مدنية، وهي أربع وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ ١ - ٢]
صالح بنو النضير رسول الله ﷺ على أنه لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: هر النبي الذي نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا
_________________
(١) سورة الحشر مدنية وهي أربع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين قوله: (لا ترد له راية)، كناية عن نصرته، وعدم خذلان من عقد له راية من أمراء السرايا، ومضي أمره، ونفوذ سلطانه، وعلو مرتبته وشأنه، قال الحطيئة:
[ ١٥ / ٣٠٢ ]
ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبًا إلى مكة فحالفوا عليه قريشا عند الكعبة فأمر ﵇ محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعبًا غيلة وكان أخاه من الرضاعة، ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف، فقال لهم: اخرجوا من المدنية، فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك، فتنادوا بالحرب. وقيل: استمهلوا رسول الله عشرة أيام ليتجزوا للخروج، فدس عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه إليهم: لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولئن خرجتم لنخرجن معكم،
_________________
(١) إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين قوله: (فحالفوا عليه)، أي: على ضرره صلوات الله عليه، الجوهري: حالفه: عاهده وتحالفوا: أيك تعاهدوا، وضمن حالفوا معنى الاجتماع، أي: اجتمعوا عليه مخالفين. وعن بعضهم: وحالفوا عليه، أي: تألبوا عليه، واجتمعوا على خلافه. قوله: (فقتل كعبًا غيلة)، النهاية: وهي أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد، والغيلة: فعلة من الاغتيال، وكان من حديث قتله على الاختصار من رواية البخاري ومسلم وأبي داود عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "من لكعب فإنه آذى الله ورسوله؟ " قال محمد بن سلمة: أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم" قال: ائذن فلأقل، قال: "قل"، فأتاه وتكلم بما شاء من الكذب، وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عبس بن جبر وعباد بن بشر، فجاؤوا ليلًا ودعوه، فقالت امرأته: إني لأسمع صوت دم، قال: إنما هو محمد رضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلًا لأجاب، فلما نزل قتلوه. قوله: (ثم صبحهم بالكتائب)، يعني رسول الله ﷺ. قوله: (فدس)، الدس هو إخفاء المكر والخديعة، أي: بعث إليهم خفية هذا القول.
[ ١٥ / ٣٠٣ ]
فدربوا على الأزقة وحصنوها فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فلما قذف الله الرغب في قلوبهم وأيسوا من نصر المنافقين: طلبوا الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء؛ على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم فجلوا إلى الشام إلى أريحا وأذرعات، إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب، فأنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة.
اللام في ﴿لأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ تتعلق بـ ﴿أَخْرَجَ﴾، وهي اللام في قوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] وقولك: جئته لوقت كذا. والمعنى: أخرج الذين كفورا عند أول الحشر. ومعنى أو الحشر: أن هذا أول حشرهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط، وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام.
أو هذا أول حشرهم؛ وآخر حشرهم: إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام. وقيل:
آخر حشرهم حشر يوم القيامة؛ لأن المحشر يكون بالشام
_________________
(١) قوله: (فدربوا على الأزقة)، النهاية: يقال: الدرب- بفتح الراء- للنافذ من المدخل، وبالسكون؛ لغير النافذ. قوله: (وهي اللام في قوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤])، أي: لوقت حياتي. الانتصاف: كأنه يشير إلى لام التاريخ، كقوله: كتبته لعام كذا أو لشهر كذا. قوله: (من جزيرة العرب)، روي الزجاج عن الخليل أنه قال: جزيرة العرب معدنها ومسكنها، وإنما سمي بها لأن بحر الحبشة وبحر فارس والفرات ودجلة قد أحاطت بها وهي أرضها ومعدنها، قد سبق في أول البقرة فيها كلام مشبع.
[ ١٥ / ٣٠٤ ]
وعن عكرمة: من شك أن المحشر هاهنا- يعني الشام- فليقرأ هذه الآية. وقيل: معناه أخرجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم؛ لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله ﷺ.
﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا﴾ لشدة بأسهم ومنعتهم، ووثاقة حصونهم، وكثرة عددهم وعدتهم، وظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله ﴿فَأَتَاهُمُ﴾ أمر الله ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ من حيث لم يظنوا ولم يخطر ببالهم: وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف غرة على يد أخيه، وذلك مما أضعف قوتهم وفل من شوكتهم، وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة بما قذف فيها من الرعب، وألهمهم أن يوافقوا المؤمنين في تخريب بيوتهم ويعينوا على أنفسهم، وثبط المنافقين الذين كانوا يتولونهم عن مظاهرتهم. وهذا كله لم يكن في حسبانهم. ومنه أتاهم الهلاك.
فإن قلت: أي فرق بين قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم، وبين النظم الذي جاء عليه؟
_________________
(١) قوله: (وقيل: معناه أخرجهم)، عطف على قوله: "أخرج الذين كفروا عند أول الحشر"، على الأول منسوب إلى اليهود، وعلى الثاني إلى رسول الله ﷺ. النهاية: في الحديث: "انقطعت الهجرة إلا من ثلاث؛ جهاد أو نية أو حشر" أي: جهاد في سبيل الله، أو نية يفارق بها الرجل الفسق والفجور إذا لم يقدر على تغييره، والحشر هو الجلاء عن الأوطان بما ينال الناس من الخطب، وقيل: أراد بالحشر الخروج في النفير إذا عم. قوله: (غرة)، الأساس: الغرة: الغفلة، يقال: اغتررت الرجل: إذا طلبت غرته، أي: غفلته.
[ ١٥ / ٣٠٥ ]
قلت: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم؛ وفي تصيير ضميرها اسمًا ل"أن" وإسناد الجملة إليه: دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يبالى معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم؛ وليس ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم. وقرئ: (فآتاهم الله) أي: فآتاهم الهلاك.
_________________
(١) قوله: (في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها)، قال صاحب "الفرائد": وليس بذلك، بل ﴿حُصُونُهُم﴾ مرتفعة بـ ﴿مَّانِعَتُهُمْ﴾ لأن اسم الفاعل إذا كان متعمدًا عمل، وهو خبر أن مع مرفوعها، مثله عن صاحب "الفلك الدائر" قال: إن ﴿حُصُونُهُم﴾ لا ترتفع بأنه مبتدأ كما ظنه إلا على وجه ضعيف، والصحيح أنه فاعل ﴿مَّانِعَتُهُمْ﴾، فـ ﴿مَّانِعَتُهُمْ﴾ اسم فاعل معتمد على ما قبله، لأنه في الحقيقة خبر المبتدأ، فيعمل فيما بعده عمل الفعل، نحو: زيد قائم أبوه. وكذا عن صاحب "الكشف". وقلت: صاحب المعاني لا ينظر إلا إلى أصل المعنى، ثم إلى فائدة عدو له عن أصله، ولا شك أن أفعال القلوب من دواخل المبتدأ والخبر، وأن الأصل: ظنوا أن لا يخرجوا لقوله: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا﴾ بناء على قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ليطابق ما قبله بإيقاع الناصبة للفعل بعدها، فخولف ليؤذن بأن ظن المؤمنين كان على الرجاء والطمع، وظنهم على العلم واليقين، فعلم من التأسيس أن بناء أمره على الجزم والثبوت، ثم في المرتبة الثانية، ظنوا أن حصونهم تمنعهم نظرًا إلى كلام أوساط الناس كما يعلم من مفهوم سؤاله، ثم لما أريد مزيد التوكيد قيل: ظنوا أن حصونهم لإفادة التخصيص، وأن ليس لحصونهم صفة سوى المنع، وأنه
[ ١٥ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لابد منه، وإليه أشار بقوله: "دليل على فرط وثوقهم بحصانتها"، ثم في المرتبة الرابعة ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم ليتقوى الحكم لإفادة تكثير الإسناد، وهو المراد من قوله: "دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالى معها بأحد يتعرض لهم"، وإن لم يرد ما ذكر فما بال الترتيب لم يترك على أصله وهو: ظنوا أن لا يخرجوا؟ ! وأما قوله: إن حصونهم لا ترتفع بأنه مبتدأ كما ظنه إلا على وجه ضعيف، فيقال: إن صاحب المعاني كم له اختيار الوجه الضعيف عند التحري لاعتبار المعنى القوي، ألا ترى إليهم كيف حملوا قوله: "رجل عرف" على التقديم بناء على اللغة الضعيفة وهو: أكلوني البراغيث، والنحوي لا يبثه! وإلى قول المرزوقي في قوله: وإن لم يكن إلا معرج ساعة قليلًا فإني نافع لي قليلها يجوز أن يكون "قليلها" مبتدأ و"نافع" خبر له مقدم عليه، والتقدير: فإني قليلها نافع لي. فسلك أبو مسلم في هذه الآية هذا المسلك. فإن قلت: كيف دل ﴿أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم﴾ على تقوى الحكم، لأن ليس مثل: "هو عرف" و"زيد عرف"، في تكرر الإسناد؟ قلت: تكرر الإسناد كما يكون من جهة تكرر المسند إليه قد يكون من جهة غيره، كما تقول: ضربت زيدًا ثم زيدًا ضربته، فالثاني تكرر فيه الإسناد وقوي الحكم فيه بخلاف الأول. قال ابن جني: قالوا: زيد ضربته، فقدموا المفعول؛ لأن الغرض هاهنا ليس ذكر الفاعل،
[ ١٥ / ٣٠٧ ]
والرعب: الخوف الذي يرغب الصدر، أي يملؤه؛ وقذفه: إثباته وركزه، ومنه قالوا في صفة الأسد: مقذف، كأنها قذف باللحم قذفًا لاكتنازه وتداخل أجزائه.
وقرئ: (يخربون) و﴿يُخْرِبُونَ﴾)، مثبقلا ومخففا. والتخريب والإخراب: الإفساد بالنقض والهدم. والخربة: الفساد، كانوا يخربون بواطنها والمسلمون ظواهرها: لما أراد الله من استئصال شأفتهم، وأن لا يبقى لهم بالمدينة دار ولا منهم ديار، والذي دعاهم إلى التخريب: حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة. وأن لا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيد الخشب والساج المليح. وأما المؤمنون فداعيهم إزالة متحصنهم ومتمنعهم، وأن يتسع لهم مجال الحرب.
_________________
(١) وإنما هو ذكر المفعول، فقدم عناية بذكره، ثم لم يقنع بذلك حتى أزالوه عن لفظ الفضلة، فجعلوه رب الجملة لفظًا، فرفعوه بالابتداء، وصار قوله: "ضربته" ذيلًا له، وفضله ملحقة به. قوله: ("يخربون" و﴿يُخْرِبُونَ﴾)، أبو عمرو: مثقلًا، والباقون: مخففًا. قوله: (من استئصال شأفتهم)، الجوهري: الشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم فتكون فتذهب. وفي المثل: استأصل الله شأفته، أي: أذهبه الله كما أذهب تلك القرحة بالكي. قوله: (وأما المؤمنون فداعيهم)، عطف على قوله: "والذي دعاهم إلى التخريب"، إلى آخره، و"أما" والفاء مقدران في الجملة الأولى لكونها تفصيلية، وقد سبق في أول آل عمران كلام فيه، وهما لف ونشر لما لف، في قوله: "كانوا يخربون بواطنها والمسلمون ظواهرها".
[ ١٥ / ٣٠٨ ]
فإن قلت: ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين؟
قلت: لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه، ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ بما دبر الله ويسر من أمر إخراجهم وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال.
وقيل: وعد رسول الله ﷺ المسلمين أن يورثهم الله أرضهم وأموالهم بغير قتال، فكان كما قال.
_________________
(١) قوله: (لما عرضوهم لذلك)، أي: عرض اليهود المؤمنين، فكان اليهود هم السبب، الجوهري: عرضت فلانًا كذا، فتعرض هو له. قوله: (﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ ما دبر الله)، قال القاضي: فاتعظوا بحالهم فلا تعتذروا ولا تعتمدوا على غير الله، واستدل به على أن القياس حجة من حيث إنه تعالى أمر بالمجاوزة من حال إلى حال، وحملها عليها في الحكم لما بينهما من المشاركة المقتضية له، كما تقرر في الكتب الأصولية. وقال الواحدي: معنى الاعتبار: النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها، والمعنى: تذكروا وانظروا فيما نزل بهم يا أهل اللب والعقل والبصائر. قال الراغب: العبرة: ما يعبر به من الجهل إلى العلم، ومن الحس إلى العقل. وأصله من عبور النهر، ومن العبارة لأنها جعلت كالمعبر لتأدية المعنى من نفس القائل إلى نفس السامع، وخص التعبير بنفس الرؤيا. قوله: (وقيل: وعد رسول الله ﷺ)، عطف على قوله: "بما دبر الله" من حيث المعنى، أي:
[ ١٥ / ٣٠٩ ]
[﴿ولَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِىدُ العِقَابِ﴾ ٣ - ٤]
يعني: أن الله قد عزم على تطهير أرض المدينة منهم وإراحة المسلمين من جوارهم وتوريثهم أموالهم، فلولا أنه كتب عليهم الجلاء واقتضته حكمته ودعاه إلى اختياره أنه أشق عليهم من الموت ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل كما فعل بإخوانهم بني قريظة.
﴿وَلَهُمْ﴾ سواء أجلوا أو قتلوا
_________________
(١) فانظروا إلى هذه المعجزة وصدق إنجاز الله ما وعدكم رسوله، وقيسوا عليه جميع ما وعدكم الله ورسوله. قوله: (فلولا أنه كتب عليهم الجلاء)، وضع هذه "الفاء" بدل "الواو" في التلاوة ليؤذن بارتباط هذه الآية بما قبلها، فإن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ﴾ إلى آخره، دل على أمر عظيم، وعلى عزمة من عزمات الله، وهي إرادة تطهير أرض الحجاز من الأجناس والأرجاس، وإراحة المؤمنين البتة، فلولا الجلاء لكان القتل لازمًا، فأخبر الله تعالى عن الأمرين وفوض الترتيب إلى الذهن. قوله: (ودعاه) قيل: فاعله "أنه أشق"، والضمير المنصوب عائد إلى الله تعالى، أي: دعا الله تعالى إلى اختيار الجلاء لهم دون القتل أن الجلاء أشق عليهم. وقلت: يجوز أن يكون فاعل "دعا" ما دل عليه "اقتضته الحكمة" لأنه عطف تفسيري، وقوله: "أنه أشق" تعليل، أي: دعاه داعي الحكمة إلى اختيار حكم الجلاء لأن ذلك أشق عليهم من الموت.
[ ١٥ / ٣١٠ ]
﴿عَذَابُ النَّارِ﴾ يعني: إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة.
[﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ ٥]
﴿مِّن لِّينَةٍ﴾ بيان لما قطعتم. ومحل ﴿مَا﴾ نصب بـ ﴿قَطَعْتُم﴾، كأنه قال: أي شيء قطعتم، وأنث الضمير الراجع إلى ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ لأنه في معنى اللينة. واللينة: النخلة من الألوان، وهي ضروب النخل ما خلا العجوة والبرنية، وهما أجود النخيل، وياؤها عن واو
_________________
(١) قوله: (إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة)، يريد بعذاب الدنيا القتل والسبي. فإن قلت: هذا يؤذن أن الجلاء أدون حالًا من القتل، وأنه ليس بعذاب، وقد قال هاهنا أنه أشق عليهم من الموت وأنشد في البقرة: لقتل بحد السيف أحسن موقعًا على النفس من قتل بحد فراق قلت: لا شك أن جعل الجلاء أشد من القتل من باب الادعاء، وإلحاق الناقص بالكامل، وأما قوله: "ولهم سواء أجلوا أو قتلوا عذاب النار"، فبيان للفرق بين التركيبين، أعني قوله: ﴿ولَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ وقوله: ﴿ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّار﴾، وأن الأول امتناعي لا ثبات له كالشرط، قال في سورة يوسف: "لولا، وجوابها في حكم الشرط"، والثاني جملة اسمية قطعية، لكنه أهمل بيان فائدة تقديم الخبر على المبتدأ من الاختصاص، وأن المعنى: أنهم مخصوصون بهذا الحكم لكونهم شاقوا الله ورسوله، فيعلم منه أن من لم يشاق الله ورسوله حكمه مباين لهذا.
[ ١٥ / ٣١١ ]
قلبت لكسرة ما قبلها، كالديمة. وقيل: اللينة: النخلة الكريمة، كأنهم اشتقوها من اللين.
قال ذو الرمة:
كأن قتودي فوقها عش طائر على لينة سوقاء تهفو جنوبها
وجمعها لين. وقرئ: (قومًا)، و(على أصلها). وفيه وجهان: أنه جمع أصل كرهن ورهن، أو اكتفي فيه بالضمة عن الواو. وقرئ: (قائمًا على أصوله) ذهابًا إلى لفظ ﴿مَا﴾
﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ فقطعها بإذن الله وأمره.
_________________
(١) قوله: (كأن قتودي) البيت، القتد: خشب الرحل، فالجمع: أقتاد وقتود. سوقاء: طويلة الساق، تهفو: تهب، واللينة: النخلة الكريمة، شبه خفة رحل ناقته بعش طائر، وطول قامتها بنخلة طويلة الساق، وتحركه فوقها بحركة النخلة عند هبوب الريح الجنوبي. قوله: (قطعها بإذن الله وأمره)، الانتصاف: والظاهر أن الإذن عام في القطع والإبقاء، لأنه جواب الشرط المضمن لهما جميعًا، فيكون تعليل إخزاء الفاسقين بهما جميعًا، فقطعها يحسرهم على ذهابها، والترك يحسرهم لبقائها للمسلمين. وقلت: قد أحسن بما قال، وروينا عن الترمذي عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ﴾ الآية. قال: أمروا بقطع النخل، فحك ذلك في صدورهم، فقال المسلمون: قد قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا، فلنسألن رسول الله ﷺ: هل لنا فيما قطعنا من أجر؟
[ ١٥ / ٣١٢ ]
﴿ولِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ وليذل اليهود ويغيظهم أذن في قطعها، وذلك: أن رسول الله ﷺ حين أمر أن تقطع نخلهم وتحرق قالوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ فكان في نفس المؤمنين من ذلك شيء. فنزلت.
يعني: إن الله أذن لهم في قطعها ليزيدكم غيظًا، ويضاعف لكم حسرة إذا رأيتموهم يتحكمون في أموالكم كيف أحبوا ويتصرفون فيها ما شاؤوا.
واتفق العلماء أن حصون الكفرة وديارهم لا بأس بأن تهدم وتحرق وتغرق وترمى بالمجانيق، وكذلك أشجارهم لا بأس بقلعها مثمرة كانت أو غير مثمرة. وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعًا للقتال.
فإن قلت: لم خصت اللينة بالقطع؟
قلت: إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية،
_________________
(١) وهل علينا في ما تركنا وزر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم﴾ الآية، ورواه الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عمر. وقول المصنف: "ويتصرفون فيها ما شاؤوا"، إشارة إلى هذا المعنى. قوله: (وليذل اليهود ويغيظهم)، هذا تأويل لقوله: ﴿ولِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾، وفيه أن ﴿الفَاسِقِينَ﴾ مظهر وضع موضع المضمر، والمعلل محذوف بدلالة سياق الآية، والجملة معطوفة على ما قبلها. قوله: (فليستبقوا)، قيل: لام التعليل والأمر تسكن بعد الفاء والواو، وتحرك بعد "ثم".
[ ١٥ / ٣١٣ ]
وإن كانت من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشد وأشق.
وروي: أن رجلين كانا يقطعان: أحدهما العجوة، والآخر اللون، فسألهما رسول الله ﷺ فقال هذا: تركتها لرسول الله، وقال هذا: قطعتها غيظًا للكفار. وقد استل به على جواز الاجتهاد، وعلى جوازه بحضرة الرسول ﷺ؛ لأنهما بالاجتهاد فعلا ذلك، واحتج به من يقول: كل مجتهد مصيب.
[﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ ولا رِكَابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ٦ - ٧] ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ جعله له فيئا خاصة، والإيجاف من الوجيف؛ وهو السير السريع، ومنه قوله ﵊ في الإفاضة من عرفات: " ليس البر بإيجاف الخيل ولا إيضاع الإبل، على هينتكم".
_________________
(١) قوله: (في الإفاضة من عرفات)، الحديث من رواية البخاري عن ابن عباس قال: دفع النبي ﷺ يوم عرفة، فسمع وراءه زجرًا شديدًا، وضربًا للإبل، فأشار بالسوط إليهم، وقال: "يا أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع". وفي رواية أبي داود قال: "يا أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل". النهاية: وضع البعير يضع وضعًا، وأوضعه راكبه أيضًا؛ إذا حمله على سرعة، وكذا الإيجاف، وقد أوجف دابته يوجفها إيجافًا؛ إذا حثها. قوله: (على هينتكم)، الجوهري: يقال: امش على هينتك، أي: على رسلك، أي: اتئد فيه.
[ ١٥ / ٣١٤ ]
ومعنى ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾: فما أو جفتم على تحصيله وتغنمه خيلا ولا ركابًان ولا تعبتم في القتال عليه، وإنما مشيتم إليه على أرجلكم.
والمعنى: أن ما خول الله رسول من أموال بني النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء.
يعني: أنه لا يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرا، وذلك أنهم طلبوا القسمة، فنزلت.
لم يدخل العاطف على هذه الجملة؛ لأنها بيان للأولى، فهي منها غير أجنبية عنها.
بين لرسول الله ﷺ ما يصنع بما أفاء الله عليه، وأمره أن يضعه حيث يضع الخميس من الغنائم مقسومًا على الأقسام الخمسة.
_________________
(١) قوله: (فهي منها غير أجنبية عنها)، و"هي منها" جملة من مبتدأ وخبر، وقوله: "غير أجنبية عنها" خبر آخر، و"من" في "منها" اتصالية، أو "غير أجنبية عنها" خبر مبتدأ محذوف، والجملة مبنية للأولى، أي: وهي متصلة بها كائنة منها، وهي غير أجنبية عنها، وإنما كانت بياننًا لأن قوله: ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ جملة اسمية شرطية معطوفة على مثلها، وكلتاهما واردتان على الإخبار والإعلام، أي: اعملوا أن ذلك القطع والترك كان بإذن الله، وذلك الفيء كان بتسليط الله لا بسعيكم، لكن لم يعلم كيفية قسمته فبين بهذه الآية القسمة. قوله: (أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم)، ومذهب الشافعي بخلافه، فعنده أن يجعل الفيء خمسة أخماس، والخمس الواحد يخمس ويوضع حيث يوضع الخمس من
[ ١٥ / ٣١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الغنائم، وبيان ذلك ذكره صاحب "البحر" قال: الأصل في الغنيمة قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، والأصل في الفيء قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبَى﴾ الآية [الحشر: ٧]. واعلم أن الغنائم كانت في شرع من قبلنا لله تعالى، لا تحل لأحد، فتنزل نار من السماء فتأخذها، فحص النبي ﷺ من بينهم بأن أحلت له، قال ﷺ: "أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي"، فكانت في صدر الإسلام له خاصة يتفرد بها، وكذا كانت غنائم بدر لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، واستقر أمرها على أن له منها الصفي، فيصطفي من الغنيمة ما شاء من جارية وثوب وعبد وفرس ونحو ذلك، ويكون أربعة أخماسها للغانمين، وخمسها لأهل الخمس، فيقسم على خمسة أسهم، ثم يقسم خمسها على خمسة أسهم؛ منها سهم للرسول ﷺ، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. والآن يجب أن يقسم الفيء على خمسة أسهم كما ذكر في الغنيمة، وخمسه وخمس الغنيمة الذي كان للني ﷺ انتقل بموته إلى المصالح، وأما أربعة أخماسه فالأصح أنها للمقاتلين.
[ ١٥ / ٣١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقلت: حاصل هذا التقرير أن ما في الحشر منسوخ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وهو مشكل لأن ما في الأنفال سابق زمانًا على ما في الحشر، فلا ينسخ به. نقل الواحدي عن المفسرين أن بني النضير لما اجلوا عن أوطانهم وتركوا رباعهم وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله ﷺ أن يخمسها كما فعل بغنائم بدر، فأنزل هذه الآية. وفي رواية محيي السنة: كما فعل بغنائم خبير، ويبعد من حيث النظم والتأليف أن يقال: إن قوله: ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ عطف على ما في الأنفال، ليكون خمسه أيضًا مخمسًا، وأدنى ما يبطله: الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾، لأنه راجع إلى ما ترجع إليه الضمائر في الآيات وهي لبني النضير، وما في الأنفال في قضية أخرى، بل الجملة- أعني ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ - عطف على مثلها، أي: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ﴾، وجملة قوله: ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ بيان للجملة السابقة كما ذهب إليه المصنف، ولهذا عزلت عن العاطف، كأنه لما قيل: ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: ما خول الله ورسوله من أموال بني النضير شيء لم يحصلوه بالقتال والغلبة، فلا يقسم قسمة الغنائم، قيل: فكيف يقسم؟ فقيل: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى﴾ إلى آخره أن ذلك العطف أيضًا لا يجدي فيما ذكر، لأن حكم تلك الآية ثابت قبل هذه. وأقصى ما يقال من جانب الشافعي رحمه الله تعالى أن "ما أفاء الله" الأول إخبار من الله تعالى لا جواب عن قول الصحابة، والثاني: بيان له لكنه مطلق مبهم، وما في الأنفال مقيد بقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فيحمل عليه، وما ذكره المفسرون ليس يثبت. فإن قلت: فما فائدة هذا الإخبار؟ قلت: نفي ما نسخ في خواطر المسلمين أنهم سعوا في تحصيل تلك الأموال بالقتال، كما قال في "التفسير الكبير": إن أموال بني النضير أخذت بعد القتال، لأنهم حوصروا أيامًا وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء، وفي كلام المصنف في أول السورة إشعار بذلك.
[ ١٥ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ يعني أن سعيكم ذلك لم يكن له مزيد تأثير، بل جرت عادة الله في تسليط جميع رسله على من يشاء، وهذا من جملة ذلك، ومن ثم جيء بصيغة المضارع الدالة على الاستمرار، وجمع الرسل، فمعناه قريب من معنى قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، وعلى هذا معنى الجملة الأولى: لأن المسلمين لما قطعوا النخيل وحرقوها خطر ببالهم أن ذلك فساد في الأرض- كما قال المصنف- وكان في أنفس المسلمين من ذلك شيء فنزلت، فقيل لهم: كان ذلك بإذن الله وأمره، وما يأذن الله ويأمر به لا يكون فسادًا في الحقيقة. فإن قلت: كيف يحمل على تقييد المطلق؟ فإن مفهوم الغنيمة أخص من مفهوم الفيء، لأنه أعم تناولًا منه. قال الجوهري: الفيء: الخراج والغنيمة، تقول منه: أفاء الله على المسلمين مال الكفار يفيء إفاءة. وفي "المغرب": قال أبو عبيد: الغنيمة: ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة، وحكمه أن يخمس، وسائر ما بعد الخمس للغانمين خاصة، والفيء: ما نيل منهم بعد ما تضع الحرب أوزارها، وتصير الدار دار الإسلام، وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ولا يخمس. والنفل: ما نفله الغازي أيك يعطاه زائدًا على سهمه، وهو: أن يقول الإمام أو الأمير: "من قتل فله سلبه"، أو قال للسرية: ما أصبتم فهو لكم، أو نصفه أو ربعه، ولا يخمس. وعن علي بن عيسى: الغنيمة أعم من النفل، والفيء أعم من الغنيمة، لأنه اسم لكل ما صار للمسلمين من أموال أهل الشرك. وقال أبو بكر الرازي: فالغنيمة فيء، والجزية فيء، ومال
[ ١٥ / ٣١٨ ]
والدولة والدولة؛ بالفتح والضم، وقد قرئ بهما: ما يدول للإنسان، أي يدور من الجد. يقال: دالت له الدولة، وأديل لفلان.
ومعنى قوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها جدا بين الأغنياء يتكاثرون به. أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم …
_________________
(١) أهل الصلح فيء، والخراج فيء، لأن ذلك كله مما أفاء الله على المسلمين من المشركين، وعند الفقهاء: كل ما يحل أخذه من أموالهم فهو فيء. تم كلامه. ويمكن أن تنزل عبارة "الحاوي" على هذا المعنى، بأن يقال: إن قوله: "ما حصل من الكفار" عام خص منه البعض، بعطف "غلة عقارهم" بعد أن وقف على "ما حصل"، وبعض آخر بقوله: "وما حصل بإيجاف خيل فلمسلم"، من حيث عطف الجملة بقي في ذلك العام: "ما جلوا عنه خوفًا من المسلمين إذا سمعوا خبرهم، أو بذلوه كفًا عن قتالهم، وكالجزية وعشور تجاراتهم ونحوه". قلت: لما كان مفهوم الغنيمة داخلًا في مفهوم الفيء وقد قيدت الخمس في تلك الآية، فينبغي أن يقاس عليها سائرها لجامع كونها أموال الكفار صارت إلى المسلمين، إلى أن ينتهض الصارف القوي، نحو: "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه" هذا ما يمكن أن يقال، والله أعلم بحقيقة الحال. قوله: (والدولة والدولة بالفتح والضم)، فالضم: المشهورة، وبالفتح: شاذ، وقيل: هي رواية هشام عن ابن عامر. وقال ابن جني: وهي قراءة أبي جعفر، منهم من لا يفصل بين القراءتين، ومنهم يقول: الفتح في الملك والضم في الملك، "وكان" تامة، أي: كيلا تقع دولة أو تحدث.
[ ١٥ / ٣١٩ ]
ومعنى الدولة الجاهلية: أن الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة لأنهم أهل الرياسة والدولة والغلبة، وكانوا يقولون: " من عزبز". والمعنى: كيلا يكون أخذخ غلبة وأثرة جاهلية. ومنه قول الحسن: اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله دولا، يريد: من غلب منهم أخذه واستأثر به.
وقيل: الدولة: ما يتداول، كالغرفة: اسم ما يغترف، يعني: كيلا يكون الفيء شيئًا يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء. والدولة- بالفتح-: بمعنى التداول، أي: كيلا يكون ذا تداول بينهم، أو كيلا يكون إمساكه تداولا بينهم، لا يخرجونه إلى الفقراء، وقرئ: (دولة) بالرفع على (كان) التامة كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] يعني كيلا تقع دولة جاهلية ولينقطع أثرها، أو كيلا يكون تداول له بينهم، أو كيلا يكون شيء متعاور بينهم غير مخرج إلى الفقراء. ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ من قسمة غنيمة أو فيء ﴿فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ﴾ عن أخذه منها
_________________
(١) وقوله: ﴿بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ﴾ يجوز أن يكون صفة لـ ﴿دُولَةً﴾، وأن تكون متعلقة: أي: تداول بين الأغنياء منكم. وقال الزجاج: الدولة بالضم: اسم الشيء الذي يتداول، وبالفتح: الفعل والانتقال من حال إلى حال. قوله: (من عز بز)، الميداني: أي: من غلب السلب، قالت الخنساء: كأن لم يكونوا حمى يتقى إذ الناس إذ ذاك من عزبزا قوله: (ويتعاورونه)، بيان لقوله: "يتداوله الأغنياء".
[ ١٥ / ٣٢٠ ]
﴿فَانتَهُوا﴾ عنه ولا تتبعه أنفسكم، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أن تخالفوه وتتهاونوا بأوامره ونواهيه.
﴿إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ لمن خالف رسوله، والأجود أن يكون عامًا في كل ما آتى رسول الله ﷺ ونهى عنه، وأمر الفيء داخل في عمومه.
وعن ابن مسعود ﵁: أنه لقي رجلا محرما وعليه ثيابه فقال له: انزع عنك هذا. فقال الرجل: اقرأ علي في هذا آية من كتاب الله. قال: نعم، فقرأها عليه.
[﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ ورِضْوَانًا ويَنصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٨]
﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ بدل من قوله: ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ والمعطوف عليه والذي منع الإبدال من: "لله وللرسول" والمعطوف عليهما،
_________________
(١) قوله: (والأجود أن يكون عامًا في كل ما آتى رسول الله ﷺ ونهى عنه)، لأن الواو فيه ليست بعاطفة ولا تصح، فالجملة تذييل ولذلك عقبه بقوله: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾، وأطلقه ليشمل كل ما يجب أن يتقى، ويدخل في ما سيق له الكلام دخولًا أوليًا، وينصره ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات والمفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، وكانت تقرأ القرآن - يقال لها أم يعقوب- فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك قلت: كذا وكذا؟ فقال عبد الله: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ، وهو في كتاب الله! ! فقالت: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدت فيه ما تقول قال: إن كنت قرأتيه لوجدته، قال الله تعالى: ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ الآية. قوله: (والذي منه الإبدال من: "لله وللرسول" والمعطوف عليهما)، يعني من المجموع وهو جواب عن سؤال مقدر، يعني: لم خصصت الإبدال بقوله: ﴿ولِذِي القُرْبَى﴾، والمعطوف
[ ١٥ / ٣٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) داخل في حكم المعطوف عليه بحكم الانسحاب؟ فقال: أخرجه الدليل. وقوله: "وإن كان المعنى لرسول الله ﷺ) معناه: وإن صح أن يبدل من الرسول، ويكون ذكر الله للتبرك والتمهيدـ، لكن الله تعالى رفع منزلته من ان يسميه بالفقير. قال الرغب: المشهور عند العامة أن الفقر الحاجة، وأصله كسر الفقار، من قولهم: فقرته، نحو كبدته، وبهذا النظر سمى الحاجة والداهية فاقرة. والفقر: أربعة؛ فقد الحسنات في الآخرة، وفقد القناعة في الدنيا، وفقد المقتنى. والغني بحسبه، فمن فقد القناعة والمقتنى فهو الفقير المطلق على سبيل الذم، ومن فقد القناعة دون القنية فهو الغني بالمجاز الفقير بالحقيقة، ومن فقد القنية دون القناعة فإنه يقال له: غني وفقير، وقد ورد: "ليس الغنى بكثرة العرض، وإنما الغنى غنى القلب"، وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ دليل على أن الفقر مذموم، وقال صاحب "التقريب": وفي أن يكون بدلًا من "لذي القربى" نظر، لأنه لابد من اشتراط الفقر في ذوي القربى، وليس بشرط، فليجعل بدلًا فما بعده. الانتصاف: مذهب الإمام أبي حنيفة أن استحقاق ذوي القربى للفيء مشروط بالفقر، قال إمام الحرمين: أغلط الشافعي الرد على هذا المذهب بأنه تعالى علق الاستحقاق بالقرابة، ولم يشترط الحاجة، فاشتراطها وعدم اعتبار القرابة مضادة ومحادة، واعتذر إمام الحرمين للحنفية بأن الصدقات لما حرمت عليهم كانت فائدة ذكرهم في خمس الفيء والغنائم أنه لا يمتنع صرف ذلك إليهم امتناع صرف الصدقات.
[ ١٥ / ٣٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ثم قال: لا نغتر بالاعتذار بأن الآية نص على ثبوت الاستحقاق تشريفًا لهم، فمن علله بالحاجة فوت هذا المعنى، ثم عظمه عليهم بأنهم يرون اشتراط الإيمان في رقبة الكفارة زيادة على النص، وهو نسخ لا يصح بالقياس. قال الإمام: وكذا اشتراط الفقر في القرابة يكون زيادة على النص، هذا وجه كلام الإمام، وهو متوجه إن أثبتوه قياسًا، وقد أخذوا التقييد من البدل المذكور في الآية، فنقول ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ بدل من "المساكين" لا غير، لأنه تعالى أراد وصف المساكين بما يبين استحقاقهم وبعث الأغنياء على إيثارهم، وأن لا يجدوا في صدورهم حاجة مما أوتوا، وقد فصل عنهم قوله: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ إلى ﴿شَدِيدُ العِقَابِ﴾، طوى ذكرهم توطئة للصفات فذكروا بصفة أخرى مناسبة لأولى، فاشتمل على وصفهم بالمسكنة والفقر جميعًا، ثم تليت صفاتهم بعد بأنهم أخرجوا من ديارهم إلى آخرها، فهذا الذي يرشد إليه السياق، وأواوا القربى ذكروا على الإطلاق، فالأولى بقاؤهم على ذلك، ويؤيد ذلك أن الحنفية يرون الاستثناء إذا تعقب جملا اختص بالأخيرة، فكذا البدل يكفي في صحة عوده إلى الأخير، ولأنه إذا جعل من "ذوي القربى" كان بدل بعض من الكل، إذ فيهم أغنياء، وإن جعل بدلًا من "المساكين" أيضًا كان بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، فيكون البدل محتويًا على نوعي البدل، وهو متعذر لتغايرهما، إذ كل واحد يتقاضى ما يأباه الآخر، وعلى هذا إعراب الزجاج الآية، فجعلها بدلًا من "المساكين" خاصة. وقلت: مذهب المصنف أن الجمل المتعقبة بقيد لا تختص الأخيرة منها به، بل الكل سواء، إلا أن يقوم الدليل بالاختصاص كما نحن بصدده، يدل عليه قوله في سورة النور في الاستثناء:
[ ١٥ / ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) "والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء للشرط"، وقوله هاهنا: "إن الله ﷿ أخرج رسوله من الفقراء، وقوله: وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله تعالى" فنقول نحن أيضًا: إن فعل رسول الله ﷺ والصحابة أخرج ذوي القربى من حكم الفقراء. روى محيي السنة في سورة الأنفال: أن النبي ﷺ أجرى عطاء العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله، والخلفاء بعده كانوا يعطون الأغنياء ولا يفضلون الفقير على الغني. ويمكن أن يجعل إبدالًا بان نبتدأ من قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾. قال صاحب "المرشد" والكواشي: إن الوقف على ﴿شَدِيدُ العِقَابِ﴾ تام. وفي الكواشي: قالوا: وأراه حسنًا إن أضمرت فعلًا أي: اعجبوا ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾، ولا يجوز اختيارًا إن أبدل ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ من "لذي القربى" وذلك أن سياق الآيات في مدح المهاجرين والأنصار وبذل أرواحهم وأموالهم في سبيل الله، ومدح التابعين لهم بإحسان، وكيف وقد مدح المهاجرين بأنهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا؟ وعطف ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ﴾ على ﴿المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ﴾؟ وفيه: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، وكذا عطف قول: ﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ كل هذا إنما يحسن إذا ابتدئ منه، وتكون الآيات متصلات بقوله: ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾؛ لأنه لما أمر باتباع سنة الرسول ﷺ، عجب الناس باتباع هؤلاء السادة سنة الرسول ﷺ بالمهاجرة من أوطانهم والمفارقة عن أهاليهم وأموالهم،
[ ١٥ / ٣٢٤ ]
وإن كان المعنى لرسول الله ﷺ: أن الله ﷿ أخرج رسوله من الفقراء في قوله: ﴿ويَنصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وأنه يترفع برسول الله عن التسمية بالفقير، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله ﷿، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ في إيمانهم وجهادهم.
_________________
(١) وبالتبوؤ بالدار والإيمان، وبالتسوية بما اختص بهم حتى بأزواجهم، كما قال: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ وكذا عطف: ﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ على المهاجرين المعني بهم "التابعون لهم بإحسان" مانع من الإبدال، والذي يؤيد تقدير فعل التعجب- كما ذكره أبو البقاء وتبعه صاحب الكواشي- مجيء قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ﴾ الآيات، مصدرًا بـ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ وهي كلمة التعجب لكون ذكرهم جاء مقابلًا لذكر أضدادهم. قوله: (أن الله ﷿، أخرج رسوله من الفقراء في قوله: ﴿ويَنصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾)، يعني لو كان داخلًا فيهم لم يصح قوله: ﴿ويَنصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾، لئلا يلزم أن يكون الرسول ناصرًا لنفسه. قوله: (وأنه يترفع برسول الله ﷺ عن التسمية بالفقير)، كما لا يجوز أن يوصف الله تعالى بعلامة، لأجل التأنيث لفظًا، لأن فيه سوء أدب. قوله: (وأن الإبدال على ظاهر اللفظ) يعني: وإن صح إبدال قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ من قوله: "لله" من حيث ظاهر اللفظ، لكن لا يصح من حيث المعنى؛ لما يؤدي إلى خلاف تعظيم الله.
[ ١٥ / ٣٢٥ ]
[﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ٩]
﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾ معطوف على ﴿المُهَاجِرِينَ﴾، وهم الأنصار.
فإن قلت: ما معنى عطف الإيمان على الدار، ولا يقال: تبوؤا الإيمان؟
قلت: معناه تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان، كقوله:
علفتها تبنا وماء باردًا
أو: وجعلوا الإيمان مستقرا ومتوطنًا لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدنية كذلك. أو أراد دار الهجرة ودار الإيمان، فأقام"لام التعريف" في ﴿الدَّارِ﴾ مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان، ووضع المضاف إليه مقامه، أو سمى المدينة لأنها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان بالإيمان، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من قبل المهاجرين؛ لأنهم سبقوهم في تبوؤ دار الهجرة والإيمان
_________________
(١) قوله: (تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان)، وحاصل الوجوه الأربعة يعود إلى عطف الإيمان على الدار إما من باب التقدير أو الانسحاب، والإيمان إما مجرى على حقيقته أو استعارة، ففي الوجه الأول: الإيمان حقيقة والعطف من باب التقدير، لكن يقدر بحسب السابق، (الانسحاب)، والإيمان على الوجه الثاني استعارة مكنية، وعلى الثاني والرابع العطف للانسحاب، وعلى الثالث مجاز أضيف بأدنى ملابسة، وعلى الرابع استعارة مصرحة تحقيقية. فإن قلت: بين لي مخرج الاستعارتين وتصحيحهما. قلت: شبه في الوجه الأول الإيمان من حيث إن المؤمنين من الأنصار تمكنوا فيه تمكن المالك
[ ١٥ / ٣٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) المتسلط في مكانه ومستقره، بمدينة من المدائن الحصينة، بتوابعها ومرافقه، ثم خيل أن الإيمان بعينها تخييلًا محضًا، فأطلق على المتخيل اسم الإيمان المشبه، وجعلت القرينة نسبة التبوء اللازم للمشبه به إليه على سبيل الاستعارة التخييلية، لتكون مانعة لإرادة الحقيقة، وعلى الرابع شبهت طيبة- أي: مدينة خير الرسل صلوات الله عليه لكونها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان- بالتصديق الصادر من المخلص المحلى بالعمل الصالح، ثم أطلق اسم الإيمان على مدينة الرسول ﷺ بوساطة نسبة التبوء إليه، وهي استعارة مصرحة تحقيقية، لأن المشبه المتروك وهو المدينة حسي، والجامع النجاة من مخاوف الدارين؛ ففي الأول المبالغة والمدح يعود إلى سكان المدينة أصالة، وفي الثاني العكس، والأول أدعى لاقتضاء المقام؛ لأن الكلام وارد في مدح الأنصار الذين بذلوا مهجهم وأموالهم في نصرة الله ونصرة رسوله، وهم الذين آووه ونصروه. فإن قلت: يلزمك من القول بالانسحاب استعمال الكلمة الواحدة في الحقيقة والمجاز معًا. قلت: أجعلها مجازًا في مطلق اللزوم والثبات ولا أبالي بذلك كما مر مرارًا. فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ فإنه يؤدي إلى أن الأنصار سبقوا المهاجرين في الإيمان، ولذلك قال المصنف: "سبقوهم في دار الهجرة والإيمان"، أي: دار الإيمان. قلت: قال الواحدي: تقدير الآية: والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان، لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، ويمكن أن يقال: إنا ذكرنا أن التقدير أنهم تمكنوا في الإيمان تمكن المالك في ملكه لا يزعجهم عنه منازع، ولا شك أن المهاجرين قبل الهجرة كانوا في تقية وخوف من المشركين، ولذلك هاجروا الهجرتين، ولم يوجد لهم ذلك التمكن إلا بعد الاستقرار في
[ ١٥ / ٣٢٧ ]
وقيل: من قبل هجرتهم، ﴿ولا يَجِدُونَ﴾: ولا يعلمون في أنفسهم ﴿حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ أي: طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره، والمحتاج إليه يسمى جاحة؛ يقال: خذ منه حاجتك، وأعطاه من ماله حاجته، يعني: أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا، ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه ﴿ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: خلة، وأصلها: خصاص البيت، وهي فروجه؛ والجملة في موضع الحال، أي: مفروضة خصاصتهم وكان رسول الله ﷺ قسم أموال بني النضير على المهاجرين، ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين: أبا دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة.
_________________
(١) دار الهجرة، وإليه المصنف بقوله: "وقيل: من قبل هجرتهم"، ولذلك لم يزالوا بعد الهجرة في قلة وفقر حتى آساهم الأنصار بأموالهم، وآثرهم بأثمارهم، على ما روينا عن البخاري ومسلم عن أنس قال: قدم المهاجرين من مكة المدينة، قدموا وليس بأيديهم شيء، وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسموهم حتى أن أعطوهم أنصاف أثمار أموالهم كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة. وكافيك بحال أغنى المهاجرين وأكثرهم ثروة عبد الرحمن بن عوف حين قدم المدينة شاهدًا على ذلك، روينا في "صحيح البخاري" عن ابن عوف قال: آخر رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال لي سعد: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقاسمك مالي شرطين، ولي امرأتان فانظر أيتهما شئت حتى أنزل لك عنها، فإذا حلت تزوجتها، فقلت: لا حاجة لي في ذلك، دلوني عن السوق. الحديث، ومن ثم حسن التعجب بالفقر في صدر هذه الآية. قوله: (﴿خَصَاصَةٌ﴾ أي: خلة)، النهاية: الخصاصة: الجوع والضعف، وأصلها الفقر والحاجة إلى الشيء، والجملة في موضع الحال، يعني قوله: ﴿ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
[ ١٥ / ٣٢٨ ]
وقال لهم: " إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة"، فقالت الأنصار: " بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها" فنزلت.
_________________
(١) الراغب: خصاص البيت: فرجه، وعبر عن الفقر الذي لم يسد بالخصاصة، كما عبر عنه بالخلة، والخص: بيت من قصب أو شجر، وذلك لما ترى فيه من الخصاصة، قال: وسمي انثلام الحال خصاصًا وخصاصةً على التشبيه، كما سمي انثلامًا واختلالًا وشعثًا، وخصصت فلانًا وخصني أوليته خصاصتي نحو: خللته وقولهم: وقفتهم على عجري وبجري، وخصان الرجل: خلانه، ثم جعل الخاص مقابلًا للعام في التعارف. قوله: (بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها فنزلت)، والأصح: أنها نزلت في أنصاري اسمه أبو طلحة، على ما روينا عن البخاري مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق، ما عندي غلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت: مثل ذلك: وقلن كلهن مثل ذلك، فقال رسول الله ﷺ: "من يضيفه يرحمه الله؟ " فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة، فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعليهم بشيء ونوميهم، فإذا دخل ضيفنا فأريه أنا نأكل، فإذا أهوى بيده ليأكل فقومي إلى السراج كي تصلحيه فأطفئيه، ففعلت، فقعدوا فأكل الضيف، وباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "لقد عجب الله"_ أو "ضحك الله"_ "من فلان وفلانة".
[ ١٥ / ٣٢٩ ]
"الشح" بالضم والكسر، وقد قرئ بهما: اللؤم، وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع، كما قال:
يمارس نفسًا بين جنبيه كزة إذا بالمعروف قالت له: مهلا
وقد أضيف إلى النفس؛ لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهو المنع نفسه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]. ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ ومن غلب ما أمرته به منه، وخالف هواها بمعونة الله وتوفيقه ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الظافرون بما أرادوا. وقرئ: (ومن يوق).
_________________
(١) وفي رواية نحوه، وفيها: فأنزل الله ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. قوله: ("الشح بالضم والكسر)، بالضم المشهورة، وبالكسر شاذة. قوله: (يمارس نفسًا)، البيت، يقال: رجل كز أي: قليل المواتاة، قليل العطاء. الكزازة: الانقباض واليبس، رجل كز اليدين: نحيل: مثل جعد اليدين. يقول: هذا الرجل إذا هم يومًا أن يتسمح بمعروف قال له نفسه: مهلًا، فيطعها ويمنع من الخير. قوله: (وقد أضيف إلى النفس؛ لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهو المنع نفسه)، اعلم أن الفرق بين البخل والشح عسر جدًا، وقد آذن بالفرق في هذا المقام، وأن الشح: اللؤم، وهو غريرة، وأن البخل: المنع نفسه، فهو أعم، لأنه قد يوجد البخل ولا شح ثمة، ولا ينعكس، وعليه ما ورد في "شرح السنة": جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: ما ذاك؟ قال: أسمع الله، يقول: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] وأنا رجل شحيح لا يكاد أن يخرج من يدي شيء، فقال عبد الله:
[ ١٥ / ٣٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ليس ذاك بالشح الذي ذكره الله، إنما الشح أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذاك البخل، وبئس الشيء البخل. وقال ابن جبير: الشح: إدخال الحرام، منع الزكاة. وعن مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءكم واستحلوا محارمهم"، وعن النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا". فإذن الشح راسخة يصعب معها على الرجل تأتي المعروف، وتعاطي مكارم الأخلاق، ويفتقر في التخلص منه إلى معونة الله وتوفيقه كما أومأ إليه المصنف. وروينا عن البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "مثل المنفق والبخيل، كمثل رجلين عليهما جنتان أو جبتان من حديد، من لدن ثدييهما إلى تراقيهما، فإذا أراد المنفق أن ينفق: اتسعت عليه الدرع، أو مرت حتى تجن بنانه، وتعفو أثره، وإذا أراد البخيل أن ينفق: قلصت، ولزمت كل حلقة موضعها حتى أخذته بترقوته أو برقبته". وإذا صح أن الشح أم الخبائث وأس الرذائل، كان قوله: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ تذييلًا لقوله: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ومعناه ما قال لمصنف: "ومن غلب ما أمرته به نفسه، وخالف هواها بمعونة الله وتوفيقه ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ "أي: الذين إن تصورت صفة المفلحين وتحققوا ما هم، فهم هم، لا يعدون تلك الحقيقة.
[ ١٥ / ٣٣١ ]
[﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ١٠]
﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطفٌ أيضًا على ﴿المُهَاجِرِينَ﴾: وهم الذين هاجروا من بعد،
_________________
(١) وقد تحقق لك أن من جعل الإيمان لنفسه ومستقرًا لها، وقطع طعمه من مال الغير وآثر ما يملكه على نفسه كان من المفلحين الفائزين بمباغيهم. وفي جعل قوله: ﴿ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ كناية عن قطع الطمع، إشارة إلى قطع ذلك الغريزي من سنخه قطعًا لو تكلف التماس أية حاجة كانت، ما وجد لها أثرًا، وفي تتميمه بقوله: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ بلوغ إلى الدرجة العليا في الحرية والفتوة، أي: قطعوا الطمع إشارة إلى قلع ذلك عما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم بما ملكوا، وأنشد في ذلك: فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت قوله: (﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطف أيضًا على ﴿المُهَاجِرِينَ﴾)، فإن قلت: كيف وصف الأولون بالمهاجرة وابتغاء الفضل والنصرة والصدق، والأنصار بالرسوخ في الإيمان ومحبة الإيواء والسخاوة البالغة حدها، والفلاح في الآجل، واقتصر في مدح هؤلاء على قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا﴾؟
[ ١٥ / ٣٣٢ ]
وقيل: التابعون بإحسان. ﴿غِلًّا﴾ وقرئ: (غمرًا) وهما الحقد.
_________________
(١) قلت: كفى بهم مدحًا أن يوفقهم على الدعاء لأولئك السادة الكرام، ويمنحهم محبتهم، ويدخلهم في زمرتهم بأخوة الإسلام. قال الواحدي: ﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: يعني التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، فذكر أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: غشًا وحسدًا وبغضًا، وكل من لم يترحم على جميع أصحاب محمد وكان في قلبه غل على أحد منهم، فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية، لن الله تعالى رتب المؤمنين ثلاث منازل: المهاجرين، والأنصار، والتابعين الموصوفين بما ذكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجًا من أقسام المؤمنين. وسمع ابن عباس رجلًا ينال من بعض الصحابة فقال: أمن المهاجرين الأولين أنت؟ قال لا، قال: من الأنصار؟ قال: لا، قال: فأنا أشهد أنك لست من التابعين بإحسان. قوله: (﴿غِلًا﴾ وقرئ: غمرًا، وهما الحقد)، الراغب: أصل الغلل: تدرع الشيء وتوسطه، ومنه: الغلل للماء الجاري بين الأشجار، فالغل مختص بما يقيد به فتجعل الأعضاء وسطه، والغلالة: ما يلبس من النوعين، فالغل والغلول تدرع الخيانة والعداوة. قال تعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾، والغلة والغليل: ما يتدرعه الإنسان في داخله من العطش، ومن شدة الوجد والغيظ،، يقال: فلان شفى غليله، أي: غيظه، والمغلغلة: الرسالة التي تتغلغل وسط القوم.
[ ١٥ / ٣٣٣ ]
[﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ولا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وإن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ولَئِن قُوتِلُوا لا يَنصُرُونَهُمْ ولَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ﴾ ١١ - ١٢]
﴿لإخْوَانِهِمُ﴾ الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر، ولأنهم كانوا يوالونهم ويؤاخونهم، وكانوا معهم على المؤمنين في السر ﴿ولا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ في قتالكم ﴿أَحَدًا﴾ من رسول الله والمسلمين إن حملنا عليه. أو في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة، ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ أي في مواعيدهم لليهود. وفيه دليل على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيوب.
فإن قلت: كيف قيل: ﴿ولَئِن نَّصَرُوهُمْ﴾ بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم؟
قلت: معناه: ولئن نصروهم على الفرض والتقدير، كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وكما يعلم ما يكون، فهو يعلم ما لا يكون، لو كان كيف يكون.
والمعنى: ولئن نصر المنافقون اليهود لينهز من المنافقون ثم لا ينصرون بعد ذلك، أي: يهلكهم الله تعالى ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم، أو لينهز من اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين.
[﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن ورَاءِ جُدُرٍ بَاسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
_________________
(١) قوله: (يعلم ما لا يكون، لو كان كيف يكون) "ما" مفعول أول، و"كيف" مفعول ثان، يعني: أن الله تعالى يعلم المعدوم إذا فرض وجوده على أي حالة يوجد.
[ ١٥ / ٣٣٤ ]
قَرِيبًا ذَاقُوا وبَالَ أَمْرِهِمْ ولَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إذْ قَالَ لِلإنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ ١٣ - ١٧]
﴿رَهْبَةً﴾ مصدر "رهب" المبني للمفعول، كأنه قيل: أشد مرهوبية. وقوله: ﴿فِي صُدُورِهِم﴾ دلالة على نفاقهم، يعني: أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله، وأنتم أهيب في صدورهم من الله.
فإن قلت: كأنهم كانوا يرهبون من الله حتى تكون رهبتهم منهم أشد.
قلت: معناه أن رهبتهم في السر منكم أشد من رهبتهم من الله التي يظهرونها لكم، وكانوا يظهرون لهم رهبةً شديدةً من الله، ويجوز أن يريد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله؛ لأنهم كانوا قومًا أولي بأس ونجدة، فكانوا يتشجعون لهم مع إضمار الخيفة في صدورهم، ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يعلمون الله وعظمته حتى يخشوه حق خشيته. ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ لا يقدرون على مقاتلتكم ﴿جَمِيعًا﴾ مجتمعين متساندين، يعني اليهود والمنافقين ﴿إِلَّا﴾ كائنين ﴿فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾ بالخنادق والدروب، ﴿أَوْ مِن ورَاءِ جُدُرٍ﴾ دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم،
_________________
(١) قوله: (﴿رَهْبَةً﴾: مصدر "رهب" المبني للمفعول)، الانتصاف: لأن المخاطبين مرهوب منهم لا راهبون. قوله: (ويجوز أن يريد أن اليهود يخافونكم)، وحاصل المعنى الأول: أنهم يظهرون لكم خوف الله تعالى، مع أنهم لا يخافونه تعالى، والمعنى الثاني: أنهم يظهرون لكم أنهم لا يخافونكم، مع أنهم يخافونكم، ويخافون الله خوفًا لا يعتد به، ولذلك قال: "حتى يخشوه حق خشيته".
[ ١٥ / ٣٣٥ ]
لقذف الله الرعب في قلوبهم، وأن تأييد الله تعالى ونصرته معكم. وقرئ: (جدر) بالتخفيف، و(جدار)، و(جدر)، و(جدر)، وهما: الجدار.
﴿بَاسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ يعني أن البأس الشديد الذي يوصفون به إنما هو بينهم إذا اقتتلوا؛ ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة؛ لأن الشجاع يجبن، والعزيز يذل عند محاربة الله ورسوله. ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾ مجتمعين ذوي ألفة واتحاد، ﴿وقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ متفرقة لا ألفة بينها، يعني: أن بينهم إحنًا وعداوات، فلا يتعاضدون حق التعاضد، ولا يرمون عن قوس واحدة. وهذا تجسير للمؤمنين وتشجيع لقلوبهم على قتالهم. ﴿قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم ويعين على أرواحهم.
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي مثلهم كمثل أهل بدر في زمان قريب.
_________________
(١) قوله: (و"جدار" ز"جدر")، ابن كثير وأبو عمرو: "جدار" بكسر الجيم وفتح الدال وألف، وأمال أبو عمرو فتحة الدال، والباقون: ﴿جُدُرٍ﴾ بضم الجيم والدال. وقال ابن جني: قرأ أبو رجاء وأبو حية: جدر، بضم الجيم وإسكان الدال. وقال الزجاج: فمن قرأ ﴿جُدُرٍ﴾ فهو جمع جدار، مثل: حمار وحمر، ومن قرأ بتسكين الدال: حذف الضمة لثقلها، كصحف وصحف، ومن قرأ "جدار" فهو الواحد. قوله: (﴿قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم، ويعين على أرواحهم)، أي: على توهين أرواحهم وفسادها، لأن القلب مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ثم يسري منه الفساد إلى الروح.
[ ١٥ / ٣٣٦ ]
فإن قلت: بم انتصب ﴿قَرِيبًا﴾؟
قلت: بـ"مثل"، على: كوجود مثل أهل بدر قريبًا ﴿ذَاقُوا وبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله ﷺ،
_________________
(١) الراغب: إنما خص الأول بـ ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾، والثاني بـ ﴿لاَّ يَعْقِلُونَ﴾، لأن المعنى: خوفكم منكم أشد من خوفهم من الله، لأنهم يعلمون ظاهره ولا يعرفون ما استتر عليهم منه، والفقيه يستدرك من الكلام ظاهره الجلي، وغامضه الخفي، بسرعة فطنته، وجوده قريحته، فلما رهبوا من النبي ﷺ ما لم يرهبوا من الله ﷿، صاروا كمن يعرف ما يشهده، ويجهل ما يغيب عنه، وقيل: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾: لا يستدركون عظمة الله ويشاهدون جلالة النبي ﷺ، ولا يعلمون أن ذلك لجلال الله تعالى. وأما قوله: ﴿لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ جاء بعد قوله: ﴿بَاسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ ومعناه: ليس يجمعهم الحق على طريقة واحدة، بل هم أتباع أهوائهم، وهم مختلفون باختلاف آرائهم، ولو عقلوا الرشد من الغي لاجتمعوا على الحق، فاختلافهم لأنهم لا يعقلون ما يدعو إلى طاعة الله، ويهدي إلى الصراط المستقيم، فالحق سبيل واحد مستقيم، والباطل سبل كثيرة يحمل عليها أهواء متشبعة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. قوله: (بـ"مثل"، على: كوجود)، أي: ﴿قَرِيبًا﴾ متعلق بـ"مثل" في ﴿كَمَثَلِ﴾، على تقدير المضاف وهو العامل، أي: مثلهم كوجود مثل أهل بدر قريبًا، وذلك المثل هو: ﴿ذَاقُوا وبَالَ أَمْرِهِمْ ولَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال أبو البقاء: ﴿كَمَثَلِ﴾ أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، و﴿قَرِيبًا﴾ أي: استقروا من قبلهم زمنًا قريبًا، أو ذاقوا وبال أمرهم قريبًا، أي: عن قريب.
[ ١٥ / ٣٣٧ ]
من قولهم: "كلأ وبيل": وخيم سيئ العاقبة، ذاقوا عذاب القتل في الدنيا ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة عذاب النار. مثل المنافقين في إغرائهم اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، ثم متاركتهم لهم وإخلافهم ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إذا استغوى الإنسان بكيده ثم تبرأ منه في العاقبة، والمراد استغواؤه قريشًا يوم بدر؛ وقوله لهم: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] وقرأ ابن مسعود: (خالدان فيها)، على أنه خبر"أن"، و﴿في النَّارِ﴾ لغو، وعلى القراءة المشهورة: الظرف مستقر، و﴿خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾: حال. وقرئ: (أنا بريء) و(عاقبتهما) بالرفع.
_________________
(١) قوله: (كلأ وبيل)، أي: وخيم، الراغب: الوبل والوابل: المطر الثقيل، قيل للأمر الذي يخاف ضرره: وبال، يقال: طعام وبيل، وكلأ وبيل: يخاف وباله. قوله: (والمراد استغواؤه قريشًا يوم بدر)، اعلم أن التعريف في قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾ للعهد لا غير، إذ لا يتبادر منه إلا المتعارف شرعًا، وأما ما في "الإنسان" فيحتمل العهد، أي: قريشًا كما قال، ومعنى قوله: ﴿اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ﴾: قصد إغواءهم، فدعاهم إلى قتال المسلمين فغووا، لا هذا اللفظ بعينه، وهو المراد من قوله: "المراد استغواؤه" لأن الذي قال لهم يوم بدر هو قوله: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ وقريب منه قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، ويحتمل الجنس على نحو قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] في أن لم يباشر الفعل إلا بعض الجنس، وفي معناه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] قال: "ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له، كقوله: ﴿إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٤] ".
[ ١٥ / ٣٣٨ ]
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ ١٨ - ١٩]
كرر الأمر بالتقوى تأكيدًا، أو اتقوا الله في أداء الواجبات؛ لأنه قرن بما هو عمل، واتقوا الله في ترك المعاصي؛ لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد.
والغد: يوم القيامة، سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبًا له، وعن الحسن: لم يزل يقربه حتى جعله كالغد. ونحوه قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] يريد: تقريب الزمان الماضي. وقيل: عبر عن الآخرة بالغد كأن الدنيا والآخرة نهاران: يوم وغد.
فإن قلت: ما معنى تنكير النفس والغد؟
قلت: أما تنكير النفس فاستقلال للأنفس النواظر فيما قدمن للآخرة، كأنه قال: فلتنظر نفس واحدة في ذلك.
_________________
(١) ويعضد الوجه الأول مجموع التمثيل الثاني من غير عاطف ليكون كالإبدال من التمثيل الأول، ولا يحسن الإبدال إلا على اتحاد موقع التمثيلين، فليتدبر فإنه دقيق، ولعله لهذه الدقيقة ولا يجاب أن يكون المشبه به أعرف وأبين وأشهر من المشبه، اختار هذا الوجه على سائر الوجوه التي ذكرها المفسرون. قوله: (لأنه قرن بما هو عمل)، يعني: كرر ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ إما لمجرد التأكيد، أو كرر ليعلق به ثانيًا غير الأول، فعلق به أولًا: ﴿مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ ما قدمت لغد، وهو عبارة عن أعمال الخير: وثانيًا: ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وهو عبارة عن التهديد والوعيد. قوله: (أما تنكير النفس فاستقلا للأنفس النواظر)، أي: عدهم قليلًا كقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، الانتصاف: قال في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]: المراد بالتنكير التكثير، لأن كل نفس حينئذ، تعلم ما أحضرت لقوله: ﴿يَوْمَ
[ ١٥ / ٣٣٩ ]
وأما تنكير الغد فلتعظيمه وإبهام أمره، كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لعظمه. وعن مالك ابن دينار: مكتوب على باب الجنة: وجدنا ما عملنا، ربحنا ما قدمنا، خسرنا ما خلفنا.
﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ نسوا حقه، فجعلهم ناسين حق أنفسهم بالخذلان، حتى لم يسعوا لها بما ينفعهم عنده. أو فأراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم، كقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣].
_________________
(١) تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] حتى قيل: إنه من عكس الكلام الذي يقصد به الإفراط، كقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] وهي بمعنى "كم" فقدر هاهنا ما يطابق الواقع في قلة الناظر في المعاد، فالفعل الذي أسند إلى ﴿نَفْسٌ﴾ ليس في وقوع النظر بل في طلب النظر فهو عام التعلق بكل نفس، قال صاحب "الانتصاف": إن ما ذكره الزمخشري أمكن وأحسن. وقلت: وأصل الكلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وانظروا ما تقدموا لأنفسكم ليوم القيامة، فوضع موضع الضمير ﴿نَفْسٌ﴾ منكورة تقليلًا لها وتقريعًا على قلة نظرها في العاقبة، وأقيم مقام يوم القيامة "غد" منكورًا، تهويلًا كأنه قيل: فلتنظر نفس واحدة لذلك اليوم الهول، ومنه قوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨]. وقلت: ويحتمل تعظيمها أي: نفس ناظرة إلى عاقبة أمرها، فيحصل الترقي من ذكر الإيمان إلى التقوى، ثم إلى النظر والتفكر، ثم رشح التقريع بقوله: ﴿ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾. وقال الواحدي ومحيي السنة: لينظر أحدكم أيش الذي قدم لنفسه؟ أعملًا صالحًا ينجيه أم سيئًا يوبقه. قوله: (فجعلهم ناسين حق أنفسهم بالخذلان)، الانتصاف: بل خلق فيهم النسيان.
[ ١٥ / ٣٤٠ ]
[﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ﴾ ٢٠]
هذا تنبيه للناس وإيذان لهم بأنهم لفرط غفلتهم، وقلة فكرهم في العاقبة، وتهالكهم على إيثار العاجلة واتباع الشهوات، كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبون العظيم بين أصحابهما، وأن الفوز مع أصحاب الجنة؛ فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينهوا عليه، كما تقول لمن يعق أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة من لا يعرفه، فتنبهه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي البر والتعطف.
وقد استدل أصحاب الشافعي ﵁ بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالقهر.
_________________
(١) قوله: (هذا تنبيه للناس وإيذان) إلى آخره: (كأنهم لا يعرفون الفرق)، اعلم أن هذا التمثيل، أي: ﴿لا يَسْتَوِي﴾ كالتذييل لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ إلى آخره، وذلك أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتقوى التي هي قصارى كرامة الله، كما قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وبالنظر والتيقظ للعاقبة، والأخذ في العمل وما يسره الغد إذا لقيته، ثم نهاهم أن يكونوا من الغافلين الذين نسوا الله وتركوا الحذر، فأهملوا العمل للغد، فامتهنهم الله بالخذلان فأنساهم أنفسهم، حتى رأوا في العاقبة من الأهوال ما نسوا فيها أنفسهم، ذيل الكلام بقوله: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾ مزيدًا للترغيب فيما يزلفهم إلى الله، ويدخلهم دار كرامته، ويجعلهم من أصحابها، والترهيب عما يبعدهم من الله، ويدخلهم دار الإهانة ويجعلهم من أصحابها، ومن ثم دق ولطف استدلال أصحابنا بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر وحسن كلام القاضي حيث قال: لا يستوي الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا الجنة، والذين استمهنوا نفوسهم فاستحقوا النار.
[ ١٥ / ٣٤١ ]
[﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢١]
هذا تمثل وتخييل، كما مر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وقد دل عليه قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره.
وقرئ: (مصدعًا) على الإدغام، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل.
[﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٢٢ - ٢٤]
_________________
(١) قوله: (كما مر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾) أي: في أحد وجهيه، وهو: أن يراد ما كلفه الإنسان من عظمه وثقل محمله، على أنه عرض على أعظم خلق الله من الأجرام وأقواه فأبى حمله، وكذلك مثل حالة عظمة كلام الله المجيد وجلالة تنزيله، وأن شأن القرآن كذا وكذا، بالحالة المفروضة للجبال، وهي حصول صدعها من خشية الله عند نزوله. قال الواحدي: وبيانه: لو جعل في الجبل تمييز وأنزل عليه القرآن لخشع وتشقق من خشية الله، والمعنى: أن الجبل مع قساوته وصلابته يتشقق من خشية الله، حذرًا من أن لا يؤدي حق الله في تعظيم القرآن، والكافر مستخف بحقه، معرض عما فيه من العبر كأن لم يسمعها. وقلت: هذا معنى قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ أي: خاسر به.
[ ١٥ / ٣٤٢ ]
﴿الغَيْبِ﴾ المعدوم ﴿والشَّهَادَةِ﴾: الموجود المدرك كأنه يشاهده. وقيل: ما غاب عن العباد وما شاهدوه. وقيل: السر والعلانية. وقيل: الدنيا والآخرة.
﴿القُدُّوسُ﴾ بالضم والفتح، وقد قرئ بهما: البليغ في النزاهة عما يستقبح. ونظيره: السبوح، وفي تسبيح الملائكة: سبوح قدوس رب الملائكة والروح. و﴿السَّلامُ﴾ بمعنى السلامة
_________________
(١) قوله: (ما غاب عن العباد)، يريد أن الغيب والشهادة يجوز أن ينسبا إلى الله تعالى وإلى العباد، فعلى الأول يحمل الغيب على المعدوم، ولما كان المعدوم عندهم عبارة عن الشيء الذي يصح أن يعلم ويخبر عنه، قال ذلك، وأما الموجود ففيه ما يصح أن يشاهد وما لا يصح، فجعلت كلها بمنزلة المشاهد لله تعالى، مبالغة في قوله: "كأنه يشاهده"، والوجه هو الثاني، لما يخالف الأول تفسيره قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾ [يونس: ١٨] في سورة يونس، وقوله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ [الرعد: ٣٣] في سورة الرعد، اللهم إلا أن يراد بأحدهما المعدوم الممكن، وبالآخر المعدوم الممتنع، ويؤيده تفسير صاحب "المفتاح": ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾: أي بما لا ثبوت له، ولا علم الله معلق به، نفيًا للملزوم، وهو المنبأ به بنفي لازمه، وهو وجوب كونه معلومًا للعالم الذات، لو كان له ثبوت بأي اعتبار كان. فحينئذ جاء التفصيل في قولهم: المعدوم شيء. قوله: (﴿القُدُّوسُ﴾ بالضم والفتح)، بالضم: المشهورة، والفتح: شاذ، قال ابن جني: فعول في الصفة قليل، وذكر سيبويه: السبوح والقدوس، وإنما باب الفعول الاسم؛ كتنور، وسفود، وعبود.
[ ١٥ / ٣٤٣ ]
ومنه: ﴿دَارُ السَّلَامِ﴾ و﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] وصف به مبالغةً في وصف كونه سليمًا من النقائص، أو في إعطائه السلامة،، ﴿المُؤْمِنُ﴾ واهب الأمن. وقرئ بفتح الميم بمعنى المؤمن به، على حذف الجار، كما تقول في قوم موسى من قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]: المختارون بلفظ صفة السبعين. و﴿المُهَيْمِنُ﴾: الرقيب على كل شيء، الحافظ له، مفيعل من الأمن؛ إلا أن همزته قلبت هاءً.
_________________
(١) قوله: (المؤمن به على حذف الجار، كما تقول في قوم موسى من قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]: المختارون) أي: يقول في شأن قوم موسى مستنبطًا من قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾: السبعون المختارون، فجعله صفة لـ"السبعون" ثم يطلق الصفة ويريد الموصوف، كما يطلق المؤمن ويريد المؤمن به، صفة لله تعالى. "المختارون"، هو مقول القول، أو نقول: إنك تصف قوم موسى بقولك: المختارون، وأنت تريد المختار منهم، جريًا على ظاهر قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾، قيل: إذا قلت: آمنت بالله فإنه مخرج منه الصفة مع إيجاز، فنقول: مؤمن به كما في ضرب من المثال، فإن معنى قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي: من قومه، فلو كان حرف الجر مصرحًا به لقلت في صفة القوم: المختار منهم، وإذا لم يكن حرف الجر مصرحًا به لقلت في صفة القوم: المختارون منهم. قوله: (مفيعل من الأمن، إلا أن همزته قلبت هاء)، قال الزجاج: زعم بعض أهل اللغة أن الهاء بدل من الهمزة، وأن أصله: "المؤيمن"، كما قالوا: إياك وهياك، والتفسير يشهد لهذا القول، لأنه جاء أنه الأمين وجاء أنه الشهيد، فتأويل الشهيد: الأمين في شهادته. قال حجة الإسلام: المهيمن في حق الله: أنه القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وإنما قيامه عليهم باطلاعه واستيلائه وحفظه، وكل مشرف على كنه الأمر مستول
[ ١٥ / ٣٤٤ ]
و﴿الجَبَّارُ﴾ القاهر الذي جبر خلقه على ما أراد، أي أجبره، و﴿المُتَكَبِّرُ﴾ البليغ الكبرياء والعظمة. وقيل: المتكبر عن ظلم عباده.
_________________
(١) عليه، حافظ له، فهو مهيمن عليه، والإشراف يرجع إلى العلم، والاستيلاء على كمال القدرة، والحفظ إلى الفعل، والجامع بين هذه المعاني اسمه المهيمن، ولن يجتمع ذلك على الإطلاق والكمال إلا لله تعالى. قوله: (و﴿المُتَكَبِّرُ﴾: البليغ الكبرياء)، قال الأزهري: فإن قيل: التفعل يجيء في باب الصفات لمن يتكلف النعت الذي لا يستحقه، كقوله: يتعظم وليس بعظيم، ويتكبر وليس بكبير، ويتسخى وليس بسخي، فكيف جاز في صفة الخالق؟ والجواب: أن الفعل يجيء على غير معنى التكلف، من ذلك قولهم: فلان يتظلم أي يظلم، وفلان يتظلم أي يشكو ظلامته، ويسأل أن يعان على ظالمه، فإذا جاز أن يكون متفعل في موضع فاعل، جاز أن يكون في موضع فعيل فإنه أخوان. وقيل: إن المتكبر من الكبرياء الذي هو عظمة الله، لا الكبر الذي يذم به المخلوق، فالله استحق الكبرياء لأنه أكبر كبير وأعظم عظيم، ولا يستحقه المخلوق؛ الذي هو مدبر مخلوق من نطفة قذرة ويعود بعد موته جيفة أقذر منها، فهو متعد طوره بادعائه ما ليس له، والله ﷿ كما وصف نفسه، وفوق ما وصف، فهو متكبر بحق، وغيره مدع ما ليس له. وقال حجة الإسلام: المتكبر هو: الذي يرى الكل حقيرًا بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى العظمة والكبرياء إلا لنفسه، فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبيد، فإن كانت هذه الرؤية صادقة كان التكبر حقًا، وكان صاحبها متكبرًا حقًا، ولا يتصور ذلك على الإطلاق إلا الله ﵎.
[ ١٥ / ٣٤٥ ]
و﴿الخَالِقُ﴾ المقدر لما يوجده. و﴿البَارِئُ﴾ المميز بعضه من بعض بالأشكال المختلفة. و﴿المُصَوِّرُ﴾ الممثل. وعن حاطب بن أبي بلتعة أنه قرأ: (البارئ المصور) بفتح الواو ونصب الراء، أي: الذي يبرأ المصور، أي: يميز ما يصوره بتفاوت الهيئات.
وقرأ ابن مسعود: (وما في الأرض).
عن أبي هريرة ﵁: سألت حبيبي ﷺ عن اسم الله الأعظم فقال: "عليك بآخر الحشر فأكثر قراءته" فأعدت عليه فأعاد علي، فأعدت عليه فأعاد علي.
عن رسول الله ﷺ: " من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".
_________________
(١) قوله: (﴿الخَالِقُ﴾ المقدر لما يوجده)، روي عن المصنف: لما كانت إحداثات الله تعالى مقدرة بمقادير الحكمة عبر عن إحداثه بالخلق. قوله: (عليك بآخر الحشر)، عن أحمد بن حنبل والترمذي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ: "من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدًا، ومن قال حين يمسي كان بتلك المنزلة". تمت السورة * * *
[ ١٥ / ٣٤٦ ]