مكية، إلا قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ الآية
وتسمى سورة الغرف
وهي خمس وسبعون آية، وقيل: ثنتان وسبعون
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ * إنَّا أَنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ ولَدًا لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾ ١ - ٤]
﴿تَنزِيلُ الكِتَابِ﴾ قرئ: بالرفع على أنه مبتدأ أخبر عنه بالظرف، أو خبر مبتدأ
_________________
(١) ـ سورة الزمر مكية إلا قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الاية وهي خمس وسبعون، وقيل: ثنتان وسبعون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (قرئ بالرفع)، وهي المشهورة.
[ ١٣ / ٣٣٢ ]
محذوف، والجار صلة التنزيل، كما تقول: نزل من عند الله، أو غير صلة، كقولك: هذا الكتاب من فلان، وهو على هذا خبر بعد خبر؛ أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا تنزيل الكتاب، هذا من الله، أوحال من التنزيل عمل فيها معنى الإشارة؛ بالنصب على إضمار فعل، نحو: اقرأ، والزم. فإن قلت: ما المراد بالكتاب؟ قلت: الظاهر على الوجه الأول: أنه القرآن، وعلى الثاني: أنه السورة. ﴿مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾: ممحضًا له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر. وقرئ: (الدين) بالرفع.
_________________
(١) ـ قوله: (أو حال من التنزيل عمل فيها معنى الإشارة)، هذا مما منعه بعضهم واختاره الزجاج، وقد استقصينا القول فيه في فاتحة"البقرة". قوله: (الظاهر على الوجه الأول أنه القرآن)، والوجه الأول: هو أن يكون ﴿تَنزِيلُ الكِتَابِ﴾ مبتدأ أخبر عنه بالظرف؛ لأن المعنى: تنزيل القرآن من عند الله العزيز الحكيم. والوجه الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه السورة قول من عند الله أو هذا تنزيل السورة كائنًا من عند الله، يدل عليه ما جاء في فواتح السور التي حليت بأسماء الإشارة نحو ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ فإن الكتاب مفسر فيها باسم السورة غالبا، كما استقرأنا من كلامه، وأما القراءة بالنصب على تقدير" الزم" أو اقرأ" فالظاهر أنه القرآن. قوله: (من الشرك والرياء)، لف لقوله: "بالتوحيد وتصفية السر"، وفي"المطلع": قصد العبد بعمله ونيته رضا الله لا يشوبه بشيء من عرض الدنيا. الراغب: الخالص كالصافي؛ إلا أن الخالص هو ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه يقال: خلصته فخلص، ولذلك قال الشاعر:
[ ١٣ / ٣٣٣ ]
وحق من رفعه أن يقرأ (مخلصًا) بفتح اللام، كقوله تعالى: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾
_________________
(١) ـ خلاص الخمر من نسج الفدام والفدام: ما يوضع في فم الإبريق ليصفى به ما فيه. وقال الله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] وإخلاص المؤمنين أنهم قد تبرؤوا مما يدعيه اليهود من التشبيه، والنصارى من التثليث. قال تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وحقيقة الإخلاص: التعري عن كل ما دون الله، وقال الشيخ العارف الأنصاري: الإخلاص إخراج رؤية العمل من العمل، والخلاص من طلب العوض على العمل، والنزول عن الرضا بالعمل. قوله: (وحق من رفعه أن يقرأ" مخلصًا بفتح اللام)، إلى آخره، معرفة هذا الكلام موقوفة على معرفة كلام الزجاج؛ لأنه بناه عليه، قال الزجاج: قوله ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ منصوب بوقع الفعل عليه، و﴿مُخْلِصًا﴾ منصوب على الحال، أي: فاعبد الله موحدًا له لا تشرك به شيئًا. وزعم بعض النحويين أنه يجوز" مخلصًا له الدين" برفع ﴿الدِّينَ﴾؛ على أن قولك" مخلصًا" تمام الكلام، ويكون ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ مبتدأ وخبرًا، وهذا لا يجوز من وجهين: أحدهما أنه لم يقرأ به، والآخر أنه يفسده ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ﴾، فيصير ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ مكررًا في الكلام لا يحتاج إليه. وهو المراد من قول المصنف: "رجع الكلام إلى قولك: لله الدين، ألا لله الدين الخالص"، ولهذا الإشكال قال: "وحق من رفعه أن يقرأ" مخلصًا" بفتح اللام"، فيكون حالًا من" الله" تعالى لا من"العابد"، فيتصل قوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ بالحال اتصال قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قال عربيًا حال موطئة كقولك: جاءني زيد رجلًا صالحًا، فيقع الاستئناف في موقعه، أي:
[ ١٣ / ٣٣٤ ]
[النساء: ١٤٦] حتى يطابق قوله: ﴿ألَا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، والخالص والمخلص واحد، إلا أن يصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازي، كقولهم: شعر شاعر، وأما من جعل ﴿مُخْلِصًا﴾ حالًا من العابد، و﴿لَهُ الدِّينَ﴾ مبتدًا وخبرًا، فقد جاء بإعراب رجع به الكلام إلى قولك: لله الدين ﴿ألَا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. ﴿ألَا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي: هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة كدر؛ لاطلاعه على
_________________
(١) ـ عند قوله: ﴿ألَا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ اللهم إلا أن يجعل من رفع"الدين" و﴿مُخْلِصًا﴾ بالكسر " الدين" فاعل ﴿مُخْلِصًا﴾ على الإسناد المجازي، أي: فاعبد الله مخلصًا دينك لله، وأصله مخلصًا الدين لله؛ بالنصب، فيتصل به ويقع الاستئناف في موقعه، وقوله: "إلا أن يصف الدين بصفة صاحبه" مستثنى من قوله: "وحق من رفعه أن يقرأ مخلصًا بفتح اللام". قال صاحب"التقريب" في قوله: "رجع الكلام إلى قولك: لله الدين ألا لله الدين الخالص" نظر، لأن تغاير دلالتي الجملتين على الإجمال والتفصيل ظاهر، وهو توكيد. وقلت: بين الجملتين بون؛ وغاية معنى الجملة الأولى بسبب تقديم الخبر تأكيد الاختصاص؛ لأن اللام أيضًا الاختصاص، وأما الجملة الثانية فهي منقطعة عنها؛ لتصدرها بكلمة التنبيه، قال: ﴿ألَا﴾ مركب من همزة الاستفهام وحرف النفي لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقًا، وموقع الجملة في هذا المقام موقع التذييل للكلام السابق، وحسنه أن يكون مؤكدًا لمضمون جملة قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ لاتفاقهما وتطابقهما، وإليه الإشارة بقوله: "الخالص والمخلص"، أي: بفتح اللام "واحد" لأن الدين إذا كان مخلصًا كان خالصا، ولو جعل تذييلًا لقوله: له الدين وحده، جاء الكلام مبتورًا ونباه الطبع السليم، فإن معنى ﴿للهِ الدِّينُ﴾ أن الدين مختص به لا بغيره، وهو معنى ﴿أَلَا للهِ الدِّينُ﴾ فيبقى وصف الدين بالخالص خارجًا وتطويلًا، ومن ثم أحاله إلى الذوق في قوله: "رجع به الكلام إلى قولك: لله الدين ألا الله الدين الخالص". قوله: (أي: هو الذي وجب اختصاصه)، تفسير للتذييل، قال القاضي: ألا هو الذي
[ ١٣ / ٣٣٥ ]
الغيوب والأسرار؛ ولأنه الحقيق بذلك؛ لخلوص نعمته عن استجرار المنفعة بها. وعن قتادة: ﴿الدِّينُ الْخَالِصُ﴾: شهادة أن لا إله إلا الله. وعن الحسن: الإسلام. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ يحتمل المتخذين؛ وهم الكفرة، والمتخذين؛ وهم الملائكة وعيسى واللات والعزى. عن ابن عباس ﵄. فالضمير في ﴿اتَّخَذُوا﴾ على الأول: راجع إلى ﴿وَالَّذِينَ﴾، وعلى الثاني: إلى المشركين، ولم يجر ذكرهم؛ لكونه مفهومًا، والراجع إلى ﴿وَالَّذِينَ﴾ محذوف، والمعنى: والذين اتخذهم المشركون أولياء، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ في موضوع الرفع على الابتداء. فإن قلت: فالخبر ما هو؟ قلت: هو على الأول: إما ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وأما ما أضمر من القول قبل قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾. وعلى الثاني: ﴿إِنَّ
_________________
(١) ـ وجب اختصاصه بأن يخلص له العبادة والطاعة، فإنه المنفرد بصفات الإلهية والاطلاع على الأسرار والضمائر. وقلت: في إبراز اسم الجامع شأن عظيم وخطب جليل في هذا الباب، والمصنف خصه بحسب اقتضاء المقام، وهو إيجاب اختصاصه بأن تخلص له العبادة بأمرين مناسبين: أحدهما: أنه مطلع على الغيوب والأسرار، فيطلع على سر من أخلص ومن راءى. وثانيهما: أنه منعم على الإطلاق لا يستجر بما أنعم به نفعًا، فلا ينبغي أن يشوب عبادته بما يكدره، ولما أمر عباده المخلصين بما أمر عقبه على سبيل الاستطراد، وذكر من يكدر العبادة بالشرك ويتعلل بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا مِنَ اللهِ زُلْفَى﴾. قوله: (وعلى الثاني: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، فإن قلت: لم خص الثاني بوجه واحد؟ قلت: المعنى على الأول- أي: على تقدير المتخذين؛ بكسر الخاء- الكفرة الذين اتخذوا من دون الله أولياء ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أو يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا مِنَ اللهِ زُلْفَى﴾، وعلى الثاني- أي: على تقدير فتح الخاء- الذين اتخذهم المشركون أولياء ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، ولا يصح: يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللهِ﴾.
[ ١٣ / ٣٣٦ ]
اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. فإن قلت: فإذا كان ﴿إِنَّ اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الخبر، فما موضع القول المضمر؟ قلت: يجوز أن يكون في موضع الحال، أي: قائلين ذلك. ويجوز أن يكون بدلًا من الصلة، فلا يكون له محل، كما أن المبدل منه كذلك. وقرأ ابن مسعود بإظهار القول: (قالوا ما نعبدهم)، وفي قراءة أبي: (ما نعبدكم إلا لتقربونا) على الخطاب، حكاية لما خاطبوا به آلهتهم. وقرئ: (نعبدهم) بضم النون إتباعًا للعين كما تتبعها الهمزة في الأمر والتنوين في ﴿وَعَذَابٍ * ارْكُضْ﴾ [ص: ٤١ - ٤٢]، والضمير في ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لهم ولأوليائهم. والمعنى: أن الله يحكم بينهم بأنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم النار مع الحجارة التي نحتوها وعبدوها من دون الله يعذبهم بها؛ حيث يجعلهم وإياها حصب جهنم. واختلافهم: أن الذين يعبدون موحدون وهم مشركون، وألئك يعادونهم ويلعنونهم، وهم يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله زلفى. وقيل: كان المسلمون إذا قالوا لهم: من خلق السماوات والأرض، أقروا وقالوا: الله، فإذا قالوا لهم: فما لكم تعبدون الأصنام؟ قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا مِنَ اللهِ زُلْفَى﴾؛ فالضمير في ﴿بَيْنَهُمْ﴾ عائد إليهم وإلى المسلمين. والمعنى: أن الله يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين. والمراد بمنع الهداية: منع اللطف تسجيلًا عليهم بأن لا لطف لهم، وأنهم في علم الله من الهالكين.
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يكون بدلًا من الصلة)، والتقدير: والكفرة الذين يقولون: لا نعبد الأصنام إلا ليقربونا، إن الله يحكم بينهم. قوله: (وقيل: كان المسلمون)، عطف على قوله: "الضمير في ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لهم ولأوليائهم"، وعلى هذا: الضمير في ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لهم وللمسلمين، كما صرح بذلك. قوله: (والمراد بمنع الهداية منع اللطف)، الانتصاف: يجب حمل الآية على ظاهرها وأن الله خالق الإيمان والضلال؛ لقوله: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفًّارُ﴾. وقلت: قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ الظاهر أنه اعترض للتأكيد ودفع ذلك التأويل.
[ ١٣ / ٣٣٧ ]
وقرئ: (كذاب)، (كذوب)، وكذبهم: قولهم في بعض من اتخذوا من دون الله أولياء: بنات الله؛ ولذلك عقبه محتجًا عليهم بقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ ولَدًا لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ يعني: أراد اتخاذ الولد لامتنع ولم يصح؛ لكونه محالًا، ولم يتأت إلا أن يصطفي من خلقه بعضه ويختصهم ويقربهم، كما يختص الرجل ولده ويقربه، وقد فعل ذلك بالملائكة، فافتتنتم به وغركم اختصاصه إياهم، فزعمتم أنهم
_________________
(١) ـ قوله: (وكذبهم: قولهم في بعض ما تخذوا)، يعني: وضع ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ موضع ضمير المتخذين -بكسر الخاء-، والمتخذ -بالفتح- بعض ما اتخذوه، وهو الملائكة والمسيح واللات والعزى، كما سبق. قوله: (فافتتنتم به)، افتتن الرجل وفتن فهو مفتون: إذا أصابه فتنة فذهب ماله وعقله. وتقرير المسألة على ما قال صاحب "التقريب": لو أراد اتخاذ الولد لم يصح إلا أن يصطفي بعض خلقه، وقد اصطفى الملائكة وشرفهم، فغركم اختصاصه فزعمتم أنهم أولاده بل بناته فكنتم كذابين. وفي تحقيق معنى التلازم ونفي اللازم أو إثبات الملزوم على ما قرر نظر، فالأولى ما قيل: لو أراد يتخذ ولدًا كما زعمتم لاختار الأفضل لا الأنقص وهن الإناث. وقلت: مراد المصنف: أن مؤدى ﴿لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ في هذا المقام مؤدى قولنا: لامتنع، ولم يصح، إلى آخره. والاستثناء في قوله: "ولم يتأت إلا أن يصطفي" على أسلوب قول لبيد: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب أراد: ليس فيهم عيب البتة، فوضع "غير أن سيوفهم بهن فلول" موضعه، أي: لو كان هذا عيبًا فهم موصوفون به، فإذن لا عيب فيهم، وكذلك المعنى: لو أراد الله أن يتخذ ولدًا
[ ١٣ / ٣٣٨ ]
أولاده، جهلًا منكم به وبحقيقته المخالفة لحقائق الأجسام والأعراض، كأنه قال: لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما يشاء من خلقه؛ وهم الملائكة، إلا أنكم لجهلكم به حسبتم اصطفاءهم اتخاذهم أولادًا، ثم تماديتم في جهلكم وسفهكم فجعلتموهم بنات، فكنتم كذابين كفارين متبالغين في الافتراء على الله وملائكته، غالين في الكفر، ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ فنزه ذاته عن أن يكون له أحد ما نسبوا إليه
_________________
(١) ـ لاصطفى من خلقه بعضه ويختصهم ويقربهم كما يختص الرجل ولده ويقربه، وقد فعل ذلك بالملائكة، ولا خفاء أن هذا الاصطفاء ليس من اتخاذ الولد في شيء، فإذا محال أن يتخذ ولدًا. تلخيصه: أنه لو أراد أن يتخذ ولدًا لكان الطريق إلى ذلك ما يمتنع أن يكون طريقًا وهو اصطفاء الملائكة، وإليه أشار بقوله: "لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل"، ونظيره من حيث المبالغة قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ قال: أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة، فوضع قوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] موضع ذلك؛ لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل. وقال الإمام: المعنى لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لما رضى إلا بالأكمل وهو الابن، فكيف نسبتم إليه البنت؟ كقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الإسراء: ٤٠] تم كلامه. فإن قيل: الكلام غير وارد في اتخاذ الإناث حتى يرد إلى الذكور، بل في نفي الولد مطلقًا. قلت: إذن لا ينبغي أن يكون المفروض في قوله: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ الملائكة، بل غيرهم ممن هو أعلى مرتبة منهم وأقرب نسبة إلى الله وإلى الألوهية؛ ليصح الترقي من اتخاذ الملائكة والمسيح ولدًا إليهم، ولهذا جيء بالتنزيه والتوحيد الصرف، وتم المعنى بوصف القهارية وكلمه بدليلي الآفاق والأنفس، يعني: قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ وقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية. ثم بين غناه عن الخلق بقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾.
[ ١٣ / ٣٣٩ ]
من الأولاد والأولياء. ودل على ذلك بما ينافيه؛ وهو أنه واحد، فلا يجوز أن يكون له صاحبه؛ لأنه لو كانت له صاحبة لكانت من جنسه، ولا جنس له؛ وإذا لم يتأت أن يكون له صاحبة؛ لم يتأت أن يكون له ولد، وهو معنى قوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهث صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. وقهار: غلاب لكل شيء، ومن الأشياء آلهتهم، فهو يغلبهم، فكيف يكونون له أولياء وشركاء؟
[﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ ويُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى أَلا هُوَ العَزِيزُ الغَفَّارُ﴾ ٥]
ثم دل بخلق السماوات والأرض، وتكوير كل واحد من الملوين على الآخر، وتسخير النيرين، وجريهما لأجل مسمى، وبث الناس على كثرة عددهم من نفس واحدة، وخلق الأنعام، على أنه واحد لا يشارك، قهار لا يغالب. والتكوير: اللف واللي، يقال: كار العمامة على رأسه، وكورها. وفيه أوجه؛ منها: أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويغشى مكانه هذا، وإذا غشي مكانه فكأنهما ألبسه ولف عليه كما يلف اللباس على اللابس، ومنه قول ذي الرمة في وصف السراب:
تلوي الثنايا بأحقيها حواشيه لي الملاء بأبواب التفاريج
_________________
(١) ـ قوله: (تلوي الثنايا بأحقيها)، البيت. الثنية: العقبة، والثنايا: جمع، والحقو: الخصر مشد الإزار. حواشيه: جوانب السراب، والملاء جمع ملاءة، وهي: الجلباب، والتفراج -بالجيم- الباب الصغير، وجمعه التفاريج. يقول: تلوي الهضاب بأوساطها حواشي السراب مثل لي المرط بأبواب الدار، وليها بالدار هو أن لا يطرد اطرادًا. والحاصل أن الآية تحتمل ثلاثة أوجه من التشبيه: أحدها: أن يكون من تشبيه المحسوس بالمحسوس، والوجه أمور، ولكن في حكم واحد وهو تشبيه الهيئة الحاصلة من اختلاط الليل بالنهار عند طلوع الفجرين وظهور
[ ١٣ / ٣٤٠ ]
ومنها: أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه، فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار. ومنها: أن هذا يكر على هذا كرورًا متتابعًا، فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على أثر بعض. ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب القادر على عقاب المصرين ﴿الْغَفَّارُ﴾ لذنوب التائبين،
_________________
(١) ـ الخيطين، في قوله: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] بالهيئة الحاصلة من لف اللباس على اللابس بحيث لا يطرد اللباس في التستر كما يرى من لي الهضبات حواشي السراب، ولي الملاء بأبواب التفاريج في بيت ذي الرمة. وثانيها: تشبيه محسوس بمحسوس والوجه واحد حقيقة. شبه غشيان كل واحد من الليل والنهار الآخر في قوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ﴾ [يس: ٣٧] بشيء ظاهر لف ما غيبه عم مطامح الأبصار. وثالثها: يحتمل أن يكون تمثيلًا بأن يشبه حالة كرور الليل والنهار ومجيء أحدهما في أثر بعض وما يتصل بها من المنافع كقوله: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] بحالة تتابع أكوار العمامة بعضها عقيب بعض وما يتصل بها من الحسن، فإنها كالتيجان للعرب وما يحصل من التغيير وتبديل الأحوال، كما قال الحماسي: أشاب الصغير وأفنى الكبيـ ر كر الغداة ومر العشي فإن قلت: هل يعد ما في الآية تشبيهًا كما صرح به المصنف؟ قلت: لا، بل استعارة، فإن قوله: ﴿يُكَوِّرُ﴾ إما مستعار للاختلاط على الأول، وإما للغشيان في الثاني، وإما للتتابع في الثالث، والمستعار له غير مذكور، وذكره التشبيه توطئة وبيان لطريق الاستعارة؛ لأن الاستعارة متفرعة على التشبيه. قوله: (﴿الْغَفَّارُ﴾ لذنوب التائبين)، الانتصاف: ولمن شاء من المصرين دون الشرك على ما سبق.
[ ١٣ / ٣٤١ ]
أو: الغالب الذي يقدر على أن يعالجهم بالعقوبة وهو يحلم عنهم ويؤخرهم إلى أجل مسمى، فسمى الحلم عنهم مغفرةً.
[﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٦]
فإن قلت: ما وجه قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وما يعطيه من معنى التراخي؟ قلت: هما آيتان من جملة الآيات التي عددها دالًا على وحدانيته وقدرته: تشعيب هذا الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، وخلق حواء من قصيراه؛ إلا أن أحداهما جعلها الله عادة مستمرة، والآخرى لم يجر بها العادة، ولم تخلق أنثى غير حواء من قيصرى رجل، فكانت أدخل في كونها آية، وأجلب لعجب السامع، فعطفها بـ ﴿ثُمَّ﴾ على الآية الأولى؛ للدلالة على مباينتها لها فضلًا ومزية، وتراخيها عنها فيما يرجع إلى
_________________
(١) ـ قوله: (أو الغالب الذي يقدر أن يعاجلهم)، إلى قوله: (فسمى الحلم عنهم مغفرة)، وقلت: هذا أوفق لتأليف النظم؛ لأن قوله: ﴿ألَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ مقابل لقوله: ﴿ألَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ لأنه تعالى ذكر أولًا ما يدل على الدين من ذكر الكتاب، وأنه منزل من لدن عزيز حكيم، وأنه إنما نزل ملتبسًا بالحق ليترتب عليه العبادة والإخلاص وكان قوله: ﴿ألَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ تذييلًا له، وذكر بعده ما يدل على عظم شأن ما نسبوا إليه من الشرك والأولاد وما دل على تنزيهه عن ذلك، وأنه منفرد بالإلهية قهار خالق للأشياء كلها، ثم ذيله بقوله: ﴿ألَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ توكيدًا لتفظيع معنى ما نسبوا إليه، فلابد من تفسيره بما قال: "الغالب الذي يقدر أن يعاجلهم وهو يحلم عنهم". قوله: (وخلق حواء)، عطف على "تشعيب"، وهما بدلان من قوله: "آيتان"، و"هما" ضمير مبهم مفسر بـ"آيتان". قوله: (قصيراه)، وهو الضلع الأسفل، وهو أقصر الضلوع.
[ ١٣ / ٣٤٢ ]
زيادة كونها آية، فهو من التراخي في الحال والمنزلة، لا من التراخي في الوجود. وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ متعلق بمعنى ﴿وَاحِدَةٌ﴾، كأنه قيل: خلقكم من نفس وحدت، ثم شفعها الله بزوج. وقيل: أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر، ثم خلق بعد ذلك حواء. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ﴾: وقضى لكم وقسم؛ لأن قضاياه وقسمه موصوفة بالنزول من السماء، حيث كتب في اللوح كل كائن يكون. وقيل: لا تعيش الأنعام إلا بالنبات، والنبات لا يقوم إلا بالماء، وقد أنزل الماء، فكأنه أنزلها. وقيل: خلقها في الجنة، ثم أنزلها. ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾: ذكرًا وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز. والزوج: اسم لواحد معه آخر، فإذا انفرد فهو فرد ووتر، قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٩]. ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِخَلْقٍ﴾: حيوانًا سويًا، من بعد عظام مكسوة لحمًا، من بعد عظام عارية، من بعد مضغ، من بعد علق، من بعد نطف. والظلمات الثلاثة: البطن والرحم والمشيمة. وقيل: الصلب والرحم والبطن. ﴿ذَلِكُمُ﴾ الذي هذه أفعاله هو ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ
_________________
(١) ـ قوله: (فهو من التراخي في الحال والمنزلة، لا من التراخي في الوجود)، قال صاحب "الفرائد": أي مانع يمنع من أن يكون التراخي في الوجود، لعل خلق حواء من آدم بعد مدة. قلت: المانع جعل قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ معطوفًا على قوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ﴾ عطف الجملة على الجملة، ولا شك أن تشعيب الخلق الفائت للحصر من آدم لم يكن مقدمًا على خلق حواء من ضلع آدم، ولهذا لما أراد ذلك المعنى عدل من الظاهر وأوله على وجهين: أحدهما: قال: "وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ متعلق بمعنى ﴿وَاحِدَةٍ﴾ "، أي: أنها صفة لـ ﴿نَفْسٍ﴾ معطوفة على ﴿وَاحِدَةٍ﴾ على تأويل "وحدت"، إذ لو قيل: "وحدت" بدلها لصح على منوال "فأصدق وأكن"، وثانيهما: وقيل: أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر ثم خلق بعدها حواء، فالمراد من قوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ﴾ أخرج الذرية من ظهره، فيكون من عطف الجملة على الجملة على هذا التأويل، و﴿ثُمَّ﴾ على حقيقتها، ولا يخفى على ذي دربة بالأساليب أن التأويل الأول أولى وأبعد من التعسف.
[ ١٣ / ٣٤٣ ]
إلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ فكيف يعدل بكم عن عبادته إلى عبادة غيره؟
[﴿إن تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ولا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وإن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٧]
﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ﴾: عن إيمانكم، وإنكم المحتاجون إليه؛ لاستضراركم بالكفر واستنفاعكم بالإيمان، ﴿ولا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ رحمةً لهم؛ لأنه يوقعهم في الهلكة. ﴿وإن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي: يرض الشكر لكم؛ لأنه سبب فوزكم وفلا حكم؛ فإذًا ما كره كفركم ولا رضي شكركم إلا لكم ولصلاحكم؛ لا لأن منفعة ترجع إليه؛ لأنه الغني الذي لا يجوز عليه الحاجة. ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله تعالى ما نفاه عن ذاته من الرضا لعباده الكفر، فقال:
_________________
(١) ـ قوله: (ولا رضي شكركم إلا لكم ولصلاحكم، لا لأن منفعة ترجع إليه)، هذا من التراكيب التي منعها صاحب "المفتاح"، قال: لا يجوز ما جاء إلا زيد لا عمرو، وقد أجبنا عنه مرارًا. قوله: (ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله ما نفاه عن ذاته من الرضا لعباده الكفر)، قال الإمام: احتج الجبائي بهذه الآية من وجهين: أحدهما أن المجبرة يقولون: الله تعالى خلق كفر العباد، وإنه من جهة أنه من خلقه حق وصواب. فقال: لو كان الأمر كذلك لكان قد رضي الكفر من الوجه الذي خلقه، وذلك ضد الآية. والثاني: لو كان الكفر بقضاء الله لوجب علينا أن نرضى به؛ لأن الرضا بقضاء الله واجب، والرضا بالكفر كفر. وأجاب الأصحاب من وجوه: أحدها: أن عادة الله جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ
[ ١٣ / ٣٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقال: ﴿عَيْنًا يَّشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الإنسان: ٦] وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطّانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]. قلت: ويؤيده ما روى محيي السنة عن ابن عباس والسدي: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطّانٌ﴾ فيكون عامًا في اللفظ خاصًا في المعنى. وثانيها: أن الكفر بإرادة الله لا برضاه؛ لأن الرضا من الله عبارة عن المدح عليه والثناء بفعله. وثالثها: أن الرضا عبارة عن ترك اللوم والاعتراض لا عن الإرادة. قال ابن دريد: رضيت قسرًا وعلى القسر رضا من كان ذا سخط على صرف القضا وأقول- وبالله التوفيق-: اعلم أن قوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ متصل بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ وهم قوم مخصوصون، قال الواحدي: إن تكفروا يا أهل مكة، وقد تقرر أن قوله: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ مقابل لقوله: ﴿أَلَا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وهو متضمن لتهديد عظيم، والمشار إليه بقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ جميع ما سبق من إجراء الأوصاف على من وصفوه بما لا ينبغي ونسبوه إلى ما هو منزه عنه من اتخاذ الأولياء والأولاد، يدل عليه قوله: ﴿لَا إِلَهَ إلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾، فيكون قوله: ﴿ولا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ جملةً مستطردةً كالتتميم للشرط الأول، تعريضًا بهم وبكفرهم، وهو مع الشرط كالمقابل للشرط الثاني. المعنى: أنهم ليسوا من جملة عباده المرتضين بل هم من الذين سخط الله عليهم، فوزانه وزان قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]، أي:
[ ١٣ / ٣٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ غني عنكم وعن شكركم، حميد ومستوجب للحمد لكثرة نعمة فإن لم تحمدوه أنتم بحمده غيركم ممن هو خير منكم، كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] فإن المرا بـ ﴿قَوْمًا﴾: الأنبياء والصحابة. وكقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] كأنه قيل: وإن تكفروا فإني غني عنكم وعن شكركم؛ لأن لي عبادًا مكرمين ما أرضى أن ينزل الكفر بساحتهم ويحل قريبًا من دارهم، يشكرون نعمتي ولا يكفرونها، ومع ذلك إن تشكروا وترجعوا عما أنتم فيه أرض الشكر لكم وأدخلكم في زمرة المرتضين من عبادي، فإني غفور شكور. وستقف إن شاء الله في سورة "الشورى" عند قوله تعالى: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ على كلام في تخصيص لفظ عباده بالمصطفين. انظر أيها المتأمل الناقد البصير بين التأويلين، واعجب بحصى عقول أهل السنة والجماعة، واقطع بأنهم هم المحدثون الملهمون، ومن مشكاة النبوة مقتبسون، وعلى آثار السلف الصالح مقتفون، ولأمثالهم هداة، وإلى دين الله دعاة، أيقال: غواة، اللهم غفرًا. وقال صاحب "الانتصاف": إن المصر على قلبه رين، وفي ميزان نظره غين، ولا يخفى أن وجود المشروط قبل الشرط ممتنع عقلًا ونقلًا، فإرادة الله الشكر مقدمة لوجوده منهم، فكيف يسوغ حمل الرضا على الإرادة وقد جعل في الآية شرطًا وجزاء، وجعل وقوع الشكر شرطًا والرضا جزاء؟ فيلزم تقدم الشكر على الإرادة. والزمخشري أحد من يقول: إذا كان الجزاء ماضيًا مخصًا لزمته الفاء، نحو: إن تكرمني فقد أكرمتك قبل، وقد عريت الآية عن الحرف المذكور على أنه لا بد من تأويل يصحح الشرطية، فإذا بطل حمل الرضا على الإرادة، وجب حمله على المجازاة على الشكر بالكرامة، أي: وإن تشكروا يجزكم عليه الجزاء المرضي عنه، والمجازاة مستقبلة بالنسبة إلى الشكر، ومثله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ أي: لا يجازي عليه جزاء الراضي للمرضي عليه، بل جزاء المغضوب عليه.
[ ١٣ / ٣٤٦ ]
هذا من العام الذي أريد به الخاص، وما أراد إلا عبادة الذين عناهم في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]، يريد: المعصومين، كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الإنسان: ٦]، تعالى الله عما يقول الظالمون. وقرئ: ﴿يَرْضَهُ﴾ بضم الهاء بوصل وبغير وصل، وبسكونها.
_________________
(١) ـ قوله: (هذا من العام الذي أريد به الخاص)، الراغب: البعد على ضربين: عبد للإيجاد والتسخير، وذلك يطلق على كل أحد، وإياه عنى بقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. وعبد على طريق التخصيص، وذلك قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] فعلى هذا يصح إن قال: فلان ليس عبدًا لله، وإنه عبد الهوى وعبد الشهوة، ومنه الحديث: "تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم، وتعس عبد الخميصة". وقال: تخصيص إضافة العبد إلى الله في كثير من المواضع تنبيه على مدحه في كونه مطيعًا له منصرفًا عن أمره، وأنه غير معرج على غيره، ثم أضافه بنون الملوكية مبالغةً في الاختصاص، وكل إضافة إلى الله تعالى بهذا الوجه فللمبالغة. قوله: (وقرئ ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ بضم الهاء بوصل)، قال القاضي: قرأه ابن كثير ونافع في رواية، وأبو عمرو والكسائي بإشباع ضمة الهاء، وعن أبي عمرو ويعقوب إسكانها وهو لغة فيها. وقال الواحدي: منهم من أشبع الهاء حتى ألحق بها واوا؛ لأن ما قبلها متحركة فصار بمنزلة ضربه وله، ومنهم من حرك الهاء ولم يلحق بالواو؛ لأن أصله:
[ ١٣ / ٣٤٧ ]
[﴿وإذَا مَسَّ الإنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٨]
﴿خَوَّلَهُ﴾: أعطاه. قال أبو النجم:
أعطى فلم يبخل ولم يبخل كوم الذرى من خول المخول
وفي حقيقته وجهان؛ أحدهما: جعله خائل مال، من قولهم: هو خائل مال، وخال
_________________
(١) ـ يرضاه، والألف المحذوفة للجزم ليس يلزم حذفها فكانت كالباقية ومع بقاء الألف لا يجوز إثبات الواو. قوله: (أعطى فلم يبخل)، البيت. قبله في "المطلع": الحمد لله الوهوب المجزل ناقة كوماء: عظيمة السنام. والمخول: هو الله، يقال: خوله الله الشيء، أي: ملكه إياه. وقوله: "ولم يبخل" تأكيد، يقال: أبخلته، إذا وجدته بخيلا، وبخلته، نسبته إلى البخل، و"من خول" أي: من مال، وقيل: ما أعطى الله الإنسان من العبيد والنعم. قوله: (خائل) قال الجوهري: قد خلت المال أخوله، إذا أحسنت القيام عليه. يقال: هو خال مال وخائل وخولي مال، أي: حسن القيام عليه. والتخول: التعهد. وفي الحديث: "كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة". النهاية: قال أبو عمرو: الصواب أنه كان يتخولنا بالحال، أي: يطلب الحال التي ينشطون فيها للموعظة فيعطيهم فيها ولا يكثر عليهم فيملوا. وقال في "الفائق": وروي "يتخونهم"، أي: يتعهدهم. وقيل: يتخولهم، أي: يتأمل حالاتهم التي ينشطون فيها للموعظة.
[ ١٣ / ٣٤٨ ]
مال: إذا كان متعهدًا له حسن القيام به، ومنه ما روي عن رسول الله ﷺ: أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة. والثاني: جعله يخول من خال يخول؛ إذا اختال وافتخر، وفي معناه قول العرب:
إن الغني طويل الذيل مياس
﴿مَا كَانَ يَدْعُو إلَيْهِ﴾ أي: نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه. وقيل: نسي ربه الذي كان يتضرع إليه ويبتهل إليه، ﴿مَا﴾ بمعنى "من"، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣]. وقرئ: ﴿لِيُضِلَّ﴾ بفتح الياء وضمها، بمعنى: أن نتيجة جعله لله
_________________
(١) ـ روينا عن البخاري ومسلم والترميذي، عن عبد الله "كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا"، في اختلاف، ولم يختلفوا في أنه "يتخولنا"، بالخاء المعجمة. قوله: (مياس)، الجوهري: الميس: التبختر. وقد ماس يميس ميسًا وميسانًا فهو مياس. وتميس مثله. قوله: و﴿مَا﴾ بمعنى "من" كقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣])، وعن بعضهم: في هذا الوجه تكلف؛ لأنه لا يقال: دعا إليه بمعنى دعاه، كذلك "ما" بمعنى "من" لا حاجة إليه. قلت: لا يقول هذا من ذاق حسن موقع "ما" في موقع "من" لإرادة الوصيفة باقتضاء المقام، ولطف محل تضمين ﴿دَعَا﴾ معنى "تصرع وابتهل"، كأنه نسي الكاشف لضر المضطرين، والسميع لدعاء المضطهدين، والعليم بأحوال الملهوفين، الذي كان يتضرع إليه هذا الفخور المختال، ويبتهل إليه هذا المتكبر المياس، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣] أي: القادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى. قوله: (وقرئ: ﴿لِيُضِلَّ﴾) ابن كثير وأبو عمرو: بفتح الياء، والباقون: بضمها.
[ ١٣ / ٣٤٩ ]
أندادًا ضلاله عن سبيل الله، أو إضلاله. والنتيجة قد تكون غرضًا في الفعل، وقد تكون غير غرض. وقول: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ من باب الخذلان والتخلية، كأنه قيل له: إذ قد أبيت قبول ما أمرت به من الإيمان والطاعة، فمن حقك أن تؤمر به بعد ذلك، وتؤمر بتركه؛ مبالغةً في خذلانه وتخليته وشأنه؛ لأنه لا مبالغة في الخذلان أشد من أن يبعث على عكس ما أمر به، ونظيره في المعنى قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١٩٧].
[﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ٩]
قرئ: (أمن هو قانت) بالتخفيف على إدخال همزة الاستفهام على "من"، وبالتشديد على إدخال "أم" عليه. و"من" مبتدأ خبره محذوف، وتقديره: أمن هو قانت كغيره، وإنما حذف؛ لدلالة الكلام عليه؛ وهو جري ذكر الكافر قبله، وقوله بعده:
_________________
(١) ـ قوله: (والنتيجة قد تكون غرضًا في الفعل وقد تكون غير غرض)، أي: اللام في ﴿لِيُضِلَّ﴾ كاللام في قوله ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. قوله: (قرئ: "أمن هو قانت" بالتخفبف)، نافع وحمزة، والباقون: بالتشديد. قوله: (و"من" مبتدأ خبره محذوف، تقديره: أمن هو قانت كغيره)، هذا على التقديرين، أما على التخفيف فيقال: أمن هو قانت كغيره، وعلى التشديد "أم" منقطعة، والتقدير: بل أم من هو قانت كغيره، فعلى التقديرين لا بد من الخبر، وهذا مأخوذ من قول الزجاج: أم من هو قانت كهذا الذي ذكرناه ممن جعل له ندًا. وقيل: أمن هو قانت كغيره، أي: أمن هو مطيع كمن هو عاص.
[ ١٣ / ٣٥٠ ]
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾. وقيل: معناه: أمن هو قانت أفضل أم من هو كافر؟ و: أهذا أفضل أم من هو قانت؟ على الاستفهام المتصل. والقانت: القائم بما يجب عليه من الطاعة، ومنه قوله ﵇: "أفضل الصلاة طول القنوت"؛ وهو
_________________
(١) ـ وقلت: مراد الزجاج بالعاصي هو الذي ذكره قبل في تقدير المتصلة: من جعل له ندًا، إشارة إلى أن المضرب عنه بـ"بل" الكلام المذكور فيه ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ وهو الآية السابقة، أي: دع ذلك الذم وسلهم: أمن هو مطيع كمن هو عاص؟ وهو من باب إرخاء العنان. قوله: (وقيل: معناه: أمن هو قانت)، هذا على أن تكون الهمزة و"أم" معادلتين، ولا بد من تقدير إحدى المعادلتين، فعلى التخفيف الاستفهام مذكور فيقدر "أم" مذكورة فيقدر. ونظيره، أي: نظير قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ فتقدر الهمزة، وإليه الإشارة بقوله: "أهذا أفضل أم من هو قانت؟ ". هذا مأخوذ من قول أبي علي: ومن قرأ "أمن" فإن الجملة التي عادلتها "أم" قد حذفت، المعنى: الجاحد الكافر بربه خير أمن هو قانت؟ و"من" موصولة، ودل على الجملة المحذوفة المعادلة لـ"أم" ما جاء بعده من قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ لأن التسوية لا تكون إلا بين اثنين، ومثل هذا الحذف قوله تعالى: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] فجمع بين قول أبي علي والزجاج. قوله: (أفضل الصلاة طول القنوت)، الحديث من رواية مسلم عن جابر: "أفضل الصلاة طول القنوت". ومن رواية الترمذي عنه أيضًا: "قيل: يا رسول الله أي الصلاة أفضل؟ فقال: طول القنوت".
[ ١٣ / ٣٥١ ]
القيام فيها، ومنه: القنوت في الوتر؛ لأنه دعاء المصلي قائمًا. ﴿سَاجِدًا﴾: حال. وقرئ: (ساجد وقائم) على أنه خبر بعد خبر، والواو للجمع بين الصفتين. وقرئ: (ويحذر عذاب الآخرة). وأراد بـ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾: العاملين من علماء الديانة، كأنه جعل من لا يعمل غير عالم. وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم، ثم لا يقنتون، ويفتنون فيها، ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند الله جهلة؛ حيث جعل القانتين هم العلماء، ويجوز أن يرد على سبيل التشبيه، أي: كما لا يستوي العاملون والجاهلون، كذلك لا يستوي القانتون والعاصون. وقيل: نزلت في عمار بن ياسر وأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي.
_________________
(١) ـ النهاية: القنوت يرد لمعان متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام والسكوت، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه. قوله: (وأراد بـ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾: العاملين)، متصل بقوله: "وقيل: معناه أمن هو قانت"، أي: قال القائل: معناه كذا، وأراد بالذين يعلمون العاملين، فيكون ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ وصفًا للمظهر موضع الضمير للإشعار بالعلية، ويفهم منه أن غير العالمين الجاهلون، وإليه أومأ بقوله: "فهم عند الله جهلة"، حيث جعل القانتين هم العلماء، كأنه قيل: أمن هو قانت أفضل أمن هو قانت؟ وهل يستويان، أي: بينهما بون بعيد، فالجملة الثانية بيان للفرق، ولهذا قال: "فيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقتنون"، وأما قوله: "ويجوز أن يرد على سبيل التشبيه" فهو عطف على قوله: "وأراد بالذين يعلمون: العاملين"، أي: دل على المحذوف جري ذكر الكافر قبله وجري قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾: بعده وأراد بالذين يعلمون العالمين؛ لأنه كالتقدير لقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ لأن العالم الحقيقي هو العامل. ويجوز أن يرد على سبيل التشبيه فيكون القانت غيرًا والعالم غيرًا.
[ ١٣ / ٣٥٢ ]
وعن الحسن: أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو، فقال: هذا تمن، وإنما الرجاء قوله، فتلا هذه الآية. وقرئ: (إنما يذكر) بالإدغام.
[﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١٠]
﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ متعلق بـ ﴿أَحْسَنُوا﴾ لا بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾، معناه: الذين أحسنوا في هذه الدنيا فلهم حسنة في الآخرة؛ وهي دخول الجنة، أي: حسنة غير مكتنهة بالوصف. وقد علقه السدي بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾، ففسر الحسنة بالصحة والعافية. فإن قلت: إذا علق الظرف بـ ﴿أَحْسَنُوا﴾ فإعرابه ظاهر، فما معنى تعليقه بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾، ولا يصح أن يقع صفة لها؛ لتقدمه؟ قلت: هو صفة لها إذا تأخر، فإذا تقدم كان بيانًا لمكانها، فلم يخل التقدم بالتعليق، وإن لم يكن التعلق وصفًا
_________________
(١) ـ قوله: (وعن الحسن: أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو، فقال: هذا تمن، وإنما الرجاء هذه الآية)، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ الآية. الانتصاف: كلام الحسن صحيح أراد به الزمخشري باطلًا، فمراد الحسن أن حق المصر أن يغلب خوفه رجاءه، ولم يرد إقناطه من رحمة الله، ويظهر من حال الزمخشري واعتقاده أن هذا العاصي لا يدخل الجنة فلا وجه لرجائه، فأورد قول الحسن رمزًا لهذه العقيدة، فلا ينفع القانت قنوته إذا أودى به قنوطه، يريد: ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. قوله: (فلم يخل التقدم بالتعليق)، يعني: ﴿حَسَنَةٌ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ متعلق بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾ ولو كان متأخرًا عنها لكان وصفا، وحين تقدم كان بيانًا لمكانها؛ لأن التقدم لم يخل بالتعلق، كما أن الجملة إذا كانت صفة لنكره- وهي إما فاعل أو مفعول- فإذا تقدمت صارت حالًا، وهذه وإن لم تكن وصفًا لتقدمها، ولا حالًا
[ ١٣ / ٣٥٣ ]
ومعنى "أرض الله واسعة": أن لا عذر للمفرطين في الإحسان البتة؛ حتى إن اعتلوا
_________________
(١) ـ لفقدان العامل، لم يخل التقدم بتعلقها بالحسنة فيكون بيانًا لمكانها أي: مكان الحسنة على نحو ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] كأن قائلًا لما سمع ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ سأل: أين هي؟ قيل: في هذه الدنيا. قوله: (ومعنى "أرض الله واسعة")، المبتدأ، والخبر: "أن لا عذر"، و"حتى" غاية "أن لا عذر"، وهي التي تدخل على الجملة، والجملة هي الشرطية، أعني: "إن اعتلوا" مع جزائه، وهو "قيل لهم: فإن أرض الله واسعة" إلى آخره. فإن قلت: من أين أفاد ﴿أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ﴾ هذه المعاني المتكاثرة؟ قلت: من حيث اتصاله بالكلام السابق، وذلك أن جملة قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ مع ما اتصل به من قوله: ﴿أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ﴾ مستأنفة تعليل للأمر بالتقوى، إنما قيد الفعل بالظرف وهو ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ للإشعار بأن الدنيا مكان الإحسان ومزرعة لحرث الآخرة، فأريد تتميم ذلك المعنى فقيل: ﴿أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ﴾ لئلا يعتذر العامل لتفريطه في الأعمال بالاعتلال بالأوطان، وأنه لم يكن متمكنًا من التوفر على الإحسان في أرضه كأنه قيل لهم: اتقوا ربكم فيما تأتون به وتذرون، وتيقنوا بحصول أمرين: جزاء الإحسان وفسحة المكان فتهاجروا وتحولوا إن لم تتمكنوا من التقوى في أرضكم، ثم اتجه لهم أن يسألوا ويقولوا: فماذا يكون بعد تلك الحسنة لنا من الأجر حينئذ؟ فأجيبوا ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يعني: أن الله تعالى وفي أجر من سبق عليكم من الأنبياء والصالحين بصبرهم على مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحسانًا إلى إحسانهم وطاعةً إلى طاعتهم، فلكم الأجر وتوفيته إذا اقتفيتم أثرهم واقتديتم بهداهم، هذا التأويل إنما يحسن إذا علق الظرف بـ ﴿أَحْسَنُوا﴾ لا بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾ ومن ثم كان الوجه الثاني مرجوحًا لا لما قاله مكي، والأول أحسن؛ لأن الدنيا ليست بدار جزاء؛ لأن المعنى حينئذ: لهم في هذه الدنيا الصحة والعافية، وفي الآخرة يوفون أجورهم كاملة. وعلى الأول المعنى: أن لهم وراء دخول الجنة مالا عين رأت
[ ١٣ / ٣٥٤ ]
بأوطانهم وبلادهم، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفر على الإحسان، وصرف الهمم إليه قيل لهم: فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة، فلا تجثموا مع العجز، وتحولوا إلى بلاد أخر، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم؛ ليزدادوا إحسانًا إلى إحسانهم وطاعةً إلى طاعتهم. وقيل: هو الذين كانوا في بلد المشركين فأمروا بالمهاجرة عنه، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]. وقيل: هي أرض الجنة. و﴿الصَّابِرُونَ﴾: الذين صبروا على مفارقة أوطانهم وعشائرهم، وعلى غيرها؛ من تجرع الغصص، واحتمال البلايا في طاعة الله وازدياد الخير. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: لا يحاسبون عليه. وقيل: بغير مكيال وغير ميزان يغرف لهم غرفًا، وهو تمثيل للتكثير. وعن ابن عباس ﵄: لا يهتدي إليه حساب الحساب ولا يعرف. وعن النبي ﷺ: "ينصب الله الموازين يوم القيامة، فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين،
_________________
(١) ـ ولا أذن سمعت، فوضع ﴿الصَّابِرُونَ﴾ موضع الضمير للغلبة، وهاهنا أيضًا نكتة سرية وهي أن اسم الإشارة في قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ كما هو في قوله: هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه لا كما في قوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ للإشعار بأن الدار الدنيا نعم الدار إن جعلت مكانًا للعمل وحرثًا للآخرة. قوله: (لا يهتدي إليه حساب الحساب)، مثال لقوله: "لا يحاسبون عليه"، أي: لا حساب ولا اهتداء إليه. وقوله: "وعن النبي ﷺ: ينصب الله الموازين" الحديث: مثال لقوله: "بغير مكيال وغير ميزان"، فإنه لما قال أولًا: "يغرف لهم غرفًا" جاء بقوله: "ويصب عليهم الأجر صبًا"، فتطابقا. وحاصل معنى الآية: ما يوفى الصابرون أجرهم إلا بغير حساب؛ لأن الحصر في ﴿إِنَّمَا﴾ هو في القيد الأخير؛ لأنه فرغ ﴿مَا﴾ و﴿إِلَّا﴾ وفيه معنيان: أحدهما: أنوفيه معنيان: أحدهما: أن
[ ١٣ / ٣٥٥ ]
ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل".
[﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * وأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِينَ * قُلْ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ﴾ ١١ - ١٥]
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ بإخلاص الدين ﴿وأُمِرْتُ﴾ بذلك ﴿لِـ﴾ أجل أن ﴿أَكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ أي: مقدمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة، ولمعنى: أن الإخلاص له السبقة في الدين، فمن أخلص كان سابقًا. فإن قلت: كيف عطف ﴿أُمِرْتُ﴾ على ﴿أُمِرْتُ﴾ وهما واحد؟ قلت: ليسا بواحد؛ لاختلاف جهتيهما؛ وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء، والأمر به ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شيء، وإذا اختلف
_________________
(١) ـ حكم الغير بخلافه، وعليه ظاهر الحديث الذي أورده. المعنى: من جمع بين الصبر والصلاة والصدقة والحج لا يكون أجره كأجر من أفرد تلك الطاعات؛ لأن ذلك الصبر لا يعتد به إذا أتى به مفردًا. والثاني: أن لا يكون أجر صبر هؤلاء كأجر صلاتهم وصدقتهم وحجهم، فالمراد بأجرهم على الأول ما ينسب إليهم، وعلى الثاني أجر صبرهم، ودلالة الآية عل معنى الحديث من حيث تخصيص وصف الصابرين وترتب الثواب عليه نحو: "في سائمة الغنم زكاة" ودلالتها على المعنى الثاني من أداة الحصر، والله أعلم. قوله: (وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء)، يعنى: إذا كرر المعنى ليناط به معنى زائد كان المجموع غير المفرد، فالتقدير: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك؛ لأن أكون
[ ١٣ / ٣٥٦ ]
وجها الشيء وصفتاه تنزل بذلك منزلة شيئين مختلفين، ولك أن تجعل اللام مزيدةً مثلها في: أردت لأن أفعل، ولا تزاد إلا مع"أن" خاصة دون الاسم الصريح، كأنها زيدت عوضًا من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه، كما عوض السين في"أسطاع" عوضًا من ترك الأصل الذي مو"أطوع"، والدليل على هذا الوجه: مجيئه بغير لام في قوله: ﴿وَاُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]، ﴿وَاُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٤]. ﴿وَاُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤].
_________________
(١) ـ من السابقين. وفائدته التنبيه على أن السبق المعتبر ليس بتقدم الزمان بل بالتقدم بالقدم، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١] قال القاضي: والعطف لمغايرة الثاني الأول بتقييده بالعلة والأشعار بأن العبادة المقرونه بالإخلاص وإن اقتضت لذاتها أن تؤمر بها فهي أيضًا تقتضيه لما يلزم من السبقة في الدين. وقوله: "ولك أن تجعل اللام مزيدة" عطف على قوله: "وأمرت بذلك لأجل أن أكون"، يعني: أن اللام إما للتعليل أو مزيدة، وكان يلزم على الأول تقدير المأمور به المستلزم للتكرير، وأن يقال: وأمرت بذلك، فسأل عنه وأجاب، ثم شرع في بيان أن اللام مزيدة؛ لأن ﴿أَكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ هو المأمور به، واستشهد بأمثاله من قوله: ﴿أَنْ َكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِين﴾ وغيره. قوله: (من ترك الأصل الذي هو أطوع)، إلى"أطاع"، روي عن المصنف أنه قال: إن"أطاع" أضله"أطوع"، فحين غيروا الأصل عوضوا من تغييره زيادة السين، ونحوه زيادة الهاء في"أهراق" وأصله"أراق". وقيل: الأصل في الآية أن يكون المفعول به اسمًا صريحًا، فإذا أتى بدله أن مع الفعل فقد عدل عن الأصل إلى غيره. قال صاحب" الإنصاف": قوله: إنها لا تزاد إلا مع"أن"، ليس بصحيح، فمن مسائلها: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، و﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، و﴿وَاُمِرْتُ لِأُسْلِمَ﴾، فلو اقتصر على أنها لا تزاد مع الاسم الصريح لكان أصح.
[ ١٣ / ٣٥٧ ]
وفي معناه أوجه: أن أكون أول من أسلم في زماني ومن قومي؛ لأنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها. وأن أكون أول الذين دعوتهم إلى الإسلام إسلامًا، وأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره؛ لأكون مقتدى بي في قولي وفعلي جميعًا، ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون، وأن أفعل ما أستحق به الأولية من أعمال السابقين؛ دلالة على السبب بالمسبب، يعني: أن الله
_________________
(١) ـ قوله: (وفي معناه أوجه)، أي: في معنى الأولية وجوه أربعة، ومدار الوجوه على وجهين: أحدهما: السبق بحسب الزمان. وثانيهما: بحسب المعنى. والوجه الأول على وجوه: أحدها: أن يراد بالأولية أول المخالفين لغير دين الإسلام الدافعين لما يضاد الإيمان، قال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤] فإن دفع نقيض الشيء إثبات له، كقول المنافقين: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وهو من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]. وثانيها: أن يراد بالأولية أول الموافقين والمدعوين إلى الإسلام وإليه الإشارة بقوله: "أول الذين دعوتهم إلى الإسلام إسلامًا"، والداعي إلى الشيء ينبغي أن يكون متحليًا به. وثالثها: أن يراد بالسبق السبق بحسب الدعوة، فإن الأفضل أن من يدعو الغير إلى خلق كريم أن يدعو نفسه إليه أولًا، ويتخلق به حتى يؤثر في الغير سنة الأنبياء والصالحين لا الملوك والمتجبرين، والفرق بين هذا الوجه والوجه السابق أن الأول مطلق وهذا مقيد. الانتصاف: هذا الوجه أحسن الوجوه. والوجه الثاني: أن يراد بالسبق السبق بالقدم والأعمال الصالحة، وهو المراد من قوله: "وأن أفعل ما أستحق به الأولية" كقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، وهذا الوجه أوفق للتأليف على ما سبق. فقوله: "إسلامًا" الظاهر أنه تمييز وبيان لما أبهم في الأولية. قوله: (دلالة على السبب بالمسبب)، يعني: أطلق التقدم في الإسلام وأراد الأعمال
[ ١٣ / ٣٥٨ ]
أمرني أن أخلص له الدين من الشرك والرياء وكل شوب، بدليل العقل والوحي، فإن عصيت ربي بمخالفة الدليلين، استوجبت عذابه، فلا أعصيه ولا أتابع أمركم، وذلك حين دعوه إلى دين آبائه. فإن قلت: ما معنى التكرير في قوله: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ قلت: ليس بتكرير؛ لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بإحداث العبادة والإخلاص. والثاني: إخبار بأنه يختص الله وحده دون غيره بعبادته مخلصًا له دينه؛ ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة وأخره في الأول، فالكلام أولًا واقع في الفعل نفسه، وإيجاده، وثانيًا فيمن يفعل الفعل لأجله؛ ولذلك رتب عليه قوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ﴾، والمراد بهذا
_________________
(١) ـ الصالحة؛ لأن الأعمال سبب في السبق، على أن من لم يأت من المؤمنين بالأعمال حاصل في منزلة بين المنزلتين عندهم، وعند المحدثين والسلف الصالح هو من إطلاق الكل على البعض؛ لأن الأعمال ركن من ركني الإسلام. قوله: (فإن عصيت ربي بمخالفة الدليلين)، هذا بيان اتصال هذه الآية بما سبق، يعني: ما ذكرت من الأمر بالإخلاص في الدين والتبري من الشرك والرياء هو ما عرفته بالدليلين، أي: العقل والوحي. قوله: (ليس بتكرير)، وتلخيص الجواب: أن الأول: إخبار عن كونه كان مأمورًا بإيجاد الإخلاص. والثاني: إخبار عن أنه امتثل لذلك الأمر وأوجد المأمور به، ولذلك قدم المفعول على الفعل، وقد تقرر عند أصحاب المعاني أنهم إذا قدموا على الفعل معموله آذنوا بتقرير الفعل والترديد في المعمول، كأنهم قالوا له: اعبد ما نعبد لنعبد ما تعبد، كما قال في ﴿الْكَافِرُونَ﴾ يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك، تعبد إلهنا سنةً ونعبد إلهك سنة، فأجاب هاهنا بما أجاب هناك بقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ﴾، ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم﴾، فهو بين القصر الإفرادي، وبهذا سقط قول ابن الحاجب والتمسك بمثل ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾ ضعيف؛ لأنه جاء ﴿فَاعْبُدِ اللهَ﴾ و﴿اعْبُدُوا اللهَ﴾.
[ ١٣ / ٣٥٩ ]
الأمر الوارد على وجه التخيير: المبالغة في الخذلان والتخلية، على ما حققت فيه القول مرتين. ﴿قُلْ إِنَّ﴾ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه وأسبابه: هم ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ لوقوعها في هلكة لا هلكة بعدها، ﴿وَ﴾ خسروا ﴿أَهْلِيهِمْ﴾؛ لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابًا لا رجوع بعده إليهم. وقيل: وخسروهم؛ لأنهم لم يدخلوا مدخل المؤمنين الذين لهم أهل في الجنة، يعني: وخسروا أهليهم الذين كانوا يكونون لهم لو آمنوا، ولقد وصف خسرانهم بغاية الفظاعة في قوله: ﴿أّلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾؛ حيث استأنف الجملة وصدرها بحرف التنبيه، ووسط الفصل بين المبتدإ والخبر، وعرف الخسران، ونعته بالمبين.
[﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ ١٦]
_________________
(١) ـ قوله: (على ما حققت فيه القول مرتين)، أحدهما: في هذه السورة في قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾، وثانيهما في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. قوله: (﴿قُلْ إِنَّ﴾ الكاملين في الخسران)، هذا من إفادة تعريف الجنس، نحو ﴿ذّلِكَ الْكِتَابُ﴾ بالبقرة: ٢]، وحاتم الجواد. وقوله: "الجامعين لوجوهه" بيان له. قال في قوله: هو الرجل، أي: الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال، يعني: إنما يطلق اسم الجنس على فرد من أفراده إذا اجتمع فيه الخصائل المعتبرة في ذلك، فكأنه لذلك الجنس كله. وقوله: "هم الذين خسروا" إشارة إلى ما يعطيه التركيب من معنى الاختصاص، وفي إعادة ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ في الخبر بعد ذكر ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ مبالغة أخرى. قوله: (وقيل: وخسروهم؛ لأنهم لم يدخلوا مدخل المؤمنين)، وعلى هذا المراد بالأهل: ما يعد الأهل في الجنة من الحور والغلمان وغيرهم، وفيه تتميم، كأنه قيل: خسروا رأس المال والربح. وقوله: ﴿أَلَا ذّلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ تذييل، ولهذا قال: "ولقد وصف خسرانهم بغاية الفظاعة".
[ ١٣ / ٣٦٠ ]
﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ﴾ أطباق من النار هي ﴿ظُلَلٌ﴾ لآخرين، ﴿ذّلِكَ﴾ العذاب هو الذي يتوعد ﴿اللهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ ويخوفهم؛ ليجتنبوا ما يوقعهم فيه. ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي، وهذه عظة من الله تعالى ونصيحة بالغة. وقرئ: (يا عبادي).
[﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وأَنَابُوا إلَى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرَى فَبِشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ١٧ - ١٨]
﴿الطَّاغُوتَ﴾: فعلوت؛ من الطغيان، كالملكوت والرحموت، إلا أن فيها قلبًا بتقديم اللام على العين، أطلقت على الشيطان أو الشياطين؛ لكونها مصدرًا وفيها مبالغات؛ وهي التسمية بالمصدر، كأن عين الشيطان ظغيان، وأن البناء بناء مبالغة؛ فإن الرحموت: الرحمة الواسعة، والملكوت: الملك المبسوط؛ والقلب وهو للاختصاص؛ إذ لا تطلق
_________________
(١) ـ قوله: (هي ﴿ظُلَلٌ﴾ لآخرين)، يريد أن ظللًا إنما يكون من فوق، فلما خصت بقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ نبه على الإدماج. وأن طبقة هؤلاء المشركين ظلة لآخرين وهم المنافقون؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] و﴿مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ إما عطف جملة على ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ و﴿ظُلَلٌ﴾ على ﴿ظُلَلٌ﴾ أو يقدر ﴿لَهُمْ﴾ فيكون عطف جملة على جملة؛ لأن ﴿لَهثمْ﴾ خبر و﴿ظُلَلٌ﴾ مبتدأ و﴿مِنَ النَّارِ﴾ صفة و﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يجوز أن يكون حالًا من ﴿ظُلَلٌ﴾ أو متعلقًا بالخبر ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾ ظلل كائنة من فوقهم. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ العذاب هو الذي يتوعد ﴿اللهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾)، هذا تصحيح لمعنى ﴿يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ وأنه خبر لذلك، والمشار إليه ما سبق. قوله: (والقلب)، أي: ومن المبالغات القلب، وحكمه حكم أسماء الأجناس إذا غلب على إحدى مسمياتها بأن تجعل مع الألف واللام علمًا له، فإن المصدر كما قال "فعلوت" من "الطغيان" يطلق على من طغى وتجاوز فيه الحد، ثم قلب وغلب على الشيطان، وإليه
[ ١٣ / ٣٦١ ]
على غير الشيطان، والمراد بما ها هنا الجمع. وقرئ: (الطواغيت). ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾: بدل من ﴿الطَّاغُوتِ﴾ بدل الاشتمال. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾: هي البشارة بالثواب، كقوله تعالى: ﴿لَهُمث الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، الله ﷿ يبشرهم بذلك في وحيه على ألسنة رسله، وتتلقاهم الملائكة عند حضور الموت مبشرين، وحين يحشرون، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ [الحديد: ١٢]. وأراد بعباده ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾: الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم، وإنما أراد بهم أن يكونوا نقادًا في الدين يميزون بين الحسن والأحسن والفاصل والأفضل، فإذا اعترضهم أمران واجب وندب:
_________________
(١) ـ الإشارة بقوله: "وهو للاختصاص". قوله: (وقرئ: "الطواغيت")، قال ابن جني: قرأها الحسن: ﴿الطَّاغُوتِ﴾ مقلوب، ووزنه "فلعوت" من: طغيت، وقالوا أيضًا: طغوت. وقولهم: "طغيان" دليل على أن اللام ياء فاصلة، إذن "طغيوت" مصدر كالرغبوت والرهبوت، ثم قدم اللام على العين فصارت "طيغوت" ثم قلبت الياء لتحركها وانفتاح ما قلبها الفاء فصار "طاغوت"، وكان القياس إذا كسر أن يقال: "طياغيت" إلا أنه قيل: "طواغيت" على لغة من قال: "طغوت". قوله: (وأراد بعباده ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾: الذين اجتنبوا لا غيرهم)، يعني: لا يجوز أن يراد غيرهم؛ لأن قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ مترتب على جملة قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾ إلى قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ على معنى إذا كان لهم البشرى فبشرهم، فأقيم المظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق لتكرير استحقاق البشارة، أحدهما: الترتيب، والآخر: تخصيص الذكر، ولو ترك إقامة المظهر موضع المضمر وقيل: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ لم ينبه على كونهم نقادًا مميزين مع الاجتناب والإنابة.
[ ١٣ / ٣٦٢ ]
اختاروا الواجب، وكذلك المباح والندب، حراصًا على ما هو أقرب عند الله وأكثر ثوابًا ويدخل تحته المذاهب واختيار أثبتها على السبك، وأقواها عند السبر، وأبينها دليلًا أو أمارة، وأن لا تكون في مذهبك كما قال القائل:
ولا تكن مثل غير قيد فانقادا
يريد المقلد. وقيل: يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. وقيل: يستمعون أوامر الله فيتبعون أحسنها، نحو القصاص والعفو، والانتصار والإغضاء، والإبداء والإخفاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيسمع الحديث فيه محاسن ومساو، فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه. ومن الوقفة من يقف على: (فبشر عبادي)، ويبتدئ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ﴾، ويرفعه على الابتداء، وخبره ﴿أُولَئِكَ﴾.
_________________
(١) ـ قوله: (ولا تكن مثل عير قيد فانقادا)، أوله: شمر وكن في أمور الدين مجتهدًا أي: لا تكن في مذهبك مقلدًا واختر أقوى المذاهب. الانتصاف: ملأ كتابه من الاعتزال، وهو يظن أه قد أجاد فلا مطمع في رجوعه عن تقليده ونسأل الله العصمة. قوله: (ومن الوقفة من يقف)، وفي "التيسير": قرأ أبو شعيب: "فبشر عبادي الذين" بياء مفتوحة في الوصل، ساكنة في الوقف. وقال أبو حمدون وغيره عن اليزيدي: مفتوحة في الوصل، محذوفة في الوقف. وهو عند قياس قول أبي عمرو، وفي اتباع المرسوم عند الوقف. والباقون يحذفونها في الحالين. وفي "المرشد": إن جعلت ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ صفةً لـ ﴿عِبَادِي﴾ لم تفصل بينهما ووقفت على قوله: ﴿أَحْسَنَهُ﴾ ثم تبتدئ ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ،
[ ١٣ / ٣٦٣ ]
[﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ ١٩]
أصل الكلام: أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه، جملة شرطية دخل عليها همزة الإنكار، والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف يدل عليه الخطاب، تقديره: أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه العذاب فأنت تنقيذه؟ والهمزة الثانية هي الأولى، كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد، ووضع ﴿مَن فِي النَّارِ﴾ موضع الضمير، فالآية- على هذا- جملة واحدة. ووجه آخر؛ وهو أن تكون الآية جملتين: أفمن حق عليه العذاب فأنت تخلصه؟ أفأنت تنقذ من النار؟ وإنما جاز حذف: فأنت تخلصه؛ لأن ﴿أَفَأَنتَ تُنقِذُ﴾ يدل عليه. نزل استحقاقهم العذاب- وهم في الدنيا- منزلة دخولهم النار، حتى نزل اجتهاد رسول الله ﷺ وكده نفسه في دعائهم إلى الإيمان منزلة إنقاذهم من النار. وقوله: ﴿أَفَأَنتَ تُنقِذُ﴾
_________________
(١) ـ وخبره: ﴿الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ﴾. وإن جعلته مبتدأ كان الوقف على ﴿عِبَادِ﴾ تامًا، وتبتدئ ﴿الَّذِينَ﴾ على أنه مبتدأ، وخبره: ﴿الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ﴾، وعلى الوجهين: الوقف عند ﴿هَدَاهُمُ اللهُ﴾ جائز. وقلت: من وقف على ﴿عِبَادِي﴾ جعل موقع السؤال عنده، فيكون الاستئناف بإعادة صفة من استؤنف عنه الحديث، وقد مضى الفرق في أول البقرة. قوله: (والهمزة الثانية هي الأولى، كررت للتوكيد)، قال الزجاج: ﴿أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ فيه معنى الجزاء، والهمزة في ﴿أَفَأَنتَ﴾ جاءت مؤكدةً معادةً لما طال الكلام؛ لأنه لا يصلح أن تأتي بهمزة الاستفهام في الاسم والأخرى في الخبر، والمعنى: أفمن حق عليه العذاب أفأنت تنقذه؟ قوله: (نزل استحقاقهم العذاب وهم في الدنيا منزلة دخولهم النار، حتى نزل اجتهاد رسول الله ﷺ … في دعائهم إلى الإيمان منزلة إنقاذهم من النار)، تلخيصه: أن أصل الكلام:
[ ١٣ / ٣٦٤ ]
يفيد أن الله تعالى هو الذي يقدر على الإنقاذ من النار وحده، لا يقدر على ذلك أحد غيره، فكما لا تقدر أنت أن تنقذ الداخل في النار من النار، لا تقدر أن تخلصه مما هو فيه من استحقاق العذاب بتحصيل الإيمان فيه.
[﴿َكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعَادَ﴾ ٢٠]
﴿غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾: علالي بعضها فوق بعض. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿مَّبْنِيَّةٌ﴾؟ قلت: معناه، والله أعلم: أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوت تسويتها. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ كما تجري تحت المنازل، من غير تفاوت بين العلو والسفل. ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد؛ لأن قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ في معنى: وعدهم الله ذلك.
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا
_________________
(١) ـ أفأنت تهدي من هو منغمس في الضلال؟ فوضع النار موضع الضلال وضعًا للمسبب موضع السبب لقوة أمره، ثم عقب المجاز بما يناسبه من قوله: ﴿تُنْقِذُ﴾ بدل ﴿تَهْدِي﴾ كما يعقب الاستعارة بالترشيح؛ لأن الإنقاذ أنسب لمن هو في النار من الهداية، وذلك لشدة حرصه صلوات الله عليه على إيمانهم والمبالغة في اجتهاده. قوله: (يفيد أن الله تعالى هو الذي يقدر على الإنقاذ)، إلى آخره. أراد أن تقديم الفاعل المعنوي على الفعل وإيلاءه همزة الإنكار يدل على أن الكلام في الفاعل لا في الفعل، أي: لست أنت الفاعل لهذا الفعل بل فاعله غيرك وهو الله وحده. قوله: (ما معنى قوله: ﴿مَّبْنِيَّةٌ﴾؟)، يعني: وصف الغرف بالمبنية، والمتعارف أنها من أوصاف التحتانية لا العلالي، وخلاصة الجواب: أن غرف الجنة على خلاف ما في الدنيا، فيكون بناؤها بناء المنازل التي على الأرض وسويت بتسويتها، تجري من تحتها الأنهار كما تجري من تحت المنازل.
[ ١٣ / ٣٦٥ ]
مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ٢١]
﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: هو المطر. وقيل: كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة، ثم يقسمه الله، ﴿فَسَلَكَهُ﴾: فأدخله ونظمه ﴿يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾: عيونًا ومسالك ومجاري كالعروق في الأجساد ﴿مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾: هيئاته؛ من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك، أو أصنافه؛ من بر وشعير وسمسم وغيرها. ﴿يَهِيجُ﴾: يتم جفافه، عن الأصمعي؛ لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور عن منابته ويذهب، ﴿﴾: فتاتًا ودرينًا. ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾: لتذكيرًا وتنبيهًا على أنه لابد من صانع حكيم، وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير، لا عن تعطيل وإهمال. ويجوز أن يكون مثلًا للدنيا، كقوله: ﴿إِنَّمَا مَثْلُ الْحِيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٤]، ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٥]. وقرئ: (مصفارًا).
_________________
(١) ـ قوله: (إلى الصخرة)، وهي التي في بيت المقدس. قوله: (عيونًا ومسالك)، نصب على التفسير لقوله: ﴿يَنَابِيعَ﴾، قال القاضي: أي: عيونًا ومجاري كامنةً فيها، أو قنوات نابعات فيها؛ إذ الينبوع جاء للمنع وللنابع فنصبها على المصدر أو على الحال. المغرب: نبع الماء ينبع، خرج من الأرض نبوعًا ونبعًا ونبعانًا. قوله: (أو أصنافه من بر)، عطف على "هيئاته". الجوهري: اللون هيئته كالسواد والحمرة، واللون: النوع. قوله: (فتاتًا ودرينًا)، الجوهري: الدرين حطام المرعى إذا قدم، وهو ما بلي من الحشيش، وقلما تنتفع به الإبل. قول: (ويجوز أن يكون مثلًا للدنيا)، عطف على قوله: "هو المطر"، أي: الآية إما واردة
[ ١٣ / ٣٦٦ ]
[﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ ٢٢]
﴿أَفَمَنْ﴾ عرف الله أنه من أهل اللطف فلطف به حتى انشرح صدره للإسلام ورغب فيه وقلبه كمن لا لطف له فهو حرج الصدر قاسي القلب، ونور الله: هو لطفه. وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية، فقيل: يا رسول الله، كيف انشراح الصدر؟ قال: "إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح"، فقيل: يا رسول الله، فما علامة ذلك؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للمت قبل نزول الموت"، وهو نظير قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] في حذف الخبر. ﴿مِنْ ذِكْرِ اللهِ﴾: من أجل ذكره، أي: إذا ذكر الله عندهم أو آياته اشمأزوا وازدادت قلوبهم قساوةً،
_________________
(١) ـ على ظاهرها حاثة على التفكر في آيات الله الباهرة، أو المراد بها: التمثيل باعثةً على التذكير والإيقاظ، زاجرةً عن الركون إلى اللذات العاجلة. منبهةً أنها في وشك الزوال وسرعة الانفصال، يدل على الثاني سوابقها ولواحقها، فإنها مسبوقة للتذكير والوعظ لاسيما قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: لمن لا يلين قلبه لمواعظ الله وزواجره، ولذلك استشهد بقوله: "الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت". الزجاج: هـ له: (هو نظير قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ في حذف الخبر)، أي: في أحد وجهيه، قال فلم يهتد لقسوذه الفاء للمجازاة، المعنى: أفمن شرح الله صدره فاهتدى كمن طبع الله على قلبه﴾ ؟ لأن في الكلام دليلًا على هذا المقدر، وهو قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم﴾
[ ١٣ / ٣٦٧ ]
كقوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]. وقرئ: (عن ذكر الله). فإن قلت: ما الفرق بين"من"و"عن" في هذا؟ قلت: إذا قلت: قسا قلبه من ذر الله، فالمعنى ما ذكرت؛ من أن القسوة من أجل الذكر وبسببه، وإذا قلت: عن ذكر الله، فالمعنى: غلظ عن قبول الذكر وجفا عنه. ونظيره: سقاه من العيمة، أي: من أجل عطشه، وسقاه عن العيمة: إذا أرواه حتى أبعده عن العطش.
[﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وقُلُوبُهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ٢٣]
عن ابن مسعود ﵁: أن أصحاب رسول الله ﷺ ملوا ملة، فقالوا له حدثنا؛ فنزلت. وإيقاع اسم"الله" مبتدًا، وبناء ﴿نَزَّلَ﴾ عليه: فيه تفخيم لأحسن الحديث، ورفع منه، واستشهاد على حسنه، وتأكيد لاستناده إلى الله، وأنه من عنده، وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا عنه، وتنبيه على أنه وحي معجز مباين لسائر الأحاديث. و﴿كِتَابًا﴾ بدل من ﴿أَحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، ويحتمل أن يكون حالًا منه. ﴿مُّتَشَابِهًا﴾: مطلق في مشابهة بعضه بعضًا، فكان متناولًا معانيه في الصحة والإحكام،
_________________
(١) ـ قوله: (ملوا ملة)، الجوهري: مللت الشيء بالكسر أمله، ومللت منه أيضًا، مللًا وملةً وملالةً؛ إذا سئمته. قوله: (وإيقاع"اسم الله" مبتدأ)، يعني: التركيب من باب تقوي الحكم، لكن في تخصيص اسم الله الجامع بالذكر وإيقاع الفعل على أحسن الحديث وإبدال ﴿كِتَابًا﴾ عنه ووصفه بـ ﴿مُّتَشَابِهًا﴾ الإشعار بترتب الحكم على الوصف والدلالة على الاختصاص، وأن مثل هذا الكلام في حسن نظمه وغرابته وكونه جامعًا للمعارف الحقة وحائزًا لمحاسن الأخلاق ومكارم الشيم لا ينبغي أن يصدر إلا عمن استجمع فيه الأسماء الحسنى والصفات العليا، وفي قوله: "وأن مثله" إشارة إلى الكناية التي ذكرناها؛ لأنها على منوال مثلك يجود.
[ ١٣ / ٣٦٨ ]
والبناء على الحق والصدق، ومنفعة الخلق، وتناسب ألفاظه وتناصفها في التخير والإصابة، وتجاوب نظمه وتأليفه في الإعجاز والتبكيت، ويجوز أن يكون ﴿مَثَانِيَ﴾ بيانًا لكونه متشابهًا؛ لأن القصص المكررة لا تكون إلا متشابهة. والمثاني: جمع مثنى بمعنى: مردد ومكرر، لما ثني من قصصه وأنبائه، وأحكامه، وأوامره، ونواهيه، ووعده، ووعيده، ومواعظه. وقيل: لأنه يثنى في التلاوة، فلا يمل كما جاء في وصفه: لا يتفه ولا يتشان ولا يخلق على كثرة الرد. ويجوز أن يكون جمع مثنى مفعل، من التثنية
_________________
(١) ـ قوله: (وتناصفها في التخير والإصابة)، الجوهري: أنصف، أي: عدل، يقال: أنصفه من نفسه، وانتصفت أنا منه، وتناصفوا، أي: أنصف بعضهم بعضًا من نفسه، ومنه قول الشاعر: إني غرضت إلى تناصف وجهها غرض المحب إلى الحبيب الغائب يعني: اشتقت إلى استواء المحاسن، كأن بعض أعضاء الوجه أنصف بعضًا في أخذ القسط من الجمال. قوله: (ويجوز أن يكون ﴿مَثَانِيَ﴾ بيانًا)، عطف على قوله: "مطلق في مشابهة بعضه بعضًا"، أي يقيد ﴿مثتَشَابِهًا﴾ تارة بـ ﴿مَثَانِيَ﴾، ويطلق أخرى ليبقى على إطلاقه دالًا على ما هو شائع في جنسه، ومن ثم قدر ما قدر. قوله: (لا يتفه ولا يتشان)، النهاية: في حديث ابن مسعود يصف القرآن: "لا يتفه ولا يتشان". هو من الشيء التافه الحقير، يقال: تفه يتفه فهو تافه، ولا يتشان، أي: لا يخلق عن كثرة الرد، مأخوذ من الشن وهو السقاء الخلق. قال في"الفائق": أي: القرآن حلو طيب لا تذهب طلاوته ولا يبلى رونقه وطراوته بترديد القراءة كالشعر وغيره. وتفه، أي: من: تفه الطعام؛ إذا سنخ، أو من: تفه الثوب؛
[ ١٣ / ٣٦٩ ]
بمعنى التكرير والإعادة، كما كان قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٣] بمعنى: كرة بعد كرة، وكذلك: لبيك وسعديك، وحنانيك. فإن قلت: كيف وصف الواحد بالجمع؟ قلت: إنما صح ذلك؛ لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل، وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير، ألا تراك تقول: القرآن أسباع وأخماس، وسور وآيات، وكذلك تقول: أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات، ونظيره قولك: الإنسان عظام وعروق وأعصاب؟ إلا أنك تركت الموصوف إلى الصفة؛ وأصله: كتابًا متشابهًا فصولًا مثاني. ويجوز أن يكون كقولك: برمة أعشار، وثوب أخلاق. ويجوز أن لا يكون ﴿مَثَانِيَ﴾
_________________
(١) ـ إذا بلي، "ولا يتشان" تأكيد له، أو من: تفه الشيء؛ إذا قل وحقر، أي: هو معظم في القلوب أبدًا، وقيل: معنى"التشان": الامتزاج بالباطل من الشنانة وهي: اللبن المذيق. وقلت: روينا عن علي ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة" قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو الحبل المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم". أخرجه الترمذي والدارمي. قوله: (برمة أعشار)، الجوهري: البرمة: القدر. وبرمة أعشار: إذا انكسرت قطعًا. وقلت: أعشار: جاء على بناء الجمع، كما قالوا: رمح أقصاد، وثوب أخلاق، إذا كانت الخلوقة فيه كله، كما قالوا: أرض سباسب، وبرمة أعشار. وعن بعضهم: وهي التي تسع
[ ١٣ / ٣٧٠ ]
صفةً، ويكون منتصبًا على التمييز من ﴿مُتَشَابِهًا﴾، كما تقول: رأيت رجلًا حسنًا شمائل، والمعنى: متشابهةً مثانيه. فإن قلت: ما فائدة التثنية والتكرير؟ قلت: النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عودًا عن بدء، لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله، ومن ثم كانت عادة رسول الله ﷺ أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مرات وسبعًا، ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم. اقشعر الجلد: إذا تقبض تقبضًا شديدًا، وتركيبه من حروف القشع، وهو الأديم اليابس، مضمومًا إليها حرف رابع وهو الراء؛ ليكون رباعيًا ودالًا على معنى زائد. يقال: اقشعر جلده من الخوف، وقف شعره،
_________________
(١) ـ فيها أعشار الجزور وهي أنصباؤها جمع عشر، والأقصاد: جمع قصد، وهو ما يكسر به الرمح. أخلق الثوب: إذا بلي، يتعدى ولا يتعدى. قوله: (حسنًا شمائل)، أي: شمائله، و"شمائل" نصب على التمييز. قوله: (عودًا عن بدء)، هو حال من الذي أقيم مقام الفاعل في"يكرره"، ونحوه: رجع عوده على بدء، أي: راجع في الطريق الذي جاء منه، ويجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا، نحو قعدت جلوسًا. قوله: (ومن ثم كانت عادة رسول الله ﷺ أن يكرر عليهم)، روى الترمذي عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يكرر الكلمة ثلاثًا لتعقل عنه". وروى أبو داود عن رجل: أن النبي ﷺ كان إذا حدث حديثًا أعاده ثلاث مرات. قوله: (وتركيبه من حروف القشع)، إلى قوله: (وقف شعره)، عن بعضهم: هذا بيان الحكمة لفعل الواضع، لا أنه اشتقاق، كما "اقمطر" فإن "القمط" هو الأصل، ثم
[ ١٣ / ٣٧١ ]
وهو مثل في شدة الخوف، فيجوز أن يريد به الله سبحانه التمثيل؛ تصويرًا لإفراط خشيتهم، وأن يريد التحقيق، والمعنى: أنهم إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده: أصابتهم خشية تقشعر منها جلودهم، إذا ذكروا الله ورحمته وجوده بالمغفرة: لانت جلودهم وقلوبهم، وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة. فإن قلت: ما وجه تعدية "لان" ب"إلى"؟ قلت: ضمن معنى فعل متعد ب"إلى"، كأنه قيل: سكنت، أو: اطمأنت إلى ذكر الله لينة غير متقبضة، راجية غير خاشية. فإن قلت: لم اقتصر على ذكر الله من غير ذكر الرحمة؟ قلت: لأن أصل أمره الرحمة والرأفة، ورحمته هي سابقة غضبه، فلأصالة رحمته إذا ذكر لم يخطر بالبال قبل كل شيء من صفاته إلا كونه رؤوفًا رحيمًا. فإن قلت: لم ذكرت الجلود وحدها أولًا، ثم قرنت بها القلوب ثانيًا؟ قلت: إذا ذكرت الخشية التي محلها القلوب، فقد ذكرت القلوب،
_________________
(١) ـ زيدت فيها الراء، فيكون رباعيا دالا على معنى زائد، ونظيره قوله النحويين: إن الضاد اسم للحرف الأول من: ضرب. قوله: (وهو مثل في شدة الخوف)، أي: استعمل القشعريرة في تغير يحصل في جلد الإنسان عند الوجل، فينتصب شعره، وكثر فيه حتى صار مثلًا لمجرد شدة الخوف. قوله: (لم اقتصر على ذكر الله من غير الرحمة)، يعني: ذكرت أن المعنى أنهم إذا سمعوا بالقرآن وآيات وعيده أصابتهم خشية، ثم إذا ذكروا رحمته لانت جلودهم، فلم حذفت الرحمة وليس في الكلام ما يدل على المحذوف؟ وأيضًا فلم اقتصر على المضاف إليه؟ وخلاصة الجواب: أن اسم الله وإن كان جامعًا لسائر الأسماء الحسنى، وتقييده بشيء من تلك الأسامي إنما يعلم بحسب القرائن، لكن عند فقدان القرينة يغلب جانب الرحمة على الغضب؛ لأن رحمته سبقت غضبه، وإليه الإشارة بقوله: " فلأصالة رحمته إذا ذكر لم يخطر بالبال إلا كونه رؤوفًا رحيمًا". قوله: (إذا ذكرت الخشية التي محلها القلوب فقد ذكرت القلوب)، يعني: إن لم تذكر "القلوب" في الأول صريحًا فقد ذكرت" الخشية" التي من عوارضها، فكأنها قد ذكرت،
[ ١٣ / ٣٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وتحرير المعنى: أنهم إذا فوجئوا بالقرآن وما فيه من القوارع والزواجر مجملًا تقشعر جلودهم وتخشى قلوبهم، فإذا ورد عليهم من ذكر اسم الذات وارد رحماني استبدلوا بالخشية رجاء، وبالقشعريرة لينًا، فلمًا جعل اقشعرار الجلود أصلًا في الاعتبار أولًا أتبع بذكر نا يناسب الاقشعرار من اللبن ثانيًا تغليبًا، وإلا كان مناسب الخشية الرجاء كما صرح به، وروى في تفسير قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢] عن أم الدرداء: "الوجل في القلب كاحتراق السعفة أما تجدله قشعريرة"، يعني: فزعت لذكره استعظاما له وتهيبًا من جلاله وعزة سلطانه وبطشه بالعصاة وعقابه، وهذا الذكر خلاف الذكر في قوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُدُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ لأن ذلك ذكر رحمته ورأفته وثوابه. وروى الإمام عن لسان أهل العرفان: العارفون السائرون في بيداء جلال الله إن نظروا إلى عالم الجلال طاشوا، وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا. وقلت- والله أعلم-: إن الله تعالى لما وصف القرآن المجيد وبالغ في مدحه حتى بلغ غايته من الكمال على ما سبق في قوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ وأراد أن يبين كيفية هدايته للخلق، فإن جل الغرض من الكتب السماوية الهداية، قال: ﴿مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، يعني: من أراد الله أن يهديه به أوقع في قلبه الخشية، كقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ثم يتأثر منه ظاهره بأن يأخذه في بدء الحال قشعريرة في الجلد لضعف الحال أو قوة سطوة الوارد، فإذا أدمن سماعه وألف أنواره تلين جلوده فيتأثر منه القلب فيطمئن إليه فتنقلب النفس الأمارة مطمئنة، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، فكما يتأثر الظاهر من القلب في بدء الحال ينعكس في ثاني الحال، ويتأثر القلب من الظاهر، ولذلك جعل اقشعرار الجلد تابعًا لخشية الله أولًا، ولين القلب تابعًا للين الجلد ثانيًا، فيستمد الظاهر من الباطن أنواره، والباطن من الظاهر آثاره، فلا يزالان يتناوبان حتى يصعد السالك بذلك إلى مدارج القدس ومعارج الكمال، فيتوطن في مخدع
[ ١٣ / ٣٧٣ ]
فكأنه قيل: تقشعر جلودهم من آيات الوعيد، وتخشى قلوبهم في أوّل وهلة، فإذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والمرحمة: استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم، وبالقشعريرة لينا في جلودهم ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الكتاب، وهو ﴿هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ﴾: يوفق به من يشاء، يعنى: عباده المتقين، حتى يخشوا تلك الخشية ويرجوا ذلك الرجاء، كما قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢). ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: ومن يخذله من الفساق والفجرة ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾، أو ذلك الكائن من الخشية والرجاء هدى الله، أي: أثر هداه، وهو لطفه، فسماه هدى لأنه حاصل بالهدى، ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ بهذا الأثر ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، يعنى: من صحب أولئك ورآهم خاشين راجين، فكان ذلك مرغبًا لهم في الاقتداء بسيرتهم وسلوك طريقتهم. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: ومن لم يؤثر فيه ألطافه لقسوة قلبه وإصراره على فجوره، ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ من مؤثر فيه بشيء قط.
[﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ * كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢٤ - ٢٦].
يقال: اتقاه بدرقته: استقبله بها فوقى بها نفسه إياه واتقاه بيده. وتقديره:
_________________
(١) ـ القرب ثم يفيض نوره المستفيض على الغير، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يِشَاءُ﴾، وكشف عن القناع حيث أشار من صحب أولئك ورآهم خاشين راجين، فكان ذلك مرغبًا لهم في الاقتداء بسيرتهم وسوك طريقتهم، رزقنا الله الاقتداء بهم بفضله وجوده. قوله: (أو ذلك الكائن من الخشية والرجاء)، عطف على قوله: "ذلك إشارة إلى الكتاب"، وعلى الأول: المراد بذكر الله القرآن في نفسه، قد أقيم مقام المضمر من غير لفظه السابق؛ تعظيمًا للحال وتحقيقًا لما قال. قوله: (بدرقته)، أي: بترسه، يقال: اتقى بدرقته، أي: استقبل زيدًا بدرقته فوقى
[ ١٣ / ٣٧٤ ]
﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ﴾ كمن أمن العذاب، فحذف الخبر كما حذف في نظائره: و﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾: شدّته. ومعناه: أن الإنسان إذا لقي مخوفًا من المخاوف استقبله بيده، وطلب أن يقي بها وجهه، لأنه أعز أعضائه عليه، والذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه؛ فلا يتهيأ له أن يتقى النار إلا بوجهه الذي كان يتقى المخاوف بغيره، وقاية له ومحاماة عليه. وقيل: المراد بالوجه الجملة، وقيل: نزلت في أبي جهل. وقال لهم خزنة النار: ﴿ذُوقُوا﴾ وبال ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: من الجهة التي لا يحتسبون، ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها، بينا هم آمنون رافهون إذ فوجئوا من مأمنهم. والخزي: الذل والصغار، كالمسخ والخسف والقتل والجلاء، وما أشبه ذلك من نكال الله.
[﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ٢٧ - ٢٨]
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال مؤكدة، كقولك: جاءني زيد رجلًا صالحًا وإنسانًا عاقلًا.
_________________
(١) ـ بدرقته نفسه زيدًا. الأساس: هذا وقاء ووقاية له لما يوقى به الشيء. ووقاه الله كل سوء ومن السوء وقاية. فعلى هذا: اتقاه بدرقته؛ استقبله بدرقته فوقى بها نفسه إياه، أي: منه. قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال مؤكدة)، قال الزجاج: ﴿عَرَبِيًّا﴾ منصوب على الحال، أي: ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيته وبيانه، وذكر ﴿قُرْآنًا﴾ توكيدًا، كما تقول: جاءني زيد رجلًا صالحًا، فتذكر رجلًا توكيدًا. وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: ﴿قُرْآنًا﴾ حال، و﴿عَرَبِيًّا﴾ صفة؛ لأن القرآن مصدر، فيمكن أن يقع حالًا، أي: مقروءًا عربيًا. وقال أبو البقاء: ﴿قُرْآنًا﴾ هو حال من ﴿الْقُرْآن﴾ موطئة، والحال في المعنى قوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾. وقيل: انتصب بـ ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾.
[ ١٣ / ٣٧٥ ]
ويجوز أن ينتصب على المدح، ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾: مستقيمًا بريئًا من التناقض والاختلاف.
فإن قلت: فهلا قيل: مستقيمًا، أو غير معوج؟ قلت: فيه فائدتان؛ إحداهما: نفي أن يكون فيه عوج قط، كما قال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١]. والثانية: أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان. وقيل: المراد بالعوج: الشك واللبس. وأنشد:
_________________
(١) ـ قوله: (نفي أن يكون فيه عوج قط)، وذلك من طريق الكتابة، فإنه إذا لم يكن صاحب عوج، فأن لا يكون معوجًا فبالطريق الأولى، كقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١]، أي: عوجًا وما يقال له عوج. قوله: (والثانية: أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان)، معناه: أن المطلوب أن يقال: إن معانيه صحيحة مستقيمة لا ترى فيها اختلافًا، كما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فلو قيل: غير معوج، لفهم أن ألفاظه مستقيمة وكان تكريرًا؛ لأن قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ دل على ذلك، أو لأن العوج إذا استعمل في الأعيان دل على بلوغه في الاستقامة إلى حد لا يدرك العقل فيه خللًا كما ذكره في "طه". قوله: (والثاني: أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان)، قال الزجاج: العوج -بكسر العين- فيما لا يرى له شخص، وما كان شخصًا قلت فيه: عوج -بالفتح- تقول: في دينه عوج، وفي العصا عوج، فإذن لا بد من "ذي"، أي: غير ذي معانٍ مائلٍ عن الاستقامة. الانتصاف: تقدم له في "طه" الاعتذار عن استعمال العوج المكسورة في الأشخاص في قوله: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ بأن الأشياء التي تستوي في العادة لا تخلو عن عوج، وإن دق عن البصر ينفرد بإدراكه العقل، وبين أن الأرض بلغت من الاستواء إلى الحد الحقيقي الذي لا يدرك العقل فيه خللًا، فعبر عنه بالمكسور العين؛ لكونه مشبهًا بالمعاني، وحاصله يجوز غير ذي عوج، والمراد: ألفاظ القرآن.
[ ١٣ / ٣٧٦ ]
وقد أتاك يقين غير ذي عوج من الإله وقول غير مكذوب
[﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢٩]
اضرب لقومك مثلًا، وقل لهم: ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف وتنازع: كل واحد منهم يدعى أنه عبده، فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهنٍ شتى
_________________
(١) ـ قوله: (واضرب لقومك مثلًا وقل لهم ما تقولون)، إنما دعاه إلى جعل الإخباري، أي: قوله ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا﴾ طلبيًا، وأتى بواو العطف ليتصل بما جاء في هذه السورة الكريمة من الأمر كقوله: ﴿قُلْ﴾ أو دعاه قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلَا﴾ فإنه سؤال تقرير وتبكيت للمشركين، فلا بد من السائل، والسائل رسول الله ﷺ، وقوله: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا﴾ ماضٍ، فيجب التأويل وأن يقال: واضرب لقومك مثلًا وقل لهم كذا، ثم سل: هل يستويان مثلًا؟ أي: قل لهم: ما تقولون في هذا التمثيل؟ ثم بعد الفراغ سلهم: هل يستويان مثلًا؟ ثم إذا ألزمتهم الحجة قل: الحمد لله شكرًا على ما أولاك من النصرة وقهر الأعداء بالحجج الساطعة. قال صاحب "الكشف": ﴿رَجُلًا﴾ بدل من قوله: ﴿مَثَلًا﴾، و﴿شُرَكَاءُ﴾ ترتفع بالظرف. قوله: (ويتعاورونه)، أي: يتداولونه. الجوهري: يقال: هم يعورون العواري بينهم. وقد قيل: مستعار بمعنى: متعاور، أي: متداول. قوله: (في مهن شتى)، الجوهري: المهنة -بالفتح- الخدمة. وحكى أبو زيد والكسائي: المهنة؛ بالكسر، وأنكره الأصمعي. والماهن: الخادم.
[ ١٣ / ٣٧٧ ]
ومشاده، وإذا عنت له حاجة تدافعوه، فهو متحير في أمره سادر، قد تشعبت الهموم قلبه وتوزعت أفكاره، لا يدرى أيهم يرضى بخدمته، وعلى أيهم يعتمد في حاجاته؛ وفي آخر قد سلم لمالك واحد وخلص له، فهو معتنق لما لزمه من خدمته، معتمد عليه فيما يصلحه، فهمه واحد وقلبه مجتمع، أي هذين العبدين أحسن حالًا وأجمل شأنًا؟ والمراد: تمثيل حال من يثبت آلهة شتى، وما يلزمه على قضية مذهبه من أن يدعى كل واحد منهم عبوديته، ويتشاكسوا في ذلك ويتغالبوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، ويبقى هو متحيرًا ضائعًا لا يدرى أيهم يعبد، وعلى ربوبية أيهم يعتمد، وممن يطلب رزقه، وممن يلتمس رفقه، فهمه شعاع، وقلبه أوزاع؛ وحال من لم يثبت إلا إلهًا واحدًا، فهو قائم بما كلفه، عارف بما أرضاه وما أسخطه، متفضل عليه في عاجله، مؤمل للثواب في آجله. و﴿فِيهِ﴾ صلة ﴿شُرَكَاءَ﴾، كما تقول: اشتركوا فيه.
_________________
(١) ـ قوله: (ومشاده)، الأساس: وهو مشدوه؛ مشغول مدهوش، وهو في مشاده: في مشاغل. قوله: (سادر)، الجوهري: السادر: المتحير. قوله: (فهمه شعاع)، الجوهري: رأي شعاع، متفرق. ونفس شعاع، تفرقت هممها. قوله: (وقلبه أوزاع)، الأساس: وزع المال والخراج توزيعًا: قسمه، وبها أوزاع من الناس: ضروب متفرقون. تقول: ذهبت نفسه شعاعًا ولحمه أوزاعًا. أوزاع: جمع صورة لا واحد له. قوله: (و﴿فِيهِ﴾ صلة ﴿شُرَكَاءُ﴾، هذا يدل على أن الظرف مع اعتماده يجوز أن يكون غير عامل فيما بعده بل متعلقًا به، ويجوز أن يكون خبرًا له، كما ذهب إليه صاحب "المفتاح" في قوله: كأنه علمٌ في رأسه نار
[ ١٣ / ٣٧٨ ]
والتشاكس والتشاخس: الاختلاف، تقول: تشاكست أحواله، وتشاخست أسنانه. (سَالِمًا لِرَجُلٍ) خالصًا له. وقرئ: ﴿سَلَمًا﴾، بفتح الفاء والعين، وفتح الفاء وكسرها مع سكون العين، وهي مصادر "سلم"، والمعنى: ذا سلامة لرجل، أي: ذا خلوص له من الشركة، من قولهم: سلمت له الضيعة. وقرئ بالرفع على الابتداء، أي: وهناك رجل سالم لرجل، وإنما جعله رجلًا، ليكون أفطن لما شقي به أو سعد، فإن المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك. ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾: هل يستويان صفة؟ على التمييز. والمعنى: هل يستوي صفتاهما وحالاهما، وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس. وقرئ: (مثلين)، كقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا﴾ مع قوله: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فاطر: ٤٤]، ويجوز فيمن قرأ: (مثلين)، أن يكون الضمير في ﴿يَسْتَوِيانِ﴾ للمثلين؛
_________________
(١) ـ قوله: (وتشاخست أسنانه)، الأساس: تشاخس فوه، إذا اختلفت أسنانه. شاخس الحمار، إذا فتح فاه رافعًا رأسه بعد شم الروثة. قوله: (وقرئ: ﴿سَلَمًا﴾)، بفتح السين، قرأ ابن كثير وأبو عمرو: "سالمًا" بألف بعد السين وكسر اللام، والباقون: بفتح اللام من غير ألف. قوله: (وإنما جعله رجلًا)، في "المطلع": إنما خص المالك بالرجل دون الصبي والمرأة؛ ليكون أفطن بحال العبد من الدعة والكد، والمرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك. قوله: (كقوله: ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوالًا﴾)، عن بعضهم: كونه نظيرًا له في أن التمييز ليس بمفرد مع أنه سبق تمييز بمفرد. وقلت: شبه القراءتين- أعني: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ و"يستويان مثلين" بالآية لمجيء المثالين فيها، أي: وقرئ "مثلين" مع قراءة ﴿مَثَلًا﴾ كقوله: ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا﴾ [التوبة: ٦٩] مع قوله: ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فاطر: ٤٤] لكن الآية في "البراءة": ﴿أَشَدَّ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] بالخطاب، نعم جاء ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ﴾ بدون ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا﴾.
[ ١٣ / ٣٧٩ ]
لأن التقدير: مثل رجل ومثل رجل. والمعنى: هل يستويان فيما يرجع إلى الوصفية، كما تقول: كفى بهما رجلين. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الواحد الذي لا شريك له دون كل معبود سواه، أي: يجب أن يكون الحمد متوجهًا إليه وحده والعبادة، فقد ثبت أنه لا إله إلا هو. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فيشركون به غيره.
[﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ ٣٠ - ٣٢﴾
كانوا يتربصون برسول الله ﷺ موته، فأخبر أن الموت يعمهم، فلا معنى للتربص، وشماتة الباقي بالفاني. وعن قتادة: نعى إلى نبيه نفسه، ونعى إليكم أنفسكم: وقرئ:
_________________
(١) ـ قوله: (لأن التقدير: مثل رجل ومثل رجل)، يعني: أجمل ثم فصل، نحو: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال: أبدل ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ من أو ﴿وَأَسَرُّوا﴾ إشعارًا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به. قوله: (فيما يرجع إلى الوصفية)، إشارة إلى أن ﴿مَثَلًا﴾ في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ بمعنى: صفة، مستعار لها، وهو تمييز كما سبق. ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ صفة على التمييز. قوله: (كما تقول: كفى بهما رجلين)، أي: فيما يرجع إلى الرجولية، إذا اعتبرت رجلين رجلين. الجوهري: هذا رجل كافيك من رجل، وهما رجلان كافيك من رجلين. قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الواحد] الذي لا شريك له دون [كل] معبود سواه)، وصف الله بنفي الشريك ليؤذن بأن الاسم الجامع في مقام ضرب المثل لنفي الأضداد والأنداد متجل بصفة الوحدانية والفردانية، و"دون" متعلق بالظرف المستقل وهو ﴿للهِ﴾، يدل عليه قوله: "أي: يجب أن يكون الحمد لله متوجهًا إليه وحده" والاختصاص مستفاد من اللام. ترتب الحمد على ضرب المثل ولزوم التوحيد منه، ومن ثم أتى بالفاء في قوله: "فقد ثبت أنه لا إله إلا هو"، أي: من ضرب المثل.
[ ١٣ / ٣٨٠ ]
مائت ومائتون. والفرق بين الميت والمائت: أن الميت صفة لازمة كالسيد، وأما المائت، فصفة حادثة. تقول: زيد مائت غدًا، كما تقول: سائد غدًا، أي: سيموت وسيسود. وإذا قلت: زيد ميت، فكما تقول: حي في نقيضه، فيما يرجع إلى اللزوم والثبوت. والمعنى في قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ إنك وإياهم وإن كنتم أحياء، فأنتم في عداد الموتى؛ لأن ما هو كائن فكأن قد كان. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾: ثم إنك وإياهم، فغلب ضمير المخاطب على ضمير الغيب، ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت فكذبوا، فاجتهدت في الدعوة فلجوا في العناد، ويعتذرون بما لا طائل تحته، تقول الأتباع: ﴿أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾، وتقول السادات: أغوتنا الشياطين وآباؤنا الأقدمون؛ وقد حمل على اختصام الجميع وأن الكفار يخاصم بعضهم بعضًا، حتى يقال لهم: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨]؛، والمؤمنون الكافرين يبكتونهم بالحجج، وأهل القبلة يكون بينهم الخصام. قال عبد الله بن عمر: لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن
_________________
(١) ـ قوله: (وأما المائت فصفة حادثة)، الانتصاف: فاستعمال ﴿مَيِّتٌ﴾ مجاز؛ إذ الخطاب مع الأحياء، و"مائت" حقيقة؛ إذ لا يعطى اسم الفاعل حال الخطاب خلاف معناه. الإنصاف: هذا وهم؛ لأن "المائت" أيضًا مجاز، فإن اسم الفاعل حقيقة عند بقاء ما اشتق منه اسم الفاعل، والمختار أن استعماله فيما مضى مجاز، وأما استعماله في المستقبل عند الأصوليين فمجازٌ بلا خلاف. وقلت: لا بد من الفرق بين ﴿عَالِمَ﴾ و﴿يَعْلَمُ﴾ قال صاحب "المفتاح": وليتعين -أي: المسند- كونه اسمًا كنحو: زيد عالم، فيستفاد الثبوت صريحًا، فأصل الاسم صفة وغير صفة للدلالة على الثبوت، نعم دلالة الصفة المشبهة عليه أظهر وألزم. قوله: (والمؤمنون الكافرين)، و"المؤمنون" عطف على محل "أن" واسمها. روى هذا
[ ١٣ / ٣٨١ ]
نرى أن هذه الآية أنزلت فينا وفي أهل الكتاب؟ قلنا: كيف نختصم ونبينا واحد وديننا واحد وكتابنا واحد؟ حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها أنزلت فينا. وقال أبو سعيد الخدري: كنا نقول: ربنا واحد ونبينا واحد وديننا واحد، فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف، قلنا: نعم هو هذا. وعن إبراهيم النخعي: قالت الصحابة: ما خصومتنا ونحن إخوان؟ فلما قتل عثمان ﵁ قالوا: هذه خصومتنا. وعن أبى العالية: نزلت في أهل القبلة. والوجه الذي يدل عليه كلام الله هو ما قدمت أولًا، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]؟
_________________
(١) ـ الوجه محيي السنة عن ابن عباس قال: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ يعني: المحق والمبطل والظالم والمظلوم. قوله: (والوجه الذي يدل عليه كلام الله هو ما قدمت)، وهو قوله: "ثم إنك وإياهم تختصمون فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت فكذبوا"، أي: يدل عليه الكلام السابق واللاحق، أما السابق فهو الاحتجاج من لدن مفتتح السورة إلى انتهاء ضرب المثل، وذلك أنه لما ختم الحجج بضرب المثل وتوهين أمر شركائهم وتسفيه رأيهم، وأمر حبيبه بعد ذلك كله بأن يذكر ربه بالمحامد والفضائل ويشكره على إثبات الفردانية والوحدانية، وأضرب عن ذلك كله بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونِ﴾ تسجيلًا عليهم بالجهل المفرط، وأنهم ممن طبع على قلوبهم، فلا يلتفتون إلى هذه البيانات الظاهرة والحجج المتظاهرة اتجه لحبيبه صلوات الله عليه من حرصه على إيمان القوم وتهالكه عليهم أن يسأل: فإلى ماذا يرجع حالي وحالهم؟ فأجيب بقوله: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ تأييسًا لهم وإقناطًا كليًا من إيمانهم، يعني: لم يبق إلا الموت والاختصام عند مالك يوم الدين. قال: إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم
[ ١٣ / ٣٨٢ ]
وما هو إلا بيان وتفسير للذين يكون بينهم الخصومة. ﴿كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾: افترى عليه بإضافة الولد والشريك إليه، ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: بالأمر الذي هو الصدق بعينه، وهو ما جاء به محمد ﷺ ﴿إِذْ جاءَهُ﴾: فاجأه بالتكذيب لما سمع به من غير وقفة لإعمال روية واهتمام بتمييز بين حق وباطل، كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون. ﴿مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾: أي لهؤلاء الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق، واللام في ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ إشارة إليهم.
[﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣٣ - ٣٥]
﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هو رسول الله ﷺ: جاء بالصدق وآمن به، وأراد به إياه ومن تبعه، كما أراد بموسى إياه وقومه في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ
_________________
(١) ـ وإليه الإشارة بقوله: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ و﴿يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ فتحتج عليهم أنت بأنك بلغت فكذبوا، واجتهدت في الدعوة فلجوا في العناد، وأما اللاحق فقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾، وإليه الإشارة بقوله: " وما هو إلا بيان وتفسير للذين يكون بينهم الخصومة"، وقوله بعده: " ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ بالذي جاء به محمد صلوات الله عليه" فاجأه بالتكذيب، والذي جاء بالصدق: هو رسول الله ﷺ، وصدق به. قوله: (وأراد به إياه ومن تبعه)، يعني: جيء بقوله: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ على الإفراد، ثم حمل عليه: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، وحكم بقوله: ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ﴾، ولا بد من التأويل وأن يقال بأن الرسول ﷺ إمام أمته وقدوتهم، وأن مجيئه بالصدق وتصديقه كمجيئهم به وتصديقهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا، ونجوه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٨٧] أي: موسى وقومه، بدليل قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
[ ١٣ / ٣٨٣ ]
يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]، فلذلك قال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، إلا أن هذا في الصفة وذاك في الاسم. ويجوز أن يريد: والفوج أو الفريق الذي جاء بالصدق وصدق به، وهم الرسول الذي جاء بالصدق، وصحابته الذين صدقوا به. وفي قراءة ابن مسعود: (والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به). وقرئ: (وصدق به) بالتخفيف، أي: صدق
_________________
(١) ـ قوله: (أن هذا في الصفة وذاك في الاسم)، لأن هناك ذكر الاسم وهو موسى، وها هنا ذكر الصفة وهي: المجيء بالصدق. وقال محيي السنة: قال ابن عباس: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يعني: النبي ﷺ جاء بلا إله إلا الله، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: الرسول أيضًا بلغه إلى الخلق. قوله: (ويجوز أن يريد: والفوج أو الفريق)، روى محيي السنة هذا الوجه عن مقاتل وقتادة، قال أبو البقاء: الذي هنا وفي "البقرة" مفرد في اللفظ، والمعنى على الجمع، وفيه وجهان: أحدهما: هو جنس مثل ﴿مَنْ﴾. والثاني: أريد ﴿الَّذِينَ﴾ فحذف النون لطول الكلام بالصلة. وقال الزجاج: و﴿الَّذِينَ﴾ و﴿الَّذِي﴾ في معنى واحد؛ لأنه غير موقف، والذي ها هنا للجنس المعني والقبيل الذي جاء بالصدق. وقلت: يعني الفريق الذي وقع فيه مجيء الصدق من بعض والتصديق من بعض، وهو المراد بقوله: "وهم الرسول" إلى آخره. قوله: (وقرئ: "وصدق به" بالتخفيف)، قال ابن جني: وهي قراءة أبي صالح وعكرمة بن سليمان، وفيه ضرب من الثناء على المؤمنين، فهو كقولك: الذي يأمر بالمعروف ويتبع سبيل الخير فيه مثاب عند الله، فكذا قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: استحق اسم الصدق بمجيئه.
[ ١٣ / ٣٨٤ ]
به الناس ولم بكذبهم به، يعنى: أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف. وقيل: صار صادقًا به، أي: بسببه، لأنّ القرآن معجزة، والمعجزة تصديق من الحكيم الذي لا يفعل القبيح لمن يجريها على يده، ولا يجوز أن يصدق إلا الصادق، فيصير لذلك صادقًا بالمعجزة. وقرئ: (وصدّق به). فإن قلت: ما معنى إضافة الأسوأ والأحسن إلى الذي عملوا، وما معنى التفضيل فيهما؟ قلت: أما الإضافة فما هي من إضافة أفعل إلى الجملة التي يفضل عليها، ولكن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل، كقولك: الأشج أعدل بني مروان
_________________
(١) ـ الراغب: يستعمل الصدق في فعل الجوارح، نحو صدق في القتال، إذا وفى حقه وفعل ما يجب. وكذب في القتال، إذا كع وجبن. وعليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا. قوله: (فيصير لذلك صادقًا بالمعجزة)، إشارة إلى توجيه قول من قال: إن معنى: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ صار صادقًا به. أي قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ كناية عن كونه صلوات الله عليه صار صادقًا بسبب القرآن، وذلك أنه صلوات الله عليه جاء بالصدق الذي هو القرآن، وسمي بالصدق مبالغة، كما أشار إليه بقوله: " ﴿بِالصِّدْقِ﴾ بالأمر الذي هو الصدق بعينه"، أي: جاء بالقرآن الذي هو محض الصدق، والحال أنه هو السبب في صيرورته صادقًا؛ لأنه معجزة، والمعجزة تصديق من الله الذي لا يصدق إلا الصادق. قوله: (الأشج أعدل بني مروان)، روي أن عمر بن عبد العزيز سمي بالأشج، بشجة أصابت رأسه. وروى الشيخ إسماعيل صاحب "سير السلف": أن عمر بن عبد العزيز كان ربعة، رقيق الوجه، نحيف الجسم، بجبهته أثر نفخة الدابة. وروى الشيخ أبو نعيم في "حلية الأولياء" عن نافع، قال: كنت أسمع عمر يقول: ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ الأرض عدلًا.
[ ١٣ / ٣٨٥ ]
وأما التفضيل فإيذان
_________________
(١) ـ وقال صاحب "الجامع": هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، أنه بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵃، وكان على صفة من العبادة والزهد والتقى والعفة وحسن السيرة، لا سيما أيام ولايته، ومناقبه كثيرة ظاهرة. قوله: (وأما التفضيل فإيذان)، إلى آخره. تلخيصه: أن إيراد صيغة التفضيل ها هنا لإرادة المبالغة، ذكر في "المفصل": "أفعل" يضاف إلى نحو ما يضاف إليه، أي: وله معنيان: أحدهما: أن يراد أنه زائد على المضاف إليهم في الخصلة التي هو وهم فيها شركاء. والثاني: أن يؤخذ مطلقًا له الزيادة فيها إطلاقًا، ثم يضاف لا للتفضيل على المضاف إليهم، لكن لمجرد التخصيص، كما لا يضاف ما لا تفضيل فيه، وذلك قولك: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، كأنك قلت: عادلا بني مروان. قوله: "أن يؤخذ مطلقًا له الزيادة فيها إطلاقًا"، يحتمل معنيين، أحدهما- وهو الظاهر-: أن "أفعل" قطع عن متعلقه قصدًا إلى نفس الزيادة إيهامًا للمبالغة، نحو: فلان يعطي ويمنع، أي: يوجد حقيقتهما، وإفادته المبالغة من حيث إن الموصوف تفرد بهذا الوصف وانتهى أمره فيه إلى أن لا يتصور له من يشاركه فيه. وقال المالكي: وقد يستعمل العاري الذي ليس له ﴿مِن﴾ مجردًا عن التفضيل مؤولًا باسم الفاعل كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم: ٣٢] ومؤولًا بصفة المشبهة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] فـ"أعلم" ها هنا بمعنى: ﴿عَالِمُ﴾ إذ لا مشارك لله تعالى في علمه بذلك، و﴿أَهْوَنُ﴾ بمعنى: ﴿هَيِّن﴾ إذ لا تفاوت في نسب المقدورات إلى قدرته تعالى. ومنه قول الشنفري: وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
[ ١٣ / ٣٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ أراد: لم أكن عجلًا، ولم يرد: أكثرهم عجلة؛ لأن قصد ذلك يستلزم ثبوت العجلة غير الفائقة، وليس غرضه إلا التمدح بنفي العجلة قليلها وكثيرها. الجشع أشد الحرص. وقال أبو الطيب: وما أنا إلا عاشق كل عاشق أعق خليليه الصفيين لائمه قال الواحدي: ومعنى "الأعق" ها هنا: العاق، كما قال حسان بن قرط: خالي بنو أنس وخال سراتهم أوس فأيهما أدق وألأم؟ أي: فأيهما الدقيق واللئيم، وليس يريد أن الدقة واللؤم اشتملا عليهما معًا ثم زاد أحدهما على صاحبه. وقد يطلق هذا اللفظ وليس يراد به الاشتراك كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًا وأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] ولا خير في مستقر أهل النار ولا حسن، كذلك جاز أن تقول: "أعق خليله" وإن لم يكن للممسك عن اللؤم صفة عقوق. وقلت: وعلى هذا ينزل قول المصنف في هذه الآية: "إن السيء يفرط منهم من الصغائر والزلات المكفرة هو عندهم الأسوأ"، يعني: أنهم يعدون صغائرهم كبائر؛ لرفعة منزلته وعلو مرتبتهم، كما جاء: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وكذلك حسناتهم الأدنى عند الله كالحسنات الفضلى. قال تعالى: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]. نحوه في إرادة المبالغة من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] في أحد وجهيه. قال: كان القياس على هذا أن يقال: ادفع بالتي حسنة، لكن وضع التي هي أحسن موضع الحسنة؛ ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة.
[ ١٣ / ٣٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ والاحتمال الثاني: أن يراد بالزيادة الزيادة على الغير لكن على العموم، وامتناع أن يقصره السامع على ما ذكر معه دون غيره. وجاء في بعض الحواشي: إن قوله: "الأشج أعدل بني مروان" ليس المراد منه التفضيل؛ لأن المروانية كلهم جورة، لكن المراد: تعريف أنه من بني مروان، كأنه قال: أشج أعدل الناس، وهذا الأعدل من بني مروان، لعل هذا القائل أخذه من شارح "اللباب"، فإذا قلت: زيد أحسن قريش، فمعناه: زيد أحسن الناس مطلقًا، وهو من جملة قريش، هذا إن أريد به أن مآل ذلك المعنى راجع إلى هذا فهو صحيح، وإن أريد أن المتعلق منوي؛ فإن قوله: "يؤخذ مطلقًا" وتوكيده بقوله: "إطلاقًا" لا يساعده؛ لأن المنوي كالملفوظ، ولا قوله: كأنك قلت: عادلًا بني مروان؛ لأن "أعدلا" إذا أريد به "عادلًا" كان بالنسبة إلى بني مروان مجازًا، وهو حينئذ حقيقة في إيراده الغير، فتجتمع الحقيقة والمجاز على لفظ واحد في حالة واحدة، وأيضًا يلزم أن تكون الإضافة محضة وغير محضة، فثبت أن الاحتمال الأولى أولى. ثم الأنسب أن يكون هذا التأويل مبنيًا على الوجه الأول، هو أن يراد بقوله: "الذي جاء بالصدق وصدق به رسول الله ﷺ أصالة، والمخلصون من الصحابة تبعًا" لأنه إذا لم يقل: إن المراد بقوله: ﴿ويَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الحسن الذي يعملونه هو عند الله الأحسن، يلزم أن تكون صغار حسناتهم غير مجزي بها، وكذلك الصغائر من الذنوب تكون غير مكفرة، ويمكن أن ينبني على الوجه الثاني، وهو أن يراد: الذي جاء بالصدق رسول الله ﷺ وحده، ويصدق به صحابته كلهم، وتجري الإضافة على ظاهرها، ويكون قوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ إلى آخره تعليلًا لقوله: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: أصحاب النبي ﷺ صدقوا به وآمنوا بما جاء من الحق به؛ ليكفر الله عنهم، وكان جل همهم مصروفًا في تكفير ذنوبهم العظام في الجاهلية من عبادة الأوثان وقتل النفس التي حرم الله ونهب مال الغير وفي أن يشكر لهم مكارم أفعالهم من صلة الرحم وقري الضيفان وإغاثة الملهوف وكسب المعدوم، وقد ذكر في سورة إبراهيم ﵇ عند قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠]
[ ١٣ / ٣٨٨ ]
بأن السيئ الذي يفرط منهم من الصغائر والزلات المكفرة، هو عندهم الأسوأ لاستعظامهم المعصية، والحسن الذي يعملونه هو عند الله الأحسن؛ لحسن إخلاصهم فيه، فلذلك ذكر سيئهم بالأسوأ وحسنهم بالأحسن. وقرئ: (أسواء الذي عملوا) جمع سوء.
[﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما
_________________
(١) ـ عن الأصم: أن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، والمعنى إذ اتبتم يغفر لكم الذنوب التي هي الكبائر، وأما الصغائر فلا كلام في غفرانها. وعن المصنف: أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله يغفر له، فكيف ولم نهاجر وعبدنا الأوثان؟ فنزلت: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، وقصة وحشي تذكر بعد هذا، ولعل افتقار ما في الآية إلى البيان ليس كافتقار المثال إليه؛ لأن قوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ مناد بأن لهم ما يفتقر إلى التكفير لا سيما وقد أردف بقوله: ﴿أَسْوَأَ﴾، فأي فائدة في قوله: ﴿الَّذِينَ عَمِلُوا﴾ غلا ما ذهبنا إليه. وإلى معنى الآية ينظر ما رويناه عن النسائي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أسلم العبد وحسن إسلامه كتب الله له حسنة كان يزلفها، وحيت عنه كل سيئة كان أزلفها، وكان بعد ذلك القصاص كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنه". النهاية: أزلفها: أي: قدمها وأسلفها، والأصل فيه: القرب والتقدم، وسيجيء في سورة "حم السجدة" في قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٧] ما يشد بعضد هذا التقريب.
[ ١٣ / ٣٨٩ ]
لَهُ مِنْ هادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ ٣٦ - ٣٧]
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عِبَادَهُ﴾ أدخلت همزة الإنكار على كلمة النفي، فأفيد معنى إثبات الكفاية وتقريرها. وقرئ: ﴿بِكَاٍف عَبْدَهُ﴾؛ وهو رسول الله ﷺ، و(بكاف عباده)؛ وهم الأنبياء؛ وذلك: أن قريشًا قالت لرسول الله ﷺ: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا، وإنا نخشى عليك معرّتها لعيبك إياها.
ويروى: أنه بعث خالدًا إلى العزى ليكسرها، فقال له سادنها: أحذركها يا خالد، إن لها لشدّة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إليها فهشم أنفها. فقال الله ﷿: أليس الله بكاف نبيه أن يعصمه من كل سوء ويدفع عنه كل بلاء في مواطن الخوف؟ وفي هذا تهكم بهم؛ لأنهم خوّفوه ما لا يقدر على نفع ولا ضرر. أو: أليس الله بكاف أنبياءه ولقد قالت أممهم نحو ذلك، فكفاهم الله؛ وذلك قول قوم هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]. ويجوز أن يريد: العبد والعباد على الإطلاق، لأنه كافيهم في الشدائد وكافل مصالحهم. وقرئ: (بكافي عباده) على الإضافة، و(يكافي عباده)، و(يكافي): يحتمل أن يكون غير مهموز مفاعلة من الكفاية، كقولك: يجازي في يجزي، وهو أبلغ من كفى؛ لبنائه على لفظ المبالغة والمباراة؛ أن يكون مهموزًا، من المكافأة وهي المجازاة؛ لما تقدم من قوله: ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [الزمر: ٣٥]. ﴿بِالَّذِينَ
_________________
(١) ـ قوله: (﴿بِكَاٍف عَبْدَهُ﴾)، قرأ حمزة والكسائي: "عباده"، والباقون: ﴿عَبْدَهُ﴾. قوله: (من المكافأة)، وهي المجازاة، لما تقدم من قوله: ﴿ولَنَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم﴾، يعني: لما قال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قرره بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبدَهُ﴾ أي: أليس من صفة الكريم القادر العادل أن يجزي عبده بما عملوا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] لكن لا يلتئم قوله: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ بما قبله وبما بعده إلا إذا حمل على الكفاية، فيتصل بقوله: ﴿ضَرَبَ اللهُ
[ ١٣ / ٣٩٠ ]
مِنْ دُونِهِ﴾ أراد: الأوثان التي اتخذوها آلهة من دونه. ﴿بِعَزِيزٍ﴾ بغالب منيع ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾ ينتقم من أعدائه، وفيه وعيد لقريش، ووعد للمؤمنين بأنه ينتقم لهم منهم، وينصرهم عليهم.
[﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٣٨]
قرئ: (كاشفات ضرّه) و(ممسكات رحمته) بالتنوين على الأصل، وبالإضافة؛ للتخفيف. فإن قلت: لم فرض المسألة في نفسه دونهم؟ قلت: لأنهم خوّفوه معرّة
_________________
(١) ـ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ الآية. لأنه لما أذن بتوهين أمر الأصنام وتسفيه رأيهم والتسجيل على جهلهم شجع رسوله صلوات الله عليه وأمره أن لا يكترث بهم وبأصنامهم، فكأنهم لما عجزوا عن الجواب وظهر تبكيتهم خوفوه بمعبودهم. وما أحسن هذا النظم، وما ألطف موقع معنى الكفاية، وتخصيص لفظ "العبد"، ووصف الأصنام بالذين من دونه في هذا المقام، وما أدق هذا التعريض بحال عبد يثبت معبودات شتى، ويدعي كل واحد عبوديته، ويبقى هو متحيرًا ضائعًا، وحال عبد لم يثبت إلا معبودًا واحدًا، فهو قائم بما كلفه، عارف بما يرضاه. ويتصل بما بعده من قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾، كما سيجيء إن شاء الله تعالى. قوله: (قرئ: "كاشفات ضره" و"ممسكات رحمته") أبو عمرو: بالتنوين وفتح الراء والتاء، والباقون: بالإضافة. قوله: (م فرض المسألة في نفسه دونهم) أي: لم قال: ﴿أَرَادَنِيَ﴾، ولم يقل: أرادكم، أو
[ ١٣ / ٣٩١ ]
الأوثان وتخبيلها، فأمر بأن يقرّرهم أوّلًا بأنّ خالق العالم هو الله وحده. ثم يقول لهم بعد التقرير: فإذا أرادنى خالق العالم الذي أقررتم به بضرّ من مرض أو فقر أو غير ذلك من النوازل، أو برحمة من صحة أو غنى أو نحوهما، هل هؤلاء اللاتي خوّفتمونى إياهن كاشفات عنى ضره أو ممسكات رحمته، حتى إذا ألقمهم الحجر وقطعهم حتى لا يحيروا ببنت شفة قال: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ كافيًا لمعرّة أوثانكم ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾، وفيه تهكم. ويروى: أنّ النبي ﷺ سألهم فسكتوا، فنزل: ﴿قُلْ حَسْبِيَ
_________________
(١) ـ إن أرادنا الله بضر، أو إن أرادنا الله برحمته، والحال أن الكلام بعد تقرير أن خالق العالم الله؟ وأجاب: ان التقرير لم يكن إلا لأمر نفسه؛ لأنهم خوفوه معرة الأوثان، بدليل قوله: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ فأوجب ذلك أن تقدم لهم مسألة التقرير، ثم ينبني عليها الجواب ليكون أثبت للحجة وألزم لها. قوله: (لا يحيروا ببنت شفة)، الجوهري: المحاورة: المجاوبة والتجاوب، ويقال: كلمته فما أحار إلي جوابًا، وما كلمته ببنت شفة؛ أي: بكلمة. قوله: (وفيه تهكم)، لأنه لا معرة للأوثان، فكيف يقول: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ كافيًا لمعرة أوثانكم، ثم يردفه بقوله: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. قوله: (ويروى: أن النبي ﷺ سألهم فسكتوا)، يجوز أن يكون بيانًا لما سبق، وأن يكون وجهًا آخر. وعلى الثاني: "قل" مستقل، والمعنى عام، وليس فيه تهكم، وهو أنبل وأفحم؛ لأنه صلوات الله عليه لما بكتهم أولًا بقوله: ﴿مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾، بدليل قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وألقمهم الحجر ثانيًا بقوله: ﴿هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾، ولم يحيروا ببنت شفة، أي: لنهم عند أنفسهم إذا كان حزبهم أمر دعوا الله مخلصين له الدين دون أصنامهم، كما قال صاحب "المفتاح": كانت حالهم المستمرة أن يكونوا عن دعوتهم صامتين ابتدأ بقوله: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾، أي: إذا كان لا خالق للعالم إلا الله، ولا ضار ولا نافع إلا هو، قل: هو حسبي وعليه توكلي.
[ ١٣ / ٣٩٢ ]
اللَّهُ﴾. فإن قلت. لم قيل: ﴿كَاشِفَاتُ﴾، و﴿مُمْسِكَاتُ﴾، على التأنيث بعد قوله تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾؟ قلت: أنثهن وكن إناثًا وهن اللات والعزى ومناة، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢١]؛ ليضعفها ويعجزها زيادة تضعيف وتعجيز عما طالبهم به من كشف الضر وإمساك الرحمة، لأنّ الأنوثة من باب اللين والرخاوة، كما أنّ الذكورة من باب الشدّة والصلابة، كأنه قال: الإناث اللاتي هنّ اللات والعزى ومناة أضعف مما تدعون لهنّ وأعجز. وفيه تهكم أيضًا.
[﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَاتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ٣٩ - ٤٠]
﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على حالكم التي أنتم عليها وجهتكم من العداوة التي تمكنتم منها. والمكانة بمعنى المكان، فاستعيرت عن العين للمعنى كما يستعار هنا. و"حيث" للزمان، وهما للمكان. فإن قلت: حق الكلام: فإني عامل على مكانتي، فلم حذف؟ قلت: للاختصار، ولما فيه من زيادة الوعيد، والإيذان بأنّ حاله لا تقف، وتزداد كل يوم قوّة وشدّة؛ لأنّ الله ناصره ومعينه ومظهره على الدين كله،
_________________
(١) ـ قوله: (فاستعيرت عن العين للمعنى) ضمن "استعار" معنى "نقل"، وعدي بـ"عن"، أي: المكانة تستعمل حقيقة فيما يدرك بالعين، فنقل عنه إلى المعنى، وهو الحالة والجهة، كما تستعار لفظة "هنا" و"حيث"، وهما للزمان والمكان. قوله: (للاختصار، ولما فيه من زيادة الوعيد)، يعني: أضمر متعلق ﴿عَامِلٌ﴾، وجعل مطلقًا لئلا يكون على وزان عملهم وتعلقه بالمكانة؛ لأن حالته وجهته لا تقف على أمر يتمكن الواصف من وصفه، بل إنها لا تزال في الترقي ساعة فساعة إلى أن تنتهي في القوة إلى أقصى غايات الكمال، ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، ولو ذكر لاقتصر على المذكور، وأن يقال: إني عامل على مكانتي؛ أي: حالتي التي أنا عليها.
[ ١٣ / ٣٩٣ ]
ألا ترى إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَاتِيهِ﴾ كيف توعدهم بكونه منصورًا عليهم غالبًا عليهم في الدنيا والآخرة؛ لأنهم إذا أتاهم الخزي والعذاب فذاك عزه وغلبته، من حيث أن الغلبة تتم له بعز عزيز من أوليائه، وبذل ذليل من أعدائه. ﴿يُخْزِيهِ﴾ مثل ﴿مُقِيمٌ﴾ في وقوعه صفة للعذاب، أي: عذاب مخز له، وهو يوم بدر، وعذاب دائم وهو عذاب النار. وقرئ: (مكاناتكم).
[﴿إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ٤١]
﴿لِلنَّاسِ﴾: لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه، ليبشروا وينذروا، فتقوى دواعيهم إلى اختيار الطاعة على المعصية. ولا حاجة لي إلى ذلك فأنا الغنى، فمن اختار الهدى فقد نفع نفسه، ومن اختار الضلالة فقد ضرها. وما وكلت عليهم لتجبرهم على الهدى، فإنّ التكليف مبنى على الاختيار دون الإجبار.
[﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي
_________________
(١) ـ قوله: (ألا ترى إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾)، أي: الدليل على أن في ترك ذكر مكانتي زيادة في الوعيد والإنذار، وأن حاله لم تزل في التزايد إلى الأبد ترتب قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَاتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ بالفاعلية، وكان من حق الظاهر: فسوف تعلمون مكانتي وأني غالب عليكم في الدنيا والآخرة، فوضع موضع "عذاب الدنيا" قوله: ﴿مَنْ يَاتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾، و"عذاب الآخرة" قوله: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾، وإنما سمي نكالهم في الدنيا والعقبى بالعز والغلبة في قوله: "فذلك عزه وغلبته"؛ لأن الغلبة والعز قسمان: نصر الأولياء، وذل الأعداء. وهذه الغلبة والعز من القسم الأخير. قوله: (مكاناتكم)، أبو بكر عن عاصم.
[ ١٣ / ٣٩٤ ]
قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٤٢]
﴿الْأَنْفُسَ﴾: الجمل كما هي. وتوفيها: إماتتها؛ وهو أن يسلب ما هي به حية حساسة درّاكة من صحة أجزائها وسلامتها، لأنها عند سلب الصحة كأن ذاتها قد سلبت
_________________
(١) ـ قوله: (﴿الْأَنْفُسَ﴾: الجمل كما هي)، وعن بعض العدلية: أراد بالجمل الأرواح والأبدان جميعًا، فيكون على هذا التقدير البنية المخصوصة شرطًا للحياة، خلافًا للأشعرية. قوله: (لأنها عند سلب الصحة كأن ذاتها قد سلبت)، تعليل لمحذوف على طريقة الجواب عن سؤال مقدر، يعني: إذا كانت الإماتة عبارة عن سلب ما به النفس دراكة، لا سلب ذات النفس، فكيف قال الله تعالى: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾؟ والنفس كما تقرر: الجمل كما هي. وأجاب: أن النفس عند سلب الصحة كأن ذاتها قد سلبت مبالغة. واعلم أنه فسر التوفي بوجهين: أحدهما: أنه في معنى الإماتة، نحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] على بناء اسم المفعول، فالأنفس حينئذ بمعنى: الأرواح والأبدان جميعًا، فلهذا قال: الأنفس الجمل كما هي، والتوفي لما كان بمعنى سلب الصحة لا النفس، حمل على المجاز، كما قرره. وثانيهما: أن يكون التوفي بمعنى الاستيفاء والقبض، كقراءة من قرأ: "الذين يتوفون" على بناء اسم الفاعل، والأنفس حينئذ: إما ما به التميز، وإما نفس الحياة، فيصح حمله على حقيقته؛ لأنه سلب ما به النفس دراكة، لكن يلزم من هذا الوجه أن تكون نفس الحياة متصفًا بالموت، لا الجملة الحساسة، ويكون ما به التميز متصفًا بالموت والنوم. فرد هذا
[ ١٣ / ٣٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الوجه بقوله: "والصحيح ما ذكرت لك أولًا"، أي: المراد بالنفس الجملة، وبالتوفي سلب ما هي به حية حساسة دراكة. وقلت: الوجه الأول من باب الجمع والتفريق، جمع النفسين الميتة والنائمة في حكم التوفي أولًا، ثم فرق بين جهتي التوفي، فحكم على النفس الميتة بالإمساك، وعلى النائمة بالإرسال والتقدير. و﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ النفس التي تقبض والنفس التي لم تقبض، فيمسك الأولى ويرسل الأخرى. ويؤيده قول صاحب "الكشف": التقدير: ويتوفى التي لم تمت، فاستغنى عن ذكر "يتوفى" ثانيًا؛ لجريه أولًا. وتحريره: الله يميت الشخص بأن يسلب منه ما به تصح حياته وينيم الآخر نومة تشبه الموت في عدم التصرف والتميز، ثم لا يرد الحياة إلى النفس التي أماتها موتة حقيقية، يورد التميز إلى التي أماتها موتة مجازية إلى أجل مسمى. فإن قلت: يلزم على ما ذكرت أن يكون التوفي مستعملًا في مفهومي حقيقته ومجازه. قلت: يجعل مجازًا عن قطع تعلق النفس عن البدن مطلقًا. قال الإمام: النفس الإنسانية: عبارة عن جوهر مشرق نوراني إذا تعلق بالبدن حصل ضوءه في جميع الأعضاء، وهي الحياة، ثم إنه في وقت النوم ينقطع تعلقه عن ظاهر البدن دون باطنه، وفي وقت الموت ينقطع التعلق عن ظاهره وباطنه. فالموت والنوم من جنس واحد بهذا الاعتبار، لكن الموت انقطاع تام كامل، والنوم انقطاع ناقص، فظهر أن القادر الحكيم دبر تعلق النفس بالبدن على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه دبر أمرها بحيث يقع ضوء الروح على جميع أجزاء البدن ظاهرة وباطنة، وذلك هو اليقظة.
[ ١٣ / ٣٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وثانيها: بحيث يقطع الضوء عن الظاهر والباطن، وهو الموت. وثالثها: بحيث يقطع عن الظاهر دون الباطن، وهو النوم. فثبت أن الموت والنوم يشتركان في كون كل واحد منهما توفي الأنفس، ويمتاز أحدهما بخواص معينة، ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن صدوره إلا عن القادر العليم الحكيم، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وفي ألفاظ النبوي ما روينا في "صحيح البخاري" عن أبي قتادة قال: سرنا مع النبي ﷺ فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله، قال: "أخاف أن تناموا عن الصلاة"، قال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا، فغلبت عينا بلال فنام، فاستيقظ النبي ﷺ وقد طلع حاجب الشمس، فقال: "يا بلال، أين ما قلت؟ " قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط. قال: "إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء" الحديث. وروى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في دعاء النوم: "باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين". وروي عن لقمان أنه قال لابنه: "يا بني، كما أنك تنام ثم تستيقظ، كذلك تموت ثم تحيا". قاس الموت بالنوم فكانا موتتين. الراغب: توفية الشيء: بذله وافيًا، واستيفاؤه: تناوله وافيًا. قال ﷿: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ٢٥]، قد عبر عن الموت والنوم بالتوفي، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] فقد قيل: توفي رفعة واختصاص، لا توفي موت.
[ ١٣ / ٣٩٧ ]
﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ يريد: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، أي: يتوفاها حين تنام، تشبيهًا للنائمين بالموتى. ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦] حيث لا يميزون ولا يتصرفون، كما أنّ الموتى كذلك، ﴿فَيُمْسِكُ﴾ الأنفس ﴿الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ الحقيقي، أي: لا يردّها في وقتها حية، ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ النائمة ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ " إلى وقت ضربه لموتها. وقيل: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ يستوفيها ويقضيها، وهي الأنفس التي تكون معها الحياة والحركة، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها؛ وهي أنفس التمييز. قالوا: فالتي تتوفى في النوم هي نفس التمييز لا نفس الحياة؛ لأنّ نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس، والنائم يتنفس. ورووا عن ابن عباس ﵄ في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل والتمييز، والروح التي بها النفس والتحرك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه. والصحيح ما ذكرت أوّلًا؛ لأنّ الله عز وعلا علق التوفي والموت والمنام جميعًا بالأنفس، وما عنوا بنفس الحياة والحركة ونفس العقل والتمييز غير متصف بالموت والنوم، وإنما الجملة هي التي تموت وهي التي تنام. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: إن في توفى الأنفس مائتة ونائمة، وإمساكها وإرسالها إلى أجل ﴿لَآيَاتٍ﴾ على قدرة الله وعلمه، ﴿لِقَوْمٍ﴾ يجيلون فيه أفكارهم ويعتبرون. وقرئ: قضى عليها الموت، على البناء للمفعول.
_________________
(١) ـ والوافي: الذي بلغ التمام، يقال: درهم واف، وكيل واف. ووفى بعهده، وأوفى: إذا تمم العهد. قوله: (أي: لا يردها في وقتها حية)، "حية": حال من "ها" "يردها"، و"في وقتها" أي: وقت إماتتها وأجلها. قوله: (وقرئ: "قضي عليها الموت" على البناء للمفعول)، وهي قراءة حمزة والكسائي.
[ ١٣ / ٣٩٨ ]
[﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٤٣ - ٤٤]
﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾: بل اتخذ قريش، والهمزة للإنكار ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من دون إذنه ﴿شُفَعاءَ﴾ حين قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. ألا ترى إلى قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾؟ أي: هو مالكها، فلا يستطيع أحد شفاعةً إلا بشرطين: أن يكون المشفوع له مرتضى، وأن يكون الشفيع مأذونًا له. وهاهنا الشرطان مفقودان جميعًا. ﴿أَوَلَوْ كانُوا﴾ معناه: أيشفعون ولو كانوا ﴿لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ أي: ولو كانوا على هذه الصفة لا يملكون شيئًا قط، حتى يملكوا الشفاعة ولا عقل لهم. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقرير لقوله: ﴿لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا﴾؛ لأنه إذا كان له الملك كله، والشفاعة من الملك؛ كان مالكًا لها. فإن قلت: بم يتصل قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؟ قلت: بما يليه، ومعناه: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ اليوم ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة، فلا يكون الملك في ذلك اليوم إلا له، فله ملك الدنيا والآخرة.
[﴿وإذَا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ٤٥]
_________________
(١) ـ والباقون: على البناء للفاعل. قوله: (أن يكون المشفوع له مرتضى، وأن يكون الشفيع مأذونًا له)، لكن الذي هو مشروط في الآية شيئان: الملك المطلق والعقل، والشرطان مفقودان، أي: الأصنام لا يملكون شيئًا، ولا لهم مرتبة العقلاء، يدل عليه قوله: ﴿أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾، ولذلك أتبعه بما اشتمل على الاسم الجامع والملك على الإطلاق دنيا وأخرى من غير منازع فيه حيث قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.
[ ١٣ / ٣٩٩ ]
مدار المعنى على قوله: ﴿وَحْدَهُ﴾، أي: إذا أفرد الله بالذكر ولم يذكر معه آلهتهم اشمأزوا، أي: نفروا وانقبضوا، ﴿وإذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾؛ وهم آلهتهم ذكر الله معهم أو لم يذكروا: استبشروا؛ لافتتانهم بها ونسيانهم حق الله إلى هواهم فيها. وقيل: إذا قيل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له: نفروا؛ لأن فيه نفيًا لآلهتهم. وقيل: أراد استبشارهم بما سبق إليه لسان رسول الله ﷺ من ذكر آلهتهم حين قرأ (والنجم) عند
_________________
(١) ـ قوله: (مدار المعنى على قوله: ﴿وَحْدَهُ﴾)، عن بعضهم: من قال: المراد بقوله: ﴿وَحْدَهُ﴾ الثناء على الله تعالى، ويصير بمنزله قوله: الله تعالى، أو سبحانه، أو شبه ذلك، فقد أخطأ. قلت: يريد: أن لفظة ﴿وَحْدَهُ﴾ في كلام المصنف ليست بمعترضة، كما يقع في سائر المواضع، مثل: ﷾، بل المعنى: أن مدار معنى هذه الآية وما سبق له الكلام معنى ﴿وَحْدَهُ﴾، إذا لو قيل: وإذا ذكر الله اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون، لكان عن المعنى بمعزل؛ لأنهم ما كانوا يشمئزون إذا شفع ذكر الله بذكر آلهتهم، وإذا ذكرت آلهتهم وحدها كانوا يستبشرون، وإنما كان اشمئزازهم من ذكر الله وحده، ونبه الله ﷾ بوضع قوله: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ موضع الضمير على أنهم إنما اشمأزوا؛ لأنهم ركنوا إلى اللذات العاجلة، وانغمسوا في الشهوات النفسانية، فإذا سمعوا بأن لا إله إلا هو وحده، واستلزم ذلك العبادة والتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، ظهرت آثار الكآبة على وجوههم، وانقبضت قلوبهم، وضاقت صدروهم، وإذا ذكرت الأصنام مالت قلوبهم إلى اللذات العاجلة، واستبشروا وفرحوا. قوله: (ما سبق إليه لسان رسول الله ﷺ)، يعني: قرأ سورة "النجم"، وألقى الشيطان في أمنيته: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى"، ففرح به الكفار. وقلت: قد أبطل هذا القول الإمام، واستقصينا القول في إبطاله في "الأنبياء".
[ ١٣ / ٤٠٠ ]
باب الكعبة، فسجدوا معه لفرحهم، ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز؛ إذ كل واحد منهما غاية في بابه؛ لأن الاستبشار: أن يمتلئ قلبه سرورًا حتى تنبسط له بشرة وجهه ويتهلل. والاشمئزاز: أن يمتلئ غمًا وغيظًا حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه. فإن قلت: ما العامل في ﴿وإذَا ذُكِرَ﴾؟ قلت: العامل في "إذا" المفاجأة، تقريره: وقت ذكر الذين من دونه، فاجأوا وقت الاستبشار.
[﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٤٦]
بعل رسول الله ﷺ بهم، وبشدة شكيمتهم في الكفر والعناد، فقيل له: ادع الله بأسمائه العظمى، وقل: أنت وحدك تقدر على الحكم بيني وبينهم، ولا حيلة لغيرك فيهم. وفيه وصف حالهم، وإعذار لرسول الله ﷺ، وتسلية له، ووعيد لهم
_________________
(١) ـ قوله: (العامل في "إذا" المفاجأة)، أي: العامل في "إذا ذكر" هو العامل في "إذا" المفاجأة، وهو "فاجؤؤا"، الأول ظرف، والثاني مفعول به، أي: فاجؤوا في وقت الذكر وقت الاستبشار، ومنه الحديث: "بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل"، أي: فاجأنا في زمان جلوسنا عند رسول الله ﷺ وقت طلوع الرجل. قوله: (بعل)، الأساس: بعل بالأمر: إذا عي به. قوله: (وفيه وصف لحالهم) إلى آخره، يعني: سيق الكلام في الأمر بالدعاء في الأسماء الحسنى، والأمر بالتفويض في الحكم بينهم إلى الله تعالى، وأدمج فيه معان أربعة: أحدها: قوله: ﴿أَنتَ تَحْكُمُ﴾ دل على الاختصاص؛ لأنه من قبيل: أنت عرفت، وأفاد أنه تعالى هو وحده يحكم بينهم، فدل ذلك على شدة شكيمتهم في الكفر والعناد، وهو كناية. وثانيها: اعتذار لرسول الله ﷺ؛ لأن هذا القول إنما يصدر عمن بذل وسعه فيما وجب
[ ١٣ / ٤٠١ ]
وعن الربيع بن خثيم، وكان قليل الكلام: أنه أخبر بقتل الحسين ﵁، وسخط على قاتله، وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال: آه أو قد فعلوا؟ ! وقرأ هذه الآية. وروي: أنه قال على أثره: قتل من كان ﷺ يجلسه في حجره ويضع فاه على فيه.
[﴿ولَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ وبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٤٧ - ٤٨]
﴿وبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ﴾ وعيد لهم لا كنه لفظاعته وشدته، وهو نظير قوله في الوعد:
_________________
(١) ـ عليه، أي: أبلغت وأديت ما عليك، بقي الآن على من هو أحكم لحاكمين هو وحده يحكم بينهم. وثالثها: تسلية له صلوات الله عليه؛ لأنه كان حريصًا على إيمان القوم، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]، وهذه الآية كالمتاركة والموادعة واليأس من إيمانهم، واليأس إحدى الراحتين. ورابعها: وعيد لهم، ولا وعيد بعده، وقوله: ﴿فَاطِرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ دل على القدرة التامة، وقوله: ﴿عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ﴾ على العلم الشامل، وأنه عالم بما ظهر منهم وما بطن، فيجازيهم عليها، وقوله: ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ على القضاء الحق والحكم العدل، والله أعلم. قوله: (كما قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾)، لم يرد أنه مثله في المشاكلة، بل أنه مثله في إطلاق السبب على المسبب. قوله: (وعن الربيع بن خثيم)، وفي "سير السلف": هو: الربيع بن خثيم الكوفي، وهو من العباد السبعة، مات سنة ثلاث وستين.
[ ١٣ / ٤٠٢ ]
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧]، والمعنى: وظهر لهم من سخط الله وعذابه ما لم يكن قط في حسابهم ولم يحدثوا به نفوسهم. وقيل: عملوا أعمالًا حسبوها حسنات، فإذا هي سيئات. وعن سفيان الثوري: أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء. وجزع محمد بن المنكدر عند موته فقيل له، فقال: أخشى آية من كتاب الله، وتلاها؛ فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أحتسبه. ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ أي: سيئات أعمالهم التي كسبوها. أو سيئات كسبهم، حين تعرض صحائفهم، وكانت خافية عليهم، كقوله: ﴿أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]. وأراد بالسيئات: أنواع العذاب التي يجازون بها على ما كسبوا، فسماها سيئات، كما قال ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]. ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾: ونزل بهم وأحاط جزاء هزئهم.
[﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤٩]
التخويل: مختص بالتفضل. يقال: خولني، إذا أعطاك على غير جزاء. ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أي: على علم منى أني سأعطاه، لما في من فضل واستحقاق. أو على علم من الله بي وباستحقاقي. أو على علم منى بوجوه الكسب، كما قال قارون: ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]. فإن قلت: لم ذكر الضمير في ﴿أُوتِيتُهُ﴾ وهو للنعمة؟ قلت: ذهابًا به إلى المعنى؛ لأنّ قوله: ﴿نِعْمَةً مِنَّا﴾ شيئًا من النعمة وقسمًا منها. ويحتمل أن
_________________
(١) ـ قوله: (أي: على علم منى أني سأعطاه)، هو حال من الضمير المرفوع، ولهذا ما أبرز الضمير المنصوب. الانتصاف: ولذلك تقول القدرية: إن الإثابة على الله واجبة، يؤتاها على علم من الله باستحقاقه، وغنما سلم منها أهل السنة الذين جعلوا الثواب فضلًا لا استحقاقًا.
[ ١٣ / ٤٠٣ ]
تكون "ما" في ﴿إِنَّمَا﴾ موصولة لا كافة؛ فيرجع إليها الضمير، على معنى: إن الذي أوتيته على علم. ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ إنكار لقوله، كأنه لقوله، كأنه قال: ما خولناك من النعمة لما تقول، بل هي فتنة، أي: ابتلاء وامتحان لك، أتشكر أم تكفر. فإن قلت: كيف ذكر الضمير ثم أنثه؟ قلت: حملًا على المعنى أولًا، وعلى الفظ آخرًا؛ ولأن الخبر لما كان مؤنثًا- أعني: ﴿فِتْنَةٌ﴾ - ساغ تأنيث المبتدأ لأجله؛ لأنه في معناه، كقولهم: ما جاءت حاجتك. وقرئ: (بل هو فتنة) على وفق ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ﴾. فإن قلت: ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء وعطف مثلها في أول السورة بالواو؟ قلت: السبب في ذلك: أن هذه وقعت مسببةً عن قوله: ﴿وإذَا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾ [الزمر: ٤٥] على معنى: أنهم يشمئزون عن ذكر الله ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز من ذكره، دون من استبشر بذكره، وما بينهما من الآي اعتراض. فإن قلت: حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه
_________________
(١) ـ قوله: (ولأن الخبر لما كان مؤنثًا- أعني: ﴿فِتْنَةٌ﴾ - ساغ تأنيث المبتدأ)، هذا الوجه أولى من الأول؛ لأن ابن جني ذكر أنه إذا حمل على المعنى أولًا لا يحسن بعده الحمل على اللفظ في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، وتبعه المصنف. قوله: (ما جاءت)، عن بعضهم: "جاء" بمعنى: كان هاهنا، أي: أي شيء كانت حاجتك؟ ومنه ما روي: سبق رسول الله ﷺ بين الخيل، فجاء قريش له سابقًا. أي: كان قريش له سابقًا. قوله: (أن يؤكد المعترض بينه وبينه)، قيل: الضميران راجعان إلى ما يرجع إليه الضمير في قوله: "وما بينهما من الآي"، أي: الاعتراض يؤكد معنى ما يلحقه وما يسبقه،
[ ١٣ / ٤٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ونحوه قولك: قعدت بينك وبين زيد، والبين واحد بالنسبة إليك، والنسبة إليها متعذر، وعن بعضهم: التقدير: بينه؛ أي: بين السبب، وهو قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ﴾، وبينه؛ أي: بين المسبب، وهو قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ﴾، وقوله: "بينه" متعلق بقوله: "اعتراض" فالهاء في بينه وبينه راجع إلى السبب والمسبب. وقلت: أما تلخيص التسبب، وكأنهم لشدة عنادهم وإبائهم عن الحق المحض جعلوا اشمئزازهم عن ذكر الله وحده واستبشارهم بذكر الغير غرضًا في أن إذا مسهم ضر دعوا الله دون الغير، على منوال ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، فحكى الله تعالى عنهم ذلك إنكارًا وتعجيبًا. ثم أمر حبيبه صلوات الله عليه بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ أن يشنع عليهم ذلك على سبيل التضرع، ويظهر بأنه لا يجدي فيهم إنذاره واجتهاده، ويقول: لا يحكم بيني وبين هؤلاء الذين يجترئون عليك هذه الجرأة إلا أنت، وجعل هذا الدعاء معترضًا بين الكلامين؛ اهتمامًا به وتوكيدًا للوعيد، ثم إن جعل ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عامًا كانت الآية اعتراضًا بعد اعتراض، وإذا جعل من إقامة المظهر موضع المظهر موضع المضمر إشعارًا بالعلية كان استطرادًا بعد اعتراض. وأما تلخيص العطف فإنه تعالى أخبر عن وعيده للمشركين، وأنه غني عنهم بسبب كفرانهم، ثم أخبر عن حال مطلق الإنسان، وأن جبلته على أنه إذا مسه الضر رجع إلى الله، وإذا مسه الخير أظهر البطر والأشر، وعطفه عليه لجامع الكفران وقلة الثبات. وإليه الإشارة بقوله: "وما هي إلا جملة ناسبت جملة قبلها فعطفت عليها"، ويجوز أن تكون الواو استئنافية والجملة تذييلية، وتخصيص ذكر الإنسان في الآية الأخيرة من إقامة المظهر موضع المضمر للتلويح إلى قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]. ما ألطف هذا التقرير، ولهذا قال تعريضًا بنفسه: "وهذه الأسرار والنكت لا يبرزها إلا علم النظم- أي: العالم بالنظم- وإلا بقيت محتجبة في أكمامها"، لله دره. قال صاحب "الانتصاف": هذا كلام فافهمه فإنه عزيز، وقيل: يمكن أن يقال: المعنى المفهوم من المجموع، وهما الدعاء عند الضر، وترك الدعاء عند تحويل النعمة، هو المسبب،
[ ١٣ / ٤٠٥ ]
قلت: ما في الاعتراض من دعاء رسول الله ﷺ ربه بأمر منه وقوله: أنت تحكم بينهم، ثم ما عقبه من الوعيد العظيم: تأكيد لإنكار اشمئزازهم واستبشارهم ورجوعهم إلى الله في الشدائد دون آلهتهم، كأنه قيل: قل: يا رب لا يحكم بيني وبين هؤلاء الذين يجترئون عليك مثل هذه الجراءة، ويرتكبون مثل هذا المنكر إلا أنت. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر: ٤٧] متناول لهم ولكل ظالم إن جعل مطلقًا، أو إياهم خاصة إن عنيتهم به كأنه قيل: ولو أن لهؤلاء الظالمين ما في الأرض جميعًا ومثله معه لافتدوا به حين أحكم عليهم بسوء العذاب. وهذه الأسرار والنكت لا يبرزها إلا علم النظم، وإلا بقيت محتجبة في أكمامها. وأما الآية الأولى فلم تقع مسببة، وما هي إلا جملة ناسبت جملة قبلها فعطفت عليها بالواو، كقولك: قام زيد وقعد عمرو. فإن قلت: من أي وجه وقعت مسببة، والاشمئزاز عن ذكر الله ليس بمقتض لالتجائهم إليه، بل هو مقتض لصدوفهم عنه؟ قلت: في هذا التسبيب لطف، وبيانه: أن تقول: زيد مؤمن بالله، فإذا مسه ضر التجأ إليه، فهذا تسبيب ظاهر لا لبس فيه، ثم تقول: زيد كافر بالله، فإذا مسه ضر التجأ إليه، فتجيء بالفاء مجيئك به ثمة، كأن الكافر حين التجأ إلى الله التجاء المؤمن إليه، مقيم كفره مقام الإيمان، ومجريه مجراه في جعله سببًا في الالتجاء، فأنت تحكي ما عكس فيه الكافر. ألا ترى أنك تقصد بهذا الكلام الإنكار والتعجيب من فعله؟
_________________
(١) ـ فكان اشمئزازه عن ذكر الله وحده واستبشاره عند ذكر الذين من دونه سبب أن لا يذكره إلا عند الاضطرار، ويتركه عند النعمة. وقلت: يؤيد هذا التأويل إقامة المظهر موضع المضمر في ﴿قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾، أي: المشتغلون بلذات الدنيا وشهواتها. قوله: (لصدوفهم)، أي: إعراضهم.
[ ١٣ / ٤٠٦ ]
[﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ومَا هُم بُمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ ويَقْدِرُ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٥٠ - ٥٢]
الضمير في ﴿قَالَهَا﴾ راجع إلى قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [القصص: ٧٨]، [الزمر: ٤٩]؛ لأنها كلمة أو جملة من القول. وقرئ: (قد قاله) على معنى القول والكلام، وذلك و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾: هم قارون وقومه، حيث قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، وقومه راضون بها، فكأنهم قالوها. ويجوز أن يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها، ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من متاع الدنيا ويجمعون منه. ﴿مِنْ هَؤُلاءِ﴾: من مشركي قومك ﴿سَيُصِيبُهُمْ﴾ مثل ما أصاب أولئك، فقتل صناديدهم ببدر، وحبس عنهم الرزق، فقحطوا سبع سنين، ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين، فقيل لهم: ﴿أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا﴾ أنه لا قابض ولا باسط إلا الله ﷿؟
[﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٥٣]
﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾: جنوا عليها بالإسراف في المعاصي والغلو فيها ﴿لا تَقْنَطُوا﴾
_________________
(١) ـ قوله: (على معنى القول والكلام، وذلك)، هذه ألفاظ تستعمل في تأويل المؤنث الراجع إليه ضمير المذكر، قال ابن جني في قول الشاعر: مثل الفراخ نتفت حواصله أي: حواصل ذلك أو حواصل ما ذكرنا.
[ ١٣ / ٤٠٧ ]
قرئ: بفتح النون وكسرها وضمها. ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ يعني بشرط التوبة، وقد تكرر ذكر هذا الشرط في القرآن، فكان ذكره فيما ذكر فيه ذكرًا له فيما لم يذكر فيه؛ لأن القرآن في حكم كلام واحد، ولا يجوز فيه التناقص. وفي قراءة ابن عباس
_________________
(١) ـ قوله: (لأن القرآن في حكم كلام واحد، ولا يجوز فيه التناقض)، يعني: يحمل هذا المطلق على ذلك المقيد ليتفقا. قال صاحب "الفرائد": ما ذكر من التناقض غير لازم؛ لأن من ذكر المغفرة بعد التوبة لا يلزم عدم حصول المغفرة بدونها، وما ذكر من الدلالة على أنها شرط فيها لازم لا يحصل بدونه ممنوع؛ لأن غاية ما يفهم من قوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ وجوب الإنابة، وقوله: "وإنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة"؛ لأن الآخر يشعر بأن ذكر الشيء بعد الشيء يوجب توقف الأول على الثاني، وهو ظاهر البطلان. وقلت: مراد المصنف من قوله: "قد تكرر ذكر هذا الشرط في القرآن": أنه كل موضع ذكر فيه نحو قوله: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ قيده بقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وهو قيد للتوبة، يدل عليه استشهاده بقراءة ابن عباس: "يغفر الذنوب جميعًا لمن يشاء"، ومن ذلك في "آل عمران" قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] تفسير بين لـ"من يشاء"، وأنهم المتوب عليهم أو الظالمون، وقوله في النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] قال: كأنه قيل: "إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك"، على أن المراد بالأول: من لم يتب، وبالثاني: من تاب، ونحوهما. وقد بينا وجه ضعف كل ما ذكر. وأما الذي يقول هاهنا في قوله: "وإنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة للدلالة على أنه شرط فيها"، فإنه حزم للنظم المعجز؛ لأنه تعالى لما وبخ المشركين وأطنب الكلام فيه وأرعد وأبرق، عقبه بخطاب العام بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ استعطافًا وترغيبًا غب ترهيب، والمراد بالإسراف: جمع ما ينطوي تحت هذا الاسم من التفريط الصادر من الكافرين والمؤمنين، والمقصود الأولي: الكافرون وما كانوا عليه من أمور الجاهلية. يؤيده قوله: "وقيل: قال أهل مكة" إلى آخره، وكان قوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا﴾ عطفًا على قوله: ﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾، واعترض بين المعطوف والمعطوف
[ ١٣ / ٤٠٨ ]
وابن مسعود: (يغفر الذنوب جميعًا لمن يشاء)، والمراد بمن يشاء: من تاب؛ لأن مشيئة الله تابعة لحكمته وعدله، لا لملكه وجبروته. وقيل: في قراءة النبي ﷺ وفاطمة ﵂: (يغفر الذنوب جميعًا ولا يبالي)،
_________________
(١) ـ عليه قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ على سبيل العموم للتعليل اهتمامًا واعتناءً بشأن الترغيب إلى الإنابة، وإخلاص العمل لله تعالى. ونظير موقع هذا الاعتراض قوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وسبق تقريره ومناسبته للآية. قال القاضي: تقييد ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ بالتوبة خلاف الظاهر، ويدل على إطلاقه فيما عدا الشرك: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، والتعليل بقوله: ﴿إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ على المبالغة وإفادة الحصر، والوعد بالرحمة بعد المغفرة، وتقديم ما يستدعي عموم المغفرة بما في (عبادي) من الدلالة على الذلة والاختصاص المقتضيين للترحم، وتخصيص ضرر الإسراف بأنفسهم، والنهي عن القنوط عن الرحمة مطلقًا فضلًا عن المغفرة وإطلاقها، وتعليله بـ ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، ووضع اسم "الله" موضع الضمير لدلالته على أنه المستغني والمنعم على الإطلاق، والتأكيد بـ"الجميع". وما روي من أسباب النزول لا ينفي عمومها، وكذا قوله: ﴿وَأَنِيبُوا﴾ فإنها لا تدل على حصول المغفرة لكل أحد بالتوبة. قوله: (يغفر الذنوب جميعًا ولا يبالي)، جاء في "مسند الإمام أحمد بن حنبل" و"سنن الترمذي" عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: " ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولا يبالي". وقلت: معناه: لا يبالي بما تقول المعتزلة: إن التوبة شرط، لأنه تحجر للواسع، وإن مشيئة الله تابعة لحكمته وعدله، لا لملكه وجبروته، لأن عدم المبالاة من الجبروت.
[ ١٣ / ٤٠٩ ]
ونظير نفي المبالاة نفي الخوف في قوله: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٥]. وقيل: قال أهل مكة: يزعم محمد أن عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف ولم نهاجر وقد عبدنا الأوثان وقتلنا النفس التي حرم الله؟ ! فنزلت. وروي: أنه أسلم عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر معهما، ثم فتنوا وعذبوا، فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله لهم صرفًا ولا عدلًا أبدًا؛ فنزلت، فكتب بها عمر ﵁ إليهم، فأسلموا وهاجروا. وقيل: نزلت في وحشي قاتل حمزة ﵁. وعن رسول الله ﷺ: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية"، فقال رجل: يا رسول الله،
_________________
(١) ـ قوله: (ونظير نفي المبالاة) عن بعضهم: الظاهر أن نظير نفي مقول "قيل"، والواو فيه حكاية ما في لفظ القائلين، مثل قوله: ﴿وَلَا يَخَافُ﴾ [الشمس: ٢٠]، والواو فيه. قوله: (وقيل: نزلت في وحشي قاتل حمزة)، روى محيي السنة عن ابن عباس: "بعث رسول الله ﷺ إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه: كيف تدعوني إلى دينك، وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زنى يلق أثامًا يضاعف له العذاب، وأنا قد فعلت ذلك كله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، فقال وحشي: أراني بعد في شبهة، فلا أدري يغفر لا أم لا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾ الآية: فقال وحشي: نعم، هذا، فجاء وأسلم، فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: بل للمسلمين عامة". قوله: (ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية) الحديث، مثله رواه الإمام أحمد بن حنبل عن ثوبان ﵁، والباء في "بهذه" بدلية، والواو في "ومن أشرك" عاطفة، والمعطوف عليه: ما دل عليه كلام الرسول المعني: "ما أحب أن أملك الدنيا وما فيها بدل
[ ١٣ / ٤١٠ ]
ومن أشرك؟ فسكت ساعةً، ثم قال: "ألا ومن أشرك" ثلاث مرات.
[﴿وأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ وأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَاتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ (٥٤) واتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وإن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا واسْتَكْبَرْتَ وكُنتَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾ ٥٤ - ٥٩]
﴿وأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ﴾: وتوبوا إليه ﴿وأَسْلِمُوا لَهُ﴾: وأخلصوا له العمل، وإنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة؛ لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة، وللدلالة على أنها
_________________
(١) ـ هذه الآية"؛ لأنه تعالى من على من أسرف من عباده، ووعدهم أنه يغفر لهم ذنوبهم جميعًا، ونهاهم أن يقنطوا من رحمته الواسعة، فقال الرجل: ومن أشرك، وهو يحتمل أن يكون مرفوعًا، أي: ومن أشرك أيضًا موعود ومنهي، أو منصوبًا، أي: أوعد الله عباده وأوعد من أشرك، أو مجرورًا، أي: إن الله يغفر ذنوب من آمن من عباده وحده، أو من ذنوب من آمن ومن أشرك. وهذه الوجوه تترتب أيضًا على قوله: "ألا ومن أشرك". ولعل الصحابي لما نظر إلى معنى قوله: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾، وأن له مزيد اختصاص بالمؤمنين خص الغفران بهم، ولما تفكر في عموم قوله: ﴿الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ عنه فتردد فسأل، ولذلك توقف صلوات الله عليه حتى أوحي إليه أو اجتهد. قوله: (وإنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة)، الراغب: النوب: الرجوع للشيء بعد أخرى قال: ناب نوبًا ونوبة، وسمي النحل نوبًا لرجوعها إلى محلها، ونابته نائبة، أي: حادثة من شأنها أن تنوب دائبًا. والإنابة إلى الله تعالى: الرجوع إليه بالتوبة وإخلاص العمل. قال تعالى: ﴿وأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ وأَسْلِمُوا﴾، وفلان ينتاب فلانًا، أي: يقصده مرةً بعد أخرى.
[ ١٣ / ٤١١ ]
شرط فيها لازم لا تحصل بدونه. ﴿واتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إلَيْكُم﴾ مثل قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]. ﴿وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي: يفجؤكم وأنتم غافلون، كأنكم لا تخشون شيئًا لفرط غفلتكم وسهوكم، ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ﴾: كراهة أن تقول. فإن قلت: لم نكرت؟ قلت: لأن المراد بها بعض الأنفس، وهي نفس الكافر. ويجوز أن يراد: نفس متميزة من الأنفس: إما بلجاج في لكفر شديد، أو بعذاب عظيم. ويجوز أن يراد التكثير، كما قال الأعشى:
ورب بقيع لو هتفت بجوه أتاني كريم ينفض الرأس مغضبا
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يراد التكثير)، ذكر في تنكير ﴿نَفْسٌ﴾ وجوهًا: أحدها: قوله: "بعض الأنفس"، أي: بعض من الجنس، ونوع منه، وهو نفس الكافر، بدليل قوله: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ﴾، لأن هذا لا تقوله نفس المؤمن. وثانيها: أن يكون التنكير للأفراد شخصًا، وهو الكافر الذي علم منه اللجاج في الكفر في الدنيا، أو الكافر الذي شوهد تعذيبه في الآخرة. وثالثها: أن يكون التنكير للتكثير، لكن على الاستعارة، لأن وضع التنكير ليس للتكثير حقيقة، مثله "كريم" في قوله: "رب بقيع" البيت، يريد: إكثار من يجيب إلى نصرته؛ لأنه في مقام مدح نفسه وكثرة ناصريه، لا أن كريمًا واحدًا أجابه، وكذا "رب" في قوله: "رب بلد قطعت، ورب بطل قارعت" يصف نفسه بأنه جواب للفيافي، ودأبه وعادته مقارعة الأبطال، كقوله: قد أترك القرن مصفرًا أنامله فعلى هذا المراد بالنفس: جميع الأنفس المؤمنة والكافرة، ولفظ "أو" في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾ لتنويع النفس القائلة، لا لتنويع القول. وأما تنظيره التنكير في ﴿نَفْسٌ﴾ بـ"رب" فلأنهما موضوعان للتقليل، وقد استعملا في التكثير مجازًا. قوله: (ورب بقيع) البيت، قبله:
[ ١٣ / ٤١٢ ]
وهو يريد: أفواجًا من الكرام ينصرونه، لا كريمًا واحدًا. ونظيره: ربّ بلد قطعت، ورب بطل قارعت.
وقد أختلس الطعنة
ولا يقصد إلا التكسير. وقرئ: ﴿يَا حَسْرَتَى﴾، على الأصل، و(يا حسرتاي) على
_________________
(١) ـ دعا قومه حولي فجاؤوا لنصره وناديت قومًا بالمسناة غيبا المسناة: العرم، والبقيع: موقع فيه أروم الشجر من ضروب شتى، ومنه سمي بقيع الغرقد، وهو مقبرة المدينة، والغرقد: شجر كريم، أي: كرام كثيرون، والتنكير ينفض الرأس، أي يحركه غضبًا، يشكو من قومه ويلهيهم حين قعدوا عن نصره. قوله: (وقد أختلس الطعنة)، تمامه: لا تدمي لها نصلي والبيت لامرئ القيس بن عابس، قال المرزوقي: أما في قوله: "بضربة لم تكن مني مخالسة" فهو على خلاف قول الآخر: "وقد أختلس الضربة لا تدمى لها نصلي"، لأنه قصد الشاعر هنا إلى أنه تناول من خصمه ما تناول من تثبيت وقوة قلب، لا كما يفعله الجبان، ثم ذكر تمكنه من خصمه على شدة احتراز منه حتى تناول ما تناوله خلسًا، وقد وصف الشجاع بالمخالس والخليس، ومن مدح خصمه ثم ذكر غلبته عليه، كان أبلغ في الافتخار به. قوله: (وقرئ: ﴿يَا حَسْرَتَى﴾، على الأصل)، وهي المشهورة، قال ابن جني: قرأ أبو جعفر: "يا حسرتاي" وفيها إشكال؛ لأن الألف فيه بدل من ياء "يا حسرتي" هربًا من ثقل الياء إلى خفة الألف، نحو: يا غلامي، وكان ينبغي أن لا يؤتى بياء المتكلم بعد الألف؛ لئلا يجتمع العوض والمعوض عنه، ومثله: ما أنشده أبو زيد: إني إذا ما حدث ألما دعوت يا اللهم يا اللهما فجمع بين "يا" النداء والميم، وإنما الميم عوض من "يا" النداء، ويمكن أن يقال: إن
[ ١٣ / ٤١٣ ]
الجمع بين العوض والمعوّض منه. والجنب: الجانب، يقال: أنا في جنب فلان وجانبه وناحيته، وفلان لين الجنب والجانب، ثم قالوا: فرّط في جنبه وفي جانبه، يريدون: في حقه. قال سابق البربري:
أما تتّقين الله في جنب وامق له كبد حرّى عليك تقطّع؟
وهذا من باب الكناية، لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه، فقد أثبته فيه، ألا ترى إلى قوله:
_________________
(١) ـ المفرط لما شاهد نتيجة كمال تفريطه فيما ينجيه من ذلك الهول، ونهاية خيبته من الفوز والفلاح، تضجر وتفجع ومد صوته، كما يفعل الملهوف، فنزل الألف منزلة نفس الكلمة، وألحق الياء المعوض به، أو أنه من هول ذلك اليوم ذهل فلم يدر ما يقول. نحوه ذكر المصنف في قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لًا عِلْمَ لَنَا﴾. قوله: (أنا في جنب فلان وجانبه وناحيته)، الراغب: أصل "الجنب": الجارحة، ثم يستعار للناحية التي تليها، كعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك، نحو: اليمين والشمال. قال الشاعر: مِن عن يميني مرة وأمامي وقيل: جنب الحائط وجانبه، ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، أي: القريب، وقوله تعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللهِ﴾ أي: أمره الذي حده لنا، وبني من الجنب الفعل، نحو: جنبته وأجنبته واجتنبته، ومنه: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]، وجنب فلان خيرًا وجنب شرًا، وإذا أطلق فقيل: جنب فلان، فمعناه: أبعد عن الخير، وذلك يقال في الدعاء وفي الخير، وسميت الجنابة بذلك، لكونها سببًا لتجنب الصلاة في حكم الشرع، والجنوب: يصح أن يعتبر فيها معنى المجيء من جنب الكعبة، ويعتبر معنى الذهاب عنه؛ لأن المعنيين موجودان. قوله: (لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل [وحيزه]، فقد أثبته فيه)، على الطريق
[ ١٣ / ٤١٤ ]
إنّ السّماحة والمروءة والنّدى في قبّة ضربت على ابن الحشرج
ومنه قول الناس: لمكانك فعلت كذا، يريدون: لأجلك. وفي الحديث: "من الشرك الخفي أن يصلي الرجل لمكان الرجل"، وكذلك: فعلت هذا من جهتك. فمن حيث لم يبق فرق فيما يرجع إلى أداء الغرض بين ذكر المكان وتركه: قيل: ﴿فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾، على معنى: فرطت في ذات الله. فإن قلت: فمرجع كلامك إلى أن ذكر الجنب كلا ذكر سوى ما يعطي من حسن الكناية وبلاغتها، فكأنه قيل: فرّطت في الله؛ فما معنى فرّطت في الله؟ قلت: لا بدّ من تقدير مضاف محذوف، سواء ذكر الجنب أو لم يذكر: والمعنى: فرّطت في طاعة الله وعبادة الله، وما أشبه ذلك. وفي حرف عبد الله وحفصة: (في ذكر الله). و"ما" في ﴿مَا فَرَّطْتُ﴾ مصدرية مثلها في: ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ٢٥]. ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها. ومحل ﴿وَإِنْ كُنْتُ﴾ النصب على الحال، كأنه قال: فرّطت وأنا ساخر، أي: فرّطت في حال سخريتي. وروي: أنه كان في بني إسرائيل عالم ترك علمه وفسق، وأتاه إبليس، وقال له: تمتع من الدنيا ثم تب، فأطاعه، وكان له مال فأنفقه في الفجور، فأتاه ملك الموت في ألذ ما كان، فقال: يا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله، ذهب عمري في طاعة الشيطان، وأسخطت ربي. فندم حين لم ينفعه الندم، فأنزل الله خبره في القرآن. ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ لا يخلو: إما أن يريد الهداية بالإلجاء أو بالألطاف أو بالوحي: فالإلجاء خارج عن الحكمة، ولم يكن من أهل الإلطاف
_________________
(١) ـ البرهاني، كما أن زيادًا الأعجم جعل السماحة والمروءة والندى المعرفة بتعريف الجنس في مكان ابن الحشرج، أي: في قبة مضروبة عليه في قوله: إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج فأفاد اختصاصها به بأبلغ وجه، يعني: إذا رمتها لم تجد حصة منها خارجة عن هذا المكان. وعن بعضهم: إنما سمي الشاعر بالأعجم للثغة؛ كان يبدل السين شينًا، والطاء تاء.
[ ١٣ / ٤١٥ ]
فيلطف به. وأما الوحي فقد كان، ولكنه عرض ولم يتبعه حتى يهتدي، وإنما يقول هذا تحيرًا في أمره وتعلالًا بما لا يجدي عليه، كما حكي عنهم التعلل بإغواء الرؤساء والشياطين ونحو ذلك، ونحوه: ﴿لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١]، وقوله: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾ ردّ من الله عليه، معناه: بلى قد هديت بالوحي فكذبت به واستكبرت عن قبوله، وآثرت الكفر على الإيمان، والضلالة على الهدى. وقرئ بكسر التاء على مخاطبة النفس. فإن قلت: هلا قرن الجواب بما هو جواب له، وهو قوله: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ ولم يفصل بينهما بآية؟ قلت: لأنه لا يخلو: إما أن يقدّم على أخرى القرائن
_________________
(١) ـ قوله: (لأنه لا يخلو: إما أن يقدّم على أخرى القرائن)، وفي أكثر النسخ: "أخرى القرائن"، وهي أبين وأكشف، ومعنى "إحدى" وإن كانت عامة إلا أنه يريد بها غير الأولى؛ لأن الجواب لا يتقدم. قال صاحب "التقريب": إنما لم يقرن "بلى" بما هو جواب له، وهو: ﴿أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾، لأنه لو أخر ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾ انتقض الترتيب بين التحسر، ثم التعلل، ثم تمني الرجعة، ولو وسط "بلى" ليقترنا تبتر النظم بالفصل بين القرائن. وقال القاضي: فصل الجواب عن السؤال، لأن تقديمه يفرق القرائن، وتأخير المردود يخل بالنظم المطابق للوجود؛ لأنه يتحسر بالتفريط، ثم يعلل بفقد الهداية، ثم يتمنى الرجعة، وهو لا يمنع تأثير قدرة الله تعالى في فعل العبد، ولا ما فيه من إسناد الفعل إليه. وقلت: مراد المصنف أنه لم يقرن قوله: ﴿بَلَى قَدْ جِاءَتْكَ آياتِي﴾ مع قوله: ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾ وهو جوابه؛ لأنه لو قرن به لا يخلو: إما أن يقدم الجواب على أخرى القرائن الثلاث، يعني: قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾، لأن أولى القرائن: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى﴾، وثانيتها: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾، وآخرها: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾، وإنما كانت قرائن؛ لأن كلَا منها مصدرة بالقول، ومرتبة على ترتيب أنيق، أو
[ ١٣ / ٤١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ تؤخر الوسطى، أي: قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾، عن الأخرى، وهي: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾، فلا يحسن الأول؛ لما يلزم منه الافتراق بين الأقوال الثلاثة المنتظمة، واختلاط كلام الغير بها، ولا الثاني وإن انتظمت الأقوال، واتصل الجواب بالسؤال؛ لما يلزم منه تفكيك الترتيب من حيث المعنى، وهو أولى بالمراعاة من اللفظ؛ لأن التحسر مقدم على التعلل، وهو على التمني؛ لأن النفس عند رؤية أهوال يوم القيامة ترى الناس مجزئين بأعمالهم تتحسر على تفوتها عليها، ثم قد يتعلل بأن لم يكن التقصير مني، فلو هداني الله لكنت من المتقين، فإذا تفكر وعلم أن التقصير كان منه يتمنى الرجوع لتلافي ما فوته ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، فلو قدم شيء من ذلك لا ينقض الالتئام. وقلت -والله أعلم-: قد مر أن الخطاب بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ عام شامل للمسرفين كلهم، وأن المقصود الأولي منهم المشركون، وكذلك قوله: ﴿وَأَسْلِمُوا﴾ هو المطلوب الأولي، وان التنكير في ﴿نَفْسٌ﴾ يجوز أن يكون للتكثير، فكأنه قيل: قل: يا عبادي الذين فرطت منهم سقطات لا تقنطوا من رحمتي، وأنيبوا وأسلموا، واتبعوا ما أنزلت إليكم، أي: أجمعوا كلكم على الرجوع إلى الله بالتوبة، وأحدثوا الإسلام، واقرنوا بها الأعمال الصالحة من قبل أن يفجأكم ما يفوت عليكم، فتفترق كل نفس بما يلزمها من طائرها في عنقها، فتقول النفس المفرطة: يا حسرتى على ما فرطت في طاعة الله، وقصرت عن متابعة ما أنزل الله تعالى، والحال أني سخرت. وتقول النفس الكارفة المكذبة: لو أن الله هداني، أي: دعاني إلى الإسلام، لكنت من الذين اجتنبوا عن الشرك، وتقول النفس الأبية المعرضة: لو أن لي كرة فأكون من الذين أحسنوا في الرجوع إلى الله والإنابة، فيقال لكل واحد منهما: أيتها المكذبة، بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها، أي: دعوناك إلى الإسلام، فاستكبرت واستمررت على كفرك، حيث كنت من مرة الكاملين في الكفر. ولهذا ذكر الضمير في: ﴿جَاءَتْكَ﴾، ولم يؤنثها باعتبار النفس، فظهر أن "أو" العاطفة لتنويع الأنفس، أو بمعنى "بل". أنشد الجوهري:
[ ١٣ / ٤١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أو أنت في العين أملح والكلام مرتبط بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾، وهذا كله عند إنزال البأس، وحين لم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا، لقوله تعالى: ﴿واتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَكُمُ العَذَابُ﴾ الآية، وأما يوم القيامة يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فترى من بين الأنفس الذين كذبوا على الله الكاملين في الكفر وجوههم مسودة، وإنما خصها بالذكر لما سبق أن الكلام وارد فيه، فينطبق على هذا قوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، وقوله من قبل: ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾، ثم ينجي الله الذين اتقوا من الشرك بفلاحهم من الإيمان، وبالتصديق في العاقبة على حسب مراتبهم وأعمالهم بفضله وكرمه من تسويد الوجوه ومن الثوي في جهنم؛ لأنهم ما كذبوا بآيات الله وما استكبروا وما كانوا من زمرة الكافرين. وظهر أيضًا بهذا النظم السري أن قوله: "لا يبعد عنهم قوم يسفهونه بفعل القبائح، وتجويز أن يخلق خلقًا لا لغرض، ويؤلم لا لعوض، ويظلمونه بتكليف ما لا يطاق، ويجسمونه بكونه مرئيًا معاينًا" إلى آخره، بعيد عن المرام، وينبو عنه المقام. وقال صاحب "الانتصاف": الزمخشري عدا طوره، فنقيم عليه حد الرد، أما نسبة أهل السنة إلى أنهم ينسبون القبائح إلى الله تعالى، فلم ينسبوا إليه قبيحًا، فإن التصرفات في الملك لا توصف بالقبح. وأما المعتزلة فيقولون: ليس خالق كل شيء، ويكذبون؛ لأن الأفعال شيء، لقوله بعيد هذا: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءِ﴾، ويقولون: الله يخلق لا لغرض، لأنه الفعال لما يشاء، وعندهم أنه تعالى ليس فعالًا لما يشاء، لأن الفعل إما منطو على مصلحة فيجب عليه فعله، أو مفسدة فيجب عليه تركه، فأين أثر المشيئة له؟ ! وأما اعتقاد تكليف ما لا يطاق تظليمًا؛ فباطل، لأنه من لازم خلق الله، ولازم الحق حق، وإنما الظلم التصرف في ملك الغير بغير إذنه.
[ ١٣ / ٤١٨ ]
الثلاث فيفرق بينهن، وإما أن تؤخر القرينة الوسطى، فلم يحسن الأوّل، لما فيه من تبتير النظم بالجمع بين القرائن. وأما الثاني: فلما فيه من نقص الترتيب؛ وهو التحسر على التفريط في الطاعة، ثم التعلل بفقد الهداية، تم تمني الرجعة، فكان الصواب ما جاء عليه؛ وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. فإن قلت: كيف صح أن تقع ﴿بَلَى﴾ جوابًا لغير منفي؟ قلت: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾ فيه معنى: ما هديت.
[﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ٦٠]
﴿كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ وصفوه بما لا يجوز عليه تعالى، وهو متعال عنه، فأضافوا إليه الولد والشريك، وقالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا﴾ [يونس: ١٨]، وقالوا: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وقالوا: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨]، ولا يبعد عنهم قوم يسفهونه بفعل القبائح، وتجويز أن يخلق خلقًا لا لغرض، ويؤلم لا لعوض،
_________________
(١) ـ وقوله: "ويجوزون الألم لا لعوض"؛ فما يقول في إيلام البهائم والأطفال، وليس بسبب سابق، ولا في البهائم لثواب لاحق. وأما الرؤية التي دل عليها قوله ﷺ الصادق المصدوق: "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته"؛ فنص لا يقبل التأويل بالتهاويل، والتستر بالبكلفة ستر لا تستر، وليس كالتهتك بالباطل الذي اعتمده، وتعريضه بأنهم أثبتوا قدمًا لكونهم أثبتوا لله صفات الكمال، كلا والله ما جعل له أندادًا إلا القدرية الذين جعلوا نفوسهم يخلقون ما يريدون على خلاف مراد ربهم، حتى شاء الله ما لم يكن، وكان ما لم يشأ، فمن أثبت من صفات الله ما شهد به كتابه وسنة رسوله، فلا طعن عليه، ولو كره المبطلون. وأما إثبات القدم واليد والجنب ففرية، ولم يقل بهذا أحد من أهل السنة، وإنما أثبت
[ ١٣ / ٤١٩ ]
ويظلمونه بتكليف ما لا يطاق، ويجسمونه بكونه مرئيًا معاينًا مدركًا بالحاسة، ويثبتون له يدًا وقدمًا وجنبًا متسترين بالبلكفة، ويجعلون له أندادًا بإثباتهم معه قدماء. ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾: جملة في موضع الحال إن كان ﴿تَرَى﴾ من رؤية البصر، ومفعول ثان إن كان من رؤية القلب.
[﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٦١]
قرئ: (ينجي) و﴿يُنَجِّي﴾، ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾: بفلاحهم، يقال: فاز بكذا؛ إذا أفلح به وظفر بمراده منه. وتفسير المفازة: قوله: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، كأنه قيل: ما مفازتهم؟ فقيل: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾، أي: ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم. أو بسبب منجاتهم، من قوله تعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ
_________________
(١) ـ القاضي صفات سمعية وردت في القرآن، ولم يتجاوزوا في إثباتها على ما وردت به السنة، وغيره حمل اليد على النعمة والقدرة، والوجه على الذات، فلا وجه لإساءة أدبه. قوله: (﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾: جملة في موضع الحال)، قال صاحب "الكشف": واستغنى عن الواو لمكان الضمير. وقال الزجاج: يجوز ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ على البدل من ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا﴾، أي: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة. قوله: (أو بسبب منجاتهم)، عطف على قوله: "بفلاحهم". الأساس: نجوت منه نجاة، ونجاني الله، وأنجاني، وهو منجاة من السيل. قال الباهلي: فهل تأوي إلى المنجاة أني أخاف عليك معتلج السيول
[ ١٣ / ٤٢٠ ]
الْعَذابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] أي: بمنجاة منه، لأنّ النجاة من أعظم الفلاح، وسبب منجاتهم العمل الصالح؛ ولهذا فسر ابن عباس ﵄ المفازة بالأعمال الحسنة. ويجوز: بسبب فلاحهم؛ لأنّ العمل الصالح سبب الفلاح؛ وهو دخول الجنة. ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه: مفازة؛ لأنه سببها. وقرئ: (بمفازاتهم)، على أن لكل
_________________
(١) ـ واعلم أن "مفازتهم" قد فسر أولًا بفلاحهم حقيقة، يدل عليه قوله: "يقال: فاز بكذا؛ إذا ظفر بمراده". وقال في "الأساس": طوبى لمن فاز بالثواب، وفاز من العقاب، أي: ظفر ونجا. وثانيًا: بالمنجاة مجازًا، ولذلك علله بقوله: "لأن النجاة من أعظم الفلاح"، وقال في "الأساس": ومن المجاز: المفازة، سميت باسم المنجاة على سبيل التفاؤل، وفوز المسافر: ركب المفازة ومضى فيها. ولما لم يستتب معنى السببية بهذا التفسير قال: "وسبب منجاتهم العمل الصالح"، ورجع المعنى إلى قوله: "ينجي الله الذين اتقوا بسبب منجاتهم"، المسبب عن العمل، فهو مجاز في المرتبة الثانية. وثالثًا: بالفلاح المفسر بدخول الجنة المسبب عن العمل، وهو قريب من الوجه السابق، فالفلاح على الأول هو النجاة من العذاب، وعلى هذا: الظفر بالمراد. ورابعًا: بالعمل الصالح، لكن في المرتبة الأولى؛ لأن الفوز والفلاح مترادفان. ويمكن أن يقال: إن "مفازتهم" على الوجه الثاني كناية تلويحية؛ لأن "المفازة" التي هي الفلاح دلت على النجاة، والنجاة على العمل الصالح، وعلى الثالث: كناية رمزية؛ لأنه استدل بفلاحهم المفسر بدخول الجنة على وجود العمل، وعلى الرابع: مجاز مرسل من إطلاق المسبب على السبب. وقيل: قوله: (ويجوز أن يسمى) إلى آخره، تأكيد لإرادة العمل بالمفازة، لأنها سببها، وليس بشيء. قوله: (وقرئ "بمفازاتهم")، أبو بكر وحمزة، والباقون" ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ بغير ألف. قال أبو علي: الإفراد للمصدر والجمع؛ لأن المصادر قد تجمع إذا اختلفت أجناسها.
[ ١٣ / ٤٢١ ]
متق مفازة. فإن قلت: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ﴾ ما محله من الإعراب على التفسيرين؟ قلت: أما على التفسير الأول: فلا محل له؛ لأنه كلام مستأنف. وأما على الثاني: فمحله النصب على الحال.
[﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ ٦٢ - ٦٣]
_________________
(١) ـ قوله: (على التفسيرين)، أحدهما: أن تكون الباء في ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ حالًا أو صلة؛ نحو: كتبت بالقلم، والمراد بالمفازة: الفلاح والفوز بالمطلوب وإدراك السعادة الأزلية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] إشارة إلى هذا المعنى. نقل الواحدي عن المبرد أنه قال: المفازة: مفعلة من الفرز، وهو السعادة، وإن جمع فحسن، كقولك: السعادة والسعادات. والمعنى: ينجيهم الله بفوزهم- أي: بنجاتهم- من النار، وفوزهم بالجنة. تم كلامه. ولما كان اهتمام شأن المتقين حينئذ التفادي عما لحق المكذبين على الله من سواد الوجوه والثوي في جهنم؛ لقوله تعالى: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أو قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بيانًا له، فظهر أن المتقين هم المصدقون الذين تواضعوا وأخبتوا لله، والمراد بـ"السوء": سواد الوجوه، وبـ"الحزن": الثواء في جهنم. والثاني: أن يراد بـ"المفازة": العمل على الوجوه المذكورة، والباء: للتسبب، و﴿لَا يَمَسُّهُمُ﴾ حال، والمعنى: وينجي الله الذين اتقوا بسبب أعمالهم غير ملتبسين بالسوء والحزن، فقوله: "لا محل له؛ لأنه كلام مستأنف" إشارة إلى قوله: "كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: لا يمسهم السوء".
[ ١٣ / ٤٢٢ ]
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو مالك أمرها وحافظها، وهو من باب الكناية؛ لأن حافظ الخرائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيت إليه مقاليد الملك؛ وهي المفاتيح، ولا واحد لها من لفظها، وقيل: مقليد، ويقال: إقليد، و: أقاليد، والكلمة أصلها فارسية. فإن قلت: ما للكتاب العربي المبين وللفارسية؟ قلت: التعريب أحالها عربية، كما أخرج الاستعمال المهمل من كونه مهملًا. فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟ قلت: بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر: ٦١]، أي ينجي الله المتقين بمفازتهم، والذين كفروا هم الخاسرون. واعترض بينهما بأنه خالق الأشياء كلها، وهو مهيمن عليها فلا يخفى عليه شيء من أعمال المكلفين فيها وما يستحقون عليها من الجزاء، وقد جعل متصلًا بما يليه على أن كل شيء في السماوات والأرض فالله خالقه وفاتح بابه.
_________________
(١) ـ قوله: (أي: هو مالك أمرها وحافظها)، قال القاضي: أي: لا يتمكن من التصرف فيها غيره، وهو كناية عن قدرته وحفظه لها، وفيها مزيد دلالة على الاختصاص؛ لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها إلا من بيده مفاتيحها. وفي قوله: " مزيد دلالة على الاختصاص" إشارة إلى أن التقديم للاختصاص أيضًا. قوله: (بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ﴾)، أي: قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ متصل بقوله: ﴿وَيُنَجَّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ على سبيل التقابل لتضاد بين مفردات الجملتين من حيث المعنى. قال القاضي: وتغير النظم للإشعار بأن العمدة في فلاح المؤمنين فضل الله، وفي هلاك الكافرين بأن خسروا أنفسهم، والتصريح بالوعد والتعريض بالوعيد قضية الكرم. قوله: (وقد جعل متصلًا بما يليه)، عطف على قوله: "فقوله"، أي: اتصل بقوله: ﴿وَيُنَجَّي اللهُ﴾، وقد جعل متصلًا بقوله: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
[ ١٣ / ٤٢٣ ]
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا أن يكون الأمر كذلك ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقيل: سأل عثمان ﵁ رسول الله ﷺ عن تفسير قوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فقال: "يا عثمان، ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير"، وتأويله على هذا: أن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد، وهي مفاتيح خير السماوات والأرض، من تكلم بها من المتقين أصابه، والذين كفروا بآيات الله وكلمات توحيده وتمجيده، أولئك هم الخاسرون.
[﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ٦٤]
﴿أَفَغَيْرَ اللهِ﴾ منصوب بـ ﴿أَعْبُدُ﴾. و﴿تَامُرُونِّي﴾ اعتراض. ومعناه: أفغير الله أعبد بأمركم؟ وذلك حين قال له المشركون: استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك. أو ينصب بما يدل عليه جملة قوله: ﴿تَامُرُونِّي أَعْبُدُ﴾؛ لأنه في معنى: تعبدونني وتقولون
_________________
(١) ـ وقلت: هذا الثاني أوفق لتأليف النظم؛ لأن قوله: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من جنس قوله تعالى فيما سبق: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، وفاصلة تلك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ليكون كالتخلص إلى قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا﴾، كما أن فاصلة هذا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ كالتخلص إلى ما بدئ به السورة، وشحنت منه؛ من حديث الأمر بالعبادة بالإخلاص ونفي الشرك، وهو قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ﴾. وأما معنى الاعتراض فإن قوله: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وقوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيه معنى إثبات القدرة والعلم، وهما المصححان للبعث والحشر، وعند ذلك يوفى جزاء المحسن والمسيء؛ فهو لذلك مؤكد لمعنى الكلام السابق واللاحق. قوله: (لأنه في معنى: تعبدونني)، أي: الجملتان في تأويل: " تعبدونني"، بمعنى: تقولون
[ ١٣ / ٤٢٤ ]
لي: اعبد، والأصل: تأمرونني أن أعبد، فحذف "أن" ورفع الفعل، كما في قوله:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
ألا تراك تقول: أفغير الله تقولون لي: اعبده، و: أفغير الله تقولون لي: أعبد؟ فكذلك: أفغير الله تأمرونني أن أعبده، و: أفغير الله تأمرونني أن أعبد، والدليل على
_________________
(١) ـ لي: اعبد؛ ليرجع المعنى إلى قولك: أفغير الله تقولون لي: اعبده؛ على الإضمار على شريطة التفسير، أفغير الله تقولون لي: اعبد؛ بلا ضمير على التقديم، وأصله: أفتقولون: اعبد غير الله. يجوز أن يقال: أفغير الله تأمرونني أن أعبده، وأفغير الله تأمرونني أن أعبد. ففيه التفادي عما حظره أبو البقاء، بأنه يفضي إلى تقديم الصلة على الموصول، أو يلزم حذف الموصول وبقاء صلته. وحاصل الوجهين: أن "غير الله" منصوب ب ﴿أَعْبُدُ﴾، ويحجره ظاهر ﴿تَامُرُونِّي﴾ لما يستدعي تقدير: "أن"، فيلزم المحذور السابق، فيجعل ﴿تَامُرُونِّي﴾: إما اعتراضًا؛ لئلا تقدر "أن"، أو أن تجعل الجملة بمعنى: تقولون لي: اعبد؛ لينتصب بـ ﴿أَعْبُدُ﴾ ها هنا، لأن القول لا يستدعي "أن"، كما يستدعيه الأمر. أما قوله: "ألا تراك تقول" إلى آخره؛ فتعليل لتصحيح ﴿تَامُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ بقوله: تقولون لي: اعبد. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿تَامُرُونِّي﴾، و﴿أَعْبُدُ﴾ بدلًا منه، والتقدير: قل: أفتأمرونني بعبادة غير الله، وهو بدل الاشتمال، ومن باب: أمرتك الخير. ورواه صاحب "الكشف" عن أبي علي، وقال: هو الصواب، وليس "غيره" الخبر، وقيل: إن "غير" منصوب بفعل محذوف، أي: فتلزمونني غير الله، وفسره ما بعده. قوله: (والأصل: تأمرونني أن أعبد)، قال أبو البقاء: وقد ضعف هذا الوجه حيث كان التقدير: أن أعبد، فعند ذلك يفضي إلى تقديم الصلة على الموصول. وليس بشيء؛ لأن
[ ١٣ / ٤٢٥ ]
صحة هذا الوجه: قراءة من قرأ (أعبد) بالنصب.
وقرئ: (تأمرونني) على الأصل؛ و﴿تَامُرُونِّي﴾، على إدغام النون أو حذفها.
[﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٦٥ - ٦٦]
_________________
(١) ـ "أن" ليست في اللفظ، ولا نفي عملها، فلو قدرنا بقاء حكمها؛ لأفضى إلى حذف الموصول وبقاء صلته؛ وذلك لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. وروى صاحب"الكشف" عن أبي سعيد: "أن" ها هنا لما حذفت بطل حكمها، ولو كان حكم "أن" باقيًا لوجب نصب "أعبد"، ولم يقرأ به أحد. قوله: (وقرئ: "تأمرونني" على الأصل)، ابن عامر ونافع: بنون واحدة مخففة، والباقون: بواحدة مشددة. قال صاحب "الكشف": من قرأ بالتخفيف حذف إحدى النونين، كقوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، وقوله: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ﴾ [الأنعام: ٨٠]، وقول عمرو: يسوء الفاليات إذا فليني أي: فلينني. وأنكر هذه القراءة بعضهم، ومن أنكر مثل هذا حرم عليه الشروع في كتاب الله، والنظر في كلام الأئمة، وشهد ببلادته.
[ ١٣ / ٤٢٦ ]
قرئ: ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، و(ليحبطن) على البناء للمفعول، و(ليحبطن) بالنون والياء، أي: ليحبطن الله، أو الشرك. فإن قلت: الموحى إليهم جماعة، فكيف قال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ على التوحيد؟ قلت: معناه: أوحي إليك: لئن أشركت ليحبطن عملك، وإلى الذين من قبلك مثله، أو: أوحي إليك وإلى كل واحد منهم: لئن أشركت، كما تقول: كسانا حلة، أي: كل واحد منا. فإن قلت: ما الفرق بين اللامين؟ قلت: الأولى موطئة للقسم المحذوف، والثانية: لام الجواب، وهذا الجواب ساد مسد الجوابين، أعني: جوابي القسم والشرط. فإن قلت: كيف صح هذا الكلام مع علم الله أن رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم؟ قلت: هو على سبيل الفرض، والمحالات يصح فرضها لأغراض، فكيف بما ليس بمحال؟ ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمء جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]؟ يعني على سبيل الإلجاء، ولن يكون ذلك لامتناع الداعي إليه ووجود الصارف عنه. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾؟ قلت: يحتمل: ولتكونن من الخاسرين بسبب حبوط العمل. ويحتمل:
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ ﴿لَيَحْبَطَنَّ﴾)، بفتح الياء والباء: المشهورة، والبواقي: شواذ. قوله: (هو على سبيل الفرض)، والمراد به: تهييج الرسل وإقناط الكفرة، وإطلاق الإحباط يحتمل أن يكون من خصائصهم؛ لأن شركهم أقبح، أو يكون على التقييد بالموت، كما صرح في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وعطف: ﴿ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ من عطف المسبب على السبب. قوله: (ولن يكون ذلك)، أي: مشيئة الإيمان على القسر والإلجاء، لا متناع الداعي إلى القسر والإلجاء؛ لأن بناء التكليف على الاختيار ووجود الصارف، وهو الحكمة، لأن المشيئة عنده تابعة للحكمة؛ لأن الحكيم لا يقسر على الكفر، ثم يعذب عليه. قوله: (ما معنى قوله: ﴿ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾؟)، أي: لم أطلقه؟ ولذلك قيد في الجواب تارة بقوله: ﴿مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ بسبب حبوط العمل، فعطف ﴿ولَتَكُونَنَّ﴾ على
[ ١٣ / ٤٢٧ ]
ولتكونن في الآخرة من جملة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم إن مت على الردة ويجوز أن يكون غضب الله على الرسول أشد، فلا يمهله بعد الردة: ألا ترى إلى قوله: ﴿إذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]؟ ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾: رد لما أمروه به من استلام بعض آلهتهم، كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته، بل إن كنت عاقلا فاعبد الله، فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضا منه. ﴿وَكُنْ مِنَ
_________________
(١) ـ ﴿لَيَحْبَطَنَّ﴾ من باب عطف المسبب على السبب، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتِيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلهِ﴾ [النمل: ١٥]، على رأي صاحب "المفتاح"، وأخرى بقوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ من جملة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم. وقوله: "ويجوز أن يكون غضب الله على الرسول أشد"، فعلى هذا يترك على إطلاقه مبالغة، أي ليحبطن عملك وليقهرنك بلا مهلة. قوله: (بل إن كنت عاقلًا فاعبد الله)، هذا مذهب الزجاج. قال مكي: نصب "الله" بـ"اعبد"، وقال الفراء والكسائي: هو نصب بإضمار فعل، تقديره: بل اعبد الله فاعبد، والفاء للمجازاة عند أبي إسحاق، وزائدة عند الأخفش. الانتصاف: مقتضى كلام سيبويه: أن الأصل: تنبه فاعبد الله، فحذفوا الفعل الأول اختصارًا، واستنكروا الابتداء بـ"الفاء"، ومن شأنها التوسط، فقدموا المفعول، وصارت "الفاء" متوسطة لفظًا، ودالة على المحذوف، وانضاف إليها فائدة الحصر؛ لإشعار التقدم بالاختصاص. فإن قلت: هب أن الفاء في قوله: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾ دلت على إضمار الشرط، فما الدال على تخصيص "إن كنت عاقلًا" على رأي المصنف، أو "تنبه" كما فهم صاحب "الانتصاف" من كلام سيبويه؟
[ ١٣ / ٤٢٨ ]
الشَّاكِرِينَ﴾ على ما أنعم به عليك من أن جعلك سيد ولد آدم. وجوز الفراء نصبه بفعل مضمر هذا معطوف عليه، تقديره: بل الله أعبد فاعبد.
[﴿ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٦٧]
لما كان العظيم من الأشياء إذا عرفه الإنسان حق معرفته وقدره في نفسه حق تقديره؛ عظمه حق تعظيمه قيل: ﴿ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. وقرئ بالتشديد على
_________________
(١) ـ قلت: دل عليه ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾، أي: السفهاء الخفاف الأحلام، كأنه تعالى حين سمع أن رهطا من قريش قالوا على نحو ما ورد في سورة الكافرون: يا محمد، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة. أمر رسول الله ﷺ أن يرد عليهم بقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾، وحين سمعهم أيضًا يقولون: استلم بعض آلهتنا، كما نص عليه المصنف هنا، رده بقوله: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾، يعني: لما سفهتهم في ذلك الرد خص ربك بالعبادة إن كنت عاقلا، واشكره حيث لم يجعلك من جنس ما هو أضل من الأنعام، وجعلك من أفضل الخلق وأشرفهم، بل رفع منزلتك عليهم، وجعلك سيد ولد آدم. فافهم هذه الرموز والتلويحات، وترحم على المصنف في إبرازه لتلك المحاسن. قوله: (وجوز الفراء نصبه بفعل مضمر، والتقدير: بل الله أعبد فاعبد)، قال صاحب" التقريب": غرضه أن لا يتقدم على الفاء ما في حيزه. قوله: (عظمه حق تعظيمه)، جواب "إذا"، وقوله: "قيل: ﴿ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ " جواب "لما"، يعني: لما تعورف واشتهر بين الناس أن العظيم إذا عرف حق معرفته عظم حق تعظيمه، ولما لم يوجد ذلك في حق الملك العظيم ذي الملك والملكوت والجلال
[ ١٣ / ٤٢٩ ]
معنى: وما عظموه كنه تعظيمه ثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه على طريقة التخييل، فقال: ﴿والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾،
_________________
(١) ـ والجبروت، قيل: ﴿ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. والأسلوب من باب الكناية؛ لأن تعظيمك الشيء واحترامك إياه وقيامك بواجبه مستلزم لتقديرك إياه في نفسك حق تقديره، وهو مستلزم لأن تكون قد عرفته حق معرفته، فذكر اللازم الوسط، وأريد الملزوم، كما يقال: فلان نحار؛ أي: مضياف، بدل مهزول الفصيل، ظاهر كلام المصنف على أنه من إطلاق السبب المركب على المسبب، وأن قوله: "وقدره حق تقديره" عطف تفسيري. قوله: (على طريقة التخييل)، وعن بعضهم: التخييل: تصوير حقيقة الشيء، والتمثيل: تشبيه قصة بقصة، والاستعارة: تشبيه مفرد بمفرد أو مركب بمركب، وفيه بحث. وقال القاضي: في الآية تنبيه على عظمته، ودلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ولا مجازًا، كقولهم: شابت لمة الليل. الانتصاف: لفظ "التخييل" عبارة موهمة. وقلت: المراد بـ"التخييل": التصوير؛ بأن تخيل عند ذكرك هذه الأشياء في ذهنك معنى عظمة الله، ليمتلئ قلبك رعبًا ومهابة، ويحصل لك من ذلك روعة وهزة لم تحصل من مجرد قولك: عظمة الله، كما إذا أردت أن تقول بدل "فلان جواد": "فلان كثير الرماد"، فأنت عند ذكرك " كثير الرماد" متصور كثرة إحراق الحطب، ثم كثرة الطبخ، ثم كثرة تردد الضيفان، فتجد من الروعة ما لا تجده إذا قلت: فلان جواد، والأسلوب من الكناية الإيمائية، نحوه قول البحتري: أو ما رأيت المجد ألقى رحله في آل طلحة ثم لم يتحول؟ واعلم أن الإمام أورد في هذا المقام إشكالًا في سورة "طه"، وأجبنا عنه.
[ ١٣ / ٤٣٠ ]
والغرض من هذا الكلام- إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه_ تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز، وكذلك حكم ما يروى: أن جبريل جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا مما قال، ثم قرأ تصديقًا له: ﴿ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية، وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب؛ لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أول شيء وآخر على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيما الأفهام والأذهان ولا يكتنهها
_________________
(١) ـ قوله: (تصوير عظمته)، خبر "الغرض"، و"إذا" متعلق بـ"الغرض". قوله: (ما يروي: أن جبريل ﵇ جاءه)، وعن بعضهم: ما ثبت عن رسول الله ﷺ بهذا اللفظ، وإنما صح: "جاء حبر" و"جاء يهودي"، و"جاء رجل من أهل الكتاب". وقلت: الحديث بتمامه رواه البخاري ومسلم والترمذي عن ابن مسعود، مع تغيير يسير، وفيه: "جاء حبر إلى رسول الله ﷺ". قوله: (وأن الأفعال العظام)، عطف تفسيري على "القدرة"، و"هينة" خبر "إن"، و"لا يوصل السامع" صفة "هوانًا"، و"حتى أن يعلموا" غاية عنايتهم بالمبحث، أي: ما اعتنوا بالبحث حتى يعلموا.
[ ١٣ / ٤٣١ ]
الأوهام هينة عليه هوانًا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه إلا إجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخييل، ولا ترى بابًا في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب، ولا أنفع وأعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء، فإن أكثره وعليته تخييلات قد زلت فيها الأقدام قديمًا، وما أتي الزالون إلا من قلة عنايتهم بالبحث والتنقير، حتى يعلموا أن في عداد العلوم الدقيقة علما لو قدروه حق قدره لما خفي عليهم أن العلوم كلها مفتقرة إليه وعيال عليه؛ إذ لا يحل عقدها الموربة، ولا يفك قيودها المكربة إلا هو، وكم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغثة، والوجوه الرثة؛ لأن من تأول ليس من هذا العلم في عبر ولا نفير، ولا يعرف قبيلًا منه من دبير. والمراد بالأرض: الأرضون السبع،
_________________
(١) ـ قوله: (لا يحل عقدها الموربة)، الأساس: تأربت العقدة: توثقت، وأربتها: وثقتها، ومن المجاز: تأرب علينا فلان: تعسر. وعقد مكرب ومكروب: موثق، وكربه الأمر: غمه وأخذ بنفسه. الجوهري: الكرب: الحبل الذي يشد في وسط العراقي، ثم يثنى، ثم يثلث، ليكون هو الذي يلي الماء، فلا يعفن الحبل الكبير، تقول منه: أكربت الدلو فهي مكربة. قوله: (في عبر ولا نفير)، المثل: "في العبر ولا في النفير"، يريدون ب"العبر": عير أبي سفيان، وبـ"النفير": الذين نفروا إلى قتاله ﷺ، فكل من تخلف عنهما قالوا فيه ذلك. يضرب لمن لا يصلح لمهمة. وسبق في "الأنفال" بيانه مستوفى. قوله: (ولا يعرف قبيلًا من دبير)، قال الميداني: القبيل: ما أقبل به من الفتل على الصدر، والدبير: ما أدبر عنه. الجوهري: القبيل: ما أقبلت به المرأة من غزلها حين تفتله. وقال الأصمعي: هو مأخوذ من الشاة المقابلة والمدابرة؛ فالمقابلة: التي شق أذنها [إلى] قدام،
[ ١٣ / ٤٣٢ ]
يشهد لذلك شاهدان: قوله: ﴿جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿وَالسَّمَوَاتُ﴾؛ ولأن الموضع موضع تفخيم وتعظيم، فهو مقتض للمبالغة، ومع القصد إلى الجمع وتأكيده بالجميع أتبع" الجميع" مؤكدة قبل مجيء الخبر؛ ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا
_________________
(١) ـ والمدابرة: هي التي شقت أذنها إلى خلف. وقال في "الأساس": ومن المجاز: ما يعرف قبيلًا من دبير. وأصله في الحبل إذا مسح اليمين على اليسار علوا فهو قبيل، وإذا مسحها عليها سفلًا فهو دبير. قوله: (يشهد لذلك ﴿جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿وَالسَّمَوَاتُ﴾)، يعني: دل عطف ﴿وَالسَّمَوَاتُ﴾ على سبيل التقابل_ وهي: جمع محلى باللام الاستغراقي، وأنها سبع_ على أن المراد ب"الأرض": الأرضون السبع. قال القاضي: "السموات" معطوفة على"الأرض" منطوية في حكمها. قوله: (ولأن الموضع موضع تفخيم وتعظيم)، وذلك أنهم نسبوا إليه ما لا يليق بجلاله وما هو منزه عنه، ولذلك أتبعه بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال القفال: ﴿ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ كقول القائل: ما قدرتني حق قدري وأنا الذي فعلت كذا وكذا، أي: لما عرفت أن حالي وصفتي هذا الذي ذكرت، فوجب أن لا تحط عن قدري ومنزلتي. ونظيره قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فالمعنى: ما قدروا الله حق قدره، إذ زعموا أن له شركاء، وأنه لا يقدر على إحياء الموتى، مع أن جميع الأرضين والسماوات كلها تحت قهره وسلطانه. قوله: (أتبع"الجميع" مؤكدة)، أي: من حيث المعنى، وكان من حقه أن يجاء به بعد مضي
[ ١٣ / ٤٣٣ ]
يقع عن أرض واحدة، ولكن عن الأراضي كلهن. والقبضة: المرة من القبض، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦]، والقبضة بالضم: المقدار المقبوض بالكف، ويقال أيضًا: أعطني قبضة من كذا؛ تريد معنى القبضة تسمية بالمصدر، كما روي: أنه نهى عن خطفة السبع. وكلا المعنيين محتمل. والمعنى: والأرضون جميعًا
_________________
(١) ـ الخبر؛ لأنه معموله، فقدم لهذا الاهتمام. قال أبو البقاء: "الأرض" مبتدأ، و﴿قَبْضَتُهُ﴾ الخبر، ﴿جَمِيعًا﴾ حال من "الأرض"، أي: إذا كانت مجتمعة قبضته، أي: مقبوضة، فالعامل في "إذا" المصدر، لأنه بمعنى المفعول. وقال أبو علي: التقدير: ذات قبضته. ورد عليه بأن المضاف إليه لا يعمل فيما قبله. وأجيب أنه الآن غير مضاف إليه؛ لأن بعد حذف المضاف لا يبقى حكمه. وقال صاحب "الكشف": قدر أبو علي في "الحجة": والأرض ذات قبضته، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، وعلى ما في "الحلبيات" يتأتى إعمال ﴿قَبْضَتُهُ﴾ في "إذا"، لأنه بمعنى المفعول. وقال أبو البقاء: ويقرأ "قبضته" بالنصب؛ على معنى: في قبضته، وهو ضعيف؛ لأن هذا الظرف محدود، فهو كقولك: زيد في الدار. ولهذا جاء المصنف بالعذر في قوله: "جعلها ظرفا مشبها للمؤقت بالمبهم". قوله: (أنه نهى عن خطفة السبع)، النهاية: "أنه نهى عن المجثمة والخطفة"، يريد: ما اختطف الذئب من أعضاء الشاة، وهي حية؛ لأن ما أبين من حي فهو ميت، والخطفة: المرة الواحدة، فسمي بها العضو المختطف.
[ ١٣ / ٤٣٤ ]
قبضته، أي: ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة، يعنى: أن الأرضين مع عظمهن وبسطتهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته، كأنه يقبضها قبضة بكف واحدة، كما تقول: الجزور أكلة لقمان، والقلة جرعته، أي: ذات أكلته وذات جرعته؛ تريد: أنهما لا تفيان إلا بأكلة فذة من أكلاته، وجرعة فردة من جرعاته. وإذا أريد معنى القبضة فظاهر؛ لأن المعنى: أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة.
فإن قلت: ما وجه قراءة من قرأ: (قبضته) بالنصب؟ قلت: جعلها ظرفا مشبها للمؤقت بالمبهم. ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ من الطي الذي هو ضد النشر، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه. وقيل: ﴿قَبْضَتُهُ﴾: ملكه بلا مدافع ولا منازع، و﴿بِيَمِنِهِ﴾: بقدرته. وقيل: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِنِهِ﴾: مفنيات بقسمه؛ لأنه أقسم أن يفنيها، ومن اشتم رائحة من علمنا هذا فليعرض عليه هذا التأويل ليتلهى بالتعجب منه ومن قائله، ثم يبكي حمية لكلام الله المعجز بفصاحته، وما مني به من أمثاله؛ وأثقل منه على الروح، وأصدع للكبد تدوين العلماء قوله، واستحسانهم له، وحكايته على فروع المنابر، واستجلاب الاهتزاز به من السامعين. وقرئ: (مطويات) على نظم السماوات في حكم الأرض،
_________________
(١) ـ قوله: (الجزور أكلة لقمان)، وهو لقمان بن عاد، وكان أكولًا، وأفرطوا في الإفراط في أكله، حتى رووا أنه كان يتغدى بجزور ويتعشى بجزور ويتعلل بفصيل، فأفضى إلى امرأته فلم يصل إليها، فقال: كيف أصل إليك وبيني وبينك جزوران، وكان شجاعًا. قوله: (وقيل: ﴿قَبْضَتُهُ﴾: ملكه) إلى آخره، شروع فيما قيل في تفسير الآية، وقوله (ومن اشتم رائحة من علمنا) تحكم في الفرق بين التفسيرين؛ تفسيره وتفسيرهم. قوله: (على نظم السماوات في حكم الأرض)، يعني: كما أن الأرض أخبر عنها بقبضته، فدخلت تحت القبضة، أخبر عن السماوات بيمينه، فدخلن تحت اليمين، وكما أن ﴿جَمِيعًا﴾ حال مقدم، كذا ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾، وافتراق هذه القراءة من الأولى افتراق قولك: الكتاب مطوي بيمينه، وبيمينه مطويًا، والأولى أولى؛ لما يتصور منه السامع طي النشر
[ ١٣ / ٤٣٥ ]
ودخولها تحت القبضة، ونصب (مطويات) على الحال. ﴿﷾﴾: ما أبعد من هذه قدرته وعظمته، وما أعلاه عما يضاف إليه من الشركاء.
[﴿ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ ومَن فِي الأَرْضِ إلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ ٦٨]
فإن قلت: ﴿أُخْرَى﴾ ما محلها من الإعراب؟ يحتمل الرفع والنصب: أما الرفع فعلى قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]، وأما النصب فعلى قراءة من قرأ: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]، والمعنى: ونفخ في الصور نفخة واحدة، ثم نفخ فيه أخرى. وإنما حذف لدلالة ﴿أُخْرَى﴾ عليها، ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان. وقرئ: (قيامًا ينظرون): يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب. وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم. ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجهود في مكان لتحيرهم.
_________________
(١) ـ في مشاهدته، ومن ثم جاء: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأما حكم الأرض فبالقبض أنسب، فاختلف لذلك التركيب؛ ولأن تقديم الحال على العامل المعنوي ضعيف. قال ابن الحاجب: وقد اختلف في مثل: " زيد كائنا في الدار"، فجوزه بعضهم؛ لأن التقدير: استقر أو مستقر، وبعضهم يجعلون المقدر نسيًا منسيًا، والظرف هو العامل في المعنى، وهذا أرجح؛ لأنه لم يثبت ملثه في فصيح الكلام؛ ولأنه في حكم العدم، وصارت العاملة مع النائب عنه. قوله: (فعلى قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾) يعني: جاء في ذلك الموضع كذا، فيحمل هذا عليه. وقال القاضي: دل قوله تعالى: ﴿أُخْرَى﴾ على أن المراد من قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ نفخة واحدة.
[ ١٣ / ٤٣٦ ]
[﴿وأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ووُضِعَ الكِتَابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَدَاءِ وقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ * ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ٦٩ - ٧٠]
قد استعار الله ﷿ النور للحق والقرآن والبرهان
_________________
(١) ـ قوله: (قد استعار الله النور للحق والقرآن والبرهان)، يعني: لا يحمل "النور" الذي في الآية على حقيقته للصارف، وقد ورد في التنزيل بمعنى الحق والقرآن والبرهان على المجاز من ذلك، فعلى هذا: قوله تعالى: ﴿وأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ مستعار لقولنا: وتزينت أرض القيامة بما يقام فيها من الحق وبسط العدل من القسط في الحساب. وينادي على أنه مستعار الإضافتان؛ أي: إضافة "النور" إلى "الرب"، وإضافة "الرب" إلى "الأرض". عن بعضهم: دل على أنه مستعار إضافة" النور" إلى"الرب"؛ لأن الله هو الحق العدل، فناسب أن يراد بـ"النور": الحقية والعدالة، فالحق والعدل صفة الله وما أضيف إليه المراد به المصدر لا الوصف؛ ليتغايرا. وقلت: شبه إقامة الله الحق والعدل في أرض القيامة للاستنفاع بهما، وتزيينهما بهما، بإشراق النيرين وجه الأرض، وتبيين ما فيها، ثم حذف المشبه، وأقيم المشبه به مقامة، وجعلت القرينة الإضافتين، وفي الممثل به ثلاثة أشياء: وجود النيرين، وإشراقها الأرض، وإبانة الأشياء بنورهما؛ ففي المشبه تحقبق وجود الحق والعدل، وبسطهما في أرض القيامة، وإقامتهما بحسب اقتضاء صالح الأعمال وسيئها، لا على أن هذه الأشياء كل واحد مشبه ومشبه به، بل على جعل الوجه منتزعا من المجموع، إما على التوهم؛ ليكون تمثيلية، أو على التحقيق والزبدة؛ لتكون عقلية. إذن قوله أولًا: "استعار النور للحق والقرآن والبرهان في مواضع" تصحيح هذه الاستعارة بحسب العرف التنزيلي. وثابيًا: "وينادي عليه بأنه مستعار" بإقامة الصارف الموجب للتأويل، وثالثا: "وإضافة اسمه إلى الأرض" بتخصيص المستعار له وأنه العدل لكن بطريق اللوزم، وكأن الرتبة في هذا المقام ملزوم العدل. ورابعا: "ثم ما عطف على إشراق الأرض"
[ ١٣ / ٤٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ بأن النظم أيضًا يقتضي ذلك التخصيص. وخامسا: "ترى الناس يقولون للملك العادل" بتصحيحها بحسب العرف العام. وسادسًا: "الظلم ظلمات يوم القيامة" بإنشائها بحسب استعمال الضد في الألفاظ النبوية. وسابعًا: "وكما فتح الآية بإثبات العدل ختمها بنفي الظلم"، بأن مراعاة رد العجز على الصدر على طريقة الطرد والعكس داعية إلى تفسير النور بالعدل. كأنه قصد بذلك كله مخالفة أقوال بعض المفسرين وترجيح أحد الأقوال فيها، فوجب لذلك أن يوردها في الذكر، ثم ينظر إلى وجه الترجيح نظر إنصاف. قال الواحدي رحمة الله: إن الله يخلق في القيامة نورا يلبسه وجه الأرض فتشرق الأرض به من غير شمس ولا قمر. هذا أحد قولي الزجاج. وقال محيي السنة: أشرقت الأرض بنور خالقها، وذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه فما يضارون في نوره كما لا تضارون في الشمس في اليوم الصحو. وهذا قول آخر للزجاج. وقال الحسن والسدي: بعدل ربها، وأراد بالأرض: عرصات القيامة. وهذا القول هو المختار عند المصنف، وتبعه القاضي. وقال السجاوندي: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ عدله الصافي عن ملكة الغير. واختار الإمام قول الواحدي وقال: الآية تدل على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى الله تعالى، ولا يلزم أن يكون ذلك النور من خلق الله تعالى؛ لأنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب، فلما كان ذلك النور من خلق الله شرفه الله تعالى بأن أضافه إلى نفسه كبيت الله وناقة الله، هذا أقوى من حمله على العدل؛ لأنا نفتقر إلى ترك الحقيقة والذهاب إلى المجاز. وقلت: القول ما اختار محيي السنة. وقد روى الإمام مسلم بن الحجاج في"صحيحه" عن أبي هريرة: " قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في
[ ١٣ / ٤٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة"؟ قالوا: لا. قال: "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ " قالوا: لا، قال: فو الذي نفسي بيده لا تضارون في ربكم كما لا تضارون في رؤية أحدهما، فيلقى العبد ربه فيقول_ أي له_: ألم أكرمك وأسودك وأزوجك؟ " الحديث، قال الزجاج: روي "لا تضارون" بتشديد الراء، ولا "تضامون" بتشديد الميم، ومعنى "لا تضارون" لا يضار بعضكم بعضًا، أي: لا يخالف بعضكم بعضًا في ذلك، يقال: ضاررت الرجل أضار مضارة وضرارًا، إذا خالفه. ومعنى "لا تضامون": لا يضم بعضكم بعضًا فيقول واحد للآخر: أرنيه. كما يفعلون عند النظر إلى الهلال. وما اختار محيي السنة ما اختاره إلا لهذا النص الصريح، وما تعسف المصنف تلك التعسفات إلا فرارا منه، وقد جاء وصف الباري بالنور، ومن أسمائه الحسنى النور، روينا عن الإمام أحمد بن حنيل ومسلم والترمذي عن أبي الدرداء أنه سأل رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنى أراه؟ ". وزاد أحمد: "نور أني أراه". على طريق الإيجاب. وقال حجة الإسلام في "مشكاة الأنوار" بأن النور الحق هو الله تعالى، ثم قال: بل أقول ولا أبالي: إن اسم النور على غير النور الأول مجاز محض.
[ ١٣ / ٤٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ هذا، وإن من مذهب السلف الصالح أن يجري الكلام فيه وفي أمثاله على ظاهره بعد أن نقر أن هذا النور ليس من نوع هذه الكيفية الفائضة على الأجسام، ونحيل كنه معرفته إلى قصور أفهام البشر. ووجدت في تضاعيف كلام الإمام ما معناه: أن طريق المحققين من الموحدين القول بأنا نعلم أنه ليس مراد الله في أمثال هذه الصفات هذه المشاهدات، وأما تعيين المراد فهو مفرض إلى الله تعالى، وأما قول محيي السنة: ذلك حين يتحلى الله الرب لفصل القضاء بين خلقه، فهو الذي يقتضيه المقام من التأويل وعليه التعويل؛ لأن المقام مقام تجلي الذات بصفات الجلال والعظمة؛ لما يلوح من صفحات معنى الآية تباشير معنى قوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] ولمجيء الأفعال المتناسقة على البناء للمفعول على نحو قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود: ٤٤] الآية. قال المصنف: ومجيء أخباره على الفعل المبني للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء، وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل قادر قاهر، وأن فاعلها واحد لا يشارك في أفعاله، ولا يذهب الوهم إلى أن غيره الفاعل. بل الكلام من مبدئه وارد على سنن أحوال الملوك ومرون عادتهم، فإن الملك العظيم إذا ضرب سرداق جلاله وعظمته ليوم يشهد لقضاء شؤون العامة يأمر بإحضار خواص حضرته وأساطين مملكته، ثم يبرز من الحجب بحيث يشاهده الظالم والمظلوم، ويتصدى لفصل القضاء بنفسه، والحاكم العادل إذا جلس للقضاء في مسنده يضع بين يديه فرقان حكم الله ويأمر بإحضار العدول وإقامة الشهود، ولا مانع من إجراء هذه الألفاظ على هذه المعاني، على أن كنه معرفته موكول إلى علم الله. وفي جعل النور مجازًا عن العدل تحجير للواسع، وتقصير للكلام الجامع، على أن العدل من لوازم هذا البيان. وأما قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فهو متصل بقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ وتذييل لمعناه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وكان الوالد المغفور له_ تغمده الله بغفرانه_ كثيرًا ما يجري على لسانه أن جماعة من
[ ١٣ / ٤٤٠ ]
في مواضع من التنزيل، وهذا من ذاك. والمعنى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ﴾ بما يقيمه فيها من الحق والعدل، ويبسطه من القسط في الحساب ووزن الحسنات والسيئات، وينادي عليه بأنه مستعار إضافته إلى اسمه؛ لأنه هو الحق العدل. وإضافة اسمه إلى الأرض؛ لأنه يزينها؛ حيث ينشر فيها عدله، وينصب فيها موازين قسطه، ويحكم بالحق بين أهلها، ولا ترى أزين للبقاع من العدل، ولا أعمر لها منه. وفي هذه الإضافة أن ربا وخالقها هو الذي يعدل فيها، وإنما يجوز فيها غير ربها، ثم ما عطف على إشراق الأرض من وضع الكتاب والمجيء بالنبيين والشهداء والقضاء بالحق، وهو النور المذكور. وترى الناس يقولون للملك العادل: أشرفت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك، كما يقولون: أظلمت البلاد بجور فلان. وقال رسول الله ﷺ: "الظلم ظلمات يوم القيامة". وكما فتح الآية بإثبات العدل، ختمها بنفي الظلم. وقرئ: (وأشرقت) على البناء للمفعول، من شرقت بالضوء تشرق: إذا امتلأت به واغتصت. وأشرقها الله، كما تقول: ملأ الأرض عدلًا وطبقها عدلًا. و﴿الْكِتَابِ﴾: صحائف الأعمال، ولكنه
_________________
(١) ـ فضلاء الشرق كانوا يتحسرون على الظفر بالتفسير الكبير الموسوم بـ"مفاتيح الغيب"؛ ليقفوا على تفسير تحقيق هذه الآية فيها، والله ولي الإفضال. وأنشد صاحب "المطلع" لعباس بن عبد المطلب يمدح النبي ﷺ: وأنت لما ولدت أشرقت الـ أرض وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي النـ نور وسبل الرشاد نخترق قوله: (الظلم ظلمات يوم القيامة)، الحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر. قوله: (واغتصت)، الجوهري: المنزل غاص بالقوم، أي: ممتلئ بهم.
[ ١٣ / ٤٤١ ]
اكتفي باسم الجنس. وقيل: اللوح المحفوظ. ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾: الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخبار. وقيل: المستشهدون في سبيل الله.
[﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ ويُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾ ٧١ - ٧٢]
الزمر: الأفواج المتفرقة بعضها في أثر بعض، وقد تزمروا، قال:
حتى احزألت زمر بعد زمر
وقيل في زمر الذين اتقوا: هي الطبقات المختلفة: الشهداء، والزهاد، والعلماء، والقراء، وغيرهم. وقرئ: (نذر منكم). فإن قلت: لم أضيف إليهم اليوم؟ قلت:
_________________
(١) ـ قوله: (حتى احزألت زمر بعد زمر)، قيل أوله: إن العفاة بالسيوب قد غمر الأساس: احزأل السراب بالظعن: زهاها. واحزألت الإبل في السير: ارتفعت. وأنشد المصراع. الراغب: الزمرة: الجماعة القليلة، ومنه قيل: شاة زمرة، قليلة الشعر. ورجل زمر، قليل المروءة، ومنه اشتق الزمر والزمارة كناية عن الفاجرة.
[ ١٣ / ٤٤٢ ]
أرادوا لقاء وقتكم هذا، وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة. وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضًا في أوقات الشدة.
﴿قَالُوا بَلَى﴾ أتونا وتلوا علينا، ولكن وجبت علينا كلمة الله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨]؛ لسوء أعمالنا، كما قالوا: ﴿غضلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قِوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب؛ وهو الكفر والضلال. واللام في ﴿المُتَكَبِّرِينَ﴾ للجنس؛ لأن ﴿مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾ فاعل "بئس"، و"بئس" فاعلها: اسم معرف بلام الجنس، أو مضاف إلى مثله، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: فبئس مثوى المتكبرين جهنم.
[﴿وسِيقَ الَذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إلَى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إذَا جَاءُوهَا وفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وعْدَهُ وأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ﴾ ٧٣ - ٧٤]
﴿حَتَّى﴾ هي التي تحكى بعدها الجمل، والجملة المحكية بعدها هي الشرطية،
_________________
(١) ـ قوله: (﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ لسوء أعمالنا) إلى قوله: (فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب) هذا موافق لمذهبه، قال القاضي: كلمة العذاب هو الحكم عليهم بالشقاوة وأنهم من أهل النار، ووضع الظاهر فيه موضع المضمر للدلالة على اختصاص ذلك بالفكر. وقيل: كلمة العذاب: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مشنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]. قال أيضًا في قوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾: "اللام في ﴿المُتَكَبِّرِينَ﴾ للجنس"، ولا ينافي إشعاره بأن مثواهم في النار لتكبرهم عن الحق أن يكون دخولهم فيها لأجل أن كلمة العذاب حقت عليهم، فإن تكبرهم وسائر مقابحهم مسببة عن كلمة العذاب.
[ ١٣ / ٤٤٣ ]
إلا أن جزاءها محذوف، وإنما حذف؛ لأنه في صفة ثواب أهل الجنة؛ فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف، وحق موقعه ما بعد ﴿خَالِدِينَ﴾. وقيل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا﴾ جاؤوها (وفتحت أبوابها)، أي: مع فتح أبوابها. وقيل: أبواب جهنم لا تتفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها، بدليل قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠]؛ فلذلك جيء بالواو، كأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقد فتحت أبوابها. فإن قلت: كيف عبر عن الذهاب بالفريقين جميعًا بلفظ السوق؟
_________________
(١) ـ قوله: (وحق موقعه)، أي: الجزاء المقدر بعد قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾. وعن بعضهم: أي: فادخلوها خالدين كان ما كان ووقعوا فيما وقعوا. وقوله: كان ما كان ووقعوا فيما وقعوا؛ جزاء ﴿إِذَا جَاؤُوهَا﴾، قال الزجاج: اختلف الناس في جواب "إذا" قيل: الواو مسقطة، أي: حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها. وسمعت محمد بن يزيد_ يعني المبرد_ يذكر أن الجواب محذوف، التقدير: ﴿حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا﴾ إلى آخر الآية سعدوا، أي: حتى إذا جاؤوها وقع مجيئهم مع فتح أبوابها حتى يجتمع المجيء مع الفتح في حال واحدة. قال الزجاج: والذي عندي: ﴿حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ دخلوها. وقول المبرد موافق للقول الأول للمصنف. قوله: (أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها)، قال الراغب: إن جهنم لما كانت أشد المحابس، ومن عادة الناس إذا شددوا أمرها ألا يفتحوا أبوابها إلا لداخل أو خارج، ولما كانت جهنم أهولها أمرًا وأبلغها عقابًا أخبر عنها بما شوهد من أحوال الحبوس، وأما الجنة فلأن من فيها يتشوقون للقاء أهلها، ومن رسم المنازل إذ بشر من فيها بإياب أربابها إليها أن تفتح أبوابها استبشارًا لهم وتطلعا إليهم، ويكون ذلك قبل مجيئهم، فأخبر عن ذلك على ما جرت به العادة، فيكون حذف الجزاء وإدخال الواو على المعطوف عليه لذلك فاعرفه.
[ ١٣ / ٤٤٤ ]
قلت: المراد بسوق أهل النار: طردهم إليها بالهون والعنف، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى جبس أو قتل. والمراد بسوق أهل الجنة: سوق مراكبهم؛ لأنه لا يذهب بهم إلا راكين، وحثها إسراعًا بهم إلى دار الكرامة والرضوان،
_________________
(١) ـ قوله: (المراد بسوق أهل النار: طردهم إليها بالهوان … وبسوق أهل الجنة: سوق مراكبهم)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين، راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا"، الحديث. وعن الترمذي، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنكم تحشرون رجالًا وركبانا وتجرون على وجوهكم". وعن الترمذي، ع أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفًا مشاة، وصنفًا ركبانا، وصنفًا على وجوههم". الحديث. قال القاضي: المشاة المؤمنون الذين خلطوا صالح أعمالهم بسيئها ويكونون مترددين بين الخوف والرجاء، يرجون رحمة الله لإيمانهم، ويخافون عذابة بسوء أعمالهم، فلعلهم أصحاب اليمين. والصنف الركبان هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات واجتنبوا عن السيئات، يسرعون إلى ما أعدلهم في الجنان إسراع الركبان، ولعلهم السابقون؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠، ١١] واثنان على بعير، وثلاثة على بعير،
[ ١٣ / ٤٤٥ ]
كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين. ﴿طِبْتُمْ﴾ من دنس المعاصي، وطهرتم من خبث الخطابا ﴿فَادْخُلُوهَا﴾ جعل دخول الجنة مسببًا عن الطيب والطهارة،
_________________
(١) ـ تفصيل لمراتبهم ومنازلهم في السبق وعلو الدرجة، أو على سبيل التمثيل؛ لأن تفاوتهم في المراكب بحسب تفاوت نفوسهم واختلاف أقدامهم في العلم والعمل. قوله: (جعل دخول الجنة مسببًا عن الطيب والطهارة)، يعني: رتب الأمر بالدخول بالفاء على ﴿طِبْتُمْ﴾. قال الإمام: قالت المعتزلة: هذا يدل على أن أحدًا لا يدخلها إلا إذا كان طاهرًا عن كل المعاصي. وإلى هذا أشار المصنف بقوله: "فما أبعد أحوالنا من تلك المناسبة" إلى قوله: "إلا أن يهب لنا الوهاب الكريم توبة نصوحًا" تعريضًا. وقلت: ويحصل ذلك أيضًا بأن يبدل الله سيئاتهم حسنات فيدخلون طاهرين طيبين بفضل الله، على أن أحدًا لا يدخلها إلا بفضله. روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة وجابر قالا: قال رسول الله ﷺ: "قاربوا وسددوا واعلموا أنه لا ينجو أحد منكم بعمله"، قالوا: ولا أنت؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته". وفي رواية أخرى لأبي هريرة: "لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة". وبالشفاعة أيضًا، والأحاديث فيها بلغت مبلغ التواتر، وبعد التعذيب أيضًا على ما روينا عن مسلم، عن جابر في حديث طويل: "أن قومًا يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها فيخرجون كأنهم عيدان السماسم، قال: فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس". يؤيده ما رواه الواحدي عن قتادة: إنهم طيبوا قبل
[ ١٣ / ٤٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ دخول الجنة بالمغفرة واقتص بعضهم من بعض، فلما هذبوا وطيبوا قال لهم الخونة: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوها﴾. اعلم أن خاصية التركيب ومقتضى التأليف لا يساعد تفسير المصنف "السوق" بقوله: "والمراد بسوق أهل الجنة: سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين"، ولا تأويله ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بقوله: "وقيل: في زمر الذين اتقوا؛ هي الطبقات المختلفة: الشهداء والزهاد والعلماء والقراء"؛ لأن الآيات من باب الجمع مع التقسيم، فإن قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ جمع الأنفس كلها في حكم توفي أجور الأعمال صالحها وسيئها. وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ إلى آخر الآيات تقسيم لذلك الجمع وتفصيل لذلك المجمل، وقد أوثر فيهما الذين كفروا والذين اتقوا على الكافرين والمتقين ليدل على العموم قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]. وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] أي: الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل: إلى الظالمين. وأوقع ﴿زُمَرًا﴾ في الموضعين حالًا من ضمير الفريقين؛ ليدل على أنهم على طرائق شتى أفواجا متفرقة على تفاوت منازلهم مراتبهم، كما ورد في حديث أبي هريرة: "صنفًا مشاة، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجوههم، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، ورأبعة على بعير"، وحققه القاضي، وقوبل كل من المفضلين بالآخر فوجب أن يفسر ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بما يكون مقابلا لقوله: " الذين كفروا وكذبوا بآيات الله ورسله واليوم الآخر وغلبت عليهم شقوتهم وحقت عليهم كلمة العذاب"، بأن يقال: وسيق الذين اتقوا الشرك وآمنوا بآيات الله ورسله وباليوم الآخر إلى الجنة زمرًا، فرقة طيبين، وفرقة طابوا بالشفاعة، وفرقة هذبوا بالاقتصاص، وأخرى نجوا بالمغفرة وأدركتهم كلمة ربهم الحسنى، كما قال: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ كما حقت كلمة العذاب على أولئك الأشقياء.
[ ١٣ / ٤٤٧ ]
فما هي إلا دار الطيبين ومثوى الطاهرين؛ لأنها دار طهرها الله من كل دنس، وطيبها من كل قذر، فلا يدخلها إلا مناسب لها موصوف بصفتها، فما أبعد أحوالنا من تلك المناسبة! ما أضعف سعينا في اكتساب تلك الصفة! إلا أن يهب لنا الوهاب الكريم توبة نصوحًا، تقي أنفسنا من درن الذنوب، وتميط وضر هذه القلوب. ﴿خَالِدِينَ﴾: مقدرين الخلود. ﴿الْأَرْضَ﴾: عبارة عن المكان الذي أقاموا فيه واتخذوه مقرًا ومتبوا وقد ورثوها، أي: ملكوها وجعلوا ملوكها، وأطلق تصرفهم فيها كما يشاؤون، تشبها بحال الوراث وتصرفه فيما يرثه واتساعه فيه، وذهابه في إنفاقه طولًا وعرضًا.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿حَيْثُ نَشَاءُ﴾؟ وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ قلت: يكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة، فيتبوأ من جنته حيث يشاء،
_________________
(١) ـ وأما اختيار لفظ" السوق" وبناء الفعل للمفعول فلللدلالة على عظمة الكبرياء والجلال، ولتوافق ما ختم به الكلام بما بدئ به، ألا ترى كيف قيل: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وض الشُّهَدَاءِ﴾؟ فكما أن ذلك المجيء لا يدل على فضلهم وكرامتهم بل على الكبرياء والجلال، وكذلك هذا السرق. وأيضا: لا يليق بهذا المقام أن يقال: وحثها إسراعًا بهم إلى دار الكرامة كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك؛ لأنه صدور من جناب ملك الملوك بعد قضاء الحق وتوفي الأجور، ويمكن أن يجرى على المشاكلة، فإن لما نسب السوق إلى الكفار وانضم معه مقام الجبروت والكبرياء، قيل: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفي عكسه قوبل في الكهف: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] بقوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾: [الكهف: ٣١]. قال: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ متكأ، من المرفق، وهذا لمشاكلة قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾. قوله: (يكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة)، ينصره ما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلًا لمن ينظر إلى جناية وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة،
[ ١٣ / ٤٤٨ ]
ولا يحتاج إلى جنة غيره.
[﴿وتَرَى المَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٧٥]
﴿حَافِّينَ﴾: محدقين من حوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: يقولون: سبحان الله والحمد لله، متلذذين لا متعبدين. فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: ﴿بَيْنَهُم﴾؟ قلت: يجوز أن يرجع إلى العباد كلهم، وأن إدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة لا يكون إلا قضاء بينهم بالحق والعدل، وأن يرجع إلى الملائكة، على أن ثوابهم_ وإن كانوا معصومين جميعًا_ لا يكون على سنن واحد، ولكن يفاضل بين مراتبهم على حسب تفاضلهم في أعمالهم، فهو القضاء بينهم بالحق. فإن قلت: قوله: ﴿وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ من القائل ذلك؟ قلت: المقضي بينهم، إما جميع العباد، وإما الملائكة، كأنه قيل:
_________________
(١) ـ وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية"، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. قوله: (﴿حَافِّينَ﴾: محدقين)، قال مكي: هو نصب على الحال؛ لأن"ترى" رؤية العين، وواحدة: حاف. وقال الفراء: لا واحد له. قوله: (لا متعبدين)، يقال: تعبد الله: أي: عبده. وتعبده الله أي: استعبده. وفلان يتعبد، كما تقول: يتزهد. الأساس: فلان قد استعبده الطمع، وتعبدني فلان واعتبدني، صيرني كالعبد له. قوله: (المقضي بينهم إما جميع العباد أو الملائكة)، وعلى الأول: تكرير الحمد لإناطة معنى زائد به؛ لأن الأول: للتفضلة بين الفريقين بحسب الوعد والوعيد والسخط
[ ١٣ / ٤٤٩ ]
وقضى بينهم بالحق، وقالوا: الحمد لله على قضائه بيننا بالحق، وإنزال كل منا منزلته التي هي حقه.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة الزمر لم يقطع الله رجاءه يوم القيامة، وأعطاه الله ثواب الخائفين الذين خافوا". وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر.
_________________
(١) ـ والرضوان، والثاني للتفرقة بينهما بحسب الأبدان: فريق في الجنة وفريق في السعير، فتكون الآية كالتتميم بالنسبة إلى الأولى في إتمام القضاء، وعلى الثاني كالتكميل؛ لأن ذلك القضاء في حق بني آدم، وهذا في حق الملائكة، ويؤيد التأويل الثاني: تكرير التحميد في الآيتين. فإن قلت: إنما يستقيم هذا في حق المؤمنين الذين قضي لهم بالجنة، وأما الكافرون الذين قضي لهم بالنار فكيف يحمدون عليه؟ قلت: بحمل الجميع على المجاز، بأن يراد بالعباد المؤمنين، أو أن يقصد بالحمد المدح على قضائه بالحق والقسط، كما يرى الظالم المنصف إذا استوفى الحاكم العادل منه حق جنايته، فإنه قد يأخذ في مدحه، وإليه الإشارة بقوله: "وإنزال كل منا منزلته التي هي حقه". قوله: (وعن عائشة ﵂)، الحديث من رواية الترمذي عنها: " أن رسول الله ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل". تمت السورة حامدًا لله تعالى ومصليًا على رسول الله ﷺ * * *
[ ١٣ / ٤٥٠ ]