مكية، وهي ستون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وإنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ ١ - ٦]
﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ الرياح، لأنها تذرو التراب وغيره. قال الله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيحُ﴾، وقرئ بإدغام التاء في الذال، ﴿فَالْحَامِلاتِ وقْرًا﴾ السحاب، لأنها تحمل المطر. وقرئ: (وقرا) بفتح الواو على تسمية المحمول بالمصدر. أو على إيقاعه موقع حملا
_________________
(١) ـ سورة الذاريات مكية، وهي ستون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (وقرئ بإدغام التاء في الذال) أبو عمرو وحمزة. قوله: ("وقرًا" بفتح للواو) هي شاذة. الجوهري: الوقر بالفتح: الثقل في الأذن، وبالكسر: الحمل. قوله: (أو على إيقاعه موقع حملًا) فيكون مفعولًا مطلقًا لا من لفظه، وعلى الأول مفعولًا به.
[ ١٥ / ٥ ]
﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ الفلك. ومعنى ﴿يُسْرًا﴾: جريا ذا يسر، أي: ذا سهولة، ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ الملائكة، لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها. أو تفعل التقسيم مأمورة بذلك. وعن مجاهد: تتولى تقسيم أمر العباد: جبريل للغلظة، وميكائيل للرحمة، وملك الموت لقبض الأرواح، وإسرافيل للنفخ.
وعن علي ﵁ أنه قال وهو على المنبر: سلوني قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي، فقام ابن الكواء فقال: ما الذاريات ذروا؟ قال: الرياح. قال: فالحاملات وقرا؟ قال: السحاب. قال: فالجاريات يسرا؟ قال: الفلك. قال: فالمقسمات أمرًا؟ قال: الملائكة. وكذا عن ابن عباس.
وعن الحسن: "المقسمات": السحاب، يقسم الله بها أرزاق العباد، وقد حملت على الكواكب السبعة، ويجوز أن يراد: الرياح لا غير؛ لأنها تنشئ السحاب وتقله وتصرفه، وتجري في الجو جريا سهلا، وتقسم الأمطار بتصريف السحاب
_________________
(١) قوله: (أو تفعل التقسيم مأمورة) جعل أمرًا حالًا وأضمر المفعول به؛ ليكون على وزان يمنع ويعطي، وعلى الأول أمرًا مفعولًا به على العموم، والأمر بمعنى الشأن. قوله: (وقد حملت على الكواكب السبعة)، قلت: هذا القول مردود، وقد ورد في النهي عن أمثال هذا الكلام أحاديث صحيحة عن الثقات، ولم يذكره أيضًا أحد من المفسرين مثل الواحدي ومحيي السنة وصاحب "التيسير" و"المطلع" والكواشي والقاضي. وقال الزجاج: المفسرون جميعًا يقولون بقول علي ﵁، وأما الإمام فقال بعد ما نقل
[ ١٥ / ٦ ]
فإن قلت: ما معنى الفاء على التفسيرين؟
قلت: أما على الأول؛ فمعنى التعقيب فيها أنه تعالى أقسم بالرياح، فبالسحاب الذي تسوقه، فبالفلك التي تجريها بهبوبها، فبالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر ومنافعه.
وأما على الثاني: فلأنها تبتدئ بالهبوب، فتذرو التراب والحصباء، فتنقل السحاب، فتجري في الجو باسطة له، فتقسم المطر.
﴿إنَّمَا تُوعَدُونَ﴾ جواب القسم، وما موصولة أو مصدرية، والوعود: البعث. ووعد صادق: كعيشة راضية. والدين: الجزاء. والواقع: الحاصل.
_________________
(١) قول علي ﵁: الأقرب أن تحمل هذه الصفات الأربع على الرياح؛ فالذاريات: هي التي تنشئ السحاب. والحاملات: هي التي تحملها، والجاريات: هي التي تجري بها، والمقسمات: هي التي تفرق الأمطار على الأقطار، ولم يذكر هذا القول أصلًا، والعجب كيف ذهل مع ديانته عن هذا النقل؟ ! وسيجيء الكلام فيه في النازعات مستوفى. قوله: (ما معنى الفاء على التفسيرين؟) أحدهما: أن يراد بالمذكورات الذوات المختلفة، وثانيهما: أن يراد صفات الرياح لا غير. قال القاضي: إن حملت الذاريات فالحاملات فالجاريات فالمقسمات على ذوات مختلفة، فالفاء لترتب الإقسام بها، باعتبار ما بينها من التفاوت في الدلالة على كمال القدرة، وإلا فالفاء لترتب الأفعال، إذ الريح مثلًا تذرو الأبخرة إلى الجو حتى تنعقد سحابًا فتحمله فتجري به باسطة له إلى حيث يقسم المطر.
[ ١٥ / ٧ ]
[﴿والسَّمَاءِ ذَاتِ الحُبُكِ * إنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ ٧ - ٩]
﴿الحُبُكِ﴾ الطرائق، مثل حبك الرمل والماء: إذا ضربته الريح، وكذلك حبك الشعر: آثار تثنيه وتكسره. قال زهير:
مكلل بأصول النجم تنسجه ريح خريق لضاحي مائه حبك
والدرع محبوكة: لأن حلقها مطرق طرائق. ويقال: إن خلقة السماء كذلك. وعن الحسن: حبكها: نجومها. والمعنى: أنها تزينها كما تزين الموشى طرائق الوشي. وقيل: حبكها: صفاتها وإحكامها، من قولهم: فرس محبوك المعاقم؛ أي محكمها. وإذا أجاد الحائك الحياكة قالوا: ما أحسن حبكه، وهو جمع حباك، كمثال ومثل، أو حبيكة،
_________________
(١) قوله: (قال زهير) يصف بركة مزينة لظهور النجم فيها، لصفائها وسعة أرجائها: حتى استغاثت بماء لا رشاء له من الأباطح في حافاتها البرك مكلل بأصول النجم ينسجه ريح خريق لضاحي مائه حبك مكلل: أي ملبس إكليلًا، سحاب مكلل: أي ملمع بالبرق، وقيل: هو الذي حوله قطع من الغيم، خريق: بالخاء المعجمة: باردة شديدة الهبوب، ضاحية كل شيء: ناحيته البارزة، مكان ضاح؛ أي: بارز. قوله: (لأن خلقها مطرق طرائق) قال القاضي: هي الطرائق المحسوسة، أي: بالنجوم والمجرة، أو المعقولة التي يسلكها النظار، ويتوصل بها إلى المعارف. قوله: (محبوك المعاقم) الجوهري: المعاقم من الخيل: المفاصل، واحدها معقم.
[ ١٥ / ٨ ]
كطريقة وطرق. وقرئ: (الحبك) بوزن القفل. و(الحبك)، بوزن السلك. و(الحبك)، بوزن الجبل. و(الحبك) بوزن البرق. و(الحبك) بوزن النعم. و(الحبك) بوزن الإبل.
﴿إنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾ قولهم في الرسول: ساحر وشاعر ومجنون، وفي القرآن: شعر وسخر وأساطير الأولين. وعن الضحاك: قول الكفرة لا يكون مستويا، إنما هو متناقض مختلف. وعن قتادة: منكم مصدق ومكذب، ومقر ومنكر.
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ الضمير للقرآن أو الرسول، أي: يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف أشد منه وأعظم؛
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "الحبك") القراءات، نسبها ابن جني إلى الحسن، وقال: جميعها: طرائق الغيم، وأثر حسن الصنعة فيه. قال الزجاج: الحبك في اللغة: ما أجيد عمله، وكل ما تراه من الطرائق في الماء وفي الرمل إذا أصابته الريح، واحداها حباك مثل: مثال ومثل، أو حبيكة مثل: طريقة وطرق قوله: (قولهم في الرسول ﷺ: ساحر وشاعر ومجنون، وفي القرآن: شعر وسحر وأساطير) قال القاضي: ولعل النكتة في هذا القسم؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها وتباين أغراضها، بطرائق السموات في تباعدها واختلاف غاياتها. قوله: (الضمير للقرآن أو الرسول) يعني: في ﴿عَنْهُ﴾، وما دل عليه قوله: ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ وتفسيره قولهم في الرسول: ساحر وشاعر ومجنون وفي القرآن: شعر وسحر وأساطير. قوله: (أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف أشد منه)، الانتصاف:
[ ١٥ / ٩ ]
كقوله: لا يهلك على الله إلا هالك. وقيل: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، أي: علم فيما لم يزل أنه مأفوك عن الحق لا يرعوي. ويجوز أن يكون الضمير لما توعدون أو للدين: أقسم بالذاريات على أن وقوع أمر القيامة حق، ثم أقسم بالسماء على أنهم في قول مختلف في وقوعه، فمنهم شاك، ومنهم جاحد. ثم قال: يؤفك عن الإقرار بأمر القيامة من هو المأفوك.
ووجه آخر: وهو أن يرجع الضمير إلى ﴿قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾، وعن مثله في قوله:
_________________
(١) إنما دل النظم على هذا، لأن قوله: ﴿يُصْرَفُ عَنْهُ﴾، دال على من صرف، كأنك قلت: لا يثبت الصرف في الحقيقة إلا لهذا، وكل صرف دونه كلا صرف. الراغب: رجل مأفوك: مصروف عن الحق إلى الباطل، وأفك يؤفك؛ صرف عقله، ورجل مأفوك العقل، وقيل: ﴿يُؤْفَكُ﴾ كلام مبتدأ، وفيه تعجب، وقال صاحب "التيسير": يصرف عن الإيمان من صرف عن كل خير وسعادة. وقلت: يصرف عن القرآن من ثبت له الصرف الحقيقي، وذلك من إطلاق "صرف" وجعله بمنزلة يمنع ويعطي. قوله: (لا يهلك على الله إلا هالك) وعن بعضهم: أي: لا يحرم من رحمة الرحمن الرحيم إلا من كان هالكًا في غاية ليس وراءها وراء. المغرب: يقال: هلك الشيء في يده: إذا تغير صنعه، وهلك على يده: إذا استهلكه؛ كأنه قاسه على قولهم: قتل فلان على يد فلان، ومات في يده، ولا يقال: مات على يده. قوله: (ويجوز أن يكون الضمير لما توعدون أو للدين) عطف على قوله: الضمير
[ ١٥ / ١٠ ]
ينهون عن أكل وعن شرب
أي: يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب، وحقيقته: يصدر تناهيهم في السمن عنهما، وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف.
وقرأ سعيد بن جبير: (يؤفك عنه من أفك) على البناء للفاعل، أي: من أفك الناس عنه؛ وهم قريش، وذلك أن الحي كانوا يبعثون الرجل ذا العقل والرأي ليسأل عن رسول الله، فيقولون له: احذره، فيرجع فيخبرهم. وعن زيد بن علي: (يأفك عنه من أفك)، أي: يصرف الناس عنه من هو مأفوك في نفسه. وعنه أيضا: (يأفك عنه من أفك)، أي: يصرف الناس عنه من هو أفاك كذاب. وقرئ: (يؤفن عنه من أفن) أي: يحرمه من حرم، من أفن الضرع: إذا نهكه حلبا.
[﴿قُتِلَ الخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ * يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ١٠ - ١٤]
_________________
(١) ـ للقرآن وينصره الكلام السابق، وهو قوله: ﴿وإنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾، واللاحق وهو قوله: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. قوله: (ينهون عن أكب وعن شرب)، تمامه: مثل المها يرتعن في خصب جمل ناه: إذا كان غريقًا في السمن. والضمير في قوله: ينهون يعود إلى الجماعة، ومن ظن أنه يعود إلى النوق أخطأ، فإنه لو كان كذلك لقال: ينهين. قوله: (من هو أفاك كذاب) هذه المبالغة إنما يقيدها مقام مدح الرسول ﷺ، أي: لا يصرف الناس عن مثل هذا الرسول ﷺ الصادق المصدوق إلا من هو مبالغ في الكذب، متناه فيه، وهو نحو قوله السابق: لا يهلك على الله إلا هالك، أي هالك، أي هالك!
[ ١٥ / ١١ ]
﴿قُتِلَ الخَرَّاصُونَ﴾ دعاء عليهم، كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] وأصله الدعاء بالقتل والهلاك، ثم جرى مجرى: لعن وقبح. والخراصون: الكذابون المقدرون ما لا يصح، وهم أصحاب القول المختلف، واللام إشارة إليهم، كأنه قيل: قتل هؤلاء الخراصون. وقرئ: (قتل الخراصين) أي: قتل الله. ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾: في جهل يغمرهم؛ ﴿سَاهُونَ﴾: غافلون عما أمروا به ﴿يَسْأَلُونَ﴾ فيقولون: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي: متى يوم الجزاء. وقرئ بكسر الهمزة وهي لغة.
فإن قلت: كيف وقع أيان ظرفا لليوم، وإنما تقع الأحيان ظروفا للحدثان؟
قلت: معناه: أيان وقوع يوم الدين.
فإن قلت: فبم انتصب اليوم الواقع في الجواب؟
قلت: بفعل مضمر دل عليه السؤال، أي: يقع يوم هم على النار يفتنون، ويجوز أن يكون مفتوحا لإضافته إلى غير متمكن وهي الجملة.
فإن قلت: فما محله مفتوحا؟
_________________
(١) قوله: (واللام إشارة إليهم) أي: التعريف في الخراصون للعهد الخارجي التقديري لما يعرف من قوله: ﴿إنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾ جماعة كذابون خراصون. قوله: (كيف وقع أيان ظرفًا لليوم) أي: أيان يسأل بها عن الحدث، كما تقول: أيان المجيء؟ أيان القدوم؟ فيجاب: يوم الجمعة، أو شهر كذا. قوله: (لإضافته إلى غير متمكن) قال الزجاج: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ﴾ لفظة نصب، ومعناه معنى الرفع، لأنه مضاف إلى جملة، تقول يعجبني يوم أنت قائم ويوم أنت تقوم.
[ ١٥ / ١٢ ]
قلت: يجوز أن يكون محله نصبا بالمضمر الذي هو يقع؛ ورفعا على: هو يوم هم على النار يفتنون. وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع، ﴿يُفْتَنُونَ﴾: يحرقون ويعذبون. ومنه الفتين: وهي الحرة؛ لأن حجارتها كأنها محرقة.
﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ في محل الحال، أي: مقولا لهم هذا القول ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، و﴿الَّذي﴾ خبره، أي: هذا العذاب هو الذي ﴿ُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾، ويجوز أن يكون هذا بدلا من فتنتكم؛ أي: ذوقوا هذا العذاب.
[﴿إنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ﴾ ١٥ - ١٩]
﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ قابلين لكل ما أعطاهم راضين به، يعني أنه ليس فيما آتاهم إلا ما هو ملتقى بالقبول مرضي غير مسخوط، لأن جميعه حسن طيب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَاخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] أي: يقبلها ويرضاها، ﴿ُحْسِنِينَ﴾ قد أحسنوا أعمالهم، وتفسير إحسانهم ما بعده. ﴿مَا﴾ مزيدة. والمعنى: كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل
_________________
(١) ـ قوله: (هو يوم هم على النار يفتنون) ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف، أي: يوم هم على النار يفتنون وقت وقوع يوم الدين. قوله: (وهي الحرة) الحرة: أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنها احترقت بالنار. قوله: (قابلين لكل ما أعطاهم راضين به) فسر الأخذ بالقبول والرضى، لأن لفظ الأخذ فيه دلالة على أن المطلوب مرغوب فيه، وفيه تلويح إلى ما ورد عن الصادق المصدوق أن الله ﷿ يقول لأهل الجنة: "يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في
[ ١٥ / ١٣ ]
إن جعلت ﴿قَلِيلًا﴾ ظرفًا، ولك أن تجعله صفة للمصدر، أي: كانوا يهجعون هجوعا قليلا. ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية أو موصولة؛ على: كانوا قليلا من الليل هجوعهم، أو ما يهجعون فيه، وارتفاعه بـ ﴿قَلِيلًا﴾ على الفاعلية
_________________
(١) يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا"، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري. شبه حلول الرضوان على السعداء وقابليتهم إياه، وهو معقول بإعطاء ما يتناولون باليد، وهو محسوس، مبالغة في الحصول، وتصويرًا لحالة الأخذ والإعطاء، وإبرازه في صورة اسم الفاعل، للدلالة على الدوام والاستمرار، رزقنا الله حلول رضوانه بفضله وكرمه، لأنا لسنا من المحسنين، الذين كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، وفي أموالهم حق للسائل والمحروم. قوله: (ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية أو موصولة)، الانتصاف: جعلها مصدرية يوجب أن يكون ﴿قَلِيلًا﴾ واقعًا على الهجوع؛ لأنه فاعله. وقوله: (من الليل)، لا يكون صفة للقليل، ولا بيانًا له، ولا من صلة المصدر لتقدمه عليه، ولا كذلك على أنها موصولة، فإن ﴿قَلِيلًا﴾ حينئذ واقع على الليل، كأنه قال: قليلًا المقدار الذي كانوا يهجعونه من الليل، فلا مانع أن يكون ﴿مِنَ الَّليْلِ﴾ بيانًا للقليل وهذا أيضًا ذكره الزجاج، ومنع الزمخشري نصب ﴿قَلِيلًا﴾ بـ ﴿يَهْجَعُونَ﴾، لأنه لا يتقدم معمول "ما" بعد النفي عليه.
[ ١٥ / ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الإنصاف: ويفسده من حيث المعنى أن طلب قيام جميع الليل غير مستثنى عنه وقت الهجوع، ولم يرد به الشرع، وقال الزجاج: المعنى: كانوا يهجعون قليلًا من الليل، أي: ينامون قليلًا منه، وجائز أن تكون "ما" مؤكدة لغوًا، وجائز أن تكون مع ما بعدها مصدرًا، المعنى: قليلًا من الليل هجوعهم. وقال أبو البقاء: ﴿كَانُوا قَلِيلًا﴾ في خبر "كان" وجهان: أحدهما: ﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾، وفي ﴿مَا﴾ على هذا وجهان. أحدهما: هي زائدة، أي كانوا يهجعون قليلًا، و﴿قَلِيلًا﴾: نعت لظرف أو مصدر، أي: زمنًا قليلًا، أو هجوعهم قليلًا، والثاني: "ما" نافية، ذكره بعض النحويين، ورد لأن النفي لا يتقدم عليه ما في حيزه، والثاني: أن ﴿قَلِيلًا﴾ خبر "كان"، و﴿مَا﴾ مصدرية، أي: كانو قليلًا هجوعهم، كما نقول: كانوا يقل هجوعهم، ويجوز على هذا أن يكون ﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾ بدلًا من اسم كان بدل الاشتمال، و﴿مِّنَ اللَّيْلِ﴾ لا يجوز أن يتعلق بـ ﴿يَهْجَعُونَ﴾ على هذا لما فيه من تقديم معمول المصدر عليه، وإنما هو منصوب على التبيين ومتعلق بفعل محذوف يفسره ﴿يَهْجَعُونَ﴾. وقال بعضهم: تم الكلام عند قوله ﴿قَلِيلًا﴾، ثم استأنف فقال: ﴿مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، وفيه بعد لأنك إن جعلت ﴿مَا﴾ نافية فسد لما ذكرنا، وإن جعلتها مصدرية لم يكن فيه مدح لأن الناس يهجعون في الليل. الانتصاف: قال الزمخشري: وفي الآية مبالغات، لفظ الهجوع وهو القليل من النوم، وقوله: ﴿قَلِيلًا﴾، وقوله: ﴿مِّنَ اللَّيْلِ﴾، ومنها زيادة "ما" المؤكدة في بعض الوجوه، وفي الأخير نظر، فإن "ما"
[ ١٥ / ١٥ ]
وفيه مبالغات: لفظ الهجوع، وهو الغرار من النوم. قال:
قد حصت البيضة رأسي فما أطعم نوما غير تهجاع
وقوله: ﴿قَلِيلًا﴾ و﴿مِّنَ اللَّيْلِ﴾ لأن الليل وقت السبات والراحة، وزيادة ﴿مَا﴾ المؤكدة لذلك. وصفهم بأنهم يحيون الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم. وقوله: ﴿هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فيه أنهم هم المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين، فكأنهم المختصون به لاستدامتهم له وإطنابهم فيه.
فإن قلت: هل يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ نافية كما قال بعضهم، وأن يكون المعنى: أنهم لا يهجعون من الليل قليلا، ويحيونه كله؟
_________________
(١) ـ تؤكد الهجوع وتحققه لا أنها تجعله معنى القلة. الإنصاف: بل تؤكد ما سبقها، وقو قوله: قليلًا، أو تحقق أن الهجوع قليل ومحقق أنه قليل. وقلت: الظاهر أنها تؤكد المضمون؛ لأن الإشارة بقوله: "لذلك" جميع ما سبق، مما يعطيه معنى الهجوع من قلة النوم، ولفظ قليل مما وضع له، وتخصيص ذكر الليل من إرادة الراحة. قوله: (وهو الغرار)، الجوهري: الغرار: النوم القليل. الراغب: الغرة: غفلة مع غفوة. قوله: (قد حصت البيضة) البيت، الحص، أي: زال شعر رأسي باعتياد لبس المغفر، البيت لأبي قيس بن الأسلت وبعده: أسعى على جل بني مالك كل امرئ في شأنه ساع
[ ١٥ / ١٦ ]
قلت: لا، لأن "ما" النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. تقول: زيدا لم أضرب، ولا تقول: زيدا ما ضربت.
السائل: الذي يستجدي، ﴿والْمَحْرُومِ﴾ الذي يحسب غنيا فيحرم الصدقة لتعففه.
وعن النبي ﷺ: "ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان واللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان" قالوا: فما هو؟
_________________
(١) قوله: (تقول: زيدًا لم أضرب، ولا تقول: زيدًا ما ضربت) قال شارح "الهادي": يجوز تقديم منصوب الأفعال الناقصة الواجبة على اسمها بلا خاف، لأنها أفعال متصرفة واجبة، قال تعالى: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٧] وهو دليل جواز تقديم الخبر، وأما ما أوله "ما" النافية وهي: ما زال، وما برح، وما فتئ، فمنع البصريون تقديم خبرها عليها، لأن النفي كالاستفهام له صدر الكلام، فلا يتقدم ما في حيزه عليه، وأجاز الكوفيون وابن كيسان؛ لأن الكلام إيجاب لدخول حرف النفي على الأفعال التي معناها النفي، ويجوز ذلك مع: لم ولا ولن؛ لأن لن ولم كالجزء من الفعل لاختصاصهما به، وأما "لا" فإنها كثيرة التصرف، تدخل على المعرفة والنكرة ويتخطاها العامل، وتعمل فيما بعدها، كقولك: خرجت بلا زاد، وعوقبت بلا جرم، فتعمل فيما قبلها، وقال أيضًا: "لا أفعل" نقيض "أفعل غدًا"، فكما جاز: زيدًا أرى غدًا، أو أراه، جاز: زيدًا لا أرى، ولا أراه، و"لم أفعل" نقيض: "سوف أفعل"، فكما جاز: أخاك سوف أزور، وسوف أزوره، جاز: أخاك لن أزور، ولن أزوره. قوله: (ليس المسكين) عن البخاري ومسلم وأبي داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي
[ ١٥ / ١٧ ]
قال: "الذي لا يجد ولا يتصدق عليه" وقيل: الذي لا ينمى له مال. وقيل: المحارف الذي لا يكاد يكسب.
[﴿وفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٢٠ - ٢١]
﴿وفِي الأَرْضِ آيَاتٌ﴾ تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره، حيث هي مدحوة كالبساط لما فوقها، كما قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣]، وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها والماشين في مناكبها، وهي مجزأة؛ فمن سهل وجبل وبر وبحر، وقطع متجاورات؛ من صلبة ورخوة، وعذاة وسبخة؛ وهي كالطروقة تلقح بألوان النبات وأنواع الأشجار بالثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح تسقى بماء واحد،
_________________
(١) لا يجد غنًى يغنيه ولا يفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس". قوله: (لا ينمى له مال) يحتمل أن يتمسك به الشافعي، أي: له مال، ولكن لا ينمى، وأبو حنيفة: ليس له مال حتى ينمة، نحوه قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. قوله: (المحارف)، الجوهري: رجل محارف بفتح الراء: أي محدود محروم، وهو خلاف قولك: مبارك، ورجل محارف: أي منقوص الحظ لا ينمو له مال. قوله: (وعذاه)، الأساس: أودية ذات عذوات، وهي الأرضون الطيبة التربة الكريمة النبات. قوله: (وهي كالطروقة)، الجوهري: الطروقة الفحل: أنثاه، ويقال: ناقة طروقة الفحل: التي بلغت أن يضربها الفحل.
[ ١٥ / ١٨ ]
﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤]، وكلها موافقة لحوائج ساكنيها ومنافعهم ومصالحهم في صحتهم واعتلالهم، وما فيها من العيون المتفجرة والمعادن المفتنة والدواب المنبثة في برها وبحرها المختلفة الصور والأشكال والأفعال: من الوحشي والإنسي والهوام، وغير ذلك.
﴿لِّلْمُوقِنِينَ﴾ الموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني الموصل إلى المعرفة، فهم نظارون بعيون باصرة، وأفهام نافذة، كلما رأوا آية عرفوا وجه تأملها فازدادوا إيمانا مع إيمانهم، وإيقانا إلى إيقانهم.
﴿وفِي أَنفُسِكُمْ﴾ في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال، وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطر وبدائع الخلق: ما تتحير فيه الأذهان، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول وخصت به من أصناف المعاني، وبالألسن، والنطق، ومخارج الحروف، وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها: من الآيات الساطعة والبينات القاطعة على حكمة المدبر، دع الأسماع والأبصار والأطراف وسائر الجوارح وتأتيها لما خلقت له، وما سوي في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني؛ فإنه إذا جسا شيء منها جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذل، فتبارك الله أحسن الخالقين.
[﴿وفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ ومَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ والأَرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ ٢٢ - ٢٣]
_________________
(١) قوله: (وخصت به) عطف على ركز، والضمير في "به" راجع إلى "ما"، و"من أصناف المعاني" بيان ما خصت، و"بالألسن" عطف على "القلوب". قوله: (جسا) أي: يبس، لأنه إذا يبس صلب، وسيجيء إن شاء الله بيان نظم الآيات عند قوله تعالى: ﴿وفِي مُوسَى إذْ أَرْسَلْنَاهُ﴾.
[ ١٥ / ١٩ ]
﴿وفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ هو المطر؛ لأنه سبب الأقوات. وعن سعيد بن جبير: هو الثلج وكل عين دائمة منه. وعن الحسن: أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه والله رزقكم، ولكنكم تحرمونه لخطاياكم.
﴿ومَا تُوعَدُونَ﴾ الجنة: هي على ظهر السماء السابعة تحت العرش، أو أراد: أن ما ترزقونه في الدنيا وما توعدون به في العقبى كله مكتوب في السماء.
قرئ: (مثل ما) بالرفع صفة للحق، أي: حق مثل نطقكم، وبالنصب على: إنه لحق حقا مثل نطقكم. ويجوز أن يكون فتحا لإضافته إلى غير متمكن، و"ما" مزيدة
_________________
(١) قوله: ("مثل ما" بالرفع) أبو بكر وحمزة والكسائي، والباقون: بالنصب، قال أبو البقاء: الرفع على أنه نعت لـ"حق"، أو خبر ثان، أو على أنهما خبر واحد، مثل: حلو حامض، و"ما" زائدة على الأوجه الثلاثة، والفتح فيه وجهان أحدهما: وهو مغرب، وفيه أوجه، إما هو حال الضمير في حق، أو على إضمار أغنى، أو على أنه مرفوع الموضع، ولكنه فتح كما فتح الظرف في قوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] على قول الأخفش، و"ما" على هذه الأوجه زائدة أيضًا، والوجه الثاني: هو مبني، وفيه وجهان، أحدهما: أنه ركب مع "ما" كخمسة عشر، و"ما" على هذا يجوز أن تكون زائدة، وأن تكون نكرة موصوفة،
[ ١٥ / ٢٠ ]
بنص الخليل، وهذا كقول الناس: إن هذا لحق، كما أنك ترى وتسمع، ومثل ما أنك ها هنا.
_________________
(١) والثاني: أن تكون بنيت لأنها أضيفت إلى مبهم، وفيها نفسها إبهام كقوله: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦]، فتكون "ما" على هذا إما زائدة، وإما بمعنى شيء. وأما "إنكم"، فيجوز أن يكون موضعها جرًا بالإضافة إذا جعلت "ما" زائدة، وأن تكون بدلًا منها إذا كانت بمعنى شيء، ويجوز أن تكون في موضع نصب بإضمار: أعني، أو رفع على تقدير: هو أنكم. وقال الواحدي: ومن نصب جعل "مثل" مع "ما" بمنزلة شيء واحد، ذكر ذلك المازني وأبو علي، قال: ومثله قول حميد: وويحًا لمن لم يدر ما هن ويحها فبنى "ويح" مع "ما" ولم يلحقه التنوين. قوله: (ومثل ما أنك هاهنا) قال الواحدي: شبه الله تعالى تحقق ما أخبر عنه بتحقق نطق الآدمي ووجوده، أي: أنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة.
[ ١٥ / ٢١ ]
وهذا الضمير إشارة إلى ما ذكر من أمر الآيات والرزق وأمر النبي ﷺ؛ أو إلى ما توعدون. وعن الأصمعي: أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له فقال: ممن الرجل؟ قلت: من بني أصمع. قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن. فقال: اتل علي، فتلوت ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ فلما بلغت قوله تعالى: ﴿وفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ قال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر، فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا! ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ والأَرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾، فصاح وقال: يا سبحان الله! من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟ ! لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤوه إلى اليمين؟ ! قالها ثلاثًا وخرجت معها نفسه.
[﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ * إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَاكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَهَا وقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إنَّهُ هُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ ٢٤ - ٣٠]
﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ تفخيم للحديث وتنبيه على أنه ليس من علم رسول الله، وإنما عرفه بالوحي. والضيف للواحد والجماعة كالزور والصوم؛
_________________
(١) وقلت: إنما خص النطق دون سائر الأعمال الضرورية لكونه أبين وأظهر، ومن الاحتمال أبعد، وفيه إيماء إلى استجلاب رأس الشكر، قال: إنما جعل الحمد رأس الشكر؛ لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشبع لها من الاعتقاد وآداب الجوارح، لأن النطق يفصح عن كل خفي، ويجلي كل مشتبه.
[ ١٥ / ٢٢ ]
لأنه في الأصل مصدر: ضافه. وكانوا اثني عشر ملكا وقيل: تسعة عاشرهم جبريل وقيل: ثلاثة: جبريل، وميكائيل، وملك معهما. وجعلهم ضيفا؛ لأنهم كانوا في صورة الضيف: حيث أضافهم إبراهيم. أو لأنهم كانوا في حسبانه كذلك. وإكرامهم: أن إبراهيم خدمهم بنفسه، وأخدمهم امرأته، وعجل لهم القرى، أو أنهم في أنفسهم مكرمون. قال الله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]
﴿إذْ دَخَلُوا﴾ نصب بـ ﴿المُكْرَمِينَ﴾ إذا فسر بإكرام إبراهيم لهم؛ وإلا فبما في ﴿ضَيْفِ﴾ من معنى الفعل. أو بإضمار: اذكر.
﴿سَلامًا﴾ مصدر ساد مسد الفعل مستغنى به عنه. وأصله: نسلم عليكم سلامًا، وأما ﴿سَلامٌ﴾ فمعدول به إلى الرفع على الابتداء. وخبره محذوف، معناه: عليكم سلام، للدلالة على ثبات السلام، كأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به، أخذًا بأدب الله تعالى. وهذا أيضًا من إكرامه لهم. وقرئا مرفوعين، وقرئ: (سلامًا قال سلمًا)، والسلم: السلام. وقرئ: (سلامًا قال سلم).
﴿قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام، أو أراد أنهم ليسوا من معارفه أو من جنس الناس الذين عهدهم، كما لو أبصر العرب قومًا من الخزر،
_________________
(١) قوله: (وقرئا مرفوعين، وقرئ: "سلامًا") المشهورة: بالنصب، والرفع: شاذة، حمزة والكسائي: "قال سلم" بكسر السين وإسكان اللام، والباقون: بفتح السين واللام وألف بعدها. قوله: (من الجرز) عن بعضهم: جيل من الناس، وهم الغز والأتراك.
[ ١٥ / ٢٣ ]
أو رأى لهم حالًا وشكلًا خلاف حال الناس وشكلهم، أو كان هذا سؤالًا لهم، كأنه قال: أنتم قوم منكرون، فعرفوني من أنتم؟
﴿فَرَاغَ إلَى أَهْلِهِ﴾ فذهب إليهم في خفية من ضيوفه؛ ومن أدب المضيف أن يخفي أمره، وأن يبادره بالقرى من غير أن يشعر به الضيف، حذرا من أن يكفه ويعذره.
قال قتادة: كان عامة مال نبي الله إبراهيم: البقر ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾. والهمزة في ﴿أَلا تَاكُلُونَ﴾ للإنكار: أنكر عليهم ترك الأكل. أو حثهم عليه.
_________________
(١) قوله: (أو كان هذا سؤالًا لهم) عطف على قوله: "أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام"، يعني: أنه ﵇ إما أن أنكرهم بقلبه، وقال في نفسه: هؤلاء قوم منكرون، أو كان هذا سؤالًا لهم، وقال بلسانه: أنتم قوم منكرون؟، وذلك أنه ﵇، كان بين أظهر قوم كفار، ما عهد منهم السلام الذي هو تحية للمسلمين، فلما سمع منهم أنكرهم. نحوه ما روينا في "الصحيحين" أن موسى ﵇ لما سلم عليه الخضر ﵇ قال: أنى بأرضك السلام! أو بأرضي السلام؟ ! أو أراد أنهم ليسوا من معارفه، أو من جنس الناس الذين عهدهم، أو رأى لهم شكلًا خلاف شكل الناس، روى الواحدي: عن ابن عباس قال في نفسه: هؤلاء قوم لا نعرفهم. قوله: (﴿فَرَاغَ إلَى أَهْلِهِ﴾: فذهب إليهم في خفية)، الراغب: الروغ: الميل على سبيل الاحتيال، ومنه راغ الثعلب يروغ روغانًا، وطريق رائغ إذا لم يكن مستقيمًا، كأنه يراوغ، وراغ فلان إلى فلان: مال نحوه لأمر يريد منه بالاحتيال، قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَاكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١]، ﴿فَرَاغَ إلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣]، أي: احتال، وحقيقته طلب بضرب من الروغان، ونبه بـ"على" على معنى الاستعلاء.
[ ١٥ / ٢٤ ]
﴿فَأَوْجَسَ﴾ فأضمر. وإنما خافهم لأنهم لم يتحرموا بطعامه فظن أنهم يريدون به سوءًا. وعن ابن عباس: وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب. وعن عون بن شداد: مسح جبريل العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه.
﴿بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ أي يبلغ ويعلم. وعن الحسن، عليم: نبي، والمبشر به إسحاق، وهو أكثر الأقاويل وأصحها؛ لأن الصفة صفة سارة لا هاجر، وهي امرأة إبراهيم وهو بعلها. وعن مجاهد: هو إسماعيل.
﴿فِي صَرَّةٍ﴾ في صيحة، من: صر الجندب، وصر القلم والباب، ومحله النصب على الحال، أي: فجاءت صارة. قال الحسن: أقبلت إلى بيتها وكانت في زاوية تنظر إليهم، لأنها وجدت حرارة الدم فلطمت وجهها من الحياء، وقيل: فأخذت في صرة، كما تقول: أقبل يشتمني. وقيل: صرتها قولها: أوه! وقيل: يا ويلتا! وعن عكرمة: رنتها.
﴿فَصَكَّتْ﴾ فلطمت ببسط يديها. وقيل: فضربت بأطراف أصابعها جبهتها؛ فعل المتعجب.
﴿عَجُوزٌ﴾ أنا عجوز، فكيف ألد؟ !
_________________
(١) قوله: (لم يتحرموا بطعامه) أي: لم يدخلوا في حرمة بأكل طعامه، الأساس: تحرم فلان بفلان، إذا عاشره ومالحه، وتأكدت الحرمة بينهما، وتحرمت بطعامك، ومجالستك، أي: حرم عليك مني بسببها ما كان لك أخذه. قوله: (فقام يدرج) الأساس درج الشيخ والصبي درجانًا، وهو مشيهما. قوله: (الجندب) الجوهري: الجندب: ضرب من الجراد. قوله: (وجدت حرارة الدم) قال صاحب "المطلع": أي دم الحيض، كما قال تعالى: ﴿فَضَحِكَتْ﴾.
[ ١٥ / ٢٥ ]
﴿كَذَلِكِ﴾ مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به، ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾ أي إنما نخبرك عن الله، والله قادر على ما تستبعدين. وروي أن جبريل قال لها: انظري إلى سقف بيتك، فنظرت فإذا جذوعه مورقة مثمرة.
[﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المُرْسَلُونَ * قَالُوا إنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِينَ * فَمَا وجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المُسْلِمِينَ * وتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ العَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ٣١ - ٣٧]
لما علم أنهم ملائكة، وأنهم لا ينزلون إلا بإذن الله رسلًا في بعض الأمور ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ أي: فما شأنكم وما طلبكم؟
﴿إلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ إلى قوم لوط.
﴿حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ يريد: السجيل، وهو طين طبخ كما يطبخ الآجر، حتى صار في صلابة الحجارة، ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة، من السومة، وهي العلامة على كل واحد منها اسم من يهلك به. وقيل: أعلمت بأنها من حجارة العذاب. وقيل: بعلامة تدل على أنها ليست من حجارة الدنيا. سماهم مسرفين، كما سماهم عادين، لإسرافهم وعدوانهم في عملهم: حيث لم يقنعوا بما أبيح لهم.
الضمير في ﴿فِيهَا﴾ للقرية، ولم يجر لها ذكر لكونها معلومة. وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد، وأنهما صفتا مدح.
_________________
(١) قوله: (وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد) قال القاضي: وهو ضعيف، لأن ذلك لا يقتضي إلا صدق المؤمن والمسلم على من اتبعه، وذلك لا يقضي اتحاد مفهوميهما لجواز صدق المفهومات المختلفة على ذات واحدة.
[ ١٥ / ٢٦ ]
قيل: هم لوط وابنتاه. وقيل: كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر. وعن قتادة: لو كان فيها أكثر من ذلك لأنجاهم، ليعلموا أن الإيمان محفوظ لا ضيعة على أهله عند الله.
﴿آيَةً﴾ علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم. قال ابن جريح: هي صخر منضود فيها. وقيل: ماء أسود منتن.
[﴿وفِي مُوسَى إذْ أَرْسَلْنَاهُ إلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ وهُوَ مُلِيمٌ﴾ ٣٨ - ٤٠]
﴿وفِي مُوسَى﴾ عطف على ﴿وفِي الأَرْضِ آيَاتٌ﴾ أو على قوله: ﴿وتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ على معنى: وجعلنا في موسى آية، كقوله:
علفتها تبنًا وماءً باردا
_________________
(١) وقلت: قوله: "وأنهما صفتا مدح" عطف تفسيري، ومعناه: أن ذكر المؤمنين والمسلمين هاهنا لمجرد المدح، وأن الثاني عين الأول لوقوعهما مقابلين لذكر الكافرين، فقيل أولًا: إلى قوم مجرمين، ثم للمسرفين، والثاني عين الأول وضعًا للمظهر موضع الضمير، المعنى: أردنا إخراج من كان فيها من المطيعين الكاملين في الإيمان، فما وجدنا غير بيت منهم، فقيل: من المسلمين، ولو لم يكن الإسلام داخلًا في مفهوم الإيمان لما صح استثناء بيت من المسلمين من قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾. قوله: (﴿وفِي مُوسَى﴾ عطف على ﴿وفِي الأَرْضِ آيَاتٌ﴾) إشارة إلى بيان نظم الآيات، وذلك أنه تعالى لما ذم الخراصين الأفاكين، ووصفهم لما به أوقعوا أنفسهم في تلك الورطات، وهو أنهم في غمرات الجهل، وسكرات السهو، يتورطون فيما لا يعنيهم من السؤال عن أيان
[ ١٥ / ٢٧ ]
﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ فازور وأعرض، كقوله تعالى: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت: ٥١]، وقيل: فتولى بما كان يتقوى به من جنوده وملكه. وقرئ: (بركنه)، بضم الكاف. ﴿وقَالَ سَاحِرٌ﴾ أي هو ساحر.
﴿مُلِيمٌ﴾ آت بما يلام عليه من كفره وعناده، والجملة مع الواو حال من الضمير في ﴿فَأَخَذْنَاهُ﴾.
فإن قلت: كيف وصف نبي الله يونس صلوات الله عليه، بما وصف به فرعون في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢]؟
قلت: موجبات اللوم تختلف وعلى حسب اختلافها تختلف مقادير اللوم، فراكب الكبيرة ملوم على مقدارها، وكذلك مقترف الصغيرة. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩]، ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] لأن الكبيرة والصغيرة يجمعهما اسم العصيان، كما يجمعهما اسم القبيح والسيئة.
[﴿وفِي عَادٍ إذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ ٤١ - ٤٢]
_________________
(١) الساعة، مع إنكار مجيئها والامتناع من الاستعداد لها، وأوعدهم على ذلك بقوله: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ وجعله مخلصًا إلى ذكر أضدادهم، وذكر ما به فازوا إلى النعيم المقيم، من أخذ التأهب للمعاد، والتهيؤ لاستعداد زاد يوم التناد، أتى بعد ذلك بدليل للآفاق والأنفس، تنبيهًا لهم، وإيقاظًا من سنة الغفلة، وعطف عليه قصة موسى وفرعون اتعاظًا وتخويفًا، وأما قصة إبراهيم ولوط ﵉، فمعترضتان بين المعطوف والمعطوف عليه، تسلية لرسول الله ﷺ من تكذيبهم، ووعدًا له بإهلاك أعدائه الأفاكين كما أهلك قوم لوط. قوله: (﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ فازور وأعرض) قال بعضهم: أي حرف ركنه وهو منكبه، والباء للتعدية، وحذف المفعول لأنك تقول: تولى عنه، أي: أعرض عنه.
[ ١٥ / ٢٨ ]
﴿العَقِيمَ﴾ التي لا خبر فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر، وهي ريح الهلاك.
واختلف فيها: فعن علي ﵁: النكباء. وعن ابن عباس: الدبور. وعن ابن المسيب: الجنوب. الرميم: كل ما رم أي: بلي وتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك.
[﴿وفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وهُمْ يَنظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ ومَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ﴾ ٤٣ - ٤٥]
﴿حَتَّى حِينٍ﴾ تفسيره قوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ فاستكبروا عن امتثاله.
_________________
(١) قوله: (من إنشاء مطر أو إلقاح شجر) إيذان بأن ﴿العَقِيمَ﴾ هاهنا مستعار للمعنى المذكور على سبيل التبعية، شبه ما في الريح من الصفة التي تمنع من إنشاء مطر أو إلقاح شجر، لما في المرأة من الصفة التي تمنع من الحمل، ثم قيل: العقيم، وأريد به ذلك المعنى بقرينة وصف الريح به. الراغب: أصل العقم: اليبس المانع من قبول الأثر، تقول عقمت مفاصله، وداء عقام: لا يقبل البرء، والعقيم من النساء التي لا تقبل ماء الفحل، يقال: عقمت الرحم، وريح عقيم، يصح أن يكون بمعنى الفاعل، وهي التي لا تلقح سحابًا ولا شجرًا، وأن يكون بمعنى المفعول كالعجوز العقيم، وهي التي لا تقبل أثر الخير، وإذا لم تقبل ولم تتأثر لم تعط ولم تؤثر، ويوم عقيم: لا فرح فيه. قوله: (النكباء) الجوهري: النكباء: الريح الناكبة التي تنكب عن مهاب الرياح، أي: تتجنب، من تنكبه، أي تجنبه، والدبور: الريح التي تقابل الصبا. قوله: (﴿حَتَّى حِينٍ﴾ تفسيره) أي: في موضع آخر، تفسيره قوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]، وفي الكبير: قال بعضهم: المراد هو ما أمهلهم الله تعالى أيامًا بعد عقرهم
[ ١٥ / ٢٩ ]
وقرئ: (الصعقة) وهي المرة من مصدر صعقتهم الصاعقة، والصاعقة: النازلة نفسها، ﴿وهُمْ يَنظُرُونَ﴾ كانت نهارا يعاينونها.
وروي أن العمالقة كانوا معهم في الوادي ينظرون إليهم وما ضرتهم، ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ بالعنكبوت: ٣٧] وقيل: هو من قولهم: ما يقوم به، إذا عجز عن دفعه. ﴿مُنتَصِرِينَ﴾ ممتنعين من العذاب.
[﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ٤٦]
﴿وقَوْمَ﴾ قرئ بالجر على معنى: وفي قوم نوح، وتقويه قراءة عبد الله: (وفي قوم نوح). وبالنصب على معنى: وأهلكنا قوم نوح؛ لأم ما قبله يدل عليه. أو واذكر قوم نوح.
[﴿والسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وإنَّا لَمُوسِعُونَ * والأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ المَاهِدُونَ﴾ ٤٧ - ٤٨]
_________________
(١) الناقة، وكانت لهم في تلك الأيام أنواع من الآيات، كتغيير ألوانهم واسوداد وجوههم، وهو ضعيف؛ لأن ترتب قوله: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ بالفاء دليل على أن العتو كان بعد قوله: ﴿تَمَتَّعُوا﴾. فإذن الظاهر هو ما قدر الله تعالى للناس من الآجال، فما من أحد إلا وهم ممهل مدة الأجل، يقال له: تمتع إلى آخر أجلك، فإن أحسنت فقد حصل لك التمتع في الدارين، وإلا ما لك في الآخرة من نصيب. قوله: (وقرئ: "الصعقة")، الكسائي وحده. قوله: (﴿وقَوْمَ﴾ قرئ بالجر) أبو عمرو وحمزة والكسائي، والباقون بالنصب.
[ ١٥ / ٣٠ ]
﴿بِأَيْدٍ﴾ بقوة. والأيد والآد. القوة. وقد آد يئيد وهو أيد.
﴿وإنَّا لَمُوسِعُونَ﴾: لقادرون؛ من الوسع: وهو الطاقة. والموسع: القوي على الإنفاق.
وعن الحسن: لموسعون الرزق بالمطر. وقيل: جعلنا بينها وبين الأرض سعة ﴿فَنِعْمَ المَاهِدُونَ﴾ فنعم الماهدون نحن.
[﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٤٩]
﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي من كل شيء من الحيوان ﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ ذكرًا وأنثى. وعن الحسن: السماء والأرض، والليل والنهار،
_________________
(١) قوله: (﴿وإنَّا لَمُوسِعُونَ﴾: لقادرون؛ من الوسع) اعتبر الوسع في القدرة والجود والمكان. الراغب: ويستعمل في الأمكنة، وفي الحال وفي الفعل، كالقدرة والجود ونحو ذلك، ففي المكان قوله تعال: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦] وفي الحال قوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] و﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، والوسع من القدرة ما يفضل عن قدر المكلف، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] تنبيهًا على أنه يكلف عبده دوين ما ينوء به المكلف قدرته، وأما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠] فعبارة عن سعة علمه وقدرته. وقوله: ﴿وإنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ فإشارة إلى نحو قوله: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. وقلت: أراد أن قوله تعالى: ﴿وإنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ تكميل لمعنى قوله: ﴿والسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ إن فسر الأيد بالقوة، ليضم مع صفة القدرة، صفة الكرم، أو تتميم إن فسر بالإنعام، كما فرع قوله: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ على قوله: ﴿أَعْطَى﴾، ألا ترى إلى قرينتها: ﴿والأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ المَاهِدُونَ﴾
[ ١٥ / ٣١ ]
والشمس والقمر، والبر والبحر، والموت والحياة؛ فعدد أشياء وقال: كا اثنين منها زوج، والله تعالى فرد لا مثل له.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي فعلنا ذلك كله من بناء السماء، وفرش الأرض، وخلق الأزواج إرادة أن تتذكروا فتعرفوا الخالق وتعبدوه.
[﴿فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * ولا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ٥٠ - ٥١]
_________________
(١) كيف فرع ﴿المَاهِدُونَ﴾ على ﴿فَرَشْنَاهَا﴾ مزيدًا لإرادة الامتنان، فالمناسب إذن تفسير الحسن: لموسعون الرزق بالمطر، كقوله تعالى: ﴿وفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ ومَا تُوعَدُونَ﴾. قوله: (كل اثنين منها زوج والله تعالى فرد) قال أبو سعيد الخراز: أظهر معنى الربوبية والوحدانية، بأن خلق الأزواج لتخلص له الفردانية. الراغب: يقال لكل من القرينتين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة: زوج، ولكل قرينتين فيها وفي غيرها: زوج، كالخف والنعل، ولكل ما يقرن بآخر مماثلًا له أو مضادًا: زوج، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١] أي أشباهًا وأقرانًا. وقوله تعالى: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ تنبيه على أن كل ما في العالم، فإنه زوج من حيث أن له ضدًا ما، أو مثلًا ما، أو تركيبًا ما، بل لا ينفك بوجه من تركيب، وإنما قال: ﴿زَوْجَيْنِ﴾ ليؤذن بأن الشيء وإن لم يكن له ضد ولا مثل فإنه لا ينفك من تركيب، وذلك زوجان،
[ ١٥ / ٣٢ ]
﴿فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ﴾ أي إلى طاعته وثوابه من معصيته وعقابه، ووحدوه ولا تشركوا به شيئا، وكرر قوله: ﴿إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ عند الأمر بالطاعة والنهي عن الشرك، ليعلم أن الإيمان لا ينفع غلا مع العمل، كما أن العمل لا ينفع إلا مع الإيمان، وأنه لا يفوز عند الله إلا الجامع بينهما
_________________
(١) قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ [طه: ٥٣] أي: أنواعًا متشابهة. قوله: (ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل)، الانتصاف: حمل الزمخشري الآية على ما لم تحتمل، وليس في الآية إلا النهي عن التقصير والأمر بالمبادرة، وفائدة التكرار: التنبيه على أنه لا تنفع العبادة مع الإشراك، إذ حكم المشرك حكم الجاحد المعطل، أو المأمور به في الأول الطاعة الموظفة بعد الإيمان، فتوعد تاركها بالوعيد المعروف دون الخلود، فيكون وعيدًا مختلفًا لا تكرارًا. وقلت: الآية من باب قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] بل دل الأول على الأمر بالاعتصام بالتوحيد، والثاني على النهي عن الإشراك، كقولنا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. روى محيي السنة عن سهل بن عبد الله: ففروا مما سوى الله إلى الله، وروى السلمي عن محمد بن حامد: حقيقة الفرار إلى الله ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "وألجأت ظهري إليك"، وقال أيضًا: "أعوذ بك"، وهذا غاية الفرار منه إليه.
[ ١٥ / ٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقال الواسطي: لن يصل إلى الله تعالى إلا من يفر من نفسه. وأما قضية النظم فلما قلنا: إن قوله: ﴿وفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وفِي أَنفُسِكُمْ﴾، ﴿وفِي مُوسَى﴾، تعريض بالمكذبين الخراصين، فكان في قصص الأنبياء وإهلاك المعاندين تخويف شديد. وفي قوله: ﴿والسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ تذكير لشدة سطوته وكمال قدرته، فلما فرغ من ذلك، أمر حبيبه صلوات الله عليه وسلامه بأن يقول لقومه: إذا ظهر لكم شدة قهرة وكمال سطوته، وما فعل بالأمم المكذبة، وعرفتم كل ذلك، وإنه إذا أخذ لا يبقي ولا يذر، ففروا إلى الله من الله، واتركوا العناد، وخافوا سوء مغبة تكذيبكم، يدل عليه قوله: ﴿إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ وتكريره إظهارًا للنصيحة وأنه النذير العريان، وقوله بعد ذلك: ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ﴾ وإن شئت علقت الفاء، في ﴿فَفِرُّوا﴾ بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وعليه ظاهر كلام المصنف، ولكن تقرير ذلك أنه تعالى لما أظهر القهارية بإهلاك الأمم الماضية، وبين الفردانية بقوله: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾، ونبه على ذلك بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ورتب عليه: ﴿فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ﴾، ووضع الاسم الجامع موضع الضمير، يعني: إذا تفكرتم واعتبرتم وتذكرتم، وتبين لكم أنه هو القهار الصمد، وإليه المرجع والملجأ فلوذوا إليه وتوكلوا عليه، ولا تشركوا به شيئًا، والعبادة من لوازم ذلك، ولذلك عقبه بقوله: ﴿ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾، وحين لم يكن ينجع في المشركين تلك المواعظ والتخويف والتذكير، رجع عودًا إلى بدء، بقوله: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾ إلى آخره، مسليًا لحبيبه صلوات الله عليه، وجعل التخلص إلى المقصود من الخلق قوله: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾.
[ ١٥ / ٣٤ ]
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] والمعنى: قل يا محمد: ففروا إلى الله.
[﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ٥٢ - ٥٣]
﴿كَذَلِكَ﴾ الأمر، أي مثل ذلك، وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول وتسميته ساحرًا ومجنونًا، ثم فسر ما أجمل بقوله: ﴿مَا أَتَى﴾، ولا يصح أن تكون الكاف منصوبة بـ ﴿أَتَى﴾؛ لأن "ما" النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. ولو قيل: لم يأت، لكان صحيحًا، على معنى: مثل ذلك الإتيان لم يأت من قبلهم رسول إلا قالوا.
_________________
(١) قوله: (ألا ترى إلى قوله: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآية، قد ذكرنا في موضعه أن الآية دالة على خلاف ما قصد به، وأن المعنى: ﴿يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ حينئذ، أو كسبها في إيمانها خيرًا حينئذ لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا من قبل، فهو من حذف إحدى القرينتين من اللف لدلالة النشر عليه. قوله: (وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول ﷺ) يعني: المشار إليه ما في الذهن على الإبهام، وهو الأمر، لمجيء تفسيره، وهو قوله: ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾. قوله: (على معنى: مثل ذلك الإتيان لم يأت) متعلق بقوله: "لو قيل: لم يأت، لكان صحيحًا"، فإن قلت: لم أوثر في التنزيل "ما" على "لم"؟
[ ١٥ / ٣٥ ]
﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ الضمير للقول، يعني: أتواصى الأولون والآخرون بهذا القول حتى قالوه جميعًا متفقين عليه؟ ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد، بل جمعتهم العلة الواحدة وهي الطغيان، والطغيان هو الحامل عليه.
[﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ * وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ ٥٤ - ٥٥]
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فأعرض عن الذين كررت عليهم الدعوة فلم يجيبوا، وعرفت عنهم العناد واللجاج، فلا لوم عليك في إعراضك بعدما بلغت الرسالة، وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة، ولا تدع التذكير والموعظة بأيام الله ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ أي: تؤثر في الذين عرف الله منهم أنهم يدخلون في الإيمان. أو يزيد الداخلين فيه إيمانًا.
وروي أنه لما نزلت ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ حزن رسول الله واشتد ذلك على أصحابه، ورأوا أن الوحي قد انقطع وأن العذاب قد حضر، فأنزل الله: ﴿وذَكِّرْ﴾.
[﴿ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥٦]
_________________
(١) قلت: ليؤذن بانفصال ما صدر بها على ما قبله واتصاله بقوله: ﴿وفِي مُوسَى إذْ أَرْسَلْنَاهُ إلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ إلى آخر القصص، فلما وسط بينهما الحديث في بيان الآيات الدالة على التوحيد، ونفي الشرك والفرار إلى تعالى عما سواه، جيء بقوله الآمر كذلك فصلًا للخطاب، ليتخلص منه إلى ما سبق له الكلام، ولو أتى بـ"لم" لاختل النظم، وأما الكلام في بيان الفرق بين "ما" و"لم" فقد سبق. قوله: (أي: لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا) يعني الإضراب بقوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾، يستدعي أن يفسر ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ بما يصح الإضراب عنه به، وذك بأن يجعل الاستفهام لإنكار أنهم لو توافقوا على أن قالوا جميعًا لرسلهم: ساحر أو مجنون في زمان واحد، وإثبات أنهم إنما قالوه لطغيانهم.
[ ١٥ / ٣٦ ]
أي: وما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جميعهم إلا إياها.
فإن قلت: لو كان مريدا للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادًا؟
قلت: إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة، لا مضطرين إليها، لأنه خلقهم ممكنين، فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريدًا لها، ولو أرادها على القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم.
[﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ ومَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (٥٧) إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ ٥٧ - ٥٨]
يريد: أن شأني مع عبادي ليس كشأن السادة مع عبيدهم، فإن ملاك العبيد إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، فإما مجهز في
_________________
(١) قوله: (لو كان مريدًا للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادًا)، الانتصاف: من عادته إذا رأى ظاهرًا يوافق معتقده، أورد مذهب أهل السنة سؤالًا، وأورد معتقده جوابًا، والجواب الذي ذكره لا يصح، فإن السؤال مقدماته عقلية قطعية، والظاهر إذا خالف القطع وجب رده إلى الأدلة القطعية، وظاهري الآية دليل لأهل السنة، لأنها سيقت لبيان عظمة الله، وأن شأنه مع عبيده لا يقاس بغيره، فإن عبيد الخلق مطلوبون بالخدمة تكسبهم للسادة، وبواسطة كسب العبيد تدر أرزاق سادتهم، والله تعالى لا يطلب من عباده رزقًا ولا طعامًا، بل يطلب منهم العبادة لا غير، وزائد على ذلك أنه هو الذي يرزقهم، فحاصله: وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي. وقلت: أما مقتضى النظم فإن الكلام وارد على تحريض رسول الله ﷺ على ما بعث به من التذكير والتفادي عن التواني فيه، لأنه لما نزلت: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ حزن رسول الله ﷺ
[ ١٥ / ٣٧ ]
تجارة ليفيء ربحًا، أو مرتب في فلاحة ليغتل أرضًا، أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته، أو محتطب أو محتش، أو طابخ أو خابز، وما أشبه ذلك من الأعمال والمهن التي هي تصرف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق، فأما مالك ملك العبيد وقال لهم: اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم، ولا أريد ان أصرفكم في تحصيل رزقي ولا رزقكم، وأنا غني عنكم وعن مرافقكم، ومتفضل عليكم برزقكم وبما يصلحكم ويعيشكم من عندي، فما هو إلا أنا وحدي، ﴿المَتِينُ﴾ الشديد القوة
_________________
(١) فأنزل الله: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا تدع التذكير والموعظة، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وحجة على المعاندين، فإنك ما بعثت إلا للدعوة: وما خلق الجن والإنس إلا لأن يؤمروا بالعبادة لأنهم مكلفون امتحانًا وابتلًا. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أما الإرادة فكما تعلقت بالعبادة تعلقت بما يخالفها، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. ويؤيد هذا التأويل ما روينا عن محيي السنة عن علي ﵁: أنه قال: ﴿إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾: إلا لآمرهم أن يعبدوني. قوله: (من الأعمال والمهن)، الجوهري: المهنة _بالفتح_: الخدمة، والماهن: الخادم. قوله: (وعن مرافقكم)، الجوهري: المرفق من الأمر: ما انتفعت به. قوله: (من عندي) متعلق بمتفضل، أي: أنا متفضل عليكم من عندي، ذلك من غير سابقة منكم، كما هو دأب السادات. قوله: (﴿المَتِينُ﴾ الشديد القوة)، الراغب: المتنان: مكتنفًا الصلب، وبه شبه المتن من الأرض، ومتنته: ضربت متنه، فصار متينًا، ومنه قيل: حبل متين، فإن الله تعالى: ذو القوة المتين.
[ ١٥ / ٣٨ ]
قرئ بالرفع صفة لـ ﴿ذُو﴾، وبالجر صفة للقوة على تأويل الاقتدار، والمعنى في وصفه بالقوة والمتانة: انه القادر البليغ الاقتدار على كل شيء، وقرئ: (الرازق) وفي قراءة النبي: (إني أنا الرازق).
[﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ٥٩ - ٦٠]
الذنوب: الدلو العظيمة، وهذا تمثيل، أصله في السقاة يتقسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب. قال:
لنا ذنوب ولكم ذنوب فإن أبيتم فلنا القليب
ولما قال عمرو بن شأس:
وفي كل حي قد خبطت بنعمة فحق لشأس من نداك ذنوب
قال الملك: نعم وأذنبة.
_________________
(١) قوله: (قرئ بالرفع) أي: ﴿المَتِينُ﴾، وهي المشهورة، وبالجر: شاذ. قوله: (وفي كل حي) البيت، خبطت مستعار لإفاضة النعمة. الأساس: وخبط في قومه: إذا نفعهم. الجوهري: خبطت الرجل: إذا أنعمت عليه من غير معرفة، وأنشد البيت. شأس هو أخو علقمة، مدح الحارث الغساني بقصيدة فيها البيت، وكان عنده أسيرًا فلما سمع الحارث قوله: فحق لشأس من نداك ذنوب
[ ١٥ / ٣٩ ]
والمعنى: فإن الذين ظلموا رسول الله ﷺ بالتكذيب من أهل مكة لهم نصيب من عذاب الله، مثل نصيب أصحابهم ونظرائهم من القرون.
وعن قتادة: سجلا من عذاب الله مثل سجل أصحابهم، ﴿مِن يَوْمِهِمُ﴾ من يوم القيامة. وقيل: من يوم بدر.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في الدنيا".
_________________
(١) قال: نعم وأذنبة، وأمر بإطلاقه وإطلاق جميع أسرى بني تميم. تمت السورة حامدًا الله تعالى ومصليًا على رسول الله ﷺ. * * *
[ ١٥ / ٤٠ ]