مدنية، وهي تسع وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والْبَاطِنُ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ ومَا يَخْرُجُ مِنْهَا ومَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ ومَا يَعْرُجُ فِيهَا وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وإلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ويُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١ - ٦]
جاء في بعض الفواتح: ﴿سَبَّحَ﴾ على لفظ الماضي، وفي بعضها على لفظ المضارع، وكل واحد منهما معناه: أن من شأن من أسند إليه التسبيح أن يسبحه،
_________________
(١) سورة الحديد مكية، وهي تسع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (جاء في بعض الفواتح: ﴿سَبَّحَ﴾ على لفظ الماضي)، وقلت: وجاء في "بني إسرائيل": بلفظ المصدر، وفي "الحديد" والصف": بالماضي، وفي "الجمعة" و"التغابن":
[ ١٥ / ٢٢٨ ]
وذلك هجيراه وديدنه، وقد عدى هذا الفعل باللام تارةً، وبنفسه أخرى في قوله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: ٩] وأصله: التعدي بنفسه، لأن معنى سبحته: بعدته عن السوء، منقول من سبح: إذا ذهب وبعد، فاللام لا تخلو إما أن تكون مثل اللام في: نصحته، ونصحت له، وإما أن يراد بسبح لله: أحدث التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصًا.
﴿مَا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ ما يتأتى منه التسبيح ويصبح.
فإن قلت: ما محل ﴿يُحْيِي﴾؟
قلت: يجوز أن لا يكون له محل، ويكون جملةً برأسها؛ كقوله: ﴿لَهُ مُلِكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧] وأن يكون مرفوعًا على: هو يحيي ويميت، ومنصوبًا حالًا من المجرور في ﴿لَهُ﴾ والجار عاملًا فيها. ومعناه: يحيي النطف والبيض والموتى يوم القيامة، ويميت الأحياء.
﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ هو القديم الذي كان قبل كل شيء ﴿والآخِرُ﴾ الذي يبقى بعد هلاك كل شيء، ﴿والظَّاهِرُ﴾ بالأدلة الدالة عليه، ﴿والْبَاطِنُ﴾ لكونه غير مدرك بالحواس.
فإن قلت: فما معنى الواو؟
_________________
(١) بالمضارع، وفي ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: بالأمر، فاستوعب جميع جهات هذه الكلمة، إعلامًا بأن المكونات من لدن إخراجها من العدم إلى الوجود إلى الأبد، مسبحة مقدسة لذاته ﷾ قولًا وفعلًا، طوعًا وكرهًا، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وإليه الإشارة بقوله: "إن من شأن من أسند إليه التسبيح أن يسبحه"، والضمير المستتر راجع إلى ﴿مَا﴾ في ﴿مَا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾، وكذا في "هجيراه وديدنه". قوله: (أحدث التسبيح لأجل الله) قطع ﴿سَبِّحِ﴾ عن متعلقه، وأجراه على إطلاقه، وجعل اللام للتعليل، وعلى الأول اللام متعلق به، ولذلك استشهد بقوله: "نصحته ونصحت له".
[ ١٥ / ٢٢٩ ]
قلت: الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء. وأما الوسطى، فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات، الماضية والآتية، وهو في جميعها ظاهر وباطن: جامع للظهور بالأدلة والخفاء، فلا يدرك بالحواس. وفي هذا حجة على من جوز إدراكه في الآخرة بالحاسة.
_________________
(١) قوله: (الواو الأولى) يريد أن الواوات الداخلة بين الصفات تفيد معنى الجمعية، لكن الواو المتوسطة بين "الأول" و"الآخر" جامعة بين الأولية والآخرية، فالأولية والآخرية صارتا كصفة واحدة، وكذا المتوسطة بين "الظاهر" و"الباطن"، وأما الواو الداخلة بين هاتين القرينتين، أفادت معنى امتزاج تينك الصفتين بهاتين الأخريين، فإذًا لا انقطاع لوصفيته ﷾ من الظاهرية والباطنية، أزلًا وأبدًا، كما أنه تعالى باطن في الدنيا لا يرى، كذلك باطن في العقبى لا يرى، وإليه أشار بقوله: "هو في جميعها ظاهر وباطن" إلى قوله: "وفي هذا حجة على من جوز إدراكه في الآخرة بالحاسة". الانتصاف: لا دليل في الآية على ما قال، فيجوز أن يحمل على عدم الإدراك بالحاسة في الدنيا وفي الآخرة للكفار، ولنا في الرؤية كالمعتزلة لقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فإن قيل: التخصيص خلاف الظاهر أيضًا، فجاز تخصيص الباطن. وقال حجة الإسلام في "المقصد الأسنى": اعلم أن الأول يكون أولًا بالإضافة إلى شيء، والآخر آخرًا بالإضافة إلى شيء واحد، وهما متناقضان فلا يتصور أن يكون الشيء
[ ١٥ / ٢٣٠ ]
وقيل: الظاهر: العالي على كل شيء الغالب له، من ظهر عليه إذا علاه وغلبه.
والباطن: الذي بطن كل شيء، أي علم باطنه: وليس بذاك مع العدول عن الظاهر المفهوم.
_________________
(١) الواحد من وجه واحد بالإضافة إلى شيء واحد أولًا وآخرًا جميعًا، بل إذا نظرت إلى ترتيب الوجود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتبة، فالله تعالى بالإضافة أول، إذ الموجودات كلها استفادت الوجود منه، وأما فو فموجود بذاته، وما استفاد الوجود من غيره فهو متأخر عنه، ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك، ولاحظت منازل السالكين السائرين إليه فهو آخر ما يرتقي إليه درجات العارفين، وكل معرفة تحصل قبل معرفته فهي مرقاة إلى معرفته، والمنزل الأقصى هو معرفة الله، فهو آخر بالإضافة إلى السلوك، أول بالإضافة إلى الوجود، فمنه المبدأ أولًا، وإليه المرجع آخرًا، وكذا القول في قوله: "الظاهر والباطن" والله تعالى باطن إن طلب من إدراك الحواس، وخزانة الخيال، ظاهر إن يطلب من خزانة العقل والاستدلال، وقال أيضًا: إنه تعالى إنما خفي مع ظهوره لشدة ظهوره، وظهوره سبب بطونه، ونوره هو حجاب نوره، وكل ما جاوز حده انعكس ضده. وقال الأزهري: "أول": افعل، وهو تذكير "أولى": فعلى وأصله من: آل يؤول، أي: عاد ورجع، وأول كان في الأصل: أأول، فقلبت أحدى الهمزتين لما اجتمعتا واوًا، وأدغمت إحداهما في الأخرى فصار: أول، والدليل عليه قولهم: أولى، لأن الألف في الأولى فاء الفعل والهمزتان في "أأول" إحداهما ألف أفعل، والثانية فاء الفعل. وقال أبو إسحاق: هو الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، والأول هو السابق
[ ١٥ / ٢٣١ ]
[﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ * ومَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ٧ - ٨]
_________________
(١) للأشياء كلها، وكان تعالى موجودًا لا شيء معه، ثم أوجد ما أراد، ثم يفنى الخلق كلهم، فيبقى تعالى وحده كما كان في القديم، فيكون آخرًا كما كان أولًا. وقال الأزهري: وقد يكون الظاهر الباطن بمعنى العالم لما ظهر وبطن، وذلك أن من كان ظاهرًا احتجب عنه الباطن، ومن كان باطنًا استتر عنه الظاهر، فإن أردت أن تصفه بالعلم قلت: هو ظاهر باطن، مثله قوله تعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]، أي: لا شرقية فقط، ولا غربية فقط، ولكنها شرقية غربية، فظهر على علم كل شيء بعلمه وبطن علم كل شيء بخبره، ويقال: ظهرت على فلان: إذا غلبته، وظهرت على السطح: إذا علوته، وظهرت على سر فلان: إذا عثرت عليه. وقلت: هذا هو الوجه وإن قال: "وليس بذاك"، بعدما قال: "الظاهر: العالي على كل شيء، الغالب له"، وينصره ما روينا عن الإمام أحمد ومسلم والترمذي وأبي داود وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر". فالمعني بالظاهر في التفسير النبوي: الغالب الذي يغلب ولا يغلب، فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء، إذ ليس فوقه أحد يمنعه، وبالباطن أن لا ملجأ ولا منجى دونه يلتجئ إليه ملتجئ، وهذه الأوصاف التي أجريت على الاسم الجامع بعد الحكم بأن الكائنات بأسرها مسبحة له طوعًا وكرهًا، وفعلًا وقولًا، دلت على عليتها، وكرر ضمير
[ ١٥ / ٢٣٢ ]
﴿مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما مولكم إياها، وخولكم الاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله، وليهن عليكم الإنفاق منها، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه. أو ﴿جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ﴾ ممن كان قبلكم فيما في أيديكم: بتوريثه إياكم، فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم، وسينتقل منكم إلى من بعدكم؛ فلا تبخلوا به، وانفعوا بالإنفاق منها أنفسكم.
﴿لا تُؤْمِنُونَ﴾ حال من معنى الفعل في"ما لكم"، كما تقول: ما لك قائمًا، بمعنى: ما تصنع قائمًا، أي: وما لكم كافرين بالله. والواو في ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ واو الحال، فهما حالان متداخلتان. وقرئ: (وما لكم لا تؤمنون بالله ورسوله والرسول يدعوكم). والمعنى: وأي عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه، ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبراهين والحجج،
_________________
(١) المرفوع ليدل على استقلال كل فقرة صدرت به على سبيل استبدادها تعليلًا، وما ترك فيه العاطف جعل الرابط معنويًا، وهو الاستئناف. قوله: (ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبراهين)، فسر ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ به ليجمع بين دليلي النص القاطع، والعقل الهادي، لأن المراد بقوله: ﴿وقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ ما ركب فيهم من العقول، فقوله: "وقبل ذلك" مؤذن بأن قوله: ﴿وقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾، حال من الضمير المنصوب في ﴿يَدْعُوكُمْ﴾، ويحتمل العطف على الجملة برأسها، فيكون حالًا معطوفة على مثلها لا متداخلتان، فلا يقدر "قبل ذلك"، أي: ما لكم لا تؤمنون بالله والحال هذه وهذه، ويكون تقديم دليل السمع على العقل لشرفه والتعويل عليه كما سبق مرارًا.
[ ١٥ / ٢٣٣ ]
وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان: حيث ركب فيكم العقول، ونصب لكم الأدلة،
_________________
(١) أما قوله: "بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول ﷺ"، فمخالف لهذا لأنه مبني على مذهبه، وعلى التقدير الذي قدره، وينصر ما ذكرنا من أن التعويل على الدليل السمعي، وأنه هو الهادي المرشد، والعقلي تابع، تعقيب الآية بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾ امتنانًا وتقريرًا للاهتمام، وأنه لولاه لما حصل الإيمان، وفي قوله: "ليخرجكم الله بآياته من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان"، إشارة إلى هذا المعنى. قوله: (حيث ركب فيكم العقول) الانتصاف: ولا عليه أن يحمل العهد على حقيقته، وهو المأخوذ يوم الذر، وكل ما أجازه العقل وورد بها لشرع وجب الإيمان به. وقال محيي السنة: أي أخذ ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم بأن الله ربكم لا إله لكم سواه. قال مجاهد: وقيل: أخذنا ميثاقكم بإقامة الحجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرسول ﷺ. وقلت: يمكن أن يقال إن الضمير في "أخذ" إن كان لله تعالى، فالمناسب أن يراد بالميثاق ما دل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ إلى آخره [البقرة: ٣٨]، لأن المعنى: "فإما يأتينكم مني هدى برسول أبعثه إليكم، وكتاب أنزله عليكم" كما صرح المصنف في تفسيره، يدل على الأول قوله: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا﴾ وعلى الثاني: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾ إن كان للرسول ﷺ فالظاهر أن يراد بالميثاق ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] على أن يضاف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق عليه، أي: الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم، وهو الوجه لأن الخطاب مع الصحابة
[ ١٥ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والمراد بالإنفاق: الإنفاق في سبيل الله، يدل عليه قوله:: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ﴾ ولعل الميثاق نحو ما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل عن عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقول في الله ولا نخاف لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله ﷺ، الحديث. وأما قضية النظم فإنه تعالى لما قال: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ ووضع موضع: مما رزقناكم، كما في سائر المواضع قوله: ﴿مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ تسهيلًا على بذلها وإيذانًا بأن الأموال عواري ودول، كما قيل: وحسبك قول الناس فيما ملكته لقد كان هذا مرة لفلان فصله بقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وبقوله: ﴿ومَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ﴾ إلى آخره، وكان التقابل الحقيقي: والذين لم يؤمنوا ولم ينفقوا لهم عقاب أليم، ولما أن الكلام في الحث والتعريض والتوبيخ على التهاون في الإنفاق، قيل: ﴿ومَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، ﴿ومَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وأوقع للأول قوله: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾، حالًا مقررة لجهة الإشكال. وقوله: ﴿وقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ حال أخرى كذلك، على سبيل التداخل، والثاني قوله: ﴿ولِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ وهو ينظر إلى قوله: ﴿مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ أي: مالكم لا تنفقون وإن الله سولكم إياها وخولكم الاستمتاع بها بعد أن أهلك غيركم، وأعطاها إياكم، ثم في العاقبة هو مهلككم ووارثها، فأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسول الله ﷺ؟ ! والله أعلم.
[ ١٥ / ٢٣٥ ]
ومكنكم من النظر، وأزاح عللكم، فإذ لم تبق لكم علة بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول، فما لكم لا تؤمنون.
﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ لموجب ما؛ فإن هذا الموجب لا مزيد عليه.
وقرئ: ﴿أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ على البناء للفاعل، وهو الله ﷿.
[﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ وإنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ٩]
﴿لِّيُخْرِجَكُم﴾ الله بآياته من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أو ليخرجكم الرسول بدعوته. (لرؤف) وقرئ: ﴿لَرَءُوفٌ﴾.
[﴿ومَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وقَاتَلُوا وكُلًا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ١٠ - ١١]
_________________
(١) قوله: (لموجب ما) أي: موجب من دليلي النقل والعقل، قال الواحدي: إن كنتم مؤمنين بالحجة والدليل، فقد بان وظهر على يد محمد صلوات الله عليه، ببعثه وإنزال القرآن عليه. وقلت: ويمكن أن يجرى الشرط على التعليل الذي يجيء به الموثق بأمره، المتحقق بصحته، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] لأن الكلام مع المؤمنين على سبيل التوبيخ والتقريع، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ﴾ إلى قوله: ﴿وكُلًا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى﴾. قوله: (وقرئ: ﴿لَرَؤُوفٌ﴾)، كلهم إلا أبا عمرو وأبا بكر وحمزة والكسائي.
[ ١٥ / ٢٣٦ ]
﴿أَلاَّ تُنفِقُوا﴾ في أن لا تنفقوا ﴿ولِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ يرث كل شيء فيهما، لا يبقى منه باق لأحد من مال وغيره، يعني: وأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسوله، والله مهلككم فوارث أموالكم؟ ! وهو من أبلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله. ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم فقال: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ﴾ قبل فتح مكة قبل عز الإسلام وقوة أهله، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، وقلة الحاجة إلى القتال والنفقة فيه، ومن أنفق من بعد الفتح، فحذف لوضوح الدلالة، ﴿أُوْلَئِكَ﴾ الذين أنفقوا قبل الفتح- وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم النبي ﷺ: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" - ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾. وقرئ: (قبل الفتح).
﴿وكُلًا﴾ وكل واحد من الفريقين ﴿وعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى﴾ أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة مع تفاوت الدرجات.
وقرئ بالرفع؛ على: وكل وعده الله. وقيل: نزلت في أبي بكر ﵁، لأنه أول من أسلم، وأول من أنفق في سبيل الله.
القرض الحسن: الإنفاق في سبيل، شبه ذلك بالقرض على سبيل المجاز، لأنه إذا أعطى ماله لوجهه فكأنه أقرضه إياه.
_________________
(١) قوله: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا) الحديث من رواية البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. النهاية: نصيفه: هو النصف، كالعشير في العشر. قوله: (وقرئ بالرفع؛ على: وكل وعده الله) ابن عامر، والباقون: بنصب اللام.
[ ١٥ / ٢٣٧ ]
﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ أي: يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفًا أضعافًا من فضله، ﴿ولَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ يعني: وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه.
وقرئ: (فيضعفه)، وقرئا منصوبين على جواب الاستفهام، والرفع عطف على ﴿يُقْرِضُ﴾، أو على: فهو يضاعفه.
_________________
(١) قوله: (وذلك الأجر المضموم إليه الأ ضعاف) يريد أن قوله: ﴿ولَهُ أَجْرٌ﴾، هو الأجر السابق الذي ضمن في قوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾، وأعيد المعنى ليعلق به صفة الكريم، وفيه تعسف؛ لأن العطف يقتضي المغايرة نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وقد فسر المضاعفة بقوله: "يضاعف ثوابها لاستحقاقها عنده على سبيل التفضل عطاءً عظيمًا"، وسماه أجرًا لأنه تابع للأجر، وهو بناء على مذهبه، وسبق ما عليه، وذكرنا أن المناسب أن يفسر المضاعفة بمضاعفة الحسنة نفسها، والأجر بما هو المتعارف. وروينا في "صحيح البخاري" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، والسيئة بمثلها"، وفي رواية: "إلا أن يتجاوز الله عنها"، والله أعلم. قوله: (كريم في نفسه) أي: وصف الأجر بالكرم بناء على أن الكريم يقال لكل ما يرضى ويحمد في بابه. قوله: (وقرئ: "فيضعفه") ابن عامر، و"يضاعفه" بالنصب: عاصم، والباقون: بالرفع.
[ ١٥ / ٢٣٨ ]
[﴿يَوْمَ تَرَى المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ اليَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ١٢].
﴿يَوْمَ تَرَى﴾ ظرف لقوله: ﴿ولَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾، أو منصوب بإضمار "اذكر" تعظيمًا لذلك اليوم. وإنما قال: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبِأَيْمَانِهِم﴾ لأنه السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين؛ كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ومن وراء ظهورهم، فجعل النور في الجهتين شعارًا لهم وآيةً؛ لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا، وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة، ومروا على الصراط يسعون، سعى بسعيهم ذلك النور جنيبًا لهم ومتقدمًا، ويقول لهم الذين يتلقونهم من الملائكة: ﴿بُشْرَاكُمُ اليَوْمَ﴾. وقرئ: (ذلك الفوز).
[﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ والْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا ورَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى ولَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وغَرَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَاوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ١٣ - ١٥]
﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ تَرَى﴾، ﴿انظُرُونَا﴾ انتظرونا، لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على ركاب تدف بهم، وهؤلاء مشاة. وانظروا إلينا؛ لأنهم إذا نظروا
_________________
(١) قوله: (سعى بسعيهم ذلك النور جنيبًا لهم) "سعى" جواب "إذا"، و"يسعون" حال من ضمير "مروا"، قال المصنف: عرفنا أنهم يسعون بقوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، لأنهم لو مشوا لما سعى النور بين أيديهم، لأنه إذا سعى وهم يمشون الهوينا لم يكن سعيًا بين أيديهم لأنه يخلفهم. قوله: (تدف بهم) الأساس: الدفيف: السير اللين.
[ ١٥ / ٢٣٩ ]
إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به. وقرئ: (أنظرونا) من النظرة وهي: الإمهال، جعل اتئادهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إنظارًا لهم.
﴿نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ نصب منه؛ وذلك أن يلحقوا بهم، فيستنيروا به ﴿قِيلَ ارْجِعُوا ورَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ طرد لهم وتهكم بهم، أي: ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هنالك، فمن ثم يقتبس. أو ارجعوا إلى الدنيا، فالتمسوا نورًا بتحصيل سببه وهو الإيمان. أو ارجعوا خائبين وتنحوا عنا، فالتمسوا نورًا آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا أن لا نور وراءهم؛ وإنما هو تخييب وإقناط لهم.
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ بين المؤمنين والمنافقين بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار. وقيل: هو الأعراف، لذلك السور، ﴿بَابٌ﴾ لأهل الجنة يدخلون منه
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "أنظرونا" من النظرة) حمزة: "أنظرونا" بقطع الهمزة وفتحها في الحالين، وكسر الظاء، والباقون بألف موصولة ويبتدئونها بالضم، وضم الظاء. قوله: (جعل اتئادهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إنظارًا لهم) يقال: اتأد في مشيته، افتعل من التؤدة، يعني وضع انظرونا الذي هو بمعنى الممهلة وإنظار الدائن مديونه، موضع اتئاد الرفيق، والهوينا في المشي لرفيقه على سبيل الاستعارة بعد سبق تشبيه الحالة بالحالي، مبالغة في العجز وإظهار الافتقار. وقال المهدي: ﴿انظُرُونَا﴾، وأنظرونا معناهما سواء، وهما من الانتظار، تقول العرب: نظرت كذا وانتظرت، بمعنى واحد، والمعنى: نفسونا وأمهلونا نقتبس من نوركم. قوله: (وقد علموا أن لا نور وراءهم وإنما هو تخييب)، نظيره في المعنى قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦].
[ ١٥ / ٢٤٠ ]
﴿بَاطِنُهُ﴾ باطن السور أو الباب، وهو الشق الذي يلي الجنة. ﴿وظَاهِرُهُ﴾ ما ظهر لأهل النار ﴿مِن قِبَلِهِ﴾ من عنده ومن جهته ﴿العَذَابُ﴾ وهو الظلمة والنار.
وقرأ زيد بن علي ﵄: (فضرب بينهم) على البناء للفاعل.
﴿أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ يريدون موافقتهم في الظاهر ﴿فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ محنتموها بالنفاق وأهلكتموها، ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ بالمؤمنين الدوائر، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ﴾ طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار، ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ وهو الموت ﴿وغَرَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ وغركم الشيطان بأن الله عفو كريم لا يعذبكم. وقرئ: (الغرور) بالضم.
﴿فِدْيَةٌ﴾ ما يفتدى به ﴿هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ قيل: هي أولى بكم، وأنشد قول لبيد:
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها
_________________
(١) قوله: (وقرئ "الغرور" بالضم) قال ابن جني: قرأها سماك بن حرب، وهو كقوله: وغركم بالله الاغترار، وتقديره على حذف المضاف، أي: وغركم بالله سلامة الاغترار، ومعناه: سلامتكم منه [مع] اغتراركم. قوله: (فغدت كلا الفرجين) البيت، يصف بقرة وحشية نفرت من صوت الصائد، ولم تقف لتنظر أن قاصدها خلفها أم أمامها، فغدت فزعة مذعورة لا تعرف منجاها من مهلكها، الفرجين: الجانبين وهو الخلف والقدام، أي: غدت على حالة كلا جانبيها مخوف، وقيل: الفرج: الثغر وموضع المخافة، وقيل: الفرج ما بين قوائم الدواب، فما بين اليدين فرج، وما بين الرجلين: فرج، أي: تحسب كل فرج من فرجيها أولى المخافة، أي: موضع
[ ١٥ / ٢٤١ ]
وحقيقة ﴿مَوْلاكُمْ﴾: محراكم ومقمنكم. أي: مكانكم الذي يقال فيه: هو أولى بكم، كما قيل: هو مئنة للكرم، أي مكان؛ لقول القائل: إنه لكريم. ويجوز أن يراد: هي ناصركم، أي لا ناصر لكم غيرها. والمراد: نفي الناصر على البتات. ونحوه قولهم: أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع. ومنه قوله تعالى: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾، وقيل: تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار.
﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ومَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ١٦]
_________________
(١) المخافة، ومعنى مولى: أولى، والضمير الذي هو اسم "أن" عائد إلى "كلا" لأنه مفرد اللفظ، كقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣]، و"مولى المخافة" خبر "إن"، و"خلفها وأمامها" خبران لمبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون تفسيرًا لكلا الفرجين، أو بدلًا منه، وتقديره: فغدت كلا الفرجين خلفها وأمامها، تحسب أنها مولى المخافة. من كلام الزوزني. قوله: (ومقمنكم) من القمين: الجدير. قوله: (كما قيل: هو مئنة الكرام) أي: "مولى" مفعل من أولى، كما أن "مئنة" مفعلة من "إن" التي للتحقيق، غير مشتقة من لفظها؛ لأن الحروف لا يشتق منها، وإنما ضمنت حروفها دلالة على أن معناها فيها، وكما يقال: "مئنة" موضع "إن"، يقال فيه: إن التحقيقية، كذلك معنى ﴿مَوْلَاكُمْ﴾: مكانكم الذي يقال فيه: هو أولى بكم، وقوله: "مئنة الكرم" كناية رمزية، نحو قولهم: الكرم بين برديه، والمجد بين ثوبيه. قوله: (فاستنصر الجزع) أي: طلب النصر، ولم يجد سوى الجزع، والجزع ليس ينصر، فإذن لا نصر لهم البتة.
[ ١٥ / ٢٤٢ ]
﴿أَلَمْ يَانِ﴾ من: أنى الأمر يأني، إذا جاء إناه، أي: وقته. وقرئ: (ألم يئن) من: آن يئين، بمعنى: أنى يأني، و(ألما يأن)، قيل: كانوا مجدبين بمكة، فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه، فنزلت.
وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبتا بهذه الآية إلا أربع سنين. وعن ابن عباس ﵄: أن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن. وعن الحسن ﵁: أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقل مما تقرؤون. فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق.
_________________
(١) قوله: (و"ألما يأن") قال ابن جني: وهي قراءة الحسن، وقال: أصل لما: لم، ثم زيدت عليها "ما" فصارت نفيًا لقوله: قد كان كذا، و"لم" نفي فعل المؤكد، تقول: قام زيد، فيقول المجيب بالنفي: لم يقم، فإن قال: قد قام، قلت: لما يقم، لما زاد في الإثبات "قد"، زاد في النفي "ما"، إلا أنهم لما ركبوا "لم" مع "ما" حدث معها معنى ولفظ. أما المعنى فإنها صارت في بعض المواضع ظرفًا، فقالوا: لما قمت قام زيد، أي: وقت قيامك قام زيد، وأما اللفظ فإنه جاز أن تقف عليها دون مجزومها كقولك: جئت ولما، أي ولما تجئ، ولو قلت: جئت ولم، لم يجز. قوله: (وهم يقرؤون من القرآن أقل مما تقرؤون) يعني: أن الله تعالى استبطأ خشوع قلوب الصحابة رضوان الله عليهم وعاتبهم على عدم تأثير القرآن فيها سريعًا، مع ما كانوا عليه من الخشوع، وكانت قراءتهم أقل من قراءتكم، فتفكروا أنتم في حالكم، وما أنتم عليه من الفسق مع كثرة القراءة! فهو شهادة بأن قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة.
[ ١٥ / ٢٤٣ ]
وعن أبي بكر ﵁ أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة، فبكوا بكاء شديدًا، فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب.
وقرئ: (نزل) و(نزل) و(أنزل). ﴿ولا يَكُونُوا﴾ عطف على ﴿تَخْشَعَ﴾، وقرئ بالتاء على الالتفات، ويجوز أن يكون نهيًا لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وبخوا، وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة، واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره.
فإن قلت: ما معنى: ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ ومَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾؟
قلت: يجوز أن يراد بالذكر وبما نزل من الحق: القرآن؛ لأنه جامع للأمرين: للذكر والموعظة، وأنه حق نازل من السماء، وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله وإذا تلي القرآن
_________________
(١) قوله: (هكذا كنا حتى قست القلوب) قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس الله سره: معناه: تصلبت وأدمنت سماع القرآن، وألفت أنواره فما استغربته حتى تتغير كما تغير هذا السامع. قوله: (وقرئ: "نزل") نافع وحفص: ﴿وَمَا نَزَلَ﴾ مخففًا معروفًا، والباقون: مشددًا. قوله: (وأن يراد خشوعها) فعلى هذا ذكر الله غير القرآن، فإن كل واحد من ذكر الله وتلاوة القرآن سبب لخشوع القلب، كأنه قيل: ألم يقرب للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لهذين الموجبين فإنه لا مزيد عليهما، وعلى الأول هو من باب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣] يعني: الجامع بين كونه كتابًا منزلًا وفرقانًا يفرق بين الحق والباطل، يعني التوراة كقولك: رأيت الغيث والليث، أي: الرجل الجامع بين هذين الوصفين.
[ ١٥ / ٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقلت: ويمكن أن يحمل الذكر على القرآن، وما نزل من الحق على نزول السكينة معه، أي الواردات الإلهية. ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن البراء: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوطة بشطنين، فغشيته سحابة فجعلت تدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال: "تلك السكينة تنزل للقرآن". وروى السلمي عن أحمد بن الحواري، قال: بينما أنا في بعض طرقات البصرة إذ سمعت صعقة، فأقبلت نحوها فرأيت رجلًا مغشيًا عليه، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: كان رجلًا حاضر القلب، فسمع آية من كتاب الله فخر مغشيًا عليه، فقلت: ما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ فأفاق الرجل عند سماع كلامنا، فأنشأ يقول: أما آن للهجران أن يتصرما وللغصن غصن البان أن يتبسما وللعاشق الصب الذي ذاب وانحنى ألم يأن أن يبكى عليه ويرحما كتبت بماء الشوق بين جوانحي كتابًا حكى نقش الوشي المنمنما ثم قال: أشكال أشكال أشكال، فخر مغشيًا عليه، فحركناه فإذا هو ميت.
[ ١٥ / ٢٤٥ ]
كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٢]. أراد بالأمد: الأجل، كقوله:
إذا انتهى أمده
وقرئ: (الأمد)، أي: الوقت الأطول ﴿وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين.
[﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١٧]
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قيل: هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض.
[﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والْمُصَّدِّقَاتِ وأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ ولَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ١٨]
﴿المُصَّدِّقِينَ﴾ المتصدقين. وقرئ على الأصل، و(المتصدقين)؛ من: صدق، وهم الذين صدقوا الله ورسوله، يعني المؤمنين.
فإن قلت: علام عطف قوله ﴿وأَقْرَضُوا﴾؟
_________________
(١) قوله: (إذا انتهى أمده)، أوله: كل حي مستكمل مدة العمـ ـر ومود إذا انتهى أمده قوله: مود من أودى إذا مات، مضى شرحه في البقرة. قوله: (هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض) يعني: لما استبطأ خشوع قلوب المؤمنين عند سماع القرآن، أرشدهم إلى إزالة تلك القسوة التي منعت القلب عن تأثير الذكر فيه، وإنزال تلك السكينة عليه باللجأ إلى الله واستنزال ما يستعدون به لقبول تلك المواهب الرحمانية، فأعلمهم أنه وحده هو القادر على ذلك، كما أنه وحده يحيي الأرض بعد موتها، وفيه إشارة إلى نفي الحول والقوة من الغير.
[ ١٥ / ٢٤٦ ]
قلت: على معنى الفعل في ﴿المُصَّدِّقِينَ﴾؛ لأن اللام بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى اصدقوا، كأنه قيل: إن الذين اصدقوا وأقرضوا.
والقرض الحسن: أن يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق للصدقة. وقرئ: (يضعف) و(يضاعف)، بكسر العين، أي: يضاعف الله.
_________________
(١) قوله: (كأنه قيل: إن الذين اصدقوا وأقرضوا) فإن قيل: ما فائدة العدول؟ فهلا قيل: إن المصدقين والمقرضين؟ قلت: فائدته تصوير معنى التصدق، ومزيد تقرير التمثيل بالإقراض. قال صاحب "التقريب": وفي عطف "أقرضوا" على صلة اللام نظر، للزوم الفصل بين أجزاء الصلة بأجنبي، وهو المصدقات، فإما أن يحمل على المعنى، إذ التقدير: إن الناس المصدقين والمصدقات وأقرضوا، أو لا يجعل عطفًا، بل اعتراضًا، فيجوز الفصل به كما بين الموصول والصلة في مثل: ذاك الذي وأبيك يعرف مالكًا والحق يدفع ترهات الباطل وقيل: هو من باب كل رجل وصنعته، أي: إن المصدقين مع المصدقات في الثواب والمنزلة، أو يقدر خبر أي: إن المصدقين والمصدقات يفلحون فيقع بعد تمام الجملة. وأقرضوا في الوجهين ليس عطفًا على الصلة، بل مستأنف، ويضاعف في الوجهين صفة ﴿قَرْضًا﴾ أو استئناف، وكأن استقامة المعنى والإعراب على حذف الموصول بتقدير: والذين أقرضوا، إن جوز كما هو مذهب الكوفيين. قلت: الوجه القوي هو الاعتراض على سبيل الاستطراد، فإن المصدقات لو لم تذكر لكانت مندرجة تحت المصدقين على سبيل التغليب، كما أن قوله: "وأقرضوا الله" عام في الرجال والنساء، فذكر المصدقات لمزيد التقرير كما في قوله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. قوله: (وقرئ: "يضعف") ابن كثير وابن عامر، و"يضاعف" بكسر العين: شاذ
[ ١٥ / ٢٤٧ ]
[﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ونُورُهُمْ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾ ١٩]
يريد أن المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء؛ وهم الذي سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ ونُورُهُمْ﴾ أي: مثل أجر الصديقين والشهداء، ومثل نورهم.
فإن قلت: كيف يسوي بينهم في الأجر ولا بد من التفاوت؟ قلت: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله، حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك. ويجوز أن يكون ﴿والشُّهَدَاءُ﴾ مبتدأ، و﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ خبره.
_________________
(١) قوله: (هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء) ثم قوله: "لهم مثل أجر المصدقين"، مؤذن بأنه لا يجوز حمل الصديقين على المؤمنين، فيجب الحمل على التشبيه، نحو: زيد أسد، وذلك أن اسم الإشارة دال على أن ما بعده جدير بمن سبق ذكره، لاكتسابه الخصال التي درجتهم دون درجة الأنبياء، وفوق درجة الخواص، ولا يقال: درجة من مات حتف أنفه درجة من استشهد في سبيل الله في صف الكفار، إلا بالإلحاق، وأن يقال: هم مثلهم وأجرهم مثل أجرهم، لاسيما وقد وسط بين المبتدأ والخبر ضمير الفصل المفيد لحصر المسند على المسند إليه، ويجوز قطع "الشهداء" عن هذا الحكم، لاستقامته مع من اقترن به أن يكون جملة معه، وإليه أشار بقوله: ويجوز أن يكون "الشهداء" مبتدأ. وأما سؤاله: كيف يسوي بينهم في الأجر ولا بد من التفاوت؟ فليس بذاك، لأنا إذا قلنا: إن الكلام مبني على التشبيه والإلحاق للمبالغة ترغيبًا، علم عدم المساواة. قوله: (المعنى: أن الله يعطي المؤمنين أجرهم) وخلاصته: أن لكل مكلف أجر يستحقه
[ ١٥ / ٢٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بسبب العمل، وبه زيادة عليه وفضل، فإذا اعتبر جزاء المؤمنين مع تلك الزيادة يساوي أجر الصديقين وحده، فينبغي لهم الفضل عليهم بما يزاد على الجزاء، بناء على قاعدة الاعتزال، هذا لعمري تكلف، وركوب على التعسف. ويمكن أن يقال: إن قوله: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ مقابل لقوله: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، وآياتنا جمع مضاف يفيد الاستغراق، فيتناول جميع آيات الله المختلفة الأنواع، ومكذبها يكون مفرط في الكذب لكثرة ما كذب به، فينبغي أن يفسر ما يقابله من قوله: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ بالشمول والاستغراق، ولذلك جمع الرسل لأن من آمن بالله، وبجميع ما يجب أن يؤمن به من صفاته وأفعاله، وبجميع ما يضاف وينسب إليهم، يكون مفرطًا في الصدق لكثرة ما صدق به، فحينئذ يصح حمل الصديقين على أولئك، ويقع ضمير الفصل موقعه تعريضًا بالمكذبين، ويكون المراد بالشهداء: القائم بالشهادة، كما في قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢]. وأما قوله: ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾ فقد وقع مقابلًا لقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ونُورُهُمْ﴾ فيجب أن يقدر في كل من المتقابلين ما هو مذكور في الآخر، ويؤيد هذا التأويل ما رواه الواحدي: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صديق، ثم قرأ هذه الآية. وقال المقاتلان: هم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم ولم يكذبوهم ساعة، وقال مسروق: هذه الآية للشهداء خاصة، وهم الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم، وهو قول مقاتل بن حيان واختيار الفراء والزجاج.
[ ١٥ / ٢٤٩ ]
[﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ والأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ ورِضْوَانٌ ومَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ ٢٠]
أراد أن الدنيا ليست إلا محقرات من الأمور؛ وهي اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر. وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام، وهي: العذاب الشديد والمغفرة ورضوان الله. وشبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى واكتهل وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات، فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطامًا؛ عقوبةً لهم على جحودهم، كما فعل بأصحاب الجنة، وصاحب الجنتين. وقيل: ﴿الكُفَّارَ﴾ الزراع. وقرئ: (مصفارًا).
[﴿سَابِقُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ والأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ٢١]
﴿سَابِقُوا﴾ سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم في المضمار، إلى جنة ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ والأَرْضِ﴾.
_________________
(١) قوله: (واكتهل) وقوي. الأساس: واكتهل النبات، تم طوله وتكهل، ونبات كهل. قوله: (كما فعل بأصحاب الجنة) يعني: في سورة ﴿ن﴾. "وصاحب الجنتين"، يعني: في سورة الكهف، وقيل: في سبأ. قوله: (في المضمار)، الجوهري: تضمير الفرس: أن تعلفه حتى يسمن، ثم ترده إلى القوت، وذلك في أربعين يومًا، وهذه المدة تسمى المضمار، والموضع الذي يضمر فيه الخيل أيضًا. وفي "مقدمة الأدب": المضمار والحلبة: موضع طراد الخيل.
[ ١٥ / ٢٥٠ ]
قال السدي: كعرض سبع السموات وسبع الأرضين، وذكر العرض دون الطول؛ لأن كل ما له عرض وطول، فإن عرضه أقل من طوله، فإذا وصف عرضه بالبسطة: عرف أن طوله أبسط وأمد. ويجوز أن يراد بالعرض: البسطة، كقوله تعالى: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١]. لما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة: بعث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك: وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد، والفوز بدخول الجنة ﴿ذَلِكَ﴾ الموعود من المغفرة والجنة ﴿فَضْلُ اللهِ﴾: عطاؤه ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ وهم المؤمنون.
[﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ ولا فِي أَنفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ٢٢ - ٢٤]
المصيبة في الأرض: نحو الجدب وآفات الزروع والثمار. وفي الأنفس: نحو الأدواء والموت ﴿فِي كِتَابٍ﴾ في اللوح ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا﴾ يعني الأنفس أو المصائب ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إن تقدير ذلك وإثباته في كتاب ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وإن كان عسيرًا على العباد، ثم علل ذلك وبين الحكمة فيه فقال: ﴿لِكَيْلَا تَاسَوْا … وَلا تَفْرَحُوا﴾ يعني: أنكم إذا علمتم أن شيء مقدر مكتوب عند الله قل أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي؛
_________________
(١) قوله: (يعني: أنكم إذا علمتم أن كل شي مقدر مكتوب عند الله، قل أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي) روينا عن الترمذي وابن ماجه عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: "ليست الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها
[ ١٥ / ٢٥١ ]
لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة: لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال: لم يعظم فرحه عند نيله.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ لأن من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه: اختال وافتخر به وتكبر على الناس. قرئ: ﴿بِمَا آتَاكُمْ﴾ و(أتاكم)، من الإيتاء والإتيان. وفي قراءة ابن مسعود: (بما أوتيتم).
_________________
(١) لو أنها بقيت لك". وروي: لأن الله تعالى يقول: ﴿لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾. قوله: (وافتخر به وتكبر على الناس)، الراغب: الفخر: المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان، كالمال والجاه، ويقال له: الفخر، ورجل فاخر وفخور وفخير على التكثير، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]. وقيل: المختال أخص من الفخور، لأنه في الفعل، والفخور في العقل وغيره. الراغب: الفخار: الجرار، وذلك لصوته إذا نقر، كأنما تصور بصورة من تكثير التفاخر، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] فظهر من هذا أن التفاخر بالقول لا بالفعل. قوله: (قرئ: ﴿بِمَا آتَاكُمْ﴾ و"أتاكم") أبو عمرو: بالقصر، والباقون: بالمد.
[ ١٥ / ٢٥٢ ]
فإن قلت: فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به، ولا عند منفعة ينالها أن لا يحزن ولا يفرح.
قلت: المراد: الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله، ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطغي الملهي عن الشكر؛ فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه، مع الاستسلام والسرور بنعمة الله والاعتداد بها مع الشكر، فلا بأس بهما.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بدل من قوله: ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون، يريد: الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالًا وحظًا من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم وعظمه في عيونهم: يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به، ولا يكفيهم أنهم بخلوا حتى يحملوا الناس على البخل ويرغبوهم في الإمساك ويزينوه لهم، وذلك كله نتيجة فرحهم به، وبطرهم عند إصابته، ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ عن أوامر الله ونواهيه، ولم ينته عما نهي عنه من الأسى على الفائت، والفرح بالآتي: فإن الله غني عنه. وقرئ: (بالبخل)، وقرأ نافع: ﴿فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ﴾، وهو في مصاحف أهل المدينة والشام كذلك.
[﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ والْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢٥]
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ يعني الملائكة إلى الأنبياء، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالحجج والمعجزات ﴿وأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ﴾ أي: الوحي، ﴿والْمِيزَانَ﴾.
_________________
(١) قوله: (﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بدل من قوله: ﴿كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾) أي: بدل الكل، لأنهما واقعان تذييلًا لقوله: ﴿ولا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ لأن من شأن الفرح أن يكون مختالًا فخورًا، ولذلك فسر ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بـ"الذين يفرحون الفرح المطغي"، وقال بعده: "وذلك كله نتيجة فرحهم به وبطرهم عند إصابته".
[ ١٥ / ٢٥٣ ]
روي أن جبريل ﵇ نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال: مر قومك يزنوا به، ﴿وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ﴾ قيل: نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة، والإبرة. وروى: ومعه المر والمسحاة. وعن النبي ﷺ: "أن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح".
وعن الحسن: ﴿وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ﴾: خلقناه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦٠]، وذلك أن أوامره تنزل من السماء وقضاياه وأحكامه.
﴿فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ﴾ وهو القتال به ﴿ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم، فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها؛ أو ما يعمل بالحديد ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ورُسُلَهُ﴾ باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين،
_________________
(١) قوله: (والميقعة)، النهاية: في حديث ابن عباس: نزل مع آدم ﵇ والميقعة والسندان والكلبتان، والميقعة: المطرقة التي يضرب بها الحديد وغيره، والجمع المواقع، والميم زائدة، والياء بدل من الواو قلبت لكسرة الميم. وقيل: المر: البيل الذي يعتمل به، وفي البيل قال: البيل وإن جمع أبيالًا وبيلة، فإنه ليس بعربي، وعربية المر، وقيل: يراد بالمر الحبل شامل، وقيل: نزل آدم بالباسنة، وهي اسم جامع لهذه الأشياء. قوله: (وذلك أن أوامره تنزل من السماء وقضاياه وأحكامه) هذا تعليل لصحة استعمال "أنزلنا" في المعاني الثلاثة، والمراد بالأوامر: الخطاب المشتمل عليها الكتاب، وبالقضايا والأحكام ما هي منوطة بالميزان واستعمال الحديد. قوله: (﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ورُسُلَهُ﴾ باستعمال السيوف)، ظاهرة مشعر بأن "ليعلم" عطف على علة محذوفة متعلقة بقوله: ﴿وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ﴾ أي: أنزلناه ليستعمله المكلف في الجهاد في سبيل الله، ونصرة دينه، وليعلم الله من ينصره، قال في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] أي: "فعلنا ذلك ليكون كيت وكيت، وليعلم".
[ ١٥ / ٢٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال الواحدي: "ليعلم" معطوف على ﴿لِيَقُومَ﴾، أي: ليعاملوا بالعدل، وليعلم الله من ينصره، وذلك أن الله تعالى أمر في الكتاب الذي أنزل بنصرة دينه ورسله، فمن نصر دينه ورسله علمه ناصرًا، ومن عصى علمه بخلاف ذلك. ويمكن أن يقال: أصل الكلام: أنزلنا الكتاب والميزان والحديد، لتجاهدوا مع الشيطان والنفس بإقامة حقوق الله من أداء عبادته، وامتثال أوامره وانتهاء نواهيه، وحقوق العباد، باستعمال العدل والنصفة معهم، وتجاهدوا مع أعداء الدين باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح، ليكون الدين كله لله، ويعلم الله من ينصر دينه ورسله، وإنما ترك ذكر عائدة "الكتاب" لاحتوائه على ما لا نهاية له، وكرر أنزلنا، وذكر إحدى خواص الحديد، ثم أجمل بقوله: منافع، ليؤذن بأن تمشية أمر الكتاب والميزان متوقفة عليه. روينا عن الترمذي عن معاذ قال: قال رسول الله ﷺ: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد". ولله در العتبي حيث قال: إن الكتاب قانون الشريعة، ودستور الأحكام الدينية، يتضمن الأحكام والحدود، حظر فيه التباغي والتظالم، ودفع التعادي والتخاصم، ومما حكم فيه من دفع التخاصم والأمر بالتعادل، وضع آلة العدل تنبيهًا به على موقع فائدة العدل، وعائدة السوية. ثم إن من المعلوم أن ذلك الكتاب الجامع للأوامر الإلهية وذلك التعامل بالعدل والسوية، إنما يحفظ الناس عن اتباعهما، ويضطر العالم إلى إلزام أحكامها السيف الذي هو حجة الله على من جحد وعند نزع من صفقة الجماعة اليد، هذا هو الحديد الذي وصفه الله تعالى بالبأس الشديد، فجمع بالقول الوجيز، معاني كثيرة الشعوب متدانية الجيوب.
[ ١٥ / ٢٥٥ ]
﴿بِالْغَيْبِ﴾ غائبًا عنهم، قال ابن عباس ﵄: ينصرونه ولا يبصرونه.
﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ غني- بقدرته وعزته في إهلاك من يريد هلاكه- عنهم، وإنما كلفهم الجهاد لينتفعوا به، ويصلوا بامتثال الأمر فيه إلى الثواب.
[﴿ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وإبْرَاهِيمَ وجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ والْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٢٦]
﴿والْكِتَابَ﴾ والوحي. وعن ابن عباس: الخط بالقلم، يقال: كتب كتابًا وكتابة. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ فمن الذرية أو من المرسل إليهم، وقد دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين.
وهذا تفصيل لحالهم، أي: فمنهم مهتد ومنهم فاسق، والغلبة للفساق.
[﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْنَاهُ الإنجِيلَ وجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَافَةً ورَحْمَةً ورَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٢٧]
قرأ الحسن: (الأنجيل) بفتح الهمزة، وأمره أهون من أمر
_________________
(١) قوله: (عنهم) صلة "غني"، والضمير راجع إلى "من ينصره"، يدل عليه قوله: "وإنما كلفهم الجهاد"، والباء في "بقدرته" نحو "الباء" في: كتبتم بالقلم. قوله: (قرأ الحسن: "الأنجيل" بفتح الهمزة) قال ابن جني: هذا لا نظير له، وهو من نجلت الشيء إذا استخرجته، لأنه يستخرج حال الحلال من الحرام، كما قيل لنظيره: "التوراة"، وهي فوعلة، من: ورى الزنديري، إذا أخرج النار، ومثله: الفرقان، من: فرق بين الشيئين. وغالب الظن أنه ما قرأه إلا عن سماع، وشذوذه كما حكى بعضهم في البرطيل: البرطيل، ونحوهما ما حكاه أبو زيد من قولهم: السكينة بفتح السين وتشديد الكاف، وربما
[ ١٥ / ٢٥٦ ]
"البرطيل" و"السكينة" فيمن رواهما بفتح الفاء، لأن الكلمة أعجمية لا يلزم فيها حفظ أبنية العرب. وقرئ: (رآفةً) على: فعالة، أي: وفقناهم للتراحم والتعاطف بينهم. ونحوه في صفة أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
والرهبانية: ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة، وذلك أن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد موت عيسى، فقاتلوهم ثلاث مرات، فقتلوا حتى لم يبق منهم إلا القليل، فخافوا أن يفتنوا في دينهم، فاختاروا الرهبانية، ومعناه: الفعلة المنسوبة إلى الرهبان، وهو الخائف؛ فعلان من: رهب، كخشيان من: خشي.
وقرئ: (ورهبانية) بالضم، كأنها نسبة إلى الرهبان: وهو جمع راهب كراكب
_________________
(١) ظن الإنجيل أعجميًا فأجرى عليه تحريف مثاله. قوله: (البرطيل) البرطيل بكسر الباء: الحجر المستطيل وهو الشائع المشهور، وفتحها شاذ، وهو عربي، وإذا فتح الباء خرج عن أوزان العرب. قوله: (بعد موت عيسى) في جميع النسخ، والصحيح: بعد رفع عيسى ﵇. قوله: (وقرئ: "رهبانية" بالضم كأنها نسبة إلى الرهبان) الانتصاف: فيه إشكال، فالنسب إلى الجمع على صيغته غير مقبول، حتى يرد إلى المفرد، إلا أن يقال: لما صار الرهبان طائفة مخصوصين صار هذا الاسم وإن كان جمعًا كالعلم، فالتحق بأنصاري ومدائني وأعرابي. الراغب: الرهبة والرهب: مخافة مع تحرز واضطراب، قال ﷿: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ﴾ [الحشر: ١٤] والترهيب: التعبد، وهو استعمال الرهبة.
[ ١٥ / ٢٥٧ ]
وركبان، وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر، تقديره: وابتدعوا رهبانيةً، ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ يعني: وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ لم نفرضها نحن عليهم ﴿إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ استثناء منقطع، أي: ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ كما يجب على الناذر رعاية نذره؛ لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يريد: أهل الرحمة والرأفة الذين اتبعوا عيسى ﴿وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ الذين لم يحافظوا على نذرهم.
_________________
(١) وقال: رهبوت خير من رحموت، والرهبانية غلو في تحمل الرهبة، والرهبان يكون واحدً وجمعًا. قوله: (لم نفرضها نحن عليهم) وعن أبي داود عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد الله عليكم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم". وروينا عن مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". قال صاحب "جامع الأصول": محدثات الأمور: ما لم يكن معروفًا في كتاب ولا سنة ولا إجماع. الابتداع: إذا كان من الله وحده فهو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وهو تكوين الأشياء بعد ما لم تكن، فليس ذلك إلا إلى الله تعالى، فأما الابتداع من المخلوقين، فإن كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله، فهو في حيز الذم والإنكار، وإن كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه، وحض عليه أو رسوله، فهو في حيز المدح وإن لم يكن مثاله موجودًا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف، فهذا فعل من الأفعال المحمودة لم يكن الفاعل
[ ١٥ / ٢٥٨ ]
ويجوز أن تكون"الرهبانية" معطوفةً على ما قبلها، و﴿ابْتَدَعُوهَا﴾: صفةً لها في محل النصب، أي: وجعلنا في قلوبهم رأفةً ورحمةً ورهبانيةً مبتدعةً من عندهم، بمعنى: وفقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها، ما كتبناها عليهم إلا ليبتغوا بها رضوان الله، ويستحقوا بها الثواب، على أنه كتبها عليهم وألزمها إياهم ليتخلصوا من الفتن، ويبتغوا بذلك رضا الله وثوابه، ﴿فَمَا رَعَوْهَا﴾ جميعًا ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾؛ ولكن بعضهم، ﴿فَآتَيْنَا﴾ المؤمنين المراعين منهم للرهبانية ﴿أَجْرَهُمْ﴾، ﴿وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وهم الذين لم يرعوها.
_________________
(١) قد سبق إليه، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به، لأن رسول الله ﷺ قد جعل له في ذلك ثوابًا، فقال: "من سن سنة حسنة كان له أجرها، وأجر من عمل بها"، وقال في ضده: "من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها"، وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله. ويعضد ذلك قول عمر بن الخطاب في صلاة التراويح: نعمت البدعة، هذا لما كانت من أفعال الخير، وداخلة في حيز المدح، سماها بدعة ومدحها. قال محيي الدين النواوي في "شرح صحيح مسلم": قال العلماء: البدعة خمسة أقسام؛ واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة، فمن الواجب: تعلم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين، وشبه ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك، ومن المباح: التبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك، والحرام والمكروه ظاهران. فعلم أن الحديث من العام المخصوص، ويؤيده ما قلناه قول عمر بن الخطاب ﵁ في التراويح: نعمت البدعة، والله أعلم. قوله: (ويجوز أن تكون "الرهبانية" معطوفة على ما قبلها)، عطف على قوله: "وانتصابها بفعل مضمر".
[ ١٥ / ٢٥٩ ]
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ويَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢٨]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يجوز أن يكون خطابًا للذين آمنوا من أهل الكتاب والذين آمنوا من غيرهم، فإن كان خطابًا لمؤمني أهل الكتاب؛ فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ الله ﴿كِفْلَيْنِ﴾ أي: نصيبين ﴿مِن رَّحْمَتِهِ﴾ لإيمانكم بمحمد وإيمانكم بمن قبله ﴿ويَجْعَل لَّكُمْ﴾ يوم القيامة ﴿نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ وهو النور المذكور في قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٢]. ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما أسلفتم من الكفر والمعاصي.
_________________
(١) الانتصاف: منع أبو علي الفارسي العطف، تعليلًا بأن الرهبانية لا تكون مجعولة لله تعالى، مع قوله: ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾، فوقع في البدعة. والزمخشري أجاز العطف، لكن حرف الجعل إلى التوفيق اعتمادًا منهما أن ما يبتدعونه لا يجعله الله تعالى، وكفى بهذه الآية دليلًا عليهما مع الأدلة القطعية. وقوله: ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، تأكيد لخلق هذه الأفعال والمعاني بذكر محلها، وعلى مذهبهما لا يبقى لقوله: ﴿فِي قُلُوبِ﴾ فائدة، ويأبى كتاب الله أن يشتمل على ما لا موقع له. قوله: (أي: نصيبين ﴿مِن رَّحْمَتِهِ﴾)، الراغب: الكفل: الحظ الذي فيه الكفاية، كأنه
[ ١٥ / ٢٦٠ ]
[﴿لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ وأَنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ٢٩]
﴿لِئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ ليعلم ﴿أَهْلُ الكِتَابِ﴾ الذين لم يسلموا. و"لا" مزيدة، ﴿أَلاَّ يَقْدِرُونَ﴾ أن مخففة من الثقيلة، أصله: أنه لا يقدرون، يعني:: أن الشأن لا يقدرون ﴿عَلَى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي: لا ينالون شيئًا مما ذكر من فضله من الكفلين والنور والمغفرة، لأنهم لم يؤمنوا برسول الله، فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله، ولم يكسبهم فضلًا قط.
وإن كان خطابًا لغيرهم، فالمعنى: اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم برسول الله، يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] ولا ينقصكم من مثل أجرهم، لأنكم مثلهم في الإيمانين، لا تفرقون بين أحد من رسله.
روي: أن رسول الله ﷺ بعث جعفرًا ﵁ في سبعين راكبًا إلى النجاشي يدعوه، فقدم جعفر عليه فدعاه فاستجاب له، فقال ناس ممن آمن من أهل مملكته وهم أربعون رجلًا: ائذن لنا في الوفادة على رسول الله ﷺ، فأذن لهم، فقدموا مع جعفر وقد تهيأ لوقعة أحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من خصاصة، استأذنوا رسول الله ﷺ، فرجعوا وقدموا بأموال لهم، فآسوا بها المسلمين،
_________________
(١) تكفل بأمره، قال تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]، والكفل: الكفيل، قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾، أي: كفلين من نعمته في الدنيا والآخرة، وهما المرغوب إلى الله فيهما، بقوله: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١].
[ ١٥ / ٢٦١ ]
فأنزل الله ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤]، فلما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] فخروا على المسلمين وقالوا: أما من آمن بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين، وأما من لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجركم، فما فضلكم علينا؟ فنزلت.
وروي أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين، وادعوا الفضل عليهم، فنزلت.
وقرئ: (لكي يعلم)، و(لكيلا يعلم)، و(ليعلم)، و(لأن يعلم)؛ بإدغام النون في الياء، و(لين يعلم)، بقلب الهمزة ياءً وإدغام النون في الياء. وعن الحسن: (ليلا يعلم)، بفتح اللام وسكون الياء. ورواه قطرب بكسر اللام. وقيل في وجهها: حذفت همزة (أن)، وأدغمت نونها في لام (لا)؛ فصار (للا) ثم أبدلت من اللام المدغمة ياءً، كقولهم: ديوان، وقيراط. زمن فتح اللام فعلى أن أصل لام الجر الفتح، كما أنشد:
أريد لأنسى ذكرها
_________________
(١) قوله: (﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾) أي: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، إلى آخر ثلاث آيات في سورة القصص. قوله: (ديوان وقيراط) أصل الديوان: دوان، فعوض من إحدى الواوين ياء لأنه يجمع على دواوين، ولو كانت الياء أصلية لقيل: دياوين، وأصل قيراط: قراط، لأن جمعه قراريط، فأبدل من إحدى حرفي تضعيفه ياء، والدينار كذلك. قوله: (أريد لأنسى ذكرها)، تمامه: أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل
[ ١٥ / ٢٦٢ ]
وقرئ: (أن لا يقدروا) بيد الله في ملكه وتصرفه، واليد مثل، ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ ولا يشاء إلا إيتاء من يستحقه.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله".
_________________
(١) قوله: (ولا يشاء ألا إيتاء من يسخطه) مذهبه. تمت السورة حامدًا لله تعالى ومصليًا على رسول الله ﷺ. * * *
[ ١٥ / ٢٦٣ ]