مكية، وآياتها ستون
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ الله يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)] ١ - ٥ [
القراءة المشهورة الكثيرة: (غُلِبَتِ) بضم الغين، و(سيغلبون) بفتح الياء. والأرض: أرض العرب، لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم. والمعنى: غلبوا في أدنى أرض العرب منهم وهي أطراف الشام. أو: أراد أرضهم، على إنابة اللام مناب المضاف إليه، أى: في أدنى أرضهم إلى عدوّهم. قال مجاهد: هي أرض الجزيرة، وهي
_________________
(١) ـ سورةُ الرُّوم مكِّيّةٌ، وآياتُها ستُّون بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (في أَدنى أرضِ العربِ منهم) «منهم» متعلِّق بـ «أدنى»، والضَّميرُ للرُّوم. قوله: (على إنابة اللاَّم مَنابَ المضافِ إليه) فعَلى هذا: الأرضُ أرضُ الرُّوم، وإنّما نَسَب الأدنى إلى عدوِّهم في هذا الوجه؛ لأنَّ «أدنى» من الأمور النِّسبية، فإذا لم يُرد بها أرضَ العرب لابدَّ مِن أرضٍ أخرى، وليست إلا أرضَ عدوِّهم، وهو فارسُ، والقرينةُ ﴿غُلِبَتِ﴾.
[ ١٢ / ٢٠٧ ]
أدنى أرض الروم إلى فارس. وعن ابن عباس ﵄: الأردن وفلسطين. وقرئ: (في أدانى الأرض)، والبضع ما بين الثلاث إلى العشر. عن الأصمعى. وقيل: احتربت الروم وفارس بين أذرعات وبصرى، فغلبت فارس الروم، فبلغ الخبر مكة فشق على النبي ﷺ والمسلمين؛ لأن فارس مجوس لا كتاب لهم، والروم أهل الكتاب، وفرح المشركون وشمتوا وقالوا: أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرنّ نحن عليكم، فنزلت. فقال لهم أبو بكر ﵁: لا يقرّر الله أعينكم، فو الله لتظهرنّ الروم على فارس بعد بضع سنين، فقال له أبى بن خلف: كذبت يا أبا فصيل، اجعل بيننا أجلًا أنا حبك عليه. والمناحبة: المراهنة، فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما، وجعلا الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر ﵁ رسول الله ﷺ فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر ومادّه في الأجل. فجعلاها مائة قلوٍص إلى تسع سنين. ومات أبىّ من جرح رسول الله، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين. وقيل: كان النصر يوم بدر للفريقين، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبى، وجاء به إلى رسول الله ﷺ فقال: تصدّق به. وهذه الآية من الآيات البينة الشاهدة
_________________
(١) قوله: (يا أبا فَصيل) بالفاءِ والصادِ المُهْمَلة، أكثرُ ما يُطلق «فَصيل» في الإبل «فَعيل» بمعنى مفعول، وهو ولدُ الناقةِ إذا فُصِل عن أمِّه، ولم تسمع هذه الكنية فيه ﵁ لا في الجاهلية ولا في الإسلام. ولعل هذا القائل ذهب إلى أنَّ «أبا بَكَرٍ» بالفتح في «أبي بَكْر» هو الفَتِيُّ من الإبل، بمنزلةِ الغلامِ من الإنسان، فوُضِع موضعَه الفَصِيل تلميحًا، والله أعلم. قوله: (ومادَّه في الأَجَل)، النهاية: المُدَّة: طائفةٌ مِن الزَّمانِ تقعُ على القليل والكثير، ومادَّ فيها، أي: أطالَها، وهي فاعَل من المدِّ، ومنه الحديث: «إن شاؤوا مادَدْناهم».
[ ١٢ / ٢٠٨ ]
على صحة النبوّة، وأن القرآن من عند الله؛ لأنها إنباء عن علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. وقرئ: (غلبهم) بسكون اللام. والغلب والغلب مصدران كالجلب والجلب، والحلب والحلب. وقرئ: (غلبت الروم) بالفتح، وسيغلبون، بالضم. ومعناه أن الروم غلبوا على ريف الشام وسيغلبهم المسلمون في بضع سنين. وعند انقضاء هذه المدّة أخذ المسلمون في جهاد الروم، وإضافة (غلبهم) تختلف باختلاف القراءتين، فهي في إحداهما إضافة المصدر إلى المفعول. وفي الثانية إضافته إلى الفاعل. ومثالها: (مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ)] البقرة: ٨٥ [، (وَلَنْ يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ)] الحج: ٤٧ [. فإن
_________________
(١) قوله: (وقرئ: «غَلَبَتِ الرُّومُ» بالفتح)، روى الترِّمذيُّ، عن أبي سعيد: لما كان يومُ بدرِ ظهرت الرُّوم على فارسَ، فأعجب ذلك [المؤمنين] فنزل: ﴿أَلَم*غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى قوله: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ*بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ قال: ففرح المؤمنون بظُهور الرُّوم على فارسَ. قال التَّرمذيُّ: وهكذا قرأَ نصرُ بن عليٍّ: «غَلَبَت». قال الزَّجاج: قرأ أبو عمرو وحدَه: «غَلبت الرُّوم» بفتح الغين، والمعنى على ﴿غُلِبَتِ﴾، وهي إجماع القرّاء، وذلك أن فارسَ كانت قد غلبتِ الرُّومَ في ذلك الوقت، فالرُّوم مغلوبة، فالقراءة ﴿غُلِبَتِ﴾. وقلت: التِّرمذيُّ من الثقات، والتَّوفيقُ بين الرِّوايتينِ أن يُقالَ: إنها نزلت مرَّتين، مرةً في مكَةّ؛ ﴿غُلِبَتِ﴾ بالضِّم، وأخرى يومَ بدرٍ؛ بالفتح. وتأويل الفتح ما ذَكَره المصنِّف أن الرُّومَ غَلبوا على رِيف الشّام، وسَيغلبهم المؤمنون في بضع سنين. والرِّيف: أرضٌ فيها زَرعٌ وخَصْب.
[ ١٢ / ٢٠٩ ]
قلت: كيف صحت المناحبة وإنما هي قمار؟ قلت: عن قتادة رحمه الله تعالى أنه كان ذلك قبل تحريم القمار. ومن مذهب أبى حنيفة ومحمد: أن العقود الفاسدة من عقود الربا وغيرها جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار. وقد احتجا على صحة ذلك بما عقده أبو بكر بينه وبين أبىّ بن خلف.
(مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) أى: في أوّل الوقتين وفي آخرهما حين غلبوا وحين يغلبون، كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين، وهو وقت كونهم مغلوبين. ومن بعد كونهم مغلوبين. وهو وقت كونهم غالبين، يعنى: أن كونهم مغلوبين أوّلًا وغالبين آخرًا ليس إلا بأمر الله وقضائه، (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ)] آل عمران: ١٤٠ [وقرئ: (من قبل ومن بعد) على الجرّ من غير تقدير مضاٍف إليه واقتطاعه. كأنه قيل:
_________________
(١) ـ قوله: (مِنْ قَبْلِ كَوْنهم غالبينَ)، وهو وقتُ كَونِهم مغلوبينَ ومِن بَعْدِ كونِهم مغلوبين، وهو وقتُ كونِهم غالبين؛ وذلك أنَّ كلاًّ مِن الوقتين، أَعني: وقتَ كَوْنِهم مغلوبين ووَقْتَ كَونِهم غالبين بالنِّسبة إلى الآخَرِ له اعتبارُ القَبْليَّةِ والبَعْديَّة، فأنَّ الرُّومَ كانوا في أوَّل الأمرِ مغلوبينَ، وفي ثاني الحالِ صاروا غالبينَ، فكَونهم مغلوبينَ قبلَ كونِهم غالبينَ، وكونهم غالبينَ بعدَ كونِهم مغلوبينَ، وذلك أن «قَبْل» و«بَعْد» من الغايات، فلا بدَّ من تقدير المضافِ إليه. قوله: (وقرئ: «مِنْ قَبْلِ ومِنْ بَعْدِ» على الجرّ)، قال الزَّجاجُ: «إنهم يُجيزون بالتَّنوين، وبعضُهم بغير التَّنوين، وهذا خطأٌ؛ لأنَّ «قَبْل» و«بَعْد» أصلُهما هاهنا الخفضُ، ولكن بُنِيَتا على الضمِّ؛ لأنَّهما غايتانِ، ومعنى الغايةِ أنَّ الكلمةَ حُذفت منها الإضافة وجُعلت غايةُ الكَلِمة ما بقيَ بعدَ الحَذْف، وإنما بُنِيَتا على الضَّمِّ؛ لأنَّ إعرابَهما في الإضافة النَّصْبُ والخفضُ ولا يُرفعان؛ لأنهما لا يُحدَّث عنهما، استُعملا ظرفَينْ، فلما عُدِلا عن بابهما حُرِّكا
[ ١٢ / ٢١٠ ]
قبلًا وبعدًا، بمعنى أوّلًا وآخرًا، وَ(يَوْمَئِذٍ) ويوم تغلب الروم على فارس، ويحل ما وعده الله ﷿ من غلبتهم (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) وتغليبه من له كتاب على من لا كتاب له. وغيظ من شمت بهم من كفار مكة. وقيل: نصر الله: هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم، وقيل: نصر الله أنه ولى بعض
_________________
(١) ـ بغير الحَركتين اللَّتينِ كنتا له يَدخلانِ بحقِّ الإعراب، وأما وجوبُ بنائهما وذهاب وإعرابهما فلأنَّهما عُرِّفا من غير جهةِ التَّعريف؛ لأنه حُذف منهما ما أُضيفتا إليه. وأما الخفضُ والتنوينُ فعلى جَعْلهما نَكرتَينِ، المعنى: للهِ الأمرُ مِنْ تَقَدُّمٍ ومِنْ تأخُّرٍ. وأما الكسر بلا تنوين، فذَكر الفرّاءُ أنه تُرك على ما كان عند الإضافة، واحتَجَّ بقوله: بين ذِراعَيْ وجبهَة الأسدِ وليس هذا القولُ مما يُعرَّج إليه؛ لأنَّ ذِكْرَ المضافِ إليه في البيت يَدلُّ على الآخَر. وقال مكيُّ: «قبلُ» و«بعدُ» بُنِيا؛ لأنَّهما تَعرَّفا بغير ما تتعرَّفُ به الأسماءُ؛ لأنَّ الأسماءَ تتعرف بالألفِ واللاّمِ، وبالإضافة إلى المعرفة، وبالإضمار ونحوها، وليس في «قبل» و«بعد» شيءٌ من ذلك، فلما تَعرَّفا بخلاف ما تتعرَّف به الأسماءُ- وهو حَذفُ ما أُضِيفَ إليهما- خالفا الأسماءَ وشابَها الحروفَ، فبُنِيَتا كما تُبنى الحروفُ، وإنّما بُنِيَتا على الضمِّ لمُشابهتِهِما المنادى المفرد، إذِ المُنادى يُعرب إذا أضيف. وقال بعضُهم: إنَّما بُنِيَا؛ لأنَّهما تعلَّقا بما بعدَهما فأَشْبَها الحروفَ إذ الحروفُ مُتعلِّقة بغيرها.
[ ١٢ / ٢١١ ]
الظالمين بعضًا وفرق بين كلمهم، حتى تفانوا وتناقصوا، وفل هؤلاء شوكة هؤلاء؛ وفي ذلك قوّة للإسلام. وعن أبى سعيد الخدري ﵁: وافق ذلك يوم بدر، وفي هذا اليوم نصر المؤمنون، (وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) ينصر عليكم تارةً وينصركم أخرى.
[(وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ)] ٦ - ٧ [
(وَعْدَ الله) مصدر مؤكد، كقولك: لك علىّ ألف درهم عرفًا: لأنّ معناه: أعترف لك بها اعترافًا، ووعد الله ذلك وعدًا؛ لأنّ ما سبقه في معنى (وعد). ذمّهم الله ﷿ بأنهم عقلاء في أمور الدنيا، بله في أمر الدين، وذلك أنهم كانوا أصحاب تجاراٍت ومكاسب. وعن الحسن: بلغ من حذق أحدهم أنه يأخذ الدرهم فينقره بإصبعه، فيعلم أرديء هو أم جيد. وقوله: (يَعْلَمُونَ) بدل من قوله: (لا يَعْلَمُونَ) وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه، وجعله بحيث يقوم مقامه ويسدّ مسدّه، ليعلمك أنه
_________________
(١) قوله: (وفي هذا الإبدالِ من النُّكتة) إلى آخره، إرشادٌ إلى طريق استنباط المعاني الفائقةِ منَ العُدول عن مقتضى الظاهرِ واجتِنَاءِ ثمراتِ المَزايا من فُنون الكِناياتِ، وذلك أنَّ الأصلَ: ولكنّ أكثر الناس يعلمون ظاهرَ ما يتعيَّشون به في الدُّنيا من التِّجارات والمكاسب، ولا يعلمون باطِنَها من تجاراتِ الآخرةِ والفوزِ بالفلاح، فوُضِع ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ - هو مطلَقٌ، فيُفيد سَلْبَ العلم رأسًا- موضِعَ ﴿يَعْلَمُونَ﴾، ونُكِّر ﴿ظَاهِرًا﴾ ووُضِع موضِعَ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بإظهارِ قوله: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾؛ ليُفيدَ تلك الفوائدَ. وقلت: الَاوْلى أن يُقالَ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ «وَعْدَ الله حقٌ»، وأنَّ «لله
[ ١٢ / ٢١٢ ]
لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا. وقوله: (ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا) يفيد أن للدنيا ظاهرًا وباطنًا، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها. وباطنها وحقيقتها أنها مجاز إلى الآخرة: يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة. وفي تنكير الظاهر: أنهم لا يعلمون إلا ظاهرًا واحدًا من جملة ظواهرها. و(هم) الثانية يجوز أن يكون مبتدأ. و(غافِلُونَ) خبره، والجملة خبر (هم) الأولى، وأن يكون تكريرًا للأولى، و(غافلون) خبر الأولى. وأية كانت فذكرها مناٍد على أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرّها ومعلمها، وأنها منهم تنبع وإليهم ترجع.
_________________
(١) الأمرَ من قبلُ ومن بعدُ»، وأنَّه ينصرُ المؤمنينَ على الكافرين، ويَقذفُ بالحقِّ على الباطلِ فيَدمغُه؛ ليكونَ الدِّينُ كلُّه لله؛ لأنَّهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدُّنيا كما قالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، وهم عن أسرار الله- من أنَّه تعالى ما خَلَق الخلقَ للَّهوِ واللَّعِبِ، بل خَلَقهم لِيَعرفُوه ويعبدُوه ويتزوَّدوا لدارِ القرارِ- غافلون كما قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢]. ومِنْ ثَمَّ أَتبَع ذلك بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الروم: ٨] وخَتَمه بقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ والنّاسُ النّاسُ، فعلى هذا ﴿يَعْلَمُونَ﴾ الجملة استئنافيةٌ لبيانِ مُوجِب جَهْلِهم بوَعْد الله، واللهُ أعلم. قوله: (ومَعلَمها)، الأساس: يقول: هو مَعلَمُ الخيرِ، مِنْ مَعالِمِه؛ أي: من مَظانِّه، وخَفِيت معالمُ الطريقِ؛ أي: آثارُها. قوله: (وأنَّها منهم تَنْبعُ وإليهم ترجعُ)، أي: مصدرُها عنهم ومَورِدُها إليهم، وذلك أن «هم» الأوَّلَ دلَّ على الاختصاص؛ أي: هم الغافلون لا غيرهم، والثاني على التأكيدِ؛ أي:
[ ١٢ / ٢١٣ ]
[(أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ الله السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ)] ٨ [
(فِي أَنْفُسِهِمْ) يحتمل أن يكون ظرفًا، كأنه قيل: أو لم يحدثوا التفكر في أنفسهم، أى: في قلوبهم الفارغة من الفكر، والتفكر لا يكون إلا في القلوب، ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين، كقولك: اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك، وأن يكون صلة للتفكر، كقولك: تفكر في الأمر وأجال فيه فكره. و(ما خَلَقَ) متعلق بالقول المحذوف، معناه: أو لم يتفكروا فيقولوا هذا القول. وقيل: معناه: فيعلموا، لأنّ في الكلام دليلًا عليه، (إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى) أى: ما خلقها باطلًا وعبثًا بغير غرٍض صحيٍح وحكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة: وإنما خلقها مقرونةً بالحق مصحوبة
_________________
(١) ـ هم الذين استقرَّ وثبتَ فيهم الغَفْلةُ بالتَّحقيق، فبالاعتبار الأوَّل يُعلمُ أنَّ ليس للغَفْلة محلٌّ سِواهم، وأنها إليهم ترجعُ، وبالثاني تحقَّق أنهم مَعْدِن الغَفْلة ومَعْلَمُها ومَقَرُّها، ومنهم تَنبعُ. قوله: (وقيل: معناه: فيَعلموا، لأنّ في الكلام دليلًا عليه)، أي: على تقدير (فيَعلَموا)؛ لأنَّ العلمَ نتيجةُ الفِكْرِ. قوله: (بغير غَرَضٍ صحيحٍ)، مذهبُه، جَعَلَ الحقَّ في مقابل الباطِل، وفسَّره بالعَبَث، والعبثُ: أن لا يكونَ في الخَلْق فائدةٌ، ولمّا عُلم أنَّ الفائدةَ غيرُ راجعةٍ إلى الله بل إلى المكلَّفين، يجبُ أن يُقالَ: ما خَلَقها إلاّ بأنْ تكونَ مساكنَ المكلَّفين ومسارحَ نَظَرِ المتفكِّرين؛ ليعرفُوه فيعبُدوه. فلا يُقالُ: لغرض صحيح؛ لئلاّ يُوهم النُّقصان. قوله: (ولا لتبقى خالدة وإنَّما خَلَقها مقرونةً بالحقِّ) إلى آخره، مَشعرٌ بأنَّ قولَه: ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: ﴿بِالحَقِّ﴾، ولذلك استَشهد بقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وذلك أنَّ هذا في حقِّ مُنكِري البعثِ، بدليل تَعْقيبه بقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ تقريعًا وتوبيخًا.
[ ١٢ / ٢١٤ ]
بالحكمة، وبتقدير أجٍل مسمى لا بد لها من أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة، ووقت الحساب والثواب والعقاب. ألا ترى إلى قوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ)] المؤمنون: ١١٥ [كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثًا. والباء في قوله: (إِلَّا بِالْحَقِّ) مثلها في قولك: دخلت عليه بثياب السفر، واشترى الفرس بسرجه ولجامه، تريد: اشتراه وهو ملتبس بالسرج واللجام، غير منفك عنهما. وكذلك المعنى ما خلقها إلا وهي ملتبسة بالحق مقترنة به، فإن قلت: إذا جعلت (فِي أَنْفُسِهِمْ) صلة للتفكر، فما معناه؟ قلت: معناه: أو لم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ما عداها، فيتدبروا ما أودعها الله ظاهرًا وباطنًا من غرائب الحكم الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بد لها من انتهاٍء إلى وقٍت يجازيها فيه الحكيم الذي دبر أمرها على الإحسان إحسانًا وعلى الإساءة مثلها، حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك؛ أمرها جاٍر على الحكمة والتدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت، والمراد بلقاء ربهم: الأجل المسمى.
[(أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)] ٩ [
(أَوَ لَمْ يَسِيرُوا) تقرير لسيرهم في البلاد ونظرهم إلى آثار المدمّرين من عاٍد وثمود
_________________
(١) ـ قوله: (حتى يَعلموا عند ذلك أنَّ سائرَ الخَلائق كذلك) قال القاضي: لأنَّ نَفْسَ الإنسان مرآةٌ يتجَلّى للمُستَبصِر فيها ما يَتجلّى له في المُمْكِنات بأسرها، فإذا تفكَّر فيها تحقَّق له قُدرةُ مُبدِعِها على إعادتها كما أَبدأَها.
[ ١٢ / ٢١٥ ]
وغيرهم من الأمم العاتية، ثم أخذ يصف لهم أحوالهم وأنهم (كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ) وحرثوها قال الله تعالى: (لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ)] البقرة: ٧١ [، وقيل لبقر الحرث: المثيرة. وقالوا: سمى ثورًا لإثارته الأرض. وبقرة؛ لأنها تبقرها؛ أى تشقها، (وَعَمَرُوها) يعنى أولئك المدمّرون (أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها) من عمارة أهل مكة، وأهل مكة: أهل واٍد غير ذى زرع، ما لهم إثارة أرٍض أصلًا ولا عمارة لها رأسًا فما هو إلا تهكم بهم، وبضعف حالهم في دنياهم؛ لأنّ معظم ما يستظهر به أهل الدنيا ويتباهون به أمر الدهقنة، وهم أيضًا ضعاف القوى، فقوله: (كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) أى: من عاٍد وثمود وأضرابهم من هذا القبيل، كقوله: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً)] فصلت: ١٥ [وإن كان هذا أبلغ؛ لأنه خالق القوى والقدر. فما كان تدميره إياهم ظلمًا لهم، لأنّ حاله منافية للظلم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث عملوا ما أوجب تدميرهم.
[(ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ الله وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ)] ١٠]
_________________
(١) قوله: (من هذا القبيل) خبرٌ لقولِه: «فقوله وقوله»؛ أي: أراد بقوله: «من هذا القَبِيل» قَبِيلَ التَّهكُّم في قوله: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ يريد أنه كما أسنَدَ العِمَارةَ إلى أهل مكّةَ وهم أهلُ وادٍ غيرِ ذي زرعٍ تهكُّمًا بهم. كذلك نَسَب إليهم القُوَّةَ في قوله: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ حيث شارَكَهم مع عادٍ وثمودَ في القوَّة وهم ضِعافُ القُوى تَهكُّمًا، وعلى التَّهكُّم وَرَد قولُه تعالى: ﴿وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فُصِّلَت: ١٥]، وإن كان هذا في التَّهكُّم أبلغ؛ لأنَّه لا يُتصوَّر التَّفاوُتُ بينَ البَشَرِ في القوَّةِ. قال صاحبُ: «الفرائد»: يُمكن أن يكونَ المرادُ من العِمارةِ الأَبنيةَ من الدُّور والقُصور والحُصون، فعلى هذا لم يكن تَهكُّمًا. قلت: أين يذهب عليه قولُه تعالى: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾.
[ ١٢ / ٢١٦ ]
قرئ (عاقبة) بالنصب والرفع. و(السُّواى) تأنيث الأسوأ وهو الأقبح، كما أنّ الحسنى تأنيث الأحسن. والمعنى: أنهم عوقبوا في الدنيا بالدمار، ثم كانت عاقبتهم السوأى؛ إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر، أى: العقوبة التي هي أسوأ
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: ﴿عَاقِبَةَ﴾ بالنَّصب والرفع) نافعٌ وابنُ كثير وأبو عمروٍ: بالرفع، والباقون: بالنَّصب. قوله: (ثم كانت عاقبتُهم السُّوأى) تقريرٌ لقراءة الرَّفعِ، ووُضع ﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ موضعَ الضَّمير لبيان العلَّة، ثم أُضِيف إليه اسمُ ﴿كَانَ﴾، والخبرُ» السوأي «، وكذا على الوجه الثاني، لكنَّ ﴿السُّوَأي﴾ داخلٌ في حيِّز الصِّلةِ، والخبرُ مقدَّرٌ، ولم يَذكر وَجْهَ قراءة النَّصب. قال أبو البقاء: مَن نَصَب ﴿الْعاقِبَةَ﴾ جعلها خبرَ «كان»، والاسمُ ﴿السُّوأَى﴾ أو ﴿أَن كَذَّبُوا﴾. ويجوز أن يكون ﴿أَن كَذَّبُوا﴾ بَدَلًا من ﴿السُّوأَى﴾ أو خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، و﴿السُّوأَى﴾ فُعلى؛ تأنيث الأَسوأ، صفة مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: «أساؤوا الإساءةَ السُّوأي»، وإن جعلتَها اسمًا أو خبرًا كان التقديرُ: «العقوبة السّوأي»؛ أي: الفعلة السُّوأي. قال صاحب «الفرائد»: على تقدير قراءةِ النَّصب هو الخبرُ، والاسمُ ﴿أَن كَذَّبُوا﴾ المعنى: كان عاقبةُ الذين فَعَلُوا الفِعْلةَ السَّوأي؛ أي: التَّكذيب؛ أي: لقّاهم شؤم أفعالهم في الكُفر؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٧]، فعلى هذا ليس المُظْهَرُ واقعًا مَوقِعَ المُضمَرِ، بل هو كلامٌ يَدخل فيه المَذكورون. وقلت: لا بدَّ منَ القولِ بوضع المُظْهَرِ موضعَ المُضمَرِ؛ لأنَّ ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا للاستبعاد؛
[ ١٢ / ٢١٧ ]
العقوبات في الآخرة، وهي جهنم التي أعدّت للكافرين. و(أَنْ كَذَّبُوا) بمعنى: لأن كذبوا، ويجوز أن تكون (أن) بمعنى: أى؛ لأنه إذا كان تفسير الإساءة التكذيب والاستهزاء؛ كانت في معنى القول، نحو: نادى. وكتب، وما أشبه ذلك. ووجه آخر: وهو أن يكون (أَساؤُا السُّواى) بمعنى اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايا، و(أَنْ كَذَّبُوا) عطف بياٍن لها، وخبر (كان) محذوف كما يحذف جواب (لما) و(لو)؛ إرادة الإبهام.
[(الله يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)] ١١ [
(ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أى: إلى ثوابه وعقابه
_________________
(١) ـ كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] يعني: أيقظناهم من غَفْلتهم بقولنا: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ودَلَلْناهم على طريق الإيقاظ. والعِبْرةُ بقولنا: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾؛ لِيُقلعوا عمّا كانوا عليه منَ العِنَاد والتَّكذيب، ثمَّ بعدَ ذلك لم يكن عاقبتُهم إلاّ الفَعْلةَ السَّوأي والتَّكذيب، والله أعلم. قال القاضي: وُضِع الظّاهرُ مَوضِعَ المُضمَر للدَّلالة على أنَّ ما اقتَضى أن تكونَ تلك عاقبتَهم هو أفعالُهم السّوأي، بمعنى اقتَرفوا الخطيئةَ. فعلى هذا: الإساءةُ أعمُّ من أن تكون قوليةً أو فعليةً، وعلى أن تكون «أن» مفسِّرة يجب أن تكونَ قوليَّةً لا فعليةً؛ ليصحَّ جَعْلُها بمعنى القولِ، وإليه الإشارةُ بقوله: «تفسير الإساءة التكذيب والاستهزاء».
[ ١٢ / ٢١٨ ]
وقرئ بالتاء والياء.
[(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ)] ١٢ - ١٣ [
الإبلاس: أى يبقى بائسًا ساكنًا متحيرًا. يقال: ناظرته فأبلس إذا لم ينبس ويئس من أن يحتجّ. ومنه الناقة المبلاس التي لا ترغو. وقرئ "يبلس" بفتح اللام، من أبلسه إذا أسكته، (مِنْ شُرَكائِهِمْ) من الذين عبدوهم من دون الله (وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ) أى: يكفرون بإلهيتهم ويجحدونها. أو: وكانوا في الدنيا كافرين بسببهم
_________________
(١) قوله: (قرئ بالياء والتاء) أي: ﴿تُرْجَعُونَ﴾، قرأ أبو بكر وأبو عمروٍ: بالياء التَّحتانية، والباقون: بالتاء. اعلَمْ أنَّه تعالى لمّا استَبعدَ فِعْلتَهم السوأي جاء بالوعيد والتَّهديد، يعني: لا بدَّ من الرُّجوع إلى القادر العظيمِ الشأنِ الذي بدأَ خَلقَكُم ثم يُعيدكم، فعند ذلك لا مجالَ للتَّكذيب، بل تَبْقون آيسِينَ ساكتينَ متحيِّرين، فوَضَعَ المجرمين في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ موضعَ الضَّميرِ، يدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾. قوله: (وقرئ «يَبْلَسُ» بفتح اللام)، وهو بعيدٌ؛ لأنَّ «أَبْلَسَ» لا يُستعمل متعدِّيًا، ومخرجه أن يكونَ أقام المصدرَ مقامَ الفاعِلِ وحَذَفه، وأقام المضافَ إليه مقامَه؛ أي: «يُبْلس إبلاسَ المجرمين».
[ ١٢ / ٢١٩ ]
وكتب (شفعواء) في المصحف بواٍو قبل الألف، كما كتب (علمؤا بنى إسرائيل)] الشعراء: ١٩٧ [، وكذلك كتبت (السوأى) بألٍف قبل الياء؛ إثباتًا للهمزة على صورة الحرف الذي منه حركتها.
[(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ)] ١٤ - ١٦ [
الضمير في (يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) للمسلمين والكافرين، لدلالة ما بعده عليه. وعن الحسن ﵁: هو تفرّق المسلمين والكافرين: هؤلاء في عليين، وهؤلاء في أسفل السافلين. وعن قتادة ﵁: فرقة لا اجتماع بعدها، (فِي رَوْضَةٍ) في بستان، وهي الجنة. والتنكير لإبهام أمرها وتفخيمه. والروضة عند العرب: كل أرٍض ذات نباٍت وماء. وفي أمثالهم: أحسن من بيضةٍ في روضة، يريدون: بيضة النعامة. (يُحْبَرُونَ) يسرون. يقال: حبره؛ إذا سرّه سرورًا تهلل له وجهه، وظهر فيه أثره، ثم اختلفت فيه الأقاويل؛ لاحتماله وجوه جميع المسارّ؛ فعن مجاهد ﵁:
_________________
(١) ـ قوله: (وكتب ﴿شُفَعَاءُ﴾ في المصحف بواوٍ قَبْل الألفِ …، و﴿السُّوأَى﴾ بألفٍ قَبل الياء؛ إثباتًا للهمزة على صُورة الحرف الذي منه حركتُها) قال صاحب «التقريب»: وفيه نظرٌ، إذِ الثانيةُ لا تختصُّ بالمصحفِ، بل هو قياس الخطِّ، وذلك العذرُ لا يستمرُّ في الأُولى، إذ مُقتضاه تأخيرُ الواو عن ألف ﴿شُفَعَاءُ﴾. قوله: (تَهلَّل له وجهُه وظَهر فيه أثرُه)، الراغب: الحِبْرُ: الأثرُ المُستَحسَن، ومنه ما روى: «يَخرجَ مِن النّارِ رَجُلٌ ذهبَ جِبْرُه وسِبْرُه»؛ أي: جمالُه وبهاؤه. ومنه سمِّي الحَبُرْ، وشاعر
[ ١٢ / ٢٢٠ ]
يكرمون، وعن قتادة: ينعمون. وعن ابن كيسان: يحلون وعن أبى بكر بن عياش: التيجان على رءوسهم. وعن وكيع: السماع في الجنة. وعن النبىّ ﷺ: أنه ذكر الجنة وما فيها من النعيم، وفي آخر القوم أعرابىّ فقال: يا رسول الله، هل في الجنة من سماع؟ قال: «نعم يا أعرابى، إنّ في الجنة لنهرًا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خوصانية، يتغنين بأصواٍت لم تسمع الخلائق بمثلها قط، فذلك أفضل نعيم الجنة». قال الراوي: فسألت أبا الدرداء: بم يتغنين؟ قال: بالتسبيح. وروى: «إنّ في الجنة لأشجارًا عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحًا من تحت العرش؛ فتقع في تلك الأشجار، فتحرّك تلك الأجراس بأصواٍت لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربًا»، (مُحْضَرُونَ) لا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم، كقوله: (وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها)] المائدة: ٣٧ [، (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ)] الزخرف: ٧٥ [.
[(فَسُبْحانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ)] ١٧ - ١٩ [
_________________
(١) محبِّر، وشعر مُحبَّر، وثوبٌ حَبِير محسَّنٌ، والحَبْر: العالم؛ لما يبقى من أثر علومهم في قلوب الناس، ومن آثار أفعالهِم الحَسَنةِ المقتدى بها، وإليه أشار عليٌّ ﵁ بقوله: العلماءُ باقون ما بقيَ الدهرُ، أعيانُهم مفقودةٌ، وآثارُهم في القلوب موجودةٌ. وقولُه تعالى: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أي: يفرحون حتّى يظهر عليهم حَبارُ نَعِيمِهم. قوله: (من كل بيضاء خُوْصانيةٍ) مشابهةٌ بخُوص النَّخل؛ أي: وَرَقه في اللِّين والرِّقة، وقيل: رقيقه الخضر. الأساس: هَضبة خَوْصاء: مرتفعة.
[ ١٢ / ٢٢١ ]
لما ذكر الوعد والوعيد، أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجى من الوعيد، والمراد بالتسبيح ظاهره الذي هو تنزيه الله من السوء، والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما يتجدّد فيها من نعمة الله الظاهرة. وقيل: الصلاة. وقيل لابن عباس ﵄: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، وتلا هذه الآية. (تُمْسُونَ) صلاتا المغرب والعشاء، و(تُصْبِحُونَ) صلاة الفجر، (وَعَشِيًّا) صلاة العصر. و(تُظْهِرُونَ) صلاة الظهر. وقوله: (وَعَشِيًّا) متصل بقوله: (حِينَ تُمْسُونَ)، وقوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) اعتراض بينهما. ومعناه:
_________________
(١) ـ قوله: (لما ذكر الوَعْدَ والوَعِيدَ أتبعَه ذِكْرَ ما يُوصِل إلى الوَعْد ويُنجِّي منَ الوعيدِ) بيانٌ لاتصال ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ الآية بالآياتِ السابقة. وفيه أنَّ الفاءَ فيه جزاءُ شرطٍ محذوفٍ، وأنَّ قولَه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ تفصيلٌ لما أجملَ في قوله تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: إذا كان الأمر كما تقرَّر فاستعدُّوا لما تَسعَدوا به في ذلك اليوم وتَفُوزوا برَوْضات الجِنَانِ، وبما تتخلّصوا به من الشَّقاوة الأبديَّةِ والحُضورِ في دَرَكاتِ النِّيرانِ، وهو استغراقُ الأوقاتِ في ذِكْر الله وطاعاتِه التي أوجَبَها عليكم، وفي النِّداء على الجميل لما أَوْلَيناكم من نعمة الإرشاد إلى الفلاح والنَّجاة. ثم بيَّن على طريق الاستئناف مُوجِبَ التَّسبيح والتّحميد لله ﷿ بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ إلى آخر الآيات الدّالَّةِ على الفَرْدانيَّة، وعلى اختصاصِه بالعُبوديَّة؛ أي: اعبُدوه واحمَدُوه؛ لأنَّه يُحيي ويُميت، وله الآياتُ الباهرةُ المتظاهرةُ، فظهَر من هذا البيانِ أنَّ المصدرَ أُنيب مَنابَ الأمرِ، ورَجَح به تأويلُ حَبْر الأُمَّة ﵁ من إيجاب الصَّلواتِ الخمسِ بإشارة النَّصِّ، والله أعلم.
[ ١٢ / ٢٢٢ ]
إنّ على المميزين كلهم من أهل السماوات والأرض أن يحمدوه. فإن قلت: لم ذهب الحسن ﵀ إلى أنّ هذه الآية مدنية؟ قلت: لأنه كان يقول: فرضت الصلوات الخمس بالمدينة، وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقٍت معلوم. والقول الأكثر: أنّ الخمس إنما فرضت بمكة. وعن عائشة ﵂: فرضت الصلاة ركعتين، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أقرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. وعن رسول الله ﷺ: «من سره أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) الآية. وعنه ﵇: «من قال حين يصبح (فَسُبْحانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ)
_________________
(١) ـ قوله: (إن على المميِّزين كلِّهم من أهل السَّماوات والأرضِ أن يَحمَدُوه) فيه معنى الوُجوب، وذلك أنَّ الاعتراضَ تأكيدٌ لمعنى المعتَرض فيه، ولما دلَّ ذلك على وُجوب الصَّلوات على المميِّزين لقول ابن عباس، كان التأكيدُ مِثْلَ المؤكَّد، وكما أن يعبَّر عن الصَّلاة بالتَّسبيح لأنها مشتملةٌ عليه، جاز أن يُعبَّر عنها بالتَّحميد لذلك. قوله: (أنّ الخَمْسَ إنّما فُرضت بمكَّةَ) وهو الصَّحيحُ لحديث المِعْراج، مُراجعة رسول الله ﷺ مع موسى عليه سلام على ما رواه البخاريُّ ومسلمٌ والنسائيُّ، عن أنسٍ في آخِره: «يا محمدٌ، إنَّهنَّ خَمسُ صَلَواتٍ كلَّ يومٍ وليلَةٍ» الحديثَ. قوله: (فُرضتِ الصَّلاةث ركعتَين) روينا عن البخاريِّ ومسلمٍ ومالكٍ وأبي داودَ والنسائيِّ، عن عائشة ﵂ قالت: فَرضَ اللهُ الصَّلاةَ حينَ فَرضَها رَكعتينِ ركعتين في الحَضَر والسَّفرِ، فأُقِرَّت صلاةُ السَّفرِ، وزِيدَ في صلاةِ الحَضَرِ. وفي أخرى قالت: فُرضتِ الصَّلاةُ رَكعتينِ، ثمَّ هاجرَ رسولُ الله ﷺ فَفُرضت أربعًا، وتُرِكَت صَلاةُ السَّفرِ على الفَريضة الأُولى. قولُه: (من قال حين يُصبح: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الحديثَ بتمامِه أخرجَه
[ ١٢ / ٢٢٣ ]
إلى قوله: (وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ) أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسى أدرك ما فاته في ليلته، وفي قراءة عكرمة: (حينا تمسون وحينا تصبحون)، والمعنى: تمسون فيه وتصبحون فيه، كقوله: (يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا)] البقرة: ٤٨ [بمعنى: فيه، (الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) الطائر من البيضة، و(الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ): البيضة من الطائر. وإحياء الأرض: إخراج النبات منها (وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ) ومثل ذلك الإخراج تخرجون من القبور وتبعثون. والمعنى: أنّ الإبداء والإعادة متساويان في قدرة من هو قادر على الطرد والعكس؛ من إخراج الميت من الحىّ وإخراج الحي من الميت وإحياء الميت وإماتة الحي.
وقرئ: (الميت) بالتشديد، و(تخرجون) بفتح التاء.
[(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)] ٢٠ - ٢١ [
(خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ)
_________________
(١) أبو داودَ عن ابن عبّاسٍ. قوله: (وقرئ: ﴿الْمَيِّتِ﴾ بالتَّشديد) نافعٌ وحفصٌ وحمزةُ والكسائيُّ، و«تَخْرُجون» بفتح التاء: حمزة والكسائي.
[ ١٢ / ٢٢٤ ]
لأنه خلق أصلهم منه. و(إِذا) للمفاجأة. وتقديره: ثم فاجأتم وقت كونكم بشرًا منتشرين في الأرض. كقوله: (وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً)] النساء: ١ [، (مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا)؛ لأن حوّاء خلقت من ضلع آدم ﵇، والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال، أو من شكل أنفسكم وجنسها، لا من جنس آخر، وذلك لما بين الاثنين من جنس واحد من الإلف والسكون، وما بين الجنسين المختلفين من التنافر، (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ) التوادّ والتراحم بعصمة الزواج، بعد أن لم تكن بينكم سابقة معرفة، ولا لقاء، ولا سبب يوجب التعاطف من قرابة أو رحم. وعن الحسن ﵁: المودة كناية عن الجماع، والرحمة عن الولد، كما قال: (وَرَحْمَةً مِنَّا)] مريم: ٢١ [، وقال: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ)] مريم: ٢ [. ويقال: سكن إليه، إذا مال إليه،
_________________
(١) قوله: (لأنَّه خَلَق أصلَهم منه)، أي: إنَّما صحَّ الخطابُ للخَلْق بقوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ لذلك، والمعنى: خَلَق أصلَكم من تُرابٍ ليتَّصلَ به قولُه: ﴿ثُمَّ﴾؛ أي: ثُمَّ فاجأتُم وقتَ كونِكُم بَشَرًا، و﴿ثُمَّ﴾ للتَّرَاخي في الرُّتبة لا في الزَّمان، فإنَّ المفاجأةَ تدفعُه. قوله: (كقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]) وَجهُ التَّشبيه أنَّ قولَه: ﴿أَنتُم﴾ مبتدأٌ، و﴿بَشَرٌ﴾ جنسٌ وقع خبرًا له، و﴿تَنتَشِرُونَ﴾ صفةٌ لـ ﴿بَشَر﴾، فـ ﴿بَشَرٌ﴾ مِثلَ قولِه: ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]، و﴿تَنتَشِرُونَ﴾ مثل قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ [النساء: ١]. قال صاحب «المطلع»: ثم إذا أنتُم خلقٌ كثيرٌ من لحمٍ ودَمٍ تَنبسطونَ في الأرضِ. قوله: (كما قال: ﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾)، أي: في قوله تعالى: ﴿لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً﴾ [مريم: ٢١]، والمراد بالرَّحمة: عيسى ﵇. قوله: (﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ﴾ [مريم: ٢] وتقريرُه: أنَّ ﴿ذِكْرُ﴾ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، وهو مصدرٌ مضافٌ إلى المفعولِ، و﴿عَبْدَهُ﴾ مفعولُ ﴿رَحْمَتِ﴾ و﴿﴾ بَدَلٌ مِنْ ﴿عَبْدَهُ﴾، و﴿إِذْ نَادَى﴾ ظرفٌ لـ ﴿رَحْمَتِ﴾ أو لـ ﴿ذِكْرُ﴾؛ أي: هذا إنَّ ذِكْرَ ربِّك رحمتَه
[ ١٢ / ٢٢٥ ]
كقولهم: انقطع إليه، واطمأن إليه، ومنه السكن. وهو الإلف المسكون إليه. فعل بمعنى مفعول. وقيل: إن المودة والرحمة من قبل الله، وإن الفرك من قبل الشيطان.
[(وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ)] ٢٢ [
الألسنة: اللغات، أو أجناس النطق وأشكاله. خالف عزّ وعلا بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همٍس واحد، ولا جهارة، ولا حدّة، ولا رخاوة، ولا فصاحة، ولا لكنة، ولا نظم، ولا أسلوب، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله، وكذلك الصور وتخطيطها، والألوان وتنويعها، ولاختلاف ذلك وقع التعارف، وإلا فلو اتفقت وتشاكلت، وكانت ضربًا واحدًا لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصالح كثيرة، وربما رأيت توأمين يشتبهان في الحلية، فيعروك الخطأ في التمييز بينهما، وتعرف حكمة الله في المخالفة بين الحلىّ؛ وفي ذلك آية بينة؛ حيث ولدوا من أٍب واحد، وفرّعوا من أصٍل فذ، وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون متفاوتون
_________________
(١) ـ لعَبدِه زكريا وَقْتَ طَلَبَه الولدَمن ربِّه. هذا يُفهم من تقديرِ أبي البقاء، فعلى هذا: الرحمةُ هي الولدُ. قوله: (وإنَّ الفِرْكَ من قِبَل الشَّيطانِ) الفِرْك: بُغْضُ أحدِ الزَّوجين للآخَر. قوله: (فيَعْروك الخطأُ في التَّمييز بينهما) أي: يُغشيك. الجوهريُّ: عَراني هذا الأمرُ واعتَراني: إذا غَشِيكَ.
[ ١٢ / ٢٢٦ ]
وقرئ: (للعالمين) بفتح اللام وكسرها، ويشهد للكسر قوله تعالى: (وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ)] العنكبوت: ٤٣ [.
[(وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)] ٢٣ [
هذا من باب اللفّ، وترتيبه: ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، إلا أنه فصل بين القرينين الأوّلين بالقرينين الآخرين. لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيٍء واحد، مع إعانة اللفّ على الاتحاد. ويجوز أن يراد: (منامكم) في الزمانين، (وابتغاءكم) فيهما،
_________________
(١) قوله: (وقرئ: ﴿لِّلْعَالِمِينَ﴾ بفَتْح اللاّمِ وكَسْرها) بالكسر: حفصٌ وحدَه، والباقون: بفتحها. قوله: (فَصَلَ بينَ القرينَينِ الأوَّلَين) أي: ﴿مَنَامُكُم﴾ و﴿وَابْتِغَاؤُكُم﴾ (بالقرينَين الآخِرَينِ) أي: ﴿اللَّيْلِ﴾ و﴿النَّهَارِ﴾. وإنّما جاز ذلك؛ لأنَّ الليلَ والنهارَ ظرفانِ، والوقعان فيهما المنامُ والابتغاءُ، والظرفُ والمظروف كشيء واحدٍ، فلا فَصْلَ بالأجنبيِّ. ومعنى قولِه: (مع إعانة اللَّفٍّ على الاتِّحادِ) هو أن اللَّف يُعين السامعَ على أن يَرُدَّ كلَّ واحد من القرينينِ إلى مآلهِ، ويَتَّحد به من النشر. قوله: (﴿مَنَامُكُم﴾ في الزَّمانينِ ﴿وَابْتِغَاؤُكُم﴾ فيهما) فعلى هذا: لا يكون من باب اللَّفِّ، بل من المُقابلةِ، فحذَفَ في إحدى المتقابلينِ ما يُقابل الآخَر لدلالةِ التَّقابُلِ، قال: عجبتُ لهم إذ يَقتُلونَ نُفوسَهم … ومقتَلُهم عندَ الوَغى كانَ أعذَرا
[ ١٢ / ٢٢٧ ]
والظاهر هو الأول لتكرّره في القرآن، وأسدّ المعاني ما دل عليه القرآن يسمعونه بالآذان الواعية.
[(وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)] ٢٤ [
في (يُرِيكُمُ) وجهان: إضماران، وإنزال الفعل منزلة المصدر،
_________________
(١) أي: يقتلون نفوسَهم عند السِّلم، فحُذف لدلالة الوَغَى في المشطور الثاني عليه. قوله: (لتكرُّره في القرآن) نحو قولِه تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، وقولِه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠، ١١]، وغيرها. قوله: (إضمارانِ، وإنزالُ الفعل منزلةَ المصدرِ) هو بيانٌ لقوله: «وجهانِ»، أمّا قولُه: «وبهما فُسّر المَثَل: «تَسْمعَ بالمُعَيديِّ خيرٌ مِنْ أنْ تَراه»، وقول القائلِ»، فيَحتمل وجهَيْن: أحدهما: أن يُرادَ اللَّفُّ والنَّشْرُ، وعليه ظاهرُ كلام صاحب «اللُّباب»؛ حيث قال نحو: «تَسمعُ بالمُعيديِّ خيرٌ مِنْ أن تَراه» محمولٌ على حذف «أنْ» مثلها في قوله: ألا أَيّهذا اللاّئمِي أحضُرَ الوَغى فيمَن روى مرفوعًا، أو على تنزيل الفعل منزلةَ المصدرِ، مثلُه في قوله: وقالواما تشاءُ فقلتُ أَلْهُو وثانيهما: أن يكونا مثالين، لكن البيت لا يساعد عليه على ما ذهب إليه الشارحُ.
[ ١٢ / ٢٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ قال: ونحوُ «تَسمعُ بالمُعَيديِّ خيرٌ مِنْ أن تَراهُ» محمولٌ على حذف «أنْ»، أو على تنزيل الفعل منزلةَ المصدر، مِثْلُه في قوله: «وقالوا ما تشاء»، أي: «سماعُك بالمُعِيديِّ»، كما كان الفعلُ منزّلًا منزلةَ المصدرِ في قوله: «فقلت أَلْهُو». وثالثهما: أن يكونا مثالَيْن، لكن البيت لا يُساعِدُ عليه على ما ذهب إليه الشارح، قال: «وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه» محمول على حذف «أنْ» أو على تنزيل الفعل منزلة المصدر، أي: الفعل «سماعك بالمعيدي»، كما كان الفعل منزلًا منزلة المصدر في قوله: «فقلت ألهو» وهو متعيُنِّ فيه؛ لأنَّ معنى قوله: «ما تشاء»: أيُّ شيءٍ تشاءُ، فهو سؤال عن مفردٍ؛ لأنَّ «ما» مفردٌ، وهو مفعول «تشاء» مقدَّمًا، فحقُّه أن يُجابَ بالمفرد، و«أَلْهو» جملة منزَّلةٌ منزِلةَ المفرد ليكونَ مطابقًا للمسؤولِ عنه. فإن قلت: لو حُمل على حذف «أنْ» لكان أيضًا بتقدير مفردٍ، فَلِمَ لمْ يُحمل عليه؟ قلت: لأنَّ قولَه: «ما تشاء» سؤالٌ عمّا تشاؤه في الحال ظاهرٌ، كما إذا قلتَ: ما تريدُ؟ أي: الآنَ، فلو قُدِّر: «أن أَلْهُو» لكان مستقبَلًا، فكأنَّه سأله عمّا يشاؤه في الحال، فأجابَه بما يشاؤه في المستقبل لا في الحال، فلا ظاهرًا، فلذلك حَملَه على المصدر بدون حذف «أنْ»؛ لأنَّ «أنْ» عَلَمٌ للاستقبال، وفيه بحثٌ، وهو ما ذَكَره الإمامُ عند قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ قال: قال تعالى هاهنا: ﴿أَن تَقُومَ﴾ وقبلَه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ ولم يقل: وأنْ يُريكم، وذلك أنَّ القيامَ لما كان غير مُتعيّن أخرجَ الفعل بـ «أنْ» وجَعل في تأويل المصدر ليدلَّ على الثُّبوت وإِراءَةُ البرقِ لما كانت من الأمورِ المتجَدّدة، لم يَذكر معها ما يدلُّ على المصدر.
[ ١٢ / ٢٢٩ ]
وبهما فسر المثل: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه". وقول القائل:
وقالوا ما تشاء فقلت ألهو … إلى الإصباح آثر ذى أثير
_________________
(١) ـ قال صاحب «الكَشف»: تقدير الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ آيةُ ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾، فحَذف الموصوفَ وأقام الصفةَ مقامَه، وكان أبو عليٍّ يحملُها على حذف «أنْ»؛ أي: ومِن آياتِه أنْ يُريكم البَرْقَ، كقوله: «أحضُرُ الوغي» وأراد أن يأخذَ على أبي إسحاقَ حَذْفَ «أنْ» في قوله: «أعبُد»، فنقل كلامَه ثم تذكَّر هذا الموضعَ فأمسَكَ. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون الموصوفُ محذوفًا؛ أي: «ومن آياته آيةٌ يُريكم فيها البَرْقَ»، فحَذَف الموصوفَ والعائد؛ أي: «ومن آياته شيءٌ أو سحاب»، ويكون فاعل ﴿يُرِيكُمُ﴾ ضميرَ شيءٍ المحذوف. قوله: (تَسمعُ بالمُعيديِّ) قيل: هو تصغيرُ «معدِّيٍّ»، أو «مَعَدٍّ»، خَفَّف الدالَ استثقالًا للجمع بين التشديد مع ياء التصغير. يُضربُ للرَّجل الَّذي له صِيتٌ في الناس، فإذا رأيتَه ازدرَيْتَه. قالَه المنذر لشِقّةَ، مضى شرحُه مستوفًى في «الأعراف». قوله: (وقالوا ما تَشاء) البيت لعروة بن الورد قبله: أَرِقتُ وصُحْبتي بمَضيقِ عمقٍ … لبرقٍ من تِهامةَ مُستطيرِ سَقَوْني الخَمرَ ثمَّ تَكنَّفوني … عُداةَ اللهِ من كَذِبٍ وزُورِ آثَرَ من الإيثار، من: آثرت فلانًا على نفسي. قوله: (ذي أَثير) من قولك: فلانٌ أثِيري؛ أي: خُلْصاني، أي: آثَرَ اللَّهْوَ أوَّلَ كلِّ شيء. قال الميداني في قولهم: «افعل ذاك آثِرًا مّا» قالوا: معناه: افعل أوّلَ كل شيء، أي:
[ ١٢ / ٢٣٠ ]
(خَوْفًا) من الصاعقة أو من الإخلاف، (وَطَمَعًا) في الغيث. وقيل: خوفًا للمسافر، وطمعًا للحاضر، وهما منصوبان على المفعول له. فإن قلت: من حق المفعول له أن يكون فعلًا لفاعل الفعل المعلل؛ والخوف والطمع ليسا كذلك. قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن المفعولين فاعلون في المعنى، لأنهم راءون، فكأنه قيل: يجعلكم رائين البرق خوفًا وطمعًا. والثاني: أن يكون على تقدير حذف المضاف، أى: إرادة خوٍف وإرادة طمع، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ويجوز أن يكونا حالين، أى: خائفين وطامعين. وقرئ: (ينزل) بالتشديد.
(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ)] ٢٥ - ٢٦ [
قيام السماوات والأرض
_________________
(١) افْعَله مؤثرًا له. وقال الأصمعيُّ: معناه افعل ذلك عازمًا عليه و«ما» تأكيد، ويقال أيضًا: «افعلْه آثرَ ذي أثير»، أي: أوّلَ كلِّ شيء. وقيل: معناه: وقالوا: ما تشاءُ، فقلت: أن أَلْهو، واللَّهو إلى الصُّبح آثَرُ كلِّ شيءٍ يُؤثَرُ فِعْلُه. قوله: (من حقِّ المفعول له أن يكون فعلًا لفاعل الفعل المعلَّل)، الانتصاف: الخوفُ والطمعُ مخلوقان لله تعالى، فيلزم اجتماعُ شرائطِ النَّصب فيهما، وهو كونُهما مصدرَيْنِ مقارَنيْن، والفاعل والخالقُ واحدٌ، فلا بدَّ من تخريجه على هذا الوجه، وهو أنَّ قولَ النُّحاة: أنَّ يكونَ فِعلًا لفاعل الفعلِ المعلَّلِ، وأن يكون مُتّصِفًا به، فإذا قلت: جئتك إكرامًا لك، فقد وصفتَ نفسَك بالإكرام؛ أي: جئتك مُكْرِمًا لك، واللهُ تعالى وإن خَلَق الخوفَ والطمعَ، إلاّ أنه تعالى مُقدَّسٌ عن الاتِّصاف بهما، فاحتِيجَ إلى تأويلِ الزَّمخشريِّ على المذهَبينِ.
[ ١٢ / ٢٣١ ]
واستمساكهما بغير عمٍد (بِأَمْرِهِ) أى بقوله: كونا قائمتين. والمراد بإقامته لهما: إرادته لكونهما على صفة القيام دون الزوال. وقوله: (إِذا دَعاكُمْ) بمنزلة قوله: يريكم، في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى، كأنه قال: ومن آياته قيام السماوات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاهم دعوةً واحدة: يا أهل القبور اخرجوا. والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقٍف ولا تلبث، كما يجيب الداعي المطاع مدعوّه، كما قال القائل:
_________________
(١) قوله: (واستمِساكُهما) قيل: هو من قولهم: هو لا يَستمسكُ على الرَّاحلة؛ أي: لا يقدر على إمساكِه نفسَه وضبطِها والثباتِ عليها. قوله: (﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: بقوله: كونا قائمتَيْن) أي: قيل: بأمره، وأُريد هذا القول، ولم يُرد بالقول حقيقتَه، بل المرادُ إقامتُه لهما وإرادتُه لحدوثهما قائمتين، فقوله: «إرادته لكونِهما» خبرٌ، و«المراد بإقامتهِ لهما» مبتدأٌ، كذا صحّ، واللامان صِلَتانِ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]. والمراد: أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه، فإنّما يكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناعٍ ولا قَوْلَ ثَمَّةَ، كذلك معنى قوله: «كونا قائمتينِ» حصولُهما على صفة القيام على وَفْق إرادتِه من غير توقُّفٍ ولا قَوْلَ ثَمَّةً، وإليه الإشارةُ بقوله: «والمراد به سرعةُ وجودِ ذلك من غير توقُّف ولا تَلبُّثٍ». قال الإمام: قوله: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: بقوله: قوما، أو بإرادته قيامهما، وذلك أن الأمرَ عند المعتزلةِ موافقٌ للإرادة، وعندنا ليس كذلك، ولكن النزاعَ في الأمر الذي في التَّكليف لا في الأمر الذي في التَّكوينِ، فإننا لا نُنازعُهم في أنّ قولَه: «كن»، و«كونا»، و«كونوا» موافقٌ للإرادة.
[ ١٢ / ٢٣٢ ]
دعوت كليبا دعوة … فكأنّما دعوت به ابن الطّود أو هو أسرع
يريد بابن الطود: الصدى، أو الحجر إذا تدهدى، وإنما عطف هذا على قيام السماوات والأرض بـ"ثم"؛ بيانًا لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور، قوموا؛ فلا تبقى نسمة من الأوّلين والآخرين إلا قامت تنظر، كما قال عز وعلا: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ)] الزمر: ٦٨ [. قولك: دعوته من مكان كذا، كما يجوز أن يكون مكانك يجوز أن يكون مكان صاحبك، تقول: دعوت زيدًا من أعلى الجبل فنزل علىّ، ودعوته من أسفل الوادي فطلع إلىّ. فإن قلت: بم تعلق (مِنَ الْأَرْضِ) أبالفعل أم بالمصدر؟ قلت: هيهات، إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. فإن قلت: ما الفرق بين إذا وإذا؟ قلت: الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة، وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط. وقرئ: (تخرجون) بضم التاء وفتحها، (قانِتُونَ) منقادون لوجود أفعاله فيهم لا يمتنعون عليه.
(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)] ٢٧ [
_________________
(١) ـ قوله: (دعَوتُ كُليْبًا) البيت، قوله: «دعوتُ به»، أي: بكُلَيب، وهو من التجريد، جُرِّد منه شيءٌ يسمى بابن الطّوْدِ، وهو نفسُه. قوله: (تدَهدى) أصله: تَدَهْدَه، أبدلت الهاء ياء، كما في تَظَنَّيْتُ، أصله: تَظَنَّنتُ. قوله: (هيهاتَ) وهو اسم فعلٍ فاعلُه ضميرٌ مستترٌ يعود إلى ما دلَّ عليه الكلامُ المتقدِّم؛ أي: بعد تعلُّقه بالمصدر مع وجود الفعل. قوله: (بَطَلَ نهْرُ مَعْقِل)، الاستيعاب: هو مَعقل بن يسار المُزني، سكن البصرة، وإليه يُنسب نهر معقل الذي بالبصرة، شهد بيعةَ الحُديبية، وتوفي بالبصرة في آخر خلافة معاوية.
[ ١٢ / ٢٣٣ ]
(وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) فيما يجب عندكم وينقاس على أصولكم ويقتضيه معقولكم؛ لأنّ من أعاد منكم صنعة شيء؛ كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها، وتعتذرون للصانع إذا خطئ في بعض ما ينشئه بقولكم: أوّل الغزو أخرق، وتسمون الماهر في
_________________
(١) ـ قوله: (﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ فيما يجب عندكم وينقاس على أصولكم ويقتضيه معقولكم) وتحقيقُه أنَّ الإنسانَ الضعيفَ العاجزَ الذي لا يُطيق حَمْل معاني الحكمة الإلهيَّةِ والأسرارِ الرُّبوبيةِ، إذ لو كُوشفوا ببعضِها لاضمَحَلَّت قُواهم وتلاشَتْ عقولُهم. ولله درُّ الإمامِ حُجّةِ الإسلامِ وقولِه في «الإحياء»: لا طاقةَ للبَشَر أن ينفذوا غَوْرَ الحكمةِ، كما لا طاقةَ لهم أن ينفذُوا بأبصارهم ضوءَ عينِ الشَّمسِ، ولكنَّهم ينالون منها ما تحيي به أبصارُهم، ويستدلُّون بع على حوائجهم فقط. وقد تأنَّق بعضُهم في التعبير عن وجه اللُّطفِ في إيصالِ معاني كلامِ اللهِ المجيدِ مع علوِّ درجتِه إلى فَهْم الإنسان مع قُصورِ رُتبته، وضربَ له مثلًا ولم يُقصِّر فيه، قال: إنّا رأينا الناسَ لمّا أرادوا أن يُفهِموا بعضَ الدَّواب والطيرِ ما يُريدون من تقديمِها وتأخيرها، ورَأَوا الدَّوابَّ تَقصُر عن فَهْمِ كلامِهم الصادرِ عن أنوار عقلِهم مع حُسنه وترتيبِه، فنزلوا إلى درجةِ تمييزِ البَهائم وأوصلوا مقاصِدَهم إلى بواطنِها بأصواتٍ يضعونها لائقةٍ بها من النَّفيرِ والصَّفير والأصواتِ القريبةِ من أصواتِهم، فنزلوا إلى درجة تمييز البهائمِ التي تُطيقُ حملَها، وكذلك الناسُ يعجَزون عن حملِ كلام الله المجيد بكُنْهه وكمال صفاتِه، فصاروا بما تراجعوا بينهم من الأصوات، ولا يمنع ذلك معاني الحكمة المخْبوءةِ في تلك الصفات. قوله: (أوّل الغزوِ أخْرق)، يعني: أنّ صاحَبه غِرٌّ لم يَصْطَلِ بنارِه، ويُضرَبُ لمن ابتدأ أمرًا وهو لا يَحْذَقُه. قال الميداني: قال أبو عبيد: يُضَربُ في قلّةِ التجارِب. قال الشاعر: الحَربُ أوّلُ ما تكونُ فَتيَّةً … تسعى بزينتِها لِكلِّ جَهولِ حتى إذا استعرت وشبَّ ضِرامُها … عادت عجوزًا غيرَ ذاتِ حَليلِ
[ ١٢ / ٢٣٤ ]
صناعته معاودًا، تعنون أنه عاودها كرّةً بعد أخرى؛ حتى مرن عليها وهانت عليه. فإن قلت: لم ذكر الضمير في قوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)، والمراد به الإعادة؟ قلت: معناه: وأن يعيده أهون عليه. فإن قلت: لم أخرت الصلة في قوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) وقدّمت في قوله: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)] مريم: ٢١ [؟ قلت: هناك قصد الاختصاص وهو محزه، فقيل: هو علىّ هين، وإن كان مستصعبًا عندكم أن يولد بين هم وعاقر؛ وأما هاهنا فلا معنى للاختصاص، كيف والأمر مبنى على ما يعقلون من أنّ الإعادة أسهل من الابتداء؛ فلو قدمت الصلة لتغير المعنى. فإن قلت: ما بال الإعادة استعظمت في قوله: (ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ) حتى كأنها فضلت على قيام السماوات والأرض بأمره،
_________________
(١) قوله: ووصف الغزو بالخُرْق؛ لخَرْقِ الناس فيه كما قيل: ليل نائم. قوله: (مُستَصعِبًا) صحّ بكسرِ العين؛ لأنه لازم، الجوهري: استَصعَبَ عليه الأمرُ؛ أي: صَعُب. قوله: (بين هِمٍّ وعاقر)، النهاية: الهِمُّ بالكسر: الكبير الفاني. قوله: (وأما هاهنا فلا معنى للاختصاص)، يعني: اقتضى مقامُ خَرْقِ العادة هناك التَّقديمَ كأنَّ العادة تأبى أن يحصُلَ الولدُ بين الهِمِّ والعاقِرِ لِما جُرِّبَ وعُلِمَ بالاستقراء، فقيل: أنا القادر وحدي أن أخرق العادة دون غيري، وهاهنا العادة حاكمة قاطعةٌ بأنَّ منَ أعاد صَنعةَ شيءٍ كانت أسهلَ عليه وأهونَ من إنشائها، لكن الدُّهْريَّ المخذولَ يُنكِرُ فعلَه، فجيء بالجملة المفيدة لتقوي الحُكمَ على مجرى العُرف والعادة. قوله: (ما بالُ الإعادة استُعْظِمت)، يعني: عطف قولِه: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ على قوله: ﴿أَن تَقُومَ السَّمَاءُ﴾ بحرف التَّراخي في الرُّتبة، فأفاد عظمةَ الثاني، فإنَّ الأوّلَ أَدْونُ حالًا
[ ١٢ / ٢٣٥ ]
ثم هوّنت بعد ذلك؟ قلت: الإعادة في نفسها عظيمة، ولكنها هوّنت بالقياس إلى الإنشاء. وقيل: الضمير في (عليه) للخلق. ومعناه: أنّ البعث أهون على الخلق من الإنشاء، لأن تكوينه في حدّ الاستحكام والتمام أهون عليه وأقل تعبًا وكبدًا، من
_________________
(١) منه. ثم قيل في هذه الآية: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ففهم منه أنه أَدْوَنُ منه، وأجاب بما يدلُّ على أنّ اعتبارَ التعظيمِ في الأولِ لكونِ الإعادة في نفسِها عظيمةً؛ لأنّها الغايةُ في الإيجاد والمقصودُ في الإنشاء، وبها يستقرُّ كلٌّ من السُّعداء والأشقياء في درجاتهم ودَرَكاتِهم، واعتبارُ الأَهْوَنِ بحَسَب الإيجاد والقَصْد في الخَلْق. وبهذا التقرير يُتخلَّص من إشكالِ صاحب «الانتصاف» حيث قال: ﴿ثُمَّ﴾ على بابها في تراخي الزَّمان أو يُسَلِّمُ تراخي المراتبِ على أن مرتبةَ المعطوف عليه العليا، ومرتبة المعطوف هي الدنيا تأكيدًا في مجيئها، فإن المعطوف بها في أكثر المواضع أرفع درجة من المعطوف عليه. وقلت: ويجوز أن يُحملَ ﴿ثُمَّ﴾ على مجردِ البُعْدِ مجازًا، فيُعتَبرُ التراخي في الزمانِ والمَرْتبةِ معًا. قوله: (لأنَّ تكوينَه في حدِّ الاستِحكامِ والتَّمامِ أهونُ عليه وأقلُّ تَعَبًا وكبَدًا، يعني: بالنِّسبة إلى الخَلْق. قال الإمام: لأنَّ في البَدْء يكون عَلَقةً، ثم مضغةً، ثم لَحمًا، ثم عَظْمًا، ثم يُخلق بَشَرًا، ثم يَخرج طفلًا، ثم يَترعرعُ إلى غير ذلك، فَيصعب عليه كلُّ ذلك. وأمّا في الإعادة فيَخرج بَشرًا سَوِيًّا بِكُن فيكون، فهو أهونُ عليه.
[ ١٢ / ٢٣٦ ]
أن يتنقل في أحوال ويندرج فيها إلى أن يبلغ ذلك الحدّ. وقيل: الأهون بمعنى: الهين. ووجه آخر: وهو أن الإنشاء من قبيل التفضل الذي يتخير فيه الفاعل بين أن يفعله وأن لا يفعله، والإعادة من قبيل الواجب الذي لا بدّ له من فعله، لأنها لجزاء الأعمال، وجزاؤها واجب، والأفعال: إما محال، والمحال ممتنع أصلًا خارج عن المقدور، وإما ما يصرف الحكيم عن فعله صارٌف وهو القبيح، وهو رديف المحال؛ لأنّ الصارف يمنع وجود الفعل كما تمنعه الإحالة. وإما تفضل والتفضل حالة بين بين؛ للفاعل أن يفعله وأن لا يفعله. وإما واجب لا بدّ من فعله، ولا سبيل إلى الإخلال به، وكان
_________________
(١) قوله: (وقيل: الأَهْوَنُ بمعنى: الهين) روى الزَّجاج عن أبي عُبيدة وكثيرٍ من أهل اللغة: أنَّ ﴿أَهْوَنُ﴾ هاهنا ليس معناه: أنَّ الإعادةَ أهونُ عليه من الابتداء؛ لأنهما سهل عليه، ومثلُه في قوله: لَعَمرُكَ ما أدري وإنّي لأوْجَلُ … على أيِّنا تَعدُو المَنيَّةُ أوّلُ أي: لَوَجِلٌ. وقالوا: اللهُ أكبر، أي كبيرٌ. قوله: (لأنَّها لجزاءِ الأعمالِ، وجزاؤها واجبٌ)، قال صاحب «التقريب»: وفيه نظرٌ؛ لأنَّه مبنيٌّ على الوُجوب العقليِّ، ولأنَّ الوُجوبَ إن كان في الذات نَافَى القُدرةَ كالامتناع، وإلاّ كان ممكنًا، فتساوى النقيضانِ؛ لاشتراكهما في مصحح المقدوريَّة، وهو الإمكانُ. وقال صاحب «الانتصاف»: هذا على أُصولهم أيضًا غيرُ مستقيم، فإنَّ مقتضاها وجوبُ الإنشاء إذْ لولا مصلَحة اقتَضت الإنشاءَ لما وقعَ، وتلك المصلحةُ تُوجبُ متعلِّقها، فوَضَح أنَّ الزَّمخشريِّ لا إلى تَرقّى ولا على مذهب الاعتزالِ بَقِيَ.
[ ١٢ / ٢٣٧ ]
الواجب أبعد الأفعال من الامتناع وأقربها من الحصول. فلما كانت الإعادة من قبيل الواجب، كانت أبعد الأفعال من الامتناع. وإذا كانت أبعدها من الامتناع، كانت أدخلها في التأنى والتسهل، فكانت أهون منها. وإذا كانت أهون منها كانت أهون من الإنشاء، (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى) أى: الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله قد عرف به ووصف في السماوات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيٍء من إنشاٍء وإعادة وغيرهما من المقدورات، ويدل عليه قوله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أى: القاهر لكل مقدور، (الحكيم) الذي يجرى كل فعٍل على قضايا حكمته وعلمه. وعن مجاهد (المثل الأعلى) قول لا إله إلا الله، ومعناه: وله الوصف الأعلى الذي هو الوصف بالوحدانية. ويعضده قوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ)] الروم: ٢٨ [، وقال الزجاج: (وله المثل الأعلى في السماوات والأرض) أى: قوله تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) قد ضربه لكم مثلًا فيما يصعب ويسهل. يريد: التفسير الأوّل.
_________________
(١) ـ قوله: (ويَعضُده قوله: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾)؛ لأنَّ الكلام فيه لنَفْي الشَّريكِ وإثباتِ التَّوحيدِ، وتلخيصُ معناه يعودُ إلى معنى كلمةِ التَّوحيدِ، فصَحَّ أن يُسمَّى القولُ بكلمةِ التَّوحيدِ بـ ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. قال الزَّجاج: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ للعهد، وأن قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: معناه كالمثل المشهور بين الناس، أي: المسلمين منهم في كل زمان، نحو الأمثال المضروبة عند العرب، ويَقرُبُ منه قول المصنِّف: «أي: الوصفُ الأعلى الذي ليس لغيرهِ مثلُه قد عُرف به ووُصِفَ في السّماواتِ والأرضِ» إلى آخره، لكن الزَّجاج أجرى المَثلَ كالقولِ السَّائر على حقيقته وجعلَه المصنِّف مجازًا عن الوصف العَجيب الشأنِ ليشملَ القولَ وغيرَه، ولذلك قال: «على ألسِنةِ الخلائق وأَلْسِنَةِ الدّلائلِ»، وخصَّ قَوْلَ الزَّجاجِ بالقول. قوله: (يُريد التَّفسيرَ الأوّلَ)، أي: لقوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وهو أن يكون الضَّميرُ-
[ ١٢ / ٢٣٨ ]
[(ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)] ٢٨ [
فإن قلت: أى فرق بين (من) الأولى والثانية والثالثة في قوله تعالى: (مِنْ أَنْفُسِكُمْ)، (مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)، (مِنْ شُرَكاءَ)؟ قلت: الأولى للابتداء، كأنه قال: أخذ مثلًا وانتزعه من أقرب شيٍء منكم وهي أنفسكم ولم يبعد، والثانية للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي. ومعناه: هل ترضون لأنفسكم؛ وعبيدكم أمثالكم بشر كبشٍر وعبيد كعبيد، أن يشارككم بعضهم (فِي ما رَزَقْناكُمْ) من الأموال وغيرها، ما تكونون أنتم وهم فيه على السواء، من غير تفضلةٍ بين حرّ وعبد: تهابون أن تستبدوا بتصرف دونهم، وأن تفتاتوا بتدبيٍر عليهم كما يهاب بعضكم بعضًا من الأحرار، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم، فكيف
_________________
(١) في ﴿عَلَيْهِ﴾ - لله؛ أي: ضرَب اللهُ قولَه: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ مثلًا فيما يَصعُب ويَسهُل عندكم، وينقاسُ على أُصولِكُم، لا التفسير الثاني، وهو أن يَرجِعَ الضَّميرُ إلى الخَلْقِ. قوله: (أن يَشارِكَكُم بعضُهم) مفعول «تَرضونَ»، و«عبيدكم أمثالكم» حالٌ من فاعلِه. قوله: (تكونون أنتُم وهم فيه على السَّواء) والجملةُ بيانُ: «أنْ يُشارِكَكُم». قوله: (تَهابُون أن تَستَبِدُّوا) تفسيرٌ لقولِه: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾. وقال أبو البقاء: ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ في موضع الحالِ من ضمير الفاعل في ﴿سَوَاءٌ﴾؛ أي: فتساوَوْا خائفًا بعضُكم بعضًا مشاركتَه له في المال، أي: إذا لم ترضَوْا أن يُشارِكَكم عبيدُكم في المال، فكيف تشرِكون في عبادة الله مَن هو مصنوعٌ لِله تعالى؟ ! قوله: (وأن تفتاتوا بتدبير عليهم)، الأساس: فاتني بكذا: سبقني به وذهب به عني،
[ ١٢ / ٢٣٩ ]
ترضون لرب الأرباب ومالك الأحرار والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء؟ (كَذلِكَ) أى: مثل هذا التفصيل (نُفَصِّلُ الْآياتِ) أى: نبينها؛ لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها؛ لأنه بمنزلة التصوير والتشكيل لها. ألا ترى كيف صوّر الشرك بالصورة المشوّهة؟
_________________
(١) ـ وافتاتَ فلانٌ عليكم برأيه: سبَقكم به ولم يُشاوِرْكم، وفلانٌ لا يُفات عليه، ولا يُفتاتُ عليه؛ أي: لا يُستَبدُّ برأيٍ دونَه. النهاية: قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي بكرٍ: «أَمِثْلي يُفتاتُ عليه في بَناتِه»، فهو افْتَعل من الفَواتِ: السبق، يُقال لكلِّ مَن أحدثَ شيئًا في أمرِك: قد افتات عليك فيه. قوله: (ألا ترى كيف صوَّر الشرك بالصُّورة المشوَّهة)؛ أي: القبيحة. يريد أن الغرض مِن ذِكْر التَّمثيل تقبيحُ شأنِ الشِّركِ وإبرازُه في ذِهن السّامع بصُورة يَشْمئِزُّ منها، وذلك بأن يَتصوَّر حالَة سَيدٍ له رقيقٌ مستبدٌّ متصرفٌ في أمواله تصرُّفَ الشُّركاءِ من غير تَفْصِلةٍ، بحيث إن أراد السَّيدُ التَّصرفَ هابَ منه. ولما كان ضربُ الأمثالِ لإدْناء المتوهَّم إلى المعقول وإرادة المتخيَّلِ في صورة المحقَّق، أتى في هذه الفاصلة بقوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وكذلك في الآية السابقة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ لأن ذلك تمثيل لإحياء النّاس وإنشارِ الموتى. وأمّا الفاصلةُ بقوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ لقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، لأنَّ القصدَ في خَلْق الأزواج السُّكونُ إليها وإلقاءُ المحبَّة بينَ الزَّوجينِ ليس لمجرَّد قضاء الشَّهوة التي يَشترك فيها البهائمُ، بل لتكثير النَّسْل وبقاءِ نَوع المُتفكِّرين الذين يؤدِّيهم الفِكرُ إلى المعرفةِ والعبادة التي ما خُلقت السَّماواتُ والأرضُ إلاّ لها، فناسَب ذلك التَّفكُّر. وخُصَّ قولُه: ﴿مَنَامُكُم﴾ بالليل، ﴿وَابْتِغَاؤُكُم﴾ بالنهار بالسَّمع؛ لأنَّ أكثرَ الناس
[ ١٢ / ٢٤٠ ]
[(بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ)] ٢٩ [
(الَّذِينَ ظَلَمُوا) أى: أشركوا، كقوله تعالى: (إنّ الشرك لظلم عظيم)] لقمان: ١٣ [، (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أى: اتبعوا أهواءهم جاهلين؛ لأنّ العالم إذا ركب هواه ربما ردعه علمه وكفه. وأما الجاهل فيهيم على وجهه كالبهيمة لا يكفه شيء، (مَنْ أَضَلَّ
_________________
(١) ـ مُنْسدِحون باللَّيل كالأمواتِ ومتردِّدون كالبهائم بالنهار، لا يَدرون فيمَ هم ولم ذلك، لكن من ألقى السَّمعَ وهو شهيدٌ يَتنبَّه لواعظِ الله ويصغي إليه؛ لأنَّ مَرَّ اللَّيالي وكَرَّ النَّهار يناديانِ بلسانِ الحالِ: «الرَّحيلَ الرحيلَ من دارِ الغرور إلى دار القرار»، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]. وأمّا اختصاصُ قولِه: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ بالعلم الذي هو يُوجب تمييزًا؛ فلأنَّ كلَّ مَنْ له أدنى مُسْكَةٍ يُمَيِّزُ بين مخلوقٍ بالمَنطِق واللَّونِ، وكذا دلالةُ خَلْقِ السَّماواتِ والأرضِ على وُجود الصانعِ أظهرُ الأشياء وأَبيَنُها لا تخفى على كلِّ مَنْ له تمييزٌ، ولما فيه مِنَ العُموم. وقرئ ﴿لِّلْعَالِمِينَ﴾ بالفتح والكسر. ثم جيء بعدَ آيات بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، وفصَل بقوله: ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ إيذانًا بأنه تعالى ذلك بمَحْضِ مشيئته، وبأنَّ ليس الغِنى بفعل العبد وجهده ولا العُدْمُ بعَجْزه وتقاعده، ولا يَعرفُ ذلك إلاّ مَنْ آمَن بأنَّ ذلك تقديرُ العزيز العليمِ كما قال: كم من أديبٍ فَهِمٍ قَلْبُه … مستكملِ العقلِ مُقِلٍّ عَديمْ ومِن جهولٍ مُكثَرٍ مالُه … ذلك تقديرُ العزيزِ العليمْ
[ ١٢ / ٢٤١ ]
الله) من خذله ولم يلطف به، لعلمه أنه ممن لا لطف له، فمن يقدر على هداية مثله. وقوله: (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان.
[(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)] ٣٠ - ٣٢ [
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ) فقوّم وجهك له وعدّله، غير ملتفٍت عنه يمينًا ولا شمالًا، وهو تمثيل لإقباله على الدين، واستقامته عليه، وثباته، واهتمامه بأسبابه، فإنّ من اهتم
_________________
(١) قوله: (﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ دليل على أنَّ المرادَ بالإضلالِ: الخذلانُ) كأنه قيل: من يَنصرُ من خذَله اللهُ ومَنع الإلطافَ عنه، والحالُ أنه لا ناصرَ له. وقلت: ليس الكلامُ في النُّصرةِ والخِذلانِ، بل في الهدايةِ والضَّلالِ ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ كالتتميم لمعنى إرادة الإضلال والمَنْع من الهداية، وذلك أنّه تعالى عَقِيب ما عَدَّد الآياتِ البيِّناتِ والشواهدَ الدّالَة على الوحدانيّةِ ونَفْي الشَّريكِ وإثبات القول بالمَعاد وضَربَ المَثَل، وفَصَل ذلك بقوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. أراد أن يُسَلِّيَ حبيبَه ﷺ ويُوطِّنَه على اليأس من إيمانهم، فأضرَبَ عن ذلك وقال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم﴾ وجَعل السَّبب في ذلك أنه تعالى ما أراد هدايتَهم وأنه مختوم على قلوبهم، ولذلك رتَّب عليهم قوله: ﴿فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ على التَّقريع والإنكارِ، ثم ذَيَّل الكُلَّ بقولِه: ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ يعني: إذا أراد اللهُ منهم ذلك لا مَخْلَص لهم منه، ولا أحدَ يُنقذهم لا أنتَ ولا غيرُك، فلا تذهب نفسُكَ عليهم حسرات، فاهتَمّ بخاصّةِ نفسك ومَنْ تَبِعَك، وأقِمْ وجهَك معهم للدِّين حنيفًا. قوله: (فقوِّم وجهكَ له وعدِّله)، الأساس: وقوَّمَ العُودَ وأقامه، فقام واستَقامَ وتقوَّم، ورُمحٌ قويم.
[ ١٢ / ٢٤٢ ]
بالشيء عقد عليه طرفه، وسدّد إليه نظره، وقوّم له وجهه، مقبلًا به عليه. و(حَنِيفًا) حال من المأمور، أو من الدين (فِطْرَتَ الله) أى: الزموا فطرة الله. أو عليكم فطرة الله. وإنما أضمرته على خطاب الجماعة لقوله: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) ومنيبين: حال من الضمير في: الزموا. وقوله: (وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصلاة وَلا تَكُونُوا) معطوف على هذا المضمر. والفطرة: الخلقة. ألا ترى إلى قوله: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله) والمعنى: أنه خلقهم قابلين
_________________
(١) ـ قوله: (أي: الزَمُوا فِطرةَ اللهِ، أو عليكم فِطرةَ اللهِ) قال مكيُّ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ نصب بإضمار فعلٍ؛ أي: «اتَّبِعْ فطرةَ الله»، ودلَّ عليه قولُه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾؛ لأنَّ معناه: «اتَّبعِ الدِّينَ»، وقيل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ انتَصبَ على المصدر؛ لأنَّ الكلامَ دَلَّ على فَطْرِ الله [الخلقَ] فِطرةً. والتَّقديرُ الأوَّل أقربُ إلى تأليف النَّظْم؛ لأنَّه موافقٌ لقوله: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم﴾، ولترتُّبِ قولِه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ عليه بالفاء. وأما قولُه: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ فهو حالٌ من الضَّمير في ﴿أَقِمْ﴾، وإنَّما جُمع لأنَّه مردودٌ على المعنى؛ لأنَّ الخطابَ للنبيِّ ﷺ لأُمّتِه؛ أي: أَقيمُوا وُجوهَكُم مُنيبِينَ إليه. وقال الفرّاءُ: أي: «أقِمْ وَجهَكَ ومَنِ اتَّبعكَ»؛ كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢] فلذلك قال: ﴿مُنِيبِينَ﴾. وفي «المرشد»: أنَّ ﴿مُنِيبِينَ﴾ متعلِّق بمُضْمَرٍ، أي: كُونوا مُنيبينَ؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: كونوا منيبين ولا تكونوا مشركين وقال: هذا حَسَنٌ. قوله: (أَلا تَرى إلى قوله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ يعني دلَّ قولُه: ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ على أنَّ معنى فِطْرةَ الله: الخَلْقُ، وأنه من إقامة المُظْهَرِ موضعَ المُضْمَرِ من غير لفظِه السابقِ، وفائدتُه
[ ١٢ / ٢٤٣ ]
للتوحيد ودين الإسلام، غير نابين عنه ولا منكرين له، لكونه مجاوبًا للعقل، مساوقًا للنظر الصحيح، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينًا آخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الإنس والجن. ومنه قوله ﷺ: «كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين
_________________
(١) الإشعارُ بأنَّ أصلَ الجِبِلَّةِ السَّليمةِ المتهيئةِ لقَبولِ الحَقِّ أن لا تُغيٍّرَ ولا تَتْرُكَ لِمَحْضِ التَّقليد، فإنه مُجاوِبٌ للعقل. هذا معنى ما روينا عن البخاريِّ ومسلمٍ وغيرِهما، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما مِن مولودٍ إلاّ ويولَد على الفِطرةِ، فأَبواهُ يهوِّدانِه أو يُنَصِّرانِه أو يُمَجِّسانِه، كما تُنتِجُ البهيمةُ بهيمةً جَمعاءَ، هل تُحسُّون فيها من جَدعاءَ». ثمَّ يقولُ أبو هريرةَ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. الجَمعاءُ: التي لم يذهب من بدنها شيءٌ. والجَدْعاء: المقطوعةُ الأُذنِ والأَنف أو الشَّفة أو اليد، ونحو ذلك. والمعنى: أن المولودَ يُولدُ على نوعٍ مِن الجِبِلَّة، وكونِه متهيِّئًا لقبول الحقِّ طبعًا لو خَلَّته شياطينُ الإنسِ والجنِّ، كما أن البَهيمة تولَد سَويَّةَ الأطرافِ، لولا النّاسُ وتعرُّضهم إليها لبَقِيَت كما وُلِدت سَلِيمةً. قوله: (مساوقًا للنَّظر)، الأساس: هو يًساوقُه ويُقاودُه، وتَساوقَتِ الإبلُ: تَتابعت. قوله: (كلُّ عبادي خَلَقتُ حُنَفاءَ) هذا حديث طويلٌ رواه عياضٌ بن حِمار ﵁، عن رسول الله ﷺ، وفيه: «إنِّي خَلَقتُ عبادي حُنفاءَ كلَّهم، وإنِّهمْ أَتتْهُمُ الشَّياطينُ فاجتَالَتْهُم عن دِينهم، وحَرَّمتْ عليهم ما أحلَلْتُ لهم، وأمَرَتْهُم أن يُشركوا بي». أخرجه مسلم.
[ ١٢ / ٢٤٤ ]
عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بى غيرى» وقوله ﵇: "كل مولوٍد يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه وينصرانه»، (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله) أى: ما ينبغي أن تبدّل تلك الفطرة أو تغير. فإن قلت: لم وحد الخطاب أولًا، ثم جمع؟ قلت: خوطب رسول الله ﷺ أولًا، وخطاب الرسول خطاب لأمته مع ما فيه من التعظيم للإمام، ثم جمع بعد ذلك للبيان والتلخيص، (مِنَ الَّذِينَ) بدل من المشركين، (فَرَّقُوا دِينَهُمْ) تركوا دين الإسلام. وقرئ: (فرّقوا دينهم) بالتشديد، أى: جعلوه أديانًا مختلفة لاختلاف أهوائهم (وَكانُوا شِيَعًا) فرقًا، كل واحدةٍ تشايع إمامها الذي أضلها، (كُلُّ حِزْبٍ) منهم فرح بمذهبه مسرور، يحسب باطله حقًا ويجوز أن يكون (مِنَ الَّذِينَ) منقطعًا مما قبله، ومعناه: من المفارقين دينهم كل حزٍب فرحين
_________________
(١) ـ اجتالَتْهُم: استخفَّتهم، فجالُوا معهم، يُقال للقوم إذا تَرَكوا القَصْدَ والهُدى: اجتالَتْهُمُ الشَّياطينُ؛ أي: جالُوا معهم في الضَّلالة. قوله: (وقرئ: ﴿فَرَّقُوا﴾، حمزة والكسائي: «فارقوا»، والباقون: ﴿فَرَّقُوا﴾. قوله: (ويجوز أن يكون ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ منقطعًا ممّا قبلَه) أي: لم يكن بَدَلًا من المشركين بإعادة الجارِّ، ويكون خبرًا، والمبتدأ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾، و«فرحون بما لديهم» وصفُه؛ فعلى هذا الآيةُ عامَّةٌ. روى الواحديُّ عن مقاتل: كلُّ أهل مكّةَ بما عندهم من الدِّين راضون. وسبيل الآية مع قولِه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الآية، سبيلُ قولِه تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]؛ لأن وِزانَ الآيةِ الآخرة ووزِانَ الآيةِ الآخرة وزِانُ قولهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
[ ١٢ / ٢٤٥ ]
بما لديهم، ولكنه رفع (فرحون) على الوصف لكل، كقوله:
وكل خليل غير هاضم نفسه
[(وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)] ٣٣ - ٣٤ [
الضر: الشدّة من هزاٍل أو مرٍض أو قحٍط أو غير ذلك. والرحمة: الخلاص من
_________________
(١) ـ روينا عن التِّرمذيِّ، عن عبدِ الله بنِ عَمرٍو ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ: «إنَّ بَني إسرائيلَ تَفرقت ثنتين وسَبعِين مِلَّةً، وتَفترق أُمَّتي على ثلاثٍ وسَبعِين مِلَّة، كلهم في النّار إلاّ مِلَّة واحدةً» قالوا: ومَن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». وعلى الوجهِ الأوّلِ: الآيةُ خاصَّةٌ، ومِن ثمَّ جاءَ بضمير المشركين في قوله: «كلُّ حزبٍ منهم». قوله: (ولكنّه رفع ﴿فَرِحُونَ﴾) قيل: يعني: كان مِنْ حقِّ الظاهر أن يَجرَّ ﴿فَرِحُونَ﴾؛ لكونه صفةَ ﴿حِزْبٍ﴾؛ لأنَّ الصِّفةَ في الأعداد وما هو من قَبِيلها ينبغي أن تكون للمضاف إليه؛ لقوله تعالى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٣]، ولكنَّه وصفَ هاهنا المضافَ ليبيِّنَ أنَّ الفرحَ شاملٌ للكلِّ وهو أبلَغُ. قوله: (وكلُّ خلِيلٍ غَيرُ هاضِمِ نَفسِه) تمامه: لِوصلِ خلِيلٍ صارمٌ أَو مُعَارِز «غيرُ هَاضِمِ نَفسِه» صفة لـ «كُلُّ خَلِيلٍ». «مُعَارِز» أي: مجانب، بالرّاء والزاي بَعْدَه يقول: كلُّ خليلٍ لا يكسِرُ نفسَه ولا يَحمل أذى صاحبِه، فهو لا محالةَ مُصارِمُه أو مُعاتِبُه. وقيل: تمامُه:
[ ١٢ / ٢٤٦ ]
الشدّة. واللام في (لِيَكْفُرُوا) مجاز مثلها في (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا)] القصص: ٨ [. (فَتَمَتَّعُوا) نظير (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ)] فصلت: ٤٠ [(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وبال تمتعكم. وقرأ ابن مسعود: (وليتمتعوا).
[(أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ)] ٣٥ [
السلطان: الحجة، وتكلمه: مجاز، كما تقول: كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن. ومعناه الدلالة والشهادة، كأنه قال: فهو يشهد بشركهم وبصحته. و(ما) في (بِما كانُوا) مصدرية أى: بكونهم بالله يشركون. ويجوز أن تكون موصولةً ويرجع الضمير إليها. ومعناه: فهو يتكلم بالأمر الذي يسببه يشركون، ويحتمل أن يكون المعنى: أم أنزلنا عليهم ذا سلطان، أى: ملكًا معه برهان فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون.
[(وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ)] ٣٦ [
(وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً) أى: نعمةً من مطٍر أو سعةٍ أو صحةٍ (فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أى: بلاء من جدب أو ضيق أو مرض، والسبب فيها شؤم معاصيهم، قنطوا من الرحمة.
_________________
(١) فبالصدِّ والإعراضِ عنه جَديرُ قوله: (اللام في ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ مجاز)؛ لأن المعنى: ثم أذاقهم منه رحمةً ليشكروا ما أَوْلاهم من رحمته ولا يُشرِكوا به شيئًا، فعكسوا وأشركوا ليكفروا. وتحريرُه: أنَّهم ما قَصَدوا في اتِّخاذهم كُفرانَ النِّعمة، بل قَصَدوا بذلك أنْ يكونوا لهم شفعاءَ، فأدَّى ذلك إلى الكُفران، كما في قصّةِ موسى وفرعون.
[ ١٢ / ٢٤٧ ]
[(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)] ٣٧ [
ثم أنكر عليهم بأنهم قد علموا أنه هو الباسط القابض، فما لهم يقنطون من رحمته، وما لهم لا يرجعون إليه تائبين من المعاصي التي عوقبوا بالشدّة من أجلها، حتى يعيد إليهم رحمته.
[(فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)] ٣٨ [
حق ذى القربى: صلة الرحم. وحق المسكين وابن السبيل: نصيبهما من الصدقة المسماة لهما. وقد احتج أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية في وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب. وعند الشافعي ﵀: لا نفقة بالقرابة إلا
_________________
(١) ـ قوله: (وقد احتَجَّ أبو حنيفةَ ﵁ بهذه الآية في وُجوب النَّفقةِ للمَحارم إذا كانوا محتاجينَ) قال القاضي: وهو غير مُشْعِرٍ به ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: آتِهِما ما وُظِّف لهما منَ الزَّكاة، والخطابُ للنبيِّ ﷺ أو لمَن بُسِطَ له، ولذلك رُتِّبَ على ما قبله بالفاء. وقال الإمام: لمّا بيَّن الله تعالى أنه يبسطُ [الرزق] ويَقدِر، فلا ينبغي أن يتوقَّفَ الإنسان في الإحسان، فإنَّ اللهَ إذا بَسطَ الرِّزقَ لا ينقصُ بالإنفاق، وإذا قَدَرَ لا يزداد بالإمساك. وقلت: إنه تعالى لمّا حَكى في جنس الناس أنَّهم إذا أذاقَهم منه رحمةً فرحوا بها بَطِرِينَ أَشِرِينَ، وإنْ تُصبْهم سيِّئةٌ قَنَطُوا من رحمة الله، أَنكَر عليهم ذلك، ونَبَّههُم على أنَّ تلك الإذاقة والإصابة من بَسْط الله الرِّزقَ وقَبْضِه، وقال: فلا يكن منكم بَطَرٌ عند البَسْطِ بل
[ ١٢ / ٢٤٨ ]
على الولد والوالدين: قاس سائر القرابات على ابن العم؛ لأنه لا ولاد بينهم. فإن قلت: كيف تعلق قوله: (فَآتِ ذَا الْقُرْبى) بما قبله حتى جيء بالفاء؟ قلت: لما ذكر أنّ السيئة أصابتهم بما قدّمت أيديهم،
_________________
(١) اشكُروا اللهَ، وأنفِقُوا ممّا رَزَقكمُ اللهُ في سبيله ووَجْهِه، في الأقربينَ واليَتامى والمساكين ليزيدَكم من فَضْله، وتفوزوا بالفلاح عاجلًا وآجلًا، فلا يُوجد منكم يأس أيضًا عند القَبْض، بل ارجِعُوا إلى الله مُنيبينَ؛ لأنَّ ذلك من شؤم معاصيكم. وإليه الإشارةُ بقوله: «لما ذكر أن السَّيئةَ أصابتْهُم بما قدَّمت أيديهم أتبعَه ذِكْرَ ما يَجبُ أن يُفْعلَ وما يَجِبُ أن يُتركَ»، ولعلَّ وجهَ استدلال أبي حنيفة ﵁ رتَّب الأمرَ بإيتاء ذي القُربى على الوَصْف المناسبِ، وهو إصابةُ السَّيئةِ باجتراحِ المعاصي بعد أن ضَمَّ معَ الإيتاء لفظة: ﴿حَقَّهُ﴾ فيكون للوجوب، وأيضًا علَّل إثبات الفلاح باسم الإشارة إلى ذلك الوَصْفِ، وهو إيتاءُ ذي القُربى. والشافعيُّ ﵁ رأى عطفَ ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ على ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ أمارةً لاشتراكهم في وُجوب الزَّكاة دُون النَّفقةِ؛ لأنَّ حُكمَ المعطوفينَ في النَّفقة خارجٌ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ مَنِ استحقَّ الزَّكاة سَقَطت نفقتُه. قوله: (قاس سائرَ القَرابات على ابنِ العَمَّ)، قال صاحب «الهداية»: النَّفقةُ لكلِّ ذِي رَحِمٍ محرَّم منه، ويُعلَمُ منه أنَّ مَن كان ذا رَحِمٍ ولم يكن محرَّمًا كأولاد العَمِّ والخال، فلا تَجبُ النفقةُ عليه؛ لأنَّ الصِّلةَ في القَرابةِ واجبةٌ دونَ البعيدةِ. وأمّا قول المصنف: «للمَحارم إذا كانوا محتاجين» فمحمولٌ على المَحارم من النَّسَبِ دونَ الرَّضاعِ والمصاهَرة؛ لأن سياقَ الكلامِ في ذي القربى.
[ ١٢ / ٢٤٩ ]
أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل، وما يجب أن يترك (يُرِيدُونَ وَجْهَ الله) يحتمل أن يراد بوجهه: ذاته أو جهته وجانبه، أى: يقصدون بمعروفهم إياه خالصًا وحقه، كقوله تعالى: (إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى)] الليل: ٢٠ [أو يقصدون جهة التقرّب إلى الله لا جهةً أخرى، والمعنيان متقاربان، ولكن الطريقة مختلفة.
[(وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ الله وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)] ٣٩ [
_________________
(١) قوله: (أتبعَه ذِكْر ما يَجِبُ أن يُفعل وما يَجبُ أن يُترك) يعني: إذا تَقرَّر أن ما يُصيبهم من مصائبَ دنيويَّةٍ ودِينيَّةٍ بسَببِ معاصِيهم، فعلى كلِّ ذي لُبٍّ أن يعتبرَ العاقبة ويتحرّى إيتاءَ معروفِه في أهله ومُستَحقِّه، ويجتنبَ إيتاءَ ما يَمحَقُه الله في الدُّنيا من الرِّبا والسُّخط على صاحبه في العُقبى منَ الرِّياء، وممّا يدلُّ على أنَّ الآيتينِ متقابلتان تَكريرُ ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ فيهما، وتخصيصُ كلٍّ منَ الآيتينِ باسم الإشارة الدَّالٌ على أنَّ ما قبلَه جديرٌ بما بعدَه لأجل ذِكْرِ مُوجبه. قوله: (أي: يَقْصدون بمعروفهم إيّاه [خالصًا] وحقَّه) عطفٌ على إياه؛ نحو: أعجَبَني زيدٌ وكَرمُه، وقيل: إنّما جاء بالضَّمير منفصلًا لما أهمَّه تقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول به، فيتعذَّر الاتصالُ. هذا على تقدير أنْ يُرادَ بوجهه ذاتُه، فيُفيدُ الاختصاصَ والإخلاص، وبقوله: «أو يقصدون جهةَ التقرُّب على أن يُراد بوجهِه جهتُه وجانبُه» فيه نَشْرٌ لما لفَّ في قولِه: «يَحتملُ أن يُرادَ بوجهه ذاتُه أو جهتُه»، أو لِمَا في الثاني من معنى الكناية عن الذاتِ؛ لأنه تعالى مقدَّسٌ عنِ الجانبِ؛ كقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَر: ٥٦] ورجع المعنى إلى ذاته ﷿ معَ مُراعاة العَظَمة، قال: و«المعنيان متقاربانِ، ولكنَّ الطريقةَ مختلفةٌ».
[ ١٢ / ٢٥٠ ]
هذه الآية في معنى قوله تعالى: (يَمْحَقُ الله الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ)] البقرة: ٢٧٦ [سوًاء بسواء، يريد: وما أعطيتم أكلة الربا (مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي) أموالهم: ليزيد ويزكو في أموالهم، فلا يزكو عند الله، ولا يبارك فيه (وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ) أى: صدقةٍ تبتغون به وجهه خالصًا، لا تطلبون به مكافأةً ولا ريًاء وسمعة، (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) ذوو الأضعاف من الحسنات. ونظير المضعف: المقوي والموسر، لذي القوّة واليسار: وقرئ بفتح العين. وقيل نزلت في ثقيف، وكانوا يربون. وقيل: المراد أن يهب الرجل للرجل أو يهدى له، ليعوّضه أكثر مما وهب أو أهدى، فليست تلك الزيادة بحرام، ولكن المعوّض لا يثاب على تلك الزيادة. وقالوا: الربا ربوان: فالحرام: كل قرٍض يؤخذ فيه أكثر منه: أو يجرّ منفعة. والذي ليس بحرام: أن يستدعى بهبته أو بهديته أكثر منها. وفي الحديث: «المستغزر يثاب من هبته» وقرئ: (وما أتيتم من ربا)، بمعنى:
_________________
(١) قوله: (وفي الحديث: «المُستَغْزِرُ يُثابُ من هِبَتِه»)، النهاية: عن بعض التابعين: الجانبُ المُستغزِرُ يُثاب من هِبَتِه. المُستغزِرُ: الذي يطلبُ أكثرَ مما يُعطي، وهي المُغازرَة؛ أي: إذا أهدى لك الغريبُ شيئًا يَطلبُ أكثرَ مِنه فأعطِه في مقابلة هديتِه. وأما قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدَّثر: ٦] فمخصوصٌ. قوله: (قرئ: «ما أتيتم من رِبًا») قرأها ابنُ كثير مقصورًا، وهو يعود في المعنى إلى المشهورة، يقال: أتى معروفًا وأتى قبيحًا إذا فَعلَهما. وقرأ نافع: «لتُربوا» بالتاء مضمومة؛
[ ١٢ / ٢٥١ ]
وما غشيتموه أو رهقتموه من إعطاء ربا. وقرئ: (لتربوا)، أى: لتزيدوا في أموالهم، كقوله تعالى: (وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ) أى يزيدها. وقوله تعالى: (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) التفات حسن، كأنه قال لملائكته وخواص خلقه: فأولئك الذين يريدون وجه الله بصدقاتهم: هم المضعفون. فهو أمدح لهم من أن يقول: فأنتم المضعفون. والمعنى: المضعفون به؛ لأنه لا بد من ضمير يرجع إلى ما، ووجه آخر: وهو أن يكون تقديره: فمؤتوه أولئك هم المضعفون. والحذف لما في الكلام من الدليل عليه، وهذا أسهل مأخذًا، والأوّل أملأ بالفائدة.
_________________
(١) أي: لتصيروا ذوي زيادةٍ. من قولهم: أقوى الرَّجلُ وأضعَفَ: إذا صار ذا دابَّة قويٍّ وضعيفٍ في «المطلع». قوله: (فهو أمدحُ لهم من أن يقول: فأنتُم المُضْعِفُون)؛ لأنَّه إذا التفت إلى الغير شاكرًا لصنيعهم واستحمادًا منه لهم وترغيبًا له فيما نالوا به هذه المنزلة، كان أبلغَ وأبلَ ممّا لو قال لهم: فأنتم المُضعِفُون. وإليه الإشارةُ بقوله: «كأنّه قال لملائكتِه وخواصِّ خَلْقِه: فأولئك [الذين] يُريدون وَجْهَ الله» مباهاةً بهم. وأيضًا فيه إشعارٌ بأنَّ أولئك محقُّون بأنْ يكونوا مُضعِفيَن لاكتسابهم تلك الفضيلةَ، وليس في «فأنتم المُضْعِفُون» من ذلك شيءٌ. قوله: (فمُؤْتُوه) روي بضمِّ التاء؛ اسمُ فاعِلٍ من الإيتاء، ورويَ بفتحها؛ اسم مفعولٍ. وفي الحاشية: الصوابُ: «فمُؤتَوْهُ» بفتح التّاء، والمراد به: أخْذُ الزَّكاة تفضيلًا لهم على أخذِ الرِّبا. قوله: (وهذا أسهلُ مأخذًا والأوّل أملأُ بالفائدة)، قال صاحب «التقريب»: والأوَّلُ أملأُ بالفائدة لدقيقةِ الالتفاتِ، والثاني أسهلُ مأخذًا؛ لأنَّ حَذْفَ المبتدأ أكثرُ في الكلام،
[ ١٢ / ٢٥٢ ]
[(الله الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ)] ٤٠ [
(الله) مبتدأ وخبره (الَّذِي خَلَقَكُمْ) أى: الله هو فاعل هذه الأفعال الخاصة التي لا يقدر على شيٍء منها أحد غيره، ثم قال: (هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ) الذين اتخذتموهم أندادًا له من الأصنام وغيرها (مَنْ يَفْعَلُ) شيئًا قط من تلك الأفعال؛ حتى يصح ما ذهبتم إليه، ثم استبعد حاله من حال شركائهم. ويجوز أن يكون (الَّذِي خَلَقَكُمْ) صفة للمبتدأ، والخبر: (هل من شركائكم) وقوله: (مِنْ ذلِكُمْ) هو الذي ربط الجملة بالمبتدأ؛ لأن معناه: من أفعاله، و(من) الأولى والثانية والثالثة: كل واحدةٍ منهنّ مستقلة بتأكيد، لتعجيز شركائهم، وتجهيل عبدتهم.
_________________
(١) ولأنَّ الضَّميرَ في «به» راجعٌ إلى «ما»، فلابُدَّ من تقدير مضافٍ؛ أي: بإيتائه، فيَكثُر الإضمارُ. وعن بعضِهم: عُرُوُّ الثاني عن دقيقةِ الالتفاتِ لعُمومه. قوله: (والخبر: ﴿هَلْ مِن شُرَكَائِكُم﴾) أي: الله الموصوفُ بكونِه خالقًا ورازقًا ومحييًا ومميتًا، مَقولٌ في حقّه: ﴿هَلْ مِن شُرَكَائِكُم﴾ مَن هو موصوفٌ بما هو موصوفٌ به. قوله: (لأن معناه: من أفعاله) أي: المشار إليه بـ «ذلك»: الخَلْقُ والرِّزقُ والإماتةُ والإحياء، وقد عُلِمَ أنّها من أفعال الله. قوله: (كلُّ واحدةٍ منهنَّ مستقلةٌ بتأكيد لتَعْجيز شركائهم)، أما أولًا: فإنَّ «مِن» لبيان «مَنْ يفعل»، ومتعلِّقُه محذوفٌ؛ أي: هل جصل واستقرَّ مَنْ يفعلُ كائنًا من شركائكم؟ ! أَنكر أن يكونَ لهم شركاءُ تَفْعَلُ ما يفعل الباري. وأما ثانيًا: فقيل: ﴿مِن ذَلِكُم﴾ و«مِن» للتَّبعيض؛ أي: يفعل بعضَ ما يفعلُه الباري ولو أقلَّ شيءٍ، كلاّ ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
[ ١٢ / ٢٥٣ ]
[(ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)] ٤١ [
(الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) نحو: الجدب، والقحط، وقلة الريع في الزراعات، والريح في التجارات، ووقوع الموتان في الناس والدواب، وكثرة الحرق والغرق، وإخفاق الصيادين والغاصة، ومحق البركات من كل شيء، وقلة المنافع في الجملة، وكثرة المضارّ. وعن ابن عباس: أجدبت الأرض وانقطعت مادّة البحر. وقالوا: إذا انقطع القطر عميت دواب البحر. وعن الحسن أنّ المراد بالبحر: مدن البحر وقراه التي على شاطئه. وعن عكرمة: العرب
_________________
(١) ـ وأما ثالثًا: فهي زائدة لتأكيد النَّفي معنًى، وقيل: «مِنْ» الأُولى والثانيةُ للتبعيض. قوله: (الحَرَق)، المغرب: الحَرَقُ: اسمٌ منَ الإحراقِ، كالشَّفَقِ مِن الإشفاقِ، ومنه: الحَرَقُ والغَرَقُ والشَّرَق. قوله: (وإخفاق الصَّيادين)، الأساس: أخفَق الصّائد والغازي: لم يَظْفَرْ. قال: فيُخفقُ مَرَّةً ويصيدُ أخرى … ويَفجعُ ذا الضَّغائن بالأريب قوله: (والغاصَة) روى صاحب «المطلع»: عن فُضَيلِ بنِ مرزوقٍ، قلت لعطية: أيُّ فسادٍ في البحر؟ قال: يقال: إذا قَلَّ المطَرُ قَلَّ الغَوْصُ؛ لأنَّ الأصداف تفتح أفواهَها إذا مطرت [السماء]، فما وقع فيها من ماء السَّماء فهو لؤلؤ. وروى محيي السُّنة عن عكرمة نحوه.
[ ١٢ / ٢٥٤ ]
تسمي الأمصار البحار. وقرئ: (في البر والبحور)، (بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) بسبب معاصيهم وذنوبهم، كقوله تعالى: (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)] الشورى: ٣٠ [. وعن ابن عباس: (ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ) بقتل ابن آدم أخاه. وفي البحر بأن جلندى كان (يأخذ كل سفينة غصبا)، وعن قتادة: كان ذلك قبل البعث، فلما بعث رسول الله ﷺ رجع راجعون عن الضلال والظلم. ويجوز أن يريد ظهور الشر والمعاصي بكسب الناس ذلك. فإن قلت: ما معنى قوله: (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)؟ قلت أمّا على التفسير الأول فظاهر، وهو أنّ الله قد أفسد أسباب دنياهم ومحقها، ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة، لعلهم يرجعون عما هم عليه، وأمّا على الثاني فاللام مجاز، على معنى أنّ ظهور
_________________
(١) قوله: (تسمي الأمصارَ البِحارَ) ومنه حديثُ عبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ: اصطلح أهلُ هذهِ البُحَيرَةِ أن يُعصِّبوه بالعصابة. البُحيَرة: المدينة. قوله: (رجع راجعون) أي: رجع قوم راغبون في الإسلام رجوعًا. قوله: (وأمّا على الثّاني فاللاّمُ مجاز)؛ لأنَّ المراد بالفساد حينئذ ظهورُ الشَّرِّ والمعاصي في الأرض بسبب كَسْبِ النّاس ذلك وقوله: ﴿لِيُذِيقَهُم﴾ عِلَّة لكَسْب الناس المعاصي وليس غرضُهم في كسبها أن يُذيقَهم اللهُ وبالَ ما كَسَبوا، فاللاّمُ حينئذٍ كاللاّم في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. وأمّا على الأوَّل فهي عِلَّة لظُهور الفَسَادِ، والمراد بالفساد: الجَدبُ والقَحْطُ ومَحْقُ البَركاتِ وأمثالُها، وهي فعلُ اللهِ زجرًا لهم ورَدْعًا من ذلك الكَسْب، وإليه أشار بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عمّا هم عليه. قال أبو البقاء: ﴿لِيُذِيقَهُم﴾ متعلِّق بـ ﴿ظَهَرَ﴾ أي: ليصيرَ حالُهم إلى ذلك. وقيل: التقدير: «عاقَبهم ليُذيقَهُم».
[ ١٢ / ٢٥٥ ]
الشرور بسببهم مما استوجبوا به أن يذيقهم الله وبال أعمالهم إرادة الرجوع، فكأنهم إنما أفسدوا وتسببوا لفشوّ المعاصي في الأرض لأجل ذلك. وقرئ: (لنذيقهم) بالنون.
[(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ)] ٤٢ [
ثم أكد تسبب المعاصي لغضب الله ونكاله، حيث أمرهم بأن يسيروا في الأرض فينظروا كيف أهلك الله الأمم، وأذاقهم سوء العاقبة لمعاصيهم، ودل بقوله: (كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) على أنّ الشرك وحده لم يكن سبب تدميرهم، وأنّ ما دونه من المعاصي يكون سببًا لذلك.
[(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ)] ٤٣ [
القيم: البليغ الاستقامة الذي لا يتأتى فيه عوج، (مِنَ الله) إمّا أن يتعلق
_________________
(١) ـ قوله: «(لنذيقهم» بالنون) قرأها ابن كثير. قوله: (ثم أكَّد تَسبُّبَ المعاصي لغَضَبِ الله ونكالِه حيث أمرَهم بأنْ يَسيروا) هذا مبنيٌّ على قوله: «أنَّ اللهَ تعالى قد أفسَد أسبابَ دُنياهم ومَحقَها؛ ليُذيقَهم وَبَالَ بَعضِ أعمالِهم في الدُّنيا». وقال الإمامُ: لمّا بيّن حالَهم بظُهور الفساد في أحوالهم بسبب فساد أقوالهم، بيَّن لهم هلاك أمثالهم وأشكالهم الذين كانت أفعالُهم كأفعالهم، فقال: ﴿قُلْ سِيرُوا﴾. ويجوز أن يكون مبنيًّا على الوجهِ الثاني، واللاّمُ في قول المصنِّف: «لغضب الله» تتعلّق بـ «المعاصي» على التَّهكُّميَّة؛ أي: أكَّد تسبُّبَ أن يعصوا لأجل غضب الله.
[ ١٢ / ٢٥٦ ]
بـ (يأتي)، فيكون المعنى: من قبل أن يأتى من الله يوم لا يردّه أحد، كقوله تعالى: (فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها)] الأنبياء: ٤٠ [أو بـ (مردّ)، على معنى: لا يردّه هو بعد أن يجيء به، ولا ردّ له من جهته. والمردّ: مصدر بمعنى الردّ، (يَصَّدَّعُونَ) يتصدّعون: أى يتفرّقون، كقوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ)] الروم: ١٤ [.
[(مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ)] ٤٤ - ٤٥ [
(فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) كلمة جامعة لما لا غاية وراءه من المضارّ؛ لأنّ من كان ضاره كفره؛ فقد أحاطت به كلّ مضرّةٍ (فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) أى: يسؤون لأنفسهم ما يسوّيه لنفسه الذي يمهد فراشه ويوطئه، لئلا يصيبه في مضجعه ما ينبيه عليه وينغص
_________________
(١) قوله: (أو بـ ﴿مَرَدَّ﴾ أي يتعلق قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بـ ﴿مَرَدَّ﴾، و﴿مِنَ﴾ ابتدائيةٌ؛ ولهذا قال: «من جهتِه»، والوجهُ الأوّلُ أبلغُ لإطلاق الردِّ وتَفخيمِ اليومِ، وإن إتيانَه من جهة عظيمٍ قادرٍ ذي سلطان قاهرٍ. قوله: (﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ كلمةٌ جامعةٌ) أي: قليلةُ الألفاظِ عظيمةُ المباني وافرةُ المعاني ونظيرُه ما وَردَ في الحديث يومَ بدرٍ: «هذا يومٌ له ما بعدَه»، أي: ما يعدهُ من الظفر والنُّصرة؛ إذ هو فتحُ الفتوح، وبه يدخل الناس في دِين الله أفواجًا إلى قيام القيامة. ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. قوله: (لئلاّ يُصيبَه في مَضْجَعِه ما يُنيبه عليه) من النُّبُوّ، أي: يجعله نابيًا، يقال: نَبَا على المَضْجَع: إذا لم يستقرَّ عليه، وأنباه عليه غيرُه: وتقول العرب: الصِّدقُ يُنبي عنك لا الوعِيد، أي: يُبعِدُ عنك العدوَّ. الأساس: نَبَا به منزله وفِراشُه. قال: فأقم بِدارٍ ما أصبتَ كرامةً … وإذا نَبا بك منزلٌ فتحوَّلِ
[ ١٢ / ٢٥٧ ]
عليه مرقده: من نتوٍء أو قضض أو بعض ما يؤذى الراقد. ويجوز أن يريد: فعلى أنفسهم يشفقون، من قولهم في المشفق: أمّ فرشت فأنامت. وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على أنّ ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافر لا يتعدّاه. ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا تتجاوزه. (لِيَجْزِيَ) متعلق بـ (يمهدون) تعليل له.
_________________
(١) قوله: (أو قضض)، الأساس: وقعنا في قَضَّةٍ وقَضَض: في حصًى صغارٍ مُكسَّرة، وفي فِراشِه قَضَضٌ، وأقَضَّ عليه المَضْجعُ، أي: تَترَّب وخَشُنَ، وأقضَّ اللهُ عليه يتعدَّى ولا يتعدَّى. قوله: (أمّ فرشت فأنامت) مَثلٌ يضربُ في بر الرَّجلِ صاحِبه وحُنوِّه عليه. قال قُراد ابن غَوِيّة: وكنت له عَمًّا لطيفًا ووالدًا … رَؤُوفًا وأمًّا فَرَّشَتْ فأنامت ورواية الميداني: مهدت فأنامت، فعَلى هذا قولُه: ﴿فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ كنايةٌ إيمائيةٌ عن الشَّفقةِ والمَرْحمةِ، وعلى الأوَّل استعارةٌ تبعيَّةٌ، شبَّه حالة الملكَّف مع عَمَله الصالحِ وما يتحصَّل به من الثَّوابِ ويَتخلَّص منَ العقاب، بحالة مَن يُمهِّدُ فراشَه ليستريحَ عليه، ولا يُصيبه في مَضجَعِه ما يُنغِّص عليه. قولُه: (﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلِّق بـ ﴿يَمْهَدُونَ﴾ تعليلٌ له) قال القاضي: هو عِلَّة لـ ﴿يَمْهَدُونَ﴾ أو لـ ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾، والاقتصار على جزاء المؤمن للإشعار بأنه المقصودُ بالذات، والاكتفاء على فحوي قولِه: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، فإنَّ فيه إثباتَ البُغْضِ لهم والمحبَّة للمؤمنينَ ومَنْ فَضْلُه دالٌّ على أنَّ الإثابةَ تَفضُّلٌ مَحْضٌ، وتأويلُه بالعطاء أو الزيادةِ على الثَّواب عُدولٌ عنِ الظاهرِ.
[ ١٢ / ٢٥٨ ]
(مِنْ فَضْلِهِ) مما يتفضل عليهم بعد توفية الواجب من الثواب؛ وهذا يشبه الكناية، لأن الفضل تبع للثواب؛ فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له: أو أراد من عطائه وهو ثوابه؛ لأن الفضول والفواضل هي الأعطية عند العرب. وتكرير. (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن
_________________
(١) ـ وقلت: الظاهِرُ أن قولَه تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ -الآيةُ بتمامِها- كالمُوردِ للسّؤال، والخطابُ لكلِّ أحدٍ من المكلَّفين. وقولُه: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ -الآية- واردٌ على الاستئنافِ، مُنْطَوٍ على الجواب، فكأنَّه لمّا قيلَ: أَقيمُوا على الدِّين القيِّم، قَبْلَ مجيءِ يومٍ يتفرَّقون فيه، فقيل: ما للمُقيمين على الدِّين وما على المُنحرفين عنه، وكيف يتفرَّقون؟ فأُجيبَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ الآية. وأمّا قولُه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ -الآية- فينبغي أن يكونَ تعليلًا للكلِّ ليفصل ما ترتَّبَ على ما لهم وعليهم، ولكن يتعلَّقُ بـ ﴿يَمْهَدُونَ﴾ وحدَه لشدَّة العنايةِ بشأن الإيمانِ والعمل الصالحِ وعَدَم العَبْءِ بعمل الكافرِ، ولذلك وُضِع مَوضِعَه ﴿نَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. قال الإمام: ﴿نَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ وعيد، ولم يُفَصِّله، وهذا الإجمالُ فيه كالتفصيل، فإنَّ عدمَ المحبةِ مِن اللهِ تعالى غايةُ العذابِ. قوله: (وهذا يشبه الكناية)، يعني: استعمال الفضل هنا من الكناية، وليست بكنايةٍ تامَّةٍ؛ لأنَّه لم يُرِد بِالفَضْل الأجرَ الواجبَ على مَذهبِه، بل الزِّيادةَ ولكن بعد حُصول مَتْبُوعِه، فهو بهذا الاعتبار كناية، ولَعَمْري هذا تَعسُّفٌ، والوجه الثاني أشدُّ تَعسُّفًا منه. قوله: (لأنَّ الفُضولَ) عن بعضِهم: الفُضول: جَمعُ الفَضْلِ، يُستعملُ في الذَّمّ، والواحد في المَدْح، بخلاف الرِّيح والرِّياح، فإنهما عكس هذا.
[ ١٢ / ٢٥٩ ]
الصالح. وقوله: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ) تقرير بعد تقرير، على الطرد والعكس.
_________________
(١) قوله: (على الطَّرد والعَكْس) وهو كلُّ كلامَين يُقَرِّرَ الأوَّلُ بمنطوقِه مفهوم الثّاني وبالعكس. قال ابن هانئ: فما جازَهُ جودٌ ولا حلَّ دونَه … ولكن يَصيرُ الجودُ حيثُ يصيرُ قال المالكيُّ في «المصباح»: متى انتَفى كونُ الجُود يتقدَّم شخصًا ويتأخَّر عنه، فقد ثَبَت كونُه معه وبالعكس. وأما تنزيلُ الآيةِ عليه على ما قرَّره المصنِّفُ، فإنَّه تعالى قال أولًا: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾، ثم علَّله بقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾، وكان من حقِّ الظاهر: (لِيَجْزِيَهم) فوُضع المُظهَرُ موضِعَ المضمَرِ إشعارًا بالعِلِّيةِ، وأنَّ الإيمانَ والعملَ آذنا بأنَّ الله وليُّ صاحبِهما حيثُ يَجزيه من فَضْله، فيكون مفهومُ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ الموافقُ أنَّه يُحب المؤمن الصالح، مفهومُه المخالفُ أنَّه لا يحبُّ الكافرَ، فقولُه: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ بمَنطُوقه مقرِّرٌ لمفهوم السّابِق وبالعكس. وفي بعض الحواشي المغربية: أنَّ كُلَّ مؤمنٍ صالحٍ مفلحٌ عندَه وعَكسُه في ضِمنه، وهو مَن ليس بمؤمنٍ صالحٍ لا يُفلح عندَه، وكذلك قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ طَرْدُه كلُّ كافرٍ غير محبوبٍ عندَه وعكسه في ضِمنه، وهو مَن ليس بكافر محبوبٌ عندَه؛ لأنه مؤمنٌ، والعكس ملزومُ الطَّردِ؛ لأنَّ العكسَ يحتاج إلى الطَّردِ قطعًا، بخلاف الطَّردِ فإنه لا يحتاج للعكس. قال الإمام: وفي الآية لطيفةٌ، وهي أنَّ الله تعالى عندما أسندَ الكُفر والإيمانَ إلى العبدِ قدَّم الكافرَ، وعندما أسنَدَ الجزاءَ إلى نفسه قدَّم المؤمنَ؛ لأنَّ قولَه: ﴿مَن كَفَرَ﴾ وعيدٌ للمكلَّف ليمتنعَ عمّا يَضرُّه فيُنقذه من الشرِّ. وقولُه: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ تحريضٌ له وتَرغيبٌ في الخير ليُوصِلَه إلى الثَّواب، والإيعادُ مُقدَّم، وأمّا عند الجزاء ابتدأَ بالإحسان إظهارًا للكَرم والرَّحمة.
[ ١٢ / ٢٦٠ ]
[(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)] ٤٦ [
(الرِّياحَ) هي الجنوب والشمال والصبا، وهي رياح الرحمة، وأما الدبور فريح العذاب. ومنه قوله ﷺ: «اللهمّ اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا» وقد عدد
_________________
(١) قوله: (﴿الرِّياَحُ﴾ هي الجنوبُ والشَّمالُ والصَّبا) قال المرزوقيُّ في كتاب «الأزمنة والأمكنة»، روى ابنُ الأعرابيِّ عن الأصمعي وغيره قالوا: الرِّياح أربعة: الجنوبُ والشَّمال والصَّبا والدَّبور. قال ابن الأعرابي: وكلُّ ريحٍ بينْ ريحينِ فهي نَكباءُ، والجمع: نَكْبٌ. وأما مَهبُّهنَّ فقال ابن الأعرابيِّ: مَهبُّ الجنوب مِن مَطلعِ سُهيلٍ إلى مطلع الثُّريّا، والصَّبا من مطلع الثُّريّا إلى بنات نَعْشٍ، والشَّمال مِن بَنات نَعْشٍ إلى مسقط النَّسْر الطائرِ، والدَّبُور من مَسقط النَّسر الطَّائِر إلى مَطلعِ سُهَيل. وعن أبي عُبيدَة: الشمال عند العرب للرَّوح، والجنوب للأمطار والأنداء وللشِّقّ والعُمْق، والدّبُور للبَلاء، وأهونُه أن يكون غُبارًا عاصفًا يُقذي العينَ، وهي أقلُّهن هُبوبًا، والصّبا لإلقاح الأشجار. قوله: (اللَّهم اجعلها رياحًا ولا تَجعلها رِيحًا)، النهاية: العربُ تقول: لا تَلقَحُ السَّحاب إلا من رِياح مختلفة؟ يريد: اجعَلْها لَقاحًا للسَّحاب ولا تَجعلْها عذابًا، ويُحقِّقُ ذلك مجيءُ الجَمعِ في آيات الرَّحمةِ، والواحدِ في قِصصِ العذابِ؛ كـ ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] و﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فُصِّلَت: ١٦]. الراغب: الريحُ معروف، وهي فيما قيل الهواءُ المتحرِّك، وعامَّة المواضعِ التي ذكر [الله تعالى] فيها إرسالَ الريح بلفظ الواحد فعبارةٌ عن العذاب؛ كقوله: ﴿نَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا
[ ١٢ / ٢٦١ ]
الأغراض في إرسالها، وأنه أرسلها للبشارة بالغيث ولإذاقة الرحمة، وهي نزول المطر وحصول الخصب الذي يتبعه، والروح الذي مع هبوب الريح وزكاء الأرض. قال رسول الله ﷺ: «إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض». وإزالة العفونة من الهواء، وتذرية الحبوب، وغير ذلك، (وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ) في البحر عند هبوبها. وإنما زاد (بِأَمْرِهِ) لأن الريح قد تهب ولا تكون مؤاتية، فلا بد من إرساء السفن والاحتيال لحبسها، وربما عصفت فأغرقتها، (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) يريد تجارة البحر؛ ولتشكروا نعمة الله فيها. فإن قلت: بم يتعلق (وليذيقكم)؟ قلت: فيه وجهان: أن يكون معطوفًا على (مبشرات) على المعنى، كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم. وأن يتعلق بمحذوف تقديره: وليذيقكم وليكون كذا وكذا أرسلناها.
_________________
(١) صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] وكلُّ موضعٍ ذُكر فيه بلفظ الجمع عبارةٌ عن الرَّحمة؛ كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾. قوله: (إذا كَثُرت المؤتَفِكاتُ زَكَتِ الأرضُ)، الأساس: أَفِكَه عن رأيه: صَرَفهُ، ورأيتُ أن أفعَلَ كذا فأَفكْتُ عن رأيي، وائتفكت الأرض بأهلها: انقلبت، وإذا كَثُرت المؤتَفِكات زَكَتِ الأرضُ، وهي الرِّياحُ المختلفاتُ المهابِّ. قوله: (لأنَّ الريحَ قد تهبُّ ولا تكونُ مؤاتيةً)، قال صاحب «المطلع»: يعني هبوبُها مواتيةً أمرٌ من أمورِه التي لا يقدر عليها غيرُه. وإليه الإشارةُ: بقوله ﴿إِن يَشَا يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٣]، ثم قال: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤] أي: بالغَرَق إذا اشتدَّت الرِّيح وقيل: الحاصلُ أنّه قد يُجرى الرِّيح على وَجْهٍ لا تكونُ مواتيةً أي: موافقةً للمُراد، فيحتاج الملاَّحون إلى حَبْس السُّفنِ، ولو كان بطبيعة الرِّيح لما اختَلفت، فعُلم أن ذلك بإرادة الله وأمْرِه. قوله: (ولِيُذيقكم وليكونَ كذا وكذا أرسلناها) «كذا وكذا» كنايتان عن قوله: ﴿وَلِتَجْرِيَ
[ ١٢ / ٢٦٢ ]
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)] ٤٧ [
اختصر الطريق إلى الغرض بأن أدرج تحت ذكر الانتصار والنصر ذكر الفريقين،
_________________
(١) الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا … وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، والمحذوفُ المقدَّر: «أرسلناها»، والمحذوفُ المقدَّر: «أرسلناها»، فيكون عطفَ جملةٍ على جملةٍ. قال القاضي: ﴿وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ وهي المنافع التابعة لها من الخِصْب والرَّوح، وهو عطفٌ على علَّة محذوفةٍ دلَّ عليها ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾، أو عليها باعتبار المعنى، أو على ﴿يُرْسِلَ﴾ بإضمار فعلٍ معلَّلٍ دل عليه ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾. قوله: (اختَصَرَ الطريقَ إلى الغَرَض) إلى آخره، لخَّصَه صاحبُ «المطلع» وقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ كما أرسلناك إلى هؤلاء ﴿فَجَاءُوهُم﴾ بالدَّلالاتِ الواضحاتِ على صِدْقِ دَعْواهم كما أَتيتَ هؤلاءِ بالمُعجزات الدَّالةِ على صدقكَ ﴿فَانتَقَمْنَا﴾ أي: انتصرنا ﴿مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ وهم المكذِّبون ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اختَصَر الطَّريقَ إلى الغَرَض بأنْ أدرج تحتَ ذِكْر الانتصار والنصر ذِكْرَ الفريقَينِ-أعني المكذِّبين والمصدِّقين- وقد أَخْلى الكلامَ أولًا عن ذكرهما، وفي هذا تبشير للنبيِّ ﷺ والمؤمنينَ بالنَّصرِ في العاقبةِ على المكذبينَ، وأكَّد ذلك بقوله: ﴿حَقًّا﴾ ومعنى حَقًّا أنَّه تعالى أَخْبر به، وإذا أَخبر بشيء حُقَّ ذلك الشَّيءُ ووُجد ما أخبرَ به. قوله: (بأن أَدرَجَ تحتَ ذكرِ الانتصار)، الأساس: أَدْرجَ الكُتيب في الكتاب: جعلَه في دُرْجِه؛ أي: في طَيِّهِ وثَنِيِّه. وقلت: هاهنا ثلاثةُ مَقامات: أولها: قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ وليس فيه أنَّ هذا القوم من هم؟ المصدِّقون أم المكذبون؟ وإليه الإشارة بقوله: «وقد أخلي الكلامُ أولًا عن ذِكرهما».
[ ١٢ / ٢٦٣ ]
وقد أخلي الكلام أوّلًا عن ذكرهما. وقوله: (وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) تعظيم للمؤمنين، ورفع من شأنهم، وتأهيل لكرامة سنية، وإظهار لفضل سابقة ومزية؛ حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم، مستوجبين عليه أن يظهرهم ويظفرهم، وقد يوقف على (حقًّا)، ومعناه: وكان الانتقام منهم حقًا، ثم يبتدأ: (علَيْنا نَصْرُ
_________________
(١) وثانيها: قوله: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾، صرَّح فيه ذكر المجرمين، وأَدرج فيه ذِكْر المؤمنين، لأنَّ المُراد: انتقمنا للَّذين آمنوا من الذين أجرموا. وثالثها: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ صرَّح بذكر المؤمنين، وأدرج ذكر المكذبين؛ لأنَّ المعنى: كان حقًّا علينا نصرُ المؤمنين على الكافرين، وإليه الإشارةُ بقوله: «أدرجَ تحتَ ذِكْر الانتصارِ والنَّصر ذِكْر الفريقين»، صرَّح في الانتقام بذِكْر المجرمينَ، وفي النَّصر بذِكْر المؤمنين تعظيمًا للمؤمنين وازدراءً بالمكذِّبين، ورَفْعًا لشأن أولئك، وحَطًّا من منزلة هؤلاء، والله أعلم. قوله: (وقد يُوقَفُ على ﴿حَقًّا﴾، ومعناه: وكان الانتقامُ منهم حقًّا) قال صاحبُ «الكواشي»: أُوْلِعَ جماعةٌ بالوَقْف على ﴿حَقًّا﴾ وليس بمُختارٍ؛ لأنَّ الوَقْفَ على ﴿حَقًّا﴾ يُوجب الانتقامَ ويُوجبُ نَصْرَ المؤمنين، ولا يَلزم أنه تعالى يَنتقمُ من كلٍّ، بل قد يعفو، وتَرْكُ الوَقْف على ﴿حَقًّا﴾ إنّما يُوجب نَصْرَ المؤمنين، ولا يحتاج إلى تقديرِ محذوفٍ؛ أي: كان الانتقامُ. ذَكَر هذا المعنى صاحبُ «المُرشد» وزاد: أنه تعالى قد يعفو ولا ينتقمُ كما فَعَل بقوم يونسَ مِنْ صَرْف العذابِ، ولا بدَّ أن يَنْصُرَ المؤمنين على كلِّ حالٍ. وقلت: وفي القول بإيجاب نَصْرِ المؤمنينَ إيجابُ القولِ بالانتقام من الكافرين، وبالعكس كما مَرَّ الكلامُ في الإدراج، والأسلوبُ من باب الطَّردِ والعَكسِ أو التَّذييل. فإن قلت: لِمَ ذهب إلى الإدراج؟ وهَلاّ جَعل القرينتَينِ مستقلَّتينِ في الدّلالةِ كما قالا.
[ ١٢ / ٢٦٤ ]
الْمُؤْمِنِينَ)، وعن رسول الله ﷺ: «ما من امرئ مسلم يردّ عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يردّ عنه نار جهنم يوم القيامة» ثم تلا قوله تعالى: (كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ).
[(الله الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ)] ٤٨ - ٤٩ [
(فَيَبْسُطُهُ) متصلًا تارةً (وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا) أى: قطعًا تارةً (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) في التارتين جميعًا. والمراد بالسماء: سمت السماء وشقها، كقوله تعالى: (وَفَرْعُها فِي السَّماءِ)] إبراهيم: ٢٤ [، وبإصابة العباد: إصابة بلادهم وأراضيهم (مِنْ قَبْلِهِ) من باب التكرير والتوكيد، كقوله تعالى: (فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها)] الحشر: ١٧ [. ومعنى التوكيد فيه: الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد، فاستحكم بأسهم وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك.
_________________
(١) ـ قلتُ: لا بُدَّ من القولِ به؛ لأنَّ موقعَ قولِه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ موقعُ التوكيدِ والتَّذييلِ والتعليل من قوله: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ لأنَّ المعنى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فكذَّبوهم واستهزؤوا بهم وقَصَدوا الفَتْكَ بهم، ﴿فَانتَقَمْنَا﴾ منهم ونَصَرْنا المؤمنين، وقد جَرت سُنَّةُ الله بالانتقام والنَّصر. قوله: (ما من امرئ مسلم) الحديث بتمامه مذكورٌ في «شرح السُّنة» عن أبي الدَّرداء. قوله: (وشِقّها) أي: ناحيتها. الأساس: قعد في شِقٍّ من الدّار؛ أي: ناحيةٍ منها. قوله: (وتمادي إبلاسُهم)، الأساس: ناقةٌ مِبْلاس: لا تَرْغو من شِدّة الضَّبَعَة، وقد أبلَسَتْ، ومنه أبلَسَ فلانٌ: إذا سَكت من يأس، ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
[ ١٢ / ٢٦٥ ]
[(فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ الله كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)] ٥٠ [
قرئ: "أثر" و(آثار) على الوحدة والجمع. وقرأ أبو حيوة وغيره: (كيف تحيى)، أى: الرحمة (إِنَّ ذلِكَ) يعنى: إنّ ذلك القادر الذي يحيى الأرض بعد موتها: هو الذي يحيى الناس بعد موتهم
_________________
(١) قوله: (قرئ: «أَثَرِ» و﴿آثَارِ﴾ على الوحدة والجمع) على الوحدة: نافعٌ وابن كثيرٍ وأبو عمرٍو وأبو بكرٍ، والباقون: على الجمع. قوله: (وقرأ أبو حَيوةَ وغيرُه: «كيف تُحيي»؛ أي: الرحمة) قال ابن جِنِّي: قرأها الجَحْدريُّ وابنُ السَّميفع وأبو حيوة ذهب بالتأنيث إلى لفظ الرَّحمةِ، ولا يقول على هذا: أما ترى إلى غلامِ هندٍ كيف تَضْرِب زيدًا؟ بالتاء. والفَرقُ أنَّ الرحمةَ قد يقوم مقامَها أَثرُها، فإذا ذكَرتَ أثرَها فكأنَّ الغرضَ إنما هو هي، وليس كذلك غلامُ هندٍ. وقوله: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ جملة منصوبةُ المحَلِّ على الحال حملًا على المعنى لا على اللَّفظ، وذلك أن اللّفظ استفهامٌ، والحال ضربٌ من الخبر، والاستفهام والخبر متدافعان. وتلخيص كونه حالًا قولُك: فانظر إلى أَثرِ رحمةِ الله مُحييةً للأرضِ بعد موتها. قوله: (الذي يحيي الأرض بعد مَوتها: هو الذي يُحيي الناسَ بعد موتِهم)، «يحيي» الأول حكايةُ حالٍ ماضيةٍ بشهادة قولِه: ﴿فَانظُرْ﴾؛ لأنَّ الأمر بالنَّظرِ مسبوقٌ بوجود المنظورِ إليه، وإنّما عَدَل إلى المضارع لإحضارِ تلك الحالةِ العَجيبةِ الشأنِ في مشاهدة السامِع، وهي اخضرارُ الأرضِ بآثار رحمةِ الله بعد جَفافِها نَحْوَ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ
[ ١٢ / ٢٦٦ ]
(وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من المقدورات قادر، وهذا من جملة المقدورات بدليل الإنشاء.
[(وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ)] ٥١ - ٥٣ [
(فَرَأَوْهُ) فرأوا أثر رحمة الله؛ لأنّ رحمة الله هي الغيث، وأثرها: النبات. ومن قرأ بالجمع: رجع الضمير إلى معناه؛ لأنّ معنى آثار الرحمة النبات، واسم النبات يقع على القليل والكثير، لأنه مصدر سمى به ما ينبت. (ولئن): هي اللام الموطئة للقسم، دخلت على حرف الشرط، و(لَظَلُّوا) جواب القسم سدّ مسدّ الجوابين، أعنى: جواب القسم وجواب الشرط، ومعناه: ليظلنّ، ذمّهم الله تعالى بأنه إذا حبس عنهم
_________________
(١) ـ السماء ماء فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]. قال: صُرِفَ من الماضي إلى لفظ المضارع لنُكتةٍ فيه، وهي إفادةُ بقاء أثَرِ المطر زمانًا بعدَ زمانٍ. وأما «يُحيي» الثاني فمضارعٌ، ولمّا كان وَعْدُ الله مقطوعَ الحصولِ جيءَ به في التنزيل اسمًا مع اللام خبرًا لـ (أنَّ) واسمُه اسمُ الإشارةِ، والمشارُ إليه ما يُفهم من الكلام السابق الدالِّ على القُدرة الباهرة، ولذلك قال: «ذلك القادر»، وذُيِّلَتْ بقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قوله: (﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من المَقدُورات قادرٌ)، الراغب: القديرُ: هو الفاعلُ لِمَا يشاءُ على قَدْر ما تَقتضيه الحكمةُ لا زائدًا ولا ناقصًا، ولهذا لا يصحُّ أن يُوصفَ به إلاّ الله تعالى. قوله: (ومعناه: ليَظَلُّنَّ)، قال أبو البقاء: ﴿لَّظَلُّوا﴾ بمعنى: لَيَظَلُّنَّ؛ لأنَّه جوابُ الشَّرط، وكذلك ﴿أَرْسَلْنَا﴾ بمعنى: يُرسل.
[ ١٢ / ٢٦٧ ]
القطر قنطوا من رحمته وضربوا أذقانهم على صدورهم مبلسين، فإذا أصابهم برحمته ورزقهم المطر؛ استبشروا وابتهجوا، فإذا أرسل ريحًا فضرب زروعهم بالصفار، ضجوا وكفروا بنعمة الله، فهم في جمع هذه الأحوال على الصفة المذمومة؛ كان عليهم أن يتوكلوا على الله وفضله، فقنطوا، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها، فلم
_________________
(١) وقال صاحب «الكشف»: الماضي بمعنى المستقبل؛ كقوله تعالى: ﴿لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ﴾، ثم قال: ﴿لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨]. وقال مكّي: ﴿لَّظَلُّوا﴾ معناه: لِيَظَلُّوا، فالماضي في موضع المستقبَل، وحَسُن هذا؛ لأنَّ الكلامَ بمعنى المجازاةِ، والمجازاةُ لا تكونُ إلا بمُستقبَل. هذا مذهبُ سيبويه. قوله: (بالصُّفار) والصُّفار بالضم: صُفْرةٌ تعلو اللَّونَ والبَشَرة، وصاحبه مَصْفورٌ. الأساس: رجلٌ مَصْفُورٌ وبه صُفار: داءٌ يَصفر منه. قوله: (فهم في جميع هذه الأحوال) نتيجة قوله: «ذمَّهم الله». وقوله: «كان عليهم أن يتوكَّلوا» إلى آخِره، بيانٌ لتعكيس أُمورِهم في جميع ما به ذَمَّهم اللهُ تعالى في الآيات الثلاث: إحداها: قولُه: ﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾، وهو المراد من قوله: «إذا حَبسَ عنهمُ القَطْرَ قَنَطُوا من رحمته»، وبيانٌ لتعكيسِهم فيه قوله: «كان عليهم أن يتوكَّلوا على اللهِ فقَنَطُوا». وثانيتها: قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ﴾ الآية، وبه عني بقوله: «فإذا أصابَهم برحمتِه» إلى آخِره، وبيانُ التَّعكيسِ فيه قولُه: «وأن يَشكُروا نِعْمتَه فلم يَزيدوا على الفَرَح». وثالثتُها: قولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ الآية، ويُفَسِّره: «فإذا أرسلنا عليهم ريحًا» إلى آخِره، وبيانُ التَّعكيس قولُه: «وأن يَصْبروا على بلائه فكَفَروا».
[ ١٢ / ٢٦٨ ]
يزيدوا على الفرح والاستبشار، وأن يصبروا على بلائه، فكفروا. والريح التي اصفرّ لها النبات: يجوز أن تكون حرورًا وحرجفًا، فكلتاهما مما يصوح له النبات ويصبح
_________________
(١) ـ فإن قلتَ: مُقتضى الظاهر أن يُوضعَ موضعَ: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ لم يَحمَدُوا؛ لقوله: «وأن يَشْكُروا نِعمتَه»، ومَوضِعَ ﴿لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ لضَجُّوا وجَزِعُوا؛ لقوله: «وأن يصبروا على بلائه». قلت: إنما عَدَل في الأوَّل ليُؤذِنَ بأنَّ الفرحَ المُفرِطَ بَطَرٌ وأَشَرٌ وليس ذلك من شأن الشّاكر الحامِدِ، بل من دَيْدَنِ الكافر، وأشعَرَ بالثاني أنَّ فقدانَ الصَّبرِ عند نزول البلاء دليلٌ على عدم الرِّضى بالقضاء، وهو إخراجٌ لِرِبْقَةِ العُبوديَّةِ، كما قيل: «من لم يَصبرْ على بلائي؛ فلْيَتَّخذ ربًّا سِواي». فإن قلتَ: قد عُلم من تقديم المصنِّف معنى الإبلاس على الاستبشار أنه راعي معنى لفظ «قبل» في الآية الثانية، فما فائدة تأخيرِه في التَّنزيل وتكرير «قبل»؟ قلت: أخَّرَ الإبلاسَ عن الاستبشار، وأبرزَه في صُورة الشَّرطيَّة إرادةً للمبالغة وتثنيةً للتَّقريع، إذ لو أُريدَ الظاهرُ لقيل: فإذا أصاب به القانطينَ فَعَلوا كذا؛ كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] ولذلك قَطَع ما هو متَّصلٌ بأصل الكلام من قوله: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾، وعلَّق به نوعًا آخَر من التَّوبيخ إشعارًا بتعديد النِّعَم وتكرير تَلقِّيهم إيّاها بالكفران. ألا ترى كيف عقَّب ذلك بقوله: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآيةَ. قوله: (حَرورًا) وهي الرّيحَ الحارَّة، وهي باللّيل كالسَّمُومِ بالنَّهار، والحَرْجَف: الرِّيحُ الباردَةُ.
[ ١٢ / ٢٦٩ ]
هشيمًا. وقال: مصفرّا؛ لأنّ تلك صفرةٌ حادثة. وقيل: فرأوا السحاب مصفرًا، لأنه إذا كان كذلك لم يمطر.
[(الله الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ)] ٥٤ [
قرئ بفتح الضاد وضمها، وهما لغتان. والضم أقوى في القراءة، لما روى ابن عمر ﵄: قال: "قرأتها على رسول الله ﷺ من ضعف، فأقرأنى من ضعف". وقوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) كقوله: (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ)] الأنبياء: ٣٧ [، يعنى: أنّ أساس أمركم وما عليه جبلتكم وبنيتكم الضعف (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا)] النساء: ٢٨ [،
_________________
(١) تصَوَّحَ البقل: إذا يبس أعلاه وفيه نُدُوّة، وصَوَّحتْهُ الرِّيحُ أيبسَتْهُ. كلها في «الصِّحاح». قوله: (وقال مصفرًّا) أي: لم يقل: «أصفر». قوله: (قُرِئَ بفَتْح الضادِ وضَمِّها) أبو بكر وحمزةُ: بالفتح، وعن حفصٍ وجهان، والباقون: بضمِّها. قوله: (لِما روى ابنُ عمرَ) روينا عن الترمذيِّ وأبي داودَ، عن ابنِ عمرَ. قال عطيَّة ابن سعد العوفي: قرأتُ على عبد اللهِ بنِ عمرَ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾ قال: «من ضُعْفٍ»، قرأتُها على رسول الله ﷺ كما قرأتَها عليَّ، فأخَذَ عليَّ كما أخذتُها عليكَ. في «المعالم»: الضمُّ لغةُ قريشٍ، والفتح: لغةُ تميمٍ. قال الزَّجاج: الاختيارُ الضمُّ؛ للرِّواية.
[ ١٢ / ٢٧٠ ]
أي: ابتدأناكم في أوّل الأمر ضعافًا. وذلك حال الطفولة والنشء حتى بلغتم وقت الاحتلام والشبيبة، وتلك حال القوّة إلى الاكتهال وبلوغ الاشدّ، ثم رددتم إلى أصل حالكم وهو الضعف بالشيخوخة والهرم. وقيل: من ضعف من النطف، كقوله تعالى: (مِنْ ماءٍ مَهِينٍ)] السجدة: ٨، المرسلات: ٢٠ [وهذا الترديد في الأحوال المختلفة، والتغيير من هيئةٍ إلى هيئةٍ وصفةٍ إلى صفة: أظهر دليٍل وأعدل شاهٍد على الصانع العليم القادر.
[(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ)] ٥٥ [
(السَّاعَةُ) القيامة، سميت؛ بذلك لأنها تقوم في آخر ساعةٍ من ساعات الدنيا،
_________________
(١) قوله: (أي: ابتدأناكم في أوَّل الأمر ضعافًا) فـ ﴿مِّن﴾ لابتداء الغاية، نحو قول القائل: فلانٌ ربّي فلانًا من فَقْره وجعله غَنيًّا؛ أي: من حالة فقرِه، فقوله: ﴿مِّن ضَعْفٍ﴾ أي: من حالةٍ كان فيها جَنينًا وطِفلًا مولودًا ورضيعًا. قوله: (وبلوغ الأَشُدِّ) قيل: هو ما بين ثماني عشرةَ إلى ثلاثين، وهو واحدٌ على بناء الجمع. وقيل: هو جَمعٌ لا نظير له من لفظه. وكان سيبويه يقول: واحِدُه: شِدَّة. الرّاغب: ويَدلُّ على أنَّ كلَّ واحدٍ من قوله: ﴿ضَعْفٍ﴾ إشارةٌ إلى حالةٍ غيرِ الحالةِ الأُولى؛ ذِكْرُهُ مُنكَّرًا. قوله: (وقيل: من ضُعْف) من النُّطَف، أي: أنشأكم من ماءٍ ذي ضعْف، وهو قِلَّتُه وحَقارتُه كقوله تعالى: ﴿مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾. قوله: (﴿السَّاعَةُ﴾: القيامة)، الراغب: السَّاعة جزءٌ من أجزاء الزَّمانِ، ويعبَّر به عن القيامة كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] سُمِّيت بذلك لسرعةِ حسابها،
[ ١٢ / ٢٧١ ]
أو: لأنها تقع بغتةً وبديهة. كما تقول: في ساعةٍ لمن تستعجله، وجرت علمًا لها كالنجم للثريا، والكوكب للزهرة. وأرادوا: لبثهم في الدنيا، أو في القبور، أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث. وفي الحديث: «ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون» قالوا: لا
_________________
(١) ـ أو لِما نَبَّه عليه بقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وقيل: السّاعاتُ التي هي القيامةُ ثلاثة: السّاعة الكبرى، وهي بَعْثُ النّاس للمُحاسَبة المَشَار إليها بقوله ﷺ: «إنَّ مِن أشراطِ السّاعة: أن يَتقاربَ الزمانُ، ويَنقُصَ العِلمُ، وتَظهرَ الفِتنُ، ويُلقي الشُّحُّ، ويَكثُرَ الهَرْجُ؛ أي: القَتْلُ». أخرجه البخاريٌّ ومسلمٌ والتِّرمذيُّ عن عبد الله وأبي موسى. والسّاعة الوسطى: وهي موتُ أهل القَرْنِ الواحدِ نحوَ ما روى البخاريُّ ومسلمٌ، عن ابن عمرَ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ ذاتَ ليلةٍ العِشاءَ في آخر حياتِه، فلما سلَّم قال: «أَرأيتُكم ليلَتكم هذه، فإنَّ على رأس مئة سَنَةٍ لا يَبقى ممَّن هو اليومَ على ظَهر الأرضِ أحد». وزاد الترمذيُّ وأبو داودَ: وقال ابنُ عمرَ: وإنَّما قال رسولُ الله ﷺ: «لا يبقى اليومَ ممَّن هو على ظَهْر الأرضِ» يريد بذلك أن يَنخَرِمَ ذلك القَرْنُ. والسّاعةُ الصُّغرى، وهي موتُ الإنسانِ، فساعةُ كلِّ إنسانٍ موتُه. وذلك نحو ما روى البخاريُّ ومسلمٌ، عن عائشةَ ﵂ قالت: كان الأعرابُ إذا قَدِموا على رسولِ الله ﷺ سألوه عن السّاعةِ: مَتى السّاعةُ؟ فنَظَر إلى أحدَثِ إنسانٍ منهم، فقال: «إن يَعِشْ هذا لم يُدركْهُ الهَرَمُ حتى تَقومَ عليكم ساعتُكم». قال هشامٌ: يعني: موتَهم. قوله: (وفي الحديث: «ما بينَ فَناءِ الدُّنيا إلى وَقْت البَعْثِ أربعونَ») الحديثَ، من رواية
[ ١٢ / ٢٧٢ ]
يعلم أهي أربعون سنةً أم أربعون ألف سنة؟ وذلك وقت يفنون فيه وينقطع عذابهم، وإنما يقدّرون وقت لبثهم بذلك على وجه استقصارهم له. أو ينسون أو يكذبون. أو يخمنون (كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ) أى: مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون عن الصدق والتحقيق في الدنيا، وهكذا كانوا يبنون أمرهم على خلاف الحق. أو مثل ذلك الإفك كانوا يؤفكون في الاغترار
_________________
(١) البخاريِّ ومسلمٍ وغيرِهما، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «ما بَين النَّفخَتَينِ أربعونَ» قالوا: أربعونَ يومًا؟ قال أبو هريرة: أَبَيتُ. قَالوا: أربعونَ شهرًا؟ قال: أبَيتُ. قالوا: أربعونَ سَنةً. قال: أبَيتُ. الحديثَ. قوله: (أو يُخمِّنون)، الأساس: التَّخمينُ: الوَهْم والتَّقديرُ، وخَمَّن كذا، أي: حَزَره، وخَمَّنَه يَخمِنُه خَمْنًا. الرّاغب: التَّخمين: أن يَتوهَّم في الشيء أمرًا ما لا عَن أمارةٍ. قوله: (وهكذا كانوا يبنون أمرَهم) عطفٌ تفسيريٌّ على الجملة قبلَه. الراغب: الإفكُ: كلُّ مصروفٍ عن وَجْهِه الذي يحقُّ أن يكونَ عليه، ومنه قيل للرِّياح العادلةِ عن المَهابِّ: مُؤتفِكَة. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ [الحاقة: ٩]. وقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]؛ أي: يُصرفون عن الحقِّ في الاعتقادِ إلى الباطل، ومن الصِّدقِ في المقال إلى الكَذبِ، ومن الجَميل في الفعل إلى القَبيحِ. ومنه قولُه: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩]، ورجلٌ مَافوكٌ. مصروفٌ عن الحقِّ إلى الباطلِ. وقال الواحديُّ: أَفَكَ فلانٌ إفكًا إذا صُرِف عن الصِّدقِ وعن الخيرِ.
[ ١٢ / ٢٧٣ ]
بما تبين لهم الآن أنه ما كان إلا ساعة.
[(وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ الله إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ)] ٥٦ - ٥٧ [
القائلون: هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون. (فِي كِتابِ الله) في اللوح. أو في علم الله وقضائه، أو فيما كتبه، أى: أوجبه بحكمته. ردّوا ما قالوه وحلفوا عليه، وأطلعوهم على الحقيقة تم وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث بقولهم: (فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) أنه حق لتفريطكم في طلب الحق واتباعه. فإن قلت: ما هذه الفاء؟ وما حقيقتها؟ قلت: هي التي في قوله:
فقد جئنا خراسانا
_________________
(١) وقال الكلبيُّ: كَذَبوا في قولهم: ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ كما كذبوا في الدنيا. وقال مقاتلٌ: يقول: هكذا كانوا يُكذِّبون بالبعثِ كما كذبوا أنَّهم لم يلْبَثُوا في قُبورهم إلاّ ساعةً، والمعنى: أنَّ اللهَ أرادَ أن يفضَحَهم فحَلَفُوا على شيءٍ يتبيَّنُ لأهلِ الجمعِ من المؤمنين أنّهم كانوا كاذبينَ في ذلك، ويستدلُّون بكذبِهم هناك على كِذبِهم في الدُّنيا، وكان ذلك مِنَ قضاء الله وقَدَرِه. يعني كما صُرفوا عن الصِّدق في حَلِفِهم حين حَلَفوا كاذبين، صُرِفُوا في الدُّنيا عن الإيمان، ثم ذَكَر إنكارَ المؤمنين عليهم كَذِبَهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [الروم: ٥٦]. قوله: (بما تَبيَّن) صلةُ «الاغترار»، و«ما» موصوفةٌ أو موصولةٌ، يعني: مثل ذلك الإفكِ مطلقًا كانوا يؤفكُون في اغترارهم بشيءٍ ظَهر لهم الآنَ أنَّه ما كان إلاّ ساعةً، وهو طُولُ مُكْثِهم الذي غرَّهم بأنْ كذَّبوا بالبَعث والجزاء، وهو معنى قول مقاتلٍ: هكذا كانوا يكذِّبون بالبَعث. قوله: (فقد جِئنا خُراسانا)، تمامُه:
[ ١٢ / ٢٧٤ ]
وحقيقتها: أنها جواب شرط يدل عليه الكلام، كأنه قال: إن صح ما قلتم من أن خراسان أقصى ما يراد بنا فقد جئنا خراسان، وآن لنا أن نخلص، وكذلك إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث، أى: فقد تبين بطلان قولكم. وقرأ الحسن: (يوم البعث)، بالتحريك، (لا يَنْفَعُ) قرئ بالياء والتاء، (يُسْتَعْتَبُونَ) من قولك: استعتبني فلان فأعتبته، أى: استرضانى فأرضيته، وذلك إذا كنت جانيًا عليه. وحقيقة أعتبته: أزلت عتبه. ألا ترى إلى قوله:
غضبت تميم أن تقتّل عامر … يوم النّسار فأعتبوا بالصّيلم
كيف جعلهم غضابا، ثم قال: فأعتبوا، أى: أزيل غضبهم. والغضب في معنى العتب. والمعنى: لا يقال لهم أرضوا ربكم بتوبةٍ وطاعة، ومثله قوله تعالى: (لا يُخْرَجُونَ مِنْها، وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ)] الجاثية: ٣٥ [. فإن قلت: كيف جعلوا غير مستعتبين في بعض الآيات، وغير معتبين في بعضها، وهو قوله: (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ)] فصلت: ٢٤ [؟ قلت: أما كونهم غير مستعتبين: فهذا معناه. وأما كونهم
_________________
(١) ـ قالوا: خُراسانُ أقصى ما يُرادُ بنا … ثمَّ القُفُولُ، فقد جِئنا خُراسَانا قوله: (وقرأ الحسَنُ: «يوم البَعَثِ») قال ابن جنِّي: «البَعَث» بفتح العين، حرَّك العين لكونهما حرفَ حَلْقٍ. قوله: (﴿لَّا يَنفَعُ﴾ قرئ بالياء)، عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ، والباقون: بالتاء الفوقانيّةِ. قوله: (إذا كنت جانيًا) أي: إذا دُمتَ على جنايتك عليه، فيسترضيك المجني عليه بعَفْوٍ عنه وتَصْرِفُ جنايتَكَ عنه.
[ ١٢ / ٢٧٥ ]
غير معتبين، فمعناه: أنهم غير راضين بما هم فيه، فشبهت حالهم بحال قوم جنى عليهم، فهم عاتبون على الجاني غير راضين عنه، فإن يستعتبوا الله: أى يسألوه إزالة ما هم فيه، فما هم من المجابين إلى إزالته.
[(وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ الله عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ)] ٥٨ - ٦٠ [
(وَلَقَدْ) وصفنا لهم كل صفةٍ كأنها مثل في غرابتها، وقصصنا عليهم كل قصةٍ عجيبة الشأن، لصفة المبعوثين يوم القيامة، وقصتهم، وما يقولون وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم ولا يسمع من استعتابهم، ولكنهم لقسوة قلوبهم ومج أسماعهم حديث الآخرة إذا جئتهم بآيةٍ من آيات القرآن، قالوا: جئتنا بزوٍر وباطل، ثم قال: مثل ذلك الطبع يطبع الله على قلوب الجهلة. ومعنى طبع الله: منع الألطاف التي تنشرح لها الصدور حتى تقبل الحق، وإنما يمنعها من علم أنها لا تجدى عليه ولا تغني
_________________
(١) ـ قوله: (فشُبِّهت حالُهم بحال قومٍ)، هذا على معنى كونهم غيرَ مُعتَبين، وعلى معنى كونهم غيرَ مُستَعْتَبِينَ وهو جارٍ على الحقيقة؛ لأنَّهم بحيث لا يقال لهم: أرضُوا ربَّكم بالتَّوبة والطاعة. قوله: (يَطبعُ اللهُ على قلوب الجَهَلَةِ) يعني: قولُه: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وُضِعَ موضعَ الراجعِ إلى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أو أنَّه عام يَدخلُ أولئك فيه دُخولًا أَوَّليًّا؛ وكلامُه محتَمِلٌ المعنَيينِ. وقال القاضي: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ لا يطلبون العلمَ، ويُصرُّون على خُرافاتٍ اعتَقَدوها، فإنَّ الجهلَ المركَّب يَمنعُ إدراكَ الحَقِّ، ويُوجب تكذيبَ المُحِقِّ. وقلت: كأنَّه ذَهب إلى الاحتمال الأوَّل.
[ ١٢ / ٢٧٦ ]
عنه، كما يمنع الواعظ الموعظة من يتبين له أنّ الموعظة تلغو ولا تنجع فيه، فوقع ذلك كنايةً عن قسوة قلوبهم وركوب الصدأ والرين إياها، فكأنه قال: كذلك تقسو وتصدأ قلوب الجهلة، حتى يسموا المحقين مبطلين، وهم أعرق خلق الله في تلك الصفة، (فَاصْبِرْ) على عداوتهم (إِنَّ وَعْدَ الله) بنصرتك وإظهار دينك على الدين كله (حَقٌّ) لا بدّ من إنجازه والوفاء به، ولا يحملنك على الخفة والقلق جزعًا مما يقولون ويفعلون فإنهم قوم شاكون ضالون لا يستبدع منهم ذلك. وقرئ بتخفيف النون. وقرأ ابن أبى إسحاق ويعقوب: (ولا يستحقنك)، أى: لا يفتننك فيملكوك ويكونوا أحق بك من المؤمنين.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسناٍت بعدد كل ملك سبح الله بين السماء والأرض، وأدرك ما ضيع في يومه وليلته».
_________________
(١) ـ قوله: (ولا يَحملَنَّك على الخِفَّة والقَلَق جَزَعًا)، فاعل «لا يَحمِلَنَّك»: ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾، على مِنْوال: لا أرَينَّكَ هنا و«جَزَعًا» تمييزٌ، والظاهر أنه مفعولٌ له، وإن لم يكن فعلًا لـ ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾؛ لأنه لمّا كان المنهيُّ في الحقيقة رسولَ الله ﷺ جاز ذلك، و«مما يقولون» متعلِّق بـ «جزعًا». المعنى: لا يَحمِلَنَّك الذين لا يُوقنون على ما يَدخُلُكَ منه خفّة؛ لأن يُجزع من قولهم؛ أي: لا تكُن بحيث يَحمِلُكَ الجَزَعُ على الخِفَّة والعَجَلة، فَتَمْنعَكَ من تبليغ الرِّسالة؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعراف: ٢]. والله أعلم. تَمَّتِ السُّورة بحمد الله وعَوْنه، وبالله المُستعان.
[ ١٢ / ٢٧٧ ]