مكية وقيل: مدنية، وقيل: فيها مكي ومدني
وهي ست وسبعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ * الشَّمْسُ والْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * والسَّمَاءَ رَفَعَهَا ووَضَعَ المِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ * وأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالْقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزَانَ * والأَرْضَ وضَعَهَا لِلأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ * والْحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ١ - ١٣].
عدد الله عز وعلا آلاءه، فأراد أن يقدم أول شيء، ما هو أسبق قدما من ضروب آلائه وأصناف نعمائه، وهي نعمة الدين، فقدم من نعمة الدين ما هو في أعلى مراتبها وأقصى مراقيها، وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، لأنه أعظم وحي الله رتبه، وأعلاه منزلة، وأحسنه في أبواب الدين أثرا، وهو سنام الكتب السماوية ومصداقها والعيار عليها،
_________________
(١) سورة الرحمن مكية، وقيل: فيها مدني ومكي، وهي ست وسبعون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (والعيار عليها) عن بعضهم: العيار: مصدر: عاير المكاييل؛ إذا عدلها، والمعدل
[ ١٥ / ١٤٦ ]
وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه، ليعلم أنه إنما خلقه للدين، وليحيط علما بوحيه وكتبه وما خلق الإنسان من أجله، وكأن الغرض في إنشائه كان مقدما عليه وسابقا له، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان، وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير.
﴿الرَّحْمَنُ﴾ مبتدأ، وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه؟
_________________
(١) يكون حفيظًا على المعدل ومهيمنًا عليه، ولهذا قالوا: هو عيار على كذا، أي: القرآن عيار على سائر الكتب كلها، ومصدقها ومهيمن عليها ليكون مستويًا. قوله: (وأخر ذكر خلق الإنسان) أي: أخر ما هو مقدم في الوجود، وقدم ما هو مؤخر عنه، ليؤذن بأن المقصود الأولي من خلق الإنسان تعليم ما به يرشد إلى ما خلق له من العبادة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وخص القرآن بالذكر لأنه أعظم وحي الله رتبة، وأعلاه منزلة، وأجمع لما يراد بالهداية من الكتب السماوية، إذ هو بإعجازه، واشتماله على مكارم الأخلاق، مصدق لنفسه ومصداق لها، ودل اختصاص ذكر الرحمن، على أنه من جلائل النعم وعظائمها، ولهذا السر صدرت السورة براعة للاستهلال، لاشتمالها على النعم الأخروية والدنيوية، وإنما أردف الإنسان ذكر البيان، لينبه على أن اختصاصه بتلك النعمة السنية من بين سائر الحيوان، لتميزه وتعبيره عما في ضميره بالنطق لإفهام الغير، فالنبي إذا تلقى الوحي يجب عليه التبليغ، ثم تعليم الشرائع وبيان ما أجمل. وأما قوله: "وما خلق الإنسان لأجله، وكان الغرض من إنشائه كان مقدمًا عليه"، فينظر إلى قولهم: إن الغايات والكمالات سابقة في التقدم، لاحقة في الوجود، نحوه ما روينا عن الترمذي عن أبي هريرة حين قالوا: يا رسول الله ﷺ متى وجبت لك النبوة؟ قال: "وآدم بين
[ ١٥ / ١٤٧ ]
﴿بِحُسْبَانٍ﴾ بحساب معلوم وتقدير سوي، يجريان في بروجهما، ومنازلهما، وفي ذلك منافع للناس عظيمة: منها علم السنين والحساب.
﴿والنَّجْمُ﴾ والنبات الذي ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول، ﴿والشَّجَرُ﴾ الذي له ساق. وسجودهما: انقيادهما الله فيما خلقا له، وأنهما لا يمتنعان، تشبيها بالساجد من المكلفين في انقياده.
فإن قلت: كيف اتصلت هاتان الجملتان بـ ﴿الرَّحْمَنُ﴾؟
_________________
(١) الروح والجسد"، وزاد رزين: "وآدم منجدل في طينته بين الروح والجسد. قوله: (﴿بِحُسْبَانٍ﴾: بحساب معلوم)، قال الزجاج: ﴿الشَّمْسُ والْقَمَرُ﴾ مرفوعان بالابتداء، و﴿بِحُسْبَانٍ﴾ يدل على الخبر، أي: الشمس والقمر يجريان بحسبان، أي: دالان على عدد الشهوز والسنين وجميع الأوقات. قوله: (كيف اتصلت هاتان الجملتان بـ"الرحمن") يريد أن هاتين الجملتين مثل الجملة السابقة في كونها أخبارًا مترادفة لـ ﴿الرَّحْمَنُ﴾، وكل منها مشتمل على راجع إلى المبتدأ، فأين الراجع فيهما؟ كما قال القاضي: وكان حق النظم فيهما أن يقال: أجرى الشمس والقمر، وأسجد النجم والشجر، وأجاب: بأن الوصل المعنوي أغنى عن اللفظ، والفائدة الإيذان بأن المسخر والمسجود له لا يشارك معه فيهما أحد، فلا يذهب الوهم إلى الغير.
[ ١٥ / ١٤٨ ]
قلت: استغني فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل المعنوي، لما علم أن الحسبان حسبانه، والسجود له لا لغيره، كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له.
فإن قلت: كيف أخل بالعاطف في الجمل الأول، ثم جيء به بعد؟
قلت: بكت بتلك الجمل الأول، واردة على سنن التعديد، لتكون كل واحدة من الجمل مستقلة في تفريغ الذين أنكروا الرحمن وآلاءه، كما يبكت منكرا أيادي المنغم عليه من الناس بتعديدها عليه في المثال الذي قدمته، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف.
_________________
(١) قوله: (بكت بتلك الجمل الأول) يعني: أن الكفار كانوا مقرين بأنه ﷿ خالق السماوات والأرض، وأنه مولى النعم جلائلها ودقائقها، فعدل من مقتضى العطف والانتظام في سلك التأليف بحرف النسق إلى أسلوب التعديد، للإيذان بأن النعم غير متناهية، وغير داخلة تحت الضبط والإحصاء، وإنما يعد بعضها عدًا فذكر منها ما هو في أعلى مراتبها، وأقصى مراقيها اكتفاءً به، وبعد التنبيه على هذه الدقيقة، رجع إلى مقتضى الظاهر من عطف الشيء على ما يضمه المفكرة بجامع العقل، أو الوهم، أو الخيال، على منهاج الترصيع، نحو: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]، وإليه الإشارة بقوله: "ثم رد الكلام إلى منهاجه، بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله". الانتصاف: خصت الجمل الأول بكونها تبكيتًا للإنسان لالتصاق معانيها به، لأنه مذكور فيها نطقًا وإضمارًا، ومحذوفًا مرادًا؛ نطقًا في قوله: ﴿خَلَقَ الإنسَانَ﴾، مضمرًا في: ﴿عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾ محذوفًا مدلولًا عليه في: ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾، فإنه المفعول الثاني، وقوله: الشمس والقمر والنجم والشجر، فليس فيه ذكر للإنسان ذكر البتة.
[ ١٥ / ١٤٩ ]
فإن قلت: أي تناسب بين هاتين الجملتين، حتى وسط بينهما العاطف؟
قلت: إن الشمس والقمر سماويان، والنجم والشجر أرضيان، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل، وأن السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين، وأن جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر.
وقبل ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ جعله علامة وآية. وعن ابن عباس ﵁: الإنسان آدم. وعنه أيضا: محمد رسول الله ﷺ. وعن مجاهد: النجم: نجوم السماء.
﴿والسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ خلقها مرفوعة مسموكة، حيث جعلها منشأ أحكامه، ومصدر
_________________
(١) قوله: (﴿والسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾: خلقها مرفوعة)، قال ابن جني: هو عطف على قوله: ﴿يَسْجُدَانِ﴾ وحدها، وهي جملة من فعل وفاعل، نحو قولك: قام زيد وعمرًا ضربته، أي: وضربت عمرًا. ومضى تقريره في الفتح. وقال صاحب "الكاشف": ﴿والسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ جاء بالنصب عن الأئمة، لأنك إذا قلت: زيد لقيته، وعمرًا كلمته، نختار نصب عمرًا، وإذا أريد الحمل على لقيته فمعك جملتان؛ صغرى وكبرى، أي لقيته، وزيدًا لقيته، هذا مذهب سيبويه، واعترض عليه أنه لو عطف على محل لقيته كان التقدير: عمرًا كلمته؟ ويؤول المعنى إلى معنى: زيد كلمت عمرًا، وهو فاسد، إذ لا عائد في الجملة إلى زيد. وأجاب أبو علي أن المعطوف على الشيء لا يعتبر فيه حال ذلك الشيء وتلا باب قولهم: متقلدًا سيفًا ورمحا وزعم أن الإعراب لم يظهر في موضغ لقيته وما لا يظهر إلى اللفظ كان كالمطرح، وفزع إلى باب التسمية بباب ودار، وأنهما مصروفان بخلاف قدم وفخذ.
[ ١٥ / ١٥٠ ]
قضاياه، ومتنزل أوامره ونواهيه، ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه.
﴿ووَضَعَ المِيزَانَ﴾ وفي قراءة عبد الله: (وخفض الميزان). وأراد به كل ما توزن به الأشياء، وتعرف مقاديرها؛ من ميزان وقرسطون ومكيال ومقياس، أي خلقة موضوعا مخفوضا على الأرض: حيث علق به أحكام عباده وقضاياهم، وما تعبدهم به من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم.
﴿أَلاَّ تَطْغَوْا﴾: لئلا تطغوا. أو هي (أن) المفسرة. وقرأ عبد الله: (لا تطغوا) بغير (أن) على إرادة القول.
﴿وأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾: وقوموا وزنكم بالعدل، ﴿ولا تُخْسِرُوا المِيزَانَ﴾ ولا تنقصوه؛ أمر بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة،
_________________
(١) وقلت: الظاهر أن يعطف على جملة قوله: ﴿الشَّمْسُ والْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ليؤذن بأن الأصل أجرى الشمس والقمر، وأسجد النجم والشجر، فعدل إلى معنى دوام التسخير والانقياد في الجملتين الأوليين، ومعنى التوكيد في الأخيرة، فدل الاختلاف في الأخبار المتوالية لـ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ على معان تبهر ذا اللب. قوله: (ونبه بذلك) أي: برفع السماء المنبئ عن هذه المعاني. قوله: (حيث علق به أحكام عباده)، قال أولًا: "حيث جعلها منشأ أحكامه"، ليشير به إلى تعليل وصف السماء بالرفع، وقال ثانيًا: "حيث علق به أحكام عباده" تعليلًا لوصف الميزان بالخفض والوضع، فالمعنى: أنزل من السماء الكتاب وأمر فيه بالقسط والحكم بالعدل في كل شيء، والتجافي عن الجور، وجعل معياره في الأرض الموازين ليقوموا فيه بالقسط ظاهرًا وباطنًا، ولهذا السر وصف الميزان بالقسط في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]؟
[ ١٥ / ١٥١ ]
وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان. وكرر لفظ الميزان تشديدا للتوصية به، وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه. وقرئ: (والسماء) بالرفع.
_________________
(١) كأنها عين القسط وذاته، ووضع القسط موضع الميزان في حديث أبي موسى: "يحفظ القسط ويرفعه"، بدليل حديث أبي هريرة: "وبيده الميزان، يخفض ويرفع" أي الميزان، وروى الأول مسلم، والثاني متفق عليه. وجمع بينه وبين الكتاب في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وفيه دليل على أن قوله: ﴿أَلاَّ تَطْغَوْا﴾ حمله على التعليل أرجح من التفسير، ولأن فيه إجراء "مجرى "وصى" المؤول بالقول، لاستقامة تفسير ﴿أَلاَّ تَطْغَوْا﴾ لـ "وضع"، وبهذا يظهر معنى قوله: بالعدل قامت السموات والأرض. قوله: (كرر لفظ الميزان) أي: أقيم المظهران مقام المضمرين في الموضعين، فقوله: "تشديدًا للتوصية" معناه: قيل أولًا: ﴿ووَضَعَ المِيزَانَ﴾ امتنانًا وتوصية في شأنه، ثم عقب: ﴿أَلاَّ تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ﴾ وكان من الظاهر أن "ألا تطغوا" فيه، أي في حقه وشأنه، فوضع موضعه الميزان، تشديدًا للتوصية بشأن الميزان. قوله: (تقوية للأمر باستعماله) معناه: أنه أمر أولًا بقوله: ﴿وأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾، ثم عقب بالنهي عن ضده في قوله: ﴿ولا تُخْسِرُوا المِيزَانَ﴾ وأقيم المظهر مقام المضمر بقوله: للأمر باستعمال القسط فيه.
[ ١٥ / ١٥٢ ]
(ولا تخسروا) بفتح التاء وضم السين وكسرها وفتحها. يقال: خسر الميزان يخسره ويخسره، وأما الفتح فعلى أن الأصل: ولا تخسروا في الميزان، فحذف الجار وأوصل الفعل. و﴿وضَعَهَا﴾ خفضها مدحوة على الماء. ﴿لِلأَنَامِ﴾ للخلق، وهو كل ما على ظهر الأرض من دابة. وعن الحسن: الإنس والجن، فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها.
﴿فَاكِهَةٌ﴾: ضروب مما يتفكه به، و﴿الأَكْمَامِ﴾ كل ما يكم، أي: يغطي من ليفة وسعفة وكفراء، وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه.
وقيل: الأكمام أوعية الثمر، الواحد: كم، بكسر الكاف.
_________________
(١) الراغب: في قوله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالْقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزَانَ﴾ يجوز أن يكون إشارة إلى تحري العدالة في الوزن وترك الحيف فيما يتعاطاه بالوزن، ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى تعاطي ما لا يكون به في القيامة خاسرًا، فيكون ممن قال فيهم: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨]، وكلا المعنيين متلازمان، وكل خسران ذكره الله في القرآن فهو على المعنى الأخير، دون الخسران المتعلق بالمقتنيات الدنيوية والتجارات البشرية. قوله: (﴿وضَعَهَا﴾: خفضها مدحوة)، الراغب: أعم من الحط، ومنه الموضع، ويقال: ذلك في الحمل والحمل، وقوله: ﴿والأَرْضَ وضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ والوضع: عبارة عن الإيجاد والخلق، ووضعت الحمل فهو موضوع، ووضعت المرأة الحمل، ووضع البيت بناؤه، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] ووضع الكتاب إبراز أعمال العباد، والوضع في السير استعارة، والوضعية: الحطيطة من رأس المال، وقد وضع الرجل في تجارته، ورجل بين الضعة، في مقابلة رفيع بين الرفعة. قوله: (وسعفه) وهو غصن النخل، والكفر: بضم الكاف وفتح الفاء وتشديد الراء: كم
[ ١٥ / ١٥٣ ]
﴿العَصْفِ﴾ ورق الزرع، وقيل: التين، ﴿والرَّيْحَانُ﴾ الرزق وهو اللب، أراد فيها ما يتلذذ به من الفواكه، والجامع بين التلذذ والتغذي وهو ثمر النخل، وما يتغذى به وهو الحب
_________________
(١) النخل، لأنه يستر ما في جوفه، والجمار: شحم لنخل، وعن بعضهم: الأصل كفراه بالتخفيف، وهو ما يغطي القنو، وهو الشمراخ، من كفره: إذا ستره. قوله: (﴿والرَّيْحَانُ﴾ الرزق وهو اللب)، يعني: الريحان يطلق على الرزق، والمراد هاهنا اللب. النهاية: الريحان الرزق والراحة، وكل نبت طيب الريح من أنواع المشموم، فبالرزق سمي الولد ريحانًا. الراغب: الريحان: ما له رائحة، وروي: "الولد ريحان"، وذلك كنحو ما قال الشاعر: يا حبذا ريح الولد ريح الخزامى في البلد وقيل: الريحان الرزق، ثم يقال للحب المأكول: ريحان، في قوله تعالى: ﴿والْحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحَانُ﴾، وقيل لأعرابي: إلى أين؟ فقال: أطلب من ريحان الله، أي: من رزقه، ومنه سمي حملًا على "ذو"، كأنه قيل: والحب ذو العصف وهو التبن رزقًا للدواب، وذو الريحان، أي: اللب، رزقًا للناس كقوله تعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَاكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٧]، فدل عطف "والنخل" على "فاكهة" بأنه أشرف أنواع الفواكه، لأنه جامع بين التلذذ والتغذي، ثم عطف عليه الحب، وبين أنه أيضًا جامع بين رزق الناس والأنعام.
[ ١٥ / ١٥٤ ]
وقرئ: (والريحان)، بالكسر. ومعناه: والحب ذو العصف الذي هو علف الأنعام، والريحان الذي هو مطعم الناس. وبالضم على: وذو الريحان، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: معناه: وفيها الريحان الذي يشم، وفي مصاحف أهل الشام، (والحب ذا العصف والريحان)، أي: وخلق الحب والريحان، أو وأخص الحب والريحان. ويجوز أن يراد: وذا الريحان، فيحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه.
والخطاب في ﴿رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ للثقلين بدلالة "الأنام" عليهما، وقوله ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾.
[﴿خَلَقَ الإنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وخَلَقَ الجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ١٤ - ١٦].
الصلصال: الطين اليابس، له صلصلة. والفخار: الطين المطبوخ بالنار وهو الخزف.
فإن قلت: قد اختلف التنزيل في هذا، وذلك قوله ﷿: ﴿مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٨، ٣٣]، ﴿مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ [الصافات: ١١] ﴿مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩].
قلت: هو متفق في المعنى، ومفيد أنه خلقه من تراب: جعله طينا، ثم حمإ مسنونا، ثم صلصالا.
﴿الجَانَّ﴾ أبو الجن. وقيل: هو إبليس. والمارج: اللهب الصافي الذي لا دخان فيه. وقيل: المختلط بسواد النار، من مرج الشيء: إذا اضطرب واختلط.
_________________
(١) قوله: (قرئ: "والريحان" بالكسر) ابن عامر: "والحب ذو العصف والريحان" بالنصب في الثلاثة، وحمزة والكسائي: "والريحان" بالكسر، وما عداه: بالرفع، والباقون: برفع الثلاثة. قوله: (أو: وأخص الحب والريحان) أي: هو منصوب بمضمر إما بفعل خاص أو على الاختصاص.
[ ١٥ / ١٥٥ ]
فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿مِّن نَّارٍ﴾ قلت: هو بيان لمارج، كأنه قيل: من صاف من نار، أو مختلط من نار، أو أراد من نار مخصوصة، كقوله تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤].
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ١٧ - ١٨].
قرئ: (رب المشرقين ورب المغربين) بالجر بدلا من ﴿رَبِّكُمَا﴾، وأراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما.
[﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ١٩ - ٢٣].
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقيين، لا فصل بين الماءين في مرأى العين. ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ حاجز من قدرة الله تعالى، ﴿لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ لا يتجاوزان حديهما، ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة.
_________________
(١) قوله: (كأنه قيل: من صاف من نار، أو مختلط من نار) هذا الوجهان مبنيان على تفسيره المارج تارة باللهب الصافي، وأخرى بالمختلط بسواد النار، وعلى التقديرين جرد من النار، إما اللهب الصافي أو المختلط أو التنكير في نار للنوع أي: المعلوم في عرف الشرع، ولهذا استشهد بقوله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]. قوله: (﴿بَرْزَخٌ﴾: حاجز من قدرة الله)، الراغب: البرزخ: الحاجز، والحد بين الشيئين، والبرزخ أيضًا: الحائل بين الإنسان وبين بلوغ المنازل في الآخرة، وذلك إشارة إلى العقبة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وتلك العقبة، موانع من أحوال لا يصل إليها إلا الصالحون.
[ ١٥ / ١٥٦ ]
قرئ: (يخرج) و﴿يَخْرُجُ﴾ من: أخرج وخرج. و(يخرج) أي: الله ﷿ (اللؤلؤ والمرجان) بالنصب. و(نخرج) بالنون. واللؤلؤ: الدر. والمرجان: هذا الخرز الأحمر وهو البسد. وقيل: اللؤلؤ: كبار الدر، والمرجان: صغاره.
فإن قلت: لم قال ﴿مِنْهُمَا﴾ وإنما يخرجان من الملح؟
قلت: لما التقيا وصارا كالشيء الواحد: جاز أن يقال: يخرجان منهما، كما يقال: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه. وتقول: خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلة من محاله، بل من دار واحدة من دوره. وقيل: لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب.
_________________
(١) قوله: ("يخرج" و﴿يَخْرُجُ﴾) نافع وأبو عمرو: "يخرج" بضم الياء وفتح الراء، والباقون: بفتحها. قوله: (لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال خرج منهما، كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٥ - ١٦] والقمر في السماء الدنيا. الانتصاف: مثله ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣١]، وإنما يخرج من بعضه، يقال: فلان من أهل ديار مصر، وهو من محلة واحدة منها. قوله: (وقيل: لا يخرجان إلا من ملتقى العذب والملح)، الانتصاف: هذا القول ترده المشاهدة، والأول أصح.
[ ١٥ / ١٥٧ ]
[﴿ولَهُ الجَوَارِ المُنشَآتُ فِي البَحْرِ كَالأَعْلامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٢٤ - ٢٥].
﴿الجَوَارِ﴾ السفن. وقرئ: (الجوار) بحذف الياء ورفع الراء، ونحوه:
بها ثنايا أربع حسان وأربع فكلها ثمان
[المُنشَآتُ﴾ المرفوعات الشرع وقرئ بكسر الشين: وهي الرافعات الشرع، أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهن. والأعلام: جمع علم، وهو الجبل الطويل.
[﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * ويَبْقَى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرَامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٢٦ - ٢٨].
﴿عَلَيْهَا﴾ على الأرض، ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾ ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات، ومساكين مكة يقولون: أين وجه عربي ينقذني من الهوان؟ ! .
و﴿ذُو الجَلالِ والإكْرَامِ﴾ صفة الوجه. وقرأ عبد الله: (ذي) على: صفة ربك. ومعناه: الذي يحله الموحدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم
_________________
(١) قوله: (فكلها ثمان) يعني: أجرى النون في "ثماني" مجرى حرف الإعراب، نحو: الجوار. قوله: (الشرع) جمع الشراع، الجوهري: الشراع شراع السفينة. قوله: (وقرئ بكسر الشين)، قال صاحب "المطلع": أسند الإنشاء إلى السفن مجازًا، وإن كان الفعل لأصحابها، لأنها مجال الشرع. قوله: (و﴿ذُو الجَلالِ والإكْرَامِ﴾ صفة الوجه) والصفتان لله تعالى، إما باعتبار أنه يجله الموحدون، أو باعتبار أنه يجل المخلصين الموحدين، والأول إما مقول للبعض دون البعض، فهو المراد من قوله: "الذي يجله الموحدون"، أو أنه في نفسه تعالى كذلك؛ سواء يجله أحد أو
[ ١٥ / ١٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ لا، وهو المراد قوله: "الذي يقال له: ما أجلك"، وإلى الثاني أشار بقوله: "أو من عنده الجلال والإكرام"، فاعتبر فيه معنى المضاف، أي: ذو النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه". قال الشيخ محيي الدين النواوي: سبحات وجهه بضم السين والباء: نوره وجلاله وبهاؤه، والمراد الحجاب المانع من رؤيته، سمي النور حجابًا لأنه يمنع من الإدراك لشعاعه، والمراد بالوجه الذات، "ومن" لبيان الجنس، والمعنى: أنه لو زال المانع من رؤيته وهو الحجاب المسمى نورًا، وتجلى لخلقه لأحرق جلا ذاته جميع مخلوقاته، والمراد بـ"ما انتهى إليه بصره من خلقه": جميع المخلوقات، لأن بصره ﷾ محيط بجميع الكائنات. وفي "شرح المظهري": الضمير في "إليه" يعود إلى الوجه، وفي "بصره" إلى الموصول، و"من" بيان "ما" و"بصره" فاعل. انتهى. والموصول مع الصلة مفعول أحرقت، يعني: لو رفع حجابه لاحترقت خلقه، لأنه لا طاقة لهم أن ينظروا إلى ذاته في الدنيا. الراغب: ولما كان الوجه أول ما يستقبلك، وأشرف ما في ظاهر البدن، استعمل في مستقبل كل شيء، وفي أشرفه ومبدئه، فقيل: وجه كذا، ووجه النهار، ويقال للقصد: وجه،
[ ١٥ / ١٥٩ ]
أو الذي يقال له: ما أجلك وأكرمك! أو: من عنده الجلال والإكرام للمخلصين من عباده، وهذه الصفة من عظيم صفات الله؛ ولقد قال رسول الله ﷺ: "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام".
_________________
(١) وللمقصد جهة ووجهة، وهي حيث ما يتوجه، و"لكل وجهة هو موليها" إشارة إلى الشريعة، ووجهت الشيء: أرسلته في جهة واحدة، فتوجه، وفلان وجيه: ذو جاه، وأحمق ما يتوجه بفتح الياء وحذف يه عنه، أي: لا يستقيم في أمر من الأمور لحمقه، وأحمق ما يتوجه به: كناية عن الجهل بالتغوط. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩] قيل: أريد بها الجارحة واستعير للمذهب والطريق، نحو: فعلت كذا بيدي، وقيل: أريد بالإقامة تحري الاستقامة، وبالوجه التوجه، أي: أخلصوا العبادة لله في الصلاة، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] وربما يعبر به عن الذات، كما في قوله تعالى: ﴿ويَبْقَى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨] و﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] قيل: أريد بالوجه التوجه إلى الله بالأعمال الصالحة، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] قيل: الوجه في كل هذا زيادة. وروي أنه قيل ذلك لأبي على الرضا، فقال: سبحان الله، لقد قالوا عظيمًا! إنما أعني الوجه الذي يؤتى منه، ومعناه: كل شيء من أعمال العباد هالك وباطل، إلا ما أريد به الإخلاص. قوله: (ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام) رواه الترمذي عن النبي ﷺ، ورواه أحمد بن حنبل عن ربيعة بن عامر عن النبي ﷺ.
[ ١٥ / ١٦٠ ]
وعنه ﵊: أنه مر برجل وهو يصلي ويقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: "قد استجيب لك".
_________________
(١) النهاية: ألظوا: الزموا واثبتوا عليه، وأكثروا من قوله والتلفظ به في دعائكم، ويقال: ألظ بالشيء، يلظ إلظاظًا، إذا لزمه وثابر عليه. قال حجة الإسلام: لا جلال ولا كمال وو له، ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي صادرة منه، فالجلال في ذاته، والمكرمة فائضة منه على خلقه، وفنون إكرامه خلعة لا تكاد تحصى وتتناهى، وعليه دل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. قوله: (مر برجل وهو يصلي ويقول) روينا عن أبي داود والترمذي والنسائي عن أنس أنه كان مع رسول الله ﷺ ورجل يصلي ثم دعا فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، المنان بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال ﷺ لأصحابه: "أتدرون بما دعا"؟، قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "والذي نفسي بيده؛ لقد دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى". الراغب: الجلالة: عظم القدر، والجلال بغير الهاء: التناهي في ذلك، وخص بوصف الله تعالى، فقيل: ذو الجلال والإكرام، ولم يستعمل في غيره، والجليل: العظيم القدر، ووصفه تعالى بذلك، إما لخلقه الأشياء العظيمة المستدل بها عليه، أو لأنه يجل عن الإحاطة، وموضوعه للجسم العظيم الغليظ، ولمراعاة معنى الغلظة فيه، قوبل بالدقيق، وقوبل العظيم بالصغير، فقيل: جليل ودقيق، وعظيم وصغير، وقيل للبعير: جليل، وللشاة: دقيق، لاعتبار أحدهما بالآخر.
[ ١٥ / ١٦١ ]
فإن قلت: ما النعمة في ذلك؟
قلت: أعظم النعمة؛ وهي مجيء وقت الجزاء عقيب ذلك.
[﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٢٩ - ٣٠].
﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ كل من أهل السموات والأرض مفتقرون إليه، فيسأله أهل السموات ما يتعلق بدينهم، وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم.
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾ أي: كل وقت وحين يحدث أمورا، ويجدد أحوالا، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلك أنه تلاها فقيل له: وما ذلك الشأن؟ فقال: "من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين"، وعن ابن عيينة: الدهر عند الله تعالى يومان، أحدهما: اليوم الذي هو مدة عمر الدنيا، فشأنه فيه الأمر والنهي والإماتة والإحياء والإعطاء والمنع. والآخر: يوم القيامة، فشأنه فيه الجزاء والحساب.
_________________
(١) فقيل: ما أجلني ولا أدقني، أي: ما أعطاني بعيرًا ولا شاة، ثم صار مثلًا في كل صغير وكبير، وخص الجلالة بالناقة الجسيمة، والجلة بالمسان منها. قوله: (ما النعمة في ذلك؟) ذلك إشارة إلى مجموع قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * ويَبْقَى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرَامِ﴾ يعني: أنه تعالى رتب بالفاء قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ على تلك الآية تأنيبًا وتوبيخًا على كفرانهم هذه النعمة السنية، كقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أي: ينكر رزقكم، فأي نعمة في بقاء الحق بعد إفناء الخلق، وأجاب بأن المراد من الآية ملزوم معناها، لأنها كناية عن مجيء وقت الجزاء، وهو من أجل النعم، كما سبق في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] ولذلك خص الوصفين بالذكر يعني: الجلال والإكرام، لأنهما يدلان على الإثابة والعقاب.
[ ١٥ / ١٦٢ ]
وقيل نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا.
وسأل بعض الملوك وزيره عنها فاستمهله إلى الغد وذهب كئيبا يفكر فيها، فقال غلام له أسود: يا مولاي، أخبرني ما أصابك لعل الله يسهل لك على يدي، فأخبره فقال له: أنا أفسرها للملك فأعلمه، فقال: أيها الملك شأن الله أن يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيما، ويسقم سليما، ويبتلي معافى، ويعافى مبتلى، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا، ويفقر غنيا، ويغني فقيرا؛ فقال الأمير: أحسنت، وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة، فقال: يا مولاي هذا من شأن الله! .
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل وقال له: أشكلت على ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي: قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] وقد صح أن الندم توبة، وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾، وقد صح أن القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]
_________________
(١) فإن قلت: لم لم يقل: كل شيء فان ﴿ويَبْقَى وجْهُ رَبِّكَ﴾ كقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]؟ قلت: قد سبق أن قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مرتب على الآية السابقة، فوجب تخصيصه بالعقلاء، ثم بالثقلين، أي: الجن والإنس، ومن ثم حسن جعل الضمير في ﴿عَلَيْهَا﴾ للأرض، لأنهما ثقلا الأرض. فإن قلت: كيف أفرد الضمير في قوله: ﴿وجْهُ رَبِّكَ﴾، وثناه في: ﴿رَبِّكُمَا﴾، والمخاطب واحد؟ قلت: اقتضى الأول تعميم الخطاب لكل من يصلح للخطاب لعظم الأمر وفخامته، ويندرج فيه الثقلان أوليًا، ولا كذلك اثنان فتركه على ظاهره.
[ ١٥ / ١٦٣ ]
فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمة. ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله تعالى خص هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم، وقيل: إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله، وأما قوله: ﴿وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ فمعناه: ليس له إلا ما سعى عدلا، ولي أن أجزيه بواحدة ألفا فضلا، وأما قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾ فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها، فقام عبد الله وقبل رأسه وسوغ خراجه.
[﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٣١ - ٣٢].
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ مستعار من قول الرجل لمن يتهدده: سأفرغ لك، يريد: سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنك، حتى لا يكون لي شغل سواه، والمراد: التوفر على النكاية فيه والانتقام منه، ويجوز أن يراد: ستنتهي الدنيا وتبلغ آخرها، وتنتهي عند ذلك
_________________
(١) قوله: (فما بال الأضعاف) إشارة إلى ما ورد في الحديث: "من هم بحسنه فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة، فإن هم بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة"، الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس. قوله: (إلا ما سعى عدلًا)، "عدلًا": نصب ظرفًا وكذا "فضلًا"، أي: في عدل الله وفضله، كقولك: هذا سائغ شرعًا. قوله: (وسوغ خراجه) أي: سهل وعين، من: ساغ الشراب يسوغ سوغًا، أي: سهل مدخله في الحلق. قوله: (ويجوز أن يراد: ستنتهي الدنيا وتبلغ آخرها) قال الزجاج: الفراغ في اللغة على
[ ١٥ / ١٦٤ ]
شؤون الخلق التي أرادها بقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾، فلا يبقى إلا شأن واحد، وهو جزاؤكم، فجعل ذلك فراغا لهم على طريق المثل، وقرئ: (سيفرغ لكم)، أي: الله تعالى، (سأفرغ لكم) و(سنفرغ) بالنون مفتوحا ومكسورا وفتح الراء، و(سيفرغ) بالياء مفتوحا ومضموما مع فتح الراء، وفي قراءة أبي: (سنفرغ إليكم)
_________________
(١) ضربين: أحدهما: الفراغ من شغل، والآخر القصد لشيء، تقول: قدر فرغت مما كنت فيه، أي: زال شغلي به، وتقول: سأتفرغ لفلان، أي: سأجعله قصدي. وقلت: الوجه الأول في الكتاب محمول على مجرد القصد، فهو كناية عن التوفر على النكاية، ثم استعير هذه العبارة للخالق عز شأنه، لذلك المعنى، وإليه أشار بقوله: " ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ مستعار من قول الرجل لم يتهدده: سأفرغ لك"، والوجه الثاني منزل على الفراغ من الشغل، لكن على سبيل التمثيل، شبه تدبيره تعالى أمر الآخرة من الاخذ في الجزاء، وإيصال الثواب والعقاب إلى المكلفين، بعد تدبيره تعالى لأمر الدنيا بالأمر والنهي، والإماتة والإحياء، والمنع والإعطاء، وأنه لا يشغله شأن عن شأن بحال من إذا كان في شغل يشغله عن شغل آخر، إذا فرغ من ذلك الشغل شرع في آخر، وقد ألم به صاحب "المفتاح" حيث قال: الفراغ الخلاص عن المهام، والله ﷿ لا يشغله شأن عن شأن، وقع مستعارًا للأخذ في الجزاء وحده. وهو المراد من قوله: "فجعل ذلك فراغًا لهم على طريق المثل". قوله: ("سيفرغ لكم") حمزة والكسائي: بالياء، والباقون: بالنون.
[ ١٥ / ١٦٥ ]
بمعنى: سنقصد إليكم، والثقلان: الإنس والجن، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض.
[﴿يَا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إلاَّ بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ ونُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٣٣ - ٣٦].
﴿يَا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنسِ﴾ كالترجمة لقوله: ﴿أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾، ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أن تهربوا من قضائي وتخرجوا من ملكوتي ومن سمائي وأرضي، فافعلوا، ثم قال: لا تقدرون على النفوذ ﴿إلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ يعني بقوة وقهر وغلبة، وأنى لكم ذلك؟ ونحوه: ﴿ومَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ ولا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢].
وروي: أن الملائكة ﵈ تنزل فتحيط بجميع الخلائق، فإذا رآهم الجن والإنس هربوا، فلا يأتون وجها إلا وجدوا الملائكة أحاطت به.
قرئ: ﴿شُوَاظٌ﴾ و"نحاس" كلاهما بالضم والكسر؛
_________________
(١) قوله: (سميا بذلك لأنهما ثقلًا على الأرض) عن بعضهم: جعلت الأرض كالحمولة والجن والإنس شبهًا بثقل الدابة، وفي الحديث: "تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي"، سماها بذلك لأن الدين يعمر بهما، كالأرض، تعمر بالإنس والجن. قوله: (﴿شُوَاظٌ﴾ و"نحاس" كلاهما بالضم والكسر) ابن كثير: بكسر الشين، والباقون: بضمها. و"نحاس" بالخفض: ابن كثير وأبو عمرو، والباقون: بالرفع. قال صاحب "الكشف": من رفع "نحاس" عطفه على ﴿شُوَاظٌ﴾، ومن جر لم يجز له حمله،
[ ١٥ / ١٦٦ ]
والشواظ: اللهب الخالص. والنحاس: الدخان؛ وأنشد:
تضيء كضوء سراج السليط لم يجعل الله فيه نحاسا.
وقيل: الصقر المذاب، يصب على رؤوسهم. وعن ابن عباس ﵄: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر. وقرئ: ﴿ونُحَاسٌ﴾ مرفوعا، عطفا على ﴿نَّارٍ﴾. وقرئ: (ونحس) جمع نحاس، وهو الدخان، نحو لحاف ولحف. وقرئ: (ونحس) أي: ونقتل العذاب. وقرئ: (نرسل عليكما شواظا من نار ونحاسا)، ﴿فَلا تَنتَصِرَانِ﴾ فلا تمتنعان.
[﴿فَإذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ ورْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ إنسٌ ولا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٣٧ - ٤٠﴾.
﴿ورْدَةً﴾: حمراء ﴿كَالدِّهَانِ﴾ كدهن الزيت، كما قال: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨]، وهو دردي الزيت، وهو جمع دهن، أو اسم ما يدهن به، كالخزام والإدام. قال:
_________________
(١) على قوله: ﴿مِّن نَّارٍ﴾، لأن شواظًا لا تكون من النحاس، فيقدر: شواظ من نار وشيء من نحاس، فحذف الموصوف لدلالة ما قبله عليه. قوله: (وقرئ: "نحس") قال ابن جني: قرأ ابن أبي بكرة: "ونحس" بفتح النون وضم الحاء وتشديد السين، أي: نقتل بالعذاب، يقال: حس القوم يحسهم حسًا: إذا استأصلهم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أي: تقتلونهم قتلًا ذريعًا.
[ ١٥ / ١٦٧ ]
كأنهما مزادتا متعجل فريان لما تدهنا بدهان
وقيل: الدهان: الأديم الأحمر.
وقرأ عمرو بن عبيد (وردة) بالرفع، بمعنى: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى بالتجريد، كقوله:
فلئن بقيت لأرحلن بغزوة تحوي الغنائم أو يموت كريم
﴿إنسٌ﴾ بعض من الإنس، ﴿جَانٌّ﴾ أربد به: ولا جن: أي: ولا بعض من الجن، فوضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن، كما يقال: هاشم، ويراد ولده.
وإنما وحد ضمير الإنس في قوله: ﴿عَن ذَنْبِهِ﴾ لكونه في معنى البعض. والمعنى: لا يسألون لأنهم يعرفون بسيما المجرمين، وهي سواد الوجوه وزُرقة العيون.
_________________
(١) قوله: (كأنهما مزادتا متعجل) البيت، أي: كأن عينيه في انسكاب الدموع مزادتان خرزهما متعجل فما أحكم خرزهما، فهما يكفان ماء. قوله: (وهو من الكلام الذي يسمى التجريد) وهو: أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله فيها لكمالها فيه، جرد هاهنا من السماء شيئًا يسمى وردة، وهي هي، كما جرد الشاعر من نفسه صفة الكرم وجعلها بمنزلة شخص لكمالها فيه، وعلى المشهور تشبيه محض، أي: كانت السماء كالوردة. قوله: (وحد ضمير الإنس في قوله: ﴿عَن ذَنبِهِ﴾ لكونه في معنى البعض)، قيل: هذا إضمار عن غير مذكور، والذنب يدل على المذنب لا يسأل عن ذنب المذنب إنس ولا جان، أي: لا
[ ١٥ / ١٦٨ ]
فإن قلت: هذا خلاف قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢].
وقوله: ﴿وقِفُوهُمْ إنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤].
قلت: ذلك يوم طويل وفيه مواطن، فيسألون في موطن ولا يسألون في آخر: قال قتادة: قد كانت مسألة، ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. وقيل: لا يسأل عن ذنبه ليعلم من جهته، ولكن يسأل سؤال توبيخ. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد (ولا جان) فرارا من التقاء الساكنين، وإن كان على حده.
[﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي والأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا المُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان﴾ ٤١ - ٤٥].
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي والأَقْدَامِ﴾ عن الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره، وقيل تسحبهم الملائكة؛ تارة تأخذ بالنواصي، وتارة تأخذ بالأقدام.
_________________
(١) يؤخذ أحد بذنب غيره. وقال صاحب "الإيجاز": لا يسأل عن ذنبه، لا يسأل أحد عن ذنب أحد، والظاهر أن التقدير: لا يسأل إنس ولا جان عن ذنب واحد منهما، لأن المراد البعض المجرم مهم خاصة، يدل عليه الاستئناف بقوله: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾، فمعنى السؤال لا يسأل أحد عن أنه مذنب، أم لا، لأن سيماهم وهي سواد الوجوه وزرقة العيون دال على ذلك. قوله: (وإن كان على حده) وحده: أن يكون الأول حرف لين والآخر مدغمًا.
[ ١٥ / ١٦٩ ]
﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ ماء حار قد انتهى حره ونضجه، أي: يعاقب عليهم بين التصلية بالنار وبين شرب الحميم. وقيل: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم. وقيل: إن واديا من أدوية جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال، فيغمسون فيه حتى تنخلع أوصالهم؛ ثم يخرجون منه وقد أحدث الله لهم خلقا جديدا. وقرئ: (يطوفون) من التطويف، و(يطوفون)، أي: يتطوفون، و(يطافون). وفي قراءة عبد الله: (هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان تصليان، لا تموتان فيها ولا تحييان، يطوفون بينها). ونعمة الله فيها ذكره من هول العذاب: نجاة الناجي منه برحمته وفضله، وما في الإنذار به من اللطف.
[﴿ولِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إسْتَبْرَقٍ وجَنَى الجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٤٦ - ٥٥].
_________________
(١) قوله: (ونعمة الله فيما ذكره من هول العذاب: نجاة الناجي منه)، قال الراغب في "غرة التأويل": أن الله تعالى منعم على عباده نعمتين: نعمة الدنيا ونعمة الدين، وأعظمهما في الأخرى، واجتهاد الإنسان رهبة مما يؤلمه أكثر من اجتهاده رغبة فيما ينعمه، فالترهيب زجر عن المعاصي، وبعث على الطاعات، وهو سبب النفع الدائم، فأية نعمة أكبر إذن من التخويف بالضرر المؤدي إلى أشرف النعم، فكما جاز أن يقول عند ذكر ما خوفنا فيه مما يصرفنا عن معصيته إلى
[ ١٥ / ١٧٠ ]
﴿مَقَامَ رَبِّهِ﴾ موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] ونحوه: ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ [إبراهيم: ١٤] ويجوز أن يراد بمقام ربه: أن الله قائم عليه؛ أي: حافظ مهيمن، من قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، فهو يراقب ذلك فلا يخسر على معصيته، وقيل: هو مقحم، كما تقول: أخاف جانب فلان، وفعلت هذا لمكانك. وأنشد:
ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين
يريد: ونفيت عنه الذئب.
فإن قلت: لم قال: ﴿جَنَّتَانِ﴾؟
قلت: الخطاب للثقلين؛ فكأنه قيل: لكل خائفين منكما جنتان؛ جنة للخائف الإنسي، وجنة للخائف الجني. ويجوز أن يقال: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي؛ لأن التكليف دائر عليهما، وأن يقال: جنة يثاب بها، وأخرى تضم إليها على وجه التفصيل، كقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
_________________
(١) ـ طاعته التي تكسبنا نعيم جنته، لأن هذا أشوق إلى تلك الكرامة من وصف ما أعد فيها من النعمة. قوله: (فهو يراقب)، متصل بقوله: "إن الله قائم عليه". قوله: (ونفيت عنه)، قبله: وماء قد وردت لوصل أروى عليه الطير كالورق اللجين ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين مضى شرحه في سورة السجدة.
[ ١٥ / ١٧١ ]
خص الأفنان بالذكر- وهي الغصنة التي تتشعب من فروع الشجرة- لأنها هي التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال، ومنها تجتني الثمار.
وقيل: الأفنان: ألوان النعم؛ ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. وقال:
ومن كل أفنان اللذاذة والصبا لهوت به والعيش أخضر ناصر
﴿عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ حيث شاؤوا في الأعالي والأسافل. وقيل: تجريان من جبل من مسك. وعن الحسن: تجريان بالماء الزلال: إحداهما التسنيم، والأخرى: السلسبيل.
﴿زَوْجَانِ﴾: صنفان. قيل: صنف معروف، وصنف غريب.
﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نصب على المدح للخائفين، أو حال منهم، لأن "من خافي" في معنى الجمع، ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إسْتَبْرَقٍ﴾ من ديباج ثخين، وإذا كانت البطائن من الاستبرق، فما ظنك بالظهائر؟ وقيل: ظهائرها من سندس. وقيل: من نور، ﴿دَانٍ﴾ قريب يناله القائم والقاعد والنائم. وقرئ: (وجنى) بكسر الجيم.
_________________
(١) قوله: (وهي الغصنة) بكسر الغين المعجمة وفتح الصاد المهملة؛ جمع غصن. قوله: (تجتنى الثمار)، الراغب: جنيت الثمرة واجتنيتها، والجنى والجني: المجتنى من الثمر والعسل، وأكثر ما يستعمل الجني فيها كان غضًا، قال تعالى: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٣٥] وأجنى الشجر: أدرك ثمره، والأرض: كثر جناها، واستعير من ذلك جنى فلان جناية، كما استعير اجترم. قوله: (إحداهما التسنيم)، الجوهري: هو اسم ماء في الجنة، سمي بذلك لأنه يجري فوق الغرف والقصور.
[ ١٥ / ١٧٢ ]
[﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنسٌ قَبْلَهُمْ ولا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ اليَاقُوتُ والْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٥٦ - ٦١].
﴿فِيهِنَّ﴾ في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين، والعينين والفاكهة والفرش والجنى. أو في الجنتين، لاشتمالها على أماكن وقصور ومجالس، ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن: لا ينظرن إلى غيرهم. لم يطمث الإنسيات منهن أحد من الإنس، ولا الجنيات أحد من الجن، وهذا دليل على أن الجن يطمثون كما يطمث الإنس وقرئ: (لم يطمثهن) بضم الميم. قيل: هن في صفاء الياقوت، وبياض المرجان.
وصغار الدر أنصع بياضا. قيل: إن الحوراء تلبس سبعين حلة، فيرى مخ ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء.
_________________
(١) قوله: (وهذا دليل على أن الجن يطمثون)، الانتصاف: يشير بذلك إلى الرد على من زعم أن الجن المؤمنين لا ثواب لهم، وإنما جزاؤهم ترك العقوبة، وجعلهم ترابًا. ووجهه أن الخطاب بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ للجن والإنسان للامتنان عليهم، بحور موصوفات تارة بـ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾، وأخرى بـ ﴿مَّقْصُورَاتٌ فِي الخِيَامِ﴾، وبكونهن ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنسٌ قَبْلَهُمْ ولا جَانٌّ﴾، فالواجب أن يرد كل بما يناسبه. قوله: (وقرئ: "لم يطمثهن" بضم الميم)، الكيائي، روى الواحدي عن الفراء: الطمث: الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية. قوله: (وصغار الدر أنصع بياضًا)، جواب عن سؤال مقدر، تقديره: لم عدل عن
[ ١٥ / ١٧٣ ]
﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ﴾ في العمل ﴿إلاَّ الإحْسَانُ﴾ في الثوب؟ وعن محمد بن الحنفية: هي مسجلة للبر والفاجر. أي: مرسلة، يعني: أن كل من أحسن أحسن إليه، وكل من أساء أسئ إليه.
[﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا فَاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمَّانٌ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٦٢ - ٦٩].
[مِن دُونِهِمَا﴾ ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين، ﴿جَنَّتَانِ﴾ لمن دونهم من أصحاب اليمين.
﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قد ادهامتا من شدة الخضرة، ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ فوارتان بالماء. والنضخ أكثر من النضح، لأن النضح -غير معجمية- مثل الرش.
فإن قلت: لم عطف النخل والرمان على الفاكهة وهما منها؟
قلت: اختصاصا لهم وبيانا لفضلهما، كأنهما لما لهما من المزية جنسان آخران، كقوله تعالى: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] أو لأن النخل ثمرة فاكهة وطعام، والرمان فاكهة
_________________
(١) اللؤلؤ والدر إلى المرجان، وهو أشرف من المرجان؟ وجوابه: القصد هاهنا إلى صفاء اللون لوقوعه مقارنًا للياقوت، وهو أنصع الجواهر حمرة، فينبغي أن يكون هذا أنصع اللآلئ بياضًا. قوله: (مسجلة للبر والفاجر) أي مرسلة، يعني: مطلقة غير مقيدة، الجوهري عن الأصمعي: لم يشترط فيها بر دون فاجر، يقال: أسجلت الكلام، أي: أرسلته. قوله: (قد ادهامتا من شدة الخضرة) الراغب: الدهمة: سواد الليل، ويعبر بها عن سواد الفرس، وقد يعبر بها عن الخضرة الكاملة اللون، ويعبر عن الدهمة بالخضرة إذا لم تكن كاملة اللون، وذلك لتقاربهما باللون.
[ ١٥ / ١٧٤ ]
ودواء فلم يخلصا للتفكه. ومنه قال أبو حنيفة ﵀: إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا: لم يحنث، وخالفه صاحباه.
[﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنسٌ قَبْلَهُمْ ولا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرَامِ﴾ ٧٠ - ٧٨].
﴿خَيْرَاتٌ﴾: خيرات: فخخفت، كقوله ﵇: "هينون لينون"، وأما خير الذي هو بمعنى أخير، فلا يقال فيه: خيرون ولا خيرات. وقرئ: (خيرات) على الأصل. والمعنى: فاضلات الأخلاق، حسان الخلق.
﴿مَّقْصُورَاتٌ﴾ قصرن في خدورهن، يقال: امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة: مخدرة، وقيل: إن الخيمة من خيامهن درة مجوفة.
﴿قَبْلَهُمْ﴾ قبل أصحاب الجنتين، دل عليهم ذكر الجنتين، ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نصب على الاختصاص والرفرف: ضرب من البسط. وقيل: البسط، وقيل: الوسائد، وقيل: كل ثوب عريض رفرف. ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط: رفارف، ورفرف
_________________
(١) قوله: ("خيرات" على الأصل)، الراغب: الخير: الفاضل المختص بالخير، فإنه خيار، ويقال: ناقة خيار وجمل خيار، ويقال: رجل خير وامرأة خيرة، وهذا خير الرجال، وهذه خيرة النساء، والمراد بذلك المختارات، أي: فيهن مختارات لا رذل فيهن. قوله: (والرفرف: ضرب من البسط)، الراغب: الرفرف: ضرب من الثياب مشبه
[ ١٥ / ١٧٥ ]
السحاب: هيدبه، والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه بلد الجن؛ فينسبون إليه كل شيء عجيب. وقرئ: (رفارف خضر) بضمتين. (وعباقري)، كمدائني: نسبة إلى عباقر في اسم البلد: وروى أبو حاتم: (عباقري)، بفتح القاف ومنع الصرف، وهذا لا وجه لصحته.
فإن قلت: كيف تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: ﴿وَمِن دُونِهِمَا﴾؟
_________________
(١) بالرياض، وقيل: الرفرف: طرف الفسطاط، والخباء الواقع على الأرض دون الأطناب والأوتاد. قوله: (هيدبه)، الجوهري: هيدب السحاب، ما تهدب منه إذا أراد الودق كأنه خيوط. قوله: ("عباقري" بفتح القاف ومنع الصرف، وهذا لا وجه لصحته)، قال الزجاج: هذه القراءة لا مخرج لها، لأن الجمع الذي بعد ألفه حرفان، لا يجوز أن يكون فيه مثل عباقري، لأن ما جاوز الثلاثة لا يجمع بياء النسب، فلو جمعت عبقري تجمعه عباقرة، نحو: مهلبي ومهالبة، ولا تقول: مهالبي. وقال ابن جني: أما ترك صرف عباقري فشاذ في القياس، ولا يستنكر شذوذه مع استعماله، وإذا كان قد جاء عنهم عناكيب، كان عباقري أسهل منه، للتشديد على أنه في آخر الكلمة كـ"زرابي". وفي "النهاية" قيل: إن عبقر قرية يسكنها الجن فيها يزعمون، فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريبًا، مما يصعب عمله ويدق، أو شيئًا عظيمًا في نفسه نسبوه إليها، ثم اتسع فسموا به السيد الكبير. وفي الحديث: "فلم أر عبقريًا يفري فرية"، يريد عمر ﵁.
[ ١٥ / ١٧٦ ]
قلت: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ دون ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ و﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ دون ﴿تَجْرِيَانِ﴾، ﴿فَاكِهَةٌ﴾ دون ﴿كُلِّ فَاكِهَةٍ﴾. وكذلك صفة الحور والمتكأ. وقرئ: (ذو الجلال) صفة للاسم.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة الرحمن أدى شكر ما أنعم الله عليه".
_________________
(١) قوله: (﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ دون ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾)، بيان لكيفية تقاصر الجنتين الأخريين عن الأوليين، وفي "المطلع": الأوليان للمقربين، وهامتان لأصحاب اليمين. قال ابن عباس. وروينا عن البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه الدارمي عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أي ينظروا إلى ربهم، إلا رداء الكبرياء على وجهه، في جنة عدن". قوله: (وقرئ: "ذو الجلال")، ابن عامر. تمت السورة حامدًا لله تعالى ومصليًا على رسول الله ﷺ. * * *
[ ١٥ / ١٧٧ ]