس: ٣٩ [. (مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ) أى من أعلام الشريعة التي شرعها الله. وإضافتها إلى اسمه: تعظيم لها (لَكُمْ فِيها خَيْرٌ) كقوله (لَكُمْ فِيها مَنافِعُ) ومن شأن الحاج أن يحرص على شيء فيه خير ومنافع بشهادة الله.
عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير، فاشترى بها بدنة، فقيل له في ذلك، فقال: "سمعت ربى يقول (لَكُمْ فِيها خَيْرٌ) " وعن ابن عباس: دنيا وآخرة. وعن إبراهيم: من احتاج إلى ظهرها ركب، ومن احتاج إلى لبنها شرب. وذكر اسم الله: أن يقول عند النحر: الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم منك وإليك.
_________________
(١) ـ قال القاضي: "ولا يلزمُ من مشاركة البقر لها في إجزائها عن سبعةٍ تناولُ اسم البدنة لها شرعًا". قوله: (وعليه تدلُّ الآيةُ)، أي: على أن المراد بالبُدن الإبلُ، لأن قوله تعالى: (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) وقوله تعالى: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) وقوله: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) من خصائص نحر الإبل لا البقر. قوله: (اللهم منك وإليك)، الحديث من رواية الترمذي وأبي داود، عن جابر ﵁ قال: ذبح النبيُّ ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوءين، فلما وجههما قال: "إني وجهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفًا وما أنا من المشركين، (إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي) [الأنعام: ١٦٢] الآية، اللهم منك ولك، اللهم عن محمدٍ وأمته، بسم الله والله أكبر"، ثم ذبحَ.
[ ١٠ / ٤٨٨ ]
(صَوافَّ) قائمات قد صففن أيديهنّ وأرجلهنّ. وقرئ: "صوافن"، من صفون الفرس، وهو أن يقوم على ثلاث وينصب الرابعة على طرف سنبكه، لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث. وقرئ: "صوافي"، أي: خوالص لوجه الله. وعن عمرو بن عبيد: "صوافنا"، بالتنوين عوضا من حرف الإطلاق عند الوقف. وعن بعضهم: "صوافي" نحو مثل العرب. "أعط القوس باريها"، بسكون الياء.
و"جوب الجنوب": وقوعها على الأرض، من وجب الحائط وجبة إذا سقط. ووجبت الشمس جبة: غربت. والمعنى: فإذا وجبت جنوبها وسكنت نسائسها حل
_________________
(١) ـ منك: أي: عطاؤك وصادرٌ منك، وإليك: أي: تقرُبًا إليك. قوله: (وقرئ: صوافن)، قال ابن جني: وهي قراءة ابن مسعودٍ وأبي عمرو وابن عباس، وقرأ: صوافي: أبو موسى الأشعري والحسن. قوله: (أعطِ القوس باريها)، قال الميداني: أي: استعنْ على عملك بأهل المعرفة اولحذقِ فيه ويُنشدُ: يا باري القوس بريًا لست تُحسنُها … لا تفسدنها وأعط القوس باريها قوله: (نسائسها)، الجوهري: النسيسُ: بقيةُ الروح، ومنه قول الشاعر: فقد أودى إذا بُلِغَ النسيسُ
[ ١٠ / ٤٨٩ ]
لكم الأكل منها والإطعام (الْقانِعَ) السائل، من قنعت إليه وكنعت: إذا خضعت له وسألته قنوعا (وَالْمُعْتَرَّ) المعترض بغير سؤال، أو "القانع" الراضي بما عنده وبما يعطى من غير سؤال، من قنعت قنعا وقناعة.
و"المعتر": المعترض بسؤال. وقرأ الحسن: و"المعترى". وعرّه وعراه واعتراه واعتره: بمعنى.
وقرأ أبو رجاء: "القنع"، وهو الراضي لا غير. يقال: قنع فهو قنع وقانع.
منّ الله على عباده واستحمد إليهم بأن سخر لهم البدن مثل التسخير الذي رأوا وعلموا، يأخذونها منقادة للأخذ طيعة فيعقلونها ويحبسونها صافة قوائمها، ثم يطعنون في لباتها. ولولا تسخير الله لم
تطق، ولم نكن بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر منها جرما وأقل قوّة، وكفى بما يتأبد من الإبل شاهدا وعبرة.
[(لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) ٣٧].
أي: لن يصيب رضا الله اللحوم المتصدق بها ولا الدماء المهراقة بالنحر، والمراد أصحاب اللحوم والدماء، والمعنى: لن يرضى المضحون والمقرّبون ربهم إلا بمراعاة النية والإخلاص والاحتفاظ بشروط التقوى في حل ما قرب
_________________
(١) ـ قوله: (واستحمد إليهم). الأساس: واستحمد الله على خلقه بإحسانه إليهم، وإنعامه عليهم، يعني: أن الله تعالى من على عباده بقوله: (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ) وطلب منهم أن يشكروه بسبب تسخيره لهم ذلك البُدن العظيم تسخيرًا مثل ذلك التسخير العجيب الشأن الذي عرفوهُ وعلموه، ونبه عليه بقوله: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا) الآية. قال أبو البقاء: (كَذَلِكَ) الكافُ: نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: سخرناها تسخيرًا مثل ما ذكرنا.
[ ١٠ / ٤٩٠ ]
به، وغير ذلك من المحافظات الشرعية وأوامر الورع. فإذا لم يراعوا ذلك، لم تغن عنهم التضحية والتقريب وإن كثر ذلك منهم. وقرئ: (لن تنال الله. ولكن تناله): بالتاء والياء. وقيل: كان أهل الجاهلية إذا نحروا البدن نضحوا الدماء حول البيت ولطخوه بالدم، فلما حج المسلمون أرادوا مثل ذلك، فنزلت.
كرّر تذكير النعمة بالتسخير ثم قال: لتشكروا الله على هدايته إياكم لأعلام دينه ومناسك حجه، بأن تكبروا وتهللوا، فاختصر الكلام بأن ضمن التكبير معنى الشكر، وعدى تعديته.
[(إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) ٣٨].
خص المؤمنين بدفعه عنهم ونصرته لهم، كما قال (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا) [غافر: ٥١]، وقال: (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) [الصافات: ١٧٢] قال: (وَأُخْرى
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ … وَلَكِنْ يَنَالُهُ) بالياء والتاء)، بالياء التحتاني: السبعةُ، والتاءُ: شاذة. قوله: (كرر تذكير النعمة)، يعني: قال قبل هذا: "كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون" ثم كرَّ إلى هذا المعنى بقوله: (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ) بأن ضمن التكبير معنى الشكر، وعداهُ بـ"على"، وإنما حسُن تسميةُ الشكر بالتكبير؛ لأن التكبير على هداية الله تعالى المكلف لأعلام الدين ومناسك الحج: هو النداء على الجميل بسبب إحسانه، وليس معنى الشكر اللساني إلا هذا، فوضع التكبير هاهنا موضع الشكر كوضع (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) - في قوله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) [الحج: ٢٨]- موضع "ينحروا"؛ للإيذان بأن المقصود الأولي من شرعية الأحكام التوحيدُ، وذكرُ الله تعالى وحده وتشييده، وأن رأس الشكر هو الذكرُ باللسان.
[ ١٠ / ٤٩١ ]
تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) [الصف: ١٣] وجعل العلة في ذلك أنه لا يحب أضدادهم: وهم الخونة الكفرة الذين يخونون الله والرسول ويخونون أماناتهم ويكفرون نعم الله ويغمطونها. ومن قرأ (يُدافِعُ) فمعناه يبالغ في الدفع عنهم، كما يبالغ من يغالب فيه، لأن فعل المغالب يجيء أقوى وأبلغ.
[(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) ٣٩ - ٤١].
(أُذِنَ) و(يُقاتَلُونَ) قرئا على لفظ المبنى للفاعل والمفعول جميعًا: والمعنى:
_________________
(١) ـ قوله: (وجعل العلة في ذلك أنه لا يحب أضدادهم)، يعني: أن الله تعالى إنما ينصرُ المؤمنين؛ لما أنه يبغض أضدادهم، فإن قلت: أليس هذا كقول القائل: إنما أحبكَ لبُغضِ فلان، ويؤدي هذا إلى أنه لولا بُغض فلانٍ لما أحببتك؟ قلت: لا، لأن المعنى: إن الله تعالى ينصرُ الذين آمنوا بالله ورسوله لأنهم لم يخونوا الله ورسوله، ولا يخونوا أماناتهم، ويشكرون نعم الله ولا يغمطونها؛ وكذلك لا يحب من هو على خلاف ما هم عليه من الخيانة والكُفران ويدفعُ شرهم عنهم. قوله: (ويغمطونها)، النهاية: الغمط، الاستهانةُ والاستحقار، وهو مثلُ الغمص. قوله: (ومن قرأ: (يُدَافِعُ»، كلهم سوى ابن كثير وأبي عمرو. قوله: «أُذِنَ) و(يُقَاتَلُونَ) قُرئا على لفظ المبنى للفاعل)، نافعٌ وعاصمٌ وأبو عمرو:
[ ١٠ / ٤٩٢ ]
أذن لهم في القتال، فحذف المأذون فيه لدلالة (يقاتلون) عليه.
(بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) أى بسبب كونهم مظلومين وهم أصحاب رسول الله ﷺ: كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديدا، وكانوا يأتون رسول الله ﷺ من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه، فيقول لهم: "اصبروا فإنى لم أومر بالقتال"، حتى هاجر فأنزلت هذه الآية، وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية. وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم. والأخبار بكونه قادرا على نصرهم عدة منه بالنصر واردة على سنن كلام الجبابرة، وما مرّ من دفعه عن الذين آمنوا مؤذن بمثل هذه العدة أيضا. (أَنْ
_________________
(١) ـ (أُذِنَ لِلَّذِينَ) بضم الهمزة، والباقون: بفتحها. نافعٌ وابن عامر وحفصٌ: (يُقَاتَلُونَ) بفتح التاء، والباقون: بكسرها. قوله: (وهم أصحاب رسول الله ﷺ، كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديدًا)، في هذا إشعارٌ بأن قوله: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا) وما بعدها متصلٌ بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، والآيات الواردة في بيان شعائر الحج ومناسكه تفصيلٌ وتوضيحٌ لقوله: (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) على سبيل الاستطراد مزيدًا لتهجين فعلهم وتصوير قُبحهم؛ لأنه كلما ازداد ما صُدَّ عنه تعظيمًا يزدادُ قبحُ الصدِّ والمنعُ، وبه يتقوى مذهب الشافعي وهو أن المراد بالتسوية في قوله: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) التسوية في أعمال الحج ومناسكه. قوله: (عدةٌ منه بالنصر، واردةٌ على سنن كلام الجبابرة)، أي: عدةٌ منه بالنصر جازمةٌ قاطعةٌ؛ لأنه من ديدنهم وأوضاع أمرهم أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها أن يقولوا: عسى ولعل، ونحوهما من الكلمات، أو يُخيلوا إخالةً أو يُظفر منهم
[ ١٠ / ٤٩٣ ]
يَقُولُوا) في محل الجرّ على الإبدال من (حَقٍّ) أى بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير. ومثله: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ)] المائدة: ٥٩ [.
"دفع الله بعض الناس ببعض": إظهاره وتسليطه المسلمين منهم على الكافرين بالمجاهدة، ولولا ذلك لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم، وعلى متعبداتهم فهدموها، ولم يتركوا للنصارى بيعا، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود صلوات، ولا للمسلمين مساجد. أو لغلب المشركون من أمّة محمد ﷺ على
_________________
(١) ـ بالرمزة، فإذا عُثرَ على شيءٍ من ذلك لم يبق للطالب ما عندهم شكٌ في النجاح والفوز بالمطلوب، قاله في أول البقرة، فعلى هذا أصلُ الكلام: قاتلوا الذين ظلموكم وإني أنصركم البتة، فعدل إلى لفظ العظمة والكبرياء بقوله: (أُذِنَ) لما عُلم أن الآذن في مثل هذا الخطاب من هو؟ وقيل في جانب المظلوم: (لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ) كأنه لا يريدُ المخاطبين، يعني: لمن هذا شأنه وعادتُه، ثم قيل: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) إن شاء نصرهم، وعسى أن يفعله، ولا يُعدمُ من كرمه ولطفه ذلك، وعلى هذا قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)؛ لعدم التصريح وإخراج الكلام على التعريض وإليه الإشارة بقوله: "وما مر من دفعه عن الذين آمنا يؤذن بمثل هذه العدة". قوله: (ومثله: (هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ)، [المائدة: ٥٩] يريدُ أنه من باب قوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهن فلولٌ من قراع الكتائب قوله: (أو لغلب المشركون في أمة محمد ﷺ)، عطف على قوله: "لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة"، فعلى الأول: المرادُ بالمشركين: العمومُ، كما أن المراد بالمسلمين في قوله: "وتسليطهُ المسلمين" للتعميم.
[ ١٠ / ٤٩٤ ]
المسلمين وعلى أهل الكتاب الذين في ذمتهم وهدموا متعبدات الفريقين. وقرئ: "دفاع". و"لهدمت": بالتخفيف. وسميت الكنيسة «صلاة» لأنه يصلى فيها. وقيل: هي كلمة معرّبة، أصلها بالعبرانية: صلوثا (مَنْ يَنْصُرُهُ) أى ينصر دينه وأولياءه: هو إخبار من الله ﷿ بظهر الغيب عما ستكون عليه سيرة المهاجرين ﵃ إن مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا، وكيف يقومون بأمر الدين. وعن عثمان ﵁: هذا والله ثناء قبل بلاء. يريد: أنّ الله قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا. وقالوا: فيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين، لأنّ الله لم
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "دفاعُ")، قرأها نافعٌ وابن كثير. قوله: (يريد أن الله أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا)، وذلك أن قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ) الآية بدلٌ من (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ)، وهو من قوله: (لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ)، وكان ذلك واردًا على سنن الوعد للمهاجرين الذين أُخرجا من ديارهم بغير حق بما سيكون من نصرهم على من ظلمهم، فيكون تمكنهم في الأرض الذي هو سبب تمدحهم بقوله: (أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ) ثناء قبل بلاء، وأما إتيانُ "إنْ" الشرطية في قوله: (إِنْ مَكَّنَّاهُمْ) فمن قبيل عسى ولعل من أمثال الجبابرة في المواعيد كما مر آنفًا، الله أعلم. قوله: (فيه دليلٌ على صحة أمر الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم)، يعني: أدمج هذا المعنى في إبدال (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) بقوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ) الآية. قال الإمامُ: إن الله تعالى وصف المهاجرين بأنه إن مكنهم في الأرض فإنهم يأتون بالأمور الأربعة؛ وهي: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فقد ثبت ذلك في الأئمة الأربعة. فإذا ثبت ذلك، وجب أن يكونوا على الحق، ولا يجوزُ حملُ الآية على أمير المؤمنين عليٍّ وحده كرم الله وجهه؛ لأن الآية دالةٌ على الجمع.
[ ١٠ / ٤٩٥ ]
يعط التمكين ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة غيرهم من المهاجرين، لا حظ في ذلك للأنصار والطلقاء. وعن الحسن: هم أمة محمد ﷺ. وقيل (الَّذِينَ) منصوب بدل من قوله (من ينصره). والظاهر أنه مجرور، تابع (للذين أخرجوا) (وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) أى مرجعها إلى حكمه وتقديره. وفيه تأكيد لما وعده من إظهار أوليائه وإعلاء كلمتهم.
[(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ* وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ* وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ)].
يقول لرسوله ﷺ تسلية له: لست بأوحدى في التكذيب، فقد كذب الرسل قبلك أقوامهم، وكفاك بهم أسوة.
فإن قلت: لم قيل (وَكُذِّبَ مُوسى) ولم يقل: "قوم موسى"؟ قلت: لأنّ موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه غير قومه وهم القبط. وفيه شيء آخر، كأنه قيل بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم: وكذب موسى أيضا مع وضوح آياته وعظم معجزاته، فما ظنك بغيره.
_________________
(١) ـ قوله: (والطُّلقاء)، النهاية: همُ الذين خلَّى عنهم يوم فتح مكة وأطلقهم فلم يسترقهم، واحدهُ: طليقٌ، فعيلٌ بمعنى مفعول، وهو الأسيرُ إذا أطلق سبيله، ومنه الحديث: "الطلقاءُ من قريش، والعتقاءُ من ثقيف"، ميز القُرشيَّ حيث هو أكرم من ثقيفٍ. قوله: (وكُذِّبَ موسى أيضًا مع وضوح آياته)، يريد أنه تعالى ما نظم موسى ﵇ في سلك ما تقدم من ذكر الأنبياء ﵈ وتكذيبه من بل كرر له الفعل وأتى
[ ١٠ / ٤٩٦ ]
النكير: بمعنى الإنكار والتغيير، حيث أبدلهم بالنعمة محنة، وبالحياة هلاكا، وبالعمارة خرابا.
[(فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) ٤٥].
كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة أو كرم فهو «عرش» و"الخاوي": الساقط، من خوى النجم إذا سقط. أو الخالي، من خوى المنزل إذا خلا من أهله. وخوى بطن الحامل.
وقوله (عَلى عُرُوشِها) لا يخلو من أن يتعلق ب (خاوية)، فيكون المعنى أنها ساقطة على سقوفها، أى خرّت سقوفها على الأرض، ثم تهدّمت حيطانها فسقطت فوق السقوف. أو أنها ساقطة أو خالية مع بقاء عروشها وسلامتها. وإما
_________________
(١) ـ به مجهولًا؛ ليؤذن باستقلاله وعظم شأنه، والمقصود حصول تكذيب مثله مع جلالته فكيف بمن دونه؟ قوله: (النكيرُ: بمعنى الإنكار والتغيير)، الأساس: وقد نكرالأمر نكارةً: صار منكرًا، ونكرتُه فتنكر: غيرته، وتنكر لي فلانٌ: لقيني لقاء بشعًا، وعن أبي سفيان: أن محمدًا لم يُناكر أحدًا إلا كانت معه الأهوالُ، وأصابهم من الدهر نكراءُ: شدة. قوله: (أو أنها ساقطة أو خاليةٌ مع بقاء عروشها وسلامتها)، قال صاحب "التقريب": وفي سلامتها على تفسيرها بساقطةٍ نظرٌ، فلعل لفظة الساقطة سهوٌ من الناسخ وتفسرُ بخالية لا غيرُ، والمرادُ: سقوط الجدران عليها. وقلتُ: لا يرد إذا عرف وجه التقسيم؛ لأن بناء التقسيم على أن "الخاوي" بمعنى الساقط، أو بمعنى الخالي، و(عَلَى عُرُوشِهَا) إما ظرفٌ لغوٌ أو مستقرٌ، فقوله: "أو خاليةٌ مع بقاء عروشها" عطفٌ على "ساقطةٌ على سقوفها"، وقوله: "أو أنها ساقطة" عطفٌ على"أنها ساقطةٌ على سقوفها" أيضًا، المعنى: لا يخلو (عَلَى عُرُوشِهَا) من أن يتعلق
[ ١٠ / ٤٩٧ ]
أن يكون خبرا بعد خبر، كأنه قيل: هي خالية، وهي على عروشها أى قائمة مطلة على عروشها، على معنى أنّ السقوف سقطت إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان وبقيت الحيطان ماثلة فهي مشرفة على السقوف الساقطة.
فإن قلت: ما محل الجملتين من الإعراب أعنى (وَهِيَ ظالِمَةٌ، فَهِيَ خاوِيَةٌ)؟
_________________
(١) ـ بـ (خَاوِيَةٌ)، أو يكون خبرًا بعد خبر، وعلى الأول لا تخلو (خَاوِيَةٌ) من أن تكون بمعنى ساقطة، أو خالية، وعلى أن تكون بمعنى ساقطةٍ لا يخلو: إما أن يُعتبر فيه معنى الاستعلاء، فهو المراد من قوله: "خرت سُقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف"، أو أن تُجعل خاليةٌ، أي: ساقطة كناية عن مطلق الخراب كما كنى بقوله: (سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) [الأعراف: ١٤٩] عن الندم مُطلقًا، وهو المرادُ من قوله: "أو أنها ساقطةٌ"، فعلى هذا "عروشُها" متعلقٌ بها تعلق الخالية، كأنه قيل: وهي خربةٌ مع عروشها، وعلى الثاني أن يكون خبرًا بعد خبر: (خَاوِيَةٌ) إما بمعنى: ساقطةٌ أو خالية، فاعتبر معنى الثاني بقوله: "كأنه قيل: هي خاليةٌ وهي على عروشها" دون الأول لما عُلمَ من قوله: "خرتْ سُقوفُها على الأرض" هذا المعنى، فاندفع بقولنا: "أو خاليةٌ مع بقاء عروشها" عطفٌ على "ساقطةٌ على سقوفها" النظرُ الذي أورده صاحبُ "التقريب". قال القاضي: والجملةُ - أي: (فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) - معطوفةٌ على (أَهْلَكْنَاهَا) لا على (وَهِيَ ظَالِمَةٌ)؛ فإنها حالٌ، والإهلاكُ ليس حال خرابها فلا محل لها إن نصبت (فَكَأَيِّنْ) بمقدرٍ يفسره (أَهْلَكْنَاهَا)، وإن رفعته بالابتداء فمحلها الرفعُ، وكذا عن أبي البقاء. قوله: (مُطلةٌ على عروشها)، بالطاء غير المعجمة، وهي مُعدى بـ "على"، أي: أوفى عليه بطلله، أي: شخصه. و"أظل" بالظاء المعجمة مُعدى بنفسه. وفي الحديث: "قد أظلكُم شهرٌ عظيم".
[ ١٠ / ٤٩٨ ]
قلت: الأولى في محل النصب على الحال، والثانية لا محلّ لها لأنها معطوفة على (أهلكناها)، وهذا الفعل ليس له محل. قرأ الحسن: "معطلة"، من أعطله بمعنى عطله. ومعنى المعطلة: أنها عامرة فيها الماء، ومعها آلات الاستقاء، إلا أنها عطلت، أى: تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها. و"المشيد": المجصص أو المرفوع البنيان. والمعنى: كم قرية أهلكنا؟ وكم بئر عطلنا عن سقاتها؟ وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه؟ فترك ذلك لدلالة "معطلة" عليه. وفي هذا دليل على أنّ (عَلى عُرُوشِها) بمعنى «مع» أوجه.
_________________
(١) ـ قوله: (هذا الفعل ليس له محل)، قال بعضهم: لأنه استئنافٌ تقديره: أهلكنا كثيرًا من القُرى أهلكناها إضمارًا على شريطة التفسير، هذا إذا كان "كأين" منصوبَ المحل، فأما إذا كان مرفوع المحل على الابتداء، فـ (أَهْلَكْنَاهَا) في محل الجر، لأنها صفة (قَرْيَةٍ)، وهذه الجملة أيضًا؛ لأنها معطوفةٌ على تلك، كما ذكر في المتن. قوله: (و"المشيد": المجصصُ أو المرفوعُ البُنيان)، قال الزجاجُ: أكثر ما جاء في (مُشَيَّدَ) في التفسير: مجصص، والشيد: الجص، والكلسُ أيضًا: شيد، وقيل: مشيد: محصنٌ مرتفعٌ في سُمكه، والمشيد: إذا قيل: مجصصٌ فهو مرتفعٌ في قدره وإن لم يرتفع في سمكه، وأصلُ الشيد: الجصُّ والنورةُ، وكل ما بُني بهما أو بأحدهما فهو مشيد. يعني: إذا قيل للبناء المرتفع: مشيد، كان كنايةً. قوله: (وفي هذا دليلٌ على أن (عَلَى عُرُوشِهَا) بمعنى "مع" أوجهُ)، يعني: تفسيرنا قوله: (فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) خالية مع بقاء عروشها وسلامتها أولى من تفسيرنا أنها ساقطةٌ؛ ليناسب قوله: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ)؛ لأن المراد: أخليناه عن ساكنيه
[ ١٠ / ٤٩٩ ]
روي أنّ هذه بئر نزل عليها صالح ﵇ مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به. ونجاهم الله من العذاب، وهي بحضر موت. وإنما سميت بذلك لأنّ صالحا حين حضرها مات، وثمة بلدة عند البئر اسمها «حاضوراء» بناها قوم صالح، وأمّروا عليهم جلهس بن جلاس، وأقاموا بها زمانا ثم كفروا وعبدوا صنما، وأرسل الله إليهم حنظلة ابن صفوان نبيا فقتلوه، فأهلكهم الله وعطل بئرهم وخرّب قصورهم.
[(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) ٤٦].
يحتمل أنهم لم يسافروا فحثوا على السفر، ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم، ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا. وأن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ولكن لم يعتبروا، فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا. وقرئ "فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ" بالياء، أي: يعقلون ما يجب أن يعقل من التوحيد، ويسمعون ما يجب سماعه من الوحى (فَإِنَّها) الضمير ضمير الشأن والقصة، يجيء مذكرا ومؤنثا وفي قراءة ابن مسعود: "فإنه". ويجوز أن يكون ضميرا مبهما يفسره (الْأَبْصارُ) وفي (تعمى) ضمير راجع إليه. والمعنى: أنّ
_________________
(١) ـ وأنها باقيةٌ. قال أبو البقاء: (وَبِئْرٍ) معطوفة على (قَرْيَةٍ). قوله: (حضرموت) المغرب: هي بلدةٌ صغيرةٌ في شرقي عدن. قوله: (وأن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك، ولكن لم يعتبروا)، معنى: الفاء في (أَفَلَمْ يَسِيرُوا) يقتضي معطوفًا عليه وهو إما الكلام السابق، والهمزةُ دخلت بين المعطوف والمعطوف عليه لمزيد الإنكار، أي: كأين من قرية أهكلناها فهي ظالمةٌ فلم يسيروا في الأرض فيعتبروا. وإليه الإشارة بقوله: "ولن لم يعتبروا فجُعلوا كأن لم يسافروا"، أو الفاءُ عطفٌ على مُقدر، والهمزةُ على أصلها في صدر الكلام، أي: أتقاعدوا في الأرض فلم يسيروا فيها ليعتبروا.
[ ١٠ / ٥٠٠ ]
أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها. وإنما العمى بقلوبهم. أولا يعتدّ بعمى الأبصار، فكأنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب.
فإن قلت: أى فائدة في ذكر الصدور؟ قلت: الذي قد تعورف واعتقد أنّ العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها. واستعماله في القلب استعارة ومثل، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف، ليتقرّر أنّ مكان العمى هو القلوب لا الأبصار، كما تقول: "ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك"، فقولك «الذي بين فكيك» تقرير لما ادّعيته للسانه وتثبيت لأنّ محلّ المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت: ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة ولا سهوا منى، ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمدا.
[(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) ٤٧ - ٤٨].
أنكر استعجالهم بالمتوعد به من العذاب العاجل أو الآجل، كأنه قال: ولم يستعجلون به؟ كأنهم يجوّزون الفوت، وإنما يجوز ذلك على ميعاد من يجوز عليه الخلف،
_________________
(١) ـ قوله: (احتاج هذا التصوير على زيادة تعيين، وفضل تعريف)، قال الزجاجُ: جرى هذا على التوكيد كما في قوله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ) [آل عمران: ١٦٧]، وقوله تعالى: (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) [الأنعام: ٣٨]، وقلتُ: التوكيدُ في (يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) لتقرير معنى الحقيقة، وأن المراد بالطير: المتعارفُ، وفي (تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) لتقرير معنى المجاز، وأن العمى مكانه القلبُ البتة، وإليه الإشارة بقوله: "فلما أريد إثباتُ ما هو خلافُ المعتقد، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين". قوله: (وإنما يجوز ذلك على ميعاد من يجوز عليه الخُلفُ)، أي: إنما يجوزُ الفوتُ على من
[ ١٠ / ٥٠١ ]
والله عز وعلا لا يخلف الميعاد وما وعده ليصيبنهم ولو بعد حين، وهو سبحانه حليم لا يعجل، ومن حلمه ووقاره واستقصاره المدد الطوال أنّ يوما واحدا عنده كألف سنة «١» عندكم. وقيل: معناه كيف يستعجلون بعذاب من يوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم، لأنّ أيام الشدائد مستطالة. أو كأن ذلك اليوم الواحد لشدّة عذابه كألف سنة من سنى العذاب. وقيل: ولن يخلف الله وعده في النظرة والإمهال. وقرئ: (تعدون)، بالتاء والياء، ثم قال: وكم من أهل قرية كانوا
_________________
(١) ـ يكون في ميعاده الخلف، ومنه قولهم: إنما يعجلُ من يخشى الفوت. قوله: (ومن حِلمه ووقاره)، الانتصاف: الوقارُ يفهم منه لغةً: سكون الأعضاء وطمأنينتها عند المزعجات، ولا يجوز إطلاقه على الله كالأناة التؤدة، وأما قوله تعالى: (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) [نوح: ١٣] فهو مفسرٌ بالعظمة، فليس من هذا. وقلتُ: وهذا مبنيٌ على أن أسماء الله توقيفيةٌ، وأنه لا يجوز أن يُستعمل الوقار إلا في العظمة؛ لما ورد، وإلا فلا يجوز ذلك أيضًا. قوله: (أن يومًا واحدًا عنده كألف سنة عندكم)، يعني: قوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ) إما محمولٌ على القصر، وهو إنما يكون بالنسبة إلى الله تعالى، وهو المراد من قوله: "إن يومًا واحدًا عنده كألف سنة عندكم"، فالمدة الطويلة عنده قصيرةٌ؛ لأنه لا يعجل كما تعجلون أو على الطول، وإنما يعجل من يخشى الفوت، وهو بالنسبة إلى العبد، فإن أيام الشدائد مستطالةٌ، فاليومُ القصيرُ عنده طويل، وهو المراد من قوله: "يوم واحدٌ من أيام عذابه كألف سنةٍ عندكم". قوله: (وقرئ: (تَعُدُّونَ)، بالياء والتاء"، بالياء التحتاني: ابن كثير وحمزةُ الكسائي، والباقون: بالتاء.
[ ١٠ / ٥٠٢ ]
مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حينا ثم أخذتهم بالعذاب والمرجع إلىّ وإلى حكمى.
فإن قلت: لم كانت الأولى معطوفة بالفاء، وهذه بالواو؟ قلت: الأولى وقعت بدلا عن قوله (فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) وأمّا هذه فحكمها حكم ما تقدّمها من الجملتين المعطوفتين بالواو، أعنى قوله (وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ).
_________________
(١) ـ قوله: (الأولى وقعت بدلًا عن قوله: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ)، وأما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من الجملتين)، قال صاحب "الفرائد": أراد أن مجموع قوله: (فَكَأَيِّنْ) إلى آخره حكمه حكم (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) في أنه كان متعقبًا لما تقدمه حتى لو لم يكن قوله: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) صلح أن يكون هذا في مكانه. وقلتُ: الفرقُ بينهما أن قوله: (فَكَأَيِّنْ)، إلى آخره، متعقبٌ بجملة ما تقدمه؛ لأن إهلاك الجماعة المذكورين من قوله: (نُوحٍ وَعَادٌ) إلى قوله: (وَكُذِّبَ مُوسَى) إهلاك كثير، فمعنى "كأين إلى آخره من لوازم ما تقدم فكان متعقبًا له، فوجب أن يكون بالفاء بخلاف قوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا) إلى آخره؛ لأن ما قبله لم يستلزمه، فيجب أن يكون بالواو، وليفيد اجتماعهما في الحصول. تم كلامُ صاحب "الفرائد". وقلتُ: "ثم" في قوله: (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ) في الآية السابقة لعطفِ (أَخَذْتُهُمْ) على (أَمْلَيْتُ)، وكلاهما مسببان عن تكذيب القوم الرسل، والفاء في (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) للعقيب لا غير، فإنه عقب قوله: (أَخَذْتُهُمْ) بما يُستحضر للسامع مما يتعجب له من الاستفهام عن حال تلك الأخذة، وهو أيضًا منهم، فعقب بقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) الآية ليكشفه كشفًا تامًا، أو يبدل منه إيضاحًا كما قال، وأما قوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) بالواو فمنسوقةٌ على قوله: (لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ)، وقوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ)، والمعنى: كيف يستعجلونك بالعذاب والحالُ أنه لابد أن يصيبهم ما وعد
[ ١٠ / ٥٠٣ ]
[(قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ* وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ)].
يقال: سعيت في أمر فلان، إذا أصلحه أو أفسده بسعيه. وعاجزه: سابقه، لأنّ كل
_________________
(١) ـ ربُّك، وإن ذلك عن قريب، أو أن الموعود شديدٌ مُرُّ المذاق، وأن سنة الله في الإنظار ثم الاستئصال جاريةٌ في الأمم الخالية، فماذا يستعجلُ منها المجرمون؟ هذا، وإن المصنف رحمه الله تعالى ما ذهب إلى الحال، بل إلى العطف على إنكار العلم بوجود الجمل الأربع وحصولها، أي: أخبر عن استعجالهم العذاب، وعن أن الله تعالى لا يُخلفُ وعده، وعن أنه حليمٌ لا يعجل، وعن أن لهم أسوة بالأمم السالفة الظالمة إذا لم يعتبروا بها، ثم استدعى الإنكار من السامع على من يجمع في علمه ذلك كله، وإليه الإشارة بقوله: "كأنهم يجوزون الفوت" إلى آخره، ويجوز أن يكون (وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) معترضًا بين الحال وعاملها. قوله: (وعاجزه: سابقه)، الأساس: طلبته فأعجز وعاجز: إذا سبق فلم يُدرك. الراغب: عجزُ الإنسان: مؤخره، وبه شبه مؤخر غيره، قال تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ) [القمر: ٢٠]، والعجز أصله: التأخر عن الشيء، وحصوله عند عجزِ الأمر، أي: مؤخره كما ذُكر في الدبر، وصار في التعارف اسمًا للقصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة، قال تعالى: (أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ)، وأعجزت فلانًا، وعجزتُه، وعاجزتُه، قال تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ) [العنكبوت: ٢٢]، (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ) [سبأ: ٥]، وقرئ: "معجزين"، فـ (مُعَاجِزِينَ). قبل: معناه: ظاهرين، ومُقدرين أنهم يعجزوننا؛ لأنهم حسبوا أن لا بعث ولا نُشور، فيكون ثوابٌ وعقابٌ، وهذا في قوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا) [العنكبوت: ٤]، ومعجزين: ينسبون من تبع النبي ﷺ إلى العجز، وذلك نحو: جهلتُه، وقيل: يعني: مثبطين، أي: مثبطين الناس عن النبي ﷺ، كقوله
[ ١٠ / ٥٠٤ ]
واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل: أعجزه وعجزه. والمعنى: سعوا في معناها بالفساد من الطعن فيها، حيث سموها: سحرا وشعرا وأساطير، ومن تثبيط الناس
عنها سابقين أو مسابقين في زعمهم، وتقديرهم طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم.
فإن قلت: كأن القياس أن يقال: إنما أنا لكم بشير ونذير، لذكر الفريقين بعده. قلت: الحديث مسوق إلى المشركين
_________________
(١) ـ تعالى: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [الأعراف: ٤٥] والعجوزُ سُميت لعجزها عن كثير من الأمور. قوله: (سابقين)، هو حال من فاعل (سَعَوْا) في معناها، على أن (مُعَاجِزِينَ): مُغالبينَ معاندين؛ لأن المغالبة حينئذٍ للمبالغة، ولهذا قال: "سموها سحرًا وشعرًا وأساطير، وثبطوا الناس عنها"، وقوله: "أو مُسابقين" على معناها: ظانين مقدرين أنهم يعجزوننا بزعمهم، فالمبالغة على حقيقتها. قال محي السُّنة: قرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرو: معجزين، بالتشديد، أي: مثبطين الناس عن الإيمان، والباقون: معاجزين بالألف، أي: معاندين مشاقين. وقال قتادة: ظانين مقدرين أنهم يعجزوننا بزعمهم أن لا بعث ولا نُشور ولا جنة ولا نار. وقيل: معاجزين، يريد كل واحدٍ أن يُظهر عجز صاحبه. قوله: (كان القياس أن يُقال: إنما أنا لكم بشيرٌ ونذير)، لأن قوله: يا أيها الناسُ، شاملٌ للمشركين والمؤمنين، على أنه فصل بقوله: (فَالَّذِينَ آمَنُوا)، (وَالَّذِينَ سَعَوْا) ليبشر المؤمنين، ويُنذر الكافرين. قوله: (الحديث مسوقٌ إلى المشركين)، وذلك أنه تعالى لما قال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) وبين كيفية ظُلمهم بقوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ)، وبقوله:
[ ١٠ / ٥٠٥ ]
_________________
(١) ـ (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ)، وبقوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) أمر نبيه صلواتُ الله عليه بأنْ يُنذرهم العذاب بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) إلزامًا للحجة، وإزاحةً للعلة، ثُم شرع في مقاتلتهم، ولما كان الإحسان إلى المؤمنين مما يغمهم ويغيظهم، كان داخلًا - بهذا الاعتبار - في معنى التخويف والإنذار. وقلتُ: ويمكنُ أن يقال- والله أعلم-: إن الآية واردةٌ لبيان ما يترتبُ على الإنذار من انتفاع من قبله، وهلاك من رده، فكأنه قيل: أنذر يا محمدُ هؤلاء الكفرة وبالغ فيه، فمن قبل منك وآمن فله الثواب، ومن دام على ما كان في إبطالٍ ما جئت به وسعى فيه فقد أديتَ حقك فقاتلهم ليُعذبهم الله تعالى في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالجحيم، فلا يكونُ ذكرُ المؤمنين لاغتمامهم. ويعضد هذا التأويل ما روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي موسى، أن النبي ﷺ قال: "إن مثلي ومثلُ ما بعثني الله به كمثل رجلٍ أتى قومه فقال يا قوم، إني رأيتُ الجيش بعيني، وأنا النذيرُ العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعته طائفةٌ من قومه، فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفةٌ منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثلي ومثلُ من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق". وقريبٌ من هذا المعنى ما ذكره الإمام وقال: نه تعالى أمر رسوله ﷺ أن يديم لهم التخويف والإنذار، وأن لا يصده ما يكون منهم من استعجال العذاب على سبيل التهكم، وأردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم؛ لأن المنذر إنما يكون منذرًا إذا قرن الوعد بالوعيد. وقلتُ: ويؤيد هذا التقرير قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) يعني: ينبغي لك أن تعزم على الإنذار وتديمه، ولا يلحقك فتورٌ لا من قبل شياطين الإنس،
[ ١٠ / ٥٠٦ ]
و(يا أيها الناس): نداء لهم، وهم الذين قيل فيهم (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) ووصفوا بالاستعجال. وإنما أفحم المؤمنون وثوابهم ليغاظوا.
[(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)].
(مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) دليل بين على تغاير الرسول والنبي. وعن النبي ﷺ أنه سئل عن الأنبياء فقال «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا» قيل فكم الرسول منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا» «١». والفرق بينهما أن الرسول من الأنبياء: من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه. والنبىّ غير الرسول: من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله.
_________________
(١) ـ وهم المشركون، من تكذيبهم واستهزائهم، ولا من قبل شياطين الجن وإلقائهم الوسوسة إليك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. النهاية: "أنا النذير العُريان"، خص العُريان؛ لأنه أغربُ وأشنعُ عند المبصر، وذلك أن ربيئة القوم وعينهم يكون على مكان عال، فإذا رأى العدو قد أقبل نزع ثوبه وألاح به لينذر قومه، ويبقى عريانًا. قوله: (مئة ألفٍ وأربعةٌ وعشرون ألفًا)، روينا في مسند الإمام أحمد بن حنبل ﵁، عن أبي أمامة، قال أبو ذر: قلتُ: يا رسول اله، كم وفاءُ عدة الأنبياء ﵈؟ قال: "مئة ألفٍ وأربعةٌ وعشرون ألفًا، الرسلُ من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر جما غفيرًا". قوله: (أن الرسول من الأنبياء ﵈: من جمع إلى المعجزات الكتاب … والنبي …: من لم يُنزل عليه كتابٌ)، قال الإمامُ: الأولى أن من جاءه الملك ظاهرًا، أو أمره بدعوة الخلقِ
[ ١٠ / ٥٠٧ ]
والسبب في نزول هذه الآية:
_________________
(١) ـ فهو رسولٌ، ومن رأى في النوم أو أخبره رسولٌ بأنه نبيٌّ فإنه نبيّ، لما يلزمُ من ذلك القول: إن إسحاق ويعقوب وأيوب ويونس وهارون وسليمان ﵈ لم يكونوا رسلًا. وقال القاضي: الرسول: من بعثه الله بشريعةٍ مجددة، يدعو الناس إليها، والنبي يعمه، وهو: من بعثه الله لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى ﵉، فهو نبيٌّ. قوله: (والسببُ في نزول هذه الآية) إلى آخره، قال القاضي: وهو مردودٌ عند المحققين، وإن صح فابتلاؤه ليتيمز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه. وقال الإمام الداعي إلى الله: هذه الرواية باطلةٌ موضوعة، ويدلُّ عليه الكتابُ والسنةُ والمعقول. أما الكتابُ فقوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]، وقوله: (َمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: ٣ - ٤]، فلو أنه ﷺ قرأ عقيبها: تلك الغرانيق العُلى، لكان قد ظهر الخلفُ في الحال، وهذا لا يقوله مسلمٌ، وقوله تعالى: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) [الفرقان: ٣٢] وقوله: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى) [الأعلى: ٦]. وأما السنة فما رُوي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة قال: إنها من وضع الزنادقة، وصنف فيه كتابًا. وقال الإمامُ أبو بكرٍ البيهقيُّ: هذه القصة غيرُ ثابتةٍ من جهة النقل، ثم أخذ يتكلمُ في أن رُواة هذه القصة مطعونون، وقد روى البخاري في "صحيحه": "أن رسول الله ﷺ قرأ سورة (وَالنَّجْمِ) وسجد فيها المسلمون والمشركون والجن والإنسُ"، وليس فيه حديث الغرانيق. ورُوي هذا الحديث من طُرقٍ كثيرةٍ وليس فيها حديث الغرانيق.
[ ١٠ / ٥٠٨ ]
_________________
(١) ـ وقلتُ: روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والدارمي والنسائي، عن ابن عباس وابن مسعود، "أن رسول الله ﷺ قرأ (وَالنَّجْمِ) فسجد فيها وسجد من كان معه، غير أن شيخًا من قريش أخذ كفًا من حصى أو ترابٍ فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا". وروى البخاري أيضًا والترمذي، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ سجد في النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. وتتبعتُ "جامع الأصول" أجمع، وأكثر "مسند الإمام أحمد"، وما عثرتُ على هذه الرواية من شيء. وأما محيي السنة فقد رواه في "المعالم" من غير طريق المحدثين، والله تعالى أعلم. روى الشيخ محيي الدين في "شرح صحيح مسلم" عن القاضي عياض: أنه قال: ما يرويه الأخباريون والمفسرون أن سبب سجدة رسول الله ﷺ والمشركين في "النجم" هو ما جرى على لسانه صلى الله لعيه وسلم من الثناء على الأصنام: فباطلٌ لا يصح فيه شيء لا من جهة النقل ولا من جهة العقل؛ لأن مدح إله غير الله كفرٌ، ولا يصحُّ نسبةُ ذلك إلى رسول الله ﷺ ولا تقوله إلى الشيطان على لسانه، إذ لا يصحُّ تسليطُ الشيطان على ذلك. وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي في كتاب "قصص الأتقياء": الصواب: أن قوله تلك الغرانيق العُلى، من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة حتى يلقوا بين الضعفاء
[ ١٠ / ٥٠٩ ]
_________________
(١) ـ وأرقاء الدين؛ ليرتابُوا في صحة الدين القويم، وحضرةُ الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية، والله أعلم. وأما المعقولُ فكثيرةٌ، منها: أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان ولبطل قوله: (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: ٦٧]، فإن الزيادة في الوحي كالنقصان فيه، وقولُ من قال: إنه ﷺ لشدة حرصه على إيمان قومه أدخل هذه الكلمة من نفسه ثُم رجع عنها: مردودٌ لا يرغبُ فيه مسلمٌ، لما يلزمُ من الخيانة في الوحي، والعياذُ بالله تعالى منها. ومن قال: إنه سهوٌ وسبقٌ للسان، أيضًا كذلك، لزوال الوثوق، ولأن الساهي لا يقعُ منه مثلُ هذه الألفاظ المسموعة المطابقةٍ لألفاظ السورة. وقول القائل: إنه تكلمَ الشيطانُ بذلك، أيضًا مردودٌ؛ لاحتمال أمثاله في سائر كلامه، ولقوله تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [النحل: ٩٩]. وإذا بطل هذا فنقول: التمني جاء على وجهين، أحدهما: تمني القلب، قال أبو مسلم: التمني: التقديرُ، وتمني: تفعل، من: منيتُ، ومني لك: قدر لك. وثانيهما: القراءة، قال تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ) [البقرة: ٧٨]، ولأن الأمي لا يعلمُ القرآن من المصحف، وإنما يعلمه قراءةً، قال حسان: تمنى كتاب الله أول ليلةٍ … وآخرها لاقى حمام المقادر وهذا أيضًا فيه معنى التقدير، فإن التالي مقدرٌ للحروف يذكرها شيئًا فشيئًا. وإذا قُلنا: إن التمني بمعنى القراءة، فمعنى الآية: قرأ ما يجوز أن يسهو الرسول ﷺ فيه، ويشتبه القارئ، دون ما رواه، وهذا هو الظاهر، لقوله: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)، وإذا قُلنا: إنه بمعنى تمني القلبِ، فالمرادُ: إذا أراد فعلًا تقربًا إلى الله تعالى ألقى
[ ١٠ / ٥١٠ ]
أنّ رسول الله ﷺ لما أعرض عنه قومه وشاقوه وخالفه عشيرته ولم يشايعوه على ما جاء به: تمنى لفرط ضجره من إعراضهم ولحرصه وتهالكه على إسلامهم أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمرّ به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة «والنجم»] النجم: ١ [وهو في نادى قومه، وذلك التمني في نفسه، فأخذ يقرؤها فلما بلغ قوله (وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى)] النجم: ٢٠ [: (أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) التي تمناها، أى: وسوس إليه بما شيعها به، فسبق
_________________
(١) ـ الشيطانُ في فكره ما يخالفه فيرجعُ إلى الله تعالى في ذلك فيرفعُ اللهُ تعالى ذلك الغلط وتلك الوسوسة عن القلب، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) [الأعراف: ٢٠١]، وقال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) [الأعراف: ٢٠٠]، وقال تعالى: (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) [البقرة: ٢١٤]، وقال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ) [يوسف: ١١٠]. وروى صاحب "المطلع" عن جمهور مشايخه ما يقرب من هذه الكلمات كلها إلى آخرها. وقال السجاوندي: كل نبي يتمنى إيمان قومه فيُلقي الشيطانُ في أمنيته بما يوسوس إلى النبي بالخطرات المزعجة عند تباطؤ القوم عن الإيمان، أو تأخر نصر الله، وإن ثبت تلك الغرانيق العُلى، منها الشفاعةُ ترتجى، على أنه خرج مخرج الكلام على زعمهم، أو على الإنكار. قوله: (بما شيعها به)، أي: بالذي شيع الشيطان الأمنية به، أي: أتبعها به. يقال: حياكم الله وأشاعكم السلام، أي: جعله صاحبًا وتابعًا، والباءُ: باء الآلة. الراغب: التمني تقدير شيء في النفس، وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين وظن لا عن رؤية وبناء على أصل، لكن لما كان أكثره عن تخمين وظن صار الكذبُ له أملك، فأكثر التمني تصورُ ما لا حقيقة له، قال تعالى: (أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى) [النجم: ٢٤]، والأمنيةُ: الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء. ولما كان الكذبُ: تصور ما لا حقيقة له وإيراده باللفظ، صار
[ ١٠ / ٥١١ ]
لسانه على سبيل السهو والغلط إلى أن قال: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهنّ لترتجى. وروى: "الغرانقة"، ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه عليه. وقيل: نبهه جبريل ﵇. أو تكلم الشيطان بذلك فأسمعه الناس، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي وطابت نفوسهم، وكان تمكين الشيطان من ذلك محنة من الله وابتلاء، زاد المنافقون به شكا وظلمة، والمؤمنون نورا وإيقانا. والمعنى: أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم كذلك إذا تمنوا مثل ما تمنيت، مكن الله الشيطان ليلقى في أمانيهم مثل ما ألقى في أمنيتك، إرادة امتحان من حولهم، والله سبحانه له أن
_________________
(١) ـ التمني كالمبدأ للكذب فصح أن يُعبر عن الكذب بالتمني، وعلى ذلك ما رُوي عن عثمان ﵁ أنه قال: "ما تغنيتُ ولا تمنيتُ منذ أسلمتُ"، وقوله تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ) [البقرة: ٧٨] قال مجاهدٌ ﵁: معناه: إلا كذبًا. وقال غيره: إلا تلاوة مجردة عن المعرفة من حيث إن التلاوة بلا معرفة معنى تجري عند صاحبها مجرى أمنيةٍ تمنتها النفسُ على التخمين، وقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) أي: في تلاوته. وقد تقدم أن التمني كما يكون عن تخمين وظن، فقد يكونُ عن رؤية وبناءٍ على أصل، ولما كان النبي ﷺ كثيرًا ما كان يبادر إلى ما نزل به الروح الأمين على قلبه حتى قيل له: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) [طه: ١١٤]، سمى تلاوته على ذلك تمنيًا، ونبه أن للشيطان على مثله تسلطًا في أمنيته، وذلك من حيث بين أن العجلة من الشيطان. قوله: (تلك الغرانيقُ)، النهاية: الغرانيقُ هاهنا الأصنام، وهي في الأصل: الذكور من طير الماء، واحدها غرنوقٌ وغرنيقٌ، وسمي به لبياضه، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم إلى الله تعالى، وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع.
[ ١٠ / ٥١٢ ]
يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع الفتن، ليضاعف ثواب الثابتين ويزيد في عقاب المذبذبين. وقيل "تَمَنَّى": قرأ. وأنشد:
تمنّى كتاب الله أوّل ليلة … تمنّى داود الزّبور على رسل
و"أمنيته": قراءته. وقيل: "تلك الغرانيق": إشارة إلى الملائكة، أى: هم الشفعاء لا الأصنام (فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) أى يذهب به ويبطله (ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ) أى يثبتها.
[(لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ* وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)].
والذين (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) المنافقون والشاكون (وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) المشركون المكذبون (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ) يريد: وإن هؤلاء المنافقين والمشركين. وأصله: "وإنهم"، فوضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم.
_________________
(١) ـ قوله: (على رسلِ)، النهاية: كان في كلامه ترسيلٌ، أي: ترتيلٌ، يقالُ: ترسل الرجلُ في كلامه ومشيه، إذا لم يعجل، ومنه حديث عمر ﵁: "إذا أذنت فترسل"، أي: تأنَّ ولا تعجل. قوله: (وأصله: "وإنهم"، فوضع الظاهر موضع الضمير قضاءً عليهم بالظلم)، أي: إن المنافقين بتلك الفتنة واضعون الشيء في غير موضعه، وهم فيه في شقاق بعيد، وكذلك (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، أصله: وإن الله لهاديهم، فقوبل
[ ١٠ / ٥١٣ ]
(أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أى ليعلموا أن تمكين الشيطان من الإلقاء: هو الحق من ربك والحكمة (وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا) إِلى أن يتأوّلوا ما يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة، ويطلبوا لما أشكل منه المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة والقوانين الممهدة، حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة ولا تزلّ أقدامهم. وقرئ: "لهاد الذين آمنوا"، بالتنوين.
[(وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَاتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَاتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ)].
الضمير في (مِرْيَةٍ مِنْهُ) للقرآن أو الرسول ﷺ. "اليوم العقيم": يوم بدر، وإنما وصف يوم الحرب بالعقيم لأنّ أولاد النساء يقتلون فيه، فيصرن كأنهن عقم لم
_________________
(١) ـ (الظَّالِمِينَ) بـ (الَّذِينَ آمَنُوا)، وقوله: (لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) بقوله: (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). قوله: (الضمير في (مِرْيَةٍ مِنْهُ) للقرآن، أو للرسول ﷺ)، ويجوز أن يكون لـ (مَا يُلْقِي)، وقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) وُضع موضع المضمر، أي: لا يزالون في مريةٍ وهم الشاكون الذين في قولهم مرضٌ، بدليل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) المنافقون والشاكون. قوله: (وإنما وُصف يوم الحرب بالعقيم)، إلى آخره، علل تفسير وصف اليوم بالعقيم على وجوه. أحدها: أنه على الإسناد المجازي، أسند العقيم إلى اليوم، لكونه صفته، على نحو قوله تعالى: (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) [المزمل: ١٧]. أصله: يجعلُ الله الولدانَ في ذلك اليوم شيبًا، فالمعنى: يومٌ يعقم الله النساء فيه، أي: يصرن ثكلى، فأسند "العقيم" إلى "اليوم" مبالغةً، كقولك: نهاره صائم، وليله قائم، ولما أن العقيم بمعنى ثكلى في هذا الوجه قيل: "كأنهن عقمٌ". وثانيها: أنه من باب الاستعارة المكنية، فالمستعارُ له اليومُ، والمستعارُ منه المرأة، والجامعُ: فقدانُ النتيجة، وكما أن المرأة إذا فقدتِ الولدَ وُصفت بالعقم، أي: الثكل، كذلك اليوم إذا فُقِدَ فيه المحاربونَ يوصفُ بالعُقْم كأنهُ أمُّهم، ومثلُه قولهم: ابنُ اليوم، وأبناءُ
[ ١٠ / ٥١٤ ]
يلدن، أو لأن المقاتلين يقال لهم أبناء الحرب، فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم على سبيل المجاز. وقيل:
هو الذي لا خير فيه. يقال: ريح عقيم إذا لم تنشئ مطرا ولم تلقح شجرا. وقيل: لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة ﵈ فيه. وعن
_________________
(١) ـ الزمان، وأبناءُ الحرب، والاستعارةُ واقعةٌ في اليوم بأن شبه اليوم بالمرأة في فقدان، مشتملةً تشبيهًا بليغًا، ثم توهم أن اليوم هي المرأة على سبيل التخييل، ثم أطلق اليوم الذي هو اسم المشبه، وأريد به اليوم المتخيل، والقرينة نسبةٌ العقيم إليه. وثالثها: أنه من التبعية، فالمستعارُ منه ما في المرأة من الصفة التي تمنعُ من الحمل، والمستعارُ له ما في اليوم من عدما لخير، فشبه عدم الخير بمنع الحمل، ثم سرى من المصدر إلى الصفة المشبهة، كقول قوم شعيب ﵇: (إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) [هود: ٨٧]، فالاستعارةُ واقعةٌ في العقيم. ورابعها: أن يُكنى بمجموع قوله: (يَوْمٍ عَقِيمٍ) عن شدته وفظاعته، كما يُقال: إن النساء بمثله عقيمٌ. قال الحماسيُّ: عقم النساءُ أن يلدن بمثله … إن النساء بمثله لعقيمُ والضميرُ في "لا مثل له" و"أمره": للعذاب، وفي "فيه": لليوم.
[ ١٠ / ٥١٥ ]
الضحاك أنه يوم القيامة، وأن المراد بالساعة مقدّماته. ويجوز أن يراد بالساعة وبيوم عقيم: يوم القيامة، وكأنه قيل: حتى تأتيهم الساعة أو يأتيهم عذابها، فوضع (يَوْمٍ عَقِيمٍ) موضع الضمير.
[(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) ٥٦ - ٥٧].
فإن قلت: التنوين في (يَوْمَئِذٍ) عن أى جملة ينوب؟ قلت: تقديره: الملك يوم يؤمنون. أو يوم تزول مريتهم، لقوله (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَاتِيَهُمُ السَّاعَةُ).
[(وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ) ٥٨ - ٥٩].
_________________
(١) ـ قوله: (لقوله تعالى: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَاتِيَهُمْ السَّاعَةُ)، يعني: دل على تقدير "يؤمنون" تارةً، وأخرى "تزول مريتهم": هذه الآية؛ لأن الصلة مشتملةٌ على الكفر وعلى المرية، فإذا جُعل المُغيا ما دل عليه الأول، قُدرَ "يؤمنون"، وإذا جُعل ما دل عليه الثاني قُدر: "تزولُ مريتهم". قال القاضي: التنوين في (يَوْمَئِذٍ) ينوبُ عن الجملة التي دلت عليه الغاية، والضميرُ في (يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) يعُمُّ المؤمنين والكافرين؛ لتفصيله بقوله تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا) الآية، وإدخالُ الفاء في خبر الثاني دون الأول تنبيهٌ على أن إثابة المؤمنين بالجنات تفضلٌ من الله تعالى، وأن عقاب الكافرين مسببٌ من أعمالهم، ولذلك قال: (لَهُمْ عَذَابٌ) ولم يقل: فأولئك في عذابٍ، كما قال: (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ).
[ ١٠ / ٥١٦ ]
ما جمعتهم المهاجرة في سبيل الله سوّى بينهم في الموعد، وأن يعطى من مات منهم مثل ما يعطى من قتل تفضلا منه وإحسانا. والله عليهم بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم.
(حَلِيمٌ) عن تفريط المفرط منهم بفضله وكرمه. روى أن طوائف من أصحاب رسول الله ﷺ ورضى عنهم قالوا: يا نبى الله، هؤلاء قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا معك؟ فأنزل الله هاتين الآيتين.
[(ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) ٦٠].
تسمية الابتداء بالجزاء لملابسته له من حيث إنه سبب وذاك مسبب عنه كما يحملون النظير على النظير والنقيض على النقيض للملابسة.
_________________
(١) ـ قوله: (تسميةُ الابتداء بالجزاء)، المراد بالابتداء قوله: (عُوقِبَ بِهِ)، وبالتسمية: تسميته عقابًا؛ لأن ابتداء الفعل لا يسمى عقابًا؛ لأن العقاب من العقب، وهو أن يعقب الفعل الأول، ونحوه قولهم: كما تدين تُدان، كما تُجازي تُجازَى، أي: كما تفعلُ تُجازي. قال الزجاجُ: الأولُ لم يكن عقوبةً، وإنما العقوبةُ: الجزاءُ، ولكنه سُمي عقوبةً؛ لأن الفعل الذي هو عقوبةٌ كان جزاء، فسمى الأول الذي جُوزي به عقوبةً؛ لاستواء الفعلين في جنس المكروه، كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) [الشورى: ٤٠]، فالأول سيئة، والمجازاةُ عليها حسنةٌ، إلا أنها سميت سيئةً بأنها وقعت إساءة بالمفعول به؛ لأنه فعل به ما يسوؤه.
[ ١٠ / ٥١٧ ]
فإن قلت: كيف طابق ذكر "العفوّ الغفور" هذا الموضع؟ قلت: المعاقب مبعوث من جهة الله ﷿ على الإخلال بالعقاب، والعفو عن الجاني - على طريق التنزيه لا التحريم - ومندوب إليه، ومستوجب عند الله المدح إن آثر ما ندب إليه وملك سبيل التنزيه، فحين لم يؤثر ذلك وانتصر وعاقب، ولم ينظر في قوله تعالى (فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)] الشورى: ٤٠ [، (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى)] التقوى: ٢٣٧ [، (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [الشورى: ٤٣].
(فإنّ الله لعفو غفور)، أى: لا يلومه على ترك ما بعثه عليه، وهو ضامن لنصره في كرته الثانية من إخلاله بالعفو وانتقامه من الباغي عليه. ويجوز أن يضمن له النصر على الباغي، ويعرّض مع ذلك بما كان أولى به من العفو، ويلوّح به بذكر هاتين
_________________
(١) ـ قوله: (المعاقِبُ مبعوثٌ)، بكسر القاف، أي: موصى بالعفو. الأساس: بعثهُ على الأمر، وتواصوا بالخير، وتباعثوا عليه، يعني: حمله الله تعالى على العفو، وندبه إليه، فحين ترك المندوب إليه كأنه مذنبٌ، لكنه تعالى لا يأخذه به؛ لأنه عفوٌّ غفور. قوله: (فـ (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ»، جوابٌ لقوله: "فحين لم يؤثر ذلك"، وهذا يؤذنُ أن قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) خبرُ "من عاقب"، وفي الكلام تقديمٌ وتأخير، أي: من عاقب بمثل ما عوقب به إن الله لعفوٌ غفور، أي: لا يلومه على ترك الأفضل، ثم إذا بُغي عليه أي: على المظلوم المعاقب في الكرة الثانية لينصرفه الله على الظالم. قوله: (من إخلاله)، قيل: هو بيان "ما بعثه"، وقيل: هو متعلقٌ بـ"الثانية"؛ أي: أنه أخل بالعفو كرتين، فهذه الكرةُ هي الكرةُ الثانيةُ من إخلاله بالعفو، وليس بشيء، وقيل: هو متعلقٌ بقوله: لعفوٌ، أي: لعفوٌّ من إخلاله: ويجوزُ أن يكون بيانًا لقوله: "ترك ما بعثه عليه" أي: لا يلومه على إخلاله بالعفو. قوله: (ويجوز أن يضمن له النصر على الباغي، ويُعرض مع ذلك بما كان أولى به من العفو)، أي: يكون (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ) متصلًا بقوله: (لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ) على بيان
[ ١٠ / ٥١٨ ]
الصفتين. أو دلّ بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة. لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضدّه.
[(ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) ٦١].
_________________
(١) ـ الموجب، وعلى هذا (لَيَنصُرَنَّهُ): خبرُ "مَنْ" كما قاله أبو البقاء وصاحبُ "الكشف"؛ فإنه تعالى لما قال: (لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ)، اتجه لسائل أن يسأل: لماذا ينصره؟ قال: لأن الله لعفو غفور، وكان من الظاهر أن يقال: إن الله ينصر المظلومين، فعرض بهاتين الصفتين على سبيلا لكناية التلويحية؛ لأنه أشار إلى المطلوب من بُعد، يعني: أنه تعالى مع كمال قدرته وغلبة سلطانه لما كان متصفًا بهذين الوصفين، كان من الواجب على المعاقب مع عجزه التخلقُ بأخلاق الله تعالى من العفو عن الجاني، وإليه الإشارة بقوله: "يلوح به بذكر هاتين الصفتين". قوله: (أو دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادرٌ)، هذا أيضًا، على أن يكون (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ) تعليلًا للموعد بالنصرة، كأنه قيل: لينصرنه الله؛ لأنه قادرٌ على النصرة فيعاقبُ الظالم. قال الإمام: نزلت في قوم من المشركين لقوا قومًا من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمدٍ ﷺ يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون بأن يكفوا عن قتالهم، لحرمة الشهر، فأبوا فقاتلوهم فثبت المسلمون فنُصروا، فوقع في أنفسهم من القتال في الشهر الحرام، فأنزل الله الآية. فعلى هذا لا يردُ سؤالُ كيفية المطابقة، ويكونُ أوفق لتأليف النظم، وذلك أن لفظة (ذَلِكَ) فصلُ الخطاب، وقوله: (ومن عاقب) شروعٌ في قصةٍ أخرى لأولئك السادة بعد قوله: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا).
[ ١٠ / ٥١٩ ]
(ذلِكَ) أي: ذلك النصر بسبب أنه قادر. ومن آيات قدرته البالغة أنه (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) أو بسبب أنه خالق الليل والنهار ومصرفهما فلا يخفى عليه ما يجرى فيهما على أيدى عباده من الخير والشر والبغي والإنصاف، وأنه (سَمِيعٌ) لما يقولون (بَصِيرٌ) بما يفعلون.
فإن قلت: ما معنى إيلاج أحد الملوين في الآخر؟ قلت: تحصيل ظلمة هذا في مكان ضياء ذاك نيبوبة الشمس. وضياء ذاك في مكان ظلمة هذا بطلوعها، كما يضيء السرب بالسراج ويظلم بفقده. وقيل: هو زيادته في أحدهما ما ينقص من الآخر من الساعات.
[(ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ٦٢].
وقرئ (يَدْعُونَ) بالتاء والياء. وقرأ اليماني. "وأن ما يدعون"، بلفظ المبني
_________________
(١) ـ قوله: (أو بسبب أنه خالقُ الليل والنهار ومصرفهما)، فعلى الأول: الآيةُ عبارةٌ عن القدرة الكاملة، فحين عقب معنى النصرة صلُحت أن تكون علةً لحصولها، وعلى الثاني: عبارةٌ عن العلم الشامل، ولما عقب معنى البغي أوقعت علةً للانتصار من الظالم للمظلوم، ألا ترى كيف جمع الخلقَ مع التصريفِ ليستلزم العلم فيُراد به إثباتُ الانتصار، وإليه الإشارة بقوله: "لا يخفى عليه من الغبي والإنصاف". وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) على الأول: من باب التكميل، وعلى الثاني: من التتميم. قوله: (الملوين)، الجوهري: الملوان: الليلُ والنهار، والواحد ملا مقصورٌ. والسربُ: بيتٌ في الأرض. قوله: (قرئ: (يَدْعُونَ) بالياء والتاء)، بالتاء الفوقاني: نافعٌ وابن كثيرٍ وابن عامر، والباقون: بالياء.
[ ١٠ / ٥٢٠ ]
للمفعول، والواو راجعة إلى «ما» لأنه في معنى الآلهة، أى: ذلك الوصف بخلق الليل والنهار والإحاطة بما يجرى فيهما وإدراك كل قول وفعل، بسبب أنه الله الحق الثابت إلهيته، وأن كل ما يدعى إلها دونه باطل الدعوة، وأنه لا شيء أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا.
[(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) ٦٣ - ٦٤].
قرئ "مُخْضَرَّةً" أى ذات خضر، على مفعلة، كمبقلة ومسبعة. فإن قلت: هلا قيل: "فأصبحت"؟ ولم صرف إلى لفظ المضارع؟ قلت: لنكتة فيه، وهي إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان، كما تقول: أنعم علىّ فلان عام كذا، فأروح وأغدو شاكرا له. ولو قلت: فرحت وغدوت، لم يقع ذلك الموقع.
فإن قلت: فما له رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام؟ قلت: لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض،
_________________
(١) ـ قوله: (لو نُصب لأعطى ما هو عكسُ الغرض)، قال صاحب "التقريب": هو مثلُ قولك: ألم أكرمكَ فتشكُر، رفعه يثبت الشكر، ونصبه ينفيه؛ لأن النصب بتقدير "أنْ"، وهو علم الاستقبال فيجعله مترقبًا، والرفعُ جزمٌ بإخباره. تلخيصه: أن الرفع جزمٌ بإثباته، والنصبُ ليس جزمًا بإثباته، لا أنه جزم بنفيه. وفيه نظرٌ؛ لأن نفي الشكر من كونه جوابًا للاستفهام؛ لأن المعنى: إن رأيت إنعامي شكرتُه. وقال صاحبُ "الفرائد": لا وجه لما ذكره صاحب "الكشاف"، ولا يلزم المعنى الذي ذكر، بل يلزمُ من نصبه أن يكون مشاركًا لقوله: (أَلَمْ تَرَ) تابعًا له، ولم يكن تابعًا لـ (أَنزَلَ) ويكون مع ناصبه مصدرًا معطوفًا على المصدر الذي تضمنه (أَلَمْ تَرَ) وهو الرؤية، والتقديرُ: ألم يكن لك رؤيةُ إنزال الماء من السماء فإصباح الأرضٍ مخضرةً، وهذا
[ ١٠ / ٥٢١ ]
_________________
(١) ـ غيرُ مرادٍ من الآية، بل المرادُ أن يكون إصباحُ الأرض مخضرةً بإنزال الماء، فيكون حصول اخضرار الأرض تابعًا للإنزال. وقلتُ: وينصره قول أبي البقاء: إنما رُفع-أي: (فَتُصْبِحُ) وإن كان قبله لفظُ الاستفهام لأمرين، أحدهما: أنه استفهامٌ بمعنى الخبر، أي: قد رأيت، فلا يكون له جوابٌ، والثاني: أن ما بعد الفاء ينتصب إذا كان المستفهم عنه سببًا له، ورؤيته لإنزال الماء لا توجبُ اخضرار الأرض، إنما يجب عن الماء. وروى الزجاج عن سيبويه القراءة بالرفع لا غير، قال: سألت الخليل عن هذا فقال: هذا واجبٌ، ومعناه التنبيه، كأنه قال: ألم تسمعْ إنزالَ الماءِ من السماء ماءً، فكان كذا وكذا. وقلتُ: فعلى هذا يمكن توجيه النصب بأن يقال: إن إيثار المستقبل في (فَتُصْبِحُ) لاستحضار تلك الحالة البديعة، وهي حياة الأرض الدالة على القدرة الباهرة، قال الله تعالى: (فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) [الحج: ٥]، وقال تعالى: (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) [ق: ٧ - ٨]، كأنه قيل: تنبه لإنزالنا الماء لتتعجب منه على هذه الحالة البديعة والقدرة الباهرة، فيكون لك تبصرة وذكرى للإنابة والخضوع، وأن الله يبعث من في القبور، ومن ثم ذُيل بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، وجيء بقوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) تتميمًا لإرادة الإنابة، فيكون (فَتُصْبِحُ) بمعنى: تتعجبُ من إصباحها.
[ ١٠ / ٥٢٢ ]
لأنّ معناه إثبات الاخضرار، فينقلب بالنصب إلى نفى الاخضرار، مثاله أن تقول لصاحبك: "ألم تر أنى أنعمت عليك فتشكر": إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر. وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله.
(لَطِيفٌ) واصل علمه أو فضله إلى كل شيء (خَبِيرٌ) بمصالح الخلق ومنافعهم.
[(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ) ٦٥ - ٦٦].
(ما فِي الْأَرْضِ) من البهائم مذللة للركوب في البر، ومن المراكب جارية في البحر، وغير ذلك من سائر المسخرات. وقرئ "وَالْفُلْكَ" بالرفع على الابتداء (أَنْ تَقَعَ) كراهة أن تقع (إِلَّا) بمشيئته.
(أَحْياكُمْ) بعد أن كنتم جمادا ترابا، ونطفة، وعلقة، ومضغة (لَكَفُورٌ) لجحود لما أفاض عليه من ضروب النعم.
[(لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ) ٦٧].
هو نهي لرسول الله ﷺ، أى: لا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك. أو هو زجر لهم عن التعرض لرسول الله ﷺ بالمنازعة في الدين وهم جهال لا علم عندهم وهم كفار خزاعة.
_________________
(١) ـ قوله: (هو نهيٌ لرسول الله ﷺ) هو من باب قولك: لا أرينك هاهنا، قال ابن جني: معناهُ: لا تكن هناك فأراك، فالنهيُ في اللفظ لنفسه، أي: فاثبُت على نفسك وصحة دينك،
[ ١٠ / ٥٢٣ ]
روي أن بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان الخزاعيين وغيرهما قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله؛ يعنون الميتة.
وقال الزجاج: هو نهى له ﷺ عن منازعتهم، كما تقول: لا يضاربنك فلان، أي: لا تضاربه. وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا بين اثنين.
(فِي الْأَمْرِ) في أمر الدين. وقيل: في أمر النسائك، وقرئ: "فلا ينزعنك"
_________________
(١) ـ ولا تلتفتْ إلى فساد أقوالهم، حتى إذا رأوك كذلك أمسكوا عنك، ولا يُنازعُنَّك، فلفظ النهي لهم، ومعناه له صلوات الله عليه. هذا إذا أجريت المفاعلة على واحدٍ مبالغةً. قوله: (وقال الزجاج)، والمذكور في كتابه: المعنى: أنه نهيٌ له صلواتُ الله عليه عن منازعتهم، كما تقولُ: لا يخاصمنك فلانٌ في هذا أبدًا، وهذا جائزٌ في الفعل الذي لا يكون إلا بين اثنين؛ لأن المجادلة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين، فإذا قلت: لا يجادلنك فلانٌ، فهو بمنزلة: لا تجادلنه، ولا يجوزُ هذا في قولك: لايضربنك فلانٌ، وأنت تريدُ: لا تضربه، ولكن لو قلت: لا يضاربنك فلانٌ، لكان كقولك: لا تُضاربنَّ فلانًا. وقلتُ: الفرقُ بين التفسيرين هو أن الأول نهيٌ عن الكينونة على وصفٍ يكونُ سببًا لمنازعتهم، وهذا نهيٌ عن المنازعة نفسها، وكلاهما كنايتان. قوله: (وقرئ: "فلا ينزعُنك")، قال ابن جني: وهي قراءةُ لاحق بن حُميد، ظاهره: فلا يستخفنك عن دينك إلى أديانهم، فيكون بصورة المنزوع عن شيء إلى غيره، نحو قوله تعالى: (وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) [الروم: ٦٠] فاثبت على دينك ولا يمل بك هواك إلى دين غيرك.
[ ١٠ / ٥٢٤ ]
أي اثبت في دينك ثباتا لا يطمعون أن يجذبوك ليزيلوك عنه. والمراد: زيادة التثبيت للنبي ﷺ بما يهيج حميته ويلهب غضبه لله ولدينه. ومنه قوله (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ)] القصص: ٨٧ [، (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)] الأنعام: ١٤ [،] يونس: ١٠٥ [،] القصص: ٨٧ [، (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ)] القصص: ٨٦ [. وهيهات أن ترتع همة رسول الله ﷺ حول ذلك الحمى، ولكنه وارد على ما قلت لك من إرادة التهييج والإلهاب.
وقال الزجاج: هو من نازعته فنزعته أنزعه، أى: غلبته، أى: لا يغلبنك في المنازعة.
فإن قلت: لم جاءت نظيرة هذه الآية معطوفة بالواو وقد نزعت من هذه؟ قلت:
_________________
(١) ـ قوله: (أنزعُه)، قال في "فاعلتُه ففعلتُه"، يقالُ: أفعلُه" إنما يُضمُّ إذا لم يكن عينُه أو لامُه حرفَ حلق، فإنه يتركُ على ما عليه الاستعمال. قيل: فيه نظرٌ؛ لأن المختار الضمُّ عند الأكثرين، وهذا المذكورُ منقولٌ عن الكسائي، وقد رده العلماء. قال سيبويه: وليس في كل شيء يكونُ هذا، أي: باب المغالبة، ألا ترى أنك لا تقول: نازعني فنزعته، استثنى عنه بغلبته في "المفصل". قوله: (هذه الآية)، وهي قوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) [الحج: ٦٧]، ونظيرتها: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) [الحج: ٣٤]، وهو معطوفٌ على قوله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)، ومن تتمة الكلام مع المؤمنين، أي: الأمر ذلك، المطلوبُ تعظيمُ شعائر الله وتقوى القلوب، وليس هذا مما يختص بكم، إذ كلُّ أمةٍ مخصوصٌ بنُسكٍ وعبادة، وهذه الآيةُ تقدمةُ نهي النبي ﷺ عن ما يوجب منازعةَ القوم وتسليةٌ له، وتعظيمٌ لأمره، حيثُ جعلَ أمرهُ نُسكًا ودينًا، يعني: شأنك وشأنُ أمثالك من الأنبياء والمرسلين عليهمُ
[ ١٠ / ٥٢٥ ]
لأنّ تلك وقعت مع ما يدانيها ويناسبها من الاى الواردة في أمر النسائك، فعطفت على أخواتها. وأما هذه فواقعة مع أباعد عن معناها فلم تجد معطفا.
[(وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ)].
أي: وإن أبوا للجاجهم إلا المجادلة بعد اجتهادك أن لا يكون بينك وبينهم تنازع، فادفعهم بأن الله أعلم بأعمالكم وبقبحها وبما تستحقون عليها من الجزاء فهو مجازيكم به. وهذا وعيد وإنذار، ولكن برفق ولين.
[(اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)].
(اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) خطاب من الله للمؤمنين والكافرين، أى: يفصل بينكم
_________________
(١) ـ الصلاةُ والسلامُ تركُ المنازعة مع الجهال وتمكينهم من المناظرة المؤدية إلى النزاع، وملازمةُ الدعوة إلى التوحيد، أو: لكل أمةٍ من الأمم الخالية المعاندة جعلنا طريقًا ودينا هم ناسكوه، فلا يُنازعنك هؤلاء المجادلةُ، سمى دأبهم نُسكًا لإيجابهم ذلك على أنفسهم واستمرارهم عليه، تهكمًا بهم، ومسلاةً لرسول الله صلى الله لعيه وسلم مما كان يلقى منهم. وأما اتصاله بما سبق من الآيات، فإن قوله تعالى: (وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) يُوجب القلع عن إنذار القوم، والإياس منهم ومتاركتهم، والآيات المتخللةُ كالتأكيد لمعنى التسلية، فجيء بقوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ) تحريضًا له صلوات الله عليه على التأسي بالأنبياء السابقة في مُتاركة القوم، والإمساك عن مجادلتهم بعد اليأس من إيمانهم، وينصره قوله تعالى: (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، فالربط على طريقة الاستئناف، وهو أقوى من الربط اللفظي، والذي يدور عليه قطبُ هذه السورة الكريمة الكلام في مجادلة القوم ومعاندتهم، والنعي عليهم بشدة شكيمتهم. ألا ترى كيف افتتحها بقوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ) وكررها وجعلها أصلًا للمعنى المهتم به، وكلما شرع في أمر كرَّ إليه تثبيتًا لقلبِ الرسول صلات الله عليه، ومسلاةً لصدره، فلا يقالُ إذن: "وأما هذه فواقعةٌ مع أباعد عن معناها".
[ ١٠ / ٥٢٦ ]
بالثواب والعقاب ومسلاة للنبي ﷺ مما كان يلقى منهم، وكيف يخفى عليه ما يعملون، ومعلوم عند العلماء بالله أنه يعلم كل ما يحدث في السماوات والأرض، وقد كتبه في اللوح قبل حدوثه.
والإحاطة بذلك وإثباته وحفظه عليه (يَسِيرٌ) لأن العالم الذات لا يتعذر عليه ولا يمتنع تعلق بمعلوم.
[(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) ٧١].
وَيَعْبُدُونَ ما لم يتمسكوا في صحة عبادته ببرهان سماوي من جهة الوحى والسمع، ولا ألجأهم إليها علم ضروري، ولا حملهم عليها دليل عقلى (وَمَا) للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم من أحد ينصرهم ويصوّب مذهبهم.
_________________
(١) ـ قوله: (ومسلاةٌ)، هي مفعلةٌ من: سلوتُ عنه وسليتُ عنه. الجوهري: هو في سلوةٍ من العيش، أي: رغد. قوله: (ومعلومٌ عند العلماء بالله أنه يعلمُ كل ما يحدث في السماوات والأرض)، واللام في "العلماءِ" للجنسِ، أي العلماء الكاملون، تعريضًا بالفلسفي، لكن قوله: "عالمُ بالذات" اعتزالٌ. قوله: (ولا ألجأهم غليها علمٌ ضروريٌ، ولا حملهم عليها دليلٌ عقلي)، هذا معنى قوله: (مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ)؛ لأن العلم بعد الدليل السمعي إما ضروريٌّ أو استدلالي، وفي اختصاص الدليل السمعي بالسلطان والتنزيل، والنوعين الأخيرين بالعلم دليلٌ واضحٌ على ذي بصيرةٍ نافذةٍ أن الدليل السمعيَّ هو الحجةُ القاطعة، وله القهر والغلبةُ، وعند ظهوره تضمحلُّ الآراءُ وتتلاشى الأقيسةُ، ومن عكس ضل الطريق، وحُرم التوفيق، وبقي متزلزلًا في ورطات الشُّبَه، وإن شئت فجربِ التنكير في (سُلْطَانًا) وفي (عِلْمٌ)، وقسمهما على قول الشاعر:
[ ١٠ / ٥٢٧ ]
[(وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ٧٢].
(الْمُنْكَرَ) الفظيع من التجهم والبسور «٢». أو الإنكار، كالمكرم بمعنى الإكرام. وقرئ "يعرف". و"المنكر".
والسطو: الوثب والبطش
_________________
(١) ـ له حاجبٌ في كلِّ أمرٍ يشينُه … وليس له عن طالب العُرف حاجبُ لتعلم الفرق. ثم انظُرْ إلى معنى التتميم والتنزُّلِ في قوله: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) إذ المعنى: ليس لهم دليلٌ قاطعٌ على صحة ما هم فيه، ولا لهم أيضًا ما يصح عند الضرورة أن يُتمسك به، ولا لهم ذو شوكةٍ يقهر الناس بالتعدي والظُّلم الصرفِ على عبادة ما يدعون، ألا ترى إلى إقامة الظاهر في قوله: (لِلظَّالِمِينَ) كيف طابق المفصل لترى الدقائق التي تتحيرُ فيها العقولُ؟ والله يقولُ الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (من التهجم)، الجوهري: رجلٌ جهمُ الوجه أي: كالحُه، تقولُ منه: جهمتُ الرجُل وتجهمتُه، إذا كلحتَ في وجهه، وبسر الرجُلُ في وجهه بسُورًا أي: كلح. يقال: عبس وبسر. قوله: (وقرئ: "يُعرَفُ" و"المنكر")، أي: مبنياًّ للمفعول، وهو ظاهرٌ.
[ ١٠ / ٥٢٨ ]
وقرئ "النَّارُ" بالرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، كأنّ قائلا قال: ما هو؟ فقيل: النار، أى: هو النار. وبالنصب على الاختصاص. وبالجرّ على البدل من (بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ) من غيظكم على التالين وسطوكم عليهم. أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلي عليكم.
(وَعَدَهَا اللَّهُ) استئناف كلام. ويحتمل أن تكون "النَّارُ" مبتدأ و(وَعَدَهَا) خبرا، وأن يكون حالا عنها إذا نصبتها أو جررتها بإضمار «قد».
[(يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) ٧٣].
فإن قلت: الذي جاء به ليس بمثل، فكيف سماه مثلا؟ قلت: قد سميت الصفة أو القصة الرائعة الملتقاة بالاستحسان والاستغراب: "مثلًا"، تشبيها لها ببعض الأمثال المسيرة، لكونها مستحسنة مستغربة عندهم
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "النارُ" بالرَّفْع")، أي: في المشهورة، والنصبُ الجرُّ: شاذتان. قوله: (بإضمار "قد")، متعلقٌ بقوله: "وأن تكون حالًا عنها". وقوله: "إذا نصبتها وجررتها" اعترض بين المتعلِّقِ والمتعلَّق، فالنصبُ على الاختصاص، والجرُّ على البدل من (بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ). قوله: (تشبيهًا لها ببعض الأمثال المسيرة)، قال المصنف: المثلُ بمعنى المِثْل، تقولُ: زيدٌ مثلُ عمروٍ ومثله ومثيله، كما تقول: شبهه وشبهه وشبيهه، ثم قالوا على سبيل الاستعارة لجملةٍ من الكلام مستغربةٍ مستفصحةٍ متلقاةٍ بالرضا والقبول، أهل للتسيير والإرسال:
[ ١٠ / ٥٢٩ ]
قرئ (تَدْعُونَ) بالتاء والياء، ويدعون: مبنيا للمفعول.
(لَنْ) أخت «لا» في نفى المستقبل، إلا أن «لن» تنفيه نفيا مؤكدا، وتأكيده هاهنا
_________________
(١) ـ مثل؛ لأنهم جعلوا مضربها مثلًا لموردها، ثُم استعاروا هذا المستعار للقصةِ أو الحالةِ المستغربة لتماثلهما في الغرابة. وقال القاضي: أو جُعل لله مثلٌ، أي: مثلٌ في استحقاق العبادة فاستمعوا له استماع تدبرٍ وتفكر. وقال صاحب "التيسير": جُعل لي مثلٌ، أي: شبهٌ، أي: جعل الكفارُ فاسمعوا حال ما شبهوه لي، لتقفوا على جهلهم. وقال صاحب "الفرائد": المثلُ في الاصطلاح: شبيهٌ سائر، أي: كثيرٌ استعماله، والمراد من ذكره أن ما نحن له بمنزلة ما قيل فيه هذا القول، فإن صح ما ذكره صاحب "التيسير" وجب حملُ المثل على الحقيقة لا على المجاز. وقلتُ: في جعل (ضُرِبَ) بمعنى: جُعِل هذا له، عدولٌ عن الظاهر، وخرمٌ للنظم الفائق؛ فإن قوله تعالى: (ضُرِبَ مَثَلٌ) مُجملٌ بُيِّنَ بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) وقوله: (فَاسْتَمِعُوا لَهُ) تقريرٌ لما يُراد من الإبهام والتبيين، من توخى التفطن لما يُتلى بعد المجمل، وتطلب إلقاء الذهن، ويؤيده تصدرُ الآية بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، وتذييل المثل بقوله تعالى: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)، وتعليله بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ). ولعمري، إن هذا التذييل يُنادي على من يدعي معرفة الله تعالى بمقياس عقله بالضلال البعيد، ويتلُو عليه: (فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [الحج: ٣١]. قوله: (قرئ: (تَدْعُونَ) بالتاء والياء)، بالتاء الفوقاني: السبعةُ. قوله: ("لن" أختُ "لا"، في نفي المستقبل، إلا أن "لن" تنفيه نفيًا مؤكدًا، وتأكيده هاهنا
[ ١٠ / ٥٣٠ ]
الدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل مناف لأحوالهم، كأنه قال: محال أن يخلقوا.
فإن قلت: ما محل (وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)؟ قلت: النصب على الحال، كأنه قال: مستحيل أن يخلقوا الذباب مشروطا عليهم اجتماعهم جميعا لخلقه وتعاونهم عليه، وهذا من أبلغ ما أنزله الله في تجهيل قريش واستركاك عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه حيث وصفوا بالإلهية - التي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلها، والإحاطة بالمعلومات عن آخرها - صورا وتماثيل يستحيل منها أن تقدر على أقل ما خلقه وأذله وأصغره وأحقره، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا.
وأدل من ذلك على عجزهم وانتفاء قدرتهم: أن هذا الخلق الأقل الأذل لو اختطف منهم شيئا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه لم يقدروا.
وقوله (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف. ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف، لأن الذباب حيوان، وهو جماد، وهو
_________________
(١) ـ الدلالة على أن خلقَ الذباب منهم مستحيلٌ منافٍ لأحوالهم). قال صاحب "الفرائد": النفيُ المؤكدُ لا يدل على الامتناع لأنه لا يستلزمه، فيكون لازمًا، واللازم لا يدل على الملزوم، ولكن يحتمله، ولما كان محتملًا له حُمل عليه لقرينة سوق الكلام؛ لأنه إن أمكن ذلك منهم لا يحصلُ الاستبعادُ المطلوبُ والمبالغةُ في تجهيلهم، واستركاك عقولهم؛ لأنهم مع اجتماعهم وتعاونهم لا يقدرون على أقلِّ ما خلقه الله تعالى وأذله وأحقره، وأدل من ذلك على عجزهم، وانتفاء قُدرتهم، أن هذا الحقير الذليل لو اختطف منهم شيئًا لم يقدروا على استخلاصه ولو اجتمعوا له. وقلتُ: ها هوا لحق، إلا أن مقصود المصنف من إثبات الاستحالة تقريرُ مذهبه ومُدعاهُ في قوله تعالى: (لَنْ تَرَانِي) [الأعراف: ١٤٣]، وقد استشهد بهذه الآية على مطلوبه في ذلك المقام. قوله: (وجدت الطالب أضعف)، أي: التماثيلُ أضعفُ من الذباب، وإنما قيل لها:
[ ١٠ / ٥٣١ ]
غالب وذاك مغلوب. وعن ابن عباس: أنهم كانوا يطلونها بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله.
] (ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) ٧٤ [.
(ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) أى ما عرفوه حق معرفته، حتى لا يسموا باسمه من هو منسلخ عن صفاته بأسرها، ولا يؤهلوه للعبادة، ولا يتخذوه شريكا له: إن الله قادر غالب، فكيف يتخذ العاجز المغلوب شبيها به؟
] (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ٧٥ - ٧٦ [.
هذا ردّ لما أنكروه من أن يكون الرسول من البشر، وبيان أن رسل الله على
_________________
(١) ـ الطالبُ؛ لأنها طالبةٌ لما اختطفه الذبابُ منهم، فاللامُ في الطالب والمطلوب: للعهد التقديري، وهو معنى السين في (لا يَسْتَنقِذُوهُ). قوله: (هذا ردُّ ما أنكروه من أن يكون الرسول من البشر)، يعني: لما أبطل القول بالاشتراك ليثبت التوحيد، عقبه بإثبات الرسالة، فرد طعنهم في أن يكون الرسول من البشر، ويمكن أن يقال: إن الآيات نظيرُ قوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ) [فاطر: ١٣ - ١٤] بولغ في وصف آلهتهم بالضعف وسُلب عنهم دفعُ المضرة مدى غاياته، ثم وُصف إله الحق بالقوة والعز، وإيصالالنفع إلى عابديه أقصى نهاياته؛ لأن منتهى مال المخلوقين أن يخصهم الله بكرامة الرسالة، فالآية الثانية مبينةٌ أو مقررةٌ بقوله تعالى: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) فوضع اسمه الأعظم الجامع لأسمائه الحسنى موضع الضمير تقريرًا للقوة الكاملة والعزة القاهرة، أو هو بمنزلة اسم الإشارة المؤذِن بأن ما بعده جديرٌ
[ ١٠ / ٥٣٢ ]
ضربين: ملائكة وبشر، ثم ذكر أنه تعالى درّاك للمدركات، عالم بأحوال المكلفين ما مضى منها وما غبر، لا تخفى عليه منهم خافية. وإليه مرجع الأمور كلها، والذي هو بهذه الصفات، لا يسأل عما يفعل، وليس لأحد أن يعترض عليه في حكمه وتدابيره واختيار رسله.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)].
للذكر شأن ليس لغيره من الطاعات. وفي هذه السورة دلالات على ذلك، فمن
_________________
(١) ـ بمن قبله لاتصافه بتلك الصفات الفائقة، وفي قوله: "والذي هو بهذه الصفات لا يُسألُ عما يفعلُ، وليس لأحدٍ أن يعترض عليه في حكمه وتدابيره" إيماءٌ إلى هذا المعنى، وبعد ما عم الخطاب بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) ونبههم في ذلك المثل على أن تلك الآلهة لا تضر ولا تنفع وإنما النافع والضار هو الله تعالى، وهو الذي يستحق أن يُعبد ويستعان به، خص الخطاب بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) الآية تحقيقًا للعبودية. قوله: (ثم ذكر أنه تعالى دراكٌ للمدركات)، يعني: لما ذكر أنه تعالى اصطفى من الملائكة رسلًا ومن الناس علل ذلك بقوله: (أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ). قوله: (ما مضى منها وما غبر)، الجوهري: غبر الشيء يغبرُ: بقي، والغابرُ: الباقي، والغابرُ: الماضي، وهو من الأضداد. قوله: (للذكر شأنٌ ليس لغيره من الطاعات)، والمراد بالذكر: ما يُحتاجُ إليه في الدين من الشرائع وغيرها، كالأقاصيص والوعد والوعيد، كذا فُسرَ في (ص). ولما كان إطلاقُ الذكر على الصلاة أبين من سائر الطاعات، قال: "الصلاة التي هي ذكرٌ خالص"، وهو المرادُ
[ ١٠ / ٥٣٣ ]
ثم دعا المؤمنين أولا إلى الصلاة التي هي ذكر خالص، ثم إلى العبادة بغير الصلاة كالصوم والحج والغزو، ثم عمّ بالحث على سائر الخيرات. وقيل: كان الناس أوّل ما أسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود. وقيل: معنى (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) اقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله. وعن ابن عباس في قوله (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) صلة الأرحام ومكارم الأخلاق (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أى افعلوا هذا كله وأنتم راجون للفلاح طامعون فيه، غير مستيقنين ولا تتكلوا على أعمالكم.
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟ قال: "نعم، إن لم تسجدهما فلا تقرأهما" وعن عبد الله ابن عمر ﵄: "فضلت سورة الحج بسجدتين". وبذلك احتج الشافعي ﵁،
_________________
(١) ـ من قوله تعالى: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا)، والصوم الحج والغزو دونها في معنى الذكر، ثنى بذكرها، وهو المراد من قوله: (وَاعْبُدُوا)، ثم أتى بما يشتملُ على جميع ما يُحتاجُ إليه في الدين من الخيرات آخرًا، وهو المرادُ من قوله تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ)، فهو كالترقي والتدرج من الأخص إلى الأعم. قوله: (وقيل: معنى (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ): اقصدوا برُكوعكم وسجودكم وجه الله تعالى)، هو كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) [النساء: ١٣٦]. قوله: (وعن عُقبة بن عامرٍ)، الحديث رواه أحمد بن حنبل في "مسنده"، وكذا الترمذيٌّ، وروى أبو داود وابن ماجه، عن عمرو بن العاص ﵁ قال: أقرأني رسول الله ﷺ خمس عشرة سجدةً في القرآن، منها ثلاثٌ في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان.
[ ١٠ / ٥٣٤ ]
فرأى سجدتين في سورة الحج. وأبو حنيفة وأصحابه ﵃ لا يرون فيها إلا سجدة واحدة، لأنهم يقولون: قرن السجود بالركوع، فدل ذلك على أنها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة.
[(وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)].
(وَجاهِدُوا) أمر بالغزو أو بمجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر. عن النبي ﷺ أنه رجع من بعض غزواته فقال «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر».
(فِي اللَّهِ) أى في ذات الله ومن أجله. يقال: هو حق عالم، وجدّ عالم، أي: عالم
_________________
(١) ـ وعن مالك عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أنه قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين، ثم قال: إن هذه السورة فُضِّلت بسجدتين. قوله: (قرن السجود بالركوع فدل ذلك على أنها سجدةُ صلاةٍ لا سجدةُ تلاوة)، وقلتُ: لا شك أن الروع الذي هو: وضع الكفين على الركبتين مع الانحناء، لا يوجد إلا في الصلاة، ولا يراد به هاهنا الركوعُ الفذ، فيُحملُ على الصلاة مجازًا، وأما السجود الذي هو: وضعُ الجبهة على الأرض لله تعالى على سبيل التعظيم فهو غير مختص بالصلاة، فحمل الألو على الصلاة، والثاني على الحقيقة، لعموم الفائدة؛ أولى، ولأن العدول إلى المجاز من غير صارفٍ أو اعتبار نكتةٍ غير جائز، والمقارنة غير موجبةٍ لذلك، والأحاديث التي رويناها عن الأئمة موافقةٌ لمذهب الشافعي، فوجب المصير إليه.
[ ١٠ / ٥٣٥ ]
حقا وجدا. ومنه (حَقَّ جِهادِهِ). فإن قلت: ما وجه هذه الإضافة، وكان القياس: حق الجهاد فيه. أو حق جهادكم فيه، كما قال (وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ)؟ قلت: الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص، فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله، صحت إضافته إليه. ويجوز أن يتسع في الظرف كقوله:
ويوما شهدناه سليما وعامرا
(اجْتَباكُمْ) اختاركم لدينه ولنصرته (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)
_________________
(١) ـ قوله: (ومنه: (حَقَّ جِهَادِهِ»، قال القاضي: معنى (حَقَّ جِهَادِهِ) جهادًا فيه حقًا خالصًا لوجهه، فعُكس وأضيف الحقُّ إلى الجهاد مبالغةً. يعني: أصلُ المعنى: وجاهدوا في الله جهادًا حقًا، فهو يفيد أن هناك جهادًا واجبًا، والمطلوب منهم الإتيان به، فإذا عُكس وأضيف الصفةُ إلى الموصوف بعد الإضافة إلى الله تعالى أفاد إثبات جهادٍ مختص بالله تعالى، والمطلوب القيام بموجبه وشرائطه على وجه التام والكمال بقدر الوسع والطاقة. قال المصنف في قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [آل عمران، ١٠٢]: (حَقَّ تُقَاتِهِ) واجب تقواه: ما يحق منها، وهو القيام بالواجب، واجتنابُ المحارم، يريدُ: بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئًا". وفي قوله: "عالمٌ جدًا" إيماءٌ إلى هذا المعنى أي: هو عالمٌ مبالغٌ في العلم جدًا، ولا يترك من الجهد المستطاع منه شيئًا. فقوله: "أي: عالمٌ حقًا وجدًا" تأويلٌ باعتبار المبالغة والتوكيد. قوله: (ويوم شهدناهُ سليمًا وعامرًا)، تمامه: قليلٌ سوى الطعن النهال نوافله النهالُ: الرماحُ الأسلُ: الناهل؛ أي: تروى منه الرماحُ العطاش، نهل؛ أي: شرب، وهوالشرب الأول، نوافلٌ: فاعل قليل.
[ ١٠ / ٥٣٦ ]
فتح باب التوبة للمجرمين، وفسح بأنواع الرخص والكفارات والديات والأروش.
_________________
(١) ـ قوله: (وفسح بأنواع الرخص)، قال القاضي: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي: ضيق بتكليف ما يشتدُّ القيامُ به عليكم، إشارةً إلى أنه لا مانع لهم ولا عذر لهم في تركه، أو على الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث شق عليهم لقوله: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم"، وقيل: ذلك بأن لهم من كل ذنبٍ مخرجًا، بأن رخص لهم في المضايق، وفتح باب التوبة، وشرع لهم الكفارات في حقوقه، والأروش والديات في حقوق العبادات. وقلت- والله أعلم-: قد أسلفنا أن في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) ترقيًا من الأخص إلى الأعم، والآية جامعةٌ لأنواع العبادات، فيكونُ عطف قوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) عليها إرشادًا إلى السلوك والعروج إلى مقامات العارفين، والتحري للتخلص من الركون إلى الغير، وفي تعقيب قوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) إزاحةٌ للموانع من طلب الكمال، كما قال القاضي: لا مانع لهم عنه ولا عُذر لهم في تركه، يؤيده قوله تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ)، وقوله: (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا)، يعني: أن الله تعالى اصطفاكم، وهو مدحكم قديمًا وحديثًا، وجعلكم في العقبى شهداء على الناس، وإليه ينتهي توليكم، فلا تحبوا سفساف الأمور وقد هيأ لكم معاليها، وخصكم لنفسه تعالى، وهو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير. فقوله: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) استئنافٌ لبيان علة الأمر بالاجتهاد. روى السلميُّ عن ابن عطاءٍ: الاجتبائية أورثت المجاهدة، لا المجاهدة أورثت الاجتبائية، وكذا قوله
[ ١٠ / ٥٣٧ ]
ونحوه قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: ١٨٥] وأمّة محمد ﷺ هي الأمة المرحومة الموسومة بذلك في الكتب المتقدمة.
نصب الملة بمضمون ما تقدّمها. كأنه قيل: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. أو على الاختصاص، أى: أعنى بالدين ملة أبيكم كقولك: الحمد لله الحميد.
فإن قلت: لم يكن إِبْراهِيمَ أبا للأمّة كلها. قلت: هو أبو رسول الله ﷺ، فكان أبا لأمته، لأنّ أمة الرسول في حكم أولاده.
(هُوَ) يرجع إلى الله تعالى: وقيل: إلى إبراهيم. ويشهد للقول الأوّل قراءة أبىّ بن كعب: "الله سماكم".
(مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا) أى من قبل القرآن في سائر الكتب وفي القرآن، أى: فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ) أنه قد بلغكم (وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) بأنّ الرسل قد بلغتهم. وإذ خصكم بهذه الكرامة والأثرة، فاعبدوه وثقوا به ولا تطلبوا النصرة والولاية إلا منه، فهو خير مولى وناصر.
_________________
(١) ـ تعالى: (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ) علةٌ لرفع الحرج عن هذه الأمة المرحومة كما ورد: "بعثتُ بالحنيفية السهلة السمحة"، وقال ابن عطاء: زينكم بزينة الخواص قبل أن أوجدكم، فقد سبق لكم من الله تعالى الخصوصية في الأزل. قوله: (وقيل: إلى إبراهيم ﵇) يدلُّ عليه قوله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) [البقرة: ١٢٨]. قوله: (وإذا خصكم بهذه الكرامة والأثرة فاعبدوه) يريد: أن في تعقيب قوله تعالى:
[ ١٠ / ٥٣٨ ]
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الحج أعطى من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي».
_________________
(١) ـ (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) بالفاء على قوله: و(هُوَ اجْتَبَاكُمْ)، وقوله: (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ) سالفًا وآنفًا، لتختص شهادة الرسول عليكم، وتكونوا شهداء على الناس، إشعارًا بالعلية؛ لأن الأوصاف مناسبةٌ للحكم. هذا يدل على ترجيح القول بأن الضمير راجعٌ إلى الله تعالى. قال الإمامُ: إنه تعالى سماهم بهذا الاسم لهذا الغرض. المعنى: أنه تعالى بين في سائر الكتب المتقدمة، وفي القرآن أيضًا، فضلكم، وسماكم بهذا الاسم لأجلِ الشهادة المذكورة. وقلتُ: ثم العلة والمعلول علةٌ للحكم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله كما مر، وقوله: (هُوَ مَوْلاكُمْ) كالتتميم لقرينتيه، وهما: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) و(هُوَ سَمَّاكُمْ)، أو يقالُ: في جعل الموجب: (نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ): الدلالة على أن كونه تعالى مولى لنا يقتضي أمرًا وراء ما ذُكر من الاجتباء والتسمية بالمسلمين، وهو تحقيق أمر العبودية، وصلاحية مقام الزلفى من الله تعالى: ومن ثم شرف الله تعالى حبيبه ليلة المعراج بتشريف العبودية وتحقيقها. وهذه خاتمة شريفةٌ خُتمت بها السورة بحمد الله. والله ﷾ أعلمُ بالصواب
[ ١٠ / ٥٣٩ ]