مكية، وهي تسع وثمانون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ١ - ٤]
أقسم بالكتاب المبين، وهو القرآن، وجعل قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ جوابًا للقسم، وهو من الأيمان الحسنة البديعة؛ لتناسب القسم والمقسم عليه، وكونهما من واد واحد، ونظيره قول أبي تمام:
وثناياك إنّها إغريض
_________________
(١) ـ سورة الزخرف مكية، وهي تسع وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (وثناياك إنها إغريض): تمامه لأبي تمام: ولآل توم وبرق وميض ؟
[ ١٤ / ٩٤ ]
_________________
(١) وأقاح منور في بطاح هزه … في الصباح روض أريض "الإغريض" والغريض: الطلع والبرد وكل أبيض طري، "توم": واحده: تومة، وهي حبة تعمل من الفضة كالدرة، وأرض أريضة: زكية، وأرضت الأرض -بالضم-: زكت. قال صاحب "التقريب": المقسم به: ذات القرآن المصحح بالمعجز، والمقسم عليه: وصفه، وهو جعله عربيًا، فتغايرا، وفي قوله: "المقسم به ذات القرآن" نظر، لأنه وصف الكتاب بـ"المبين"، فأقسم تعالى بالكتاب المبين على إثبات كونه مبينًا؛ أي: عربيًا غير عجمي لكي تعقله العرب، فظهر أن المقسم به والمقسم عليه ليسا متغايرين، قال محيي السنة: "أقسم بالكتاب الذي أبان طريق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾ "، وقال الإمام: "التقدير: هذه ﴿حم﴾، ثم ابتدأ وقال: ﴿والْكِتَابِ المُبِينِ﴾، والمراد به: الكتابة والخط، أقسم بالكتابة لكثرة ما فيها من المنافع، فإن العلوم إنما تكاملت بسبب الخط، فإن المتقدم إذا استنبط علمًا أثبته في كتاب، وجاء المتأخر وزاد عليه، فتتكاثر بها الفوائد". والمصنف سلك مسلك أهل الذوق، فإن المحب المستهتر لا يرى الدنيا إلا بعين محبوبه، ولا يؤثر عليه شيئًا، قال: إن المحبة أمرها عجب ؟
[ ١٤ / ٩٥ ]
_________________
(١) ـ كما أن الشاعر لما أراد المبالغة في وصف ثغر المحبوبة جعله مقسمًا به، ولما لم يكن عنده شيء أعز منه أقسم به عليه، ولعمري أن آل "حم" جدير بذلك، روينا عن الدرامي عن سعد بن إبراهيم قال: "كن الحواميم يسمين العرائس"، وروى الزجاج مرفوعًا: "مثل الحواميم في القرآن مثل الحبرات في الثياب". وقال الحريري في "درة الغواص": "ووجه الكلام في "حواميم": ألا يقال: قرأت "حم"، بل: آل "حم"، وعن ابن مسعود: "آل (حم) ديباج القرآن"، وكما روى عنه أنه قال: "إذا وقعت في آل (حم) وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن"، قال الكميت في "الهاشيمات": وجدنا لكم في آل حم آية نأولها منا تقي ومعرب ؟
[ ١٤ / ٩٦ ]
﴿الْمُبِينِ﴾ البين للذين أنزل عليهم، لأنه بلغتهم وأساليبهم، وقيل: الواضح للمتدبرين، وقيل: ﴿الْمُبِينِ﴾ الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الديانة.
﴿جَعَلْناهُ﴾ بمعنى: صيرناه؛ معدّى إلى مفعولين، أو بمعنى: خلقناه؛ معدّى إلى واحد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ﴿[الأنعام: ١]، و﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال، و"لعلّ" مستعار لمعنى الإرادة؛ لتلاحظ معناها ومعنى الترجي، أي: خلقناه عربيًا غير عجمي إرادة أن تعقله العرب، ولئلا يقولوا: لولا فصلت آياته.
_________________
(١) ـ يعني: قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] ". قوله: (أو بمعنى: خلقناه): هذا التفسير يأباه ما ذهب إليه من تعظيم الكتاب، وقوله: "مقسمًا به وعليه"؛ لأنه من سمات النقص، ومن وصفه بقوله: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، روى محيي السنة: "قد مضى سلف هذه الأمة وعلماء السنة على أن القرآن كلام الله ووحيه ليس بخالق ولا مخلوق، والقول بخلق القرآن ضلالة وبدعة لم يتكلم به أحد في عهد الصحابة والتابعين، وعن جعفر الصادق: أنه سئل عن القرآن فقال: أقول فيه ما يقول أبي وجدي: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله تعالى". قوله: (و"لعل" مستعار بمعنى الإرادة): الانتصاف: "الصحيح أن معناه: لتكونوا بحيث يرجى منكم التعقل، وهو تأويل مطرد، قال سيبويه". ؟
[ ١٤ / ٩٧ ]
وقرئ: "إمّ الكتاب" بالكسر، وهو اللوح، كقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢]، سمي بأم الكتاب؛ لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب، منه تنقل وتستنسخ، "علي" رفيع الشأن في الكتب؛ لكونه معجزًا من بينها، ﴿حَكِيمٌ﴾ ذو حكمة بالغة، أي: منزلته عندنا منزلة كتاب هما صفتاه، وهو مثبت في أم الكتاب هكذا.
[﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ٥]
_________________
(١) ـ قوله: ("علي"رفيع الشأن) يؤذن بأن قوله: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ خبران لـ"إن"، وقوله: "منزلته عندنا منزلة كتاب هما صفتاه": يشعر بأنهما صفتان لكتاب آخر، وقوله: "وهو مثبت في أم الكتاب" على أن ﴿فِي أُمِّ الكِتَابِ﴾ أيضًا خبر، فكيف التأليف؟ قلت: تأليفه: أن هذا الكتاب -الذي لديكم أبان طريق الهدى، وأبان ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الدنيا- بمنزلة عظيمة عندنا، بمنزلة كتاب موصوف بهذين الوصفين، وهو كونه رفيع الشأن ذا حكمة بالغة، وهو على هذا الوصف والبيان ومثبت في اللوح، والمراد بـ"كتاب هما صفتاه" هو هو، ففيه لمحة من التجريد. قال صاحب "الكشف": " ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ خبران لـ"إن"، وقوله: ﴿فِي أُمِّ الكِتَابِ﴾ من صلة "علي"، أي: إنه لعلي في هذا المحل، وإنما كان ذلك لمكان اللام، نحوه قولك: أن زيدًا في الدار لقائم. وقال أبو البقاء: " ﴿فِي أُمِّ الكِتَابِ﴾ متعلق بـ ﴿لَعَلِيٌّ﴾، واللام لا تمنع ذلك". وال القاضي: " ﴿فِي أُمِّ الكِتَابِ﴾ متعلق بـ"علي" أو حال منه، و﴿لَدَيْنَا﴾ بدل منه أو حال من ﴿أُمِّ الكِتَابِ﴾ ". ؟
[ ١٤ / ٩٨ ]
﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ بمعنى: أفننحي عنكم الذكر ونذوده عنكم، على سبيل المجاز، من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض، ومنه قول الحجاج: ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، وقال طرفة:
أضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسّيف قونس الفرس
والفاء للعطف على محذوف، تقديره: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر،
_________________
(١) ـ قوله: (ونذوده عنكم، على سبيل المجاز): أي: الاستعارة التمثيلية، أستعار للتنحية "الضرب" الذي بمعنى الذياد، بعد أن شبه حالة هذه التنحية بحالة ذود غرائب الإبل عن الحوض، وبولغ فيه، ثم استعمل هنا ما كان مستعملًا هناك. قال الميداني: "ضربه ضرب غرائب الإبل، ويروى: أضربه ضرب غريبة الإبل، وذلك أن الغريبة تزدحم على الحياض عند الورد، وصاحب الحياض يطردها ويضربها بسبب إبله، ومنه قول الحجاج في خطبته يهدد أهل العراق: "والله لأضربنكم ضرب غرائب الإبل"، قال الأعشى: كطوف الغريبة وسط الحياض تخاف الردى وتريد الجفار! يضرب في دفع الظالم عن ظلمه بأشد ما يمكن". قوله: (اضرب عنك الهموم) البيت: أي: "اضربن"، فحذفت النون الخفيفة، وحركت الباء بالفتح، و"طارقها": ما يطرق بالليل، وهو بدل اشتمال من "الهموم". و"القونس": منبت شعر الناصية، وهو عظم ناتئ بين أذني الفرس، والبيت يحتمل المشاكلة أيضًا. ؟
[ ١٤ / ٩٩ ]
إنكارًا لأن يكون الأمر على خلاف ما قدّم؛ من إنزاله الكتاب، وخلقه قرآنًا عربيًا، ليعقلوه ويعملوا بمواجبه.
و﴿صَفْحًا﴾ على وجهين؛ إما مصدر؛ من: صفح عنه: إذا أعرض، منتصب على أنه مفعول له، على معنى: أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضًا عنكم، وإمّا بمعنى الجانب؛ من قولهم: نظر إليه بصفح وجهه وصفح وجهه، على معنى: أفننحيه عنكم جانبًا، فينتصب على الظرف، كما تقول: ضعه جانبًا،
_________________
(١) ـ قوله: (وخلقه قرآنًا عربيًا): يريد: أن "جعل" في قوله: ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾ بمعنى: خلق، وربما تعذر له حين فسره في مقامه بمعنى الخلق، لكن إعادته هنا بمجرد التعصب والتبجح لمذهبه، هذا عند أهل الأصول سهل؛ لأنهم يوافقونهم في الحروف المتوالية والكلمات المتعاقبة، ونحن -معاشر السنة- نقتفي آثار السلف الصالح في الإمساك عن أمثال هذه الجرأة، وبذل الجهد في تعظيم جانب كلام الله المجيد، لاسيما وقد وضع ﴿الذِّكْرَ﴾ موضع الضمير، والمقام يقتضي التفخيم لقوله: ﴿وإنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. ؟
[ ١٤ / ١٠٠ ]
وامش جانبًا. وتعضده قراءة من قرأ: "صفحًا" بالضم، وفي هذه القراءة وجه آخر، وهو أن يكون تخفيف "صفح"؛ جمع "صفوح"، وينتصب على الحال، أي: صافحين معرضين.
﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ أي: لأن كنتم، وقرئ: "إن كنتم"، و"إذ كنتم".
فإن قلت: كيف استقام معنى إن الشرطية، وقد كانوا مسرفين على البتّ؟ قلت: هو من الشرط الذي ذكرت أنه
_________________
(١) ـ قوله: (وتعضده قراءة من قرأ "صفحًا"): لأنه -على هذا- ليس بمصدر، فلا يصلح أن يكون منصوبًا مفعولًا له. الجوهري: "نظر إليه بصفح وجهه، أي: بعرضه. قال أبو عبيدة: ضربه بصفح السيف، والعامة تقول مفتوحة، أي: بعرضه". قوله: (تخفيف "صفح"، جمع "صفوح"): النهاية: "في حديث عائشة ﵂ تصف أباها ﵁: "صفوح عن الجاهلين"، أي: كثير الصفح والعفو، وأصله من الإعراض بصفحة الوجه، كأنه أعرض بوجهه عن ذنبه، وهي من أبنية المبالغة". الراغب: "صفح الشيء: عرضه وجانبه، كصفحة الوجه، وصفحة السيف. والصفح: ترك التثريب، وهو أبلغ من العفو، ولذلك قال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وصفحت عنه: أوليته مني صفحة جميلة معرضًا عن ذنبه، أو لقيت صفحته متجافيًا عنه، أو تجاوزت الصفحة التي أثبت فيها ذنبه من الكتاب إلى غيرها، من قولك: تصفحت الكتاب". قوله: (﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾) نافع وحمزة والكسائي: بكسر الهمزة، والباقون: بفتحها. ؟
[ ١٤ / ١٠١ ]
يصدر عن المدل بصحة الأمر المتحقق لثبوته، كما يقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي، وهو عالم بذلك، ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق، مع وضوحه؛ استجهالًا له.
[﴿وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ * وَما يَاتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ * فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٦ - ٨]
_________________
(١) ـ قوله: (عن المدل بصحة الأمر): أي: المتوثق. الأساس: "أدل على قرنه، وهو مدل بفضله وشجاعته، ومنه أسد مدل". المغرب: "التدلل: تفعل من الدلال والدالة، وهما الجرأة". قوله: (استجهالًا له): وكذلك قوله: ﴿أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾ استجهالًا لهم في أنهم مع معرفتهم أن القرآن عربي مبين، وقد أبان طرق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الديانة، فرطوا فيه مثل تفريط من لم يعرف ذلك وشك فيه، فالتعريف في ﴿الذِّكْرَ﴾ للعهد الخارجي التقديري، لأن قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾ في معنى الذكر، قال في سورة (ص): "أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين من الشرائع وغيرها"، بل نضرب عن هذا التقدير صفحًا، ونقول: أن الذكر مظهر وضع مقام المضمر من غير لفظه السابق إشعارًا بالعلية، والمراد به الشرف والصيت، وأن هذا الشرط ليس من المثال المذكور في المتن في شيء، بل هو من قبيل قوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] بالكسر على قراءة نافع من طريق الزبيدي، أي: لا تطع كل حلاف شارطًا يساره، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١]، فهو كالتعليل، فيوافق قراءة الفتح في ﴿أَن كُنتُمْ﴾، وإذ كنتم وأن المراد بالمسرفين: المستهزؤون بآيات الله وكتابه، لقوله بعده: ﴿ومَا يَاتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، فإنه تهديد مرتب عليه، وهذا ما ؟
[ ١٤ / ١٠٢ ]
﴿وَما يَأتِيهِمْ﴾ حكاية حال ماضية مستمرة، أي: كانوا على ذلك، وهذه تسلية لرسول الله ﷺ عن استهزاء قومه.
الضمير في ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ للقوم المسرفين، لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله ﷺ يخبره عنهم،
_________________
(١) ـ يقتضيه النظم الأنيق، وبيانه: أنهم لما استهزؤوا بكتاب الله واستخفوا به ليدفعوه عن أنفسهم عنادًا، فوصف الكتاب أولًا بقوله: ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾، وثانيًا بقوله: ﴿وإنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، عقب ذلك كله منكرًا عليهم بقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ﴾ الآية، يعني: أنه في عالم الشهادة عربي فصيح بليغ، عجز عن الإتيان بمثله الجن والإنس، محتو على أسرار ومعان إذا تفكر فيها أولو الألباب حصلوا على البحر الخضم وكنوز الحكم، وأنه في عالم الغيب لدى الملك ذي الجبروت على المرتبة رفيع الشأن، فإذا كان كذلك وجب أن يشرف قدره، ويعظم شأنه ويتغلغل صيته في كل مدر ووبر، فبسببكم نتركه مهملًا ونضرب عنكم ذكره صفحًا؟ ! كلا. فالهمزة أقمحت بين السبب والمسبب لمزيد الإنكار، لأن ﴿حم * والْكِتَابِ المُبِينِ﴾ إلى آخرها، قسمية واردة لرد المنكرين كما ترى، وهو من الأيمان الحسنة؛ حيث أن المقسم به والمقسم عليه شيء واحد. وما سلك هذا المسلك إلا ليؤذن بأن كتابًا هذا شأنه حقيق بأن يعزر ويكرم ولا يتجاوز عن الإقسام به. قوله: (لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله ﷺ): يعني: خاطبهم بقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾، يعني: أنهملكم فتضرب عنكم الذكر صفحًا بسبب استهزائكم، وفي إنزال هذا الكتاب العظيم سبب لحياة الخلائق أجمعين، بل لا نترككم، ونلزم به الحجة عليكم، فنهلككم كما أهلكنا من هو أشد منكم بطشًا، ولتسلية ؟
[ ١٤ / ١٠٣ ]
﴿وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقها أن تسير مسير المثل، وهذا وعد لرسول الله ﷺ، ووعيد لهم.
[﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ٩ - ١١]
فإن قلت: قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، وما سرد من الأوصاف عقيبه، إن كان من قولهم، فما تصنع بقوله: ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، وإن كان من قول الله، فما وجهه؟ قلت: هو من قول الله لا من قولهم، ومعنى قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. الذي من صفته كيت وكيت، لينسبنّ خلقها إلى الذي هذه أوصافه وليسندنه إليه.
﴿بِقَدَرٍ﴾ بمقدار يسلم معه البلاد والعباد، ولم يكن طوفانًا.
_________________
(١) ـ الرسول ﷺ عن استهزائهم فيهم، أعرض عنهم والتفت إليه صلوات الله عليه قائلًا: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم﴾، وأتى بقوله: ﴿وكَمْ أَرْسَلْنَا﴾ الآيتين معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، مؤكدًا لمعنى التسلية. قوله: (لينسبن خلقها إلى الذي هذه أو صافه): ونظيره قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٤ - ٤٥]، فوصفهم وهم في النار بما عرف منهم في الدنيا، وكانوا منسوبين إليه. وإذا كان من كلام القوم فالمعنى: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن: الله. وقولهم: "الله" متضمن لهذه الأوصاف ومستلزم لها، فكأنهم ذكروا عند ذكرهم هذا هذه الأوصاف كلها ضمنًا، والله تعالى يفسر قولهم: "الله" بهذه الأوصاف. ؟
[ ١٤ / ١٠٤ ]
[﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ١٢ - ١٤]
و﴿الْأَزْواجَ﴾ الأصناف، ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ أي: تركبونه. فإن قلت: يقال: ركبوا الأنعام، وركبوا في الفلك، وقد ذكر الجنسين، فكيف قال: "ما تركبونه"؟ قلت: غلب المتعدّي بغير واسطة لقوّته، على المتعدّي بواسطة،
_________________
(١) ـ روى الأزهري عن أبي الهيثم أنه قال: لا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده خالقًا ورازقًا ومدبرًا وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عبد. وقال المالكي: أن "الله" علم للإله بالحق، جامع لمعاني الأسماء الحسنى، ما علم وما لم يعلم، ونظير تضمن اسم "الله" هذه المعاني في هذا المقام تضمن اسم "حاتم" الجود. روي عنه أنه قال: وهذا حسن، وله نظير عرفًا، وهو أن واحدًا لو أخبر مثلًا أن الشيخ قال كذا، وعنى بالشيخ زيدًا ثم لقيت زيدًا وقلت له: أن فلانًا أخبرني أن زيدًا قال كذا، مع أن فلانًا لم يجر على لسانه: زيدًا، وإنما قال: الشيخ، ولكنك ذكرت ألقابه وأوصافه، كذا هنا، الكفار يقولون: "خلقهن الله"، لا ينكرون ذلك، ثم أن الله ذكر صفاته، أي: أن الله الذي يحيلون عليه خلق السماوات: من صفته كيت وكيت. الانتصاف: "بل بعضه من قولهم، وهو قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، كقوله تعالى: ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾، ثم وصف الله نفسه بذلك، وسيق سياقًا واحدًا، فلذلك حذف الموصوف من كلامه، كما لو قلت لرجل: من أكرمك؟ فقال: أكرمني زيد. قلت لزيد وهو حاضر: أنت الجواد الكريم. ثم جاء أوله على الغيبة، وآخره على الانتقال إلى التكلم في قوله: "أنشرنا" افتنانًا في البلاغة، ومثله قول موسى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ [طه: ٥٢ - ٥٣] على الغيبة والتكلم، وهي مطابقة لهذه". قوله: (غلب المتعدي بغير واسطة لقوته، على المتعدي بواسطة)، الانتصاف: "قوله: "غلب ؟
[ ١٤ / ١٠٥ ]
فقيل: تركبونه. ﴿عَلى ظُهُورِهِ﴾ على ظهور ما تركبونه، وهو الفلك والأنعام.
ومعنى ذكر نعمة الله عليهم: أن يذكروها في قلوبهم معترفين بها مستعظمين لها، ثم يحمدوا عليها بألسنتهم،
_________________
(١) ـ المتعدي" ليس محررًا، فإن الفعل المتعدي إلى "الفلك" هو المتعدي إلى "الأنعام"، غير أن العرب خصته في بعض مفاعيله بواسطة، والاختلاف في آلات التعدي أو في عدد المفاعيل لا يوجب اختلاف المعنى، فالفعل الواحد يعدونه تارةً ويقصرونه أخرى، نحو "شكرت" وأخواتها، ويجعلون الأفعال مترادفة وإن اختلفت متعلقاتها، ويجعلون "علم" وإن تعدى إلى مفعولين مرادفًا لـ "عرف" المتعدي إلى واحد، فالأولى أن يقال: تقديره: وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون فيه، أو يقال: غلب أحد اعتباري الفعل على الآخر، وهو أسهل من التغليب". قلت: ليس غرض المصنف من التغليب هاهنا إلا هذا المعنى. قوله: (ثم يحمدوا عليها بألسنتهم): فإن قلت: كيف دل قوله: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ على قول الحمد؟ قلت: من حيث أن استحضار النعمة موجب للشكر، وفي العدول من "تحمدوا" إلى ﴿تَذْكُرُوا﴾ تصوير حالة كون المركوب مذللًا منقادًا، وأنه لولا تمكين الله لم يتمكن منه، وكذلك قرن به كلمة التعجب وهو قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾، وفي لفظ ﴿هَذَا﴾ مزيد تقرير لمعنى التعجب. ؟
[ ١٤ / ١٠٦ ]
وهو ما يروى عن النبي ﷺ: "أنه كان إذا وضع رجله. في الركاب قال: بسم الله، فإذا استوى على الدابة قال: الحمد لله على كل حال، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿لَمُنقَلِبُونَ﴾، وكبر ثلاثًا، وهلل ثلاثًا"، وقالوا: إذا ركب في السفينة قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١].
وعن الحسن بن علي ﵄: أنه رأى رجلًا يركب دابة فقال: سبحان الذي سخر لنا هذا. فقال: أبهذا أمرتم؟ فقال: وبم أمرنا؟ قال: أن تذكروا نعمة ربكم. كان قد أغفل التحميد، فنبهه عليه، وهذا من حسن مراعاتهم لآداب الله، ومحافظتهم على دقيقها وجليلها، جعلنا الله من المقتدين بهم، والسائرين بسيرتهم،
_________________
(١) ـ روينا عن أحمد والترمذي وأبي داود عن علي ﵁: أنه أتي بدابة، فلما وضع رجله في الركاب، قال: بسم الله، فلما استوى على ظهره، قال: الحمد الله، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ الآية، ثم حمد الله وكبر ثلاثًا، ثم قال: لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل له، فقال: "رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت ثم ضحك"، فقيل: من أي شيء ضحكت؟ فقال: "إن ربك ليعجب من عبده، قال: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أن الذنب لا يغفرها غيري". قوله" (عن النبي ﷺ: أنه كان إذا وضع رجله) الحديث: من رواية مسلم والترمذي وأبي داود والدارمي عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ: كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر، حمد الله تعالى وسبح وكبر ثلاثًا، ثم قال: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا ومَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وإنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، اللهم إنا نسألك البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى"، الحديث. ؟
[ ١٤ / ١٠٧ ]
فما أحسن بالعاقل النظر في لطائف الصناعات، فكيف بالنظر في لطائف الديانات؟
﴿مُقْرِنِينَ﴾ مطيقين، يقال: أقرن الشيء، إذا أطاقه، قال ابن هرمة:
وأقرنت ما حمّلتنى ولقلّما يطاق احتمال الصّد يا دعد والهجر
وحقيقة «أقرنه»: وجده قرينته وما يقرن به؛ لأنّ الصعب لا يكون قرينة للضعيف، ألا ترى إلى قولهم في الضعيف: لا تقرن به الصعبة. وقرئ: "مقرنين"، والمعنى واحد.
فإن قلت: كيف اتصل بذلك قوله: ﴿وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾؟ قلت: كم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت أو طاح من ظهرها فهلك،
_________________
(١) ـ قوله: (فما أحسن بالعاقل النظر): الباء متعلق بـ"أحسن"، وجاز تقديمه على "النظر"، يعني: كما نظرت إلى صنعة من الصناعات المتقنة المؤنقة وتعجبت منها، فانظر إلى كل لطيفة من لطائف الديانة ومحاسن الشريعة، وتعجب منها، فإن كل نطق وسكوت، بل كل حركة وسكون، فيه من الأسرار والحكم ما يقضى منه العجب كل العجب، وإياك أن تغفل عن شيء منها إهمالًا، فتحرم على نفسك كمالات لا غاية لها. قوله: (وأقرنت ما حملتني) البيت: "الهجر": ترك ما يلزمك تعاهده، يقول: قلما يطاق احتمال الإعراض والهجر، وقد أطقت ذلك. قال الزجاج: " ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين، واشتقاقه من قولك: أنا لفلان مقرن، أي: مطيق، أي: قد صرت قرنًا له". قوله" (وقرئ: "مقرنين") بالتشديد، يروى بكسر الراء وفتحها. المطلع: المقرن: الذي يجعل مقرنًا للشيء، أي: مطيقا له، يقال: قرنه فاقترن له. قوله: (أو تقحمت)، الجوهري: "قحم الفرس فارسه تقحيمًا على وجهه؛ إذا رماه". ؟
[ ١٤ / ١٠٨ ]
وكم من راكبين في سفينة انكسرت بهم فغرقوا، فلما كان الركوب مباشرة أمر مخطر، واتصالًا بسبب من أسباب التلف، كان من حق الراكب -وقد اتصل بسبب من أسباب التلف-: أن لا ينسى عند اتصاله به يومه، وأنه هالك لا محالة، فمنقلب إلى الله غير منفلت من قضائه، ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه، حتى يكون مستعدًا للقاء الله بإصلاحه من نفسه، والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله، وهو غافل عنه، ويستعيذ بالله من مقام من يقول لقرنائه: تعالوا نتنزه على الخيل، أو في بعض الزوارق، فيركبون حاملين مع أنفسهم أواني الخمر والمعازف، فلا يزالون يسقون، حتى تميل طلاهم وهم على ظهور الدواب، أو في بطون السفن، وهي تجرى بهم، لا يذكرون إلا الشيطان، ولا يمتثلون إلا أوامره.
وقد بلغني أنّ بعض السلاطين ركب وهو يشرب من بلد إلى بلد بينهما مسيرة شهر، فلم يصح إلا بعد ما اطمأنت به الدار، فلم يشعر بمسيره ولا أحس به، فكم بين فعل أولئك الراكبين وبين ما أمره الله به في هذه الآية.
_________________
(١) ـ قوله: (انكسرت بهم): حال، نحوه قال أبي الطيب: تدوس بنا الجماجم والتريبا قوله: (أن لا ينسى عند اتصاله به يومه): مفعول "ينسى": أي" هلاكه، فيكون قوله: "وأنه هالك لا محالة" عطفًا تفسيريًا. قوله: (والمعازف): الجوهري: "المعازف: الملاهي، والعازف: اللاعب بها والمغني". قوله: (اطمأنت به الدار)، الأساس: "اطمأن إليه: سكن إليه، ووثق به، واطمأن عما ؟
[ ١٤ / ١٠٩ ]
وقيل: يذكرون عند الركوب ركوب الجنازة.
[﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ١٥ - ١٨]
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا﴾ متصل بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ [الزخرف: ٩]، أي: ولئن سألتهم عن خالق السماوات والأرض ليعترفن به، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزءًا، فوصفوه بصفات المخلوقين.
ومعنى: ﴿مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا﴾ أن قالوا: الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءًا له وبعضًا منه، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءًا له.
ومن بدع التفاسير: تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أنّ "الجزء" في لغة العرب: اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث منحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتًا وبيتًا:
إن أجزأت حرّة يوما فلا عجب
زوجتها من بنات الأوس مجزئة
_________________
(١) ـ كان يفعله: تركه، واطمأن به القرار"، أسند الاطمئنان إلى "الدار"، وهو لصاحبها، على المجاز، والجار والمجرور: حال. قوله: (بيتًا وبيتًا): أي: بيتًا بعد بيت، البيت الأول أنشده الزجاج: إن أجزأت حرة يومًا فلا عجب قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا "أجزأت": وضعت أنثى. وقال الزجاج: "ولا أدري: البيت قديم أم مصنوع؟ ". ؟
[ ١٤ / ١١٠ ]
وقرئ: "جزءًا"، بضمتين.
﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ لجحود للنعمة ظاهر جحوده، لأنّ نسبة الولد إليه كفر، والكفر أصل الكفران كله.
﴿أَمِ اتَّخَذَ﴾ بل اتخذ، والهمزة للإنكار، تجهيلًا لهم وتعجيبًا من شأنهم، حيث لم يرضوا بأن جعلوا لله من عباده جزءًا، حتى جعلوا ذلك الجزء شر الجزأين، وهو الإناث دون الذكور، على أنهم أنفر خلق الله عن الإناث وأمقتهم لهنّ، ولقد بلغ بهم المقت إلى أن وأدوهنّ، كأنه قيل: هبوا أنّ إضافة اتخاذ الولد إليه جائزة فرضًا وتمثيلًا، أما تستحيون من الشطط في القسمة؟ ومن ادعائكم أنه آثركم على نفسه بخير الجزأين وأعلاهما، وترك له شرهما وأدناهما؟ !
وتنكير ﴿بَناتٍ﴾ وتعريف ﴿الْبَنِينَ﴾ وتقديمهنّ في الذكر عليهم؛ لما ذكرت في قوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩].
_________________
(١) ـ والبيت الثاني: زوجتها من بنات الأوس مجزئةً للعوسج اللدن في أبياتها زجل "المجزئة": المرأة التي تلد البنات، وعنى بـ"العوسج": المغازل؛ للين عوده ومتانته لغزل الصوف، و"زجل": صوت دور المغزل، وكان هذا الشاعر تزوج امرأةً لها بنات يجتمعن عندها ويغزلن. قوله: (وقرئ: "جزءًا" بضمتين): أبو بكر عن عاصم. قوله: (وتعريف ﴿الْبَنِينَ﴾ وتقديمهن في الذكر عليهم لما ذكرت في قوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ ؟
[ ١٤ / ١١١ ]
﴿بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا﴾ بالجنس الذي جعله له مثلًا، أي: شبهًا؛ لأنه إذا جعل الملائكة جزءًا لله وبعضًا منه، فقد جعله من جنسه ومماثلًا له، لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، يعني: أنهم نسبوا إليه هذا الجنس، ومن حالهم: أن أحدهم إذا قيل له: قد ولدت لك بنت، اغتم واربدّ وجهه غيظًا وتأسفًا، وهو مملوء من الكرب. وعن بعض العرب: أن امرأته وضعت أنثى، فهجر البيت الذي فيه المرأة، فقالت:
ما لأبي حمزة لا يأتينا يظل في البيت الّذى يلينا
غضبان أن لا نلد البنينا ليس لنا من أمرنا ماشينا
وإنّما نأخذ ما أعطينا
والظلول: بمعنى الصيرورة، كما تستعمل أكثر الأفعال الناقصة بمعناها، وقرئ: "مسودّ" و"مسوادّ"، على أن في ﴿ظَلَّ﴾ ضمير المبشر، و﴿وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ جملة واقعة موقع الخبر.
ثم قال: أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته؟
_________________
(١) ـ يَشَاءُ إنَاثًا ويَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾): التقديم في تلك الآية للرد على المعرضين المستوجبين لكل إهانة، وأن يفعل بهم ما لا يشاؤونه، وفي هذه: الرد وارد على نسبة البنات إلى الله ﷿، فكان ذكر "البنات" هو الذي سيق له الكلام أصالةً، وذكر "البنين" مستطردًا لمزيد الإنكار والتتميم فيه، ويحتمل التقديم والتعريف أيضًا أن يكون لمراعاة الفواصل، لكن الوجه هو الأول. قوله: (واربد وجهه): الجوهري: "تربد وجه فلان: تغير من الغضب، وتربد الرجل: أي: تعبس". قوله: (ثم قال: أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته): آذن بأن الواو في ﴿أَوَ مَنْ﴾ تستدعي المعطوف والمعطوف عليه، والمعطوف عليه جملة قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، فيقدر المعطوف أيضًا فعلًا يناسبه، ويكون عاملًا في الموصول، ؟
[ ١٤ / ١١٢ ]
وهو أنه ﴿يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ﴾، أي: يتربى في الزبنة والنعمة، وهو إذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم ومجاراة الرجال، كان غير مبين، ليس عنده بيان، ولا يأتى ببرهان يحتج به من يخاصمه؛ وذلك لضعف عقول النساء ونقصانهنّ عن فطرة الرجال، يقال: قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها.
وفيه: أنه جعل النشء في الزينة والنعومة من المعايب والمذام، وأنه من صفة ربات الحجال، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك، ويأنف منه، ويربأ بنفسه عنه، ويعيش كما قال عمر ﵁: "اخشوشنوا واخشوشبوا وتمعددوا"،
_________________
(١) ـ وأقحمت الهمزة بين المعطوفين لمزيد الإنكار الذي يعطيه معنى الهمزة في ﴿أَمِ﴾ المنقطعة، والجملة الشرطية معترضة لتأكيد المنكر. قوله: (ويربأ بنفسه عنه): أي: يرفع، الأساس: "إني لأربأ بك عن الأمر، أي أرفعك عنه، ولا أرضاه لك". قوله: (اخشوشنوا): النهاية: "اخشوشن الشيء: مبالغة في خشونته، واخشوشن: إذا لبس الخشن- واخشوشب الرجل: إذا كان صلبًا خشنًا في دينه وملبسه ومطعمه وجميع أحواله-، ومنه حديث عمر ﵁: اخشوشنوا". قوله: (وتمعددوا): النهاية: "يقال: تمعدد الغلام: إذا شب وغلظ، وقيل: أراد تشبهوا بعيش معد بن عدنان، وكانوا أهل غلظ وقشف، أي: كونوا مثلهم ودعوا التنعم وزي العجم، ومنه حديثه الآخر: "عليكم باللبسة المعدية"، أي: خشونة اللباس". ؟
[ ١٤ / ١١٣ ]
وإن أراد أن يزين نفسه زينها من باطن بلباس التقوى.
وقرئ: "ينشأ"، و﴿يُنَشَّأُ﴾، و"يناشأ". ونظير المناشأة؛ بمعنى الإنشاء: المغالاة بمعنى الإغلاء.
[﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ ١٩]
قد جمعوا في كفرة ثلاث كفرات، وذلك أنهم نسبوا إلى الله الولد، ونسبوا إليه أخس النوعين، وجعلوه من الملائكة الذين هم أكرم عباد الله على الله، فاستخفوا بهم واحتقروهم.
_________________
(١) ـ الأساس: "رجل ممعود: دوي المعدة، وقد معد. ومن المجاز: تمعدد الصبي: غلظ وصلب وذهب عنه رطوبة الصبا، قال: ربيته حتى إذا تمعددا كان جزائي بالعصا أن أجلدا". قوله: (وإن أراد أن يزين نفسه): عطف على قوله: "أن يجتنب ذلك"، والحاصل أن في ظاهر قوله: ﴿أَوَ مَن يُنَشَّأُ فِي الحِلْيَةِ﴾ إنكار نسبة البنات إلى الله ﷿، وفي العدول إلى هذه الألفاظ من التصريح بذكر "البنات": إدماج لمعنى ذم التشبه بالنساء، وفي مفهوم المدمج رمز إلى الترغيب في التزين بلباس التقوى، والاهتمام بعمارة الباطن، ورفض الالتفات إلى الظاهر. قول: (وقرئ: "ينشأ" و﴿يُنَشَّأُ﴾ و"يناشأ"): الثانية: حفص وحمزة والكسائي، والأولى: الباقون، والثالثة: شاذة. ويروي: "ينشأ" بضم الياء والتخفيف. عن بعضهم: أنشأ. ونشأ وناشأ، نحو: أعلى وعلا وعالى، يقال: أعلاه الله فعلا، وعالاه: أي: أعلاه، وعلاه وأعلاه وعالاه: بمعنى. ؟
[ ١٤ / ١١٤ ]
وقرئ: ﴿عباد الرحمن﴾، و"عبيد الرحمن"، و"عند الرحمن" -وهو مثل لزلفاهم واختصاصهم- و﴿إِنَاثَا﴾، و"أنثَا"؛ جمع الجمع.
ومعنى "جعلوا": سموا وقالوا: إنهم إناث، وقرئ: ﴿أَشَهِدُوا﴾، و"أاشهدوا"؛ بهمزتين مفتوحة ومضمومة، و"آأشهدوا"؛ بألف بينهما، وهذا تهكم بهم، بمعنى أنهم يقولون ذلك من غير أن يستند قولهم إلى علم، فإن الله لم يضطرهم إلى علم ذلك، ولا تطرّقوا إليه باستدلال، ولا أحاطوا به عن خبر يوجب العلم، فلم يبق إلا أن يشاهدوا خلقهم، فأخبروا عن هذه المشاهدة.
﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ التي شهدوا بها على الملائكة من أنوثتهم، ﴿وَيُسْئَلُونَ﴾ وهذا وعيد، وقرئ: "سيكتب"، و"سنكتب"؛ بالياء والنون، و﴿شَهَادَتُهُم﴾، و"شهاداتهم"، و"يساءلون"؛ على: يفاعلون.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾): الحرميان وابن عامر: "عند الرحمن"، بالنون ساكنةً وفتح الدال، والباقون: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾. قوله: (ومعنى "جعلوا": سموا وقالوا: إنهم إناث): قال الزجاج: "الجعل هنا في معنى القول والحكم على الشيء، تقول: جعلت زيدًا أعلم الناس، أي: قد وصفته بذلك وحكمت به". قوله: (وقري: ﴿أَشَهِدُوا﴾ و"أاشهدوا"): قالون: بهمزتين؛ الثانية مضمومة مسهلة بين الهمزة والواو، وقالون- من رواية أبي نشيط بخلاف عنه- يدخل قبلها ألفًا، والشين ساكنة، والباقون: بهمزة واحدة مفتوحة وفتح الشين. قوله: (وهذا تهكم بهم): يعني: قوله: ﴿أَشَهِدُوا﴾ من باب التقسيم الحاضر، كما سبق مرارًا. ؟
[ ١٤ / ١١٥ ]
[﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ٢٠]
﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ هما كفرتان أيضًا مضمومتان إلى الكفرات الثلاث، وهما: عبادتهم الملائكة من دون الله، وزعمهم أن عبادتهم بمشيئة الله، كما يقول إخوانهم المجبرة.
_________________
(١) ـ قوله: (هما كفرتان أيضًا): الجوهري: "الكفر- بالفتح-: التغطية، وقد كفرت الشيء أكفره- بالكسر- كفرًا؛ أي: سترته. والكفر أيضًا: ظلمة الليل وسواده، وكل شيء غطى شيئًا فقد كفره، قال ابن السكيت: ومنه سمي الكافر، لأنه يستر نعم الله ﷾". قوله: (مضمومتان إلى الكفرات الثلاث): وهي ما عدها في قوله: إنهم جعلوا له من عباده جزاءًا، وإنه اتخذ بنات وأصفاهم بالبنين، وإنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثًا، وإنهم عبدوهم وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم. وأعلم أنه ذهب إلى قوله تعالى: ﴿وقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ﴾ معطوف على قوله: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، وعلى قوله: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا﴾، ولا ارتياب في كون قولهم فيهما واعتقادهم كفرًا، فكذلك ينبغي حكم المعطوف، وإذا كان لقول بمشيئة الله كفرًا كان قول أهل السنة: "إن كفر الكافر بمشيئة الله" مثل قولهم، فيجب أن يكونوا أمثالهم، وإليه الإشارة بقوله: "كما يقول إخوانهم المجبرة". واتجه عليه سؤال، وهو أنهم ذكروا ذلك استهزاء وسخرية، فذموا لذلك، نقل هذا القول الإمام عن بعض المفسرين. وفي "التيسير": قالوا ذلك استهزاء بقول أهل الحق: أن الكائنات كلها بمشيئة الله، لا اعتقادًا منهم، فلذلك كذبهم وجهلهم. وأجاب عنه: بأن صرف الكلام من الحقيقة من غير صارف غير جائز، على أنا بينا أن الآيات كلها مسوقة على وتيرة واحدة، فإما أن تجرى كلها مجرى الاستهزاء، أو تؤول بأسرها على ما هي عليه، وإما أن يجعل بعضها استهزاء. ولا سبيل إلا الأول؛ لأن القول به يفضي إلى أن الكفار استهزؤوا بجعل الملائكة جزءًا لله، وبجعلها بنات لله وإناثًا، وهذا عين الإيمان، ؟
[ ١٤ / ١١٦ ]
_________________
(١) والقول به مستلزم للمدح- ألا ترى إلى قوله في حكاية المنافقين: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]: "المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتدًا به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته"-، ولا إلى الثالث؛ لأن الذهاب إليه مما يخرم النظم، ويأباه أيضًا قوله تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، لأن المستهزئ لا يكذب، ولكن يوبخ على استهزائه، فلا يقال: ﴿إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ إذا استهزؤوا بذلك القول. ثم أن الزجاج ذكر ما يصح أن يقع جوابًا عن هذا، وهو أن قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ عائد إلى قولهم: "الملائكة بنات الله"، لا إلى قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾، فأورده المصنف على نفسه سؤالًا، وأجاب: أنه "تمحل مبطل وتحريف مكابر". وصحح الإمام رد المصنف، وقال: "إن ذلك يؤدي إلى أنه تعالى حكى عن القوم قولين باطلين، وبين وجه بطلانهما، ثم حكى بعدهما مذهبًا ثالثًا في مسألة أجنبية، ثم حكم ببطلانها أيضًا، فصرف هذا الإبطال عن المذكور عقيبه، إلى كلام متقدم عليه: غاية البعد"، وقرر أيضًا رد المصنف القول بالاستهزاء، ثم قال: "والحق عندي: هو أن القوم لما ذكروا هذا الكلام استدلوا بمشيئة الله للكفر على أنه لا يجوز ورود الأمر بالإيمان، واعتقدوا أن الأمر والإرادة يجب كونهما متطابقين، وهذا عندنا باطل، والقوم لم يستحقوا الذم بمجرد قولهم: أن الله يريد الكفر من الكافر، بل لأجل أنهم قالوا: لما أراد الكفر من الكافر وجب أن يقبح منه أمر الكافر بالإيمان". ويقرب منه ما روى الواحدي عن صاحب النظم: "أن هذا القول حق، وإن كان من الكفار، وهذا كقوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]، وإن جعلت قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ ردًا لقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾، كان المعنى: أنهم قالوا: أن شاء الله قدرنا على عبادتها، فلم يعاقبنا؟ لأنه رضي بذلك هنا. وهذا كذب منهم، لأن الله ؟
[ ١٤ / ١١٧ ]
_________________
(١) ـ تعالى وإن أراد كفر الكافر فإنه لا يرضاه، وتقديره الكافر على الكفر لا يكون عن رضًا منه". ومآل هذين القولين يرجع إلى أن التكذيب في قوله: ﴿إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ راجع إلى مؤدى قوله: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ﴾، لا إلى معناه الظاهر. وقال صاحب "الفرائد": "لأهل السنة فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم ادعوا أن الله أمره بعبادة الملائكة، وقالوا: لو شاء أن لا نعبد لنهانا، فإذا لم ينهنا عنها فقد أمرنا. وثانيها: لو شاء الله أن لا نعبدهم لمنعنا عن عبادتهم منع قهر واضطرار، وإذا لم يفعل ذلك فقد أباح لنا. وثالثها: أنهم قالوا هذا القول استهزاءً بقول أهل الحق: أن الكائنات كلها بمشيئة الله تعالى، وحين لم يعتقدوا بما قالوا، فأكذبهم الله فيه وجهلهم، كما أخبر عنهم: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، هذا حق في الأصل، ولكن قالوا ذلك استهزاء، فأكذبهم بقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧]، وكذلك قوله: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، فقولهم: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾: معناه: ليس لهم عليه حجة، وهو جهل منهم وكذب. أما قوله: "لا دليل على أنهم قالوه مستهزئين": قفي غاية البعد، لأنه قد دل الدلائل عليه، منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وأمثال هذا من المنقول وغيره كثير". وقال صاحب "التقريب": "قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ على الاستهزاء، ولو قالوه جادين كانوا مؤمنين؛ لما ثبت في الأصول من توقف الأمور على مشيئة الله، وحمله على الاستهزاء لهذا الدليل دون ما قبله ليس فيه تعويج". ؟
[ ١٤ / ١١٨ ]
_________________
(١) وقال القاضي: "معناه: لو شاء عدم عبادة الملائكة ﴿مَا عَبَدْنَاهُم﴾، فاستدلوا بنفي مشيئة عدم العبادة على امتناع النهي عنها، أو على حسنها، وذلك باطل، لأن المشيئة ترجيح بعض الممكنات على بعض، مأمورًا كان أو منهيًا، حسنًا كان أو غيره، ولذلك جهلهم. ويجوز أن تكون الإشارة إلى أصل الدعوى، كأنه لما أبدى وجوه فسادها، وحكى شبههم المزيفة، نفى أن يكون لهم بها علم على طريق العقل، ثم أضرب عنه إلى إنكار أن يكون له سند من جهة النقل، فقال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾ ". وقال صاحب "الانتصاف": هذه الآية تزيد معتقدنا تمهيدًا، وقول الكافر: "لو شاء الله ما فعلت": كلمة حق يريد بها باطلًا، وأما إنها كلمة حق: فلقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٧] وأمثالها، ولأدلة العقل. وأما إرادته بها الباطل: فزعمه أنها حجة له على الله في أن لا يعاقبه، كما توهم القدرية ذلك، فأشركوا بربهم، بل اعتقدوا أن مشيئتهم تغلب مشيئة ربهم، فالذين أشركوا بالملائكة أرفع درجةً منهم، فإنما رد الله في هذه الآية احتجاجهم، فإن مقالتهم صدرت عن ظن كاذب وتخرص، فلذلك قال: ﴿إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ و﴿إنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، وقال في أختها في الأنعام: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فشبه حالهم في الخرص واتباع الظن بحال أوائلهم، وبين أن مقالتهم ناشئة عن خيال وتوهم، فلا حجة فيها على الله، بل لله الحجة البالغة عليهم، وبين أن التكذيب راجع إلى اعتقادهم، لا إلى نفس ما قالوه بتصحيح قولهم، بقوله: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، فإن "لو" معناها الامتناع للامتناع، فلم يشأ هدايتهم، ولو شاءها لما ضلوا. ولكسب العبد وتهيئه صارت الأفعال مناطًا للتكليف، للفرق الضروري بين الاختياري ؟
[ ١٤ / ١١٩ ]
_________________
(١) والقسري، ولما دق هذا على الأفهام غلت القدرية فاعتقدوا أن العبد فعال لما يريد، وحارت الجبرية فاعتقدت أن لا قدرة للعبد ولا اختيار". قوله: "بل اعتقدوا أن مشيئتهم تغلب مشيئة ربهم": يدل عليه قول المصنف بعد في تفسير قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخزف: ٤٨]: "إرادة الله تعالى غيره: ليس إلا أن يأمره به ويطلب منه إيجاده، فإن كان ذلك على سبيل القسر وجد، وإلا دار بين أن يوجد وأن لا يوجد على حسب اختيار المكلف". قلت- وبالله التوفيق-: المقصود من إيراد أقوال الأئمة- شكر الله سعيهم- إظهار ما ينطبق عليه المقام من المعنى، فإن التلفيق بين هذه الآيات من المعضلات، فالواجب علينا أن نبين أولًا مواقع التراكيب في الآيات الست؛ من قوله: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ إلى قوله: ﴿إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾: أما مواقع التراكيب بحسب الحل: فإن قوله: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا﴾ عطف على قوله: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ وهما الكفرتان، والاستفهام الأول- وهو قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ﴾ - توبيخ متوجه إلى الكفرة الأولى، وهي ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، ﴿وإذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنْثَى﴾ اعتراض- كما مر- أو حال مفعول ﴿اتَّخَذَ﴾ أو فاعل ﴿جَعَلُوا﴾ المقدم: مقررة لجهة الإشكال، وينصره قوله: "إنهم نسبوا إليه هذا الجنس، ومن حالهم: أن أحدهم إذا قيل له: "قد ولدت لك بنت" اغتم"، والاستفهام في قوله: ﴿أَشَهِدُوا﴾ توبيخ متوجه إلى الكفرة الثانية، وهي قوله: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا﴾. وقوله: ﴿وقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ كفرة أخرى؛ لكن على منوال آخر غير الأوليين، ؟
[ ١٤ / ١٢٠ ]
_________________
(١) هذا معنى قول الإمام: "حكى عن القوم قولين باطلين، وبين وجه بطلانهما، ثم حكى بعدهما مذهبًا ثالثًا". أما تقرير الكفرة الثالثة: فإنه تعالى لما حكى عنهم الكفرتين، وأنكر عليهم ذلك أبلغ الإنكار، جاء بكفرة أخرى لهم أطم من الأوليين مستطردًا، وهي عبادتهم الملائكة، ووزان هذه وزان قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، والمعنى: إذا فعلوا أمرًا منكرًا بالغًا في القبح غايته، ووبخوا عليه، وبين لهم قبحه، قالوا معتذرين: إنا وجدنا آباءنا عليها، والله أمرنا بها. فإذن لا استقلال لهذه الكفرة استقلال أختيهاـ، ولا بد من إنكار سابق، وهو اعتذار ومنه، فإذن لا استقلال، كما في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾، فحينئذ يمكن أن يحمل قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ على الاستهزاء، ويكون قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ تجهيلًا لهم؛ لأن المستهزئ جاهل، ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، أو يحمل على ما قالوا من أنه لا يجوز مخالفة الأمر للمشيئة، كما ذهب إليه الإمام وصاحب "الفرائد"، وهو الوجه؛ لتنصيص الله الأمر في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨]، وتصريح الرد بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]. و﴿أَمْ﴾ -في قوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ - منقطعة، و"بل" فيها إضراب عن قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ تكذيبًا لهم، ونفيًا للعلم عنهم إلى ما هو أبلغ ؟
[ ١٤ / ١٢١ ]
_________________
(١) منه في نفي العلم، وعلى هذا الإضراب الثاني. فظهر من هذا البيان أن قول المصنف: "فإن قالوا: نجعل هذا الأخير وحده مقولا على وجه الهزء، دون ما قبله، فما بهم إلا تعويج كتاب الله": غير مستقيم، وأن قوله: "هما كفرتان أيضًا مضمومتان إلى الكفرات الثلاث" -على معنى أن قوله: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ﴾ متصل بقوله: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، وهما منضمان إلى الكفرات الثلاث، وهي: اتخاذ البنات، واصطفاء البنين، وجعل الملائكة إناثًا-تعويج، لأن الآيات غير واردة على نسق واحد، ولا على وتيرة الترتيب، فبعضها إنشائية، أي: قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ﴾، وقوله: ﴿أَوَ مَن يُنَشَّأُ﴾، وبعضها حال، أي: قوله: ﴿وأَصْفَاكُم﴾، ﴿وإذَا بُشِّرَ﴾، وبعضها عطف، فدل الاختلاف على التباين من هذه الجهة، وقد مر تقرير مواقعها، وأن الكفرات ثلاث لا غير. ويمكن تصحيح قول الزجاج، وهو أن قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ عائد إلى قولهم: "الملائكة بنات الله"، لا إلى قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾، وذلك بأن يجعل ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ جوابًا لما تضمنت تلك الآيات من معنى الإنكار والاحتجاج عليهم بعبادة الملائكة، فيكون قولهم هذا أمارة انجزالهم وانقطاعهم، ودلالة على أن الحجة قد بهرتهم، ولم يبق لهم متشبت إلا هذا لقول، كما هو ديدن المحجوج، وقد مر في "الأنعام" من هذا النوع نبذ. وقريب منه قول القاضي: "كأنه لما أبدى وجوه فساد أقوالهم، وحكى شبههم المزيفة، نفى أن يكون لهم بها علم"، والله أعلم. ؟
[ ١٤ / ١٢٢ ]
فإن قلت: ما أنكرت على من يقول: قالوا ذلك على وجه الاستهزاء، ولو قالوه جادين لكانوا مؤمنين؟ قلت: لا دليل على أنهم قالوه مستهزئين، وادعاء ما لا دليل عليه باطل، على أن الله تعالى قد حكى عنه ذلك على سبيل الذم والشهادة بالكفر: أنهم جعلوا له من عباده جزءًا، وأنه اتخذ بنات وأصفاهم بالبنين، وأنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثًا، وأنهم عبدوهم وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم. فلو كانوا ناطقين بها على طريق الهزء، لكان النطق بالمحكيات قبل هذا المحكي -الذي هو إيمان عنده لو جدّوا في النطق به- مدحًا لهم، من قبل أنها كلمات كفر نطقوا بها على طريق الهزء، فبقى أن يكونوا جادين، وتشترك كلها في أنها كلمات كفر.
فإن قالوا: نجعل هذا الأخير وحده مقولًا على وجه الهزء، دون ما قبله، فما بهم إلا تعويج كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لتسوية مذهبهم الباطل، ولو كانت هذه كلمة حق نطقوا بها هزءًا لم يكن لقوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ معنى؛ لأنّ من قال: "لا إله إلا الله" على طريق الهزء، كان الواجب أن ينكر عليه استهزاؤه ولا يكذب، لأنه لا يجوز تكذيب الناطق بالحق جادًّا كان أو هازئًا.
فإن قلت: ما قولك فيمن يفسر ﴿مَا لَهُم﴾ بقولهم: إن الملائكة بنات الله، ﴿مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ في ذلك القول، لا في تعليق عبادتهم بمشيئة الله؟ قلت: تمحل مبطل وتحريف مكابر، ونحوه قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
_________________
(١) ـ قوله: (ونحوه قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾): يعني: في أن التكذيب متعلق به، لا بشيء آخر. وقلت: من علقه بالأول، لم يفصله من الثاني فصلًا كليًا، ؟
[ ١٤ / ١٢٣ ]
[﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢١ - ٢٢]
الضمير في ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ للقرآن أو الرسول، والمعنى: أنهم ألصقوا عبادة غير الله بمشيئة الله، قولًا قالوه غير مستند إلى علم، ثم قال: أم آتيناهم كتابًا قبل هذا الكتاب، نسبنا فيه الكفر والقبائح إلينا، فحصل لهم علم بذلك من جهة الوحي، فاستمسكوا بذلك الكتاب واحتجوا به؟ ! بل لا حجة لهم يستمسكون بها إلا قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ على دين، وقرئ: "على إمة"، بالكسر، وكلتاهما من الأمّ وهو القصد، فالأمة: الطريقة التي تؤم، أي: تقصد، كالرحلة للمرحول إليها، والأمة: الخالة التي يكون عليها الآم وهو القاصد. وقيل: على نعمة وحالة حسنة.
﴿عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ خبر "إن"، أو الظرف صلة لـ ﴿مُهْتَدُونَ﴾.
_________________
(١) ـ فلا يكون تمحلًا وتحريفًا؛ لأن قوله: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ دليل على انقطاعهم من الحجة، وعلى بطلان مذهبهم، وظهور افترائهم، ونفي العلم عنهم آخرًا كالتتميم والتسجيل على السابق. قوله: (قولًا قالوه): قيل: هو حال من واو "ألصقوا"، والظاهر أنه مفعول مطلق من معنى "ألصقوا" إلى آخره؛ لأنه تفسير لقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾، فيكون "قالوه" صفة لـ"قولًا". قوله: (وقيل: على نعمة وحالة حسنة): قال القاضي: "قوله: ﴿وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ الآية: تسلية لرسول الله ﷺ، ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم، وأن مقدميهم أيضًا لم يكن لهم سند منظور إليه، وتخصيص المترفين إشعار بأن التنعم هو الذي أوجب البطالة، وصرفهم عن النظر إلى التقليد". ؟
[ ١٤ / ١٢٤ ]
[﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٢٣]
﴿مُتْرَفُوها﴾ الذين أترفتهم النعمة، أي: أبطرتهم، فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي، ويعافون مشاق الدين وتكاليفه.
[﴿قالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ * فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٢٤ - ٢٥]
قرئ: "قل"، و﴿قَالَ﴾، و﴿جِئْتُكُمْ﴾، و"جئناكم"، يعني: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم؟ ! قالوا: إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه، وإن جئتنا بما هو أهدى وأهدى.
[﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢٦ - ٢٨]
_________________
(١) ـ قوله: (ويعافون): أي: يكرهون. قوله: (قرئ: "قل"): ابن عامر وحفص: ﴿قَالَ﴾ بالألف، والباقون: "قل" بغير ألف. قوله: (إنا ثابتون على دين آبائنا، لا ننفك عنه، وإن جئتنا بما هو أهدى وأهدى): دل على هذه المبالغة الجملة الاسمية وتضمنها معنى الكناية، انظر كم بين دعوة الأنبياء وبين مقابلة الكفرة من التباين؟ الأنبياء تفادوا عن لفظ الأمر، وعدلوا إلى الاستفهام، ومع ذلك ما استوفوا تمام الحق، حيث أتوا بحرف التقرير، وضموا إليه "أفعل" التفضيل، وكان الجواب المطابق: نتبع دين آبائنا دينكم، فعدلوا إلى ما دل على نفي دين الحق وإثبات الباطل بالطريق البرهاني. ؟
[ ١٤ / ١٢٥ ]
قرئ: ﴿بَرَاءٌ﴾، بفتح الباء وضمها، و"بريء"، فبريء وبراء، نحو: كريم وكرام، وبراء: مصدر كظماء، ولذلك استوى فيه الواحد والاثنان والجماعة، والمذكر والمؤنث، يقال: نحن البراء منك، والخلاء منك.
﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فيه غير وجه: أن يكون منصوبًا على أنه استثناء منقطع، كأنه قال: لكن الذي فطرني فإنه سيهدين، وأن يكون مجرورًا بدلًا من المجرور بـ"من"، كأنه قال: إنني براءٌ مما تعبدون إلا من الذي فطرني.
فإن قلت: كيف تجعله بدلًا وليس من جنس ما يعبدون من وجهين؛ أحدهما: أن ذات الله مخالفة لجميع الذوات، فكانت مخالفة لذوات ما يعبدون. والثاني: أن الله تعالى غير معبود بينهم، والأوثان معبودة؟ قلت: قالوا: كانوا يعبدون الله مع أوثانهم.
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: ﴿بَرَاءٌ﴾ بفتح الباء): وهي المشهورة، وبالضم: شاذة. قال الزجاج: " ﴿بَرَاءٌ﴾: بمعنى: برئ، والعرب تقول للواحد والاثنين والجماعة والأنثى: البراء، والمعنى: أنا ذو البراء، ونحن ذوو البراء، نحو: رجل عدل، وامرأة عدل". قوله: (والخلاء منك)، الجوهري: "تقول: أنا منك خلاء، أي: براء. إذا جعلته مصدرًا: لم تثن ولم تجمع، وإذا جعلته اسمًا على "فعيل": ثنيت وجمعت وأنثت، تقول: أنا خلي منك، أي: برئ". وعن بعضهم: في المثل: "أنا منه فالج بن خلاوة"، أي: براء منه. فلج: أي: قطع نصفه، والفالج: البعير ذو السنامين. قوله: (كانوا يعبدون الله مع أوثانهم): قال صاحب "الفرائد": لما كانوا يعبدون الله مع الآلهة، فبالنظر إلى كونه معبودًا، يصح أن يكون بدلًا، يعرف بالتأمل إن شاء الله تعالى. ؟
[ ١٤ / ١٢٦ ]
وأن تكون ﴿إِلَّا﴾ صفة بمعنى: غير، على أن «ما» في "ما تعبدون" موصوفة، تقديره: إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني، فهو نظير قوله تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ على التسويف؟ قلت: قال مرة: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨]، ومرّة: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، فاجمع بينهما وقدّر، كأنه قال: فهو يهدين وسيهدين، فيدلان على استمرار الهداية في الحال والاستقبال.
﴿وَجَعَلَها﴾ وجعل إبراهيم صلوات الله عليه كلمة التوحيد التي تكلم بها -وهي قوله: ﴿إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ - ﴿كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ في ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده، لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم، ونحوه: ﴿وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢]
_________________
(١) ـ قوله: (فاجمع بينهما وقدر): كأنه قال: فهو يهدين وسيهدين، يعني: لما عبر عن العبارة الواحدة في الموضعين بلفظين مخالفين حالًا واستقبالًا، لا ينبغي أن يحمل كلا على ظاهره، بل أن يجمع بينهما، ويعتبر استمرار الحال والاستقبال، أي: أنه تعالى يهديني فيما أنا فيه من الزمان حالًا فحالًا، كما سيهديني فيما يجيء زمانًا غب زمان، فإذا كل واحد من ﴿يَهْدِينِ﴾ و﴿سَيَهْدِينِ﴾ في مكانه مفيدًا لمعنى الاستمرار. قوله: (لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم): إشارة إلى أن ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ تعليل لجعل الكلمة باقية في عقب إبراهيم؛ ليدعو الموحد المشرك نسلًا بعد نسل إلى الملة الحنيفة. قوله: (ونحوه: ﴿ووَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾): أي: في أن الضمير في "وصى بها" يرجع إلى معنى "الكلمة" في ؟
[ ١٤ / ١٢٧ ]
وقيل: وجعلها الله. وقرئ: "كلمة" على التخفيف. و﴿فِي عَقِبِهِ﴾ كذلك، و"في عاقبه"، أي: فيمن عقبه، أي: خلفه.
[﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ٢٩]
﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ﴾ يعني: أهل مكة، وهم من عقب إبراهيم -بالمدّ في العمر والنعمة، فاغتروا بالمهلة، وشغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد، ﴿حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ وهو القرآن، ﴿وَرَسُولٌ﴾ مُبِينٌ الرسالة واضحها بما معه من الآيات البينة، فكذبوا به وسموه ساحرًا وما جاء به سحرًا، ولم يوجد منهم ما رجاه إبراهيم. وقرئ: "بل متعنا".
فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: "مَتَّعْتُ" بفتح التاء؟ قلت: كأن الله تعالى اعترض على ذاته في قوله: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾،
_________________
(١) ـ قوله: ﴿إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، كما أن الضمير في "جعلها" عائد على قوله: ﴿إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ على تأويل "الكلمة". قوله: (يعني: أهل مكة، وهم من عقب إبراهيم): إشارة إلى معنى الإضراب في قوله: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ﴾ عن قوله: ﴿وجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: جعلت كلمة التوحيد باقية في عقبه زمانًا بعد زمان، لا يزال يدعو من وحد منهم من أشرك إلى التوحيد من أمة موسى وعيسى وغيرهما، ودع قصة أولئك وانظر إلى هؤلاء المشركين؛ كيف متعناهم بالعمر والنعمة، وبعثنا فيهم من يدعوهم إلى التوحيد، بدعاء أبيهم إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [البقرة: ١٢٩]، فاغتروا بالمهلة وشغلوا بالتنعم واتباع الشهوات عن داعيهم وما يدعو إليه من كلمة التوحيد؟ وإليه الإشارة بقوله: "ولم يوجد منهم ما رجاه إبراهيم"، وهذه الشكاية نحو قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]. قوله: (كأن الله تعالى اعترض على ذاته): يعني: هذا الأسلوب من باب التجريد في ؟
[ ١٤ / ١٢٨ ]
فقال: بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق، حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد، وأراد بذلك الإطناب في تعييرهم، لأنه إذا متعهم بزيادة النعم وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سببًا في زيادة الشكر والثبات على التوحيد والإيمان، لا أن يشركوا به ويجعلوا له أندادًا، فمثاله: أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه، ثم يقبل على نفسه فيقول: أنت السبب في ذلك بمعروفك وإحسانك، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعله.
[﴿وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ * وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٣٠ - ٣١]
فإن قلت: قد جعل مجيء الحق والرسول غاية التمتيع،
_________________
(١) ـ الخطاب، على منوال قول امرئ القيس: تطاول ليلك بالأثمد ونام الخلي ولم ترقد وفائدته مذكورة في "البيان". قوله: (قد جعل مجيء الحق والرسول غاية التمتيع): يريد: أن الواجب في الغاية أن يكون بين الغاية والمغيا نوع مناسبة، ولا مناسبة بين التمتيع وبين مجيء القرآن والرسول؟ ؟
[ ١٤ / ١٢٩ ]
_________________
(١) وأيضًا إنما يستقيم: ﴿ولَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ﴾ أن لو عرفوا أنه الحق، ولو عرفوا أنه الحق ما قالوا: هذا سحر؟ وأجاب عن الأول بأنه من إطلاق السبب وإرادة المسبب، وعن الثاني بما ينبئ أنه من باب الرجوع غب الإطماع، قال الشاعر: وإخوان حسبتهم دروعًا وكانوها، ولكن للأعادي وقالوا: قد صفت منا قلوب لقد صدقوا، ولكن عن ودادي فإن الشاعر لما أوهم بقوله: "وكانوها" تحقيق المولاة، رجع إلى عكسه من إثبات المعاداة، ولما قال: "لقد صدقوا" خيل إلى المصافاة، فرجع إلى ما دل على المناوأة، وكذلك هاهنا؛ لما قال: ﴿مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ فاشتغلوا عن التوحيد بالاستمتاع بالملاذ، وعقبه بقوله: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الحَقُّ﴾ خيل أنهم تنبهوا عن تلك الغفلة، ثم ابتدأ فقال: ﴿ولَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾، رجع إلى ما هو شر من حالهم الأولى. وفيه: أن من كان ذهوله عن التوحيد بسبب الانهماك في التمتع بهذه العاجلة، لا يغنيه مجيء الحق ومحق الباطل؛ لأن العزوف عن ملاذ الدنيا صعب شديد. ؟
[ ١٤ / ١٣٠ ]
ثم أردفه قوله: ﴿وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ﴾، فما طريقة هذا النظم ومؤداه؟ قلت: المراد بالتمتيع ما هو سبب له، وهو اشتغالهم بالاستمتاع عن التوحيد ومقتضياته، فقال ﷿: بل اشتغلوا عن التوحيد حتى جاءهم الحق ورسول مبين، فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها عن غفلتهم لاقتضائها التنبه.
ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق فقال: ولما جاءهم الحق جاءوا بما هو شر من غفلتهم التي كانوا عليها، وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق، ومكابرة الرسول ومعاداته، والاستخفاف بكتاب الله وشرائعه، والإصرار على أفعال الكفرة، والاحتكام على حكمة الله في تخير محمد من أهل زمانه، بقولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، وهي الغاية في تشويه صورة أمرهم.
قرئ: "على رجل"، بسكون الجيم، ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾: من إحدى القريتين، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، أي من أحدهما. والقريتان: مكة والطائف. وقيل: من رجلي القريتين، وهما: الوليد بن المغيرة المخزومي وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، عن ابن عباس. وعن مجاهد: عتبة بن ربيعة وكنانة بن عبد ياليل. وعن قتادة: الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي، وكان الوليد يقول: لو كان حقًا ما يقول محمد لنزل هذا القرآن علي أو على أبي مسعود الثقفي، وأبو مسعود: كنية عروة بن مسعود.
_________________
(١) ـ قوله: (والاحتكام): يقال: حكمته في مالي: إذا ما جعلت إليه الحكم فيه، فاحتكم علي في ذلك. قوله: (وهي الغاية في تشويه صورة أمرهم): أي هذه الأمور المذكورة؛ من معاندة الحق مع الشرك، ومكابرة الرسول، والمعادة، والاستخفاف، والإصرار، والاحتكام. قوله: (من رجلي القريتين): قال أبو البقاء: "قيل: التقدير: على رجل من رجلين من القريتين. وقيل: كان الرجل يسكن مكة والطائف، ويتردد إليهما، فصار كأنه من أهلهما". ؟
[ ١٤ / ١٣١ ]
ما زالوا ينكرون أن يبعث الله بشرًا رسولًا، فلما علموا بتكرير الله الحجج
_________________
(١) ـ قوله: (ما زالوا ينكرون أن يبعث الله بشرًا رسولًا): أي: كانوا يصرون على أن الرسالة مختصة بالملك، وينكرون أن البشر يبعث رسولًا، أشار إلى أن الكلام فيه تنزل، وهو كذلك، لكن على تخصيص هذا المعنى- وهو إنكار رسالة البشر- لا دليل فيه، ولا التنزل يقتضي أن يكون ذكر القرآن فيه للتعظيم لا الاستهانة، والظاهر أن ذلك التقدير غير مفتقر إليه؛ لأن في عطف ﴿وقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ﴾ على ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾ استغناء عنه، وذلك أنه تعالى لما وصف القرآن بالحق، وأسند إليه المجيء، ونعت الرسول بالمبين، دل على إظهار حقيتها بالدلائل الظاهرة والمعجزات القاهرة، فعند ذلك عجزوا وانخزلوا، وقالوا مكابرين معاندين: ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾، أي: باطل، سموا الحق باطلًا، وزادوا شرارةً فضموا إليه: ﴿وإنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾، نحو قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢]، قال: "والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر، وأن يكون من أفناء رجالهم، دون عظيم من عظمائهم، وكانوا يقولون: العجب أن الله لم يجد رسولًا يرسله إلا يتيم أبي طالب"، وقال في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾: "وهو دليل عجزهم واعترافهم به، وإن كانوا كاذبين في تسميته سحرًا". ثم قالوا على سبيل التنزل: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، يعني: هبوا أنه حق وصدق، فهلا نزل على أحد هذين الرجلين لتقدمهما ورئاستهما، فهما بذلك أحق به من محمد، لأنه يتيم فقير، وما يدل على أن كلامهم كان مبنيًا على الحسد لا على استهانة القرآن: قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ﴾، ونحوه عن أبي جهل: والله ؟
[ ١٤ / ١٣٢ ]
أن الرسل لم يكونوا إلا رجالًا من أهل القرى، جاءوا بالإنكار من وجه آخر، وهو تحكمهم أن يكون أحد هذين، وقولهم: ﴿هَذَا الْقُرْآنُ﴾ ذكر له على وجه الاستهانة به، وأرادوا بعظم الرجل: رئاسته وتقدّمه في الدنيا، وعزب عن عقولهم أن العظيم من كان عند الله عظيمًا.
[﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٣٢]
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ هذه الهمزة للإنكار المستقل بالتجهيل والتعجيب من اعتراضهم وتحكمهم،
_________________
(١) ـ إن محمدًا لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ وقال القاضي: "زعموا أن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم، ولم يعملوا أنها رتبة روحانية، تستدعي عظم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية، لا التزخرف بالزخارف الدنيوية". قوله: (وقولهم: ﴿هَذَا القُرْآنُ﴾ ذكر له على وجه الاستهانة): "قولهم": مبتدأ، و"ذكر له": خبره، والاستهانة تفهم من لفظه "هذا"، ومن تسميته بـ "القرآن"، كقوله فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾ [الشعراء: ٢٧]، قال الزجاج: " ﴿هَذَا﴾ في موضع رفع، و﴿القُرْآنُ﴾ مبين عنه، ويسميه سيبويه: عطف البيان، لأن لفظه لفظ الصفة، ويدل على أنه عطف بيان قولك: مررت بهذا الرجل، وهذه الدار". قوله: (للإنكار المستقبل بالتجهيل): النهاية: "الاستقلال: بمعنى الارتفاع والاستبداد، يقال: تقلل الشيء واستقله". ؟
[ ١٤ / ١٣٣ ]
وأن يكونوا هم المدبرين لأمر النبوّة والتخير لها من يصلح لها ويقوم بها، والمتولين لقسمة رحمة الله التي لا يتولاها إلا هو بباهر قدرته وبالغ حكمته.
ثم ضرب لهم مثلًا، فأعلم أنهم عاجزون عن تدبير خويصة أمرهم وما يصلحهم في دنياهم، وأنّ الله عزّ وعلا هو الذي قسم بينهم معيشتهم وقدرها، ودبر أحوالهم تدبير العالم بها، فلم يسوّ بينهم، ولكن فاوت بينهم في أسباب العيش، وغاير بين منازلهم، فجعل منهم أقوياء وضعفاء، وأغنياء ومحاويج، وموالي وخدمًا، ليصرف بعضهم بعضًا في حوائجهم ويستخدموهم في مهنهم، ويتسخروهم في أشغالهم، حتى يتعايشوا ويترافدوا، ويصلوا إلى منافعهم، ويحصلوا على مرافقهم، ولو وكلهم إلى أنفسهم، وولاهم تدبير أمرهم، لضاعوا وهلكوا، وإذا كانوا في تدبير المعيشة الدنية في الحياة الدنيا على هذه الصفة، فما ظنك بهم في تدبير أمور الدين الذي هو رحمة الله الكبرى، ورأفته العظمى، وهو الطريق إلى حيازة حظوظ الآخرة، والسلم إلى حلول دار السلام؟
ثم قال: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ يريد: وهذه الرحمة -وهي دين الله وما يتبعه من الفوز في المآب- خير مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا.
_________________
(١) ـ قوله: (ثم ضرب له مثلًا): أي: جيء بقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ﴾ عامًا بعد قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، أي: أمر النبوة، وسماه "مثلًا"؛ لأن القصد منه إظهار عجزهم في تدبير أمر المعيشة الدنيوية، فكيف في تدبير أمور الدين. قوله: (خويصة أمرهم): النهاية: "خويصة أحدكم: حادثة الموت التي تخص كل إنسان، وهي تصغير "خاصة"، وصغرت لاحتقارها في جنب ما بعدها من البعث والعرض والحساب وغير ذلك". قوله: (ويترافدوا): الجوهري: "الترافد: التعاون، والمرافدة: المعاونة". قوله: (ويحصلوا على مرافقهم): أي: منافعهم، الأساس: "أرفقني بكذا: نفعني، وارتفقت به: انتفعت، وما لي فيه مرفق". ؟
[ ١٤ / ١٣٤ ]
فإن قلت: معيشتهم: ما يعيشون به من المنافع، ومنهم من يعيش بالحلال، ومنهم من يعيش بالحرام، فإذن قد قسم الله تعالى الحرام كما قسم الحلال؟ قلت: الله تعالى قسم لكل عبد معيشته -وهي مطاعمه ومشاربه وما يصلحه من المنافع- وأذن له في تناولها، ولكن شرط عليه وكلفه أن يسلك في تناولها الطريق التي شرعها، فإذا سلكها فقد تناول قسمته من المعيشة حلالًا، وسماها: رزق الله، وإذا لم يسلكها تناولها حرامًا، وليس له أن يسميها رزق الله، فالله تعالى قاسم المعايش والمنافع، ولكن العباد هم الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوء تناولهم، وهو عدولهم فيه عما شرعه الله إلى ما لم يشرعه.
[﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣٣ - ٣٥]
﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل اشتمال من قوله: ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ﴾، ويجوز أن يكونا بمنزلة اللامين في قولك: وهبت له ثوبًا لقميصه.
وقرئ: "سقفًا"، بفتح السين وسكون القاف، وبضمها وسكون القاف، وبضمها -جمع سقف، كرهن ورهن ورهن. وعن الفراء: جمع سقيفة-، وسقفًا بفتحتين؛
_________________
(١) ـ قوله: (الله تعالى قسم لكل عبد معيشته): أجاب بما يؤدي أن يكون النزاع لفظيًا، الانتصاف: "الرزق عند أهل السنة: ما تقوم به البينة، حرامًا كان أو حلالًا". قوله: (ثوبًا لقميصه): أي: لأجل قميصه، والمعنى: سقفًا لأجل بيوتهم، وقال الزجاج: اللام بمعنى: على، أي: سقفًا على بيوتهم. قوله: (وقرئ: "سقفًا"): ابن كثير وأبو عمرو: بفتح السين وإسكان القاف على التوحيد، والباقون: بضمهما على الجمع. ؟
[ ١٤ / ١٣٥ ]
كأنه لغة في سقف، و"سقوفًا"، و"معارج" و"معاريج". والمعارج: جمع معرج، أو اسم جمع لمعراج، وهي المصاعد إلى العلالي.
﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ أي: على المعارج، يظهرون السطوح يعلونها، ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾.
و"سُرُرَا"، بفتح الراء؛ لاستثقال الضمتين مع حرفي التضعيف.
﴿لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾ اللام هي الفارقة بين "إن" المخففة والنافية، وقرئ بكسر اللام، أي: للذي هو متاع الحياة، كقوله تعالى: ﴿مَثَلًا ما بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦]،
_________________
(١) ـ قوله: (معرج) بالكسر والفتح، قال الأخفش: أن شئت جعلت الواحد معرجًا، أو معرجًا، كمرقاة ومرقاة. قوله: (وقرئ بكسر اللام): قال ابن جني: "وهي قراءة أبي رجاء، و"ما" موصوله، والعائد محذوف، أي: وإن كل ذلك للذي هو متاع الحياة الدنيا، والمعنى: وإن كل ذلك لما يتمتع به من أحوال الدنيا، وهذا الحذف على انفصال الضمير، وليس بمستحسن، ومثله قراءة من قرأ: "مثلا ما بعوضة" بالرفع، أي: ما هو بعوضة، و"كل" منصوب؛ لأن "إن" هذه مخففة من الثقيلة، ومتى خففت لزمتها اللام للفرق بينها وبين "إن" النافية، ولا يجوز أن يكون مرفوعًا، لأنه لابد معها من اللام الفارقة بين المخففة والنافية، ولا لام معك، لأن هذه اللام هي الجارة، ولو قدر معها الفارقة لقيل: "وإن كل ذلك للما متاع الحياة الدنيا"، كقولك: أن زيدًا لمن الكرام. فإن قلت: يجوز أن تكون اللام هي الفاصلة، لكنها خففت وحذفت وصارت هذه الجارة كالعوض منها، والحق أن هذا باطل، و"كل": نصب على لغة من نصب مع التخفيف، فقال: أن زيدًا قائم، لأنه إذا نصب زال الشك في أنها ليست بالنافية، لأنها غير ناصبة". ؟
[ ١٤ / ١٣٦ ]
و﴿لَمَّا﴾ بالتشديد بمعنى إلا، و"إن" نافية. وقرئ: "إلا"، وقرئ: "وما كل ذلك إلا".
لما قال: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، فقلل أمر الدنيا وصغرها، أردفه ما يقرّر قلة الدنيا عنده من قوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، أي: ولولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه، لجعلنا لحقارة زهرة الحياة الدنيا عندنا للكفار سقوفًا ومصاعد وأبوابًا وسررًا كلها من فضة، وجعلنا لهم زخرفًا، أي: زينة من كل شيء، والزخرف: الذهب والزينة.
ويجوز أن يكون الأصل: سقفًا من فضة وزخرف،
_________________
(١) ـ قوله: (و﴿لَمَّا﴾ بالتشديد): عاصم وحمزة وهشام، والباقون: بتخفيفها، قال الزجاج: "من قرأ بالتخفيف كانت "ما" لغوًا، المعنى: لمتاع الحياة الدنيا، ومن قرأها مثقلًا فمعناه: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا". قوله: (أي: ولولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر): الانتصاف: "هي مثل: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [القصص: ٤٧]، إما أن يصححها بتقدير: كراهة، وإما أن لا يقدر محذوفًا، ومعناها: اجتماعهم على الكفر مانع من بسط الدنيا، وهو معنى "لولا" المطرد، لكن المانع قد يكون موجودًا تحقيقًا، فيمتنع الجواب، كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤]، وقد يكون تقديرًا فيمتنع الجواب، لأنه لو وجد مانعه مقدرًا معه، وعليه الآية، أي: لو وجد بسط الرزق للكافر مقدرًا لوجد مانعه وهو الاجتماع على الكفر معه، وما أدى وجوده إلى وجود مانعه: إذن لم يوجد". ؟
[ ١٤ / ١٣٧ ]
يعني: بعضها من فضة وبعضها من ذهب، فنصب عطفًا على محل ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾، وفي معناه قول رسول الله ﷺ: «لو وزنت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء».
فإن قلت: فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدّى إليها التوسعة عليهم، من إطباق الناس على الكفر؛ لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها، فهلا وسع على المسلمين؛ ليطبق الناس على الإسلام؟
_________________
(١) ـ قوله: (لو وزنت [الدنيا] عند الله جناح بعوضة) الحديث: من رواية الترمذي وابن ماجة عن سهل: أن رسول الله ﷺ قال: "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة". ولما كان معنى الآية: لولا كراهة اجتماع الناس على الكفر لمعتنا الجميع تمتيعًا بليغًا، فيشتغلوا بالدنيا وزخرفها عن الإيمان وذكر المولى، لكن أردنا إيمان بعض وكفر بعض، فلم نمتع كلهم، فرجع بعضهم مؤمنين زاهدين، وبعضهم كافرين متمتعين، فعلم منه أن الدنيا لا تصلح لأهل الله، وليس من شيمتهم التمتع بها، ولكن من شيمة من بعد من الله ومن المقامات الزلفى، مثل الكافر، ومن ثم قال: "وفي معناه قول رسول الله ﷺ "، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿والآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال القاضي: "فيه دلالة على أن العظيم هو العظيم في الآخرة لا في الدنيا وإشعار بما لأجله لم يجعل ذلك للمؤمنين وهو أنه تمتع قليل بالإضافة إلى ما لهم في الآخرة، وإخلال في الأغلب؛ لما فيه من الآفات، قل من يتخلص عنها، كما أشار إليه بقوله: ﴿ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ ". ؟
[ ١٤ / ١٣٨ ]
قلت: التوسعة عليهم مفسدة أيضًا لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا، والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبر: حيث جعل في الفريقين أغنياء وفقراء، وغلب الفقر على الغنى.
[﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ٣٦ - ٣٩]
قرئ: ﴿وَمَن يَعْشُ﴾، بضم الشين وفتحها. والفرق بينهما: أنه إذا حصلت الآفة في بصره، قيل: عشي، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به، قيل: عشا، ونظيره: عرج، لمن به الآفة، وعرج، لمن مشى مشية العرجان من غير عرجن قال الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
_________________
(١) ـ قوله: (التوسعة عليهم مفسدة أيضًا؛ لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا): الانتصاف: "قاعاتان فاسدتان: مراعاة المصلحة، ويبطلها: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وأنه أراد الإيمان من الخلق، ويبطلها: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] ". قوله: (قرئ: ﴿ومَن يَعْشُ﴾ بضم الشين): وهي السبعة، والفتح: شاذ. قوله: (متى تأته تعشو إلى ضوء ناره): تمامه: تجد خير نار عندها خير موقد ؟
[ ١٤ / ١٣٩ ]
أي: تنظر إليها نظر العشي لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء، وهو بين في قول حاتم:
أعشو إذا ما جارتي برزت حتّى يواري جارتي الخدر
وقرئ: يعشو، على أنّ "من" موصولة غير مضمنة معنى الشرط، وحق هذا القارئ أن يرفع "نقيض". ومعنى القراءة بالفتح: ومن يعم، ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ وهو القرآن،
_________________
(١) ـ "تعشو" في موضع الحال، أي: عاشيًا، روي أنه لما أنشد عمر ﵁ قال: كذب، تلك نار موسى ﵇. قوله: (أعشو إذا ما جازتي) البيت: أي: أنظر نظر العشي، و"ما" زائدة، يصف نزاهة نفسه وعفته، أوله: ما ضرني جار أجاوره أن لا يكون لبابه ستر أخبر عن نفسه بحسن المجاورة، وأن جاره آمن في كل أسبابه؛ في نفسه وماله وأهله، كما جاء في الحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه". قوله: (وقرئ: "يعشو"): في "الكواشي": "يعشو" بواو، قالوا: فـ"من" موصولة، وجزم ﴿نُقَيِّضْ﴾ على لغة من يجزم المرفوع تخفيفًا، ويرفع المجزوم والمنصوب من الفعل اتساعًا ونظرًا إلى الأصل، كما سمع من العرب: الوقف على آخر الاسم الصحيح والمعتل في حالة النصب بلا ألف. قوله: (ومعنى القراءة بالفتح: ومن يعم): وفي "الكواشي": فالضم من: عشا يعشو؛ نظر نظر العشي بلا آفة بعينه، والفتح من: عشى يعشى، كعمى يعمى وزنًا، وقريبه معنى. ؟
[ ١٤ / ١٤٠ ]
كقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨ و١٧١]. وأما القراءة بالضم فمعناها: ومن يتعام عن ذكره، أي: يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتغابى، كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤].
﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ نخذله ونخل بينه وبين الشياطين، كقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥]، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣]. وقرئ: "يقيض"؛ أي: يقيض له الرحمن، و"يقيض له الشيطان".
فإن قلت: لم جمع ضمير "من" وضمير "الشيطان" في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾؟ قلت: لأنّ "مَنْ" مبهم في جنس العاشي، وقد قيض له شيطان مبهم في جنسه، فلما جاز أن يتناولا -لإبهامهما- غير واحدين، جاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعًا.
﴿حَتَّى إِذا جاءَنا﴾ العاشي،
_________________
(١) ـ قوله: (﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ نخذله ونخل بينه): مجاز عن قوله: نتيح ونقدر؛ بناء على مذهبه، قال ابن عباس: يسلط عليه، فهو معه في الدنيا والآخرة. قوله: (لأن "من" مبهم في جنس العاشي): قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: لا مقال في أن "من" يصح أن يرجع إليه ضمير الجمع، فما اعتبر جمعًا، وكل واحد منهم عاش، فمع كل واحد شيطان، فلزم الجمع أيضًا، فرجع ضمير الجمع إلى المدلول، وهي الشياطين. الانتصاف: "في هذه الآية نكتتان: إحداهما: أن النكرة في سياق الشرط تعم، وفيها اضطراب للأصوليين، وإمام الحرمين يختار العموم، واستدرك على الأئمة قولهم: أن النكرة في سياق الإثبات تخص، بأن الشرط يعم فيه، وهو إثبات، ورد عليه الأبياري شارح كتابه ؟
[ ١٤ / ١٤١ ]
_________________
(١) ردًا عنيفًا، وهذه الآية حجة للإمام من وجهين: لأنه وحد "الشيطان"، ولم يرد إلا الكل، لأن كل إنسان له شيطان، فكيف بالعاشي عن ذكر الله، والثاني: أنه أعاد عليه الضمير مجموعًا في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ﴾، ولولا عموم الشمول لما جاز عود ضمير الجمع على واحد، فهذه نكتة توجب للمخالفين سكتة. الثانية: أن فيها حجة على من يزعم أن العود على معنى "من" يمنع من العود على لفظها، محتجًا بأن إجمال بعد البيان، وقد نقض الكندي هذا بقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، ونقض أيضًا بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ [لقمان: ٦ - ٧]. واستخرج جدي من هذه الآية نقض ذلك، لأنه أعاد على اللفظ في قوله: ﴿يَعْشُ﴾ و﴿لَهُ﴾ مرتين، ثم على المعنى ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾، ثم على اللفظ في قوله: ﴿حَتَّى إذَا جَاءَنَا﴾، وقدمت أن الذي منع ذلك قد يكون قد اقتصر بمنعه إذا جاء في جملة واحدة، أما إذا استقلت ؟
[ ١٤ / ١٤٢ ]
وقرئ: "جاءانا"، على أنّ الفعل له ولشيطانه، ﴿قالَ﴾ لشيطانه: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ يريد: المشرق والمغرب، فغلب، كما قيل: العمران والقمران. فإن قلت: فما ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾؟ قلت: تباعدهما، والأصل: بعد المشرق من المغرب، والمغرب من المشرق، فلما غلب وجمع المفترقين بالتثنية، أضاف البعد إليهما.
_________________
(١) ـ كل واحدة بنفسها، فلا يمنع، ورددت على الزمخشري، في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]، [فإن] الجملة واحدة، فانظره في موضعه". قوله: (وقرئ: "جاءانا"): الحرميان وابن عامر وأبو بكر: "جاءانا"؛ على التثنية، والباقون: على التوحيد. قوله: (تباعدهما، والأصل: بعد المشرق من المغرب)، الانتصاف: ألجاه إلى تقدير البعد بالتباعد: إضافته إلى ﴿الْمَشْرِقَيْنِ﴾ جميعًا، فلو بقي على ظاهره لأفاد بعد المشرقين من غيرهما، والظاهر أنه من اللف، وأصله: بعد المشرق من المغرب، وبعد المغرب من المشرق، ثم لفه، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]. وقلت: معنى سؤاله: "فما ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾؟ ": الإنكار على ما سبق، بدلالة الفاء، أي: هب أن معنى "المشرقين" على التغليب، فما معنى تمنيهم بعد المشرق والمغرب؟ وأجاب: أن معنى "البعد" من: التباعد، ولذلك فإن الأصل: بعد المشرق عن المغرب، والمغرب عن المشرق، فإن التباعد يقتضي المزاولة طبعًا، فإذن لا يجتمعان أبدًا، بخلاف مطلق البعد، أي: يا ليت بيننا بعدًا مثل بعد المشرقين في أنهما لا يجتمعان أبدًا لما بينهما من التباعد، ومن ثم رتب عليه: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾. ؟
[ ١٤ / ١٤٣ ]
﴿أَنَّكُمْ﴾ في محل الرفع على الفاعلية، يعني: ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب، كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه، لتعاونهم في تحمل أعبائه، وتقسمهم لشدّته وعنائه، وذلك أنّ كل واحد منكم به من العذاب ما لا تبلغه طاقته.
ولك أن تجعل الفعل للتمني في قوله: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، على معنى: ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين، وقوله: ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ تعليل، أي: لن ينفعكم تمنيكم، لأنّ حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب، كما كنتم مشتركين في سببه وهو الكفر. وتقوّيه قراءة من قرأ: "إنكم" بالكسر.
وقيل: إذا رأى الممنوّ بشدّة من مني بمثلها،
_________________
(١) ـ وقريب منه ما قال صاحب "التيسير": كأنه قال: يا ليتني لم أكن صحبتك ولا عرفتك، ولا كانت بيني وبينك وصلة ولا تقارب، حتى كنا في التباعد كأن أحدنا بالمشرق والآخر بالمغرب، لا يلتقيان ولا يتقاربان، فجعلهما "مشرقين": كالقمرين والعمرين، وأنشد الزجاج: لنا قمراها والنجوم الطوالع وأما قول صاحب "الانتصاف": "إنه من اللف": فضعيف؛ لأن معنى اللف: هو أن يلف بين الشيئين في الذكر، ثم يتبعهما كلامًا مشتملًا على متعلق بواحد وبآخر من غير تعيين، كما في قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، فقوله: ﴿وَقَالُوا﴾ لف من حيث المعنى، لأنه ضمير الفريقين بدلالة النشر عليه، وأين هاهنا ذاك؟ ! قوله: (الممنو): الأساس: "مني بكذا: بلي به، وهو ممنو به"، روى الزجاج عن المبرد: ؟
[ ١٤ / ١٤٤ ]
روّحه ذلك ونفس بعض كربه، وهو التأسي الذي ذكرته الخنساء:
أعزى النّفس عنه بالتّأسى
فهؤلاء لا يؤسيهم اشتراكهم ولا يروّحهم؛، لعظم ما هم فيه.
فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾؟ قلت: معناه: إذ صح ظلمكم وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين،
_________________
(١) ـ "أنهم منعوا روح التأسي، لأن التأسي يسهل المصيبة، فأعملوا أنه لن ينفعكم الاشتراك في العذاب، وأن الله تعالى لا يجعل لهم فيها أسوة، وأنشد للخنساء: يذكرني طلوع الشمس صخرًا وأذكره بكل مغيب شمس ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي" وقلت: فعلى هذا القول: فاعل ﴿لَن يَنفَعَكُمُ﴾: ﴿أَنَّكُمْ﴾، كما في الوجه الأول، والمعنى: اليوم لا ينفعكم هذا المعنى، وهو أنكم في العذاب مشتركون، وقد علم عرفًا أنه ليس في اشتراك العذاب النفع البتة إلا التأسي، وهؤلاء حرموا التأسي أيضًا، لعظم ما هم فيه. قوله: (ما معنى قوله: ﴿إذ ظَّلَمْتُمْ﴾؟): قال أبو البقاء: "أما "إذ" فمشكلة الأمر؛ لأنها ظرف زمان ماض، و"لن ينفعكم"، وفاعله، واليوم المذكور: ليس بماض، قال ابن جني في مساءلته أبا علي: راجعته فيها مرارًا، فآخر ما حصل منه: أن الدنيا والأخرى متصلتان، ؟
[ ١٤ / ١٤٥ ]
وذلك يوم القيامة. و﴿إِذْ﴾: بدل من اليوم. ونظيره:
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة
أي: تبين أني ولد كريمة.
[﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٤٠]
_________________
(١) ـ وهما سواء في حكم الله تعالى وعلمه، فتكون "إذ" بدلًا من "اليوم"، حتى كأنها مستقبلة، أو كأن اليوم ماض. وقال غيره: الكلام محمول على المعنى، والمعنى: أن ثبوت ظلمهم عندهم يكون يوم القيامة، فكأنه قال:، لن ينفعكم اليوم إذ صح ظلمكم عندكم، فهو بدل أيضًا". هذا هو الذي عناه المصنف: "إذ صح ظلمكم وتبين، و﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿الْيَوْمَ﴾ ". وقال أبو البقاء: "وقال آخرون: التقدير: بعد إذا ظلمتم، فحذف المضاف للعلم به، وقيل: "إذا" بمعنى "أن"، أي: لأن ظلمتم". قوله: (إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة): بعده: ولم تجدي من أن تقري به بدا عن بعضهم: استشهد أن "إذا" بدل من "اليوم"، كما في قوله تعالى: ﴿إذ ظَّلَمْتُمْ﴾، و"ما" زائدة، وهو سيهو؛ لأن "لم تلدني" جواب "إذا"، وهو ليس للاستقبال، لأن الولادة كانت قبل، والمعنى على التبين، فالاشتراك بين المستشهد والمستشهد هو التبين، يقول: إذا انتسبنا تبين لك أني ولد كريمة، وتقرين بذلك لا محالة. ؟
[ ١٤ / ١٤٦ ]
كان رسول الله ﷺ يجد ويجتهد ويكدّ روحه في دعاء قومه، وهم لا يزيدون على دعائه إلا تصميمًا على الكفر وتماديًا في الغيّ، فأنكر عليه بقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ إنكار تعجيب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم، وأراد: أنه لا يقدر على ذلك منهم إلا هو وحده على سبيل الإلجاء والقسر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
[﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤١ - ٤٣]
«ما» في قوله: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ بمنزلة لام القسم؛ في أنها إذا دخلت دخلت معها النون المؤكدة، والمعنى: فإن قبضناك قبل أن ننصرك عليهم ونشفي صدور المؤمنين منهم، ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ أشد الانتقام في الآخرة، كقوله تعالى: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧]، وإن أردنا أن ننجز في حياتك ما وعدناهم من العذاب النازل بهم -وهو يوم بدر- فهم تحت ملكتنا وقدرتنا لا يفوتوننا.
وصفهم بشدة الشكيمة في الكفر والضلال، ثم أتبعه شدة الوعيد بعذاب الدنيا والآخرة.
وقرئ: "نرينك" بالنون الخفيفة. وقرئ: "بالذي أوحى إليك" على البناء للفاعل، وهو الله ﷿، والمعنى: وسواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرنا إلى اليوم الآخر، فكن متمسكًا بماأوحينا إليك وبالعمل به،
_________________
(١) ـ قوله: (لا يقدر على ذلك منهم إلا هو وحده): هذا الحصر مستفاد من إيلاء الضمير حرف الإنكار. ؟
[ ١٤ / ١٤٧ ]
فإنه الصراط المستقيم الذي لا يحيد عنه إلا ضال شقي، وزد كل يوم صلابة في المحاماة على دين الله، ولا يخرجك الضجر بأمرهم إلى شيء من اللين والرخاوة في أمرك، ولكن كما يفعل الثابت الذي لا ينشطه تعجيل ظفر، ولا يثبطه تأخيره.
[﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ * وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٤٤ - ٤٥]
﴿وَإِنَّهُ﴾ وإنّ الذي أوحى إليك ﴿لَذِكْرٌ﴾ لشرف، ﴿لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾، ﴿وَ﴾ لـ ﴿سَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ عنه يوم القيامة، وعن قيامكم بحقه، وعن تعظيمكم له، وشكركم على أن رزقتموه وخصصتم به من بين العالمين.
_________________
(١) ـ قوله: (لا يحيد عنه): الجوهري: "حاد عن الشيء يحيد حيودًا وحيدة وحيدودة: مال عنه". قوله: (وزد كل يوم صلابة في المحاماة) قيل: الزيادة مستفادة من "السين" في "استمسك"، قلت: بل هي مستفادة من الأمر بالاستمساك بالوحي لمن هو مستمسك به، ويعضده تعليله بقوله: ﴿إنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، فهو كقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، قال المصنف: هو كقولك للعزيز المكرم: أعزك الله وأكرمك، تريد طلب الزيادة إلى ما هو ثابت فيه، كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ". قوله: (ولكن كما يفعل الثابت): عطف على قوله: "يخرجك" من حيث المعنى، أي: كن متمسكًا بما أوحينا إليك، ولا تفعل كما يفعل الضال الشقي، فإنه يميل عن الحق، ولا يثبت عليه، فإن عادة المتزلزل أن لا يصبر على شيء، ينشطه تعجيل ظفر، ويثبطه تأخيره، ولكن افعل كما يفعل الثابت الذي لا ينشطه تعجيل ظفر، ولا يثبطه تأخيره، وكل هذه المعاني مستنبطة من ارتباط ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ بقوله: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾، وذلك لأنه تعالى لما نبهه -صلوات الله عليه- أن جده واجتهاده في دعاء قومه غير نافع، وأنهم صم عمي في ضلال مبين، لا يرجعون ولا يرعون، وبين أنه لابد من الهلاك وقطع دابرهم، فقسم الأمر بين أن ؟
[ ١٤ / ١٤٨ ]
ليس المراد بسؤال الرسل: حقيقة السؤال؛ لإحالته، ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم، والفحص عن مللهم، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء؟ وكفاه نظرًا وفحصًا: نظره في كتاب الله المعجز المصدّق لما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانًا، وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها.
والسؤال الواقع مجازًا عن النظر، حيث لا يصح السؤال على الحقيقة: كثير، منه مساءلة الشعراء الديار والرسوم والأطلال، وقول من قال: سل الأرض: من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإنها إن لم تجبك حوارًا أجابتك اعتبارًا.
_________________
(١) ـ ينصره عليهم في الدنيا ويشفي صدور المؤمنين، وبين أن ينتقم منهم في الآخرة أشد الانتقام، أرشده إلى المتاركة والمواعدة والاشتغال بما يهمه من التمسك بالعروة الوثقى، وهو هذا القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعلل ذلك بقوله: ﴿إنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. ويعضد معنى المتاركة والتسلية: قوله: ﴿واسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا﴾، والشروع في قصة موسى ﵇، فتأمل وتعجب من إدراكه اللمحات التنزيلية التي لطف شأنها، وخفي مكانها، واشكر سعينا في استنباطها من مظانها، بطلب الزلفى عند الله الكريم. قوله: (وهذه الآية في نفسها كافية): ترقى في تأويل السؤال بالنظر والفحص، يعني: أمر صلوات الله عليه بقوله: ﴿واسْأَلْ﴾ بأن يتفكر في أديان الأمم السالفة، دينًا بعد دين، وأمة بعد أمة، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة، ثم ترقى منه غلى النظر في هذا الكتاب الكريم، فإنه كاف في التفحص، ثم ترقى منه إلى التفكر في هذه الآية الفاذة الكافية في المقصود. قوله: (كثير): خبر، و"السؤال الواقع" مبتدأ، و"منه" خبر أيضًا، و"مساءلة الشعراء" مبتدأ. ؟
[ ١٤ / ١٤٩ ]
وقيل: إن النبي ﷺ جمع له الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس فأمّهم، وقيل له: سلهم، فلم يشكك ولم يسأل. وقيل: معناه سل أمم من أرسلنا، وهم أهل الكتابين؛ التوراة والإنجيل. وعن الفراء: هم إنما يخبرونه عن كتب الرسل، فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء.
[﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ * فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ﴾ ٤٦ - ٤٧]
ما أجابوه به عند قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ محذوف، دل عليه قوله: ﴿فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا﴾ وهو مطالبتهم إياه بإحضار البينة على دعواه وإبراز الآية، ﴿إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ﴾ أي: يسخرون منها ويهزءون بها ويسمونها سحرًا، و"إذا" للمفاجأة.
فإن قلت: كيف جاز أن يجاب "لما" بـ"إذا" المفاجأة؟ قلت: لأنّ فعل المفاجأة معها مقدّر، وهو عامل النصب في محلها، كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجئوا وقت ضحكهم.
[﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٤٨]
_________________
(١) ـ قوله: (فلم يشكك ولم تسأل): أي: ظاهر الأمر الوجوب، فإما أن يحمل السؤال على النظر مجازًا، والكلام مبني على الشرط، كأنه قيل: أن شككت فاسأل، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس: ٩٤]، فلم يشكك ولم يسأل. قوله: (وقيل: معناه: سل أمم من أرسلنا): وهم أهل الكتابين. الانتصاف: "يشهد له قوله: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] ". ؟
[ ١٤ / ١٥٠ ]
فإن قلت: إذا جاءتهم آية واحدة من جملة التسع، فما أختها التي فضلت عليها في الكبر من بقية الآيات؟ قلت: أختها التي هي آية مثلها، وهذه صفة كل واحدة منها، فكان المعنى على أنها أكبر من بقية الآيات على سبيل التفصيل والاستقراء واحدة بعد واحدة، كما تقول: هو أفضل رجل رأيته؛ تريد تفضيله على أمة الرجال الذين رأيتهم إذا قروتهم رجلًا رجلًا.
فإن قلت: هو كلام متناقض، لأنّ معناه: ما من آية من التسع إلا هي أكبر من كل واحدة منها، فتكون واحدة منها فاضلة ومفضولة في حالة واحدة؟ قلت: الغرض بهذا الكلام أنهنّ موصوفات بالكبر، لا يكدن يتفاوتن فيه، وكذلك العادة في الأشياء التي تتلاقى في الفضل، وتتقارت منازلها فيه التقارت اليسير: أن تختلف آراء الناس في تفضيلها، فيفضل بعضهم هذا، وبعضهم ذاك، فعلى ذلك بنى الناس كلامهم فقالوا: رأيت رجالًا بعضهم أفضل من بعض،
_________________
(١) ـ قوله: (تريد تفضيله على أمه الرجال): يعني: من حق "أفعل" التفصيل هنا، أن يكون المفصل عليه أعم منه، لأن الآيات تسع، فينبغي أن يقال: وما من آية إلا وهي أكبر من بقية الآيات، وفي الآية: ﴿أُخْتَهَا﴾: مثل، وكذا في المثال، فيحمل على استغراق الجنس ليتناول فردًا فردًا منه. قوله: (إذا قروتهم رجلًا رجلًا): الجوهري: "قروت البلاد قروًا، وقريتها، واقتريتها، واستقريتها: إذا تتبعتها؛ تخرج من أرض إلى أرض". قوله: (الفرض بهذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر، لا يكدن يتفاوتن فيه): يعني: "أفعل" محمول على الزيادة مطلقًا رومًا للمبالغة، كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم: ٣٣]، فـ ﴿أَعْلَمُ﴾ يعني: عالم؛ إذا لا مشاركة لله تعالى في علمه بذلك، وسبق بيان ذلك في سورة "الزمر" مستقصى. ؟
[ ١٤ / ١٥١ ]
وربما اختلفت آراء الرجل الواحد فيها، فتارة يفضل هذا وتارة يفضل ذاك. ومنه بيت "الحماسة":
من تلق منهم تقل: لاقيت سيدهم مثل النجوم الّتى يسري بها السّاري
وقد فاضلت الأنمارية بين الكملة من بنيها، ثم قالت لما أبصرت مراتبهم متدانية قليلة التفاوت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرّغة لا يدرى أين طرفاها.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إرادة أن يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان. فإن قلت لو أراد رجوعهم لكان؟
_________________
(١) ـ الانتصاف: "الظاهر أن الذي سوغ هذا الإطلاق أن كل آية إذا أفردت استغرقت عظمتها الفكر، وبهرته، حتى يجزم أنها النهاية، وأن كل آية دونها، فإذا نقل الكفر إلى الأخرى كانت كذلك، وحاصلها أنه لا يقدر الفكر أن يجمع بين آيتين لتتميز الفاضلة من المفضولة". وقال صاحب "الفرائد": "نحوه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، فإن الناظر إذا نظر إلى آية ظهرت بعد أخرى، يقول: هي أكبر من أختها، لكون كل واحدة في غاية من الكمال والقوة". قوله: (وقد فاضلت الأنمارية): قيل: هي فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، كانت في الجاهلية، وبنوها يلقبون "الكلمة"، تصف أبناءها حين سئلت: أيهم أفضل؟ فقالت: عمارة، لا بل فلان، لا بل فلان، ثم قالت: ثكلتهم أن كنت أعلم أيهم أفضل، كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. ؟
[ ١٤ / ١٥٢ ]
قلت: إرادته فعل غيره ليس إلا أن يأمره به ويطلب منه إيجاده، فإن كان ذلك على سبيل القسر وجد، وإلا دار بين أن يوجد وبين أن لا يوجد على حسب اختيار المكلف، وإنما لم يكن الرجوع لأنّ الإرادة لم تكن قسرا ولم يختاروه.
والمراد بالعذاب: السنون والطوفان والجراد وغير ذلك.
[﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ * فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ٤٩ - ٥٠]
وقرئ: "يا أيه الساحر"؛ بضم الهاء، وقد سبق وجهه.
فإن قلت: كيف سموه بالساحر مع قولهم: ﴿إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾؟
_________________
(١) ـ قوله: (إرادته فعل غيره) إلى آخره): جعل الأمر والإرادة سيان، وآل حاصل كلامه أنه حصل مراد العبد دون مراد الله، وقد مر غير مرة أن "لعل" في أمثال هذه المقامات مستعارة تمثيلًا، أي: عاملهم الله ﷿ معاملة من يرجو ويتوقع. قوله: (قرئ: "يا أيه الساحر"؛ بضم الهاء): ابن عامر، والباقون: بفتحها. ووجهها: أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين، أتبعت حركتها حركة ما قبلها، هكذا قاله في سورة "النور"، وقالوا: وجهه: أنه لما لزم هاء التنبيه "أي" المنادى صار معه كالشيء الواحد، فحذف ألفها، ثم جعل الهاء كجزء منه، فبنى "أيه" في النداء على الضم، كما قالوا: يا زيد. قوله: (كيف سموه بالساحر): أي: تسميتهم بـ"الساحر" مؤذن بأنه ضال مضل، ووعدهم ؟
[ ١٤ / ١٥٣ ]
قلت: قولهم: ﴿إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ وعد منوي إخلافه، وعهد معزوم على نكثه، معلق بشرط أن يدعو لهم وينكشف عنهم العذاب، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾، فما كانت تسميتهم إياه بالساحر بمنافية لقولهم: ﴿إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾. وقيل: كانوا يقولون للعالم الماهر: ساحر؛ لاستعظامهم علم السحر.
﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة،
_________________
(١) ـ بقوله: ﴿إنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ إعلام بأنه هاد مهتد، وأجاب: بأن قولهم: ﴿إنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ تعليق مخالف لما في الضمائر، وقال القاضي: "نادوه بالساحر في تلك الحال لشدة شكيمتهم، وفرط حماقتهم"، ويمكن أن يقال: أن هذا المقام تضرع وابتهال، بدليل قوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العَذَابَ﴾، فينبغي أن يقولوا: يا موسى، كما في نظيرتها، لكنهم من إفراط حيرتهم ودهشتهم سبق لسانهم إلى ما تعودوه وألفوا به من تسميتهم بالساحر، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٤ - ١٣٥]. قوله: (﴿بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ أي: بعهده عندك): أي: ادع الله بسبب أنك مستجاب الدعوة، لأن الله تعالى عهد لك أن يجيب دعوتك، أو بحق ما عندك من عهد الله وكرامتك بالنبوة، أو بحق الإيمان والطاعة، أو بسبب ما عهده الله من كشف العذاب لمن آمن، قال الزجاج: " ﴿بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ فيمن آمن به من كشف العذاب عنه، يدل عليه قوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العَذَابَ إذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ ". ؟
[ ١٤ / ١٥٤ ]
أو بعهده عندك وهو النبوّة، أو بما عهد عندك فوفيت به، وهو الإيمان والطاعة، أو بما عهد عندك من كشف العذاب عمن اهتدى.
[﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ٥١ - ٥٣]
﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ جعلهم محلا لندائه وموقعًا له، والمعنى: أنه أمر بالنداء في مجامعهم وأما كنهم من نادى فيها بذلك، فأسند النداء إليه، كقولك: قطع الأمير اللص؛ إذا أمر بقطعه. ويجوز أن يكون عنده عظماء القبط، فيرفع صوته بذلك فيما بينهم، ثم ينشر عنه في جموع القبط، فكأنه نودي به بينهم، فقال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ﴾ يعني أنهار النيل، ومعظمهما أربعة: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تنيس. قيل: كانت تجري تحت قصره، وقيل: تحت سريره لارتفاعه، وقيل: بين يدي في جناني وبساتيني.
ويجوز أن تكون الواو عاطفة "للأنهار" على ﴿مُلْكُ مِصْرَ﴾، و﴿تَجْرِي﴾: نصب على الحال منها، وأن تكون الواو للحال، واسم الإشارة مبتدأ، و﴿الْأَنْهَارُ﴾ صفة لاسم الإشارة، و﴿تَجْرِي﴾ خبر للمبتدأ.
وليت شعري كيف ارتقت إلى دعوة الربوبية همة من تعظم بملك مصر، وعجب الناس من مدى عظمته، وأمر فنودي بها في أسواق مصر وأزقتها؛ لئلا تخفى تلك الأبهة والجلالة على صغير ولا كبير، وحتى يتربع في صدور الدهماء مقدار عزته وملكوته، وعن الرشيد: أنه لما قرأها قال: لأولينها أخس عبيدي،
_________________
(١) ـ قوله: (يتربع): أي: يتمكن في قلوب الجماعة فضل تمكن تمثيلًا، وعن بعضهم: "مقدار" بالنصب؛ من قولهم: تربع المكان: أتخذه ربعًا، أي: منزلًا، وقيل: الإقامة في المكان، وبمعنى: ؟
[ ١٤ / ١٥٥ ]
فولاها الخصيب، وكان على وضوئه. وعن عبد الله بن طاهر: أنه وليها، فخرج إليها، فلما شارفها ووقع عليها بصره، قال: أهي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾؟ ! والله لهي أقل عندي من أن أدخلها، فثنى عنانه.
_________________
(١) ـ الأخذ للمكان، و"مقدار" بالرفع في بعض النسخ؛ على أنه فاعل "يتربع"، من قولهم تربع في جلوسه. قوله: (فولاها الخصيب): وهو خصيب بن حميد، كذا في "ديوان أبي نواس)، ومدحه بقصيدة، منها: أما دون مصر للغنى متطلب بلى أن أسباب الغنى لكثير فقلت لها واستعجلتها بوادر جرت فجرى في جريهن عبير ذريني أكثر حاسديك برحلة إلى بلد فيه الخصيب أمير إذا لم تزر أرض الخصيب ركابها فأي فتى غير الخصيب تزور؟ ! فتى يشتري حسن الثناء بماله ويعلم أن الدائرات تدور فما حازه جود ولا حل دونه ولكن يصير الجود حيث يصير وذكر ابن الأثير في "التاريخ الكامل": "أن الرشيد لما أراد عزل موسى بن عيسى عن مصر، قال: والله لا أعزله إلا بأخس من على بابي، فأحضر عمر بن مهران، وكان أحول مشوه الخلق رث الثياب، فولاه، فسار فوافى دار موسى، وجلس في أخريات الناس، فلما تفرقوا دفع الكتاب إلى موسى، فقال: تقدم أبا حفص أبقاك الله، لعن الله فرعون حيث قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾، ثم سلم له العمل، ورحل". ؟
[ ١٤ / ١٥٦ ]
﴿أَمْ﴾ هذه متصلة؛ لأنّ المعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون، إلا أنه وضع قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ موضع "تبصرون"، لأنهم إذا قالوا له: أنت خير، فهم عنده بصراء، وهذا من إنزال السبب منزلة المسبب. ويجوز أن تكون منقطعة؛ على: بل أأنا خير، والهمزة للتقرير، وذلك أنه قسم تعديد أسباب الفضل والتقدّم عليهم؛ من ملك مصر وجري الأنهار تحته، ونادى بذلك، وملأ به مسامعهم، ثم قال: أنا خير، كأنه يقول: أثبت عندكم واستقر إني أنا خير وهذه حالي.
﴿مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ أي: ضعيف حقير. وقرئ: "أما أنا خير"
_________________
(١) ـ قوله: (﴿أَمْ﴾ هذه متصلة؛ لأن المعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون): قال أبو البقاء: " ﴿أَمْ﴾ هذه منقطعة في اللفظ؛ لوقوع الجملة بعدها، وهي في المعنى متصلة معادلة، إذ المعنى: أنا خير منه أم لا"، ومراد المصنف: أن قوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ بعث لهم على الاستبصار والتفكر في أحواله؛ من بسطة الملك واستعداد الرئاسة ومن الجريان في النطق، وأحوال موسى؛ من الفقر والقلة وعدم استعداده الرئاسة من الرتة في النطق، ثم على أن يقولوا له: أنت خير. وينصره قوله تعالى: ﴿هُوَ مَهِينٌ ولا يَكَادُ يُبِينُ﴾. ولما كان هذا التركيب حاملًا على الاستبصار، وعلى القول، قال: "وهذا من إنزال السبب منزلة المسبب"، عن بعضهم: لأن كونه خيرًا عندهم مسبب كونهم بصراء، لأن الإبصار سبب لقولهم: أنت خير. ؟
[ ١٤ / ١٥٧ ]
﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ الكلام لما به من الرتة، يريد: أنه ليس معه من العدد وآلات الملك والسياسة ما يعتضد به، وهو في نفسه مخل بما ينعت به الرجال من اللسن والفصاحة، وكانت الأنبياء كلهم أبيناء بلغاء.
وأراد بإلقاء الأسورة عليه: إلقاء مقاليد الملك إليه، لأنهم كانوا إذا أرادوا تسويد الرجل سوّروه بسوار، وطوّقوه بطوق من ذهب، ﴿مُقْتَرِنِينَ﴾ إما مقترنين به؛ من قولك: قرنته فاقترن به، وإما من: اقترنوا؛ بمعنى: تقارنوا. لما وصف نفسه بالملك والعزة، ووازن بينه وبين موسى صلوات الله عليه، فوصفه بالضعف وقلة الأعضاد، اعترض فقال: هلا إن كان صادقًا ملكه ربه وسوّده وسوّره، وجعل الملائكة أعضاده وأنصاره.
وقرئ: "أساور"؛ جمع أسورة، و"أساوير"؛ جمع إسوار، وهو السوار، و"أساورة"؛ على تعويض التاء من ياء "أساوير". وقرئ: "ألقى عليه أسورة" و"أساور"، على البناء للفاعل، وهو الله ﷿.
[﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ٥٤]
_________________
(١) ـ قوله: (أبيناء): قيل: جمع بين، وهو ذو البيان. قوله: (مقاليد الملك): الجوهري: "الإقليد: المفتاح، والمقلد: مفتاح". قوله: (وإما من: اقترنوا): بمعنى: تقارنوا، قال محيي السنة: "أي: متتابعين، يقارن بعضهم بعضًا؛ يشهدون له بصدقه، ويعينونه على أمره". قوله: (وقرئ: "أساور"): حفص: ﴿أَسْوِرَةٌ﴾ بإسكان السين من غير ألف، والباقون: بفتحها وألف بعدها. ؟
[ ١٤ / ١٥٨ ]
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ فاستفزهم، وحقيقته: حملهم على أن يخفوا له ولما أراد منهم، وكذلك: استفز، من قولهم للخفيف: فز.
[﴿فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ ٥٥ - ٥٦]
﴿آسَفُونَا﴾ منقول من: أسف أسفًا: إذا اشتد غضبه، ومنه الحديث في موت الفجأة: "رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر". ومعناه: أنهم أفرطوا في المعاصي وعدوا طورهم، فاستوجبوا أن نعجل لهم عذابنا وانتقامنا، وأن لا نحلم عنهم.
_________________
(١) ـ قوله: (حملهم على أن يخفوا له): يعني: السين للطلب، وما طلب منهم في الحقيقة أن يخفوا له، بل احتال في تنكب آرائهم حتى يطيعوه فيما أراد منهم، مما يأباه أرباب العقول وأولو البصائر، قال محيي السنة: "يقال: استخفه على رأيه؛ إذا حمله على الجهل"، وعن بعضهم: أي: حملهم بتمويهه على أن خفوا لأمره غير مستثقلين له، فأطاعوه في تكذيب موسى ومخالفته، وجمع الجموع لمحاربته. قوله: (وكذلك: استفز): أي: كما جاء "استخف" من الخفة لهذا المعنى، كذلك جاء "استفز" من فز؛ له. قوله: (ومنه الحديث في موت الفجأة): روي عن رجل من الصحابة: أن رسول الله ﷺ قال: "موت الفجأة أخذة أسف ورحمة للمؤمن"، وفي رواية: قال رسول الله ﷺ: "موت الفجأة أخذة أسف"، أخرج الثانية أبو داود، والأولى رواها رزين، وذكرهما صاحب "جامع الأصول". ؟
[ ١٤ / ١٥٩ ]
وقرئ: ﴿سَلَفًا﴾ جمع سالف، كخادم وخدم، و"سُلُفًا" بضمتين؛ جمع سليف، أي: فريق قد سلف، و"سلفًا": جمع سلفة، أي: ثلة قد سلفت. ومعناه: فجعلناهم قدوة للآخرين من الكفار، يقتدون بهم في استحقاق مثل عقابهم ونزوله بهم، لإتيانهم بمثل أفعالهم، وحديثًا عجيب الشأن سائرًا مسير المثل، يحدثون به ويقال لهم: مثلكم مثل قوم فرعون.
[﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ ٥٧ - ٥٩]
لما قرأ رسول الله ﷺ على قريش: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، امتعضوا من ذلك امتعاضًا شديدًا، فقال عبد الله بن الزبعرى: يا محمد، أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال ﵇: "هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم"، فقال: خصمتك ورب الكعبة، ألست تزعم أنّ عيسى ابن مريم نبيّ، وتثني عليه خيرًا وعلى أمه، وقد علمت أنّ النصارى يعبدونهما، وعزير يعبد، والملائكة يعبدون، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرحوا وضحكوا،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: ﴿سَلَفًا﴾): حمزة والكسائي: "سلفًا"؛ بضم السين واللام، والباقون: بفتحهما. قوله: (أي: ثلة): الجوهري: "الثلة- بالضم-: الجماعة من الناس". قوله: (امتعضوا من ذلك): الجوهري: "معضت من ذلك الأمر أمعض معضًا، وامتعضت منه: إذا غضبت وشق عليك". قوله: (خصمتك): خاصمت فلانًا فخصمته، أي: غلبته في الخصومة. ؟
[ ١٤ / ١٦٠ ]
وسكت النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ [النبياء: ١٠١]، ونزلت هذه الآية.
والمعنى: ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلًا، وجادل رسول الله ﷺ بعبادة النصارى إياه، ﴿إِذَا قَوْمُكَ﴾ قريش، ﴿مِنْهُ﴾ من هذا المثل، ﴿يَصِدُّونَ﴾ ترتفع لهم جلبة وضجيج فرحًا وجزلًا وضحكًا بما سمعوا منه من إسكات رسول الله ﷺ بجدله، كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا تعيوا بحجة ثم فتحت عليهم.
وأمّا من قرأ: "يصدّون" بالضم: فمن الصدود، أي: من أجل هذا المثل يصدّون عن الحق ويعرضون عنه. وقيل: من الصديد وهو الجلبة، وأنهما لغتان نحو: يعكف ويعكف، ونظائر لهما.
﴿وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ يعنون: أنّ آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى، وإذا كان عيسى من حصب النار، كان أمر آلهتنا هينًا.
﴿ما ضَرَبُوهُ﴾ أي: ما ضربوا هذا المثل، ﴿لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ إلا لأجل الجدل.
_________________
(١) ـ قوله: (ثم فتحت عليهم): النهاية: " وفي الحديث: "لا يفتح على الإمام"؛ إذا أرتج عليه في القراءة وهو في الصلاة، لا يفتح له المأموم ما أرتج عليه، أي: لا يلقنه". قوله: (وأما من قرأ"يصدون" بالضم): نافع وابن عامر والكسائي، والباقون: بكسرها. قال الزجاج: "الكسر أكثر، ومعناهما جمعيًا: يضجون. ويجوز أن يكون معنى المضمومة: يعرضون"، روى محيي السنة عن الكسائي: "هما لغتان، مثل يعرشون ويعرشون، وشد يشد ويشدً، ونم ينم وينم". ؟
[ ١٤ / ١٦١ ]
والغلبة في القول، لا لطلب الميز بين الحق والباطل، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ لدّ شداد الخصومة دأبهم اللجاج، كقوله تعالى: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾] مريم: ٩٧]،
_________________
(١) ـ قوله: (لا لطلب الميز): تأكيد لما نفي في المستثنى منه في قوله: "ما ضربوا هذا المثل لك إلا جدلًا"، أي: ليس قولهم: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، إلا جدلًا صرفًا، ليس فيه سوى طلب الباطل والغلبة في القول، لأن"ما" في قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] عام يحتمل التخصيص بحسب المخاطبين واقتضاء المقام، فللمحق والمبطل مجال التأويل، فإن المحق حين سمع النصوص الدالة على تعظيم الملائكة وعيسى، وأن قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ خطاب مشافهة مع المشركين: لا يتصور دخولهم في هذا العام، والمعاند المكابر لا يلتفت إلى المقام، وحين رأى للجدال مجالًا انتهز الفرصة. أما المقام: فإن الخطاب في قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في المشركين، ومن ثم قدر محيي السنة " ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: الأصنام، ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ". وأما توجيه كلامهم: ﴿وقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، فإنك تزعم أن آلهتنا ليس فيها خير، وأن عيسى نبي مكرم، فقولك: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ يوجب المساواة، فإن كان الذي تقول بفضله ونبوته حصب جهنم، كان أمر آلهتنا هينًا. وأما قوله: " هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم": فليس بثبت. ؟
[ ١٤ / ١٦٢ ]
وذلك أنّ قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨]: ما أريد به إلا الأصنام، وكذلك قوله ﵇: «هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم»، إنما قصد به الأصنام، ومحال أن يقصد به الأنبياء والملائكة، إلا أن ابن الزبعرى بخبه وخداعه وخبث دخلته، لما رأى كلام الله ورسوله محتملًا لفظه وجه العموم، مع علمه بأنّ المراد به أصنامهم لا غير، وجد للحيلة مساغًا، فصرف معناه إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله، على طريقة المحك والجدال وحب المغالبة والمكابرة، وتوقح في ذلك، فتوقر رسول الله ﷺ حتى أجاب عنه ربه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١]، فدل به على أنّ الآية خاصة في الأصنام، على أنّ ظاهر قوله: ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾ لغير العقلاء.
_________________
(١) ـ وروى محيي السنة في"المعالم": أن ابن الزبعرى قال: "أنت قلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾؟ قال: نعم، قال: أليست اليهود تعبد عزيزًا، والنصارى تعبد المسيح، وبنو مليح يعبدون الملائكة، فقال النبي ﷺ: بل هم يعبدون الشيطان، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] ". قوله: (بخبه): النهاية: "الخب- بالفتح-: الخداع، وهو الجربز الذي يسعى بين الناس بالفساد، وأما المصدر فبالكسر لا غير". قوله: (وخبث دخلته): الجوهري: "داخلة الرجل: باطن أمره، وكذلك الدخلة بالضم"، الأساس: "إنه لخبيث الدخلة، وعفيف الدخلة، وهي باطن أمره". قوله: (على طريقة المحك): الأساس: "رجل محك: لجوج عسر، وماحك ومحكان، وقد محك محكًا، وماحك صاحبه". ؟
[ ١٤ / ١٦٣ ]
وقيل: لما سمعوا قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]، قالوا: نحن أهدى من النصارى؛ لأنهم عبدوا آدميًا، ونحن نعبد الملائكة، فنزلت. وقوله: ﴿أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ على هذا القول: تفضيل لآلهتهم على عيسى، لأنّ المراد بهم الملائكة، و﴿مَا ضَرَبُوهُ لُكُ إِلَّا جَدَلًا﴾: معناه: وما قالوا هذا القول- يعني: ﴿ءَآلهتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ - إلا للجدال.
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: لما سمعوا [قوله]: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾): معطوف على قوله: "لما قرأ رسول الله ﷺ على قريش: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] "، في تفسير قوله: ﴿ولَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ الآية. يعني: يجوز أن يراد بضارب ابن مريم مثلًا: عبد الله بن الزبعرى، كما في الوجه الأول، بدليل قوله: "ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلًا"، وأن يراد الله ﷾، كما في هذا الوجه، والمثل-على قول ابن الزبعرى- قوله: فلو كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، وإنما سمي مثلًا لما فيه من الغرابة من بعض الوجوه، ولذلك فرح به المشركون، وضحكوا، وسكت النبي ﷺ، وعلى هذا قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]. وفي قول المصنف: "هو- على هذا القول- تفضيل لآلهتهم على عيسى؛ لأن المراد بهم الملائكة": إدماج لمذهبه في غاية من الدقة في القول بتفضيل الملك على الأنبياء، وذلك لزعمه أنه ثبت بقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]: أن عيسى ﵇ مخلوق من تراب، واتفقنا على أن الملائكة روحانيون، فلا شك بتفضيلهم، وجواب الفريقين: قوله تعالى: ﴿إنْ هُوَ إلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ الآية، يعني: ليس التفضيل بالقياس، بل باصطفائنا واختيارنا لمن نشاء، فإن عيسى إنما كان نبيًا مختارًا لأننا أنعمنا عليه بالكرامة والنبوة، وإن الملائكة إنما كانوا مقربين باختيارنا ومشيئتنا ﷾، ولو نشاء لجعلنا منكم- وأنتم شر الدواب عند الله- ؟
[ ١٤ / ١٦٤ ]
وقرئ: ﴿أآلهتُنَا خَيْرٌ﴾ بإثبات همزة الاستفهام وبإسقاطها؛ لدلالة "أم" العديلة عليها، وفي حرف ابن مسعود: "خير أم هذا"، ويجوز أن يكون ﴿جَدَلَا﴾ حالَا، أي: جدلين.
وقيل: لما نزلت: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٩]، قالوا: ما يريد محمد بهذا إلا أن نعبده، وأنه يستأهل أن يعبد، وإن كان بشرًا، كما عبدت النصارى المسيح وهو بشر.
ومعنى: ﴿يَصِدُّونَ﴾ يضجون ويضجرون، والضمير في: ﴿أَمْ هُوَ﴾ لمحمد ﷺ، وغرضهم بالموازنة بينه وبين آلهتهم: السخرية به والاستهزاء.
ويجوز أن يقولوا - لما أنكر عليهم قولهم: الملائكة بنات الله، وعبدوهم -: ما قلنا بدعًا من القول، ولا فعلنا نكرًا من الفعل، فإنّ النصارى جعلوا المسيح ابن الله،
_________________
(١) ـ أيضًا ملائكة، وهذا من باب رد القياس بالنص، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قوله: (وقرئ: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾ بإثبات همزة الاستفهام): بالإثبات: السبعة، وبإسقاطها: شاذة. قوله: (ويجوز أن يقولوا لما أنكر عليهم قولهم: الملائكة بنات الله، وعبدوهم): قوله"وعبدوهم" حال من الضمير المضاف إليه في"قولهم"، ومقول"يقولوا": "ما قلنا بدعًا"، وعلى هذا فاعل ﴿ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾: ابن الزبعري، كما في الوجه الأول. والحامل على ضرب المثل الرد على الكفرات الثلاث في قوله: ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] الآيات، وهو قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: ١٦]، وقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩]، وقوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠]، والآيات المتخللة في البين متصلات بعضها مع بعض بالأفانين المتنوعة. ؟
[ ١٤ / ١٦٥ ]
_________________
(١) وهذا الوجه وارد على القياس المبني على أصل فاسد، وذلك أن النصارى ما عبدوا عيسى ﵇ عن علم ودليل، بل عبدوه لأنه وجد من غير أب، ولو نشاء أيتها الكفرة ولدنا منكم، كما ولد عيسى من غير أب، ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة، يعني: أن حال عيسى وإن كانت عجيبة، فالله تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك، وأن الملائكة منكم، من حيث إنها مخلوقة، فيحتمل أن يخلقوا توليدًا، كما جاز خلقها إبداعًا، فمن أين لهم استحقاق الألوهية، والانتساب إلى الله تعالى؟ ! وإنما فسر ﴿لَجَعَلْنَا مِنكُم﴾ بقوله: "لولدنا"؛ لوقوعه مقابلًا لقوله: ﴿وجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إسْرَائِيلَ﴾، ومعناه: وخلقناه من غير سبب، وصيرناه عجيبةً كالمثل السائر. فإن قلت: ذكر في "المعالم": "أن المعنى: لو نشاء لأهلكناكم، وجعلنا بدلكم ملائكةً خلفًا منكم، يعمرون الأرض ويعبدونني، وقيل: يخلف بعضهم بعضًا"، وقال أبو البقاء: "لحولنا بعضكم ملائكة"، فلم عدل المصنف عن البدلية إلى ما ذكر؟ قلت: لأن المقام له أدعى، وأن التبديل دل على التوعد بالهلاك والاستئصال، وهو لا يدخل في المعنى، إذ المعنى: أن هو إلا عبد أنعمنا عليه، وجعلناه عبرةً عجيبة، ولو شئنا لجعلنا منكم أيضًا عبرةً عجيبة، دلالةً على قدرتنا على عجائب الأمور، وبدائع الفطر، والله أعلم. فإن قلت: قد علم في الوجهين الآخرين تنزيل الجواب، وهو قوله: ﴿إنْ هُوَ إلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ الآية، على قولهم: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، فما وجه التنزيل على الوجه الأول، وهو أن يكون الحامل على هذا القول قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]؟ ؟
[ ١٤ / ١٦٦ ]
وعبدوه، ونحن أشف منهم قولًا وفعلًا، فإنا نسبنا إليه الملائكة، وهم نسبوا إليه الأناسي، فقيل لهم: مذهب النصارى شرك بالله، ومذهبكم شرك مثله، وما تنصلكم مما أنتم عليه بما أوردتموه إلا قياس باطل بباطل، وما عيسى ﴿إِلَّا عَبْدٌ﴾ كسائر العبيد، ﴿أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ حيث جعلناه آية؛ بأن خلقناه من غير سبب، كما خلقنا آدم، وشرفناه بالنبوّة، وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر لبني إسرائيل.
_________________
(١) ـ قلت: وجهه وجه قوله تعالى في تلك السورة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، وإليه أشار المصنف بقوله: "فإن كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرحوا وضحكوا، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾، ونزلت هذه الآية". وتقريره: أن جدلكم هذا باطل، لأنه ﵇ ما دخل في هذا النص الصريح، لأن الكلام معكم أيها المشركون، وأنتم المخاطبون به، وإنما المراد بـ "ما تعبدون": الأصنام التي تنحتونها بأيديكم، وأما عيسى ما هو إلا عبد مكرم منعم عليه بالنبوة مرفوع المنزلة والذكر، مشهور في بني إسرائيل كالمثل السائر، فمن أين يدخل في قولنا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟ ثم لا اعتراض علينا أن نجعل قومًا أهلًا للنار، وآخرين أهلًا للجنة، إذ لو نشاء لجعلنا منكم ومن أنفسكم- أيها الكفرة- ملائكة، أي: عبيد مكرمون مهتدون إلى الجنة صابرون كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة: ١٣]، وكما لوح في تلك الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، والله أعلم. قوله: (أشف منهم قولًا): الجوهري: "الشف- بالكسر-: الفضل والربح، تقول منه: شف يشف شفًا". قوله: (وما تنصلكم): و"التنصل": الخروج من الذنب بالاعتذار. ؟
[ ١٤ / ١٦٧ ]
[﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ٦٠]
﴿وَلَوْ نَشاءُ﴾ لقدرتنا على عجائب الأمور وبدائع الفطر، ﴿لَجَعَلْنا مِنْكُمْ﴾ لولدنا منكم يا رجال ﴿مَلائِكَةً﴾ يخلفونكم في الأرض، كما يخلفكم أولادكم، كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة، ولتعلموا أن الملائكة أجسام لا تتولد إلا من أجسام، وذات القديم متعالية عن ذلك.
[﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٦١]
﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن عيسى ﵇ ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: شرط من أشراطها تعلم به، فسمى الشرط علمًا لحصول العلم به. وقرأ ابن عباس: "لعلم"، وهو العلامة. وقرئ: "للعلم"، وقرأ أُبيّ: "لذكر"؛ على تسمية ما يذكر به: ذكرًا، كما سمى ما يعلم به: علمًا.
وفي الحديث: "أن عيسى ﵊ ينزل على
_________________
(١) ـ قوله: (فسمى الشرط علمًا لحصول العلم به): النهاية: "أشراط الساعة: علاماتها، واحدها: شرط- بالتحريك-، ومنه سميت شرط السلطان، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها، قاله أبو عبيدة، وحكى الخطابي عن بعضهم: أنه أنكر هذا التفسير، وقال: أشراط الساعة: ما ينكره الناس من صغار أمورها قبل أن تقوم، وشرط السلطان: نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده". قوله: (على تسمية ما يذكر به): المطلع: قال: الذكر، لأنه تذكر به الساعة. قوله: (أن عيسى ينزل) الحديث: من رواية البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لينزلن ابن مريم حكمًا عدلًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص، فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد". ؟
[ ١٤ / ١٦٨ ]
ثنية بالأرض المقدّسة، يقال لها: أفيق، وعليه ممصرتان، وشعر رأسه دهين، وبيده حربة، وبها يقتل الدجال، فيأتي بيت المقدس، والناس في صلاة الصبح، والإمام يؤم بهم، فيتأخر الإمام، فيقدمه عيسى، ويصلي خلفه على شريعة محمد ﵊، ثم يقتل الخنازير، ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل النصارى إلا من آمن به".
وعن الحسن: أن الضمير للقرآن، وأن القرآن به تعلم الساعة، لأن فيه الإعلان بها.
﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ من المرية، وهي الشك، ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ واتبعوا هداي وشرعي، أو رسولي.
_________________
(١) ـ وفي رواية: "فإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين، كأنه رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فليقاتل الناس على الإسلام"، وفيه: "ويهلك المسيح الدجال". وفي رواية أخرى قال: قال رسول الله ﷺ: " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم"، وفي رواية: "فأمكم منكم"، قال ابن أبي ذئب: تدري ما "أمكم منكم"؟ قال: تخبرني، قال: "فأمكم بكتاب الله ﷿ وسنة نبيكم ﷺ ". قوله: (ممصرتان): أي: حلتان ممغرتان من مصر، والمغرة: الطين الأحمر. والنهاية: "الممصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفيفة". ؟
[ ١٤ / ١٦٩ ]
وقيل: هذا أمر لرسول الله أن يقوله. ﴿هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أدعوكم إليه، أو هذا القرآن، إن جعل الضمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ للقرآن.
[﴿وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٦٢]
﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قد أبانت عداوته لكم، إذ أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنه لباس النور.
[﴿وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ ٦٣ - ٦٥]
﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ المعجزات، أو بآيات الإنجيل والشرائع البينات الواضحات، ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ يعني: الإنجيل والشرائع. فإن قلت: هلا بين لهم كل الذي يختلفون فيه، ولكن بعضه؟ قلت: كانوا يختلفون في الديانات، وما يتعلق بالتكليف، وفيما سوى ذلك مما لم يتعبدوا بمعرفته والسؤال عنه،
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: هذا أمر لرسول الله ﷺ): عطف على قوله: "واتبعوا هداي"، فالضمير المنصوب على الأول: لله تعالى؛ على تقدير حذف المضاف، ولهذا قال: "هداي وشرعي أو رسولي". قوله: (أو هذا القرآن، أن جعل الضمير في "إنه" للقرآن)، المعنى: أن القرآن فيه الإعلام بالساعة، وإذا كان كذلك فلا تمترن بها، لأن إعلامه صدق، واتبعوني أيضًا لأنجيكم من أهوالها، لأني متبع لهذا الصادق المصدق الهدي إلى صراط مستقيم، فنكر ليدل على استقامة لا يكتنه كنهها. قوله: (كانوا يختلفون في الديانات، وما يتعلق بالتكليف، وفيما سوى ذلك): قال القاضي: " ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ هو ما يكون من أمر الدين، لا ما يتعلق بأمر الدنيا، فإن الأنبياء لم تبعث لبيانه، ولذلك قال ﷺ: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) ". ؟
[ ١٤ / ١٧٠ ]
وإنما بعث ليبين لهم ما اختلفوا فيه مما يعنيهم من أمر دينهم.
﴿الْأَحْزابُ﴾ الفرق المتحزبة بعد عيسى ﵇، وقيل: اليهود والنصارى، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وعيد للأحزاب. فإن قلت: ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: إلى من يرجع الضمير فيه؟ قلت: إلى الذين خاطبهم عيسى في قوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾، وهم قومه المبعوث إليهم.
[﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَاتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَاكُلُونَ﴾ ٦٦ - ٧٣]
﴿أَنْ تَاتِيَهُمْ﴾ بدل من ﴿السَّاعَةَ﴾، والمعنى: هل ينظرون إلا إتيان الساعة. فإن قلت: أما أدى قوله: ﴿بَغْتَةً﴾ مؤدّى قوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ فيستغنى عنه؟ قلت: لا، لأنّ معنى قوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾: وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم، كقوله تعالى: ﴿تَاخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩]، ويجوز أن تأتيهم بغتة وهم فطنون.
_________________
(١) ـ قوله: (الفرق المتحزبة بعد عيسى ﵇): الملكانية واليعقوبية والنسطورية. قوله: (معنى قوله: ﴿وهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾: وهم غافلون): يعني: مجيء الشيء فجأة: ربما يكون مع الشعور به، وربما يجيء والشخص غافل، ويجوز أن يراد بـ ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾: الإثبات، لأن الكلام وارد على الإنكار، كأنه قيل: هل تزعمون أنها تأتيهم بغتةً وهم لا يشعرون، أي: لا يكون ذلك، بل تأتيهم وهم فطنون. ؟
[ ١٤ / ١٧١ ]
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ منصوب بـ ﴿عَدُوٌّ﴾، أي: تنقطع في ذلك اليوم كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله، وتنقلب عداوة ومقتًا، إلا خلة المتصادقين في الله، فإنها الخلة الباقية المزدادة قوّة إذا رأوا ثواب التحاب في الله، والتباغض في الله. وقيل: ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ إلا المجتنبين أخلاء السوء، وقيل: نزلت في أبي بن خلف وعقبة ابن أبي معيط.
(يا عِبادِي) حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ.
_________________
(١) ـ قوله: (منصوب بـ ﴿عَدُوٌّ﴾): أي: يعادي بعضهم بعضًا، من العدوة من الجانبين. قوله: (وقيل: ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾: إلا المجتنبين أخلاء السوء): فالتعريف في ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾ على هذا: للجنس، والاستثناء متصل، وعلى الأول: المراد بالأخلاء: المتخالين في غير ذات الله، لقوله: "كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله"، والاستثناء منقطع، ولذلك قال: "إلا خلة المتصادقين في الله، فإنها الخلة الباقية". وفي "الحقائق" عن ابن عطاء: كل وصلة وأخوة منقطعة إلا ما كان في الله ولله، فإنه كل وقت في زيادة، لأن الله تعالى يقول: ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، أي: في انقطاع وبغضة، ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ فإنهم في راحة آخرتهم يرون فضل الله وثوابه. قوله: (يا عبادي): حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ، يوافقه ما روى أبو داود عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله. قالوا: يا رسول الله، تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فو الله أن وجوههم كنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] ". ؟
[ ١٤ / ١٧٢ ]
و﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ منصوب المحل صفة لـ"عباد"، لأنه منادى مضاف، أي: الذين صدّقوا ﴿بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ مخلصين وجوههم لنا، جاعلين أنفسهم سالمة لطاعتنا. وقيل: إذا بعث الله الناس فزع كل أحد، فينادي مناد: يا عبادي، فيرجوها الناس كلهم، ثم يتبعها: الذين آمنوا، فييأس الناس منها غير المسلمين. وقرئ: ﴿يَا عِبَادِ﴾.
﴿تُحْبَرُونَ﴾ تسرون سرورًا يظهر حباره -أي: أثره- على وجوهكم، كقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]، وقال الزجاج: تكرمون إكرامًا يبالغ فيه. والحبرة: المبالغة فيما وصف بجميل.
والكوب: الكوز لا عروة له، ﴿وَفِيها﴾ الضمير للجنة، وقرئ: "تشتهي" و﴿تَشْتَهِيهِ﴾، وهذا حصر لأنواع النعم، لأنها إما مشتهاة في القلوب، وإما مستلذة في العيون.
_________________
(١) ـ قوله: (إذا بعث الله الناس) إلى قوله: (ثم يتبعها: الذين آمنوا): يريد: أن قوله: "يا عبادي" عام أن يخصص بالآية السابقة فالمراد المتحابون في الله، أو باللاحقة فالمراد الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين، على إرادة المدح أو الاختصاص، أي: اذكر من لا يخفى شأنهم، وهم الذين آمنوا وأسلموا. قوله: (فير جوها): قيل: أي: الإضافة. قوله: (وقرئ: ﴿يَا عِبَادِ﴾): حفص وحمزة والكسائي. قوله: (وهذا حصر لأنواع النعم): قال الواحدي: "يقال: لذذت الشيء ألذة، مثل: استلذذته، والمعنى: ما من شيء تشتهيه نفس، أو تستلذ به عين، إلا وهو في الجنة، وقد ؟
[ ١٤ / ١٧٣ ]
_________________
(١) عبر الله تعالى بهذين اللفظين عن جميع نعم أهل الجنة، فإنه ما من نعمة إلا وهي تصيب النفس أو العين". وقد أجاد صاحب "التيسير" حيث قال: قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾: دل على الأطعمة، وقوله: ﴿وأَكْوَابٍ﴾ على الأشربة، وقوله: ﴿وفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ على أن في الجنة وراءهما من أصناف النعم شيئًا آخر. وقلت: وعلى هذا: لا يبعد أن يحمل قوله: ﴿وفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ﴾ على المنكح والملبس وما يتصل بهما؛ لتتكامل جميع المشتهيات النفسانية، فبقيت اللذة الكبرى، وهي النظر إلى وجه الله الكريم، فيكنى عنه بقوله: ﴿وتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾، ولهذا قال رسول الله ﷺ: "حبب إلى الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة"، رواه النسائي عن أنس. وقال قيس بن الملوح: ولقد هممت بقتلها من حبها كي ما تكون خصيمتي في المحشر حتى يطول على الصراط وقوفنا وتلذ عيني من لذيذ المنظر ثم وافق هذا التأويل كلام جعفر الصادق ﵁: "شتان بين ما تشتهي الأنفس، وبين ما تلذ الأعين"، لأن جميع ما في الجنة من النعيم والشهوات في جنب ما تلذ الأعين: كإصبع يغمس في البحر، لأن شهوات الجنة لها حد ونهاية، لأنها مخلوقة، ولا تلذ الأعين في الدار الباقية، إلا بالنظر إلى الباقي جل وعز، ولا حد لذلك ولا صفة ولا نهاية في الحقائق. وقال القاضي في قوله: ﴿وأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ما معناه: "أن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ لخوف الزوال، ومستعقب للتحسر في ثاني الحال، وقد أمن ذلك نعيم الجنة".
[ ١٤ / ١٧٤ ]
﴿وَتِلْكَ﴾ إشارة إلى الجنة المذكورة، وهي مبتدأ، و﴿الْجَنَّةُ﴾ خبر، و﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ صفة الجنة، أو: ﴿الجَنَّةُ﴾ صفة للمبتدأ الذي هو اسم الإشارة، و﴿التِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ خبر المبتدأ، أو: ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾: صفة، و﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الخبر، والباء تتعلق بمحذوف، كما في الظروف التي تقع أخبارًا، وفي الوجه الأول تتعلق بـ ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾، وشبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة. وقرئ: "ورّثتموها".
﴿مِنْها تَاكُلُونَ﴾: "من" للتبعيض، أي: لا تأكلون إلا بعضها، وأعقابها باقية في شجرها، فهي مزينة بالثمار أبدًا موقرة بها،
_________________
(١) ـ وقلت: ذق مع طبعك المستقيم معنى الخطاب والالتفات وتقديم الظرف، في قوله: ﴿وأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، لتقف على ما لا يكتنهه الوصف، قال النصر آبادي" أن كان خلودهم لشهوة النفوس ولذة الأعين، فالفناء خير من ذلك، وإن كان لفناء الأوصاف، والاتصاف بصفة الحق، والمقام فيها سرور الرضا والمشاهدة، فأنتم إذن أنتم. قوله: (وشبهت في بقائها): يعني: استعير لاستحقاقهم الجنة بسبب أعمالهم "الميراث" على رأيه، أو لإفضال الله إياها بواسطة أعمالهم: "الميراث"، ويجوز أن يقال: أورثتموها بواسطة الأعمال التي فنيت، فإن الجزاء كالميراث من الأعمال. قوله: (موقرة): أوقرت النخلة؛ أي: كثر حملها، يقال: نخلة موقرة، وموقر، وموقرة، وحكي: موقر، وهو غير القياس.
[ ١٤ / ١٧٥ ]
لا ترى شجرة عريانة من ثمرها، كما في الدنيا. وعن النبي ﷺ: «لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نبت مكانها مثلاها».
[﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ * لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ٧٤ - ٧٨]
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ لا يخفف ولا ينقص، من قولهم: فترت عنه الحمى: إذا سكنت عنه قليلًا ونقص حرّها، والمبلس: اليائس الساكت سكوت يأس من فرج. وعن الضحاك: يجعل المجرم في تابوت من نار، ثم يردم عليه، فيبقى فيه خالدًا، لا يرى ولا يرى.
و﴿هُمْ﴾ فصل عند البصريين، عماد عند الكوفيين. وقرئ: "وهم فيها"، أي: في النار.
وقرأ علي وابن مسعود ﵄: "يا مال"، بحذف الكاف للترخيم،
_________________
(١) ـ قوله: (ثم يردم): الجوهري: "ردمت الثلمة أردمها- بالكسر- ردمًا: إذا سددتها". قوله: (﴿هُمْ﴾ فصل عند البصريين): قال الزجاج: "وهي عند البصريين تأتي دليلًا على أن ما بعدها ليس بصفة لما قبلها، بل هو خبر، ولا موضع لها من الإعراب، ويزعمون أنها بمنزلة "ما" في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ". قوله: (وقرأ علي وابن مسعود ﵄: "يا مال" بحذف الكاف للترخيم): روى البخاري ومسلم الترمذي وأبو داود عن يعلى بن أمية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿ونَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾، قال سفيان: وفي قراءة عبد الله: "ونادوا يا مال".
[ ١٤ / ١٧٦ ]
كقول القائل:
والحق يا مال غير ما تصف
وقيل لابن عباس: إن ابن مسعود قرأ: "ونادوا يا مال"، فقال: ما أشغل أهل النار عن الترخيم. وعن بعضهم: حسن الترخيم أنهم يقتطعون بعض الاسم لضعفهم وعظم ما هم فيه. وقرأ أبو السرار الغنوي: "يا مال"، بالرفع، كما يقال: يا حار. ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ من: قضى عليه: إذا أماته، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، والمعنى: سل ربك أن يقضي علينا.
_________________
(١) ـ قال ابن جني: "وللترخيم في هذا الموضع سر، وذلك أنهم- لعظم ما هم عليه- خفيت قواهم، وذلت أنفسهم، وصغر كلامهم، فكان هذا من موضع الاختصار ضرورة". وقلت: هذا اعتذار منه لقراءة ابن مسعود حيث ردها ابن عباس بقوله: "ما أشغل أهل النار عن الترخيم"، فإن "ما" للتعجب، وفيه معنى الصد، مثاله قولك لمن كان في شدة واشتغل عنها بما لا يلائمه: ما أشغلك عن هذا وصدك ما أنت فيها. وخلاصة اعتذار ابن جني أن هذا الترخيم لم يصدر عنهم من التكليف، بل عن العجز وضيق المجال. قوله: (والحق- يا مال- غير ما تصف): أوله: [خالفت في الرأي كل ذي فجر]
[ ١٤ / ١٧٧ ]
فإن قلت: كيف قال: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ﴾ بعد ما وصفهم بالإبلاس؟ قلت: تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال، فيسكتون أوقاتًا لغلبة اليأس عليهم، وعلمهم أنه لا فرج لهم، ويغوّثون أوقاتًا لشدّة ما بهم.
﴿ماكِثُونَ﴾ لابثون، وفيه استهزاء، والمراد: خالدون. عن ابن عباس: إنما يجيبهم بعد ألف سنة. وعن النبي ﷺ: «يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيقولون: ادعوا مالكًا، فيدعون: يا مالك ليقض علينا ربك».
﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ﴾ كلام الله ﷿، بدليل قراءة من قرأ: "لقد جئتكم"، ويجب أن يكون في ﴿قَالَ﴾ ضمير الله ﷿. لما سألوا مالكًا أن يسأل الله تعالى القضاء عليهم، أجابهم الله بذلك. ﴿كارِهُونَ﴾ لا تقبلونه وتنفرون منه وتشمئزون منه، لأنّ مع الباطل الدعة، ومع الحق التعب.
[﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٧٩ - ٨٠]
﴿أَمْ﴾ أبرم مشركو مكة ﴿أَمْرًا﴾ من كيدهم، ومكرهم برسول الله ﷺ،
_________________
(١) ـ قوله: (ويغوثون): أي: يقولون: واغوثاه. قوله: (وفيه استهزاء): أي: في قول مالك: ﴿مَاكِثُونَ﴾، لأن حقه: "خالدون"، لأن المكث من الانتظار، ولا انتظارهم، يعلم من "الصحاح". قوله: (﴿أَمْ﴾ أبرم مشركو مكة ﴿أَمْرًا﴾)، الراغب: "الإبرام: إحكام الأمر، وأصله من إبرام الحبل، وهو ترديد فتله، والبريم: المبرم، أي: المفتول فتلًا محكمًا، والمبرم: الملح؛ تشبيها له بمبرم الحبل، ومن هذا قيل للبخيل الذي لا يدخل في الميسر: برم، كما يقال للبخيل: مغلول اليد".
[ ١٤ / ١٧٨ ]
﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ كيدنا كما أبرموا كيدهم، كقوله: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]؟ وكانوا يتنادون فيتناجون في أمر رسول الله ﷺ.
فإن قلت: ما المراد بالسر والنجوى؟ قلت: السر ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال، والنجوى: ما تكلموا به فيما بينهم. ﴿بَلى﴾ نسمعهما ونطلع عليهما، ﴿وَرُسُلُنا﴾ يريد الحفظة عندهم ﴿يَكْتُبُونَ﴾ ذلك. وعن يحيى بن معاذ الرازي: من ستر من الناس ذنوبه، وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في السماوات، فقد جعله أهون الناظرين إليه، وهو من علامات النفاق.
[﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ * سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٨١ - ٨٢]
﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ﴾ وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه، وحجة واضحة تدلون بها، ﴿فَأَنَا أَوَّلُ﴾ من يعظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه.
وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه، وأن لا يترك الناطق به شبهة إلا مضمحلة، مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد، وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالًا مثلها، فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة، وفي معنى نفيهما، على أبلغ الوجوه وأقواها.
ونظيره: أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقًا للكفر في القلوب،
_________________
(١) ـ قوله: (وكانوا يتنادون): الجوهري: "تنادوا؛ أي: تجالسوا في النادي، والندي: فعيل؛ مجلس القوم ومتحدثهم، وكذلك الندوة والنادي والمنتدى". قوله: (أن يقول العدلي للمجبر: أن كان الله خالقًا للكفر) إلى آخره: الانتصاف: "لقد اقتحم عظيمًا في تمثيله، فيقال له: وقد ثبت عقلًا وشرعًا أنه خالق لذلك في القلوب، وفاء بأنه
[ ١٤ / ١٧٩ ]
_________________
(١) لا خالق إلا هو، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦، الزمر: ٦٢]، فيلزمه لفرط أدبه أن يلحد في الله إلحادًا لم يسبق إليه أحد". وقيل: قوله هذا يضاهي قول الكفرة: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، فهلا قال- عفا الله عنه-: أن كان الله ﷿ خالقًا للكفر في القلوب، ومعذبًا عليه، فهو الحاكم، له الملك، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. وقلت: بل نقول: أن كان الله خالقًا للكفر فأنا أول من أستجير به منه، وأتبع سنة نبينا صلوات الله عليها، على ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب ﵁: أن الرسول الله ﷺ كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك". وروى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء". وأسلوب الآية قريب من المشاكلة وإطباق الجواب على السؤال؛ فإنهم لما قالوا: اتخذ الرحمن ولدًا، حسن منه صلوات الله عليه أن يقول: ﴿إن كَانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾،
[ ١٤ / ١٨٠ ]
ومعذبًا عليه عذابًا سرمدًا، فأنا أول من يقول: هو شيطان وليس بإله. فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه: نفي أن يكون الله تعالى خالقًا للكفر، وتنزيهه عن ذلك وتقديسه، ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ذكرنا، مع الدلالة على سماجة المذهب، وضلالة الذاهب إليه، والشهادة القاطعة بإحالته، والإفصاح عن نفسه بالبراءة منه، وغاية النفار والاشمئزاز من ارتكابه.
ونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير ﵀ للحجاج -حين قال له-: أما والله لأبدلنك بالدنيا نارًا تلظى-: لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلهًا غيرك.
وقد تمحل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه، فقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم، وقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم، فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد؛
_________________
(١) ـ وكذلك قول سعيد جبير للحجاج، قال القاضي: " ﴿إن كَانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾ أي: منكم، لأن النبي ﷺ أعلم بالله، وبما يصح له، وما لا يصح له، وأولى بتعظيم ما يجب تعظيمه، ومن تعظيم الوالد تعظيم الولد، ولا يلزم صحة ثبوت الولد؛ إذ المحال يستلزم المحال، والمراد نفيه على أبلغ الوجوه، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، غير أن "لو" ثم تشعر بانتفاء الطرفين، و"إن" هاهنا لا تشعر بانتفاء الطرفين ولا بنقيضه، فإنها لمجرد الشرطية، وفيه: أن إنكاره للولد ليس لعناد، بل لنظر واستدلال". قوله: (وقيل: أن كان للرحمن ولد في زعمكم، فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد): المثال أقرب إلى المثال الذي ذكره، وبنى قاعدة الاعتزال عليه من الوجه الأول، فصح. المثال اللائق هو ما قدرناه: أن كان الله خالقًا للكفر، فأنا أول من أستجير به.
[ ١٤ / ١٨١ ]
من عبد يعبد: إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد. وقرأ بعضهم: "العبدين".
وقيل: هي "إن" النافية، أي: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول من قال بذلك وعبد ووحد، وروي: أنّ النضر بن عبد الدار بن قصي قال: إن الملائكة بنات الله، فنزلت، فقال النضر: ألا ترون أنه قد صدقني، فقال له الوليد بن المغيرة: ما صدقك، ولكن قال: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول الموحدين من أهل مكة؛ أن لا ولد له.
وقرئ: "ولد" بضم الواو.
ثم نزه ذاته -موصوفة بربوبية السماوات والأرض والعرش- عن اتخاذ الولد، ليدل على أنه من صفة الأجسام، ولو كان جسمًا لم يقدر على خلق هذا العالم وتدبير أمره.
[﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ٨٣]
﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ في باطلهم، ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم، ﴿حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ﴾ وهذا دليل على أنّ ما يقولونه من باب الجهل والخوض واللعب، وإعلام لرسول الله ﷺ أنهم من المطبوع على قلوبهم الذين لا يرجعون البتة، وإن ركب في دعوتهم كل صعب وذلول، وخذلان لهم، وتخلية بينهم وبين الشيطان، كقوله: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وإيعاد بالشقاء في العاقبة.
_________________
(١) ـ وقوله: (وقرأ بعضهم: "العبدين"): قال ابن جني: "وهي قراءة عبد الرحمن اليماني، معناه: أول الأنفين، يقال: عبدت من الأمر أعبد عبدًا: أنفت منه، وهذا يشهد لقوله من قال: معنى: ﴿أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾: الأنفين". قوله: (وقرئ: "ولد" بضم الواو): حمزة والكسائي. قوله: (ولو كان جسمًا لم يقدر على خلق هذا العالم): مضى بيانه في "الأنعام" عند قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إني يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
[ ١٤ / ١٨٢ ]
[﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٨٤ - ٨٥]
ضمن اسمه تعالى معنى وصف، فلذلك علق به الظرف في قوله: ﴿فِي السَّماءِ﴾ ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ كما تقول: هو حاتم في طيء حاتم في تغلب، على تضمين معنى الجواد الذي شهر به، كأنك قلت: هو جواد في طيء جواد في تغلب.
وقرئ: "وهو الذي في السماء الله، وفي الأرض الله"، ومثله قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، كأنه ضمن معنى المعبود أو المالك أو نحو ذلك، والراجع إلى الموصول محذوف لطول الكلام، كقولهم: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا، وزاده طولًا أنّ المعطوف داخل في حيز الصلة.
_________________
(١) ـ قوله: (ضمن اسمه تعالى معنى وصف، ولذلك علق به الظرف): قال أبو البقاء: "صلة "الذي"لا يكون إلا جملة، والتقدير: "وهو الذي هو إله في السماء، و﴿فِي﴾ متعلقة بـ ﴿إِلَهٌ﴾، أي: هو معبود في السماء ومعبود في الأرض، ولا يصح أن يجعل ﴿إِلَهٌ﴾ مبتدأ، و﴿فِي السَّمَاءِ﴾ خبره؛ لأنه لا يبقى في الصلة عائد، وهو كقولك: هو الذي قي الدار زيد، وكذلك أن رفعت ﴿إِلَهٌ﴾ بالظرف". قوله: (والراجع إلى الموصول محذوف)، الانتصاف: "ومما سهل حذف الراجع: وقوع الموصول خبرًا عن مضمر، لو ظهر الراجع لكان كالتكرار المستكره، إذ التقدير: وهو الذي هو إله في السماء، ولا ينكر أن الراجع إذا حذف كان الكلام أخف، وإنما حذف على قلة حذف مثله لأمر متأكد، فإنه لم يرد في الكتاب العزيز إلا في ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]، وفي "أي" في موضعين.
[ ١٤ / ١٨٣ ]
ويحتمل أن يكون ﴿فِي السَّماءِ﴾ صلة ﴿الَّذِي﴾، و﴿إِلَهٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، على أنّ الجملة بيان للصلة، وأنّ كونه في السماء على سبيل الإلهية والربوبية، لا على معنى الاستقرار. وفيه نفي الآلهة التي كانت تعبد في الأرض.
﴿تُرْجَعُونَ﴾ قرئ بضم التاء وفتحها، و"يرجعون" بياء مضمومة، وقرئ: "تحشرون"، بالتاء.
[﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٨٦ - ٨٧]
_________________
(١) ـ قوله: (ويحتمل أن يكون ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ صلة ﴿الَّذِي﴾، ﴿إِلَهٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، على أن الجملة بيان للصلة): قال أبو البقاء: "إن جعلت في الظرف ضميرًا يرجع على ﴿الَّذِي﴾، وأبدلت ﴿إِلَهٌ﴾ منه، جاز على ضعف، لأن الغرض الكلي إثبات الإلهية، لا كونه في السماوات والأرض، وكان يفسد أيضًا من وجه آخر، وهو قوله: ﴿وفِي الأَرْضِ إلَهٌ﴾، لأنه معطوف على ما قبله، وإذا لم تقدر ما ذكرنا صار منقطعًا عنه، وكان المعنى: أن في الأرض إلهًا". ورد هذا الوجه صاحب "الكشف" فقال: "إن جعلته بدلًا منه، أو من ﴿الَّذِي﴾، فذلك يوجب البدل قبل تمام الموصول بالصلة، ألا ترى إلى: أن "في الأرض إله" معطوف على ﴿فِي السَّمَاءِ﴾، فهو في الصلة". قوله: (قرئ بضم التاء وفتحها): ابن كثير وحمزة والكسائي: "يرجعون" بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء، مضمومتين.
[ ١٤ / ١٨٤ ]
﴿وَلَا يَمْلِكُ﴾ آلهتهم ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ من دون الله الشفاعة، كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، ولكن ﴿مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ - وهو توحيد الله، وهو يعلم ما يشهد به عن بصيرة وإيقان وإخلاص-: هو الذي يملك الشفاعة، وهو استثناء منقطع. ويجوز أن يكون متصلًا، لأنّ في جملة الذين يدعون من دون الله: الملائكة. وقرئ: "تدعون" بالتاء، و"تدّعون" بالتاء وتشديد الدال.
[﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ٨٨ - ٨٩]
﴿وَقِيلِهِ﴾ قرئ بالحركات الثلاث، وذكر في النصب عن الأخفش أنه حمله على: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ وقيله: وعنه- أي: عن الأخفش- وقال قيله.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿وقِيلِهِ﴾ [قرئ] بالحركات الثلاث): حمزة وعاصم: بخفض اللام وكسر الهاء، والباقون: بنصب اللام وضم الهاء، وضم اللام: شاذ. قوله: (وعنه -أي: عن الأخفش- وقال قيله): أي: هو مصدر لفعل محذوف، أيك وقال الرسول ﷺ قيلًا، وفي "الكواشي": "والقيل والقول والقال: واحد". وقلت: يمكن أن يقال: إنه تعالى يحكي عن حالة رسول الله ﷺ، كأنه قيل: إنه آيس عن إيمانهم عند سماع قولنا له: ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، وقال قولًا، وهو: ﴿يَا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾، وينصر هذا التأويل ترتب قوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وقُلْ سَلامٌ﴾، لأنه أمر بالمتاركة والإعراض الكلي، وقوله أيضًا: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، فإنه وعيد لهم، ووعد له صلوات الله عليه في أنه تعالى ينتقم لك منهم، ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، وإليه الإشارة بقوله: "فأعرض عن دعوتهم يائسًا عن إيمانهم، وودعهم، وتاركهم" إلى قوله: " ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيد للكفار، وتسلية للرسول ﷺ ".
[ ١٤ / ١٨٥ ]
وعطفه الزجاج على محل ﴿السَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥]، كما تقول: عجبت من ضرب زيد وعمرًا، وحمل الجرّ على لفظ ﴿السَّاعَةِ﴾، والرفع على الابتداء، والخبر ما بعده، وجوّز عطفه على ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥]، على تقدير حذف المضاف، معناه: عنده علم الساعة وعلم قيله.
والذي قالوه ليس بقوي في المعنى، مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضًا، ومع تنافر النظم، وأقوى من ذلك وأوجه: أن يكون الجرّ والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه، والرفع على قولهم: أيمن الله، وأمانة الله، ويمين الله،
_________________
(١) ـ وفي هذا التقريب التفات في غاية من اللطف، لأن أصل المعنى: وقلنا لك: ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ﴾ الآية، وقلت: ﴿يَا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾، وقلنا لك: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ فإنا ننتقم منهم. فعدل إلى الغيبة، فقال: وقال قيلًا؛ ليؤذن بأن ذلك القول إنما صدر عنه من اليأس التام، فكأنه كان غائبًا عن نفسه متحسرًا عليهم وإيمانهم وفوات سعيه فيهم. وقريب من هذا التقرير: توجيهه على القسم؛ لأن إتيان المصدر لتعظيم المقول، أي: قال قوله الذي فيه فخامة وشأن، ثم فسره بقوله: ﴿يَا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ المؤذن بالإقناط الكلي المستلزم لاستئصال القوم، وتطهير الأرض من أنجاس إفسادهم، ولإصلاح المؤمنين، وإظهار دين الحق، كقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]، فحقيق بأن يقسم بهذا الدعاء وأن يكون مظنة للتفخيم والتعظيم، وإليه الإشارة بقوله: "وإقسام الله بقيله رفع منه وتعظيم لدعائه". قوله: (وعطفه الزجاج على محل ﴿السَّاعَةَ﴾): كما تقول: عجبت من ضرب زيد عمرًا، عطفًا على المحل، تقديره: عجبت من ضرب زيدًا وعمرًا، قال الزجاج: "والذي أختاره أنا أن يكون نصبًا على معنى: ﴿وعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ويعلم قيله، لن معنى: ﴿وعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: يعلم الساعة ويعلم قيله، ومعنى "الساعة" في القرآن: الوقت الذي تقوم فيه القيامة".
[ ١٤ / ١٨٦ ]
ولعمرك، ويكون قوله: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ جواب القسم، كأنه قيل: وأقسم بقيله يا رب، أو: وقيله -يا رب- قسمي، إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون.
﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ فأعرض عن دعوتهم يائسًا من إيمانهم، وودعهم وتاركهم، ﴿وَقُلْ﴾ لهم ﴿سَلامٌ﴾ أي: تسلم منكم ومتاركة، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيد من الله لهم وتسلية لرسوله ﷺ.
والضمير في ﴿وَقِيلِهِ﴾ لرسول الله ﷺ، وإقسام الله بقيله رفع منه وتعظيم لدعائه والتجائه إليه.
عن النبي ﷺ: «من قرأ سورة الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة: يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، ادخلوا الجنة بغير حساب».
_________________
(١) ـ قوله: (﴿وَقُلْ﴾ لهم ﴿سَلَامٌ﴾ أي: تسلم منكم ومتاركة): قال مكي: "تقديره: قل: أمري مسالمة منكم، ولم يؤمر بالسلام عليهم، وإنما أمر بالتبري منهم ومن دينهم". تمت السورة بحمد الله وعونه مصليًا على رسول الله ﷺ. * * *
[ ١٤ / ١٨٧ ]