مكية، وهي ثلاثون آية، وقيل: تسع وعشرون
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)] ١ - ٣ [
(الم) على أنها اسم السورة مبتدأ خبره (تَنْزِيلُ الْكِتابِ)، وإن جعلتها تعديدًا للحروف ارتفع (تَنْزِيلُ الْكِتابِ) بأنه خبر مبتدٍإ محذوف: أو هو مبتدأ خبره (لا رَيْبَ فِيهِ) والوجه أن يرتفع بالابتداء، وخبره (مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) و(لا رَيْبَ فِيهِ) اعتراض لا محل له. والضمير في فِيهِ راجع إلى مضمون الجملة، كأنه قيل: لا ريب في ذلك، أى في كونه منزلًا من رب العالمين، ويشهد لوجاهته قوله: (أَمْ
_________________
(١) ـ سورة السجدة مكية، وهي ثلاثون آية، وقيل: تسع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (ويَشهدُ لِوَجاهتِه)، الأساس: رجلٌ وجيهٌ بيِّنُ الوَجاهة، وله جاهٌ وحُرمَة؛ أي: يؤيِّد أنَّ الوَجْهَ في الإعراب هذا الأخير تَعقيبُه بقولِه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾، وبقوله: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾.
[ ١٢ / ٣٢٨ ]
يَقُولُونَ افْتَراهُ) لأنّ قولهم: هذا مفترى، إنكار لأن يكون من رب العالمين، وكذلك قوله: (بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) وما فيه من تقدير أنه من الله، وهذا أسلوب صحيح محكم: أثبت أوّلًا أن تنزيله من رب العالمين، وأن ذلك ما لا ريب فيه، ثم أضرب عن ذلك إلى قوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) لأن (أم) هي المنقطعة الكائنة بمعنى (بل) والهمزة، إنكارًا لقولهم وتعجيبًا منه لظهور أمره في عجز بلغائهم عن مثل ثلاث آيات منه، ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك. ونظيره أن يعلل العالم في المسألة بعلة صحيحة جامعة، قد احترز فيها أنواع الاحتراز، كقول المتكلمين: النظر أوّل الأفعال الواجبة على الإطلاق التي لا يعرى عن وجوبها مكلف، ثم يعترض
_________________
(١) قوله: (وهذا أسلوبٌ صَحيحٌ مُحكَم)؛ لحصول التَّرقِّي في كونه ﴿مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أما الجملةُ الأولى: فبالتَّصريح وتوكيدُها بالجملة المُعتَرِضة، وأمّا الثانيةُ: فلأنَّ الإنكارَ البليغَ والإضرابَ عن الأوَّل يدلُّ على أنَّهم قد أظهروا أمرًا غريبًا يجب أن يُقضى منه العجب، وهو أنَّ أقلَّ سورةٍ منه إذا كان معجوزًا عنه؛ فكيف يُقال لمثلِه: إنه مفترًى، ولهذا قال: «تعجيبًا منه لظهور أمرِه». وأما الثالثة فلتصريح ﴿بَلْ﴾ وتعريفِ ﴿الْحَقُّ﴾ الذي هو الخبرُ بلام الجنسِ، وتخصيصُ لفظِ ﴿الْحَقُّ﴾. وأمّا التخصيصُ بعد التَّعميم؛ أعني: ﴿رَّبِكَ﴾ و﴿رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فللتَّخلص إلى إثبات نبوَّته ﷺ، والإيذانِ بأنَّ المنزَّل الكائن من جهة مالكِ العالمينَ ومدبِّرِ أمورِ المخلوقاتِ كلِّها هو الثابتُ من جهة مَن هو مالِكُك ومُدبِّر أمرِكَ خاصةً، فدلَّ التخصيصُ بعد التَّعميم على عِظَم شأنِه ﷺ، ثم التَّصريحُ باسم الذاتِ والحضرة الجامعةِ، وإثبات الخالقيَّة والمدَبِّريَّة بعد الحُكم بإنزال هذا القرآنِ، دلَّ على تعظيم شأنِ هذا المُنزَّلِ والمُنزَّلِ عليه، كأنَّه قيل: هو الحقُّ من ربِّك ذلك الذي خَلق السَّماواتِ والأرضَ، ثمّ استوى على العرش، فهو من باب تَرتُّبِ الحُكم على الوَصْف. قوله: (النَّظَرُ أوّل الأفعال الواجبة) إلى آخره. قال نجمُ الدِّين الخوارزميُّ في كتاب
[ ١٢ / ٣٢٩ ]
عليه فيها ببعض ما وقع احترازه منه، فيرده بتلخيص أنه احترز من ذلك، ثم يعود إلى تقرير كلامه وتمشيته. فإن قلت: كيف نفى أن يرتاب في أنه من الله، وقد أثبت ما هو أطم من الريب، وهو قولهم: (افْتَراهُ)؟ قلت: معنى (لا رَيْبَ فِيهِ): أن لا مدخل للريب في أنه تنزيل الله: لأن نافى الريب ومميطه معه لا ينفك عنه؛ وهو كونه معجزا للبشر، ومثله أبعد شيء من الريب.
_________________
(١) ـ «الصَّفوة»: النَّظَرُ أول الواجباتِ؛ لأنَّ سائرَ الواجباتِ الشرَّعيّةِ فرعٌ على معرفة الله بتوحيدِه وعَدْلِه، ومعرفتُه فرعٌ على النَّظَرِ، فكان النَّظرُ مقدَّمًا على الكلِّ. فإن قيل: رَدُّ الوديعةِ، وقضاءُ الدَّين، وتَرْك الظُّلم، وشُكر نِعَم العبادِ: واجبةٌ عند كمال العَقْل، فلمْ يكنِ النَّظرُ أوَّلَ الواجبات؟ قلنا: نحن لا ندَّعي ذلك على الإطلاق، ولكنّا نقول: النَّظرُ أولُ الأفعالِ الواجبةِ المقصودةِ التي يَنفكُّ عنها كلُّ عاقلٍ، وبهذه القُيودِ اندفَعَ جميعُ النُّقوضِ لانتفائها. وقلت: أمّا تنزيلُ الآيةِ على الكلام المصنّفِ فهو أن يُقالَ: أنَّ أصل المَسألةِ: الم ذلك الكتاب تنزيلٌ من ربِّ العالمينَ، والتعليل هو قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، وما دلَّ على الاعتراض قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾؛ لأنَّ قولَهم هذا إنكارٌ لأنْ يكونَ من ربِّ العالمين، وقد احترز عن هذا الاعتراض في قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ لأنّه كلامٌ جامعٌ، ومعناه: أن هذا الكتاب لوُضوحِ دلالتِه وسُطوعِ بُرْهانِه ليس فيه مجالٌ للشُّبهة ولا مَدْخلٌ للرِّيبةِ. قوله: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ﴾ ردٌّ للاعتراض، وإشارةٌ إلى أنَّ قولَه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ قد احترز في من ذلك؛ لأنَّه متضمِّنٌ لمعنى أنه غيرُ مُفترًى، ثم عاد بقوله: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا﴾ إلى تقرير الكلام السابقِ. قوله: (لأنَّ نافيَ الرَّيبِ ومُميطَه معه لا ينفكُّ عنه)، «معه» خبرُ «أنّ»، و«لا يَنْفَكُّ» إمّا خبرٌ بعدَ خبرٍ، وإمّا حالٌ مؤكّدّةٌ من المُستترِ في الخبر.
[ ١٢ / ٣٣٠ ]
وأما قولهم: (افْتَراهُ) فإما قول متعنٍت مع علمه أنه من الله لظهور الإعجاز له، أو جاهٍل يقوله قبل التأمل والنظر؛ لأنه سمع الناس يقولونه. (ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) كقوله: (ما أنذر آباؤهم)] يس: ٦ [وذلك أن قريشًا لم يبعث الله إليهم رسولًا قبل محمد ﷺ. فإن قلت: فإذا لم يأتهم نذير لم تقم عليهم حجة. قلت: أما قيام الحجة بالشرائع التي لا يدرك علمها إلا بالرسل فلا، وأما قيامها بمعرفة الله وتوحيده وحكمته فنعم؛ لأن أدلة العقل الموصلة إلى ذلك معهم في كل زماٍن. (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) فيه وجهان: أن يكون على الترجي من رسول الله ﷺ كما كان (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ)] طه: ٤٤ [على الترجي من موسى وهارون ﵉، وأن يستعار لفظ الترجي للإرادة.
_________________
(١) ـ قوله: (أمّا قِيام الحُجَّةِ بالشرائع) الجواب ليس بشيءٍ؛ لأنَّ الأنبياءَ لم تَزَل مبعوثةً والحجةُ بهم لازمةً، على أنَّ المرادَ: ما أتاهم من نذير منهم. قال الزَّجّاجُ: أمّا الإنذارُ بما تقدَّم من رُسلِ الله فعلى آبائهم به الحُجَّةُ، وعليهم أيضًا؛ لأنَّ الله لا يُعذِّب إلاَّ مَن كَفرَ بالرُّسلِ، والدَّليلُ عليه قولُه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فعلى هذا قولُه: ﴿مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ﴾ أي: رسولٌ منهم ومن قَومِهم يُنذرهم خاصَّةً وعامَّةً كافة النّاس. قوله: (لأنَّ أدلةَ العَقل المُوصِلة إلى ذلك معهم)، الانتصاف: مَذهبُنا أنَّه لا تُدرَكُ أحكامُ التَّكليفِ إلا بالشَّرع، وقاعدةُ الحُسنِ والقُبْحِ قد تكرَّر إبطالُها، فتعرض عمّا يقولُه حتَّى يخوضوا في حديثٍ غيرِه، وإنّما قامتِ الحُجَّةُ على العرب بمَن تقدَّم مِن الرُّسل كأبيهم إسماعيلَ، وقولُه: ﴿مَّا أَتَاهُم﴾ يعني: في زمانه ﷺ.
[ ١٢ / ٣٣١ ]
[الله الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ)] ٤ [
فإن قلت: ما معنى قوله: (ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ)؟ قلت: هو على
_________________
(١) ـ قوله: (معنى قولِه: ﴿مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ أي: يقتضي، دليلُ الخطابِ أنَّ الله شفيعٌ، وكيف يَحسُن أن يُسمَّى شفيعًا؛ يدلُّ عليه قولُه: «أي: ناصِرُكم على سبيل المجازِ». أجاب أن معنّى ﴿مِّن دُونِهِ﴾: المجاوزةُ عن رِضاه، يعني: «دون» هنا: بمعنى التَّجاوُز من شيءٍ إلى شيءٍ، قال الشّاعر: يا نَفسُ مالَكِ دونَ الله من واقِ أي: إذا تجاوزتِ وِقايةَ الله ولم تناليها لم يَقِكَ غيرُه، فـ ﴿مِّن دُونِهِ﴾ حالٌ من المجرور، والعاملُ الجارُّ والمجرورُ؛ أي: ما استقرَّ لكم مجاوِزينَ الله شفيعٌ يشفعُ لكم. ويجوز أن يكونَ حالًا من ﴿شَفِيعٍ﴾ قُدِّمت لكون ذِي الحالِ نَكرةً، و«دون» بمعنى: غير، والشَّفيعُ بمعنى الناصِر، فيكون عطفُه على ﴿وَلِيٍّ﴾ تتميمًا ومبالغةً؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١]. والحاصل أنَّ الشَّفيع على الأوَّل: غيرُ الله، وعلى الثّاني: هو الله تعالى؛ على المجازِ، وبيانُ الاتِّصالِ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾، وخصوصًا يتولى أمورَ معاشِكُم ومعادِكُم، فإنْ تجاوزتم عنه إلى وليٍّ وشفيعٍ لم تجدوا أبدًا، وهو المتولِّي وهو الشفيعُ والناصرُ لا غير.
[ ١٢ / ٣٣٢ ]
معنيين، أحدهما: أنكم إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم وليًّا، أى: ناصرًا ينصركم ولا شفيعًا يشفع لكم. والثاني: أن الله وليكم الذي يتولى مصالحكم، وشفيعكم، أى: ناصركم على سبيل المجاز؛ لأن الشفيع ينصر المشفوع له، فهو كقوله تعالى: (وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ الله مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ فإذا خذلكم لم يبق لكم ولىّ ولا نصير)] البقرة: ١٠٧ [فإذا خذلكم لم يبق لكم ولٌّي ولا نصير.
[يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)] ٥ [
(الْأَمْرَ) المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبرًا (مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ) ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه ذلك المأمور به خالصًا كما يريده ويرتضيه إلا في مدةٍ متطاولة؛ لقلة عمال الله والخلص من عباده، وقلة الأعمال الصاعدة؛ لأنه لا
_________________
(١) ـ قوله: (يُنزِّله مُدبَّرًا) يريد أنَّ ﴿يُدَبِّرُ﴾ مضمَّن معنى: ينزِّل، حيثُ عدِّي بـ «مِنْ» و«إلى»، وقُوبل بقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾، فلا بدَّ من تقدير: يُنزِّل. قوله: (إلا في مُدَّةٍ مُتطاوِلة) يعني: يراد بألف سنةٍ المدةُ المتطاولةُ لا التَّعيينُ والتَّوقيتُ. قال القاضي: معنى ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾: ثم يَصعدُ إليه، ويثبتُ في علمه موجودًا؛ أي: أعمالُكم في بُرْهَةٍ من الزَّمان متطاولة، يعني بذلك استطالَة ما بينَ التَّدبيرِ والوُقوع، وإليه أشارَ المصنِّفُ: «ولا يصعدُ ذلك المأمورُ خالصًا … إلاَّ في مدةٍ متطاوِلةٍ لقلَّة عمّالِ الله والخُلَّصِ». ويَنصُر هذا التأويلَ الفاصلةُ، وهي قولُه: ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾، فإنّها كالفاصلة السابقةِ؛ أي: ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾. ولفظة ﴿ذَلِكَ﴾ في قوله: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ شاهدةٌ بذلك، كأنَّه قيل: ذلك الخالقُ المدبِّرُ الذي خَلَق الكائناتِ ودبَّر أمورَ العالمينَ، وخُصوصًا أمرَ أعمالِكُم، له العلمُ
[ ١٢ / ٣٣٣ ]
يوصف بالصعود إلا الخالص، ودل عليه قوله على أثره: (قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ)] السجدة: ٩ [، أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض: لكل يوم من أيام الله وهو ألف سنة، كما قال: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)] الحج: ٤٧ [، (ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) أى: يصير إليه، ويثبت عنده، وبكتب في صحف ملائكته كل وقٍت من أوقات هذه المدّة ما يرتفع من ذلك الأمر، ويدخل تحت الوجود إلى أن تبلغ المدة آخرها، ثم يدبر أيضا ليوٍم آخر، وهلم جرا إلى أن تقوم الساعة
_________________
(١) الشاملُ، وله العزَّةُ والرحمةُ، وله التفضُّلُ عليكم حيث أنشأكُم- حيًّا عالمًا، سميعًا، بصيرًا، قادرًا، ذا دريّة- من أخسِّ الأشياءِ من طينٍ ومن ماءٍ مهينٍ. وقوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ كالتَّوطئة والتَّمهيدِ؛ لقوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ﴾ وما اشتمل عليه من حُسْن التقدير فيه، ثمَّ قيلَ: ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ حيث لا يَصعدُ ما أمرناكُم به خالصًا كما نريدُه ونَرتَضِيه إلاَّ في مدَّةٍ متطاولةٍ، ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، والأمرُ على هذا الوجه، يعني المأمور به. والعُروجُ بمعنى الصُّعودِ، مأخوذٌ من قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. قوله: (أو يُدبِّرُ أمرَ الدُّنيا) عطفٌ على قوله: «﴿الْأَمْرَ﴾ المأمورَ به» من حيث المعنى، والأمرُ على هذا بمعنى الشَّأن، والعُروجُ بمعنى الإثباتِ والكَتْب. قوله: (ويَثبُتُ)، أي: يُثبَت، ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤]، أي: مُثبتون في صحيفة عَمَلهِ كما ثَبتت الكتابةُ في الرَّقِّ، قال تعالى: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. قوله: (وهَلُمّ جرًّا) من الأمثال. قال في «المفصَّل»: معناه: تَعالَوا على هَيْنَتِكُم كما يَسْهُل عليكم، وتقول: كان ذاك عامَ كذا، وهلمَّ جرًّا إلى اليوم.
[ ١٢ / ٣٣٤ ]
وقيل: ينزل الوحى مع جبريل ﵇ من السماء إلى الأرض. ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحى أو ردّه مع جبريل، وذلك في وقٍت هو في الحقيقة ألف سنة؛ لأن المسافة مسيرة ألف سنةٍ في الهبوط والصعود؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة سنة، وهو يوم من أيامكم لسرعة جبريل؛ لأنه يقطع مسيرة ألف سنةٍ في يوم واحد، وقيل: يدبر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه
_________________
(١) قوله: (وقيل: يُنزِّل الوحيَ) سمّيَ الوحيُ أمرّا؛ لأنَّه منه كقوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥]، وهو قولُ قتادةَ والسُّدِّيِّ ومقاتلٍ. والعُروج: الصُّعودُ الحقيقيُّ، فيكون التّقديرُ: في يوم كان مقدارُ مسافةِ السَّيرِ فيه مسافةَ ألفِ سنة، ويَقرُب منه قولُه تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. قوله: (وقيل: يُدبِّر أمرَ الدُّنيا من السَّماء إلى الأرضِ)، قال صاحب «المطلع»: هذا قول ابنِ عبّاس ﵁. وفي رواية عطاءٍ: ينزِّل القضاءَ والقَدَرَ منَ السماءِ إلى الأرضِ ثم يَعرُج إليه؛ أي: يَرجِعُ إليه في يوم كان مقدارُه ألف سنةٍ ممَّا تَعُدُّون، وهو يومُ القيامةِ لأنَّ يومًا من أيام الآخرة مثل ألف سنةٍ من أيام الدنيا، ومعناه: ثمَّ يصير الحُكمُ فيما قضى وقدّر إليه يوم القيامةِ كقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣]. فإن قلت: كيف التَّوفيقُ بين هذه الآيةِ وبينَ قولِه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٤، ٥]؟ قلت: أمّا على الوجه الأوَّل فهو ما قال الإمامُ: ذلك إشارةٌ إلى امتداد نفاذِ الأمر، وذلك لأنَّ مَنْ نَفَذ أمرُه غايةَ النفاذِ وانقطعَ في يومٍ أو يومينِ لا يكون مثلَ مَنْ يَنفذ أمرُه سنين متطاولةً، يعني: يُدَبّرُ الأمرَ في زمانٍ يومٌ منه ألفُ سنةٍ، فكم يكونُ شهرٌ منه؟ وكم تكون سنةٌ منه؟ وكم يكونُ دهرٌ منه؟ وعلى هذا لا فرقَ بينَ الآيتينِ؛ لأنَّ المرادَ استطالةُ نَفاذِ الأمرِ،
[ ١٢ / ٣٣٥ ]
ذلك الأمر كله؛ أى يصير إليه ليحكم (فيه فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ) وهو يوم القيامة. وقرأ ابن أبى عبلة: (يعرج) على البناء للمفعول
_________________
(١) ـ فسواءٌ يعبَّر بالألف أو بالخمسين [ألفًا لا يتفاوت]. نعم المبالغةُ في الخمسين أكثر. وأما على الوجه الأخيرِ فإنَّ طُولَ يوم القيامةِ يَمتدُّ إلى خمسينَ ألفَ سنةٍ، وفي هذه المدَّة يتصلُ عُروجُ الملائكةِ ونُزولها لشؤون أنفُسِهم العبادِ، ومنها ألفُ سنةٍ بحَسْبِ تقديرِ العبادِ يَحكمُ فيها ﷾ فيما يَرجعُ من شؤون عبادِه ممَّا تَقَعُ عليه المحاسبة، وإذا ليس في تلك المدَّةِ كلَّها الحسابُ؛ لأنَّ فيها الوقوفُ متحيِّرينَ، ثم تقعُ الشَّفاعة، ثم يكون الجوازُ على الصِّراطِ، ثم يكونُ المصيرُ إمّا إلى الجنَّةِ أو إلى النارِ. ويمكن أن يُرادَ به شدَّة اليومِ وهَوْلُه على الكافِرِ، وعلى المؤمن دُونَ ذلك بحَسْبِ السَّعادةِ والشَّقاوةِ. رواه مُحيي السُّنة في «المعالم». وفي «شرح السُّنة»: عن أبي سعيد: قِيل لرسول الله ﷺ: يومًا كان مقدارُه خمسينَ ألفَ سنة، فما أطولَ هذا اليومَ؟ فقال رسول الله ﷺ: «والَّذي نَفسي بيده، إنَّه لَيُخَفَّفُ على المؤمن حتّى يكون أخَفَّ عليه من صلاةٍ مكتوبةٍ يُصلّيها في الدُّنيا». يدلُّ عليه قولُه: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥]، فإنَّه تَصبيرٌ لرسول الله ﷺ، وما كان من النَّضْر بنِ الحارث معه من استعجالِه العذابَ استهزاءً وتكذيبًا، يعني: هذا الكافرُ يَستعجلُ العذابَ، وإنَّ قُدَّامَه يومٌ حالُه في شدَّته وفظاعتِه ذلك. ويُشبه أن يكونَ هذا من المُتَشابَهِ الذي استأثرَ الله به. روى مُحيي السُّنة عن ابن أبي مُليكةَ أنه قال: سأل فيروز ابنَ عبّاسِ عن الآيتينِ، فقال له: أيّامٌ سمّاها الله تعالى لا أدري ما هي، وأكرهُ أن أقولَ في كتابِ الله ما لا أعلمُ.
[ ١٢ / ٣٣٦ ]
وقرئ: (تعدون) بالتاء والياء.
[ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ)] ٦ - ٩ [
(أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ) حسنه، لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة؛ فجميع المخلوقات حسنة؛ وإن تفاوتت إلى حسٍن وأحسن، كما قال: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)] التين: ٤ [وقيل: علم كيف يخلقه؛ من قوله: قيمة المرء ما يحسن. وحقيقته. يحسن معرفته أى: يعرفه معرفةً حسنةً بتحقيق وإتقان. وقرئ: (خلقه) على البدل، أى: أحسن فقد خلق كل شيء. و(خلقه) على الوصف،
_________________
(١) قوله: (وقُرئ: ﴿تَعُدُّونَ﴾ بالتاء والياء)، بالتّاء الفوقانيّةِ: السَّبعةُ، وبالياء: شاذَّة. قوله: (من قوله) أي: من قول عليٍّ ﵁: قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسِنُه. أي: كلُّ مَنْ زاد علمُه زاد في صُدور الناس قَدْرُه وقيمتهُ، وكلُّ مَنْ نقص علمُه نقصَ في قلوب الناسِ جاهُه وحِشْمَتُه. قوله: (وقرئ: ﴿خَلَقَهُ﴾) ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ وأبو عمروٍ: بإسكان اللاّم، والباقون: بَفْتحها. قال أبو البقاء: بالسُّكون بَدَلٌ مِن ﴿كُلَّ﴾، بدلُ اشتمالٍ؛ أي: أَحسَنَ خَلْقَ كلِّ شيءٍ، ويجوز أنَ يكون مفعولًا أوَّلَ، و﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ ثانيًا، و﴿أَحْسَنَ﴾ بمعنى عَرَّف؛ أي: عرَّف عبادَه كلَّ شيءٍ. وبالفتح فِعْلٌ ماضٍ، وهو صفةٌ لـ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾.
[ ١٢ / ٣٣٧ ]
أي: كل شيء خلقه فقد أحسنه. سميت الذرية نسلًا؛ لأنها تنسل منه، أى: تنفصل منه وتخرج من صلبه ونحوه قولهم للولد: سليل ونجل، و(سَوَّاهُ) قوّمه، كقوله تعالى: (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)] التين: ٤ [ودل بإضافة الروح إلى ذاته على أنه خلق عجيب لا يعلم كنهه إلا هو، كقوله: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) الآية] الإسراء: ٨٥ [كأنه قال: ونفخ فيه من الشيء الذي اختص هو به وبمعرفته.
[وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)] ١٠ - ١١ [
وَ(قالُوا) قيل: القائل أبى بن خلف، ولرضاهم بقوله أسند إليهم جميعًا. وقرئ: (أءنا)، و(إنا) على الاستفهام وتركه. (ضَلَلْنا) صرنا ترابا، وذهبنا مختلطين بتراب
_________________
(١) ـ وفي «الحُجَّة»: ﴿خَلْقَهُ﴾ منصوبٌ على المفعول المُطلَق من قوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ والضميرُ لله كقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨]، و﴿وَعْدَ اللهِ﴾ [النساء: ١٢٢]. قال: هو مذهبُ سِيبَويه، ويجوز البَدَلُ. قوله: (لأنَّها تَنسِلُ منه) نَسَل الوَبْرُ وريشُ الطائرِ بنفسه يتعدَّى ولا يتعدَّى. قوله: (ونَفخَ فيه مِن الشَّيء الَّذي اختَصَّ هو بهِ وبمعرفتهِ)، هذا معنى الإضافةِ؛ لأنه لا يُضافُ إلى الله إلاَّ مالَه فَخامةٌ في نَفسِه، إذ كلُّ شيءٍ مملوكُه ومختصٌّ به؛ كقولك: بيتُ الله، وناقةُ الله. قال القاضي: أضافه إلى نفسِه تَشريفًا [له] وإشعارًا بأنّه خَلْق عَجيبٌ، وأنَّ له شأنًا وله مناسبةً ما إلى الحضرة الرُّبوبية؛ ولأجله قيلَ: مَنْ عَرف نفسَه فقد عَرف ربَّه. قوله: (وقرئ: ﴿أَءِنَّا﴾ و«إنّا» على الاستفهام وتَرْكِه)، بتَرْكِه: نافعٌ، والباقون: بالاستفهام.
[ ١٢ / ٣٣٨ ]
الأرض، لا نتميز منه، كما يضل الماء في اللبن، أو غبنا (فِي الْأَرْضِ) بالدفن فيها؛ من قوله:
وآب مضلّوه بعين جليّة
وقرأ على وابن عباس ﵄: (ضللنا) بكسر اللام، يقال: ضل يضل وضل يضل. وقرأ الحسن ﵁: صللنا، من صلّ اللحم وأصلّ: إذا أنتن. وقيل: صرنا من جنس الصلة وهي الأرض. فإن قلت: بم انتصب الظرف في (أَإِذا ضَلَلْنا)؟ قلت: بما يدل عليه (إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)] الرعد: ٥ [وهو نبعث، أو يجدد خلقنا. (لقاء ربهم): هو الوصول إلى العاقبة، من تلقى ملك الموت وما وراءه، فلما
_________________
(١) ـ قوله: (وآبَ مُضِلُّوهُ بعَينٍ جَليَّةٍ)، تمامُه في «المطلع» للنّابغة يَرثى النُّعمانَ بنَ المنذرِ: وغُودِرَ بالجَوْلانِ حَزمٌ ونائلُ جليَّة: قريرة، وجولان: موضع؛ أي: رَجعَ الذين غَيَّبوه في الأرض بالدفن بعُيونٍ قَريرةٍ شماتة، والحزامةُ والعطاءُ تُرِكا بدفن الميت في الجولان. ويروي: «بغير حلية». قوله: (الصِّلة وهي الأرضُ)، النهاية: الصَّلْصالُ: هو الصّال، الماء يقع على الأرض؛ فتنشق، فيجفّ، ويَصير له صوت. قوله: (بما يدلُّ عليه)، وإنما قال: «بما يدلُّ عليه ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾» إلى آخره؛ لأنَّ ما بعد «إنَّ» لا يعملُ فيما قبلَه. قوله: «(لقاءُ ربِّهم»: هو الوصولُ إلى العاقِبَةِ) وهو للحَصْر عند أهل السُّنةِ، فيكون لقاءُ الله: لقاءَ ثوابهِ وعقابهِ، ويَكون الرُّؤية.
[ ١٢ / ٣٣٩ ]
ذكر كفرهم بالإنشاء، أضرب عنه إلى ما هو أبلغ في الكفر؛ وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة، لا بالإنشاء وحده، ألا ترى كيف خوطبوا بتوفي ملك الموت وبالرجوع إلى ربهم بعد ذلك، مبعوثين للحساب والجزاء، وهذا معنى لقاء الله على ما ذكرنا. والتوفي: استيفاء النفس وهي الروح، قال الله تعالى: (الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ)] الزمر: ٤٢ [وقال: (أخرجوا أنفسكم)] الأنعام: ٩٣ [، وهو أن تقبض كلها لا يترك منها شيء؛ من قولك: توفيت حقي من فلان، واستوفينه؛ إذا أخذته وافيًا كاملًا من غير نقصان. والتفعل والاستفعال: يلتقيان في مواضع: منها: تقصيته واستقصيته، وتعجلته واستعجلته. وعن مجاهد ﵁: حويت لملك الموت الأرض، وجعلت له مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء. وعن قتادة: يتوفاهم ومعه أعوان من الملائكة. وقيل: ملك الموت يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها.
[وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)] ١٢ - ١٤ [
(وَلَوْ تَرى) يجوز أن يكون خطابا لرسول الله ﷺ، وفيه وجهان: أن يراد به التمني، كأنه قال: وليتك ترى، كقوله ﷺ للمغيرة: «لو نظرت إليها» والتمني
_________________
(١) قوله: (للمُغيرة: «لو نظرتَ إليها») الحديث من رواية التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ عن المغيرةِ: أنَّه خَطبَ امرأة، فقال النبي ﷺ: «انظرْ إليها إنَّهُ أحرى أنْ يُؤدَمَ بينكُما».
[ ١٢ / ٣٤٠ ]
لرسول الله ﷺ، كما كان الترجي له في (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) لأنه تجرع منهم الغصص ومن عداوتهم وضرارهم، فجعل الله له تمنى أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الحياء والخزي والغم ليشمت بهم، وأن تكون (لو) الامتناعية قد حذف جوابها، وهو: لرأيت أمرًا فظيعًا. أو: لرأيت أسوأ حال ترى. ويجوز: أن يخاطب به كل أحد، كما تقول: فلان لئيم، إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك، فلا تريد به مخاطبًا بعينه، فكأنك قلت: إن أكرم وإن أحسن إليه، ولو وإذ: كلاهما للمضى، وإنما جاز ذلك؛ لأن المترقب من الله بمنزلة الموجود المقطوع به في تحققه، ولا يقدر لترى ما يتناوله، كأنه قيل: ولو تكون منك الرؤية، و(إذ) ظرف له. يستغيثون بقولهم (رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا) فلا يغاثون، يعنى: أبصرنا صدق وعدك ووعيدك وسمعنا منك تصديق رسلك. أو: كنا عميًا وصمًا فأبصرنا وسمعنا (فَارْجِعْنا) هي: الرجعة إلى الدنيا (لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها) على طريق الإلجاء والقسر، ولكننا بنينا الأمر على الاختيار دون الاضطرار، فاستحبوا العمى على الهدى، فحقت كلمة العذاب على أهل
_________________
(١) ـ النهاية: أي تكون بينكما المحبَّة والاتفاقُ يقال: أدَمَ الله بينهما يأدِم أدْمًا بالسُّكون؛ أي: ألَّفَ ووفَّق، وكذلك آدم يُؤدِم بالمدِّ فَعَلَ وأفْعَل، وليس في الحديث «لو»، وكلمةُ «لو» للتَّقدير والتَّمنيِّ، والتقديرُ: يلتقيانِ؛ لأنَّ المُتمنِّي لا يخلو من تقديرٍ، ويفرض بها غير الواقع واقعًا كما يُطْلب بـ «ليت» ما لا يُمكن حصولُه، ولمناسبةٍ بينها جُعلت «لو» للتمَّني. قوله: (أو كنّا عُميًا وصُمًّا) يعني: لا يقدَّر لـ ﴿أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ مفعولٌ، ليكون بمنزلة اللازِم. قوله: (ولكنّا بَنَينا الأمرَ على الاختيار) ينادي على أن هذا التأويل بمجرد الرأي لاستدراك الله بقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ وما أدري كيف وضع مكان هذا الاستدراك استدراكه.
[ ١٢ / ٣٤١ ]
العمى دون البصراء. ألا ترى إلى ما عقبه به من قوله: (فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ) فجعل
_________________
(١) قوله: (ألا ترى إلى ما عقَّبه به من قوله: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾ يعني: دلّ نسبةُ النِّسيان إليهم، وجعلُه سببًا للإذاقةِ على أن المشيئة المطلقةَ مقيَّدة بقيد الإلجاءِ والقَسْر، وأنَّ العلمَ الأزلي تابعٌ لاختيارهم. انظر إلى هذا التَّعوُّج عن الجادَّةِ المستقيمةِ حيث أوقَعَ قولَه: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ المعبِّر عن العلم الأَزَليِّ المُستتبع لجميع الكائناتِ على وَفْقِه مسبّبًا عن استحبابِهم العَمَى على الهُدُى، وجعل الاستحبابَ مسبَّبًا عن اختيارِهم المعدوم. والحقُّ ما قاله الإمامُ: أنَّ قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ الآية، جوابٌ عن قولهم: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾؛ أي: هذا الذي جرى علينا ما جرى إلاَّ بسبَبَ تَرْكِ العَمَلِ، أمّا الإيمانُ فإنّنا مُوقنون بما أنكرنا ثَمّ، فارجعْنا حتَّى نَتلافى العملَ، فأُجيبوا بقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ أي: أنّا لو أردنا الإيمان لهديناكم في الدُّنيا ولمّا لم نهدكم تبيَّن أنّا ما أردنا إيمانَكُم فلا نَرُدُّكم، فذُوقوا العذابَ المقدَّرَ عليكم بسَبب كَسْبِكُم، فلا ينفعُكم الآنَ شيء. عن بعضهم: لو عَلِمْناها أهلًا للهدى لهَدَيْنَاها. قال محيي السنة: المراد بقوله: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ قولُه لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]. وقلت: دلَّ على هذا الاستبدادِ صيغةُ التَّعظيمِ في ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ وعلى أنَّ هذا جواب عن قول الكَفَرة، تَرتَّب قولُه: ﴿فَذُوقُوا﴾ عليه، أي: لما أَوْجَبْنا القولَ بأنّا نملأ جهنَّمَ من الجنَّةِ والنّاسِ أجمعين، وأنتُم من أولئك، فذُوقوا. وأمّا معنى قولِه: ﴿بِمَا نَسِيتُمْ﴾ فما ذكره القاضي هذا النص تصريحٌ بعَدَم إيمانِهم
[ ١٢ / ٣٤٢ ]
ذوق العذاب نتيجة فعلهم: من نسيان العاقبة، وقلة الفكر فيها، وترك الاستعداد لها. والمراد بالنسيان: خلاف التذكر، يعنى: أن الانهماك في الشهوات أذهلكم وألهاكم عن تذكر العاقبة، وسلط عليكم نسيانها، ثم قال: (إِنَّا نَسِيناكُمْ) على المقابلة، أى: جازيناكم جزاء نسيانكم. وقيل: هو بمعنى الترك، أى: تركتم الفكر في العاقبة، فتركناكم من الرحمة، وفي استئناف قوله: (إنا نسيناكم) وبناء الفعل على (إن) واسمها تشديد في الانتقام منهم. والمعنى: فذوقوا هذا أى: ما أنتم فيه من نكس الرءوس والخزي والغم؛ بسبب نسيان اللقاء، وذوقوا العذاب المخلد في جهنم؛
_________________
(١) ـ لعَدَم المشيئةِ المسبَّب عن سَبْق الحُكم بأنَّهم من أهل النارِ، ولا يدفعُه جَعْلُ ذَوْقِ العذابِ مسبَّبًا عن نِسْيانِهمُ العاقبةَ وعَدَمِ تَفكُّرِهِم، كأنه من الوسائط والأسبابِ المقتضيَينِ له. قوله: (تشديدٌ في الانتقام) مبتدأٌ، والخبرُ: «في استئناف»، كأنه لمّا قيل لهم: ذُوقوا عذابَ الخِزْي والغَمِّ بسَببِ تَرْكِ الاستعدادِ ليوم التَّنادِ، قالوا: فما حُكمُنا بعدَ هذا الخِزْي هل يَرحَمُنا، ويكشفُ عنّا هذا الغَمَّ والخِزْيَ؟ فقيل لهم: ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: نخزيكم جزاءَ نسيانِكُم بالحرمانِ من الرَّحمةِ وبإذاقة ما هو أشدُّ من الخِزْي، وهو العذابُ السَّرْمَدُ، وأخرج الكلامَ إلى الماضي المحقَّقِ، وصُدِّرت الجملةُ بـ «إنّ»، وعطف الطَّلَبيّ على الخَبَريّ تشديدًا للانتقامِ منهم. قوله: (والمعنى: فذُوقوا هذا، أي: أنتم فيه من نَكْس الرُّؤوس والخِزْي) إشارةٌ إلى أنّ مفعول ﴿فَذُوقُوا﴾: «هذا»، وكذا قدَّرَ أبو البقاء أيضًا، والمشارُ إليه معنى قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، ويَستلزمُهمُ الخِزْيُ والغَمُّ.
[ ١٢ / ٣٤٣ ]
بسبب ما عملتم من المعاصي والكبائر الموبقة.
[إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ)] ١٥ - ١٧ [
(إِذا ذُكِّرُوا بِها) أى: وعظوا؛ سجدوا تواضعًا لله وخشوعًا، وشكرًا على ما رزقهم من الإسلام (وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) ونزهوا الله من نسبة القبائح إليه، وأثنوا
_________________
(١) وقدَّرَ الواحديُّ صفة لـ ﴿يَوْمِكُمْ﴾ وتكرير ﴿فَذُوقُوا﴾ لتعلُّق معنًى زائد، والآياتُ منتظمةٌ جامعةٌ للعذابَينِ الرُّوحاني والجسمانيِّ. وفي قوله: (بسَببِ ما عَملتُم من المعاصي والكبائر) إدخالُ أهلِ القِبْلةِ في عُموم قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، ويرُدُّه سياقُ الآيةِ: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾، سياقُه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ الآيةَ، وما سيجيءُ من بيان النَّظْمِ الفائِق. وقول المصنِّف: «والتَّمنّي لرسول الله ﷺ؛ لأنه تجرَّع منهم الغَصَص ومن عَداوَتِهم وضِرارهم»؛ لأنَّ مَنْ عادى رسولَ الله ﷺ لا يكون إلا مُعاندًا. الانتصاف: مذهبُ أهلِ السُّنَة أنَّ الموجِبَ للخُلودِ الكُفرُ خاصَّةٌ، والمسألةُ سَمعيَّةٌ، وأدلتُها من الكتابِ قطعيَّةٌ. قوله: (ونزَّهوا الله مِنْ نِسبة القَبائح) تعريضٌ بأهل السُّنة، وفسَّرهُم قوله ﷾: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ بما يلزم منه نسبة القَبيح إليه، يقال: وهو خَلَق الكُفر في الكافر ثم أذاقَه العذابَ بسَببه، بل الآيةُ تعريضٌ بهم، بل تصريحٌ بأنَّ المؤمنَ بالآيات مَنْ إذا جاءه نَصٌّ من النُّصوصِ أذعنَ له وخضعَ لِما جاءَه من عند الله، وعَزَلَ
[ ١٢ / ٣٤٤ ]
عليه حامدين له (وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) كما يفعل من يصر (مستكبرا كأن لم يسمعها)] لقمان: ٧ [، ومثله قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا)] الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨ [. (تَتَجافى) ترتفع
_________________
(١) ـ العقل عن أن يَحكم في الأمورِ الدِّينيةِ بالحُسْنِ والقُبْح، ويَدُلُّ على الخضوعِ تَتميمُ الآيةِ بقولهِ: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. ثمَّ إنَّ الآيةَ مقابلةٌ لقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ في ﴿الَمَ* تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ يدلُّ عليه قولُه: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾. قوله: (﴿تَتَجَافَى﴾: تَرتفع) يَتجافى جَنْبُه عن كذا، يجوز أن يكون ﴿تَتَجَافَى﴾ مُستأنفًا؛ فلا محلَّ له من الإعراب، ويجوز أن يكون حالًا من المُضمَرِ في ﴿خَرُّوا﴾ وكذلك ﴿يَدْعُونَ﴾ في موضع الحال، وكذلك ﴿سُجَّدًا﴾، وكذلك ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وكذلك قولُه: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ كلُّها أحوالٌ من المُضمَر الذي في الحال قبلَه. الراغب: أصلُ الجَنْبِ الجارحةُ، ثم يُستعار للنّاحية التي تليها كعادتهم في استعارة سائرِ الجوارحِ، لذلك نحوَ اليمينِ والشِّمال؛ كقول الشاعر: من عن يميني مرّةً وأمامي وقيل: جَنْب الحائطِ وجانبُه، ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾ أي: القريب. وقوله: ﴿فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَر: ٥٦]؛ أي: في أمره وَحَدِّه الذي حدَّه لنا، وسار جَنِيبَه وجنيبته وجنابَيْه وجَنابَتَيْهِ، وجَنَبتُه أصبْتَ جَنْبَه: نحو: كَبَدْتُه وفأَدْتُه، وجُنِبَ: شَكى جَنْبَه، وجنبَ فلانٌ: أبعدَ عن الخير، وكذلك يقال في الدُّعاء في الخير، وسمِّيت الجَنابةُ بذلك؛ لكونها سببًا لتجنُّبِ الصَّلاة.
[ ١٢ / ٣٤٥ ]
وتتنحى (عَنِ الْمَضاجِعِ) عن الفرش ومواضع النوم، داعين ربهم عابدين له؛ لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في رحمته، وهم المتهجدون. وعن رسول الله ﷺ في تفسيرها: «قيام العبد من الليل»، وعن الحسن ﵁: أنه التهجد. وعن رسول الله ﷺ: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد ينادى بصوت يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم. ثم يرجع فينادى: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؛ فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادى: ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء، فيقومون وهم قليل، فيسرحون جميعا إلى الجنة، ثم يحاسب سائر الناس». وعن أنس بن مالك ﵁: كان أناس من أصحاب رسول الله ﷺ يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة، فنزلت فيهم. وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها. (ما أُخْفِيَ لَهُمْ) على البناء للمفعول، (ما أخفى لهم) على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه،
_________________
(١) ـ قوله: (فيَسْرَحون جميعًا إلى الجنَّة)، الأساس: سَرَحَه في المَرْعى سَرْحًا؛ أي: أرسَلَه، وسَرح بنَفْسِه سُروحًا، وسَرَحَ السَّيلُ، وسَيلٌ سارحٌ: يَجري جَرْيًا سَهلًا. لعلَّ النَّظرَ فيه إلى معنى قولِه تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزُّمَر: ٧٣]. قوله: (يُصلّونَ مِن صَلاةِ المغربِ إلى صَلاةِ العِشاء الآخِرة) رَوَينا عن التِّرمذيِّ، عن أنس في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾: نَزلت في انتظار الصَّلاةِ الَّتي تُدعى العَتَمة. وفي روايةِ أبي دَاودَ: كانوا يَتَنفَّلون ما بين المغربِ والعِشاء. وكان الحسن يقول: قيامُ اللَّيل. قوله: (﴿مَّا أُخْفِيَ لَهُم﴾ على البناء للمفعول) قرأ حمزةُ: ﴿مَّا أُخْفِيَ لَهُم﴾ بإسكان الياء، والباقون: بفتحها.
[ ١٢ / ٣٤٦ ]
و(ما أخفي لهم)، و(ما نخفى لهم)، و(ما أخفيت لهم)؛ الثلاثة للمتكلم، وهو الله سبحانه. و(ما): بمعنى: الذي، أو بمعنى أى. وقرئ: (قرّة أعين) و(قرات أعين). والمعنى: لا تعلم النفوس كلهنّ ولا نفس واحدة منهنّ؛ لا ملك مقرب ولا نبىّ مرسل أىّ نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك وأخفاه من جميع خلائقه، لا يعلمه إلا هو؛ مما تقر به عيونهم، ولا مزيد على هذه العدة
_________________
(١) قال الزَّجّاج: بالإسكان معناه: ما أُخْفِي انا لهم؛ إخبارًا عن الله تعالى، وبالفتح على تأويل الفعل الماضي، ويكون اسمُ ما لم يسم فاعلُه ناب عنه ما في «أخفي» من ذكر يعودُ إلى «ما». قال أبو البقاء: ﴿مَّا﴾ استفهاميةٌ، وموضعُها رفعٌ بالابتداء، و﴿أُخْفِيَ لَهُم﴾ خَبرُه على قراءة من سكنها وجعل «أُخفي» مضارعًا تكون «ما» في موضع نصب بـ «أخفي»، ويجوز أن تكون بمعنى «الذي» منصوبة بـ «تعلم». قوله: (و«من قرّات أعين»)، قال ابن جِنِّي: هي قراءةُ النبيِّ ﷺ وأبي هريرة وأبي الدَّرداء وابنِ مسعود، والقرَّة: مصدرٌ، وقياسُه أن لا يُجمعَ؛ لأنَّ المصدرَ اسمُ جنسٍ، والأجناسُ أبعَدُ شيءٍ عن الجمعيَّةِ، لكن جُعِلت القُرَّةُ هاهنا نوعًا فجاز جَمعُها، كما تقول: نحن في أشغالٍ وبيننا حروبٌ. وحَسَّنَ الجمعَ أيضًا إضافتُه إلى لفظ الجماعةِ-أعني ﴿أَعْيُنٍ﴾ - فقولنا: أشغال القوم أشبه من أشغال زيدٍ، ولا يُحتقر في هذه اللغةِ الشَّريفة تجانسُ الألفاظِ. قوله: (ممَّا تَقرُّ به عُيونُهم) بيانُ أيِّ نوع عظيم من الثَّواب هذا في مقابَلَة قولِه: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزُّمَر: ٤٨] وقولِهِ: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزُّمَر: ٤٧].
[ ١٢ / ٣٤٧ ]
ولا مطمح وراءها، ثم قال: (جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) فحسم أطماع المتمنين، وعن النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن
_________________
(١) ـ قوله: (ولا مَطْمَح وراءَها)، الأساس: طمَحتُ ببَصَري إليه، ونساءٌ طَوامِحُ إلى الرِّجال، وطَمحَ المُتكبِّر بعَينه: شَخَص بها. قوله: (فحَسَم أطماعَ المُتمنِّين)، الانتصاف: يُشيرُ إلى أهل السُّنَّة واعتقادِهم أنَّ المؤمنَ العاصي موعودٌ بدخولِ الجنَّةِ لا بُدَّ له منها، وفاءً بوعدِ الله تعالى، وأنَّ أحدًا لا يَستحقُّ على الله شيئًا بعَمَلِه، أَخذَه من قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وأهل السُّنةِ -بناءً على قوله ﷺ: «لا يَدخُلُ أحدٌ منكمُ الجنَّةَ بعملِه». قيل: ولا أنتَ؟ قال: «ولا أَنا، إلاَّ أن يَتغمَّدَنِي الله برحمتِه» - يحملون الآيةَ على أنَّ المراد منها قسمةُ المنازِلِ بينهم في الجنَّة، فهي على حَسْبِ الأعمالِ، وليس بقويِّ، فإنَّ المذكورَ في الآية مجرَّدُ الدُّخولِ، والأظهرُ أنْ تُحمل على أنَّ الله لمّا وَعَد المؤمنَ الجنَّةَ- ووَعْدُه الحقُّ- صارتِ الأعمالُ بالوَعْد كالأسباب يعبَّر بها عنها تأكيدًا لصدق الوعد في النُّفوس وتَصويرِه بصُورَةِ المستحقِّ بالعمل. وقلت: نحن وإن قلنا: إنّ الكلَّ بقضاء الله وقَدَرِه، ولكن نُئبِتُ للعبد كسبًا يُئاب به ويُعاقب، وفائدةُ ذِكْر الجزاءِ وجَعْلِه مسبَّبًا عن الأعمال التَّرغيبُ فيها. قوله: (يقول الله تعالى: «أعددتُ لِعبادي الصَّالحينَ») الحديث، رواه البخاريُّ ومسلم وغيرهما عن أبي هريرةَ، والرِّواية: «أطلعتُكم». النهاية: بَلْهَ زَيدٍ، أي: تَرْكَ زَيدٍ، وقوله: «ما أطلَعْتُهم عليه»، يُحتمل أن يكون منصوبَ المحَلِّ ومجروره على التَّقديرَين، والمعنى: دَعْ ما اطَّلعَتْمُ عليه من نعيم الجنَّة وعرفتُموه من لذَّاتها.
[ ١٢ / ٣٤٨ ]
سمعت ولا خطر على قلب بشٍر، بله ما أطلعتهم عليه. اقرؤوا إن شئتم: (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين)»، وعن الحسن ﵁: أخفى القوم أعمالًا في الدنيا، فأخفى الله لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
[أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَاوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَاواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا
_________________
(١) ـ قوله: (وعن الحسن: أخفى القومُ أعمالًا في الدُّنيا، فأخفى الله تعالى لهم ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذنٌ سَمعتْ)، هذا يؤذن بأنَّ الفاءَ في قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ رابطةٌ لِلاحقةِ بالسابقة، مرتّبة لها عليها تَرتُّبَ في قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾، وكان الأصلُ: تتجافى جُنوبُهم عن المضاجعِ يدعُون ربَّهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون، فلا يعلمون ما أخفي لهم، فيَجزيهم الله الجزاءَ الأوفى؛ بشهادة قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فوضع النَّفسَ موضع الضَّميرِ ونكَّرها تنكيرَ تفخيم، لو وصفت بكلِّ وصفٍ ما بلغ هذا المبلغ، ثمَّ رُوعيت المناسبةُ في قوله: ﴿مَّا أُخْفِيَ لَهُم﴾ حيث أَبْهَمَ الجزاءَ، ولم يعيِّنِ الفاعلَ تعظيمًا له. وفيه أنَّ ذلك الإنفاق غيرُ الواجب، وأنَّ هذه الأعمالَ هي أبوابُ الخير، وبها تُنال الزُّلْفى عند الله والدَّرجاتُ العالية. ويَعضُدُه ما روينا عن التِّرمذيِّ، عن معاذ قلت: يا رسولَ الله، أخبرني بِعَملٍ يُدخلُني الجَنَّةَ ويُباعِدُني من النّار. قال: «لقد سَألْتَني عن عظيم، وإنَّه ليَسيرٌ على من يَسَّرَه الله، تَعبُدُ الله ولا تُشركُ به شيئًا، وتُقيمُ الصَّلاة، وتُؤتي الزَّكاة، وتَصومُ رمضان، وتَحجُّ البَيت»، ثمَّ قالَ: «ألا أدُلُّك على أبوابِ الخيرِ»؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: «الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدقةُ تُطفِئُ الخَطيئَةَ كما يُطفِئ الماءُ النَّارَ، وصَلاةُ الرَّجلِ في جَوفِ اللَّيلِ شِعارُ الصَّالحينَ» ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾.
[ ١٢ / ٣٤٩ ]
أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)] ١٨ - ٢١ [
(كانَ مُؤْمِنًا) و(كانَ فاسِقًا) محمولان على لفظ من و(لا يَسْتَوُونَ) محمول على المعنى، بدليل قوله تعالى: (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا) (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا) ونحوه قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ)] محمد: ١٦ [. و(جَنَّاتُ الْمَاوى) نوع من الجنان؛ قال الله تعالى: (وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَاوى)] النجم: ١٣ - ١٥ [، سميت بذلك لما روى عن ابن عباس ﵁ قال: تأوى إليها أرواح الشهداء. وقيل: هي عن يمين العرش. وقرئ: (جنة المأوى) على التوحيد (نُزُلًا) عطًاء بأعمالهم. والنزل: عطاء النازل، ثم صار عامًّا (فَمَاواهُمُ النَّارُ) أى: ملجؤهم ومنزلهم. ويجوز أن يراد: فجنة مأواهم النار، أى: النار لهم،
_________________
(١) ـ قوله: (فجنَّة مأواهم النّار)، قال صاحب «الفرائد»: العُدولُ عن الحقيقة إلى غيرها دون الضَّرورة لا يجوز، وأي ضَرورةٍ في تقدير المضاف. والجواب أنَّ المأوى: هو المكان الذي يَقصدُه الرَّجلُ للسّكونِ والاستراحَة أو الالتجاء. الأساس: اللهمَّ آوِني إلى ظلِّ كَرَمِكَ وعَفوِكَ يا ربّ. وتقول: أنا أهوي إلى معاقلك هَويًّا وآوي إلى ظلالك أويًّا. وقال ابن عبّاسٍ للأنصار: بالإيواءِ والنَّصرِ، إلاَّ جَلستُمْ. فاستعماله في النّار من التَّهكُّم، ولهذا استشهد بقوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٧]. ويجوز أن يكون من باب المُشاكَلَةِ؛ لأنّه لما ذَكَر في أحد الفَصلَين ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَاوَى﴾ ذَكَر في الآخَرِ ﴿فَمَاوَاهُمُ النَّارُ﴾. وقال ابنُ الحاجب في «الأمالي»: فإنْ قيلَ: لمَ أُعِيدَ ذِكْرُ النارِ مظهرًا ولم يستغنِ بالضَّمير لتقدُّم الذِّكرِ، الجوابُ من وجهَينِ: أحدهما: أنَّ سياقَ الآيةِ للتَّهديد والتَّخويفِ وتعظيم الأمرِ، وفي ظاهر ذِكْر النارِ من ذلك ما ليس في الضَّمير.
[ ١٢ / ٣٥٠ ]
مكان جنة المأوى للمؤمنين؛ كقوله: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ)] آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، الانشقاق: ٢٤ [. (الْعَذابِ الْأَدْنى) عذاب الدنيا من القتل والأسر، وما محنوا به من السنة سبع سنين. وعن مجاهد ﵁: عذاب القبر. و(الْعَذابِ الْأَكْبَرِ) عذاب الآخرة، أى: نذيقهم عذاب الدنيا قبل أن يصلوا إلى الآخرة
_________________
(١) والثاني: أنَّ الجملةَ الواقعةَ بعدَ القولِ حكايةٌ لما يُقال لهم يومَ القيامةِ عند إرادتِهم الخروجَ من النارِ فلا يُناسب ذلك وَضْعُ الضَّميرِ، إذْ ليس قولهم حينئذٍ مقدَّمًا عليه ذِكْرُ النارِ وإنَّما اتفق ذِكْرُ النارِ قبلَها إخبارٌ عن أحوالهم. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ هذا القولَ أيضًا داخلٌ في حيِّزِ الإخبارِ؛ لأنَّه عطفٌ على ﴿أُعِيدُوا﴾، وهما مرتَّبان على ﴿كُلَّمَا﴾؛ أي: كلَّما أرادوا أن يخرجوا فخرجوا أعيدوا وقيل لهم ذوقوا، فكما جاز الإضمار في المعطوف عليه فما المانع في المعطوف سوى إرادةِ المبالغةِ من موضعِ المُظْهَرِ موضعَ المَضمَر؟ على أنَّ هذا القولَ أشدُّ تسويرًا وأقطع تحسرًا عليهم من الإعادة، ومعنى الخروج بَيَّنه المصنفُ في «سورة الحج». وقال صاحب «الكَشْف»: قال هاهنا: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، وقال في الأخرى: ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ: ٤٢]، فذكَّر هاهنا وأنَّث هناك، وسِرُّهُ أنه ذكَّر حملًا على العذاب دون النارِ؛ لأنَّ «النارَ» هاهنا لما وقع موضعَ المُضمَر، والمُضمَرُ لا يُوصف، لم يستجز إجراء «الذي» على المضافِ إليه دون المضافِ، وفي تلك الآية لم يَجْرِ ذِكْرُ النارِ في سياق الآية، فلم تقع النّار موقع الضَّميرِ، فوصف النار دونَ العذابِ، وكذا ذَكَره الراغبُ في «دُرّة التنزيل». قوله: (﴿الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾: عذاب الدُّنيا مِنَ القَتْل والأَسْر) يعني: يومَ بدرٍ.
[ ١٢ / ٣٥١ ]
(لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أى: يتوبون عن الكفر، أو لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه، كقوله تعالى: (فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا)] السجدة: ١٢ [وسميت إرادة الرجوع رجوعًا، كما سميت إرادة القيام قياما في قوله تعالى: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ)] المائدة: ٦ [، ويدل عليه قراءة من قرأ: (يرجعون) على البناء للمفعول. فإن قلت: من أين صح تفسير الرجوع بالتوبة؟ و(لعل) من الله إرادة، وإذا أراد الله شيئًا كان ولم يمتنع،
_________________
(١) ـ روينا عن مسلمٍ، عن أبيّ بن كعب: عذابُ الأدنى: مَصائبُ الدُّنيا والرُّومُ والبَطشَةُ أو الدُّخانُ. قوله: (﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: يتوبونَ عَن الكُفر) هذا إذا فُسِّرَ عَذابُ الأدنى بعذابِ الدُّنيا، وقوله: «أو لعلَّهمُ يريدون الرُّجوعَ» إذا فُسِّر بعذاب القبرِ. قوله: (ويدلُّ عليه قراءةُ مَن قرأَ: «يُرجعُون»)، وذلك أن معنى هذه القراءة، والأولى على إرادة الرُّجوعِ، يَلْتقيان في معنى ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾؛ لأنَّ كلاًّ منهما يستدعي معنى الرُّجوعِ منهم إلى الدُّنيا بخلاف الأوَّل. نعم لو قيل: إنَّ معنى التَّرجِّي في «لعلَّ» راجعٌ إلى الكُفَّار لأفاد أيضًا ذلك. قوله: (مِن أين صَحَّ تفسيرُ الرُّجوع بالتَّوبة) أي: كيف يَستقيمُ أن يفسَّرَ الرُّجوعُ بالتَّوبةِ، ولفظةُ (لعلَّ) من جهة الله محمولةٌ على الإرادةِ، وهذه الآيةُ واردةٌ في قومٍ مخصوصِينَ، وأنَّهم ماتوا على الكُفرِ، فيلزمُ تخلّفُ مرادِ الله تعالى عن إرادته. وخلاصةُ الجوابِ أنَّ تخلّفَ مرادِ الله تعالى في أفعاله الخاصَّةِ وما يلحقُ بها من القَسْر على أفعال الغير محال، لكن في أفعال العباد إذا ثبت لهم الاختيارُ غيرُ محالٍ؛ لأنه لا يَقْدحُ في قُدرته. الانتصاف: هذا فصلٌ رديء، وشِركٌ جَليّ لا يخفى، وجرَّه إلى ذلك تحريفُ كلمةِ
[ ١٢ / ٣٥٢ ]
وتوبتهم مما لا يكون، ألا ترى أنها لو كانت مما يكون لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر؟ قلت: إرادة الله تتعلق بأفعاله وأفعال عباده، فإذا أراد شيئًا من أفعاله كان ولم يمتنع، للاقتدار وخلوص الداعي. وأما أفعال عباده: فإما أن يريدها وهم مختارون لها، أو
_________________
(١) ـ «لعلَّ» إلى الإرادة، والحقُّ أنها لترجِّي المخاطبينَ، وكذا فسَّرها سيبويه. وقال إمامُ الحرمينِ: ذهبتِ المعتزلةُ ومَنْ تَبِعَهم من أهل الأهواءِ إلى أنَّ الواجباتِ والمندوباتِ من الطّاعات مراداتُ لله تعالى وَقعتْ أو لم تَقعْ. والمعاصي والفواحشُ والله تعالى كارةٌ لها غيرُ مريدٍ لوُقوعِها. والمباحاتُ وما لا يدخلُ تحتَ التَّكليفِ من أفعال البهائمِ والمجانينِ تقعُ، وهو لا يريدُها ولا يَكرهُها، وإذا دَلَّلنا على أنَّ الرَّبَّ تعالى خالقٌ لجميعِ الحوادثِ يترتَّبُ عليه أنَّه مريدٌ لما خلقَ، قاصدًا إلى إبداعِ ما اخترعَ. ثم يقول: قد قضتِ العُقولُ بأنَّ قصور الإرادةَ وعَدَمَ نفوذِ المشيئةِ من أصدقِ الآياتِ على سماتِ النَّقص، والاتِّصافِ بقُصورٍ وعجز، ومن ترشَّحَ لِلملك، ثم لا ينفذ مرادُه في أهل مملكته عُدَّ ضعيف المنّة مِضْياعًا لفرصتِه، وإذا كان ذلك يزري العاجز، فكيف في حقِّ مَلِكِ الملوكِ وربِّ الأرباب؟ فإن قالوا: الربُّ ﷾ قادرٌ على أنْ يَرُدَّ الخلائق إلى الطّاعة قهرًا، ويُظهر آية تَظلُّ رِقاب الجبابرة لها خاضعة، قلنا: من فاسد أصلكم أنه لا يجوز في حكم الإله إجبار الخلائق على الطاعات، واضطرارهم إلى الخيراتِ ولا يريد منهم المعاصي والكُفرَ، وإنَّما يريد منهم الإيمانَ الاختياريّ فما يُريده لا يَقدرُ عليه وما يقدر عليه لا يُريده. وقد اجتمع سَلَفُ الأُمَّةِ على كلمةٍ لا يجحدُها أهلُ الإسلام، وهو قولُهم: «ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يَكُن»، والآياتُ الشاهدةُ لأهل السُّنة لا تُحصى كَثْرة.
[ ١٢ / ٣٥٣ ]
مضطرون إليها بقسره وإلجائه، فإن أرادها وقد قسرهم عليها فحكمها حكم أفعاله، وإن أرادها على أن يختاروها وهو عالم أنهم لا يختارونها؛ لم يقدح ذلك في اقتداره، كما لا يقدح في اقتدارك إرادتك أن يختار عبدك طاعتك وهو لا يختارها، لأنّ اختياره لا يتعلق بقدرتك، وإذا لم يتعلق بقدرتك لم يكن فقده دالًا على عجزك. وروي في نزولها: أنه شجر بين على بن أبى طالب ﵁ والوليد بن عقبة بن أبى معيط يوم بدر كلام، فقال له الوليد: اسكت فإنك صبىّ؛ أنا أشبّ منك شبابًا، وأجلد منك جلدًا، وأذرب منك لسانًا، وأحدّ منك سنانًا، وأشجع منك جنانًا، وأملأ منك حشوًا في الكتيبة. فقال له على ﵁: اسكت، فإنك فاسق
_________________
(١) قوله: (شجر بَيْن علي ﵁). النهاية: شَجَرَ الأمرُ يَشْجُر شجُورًا: إذا اخْتلط، وتشاجَروا: إذا تنازَعوا واختَلفوا. قوله: (وأَذْرَب منك لسانًا)، النهاية: هو من قولهم: ذَرِبَ لِسانُه: إذا كان حادَّ اللِّسانِ لا يُبالي ما قال. قوله: (وأملأ منك حَشوًا في الكَتيبة)، والحَشْو: ما يُحشى به الشَّيء؛ أي: الشَّيءُ الذي أحشو به الدرع أبلغ في ملئها من حشوك؛ أي: أنا أبْدَنُ منك فيها. الأساس: وهو من حَشْو بني فلان: قال الرّاعي: أتتْ دُونَها الأحلافُ مذحج … وأبناءُ كعبٍ حَشْوها وصَمِيمُها قال صاحب «الاستيعاب»: الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخو عثمانَ لأُمِّه، أسلَمَ يومَ الفتحِ هو وأخوه خالدُ بن عُقبةَ، وأظنُّه يومئذٍ كان قد ناهَزَ الاحتلام. وعن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس قال: نزلت في عليِّ بن أبي طالب ﵁ والوليدِ بن عُقبةَ في قصَّةٍ ذَكَرها ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ﴾.
[ ١٢ / ٣٥٤ ]
فنزلت عامّة للمؤمنين والفاسقين، فتناولتهما وكل من كان في مثل حالهما. وعن الحسن بن على ﵄: أنه قال للوليد: كيف تشتم عليًّا وقد سماه الله مؤمنًا في عشر آيات؟ وسماك فاسقا؟ .
[وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ)] ٢٢ [
(ثم) في قوله: (ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها) للاستبعاد. والمعنى: أنّ الإعراض عن مثل آيات الله في وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل، والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد في العقل والعدل، كما تقول لصاحبك: وجدت مثل تلك
_________________
(١) قولُه: (فنزلت عامَّةً للمؤمنينَ والفاسقينَ، فتَناوَلَتْهما وكلَّ مَن في مِثلِ حالهِما)، قال صاحب «الانتصاف»: ذَكَر السَّببَ المحقَّق، والمراد بالفاسِقِ وبالذين فَسَقوا: الكُفّارُ، وأَدْرَجَ فيها المؤمنين تعصُّبًا لمذهبه في وُجوب خُلودِ الفُسّاقِ. وقال صاحب «الإنصاف»: ولم يَشْفِ في الجوابِ، فإنَّ الاعتبارَ بعُموم لفظِ الآيةِ لا بخُصوصِ سَبَبِها، والفِسْقُ يُطلق على المؤمن؛ لقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحُجُرات: ١١]، و«فاسقًا» نكرةٌ في الشرط فيَعُمّ. والجوابُ الصَّحيحُ تَسليمُ العُمومِ وتَخْصِيصُه بالآياتِ والأخبارِ الدّالةِ على اعتبار الطّاعةِ وحُصولِ الشَّفاعَة. وقلت: ما أنصَفَ ولا انتصَفَ من صاحب «الانتصاف» حيث سَلَّم العُموم، وقال: ﴿فَاسِقًا﴾ نكرةٌ في الشرط فيَعُم. أمَا نَظَر إلى نَظيرتِها: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أو إلى المُجْمَلِ: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا﴾ ليقيد المُطْلَقَ بالكافِرِ؟ وأمَا اعتَبَر الفاصلةَ: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ليَعلَمَ أنَّ المؤمنَ لا يُكذِّبُ بالآخرة؟ وأمَا تأمَّلَ النَّظْم وتعقيبَه بقوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾.
[ ١٢ / ٣٥٥ ]
الفرصة ثم لم تنتهزها؛ استبعادًا لتركه الانتهاز. ومنه (ثم) في بيت الحماسة:
لا يكشف الغمّاء إلا ابن حرّة … يرى غمرات الموت ثمّ يزورها
استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدّتها. فإن قلت: هلا قيل: إنا منه منتقمون؟ قلت: لما جعله أظلم كل ظالٍم، ثم توعد المجرمين عامةً بالانتقام منهم، فقد دلّ على إصابة الأظلم النصيب الأوفر من الانتقام، ولو قاله بالضمير لم يفد هذه الفائدة.
_________________
(١) قوله: (لا يَكشِفُ الغَمّاء) البيت، الغَما والغَمُّ والغُمَّة: مرجعها إلى التَّغطية، والمراد هاهنا: شدةُ اقتحام الحربِ؛ أي: لا يَكشِفُ الأمرَ العظيمَ إلاَّ رجلٌ كريم يرى قحم الموت ثم يتوسَّطها، وإنما قال: ابنُ حُرَّة؛ ليُهيِّجَه ويُحرِّضَه على الزَّيادة؛ أي: زيادة غَمَراتِ الموتِ بعدَ رؤيتها مستبعدةً مستنكرةً في العقل والعادةِ، وهو مع ذلك يزورها بعد استيفائه إيّاها، بالغَ في مدحِه بذلك؛ حيث باشَرَ مثل هذا المستبعدِ بشجاعته، وكذا في الآية بالغَ في الذمِّ؛ ولهذا قال: «أنَّ الإعراض عن مثل آياتِ الله في وُضوحِها وإنارتِها … مستبعدٌ في العقل والعَدْل». وإنّما ذَهَب في «ثم» إلى المجاز وإن احتَمَل الحقيقة؛ لأنَّ الشاعرَ يمدحُ جَريًا لا يبالي بالموتِ ويقتحمُ الأهوالَ، لا أنه يَرى الغَمراتِ ثم يَمكُث زمانًا طويلًا متفكِّرًا ثم يَزُورها؛ لأنَّه ذَمٌّ له، وكذا ما في الآية؛ الأصلُ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢]، فوَضَع «ثُمَّ» موضعَ الفاءِ لبيان عنادِه وتَمرُّدِه. قوله: (جعلَه أظلمَ كُلِّ ظالم، ثمَّ تَوعَّدَ المُجرِمين عامَّة بالانتقام)، فيه رائحةٌ من الاعتزالِ كما سَبق منه عند قولِه: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: «بسَبب ما عملتُم منَ المعاصي والكبائِر المُوبِقَةِ»، يقال: هلاّ يجعلُه من إقامةِ المُظْهَرِ موضعَ المُضمَرِ؛ ليُؤذِنَ بأنَّ عِلَّةَ الانتقام ارتكابُ هذا المُعرض مثل هذا الجُرْمِ العظيمِ.
[ ١٢ / ٣٥٦ ]
[وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)] ٢٣ - ٢٥ [
(الْكِتابَ) للجنس، والضمير في (لِقائِهِ) له. ومعناه: إنا آتينا موسى عليه
_________________
(١) ـ قال محيي السُّنة: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ من المشركين، ولا ارتيابَ أنَّ الكلامَ في ذمِّ المعرضِينَ، وهذا الأسلوبُ أذمُّ لهم من ذلك؛ لأنه يُقرّرُ أن الكافرَ إذا وُصِف بالفِسْقِ والظُّلم والجرمِ حُمِلَ على نهاية كُفره وغايةِ تمرُّدِه؛ لأنَّ هذه الآيةَ كالخاتمةِ لأحوالِ المكذِّبِينَ القائلين: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾. والتَّخلُّص إلى قصَّة الكَليمِ ﵇ مَسْلاةٌ لقلب الحبيبِ ﷺ يعني: آتيْنا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقَّيْناه مثل ما لقَّيناك، وكما جعلنا المنزَّل عليه هدّى لقوم صبروا، كذلك نجعل كتابك هدًى ونورًا لمن يصبرُ، وكما جعلنا كتابَه مختلفًا فيه كذلك نجعل كتابك مختلفًا فيه، وكما أهلَكْنا المَعرِضِينَ نُهْلِك هؤلاء ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ﴾ [السجدة: ٢٦] ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧]، ويؤيِّده قولُ المصنِّفِ: «والضمير في ﴿لَهُمْ﴾ لأهلِ مكَّةَ». قوله: (﴿الْكِتَابَ﴾ للجنس) إنَّما دعاه إلى اعتبار الجنسِ؛ لأنَّ الضَّميرَ في ﴿لِقَائِهِ﴾ راجعٌ إليه، ولا ارتياب أنَّ عَيْنَ ذلك الكتابِ مالقاه، كأنَّه قيل: ولقد آتينا موسى ما يُقال له: الكتاب، فلا تكن في شك من أنك لقيتَ مثله. قال مكِّيّ: وقيل: الهاءُ تعود على ما لاقى في موسى؛ أي: فلا تكُ في مريةٍ من لقاء ما لاقى موسى من قومه من الأذى والتَّكذيبِ، ويجوز أن تعودَ على الكتاب، أضاف المصدرَ إلى المفعول؛ أي: من لقاء موسى الكتاب، وأضمَر موسى لتقدُّم ذِكْرِه.
[ ١٢ / ٣٥٧ ]
السلام مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحى، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله ولقيت نظيره، كقوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ)] يونس: ٩٤ [ونحو قوله: (مِنْ لِقائِهِ) وقوله: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ)] النمل: ٦ [وقوله: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا)] الإسراء: ١٣ [. وجعلنا الكتاب المنزل على موسى ﵇ (هُدىً) لقومه (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ) الناس ويدعونهم إلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه، لصبرهم وإيقانهم بالآيات. وكذلك لنجعلنّ الكتاب المنزل إليك هدًى ونورًا، ولنجعلنّ من أمّتك أثمة يهدون مثل تلك الهداية؛ لما صبروا عليه من نصرة الدين، وثبتوا عليه من اليقين
_________________
(١) قلت: على أن تعود الهاءُ إلى ما لاقى، فالفاءُ مثلُها في قول الشاعر: ليسَ الجَمالُ بِمئزرٍ … فاعلَمْ وإنْ رُدِّيت برْدا دَخلت على الجملة المعترضة بدلَ الواوِ اهتمامًا بشأنها؛ لأنَّ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾، إلى آخر الآية عطفٌ على قوله: ﴿آتَيْنَا﴾ وجعل كونهم أئمَّةً وهُداةً معللان بالصَّبر والإيقانِ في المعتَرِض فيه، ثم نهاه عن الامتراءِ في لقاء ما لاقوا منَ الأذى والصَّبر اقتداءً بهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. قوله: (فلا تَكُ في شكٍّ من أنك لقيتَ مثلَه) هذا معنى الفاء في ﴿فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ﴾ يعني: معرفتك بأنَّ موسى نبيٌّ مرسلٌ وأُوتَي التَّوراة، ينبغي أن تكون سببًا لإزالة الرَّيب عنك في أن المنزَّلَ عليك قرآنٌ وكتابٌ وإنا اخترناك كما اخترناه، ونبتليكَ بمثل ما ابتليناهُن ولهذا قال كقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤].
[ ١٢ / ٣٥٨ ]
وقيل: من لقائك موسى ﵇ ليلة الإسراء، أو يوم القيامة. وقيل: من لقاء موسى ﵇ الكتاب؛ أى: من تلقيه له بالرضا والقبول. وقرئ: (لما صبروا) و(لما صبروا)؛ أى: لصبرهم. وعن الحسن ﵁: صبروا عن الدنيا. وقيل: إنما جعل الله التوراة هدًى لبنى إسرائيل خاصةً، ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل ﵇. (يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ) يقضى، فيميز المحق في دينه من المبطل.
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: من لقائك موسى ليلةَ الإسراءِ) عطفٌ على قوله: «﴿الْكِتَابَ﴾ للجنس والضَّميرُ في ﴿لِقَائِهِ﴾ له»، يؤيِّدُه ما روى البخاريُّ ومسلمٌ، عن ابن عبّاس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «رأيتُ ليلةَ أُسريَ بي مُوسى رَجُلًا آدمَ طُوالًا جَعْدًا، كأنَّه مِن رجال شَنُوءَة». قوله: (وقرئ: ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ و«لِمَا صَبُرُوا»)، حمزةُ والكسائيُّ: بالتَّخفيف، والباقون: بالتشديد. قال الزَّجَّاجُ: فإذا خُفِّفَ فالمعنى: جَعلناهم أَئمَّةً لِصبرهم، وإذا شُدِّد، فالمعنى: على المُجازاة، كأنه قيل: إنْ صبرتُم جَعلناكم أئمَّة، فلمّا صَبَروا جُعلوا أئمَّة. وقيل: إنَّ كلمةَ الظَّرفِ تُقام مقامَ التَّعليل؛ نحوَ قولك: أكرمتكَ إذا أكرمتَ زيدًا؛ لأنَّ الظَّرف يُقارن المظروفَ، كما أنَّ العِلَّة تَقُارنُ المَعلول. قوله: (هدًى لبني إسرائيلَ خاصّةً، ولم يَتَعبَّد بما فيها ولدَ إسماعيل)، هذا التَّخصيصُ إنّما يفيدُه لامُ الاختصاص، وإيقاعُ قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ مشبّهًا به كما مَرَّ، وعطف ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ على ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾.
[ ١٢ / ٣٥٩ ]
[أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ)] ٢٦ [
الواو في (أَوَ لَمْ يَهْدِ) للعطف على معطوٍف عليه منوي من جنس المعطوف، والضمير في (لَهُمْ) لأهل مكة. وقرئ بالنون والياء، والفاعل ما دلّ عليه (كَمْ أَهْلَكْنا) لأنّ (كم) لا تقع فاعلة، لا يقال: جاءني كم رجل، تقديره: أو لم يهد لهم كثرة إهلاكنا القرون. أو هذا الكلام كما هو بمضمونه ومعناه، كقولك: تعصم لا إله إلا الله الدماء والأموال. ويجوز أن يكون فيه ضمير (الله) بدلالة القراءة بالنون. و(الْقُرُونِ) عاد وثمود وقوم لوط (يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) يعنى: أهل مكة،
_________________
(١) قوله: (الواوُ في ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ للعطف على معطوفٍ عليه [منويٍّ] من جنس المعطوفِ)، أي: ألم نُنَبِّههُم ولم يَهْدِ لهم كم أهلكنا من قَبلِهم، يعني: قلنا لهم: سيروا في الأرض ثم انظُروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلكم. قوله: (وقُرئ بالنُّون والياء) الياءُ: مشهورةٌ، والنُّون: شاذَّة. قال الفَرّاءُ: ﴿كَمْ﴾ في موضع رفع بـ ﴿يَهْدِ﴾، كأنَّكَ قُلتَ: أو لمْ يهدِ لهم القرونُ الهالكةُ فيتَّعظوا. قال الزَّجاج: عند البصريِّينَ لا يجوز أن يعمل ما قبل «كم» في «كم»، فلا يجوز في قولك: كم رجلٌ جاءني: جاءني كم رجل؛ لأنَّ كم تزال عن الابتداء، و«كم» هاهنا في موضع نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ وفاعل يهدي ما دلَّ عليه المعنى فيما سلف، وتكون «كم» أيضًا دليلًا على الفاعل في ﴿يَهْدِ﴾، ويدلُّ عليه قراءةُ مَنْ قرأ: ﴿أولم نَهدِ لهم﴾؛ أي: أو لم نبيِّن لهم.
[ ١٢ / ٣٦٠ ]
يمرون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم. وقرئ: (يمشون) بالتشديد.
[أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَاكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ)] ٢٧ [
(الْجُرُزِ) الأرض التي جرز نباتها، أى: قطع؛ إمّا لعدم الماء، وإمّا لأنه رعى وأزيل، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ: جرز. ويدل عليه قوله: (فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا) وعن ابن عباس ﵁: إنها أرض اليمن. وعن مجاهد ﵁: هي أبين. (بِهِ) بالماء (تَاكُلُ) من الزرع (أَنْعامُهُمْ) من عصفه (وَأَنْفُسُهُمْ) من حبه. وقرئ: (يأكل) بالياء.
(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ)] ٢٨ - ٣٠ [
الفتح: النصر، أو الفصل بالحكومة، من قوله: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا)] الأعراف: ٨٩ [وكان المسلمون يقولون: إنّ الله سيفتح لنا على المشركين. ويفتح بيننا وبينهم، فإذا سمع المشركون قالوا:
_________________
(١) ـ قوله: «(يُمَشَّونَ» بالتشديد) قال ابن جِنّي: هي قراءةُ ابنِ السَّميفع، فهو للكثرة. قوله: (وعن مجاهد: هي أبين)، النهاية: أبيَنُ: بوزن أحمر: قريةٌ على جانب البحر في ناحيةِ اليمن، وقيل: هو اسمُ مدينة عدَن. قوله: (﴿بِهِ﴾ بالماء) أي: الضَّمير في ﴿بِهِ﴾ للماء، وفي ﴿مِنْهُ﴾ للزَّرع، و﴿تَاكَلُ مِنْهُ﴾ صفةُ زرعًا، وفيه معنى الجمع؛ لأنه مشتمل على آكلينَ ومأكولاتٍ مختلفين، ومن ثَمَّ قسَّمه؛ أي: تأكل أنعامُهم من التّبن وأنفسُهم من الحَبِّ.
[ ١٢ / ٣٦١ ]
(مَتى هذَا الْفَتْحُ) أى: في أىّ وقت يكون (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في أنه كائن. ويَوْمَ الْفَتْحِ يوم القيامة، وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم، ويوم نصرهم عليهم. وقيل: هو يوم بدر. وعن مجاهد والحسن ﵄: يوم فتح مكة. فإن قلت: قد سألوا عن وقت الفتح، فكيف ينطبق هذا الكلام جوابًا على سؤالهم؟ قلت: كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح، استعجالًا منهم عن وجه التكذيب والاستهزاء، فأجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم فقيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزؤا، فكأنى بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم، وآمنتم فلم ينفعكم
_________________
(١) ـ قوله: (﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾، ﴿مَتَى﴾ في موضع نَصَبٍ على الظَّرف، وهو خبرُ الابتداء، وهو ﴿هَذَا﴾، و﴿الفَتْحُ﴾ نعتٌ لـ ﴿هَذَا﴾ أو عطفُ بيان. ويجوز أن يكون ﴿مَتَى﴾ في موضع رفع على تقدير حذف مضافٍ مع ﴿هَذَا﴾، وتقديره: متى وقت هذا الفتح؟ قوله: (كان غرضهُم في السُّؤال عن وقتِ الفتح، استعجالًا منهم على وجه التَّكذيب والاستهزاءِ)، يعني: إنما طابَقَ هذا الجوابُ مضمونَ ما أرادوا بسؤالهم في قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾، وهو القطعُ بأنَّ ذلك كذبٌ ولا ينبغي أن يكونَ، وأنت ممن يجب أن يضحك منه. وأجاب أن كَينونَته ممّا لا ارتيابَ فيه، وأنَّه لا بدَّ أن يقعَ، لكنِّي أخبرُكم عن أحوالكم فيه كأني أنظر إليكم الآنَ، وأنتم على تلك الحالِ، وهو قريبٌ من الأسلوب الحكيمِ. قوله: (فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم)، قال المُطرزي: قولهم: كأنِّي بك: كأنِّي أبصرتُك، إلا أنّه تُرك الفعلُ لِدلالة الحالِ وكثرةِ الاستعمال، ومعناه: أعرف ما أشاهد من من حالك اليومَ وكيف يكونُ حالُك غدًا، كأنِّي أنظرُ إليك وأنتَ على تلك الحالِ. ومثلُه: مَن لي بكذا، يعنون من يَكفُل لي به، وله نظائر. قال المُظهرِي: كأنِّي بك مبصرٌ وعالمٌ بحالك أنّك سَتَهلِك. وهذا اللَّفظُ يُستعمل في كل موضع يُتيقَّن ما يصير إليه حالُ الرَّجل.
[ ١٢ / ٣٦٢ ]
الإيمان، واستنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا. فإن قلت: فمن فسره بيوم الفتح أو بيوم بدر؛ كيف يستقيم على تفسيره أن لا ينفعهم الإيمان، وقد نفع الطلقاء يوم فتح مكة وناسا يوم بدر؟ قلت: المراد أنّ المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند إدراك الغرق. (وَانْتَظِرْ) النصرة عليهم وهلاكهم (إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ) الغلبة عليكم وهلاككم، كقوله تعالى: (فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ)] التوبة: ٥٢ [، وقرأ ابن السميفع ﵀: (منتظرون)، بفتح الظاء. ومعناه: وانتظر هلاكهم فإنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم، يعنى: أنهم هالكون لا محالة. أو: وانتظر ذلك؛ فإن الملائكة في السماء ينتظرونه.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ: (الم تنزيل)، و(تبارك الذي بيده الملك)، أعطى من الأجر كأنما أحيا ليلة القدر»، وقال: «من قرأ (الم تنزيل) في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام».
_________________
(١) ـ قوله: (المراد أنَّ المقتولينَ منهم لا ينفعُهم إيمانُهم في حال القتل)، وقلت: لو حملَه على قوم مخصوصينَ وهمُ الذين استهزؤوا وعاندوا وقالوا: متى هذا الفتحُ؟ إقامةً للمُظهر موضعَ المضمَرِ حتّى يكونَ من بابِ قولِه: على لاحِبٍ لا يُهتدى بمنارِه أي: لا يؤمنون حينئذٍ فلا ينفعُهم إيمانُهم لَحَسُنَ. قوله: (مَنْ قرأَ: ﴿أَلَمْ * تَنزِيلُ﴾) روينا عن أحمدَ والترمذيِّ والدارميِّ عن جابرٍ: أنّ النبيَّ ﷺ كان لا ينام حتى يقرأَ ﴿أَلَمْ * تَنزِيلُ﴾ و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
[ ١٢ / ٣٦٣ ]