مدنية، وهي ثمان عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١]
قدّمه وأقدمه: منقولان بتثقيل الحشو والهمزة، من قدمه إذا تقدّمه في قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ [هود: ٩٨]،
_________________
(١) ـ سورة الحجرات مدنية، وهي ثمان عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (قدمه وأقدمه: منقولان بتثقيل الحشو والهمزة): أي: منقولان من المتعدي مفعول واحد إلى مفعولين، الجوهري: "أقدمه وقدمه بمعنى، قال لبيد: فمضى وقدمها وكانت عادة منه إذا هي عردت إقدامها أي: تقدمها". الراغب: "القدم: قدم الرجل، وبه اعتبر التقدم والتأخر، ويقال: قديم وحديث؛ باعتبار الزمانين، وإما بالشرف، نحو: فلان متقدم على فلان، أي: أشرف منه، والقدم
[ ١٤ / ٤٢٧ ]
_________________
(١) وجود فيما مضى، والبقاء: وجود فيما يستقبل، وقد ورد في وصف الله تعالى: "يا قديم الإحسان"، ولم يرد في شيء من القرآن والآثار الصحيحة "القديم" في وصف الله تعالى، والمتكلمون يصفونه به، وأكثر ما يستعمل "القديم" يستعمل باعتبار الزمان، نحو: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]. ويقال: قدمت كذا، قال تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: ١٣]، وقدمت فلانا أقدمه: إذا تقدمته، قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: ٩٨]. وقال تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾: قيل: معناه: لا تتقدموا، وتحقيقه: لا تسبقوه بالقول والحكم، بل افعلوا ما يرسمه كما يفعله العباد المكرمون، وهم الملائكة حيث قال: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧]. وقدمت إليه بكذا: إذا أمرته قبل وقت الحاجة إلى الفعل، وقبل أن يدهمه الأمر أو الناس، وقدمت به: أعلمته قبل وقت الحاجة، ومنه قوله تعالى: ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨]، وركب فلان مقاديمه: إذا مر على وجهه".
[ ١٤ / ٤٢٨ ]
ونظيرهما معنى ونقلًا: سلفه وأسلفه، وفي قوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ من غير ذكر مفعول وجهان: أحدهما: أن يحذف ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدّم. والثاني: أن لا يقصد قصد مفعول ولا حذفه، ويتوجه بالنهى إلى نفس التقدمة، كأنه قيل: لا تقدموا على التلبس بهذا الفعل، ولا تجعلوه منكم بسبيل، كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [غافر: ٦٨].
ويجوز أن يكون: من قدّم؛ بمعنى: تقدّم،
_________________
(١) ـ قوله: (معنى ونقلًا): أما معنى: فلأن التسليف التقديم، ومنه السلفة_ بالضم_: ما يتعجله الرجل من الطعام قبل الغذاء، تقول منه: سلف الرجل تسليفًا، وأما نقلًا فهو قوله: سلفه وأسلفه، منقولان من: سلفه. قوله: (أن يحذف ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدم): أي يترك مفعول ليعم تناوله، فإنه إذا ذكر قصر عليه. قوله: (أن لا يقصد [قصد] مفعول ولا حذفه): أي: يقصد إلى نفس الفعل وحقيقته، نحو: "فلان يعطي ويمنع"، أي: يوجدهما ويفعل حقيقتهما إبهامًا للمبالغة، قال صاحب "التسير": أي: لا تقدموا قولًا ولا فعلًا على قول رسول الله ﷺ وفعله مما سبيله أن يؤخذ عنه من أمر الدين، بل انتظروا حكمه فيه، فإن حكمه حكم الله، لأنه لا يقضي إلا بأمر الله تعالى. قوله: (كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾): أي يوحدهما، ووجه المشابهة: أن الإحياء والإماته من شأن من اتصف بصفة الألوهية ومن مصححها، كذا من شأن من اتصف بصفة الإيمان، بل من شأن من يصدق ويقال في حقه: "الذين آمنوا": أن يجتنب التلبس بهذا الفعل. قوله: (ويجوز أن يكون من: قدم؛ بمعنى: تقدم): أي: يكون لازمًا، الجوهري: "وقدم بين يديه، أي: تقدم، قال تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ".
[ ١٤ / ٤٢٩ ]
كوجه وبين، ومنه مقدّمة الجيش: خلاف ساقته، وهي الجماعة المتقدّمة منه، وتعضده قراءة من قرأ: "لا تقدموا" بحذف إحدى تاءي "تتقدموا"، إلا أن الأوّل أملأ بالحسن وأوجه، وأشدّ ملاءمة لبلاغة القرآن، والعلماء له أقبل.
وقرئ: "لا تقدموا"؛ من القدوم، أي: لا تقدموا إلى أمر من أمور الدين قبل قدومهما، ولا تعجلوا عليهما.
_________________
(١) ـ قوله: (ويعضده قراءة من قرأ: "لا تقدموا" بحذف إحدى تاءي "تتقدموا"): قال ابن جني: "وهي قراءة الضحاك ويعقوب، أي: لا تفعلوا ما تؤثرونه وتتركوا ما أمركم الله ورسوله، وهذا معنى قراءة العامة: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، أي: لا تقدموا أمرًا على ما أمركم الله، والمفعول محذوف". قوله: (إلا أن الأول أملًا بالحسن): الأساس: "نظرت إليه، فملأت منه عيني، وهو يملأ العين حسنًا، قال النمر: ألم ترها تربك غداة قامت بملء العين من كرم وحسن". أي: إذا قدر أنه متعد ثم حذف المفعول؛ إما للعموم أو لإرادة إجراء المتعدي مجرى اللازم، كان أحسن وأبلغ، وإن بعدت المسافة من جعله ابتداء لازمًا؛ لما عرفت من الشيوع والمبالغة غير مرة. قوله: (وقرئ: "لا تقدموا"؛ من القدوم): الجوهري: "قدم من سفره قدومًا ومقدمًا_بفتح الدال_ وقدم_ بالفتح_ يقدم قدومًا، أي: تقدم"، فعلى هذا: شبه تعجيلهم في قطع
[ ١٤ / ٤٣٠ ]
وحقيقة قولهم: جلست بين يدي فلان: أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريبًا منه، فسميت الجهتان: يدين؛ لكونهما على سمت اليدين مع للقرب منهما توسعًا، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه في غير موضع، وقد جرت هذه العبارة ها هنا على سنن ضرب من المجاز، وهو الذي يسميه أهل البيان: تمثيلِا، ولجريها هكذا فائدة جليلة ليست في الكلام العريان، وهي تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة.
_________________
(١) ـ الحكم في أمر من أمور الدين بقدوم المسافر عن سفره؛ إيذانًا بشدة رغبتهم فيه، نحوه قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. قوله: (كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه): يعني: هو من المجاز الذي يسمى بتسمية الشيء باسم مجاوره، نحو: جرى الميزاب، وسال الوادي. قوله: (على سنن ضرب من المجاز): المغرب: "سنن الطريق: معظمه ووسطه، وقوله: فمر السهم في سننه، أي: في طريقه مستقيمًا كما هو لم يتغير، أي: لم يرجع عن وجهه". قوله: (وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلًا): أي: استعارة تمثيلية، شبه تعجيل الصحابة في إقدامهم على قطع الحكم في أمر من أمر الدين بغير إذن الله ورسوله، بحال من تقدم بين يدي متبوعه إذا سارا في الطريق، وأنه في العادة مستهجن، ثم استعمل في جانب المشبه ما كان مستعملًا في جانب المشبه به من الألفاظ، والغرض تصوير كمال الهجنة، وتقبيح قطع الحكم بغير إذن الله ورسوله. ومثله قوله تعالى في حق الملائكة: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧]، أصله: لا يسبق قولهم قوله، فنسب السبق إليهم، وجعل "القول" محله؛ تنبيها على استهجان السبق المعرض به للقائلين على الله ما لم يقله. قوله: (دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب): هو افتعال من الحذو، وفيه معنى الاعتمال،
[ ١٤ / ٤٣١ ]
والمعنى: أن لا تقطعوا أمرًا إلا بعد ما يحكمان به ويأذنان فيه، فتكونوا: إما عاملين بالوحي المنزل، وإما مقتدين برسول الله ﷺ. وعليه يدور تفسير ابن عباس. وعن مجاهد: لا تفتاتوا على الله شيئًا حتى يقصه على لسان رسوله.
ويجوز أن يجرى مجرى.
_________________
(١) ـ كالاكتساب والكسب. الجوهري: "يقال: حذوت النعل بالنعل حذوا: إذا قدرت كل واحدة على صاحبتها"، وضمن معنى "قدر"، وعدي ب"علي"، يقال: قدرت عليه الثواب فانقدر، أي: جاء على المقدار، فأفاد المبالغة بناء وتضمينًا. قوله: (لا تفتاتوا على الله شيئًا): الأساس: "افتات فلان عليكم برأية: سبقكم به، ولم يشاوركم في الحديث"، وفي مجمل اللغة": "الافتئات: افتعال من الفوت، وهو السبق إلى الشيء دون ائتمار من يؤتمر، وقيل: فلان لا يفتات عليه، أي: يعمل شيء دون أمره". قوله: (ويجوز أن يجرى): معطوف على قوله: "وقد جرت هذه العبارة" إلى آخره، أي: ويجوز أن يجرى قوله تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ مجرى هذا الأسلوب، وأن يكون ذكر الله ﷿ تمهيدًا لذكر رسول الله ﷺ، وتعظيمًا لحرمته وإجلاله، وعلى الأول: كان المراد منه حكم الله ونص كتابه. وهذا الأسلوب أبلغ وللمعاني أشمل، والتمثيل له أظهر، لأنه إذ حفظ مجلسه صلوات الله عليه من الفلتات والسقطات، ووقر جانبه من رفع الأصوات، كان التقديم بين يدي حكم الله أنهى، والمحافظة عليه أولى وأخرى. ومن ثم عقب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾، وكرر النداء، وسموا بالمؤمنين؛ إيذانًا بالتنبيه على ما غفلوا عنه، وأن الإيمان هو الذي يقتضي ذلك، وفصل ذلك
[ ١٤ / ٤٣٢ ]
قولك: سرني زيد وحسن حاله، وأعجبت بعمرو وكرمه، وفائدة هذا الأسلوب: الدلالة على قوّة الاختصاص، ولما كان رسول الله ﷺ من الله بالمكان الذي لا يخفى، سلك به ذلك المسلك.
وفي هذا تمهيد وتوطئة لما نقم منهم فيما يتلوه من رفع أصواتهم فوق صوته، لأنّ من أحظاه الله بهذه الأثرة،
_________________
(١) ـ المجمل أولًا بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا﴾ [الحجرات: ٢]، وثانيًا بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ [الحجرات: ٤]، وثالثًا بقوله: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ [الحجرات: ٦]، ورابعًا بقوله: ﴿واعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٧]، وعلل كل ذلك بقوله: ﴿لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾ [الحجرات: ٧]. ثم استطرد ما فيه بيان توخي حسن المعاشرة مع الأصحاب والإخوان، وإصلاح ذات البين، والتنزه عن الفرطات من التنابز والغيبة وغير ذلك. ولما فرغ من بيان إيجاب التهيب لمجلس رسول الله ﷺ وإحلال جانبه، وشرح الصحبة مع الإخوان، شرع في بيان ما هم عليه من محافظة تقوى الله والإيمان والإسلام، وأعاد التنبيه، وأعلم المنادى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى﴾ [الحجرات: ١٣] إلى آخر السورة. قوله: (قولك: سرني زيد وحسن حاله): وعن بعضهم: الأصل أن بقول: سرني حسن حاله، وأعجبني كرمه خصوصًا، أي: له خصال محمودة كاملة، وهي معجبة لي، خصوصًا كرمه، ولكن أردت المبالغة، فذكرت اسمه اولًا. قوله: (نقم منهم): الأساس: "نقمت منه كذا: أنكرته عليه وعبته، ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨]. قوله: (بهذه الأثرة): الأثرة: اسم الاستئثار.
[ ١٤ / ٤٣٣ ]
واختصه هذا الاختصاص القوي، كان أدنى ما يجب له من التهيب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت، ويخافت لديه بالكلام. وقيل: بعث رسول الله ﷺ إلى تهامة سرية سبعة وعشرين رجلًا، وعليهم المنذر بن عمرو الساعدي، فقتلهم بنو عامر، وعليهم عامر بن الطفيل، إلا ثلاثة نفر نجوا، فلقوا رجلين من بني سليم قرب المدينة، فاعتزيا لهم إلى بني عامر، لأنهم أعز من بني سليم، فقتلوهما وسلبوهما، ثم أتوا رسول الله ﷺ فقال: «بئسما صنعتم، كانا من سليم، والسلب ما كسوتهما»، فوداهما رسول الله ﷺ، ونزلت. أي: لا تعملوا شيئًا من ذات أنفسكم حتى تستأمروا رسول الله ﷺ.
وعن مسروق: دخلت على عائشة في اليوم الذي يشك فيه، فقالت للجارية: اسقه عسلًا، فقلت: إني صائم، فقالت: قد نهى الله عن صوم هذا اليوم، وفيه نزلت.
_________________
(١) ـ قوله: (فاعتزيا لهم إلى بني عامر): يعني: أنهما انتسبا إلى بني عامر حين سئلا عن نسبهما، وظنا أن به النجاة، لأن بني عامر كانوا اعز من بني سليم. قوله: (والسلب ما كسوتهما): أي: ما سلبتم عنهما من الثبات كان لي، أنا كسوتهما، وكانت هذه الخلعة أمارة على الإسلام. قوله: (فوداهما): أي: أعطى ديتهما. قوله: (وفيه نزلت): من تمام كلام عائشة ﵄، وفي "المعالم": "روى مسروق عن عائشة: أنه في النهي عن يوم الشك، أي: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم". ومسروق: ذكره صاحب"الجامع" في عداد التابعين، وقال: "هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الكوفي، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ، وأدرك الصدر الأول من الصحابة، وكان خصيصًا بابن مسعود، روى عنه الكثير، وكانت عائشة أم المؤمنين ﵂ تبنت مسروقًا، ومات بالكوفة سنة اثنتين وستين".
[ ١٤ / ٤٣٤ ]
وعن الحسن: أنّ أناسًا ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة، فنزلت، وأمرهم رسول الله ﷺ أن يعيدوا ذبحًا آخر.
وهذا مذهب أبي حنيفة ﵁، إلا أن تزول الشمس. وعند الشافعي: يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة.
وعن الحسن أيضًا: لما استقرّ رسول الله ﷺ بالمدينة أتته الوفود من الآفاق، فأكثروا عليه بالمسائل، فنهوا أن يبتدئوه بالمسألة حتى يكون هو المبتدئ. وعن قتادة: ذكر لنا أنّ ناسًا كانوا يقولون: لو أنزل فيه كذا لكان كذا، فكره الله ذلك منهم، وأنزلها.
وقيل: هي عامة في كل قول وفعل، ويدخل فيه: أنه إذا جرت مسألة في مجلس رسول الله ﷺ لم يسبقوه بالجواب،
_________________
(١) ـ قوله: (وهذا مذهب أبي حنيفة ﵁): ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي عن البراء قال: "ذبح أبو بردة بن نيار قبل الصلاة، فقال النبي ﷺ: أبدلها، فقال: يا رسول الله، ليس عندي إلا جذعة، فقال النبي ﷺ: اجعلها مكانها، ولن تجزئ عن أحد بعدك". وفي رواية: أنه ﷺ قال: "أن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنها هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء، وكان أبو بردة بن نيار قد ذبح"، الحديث. قوله: (وقيل: هي عامة في كل قول وفعل): هذا هو الذي عليه النظم، كما قررناه.
[ ١٤ / ٤٣٥ ]
وأن لا يمشى بين يديه إلا لحاجة، وأن يستأنى في الافتتاح بالطعام.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فإنكم إن اتقيتموه عاقتكم التقوى عن التقدمة المنهي عنها، وعن جميع ما تقتضي مراقبة الله تجنبه، فإن التقيّ حذر لا يشافه أمرًا إلا عن ارتفاع الريب وانجلاء الشك في أن لا تبعة عليه فيه، …
_________________
(١) ـ فإن قلت: أي: فرق بين هذا القول وما سبق في القول الأول: "وقد جرت هذه العبارة على سنن ضرب من المجازة"؟ قلت: ذلك مجاز باعتبار التمثيل وتشبيه معقول بمحسوس كما سبق، والمفعول مقدر، كما أشار إليه بقوله: "والمعنى: أن لا تقطعوا أمر إلا بعد ما يحكمان به، ويأذنان فيه"، فلا يقدر معنى الحقيقة فيه بنحو: "وأن لا يمشى بين يديه"، وهذا مجاز باعتبار القدر المشترك، وأن الحقيقة فرد من أفراد ذلك المجاز، وإليه أومئ في أول السورة: "ويتوجه النهي إلى نفس التقدمة"، ويسمى في الأصول بعموم المجاز، وفي الصناعة بالكناية، لأنها لا تنافي إرادة الحقيقة أيضًا. قول: (وأن يستأنى): الجوهري: "تأنى في الأمر: ترفق وتنظر، واستأنى به؛ أي: انتظر به". قوله: (لا يشافه أمرًا): الأساس: "شافهت البلد والأمر: إذا دانيته". قوله: (في أن لا تبعة عليه): متعلق ب"الشك"، أي: التقي لا يداني ولا يقارب أمرًا متجاوزًا عن حالة من الأوحوال إلا عن حالة اجتهد فيها، وكشف عنها، ورفع الشك في أنه لا تبعة عليه في مباشرة ذلك الأمر، وهو مقتبس من قوله ﷺ: "لا يبلغ العبد أن يكون
[ ١٤ / ٤٣٦ ]
وهذا كما تقول لمن يقارف بعض الرذائل: لا تفعل هذا، وتحفظ مما يلصق بك العار. فتنهاه أوّلًا عن عين ما قارفه، ثم تعم وتشيع، وتأمره بما لو امتثل فيه أمرك لم يرتكب تلك الفعلة، وكل ما يضرب في طريقها ويتعلق بسببها.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لما تقولون ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تعملون، وحق مثله أن يتقى ويراقب.
[﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٢]
إعادة النداء عليهم: استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وتطرية الإنصات لكل حكم نازل، وتحريك منهم لئلا يفتروا ويغفلوا عن تأملهم وما أخذوا به عند حضور مجلس رسول الله ﷺ من الأدب.
_________________
(١) ـ من المتقين حتى يدع ما لا بأس به؛ حذرًا مما به البأس"، أخرجه الترمذي وابن ماجه عن عطية السعدي. قوله: (لا تفعل هذا، وتحفظ مما يلصق بك العار): يعني: قوله: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ مع تعليله بقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: كالتذييل لما سبق، والتوكيد لما يتضمنه بالطريق البرهاني، وإليه الإشارة بقوله: "وتأمره بما لو امتثل فيه أمرك لم يرتكب تلك الفعلة". قوله: (وكل ما يضرب في طريقها): الأساس: "وهم ضربائي، ومنه قولهم: هو ضربه وضريبه، أي: مثله"، أي: لم يرتكب تلك الفعلة وكل ما يشبهها. النهاية: "وفي حديث عمر بن عبد العزيز: "إذا ذهب هذا وضرباؤه"، وهم الأمثال". قوله: (وما أخذوا به): النهاية: "يقال: أخذ فلان بذنبه، أي: حبس وجوزي عليه"، وإنما
[ ١٤ / ٤٣٧ ]
الذي المحافظة عليه تعود عليهم بعظيم الجدوى في دينهم، وذلك أنّ في إعظام صاحب الشرع إعظام ما ورد به، ومستعظم الحق لا يدعه استعظامه أن يألو عملًا بما يحدوه عليه، وارتداعًا عما يصده عنه، وانتهاء إلى كل خير.
والمراد بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾: أنه إذا نطق ونطقتم، فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحدّ الذي يبلغه بصوته،
_________________
(١) ـ بين "ما أخذوا" بقوله: "من الأدب"؛ لأن المراد به التأدب الذي أدبهم الله في قوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، ولذلك كان "وما أخذوا" عطفًا تفسيريًا على "تأملهم"، فأراد بالأدب: التأدب؛ إطلاقًا للمسبب على السبب، أي: لا تغفلوا عن التأمل فيما أخذوا به في قوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾، لأن السابق بساط هذه الآية، ووطاء لذكرها، كما سيجيء. قوله: (تعود عليهم بعظيم الجدوى): الأساس: "عاد علينا فلان بمعروفه، وما أكثر عائدة فلان على قومه". قوله: (أن يألو عملًا): الجوهري: "ألا [الرجل] يألو، أي: قصر، وفلان لا يألوك نصحًا". قوله: (يحدوه عليه): بالحاء المهملة، وروي بالجيم وليس بشيء؛ لقوله: "وارتداعًا عما يصده عنه". النهاية: "في حديث الدعاء: "لا تحدوني عليها خلة واحدة"، أي: لا تبغثني وتسوقني عليها خصلة واحدة، وهو من حدو الإبل، فإنه من بعث الأشياء على سوقها". وتلخيصه: أنهم إذا تأدبوا بذلك الأدب وحفظوه، تكسبهم المحافظة عليه تعظيم دينهم، لأن في إعظام صاحب الشرع إعظام الدين، ومن يريد تعظيم دينه لا يخليه ذلك التعظيم أن يقصر في عمل يبعثه ويسوقه إلى الاستعظام، ولا يقصر أيضًا في ارتداع ما يمنعه عن الاستعظام، ولا يقصر أيضًا في أن ينتهي إلى كل خير لأجل ذلك الاستعظام.
[ ١٤ / ٤٣٨ ]
وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليًا لكلامكم، وجهره باهرًا لجهركم، حتى تكون مزيته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، وامتيازه عن جمهوركم كشية الأبلق غير خاف، لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتبهروا منطقه بصخبكم.
وبقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾: أنكم إذا كلمتموه وهو صامت، فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول اللين المقرّب من الهمس الذي يضادّ الجهر، كما تكون مخاطبة المهيب المعظم، عاملين بقوله عز اسمه: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩].
وقيل معنى: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ لا تقولوا له: يا محمد، يا أحمد، وخاطبوه بالنبوّة. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار حتى ألقى الله. وعن عمر ﵁: أنه كان يكلم النبي ﷺ كأخي السرار، لا يسمعه حتى يستفهمه، وكان أبو بكر إذا قدم.
_________________
(١) ـ قوله: (عاليًا لكلامكم): اللام جيء بها لضعف عمل اسم الفاعل، وكذا في "باهرًا لجهركم". الجوهري: "بهرة بهرًا، أي: غلبه"، وكذا "علوت الرجل: غلبته". قوله: (وبقوله: ﴿ولا تَجْهَرُوا﴾): عطف على قوله: "بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ ". قوله: (قال أبو بكر ﵁: ياو رسول الله، والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار): روينا عن البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن الزبير قال: "قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ، فقال أبو بكر ﵁: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر ﵁: أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت".
[ ١٤ / ٤٣٩ ]
على رسول الله ﷺ وفد، أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون، ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله ﷺ.
وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر: ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأنّ ذلك كفر، والمخاطبون مؤمنون، وإنما الغرض صوت هو في نفسه، والمسموع من جرسه: غير مناسب لما يهاب به العظماء، ويوقر الكبراء، فيتكلف الغض منه، وردّه إلى حدّ يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير.
_________________
(١) ـ وفي رواية: "كاد الخيران أن يهلكا، قال ابن الزبير: فكان عمر بعد إذا حدث [النبي ﷺ] بحديث، حدثه كأخي السرار، لم يسمعه حتى يستفهمه". قال في "الفائق": كأخي السرار: أي: كلامًا مثل المسارة وشبهها لخفض صوته، والكاف في محل النصب؛ صفة مصدر محذوف، والضمير في "لا يسمعه" يرجع إلى الكاف، و"لا يسمعه" صفة لقوله: (كأخي السرار) ". قوله: (وليس الغرض): عطف على قوله: "والمراد بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ "، يعني: أنهم وإن نهوا عن رفع الصوت والجهر، لكن لي الغرض بذلك أنهم كانوا مباشرين ما يلزم منه الاستخفاف والاستهانة برسول الله ﷺ، وكيف وهم خير الناس؟ ! بل الغرض أن التصويت بحضرته بنفسه مباين لتوقيره وتعزيزه. ويدل على هذا التأويل قوله: "ولم يتناول النهي أيضًا [رفع الصوت] الذي لا يتأذى به"، يعني: وإن كان الغرض في النهي الزجر عن التصويت نفسه، لكن ما بلغ إلى حد يحرم مطلقًا، لأنه إذا تناط به مصلحة من المصالح، ويكون مأمورًا به، كان واجبًا.
[ ١٤ / ٤٤٠ ]
ولم يتناول النهي أيضًا رفع الصوت الذي لا يتأذى به رسول الله ﷺ، وهو ما كان منهم في حرب، أو مجادلة معاند، أو إرهاب عدوّ، أو ما أشبه ذلك، ففي الحديث: أنه قال ﵊ للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: «اصرخ بالناس»، وكان العباس أجهر الناس صوتًا.
_________________
(١) ـ والحاصل: أن النهي تناول الصوت الذي يتأذى به الرسول ﷺ، وقوله: "والمسموع من جرسه" زيادة وبيان. الأساس: "ما سمعناه له جرسًا ولا همسًا، وهو الخفي من الصوت، وجرس الكلام: نغم به، والحروف كلها مجروسة إلا أحرف اللين". "إلى حد يميل به": "يميل به" صفة "حد"، وضمير الفاعل يعود عليه، والضمير في "به" عائد إلى "الصوت"، وفاعل "يستبين": "المأمور به"، والضمير في "فيه" عائد إلى "ما"، و"من التعزير" بيان المأمور به، أي: فيتكلف المكلف رد الصوت إلى حد يميل به إلى ما يظهر فيه التوقير المأمور به. قوله: (قال ﷺ للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس: "اصرخ بالناس"): روى مسلم عن العباس قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، ولزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب رسول الله ﷺ، فلم نفارقه"، وساق الحديث إلى قوله: "ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض على بغلته قبل الكفار، فقال رسول الله ﷺ: يا عباس، ناد أصحاب السمرة، فقال عباس_ وكان رجلًا صيتًا_: قفلت بأعلى صوتي: أين أحصاب السمرة، قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا بصوتي عطفة البقر على أولادها" الحديث وكنية العباس في "الاستيعاب" و"الجامع": أبو الفضل.
[ ١٤ / ٤٤١ ]
يروى: أنّ غارة أتتهم يومًا، فصاح العباس: يا صباحاه، فأسقطت الحوامل لشدّة صوته. وفيه يقول نابغة بني جعدة:
زجر أبي عروة السّباع إذا أشفق أن يختلطن بالغنم
زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم، فيفتق مرارة السبع في جوفه.
وفي قراءة ابن مسعود: "لا ترفعوا بأصواتكم"، والباء مزيدة محذوّ بها حذو التشديد في قول الأعلم الهذلي:
رفعت عيني بالحجا … ز إلى أناس بالمناقب
وليس المعنى في هذه القراءة: أنهم نهوا عن الرفع الشديد؛
_________________
(١) ـ قوله: (يا صباحاه): هذه كلمة يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا للغارة، لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح، فكأنه يقول: يا صباحاه، قد غشينا العدو. قوله: (رفعت عيني بالحجاز إلى أناس بالمناقب): التشديد في "رفعت" للمبالغة، والمناقب: اسم موضع، واتفق أن ابن مسعود كان هذليًا والأعلم كذا، روي عن المصنف: أن كلا الأعلمين كانا هذليين، ابن مسعود أعلم؛ من العلم، والثاني: اسمه أعلم؛ لكونه مقطوع الشفة. قوله: (وليس المعنى في هذه القراءة): يعني: في قراءة ابن مسعود، أي: أن الباء دلت على
[ ١٤ / ٤٤٢ ]
تخيلًا أن يكون ما دون الشديد مسوغًا لهم، ولكن المعنى: نهيهم عما كانوا عليه من الجلبة، واستجفاؤهم فيما كانوا يفعلون.
وعن ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان في أذنه وقر، وكان جهوري الصوت، فكان إذا تكلم رفع صوته، وربما كان يكلم رسول الله ﷺ، فيتأذى بصوته. وعن أنس: أن هذه الآية لما نزلت فقد ثابت، فتفقده رسول الله ﷺ، فأخبر بشأنه، فدعاه، فسأله، فقال: يا رسول الله، لقد أنزلت إليك هذه الآية، وإني رجل جهير الصوت، فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال له رسول الله ﷺ: "لست هناك، إنك تعيش بخير، وتموت بخير، وإنك من أهل الجنة".
_________________
(١) ـ المبالغة؛ لأنها مثل التشديد في "رفعت"، وهو للمبالغة، فدل دليل الخطاب على جواز رفع الصوت دون الشديد لكن الآية نازلة في شأن قوم لهم الجلبة والاستجفاء والغلظة، ونهيهم عما كانوا عليه، نحوه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]. قوله: (في ثابت بن قيس): روى البخاري ومسلم عن أنس: لما نزلت هذه الآية جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ، فقال: "يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ " قال سعد: إنه جاري، وما علمت له بشكوى، فأتاه سعد، فقال: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "بل هو من أهل الجنة". قوله: (لست هناك): كناية عن نزاهته عما ظن في نفسه.
[ ١٤ / ٤٤٣ ]
وأمّا ما يروى عن الحسن: أنها نزلت فيمن كان يرفع صوته من المنافقين فوق صوت رسول الله ﷺ: فمحمله -والخطاب للمؤمنين- على أن ينهى المؤمنون ليندرج المنافقون تحت النهي؛ ليكون الأمر أغلظ عليهم وأشق.
وقيل: كان المنافقون يرفعون أصواتهم ليظهروا قلة مبالاتهم، فيقتدي بهم ضعفة المسلمين.
وكاف التشبيه في محل النصب، أي: لا تجهروا له جهرًا مثل جهر بعضكم لبعض. وفي هذا: أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقًا، حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة، أعني: الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوّة وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرتب، وإن جلت عن رتبتها.
_________________
(١) ـ قوله: (فمحمله): جواب "أما"، و"على أن ينهى" متعلق ب"محمله" خبرًا، و"الخطاب للمؤمنين" جملة اعتراضية. قوله: (ليكون الأمر أغلظ): وذلك من إفادة التعريض التوبيخي، كأنهم ليسوا ممن يستحقون المخاطبة، لأنهم بعداء مطرودين تحقيرًا بشأنهم، وازدراء بحالهم، كقوله تعالى لعيس ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. قوله: (بمماثلة ما قد اعتادوه منه): الضمير في "اعتادوه" عائد إلى "ما"، و"منه" بيان، والضمير فيه للجهر، أي: الجهر المشابه لما اعتادوه فيما بينهم. قوله: (وهو الخلو من مراعاة ابهة النبوة وجلالة مقدارها): نظر إلى تخصيص ذكر "النبي" في قوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾. انظر - أيها المتأمل - في استقرار هذه
[ ١٤ / ٤٤٤ ]
﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ﴾ منصوب الموضع، على أنه مفعول له، وفي متعلقه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بمعنى النهي، فيكون المعنى: انتهوا عما نهيتم عنه لحبوط أعمالكم، أي: لخشية حبوطها، على تقدير حذف المضاف، كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. والثاني: أن يتعلق بنفس الفعل، ويكون المعنى: أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط، لأنه لما كان بصدد الأداء إلى الحبوط، جعل كأنه فعل لأجله، وكأنه العلة والسبب في إيجاده على سبيل التمثيل، كقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ [القصص: ٨].
_________________
(١) ـ الكلمة في مقام التبجيل والتعظيم، ثم انظر إلى لفظ" رسوله" في قوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ في مقام الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة؛ لتقف على سر قوله ﷺ: "لا، والنبي الذي أرسلت"، فيما رويناه في "صحيح البخاري" عن البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به"، قال: فرددتها على النبي ﷺ، فلما بلغت: "آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت"، قلت: "ورسولك"، قال: "لا، ونبيك الذي أرسلت". النهاية: "إنما رد عليه ليختلف اللفظان، ويجمع له الثنائين؛ معني النبوة والرسالة، ويكون تعديدًا للنعمة في الحالتين، وتعظيمًا للمنة على الوجهين. والرسول أخص من النبي، لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، وقيل: النبي: مشتق من النباوة، وهو الشيء المرتفع". وقلت: هذا المعنى أنسب فيما نحن بصدده، والله أعلم. قوله: (على سبيل التثميل): أي: تشبيه الحال بالحال، فإن فعلهم لما أدى إلى الحبوط، فكأنهم قصدوا لأجله، كقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وقوله: "لأجل الحبوط" متعلق بقوله: "فعلوه"، أي: فعلوا رفع الصوت لأجل الحبوط.
[ ١٤ / ٤٤٥ ]
فإن قلت: لخص الفرق بين الوجهين. قلت: تلخيصه: أن يقدر الفعل في الثاني مضمومًا إليه المفعول له، كأنهما شيء واحد، ثم يصب النهى عليهما جميعًا صبًا، وفي الأوّل: يقدر النهي موجهًا على الفعل على حياله، ثم يعلل له منهيًا عنه.
فإن قلت: بأي النهيين تعلق المفعول له؟ قلت: بالثاني عند البصريين، مقدرا إضماره عند الأوّل، كقوله: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]، وبالعكس عند الكوفيين، وأيهما كان: فمرجع المعنى إلى أنّ الرفع والجهر كلاهما منصوص أداؤه إلى حبوط العمل.
وقراءة ابن مسعود: "فتحبط أعمالكم": أظهر نصًّا بذلك، لأنّ ما بعد الفاء لا يكون إلا مسببًا عما قبله، فيتنزل الحبوط من الجهر منزلة الحلول من الطغيان في قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١].
_________________
(١) ـ قوله: (تلخيصه: أن يقدر الفعل في الثاني) إل آخره: تلخيصه ما قال صاحب" التقريب": "والفرق أن الفعل المهني معلل في الأول، والفعل المعلل منهي في الثاني"، وعن بعضهم: "إذا رفعتم حبطت أعمالكم، فالحبط نتيجة في الوجه الثاني، وفي الوجه الأول: ﴿أَنْ تَحْبَطَ﴾ تعليل للنهي لا للفعل نفسه، كأنه قيل: لم تنهانا؟ فقيل: خيفة حبط الأعمال، أو: لم لا نرفع؟ فقيل: أن تحبط". قوله: (ثم يعلل له): الفعل سند إلى الجار والمجرور، والضمير المجرور للفعل، و"منهيًا" حالي منه، أي: يعلل الفعل حال كونه منهيًا عنه. قوله: (في قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾) يعني: قرأ الكسائي: "فيحل" بضم الحاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾، والمعنى: لا يكن منكم طغيان، فحلول غضب مني. وكذا ها هنا: لا يكن منكم رفع الصوت، فحبوط عمل مني.
[ ١٤ / ٤٤٦ ]
والحبوط: من: حبطت الإبل: إذا أكلت الخضر فنفخ بطونها، وربما هلكت، ومنه قوله ﵊: «وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطًا، أو يلم»،
_________________
(١) ـ وهذه الفاء عند البصريين تنصب بإضمار "أن" بشرطين: أحدهما: السببية، والثاني: أن يكون قبلها أمر أو نهي أو استفهام أو نفي أو تمن أو ترج، وهي في الحقيقة عاطفة ما بعدها بتأويل المصدر على مصدر ما قبلها، فيقدر فيه "أن" لتعذر غيرها، لا أنها ناصبة بنفسها. ثم قوله: ﴿وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ تتميم للمعنى، وإعلام بأن النبي ﷺ ينبغي أن يجل ويعظم غاية الإجلال والإعظام، وأنه قد يفعل الشيء مما لا يشعر به في أمر النبي ﷺ، فيكون ذلك مهلكًا لفاعله وقائله، ولذلك قال بعض الفقهاء: من لم يحتشم في كلامه بحضرة الرسالة، وبدر منه ما ينبئ عن أدنى نقص، وجب قتله. وهو مذهب مالك وأصحابه، ﵃. قوله: (وإن مما ينبت الربيع): روينا عن البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد قال: "جلس رسول الله ﷺ على المنبر، فقال: أن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها، فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله؟ فسكت رسول الله ﷺ، ورأينا أنه ينزل عليه، فأفاق يسمح عنه الرخصاء"، وفي رواية: "أين السائل آنفًا؟ أن الخير لا يأتي إلا الخير، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم، إلا آكلة الخضر، فإنها أكلت، حتى إذا امتد خاصر تاها استقبلت عين الشمس، فثلطت ومالت، ثم رتعت، وإن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل _أو كما قال رسول الله ﷺ، وإن من يأخذه بغير حقه، كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة".
[ ١٤ / ٤٤٧ ]
ومن أخواته: حبجت الإبل: إذا أكلت العرفج فأصابها ذلك.
_________________
(١) ـ الشرح: الرحضاء: عرق يغسل الجلد لكثرته، ويستعمل في مرض الحمى، "أو يلم": أي: يقرب ويدنو من الهلاك، " الثلط": الرجيع الرقيق، يقال: حبطت الدابة حبطًا_بالتحريك_: إذا أصابت مرعى طيبًا، فأفرطت حتى تنفخت وماتت، وذلك أن الربيع ينبت أحرار العشب، فتستكثر منه الماشية لا ستطابتها، فيؤدي إلى الهلاك أو يقاربه، و"الخضر"_ بكسر الضاد_: نوع من البقول، ليس من أحرارها وجيدها، وإنما ترعاها المواشي إذا لم تجد سواها، فلا تكثر منها، ولا تستمرئها. ضرب صلوات الله عليه في الحديث مثلين: أحدهما للمفرط في جمع الدنيا والمنع من حقها، والآخر للمقتصد في أخذها للنفع، فقوله: "أن مما ينبت الربيع": مثل للمفرط الذي يأخذ الدنيا بغير حقها، ويمنعها مستحقها، فإنه تعرض للهلاك في الآخرة بدخول النار، وفي الدنيا بأذى الناس له، وحسدهم إياه، وقوله: "إلا آكلة الخضر": مثل للمقتصد في جمع المال من حقه، فإنه بنجوة من وبالها. فقوله: "وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطًا": ما" الأولى: موصولة، والثانية: موصوفة، أي: وإن الذي ينبته الربيع لشيء يقتل حبطًا؛ مصدر لا من فعله، لأنه في معنى القتل. أما قوله: "أو كما قال": فقال محيي الدين النواوي: "ينبغي لمن يروي حديثًا بالمعنى أن بقول عقبه: "أو كما قال"، "أو نحو هذا"، أو ما أشبه هذا من الألفاظ، روي هذا عن عبد الله ابن مسعود وأبي الدرداء وأنس وغيرهم". قوله: (حبجت الإبل): النهاية: "في حديث ابن الزبير: "إنا لا نموت حبجًا على
[ ١٤ / ٤٤٨ ]
وأحبض عمله: مثل أحبطه، وحبط الجرح وحبر: إذا غفر، وهو نكسه وتراميه إلى الفساد.
جعل العمل السيئ في إضراره بالعمل الصالح كالداء والحرض لمن يصاب به، أعاذنا الله من حبط الأعمال، وخيبة الآمال.
وقد دلت الآية على أمرين هائلين: أحدهما: أن فيما يرتكب من يؤمن من الآثام ما يحبط عمله. والثاني: أن في آثامه ما لا يدرى أنه محبط، ولعله عند الله كذلك، فعلى المؤمن أن يكون في تقواه كالماشي في طريق شائك لا يزال يحترز ويتوقى ويتحفظ.
_________________
(١) ـ مضاجعنا، كما يموت بنو مروان": الحبج_ بفتحتين_: أن يأكل البعير لحاء العرفج، ويسمن عليه، وربما بشم منه فقتله، عرض بهم لكثرة أكلهم وإسرافهم في ملاذ الدنيا، وأنهم يموتون بالتخمة". قوله: (والحرض): بالحاء المهملة، النهاية: "أحرضه المرض: إذا أفسد بدنه وأشفى على الهلاك". قوله: (وقد دلت الآية على أمرين هائلين): الانتصاف: "الزمخسري يعتقد أن الكبائر محبطة للأعمال موجبة للخلود في النار، وأخذ من هذه الآية: أن رفع الصوت بين يدي النبي ﷺ معصية لا تبلغ الشرك، وقد جعلها محبطة، وخوف العباد من إحباط الأعمال. وجوابه: أن المراد النهي عن رفع الصوت على الإطلاق، والحذر عما يتوقع منه من إيذاء النبي ﷺ، وإيذاؤه كفر محبط للعمل، فنهى عن رفع الصوت محذوًا فيه عما يؤول إليه، ولو كان الأمر على ما يعتقده الزمخشري لم يكن لقوله: ﴿وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ معنى؛ إذ الأمر منحصر في أن يكون كفرًا محبطًا لكونه مؤذيًا، أو غير مؤذ فيكون محبطًا على رأيه، والإحباط واقع على كل حال. وكلامنا هذا مرتب على مقدمتين: الأولى: أن رفع الصوت مما يحصل فيه الأذى، وهو
[ ١٤ / ٤٤٩ ]
[﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ٣]
﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾ من قولك: امتحن فلان لأمر كذا، وجرب له، ودرب للنهوض به، فهو مضطلع به غير وانٍ عنه. والمعنى: أنهم صبر على التقوى، أقوياء على احتمال مشاقها.
أو: وضع الامتحان موضع المعرفة، لأنّ تحقق الشيء باختباره، كما يوضع الخبر موضعها، فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم للتقوى، وتكون اللام متعلقة بمحذوف، واللام هي التي في قولك: أنت لهذا الأمر، أي: كائن له ومختص به، قال:
أنت لها -أحمد- من بين البشر
_________________
(١) ـ أمر مشاهد، حتى أن الشيخ يتأذى برفع صوت التلميذ، فكيف برتبة النبوة وما تستحقه من الإجلال ولإعظام. الثانية: أن إيذاء النبي ﷺ كفر". وقلت: ويمكن أن يقال: أن مقام التعريض التوبيخي_ كما سبق_ اقتضى المبالغة، واستدعى أن ينزل أذاهم رسول الله ﷺ برفع الصوت منزلة الكفر تغليظًا؛ إجلالًا لمجلسه صلوات الله عليه، ثم يترتب عليه ما ترتب على الكفر الحقيقي من الإحباط، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، معنى: ﴿وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ على هذا: أنتم لا تشعرون أن ذلك بمنزلة الكفر المحبط، وليس كسائر المعاصي. قوله: (أنت لها_ أحمد_ من بين البشر): أوله: وقصيدة رائقة ضوعتها
[ ١٤ / ٤٥٠ ]
أعدّاء من لليعملات على الوجى؟
وهي مع معمولها منصوبة على الحال. أو: ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى، أي: لتثبت وتظهر تقواها، ويعلم أنهم متقون؛ لأن حقيقة التقوى لا تعلم إلا عند المحن والشدائد والاصطبار عليها.
_________________
(١) ـ أي: معجبة، راقني الشيء: أعجبني. وعن بعضهم: "أحمد": يجوز أن يكون أفعل التفصيل، وأن يكون علمًا، أي: أنت يا أحمد كائن لها ومختص بها. قوله: (أعداء من لليعملات على الوجى): تمامه: وأضياف ليل بيتوا لنزول؟ وفي بعض النسخ من المتن: "أعداء"، الهمزة للنداء، وهو اسم رجل يرثيه، يقول تحسرًا وتوجعًا: من يؤدي الأضياف، وقد بهرهم السعي، وأتعبهم الطلب، ومن ينزل السفر، وقد أرمتهم النوق السراع إلى المهالك، حتى حفيت نعالهم، أي: من يخلص اليعملات من الوجى بأن ينزل صاحبها، ويقصي مهامه، فيتخلص من السير. قوله: (وهي مع معمولها منصوبة على الحال): التقدير: كائنة للتقوى، و"هي" أي: المحذوف، " مع معمولها" أي: التقوى، وإنما أنثه لأنه بمعنى"محصلة" أو" مختصة".
[ ١٤ / ٤٥١ ]
وقيل: أخلصها للتقوى؛ من قولهم: امتحن الذهب وفتنه: إذا أذابه، فخلص إبريزه من خبثه ونقاه. وعن عمر ﵁: أذهب الشهوات عنها.
_________________
(١) ـ قوله: (من قولهم: امتحن الذهب): فسر ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ بوجوه: أحدها: أنه من الكناية التلويحية، عبر عن كونهم مغرقين في التقوى كاملين فيها بقوله: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾، لأن الامتحان والتجربة يوجب مزاولة الأمر ومعالجته مرة بعد أخرى، وذلك يوجب التمرن فيه، والمتمرن مضطلع فيه، وفي المثل: "أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب"، فعلى هذا: مجاز الآية راجع إلى العباد، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. وثانيها: أنه من إطلاق السبب على المسبب، فإن الامتحان سبب المعرفة، وهو المراد من قوله: "لأن تحقق الشيء باختباره"، وهو لوجهين: أحدهما: أن اللام في "التقوى" صلة محذوف، وهو حال من المفعول، وهو ﴿قُلُوبَهُمْ﴾. وثانيها: أن تكون اللام للتعليل، والمعنى: وضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى، وإثبات العلم هنا كإثباته في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، قال: "وليعلمهم علمًا يتعلق به الجزاء"، ومن ثم عقبه بقوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، فتكون "أو ضرب الله" عطفًا على "عرف الله".
[ ١٤ / ٤٥٢ ]
_________________
(١) وثالثها: أن يكون تمثيلًا، شبة خلوص قلوبهم عن شوائب الكدورات النفسانية، وتصرع دواعيهم عن اللذات الشهوانية بعد طول المجاهدات ومقاساة المكابدات، بخلوص الذهب الإبريز الذي عرض على النار، ونقي من الخبث والزبد الذي يذهب جفاء. قال الواحدي: "تقدير الكلام: امتحن الله قلوبهم فأخلصها للتقوى، فحذف "الإخلاص" لدلاله" الامتحان" عليه، ولهذا قال قتادة: أخلص الله قلوبهم". وقلت: هذا الوجه أنسب؛ لأن الكلام وارد في مدح أولئك السادة الكرام، وفي التعريض ممن لسوا على وصفهم، ومن ثم قال في فاصلة الآية السابقة: ﴿وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾، واللاحقة: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ فإن قلت: ذهبت في ما مر أن اختصاص "النبي" بالذكر في الآية الثانية لتبجيل جانب الرسول ﷺ، وذكر"رسوله" في الأولى لأجل الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة، فلم خولف ورجع في الثالثة إلى ما بدئ به؟ قلت: ليؤذن بأفضال الله في حق أولئك الكلمة، وتأديبه إياهم، وأنهم إنما غضوا أصواتهم عند رسول الله، ولم يرفعوا بها مثل أولئك؛ لأن الله زين باطنهم باكتساء لباس التقوى، حتى سرى إلى ظاهرهم بالتأدب بين يدي المولى، ومن أرسله إليهم وأكرمهم به، ومن ثم نسب ﴿امْتَحَنَ﴾ إلى الله تعالى، وجيء به ماضيًا، وأسند ﴿يَغُضُّونَ﴾ إليهم، وأتي به مضارعه دالًا به على الاستمرار، كأنه قيل: أن الذين دأبهم وعادتهم التأدب في حضرة الرسالة إنما
[ ١٤ / ٤٥٣ ]
والامتحان: افتعال؛ من: محنه، وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد، قال أبو عمرو: كل شيء جهدته فقد محنته، وأنشد:
أتت رذايا باديًا كلالها قد محنت واضطربت آطالها
قيل: أنزلت في الشيخين ﵄، لما كان منهما من غض الصوت والبلوغ به أخا السرار.
وهذه الآية -بنظمها الذي رتبت عليه؛ من إيقاع الغاضين أصواتهم اسمًا لـ"إنّ" المؤكدة، وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معًا؛ والمبتدأ: اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وإيراد الجزاء نكرة مبهمًا أمره -ناظرة في الدلالة على غاية الاعتداد والارتضاء لما فعل الذين وقروا رسول الله ﷺ من خفض أصواتهم، وفي الإعلام بمبلغ عزة رسول الله ﷺ، وقدر شرف منزلته، وفيها تعريض بعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم، واستيجابهم ضد ما استوجب هؤلاء.
_________________
(١) ـ اختصوا به؛ لأته تعالى هو الذي أدبهم بإرسال الرسول ﷺ، وإنزال الكتاب والحكمة، حتى هذبوا هذا التهذيب. قوله: (أتت رذايا) البيت: الرذية: الناقة المهزولة من السير، والجميع: الرذايا، والمذكر: رذي، و"الإطل": الخاصرة، والجمع: الآطال. قوله: (وهذه الآية): يعنى قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾، فقوله: "هذه الآية" مبتدأ موصوف، والخبر قوله: "ناظرة"، و"بنظمها" متعلق بـ"ناظرة"، أي: هذه الآية دالة بواسطة نظمها على غاية الاعتداد. وفي تلك القيود التي ذكرها إشارة إلى خواص تضمنها التركيبان.
[ ١٤ / ٤٥٤ ]
[﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٤ - ٥]
والوراء: الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف أو قدام، و﴿مِن﴾ لابتداء الغاية، وأنّ المناداة نشأت من ذلك المكان.
_________________
(١) ـ أما التركيب الأول_ وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ إلى قوله ﴿لِلتَّقْوَى﴾ - ففيه خواص: إحداها: إيقاع "الغاضين أصواتهم" اسمًا لـ"إن" المؤكدة، وفائدته توكيد مضمون الجملة وتقريره، مع تصوير ما كان يصدر من أولئك الكلمة في حضرة الرسالة من التأديب الله. نحوه في التقرير: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ [يوسف: ٢٣]. وثانيها: تصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر، وفائدته الحصر المستفاد من تعريفها، نحو: زيد المنطلق، يعني: هم الذين شرفهم الله تعالى بإخلاص القلوب دون غيرهم، تعريضًا بأولئك الذين لم يعضوا أصواتهم. وثانيها: إيقاع المبتدأ الثاني اسم إشارة؛ ليؤذن بأن من سبق ذكره إنما امتحن الله قلوبهم لأنهم اكتسبوا تلك الفضيلة بها. وأما التركيب الثاني ففيه فائدتان: إحداهما: قطعها عن الجملة الأولى، فأخلاها عن الرابط اللفظي_ وهو الفاء_ لتحرك أريحية السامع، وتحمله على: ما جزاء أولئك السادة في العقبى، ليضم مع اختصاصهم بهذه المنقبة الأسنى؟ فيجاب: بأن لهم عند الله القربى والزلفى. وثانيتهما: تنكير" المغفرة" ليدل على ضرب عظيم في بابه، لا يكتنه كنهه، ولا يقادر قدره. لله در المصنف في إبراز هذه المحاسن، وفي إرشاده إلى جهات تلك النكات. قوله: (بطلله): الجوهري: "يقال: حيا الله طللك، وطلالتك، يعني: شخصك"، فقوله:
[ ١٤ / ٤٥٥ ]
فإن قلت: أفرق بين الكلامين؛ بين ما تثبت فيه وما تسقط عنه؟ قلت: الفرق بينهما: أنّ المنادي والمنادى في أحدهما يجوز أن يجمعهما الوراء، وفي الثاني: لا يجوز لأنّ الوراء تصير بدخول "من" مبتدأ الغاية، ولا يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى لفعل واحد، والذي يقول: ناداني فلان من وراء الدار، لا يريد وجه الدار ولا دبرها،
_________________
(١) ـ "يواريها عنك الشخص بطله": معناه: يخفيها ذو طلل بطلله. والجوهري: "واريت الشيء: إذا أخفيته، وتوارى هو: استتر، ووراء: بمعنى: خلف، وقد يكون بمعنى: قدام، وهي من الأضداد، قال الأخفش: يقال: لقيته من وراء، فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف". قوله: (أفرق بين الكلامين): على الأمر، أي: أفرق بين كلام تثبت فيه"من" وكلام تسقط منه" من". قوله: (أن المنادى في أحدهما يجوز أن يجمعها الوراء، وفي الثاني: لا يجوز) إلى آخره: هذا الفرق ظاهر، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن المبتدأ والمنتهى: إما المنادى_ على ما هو التحقيق_ أو الجهة، فإن كان الأول جاز أن يجمعهما "لوراء" في إثبات "من" وفي إسقاطه؛ لتغاير المبتدأ والمنتهى، وإن كان الثاني فالجهة: إما ذات أجزاء أو عديمة الأجزاء، فإن كان الأول جاز أن يجمعهما في إثبات"من" أيضًا باعتبار أجزاء الجهة، وإن كان الثاني لم يجز أن يجمعهما؛ لا في إثبات"من" ولا في إسقاطه لاتحاد المورد، والتحقيق أن الفعل يبتدئ من الفاعل، وينتهي إلى المفعول، ويقع في الظرف، وأن "من وراء الحجرة" و"وراءها" كلاهما ظرف، كصليت من خلف الإمام وخلفه، ومن قبل اليوم وقبله، ومعنى الابتداء غير محقق، والفرق تعسف.
[ ١٤ / ٤٥٦ ]
_________________
(١) فيقال: لا بد من الفرق؛ صونًا لكلام الله من العبث، لاسيما قد في تقرر في أول البقرة عند قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]: أن صاحب المعاني يعتبر حروف الصلات، وينظر إلى مواقعها، ولا ارتياب أن"وراء" من الظروف المبهمة، فبدخول "من" يتعين له ابتداء، وهو من الأمور النسبية، فلا بد له من الانتهاء، وأن يكون المنتهى مكانًا غير المكان الذي نشأ منه النداء، وهو الجهة المسماة ب"الوراء"، إذ كل جزء من أجزائه يصدق أنه منشأ النداء، فجعل تلك الجهة نفس المنتهى يلزم أن يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى. وتحرير المعنى: أنه لو قيل: "ينادونك وراء الحجرات" لكان الغرض في الإيراد إنكار أنهم كانوا ينادونه وراء الحجرات، وفهم منه أنهم لو نادوه في غير تلك الجهة لم تكن منكرًا، ولكن الغرض في الإنكار أنهم كانوا ينادونه من الخارج، وهو في الحجرة، فأريد إنكار هذه الصورة المنكرة الواقعة خصوصًا، فزيد"من" لتدل على الابتداء والانتهاء، وأنهم خارجون، وهو_ صلوات الله عليه_ داخل، وإليه الإشارة بقوله: "والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أن النداء وقع" إلى آخره. ونظيره ما سبق قبل هذا في قراءة ابن مسعود: "لا ترفعوا بأصواتكم فوق صوت النبي": أن في زيادة الباء الدلالة على النهي كما كانوا عليه من الجلبة، وسبق بيانه. ويؤيده قول القاضي: " ﴿مِنْ﴾ ابتدائية، فإن المناداة نشأت من جهة الوراء، وفائدتها: الدلالة أن المنادي داخل الحجرة، إذ لا بد أن يخلف المبتدأ والمنتهى بالجهة".
[ ١٤ / ٤٥٧ ]
ولكن أي قطر من أقطارها الظاهرة كان مطلقًا بغير تعيين واختصاص، والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أنّ النداء وقع منهم في أدبار الحجرات أو في وجوهها، وإنما أنكر عليهم أنهم نادوه من البرّ والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض، من غير قصد إلى جهة دون جهة.
والحجرة: الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، وحظيرة الإبل تسمى: الحجرة، وهي فعلة، بمعنى: مفعولة، كالغرفة والقبضة، وجمعها: الحجرات؛ بضمتين، والحجرات؛ بفتح الجيم، والحجرات؛ بتسكينها، وقرئ بهنّ جميعًا. والمراد: حجرات نساء رسول الله ﷺ، وكانت لكل واحدة منهنّ حجرة.
ومناداتهم من ورائها: يحتمل أنهم قد تفرّقوا على الحجرات متطلبين له، فناداه بعض من وراء هذه، وبعض من وراء تلك، وأنهم قد أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها، وأنهم نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالًا لرسول الله ﷺ، ولمكان حرمته.
والفعل وإن كان مسندًا إلى جميعهم، فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم، وكان الباقون راضين، فكأنهم تولوه جميعًا، فقد ذكر الأصم: أنّ الذي ناداه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس.
_________________
(١) ـ قوله: (الحجرات؛ بضمتين): وهي المشهورة، قال الزجاج: "تقرأ ﴿الْحُجُرَاتِ﴾ بضم الجيم، ويجوز بتسكينها، ولا أعلم أحدًا قرأ به، وواحد "الحجرات": حجرة، والفتح بدل من الضمة لثقل الضمتين". قوله: (ولكنها جمعت إجلالًا): عن بعضهم: قولك: "في مجالسك" أبلغ من قولك: "في مجلسك"، كأن الجمع يبطل خصوصية حجرة دون حجرة.
[ ١٤ / ٤٥٨ ]
والإخبار عن أكثرهم بأنهم لا يعقلون: يحتمل أن يكون فيهم من قصد بالمحاشاة، ويحتمل أن يكون الحكم بقلة العقلاء فيهم قصدًا إلى نفي أن يكون فيهم من يعقل، فإنّ القلة تقع موقع النفي في كلامهم.
وروي: أن وفد بني تميم أتوا رسول الله ﷺ وقت الظهيرة وهو راقد، فجعلوا ينادونه: محمد، اخرج إلينا، فاستيقظ فخرج، ونزلت. وسئل رسول الله ﷺ عنهم فقال: «هم جفاة بني تميم،
_________________
(١) ـ قوله: (من قصد بالمحاشاة): أي: استثنى بـ ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾، فإنه يدل على أن بعضهم لم يكونوا كذلك. الأساس: "أساؤوا حاشى فلانًا، وأنا أحاشيك من كذا، وقال: وما أحاشي من الأقوام من أحد" معناه: ويحتمل أن يكون في القوم من قصد استثناؤه وإخراجه من الحكم، بقلة العقل، ف"أكثرهم" استثناء معنوي، قال صاحب" التقريب": وإنما قال: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾؛ لأن البعض قد يعقل. قوله: (فإن القلة تقع موقع النفي): قال الحماسي: قليل التشكي للمهم يصيبه أي: عديم التشكي.
[ ١٤ / ٤٥٩ ]
لولا أنهم من أشدّ الناس قتالًا للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم».
فورود الآية على النمط الذي وردت عليه: فيه مالا يخفى على الناظر؛ من بينات إكبار محل رسول الله ﷺ وإجلاله، منها: مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به بالسفه والجهل، لما أقدموا عليه، ومنها: لفظ "الحجرات" وإيقاعها كناية عن موضع خلوته. ومقيله مع بعض نسائه، ومنها: المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي تبين به ما استنكر عليهم، ومنها: التعريف باللام دون الإضافة، ومنها: أن شفع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم وقلة ضبطهم لمواضع التمييز في المخاطبات،
_________________
(١) ـ قوله: (لولا أنهم من أشد الناس قتالًا للأعور الدجال): وفي رواية البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "وهم_ يعني: بني تميم_ أشد أمتي على الدجال". قوله: (المرور على لفظها): أي: لفظ الحجرات، والأساس: "مررت به وعليه مرًا مرورًا، ومر الأمر واستمر: مضى"، يعني: قال: ﴿الْحُجُرَاتِ﴾ ومضى عليه، يعني: ما زاد عليه، ولم يقل: حجرات نسائك، بل اكتفى بالقدر من الكناية لئلا توحشه، لأنها تكفي لمن يقف على الرمز والإشارة الخفية في أن النداء في هذه الآية أمر منكر. قوله: (التعريف باللام دون الإضافة): أي: لم يقل: "من وراء حجراتك"؛ لأن المراد المعهود الذهني، يعني: لا يلتبس أن مثل هذا التعظيم لا يكون في حجرات سائر الناس. قوله: (أن شفع ذمهم باستجفائهم): أي: قرن ذمهم ذلك، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن ورَاءِ الحُجُرَاتِ﴾، بقوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾، فأوقع قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ خبرًا لـ"إن" واسمها الموصولة المشتملة على الصلة المشعرة بأن خبرها مما يستهجن منه، ويد من صدر منه النداء من وراء الحجرات بالجافي الغليظ وقلة العقل، وإنما فعل ذلك ليسلي
[ ١٤ / ٤٦٠ ]
تهوينًا للخطب على رسول الله ﷺ، وتسلية له، وإماطة لما تداخله من إيحاش تعجرفهم وسوء أدبهم، وهلم جرًّا من أوّل السورة إلى آخر هذه الآية.
فتأمّل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى الله ورسوله متقدّمة على الأمور كلها من غير حصر ولا تقييد، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم؛ من رفع الصوت والجهر، كأن الأوّل بساط للثاني ووطاء لذكره، ثم ذكر ما هو ثناء على الذين تحاموا ذلك، فغضوا أصواتهم؛ دلالة على عظيم موقعه عند الله، ثم جيء على عقب ذلك بما هو أطم، وهجنته أتم؛ من الصياح برسول الله ﷺ في حال خلوته ببعض حرماته من وراء الجدر، كما يصاح بأهون الناس قدرًا؛ لينبه على فظاعة من أجروا إليه وجسروا عليه؛
_________________
(١) ـ رسول الله ﷺ ما كان يلحقه من الوحشة من سوءاتهم، فقيل له: هون عليك، واعف عنهم، فإن أكثرهم لا يعقلون، إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة، لا سيما لمن كان بهذا المنصب. قوله: (تعجرفهم): الجوهري: "جمل فيه عجرفة: كأن فيه خرقًا وقلة مبالاة لسرعته". الأساس: "في كلامه عجرفة وتعجرف، أي: جفوة". قوله: (من غير حصر ولا تقييد): تفسير للحصر، أراد الإبقاء على الإطلاق، نحو: فلان يعطي ويمنع. وقد سبق بيانه في أول السورة. قوله: (ما أجروا إليه): أي: سبقوا إليه، قال الحماسي: هم قطعوا الأرحام بيني وبينهم وأجروا إليها واستحلوا المحارما قال المرزوقي: "الإجراء يستعمل في المنكر المذموم، ومفعوله محذوف، كأنه قيل: أجروا فعلهم إليها".
[ ١٤ / ٤٦١ ]
لأنّ من رفع الله قدره على أن يجهر له بالقول حتى خاطبه جلة المهاجرين والأنصار بأخي السرار، كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ من التفاحش مبلغًا، ومن هذا وأمثاله يقتطف ثمر الألباب، وتقتبس محاسن الآداب، كما يحكى عن أبي عبيد -ومكانه من العلم والزهد وثقة الرواية ما لا يخفى- أنه قال: ما دققت بابًا على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه.
﴿أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ في موضع الرفع على الفاعلية، لأنّ المعنى: ولو ثبت صبرهم. والصبر: حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها، قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]، وقولهم: صبر عن كذا، محذوف منه المفعول،
_________________
(١) ـ قوله: (عن أبي عبيد): عن بعضهم: هو القاسم بن سلام الكوفي، وأبو عبيدة: معمر بن المثنى التيمي، كان أستاذًا لأبي عبيد. قوله: (لأن المعنى: ولو ثبت صبرهم): قال القاضي: "المعنى: لو ثبت انتظارهم حتى تخرج، فإن "أن" دلت بما في حيزها على المصدر، ودلت بنفسها على الثبوت، ولذلك وجب إضمار الفعل". قوله: (عن أن تنازع إلى هواها): الجوهري: "نزع إلى أهله ينزع نزاعًا، أي: اشتاق، وأنزع القوم: إذا نزعت إبلهم إلى أوطانها". قوله: (صبر عن كذا): محذوف فيه المفعول، ويروى: "على كذا"، يقال: صبر عليه، أي: نفسه.
[ ١٤ / ٤٦٢ ]
وهو النفس، وهو حبس فيه شدّة ومشقة على المحبوس، فلهذا قيل للحبس على اليمين أو القتل: صبر. وفي كلام بعضهم: الصبر مرّ، لا يتجرّعه إلا حرّ.
فإن قلت: هل من فرق بين ﴿حَتَّى تَخْرُجَ﴾ و"إلى أن تخرج"؟ قلت: إنّ «حتى» مختصة بالغاية المضروبة، تقول: أكلت السمكة حتى رأسها، ولو قلت: حتى نصفها، أو صدرها: لم يجز، و«إلى» عامّة في كل غاية، فقد أفادت «حتى» بوضعها: أنّ خروج رسول الله ﷺ إليهم غاية قد ضربت لصبرهم، فما كان لهم أن يقطعوا أمرًا دون الانتهاء إليه.
_________________
(١) ـ قوله: (إن "حتى" مختصة بالغاية المضروبة): يعني: "حتى" نص في بيان الغاية، وبت للحكم، وأن لا رخصه لهم دون هذه الغاية، بخلاف"إلى" فإنها مطلقة تحتمل أمورًا، قال في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]: "إلى: تفيد معنى الغاية مطلقًا، فأما دخولها في الحكم وخروجها: فأمر يدور مع الدليل". قال صاحب"التقريب": "حتى: تختص بالغاية المضروبة، وإلى: عامة في كل غاية، لا يقال: أكلت السمكة حتى نصفها، ويقال: إلى نصفها، فإنها قال: ﴿حَتَّى تَخْرُجُ﴾ ليفيد أنه غاية، ليس لهم أن يقطعوا أمرًا دون الانتهاء إليها. وبيانه: أن اختصاصها بالغاية المضروبة، أي: المعينة، معناه: أن ما بعد "حتى" داخل في حكم ما فبلها، فالرأس مأكول من قوله: "حتى رأسها"؛ إذ لو لم يكن مأكولًا، وانتهى الأكل قبله بجزء آخر سوى الرأس، لكان ذلك الجزء غاية، فلم تكن مختصة بهذه الغاية المضروبة، وهو خلاف وضعها، وأما "إلى" فلا تختص، بل قد يدخل ما بعدها، وقد لا يدخل، فقد تكون له غاية أخرى سوى ما بعد "إلى".
[ ١٤ / ٤٦٣ ]
فإن قلت: فأي فائدة في قوله: ﴿إِلَيْهِمْ﴾؟ قلت: فيه أنه لو خرج، ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أنّ خروجه إليهم.
﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: في «كان»: إما ضمير فاعل الفعل المضمر بعد "لو"، وإما ضمير مصدر ﴿صَبَرُوا﴾، كقولهم: من كذب كان شرًّا له، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بليغ الغفران والرحمة واسعهما، فلن يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا.
_________________
(١) ـ فقوله: ﴿حَتَّى تَخْرُجُ﴾ يدل على أنه لا غاية لخيرية صبرهم قبل الخروج، فليس لهم أن يقطعوا أمرًا قبل الانتهاء إليه، وإلا لانتهت الخيرية لغاية قبل الخروج، ولا يلزم ذلك في "إلى". وكان الأولى أن يقول: إن "حتى" تفيد أنه لا تنتهي خيرية صبرهم بعد الخروج أيضًا، فكما أن حكم الأكل يشمل الرأس، فحكم خيرية الصبر يشمل زمان الخروج أيضًا، فيكون أبلغ، ولو قال: "إلى" لم يلزم، لأن ما بعد "إلى" لا يلزم دخوله في حكم ما قلبه، والله أعلم". تم كلامه. قوله: (وإما ضمير مصدر ﴿صَبَرُوا﴾): قال القاضي: "المعنى: لكان الصبر خيرًا لهم من الاستعجال، لما فيه من حفظ الأدب، وتعظيم الرسول ﷺ، الموجبين للثناء والثواب والإسعاف بالمسؤول". قال الواحدي: "قدم بنو تمتم على النبي ﷺ لفداء ذراريهم التي سبيت، وقال مقاتل: يعني ب"الخير": أنهم لو صبروا لخلي سبيلهم بغير فداء، فلما نادوه أعتق نصف ذراريهم وفادى نصفهم، يقول الله ﷿: ولو صبروا لكنت تعتق كلهم".
[ ١٤ / ٤٦٤ ]
[﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٦ - ٨]
بعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمّه -وهو الذي ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص، فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعًا، ثم قال: هل أزيدكم، فعزله عثمان عنهم- مصدّقا إلى بني المصطلق، وكانت بينه وبينهم إحنة، فلما شارف ديارهم ركبوا مستقبلين له، فحسبهم مقاتليه، فرجع وقال لرسول الله ﷺ: قد ارتدوا ومنعوا الزكاة، فغضب رسول الله ﷺ،
_________________
(١) ـ قوله: (مصدقًا): أي: بعثه صلوات الله عليه آخذًا للصدقة. النهاية: "قال الخطابي: إن "المصدق"_ بتخفيف الصاد_: العامل، فإنه وكيل الفقراء في القبض، فله أن يتصرف لهم بما يراه؛ مما يؤدي إليه اجتهاد". وأما قصة الوليد بن عقبة: ففيها للمفسرين اختلاف، والصحيح ما روى الإمام أحمد ابن حنبل في "مسنده" عن عيسى بن دينار عن أبيه: "أن الحارث بن ضرار الخزاعي قدم على سول الله ﷺ، فبعثه رسول الله ﷺ إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، ويجمع الزكاة، فضرب وقتًا بينه وبين رسول لله ﷺ ليبعث إليه رسولًا ليقبض الزكاة، فاحتبس الرسول عن الوقت، فظن الحارث أنه قد حدثت سخطة من الله ورسوله، فانطلق مع سروات قومه يأتون رسول الله ﷺ، وكان من أمر الرسول ﷺ أنه بعث الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده، فلما أن بلغ بعض الطريق فرق ورجع، وقال: يا رسول الله، الحارث منعني الزكاة، وأراد قتلي، فضرب رسول الله ﷺ البعث إلى الحارث.
[ ١٤ / ٤٦٥ ]
وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم فوردوا وقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم، فقال: «لتنتهنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلًا هو عندي كنفسي، يقاتل مقاتلتكم، ويسبى ذراريكم»، ثم ضرب بيده على كتف علي ﵁. وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد، فوجدهم منادين بالصلوات متهجدين، فسلموا إليه الصدقات، فرجع.
وفي تنكير "الفاسق" و"النبأ": شياع في الفساق والأنباء، كأنه قال: أي فاسق جاءكم بأيّ نبإ، فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق، لأنّ من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه.
والفسوق: الخروج من الشيء والانسلاخ منه، يقال: فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه: فقست البيضة: إذا كسرتها وأخرجت ما فيها، ومن مقلوبه أيضًا: قفست الشيء: إذا أخرجته عن يد مالكه مغتصبًا له عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد والانسلاخ من الحق، قال رؤبة:
فواسقًا عن قصدها جوائرا
وقرأ ابن مسعود: "فتثبتوا"، والتثبت والتبين: متقاربان، وهما طلب الثبات والبيان والتعرّف.
ولما كان رسول الله ﷺ والذين معه بالمنزلة التي لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب، وما كان يقع مثل ما فرط من الوليد إلا في الندرة؛ قيل: ﴿إِن جَاءَكُمْ﴾ بحرف الشك.
_________________
(١) ـ استقبل الحارث البعث قرب المدينة، وقال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك، فإن رسول الله ﷺ بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، فلما دخل على رسول الله ﷺ قاله أيضًا، قال: لا، والذي بعثك بالحق، ما رأيته، وما أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية". قوله: (قيل: ﴿إن جَاءَكُمْ﴾ بحرف الشك): جواب "لما"، وقوله: "وما كان يقع" إلى آخره: اعتراض.
[ ١٤ / ٤٦٦ ]
وفيه: أنّ على المؤمنين أن يكونوا على هذه الصفة، لئلا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور. ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾ مفعول له، أي: كراهة إصابتكم ﴿قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ -حال، كقوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥]-، يعني: جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة. والإصباح: بمعنى الصيرورة. والندم: ضرب من الغم، وهو: أن تغتمّ على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام ولزام، لأنه كلما تذكر المتندّم عليه راجعه؛ من الندام: وهو لزام الشريب ودوام صحبته،
_________________
(١) ـ قوله: (وفيه أن على المؤمنين أن يكونوا على هذه الصفة): أي: أدمج في الآية أن على المؤمنين أن يكونوا على تثبت من الأمر لئلا يطمع فاسق، وذلك من حرف التنبيه، وإيقاع ﴿آمَنُوا﴾ صلة للموصول، وجعلها سبيًا لما بعده من الحرف الموضوع لنداء البعيد، وقد نودي به القريب المقاطن على أن الخطاب الذي يتلوه معني به جدًا. الراغب: "في قوله: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ تنبيه على أنه أن كان الخبر عظيمًا له قدر، فحقه أن يتوقف فيه_ وإن علم أو غلب صحته على الظن_ حتى يعاد النظر فيه، ويتبين فضل تبين". وقوله: (من الندام): متعلق بقوله: "والندم ضرب من الغم"، أي: مأخوذ منه. قوله: (لزام الشريب): الجوهري: "شريبك: الذي يشاربك، ويورد إبله مع إبلك، وهو فعيل بمعنى: مفاعل، مثل: نديم وأكيل"، وروي عن المصنف: أن هذه المسألة مختلف فيها، وهي أنه كلما يتذكر الإنسان ذنبًا، هل يجب عليه تجديد الندم أم يكفيه الندم مرة، ففي هذه الآية إشارة إلى أنه يجب عليه كلما تذكره أن يندم، لأن لفظ الندم ينبئ عن اللزوم، فينبغي أن يكون ملازمًا للندوم كلما تذكر.
[ ١٤ / ٤٦٧ ]
ومن مقلوباته: أدمن الأمر: أدامه، ومدن بالمكان: أقام به، ومنه: المدينة، وقد تراهم يجعلون الهم صاحبًا، ونجيًّا، وسميرًا، وضجيعَا، وموصوفَا بأنه لا يفارق صاحبه.
الجملة المصدّرة بـ"لو": لا تكون كلامًا مستأنفًا، لأدائه إلى تنافر النظم،
_________________
(١) ـ قوله: (وقد تراهم يجعلون الهم صاحبًا): بيان لقوله: "وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام". قوله: (لا تكون كلامًا مستأنفًا، لأدائه إلى تنافر النظم): قال أبو البقاء: " ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ مستأنف، ويجوز أن يكون حالًا، والعامل فيه الاستقرار، وإنما جاز ذلك من حيث جاز أن يقع صفة للنكرة، كقولك: مررت برجل لو كلمته لكلمني، أي: متهيئ لذلك". وقلت: إنما لم يحسن الاستئناف، لأن قوله: ﴿واعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ لو جعل موردًا للسؤال استجهالًا لهم بما كان يصدر منهم من الفلتات التي لا تليق بحضرة الرسالة، فنزلوا لذلك منزلة من لا يعلم أن فيهم رسول الله؛ بأن يقولوا: ما بالنا ورسول الله مستقر فينا، لم يقع قوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾ موقعه في الجواب، ولكن إذا جعل حالًا، بمعنى: أن فيكم من حاله أنه أرسله الله تعالى، وخصه بمنصب الرسالة، ولا يقطع أمرًا إلا بالوحي النازل، فيجب عليكم أن لا تحاولوا أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعن لكم من رأي واستصواب حال حسن. ويمكن أن يوجه طريق الاستئناف بأنه تعالى لما أرشدهم طريق الصواب بقوله: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، أي: استعملوا التأني فيما سنح لكم من الأمور، والتروي في كشف الأحوال، لئلا ترجعوا إلى كلام بعض الفساق فتتورطوا فيما تندمون منه، نبههم أيضًا أن فيهم رسول الله، الناطق بالنسبة العادلة، والصادع بالحكمة الساطعة، لا يرجع عن رأي كل
[ ١٤ / ٤٦٨ ]
ولكن متصلًا بما قبله حالًا من أحد الضميرين في ﴿فِيكُمْ﴾؛ المستتر المرفوع، أو البارز المجرور، وكلاهما مذهب سديد. والمعنى: أن فيكم رسول الله على حالة يجب عليكم تغييرها، أو: أنتم على حالة يجب عليكم تغييرها، وهي أنكم تحاولون منه أن يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعنّ لكم من رأي واستصواب، فعل المطواع لغيره التابع له فيما يرتئيه، المحتذي على أمثلته، ولو فعل ذلك ﴿لَعَنِتُّمْ﴾، أي: لوقعتم في العنت والهلاك، يقال: فلان يتعنت فلانًا، أي: يطلب ما يؤدّيه إلى الهلاك، وقد أعنت العظم: إذا هيض بعد الجبر.
_________________
(١) ـ زائغ، ولا يعمل بهوى كل مبطل، فاقتدوا به في ذلك، فاتجه لهم أن يسألوا: لم كان ذلك فقيل: لو يطيع بعضًا منكم في كثير من الأمر لعنتم، ثم قال للبعض الآخر: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾. ويؤيده ما قال الواحدي: " ﴿أَن تُصِيبُوا﴾ أي: لئلا تصيبوا ﴿قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، ثم وعظهم فقال: ﴿واعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، أي: اتقوا أن تكذبوه وتقولوا باطلًا، فإن الله يخبره به، فتفضحوا. ثم قال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ﴾ مما تخبرونه فيه بالباطل، لوقعتم في الإثم والهلاك، ثم خاطب المؤمنين الذين لا يكذبون، فقال: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾ ". قوله: (فيما يرتئيه المحتذي): أي: يراه المقتدي لنفسه، قيل: يقال: ارتأى فلان، أي: رأى رأيا لنفسه، مثل: استوى: أخذ السواء لنفسه. الأساس: "وارتأى في الأمر، وارتأيت رأيًا في كذا، والرأي: ما ارتأى فلان، وفلان يتراءى برأي فلان: يميل إلى رأيه، ويأخذ به، واسترأيته: طلبت منه رأيه". قوله: (إذا هيض بعد الجبر): وروي عن المصنف أنه قال: هذا يكون أشد من الكسر، وقد روي أن الحجاج جنس يريد بن المهلب، وكان يعذبه بأنواع العذاب، وكان لا يسمع له
[ ١٤ / ٤٦٩ ]
وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله ﷺ الإيقاع ببني المصطلق، وتصديق قول الوليد، وأن نظائر ذلك من الهنات كانت تفرط منهم، وأن بعضهم كانوا يتصوّنون ويزعهم جدّهم في التقوى عن الجسارة على ذلك، وهم الذين استثناهم بقوله: ﴿وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ﴾، أي: إلى بعضكم، ولكنه أغنت عن ذكر "البعض" صفتهم المفارقة لصفة غيرهم،
_________________
(١) ـ أنين، وكان الحجاج يحب أن يسمع له أنينًا ليشفي منه، فقيل له: أن رجله كسرت في حرب كذا وجبرت، فينبغي أن يوضع على تلك الرجل، ففعلوا، فأن. قوله (من الهنات): وهي خصال في الشر، النهاية: "يقال: في فلان هنات، أي: خصال شر، ولا يقال في الخبر". الانتصاف: "من هنات المعتزلة توريكهم على عثمان ﵁، وتوقفهم في الحكم بفسق قبله، وقد عرض هاهنا بأنه ولى الوليد عوضًا عن سعد بن أبي وقاص؛ أحد العشرة المبشرة، وعرض به في قوله: "أن من الصحابة من كان تصدر منه هنات"، فافهم من تعرضنا ما عرض به في عثمان ﵁، نسأل الله العصمة". قوله: (ويزعهم): أي: يكفهم، النهاية: "في الحديث: "من يزع السلطان أكثر ممن يزع القرآن"، أي: يكف عن ارتكاب العظائم مخافة السلطان أكثر ممن يكفه مخافة القرآن والله تعالى، يقال: وزعه يزعه وزعًا، فهو وازع: إذا كفه ومنعه". قوله: (أغنت عن ذكر "البعض" صفتهم المفارقة لصفة غيرهم): يعني: نزل التغاير بين الوصفين منزلة التغاير بين الذاتين، وذلك أن العطف بـ"لكن" في الجملتين يوجب التغاير بينهما بالنفي الإثبات، فيقدر معنى قوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ بقرينة الحال،
[ ١٤ / ٤٧٠ ]
وهذا من إيجازات القرآن ولمحاته اللطيفة، التي لا يفطن لها إلا الخواص. وعن بعض المفسرين: هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى.
_________________
(١) ـ وما بعد كلمة الاستدراك، وبالاستئناف بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ المفيد للتخصيص والتعريض بواسطة ضمير الفصل: ما حبب إلى بعضكم الإيمان؛ تغليظًا، لأن من تصدى لتزيين الرسول ﷺ في الإيقاع بقوم مؤمنين غافلين بريئين، وجسر على ارتكاب تلك العظيمة، لم يكن محبوبًا إليه الإيمان، ويقدر معنى قوله: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾: حبب إلى بعضكم، لأن من تصون من مثل تلك الهنات، ويزعه جده في التقوى عن ارتكابها، كان محبًا للإيمان، فكأنه قيل: ما حبب إلى بعضكم الإيمان، ولكن حبب إلى بعض آخر منكم الإيمان. وهذا أيضًا تفسير لقوله بعد هذا: "المغايرة مفقودة من حيث للفظ، حاصلة من حيث المعنى". والذي يدل على التغليظ: التعريض بقوله: ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والْفُسُوقَ﴾ بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾، وإلى هذا المعنى أومأ الواحدي بقوله: " ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ أي: الرسول ﷺ، ﴿فِي كَثِيرٍ﴾ مما تخبرونه فيه بالباطل، لوقعتم في عنت، ثم خاطب المؤمنين الذي لا يكذبون، فقال: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾ ". قوله: (وعن بعض المفسرين: هم الذين امتحن الله قلوبهم): فيه إشارة إلى بيان النظم، يعني: كما رزق أولئك السعداء لزوم التأدب في حضرة الرسالة من خفض الصوت، أرشدوا إلى تصديق ما قاله الرسول ﷺ، وإلى امتثال ما يقدم إليه، فيلزم من هذا أن الباقين هم الذين حرموا توفيق التأدب بحضرته، فوقعوا في العنت، فيكون قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن ورَاءِ الحُجُرَاتِ﴾ الآيتين، كالاستطراد لحديث رفع الصوت. وفيه: أن التأدب رأس الحسنات، وأساس الخيرات.
[ ١٤ / ٤٧١ ]
وقوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ -والخطاب لرسول الله ﷺ، أي: أولئك المستثنون هم الراشدون- يصدق ما قلته.
فإن قلت: ما فائدة تقديم خبر "أنَّ" على اسمها؟ قلت: القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين على ما استهجن الله منهم؛ من استتباع رأي رسول الله ﷺ لآرائهم، فوجب تقديمه لانصباب الغرض إليه.
_________________
(١) ـ قوله: (أي: أولئك المستثنون هم الراشدون، يصدق ما قلته): التاء في "ما قلته" خطاب للرسول ﷺ، وفي أكثر النسخ: "يصدق ما قلته"، بضم التاء؛ خبر لقوله: "قوله"، وهو الوجه، يعني: دل ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ منطوقًا ومفهومًا على أن القوم فرقتان، وأن حكم التغاير في الوصف بمنزلة حكم التغاير في الذات، وأن بعد "لكن" بمنزلة المخصص لما قبله. قوله: (القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لأن المقتضي للتوبيخ على استتباعهم رأيه: كونه رسولًا، لا كونه فيهم، فكان أولى بالتقديم، فلعل توجيهه: أن تقديم التوبيخ أهم، و﴿فِيكُمْ﴾ من جملة كلام التوبيخ، لأن قوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ مع جوابه: حال من ﴿فِيكُمْ﴾، فتقديم جزء التوبيخ كتقديمه، لكن إنما يتمشى لو استقل أن ﴿فِيكُمْ﴾ مع الشرطية كلامًا، ولكن قوله: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ عمدة جملة التوبيخ معنى وإعرابًا، فلا استبداد بدونه، فليتأمل. وقلت: قد تقرر عند علماء البيان: أن في تقديم ما رتبته التأخير من جزء الجملة إيذانًا بأن الكلام فيه، لأنهم يقدمون الأهم، وهاهنا التوبيخ وإن كان واردًا على الجملة، على كونه رسولًا كما سبق، لكن في تقديم الظرف تتميم لذلك المعنى، واستبعاد له؛ لأن المعنى: أتستتبعون رأيه لرأيكم، وأنه رسول من الله، ومهبط وحيه، فكيف وهو مستقر فيكم، وأنتم بين يديه شاهدين مجلسه، ولستم غائبين كغيركم. نزلهم لذلك الفعل كأنهم اعتقدوا أنه غائب عنهم، فلو أخر ﴿فِيكُمْ﴾ لم يتفطن لتلك النكتة السرية، ولا يتفطن لأمثالها إلا أمثال المصنف.
[ ١٤ / ٤٧٢ ]
فإن قلت: فلم قيل: ﴿يُطِيعُكُمْ﴾ دون: أطاعكم؟ قلت: للدلالة على أنه كان في إرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبونه، وأنه كلما عنّ لهم رأي في أمر كان معمولًا عليه، بدليل قوله: ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ كقولك: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، تريد: أنه مما اعتاده ووجد منه مستمرًّا.
فإن قلت: كيف موقع ﴿لكِنْ﴾ وشريطتها مفقودة من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيًا وإثباتًا؟ قلت: هي مفقودة من حيث اللفظ، حاصلة من حيث المعنى، لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المتقدّم ذكرهم، فوقعت "لكنّ" في حاق موقعها من الاستدراك.
ومعنى "تحبيب الله" و"تكريهه": اللطف والإمداد بالتوفيق، وسبيله الكناية، كما سبق،
_________________
(١) ـ قوله: (كما سبق): قيل: ما سبق هو قوله: "أن بعضهم كانوا نون، ويزعهم جدهم في التقوى"، ولعل هذا القائل ظن أن الكاف متعلق بقوله: "وسبيله الكناية"، وليس به؛ لأن هذا السابق ليس بكناية عن اللطف والإمداد والتوفيق، بل هو متصل بقوله: "حاصلة من حيث المعنى"، وما توسط بينهما تفسير لمعنى تحبيب الله، واعتراض بين المتعلق والمتعلق، ذلك أنه سأل: أن مقتضى "لكن" في هذا الكلام مفقود، وأجاب: أن مقتضاها حاصل من حيث المعنى، وأن ما بعدها موصوف بما يلزم منه مغايرة ما قبلها. ومثل هذا المعنى سبق عند قوله: "ولكنه أغنت عن ذكر "البعض" صفتهم المفارقة لصفة غيرهم"، كما سبق شرحه قبيل هذا. وأما بيان الكناية: فإن قوله: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾، ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والْفُسُوقَ﴾: لازمان للطف والتوفيق، كما أن محبه الكفر وكراهية الطاعة رديفان للخذلان، ومثل هذا المعنى ما سبق في الكلام، وعندنا إسناد المحبة والكراهية إلى الله حقيقة.
[ ١٤ / ٤٧٣ ]
وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة وذهن لا يغبى عليه أن الرجل لا يمدح بغير فعله، وحمل الآية على ظاهرها يؤدّي إلى أن يثنى عليهم بفعل الله، وقد نفى الله هذا عن الذين أنزل فيهم: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨].
_________________
(١) ـ قوله: (وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة): هذا استدلال على أن المراد بتحبيب الإيمان وتزيينه في القلب وتكريه الكفر: اللطف والتوفيق كناية، لأنه تعالى خلق في قلوبهم الإيمان وكراهة الفسق تحقيقًا وتصريحًا بدليل عقلي، بل وجداني ضروري. قال صاحب "التقريب": وما أثنى على المؤمنين بالتحبيب والتكريه، وهما فعل الله تعالى، ولا يمدح الرجل بفعل غيره، لأن مدحهم بوجود المحبب فيهم لا بالتحبيب، كما يصح المدح بالجمال والحسن. الانتصاف: "ترك الزمخشري الحق لخيال اعتمده في الشاهد؛ أن الإنسان لا يمدح بفعل غيره، وأبطل ما صرحت به الآية من نسبة ذلك إلى الله وحده، وكيف تترك أدلة العقل وصريح النقل في قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وأمثاله، بقياس الغائب على المشاهد، فهذا تحريف لكتاب الله، فإن الله تعالى أعطى وأثنى، ومنح ومدح، ولا موجود إلا الله وصفاته وأفعاله بعضها محل بعض، فماذا يقول في ثناء الله على رسله باصطفائه لهم، أهو بها اكتسبوه، أو بما وهبهم فاتهبوه؟ فإن قال بالأول خرج عن الملة، وإن قال بالثاني فسلم الأمر". وقال الإمام: "المعني بقوله: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ وزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: قربه إليكم، وأدخله في قلوبكم، ثم زينه فيها، بحيث لا تفارقونه، ولا يخرج من قلوبكم، ومن أحب شيئًا وطال لبثه فيه فقد يمل، والإيمان كل يوم يزداد فيه نشاطًا، بل كل من كانت عبادته أكثر، وتحمله لمشاق التكاليف أتم، كان ذلك عنده ألذ وأكمل، ولهذا قال في الأول: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ﴾، وفي الثاني: ﴿وزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، كأنه قربه إليهم، ثم أقامه فيهم".
[ ١٤ / ٤٧٤ ]
فإن قلت: فإنّ العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه، وذلك فعل الله، وهو مدح مقبول عند الناس غير مردود؟ قلت: الذي سوّغ ذلك لهم أنهم رأوا حسن الرواء، ووسامة المنظر -في الغالب- يسفر عن مخبر مرضي وأخلاق محمودة، ومن ثم قالوا: أحسن ما في الدميم وجهه،
_________________
(١) ـ وقلت: (قوله: "وحمل الآية على ظاهرها يؤدي إلي أن يثنى عليهم بفعل الله" بعيد عن المقام؛ لأن ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ وزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ غير وارد على المدح، بل على سبيل الامتنان، وأنه تعالى هو_ بفضله وكرمه_ اختصهم به ليحمدوه على ذلك الإنعام، لا أنه يمدحهم، ولذلك قرره بقوله: ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والْفُسُوقَ والْعِصْيَانَ﴾ على سبيل الطرد والعكس، ثم فرع عليه قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ مدحًا وتعريضًا، فأثبت الخلق أولًا، وقرنه بالكسب ثانيًا، ومدحهم عليه. قوله: (في الغالب يسفر عن مخبر مرضي): قيده ب"الغالب"، لئلا يرد نحو قول أبي الطيب: وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له إذا لم يكن في فعله والخلائق ونظر حكيم إلى غلام حسن، فاستنطقه، فرآه بليدًا، فقال: نعم البيت لو كان فيه ساكن. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]، قال: "شبهوا بالأصنام في حسن صورهم وقلة جدواهم". وروينا عن مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم"، والحق أن تلك الأخلاق الفاضلة يحدثها الله تعالى، ويزرعها أين شاء، كقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨].
[ ١٤ / ٤٧٥ ]
فلم يجعلوه من صفات المدح لذاته، ولكن لدلالته على غيره، على أن من محققة الثقات وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك، وخطأ المادح به، وقصر المدح على النعت بأمّهات الخير، وهي الفصاحة والشجاعة والعدل والعفة، وما يتشعب منها، ويرجع إليها، وجعل الوصف بالجمال والثروة وكثرة الحفدة والأعضاد وغير ذلك مما ليس للإنسان فيه عمل: غلطًا ومخالفة عن المعقول.
والْكُفْرَ: تغطية نعم الله تعالى وغمطها بالجحود، والْفُسُوقَ: الخروج عن قصد الإيمان ومحجته بركوب الكبائر، وَالْعِصْيانَ: ترك الانقياد والمضي لما أمر به الشارع،
_________________
(١) ـ قوله: (فلم يجعلوه من صفات المدح لذاته): أي: لم يجعلوا حسن المنظر من صفات المدح أصالة؛ لما ينبغي أن يستعمل المدح في الفضائل الاختيارية، وإذا استعمل في غيرها أول ما يؤول إليها، فذهب فيه إلى الحقيقة والمجاز، وذهب القاضي إلى أنه للقدر المشترك حيث قال" المدح: هو الثناء على الجميل مطلقًا"، وقال الجوهري: "المدح: الثناء الحسن"، وقال الراغب: "كل حمد مدح، وليس كل مدح حمدًا"، وقال الإمام: "يقال: مدحت اللؤلؤة والفرس، ولا يقال: حمدتهما". قوله: (والكفر تغطية نعم الله وغمطها بالجحود): الراغب: "الكفر: عبارة عن الستر، وكفر النعمة: سترها، وحقيقة الكفر: ستر نعمة الله، وأعظم الكفر ما كان مقابلًا لأعظم النعم، وهو ما يتوصل به إلى الإيمان واستحقاق الثواب، ومن قابل تلك النعمة بالكفران، فهو الكافر المطلق، ولذلك صار الكفر في الإطلاق: جحود الوحدانية والنبوة والشرائع".
[ ١٤ / ٤٧٦ ]
والعرق العاصي: العاند، واعتصت النواة: اشتدّت. والرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه؛ من الرشادة، وهي الصخرة، قال أبو الوازع: كل صخرة رشادة، وأنشد:
وغير مقلّد وموشّمات صلين الضّوء من صمّ الرّشاد
و﴿فَضْلًا﴾ مفعول له، أو مصدر من غير فعله.
فإن قلت: من أين جاز وقوعه مفعولًا له، والرشد فعل القوم، والفضل فعل الله، والشرط أن يتحد الفاعل؟ قلت: لما وقع "الرشد" عبارة عن التحبيب والتزيين والتكريه، مسندة إلى اسمه تقدست أسماؤه، صار الرشد كأنه فعله، فجاز أن ينتصب عنه، أو لا ينتصب عن ﴿الرَّاشِدُونَ﴾، ولكن عن الفعل المسند إلى اسم الله تعالى، والجملة التي هي: ﴿أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ اعتراض، أو عن فعل مقدر، كأنه قيل: جرى ذلك -أو كان ذلك- فضلًا من الله.
_________________
(١) ـ قوله: (والعرق العاصي): هو الذي لم يرقأ دمه، الأساس: "ومن المجاز: عرق عاص لا يرقأ دمه". قوله: (وغير مقلد) البيت: "المقلد": هو الوتد، و"الموشمات": حجارة الأثافي، صليت الرجل النار: أدخلته النار، أي: لم يبق من الدار سوى الأوتاد التي تقلد بها الحبال وأحجار الأثافي، وقيل: يصف يعملات غير مقلدات يسرعن في السير بالقوة، بحيث تظهر النار من الأحجار في سيرها. قوله: (لما وقع "الرشد" عبارة عن التحبيب): أي: كناية عنه، لأن "الرشد" دل على تحبيبهم، وتحبيبهم على أن الله حبب إليهم.
[ ١٤ / ٤٧٧ ]
وأما كونه مصدرًا من غير فعله، فأن يوضع موضع "رشدًا"، لأنّ رشدهم فضل من الله لكونهم موفقين فيه. والفضل والنعمة: بمعنى الإفضال والإنعام.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال المؤمنين وما بينهم من التمايز والتفاضل، ﴿حَكِيمٌ﴾ حين يفضل وينعم بالتوفيق على أفاضلهم.
_________________
(١) ـ الانتصاف: "قد بينا أن "الرشد" مخلوق لله تعالى، فلا سؤال من هذا الوجه، بل من جهة أن الله تعالى خاطب خلقه باللغة المعهودة، وفيها نسبة الفعل إلى فاعل حقيقة كان أو مجازًا، فـ"زيد" في "مات زيد": فاعل، وقد نسب"الرشد" إليهم على أساس أنهم فاعلوه، وإن كان مجازًا في الاعتقاد، فيجاب عنه بجواب الزمخشري، أو بأن الرشد هاهنا يستلزم كون الله مرشدًا، إذ هو مطاوع" أرشده فرشد"، فتصح المطابقة. وهو عكس قوله: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢]، لأنهم هناك مفعولون في معنى الفاعلين، فصح بواسطته استلزام المطاوعة، فتصحح مسألة البرق بتقدير المفعول، وتصحح هذه بتقدير الفاعل". وقلت: لعل تقدير الأول: هو الذي يريكم البرق فرأيتموه خائفين طامعين، والثاني: أولئك هم الراشدون بأن أرشدهم الله فضلًا ونعمة. قوله: (وأما كونه مصدرًا من غير فعله): ذكر أن ﴿فَضْلًا﴾: إما مفعول له أو مصدر، وكما فرع من بيان الأول، شرع في بيان الثاني، وقال: أما كونه مصدرًا من غير فعله، فإن الأصل: أولئك هم الراشدون رشدًا، فوضع موضع"رشدًا": ﴿فَضْلًا﴾؛ لأن رشدهم كان مسببًا عن فضل الله، ولولا فضله لما رشدوا. وقوله: (يفضل وينعم بالتوفيق على أفاضلهم): والضمير للصحابة، والأفاضل: من حبب إليه الإيمان، كما قال: "لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت صفتهم صفة المقدم ذكرهم".
[ ١٤ / ٤٧٨ ]
[﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٩]
عن ابن عباس ﵁ قال: وقف رسول الله ﷺ على مجلس بعض الأنصار، وهو على حمار، فبال الحمار، فأمسك عبد الله ابن أبي بأنفه، وقال: خل سبيل حمارك فقد آذانا نتنه، فقال عبد الله بن رواحة: والله إنّ بول حماره لأطيب من مسكك -وروى: حماره أفضل منك، وبول حماره أطيب من مسكك-، ومضى رسول الله ﷺ، وطال الخوض بينهما حتى استبا وتجالدا، وجاء قوماهما، وهما الأوس والخزرج، فتجالدوا بالعصي -وقيل: بالأيدي والنعال والسعف-، فرجع إليهم رسول الله ﷺ وأصلح بينهم، ونزلت. وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا.
والبغي: الاستطالة والظلم وإباء الصلح، والفيء: الرجوع، وقد سمى به الظل والغنيمة، لأنّ الظل يرجع بعد نسخ الشمس،
_________________
(١) ـ قوله: (وقف رسول الله ﷺ على مجلس بعض الأنصار) الحديث: مخرج في "الصحيحين" عن أنس من غير هذه الرواية، وأوردناه في أول البقرة. قوله: (وهما الأوس والخزرج): قيل ابن رواحة: خزرجي، وابن أبي: أوسي. قوله: (وقد سمي به الظل والغنيمة، لأن الظل يرجع) إلى آخره: الراغب: "الفيء: الرجوع إلى حالة محمودة، قال تعالى: ﴿فَإن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، ﴿فَإن فَاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
[ ١٤ / ٤٧٩ ]
والغنيمة: ما يرجع من أموال الكفار إلى المسلمين. وعن أبي عمرو: "حتى تفي" بغير همز؛ ووجهه: أنّ أبا عمرو خفف الأولى من الهمزتين الملتقيتين، فلطفت على الراوي تلك الخلسة، فظنه قد طرحها.
فإن قلت: ما وجه قوله: ﴿اقْتَتَلُوا﴾، والقياس: "اقتتلتا" كما قرأ ابن أبي عبلة، أو "اقتتلا" كما قرأ عبيد بن عمير؛ على تأويل الرهطين أو النفرين؟ قلت: هو مما حمل على المعنى دون اللفظ، لأنّ "الطائفتين" في معنى القوم والناس. وفي قراءة عبد الله: "حتى يفيئوا إلى أمر الله، فإن فاءوا فخذوا بينهم بالقسط".
_________________
(١) ـ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ومنه: فاء الظل، وقيل للغنيمة التي لا يلحق بها مشقة: فيء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٧]، قال بعضهم: سمي ذلك بالفيء الذي هو الظل، تنبيها على أن أشرف أعراض الدنيا يجرى مجرى ظل زائل، والفئة: الجماعة المتظاهرة التي يرجع بعضهم إلى بعض في التعاضد". قوله: (ووجهه: أن أبا عمرو خفف الأولى من الهمزتين): أي: في "تفيء" وفي "إلى"، قال بعضهم: هذه الرواية خلاف المذهب، لأن أبا عمرو خفف الثانية لا الأولى. قوله: (هو مما حمل على المعنى دون اللفظ): الانتصاف: "قد أنكر النحاة الحمل على لفظ "من" بعد الحمل على معناها، وفي الآية حمل على المعنى بقوله: ﴿اقْتَتَلُوا﴾، ثم على اللفظ بقوله: ﴿بَيْنَهُمَا﴾، والفرق: أن "من" فيها إيهام، فيلزم الإيهام بعد التفسير، وأما "الطائفة" فلا إيهام فيها، إذ لفظها مفرد أبدًا، ومعناها جمع أبدًا".
[ ١٤ / ٤٨٠ ]
وحكم الفئة الباغية: وجوب قتالها ما قاتلت -وعن ابن عمر: "ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدته من أمر هذه الآية، إن لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرنى الله"، قاله بعد أن اعتزل-، فإذا كافت وقبضت عن الحرب أيديها تركت، وإذا تولت عمل بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: يا ابن أم عبد، هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمّة؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيؤها».
ولا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما: إما أن تقتتلا على سبيل البغي منهما جميعًا، فالواجب في ذلك: أن يُمشى بينهما بما يصلح ذات البين، ويثمر المكافة والموادعة، فإن لم تتحاجزا ولم تصطلحا وأقامتا على البغي: صير إلى مقاتلتهما.
وإما أن يلتحم بينهما القتال لشبهة دخلت عليهما، وكلتاهما عند أنفسهما محقة، فالواجب: إزالة الشبهة بالحجج النيرة والبراهين القاطعة، واطلاعهما على مراشد الحق، فإن ركبتا متن اللجاج، ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا به، من اتباع الحق بعد وضوحه لهما، فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين.
_________________
(١) ـ قوله: (لا يجهز على جريحها): يقال: أجهرت على الجريح: إذا أسرعت بقتله وأتممت عليه، النهاية: "في حديث علي ﵁: "لا يجهز على جريحهم"، أي: من صرع منهم لا يقتل، لأنهم مسلمون، والقصد من قتالهم: دفع شرهم، فإذا لم يكن ذلك إلا بقتلهم قتلوا".
[ ١٤ / ٤٨١ ]
وإما أن تكون إحداهما الباغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينهما وبين المبغى عليها بالقسط والعدل، وفي ذلك تفاصيل: إن كانت الباغية من قلة العدد بحيث لا منعة لها، ضمنت بعد الفيئة ما جنت، وإن كانت كثيرة ذات منعة وشوكة لم تضمن، إلا عند محمد بن الحسن ﵀، فإنه كان يفتي بأن الضمان يلزمها إذا فاءت. وأمّا قبل التجمع والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب أوزارها، فما جنته ضمنته عند الجميع.
فمحمل الإصلاح بالعدل في قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ﴾ على مذهب محمد: واضح منطبق على لفظ التنزيل، وعلى قول غيره: وجهه: أن يحمل على كون الفئة قليلة العدد، والذي ذكروا أن الغرض إماتة الضغائن وسل الأحقاد، دون ضمان الجنايات: ليس بحسن الطباق للمأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط.
فإن قلت: فلم قرن بالإصلاح الثاني العدل دون الأوّل؟ قلت: لأنّ المراد بالاقتتال في أول الآية: أن تقتتلا باغيتين معًا، أو راكبتي شبهة، وأيتهما كانت: فالذي يجب على المسلمين أن يأخذوا به في شأنهما:
_________________
(١) ـ قوله: (وفي ذلك تفاصيل): أي: في القسط والعدل. قوله: (إن كانت الباغية): شروع في التفصيل. قوله: (منطبق على لفظ التنزيل): فإن قوله: ﴿فَإن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا﴾ إلى آخره، يقتضي لزوم الضمان إذا فاءت مطلقًا، قليلة كانت أو كثيرة. قوله: (أن يحمل على كون الفئة قليلة العدد): أي: يحتمل حكم الآية على هذا الوجه، دون الوجه الثاني. قوله: (ليس بحسن الطباق للمأمور به): أي: المأمور به_ وهو العدل، بقوله: ﴿وأَقْسِطُوا﴾ - مطلق متناول لجميع ما يطلق عليه اسم العدل، وكذا تقييد ﴿فَأَصْلِحُوا﴾ بقوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾،
[ ١٤ / ٤٨٢ ]
إصلاح ذات البين، وتسكين الدهماء بإراءة الحق والمواعظ الشافية، ونفي الشبهة، إلا إذا أصرتا، فحينئذ تجب المقاتلة. وأما الضمان فلا يتجه، وليس كذلك إذا بغت إحداهما، فإنّ الضمان متجه على الوجهين المذكورين.
_________________
(١) ـ وهو مستغن عنه، لأن الإصلاح مع الظلم محال، وتذييل الكلام بقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾: يقتضي أن العدل مطلوب لذاته، فهو حسن في جميع الأمور، فاختصاصه بأمر دون أمر بعيد، وغير مطابق لهذه التوكيدات، قال في أول النساء: "أن الأمر كله يدور مع العدل، فأين ما وجدتم العدل فعليكم به". قوله: (ذات البين): قال في أول الأنفال: " ﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: أحوال بينكم، يعني: ما بينكم من الأحوال حتى تكون حال ألفة ومحبة واتفاق، ولما كانت الأحوال ملابسة للبين، قيل لها: ذات البين". قوله: (وتسكين الدهماء): النهاية: "الدهماء: الفتنة المظلمة، ومنه حديث حذيفة: أتتكم الدهيماء ترمي بالرضف". قوله: (متجه على الوجهين المذكورين): أحدهما: أن تكون الفئة قليلة العدد، وثانيهما: أن تكون كثيرة على رأي محمد بن الحسن.
[ ١٤ / ٤٨٣ ]
﴿وَأَقْسِطُوا﴾ أمر باستعمال القسط على طريق العموم، بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين، والقول فيه مثله في الأمر باتقاء الله على عقب النهى عن التقديم بين يديه.
والقسط -بالفتح-: الجور؛ من القَسط، وهو اعوجاج في الرجلين، وعود قاسط: يابس، وأقسطته الرياح. وأمّا القِسط بمعنى: العدل، فالفعل منه: أقسط، وهمزته للسلب، أي: أزال القسط، وهو الجور.
[﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١٠]
هذا تقرير لما ألزمه من تولى الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من المؤمنين، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله -من السبب القريب والنسب اللاصق- ما إن لم يفضل الأخوّة ولم يبرز عليها، لم ينقص عنها، ولم يتقاصر عن غايتها.
ثم قد جرت عادة الناس على أنه إذا نشب مثل ذلك بين اثنين من إخوة الولاد، لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته، ويركبوا الصعب والذلول؛
_________________
(١) ـ قوله: (والقول فيه مثله في الأمر باتقاء الله): وقال فيه: "هذا كما تقول لمن يقارب بعض الرذائل: لا تفعل هذا، وتحفظ مما يلصق بك العار". فعلى هذا قوله: ﴿وأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ من عطف العام على الخاص، أو تذييل للسابق وتقرير له، وقوله: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ تعليل للأمر بالإصلاح بين الطائفتين من المؤمنين، ولما كان التعليل إنما يؤتى به، فيثبت المعلل ويقرره، قال: "هذا تقرير لما ألزمه من تولي الإصلاح". قوله: (ما أن لم يفضل): "ما": بمعنى: شيء، و"إن": شرطية، والجواب: "لم ينقص"، والجملة مفعول "عقد". قوله: (ولم يبرز): لم يفق، الأساس: "برز على الغاية وعلى الأقران".
[ ١٤ / ٤٨٤ ]
مشيًا بالصلح، وبثا للسفراء بينهما، إلى أن يصادف ما وهى من الوفاق من يرقعه، وما استشن من الوصال من يبله، فالأخوة في الدين أحق بذلك وبأشدّ منه. وعن النبي ﷺ: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه،
_________________
(١) ـ قوله: (ما وهى): مفعول "يصادف"، والفاعل: "وقدم المفعول ليعود الضمير في "من يرقعه" إليه، و"وهى" صلة "ما"، ما راعى المناسبة بين "وهى" وبين "يرقعه"، إذ لو قال: "ما خرق ويرقعه"، أو "وهى وقوى"، كان أحسن، راعى بين "استثن" و"يبله". قوله: (استثن): النهاية: "في حديث عمر بن عبد العزيز: "إذا استثن ما بينك وبين الله فابلله بالإحسان إلى عباده"، أي: إذا أخلق"، ومنه: شنان القربة. قوله: (من يبله): من قوله صلوات الله عليه: "بلوا الأرحام ولو بالسلام"، أي: بروها بصلتها، وهم يطلقون النداوة على الصلة، كما يطلقون اليبس على القطيعة. قوله: (المسلم أخو المسلم): الحديث: من رواية البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا_ ثلاثًا_، ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل
[ ١٤ / ٤٨٥ ]
ولا يخذله، ولا يعيبه، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عنه الريح إلا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره»، ثم قال: «احفظوا، ولا يحفظ منكم إلا قليل».
فإن قلت: فلم خص الاثنان بالذكر دون الجميع؟ قلت: لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل كانت بين الأكثر ألزم، لأنّ الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين. وقيل: المراد بالأخوين: الأوس والخزرج.
وقرئ: "بين إخوتكم" و"إخوانكم"،
_________________
(١) ـ المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه وماله، إلى الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم". قوله: (بقتار قدره): الجوهري: "القتار: ريح الشواء، وقد قتر اللحم يقتر_ بالكسر_: إذا ارتفع قتاره". قوله: (وقرئ: "بين إخوتكم وإخوانكم"): قال ابن جني: "قرأ زيد بن ثابت وابن مسعود والحسن_ بخلاف_: "إخوانكم"، وهي تدل على أن قراءة العامة التي هي: ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾: لفظها لفظ التثنية، ومعناها: الجماعة، أي: كل اثنين فصاعدًا من المسلمين اقتتلا، والإضافة لمعنى الجنس، نحو قولهم: لبيك وسعديك، فليس المراد به إجابتين اثنتين، ولا إسعادين اثنين، ألا ترى إلى الخليل كيف فسره بقوله: كلما كنت في أمر فدعوتني أجبتك إليه، وساعدتك عليه. ونحوه في إفادة المضاف لمعنى الجنسية: قولهم: منعت العراق قفيزها ودرهمها، أي: قفزانها ودراهمها".
[ ١٤ / ٤٨٦ ]
والمعنى: ليس المؤمنون إلا إخوة، وأنهم خلص لذلك متمحضون، قد انزاحت عنهم شبهات الأجنبية، وأبى لطف حالهم في التمازج والاتحاد أن يقدموا على ما يتولد منه التقاطع، فبادروا قطع ما يقع من ذلك -إن وقع- واحسموه.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فإنكم إن فعلتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل، والائتلاف، والمسارعة إلى إماطة ما يفرط منه، وكان عند فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم، واشتمال رأفته عليكم، حقيقًا بأن تعقدوا به رجاءكم.
_________________
(١) ـ قوله: (والمعنى: ليس المؤمنون إلا إخوة، وأنهم خلص لذلك) إلى قوله: (فبادروا قطع ما يقع من ذلك): إشارة إلى ترتيب قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا﴾ على وصف الأخوة، وأن في أداة الحصر الدلالة على دفع الزاعم أن أخوة الإيمان متقاصرة عن أخوة النسب، ومفضولة عنها، وإليه الإشارة بقوله فيما سبق: "وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب، والنسب اللاصق، ما أن لم يفضل الأخوة، لم ينقص عنها"، وأن في جعل ﴿إخْوَةٌ﴾ خبرًا لـ ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ﴾ التشبيه الذي في قوله: إنما زيد أسد، ووجه الشبه: هو ما يفهم من قوله: "ثم قد جرت عادة الناس على أنه أن نشب مثل ذلك بين اثنين من إخوة الولاد، لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه" إلى آخره، ولذلك قال: "فبادروا". ثم قوله: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ تذييل للكلام، كأنه قيل: هذا الإصلاح من جملة التقوى، فإذا فعلتم التقوى دخل فيه هذا التواصل، وإليه الإشارة بقوله: "فإنكم أن فعلتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل"، ويجوز أن يكون عطفًا على ﴿فَأَصْلِحُوا﴾، أي: واصلوا بين أخويكم بالصلح، واحذروا الله من أن تتهاونوا فيه. ثم علل ذلك بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، و"لعل" من الله في الله في هذا المقام: إطماع من الكريم الرحيم، إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة، ولهذا قال: "وكان عند فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم"، إلى قوله: "حقيقًا بأن تعقدوا به رجاءكم".
[ ١٤ / ٤٨٧ ]
[﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١١]
القوم: الرجال خاصة؛ لأنهم القوّام بأمور النساء، قال الله تعالى: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ [النساء: ٣٤]، وقال ﵊: «النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه»، والذابون هم الرجال، وهو في الأصل: جمع قائم، كصوّم وزوّر، في جمع: صائم وزائر، أو تسمية بالمصدر، عن بعض العرب: إذا أكلت طعامًا أحببت نومًا وأبغضت قومًا، أي: قيامًا. واختصاص "القوم" بالرجال: صريح في الآية،
_________________
(١) ـ قوله: (النساء لحم على وضم): وفي "الفائق": روي عن عمر ﵁ أنه قال: "ما بال رجال لا يزال [أحدهم] كاسرًا وسادة عند امرأة مغزية، يتحدث إليها وتتحدث إليه، عليكم بالجنبة فإنها عفاف، إنما النساء لحم على وضم، إلا ما ذب عنهن"، كسر الوسادة: أن تثنيه وتتكئ عليه، ثم تأخذ في الحديث؛ فعل الزير، المغزية: التي غزا زوجها، الجنبة: الناحية من كل شيء، الوضم: ما وقيت به اللحم من الأرض". وكذا روى الميداني قال: "لا يخلون رجل بمغيبة، أن النساء لحم على وضم". النهاية: "الوضم: الخشبة أو البارية التي يوضع عليها اللحم، تقيه من الأرض، أي: إنهن في الضعف مثل ذلك اللحم الذي لا يمتنع على أحد، إلا أن يذب عنه أو يدفع. شبه عمر ﵁ النساء وقلة امتناعهن على طلابهن من الرجال باللحم ما دام على وضم".
[ ١٤ / ٤٨٨ ]
وفي قول زهير:
أقوم آل حصن أم نساء؟
وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد: هم الذكور والإناث، فليس لفظ "القوم" بمتعاط للفريقين، ولكن قصد ذكر الذكور، وترك ذكر الإناث؛ لأنهن توابع لرجالهن.
وتنكير "القوم" والنساء يحتمل معنيين: أن يراد: لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض، وأن يقصد إفادة الشياع،
_________________
(١) ـ قوله: (أقوم آل حصن أم نساء): أوله: وما أدري وسوف إخال أدري أما صراحة اختصاص "القوم" بالرجال في الآية: فمن عطف ﴿وضلَا نِسَاءٌ﴾ على ﴿قَوْمٌ﴾، وفي الشعر: من جعل أحد المتساويين يلي الهمزة، والآخر يلي "أم". قوله: (وأن يقصد إفادة الشياع): الانتصاف: "لو عرف المؤمنين فقال: "لا يسخر المؤمنين والمؤمنات بعضهم من بعض" لعم، ومراد الزمخشري أن في التنكير يحصل أن كل جماعة منهية على التفصيل، والتعرض في النهي لكل جماعة على الخصوص، ومع التعريف نهي الكل لا على التفصيل، بل على الشمول، والنهي على التفصيل أوقع". وقلت: استغراق الجنس أيضًا مراد منه التفصيل، والمعرف_ بتعريف العهد الذهني_ يفيد التفصيل أيضًا كالنكرة، إذ المعنى: لا يسخر من هو مسمى بالقوم من قوم مثله. قال ابن جني: "مفاد نكرة الجنس مفاد معرفته؛ من حيث كان في كل جزء منه معنى ما في جملته، ألا ترى إلى قول الشاعر: وأعلم أن تسليمًا وتركًا للا متشابهان ولا سواء
[ ١٤ / ٤٨٩ ]
وأن تصير كل جماعة منهم منهية عن السخرية، وإنما لم يقل: رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة، على التوحيد؛ إعلامًا بإقدام غير واحد من رجالهم، وغير واحدة من نسائهم، على السخرية، واستفظاعًا للشأن الذي كانوا عليه، ولأنّ مشهد الساخر لا يكاد يخلو ممن يتلهى ويستضحك على قوله، ولا يأتي ما عليه من النهي والإنكار، فيكون شريك الساخر وتلوه في تحمل الوزر، وكذلك كل من يطرق سمعه، فيستطيبه، ويضحك به، فيؤدي ذلك -وإن أوجده واحد- إلى تكثر السخرة وانقلاب الواحد جماعة وقومًا.
وقوله تعالى: ﴿عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ كلام مستأنف، قد ورد مورد جواب المستخبر عن العلة الموجبة لما جاء النهي عنه، وإلا فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء. والمعنى: وجوب أن يعتقد كل أحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيرًا من الساخر، لأنّ الناس لا يطلعون إلا على ظواهر الأحوال، ولا علم لهم بالخفيات، وإنما الذي يزن عند الله: خلوص الضمائر وتقوى القلوب، وعلمهم من ذلك بمعزل، فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال،
_________________
(١) ـ فهذا في المعنى كقولك: أن التسليم والترك لا متشابهان ولا سواء". قوله: (واستفظاعًا للشأن الذي كانوا عليه): يعني: إنما جمع، ولم يقل: "رجل من رجل"، لأن النهي ورد على الحالة الواقعة بين الأقوام، كقوله تعالى: ﴿لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]. قوله: (يتلهى): أي: طلب منه اللهو والضحك على قول الساخر. قوله: (ولا يأتي ما عليه): أي: لا يفعل هذا الجليس ما يجب عليه من نهي المنكر.
[ ١٤ / ٤٩٠ ]
أو ذا عاهة في بدنه، أو غير لبيق في محادثته، فلعله أخلص ضميرًا، وأتقى قلبًا، ممن هو على ضدّ صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله، والاستهانة بمن عظمه الله.
ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل: لو رأيت رجلًا يرضع عنزًا، فضحكت منه، خشيت أن أصنع مثل الذي صنعه. وعن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبًا.
وفي قراءة عبد الله: "عسوا أن يكونوا" و"عسين أن يكن"، فـ"عسى" على هذه القراءة هي ذات الخبر، كالتي في قوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، وعلى الأولى: التي لا خبر لها، كقوله: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢١٦].
واللمز: الطعن والضرب باللسان. وقرئ: "ولا تلمزوا" بالضم، والمعنى: وخصوا أنفسكم -أيها المؤمنون- بالانتهاء عن عيبها والطعن فيها، ولا عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم، ولا يسير بسيرتكم، ففي الحديث عن رسول الله ﷺ: «اذكروا الفاجر بما فيه، كي يحذره الناس»، وعن الحسن في ذكر الحجاج: أخرج إلي بنانًا قصيرة قلما عرقت فيها الأعنة في سبيل الله،
_________________
(١) ـ قوله: (أو غير لبيق): الجوهري: "اللبيق: الرجل الحاذق". قوله: (قلما عرقت فيها الأعنة): وعن بعضهم: أي: يأخذ بالأعنة في الجهاد حتى يعرق ويبتل بالعرق. وقلت: هو مما روينا عن مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من خير معاش الناس لهم: رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة_ أو فزعة_ طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانه".
[ ١٤ / ٤٩١ ]
ثم جعل يطبطب شعيرات له، ويقول: يا أبا سعيد، يا أبا سعيد. وقال لما مات: اللهم أنت أمته، فاقطع سنته، فإنه أتانا أخيفش أعيمش يخطر في مشيته، ويصعد المنبر حتى تفوته الصلاة، لا من الله يتقي، ولا من الناس يستحي، فوقه الله، وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: الصلاة أيها الرجل، الصلاة أيها الرجل، هيهات دون ذلك السيف والسوط.
_________________
(١) ـ ولو روي بالغين المعجمة لكان وجهًا؛ ليكون من قوله: غرق اللجام بالحلية، ولجام مغرق، منه: الإغراق في القول، وهو المبالغة، وأغرق الرامي النزع. ذكره في "الأساس". والحاصل أنه كناية عن جبنه، كما قالت الخارجية فيه: أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر وفي قوله: "بنانًا قصيرة" إدماج واستتباع لدلالته على تحقيره خلقًا وخلقًا، أي: قامة وجودًا. قوله: (يطبطب شعيرات): أي: يحرك شاربه، الجوهري: "الطبطبة: صوت الماء ونحوه، وقد تطبطب". قوله: (أخيفش): الجوهري: "الخفش: صغر في العين، وضعف في البصر خلقة، والرجل: أخفش"، و"العمش في العين: ضعف الرؤية، مع سيلان دمعها في أكثر أوقاتها، والرجل: أعمش"، ويخطر؛ أي: يتبختر. قوله: (هيهات): أي: بعد هذا القول، أي: لا يمكن أن يقال له: الصلاة أيها الرجل، لأن دون ذلك السيف، أي: بين يدي أمرهم بالمعروف القتل والضرب.
[ ١٤ / ٤٩٢ ]
وقيل: معناه لا يعب بعضكم بعضًا، لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه. وقيل: معناه: لا تفعلوا ما تلمزون به، لأن من فعل ما استحق به اللمز، فقد لمز نفسه حقيقة.
والتنابز بالألقاب: التداعي بها؛ تفاعل من: نبزه، وبنو فلان يتنابزون ويتنازبون، ويقال: النبز والنزب: لقب السوء، والتلقيب المنهي عنه، وهو ما يتداخل المدعوّ به كراهة؛ لكونه تقصيرًا به وذمًّا له وشينًا، فأما ما يحبه مما يزينه وينوّه به فلا بأس به.
روي عن النبي ﷺ: «من حق المؤمن على أخيه: أن يسميه بأحب أسمائه إليه».
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: معناه: لا تفعلوا): هو مع ما عطف عليه: عطف على قوله: "وخصوا أنفسكم_ أيها المؤمنون_ بالانتهاء"، فقوله: "أنفسكم": المراد: جنسكم، ومن هو على صفتكم في الإيمان، قال في سورة النساء عند قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]: "من كان من جنسكم من المؤمنين" فإن دليل الخطاب على معنى الاختصاص، وأن من لم يتصف بصفة الإيمان خارج من هذا الحكم، ولهذا قال: "خصوا أنفسكم_ أيها المؤمنون_ بالانتهاء"، وأتى بحديث الحجاج، ويعضده قوله: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾، ومعناه كما قال: "استقباح الجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان". وعلى الوجه الثاني: المراد من ذكر "النفس": شدة الاتصال، والإيذان بأن المؤمنين لعلقة الاتحاد في الإيمان كأنهم نفس واحدة، فمن نبز أخاه فقد نبز نفسه. وعلى الثالث: هو من إطلاق المسبب على السبب، يعني: لا تتصفوا بما أن سمع بكم سامع عابكم بسببه. والوجه الأول فيه تعسف وترخص في غيبة الفاسق، ولذلك غلب محمد بن سيرين الحسن، والوجه الثاني أوجه لموافقته: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾، وقوله: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾، وبقوله: ﴿ولا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾. قوله: (روي عن النبي ﷺ: "من حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه إليه"):
[ ١٤ / ٤٩٣ ]
ولهذا كانت التكنية من السنة والأدب الحسن، قال عمر ﵁: أشيعوا الكنى فإنها منبهة. ولقد لقب أبو بكر بالعتيق والصدّيق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله،
_________________
(١) ـ عن أبي داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم"، وعن الترمذي عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ كان يغير الاسم القبيح". قوله: (منبهة): أي: سبب للرفعة، والنباهة: الرفعة. قوله: (لقب أبو بكر بالعتيق): عن الترمذي عن عائشة قالت: "دخل أبو بكر على رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: أنت عتيق الله من النار. قالت: فمن يومئذ سمي عتيقًا". قوله: (وعمر بالفاروق): قال صاحب "الجامع": يقال: به تمت الأربعون، وظهر الإسلام يوم إسلامه، وسمي الفاروق لذلك"، وعن الترمذي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فأصبح، فغدا عمر على رسول الله ﷺ، فأسلم". قوله: (وحمزة بأسد الله): قال صاحب "الجامع": "وهو أسد الله، وكان إسلامه حمية، فاعتز الإسلام بإسلامه".
[ ١٤ / ٤٩٤ ]
وخالد بسيف الله، وقلّ من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم تجرى في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير.
روي عن الضحاك: أن قومًا من بنى تميم استهزؤا ببلال وخباب وعمار وصهيب وأبي ذرّ وسالم مولى [أبي] حذيفة، فنزلت. وعن عائشة ﵂: أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية، وكانت قصيرة. وعن ابن عباس: أن أمّ سلمة ربطت حقويها بسبيبة، وسدلت طرفها خلفها، وكانت تجرّه، فقالت عائشة لحفصة: انظري ما تجرّ خلفها، كأنه لسان كلب. وعن أنس: عيرت نساء رسول الله ﷺ أمّ سلمة بالقصر. وعن عكرمة عن ابن عباس: أن صفية بنت حيّى أتت رسول الله ﷺ، فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن: يا يهودية بنت يهوديين، فقال لها رسول الله ﷺ: «هلا قلت: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد».
روي: أنها نزلت في ثابت بن قيس، وكان به وقر، وكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله ﷺ ليسمع، فأتى يومًا وهو يقول: تفسحوا،
_________________
(١) ـ قوله: (وخالد بسيف الله): عن الترمذي عن أبي هريرة قال: "مر خالد علينا، قال رسول الله ﷺ: من هذا؟ فقلت: خالد بن الوليد، فقال: نعم عبد الله خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله". قوله: (بسبيبة): النهاية: "السبائب: جمع سبيبة، وهي شقة من الثياب، أي نوع كان، وقيل: هي من الكتان".
[ ١٤ / ٤٩٥ ]
حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ، فقال لرجل: تنح، فلم يفعل، فقال: من هذا؟ فقال الرجل. أنا فلان، فقال: بل أنت ابن فلانة. يريد أمًّا كان يعير بها في الجاهلية، فخجل الرجل، فنزلت، فقال ثابت: لا أفخر على أحد في الحسب بعدها أبدًا.
﴿الِاسْمُ﴾ ها هنا بمعنى: الذكر، من قولهم: طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم، كما يقال: طار ثناؤه وصيته، وحقيقته: ما سما من ذكره وارتفع بين الناس، ألا ترى إلى قولهم: أشاد بذكره، كأنه قيل: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائر أن يذكروا بالفسق.
وفي قوله: ﴿بَعْدَ الْإِيمانِ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: استقباح الجمع بين الايمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان ويحظره، كما تقول: بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة. والثاني: أنه كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود: يا يهودي يا فاسق، فنهوا عنه،
_________________
(١) ـ قوله: (ثناؤه وصيته): الجوهري: "الصيت: الذكر الجميل الذي ينتشر في الناس، دون القبيح". قوله: (وفي قوله: ﴿بَعْدَ الإيمَانِ﴾ ثلاثة أوجه): الانتصاف: "أقرب الوجوه الثلاثة: أولها؛ بعد أن يصرف الذم إلى نفس الفسق، لأن الاسم هو المسمى والزمخشري جزم، لأن الاسم عنده التسمية، والوجه الثاني: يحمل فيه الاسم على التسمية صريحًا، والثالث: أن الفاسق غير مؤمن، والأول هو الجاري على قاعدة السنة". قوله: (بعد الكبرة): عن بعضهم: على فلان كبرة: إذا كبر وأسن، ويقال: فلان كبرة ولد أبويه_ بكسر الكاف_: إذا كان أكبرهم، يستوي فيه المذكر والمؤنث.
[ ١٤ / ٤٩٦ ]
وقيل لهم: بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق واليهودية بعد إيمانه، والجملة على هذا التفسير متعلقة بالنهى عن التنابز. والثالث: أن يجعل من فسق غير مؤمن، كما تقول للمتحول عن التجارة إلى الفلاحة: بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة.
[﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ ١٢]
يقال: جنبه الشر: إذا أبعده عنه، وحقيقته: جعله منه في جانب، فيعدى إلى مفعولينن قال الله ﷿: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ثم يقال في مطاوعه: اجتنب الشر، فتنقص المطاوعة مفعولًا. والمأمور باجتنابه هو بعض الظن، وذلك البعض موصوف بالكثرة، ألا ترى إلى قوله: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾؟
_________________
(١) ـ قوله: (والجملة على هذا التفسير): أي: على أن تفسير ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ بما "أنه كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود: يا يهودي، يا فاسق": كالتعليل لقوله: ﴿ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾، يعني: لا تشتموهم بهذه الألفاظ، لأنه قبيح. وعلى التفسير الأول والثالث: الجملة متعلقة بقوله: ﴿ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾، على أن معناه: لا تفعلوا ما تلمزون به، كما نص عليه فيما سبق، أي: لا تتصفوا بما أن سمع بكم سامع عابكم بسببه، وهو لوجهين: أحدهما: أن لا يكون ثمة انتقال من وصف إلى وصف، بل يكون جمعًا بينهما، كما قال: "أحدهما: استقباح الجمع بين الإيمان وبين الفسق"، واستشهد له بقوله: "بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة"، وثانيهما: أن يحصل الانتقال من وصف إلى وصف، وتحويلًا منه إليه، وهو أقرب إلى مذهبه، لأن الفسق والإيمان عنده لا يجتمعان، واستشهد له بقوله: "بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة". قوله: (ألا ترى إلى قوله: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾): تعليل للأمر بالاجتناب، يعني: يجب
[ ١٤ / ٤٩٧ ]
فإن قلت: بين الفصل بين "كَثِير"، حيث جاء نكرة، وبينه لو جاء معرفة. قلت: مجيئه نكرة يفيد معنى البعضية، وإنّ في الظنون ما يجب أن يجتنب، من غير تبيين لذلك ولا تعيين، لئلا يجترئ أحد على ظنّ إلا بعد نظر وتأمّل، وتمييز بين حقه وباطله بأمارة بينة، مع استشعار للتقوى والحذر، ولو عرف لكان الأمر باجتناب الظنّ منوطًا بما يكثر منه دون ما يقل، ووجب أن يكون كل ظنّ متصف بالكثرة مجتنبًا، وما اتصف منه بالقلة مرخصا في تظننه.
والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها: أنّ كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر: كان حرامًا واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظنّ الفساد والخيانة به محرّم، بخلاف من اشتهر بين الناس بتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث، عن النبي ﷺ: «إن الله تعالى حرّم من المسلم دمه وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السوء»، وعن الحسن: كنا في زمان الظن بالناس حرام، وأنت اليوم في زمان اعمل واسكت، وظنّ بالناس ما شئت. وعنه: لا حرمة لفاجر. وعنه: إن الفاسق إذا أظهر فسقه وهتك ستره هتكه الله، وإذا استتر لم يظهر الله عليه لعله أن يتوب. وقد روي: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له.
_________________
(١) ـ أن يحمل التنكير في ﴿كَثِيرًا﴾ على "البعض"؛ لأن قوله: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ تعليل للأمر بالاجتناب، والمطابقة بين العلة والمعلول واجبة. قوله: (مع استشعار): الجوهري: "استشعر فلان الخوف: أي: أضمره". قوله: (اعمل واسكت وظن بالناس ما شئت): أي: اشتغل بخاصة نفسك، ولا تختلط بالناس، وكن على حذر منهم، لما ورد: "الحزم سوء الظن".
[ ١٤ / ٤٩٨ ]
والإثم: الذنب الذي يستحق صاحبه العقاب، ومنه قيل لعقوبته: الأثام؛ فعال منه، كالنكال والعذاب والوبال، قال:
لقد فعلت هذي النّوى بي فعلة أصاب النّوى قبل الممات أثامها
والهمزة فيه عن الواو، كأنه يثم الأعمال، أي: يكسرها بإحباطه.
_________________
(١) ـ قوله: (لقد فعلت) البيت: "أصاب النوى قبل الممات": أي: ممات النوى، أراد أن يدعو على النوى بأن لا يموت حتى يلقى جزاء ما فعل، أي: فعلت النوى في فعلة سيئة، ثم قال على سبيل الدعاء: أصاب النوى جزاءها، ويجوز أن يراد: ممات نفسه، أراد أن يدعو لنفسه بأن لا يموت حتى يرى ما يلحق بالنوى من الجزاء على فعله، فيتسلى بذلك. قوله: (والهمزة فيه عوض عن الواو، كأنه يثم الأعمال، أي: يكسرها): قال صاحب "الفرائد": "وثم" من باب "ضرب"، و"أثم" من باب "علم"، فمن أي وجه يلزم أن تكون الهمزة من الواو، وإنما مال بهذا الكلام إلى مذهبه". الجوهري: "الإثم: الذنب، وقد أثم الرجل_ بالكسر_ إثما ومأثمًا: إذا وقع في الإثم"، و"الوثم: الدق والكسر، ووثم يثم: أي: عدًا". عن بعضهم: الإثم والأثام: اسم للأفعال المبطئة عن الثواب، قال الله تعالى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]؛ أي: حملته على فعل ما يؤثمه، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]؛ أي: عذابًا، فسماه "أثامًا" لما كان منه، وكذلك تسمية النبات والشحم بندى لما كانا منه.
[ ١٤ / ٤٩٩ ]
وقرئ: "ولا تحسسوا" بالحاء، والمعنيان متقاربان، يقال: تجسس الأمر: إذا تطلبه وبحث عنه؛ تفعل من الجس، كما أن التلمس -بمعنى: التطلب- من اللمس، لما في اللمس من الطلب، وقد جاء بمعنى الطلب في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ﴾، والتحسس: التعرّف؛ من الحس، ولتقاربهما قيل لمشاعر الإنسان: الحواس؛ بالحاء والجيم.
والمراد: النهي عن تتبع عورات المسلمين ومعايبهم والاستكشاف عما ستروه. وعن مجاهد: خذوا ما ظهر، ودعوا ما ستره الله. وعن النبي ﷺ أنه خطب، فرفع صوته، حتى أسمع العواتق في خدورهنّ، قال: "يا معشر من آمن بلسانه،
_________________
(١) ـ قوله: (قيل لمشاعر الإنسان: الحواس؛ بالحاء والجيم): الراغب: "أصل الجس: مس العرق بنبضه للحكم به على الصحة والسقم، وهو أخص من الحس_ بفتح الحاء_، فإن الحس: تعرف ما يدركه الحس، والجس_ بالجيم_: تعرف حال ما من ذلك، ومن لفظ الجس اشتق: الجاسوس". قوله: (حتى أسمع العواتق): قال في "الفائق": "العاتق: الشابة أول ما أدركت، قال ابن الأعرابي: إنما سميت عاتقًا لأنها عتقت من الصبا، وبلغت أن تتزوج". قوله: (يا معشر من آمن بلسانه): روى أبو داود عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ: "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه". "تتبع الله": مشاكلة، أي: جازاه، نحو: كما تدين تدان.
[ ١٤ / ٥٠٠ ]
ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه، ولو في جوف بيته. وعن زيد بن وهب: قلنا لا بن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة ابن أبي معيط تقطر لحيته خمرًا؟ فقال ابن مسعود: إنا قد نهينا عن التجسس، فإن ظهر لنا شيء أخذنا به.
غابه واغتابه: كغاله واغتاله، والغيبة: من الاغتياب، كالغيلة: من الاغتيال، وهو: ذكر السوء في الغيبة، وسئل رسول الله ﷺ عن الغيبة،
_________________
(١) ـ قوله: (وعن زيد بن وهب) الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود. قوله: (كغاله واغتاله): الراغب: "الغول: إهلاك الشيء من حيث لا يحس به، يقال: غاله واغتاله". قوله: (وهو: ذكر السوء في الغيبة): الراغب: "الغيبة: أن يذكر الإنسان [غيره] بما فيه من عيب من غير أن أحوج إلى ذكره، قال تعالى: ﴿ولا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ ". وقال الشيخ محيي الدين النواوي: "الغيبة: كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم عاقل، وهو حرام". قوله: "ما أفهمت به غيرك": متناول للفظ الصريح والكناية والرمز والتعريض والكناية والإشارة بالعين واليد والرأس. قوله: (وسئل رسول الله ﷺ عن الغيبة): الحديث مع تغيير يسير: أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة.
[ ١٤ / ٥٠١ ]
فقال: «أن تذكر أخاك بما يكره، فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته»، وعن ابن عباس: الغيبة إدام كلاب الناس.
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ﴾ تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه، وفيه مبالغات شتى، منها: الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها: جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولًا بالمحبة، ومنها: إسناد الفعل إلى "أحدكم"، والإشعار بأن أحدًا من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها: أن لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، حتى جعل الإنسان أخًا، ومنها: أن لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعل ميتًا. وعن قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة مدوّدة أن تأكل منها، كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي.
وانتصب ﴿مَيْتًا﴾ على الحال من "اللحم"، ويجوز أن ينتصب عن "الأخ"، وقرئ: "ميتًا"، ولما قرّرهم ﷿ بأنّ أحدًا منهم لا يحب أكل جيفة أخيه، عقب ذلك بقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾، معناه: فقد كرهتموه واستقرّ ذلك، وفيه معنى الشرط، أي: إن صحّ هذا فكرهتموه، وهي الفاء الفصيحة، أي: فتحققت -بوجوب الإقرار عليكم، وبأنكم لا تقدرون على دفعه وإنكاره؛ لإباء البشرية عليكم أن تجحدوه- كراهتكم له وتقذركم منه، فليتحقق أيضًا أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة والطعن في أعراض المسلمين.
_________________
(١) ـ قوله: (فقد بهته): النهاية: "البهت: الكذب والافتراء، يقال: بهته يبهته". قوله: (وقرئ: "ميتًا"): بتشديد الياء: نافع، والباقون: بإسكانها. قوله: (ولما قررهم تعالى بأن أحدًا منهم لا يجب أكل جيفة أخيه، عقب ذلك بقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾: يعني: لما ضرب لهم ذلك المثل على أبلغ الوجوه، وصدره بهمزة التقرير، رتب عليه قوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾؛ إيذانًا بتبكيتهم، وأنه لا يمكنهم من أن لا يجيبوا بقولهم: لا نحبه، وهو المراد من قوله: "يوجب الإقرار عليكم، وبأنكم لا تقدرون على دفعه وإنكاره، لإباء البشرية عليكم أن تجحدوه". ؟
[ ١٤ / ٥٠٢ ]
_________________
(١) وللاهتمام بشأن هذا المعنى أوقع اعتراضًا بين الفعل؛ أعني: "فتحققت"، وبين فاعله؛ أي: "كراهتكم"، فعند ذلك يقال لهم: "فكرهتموه"، تقريرًا لجوابهم، وتثبيتًا لكراهتهم واستقذارهم ذلك، وتمهيدًا لأن يعقب بقوله: "فليحقق أيضًا أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة والطعن في أعراض المسلمين". ويؤيد هذا ما جاء في نسخة الإمام المغفور [له] نظام الدين الطوسي: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ معناه: فقد كرهتموه، واستقر ذلك، وفيه معنى الشرط، أي: أن صح هذا فكرهتموه، وهي الفاء الفصيحة، أي: "فتحققت" إلى آخره. والفاء مثلها في قول الشاعر: قالوا: خراسان أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا روى السيد ابن الشجري في "الأمالي": أن أبا علي ذكر في كتاب "التذكرة" أن المعنى: فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة واتقوا الله. فقوله: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ عطف على قوله: "فاكرهوا"؛ لدلالة الكلام عليه، كقوله تعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠]، أي: فضرب فانفجرت، وقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ كلام مستأنف، وإنما دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الجواب، فكأنهم لما قالوا_ في جواب قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ _: لا، فقال: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾، أي: فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة. فإذن: المعنى على: فكما كرهتموه، وإن لم تكن"كما" مذكورة، كما أن قولهم: "ما تأتيني فتحدثني"، المعنى: ما تأتيني فكيف تحدثني؟ ! وإن لم تكن "كيف" مذكورة، وإنما هي مقدرة". ثم قال السيد: "هذا التقدير بعيد؛ لأنه قدر المحذوف موصولًا، وهو "ما" المصدرية، وحذف الموصول وإبقاء صلته رديء ضعيف، ولو قدر المحذوف مبتدأ لكان جيدًا، لأن حذف المبتدأ كثير، أي: فهذا كرهتموه، والجملة المقدرة مبتدئية، لا أمرية كما قدرها أبو علي، وإنما قدرها أمرية ليعطف عليها قوله: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾، فإنها أمرية أيضًا، ولا حاجة إليها، لأن
[ ١٤ / ٥٠٣ ]
وقرئ: "فكرهتموه"، أي: جبلتم على كراهته. فإن قلت: هلا عدّي بـ"إلى"، كما عدّي في قوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ [الحجر: ٧]، وأيهما القياس؟ قلت: القياس تعدّيه بنفسه، لأنه ذو مفعول واحد قبل تثقيل حشوه، تقول: كرهت الشيء، فإذا ثقل استدعى زيادة مفعول، وأما تعدّيه بـ"إلى" فتأوّل وإجراء لـ"كره" مجرى "بغض"، لأنّ "بغض" منقول من: بغض إليه الشيء، فهو بغيض إليه، كقولك: حب إليه الشيء، فهو حبيب إليه.
والمبالغة في "التواب" للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده، أو لأنه ما من ذنب يقترفه المقترف إلا كان معفوًا عنده بالتوبة، أو لأنه بليغ في قبول التوبة، منزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط، لسعة كرمه
_________________
(١) ـ قوله: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ عطف على الجملة النهيية، وهي: ﴿ولا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾، والعطف على المذكورة أولى من المقدرة، والإشارة في المبتدأ الذي قدرته_ وهو "هذا"_ موجهة إلى الأكل الذي وصفه الله، كأنه لما قدر أنهم قالوا: "لا"، في جواب قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾، قيل: فهذا كرهتموه، والغيبة مثله. فتأمل". وقال ابن الحاجب في "الأمالي": "إنه تعالى لما نهى عن الغيبة شبهها بما هو مكروه من معتادهم، وهو أكل لحم المغتاب ميتًا، وأتى به على صفة الإنكار؛ تنبيها على أنه مما لا يفعلونه، ثم كان ذلك التنبيه سبيلًا لذكر تحقق الكراهة وثبوتها مسببًا عن هذا التشبيه الذي قصد به تأكيد كراهة ما نهي عنه، إذ به يتحقق توبيخهم في وقوعهم في الغيبة المشبهة بما يأبونه ويكرهونه". قوله: (بليغ في قبول التوبة): يعني: تواب: فعال؛ تقتضي الكثرة، وهي إما بحسب تعدد التائبين أو تعدد ذنوب كثيرة لتائب واحد، أو أنه إذا تاب عن ذنب واحد أغرق في العفو.
[ ١٤ / ٥٠٤ ]
والمعنى: واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه، والندم على ما وجد منكم منه، فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم، وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين.
وعن ابن عباس: أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة، ويسوّي لهما طعامهما، فنام عن شأنه يومًا، فبعثاه إلى رسول الله ﷺ يبغي لهما إدامًا، وكان أسامة على طعام رسول الله ﷺ، فقال: ما عندي شيء، فأخبرهما سلمان، فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميجة لغار ماؤها، فلما راحا إلى رسول الله ﷺ، قال لهما: مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما، فقالا: ما تناولنا لحمًا، فقال: إنكما قد اغتبتما، فنزلت.
[﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١٣]
﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ من آدم وحوّاء. وقيل: خلقنا كل واحد منكم من أبٍ وأمٍّ، فما منكم أحدٌ إلا وهو يدلي بمثل ما يدلي به الآخر، سواءً بسواء، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب. والشعب: الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب، وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة. فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ،
_________________
(١) ـ قوله: (إلى بئر سميجة): بالجيم على التصغير، ويروى: "سحيمة" بالحاء المهملة، قيل: هي بئر من آبار مكة، ولم أجدلها ذكرًا في الكتب المعتبرة. قوله: (خضرة اللحم): النهاية: "في الحديث: "أن الدنيا حلوة خضرة"، أي: غضة طرية ناعمة". قوله: (وهو يدلي): المغرب: "فلان يدلي إلى الميت بذكر، أي: يتصل، ودلاه من سطح بحبل، أي: أرسله، فتدلى".
[ ١٤ / ٥٠٥ ]
والفخذ تجمع الفصائل؛ خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. وسميت الشعوب؛ لأنّ القبائل تشعبت منها.
وقرئ: "لتتعارفوا" و"لتعارفوا" بالإدغام، و"لتعرفوا"، أي: لتعلموا كيف تتناسبون، و"لتتعرفوا". والمعنى: أنّ الحكمة التي من أجلها رتبكم على شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض، فلا يعتزى إلى غير آبائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد، وتدعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب.
ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره، ويكتسب الشرف والكرم عند الله، فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ﴾، وقرئ: "أنّ" بالفتح، كأنه قيل: لم لا يتفاخر بالأنساب؟ فقيل: لأنّ أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم.
_________________
(١) ـ قوله: (و"لتعرفوا"): قال ابن جني: "وهي قراءة ابن عباس، والمفعول محذوف، أي: لتعرفوا ما أنتم محتاجون إليه، كقوله: وما علم الإنسان إلا ليعلما أي: ليعلم ما علمته، أي: ليعلم ما يدعو إلى علم ما علمه، وما أعذب هذا الحذف، وما أغربه لمن يعرف مذهبهم". قوله: (ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره): يعني: فصل قوله: ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ عما قبله ليكون الكلام الأول كالمورد للسؤال، وذلك أنه تعالى لما علل الخلق بالتعارف، على معنى: ليس التشعب والقبائل للتفاضل والتفاخر، بل لأن يعرف بعض
[ ١٤ / ٥٠٦ ]
وعن النبي ﷺ: أنه طاف يوم فتح مكة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «الحمد الله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها، يا أيها الناس، إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هين على الله»، ثم قرأ الآية. وعنه ﵇: "من سرّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله". وعن ابن عباس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى.
_________________
(١) ـ الخلق بعضًا، ويتميز شخص من شخص، فقيل: بأي شيء التفاخر؟ ومن الذي يستحق المأثرة والمفخرة؟ فقيل: من هو أتقى لله وأخشى له، ومن يكون عالمًا بالله وبصفاته. قال في "المرشد": "الوقف على ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ تام، وقال أبو حاتم: ولا يجوز: لتعرفوا أن أكرمكم عن الله أتقاكم، لم يجعلهم شعوبًا وقبائل ليعرفوا أن أكرمهم عند الله أتقاهم، وإنما جعلهم كذلك ليعرف بعضهم نسب بعض وقرابته". قوله: (أنه طاف يوم فتح مكة) الحديث: من رواية الترمذي عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم فتح مكة فقال: يا أيها الناس، أن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان؛ برتقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، الناس كلهم بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ". النهاية: "عبية الجاهلية: الكبر، وتضم عينها وتكسر، وهي "فعولة" أو" فعلية"، فإن كانت "فعولة" فهي من التعبية، لأن المتكبر ذو تلكف وتعبية، وإن كانت "فعلية" فهي من عياب الماء، وهو أوله وارتفاعه".
[ ١٤ / ٥٠٧ ]
_________________
(١) الراغب: "عبأت الجيش: هيأته، وعبية الجاهلية: ما هي مدخرة في أنفسهم من حميتهم المذكورة في قوله تعالى: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] "، قيل: كبرها؛ من عب البحر: إذا زخر. وفي معناه: ما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: "أنسابكم هذه ليست بمسة على أحد، كلكم بنو آدم، طف الصاع بالصاع لم تملؤوه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو تقوى، كفى بالرجل أن يكون بذيئا ً فاحشًا بخيلًا". النهاية: "أي: قريب بعضكم من بعض، بقال: هذا طف المكيال وطفافه وطفافه، أي: ما قرب من ملئه، وقيل: هو ما علا فوق رأسه، ويقال له أيضًا: طفاف بالضم، والمعنى: كلكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام، وشبههم في نقصانهم بالمكيل الذي لم يبلغ أن يملأ المكيال، ثم أعلمهم أن التفاضل ليس بالنسب، ولكن بالتقوى". الراغب: "كل شيء يشرف في بابه فإنه يوصف بالكرم، قال بعض العلماء: الكرم كالحرية، إلا أن الحرية قد تقال في المحاسن الصغيرة، والكرم لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة، وقوله تعالى: ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [فإنما كان كذلك] لأن الكرم
[ ١٤ / ٥٠٨ ]
وعن يزيد بن شجرة: مرّ رسول الله ﷺ في سوق المدينة، فرأى غلامًا أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط؛ لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله ﷺ، فاشتراه رجل، فكان رسول الله ﷺ يراه عند كل صلاة، ففقده يومًا، فسأل عنه صاحبه، فقال: محموم، فعاده، ثم سأل عنه بعد ثلاثة أيام، فقال: هو لما به، فجاءه وهو في ذمائه، فتولى غسله ودفنه، فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم، فنزلت.
[﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌؤ ١٤]
الإيمان: هو التصديق بالله مع الثقة وطمأنينة النفس. والإسلام: الدخول في السلم، والخروج من أن يكون.
_________________
(١) ـ الأفعال المحمودة، وأكرمها ما يحصل به أشرف الوجوه، وأشرف الوجوه: ما يقصد به وجه الله، فمن قصد ذلك بمحاسن فعله فهو التقي، فإذن: أكرم الناس أتقاهم". قوله: (هو لما به): روي عن المصنف أنه قال: أي: هو متهيئ للموت الذي لاصق به، لا بدله منه. وقال غيره: أي: هو مملوك لما به، وهو مرض موته، والذماء: الحشاشة، وهي بقية الروح في المذبوح. قوله: (الإيمان: هو التصديق بالله مع الثقة): قال الزجاج: "الفرق بين المؤمن والمسلم: هو أن الإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به النبي ﷺ، وبذلك يسحقن الدم، فإذا كان مع ذلك اعتقاد وتصديق بالقلب، فصاحبه مؤمن مسلم، قال الله تعالى: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، أي: أولئك إذا قالوا: "مؤمنون" فهم الصادقون. وأما من أظهر قبول الشريعة، واستسلم لدفع المكروه، فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدق، فهو الذي
[ ١٤ / ٥٠٩ ]
حربًا للمؤمنين بإظهار الشهادتين. ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، فاعلم أنّ ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب: فهو إسلام، وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان.
فإن قلت: ما وجه قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا﴾، والذي يقتضيه نظم الكلام أن يقال: "قل: لا تقولوا: آمنا، ولكن قولوا: أسلمنا"، أو "قل: لم تؤمنوا، ولكن أسلمتم"؟
_________________
(١) ـ يقول: "أسلمت"، لأن الإيمان لا بد في الشريعة أن يكون صاحبه صديقًا، لأن قولك "آمنت بكذا وكذا" معناه: صدق به". الراغب: "الإسلام في الشريعة ضربان: أحدهما دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يحقن الدم، حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل، وإياه عني بقوله: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا ولَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. والثاني فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدر، كما ذكر عن إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] ". قوله: (حربًا للمؤمنين): أي: عدوًا، الجوهري: "أنا حرب لمن حاربني؛ أي: عدو". قوله: (والذي يقتضيه نظم الكلام): يعني: قوله: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا ولَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾: رد لقول الأعراب: "آمنا"، وظاهر ما تقتضيه كلمة الاستدراك أن يجابوا بقوله: "لا تقولوا: آمنا، ولكن قولوا: أسلمنا"، فيجاء بإثبات القول مع نفيه، أو بترك القول في القرينتين ويقال: "لم تؤمنوا، ولكن أسلمتم".
[ ١٤ / ٥١٠ ]
_________________
(١) وأجاب أن مقتضى كلمة الاستدراك حاصل من حيث المعنى اشتمال الكلام على فوائد جمة، أما قوله: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾ فتكذيب لدعوتهم ودفع لما انتسبوا إليه، يعني: ادعيتم بقولكم: "آمنا": أننا أحدثنا الإيمان، وهو كذب محض، لأنه ما صدر منك الإيمان قط، وقوله: ﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾: أمر بالاعتراف بما أحدثوا من الانقياد ظاهرًا من غير مواطأة من القلب. ثم في كل من القرينتين عدول من أصل؛ أما الأولى: فإن الأصل أن يقال: "كذبتم"، أو "لا تقولوا: آمنا"، لتوافق قرينتها، فعدل من "كذبتم" إلى ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾؛ لئلا يلبسوا لمن يكافحهم به جلد النمر، على أن المطلوب حاصل بأبلغ وجه، لأن الآية التالية مقابلة لهذه، وفيها: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ تعريضًا بأن هؤلاء هم الكاذبون، على سبيل الحصر، ويحصل من ذلك ذمهم ومدح من يضادهم على سبيل البت والقطع، وهو المراد من قوله: "ورب تعريض لا يقاومه التصريح". وعدل من "لا تقولوا: آمنا" إلى ما عليه التلاوة، لنه لو قيل: "لا تقولوا: آمنا"، لا ستهجن من الشارع، لأنه لم يبعث إلا للدعوة إلى الإيمان، لا للنهي عنه، وإلى معناه ينظر قول الفرزدق: ما قال "لا" قط إلا في تشهده لولا التشهد لم ينطق بذاك فم وأما القرينة الثانية: فإنها أيضًا مشتملة على نكتة، لأن مقتضى الظاهر_ على ما جاء في السؤال_ أن يقال: "أسلمتم"، ليطابق: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾، فعدل إلى: ﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾؛ ليعلمهم أن اللائق بحالهم أن يقال لهم: "قولوا: أسلمنا"؛ ليؤذن بأن تلك الدعوى باطلة، وأنها بمجرد اللسان،
[ ١٤ / ٥١١ ]
قلت: أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أوّلًا، ودفع ما انتحلوه، فقيل: ﴿قَلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾، وروعي في هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرّح بلفظه، فلم يقل: كذبتم، ووضع ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ -الذي هو نفي ما ادعوا إثباته- موضعه، ثم نبه على ما فعل من وضعه موضع "كذبتم" في قوله في صفة المخلصين: ﴿أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، تعريضًا بأن هؤلاء هم الكاذبون، ورب تعريض لا يقاومه التصريح، واستغنى بالجملة التي هي ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ عن أن يقال: "لا تقولوا: آمنا"؛ لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤدّاه النهي عن القول بالإيمان، ثم وصلت بها الجملة المصدّرة بكلمة الاستدراك محمولة على المعنى، ولم يقل: "ولكن أسلمتم"؛ ليكون خارجًا مخرج الزعم والدعوى، كما كان قولهم: ﴿آمَنَّا﴾ كذلك، ولو قيل: "ولكن أسلمتم"، لكان خروجه في معرض التسليم لهم والاعتداد بقولهم، وهو غير معتدّ به.
فإن قلت: قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ يشبه التكرير من غير استقلال بفائدة متجددة. قلت: ليس كذلك، فإن فائدة قوله: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ هو تكذيب دعواهم، وقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ توقيت لما أمروا به أن يقولوه،
_________________
(١) ـ لأن القول قد يستعمل في الزعم، ولو قيل: "أسلمتم"، لكان خلوًا من هذه النكتة، وإليه الإشارة بقوله: "ولو قيل: ولكن أسلمتم، لكان خروجه في معرض التسليم لهم، والاعتداد بقوله". قال صاحب "النهاية: "وفي الحديث: "لما أراد ﷺ أن يعتكف ورأى الأخبية في المسجد، فقال ﷺ: آلبر تقولون بهن"، أي: أتظنون وترون وترون أنهن أردن البر؟ "، أي: نساءه ﷺ. قوله: (توقيت لما أمروا به): أي: تعيين وتبيين، المغرب: "الوقت: من الأزمنة المهمة، ثم استعمل في كل حد، ومنه قولهم: هل في ذلك وقت، أي: حد بين القليل والكثير، وقد اشتقوا منه، فقالوا: وقت الله الصلاة ووقتها؛ أي: بين وقتها وحدده".
[ ١٤ / ٥١٢ ]
كأنه قيل لهم: وَلكِنْ قُولُوا: "أَسْلَمْنا" حين لم تثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم. لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في ﴿قُولُوا﴾، وما في "لَمَّا" من معنى التوقع: دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد.
﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ لا ينقصكم ولا يظلمكم، يقال: ألته السلطان حقه أشدّ الألت، وهي لغة غطفان، ولغة أسد وأهل الحجاز: لاته ليتًا، وحكى الأصمعي عن أمّ هشام السلولية أنها قالت: الحمد لله الذي لا يفات ولا يلات، ولا تصمه الأصوات. وقرئ باللغتين: ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾، و"لا يألتكم"، ونحوه في المعنى: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾] الأنبياء: ٤٧].
_________________
(١) ـ قوله: (لأنه كلام واقع موقع الحال): تعليل لقوله: "توقيت لما أمروا به"، يعني: أن قوله: ﴿ولَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ بمنزلة الحال المقيدة للمطلق، المعينة لمعنى قوله: ﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، لأن قوله: ﴿ولَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أبين منه، ولذلك أوقع موضع "لما": "حين"، وجعله كالقيد لقوله: "قولوا: "أسلمنا"_ في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ _حين لم تثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم". قوله: (دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد): قال المصنف: "لما: في المعنى التوقع، وهي في النفي نظيرة "قد" في الإثبات"، يعني: دخول الإيمان في قلوبكم متوقع، وأنتم الآن لستم من الإيمان على شيء، فلا تقولوا: آمنا. حاصل الجواب: أنه تكرير، لكنه مستقل بفائدة زائدة، لأنه علم من الأول نفي الإيمان عنهم، ومن الثاني نفيه مع توقيع حصوله. قوله: (الحمد لله الذي لا يفات): أي: لا يسبق، الأساس: "فاتني بكذا: سبقني وذهب به عني". قوله: (ولا تصمه الأصوات): أي: لا تجده أصم، يقال: أصممته، أي: وجدته أصم. قوله: (وقرئ باللغتين): قرأ أبو عمرو: "ولا يألتكم"؛ بهمزة ساكنه بعد الياء، وإذا خفف
[ ١٤ / ٥١٣ ]
ومعنى طاعة الله ورسوله: أن يتوبوا عما كانوا عليه من النفاق، ويعقدوا قلوبهم على الإيمان، ويعملوا بمقتضياته، فان فعلوا ذلك تقبل الله توبتهم، ووهب لهم مغفرته، وأنعم عليهم بجزيل ثوابه.
وعن ابن عباس: أنّ نفرًا من بنى أسد قدموا المدينة في سنة جدبة، فأظهروا الشهادة، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وهم يغدون ويروحون على رسول الله ﷺ، ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والذراري، يريدون الصدقة ويمنون عليه، فنزلت.
[﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١٥]
ارتاب: مطاوع "رابه"؛ إذا أوقعه في الشك مع التهمة. والمعنى: أنهم آمنوا، ثم لم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به، ولا اتهام لمن صدّقوه واعترفوا بأنّ الحق معه.
فإن قلت: ما معنى "ثم" ها هنا، وهي للتراخي، وعدم الارتياب يجب أن يكون مقارنًا للإيمان، لأنه وصف فيه، لما بينت من إفادة الإيمان معنى الثقة والطمأنينة التي حقيقتها التيقن وانتفاء الريب؟ قلت: الجواب على طريقين:
أحدهما: أنّ من وجد منه الإيمان ربما اعترضه الشيطان أو بعض المضلين بعد ثلج الصدر، فشككه، وقذف في قلبه ما يثلم يقينه،
_________________
(١) ـ أبدلها ألفًا، والباقون بغير همز ولا ألف: ﴿لا يَلِتْكُم﴾. قال الواحدي: "لا يألتكم: من ألت يألت ألتكم: من ألت يألت ألتًا: إذا نقص، ويقال أيضًا: لات يليت ليتًا، بهذا المعنى". قوله: (بعد ثلج الصدر): الأساس: "ثلجت نفسه بكذا: بردت وسرت، والحمد لله على بلج الحق وثلج اليقين".
[ ١٤ / ٥١٤ ]
أو نظر هو نظرًا غير سديد يسقط به على الشك، ثم يستمرّ على ذلك راكبًا رأسه لا يطلب له مخرجًا، فوصف. المؤمنون حقًّا بالبعد عن هذه الموبقات. ونظيره قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠].
_________________
(١) ـ قوله: (راكبًا رأسه كالدابة التي يمر بها السير، ولا تشعر أين المقصد، وإليه الإشارة بقوله: "لا يطلب له مخرجًا". قوله: (ونظيره قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾): وعن بعضهم: "ذكر ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ في "حم السجدة" مثالًا لتراخي الرتبة، والوجهان في تراخي الزمان، فلا يناسبه". قلت: الوجه الأول نظيره قطعًا؛ لأن قوله هنا: "فوصف المؤمنون حقًا بالبعد عن هذه الموبقات"، أي: المذكورات من قوله: "ربما اعترضه الشيطان" إلى آخره، وقوله هناك: "ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته" متقاربان معنى، فدل قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على أنهم من الذين وجد منهم الإيمان، ومثل هذا الإيمان قد لا يؤمن فيه من اعتراض شيطان، وإضلال مضل _كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ [فصلت: ٣٠]_، فعقب بقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، ليؤذن بأنهم في الرسوخ كالجبال، لا يزلزلهم اعتراض معترض ولا إضلال مضل، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]. وأما الوجه الثاني: فمرجعه إلى الأول في أن الثاني أعلى رتبة من الأول، لأنه حينئذ من باب قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ … وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وقوله: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، يدل عليه قوله في السؤال: "عدم الارتياب يجب أن يكون مقارنًا للإيمان، لأنه وصف فيه"، وقال هنا: "وزوال الريب لما كان ملاك الإيمان أفرد بالذكر"، وكان من حق الظاهر أن
[ ١٤ / ٥١٥ ]
والثاني: أنّ الإيقان وزوال الريب لما كان ملاك الإيمان، أفرد بالذكر بعد تقدّم الايمان؛ تنبيهًا على مكانه، وعطف على الإيمان بكلمة التراخي؛ إشعارًا باستقراره في الأزمنة المتراخية المتطاولة، غضًّا جديدًا.
﴿وَجاهَدُوا﴾ يجوز أن يكون المجاهد منويًا،
_________________
(١) ـ يجاء بالواو - كما في المثالين -، ولكن عدل إلى كلمة التراخي للإشعار باستقراره غضًا طريًا مع طول الزمان، ما اعترضه شيطان، ولا اعتراه مضل. والفرق بين الاستمرارين هو أن الاستمرار_ على الأول_ استمرار المجموع، نحو: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، أي: استمر إيمانهم مع عدم الارتياب، وعلى الثاني: الاستمرار معتبر في الجزء الأخير، ولذلك قال: "غضًا طريًا"، وإذا كان عدم الارتياب_ كما قال في السؤال_ "مقارنًا للإيمان، لأنه وصف فيه""، كيف يتصور تراخيه عن الإيمان بحسب الزمان حقيقة؟ ! قوله: (يجوز أن يكون المجاهد منويًا): "المجاهد": بفتح الهاء. اعلم أن هاهنا ألفاظًا ثلاثة: أحدهما: ﴿وَجَاهَدُوا﴾، وهو مطلق يجوز أن يقصد به العموم؛ ليتناول جميع ما يصح إطلاقه عليه، وأن يترك على إطلاقه، فلا ينوى له المجاهد؛ ليفيد أنهم يوجدون تلك الحقيقة، ويستفرغون وسعهم وجهدهم عنها. وثانيها: قوله: ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾، وقد علق به ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، وهو أيضًا يحتمل الغزو، وأن يقصد به العموم في العبادات، لأنها كلها في سبيله وجهته.
[ ١٤ / ٥١٦ ]
وهو العدوّ المحارب أو الشيطان أو الهوى، وأن يكون "جاهد" مبالغة في: جهد. ويجوز أن يراد بالمجاهدة بالنفس: الغزو، وأن يتناول العبادات بأجمعها، وبالمجاهدة بالمال: نحو ما صنع عثمان ﵁ في جيش العسرة، وأن يتناول الزكوات وكل ما يتعلق بالمال من أعمال البر التي يتحامل فيها الرجل على ماله لوجه الله.
﴿أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ الذين صدقوا في قولهم: آمنا، ولم يكذبوا،
_________________
(١) ـ وثالثها: قوله: ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾، وحكمه حكم "أنفسهم". وقد اعتبر المصنف كل ذلك في تقريره. فإن قلت: في التنزيل: ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾ مقدم على" أنفسهم"، فلم خالف؟ قلت: ليؤذن بأن المجاهدة بالنفس أعلى رتبة من المجاهدة بالمال وحده، وأصل في الاعتبار، وإنما قدم في التنزيل تعريضًا بالإنسان وحرصه على جمع المال، فإن الحريص يبذل مهجته في تحصيل المال، وأن المال شقيق الروح، وهو العيار في الإخلاص، لأن المنافق قد يغزو للأغراض، ولكن لا يتسهل له بذل المال. قوله: (نحو ما صنع عثمان ﵁ جيش العسرة): روى الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن عبد الرحمن بن سمرة قال: "جاء عثمان ﵁ إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه، حين جهز جيش العسرة، فصبها في حجر النبي ﷺ، فجعل يقلبها بيده، وقال: ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم، يرددها مرارًا". قوله: (يتحامل فيها): في "النهاية": "تحاملت الشيء: تكلفته على مشقة".
[ ١٤ / ٥١٧ ]
كما كذب أعراب بني أسد، أو: هم الذين إيمانهم إيمان صدق وإيمان حق وجدّ وثبات.
[﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١٦]
يقال: ما علمت بقدومك، أي: ما شعرت به ولا أحطت به، ومنه قوله: ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ وفيه تجهيل لهم.
[﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ١٧ - ١٨]
يقال: منّ عليه بيد أسداها إليه، كقولك: أنعم عليه، وأفضل عليه.
_________________
(١) ـ قوله: (أو: هم الذين إيمانهم إيمان صدق): يعني: من الجائز أن يحمل الكلام على مذهب من يجعل الضمير فصلًا، ولا يرى له محلًا، فيفيد الاختصاص وأن هؤلاء لم يكذبوا كما كذب أعراب بني أسد، يعني: في قولهم: "آمنا"، أو على قول من يرى له محلًا، فيفيد تقوي الحكم، وأنهم آمنوا إيمان صدق وجد وثبات. والأول أوجه لما سبق أن قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ تعريض، وأنه هو المنبه على أن قوله: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا﴾ وضع موضع "كذبتم". قوله: (وفيه تجهيل لهم): عن بعضهم: أي: أتجعلون الله محيطًا بدينكم، فيعلم ظاهره وباطنه وتفصيله، وفيه تهكم بهم، ولا يكو معناه: أتعلمون الله دينكم، لأن معنى ذلك: أتجعلون الله عالمًا بعد الجهل. يريد: أن الباء في ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ ليست بزائدة، بل هي لتضمين العلم معنى الإحاطة.
[ ١٤ / ٥١٨ ]
والمنة: النعمة التي لا يستثيب مسديها. من يزلها إليه، واشتقاقها من "المنّ" الذي هو القطع، لأنه إنما يسديها إليه ليقطع بها حاجته لا غير، من غير أن يعمد لطلب مثوبة، ثم يقال: منّ عليه صنعه، إذا اعتده عليه منة وإنعامًا.
_________________
(١) ـ قوله: (مسديها): النهاية: "في الحديث: "من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه"، أسدى وأولى وأعطى: يقال: أسديت إليه معروفًا أسدي إسداء". قوله: (من يزلها إليه): النهاية: "في الحديث: "من أزلت إليه نعمة فليشكرها"، أي: أسديت إليه وأعطيها، وأصلها من الزليل، وهو انتقال الجسم من مكان إلى مكان، فاستعير لانتقال النعمة من المنعم إلى المنعم عليه، يقال: زلت منه نعمة، وأزلها إليه". قوله: (واشتقاقها من المن): الراغب: "المن: ما يوزن به، والمنة: النعمة الثقيلة، وذلك على وجهين: أحدهما: بالفعل، فيقال: من عليه؛ إذا أثقله بالنعمة، قال تعالى: ﴿يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا الله تعالى. والثاني: بالقول: وذلك مستقبح فيما بين الناس إلا عند كفران النعمة، قيل: وإذا كفرت النعمة حسنت المنة. وقوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾: فالمنة منهم بالقول، ومنه الله عليهم بالفعل، وهو هدايته إياهم كما ذكر. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: قيل: غير معدود، كما قال: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وقيل: غير مقطوع ولا منقوص. ومنه: المنون؛ للمنية، لأنها تنقص العدد، وتقطع المدد، وقيل: المنة بالقول من
[ ١٤ / ٥١٩ ]
وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة، وذلك أنّ الكائن من الأعاريب قد سماه الله إسلامًا، ونفى أن يكون -كما زعموا- إيمانًا، فلما منوا على رسول الله ﷺ ما كان منهم، قال الله ﷾ لرسوله ﵇: إنّ هؤلاء يعتدّون عليك بما ليس جديرًا بالاعتداد به من حدثهم الذي حق تسميته أن يقال له: "إسلام"، فقل لهم: لا تعتدوّا عليّ إسلامكم، أي: حدثكم المسمى "إسلامًا" عندي لا "إيمانًا"، ثم قال: بل الله يعتدّ عليكم أن أمدّكم بتوفيقه حيث هداكم للإيمان، على ما زعمتم وادعيتم أنكم أرشدتم إليه ووفقتم له، إن صحّ زعمكم وصدقت دعواكم، إلا أنكم تزعمون وتدعون ما الله عليم بخلافه.
وفي إضافة "الإسلام" إليهم،
_________________
(١) ـ هذا، لأنها تقطع النعمة، وتقتضي قطع الشكر. قوله: (وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة): وبيانه: أن الأعراب لما قدموا المدينة، وأظهروا الشهادة، وكانوا يغدون ويروحون على رسول الله ﷺ، ويمنون عليه صلوات الله عليه بقولهم: "آمنا"، وساقوا الكلام مساق الإخبار عن إحداث الإيمان ليكون في معرض الامتنان، فأمر الله ﷾ حبيبه صلوات الله عليه أن يجيب عن إحداث الإيمان، بقوله: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا ولَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، ثم نبهه على مكان الامتنان بقوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾، وأمره بأن يجيب عنه بقوله: ﴿قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ﴾، فوضع موضع: "ما ليس جديرًا بالاعتداد". قوله: (إسلامكم): والاستثناء في قوله: "إلا أنكم تزعمون" منقطع. قوله: (وفي إضافة "الإسلام" إليهم): يعني: معنى إضافة "الإسلام" إليهم: أنه الإسلام الذي تعورف واشتهر من أمثالهم، وما يليق أن ينسب إليهم. ومعنى إيراد "الإيمان" غير مضاف إليهم، بل محلى بلام التعريف: أنه الإيمان الكامل، وما يقال له عند الله وعند الموحدين: إنه إيمان.
[ ١٤ / ٥٢٠ ]
وإيراد "الإيمان" غير مضاف: ما لا يخفى على المتأمل، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، تقديره: إن كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان، فلله المنة عليكم.
وقرئ: "إن هداكم"، بكسر الهمزة، وفي قراءة ابن مسعود: "إذ هداكم".
وقرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾، بالتاء والياء، وهذا بيان لكونهم غير صادقين في دعواهم، يعني: أنه ﷿ يعلم كل مستتر في العالم، ويبصر كل عمل تعملونه في سركم وعلانيتكم، لا يخفى عليه منه شيء، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم، ولا يظهر على صدقكم وكذبكم؟ ! وذلك أنّ حاله مع كل معلوم واحدة لا تختلف.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه».
_________________
(١) ـ وقريب من هذا البحث ما يقال في قوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور: ٥٣]، أي: الذي يطلب منكم طاعة معروفة فعلًا، أو طاعتكم طاعة معروفة قولًا. قوله: (قرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء والياء): ابن كثير: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء. قوله: (ولا يظهر على صدقكم): أي: لا يطلع الله. قوله: (أن حاله): الضمير لله ﷿، والأولى والأقرب إلى الأدب: أن شأنه ﷿، لقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. تمت السورة حامدًا لله تعالى، ومصليًا على رسوله. * * *
[ ١٤ / ٥٢١ ]