سورة السجدة
مكية، وهي أربع وخمسون، وقيل: ثلاث وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ ١ - ٤]
إن جعلت ﴿حم﴾ اسمًا للسورة كانت في موضع المبتدأ، و﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبره. وإن جعلتها تعديدًا للحروف كان ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف، و﴿كِتابٌ﴾ بدل من ﴿تَنْزِيلٌ﴾، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. وجوز الزجاج أن يكون ﴿تَنْزِيلٌ﴾ مبتدأ، و﴿كِتابٌ﴾ خبره. ووجهه: أن تنزيلًا تخصص بالصفة؛ فساغ وقوعه مبتدأ. ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾: ميزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة؛ من أحكام، وأمثال، ومواعظ، ووعد، ووعيد، وغير ذلك. وقرئ: (فصلت)، أي: فرقت
_________________
(١) ـ سورة السجدة مكية، وهي أربع وخمسون آية، وقيل: ثلاث وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: (وقرئ "فَصلت")، قال أبو علي: كلهم بضم الفاء وكسر الصاد والتشديد.
[ ١٣ / ٥٥٨ ]
بين الحق والباطل. أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها، من قولك: فصل من البلد، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نصب على الاختصاص والمدح، أي: أريد بهذا الكتاب المفصل
_________________
(١) ـ وعن بعضهم: لم ينقل في "المنتقى" و"الموضح" بالتخفيف. وقلت: ولا في "المحتسب". قوله: (أو فصل بعضها من بعض) أي تباعد، عطف على "فرقت" يدل عليه قوله: فصل من البلد. ومعنى هذه القراءة على هذا التقدير يرجع إلى المشهورة فصلت ميزت وجعلت تفاصيل، لكن الأول يحتاج إلى سبق مجمل وتقدم مبهم مختلط بحق وباطل. قال القاضي: ولعل افتتاح هذه السور السبع بـ ﴿حم﴾ وتسميتها به؛ لكونها مصدرة ببيان مشاكله في النظم والمعنى. وإضافة التنزيل إلى الرحمن الرحيم للدلالة على أنه مناط المصالح الدينية والدنياوية. وقلت: ولذلك اشتركت في أن اقترن كل منهما بذكر الكتاب وجعل ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نصبًا على الاختصاص والمدح أو حالًا، وعلل بقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي يعلمون ما نول عليهم من الآيات المفصلة المبينة لا يلتبس عليهم شيء منه. قال أبو البقاء: ﴿كِتَابٌ﴾ أي هو كتاب، ويجوز أن يكون مرفوعًا بـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أي: نزل كتابًا، ﴿قُرْآنًا﴾ حال موطئة من ﴿آيَاتِهِ﴾ ويجوز أن يكون حالًا من ﴿كِتَابٌ﴾ لأنه قد وصف. قوله: (فصل من البلد) روي عن المصنف أنه قال: أصله: فصل نفسه، فطرحت العرب نفسه وتناسته، كقولهم: نزع عن الأمر نزوعًا، وأصله: نزع نفسه. ولهذا قال أبو نواس: وإذا نزعت عن الغواية فليكن لله ذاك النزع لا للناس لامحًا الأصل المتروك.
[ ١٣ / ٥٥٩ ]
قرآنًا من صفته كيت وكيت. وقيل: هو نصب على الحال، أي: فصلت آياته في حال كونه قرآنًا عربيًا. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي المبين، لا يلتبس عليهم شيء منه. فإن قلت: بم يتعلق قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؟ قلت: يجوز أن يتعلق بـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أو بـ ﴿فُصِّلَتْ﴾، أي: تنزيل من الله لأجلهم، أو فصلت آياته لهم، والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده، أي: قرآنًا عربيًا كائنًا لقوم عرب؛ لئلا يفرق بين الصلات والصفات. وقرئ: (بشير ونذير)، صفة للكتاب، أو خبر مبتدأ محذوف. ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾: لا يقبلون ولا يطيعون، من قولك: تشفعت إلى فلان فلم يسمع قولي، ولقد سمعه ولكنه لما لم يقبله ولم يعمل بمقتضاه، فكأنه لم يسمعه.
[﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ ٥]
والأكنة: جمع كنان؛ وهو الغطاء. الوقر، بالفتح: الثقل. وقرئ بالكسر. وهذه
_________________
(١) ـ قوله: (لئلا يفرق بين الصلات والصفات) يعني: إن علق ﴿لِقَوْمٍ﴾ بـ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ تقع التفرقة بين المفعول له وبين متعلقه بقوله: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وبين الصفات أيضًا؛ لأن ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ صفة ﴿قُرْآنًا﴾. وإن علق بـ ﴿فُصِّلَتْ﴾ فالتفرقة بين الصفات -وهي ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ و﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ حاصلة، وإنما جمع الصلات وهي واحدة لتوافق قرينتها نحو: إني لآتيه بالغدايا والعشايا. وعن بعضهم: إنما جمعها وهي واحدة وهي اللام لتعدد ما اتصل بها من قوله: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ و﴿فُصِّلَتْ﴾ وأراد بالصلات العلاقات بالمعاني. قوله: (وقرئ: "بشيرٌ ونذير")، قال القاضي: قراءة نافع. قوله: (والوقر، بالفتح: الثقل)، الراغب: الوقر بالفتح الثقل في الأذن، يقال: وقرت
[ ١٣ / ٥٦٠ ]
تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن تقبل الحق واعتقاده، كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها، كقوله: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]؛ ومج أسماعهم له كأن بها صممًا عنه، ولتباعد المذهبين والدينين كأن بينهم وما هم عليه وبين رسول الله ﷺ وما هو عليه حجابًا ساترًا وحاجزًا منيعًا من جبل أو نحوه، فلا تلاقي ولا ترائي. ﴿فَاعْمَلْ﴾ على دينك ﴿إِنَّنا عامِلُونَ﴾ على ديننا، أو: فاعمل في إبطال أمرنا، إننا عاملون في إبطال أمرك. وقرئ: (إنا عاملون). فإن قلت: هل لزيادة ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ فائدة؟ قلت: نعم؛ لأنه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب: لكان المعنى: أن حجابًا حاصل وسط الجهتين، وأما بزيادة ﴿مِنْ﴾ فالمعنى: أن الحجاب ابتدأ منا وابتدأ منك،
_________________
(١) ـ أذنه تقر وتوقر، والوقر بالكسر -الحمل للحمار والبغل. وقد أوقرته، ونخلة موقر وموقرة، والوقار السكون. وفلان ذو قرة. قوله: (ومج أسماعهم) عطف على قوله: "نبو قلوبهم" وأما قوله: "حاجزًا منيعًا من جبل أو نحوه، فلا تلاقي ولا ترائي" فلدلالة التنكير في "حجاب"، ونحوه قال الشاعر: له حاجب في كل أمر يشينه وزيادة من قوله: "كأن بينهم وما هم عليه" قيل: الوجه أن يجعل الواو بمعنى "مع" لئلا يلزم العطف على المضمر المجرور من غير إعادة الجار، ويحمل الواو "في" وبين رسول الله وما هو عليه "مع" أيضًا وإن كان العطف صحيحًا؛ لئلا يفرق الحكم بين القرينتين، ويجوز العكس لتوافق قوله هل لزيادة "من" فائدة؟ ليست هذه الزيادة مثل قولك: ما جاءني من أحد؛ لأنها في الإثبات، بل المراد أن المعنى كان يحصل بدونها كما قدره. قوله: (أن الحجاب ابتدأ منا وابتدأ منك)، الانتصاف: مقتضى كلامه أن يكون
[ ١٣ / ٥٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ "من" مقدرة على "بين" الثانية؛ لأنه جعلها مقيدة للابتداء، فكأنه قيل: ومن بيننا ومن بينك حجاب، وهو غلط، فإن لا يصح معها إعادة عامل؛ لأنه يجعل "بين" داخلة على المفرد، ومن شأنها الدخول على متعدد، وقد زاد على هذا بأن جعل الأولى الحجاب من جهتهم، والثانية من جهته، وليس كذلك، والأولى هي الثانية بعينها وهي عبارة عن الجهة المتوسطة بين المضافين، وتكرارها إنما كان لأن المعطوف عليه مضمر مخفوض يوجب تكرار خافضه، ولا تفاوت بين قولك: حلت بين زيد وعمرو، وحلت بين زيد وبين عمرو. وأما ذكرها مع الظاهر فجائز ومع المضمر واجب، فالصحيح أنها ها هنا مثل ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] للإشعار بأن الجهة المتوسطة بين النبي ﷺ وبينهم مبدأ الحجاب، ووجود "من" قريب من عدمها لقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] بغير "من". وفي هذه الآية مبالغات بثلاثة حجب: أحدها: الحجاب الخارج، ثم حجاب الصمم، ثم حجاب أكنة قلوبهم، نعوذ بالله من ذلك. وقلت: حاصل المعنى أن "بين"تقتضي متعددًا، وليس بين النبي ﷺ وبينهم حجاب واحد، وهو متعدد معنى ولم يفتقر إلى تقدير حجاب آخرـ، ثم زيف قوله: "فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة" وهو عمله لقولهم بعد ذلك: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ مرتبًا بالفاء، أي: اعمل أنت فيما يتعلق بك وبجهتك من إثبات نبوتك بأي طريق كان، ومن الدعوة إلى التوحيد والمنع من تقليد الآباء وغير ذلك على قدر جهدك وطاقتك، ونعمل نحن بقدر وسعنا فيما يتعلق بنا وبجهتنا من الدفع لرسالتك والثبات على الشرك وتقليد الآباء، فظهر أن "بين" ها هنا معبر عن المسافة والجهة بواسطة "من" الابتدائية، والبين المذكور في الكتاب لازم المعنى، وسنبين إن شاء الله أن مغزى قولهم هو أنك تزعم أن لك دليلًا على إثبات نبوتك بإقامة المعجزة، ونحن ندعي أن لنا دليلًا على نفيها عنك؛ لأنك بشر، وأنى يقع الاتفاق بيننا وبينك؟ وإن شئت فذق هذا مع قول الشاعر:
[ ١٣ / ٥٦٢ ]
فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها. فإن قلت: هلا قيل: على قلوبنا أكنة، كما قيل: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾، ليكون الكلام على نمط واحد!
_________________
(١) ـ راحت مشرقة ورحت مغربًا وأنى التقاء مشرق ومغرب؟ ومن حرم مراعاة حسن النظم خبط خبط عشواء، وجعل في كلام الملك العلام فضلات. وقد استحسن الإمام كلام المصنف كل الاستحسان. وقال صاحب "التقريب": وفي تقريره نظر؛ لأن البين إذا فسر بالوسط و"من" للابتداء فيكون الابتداء من الوسط لا من الطرف، فلا يلزم استيعاب الوسط، ولعله لم يرد بالوسط حاق الوسط بل المسافة المتوسطة بينهما، فصح ما ذكره. تم كلامه. قوله: (هلا قيل: على قلوبنا أكنة) يعني أن المطابقة بين القرائن فلم قدم الجار في الثانية وأخره في الأولى؟ وأجاب: أن المطابقة حاصلة من حيث المعنى؛ لأن المظروف كما هو مستقر في الظرف، الظرف أيضًا مشتمل عليه، فإذن معنى قوله: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] وقوله: "على قلوبنا أكنة" واحد، فجاء التطابق. قال صاحب "الفرائد": الفرق بين الصورتين بين؛ لأن الأولى تفيد استيعاب الأكنة القلوب؛ لأن الأكنة لا بد من تجاوز أطرافها على المظروف فكأنهم قالوا: الأكنة محتوية على القلوب ساترة من جميع جوانبها. ولا كذلك الثاني؛ لأن الأكنة حينئذ ساتر سطحها فلا يلزم من هذه الاحتواء من كل جانب. وقلت: إنما يتفاوت هذا بتفاوت الظرف، فإن الظرف إذا كان كنًا لا بد من ستر المظروف من كل جانب على أن "على" أبلغ لمعنى الاستعلاء ومغلوبية المظروف والإيذان بأن ليس للوصول إليه سبيل، على أن للقول فيه مجالًا، وهو أنه لو قيل: "على قلوبنا أكنة" كما في تلك الآية: ﴿وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾ لم يحصل التطابق في معنى الاستقراء وجعل أحدهما ظرفًا والآخر مظروفًا. ولو قيل: "على آذاننا وقر" لم يكن بتلك المبالغة؛ لأن المراد
[ ١٣ / ٥٦٣ ]
قلت: هو على نمط واحد؛ لأنه لا فرق في المعنى بين قولك: قلوبنا في أكنة، وعلى قلوبنا أكنة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الكهف: ٥٧]، ولو قيل: إنا جعلنا قلوبهم في أكنة: لم يختلف المعنى، وترى المطابيع منهم لا يراعون الطباق والملاحظة إلا في المعاني.
[﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ ٦ - ٧]
فإن قلت: من أين كان قوله: ﴿إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ﴾ جوابًا لقولهم: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾؟ قلت: من حيث أنه قال لهم: إني لست بملك، وإنما أنا بشر مثلكم،
_________________
(١) ـ أن الأصمخة قد سدت فلا يدخل فيها الهواء فضلًا عن الكلام. وأما معنى "على" في تلك الآية فلإرادة معنى الاستعلاء والقهر من الله تعالى، والله أعلم. قوله: (ترى المطابيع)، الأساس: وهو مطبوع على الكرم، وقد طبع على الخلاق المحمودة، وهذا كلام عليه طابع الفصاحة، وعن بعضهم: المطابيع، جمع مطبوع، وهو الذي طبع على العربية. وقيل: هو الذي طبع على الكيوسة. قوله: (من حيث أنه قال لهم: إني لست بملك، وإنما أنا بشر مثلكم)، قال صاحب الفرائد": لم لزم أن يكون هذا جوابًا لقولهم؟ إذ قولهم لا يقتضي أن يكون له جواب، وإنما يشعر هذا بأن قيل له ﷺ: لا تتركهم بما ذكروا إنا لا نسمع ما تذكر، ومرادهم مما قالوا أن نتركهم وما يدينون وما يفعلون، سلمنا أنه جواب، لكن المراد منه: إني بشر فلا أقدر أن أخرج قلوبكم من الأكنة وأرفع الحجاب من البين، والوقر من الآذان، ولكن أوحي إلي وأمرت بتبليغ ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ هذا ينظر إلى قول الإمام كأنه قال: إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبرًا وقهرًا، فإني بشر مثلكم ولا امتياز بيني وبينكم إلا أني مخبر
[ ١٣ / ٥٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ أن الله تعالى أوحى إلي، فإني أبلغ هذا الوحي إليكم، إن شرفكم الله بالتوفيق قبلتموه، وإن خذلكم بالحرمان رددتموه، وذلك لا يتعلق بنبوتي ورسالتي. وفسر صاحب "الانتصاف" كلام المصنف بأن قال: إنما كان قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ جوابًا لما سبق؛ لأنهم لما أبوا القبول منه كل الإباء قال: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ لا قدرة لي على إظهار المعجزات، بل تختص القدرة عليها بالله تعالى تصديقًا لي، ثم عقبه بما يتم المقصود وهو التوحيد، وأدرج تحت الاستقامة جميع تفاصيل الشرع، وتممه بإنذارهم على ترك القبول بالويل. وقدر بعضهم كأنهم قالوا: لا نصغي إلى قولك ولا نرعوي إليه، فقال ﷺ: "إذا صحت نبوتي وجب عليكم الارعواء والإصغاء إلى قولي". وقلت: كيفما كان الجواب من الأسلوب الحكيم، والمطابقة بين الجواب والسؤال إنما تظهر إذا نظر إلى الجانبين والمعنى والتركيب وما يقتضيه من المعنى بحسب المقام فنقول:: لفظة "إنما" من أدوات الحصر، ومعنى التركيب ها هنا ما أنا إلا بشر موحى له، وإنما يستقيم هذا إذا قيل له: أنت فيما تدعيه من الوحي والرسالة كمدعي ما يوجب الخروج من البشرية والدخول في الملكية؛ لأن الرسالة منافية للبشرية، وإنها من مناصب الملائكة، وكتاب الله مملوء من هذا الرد، وهذا المعنى إنما يعطيه معنى قولهم: ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا﴾، على إرادة إنك فيما تدعيه من الرسالة وإثبات التوحيد، ونحن فيما نعتقد من أن البشرية منافية للرسالة في حاجز منيع وحجاب ساتر كما مر. وتمام التقرير أنه صلوات الله عليه حين تحداهم بقوله: ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ كأنه قال: إني رسول الله إليكم، ومعجزتي هذا الكتاب الفارق بين الحق والباطل والكاذب والصادق، وإنه نازل بلسانكم وأنتم زعماء الحوار وأرباب البيان تعلمون أنه كذلك لما عجزتم عن الإتيان بمثله، وهو المراد من قوله: يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المنبئة بلسانهم العربي المبين، وعند ذلك أعرضوا وعاندوا
[ ١٣ / ٥٦٥ ]
وقد أوحي إلي دونكم فصحت بالوحي إلىّ وأنا بشر نبوّتي، وإذا صحت نبوّتي: وجب عليكم اتباعي، وفيما يوحى إلي: أن إلهكم إله واحد ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾: فاستووا إليه بالتوحيد وإخلاص العبادة غير ذاهبين يمينًا ولا شمالًا، ولا ملتفتين إلى ما يسوّل لكم
_________________
(١) ـ وردوا الشبهة الركيكة معارضين، وإلى الإعراض الإشارة بقوله: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤]، وإلى الاعتراض لمح بقوله: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ الآية، فكأنهم قالوا: سلمنا دعواك، لكن عندنا ما ينافيه وهو أن الرسالة منحصرة في الملائكة، وما أنت إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شيء، وليس عندك ما تدفع به هذا الدليل وإن اجتهدت كل الاجتهاد. هذا معنى قوله: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ على أحد وجهيه، وهو: فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك. فأجابهم بقوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ على سبيل القول بالموجب، يعني لا شك أني بشر ولست بملك، وذلك كيف يقدح في دعواي؟ لأن الرسالة إنما تثبت بالدعوى وتصديقها بالمعجزة، وقد حصل ذلك، وهو دليل قاطع، ولا أترك القاطع وأشتغل بجواب شبهتكم إلا هذا القدر؛ لأن الذي علي الآن الدعوة إلى التوحيد وبيان سبيل الرشاد والأمر بالتوبة مما سبق لكم من الشرك، والتحريض على مكارم الأخلاق من أداء الزكاة والإيمان بالآخرة إلى غير ذلك، هكذا ينبغي أن يفسر تأويل المصنف، وهو أقرب الأقوال السابقة؛ لأن مقتضى "إنما" وموجب ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ لا يساعد عليع تأويلهم. فإن قيل: هذا التأويل مبني على معنى ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ في إبطال الأمر، فما معنى الآية على الوجه الآخر، وهو "إننا عاملون على ديننا؟ قلت: تأويله ما رواه الواحدي عن مقاتل: أن أبا جهل رفع ثوبه بينه وبين النبي ﷺ فقال: يا محمد، أنت من ذلك الجانب ونحن من هذا الجانب، فاعمل أنت على دينك ومذهبك إننا عاملون على ديننا ومذهبنا، قال الله: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: كواحد منكم ولولا الوحي ما دعوتكم. والنظم مع الأول، والله أعلم.
[ ١٣ / ٥٦٦ ]
الشيطان من اتخاذ الأولياء والشفعاء، وتوبوا إليه مما سبق لكم من الشرك ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. وقرئ: (قال إنما أنا بشر). فإن قلت: لم خص من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونًا بالكفر بالآخرة؟ قلت: لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته. ألا ترى إلى قوله ﷿: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]؟ أي: يثبتون أنفسهم ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا فقرّت عصبيتهم، ولانت شكيمتهم، وأهل الردّة بعد رسول الله ﷺ ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة، فنصبت لهم
_________________
(١) ـ قوله: (وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا)، الانتصاف: كلام الزمخشري حسن بعد تبديل "خدع المؤلفة"فالتأليف على الإيمان ليس خداعًا، إنما التأليف ملاطفة لا خديعة. وقلت: ما أحسن موقع الخداع وقرانه مع لمظة من الدنيا، ثم أردفه بقوله: " فقرّت عصبيتهم، ولانت شكيمتهم". روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن أنس: "أصاب رسول الله ﷺ يوم حنين غنائم، فقسم في المهاجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئًا، فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن ندعى وتعطى الغنائم غيرنا، فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال: "يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني عنكم"؟ فسكتوا، فقال: "يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد تحوزونه في بيوتكم"؟ قالوا: بلى يا رسول الله رضينا. فقال: "لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار شعبًا لأخذت شعب الأنصار". وفي رواية: قال أنس: قال رسول الله ﷺ: "إن قريشًا حديث عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون". الحديث.
[ ١٣ / ٥٦٧ ]
الحرب، وجوهدوا. وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة، وتخويف شديد من منعها؛ حيث جعل المنع من أوصاف المشركين، وقرن بالكفر بالآخرة. وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج، ويحرمون من آمن منهم برسول الله ﷺ. وقيل: لا يفعلون ما يكونون به أزكياء، وهو الإيمان.
_________________
(١) ـ روينا في "صحيح البخاري"، عن عمرو بن ثعلب قال: "أعطى رسول الله ﷺ قومًا ومنع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه، فقال: إني أعطي قومًا أخاف ظلعهم وجزعهم، وأكل قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى". ظلعهم، أي: ميلهم عن الحق وضعف إيمانهم، وأصله داء في قوائم الدابة تغمز منها. قوله: (بلمظة) الجوهري: لمظ يلمظ بالضم لمظًا، إذا تتبع بلسانه بقية طعامه، أو أرخج لسانه فمسح به شفتيه. قوله: (لا يفعلون ما يكونون به أزكياء)، الراغب: أصل الزكاة: النمو الحاصل من بركة الله، ويعتبر ذلك بالمور الدنيوية والأخروية، وبزكاء النفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة، وهو أن يتحرى الإنسان ما فيه تطهيره. وقلت: في هذا المقام هو الإيمان كما قال المصنف. روى محيي السنة عن ابن عباس: يعني الذين يقولون: لا إله إلا الله، وهي زكاة الأنفس. المعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك. وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم. وقلت: المعنى على هذا فاستقيموا إليه بالتوحيد وإخلاص العبادة له، وتوبوا إليه مما سبق لكم من الشرك وويل لكم إن لم تفعلوا ذلك كله، فوضع موضعه مع إيتاء الزكاة؛ ليؤذن بأن الاستقامة على التوحيد وإخلاص العمل لله
[ ١٣ / ٥٦٨ ]
[﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ٨]
الممنون: المقطوع. وقيل: لا يمنّ عليهم؛ لأنه إنما يمنّ التفضل، فأما الأجر فحق أداؤه. وقيل: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى: إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.
[﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ * فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ٩ - ١٢]
﴿أَإِنَّكُمْ﴾ بهمزتين، الثانية بين بين، و(آئنكم) بألف بين همزتين. ﴿ذلِكَ﴾ الذي قدر على خلق الأرض في مدة يومين. هو ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾
_________________
(١) ـ والتبري عن الشرك هو تزكية النفس، وهو أوفق لتأليف النظم، وما ذهب إليه حبر الأمة إلا لمراعاة النظم، ثم جيء بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ الآية، مستطردًا تعريضًا بالمشركين وأن نصيبهم مقطوع، حيث لم يزكوا أنفسهم كما زكوا، ويدل على أنه مستطرد قوله: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾. قوله: (كأصح ما كانوا يعملون)، قيل: كما عملوا في حال كونهم أصح الأصحاء. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ الذي قدر على خلق الأرض في مدة يومين هو ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ إشارة إلى اتصال قوله: ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ بما قبله بتوسط اسم الإشارة، وان المذكور قبله مستحق لأن يقال له رب العالمين؛ لأجل ما اتصف بالقدرة التامة الكاملة وهو خلق الأرض في يومين، أما بيان كيفية اتصال اللفظ فإن صاحب "الكشف" قال: ظاهر الآية مشكل؛
[ ١٣ / ٥٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لأن قوله: "وجعل" عطف على "خلق" وداخل في حيز صلة "الذي" وقد فصل بقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ وإن قلت: هو في الحال من الضمير في "حلق" أي قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين مجعولًا له أندادًا، فهو وجه؛ لأنه حال من الضمير الذي في "خلق" لا من نفس الموصول. وقال أبو البقاء: "وجعل فيها" مستأنف غير معطوف على "خلق" لما يلزم الفصل، وليس من الصلة في شيء. وقلت: الكلام مفرغ في قالب محكم رصين لا يجوز التفكيك لا بالحال ولا بالاستئناف، فإن قوله: ﴿وَجَعَلَ﴾ عطف على ﴿خَلَقَ﴾، وكذلك ﴿وَتَجْعَلُونَ﴾ عطف على "تكفرون" وكأن أصل الكلام: أئنكم لتكفرون بالذي حلق الأرض في يومين وجعل فيها رواسي من فوقها، بدليل قوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً﴾ لأنه فذلكة لمدة خلق الله الأرض وما فيها، كما قال المصنف، وفيه تصريح بأن "جعل" معطوف على "خلق"، ثم لمزيد الإنكار جيء بقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا﴾ أبين من "تكفرون" و﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أجمع من "الذي خلق الأرض" ومن ثم قال المصنف: "ذلك الذي قدر على خلق الأرض في مدة يومين هو رب العالمين" نظيره قوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عطف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال المصنف: "فإن قلت: كيف ساغ العطف قبل الفراغ من المعطوف عليه؟ قلت: إنما ساغ لأن ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ في معنى الصد عن سبيل الله، واتحادهما جوز ذلك، كأنه قيل: صد عن سبيل الله والمسجد الحرام، كذلك ها هنا التقدير: أئنكم لتجعلون أندادًا لمن خلق
[ ١٣ / ٥٧٠ ]
﴿رَواسِيَ﴾ جبالًا ثوابت. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿مِنْ فَوْقِها﴾؟ وهلا اختصر على قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾، كقوله: ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧]، ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ [الأنبياء: ٣١]، ﴿وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ [النلم: ٦١]! قلت: لو كانت تحتها كالأساطين لها تستقر عليها، أو مركوزة فيها كالمسامير لمنعت من الميدان، وإنما اختار إرساءها فوق الأرض؛ لتكون المنافع في الجبال معرضة لطالبيها، حاضرة
_________________
(١) ـ الأرض في يومين وجعل فيها كذا وكذا؟ ". وقال الراغب: لا بد من أحد أمرين، إما أن ينوي بقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ التقديم حتى يعطف على ﴿خَلَقَ﴾، وينوي قبله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا﴾ التأخير، وهذا مما يجوز في ضرورات الشعر، وإما أن يعطف على فعل مثل ما وقع في الصلة بدلالة الأول عليه، فيضمر "خلق الأرض" ثم يعطف عليه ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ كأنه قيل: أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام؟ فيضم اليومان اللذان يقتضيهما خلق الأرض إلى اليومين اللذين هما لخلق ما فيها، والوجه ما قررناه. قوله: (ما معنى قوله: ﴿مِنْ فَوْقِها﴾؟)، أي ما فائدة الزيادة في هذه الآية؛ لأن تلك الآيات التي وردت بدون هذه الزيادة معطية معنى الفوقية من غير ذكره؟ وأجاب: فائدتها التنبيه على الحكمة التي اقتضت جعلها كذلك؛ لأنها لو كانت تحتها كالأساطين جعل للأرض الاستقرار على الأساطين، لكن فإن منافع الجبال كما لو كانت الجبال مركوزة فيها، حاصله أن القصد من خلق الجبال المنع من ميدان الأرض كما قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] وكان ذلك إما بجعلها كالأساطين أو بجعلها مركوزة فيها أو بجعلها رواسي شامخات، فاختير الثالث لإفادة المنافع المذكورة مع حصول ما قصد منها. قوله: (الميدان)، الجوهري: ماد الشيء يميد ميدًا: تحرك. قوله: (معرضة) هو من قولهم: أعرض لك الخير، إذا أمكنك. يقال: أعرض لك
[ ١٣ / ٥٧١ ]
لمحصليها، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال على أثقال، كلها مفتقرة إلى ممسك لا بد لها منه، وهو ممسكها عز وعلا بقدرته. ﴿وَبارَكَ فِيهَا﴾: وأكثر خيرها وأنماه، ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها﴾: أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم. وفي قراءة ابن مسعود: (وقسم فيها أقواتها)، (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً) فذلكة لمدة خلق الأرض وما فيها، كأنه قال: كل ذلك في أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان. قيل: خلق الأرض في يوم الأحد ويوم الاثنين، وما فيها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء. وقال الزجاج: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامِ﴾:
_________________
(١) ـ الظبي، إذا أمكنك من عرضه، إذا ولاك عرضه، وأعرضت الشيء فأعرض، أي: أبرزته فبرز. قوله: (وليبصر أن الأرض)، بيانه ما قال الإمام: أنه تعالى لو جعلها على غير هذه الصورة لأفهم أن تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض عن النزول، ولكنه تعالى خلق هذه الجبال الثقال فوق الأرض ليرى الإنسان أن الأرض والجبال أثقال على أثقال وكلها مفتقرة إلى حافظ وممسك، وما ذاك إلا الله تعالى. قوله: (فذلكة) الفذلكة في الحساب: هي أن تذكر أولًا أشياء مفصلًا، ثم تجمع تلك التفاصيل، وتكتب في معرض الحساب: فذلك كذا وكذا. قوله: (قيل: خلق الأرض في يوم الأحد ويوم الاثنين) روينا عن مسلم عن أبي هريرة، قال: "أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة فيها فيما بين العصر إلى الليل". قوله: (وقال الزجاج) وكلامه: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
[ ١٣ / ٥٧٢ ]
في تتمة أربعة أيام. يريد بالتتمة اليومين. وقرئ: ﴿سَوَاءً﴾ بالحركات الثلاث؛ الجر على الوصف، والنصب على: استوت سواءً، أي: استواءً، والرفع على: هي سواءٌ. فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾؟ قلت: بمحذوف، كأنه قيل: هذا الحصر لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟ أو بـ ﴿وَقَدَّرَ﴾: أي: قدر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها من المقتاتين. وهذا الوجه الأخير لا يستقيم إلا على
_________________
(١) ـ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامِ﴾، أي: في تتمة أربعة أيام، ﴿سَواءً لِلسَّائِلِينَ﴾ معلق بقوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها﴾ لكل محتاج إلى القوت. وإنما قيل: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ لن كلًا يطلب القوت ويسأله، ويجوز أن يكون المعنى لمن سأل: في كم خلقت السماوات والأرضون؟ فقيل: خلقت وما فيها في أربعة أيام سواء جوابًا لمن سأل. وقال الإمام: نحوه قول القائل: سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وسرت إلى الكوفة في خمسة عشر يومًا، معناه أن المسافتين خمسة عشر. ويقال: أعطيتك ألفًا في شهر وألوفًا في شهرين، فيدخل الألف في الألوف، والشهر في الشهرين. قوله: (وقرئ: ﴿سَوَاءً﴾ بالحركات الثلاث). قال محيي السنة: أبو جعفر: بالرفع على الابتداء، ويعقوب: بالجر على نعت ﴿أَرْبَعَةِ﴾، والباقون: بالنصب على المصدر، أي: استوت سواءً واستواءً. قوله: (وهذا الوجه الأخير لا يستقيم)، الانتصاف: وجه امتناعه على الأول أن قوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامِ﴾ فذلكة ومن شانها الوقوع في طرف الكلام، فلو جعل ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ متعلقًا بـ"قدر" على تأويل حذف التتمة تعلق الظرف بالمظروف ولا يتم الكلام. وقال: وتفسير الزجاج أرجح؛ إذ هو مشتمل على ذكر مدة خلق الأقوات بالتأويل الغريب الذي قدره،
[ ١٣ / ٥٧٣ ]
تفسير الزجاج. فإن قلت: هلا قيل: في يومين! وأي فائدة في هذه الفذلكة؟ قلت: إذا قال في أربعة أيام، وقد ذكر أن الأرض خلقت في يومين؛ علم أن ما فيها خلق في يومين، فبقيت المخايرة بين أن يقول: في يومين، وأن يقول: في أربعة أيام سواء، فكانت في أربعة أيام سواء فائدة ليست في يومين؛ وهي الدلالة على أنها كانت أيامًا كاملة بغير زيادة ولا نقصان. ولو قال: في يومين، وقد يطلق اليومان على أكثرهما:
_________________
(١) ـ ومضمن ما يقوم مقام الفذلكة؛ إذ قد ذكر جملة العدد الذي هو ظرف لخلقها وخلق أقواتها، وعلى اختيار الزمخشري تكون الفذلكة مذكورة من غير تقدم تصريح بجملة تفاصيلها، فلم يذكر سوى يومين، والفذلكة بتقدم فيها النص على جميع أعدادها، كقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقلت: أي حاجة إلى النص وقد دل التنصيص في قوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ على أن التقدير: وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في يومين آخرين، ثم يقال: كل ذلك في أربعة أيام؟ على أن في تفسير الزجاج الاختلاف الذي بين الإمامين. قال الشافعي: المتعقب للجمل يعود إليها جميعًا، وأبو حنيفة خص بالأخيرة، ولنا الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات. قوله: (وقد يطلق اليومان على أكثرهما)، قال صاحب "الفرائد": لا شك أنه صح أن يقال: فعلته في يومين، وكان الفعل في أقل منهما. ويصح أن يقال: فعلته في يومين، وكان الفعل في أكثر منهما. فإذا عرفت هذا تقول: يمكن أن يكون خلق الأرض في أقل من يومين، وجعل رواسي من فوقها، وتقدير الأقوات وغيرهما في يومين وبقية اليومين المذكورين، وكان خلق الأرض وجعل رواسي فيها وغيره في أربعة أيام من غير زيادة ولا نقصان، فعلى هذا لم يجز إلا أن يقال: في أربعة أيام.
[ ١٣ / ٥٧٤ ]
_________________
(١) وقيل: قوله: "قد يطلق اليومان على أكثرهما" غير مختص بل على أقل منهما أيضًا، وقد يراد باليومين يوم ونصف مثلًا، فإن بعض الشيء قد يسمى باسمه كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] والمراد شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وليلة النحر، وفيه بحث؛ لأن أبا علي قال في "الحجة": "سمي الشهرين وبعض الثالث أشهرًا، لأن الاثنين قد يوقع عليه لفظ الجمع، كما في قوله: ظهراهما مثل ظهور الترسين فعلى هذا لا يجوز أن يوقع على الاثنين وبعض الثالث "قروء" في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، لأن هذا محصور بالعدد فلا يكون اثنان وبعض الثالث ثلاثة"، وهذا يدفع قول المصنف: "وقد يطلق اليومان على أكثرهما". وقلت: لا يدفع؛ لأن إطلاق الجمع على الاثنين وعلى أكثر منه بطريق الاشتراك واختلاف اللغتين سائغ وإطلاق العدد المخصوص على أكثر منه وأقل بطريق التغليب والمجاز شائع، ومن ثم قال في قوله تعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وقد فسر بأنه تعالى خلق السماوات في يومين وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم، في هذا دليل على ما ذكرته من أنه لو قيل: "في يومين" في موضع "أربعة أيام سواءً" لم يعلم أنهما يومان كاملان أم ناقصان؛ لأنه تعالى لم يخلق السماوات في يومين كاملين على هذا؛ لأنه خلق آدم في آخر ساعة من باقي اليوم، وكما دل عليه الحديث الذي رويناه عن مسلم. فإن قلت: ما الداعي إلى صرف الآية عن حقيقتها، وانه تعالى حلق الأرض في يومين وخلق ما فيهما في أربعة أيام؟ قلت: لزوم ما قاله الإمام أن قوله: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إذا جمع مع العدد يصير ثمانية، وقد ذكر في سائر الآيات أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام.
[ ١٣ / ٥٧٥ ]
لكان يجوز أن يريد باليومين الأولين والآخرين أكثرهما. ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾: من قولك: استوى إلى مكان كذا؛ إذا توجه إليه توجهًا لا يلوى على شيء، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونحوه قولهم: استقام إليه وامتد إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٦]، والمعنى: ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها من غير صارف يصرفه عن ذلك. قيل: كان عرشه قبل
_________________
(١) ـ قوله: (وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج)، الراغب: المساواة: المعادلة المعتمدة بالذرع والوزن والكيل، وقد يعتبر بالكيفية، ونحو: هذا السواد مساوٍ لذلك السواد، وإن كان تحقيقه راجعًا إلى اعتبار مكانه دون ذاته، واستوى على الوجهين؛ بمعنى: تساوى، كقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ﴾ [التوبة: ١٩]، وبمعنى اعتدال الشيء في ذاته، نحو قوله تعالى: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] واستوى أمر فلان، ومتى عدي بـ"على" فبمعنى الاستيلاء كقوله تعالى: ﴿الرَّحِمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقيل: معناه: استوى له ما في السماوات وما في الأرض، أي استقام الكل على مراده بتسويته تعالى إياه، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩ [وإذا عدي بـ"إلى" فبمعنى الانتهاء إليه، إما بالذات أو بالتدبر، وعلى الثني قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ﴾ والمساواة متعارفة في المثمنات، يقال: هذا الثوب يساوي كذا. وأصله من ساواه في القدر، قال تعالى: [حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ [الكهف: ٩٦]. قوله: (ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها) سوء أدب، ومعناه مشكل مع قوله بعد هذا: "خلق جرم الأرض أولًا غير مدحوة ثم دحاها بعد خلق السماء" وقوله في البقرة: "جرم الأرض تقدم خلقه السماء، وأما دحوها فمتأخر"، وبيانه ما ذكر الإمام أن الله ﷾ بين أنه خلق الأرض في يومين، ثم إنه تعالى في اليوم الثالث جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها، وهذه الأحوال.
[ ١٣ / ٥٧٦ ]
خلق السماوات والأرض على الماء، فأخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء وعلا عليه، فأيبس الماء، فجعله أرضًا واحدة، ثم فتقها فجعلها أرضين، ثم خلق السماء من الدخان المرتفع. ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما: أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه،
_________________
(١) ـ لا يستقيم دخولها في الوجود إلا بعد الدحو، وأيضًا إنه لا نزاع أن قوله تعالى: ﴿فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ كناية عن إيجاد السماء والأرض، فلو تقدم إيجاد السماء على إيجاد الأرض لكان قوله: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ يقتضي إيجاد الموجود. ونقل الواحدي في "البسيط" عن مقاتل أنه قال: خلق السماء قيل: قبل الأرض، وتأويل الآية: ثم استوى إلى السماء وهي دخان قبل أن يخلق الأرض، على الإضمار، ثم قال: والمختار عندي أن يقال: خلق السماء مقدم على خلق الأرض، والخلق ها هنا ليس عبارة عن التكوين والإيجاد بل عن التقدير كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ىل عمران: ٥٩] لئلا يلزم أنه تعالى قال للشيء الذي وجد: كن، والتقدير في حق الله ﷾ حكمه بأنه سيوجد ويقضى بذلك، وعليه معنى الآية. وقال القاضي: والظاهر أن "ثم" لتفاوت ما بين الخلقين لا للتراخي في المدة؛ لقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] مقدم على خلق الجبال من فوقها. وقال صاحب "الكشف": قال قوم: إن "ثم" لترتيب الخبر على الخبر، أخبر أولًا بخلق الأرض ثم اخبر بخلق السماء، وقد تقدم مثل هذه الآية، آي جمة. قوله: (وامتثالهما: أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه) قال القاضي: معنى ﴿ائْتِيا﴾ ائتيا
[ ١٣ / ٥٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ لما خلقت فيكما من التأثير والتأثر وإبراز ما أودعت فيكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة، أو ائتيا في الموجود، على أن الخلق السابق بمعنى التقدير أو الترتيب في المرتبة، أو للإخبار، ومعنى ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ إظهار كمال قدرته ووجوب وقوع مراده، لا إثبات الطوع والكره لهما. ومعنى ﴿أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ الأظهر أنه تصوير تأثير قدرته فيهما، وتأثرهما بالذات عنها، وتمثيلهما بأمر المطاع الطائع، كقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونَ﴾ [البقرة: ١١٧]. وقلت: يرد على تأويل الإمام إشكالان: أحدهما: ترتب الفاء في قوله: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فإنه يوجب أنه تعالى بعدما خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام استوى إلى خلق السماوات فقضاهن في يومين تكملة للعدد المذكور في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [السجدة: ٤]. وثانيهما: تأويله "خلق الأرض في يومين" بـ"قدر" لا يساعد عليه عطف "وجعل فيها" "وقدر فيها" لأن كلًا من ذلك فعل خاص. والظاهر - والعلم عند الله-: أن "ثم" للتراخي في المرتبة، كما سبق في "البقرة" عن المصنف في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: 29] ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن الكلام مع المعاندين المتمردين، كما ترقى الخليل ﵇ مع قومه في الأخذ من الكواكب إلى القمر ثم الشمس، وختم الكلام بقوله: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 78] ألا ترى إلى أنه تعالى لما ختم الكلام قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ والمعنى: أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض وفعل كذا وكذا، وأعظم من ذلك أنه استوى- أي: قصد إلى خلق السماء- وهي شيء حقير ظلماني كالدخان- ﴿فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ * فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾، وكان الأصل: فقضاهن سبع سماوات في يومين، وخلق الأرض في يومين، وجعل فيها رواسي وقدر فيها أقواتها الآية ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فقدم وأخر
[ ١٣ / ٥٧٨ ]
ووجدتا كما أرادهما، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه فعل الآمر المطاع، وهو من المجاز الذي يسمى التمثيل. ويجوز أن يكون تخييلًا ويبنى الأمر فيه على أن الله تعالى كلم السماء والأرض، وقال لهما: ائتيا شئتما ذلك أو أبيتماه، فقالتا: أتينا على الطوع لا على الكره. والغرض تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غير، من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب. ونحوه قول القائل: قال الجدار للوتد: لم تشقني؟ قال الوتد: اسأل من يدقني، فلم يتركني، ورائي الحجر الذي ورائي. فإن قلت، لم ذكر
_________________
(١) ـ لتلك النكتة، ثم قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أي: فإن أعرضتم بعدما تتلى عليكم هذه الحجج على الوحدانية والقدرة التامة فكنتم محجوبين، فيترتب العذاب عليكم كما فعل بأشياعكم من قبل، وفيه التفات. وهذا التأويل موافق لما نقل الواحدي عن مقاتل، ولما قال القاضي، أو الترتيب في المرتبة أو الإخبار، والله أعلم. قوله: (ويجوز أن يكون تخييلًا) يعني إثبات المقاولة مع السماء والأرض يمكن أن يكون من الاستعارة التمثيلية كما سبق، ويجوز أن يكون من الاستعارة التخييلية بعد أن تكون الاستعارة في ذاتها مكنية كما تقول: نطقت الحال، بدل "دلت" فتجعل الحال كالإنسان الذي يتكلم في الدلالة والبرهان، ثم تتخيل له النطق الذي هو من لازم المشبه به وينسب إليه. وأما بيان الاستعارة التمثيلية فهو انه لما شبه فيه حالة السماء والأرض والمقاولة بينهما وبين فاطرهما في إرادة تكوينهما أو إيجادهما بحالة آمر ذي جبروت له نفاذ في سلطانه وإطاعة من تحت ملكه من غير ريب. والأوجه أن يراد بقوله: "تخييلًا" تصويرًا لقدرته وعظمة سلطانه، وأن القصد في التركيب إلى أخذ الزبدة والخلاصة من المجموع على سبيل الكناية الإيمائية من غير نظر إلى مفرداته كما سبق في قوله: ﴿والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ويعضده قوله: من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب. قوله: (فلم يتركني، ورائي) الواو في "ورائي" الأول بمعنى "مع"، "ورائي" الأول:
[ ١٣ / ٥٧٩ ]
الأرض مع السماء وانتظمها في الأمر بالإتيان، والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين؟ قلت: قد خلق جرم الأرض أولًا غير مدحوّة، ثم دحاها بعد خلق السماء، كما قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠]، فالمعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، ائتي يا أرض مدحوّة قرارًا ومهادًا لأهلك، وائتي يا سماء مقببة سقفًا لهم. ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع، كما تقول: أتى عمله مرضيًا، وجاء مقبولًا. ويجوز أن يكون المعنى: لتأت كل واحدة منكما صاحبتها الإتيان الذي أريده وتقتضيه الحكمة والتدبير؛ من كون الأرض قرارًا للسماء، وكون السماء سقفًا للأرض. وتنصره قراءة من قرأ: (آتيا)، و(آتينا) من المواتاة؛ وهي الموافقة، أي: لتؤات كل واحدة أختها ولتوافقها. قالتا: وافقنا وساعدنا. ويحتمل: وافقا أمري ومشيئتي ولا تمتنعا. فإن قلت: ما معنى: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾؟ قلت: هو مثل للزوم تأثير قدرته فيهما، وأن امتناعهما من تأثير قدرته محال، كما يقول الجبار لمن تحت يده:
_________________
(١) ـ بمعنى النظر والرأي، والواو في "ورائي" الثاني عاطفة، و"ورائي" بمعنى خلفي. قوله: (ويجوز أن يكون المعنى) عطف على قوله: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف وعليه كلام القاضي: ائتيا لما خلقت فيكما من التأثير والتأثر. قوله: (قراءة من قرأ: (آتيا)، و(آتينا) من المواتاة) قال ابن جني: قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: "آتينا طائعين" بالمد من "فاعلنا" نحو سارعنا وسابقنا، ولا يكون أفعلنا؛ لأن ذلك متعد إلى مفعولين، و"فاعلنا" متعد إلى واحد، وحذف الواحد أسهل، ولما في "سارعنا" من معنى "أسرعنا". قوله: (من المواتاة؛ وهي الموافقة)، الجوهري: يقال: أتيته على ذلك الأمر مواتاة؛ إذا وافقته وطاوعته.
[ ١٣ / ٥٨٠ ]
لتفعلن هذا شئت أو أبيت، ولتفعلنه طوعًا أو كرهًا. وانتصابهما على الحال، بمعنى: طائعتين أو مكرهتين. فإن قلت: هلا قيل: طائعتين، على اللفظ؟ أو طائعات على المعنى. لأنها سماوات وأرضون! قلت: لما جعلن مخاطبات ومجيبات، ووصفن بالطوع والكره؛ قيل: طائعين، في موضع: طائعات، نحو قوله: ﴿سَّاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. ﴿فَقَضاهُنَّ﴾: يجوز أن يرجع الضمير فيه إلى السماء على المعنى، كما قال: ﴿طائِعِينَ﴾، ونحوه: ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، ويجوز أن يكون ضميرًا مبهمًا مفسرًا بـ ﴿سَبْعِ سَموَاتٍ﴾، والفرق بين النصبين: أن أحدهما على الحال، والثاني على التمييز. قيل: خلق الله السماوات وما فيها في يومين، في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق آدم، وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة. وفي هذا دليل على ما ذكرت، من أنه لو قيل: في يومين في موضع (أربعة أيام سواء)، لم يعلم أنهما يومان كاملان أو ناقصان. فإن قلت: فلو قيل: خلق الأرض في يومين كاملين وقدر فيها أقواتها في يومين كاملين! أو قيل بعد ذكر اليومين: تلك أربعة سواء! قلت: الذي أورده سبحانه أخصر وأفصح وأحسن، طباقًا لما عليه التنزيل من مغاصاة القرائح ومصاك الركب؛ ليتميز الفاضل من الناقص، والمتقدم من الناكص، وترتفع الدرجات، ويتضاعف الثواب. ﴿أَمْرَها﴾: ما أمر به فيها ودبره من خلق الملائكة والنيرات وغير ذلك. أو شأنها وما يصلحها. ﴿وَحِفْظًا﴾: وحفظناها
_________________
(١) ـ قوله: (والفرق بين النصين)، أي: في قوله: "سبع سماوات" وذلك أن الضمير في "فقضاهن" إذا رجع إلى السماء على المعنى كائنة سبع سماوات أو متعددة سبع سماوات، وإذا كان الضمير مبهمًا كان "سبع سماوات" نصبًا على التمييز والتفسير، نحو: ربه رجلًا. قوله: (من مغاصات القرائح)، مغاصات: جمع الغوص على غير قياس؛ أو جمع المغاص من المصدر الميمي لاختلاف أنواعه، وكذا المصاك جمع مصك. قوله: (أو شأنها) عطف على قوله: "ما أمر به" والأمر على الأول: مصدر؛ بمعنى
[ ١٣ / ٥٨١ ]
حفظًا، يعني: من المسترقة بالثواقب. ويجوز أن يكون مفعولًا له على المعنى، كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة وحفظًا.
[﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ١٣ - ١٤]
_________________
(١) ـ واحد الأوامر. وقوله: "من خلق الملائكة" بيان، أي: قيل فيها للملائكة والنيرات: "كن"، وفي "شرح التأويلات": أي: أمر أهل كل سماء أمرها وامتحنهم بمحنة. وعلى الثاني: اسم بمعنى واحد الأمور. قوله: (حفظًا) يعني: من المسترقة بالثواقب، وعن بعضهم: ومن الزوال؛ ليكون الإطلاق مفيدًا فائدة جديدة سوى ما فهم من المفيد في قوله: ﴿وحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]. قوله: (كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة وحفظًا)، هذا على أن يكون من عطف المفرد على المفرد. وقوله: "وحفظناها حفظًا" على أن يكون من عطف الجملة على الجملة، وهذا أحسن وأغرب وأوكد وللإيجازات التنزيلية أنسب وللفائدة أملأ بكونه أن التقدير: وزينا السماء الدنيا بمصابيح زينة وحفظناها، فدل بالفعل في الأول علة إضمار فعل في الثاني مناسب للمصدر المذكور، ودل بالمصدر في الثاني على إضمار مصدر مناسب للفعل المذكور، مثله قول القائل: يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء أي: يرمون رميًا، ويوحون وحيًا. ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، أي: أصلها ثابت في الأرض، وفرعها متصاعد في السماء.
[ ١٣ / ٥٨٢ ]
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ بعد ما تتلو عليهم من هذه الحجج على وحدانيته وقدرته، فحذرهم أن تصيبهم صاعقة، أي: عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة. وقرئ: (صعقة مِثْلَ صعقة عاد وثمود)؛ وهي المرة من الصعق أو الصعق. يقال: صعقته الصاعقة صعقًا فصعق صعقًا، وهو من باب: فعلته ففعل.
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي: أتوهم من كل جانب، واجتهدوا بهم وأعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض، كما حكى الله عن الشيطان: ﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]، يعني: لآتينهم من كل جهة، ولأعملن فيهم كل حيلة، وتقول: استدرت بفلان من كل جانب، فلم يكن لي فيه حيلة. وعن الحسن: أنذروهم من وقائع الله فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة؛ لأنهم إذا حذروهم ذلك فقد جاءوهم بالوعظ من جهة الزمن الماضي وما جرى فيه على الكفار، ومن جهة المستقبل وما سيجري عليهم. وقيل: معناه: إذ جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم.
فإن قلت: الرسل الذين من قبلهم ومن بعدهم كيف يوصفون بأنهم جاءوهم؟ وكيف يخاطبونهم بقولهم: ﴿فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾؟ قلت: قد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل ممن جاء من بين أيديهم- أي: من قبلهم- وممن يجيء من خلفهم- أي: من بعدهم- فكأن الرسل جميعًا قد جاءوهم. وقولهم: ﴿فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾: خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء الذين دعوا إلى الإيمان بهم. "أن" في ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ بمعنى "أي"، أو مخففة من الثقيلة، أصله: بأنه لا تعبدوا، أي: بأنّ الشأن والحديث قولنا لكم: لا تعبدوا، ومفعول ﴿شَاءَ﴾ محذوف،
_________________
(١) ـ قوله: (كأنه صاعقة) قال: الصاعقة: قصفة رعد ينقض معها شقة من نار. قوله: (صعقته) أي: أهلكته، (فصعق صعقًا)، أي: مات، إما بشدة الضرب أو بالإحراق.
[ ١٣ / ٥٨٣ ]
أي: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ إرسال الرسل ﴿لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ معناه: فإذ أنتم بشر ولستم بملائكة؛ فإنا لا نؤمن بكم وبما جئتم به. وقولهم: ﴿أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ بِهِ ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكم، كما قال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]. روي: أنّ أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلًا عالمًا بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر، وعلمت من ذلك علمًا، وما يخفى علي. فأتاه، فقال: أنت يا محمد خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا وتضللنا؟ ! فإن كنت تريد الرياسة: عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا، وإن تك بك الباءة: زوّجناك عشر نسوة تختار من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك المال: جمعنا لك ما تستغني به. ورسول الله ﷺ ساكت، فلما فرغ قال: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ إلى قوله: " ﴿مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١ - ١٣] "، فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ، فانطلقوا إليه، وقالوا: يا عتبة، ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت. فغضب، وأقسم لا
_________________
(١) ـ قوله: (عقدنا لك اللواء)، النهاية: وفي حديث عمر: "هلك أهل العقد"، يعني: أصحاب الولايات على الأمصار، هو من عقد الألوية للأمراء. قوله: (الباءة)، الباءة فيها ثلاث لغات: الباء، والباه، بالهاء عراقي وهو أرذلها، والباءة. وفي الحديث: "يا معشر الشباب من خاف منكم الباءة فعليه بالصوم، فإنه لو وجاء".
[ ١٣ / ٥٨٤ ]
يكلم محمدًا أبدًا، ثم قال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، ولما بلغ صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب.
[﴿فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ ١٥ - ١٦]
﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: تعظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم؛ وهو القوّة وعظم الأجرام. أو: استعلوا في الأرض واستولوا على أهلها بغير استحقاق للولاية. ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾: كانوا ذوى أجسام طوال وخلق عظيم، وبلغ من قوّتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة من الجبل فيقتلعها بيده. فإن قلت: القوّة هي الشدّة والصلابة في البنية، وهي نقيضة الضعف، وأما القدرة فما لأجله يصح الفعل من الفاعل،
_________________
(١) ـ قوله: (وأما القدرة فما لأجله يصح الفعل من الفاعل)، الانتصاف: فسر الزمخشري القدرة بخلاف ما قاله المتكلمون، ثم عاد إلى تفسيرها بالقدرة، وجعل الفرق بينهما أن قدرة الله لذاته، وقدرة المخلوق بقدرته، فهو كما قال: زيد أفضل من عمرو، بمعنى سلب القدرة عن زيد الأفضل، والحق أن قدرة العبد مقارنة لفعله، لا قبله ولا بعده، غير مؤثرة في إيجاده، وقدرة الله -جلت قدرته- مؤثرة في جميع المقدورات أزلًا وأبدًا عامة التعلق. قال الإمام في "شرح أسماء الله الحسنى": اتفق الخائضون في تفسير أسمائه الحسنى على أن القوة ها هنا عبارة عن كمال القدرة، وعندي أن كمال حال الشيء في أن يؤثر يسمى قوة، وكمال حال الشيء ألا يقبل الأثر من الغير يسمى أيضًا قوة، فإن حملنا القوة في حق الله تعالى
[ ١٣ / ٥٨٥ ]
من تميز بذات أو بصحة بنية، وهي نقيضة العجز، والله ﷾ لا يوصف بالقوّة إلا على معنى القدرة، فكيف صحّ قوله: ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾، وإنما يصح إذا أريد بالقوّة في الموضعين شيء واحد؟ قلت: القدرة في الإنسان هي صحة البنية والاعتدال والقوّة والشدّة والصلابة في البنية، وحقيقتها: زيادة القدرة، فكما صحّ أن يقال: الله أقدر منهم، جاز أن يقال: أقوى منهم، على معنى: أنه يقدر لذاته على ما لا يقدرون عليه بازدياد قدرهم. ﴿يَجْحَدُونَ﴾: كانوا يعرفون أنها حق، ولكنهم جحدوها كما يجحد المودع الوديعة، وهو معطوف على: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾، أي: كانوا كفرة فسقة. الصرصر: العاصفة التي تصرصر، أي: تصوّت في هبوبها. وقيل: الباردة التي تحرق بشدّة بردها، تكرير لبناء الصر؛ وهو البرد الذي يصر؛ أي: يجمع ويقبض. ﴿نَحِساتٍ﴾ قرئ بكسر الحاء وسكونها. ونحس نحسًا: نقيض سعد سعدًا، وهو نحس. وأما نحس:
_________________
(١) ـ على كونه كاملًا في التأثير في قوته هو كونه ثابتًا وحقًا لذاته؛ لأن كل ما كان بالذات لا يقبل الأثر. قوله: (من تميز بذات)، عن بعضهم: أي: تخصص بذات الله، و"من" بيان "ما". قوله: (جحدوها كما يجحد المودع الوديعة)، الراغب: الجحود: نفي ما في القلب ثباته، وإثبات ما في القلب نفيه. يقال: جحد جحودًا وجحدًا، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وتجحد تخصص بفعل ذلك، يقال: رجل جحد شحيح، قليل الخير يظهر الفقر. وأرض جحد، قليل النبت. قوله: (أي: كانوا كفرة فسقة)، والظاهر: كانوا فسقة كفرة؛ لأن قوله: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ دل على كفرهم، وقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ دل على فسقهم؛ لأن الاستكبار طلب العلو وهو موجب فساد الأرض، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] فيكون ترقيًا من الأدنى إلى الأغلظ. قوله: (﴿نَحِسَاتٍ﴾ قرئ بكسر الحاء): الكوفيون وابن عامر، والباقون: بسكونها.
[ ١٣ / ٥٨٦ ]
فإمّا مخفف نحس، أو صفة على فعل، كالضخم وشبهه، أو وصف بمصدر. وقرئ: (لنذيقهم)، على أنّ الإذاقة للريح، أو للأيام النحسات. وأضاف العذاب إلى الخزي -وهو الذل والاستكانة- على أنه وصف للعذاب، كأنه قال: عذاب خزٍ، كما تقول: فعل السوء، تريد: الفعل السيئ، والدليل عليه قوله: ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى﴾، وهو من الإسناد المجازي، ووصف العذاب بالخزي أبلغ من وصفهم به، ألا ترى إلى البون بين قوليك: هو شاعر، وله شعر شاعر.
[﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ١٧ - ١٨]
وقرئ: ﴿ثَمُودُ﴾ بالرفع والنصب منونًا وغير منون، والرفع أفصح لوقوعه بعد حرف الابتداء.
_________________
(١) ـ قوله: (عذاب خز) الأصل: خزي، أعل إعلال "قاض"، أي: عذاب ذليل؛ لأن الخزي هو الذل والاستكانة، وإنما المعذب ذليل مهان، فهو على الإسناد المجازي. الجوهري: خزي بالكسر يخزى خزيًا: ذل وهان. قال ابن السكيت: وقع في بلية وأخزاه الله، والدليل على أنه من إضافة الموصوف إلى الصفة، قوله تعالى: ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى﴾ ووصف العذاب بالخزي أبلغ من وصف الكفار به؛ لما يلزم منه انه بلغت ذلتهم إلى أن سرت إلى ما يلابسهم من العذاب نحو قولك: شعر شاعر، أي: بلغ الرجل في الشاعرية إلى أن شعره أيضًا شاعر. قال المتنبي: وما انا وحدي قلت ذا الشعر كله ولكن شعري فيك من نفسه شعر قوله: (قرئ: ﴿ثَمُودُ﴾ بالرفع والنصب)، الرفع: هو المضهور، والنصب: شاذ.
[ ١٣ / ٥٨٧ ]
وقرئ بضم الثاء. ﴿فَهَدَيْناهُمْ﴾: فدللناهم على طريقى الضلالة والرشد، كقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]. ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدى﴾: فاختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد. فإن قلت: أليس معنى هديته: حصلت فيه الهدى، والدليل عليه قولك: هديته فاهتدى، بمعنى: تحصيل البغية وحصولها، كما تقول: ردعته فارتدع، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجرّدة؟ قلت: للدلالة على أنه مكنهم، وأزاح عللهم، ولم يبق له عذرًا ولا علة، فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها. ﴿صاعِقَةُ الْعَذابِ﴾: داهية العذاب، وقارعة العذاب. والْهُونِ: الهوان، وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه، ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية -الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها ﷺ، وكفى به شاهدًا- إلا هذه؛ لكفى بها حجة.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ بضم الثاء) وعن بعضهم: الثمد، قلة الماء، يقال: ركية ثمود، قليلة الماء. والثمود جمع ثمد، فكأنهم سموا بذلك؛ لأنهم كانوا قليلي الماء. قوله: (ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية -الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها ﷺ، وكفى به شاهدًا- إلا هذه؛ لكفى بها حجة) أنطقه الله الذي أنطق كل شيء. نبه أهل السنة على الأدلة التي تلزمهم والحجة التي تبهرهم، وها هنا أبحاث لا بد منها، وهي أن القدر ما هو لغة وعرفًا؟ ثم بعد تحققه من أولى بهذه التسمية؟ ثم ما وجه مناسبة القدري بالمجوس؟ ثم تلفيق الآية بعد تحقق معناها. فنقول -وبالله التوفيق-: أما تحقيق القدر لغة فقد ذكر في "الأساس": هو قادر مقتدر وقدرة ومقدرة، وأقدره الله عليه وقادرته، قاويته. والأمور تجري بقدر الله ومقداره وتقديره وأقداره ومقاديره. الجوهري: القدر ما يقدر الله تعالى من القضاء. وقال أبو سليمان الخطابي: معنى
[ ١٣ / ٥٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ القدر والقضاء الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق له خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر، كالهدم والقبض اسم لما صدر عن فعل الهادم والقابض. يقال: قدرت الشيء بالتخفيف والتثقيل. وأما النقل فقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴿[القمر: ٤٩] وسيجيء تقريره. وروينا عن الترمذي وأبي داود: قال عبد الرحمن بن سليم: قدمت مكة فلقيت عطاء بن رباح فقلت: يا أبا محمد، إن بالبصرة قومًا يقولون: لا قدر. قال: يا بني، أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فاقرأ "الزخرف فقرأت: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف: 1 - 2] إلى قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: 4] قال: أتدري ما الكتاب؟ فقلت: لا. قال: فغنه كتاب كتبه الله قبل أن يخلق السماوات والأرض، فيه ان فرعون من أهل النار، وفيه ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]. وعن البخاري ومسلم، عن عمر وأبي هريرة: "ان تؤمن بالقدر خيره وشره"، الحديث المستفيض. وعن مسلم ومالك وأحمد بن حنبل أن رسول الله ﷺ قال: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس". والحاديث المروية في القدر لا تحصى كثرة، فثبت بما أوردناه أن اسم القدر يطلق على ما يقدره الله من الخير والشر، وبناء النسبة منه قدري، وهو يحتمل في نفسه ان يكون صفة مدح وصفة ذم، ويحتمل ان يطلق على من يقول: إن المقدورات كلها بخلق الله تعالى، وعلى من يثبت للغير قدرة مستقلة، رجحنا الثاني لكونها صفة ذمه، وأن القول بإثبات القدرة للغير على خلاف قول الله تعالى وقول رسوله صلوات الله عليه، فثبت ان هذا الوصف بالمعتزلة أولى.
[ ١٣ / ٥٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وروينا عن أبي داود عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "لكل امة مجوس، ومجوس هذه المة الذين يقولون لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوه، وهم شيع الدجال". وعنه عن ابن عمر ان رسول الله ﷺ قال: "القدرية مجوس هذه المة". الحديث. واما وجه المشابهة فإن القدرية يثبتون قادرًا مستقلًا غير الله، كما أن المجوس يثبتون قادرين فاعلين: فاعل خير محض وفاعل شر محض، ويسمون الأول بيزدان والثاني باهرمن. واما تفسير الهداية بالدلالة الموصلة إلى البغية حقيقة، وبمجرد الدلالة مجازًا عن إزاحة العلة وتمكينهم على الإيمان، فقول مجرد عن تقليد المذهب وقد استقصينا القول فيها في "البقرة". قال صاحب "الانتصاف": الهدى من الله خلق الهدى في قلوب المؤمنين، والإضلال خلق الضلال في قلوب الكافرين، وقد استعملا مجازًا في غير ذلك، ففي هذه الآية المراد البيان، وقد اتفق الفريقان على ان الهدى ها هنا مجاز غير أن اهل السنة يحملونه في كثير من المواضع على الحقيقة، والمعتزلة يجعلونه مجازًا في جميع موارده، فأي الفريقين أحق بالأمن؟ وأي دليل في هذه الآية لأهل البدعة؟ قال الإمام: قالت المعتزلة: الآية دالة على انه تعالى ينصب الدلائل ويزيح الأعذار والعلل؛ إلا أن الإيمان يحصل من العبد؛ لأن قوله: ﴿وًامَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ يدل على نصب الأدلة وإزاحة العلة. وقوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ يدل على أنهم من عند أنفسهم اتوا بذلك العمى.
[ ١٣ / ٥٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ والجواب من وجهين: أحدهما: أنه صدر عنهم ذلك العمى؛ لأنهم استحبوا تحصيله فلم وقع في قلوبهم هذه المحبة دون محبة ضده؟ فإن حصل لا لمرجح فهو باطل، وإن كان من العبد عاد الطلب، وإن كان من الله فهو المطلوب. وثانيهما: أنه تعالى قال: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾، ومن المعلوم أن احدًا لا يحب العمى والجهل؛ لكونه عمىَ وجهلَا، بل ما لم يطلق فيهما كونهما بصيرة وعلمًا لا يرغب فيه، فإقدامه على اختيار ذلك الجهل لا بد ان يكون مسبوقًا بجهل آخر لا عن اختيار منه. ثم قال الإمام: شرع صاحب "الكشاف" ها هنا في سفاهة عظيمة والأولى ألا يلتفت إليه؛ لأنه وغن كان يعى سعيًا حسنًا فيما يتعلق بالألفاظ؛ إلا أنه كان بعيدًا من هذه المعاني. وقلت: هذا يشعر بأن الإمام أقر أن ظاهر الألفاظ التنزيلية مع المصنف، لكن دلائل العقل لا تساعد عليه، وليس كذلك؛ لأن الألفاظ أيضًا تنبو عن تفسيره، وبيانه: أنا نوافقه ان الهدى ها هنا مستعمل في مجرد الدلالة إما مجازًا على ما قال او حقيقة إذا قلنا بالاشتراك، لكن الخلاف في آية البيان والدلالة، أو لإزاحة العلة والتمكين على الهدى بمثابة تحصيل البغية فيم بتحصيل ما يوجبها فلينظر إلى مقتضى المفام ليظهر الحق، فإنه كثيرًا ما يصرف اللفظ المستقيم من جهة النحو واللغة عن موضعه للتناسب المعنوي كما فعل في قوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة آية: ٥ - ٦] قال: "قيل: الطاغية مصدر كالعافية، أي: بطغيانهم، وليس بذاك؛ لعدم الطباق بينها وبين قوله: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ "، وفسرها بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة لتوافق قوله: بالعاتية. وفي هذا المقام أغمض عن ذلك عصبيته، وذلك ان قوله: ﴿وًامَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ﴾ وهما تفصيل لما أجمل، ونشر لما لف في قوله: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ألا ترى كيف جمعهما وعم فيه قوله:
[ ١٣ / ٥٩١ ]
[﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١٩ - ٢١]
_________________
(١) ـ ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؟ قال: يحشر الله ﷿ أعداء الله الكفار من الأولين والآخرين، فإن قوله: "فهديناهم" في مقابل ﴿إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ وأن قوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ في مقابل ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ الآية، وكذا في قوله: ﴿فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا﴾ فصيحة تفصح عن محذوف، أي فهديناهم فاستكبروا، بدلالة قرينتها، فظهر أن المراد من قوله: "فهديناهم" دللناهم إلى الإيمان وبينا لهم سبيل الرشاد، يعني: أرسلنا إليهم صالحًا يدعوهم إلى التوحيد والعبادة فاستحبوا العمى على الهدى فأحبوا التقليد والإقامة على ما كانوا عليه من الكفر والضلالة. ويؤيد هذا التفسير إجماع المفسرين قاطبة. قال محيي السنة: ﴿وًامَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ دعوناهم. قال مجاهد وقال ابن عباس: بينا لهم سبيل الهدى. وقيل: دللناهم على الخير والشر، كقوله: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ فاختاروا الكفر على الإيمان. وروى الزجاج عن قتادة: بينا لهم طريق الهدى وطريق الضلالة. وروى الواحدي عن الفراء: دللناهم مذهب الخير بإرسال الرسل فاختاروا الكفر على الإيمان، وعليه أول كلامه. وهذا القدر لا يمنع من تقدير الله فيهم الكفر؛ لأن القول بالكسب حق، وإذا وافق أقوال المفسرين ذلك النظم السري كيف يتوهم أن الألفاظ تساعد قوله، والحمد لله على ذلك.
[ ١٣ / ٥٩٢ ]
قرئ: ﴿يُحْشَرُ﴾ على البناء للمفعول، و(نحشر) بالنون وضم الشين وكسرها، و: (يحشر): على البناء للفاعل، أي: يحشر الله ﷿، ﴿أَعْداءُ اللَّهِ﴾: الكفار من الأوّلين والآخرين. ﴿يُوزَعُونَ﴾ أي: يحبس أوّلهم على آخرهم، أي: يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار نسأل الله أن يجيرنا منها بسعة رحمته. فإن قلت: ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿حَتَّى إِذا ما جاؤُها﴾ ما هي؟ قلت: مزيدة للتأكيد، ومعنى التأكيد فيها: أنّ وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم، ولا وجه لأن يخلو منها. ومثله قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ٥١] أي: لا بدّ لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به. شهادة الجلود بالملامسة للحرام، وما أشبه ذلك مما يفضي إليها من المحرّمات. فإن قلت: كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق؟ قلت: الله ﷿ ينطقها كما أنطق الشجرة بأن يخلق فيها كلامًا. وقيل: المراد
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: ﴿يُحْشَرُ﴾ على البناء للمفعول) نافع: "ويوم نحشر" بالنون مفتوحة وضم الشين، و"أعداء الله" بالنصب. والباقون: بالياء مضمومة وفتح الشين، ﴿أَعْداءُ اللَّهِ﴾ بالرفع. قوله: (وهي عبارة عن كثرة أهل النار)، أي: كناية. قال في قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧] أي: يحبس أولهم على آخرهم حتى يلحقهم التوالي فيكونوا مجتمعين لا يتخلف منهم أحد، وذلك الكثرة العظيمة. قال صاحب "الكشف": عالم الظرف -يعني "يوم"- ما دل عليه ﴿يُوزَعُونَ﴾. قوله: (الله تعالى ينطقها كما أنطق الشجرة بأن يخلق فيها كلامًا)، قال الإمام: فعلى هذا يلزم ان يكون المتكلم هو الله تعالى؛ لأنه هو الذي فعل الكلام لا ما كان موصوفًا به كما قلتم في الشجرة، كما أنه تعالى متكلم هناك لا الشجرة، كذلك ها هنا الشاهد هو الله تعالى
[ ١٣ / ٥٩٣ ]
بالجلود: الجوارح. وقيل: هي كناية عن الفروج، أراد بـ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾: كل شيء من الحيوان، كما أراد به في قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بالبقرة: ٢٨٤] كل شيء من المقدورات، والمعنى: أنّ نطقنا ليس بعجب من قدرة الله الذي قدر على إنطاق كل حيوان، وعلى خلقكم وإنشائكم أوّل مرّة، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه. وإنما قالوا لهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾؛ لما تعاظمهم من شهادتها وكبر عليهم من الافتضاح على ألسنة جوارحهم.
[﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ ٢٢ - ٢٣]
والمعنى: أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم جوارحكم؛ لأنكم كنتم غير عالمين
_________________
(١) ـ لا الأعضاء، وظاهر القرآن بخلافه؛ لأنهم قالوا لها: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. واما على مذهبنا فسها؛ لأن البنية ليست شرطًا للحياة والعلم والقدرة، فالله تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق كل في كل جزء من اجزاء هذه العضاء. قوله: (ما كان استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم) جعل "أن تشهد" مفعولًا له بإضمار المضاف؛ لأن "يستتر" لا يتعدى بنفسه فلا يكون مفعولًا به. وقال صاحب "الكشف": التقدير من أن يشهد، فحذف، ثم كلامه المستدرك لقوله: ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ هذا المفعول له، ولهذا قال: "ولكنكم إنما استترتم لظنكم"، المعنى: لم يكن استتاركم لخوف الحساب في
[ ١٣ / ٥٩٤ ]
بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلًا، ولكنكم إنما استترتم لظنكم ﴿أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا﴾ كنتم ﴿تَعْمَلُونَ﴾؛ وهو الخفيات من أعمالكم، وذلك الظنّ هو الذي أهلككم. وفي هذا تنبيه على أن من حق المؤمن أن لا يذهب عنه ولا يزل عن ذهنه أن عليه من الله عينًا كالئة ورقيبًا مهيمنًا، حتى يكون في أوقات خلواته من ربه أهيب وأحسن احتشامًا وأوفر تحفظًا وتصونًا منه مع الملأ، ولا يتبسط في
_________________
(١) ـ يوم التناد؛ لأنكم قم دهرية، ولكن الخوف لأهل الفضيحة في الدنيا من أبناء جنسكم؛ فاستترتم منهم لا من العالم بالسر والخفيات؛ لأنكم كنتم تعتقدون اعتقاد القلاسفة- خذلهم الله- أن الله غير عالم بما تفعلون في الحجب من ارتكاب الفواحش. قوله: (وذلك الظنّ هو الذي أهلككم) إنما أدخل ضمير الفعل ليؤذن أن الكلام فيه تخصيص، وذلك من تعريف الظن الموصوف بالموصولة، وإيقاعه خبرًا لاسم الإشارة الدال على ما بعده. جدير من قبله لأجل اتصافه بذلك الظن الفاسد ثم تكرير الظن؛ لأن الأصل: ذلكم أرداكم، وعلى هذا أيضًا إذا جعل ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدلًا من "ذلكم"، لأنه حينئذ توضيح للواضح؛ وتوكيد للنسبة مظيدًا للتقدير، وجعل المشار إليه كالمشخص المعين الذي لا نزاع فيه كما سبق في الفاتحة، "ذلكم" مبتدأ، و﴿ظَنُّكُمُ﴾ الخبر، و﴿الَّذِي﴾ نعت للخبر أو خبر بعد خبر، و﴿أَرْداكُمْ﴾ خبر آخر، ويجوز أن يكون الجميع صفة أو بدلًا، و﴿أَرْداكُمْ﴾ الخبر، ويجوز أن يكون ﴿أَرْداكُمْ﴾ حالًا. قال صاحب "الكشف": تقديره: ذلكم ظنكم مرديًا إياكم. قوله: (أن عليه من الله عينًا كالئة ورقيبًا مهيمنًا)، فيه تجريد. قوله: (من ربه أهيب)، "من ربه: متعلق بـ"أهيب"، يقال: هاب منه. وقوله: "احتشامًا" يقدر له مثل ذلك، أي؛ احتشامًا من ربه؛ لأن المصدر لا يتقدمه معموله، ولا معمول التمييز يتقدم على عامل التمييز، وكذا لا يتقدم معمول تنازع فيه العاملان على
[ ١٣ / ٥٩٥ ]
سره مراقبة من التشبه بهؤلاء الظانين. وقرئ: (ولكن زعمتم). ﴿وَذلِكُمْ﴾: رفع بالابتداء، و﴿ظَنُّكُمُ﴾ و﴿أَرْداكُمْ﴾ خبران، ويجوز أن يكون ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدلًا من ﴿ذلِكُمْ﴾، و﴿أَرْداكُمْ﴾ الخبر.
[﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ * وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ ٢٤ - ٢٥]
﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكوا به من الثواء في النار، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾: وإن يسألوا العتبى -وهي الرجوع لهم إلى ما يحبون جزعًا مما هم فيه-
_________________
(١) ـ العاملين، ولكن قوله: "منه" مما تنازع فيه أسماء التفضيل، وضميره يعود إلى المؤمن. وقوله: "ما الملأ" مقابل لقوله: "في أوقات خلواته" قهو مثل قولك: زيد قائم أحسن منه قاعدًا في تفضيل إحدى حالتي الشيء على الأخرى، تلخيصه يكون في الخلوة أحسن احتشامًا من ربه من نفسه مع الملأ. قوله: (وإن يسألوا العتبى، وهي الرجوع لهم إلى ما يحبون)، الجوهري: أعتبني فلان، إذا عاد إلى مسرتي راجعًا عن الإساءة، والاسم منه: العتبى. واستعتب، طلب أن يعتب، يقال: استعتبته فأعتبني، أي؛ استرضيته فأرضاني. الراغب: العتب كل مكان ناب بنازله، ومنه قيل للمرقاة ولأسكفة الباب عتبة. واستعير العتب والمعتبة لغلظة يجدها الإنسان في نفسه على غيره، وأصله من العتب وبحسبه قيل: خشنت بصدر فلان ووجد في صدره غلظة، وقولهم: عتبت فلانًا، أي: أبرزت له الغلظة التي وجدت له في الصدر، واعتبت فلانًا: حملته على العتب، ويقال: أعتبته: أزلت عتبه. والاستعتاب: أن يذكر عتبه ليعتب، يقال: استعتبت فلانًا. ويقال: لك العتبى، وهو إزالة ما لأجله يعتب، وبينهم أعتوبة، أي: ما يتعاتبون به.
[ ١٣ / ٥٩٦ ]
لم يعتبوا: لم يعطوا العتبى، ولم يجابوا إليها، ونحوه قوله عز وعلا: ﴿أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]. وقرئ: وإن يستعتبوا ﴿فَمَا هُمْ مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أي: إن سئلوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون، أي: لا سبيل لهم إلى ذلك. ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ﴾: وقدّرنا لهم، يعنى لمشركي مكة. يقال: هذان ثوبان قيضان: إذا كانا متكافئين. والمقايضة: المعاوضة. ﴿قُرَناءَ﴾: أخدانًا من الشياطين، جمع قرين، كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]. فإن قلت: كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع خطواتهم؟ قلت: معناه أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر، فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ﴾: وقدّرنا لهم) روي عن المصنف: ومنه: قيض البيضة: قشرها؛ لأنه لباسها، واللباس بقدر اللابس، قال معاوية ﵁: ولو أن يزيد قياض غوطة دمش رجالًا ما رضيت. الراغب: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦]، أي: نتح ليستولي عليه استيلاء القيض على البيض. قوله: (المقايضة: المعاوضة)، الجوهري: قايضت الرجل مقايضة، أي: عاوضته بمتاع؛ وهما قيضان، كما تقول: بيعان. قوله: (كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع خطواتهم؟)، الإنتصاف: الآية على ظاهرها، فالله تعالى ينهى عما يريد وقوعه، وبذلك صرحت هذه الآية، فتقول لمن يخرجها عن موضعها: ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه المة بشهادة نبيها صلوات الله عليه سوى هذه الآية لكفى بها، فهذا موضع هذه المقالة التي أنطقه الله بها.
[ ١٣ / ٥٩٧ ]
والدليل عليه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ ﴿نُقَيِّضْ﴾. ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾: ما تقدّم من أعمالهم وما هم عازمون عليها. أو ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الدنيا واتباع الشهوات، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: من أمر العاقبة، وأن لا بعث ولا حساب. ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ يعني: كلمة العذاب، ﴿فِي أُمَمٍ﴾: في جملة أمم. ومثل "في" هذه ما في قوله:
إن تك عن أحسن الصّنيعة مأ فوكًا ففي آخرين قد أفكوا
يريد: فأنت في جملة آخرين، وأنت في عداد آخرين، لست في ذلك بأوحد. فإن قلت: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ ما محله؟ قلت: محله النصب على الحال من الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: حق عليهم القول كائنين في جملة أمم. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾: تعليل لاستحقاقهم العذاب. والضمير لهم وللأمم.
[﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ * فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ * ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ٢٦ - ٢٨]
_________________
(١) ـ قوله: (﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ ﴿نُقَيِّضْ﴾)، أي: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، فأوقع ﴿نُقَيِّضْ﴾ -وهو فعل الله- جزاءً للشرط ومسببًا عن فعل العبد خلقًا، وعند أهل السنة: من فعله كسبًا. وقلت: ويؤيد قول صاحب الانتصاف" قوله تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ﴾ أي: حق عليهم قولنا: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. قوله: (مأفوكًا)، أي: مصروفًا، والإفك: الصرف، وأفكته: صرفته بالكذب والباطل، والأفاك: الذي يصد الناس عن الحق بالكذب.
[ ١٣ / ٥٩٨ ]
قرئ: (﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾)، بفتح الغين وضمها. يقال: لغى يلغى، ولغا يلغو. واللغو: الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته. قال:
من اللغا ورفث التكلم
والمعنى: لا تسمعوا له إذا قرئ، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات
_________________
(١) ـ قوله: قريء (﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾، بفتح الغين وضمها) الفتح مشهورة، والضم شاذ، قال صاحب "المطلع": هي قراءة عيسى بن عمر، وهو على الفتح من حد: صنع، وعلى الضم من حد: دخل، قاله الأخفش، وفي "ديوان الأدب" من حد علم يقال: لغا يلغو لغوًا ولغى يلغى، او لغي يلغي لغى. قوله: (من اللغا ورفث التكلم) أوله: ورب أسرى بالحجيج الكظم وفي الشرح: أستغفر الرحمن ذا التعظم قوله: (بالخرافات)، النهاية: خرافة، اسم رجل من عذرة استهوته الجن، وكان يحدث بما رأى فكذبوه وقالوا: حديث خرافة، وأجروه على كل من كذبوه من الحاديث، وعلى كل ما يستملح ويتعجب منه، وفي الحديث: "أنه قال خرافة الحق". الجوهري: الراء فيه مخففة ولا يدخله الألف؛ لأنه معرفة؛ إلا ان يريد به الخرافات الموضوعة من حديث الليل. روي عن المصنف انه قال: المسموع من العرب الخرافات بالتشديد.
[ ١٣ / ٥٩٩ ]
والهذيان والرمل وما أشبه ذلك، حتى تخلطوا على القارئ وتشوّشوا عليه وتغلبوه على قراءته. كانت قريش توصي بذلك بعضهم بعضًا. ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يجوز أن يريد بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: هؤلاء اللاغين والآمرين لهم باللغو خاصة، وأن يذكر الذين كفروا عامة لينطووا تحت ذكرهم. قد ذكرنا إضافة ﴿أَسْوَأَ﴾
_________________
(١) ـ قوله: (والرمل)، الأساس: من المجاز كلام مرمل، أي مزيف، وعن بعضهم: الرمل الرجز يقال أراجيز العرب؛ وهو ما يقوله الصبيان من العرب وما يقوله المقاتلة في الحرب فيما بينهم. الجوهري: الرمل جنس من العروض. قوله: (ويجوز أن يريد بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) يروى بالواو وبغير الواو، ويروى وأن يذكر الذين كفروا، ولكن ذكر الأول أصح دراية؛ لن التقدير يجوز ان يريد بالذين كفروا هؤلاء اللاغين وضعًا للمظهر موضع المضمر، ويجوز ان يذكر الذين كفروا عامة، فيدخل فيه هؤلاء اللاغين دخولًا أوليًا. قوله: (قد ذكرنا إضافة ﴿أَسْوَأَ﴾) أي: في سورة "الزمر" عند قوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر: ٣٥] وذكر فيه ان إضافة "أسوأ" ليس من إضافة أفعل إلى ما أضيف إليه لقصد الزيادة عليه، ولكن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل، كقولك: الأشج أعدل بني مروان. لأن التقدير: ليجزيهم أسوأ جزاء الذي كانوا يعملون، وهذا غير مستقيم على التفضيل؛ لن الكفرة مجزيون بالعذاب الشديد، وليس المراد أن بالعذاب سوءًا وأسوأ، وانهم مجزيون بالأسوأ دون السوء، ويمكن أن تجري الإضافة على ظاهرها، ويكون عطف قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي﴾ الآية على قوله: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ﴾ الآية، على نحو عطف "جبريل" على "ملائكته"، كأنه قيل: فلنذيقن أولئك اللاغين بما فعلوا من الشرك والإفساد والعصيان عذابًا شديدًا، وخصوصًا لنجزينهم أسوأ
[ ١٣ / ٦٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ جزاء أعمالهم من الاستهزاء بىيات الله وتحقير القرآن المجيد، وقولهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾. والنظم يساعد هذا التأويل؛ لأنه لما رتب ر على ما سبق وعطف عليه ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ بعد إثبات الكفر لهم والاستخفاف بكتاب الله المجيد علل استحقاق العذاب الشديد بوضع ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ موضع الضمير تقريرًا، وعلل استحقاق الأسوأ بوضع ﴿أَعْداءِ اللَّهِ﴾ موضع ﴿هُمْ﴾ تلويحًا، وأشير إلى الأسوأ وهو قريب باسم الإشارة الدال على البعد؛ ليؤذن بالفرق بين الجزاءين والبون بين الكفرتين ثم بين بان هذا الجزاء الخاص موجبه ذلك الاستخفاف تصريحًا بأن ختم الكلام بقوله: ﴿جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ واعاد بذكر الجزاء، ووضع الآيات موضع القرآن، واوثر صيغة التعظيم تربية لتلك الفوائد وترشيحًا لها، وعبر عن اللغو بالجحد ردًا للعجز على الصدر كما قال المصنف: "أي: جزاء بما كانوا يلغون فيها" فذكر الجحود الذي هو سبب اللغو، وهذا نوع من انواع رد العجز على الصدر؛ لما بين قولهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ الآية، وبين قوله: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ من التوافق المعنوي؛ لأن من يستهزئ بالقرآن لا بد أن يكون جاحدًا له، فظهر أن الإضافة في الآية مما قصد بها الزيادة على ما أضيف إليه، ولما ألحق المصنف هذا الأسوأ بذلك، نحن نلحق ذلك بهذا النشر بعضد هذا التقرير. وفي هذه الاعتبارات تعريض بمن لا يكون عند كلام الله المجيد خاضعًا خاشعًا متفكرًا متدبرًا، وتهديد ووعيد شديد لمن يصدر عنه عند سماعه ما يشوش على القارئ ويخلط عليه القراءة، وإرعاد وإبراق لمن يدرك منه قلة مبالاة به؛ فضلًا عمن ينبذه وراءه ظهريًا؛ واشتغل بما ينافيه من العلوم المذمومة، فانظر إلى عظمة القرىن المجيد، وتأمل في هذا التغليظ والتشديد، واشهد لمن عظمه وأجل قدره وألقى إليه السمع وهو شهيد بالفوز العظيم والدرجات المقيم، رزقنا الله وإياكم معاشر الإخوان توقير كلام الله وتوقير حرمته، واستنباط دقيق معانيه، وتحقيق مبانيه، ووفقنا بفضله وجوده للعمل بما فيه، إنه خير مامول ونعم مسؤول.
[ ١٣ / ٦٠١ ]
بما أغنى عن إعادته. وعن ابن عباس" ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ يوم بدر. و﴿أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الآخرة، ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الأسوأ، ويجب أن يكون التقدير: أسوأ جزاء الذي كانوا يعملون؛ حتى تستقيم هذه الإشارة. و﴿النَّارُ﴾: عطف بيان للجزاء، أو خبر مبتدأ محذوف. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ﴾؟ قلت: معناه أن النار في نفسها دار الخلد، كقوله: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، والمعنى: أن رسول الله ﷺ أسوة حسنة، وتقول: لك في هذه الدار دار السرور، وأنت تعنى الدار بعينها. ﴿جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أي: جزاء بما كانوا يلغون فيها، فذكر الجحود الذي هو سبب اللغو.
[﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ ٢٩]
﴿الَّذَيْنِ أَضَلَّانا﴾ أي: الشيطانين اللذين أضلانا ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾؛ لأنّ الشيطان على ضربين: جني وإنسي، قال الله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [النعام: ١١٢]، وقال: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٥ - ٦]. وقيل: هما إبليس وقابيل؛ لأنهما سنا الكفر والقتل بغير حق. وقرئ: (أرنا)، بسكون الراء لثقل الكسرة، كما قالوا في فخذ: فخذ.
_________________
(١) ـ قوله: (أن النار في نفسها دار الخلد) قال ابن جني: ﴿لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ﴾ وهي نفسها دار الخلد، فكانه جرد من الدار دارًا، وعليه قول الأخطل: بنزوة لص بعدما مر مصعب بأشعث لا يفلى ولا هو يقمل ومصعب بنفسه هو الأشعث، كانه استخلص منه أشعث. قوله: (وقرئ: (أرنا)، بسكون الراء) ابن كثير وابن عامر وأبو بكر وأبو شعيب، وقرأ أبو عمرو عن اليزيدي: باختلاس كسرتها، والباقون: بإشباعها.
[ ١٣ / ٦٠٢ ]
وقيل: معناه أعطنا اللذين أضلانا. وحكوا عن الخليل: أنك إذا قلت: أرني ثوبك بالكسر، فالمعنى: بصرنيه. وإذا قلته بالسكون، فهو استعطاء، معناه: أعطني ثوبك. ونظيره: اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء. وأصله: الإحضار.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ٣٠ - ٣٢]
﴿ثُمَّ﴾ لتراخي الاستقامة عن الإقرار في المرتبة وفضلها عليه؛ لأنّ الاستقامة لها الشأن كله، ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]، والمعنى: ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته. وعن أبي بكر
_________________
(١) ـ قوله: (اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء. وأصله: الإحضار)، الجوهري: آتاه إيتاء، أي؛ أعطاه، وآتاه أيضًا، أي؛ أت به، ومنه قوله تعالى: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] أي؛ ائتنا به. قوله: (ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته) يعني لم يرد بالقول مجرد النطق فحسب؛ بل هو وما يستبعه، وذلك أن هذا القول ادعاء من القائل بأنه رضي بالله ربًا، والرضا بذلك إقرار بأن المعبود الخالق المنعم على الإطلاق مالكه ومدبر أمره، وذلك يوجب القيام بمقتضياته من الشكر باللسان وتحقيق مراضيه بالقلب والجوارح، وعلى هذا النهج ورد عن عبد الله بن مغفل قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أحبك. قال: انظر ما تقول. فقال: والله إني لأحبك، ثلاث مرات، قال: إن كنت صادقًا فأعد للفق تجفافًا، الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه". أخرجه الترمذي، وأنشد في معناه:
[ ١٣ / ٦٠٣ ]
الصديق ﵁: استقاموا فعلًا كما استقاموا قولًا. وعنه: أنه تلاها، ثم قال: ما تقولون فيها؟ قالوا: لم يذنبوا. قال: حملتم الأمر على أشدّه. قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وعن عمر ﵁: استقاموا على الطريقة، لم يروغوا روغان الثعالب. وعن عثمان ﵁: أخلصوا العمل. وعن علي ﵁: أدّوا الفرائض. وقال سفيان بن عبد الله الثقفي: قلت يا رسول الله،
_________________
(١) ـ تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن طلب الحسناء لم يغله المهر النهاية: التجفاف شيء من سلاح يترك على الفرس يقيه الردى، وقد يلبسه الإنسان، ولما كان هذا الكلام من الجوامع، وسأل الصحابي عن أمر يعتصم به، أجابه صلوات الله عليه بقوله: "قل ربي الله ثم استقم". قوله: (قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان) هو من قوله صلوات الله عليه حين قرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ قال: "قد قال الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام"، أخرجه الترمذي عن أنس. قوله: (لم يروغوا روغان الثعالب)، ويروى "الثعلب"، الأثر مذكور في "شرح السنة"، النهاية: روغان الثعلب مثل لمن لا يثبت على حال، وفي حديث قيس: "خرجت أريغ بعيرًا شرد مني"، أي؛ أطلبه بكل طريق.
[ ١٣ / ٦٠٤ ]
أخبرني بأمر أعتصم به، قال: "قل ربي الله، ثم استقم"، قال: فقلت: ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ رسول الله ﷺ بلسان نفسه فقال: "هذا". ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عند الموت بالبشرى. وقيل: البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وإذا قاموا من قبورهم. ﴿أَلَّا تَخافُوا﴾ "أن" بمعنى "أي"، أو مخففة من الثقيلة، وأصله: بأنه لا تخافوا، والهاء ضمير الشأن. وفي قراءة ابن مسعود ﵁: (لا تخافوا)، أي: يقولون: لا تخافوا، والخوف: غم يلحق لتوقع المكروه، والحزن: غم يلحق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضارّ. والمعنى: أنّ الله كتب لكم الأمن من كل غم، فلن تذوقوه أبدًا. وقيل: لا تخافوا ما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم. كما أنّ الشياطين قرناء العصاة وإخوانهم، فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين. ﴿تَدَّعُونَ﴾: تتمنون: والنزل: رزق النزيل؛ وهو الضيف، وانتصابه على الحال.
_________________
(١) ـ قوله: (أخبرني بأمر أعتصم به) الحديث، أخرجه أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه والدارمي. قوله: (وانتصابه على الحال) قال صاحب "الكشف": إن جعلت "نزلًا" جمع نازل، كشارف وشرف، وصابر وصبر، كان حالًا من الكاف والميم، أي لكم فيها نازلين، ويكون قوله: ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ في موضع نصب صفة "لنزلًا" أي نازلين من أمر غفور رحيم، قال أبو علي: ولا يكون من غفور رحيم متعلقًا بـ ﴿تَدْعُونَ﴾، لأن الحال التي هي من المجرور قد فصل بينهما، ولكن إن جعلت ﴿نُزُلًا﴾ حالًا من الضمير المرفوع في ﴿تَدْعُونَ﴾ على تقدير: تدعون أنتم نزلًا، جاز أن يتعلق ﴿مِنْ﴾ بـ ﴿تَدْعُونَ﴾ لأن الحال والظرف جميعًا في الصلة، وهذا يدل على أن الحال مما في الصلة ليس كالحال عن الموصول؛ لأن الحال عن الموصول يؤذن بتمامه فيصير فاصلًا بين الموصول وما بعد الحال من الصلة، ويجوز أن يكون
[ ١٣ / ٦٠٥ ]
[﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣٣]
﴿مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ﴾ عن ابن عباس: هو رسول الله ﷺ، دعا إلى الإسلام ﴿وَعَمِلَ صالِحًا﴾ فيما بينه وبين ربه، وجعل الإسلام نحلة له. وعنه: أنهم أصحاب رسول الله ﷺ. وعن عائشة ﵂: ما كنا نشك أنّ هذه الآية نزلت في المؤذنين. وهي عامة في كل من جمع بين هذه الثلاث: أن يكون موحدًا معتقدًا لدين الإسلام، عاملًا بالخير، داعيًا إليه؛ وما هم إلا طبقة العالمين العاملين من أهل العدل والتوحيد، الدعاة إلى دين الله. وقوله: ﴿وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ليس الغرض أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده، كما تقول:
_________________
(١) ـ ﴿نُزُلًا﴾ حالًا من الموصول، أي لكم الذي تدعونه معدًا. ولا يكون جمع "نازل" بل هو من النزل الذي يجعل للضيفان، وهذا إنما يكون على قول من رفع بالظرف كقولهم: في الدار زيد قائمًا، وأما من رفع بالابتداء فلا يكون حالًا من "ما" ولكن من الضمير في الظرف، أو من الضمير المنصوب المحذوف، أي ما تدعونه نزلًا. قوله: (نجلة (أي؛ ملة ومذهبًا له. الجوهري: فلان ينتحل مذهب كذا وقبيلة كذا؛ إذا انتسب إليه. قوله: (ليس الغرض أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده)، نحوه قال في قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، قال: ومعنى "قال له أسلم" قال: أخطر بباله النظر في الدلائل المؤدية إلى المعرفة والإسلام "فقال أسلمت"، أي: فنظر وعرف. قال الإمام: إن السعادة لها مرتبتان: التام، وفوق التام، أما التام فهو أن يكتسب من الصفات الفاضلة ما لأجلها يصير كاملًا في ذاته، فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
[ ١٣ / ٦٠٦ ]
هذا قول أبي حنيفة، تريد مذهبه.
_________________
(١) ـ اسْتَقامُوا﴾ إشارة إلى هذه المرتبة، فإذا فرغ من هذه الدرجة اشتغل بتكميل الناقصين، وهو فوق التام، فقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا﴾ إشارة إلى هذه المرتبة، واعلم أن من آتاه الله ﷿ قريحة وقادة ونصابًا وافيًا من العلوم الإلهية الكثيفة عرف أن لا ترتيب أحسن وأكمل من ترتيب آي القرآن. وقلت: فعلى هذا ينبغي أن يكون قوله: ﴿وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ جامعًا للمعاني السابقة، ولا يكون محصورًا في القول المجرد لمجيئه على طريقة التذييل، وعلى أسلوب قولك: زيد من العلماء، أي: له مساهمة معهم في هذا الوصف، والعلم له كاللقب المشهور، فكأنه قال: إنني لمن الذين لهم القدح المعلى في التسليم والتفويض. الراغب: الإسلام في الشريعة ضربان: أحدهما: دون الإيمان، وإياه عنى بقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الأحزاب: ١٤]؛ والثاني: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب ووفاء بالفعل واستسلام في جميع ما قضى وقدر، كما ذكر عن إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. قوله: (هذا قول أبي حنيفة) يريد: مذهبه. النهاية: منه الحديث: "لما أراد أن يعتكف ورأى الأخبية في المسجد فقال: آلبر تقوقون بهن؟ "، أي: أتظنون وترون أنهن أردن البر؟ ومنه: "سبحان الذي تعطف بالعز وقال به"، أي: أحبه واختصه لنفسه، كما يقال: فلان يقول بفلان، أي: بمحبته واختصاص، وقيل: معناه: حكم به، فإن القول يستعمل في معنى الحكم. وقال الأزهري: معناه: غلب به، وأصله من قبل الملك؛ لأنه ينفذ قوله.
[ ١٣ / ٦٠٧ ]
[﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ٣٤ - ٣٥]
يعني: أنّ الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ الحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك. ومثال ذلك: رجل أساء إليك إساءة، فالحسنة: أن تعفو عنه، والتي هي أحسن: أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثل أن يذمك فتمدحه، ويقتل ولدك فتفتدى ولده من يد عدوه، فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاقّ مثل الولي الحميم مصافاة لك. ثم قال: وما يلقى هذه الخليقة أو السجية -التي هي مقابلة الإساءة بالإحسان- إلا أهل الصبر، وإلا رجل خير وفق لحظ عظيم من الخير. فإن قلت: فهلا قيل: فادفع بالتي هي أحسن؟ قلت: هو على تقدير قائل قال: فكيف أصنع؟ فقيل: ادفع بالتي
_________________
(١) ـ قوله: (عدوك المشاق)، أي: المخالف الذي أخ في شق وأنت في شق. الجوهري: المشاقة والشقاق؛ الخلاف والعداوة. قوله: (فهلا قيل: فادفع بالتي هي أحسن؟) السؤال وارد على تفسيره السابق، وقوله: " إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك" يعني: حين أعلمناك بتفاوت الحسنتين إذا وردت عليك سيئة من بعض أعدائك فادفعها بإحدى الحسنتين، وهي التي أحسن، لأنك من أولي العزم وصاحب الخلق العظيم، فالفاء لازمة الترتب، فلم تركها؟ وأجاب بأن الترتيب موكول إلى الذهن الذي هو أقوى الدليلين، وترك الوصل إلى الفصل للاستئناف، وتقدير سؤال السائل، فـ ﴿أَحْسَنُ﴾ على هذا على حقيقته، وقوله: "وقيل "لا" مزيدة" عطف على قوله: "إن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما"، والمعنى: أن بين الحسنة والسيئة بونًا بعيدًا، ولا يكن اختيارك إلا الحسنة، فعدل إلى الحسن للمبالغة؛ لأنه على الوجه الأول وقعت الموازنة بين الحسنتين وبين السيئتين. وفي الثاني بين الحسنة والسيئة. فإن قلت: قد علم بما تقرر الموازنة بين الحسنتين، فما معنى الموازنة بين السيئتين؟ قلت:
[ ١٣ / ٦٠٨ ]
هي أحسن. وقيل: ﴿وَلَا﴾ مزيدة، والمعنى: ولا تستوي الحسنة والسيئة. فإن قلت: فكان القياس على هذا التفسير أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة! قلت: أجل، ولكن وضع "التي هي أحسن" موضع الحسنة؛ ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة؛ لأنّ من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها. وعن ابن عباس: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: الصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة. وفسر الحظ بالثواب. وعن الحسن: والله ما عظم حظ دون الجنة. وقيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وكان عدوًا مؤذيًا لرسول الله ﷺ، فصار وليًا مصافيًا.
[﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٣٦]
النزغ والنسغ بمعنى، وهو شبه النخس. والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه ببعثه على ما لا ينبغي. وجعل النزغ نازغًا، كما قيل: جد جدّه. أو أريد: وإما ينزغنك نازغ؛ وصفًا للشيطان بالمصدر. أو لتسويله. والمعنى: وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ من شرّه، وامض على شأنك ولا تطعه.
_________________
(١) ـ إن المسيء إذا أساء إليك فإنك جازيته بمثل تلك السيئة فحسنتك سيئة بالنسبة إليك؛ لما كان عليك أن تعفو عنه؛ بل تحسن إليه، لكن لا تستوي سيئتك وسيئته. وسيجيء إن شاء الله تعالى في سورة "الشورى" الكلام فيه عند قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ بالشورى: ٤٠]. قوله: (أو أريد: وإما ينزغنك نازغ) وعلى هذا "من" بيانية، جرد من الشيطان؛ إما شيطان آخر وسمي نازغًا، أو جرد منه وصفه الذي هو تسويله وجعل نازغًا، فهو هو أيضًا، وعلى الأول كانت ابتدائية، المعنى: إما ينزغنك من جهة الشيطان نزغ فأسند الفعل إلى فعله مجازًا. قوله: (وامض على شانك) أي خلصت من نزغاته. الأساس: مضى على أمره، تم عليه. ومضى السيف في الصريبة. ومضى في حاجته.
[ ١٣ / ٦٠٩ ]
[﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ ٣٧ - ٣٨]
الضمير في ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ لليل والنهار والشمس والقمر؛ لأنّ حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى، أو الإناث. يقال: الأقلام بريتها وبريتهنّ، أو لما قال: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ كن في معنى الآيات، فقيل: ﴿خلقهنّ﴾. فإن قلت. أين موضع السجدة؟ قلت: عند الشافعي ﵀: ﴿تَعْبُدُونَ﴾، وهي رواية مسروق عن عبد الله؛ لذكر لفظ السجدة قبلها. وعند أبي حنيفة ﵀: ﴿يَسْأَمُونَ﴾؛ لأنها تمام المعنى،
_________________
(١) ـ قوله: (أو لما قال: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ كن في معنى الآيات) ويروى: في معنى الآيات، وهو الأصح، فقيل: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ جواب عما قيل، لا يصح أن يعود إلى الشمس والقمر والليل والنهار؛ لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا كانت الغلبة للتذطير دون التأنيث. وأجاب المصنف بأنها في معنى الآيات، قال الزجاج: قد قيل: الليل والنهار والقمر، وهي مذكرة، وقد قال: "خلقهن" والهاء والنون تدل على التأنيث، وفي الجواب وجهان: أحدهما: أن ضمير ما لا يعقل على لفظ المؤنث، تقول: هذه لناشق فسقها، وغن شئت "فسقهن". وثانيهما: أن يرجع إلى معنى الآيات؛ لنه تعالى ومن آياته هذه الأشياء، فاسجدوا لله الذي خلقهن. قوله: (عند الشافعي ﵁: ﴿تَعْبُدُونَ﴾) أي؛ الشافعي يسجد عند ﴿تَعْبُدُونَ﴾، وأبو حنيفة عند ﴿يَسْأَمُونَ﴾. وقلت: الأصح الثاني. قال صاحب "الروضة": الأصح أنه عقيب ﴿يَسْأَمُونَ﴾، والثاني عقيب ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. قوله: (لأنها تمام المعنى) ويمكن أن يقال: تمام المعنى عند قوله: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي
[ ١٣ / ٦١٠ ]
وهي عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب. لعل ناسًا منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فنهوا عن هذه الواسطة، وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله تعالى خالصًا، إن كانوا إياه يعبدون وكانوا موحدين غير مشركين، ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ ولم يمتثلوا ما أمروا به وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم، فإنّ الله عز سلطانه لا يعدم عابدًا ولا ساجدًا بالإخلاص، وله العباد المقربون الذين ينزهونه بالليل والنهار عن الأنداد. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ عبارة عن الزلفى والمكانة والكرامة. وقرئ: (لا يسأمون)، بكسر الياء.
[﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣٩]
الخشوع: التذلل والتقاصر، فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها، كما وصفها بالهمود في قوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً﴾ [الحج: ٥]؛ وهو خلاف وصفها بالاهتزاز والربو؛ وهو الانتفاخ: إذا أخصبت وتزخرفت بالنبات كأنها بمنزلة المختال
_________________
(١) ـ خَلَقَهُنَّ﴾ لأنه حكم قد عقب الوصف المناسب، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تتميم للمعنى وتقريع للغافلين، وقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ تتميم غب تتميم، وتسلية للرسول ﷺ، ومن ثم قال: فدعهم وشأنهم، لكنه متضمن للذم على ترك السجود، فإن قوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ وضع موضع: فإن لم يسجدوا، إقامة للسبب موضع المسبب للعلية، وأنت قد عرفت أن شرعية إيجاب السجدة إما للأمر بها، أو المدح لمن أتى بها، أو الذم لمن تركها، وكان الظاهر إيجاب سجدتين؛ فجعل الثاني كالتوكيد للأول، فشرع سجدة واحدة. وعن بعضهم: إنما كانت السجدة عند ﴿لا يَسْأَمُونَ﴾ لأنه أقرب إلى الاحتياط، فإنها إن كانت عند الآية الأولى جاز تاخيرها، وإن كانت عند الثانية لم يجز تعجيلها.
[ ١٣ / ٦١١ ]
في زيه، وهي قبل ذلك كالذليل الكاسف البال في الأطمار الرثة. وقرئ: (وربأت) أي: ارتفعت؛ لأن النبت إذا همّ أن يظهر ارتفعت له الأرض.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَاتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٤٠]
يقال: ألحد الحافر ولحد؛ إذا مال عن الاستقامة، فحفر في شق، فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة. وقرئ: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ و(يَلحَدون)، على اللغتين. وقوله: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ وعيد لهم على التحريف.
_________________
(١) ـ قوله: (الكاسف البال)، الجوهري: رجل كاسف البال، سيء الحال. والطمر، الثوب الخلق، والجمع: الأطمار. يريد أن الكلام فيه استعارة تمثيلية، شبه حال جدوبة الأرض وإعدام الخير فيها؛ ثم غحياء الله بالماء النازل من السماء، وانقلابها من الجدوبة إلى الخصب، وإنبات كل زوج بهيج بعد القحل، بحال شخص كئيب كاسف البال رث الهيئة لا يؤبه له، ثم إذا أصابه شيء من متاع الدنيا وزينتها؛ تكلف بأنواع الزين والزخارف، فيختال في مشيه زهوًا، فيهتز بالأعطاف خيلاء وكبرًا، ثم بولغ في التشبيه فحذف المشبه واستعمل الخشوع. والاهتزاز دلالة على مكانه. قوله: (وقرئ "ورأت") قال الزجاج: ويقرأ "ربأت" بالهمز، فمعنى: ربت: عظمت. وربأت: ارتفعت. قال ابن جني: قرأ أبو جعفر "وربأت"، ومعناها راجعة إلى معنى قراءة الجماعة، وذلك ان الأرض إذا ربت ارتفعت، ومنه الربيئة، وهي الطليعة؛ لشخوصه على الموضع المرتفع. قوله: (وقرئ: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ و(يَلحَدون» الثانية: حمزة، والباقون: الأولى.
[ ١٣ / ٦١٢ ]
[﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَاتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٤١ - ٤٢]
فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾؟ قلت: هو بدل من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا﴾. والذكر: القرآن؛ لأنهم لكفرهم به طعنوا فيه وحرّفوا تأويله، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ أي: منيع محمى بحماية الله ﴿لَا يَاتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ مثل، كأن الباطل لا يتطرّق إليه ولا يجد إليه سبيلًا من جهة من الجهات
_________________
(١) ـ قوله: (هو بدل من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا﴾) وفي هذا الإبدال الإشعار بتغليظ من تأول القرآن بالرأي الباطل والهوى الزائغ، وتعظيم لشأن القرآن المجيد، ونعي على المتقاعدين عنه، وتسلية لرسول الله ﷺ عن مطاعن القوم فيه، وذلك انه تعالى لما افتتح السورة بذكر القرآن المجيد، وانه آية عظيمة قاهرة، وعقبه بما بين عجزهم عن المعارضة بتلك الشبهة الركيكة، وهي ان الرسالة منحصرة على الملائكة لا تتعدى إلى البشر، وذكر طعنهم فيه وقولهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ وذيل المعنى بوجوه من الاستطرادات المناسبة، أتى بنوع من مطاعنهم، وهو الإلحاد فيه تقريرًا للعجز والانخذال، وبيانًا لتبكيتهم عن الحجة القاهرة، وما يدل على أن الإبدال للتعظيم وضع قوله: ﴿بِالذِّكْرِ﴾ موضع ﴿فِي آياتِنا﴾ وضعًا للمظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق، وجعله علة لابتناء أوصاف الكمال عليه ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ إلى آخره. قوله: (كأن الباطل لا يتطرق إليه) بيان للمثل، يعني: قوله: ﴿لَا يَاتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ استعارة تمثيلية، والوجه منتزع من عدة امور، وهي مسبوقة بالتشبيه، ومن ثم أتى في البيان بأداته، شبه الكتاب وعدم تطرق الباطل إليه بوجه من الوجوه بمن هو محمي بحماية غالب قاهر يمنع جاره من إحاطة العدو به من كل جانب، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، بأن ترك المشبه إلى ذكر المشبه به قائلًا: ﴿لَا يَاتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ فقوله: ﴿لَا يَاتِيهِ الْباطِلُ﴾ صفة أخرى لـ"كتاب"، وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ تعليل لاتصاف الكتاب بالوصفين، فكونه حكيمًا موجب؛ لأن يكون منزله محكمًا متقنًا رصينًا يغلب ولا يغلب؛ فيكون عزيزًا، وكونه حميدًا يستدعي أن يكون كلامه حقًا
[ ١٣ / ٦١٣ ]
حتى يصل إليه ويتعلق به. فإن قلت: أما طعن فيه الطاعنون، وتأوّله المبطلون؟ قلت: ولكن الله قد تقدّم في حمايته عن تعلق الباطل به: بأن قيض قومًا عارضوهم بإبطال تأويلهم وإفساد أقاويلهم، فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقًا، ولا قول مبطل إلا مضمحلًا. ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
_________________
(١) ـ لا باطلًا عبثًا، يهدي الناس إلى النعمة العظمى، ﴿وَاللهُ يَدْعَوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] فليشكر لذلك قائله وليحمد المتكلم به. ثم إن المشركين حين لم يعرفوا هذه النعمة، وراموا نسبة الباطل إليه، وطلبوا توهين أحكامه، كما نبه عليه قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ الآية سلى حبيبه أولًا بقوله: ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وثانيًا بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾. قوله: (﴿وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]) أي: بحراس التنزيل وسواس التاويل، ذبوا عن حريم القرآن، ودفعوا عن مطاعن الخصوم، هكذا يجب أن يقدر ليصح استشهاده بالآية لقوله: " ولكن الله قد تقدّم في حمايته عن تعلق الباطل به: بأن قيض قومًا" "الأساس": ولفلان قدم في هذا الأمر: سابقة وتقدم، وله قدم صدق، ضمن "تقدم" معنى "تكفل" أي: تكفل في حمايته سابقًا بأن اتاح وقدر علماء ذابين عن حريمه. وقلت: يجوز خلافه؛ لأنه تعالى أنزل التوراة واستحفظها الحبار والربانيين كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤] فغيروا وحرفوا، وتكفل ﷿ هو بنفسه حفظ القرآن ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فأكد الجملة انواعًا من التأكيد؛ لئلا يظن الخلاف. قال الإمام: إن الله حفظه بأن جعله معجزًا مباينًا لكلام البشر، يعجز الخلق عن الزيادة والنقصان فيه؛ لأنهم لو راموا ذلك لتغير نظمه؛ وظهر للخلق أنه من كلام البشر وليس
[ ١٣ / ٦١٤ ]
[﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ ٤٣]
﴿مَا يُقَالُ لَكَ﴾ أي: ما يقول لك كفار قومك إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزلة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ ورحمة لأنبيائه، ﴿وَذُو عِقابٍ﴾ لأعدائهم. ويجوز أن يكون: ما يقول لك الله إلا مثل ما قال للرسل من قبلك، والمقول: هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾، فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخافه أهل معصيته، والغرض: تخويف العصاة.
[﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ٤٤]
كانوا لتعنتهم يقولون: هلا نزل القرآن بلغة العجم! فقيل: لو كان كما يقترحون لم يتركوا الاعتراض والتعنت، وقالوا: ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ أي: بينت ولخصت بلسان نفقهه ﴿ءَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ الهمزة همزة الإنكار، يعني: لأنكروا وقالوا: أقرآن أعجمي ورسول عربي؟ ! أو: مرسل إليه عربي؟ ! وقرئ: (أعجمي)، والأعجمي:
_________________
(١) ـ من كلام خالق القوى والقدر، ولقائل أن يقول: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ مطلق يحمل على إنا لحافظون ألفاظه من التغيير والتبديل، وحافظون معانيه من تاويل المبطلين، بأن يقيض قومًا يعارضونهم، فاستشهد به للمعنى الثاني. قوله: (وقرئ " أعجمي") قرا هشام: "أعجمي" بهمزة واحدة من غير مد على الخبر، والباقون: على الاستفهام.
[ ١٣ / ٦١٥ ]
الذي لا يفصح ولا يفهم كلامه من أي جنس كان، والعجمي: منسوب إلى أمّة العجم. وفي قراءة الحسن: (أعجمي) بغير همزة الاستفهام، على الإخبار بأن القرآن أعجمي، والمرسل أو المرسل إليه عربي. والمعنى: أنّ آيات الله على أي طريقة جاءتهم وجدوا فيها متعنتًا؛ لأنّ القوم غير طالبين للحق، وإنما يتبعون أهواءهم. ويجوز في قراءة الحسن: هلا فصلت آياته تفصيلًا، فجعل بعضها بيانًا للعجم، وبعضها بيانًا للعرب. فإن قلت: كيف يصح أن يراد بالعربي المرسل إليهم وهم أمّة العرب؟ قلت: هو على ما يجب أن يقع في إنكار المنكر لو رأى كتابًا أعجميًا كتب إلى قوم من العرب يقول: كتاب أعجمي ومكتوب إليه عربي؟ ! وذلك لأن مبنى الإنكار على تنافر حالتي الكتاب والمكتوب إليه، لا على أن المكتوب إليه واحد أو جماعة، فوجب
_________________
(١) ـ قوله: (على الإخبار بأن القرآن أعجمي، والمرسل أو المرسل إليه عربي) فعلى هذا الإنكار ناشئ من كلمة التحضيض، أي: هلا فصلت آياته، ثم بين عدم التفصيل والبيان على سبيل الإخبار بأن القرآن أعجمي والرسول عربي والأمة المرسل إليها عربية، وأنها وكدت معنى التمني، أي: ليتها فصلت تفصيلًا بأن يكون بعضها أعجميًا وبعضها عربيًا؛ ليعلم كل أناس مشربهم الذي يشربون، وإليه الإشارة بقوله: "هلا فصلت آياته"، ويجوز ان يكون مجرى على ظاهره. قوله: (على أي طريقة جاءتهم وجدوا فيها متعنتًا)، أي: مكانًا للتعنت، ويروى: "متعنتًا" باسم الفاعل، فيكون تجريدًا، أي وجدوا فيها من أنفسهم متعنتًا، الجوهري: جاءني فلان متعنتًا، إذا جاء يطلب زلتك. قوله: (كيف يصح أن يراد بالعربي المرسل إليهم وهم أمّة العرب؟) أي: إطلاق العربي على الجماعة غير مطابق، وكان ينبغي أن يقال: "عربية" نظرًا إلى الأمة، أو "عربيون" نظرًا إلى المعنى؟ واجاب: إن القصد في الكلام إنكار تنافر حالتي الكتاب والمكتوب إليه، لا المطابقة بين اللفظ والمعنى، كما في مسألة المرأة القصيرة، فإن المنكر الجمع بين هذين المعنيين، ولا مدخل لخصوصية اللابس والملبس.
[ ١٣ / ٦١٦ ]
أن يجرّد لما سيق إليه من الغرض، ولا يوصل به ما يخيل غرضًا آخر، ألا تراك تقول وقد رأيت لباسًا طويلًا على امرأة قصيرة: اللباس طويل واللابس قصير! ولو قلت: واللابسة قصيرة، جئت بما هو لكنة وفضول قول؛ لأنّ الكلام لم يقع في ذكورة اللابس وأنوثته، إنما وقع في غرض وراءهما. ﴿هُوَ﴾ أي القرآن ﴿هُدىً وَشِفاءٌ﴾: إرشاد إلى الحق وشفاء لِما فِي الصُّدُورِ من الظن والشك. فإن قلت: ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ منقطع عن ذكر القرآن، فما وجه اتصاله به؟ قلت: لا يخلو: إما أن يكون ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في موضع الجر
_________________
(١) ـ قوله: (لا يخلو: إما أن يكون ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في موضع الجر) قال ابن الحاجب في "الأمالي": ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مخفوض عطف على ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ و﴿وَقْرٌ﴾ مرفوع عطف على ﴿هُدًى﴾ و﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ عطف على قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ فلا بد ان يكون موافقًا له في الإعراب، فيجب أن يكون المعطوف على ﴿لِلَّذينَ﴾ مخفوضًا، والمعطوف على ﴿هُدًى﴾ مرفوعًا بالابتداء، ولا يستقيم ان يقال: أجعل في آذانهم وقرًا، جملة في موضع رفع معطوفة على ﴿هُدًى﴾؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون المبتدأ جملة، ويلزم من هذا التقدير أن يكون عطفًا على عاملين، كقوله: في الدار زيد والحجرة عمرو، وما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة. ومثل هذا من العطف على عاملين جائز عند المحققين المتأخرين. ويجوز أن يكون ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ، تقديره: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر، على أن يكون المبتدأ الثاني محذوفًا، وخبره ﴿وَقْرٌ﴾ و﴿فِي آذانِهِمْ﴾ بيان لمحل الوقر، ولا يكون الوقر "وفي آذانهم" مبتدأ وخبرًا، ولا يقدر هو؛ إذ لا عائد في الجملة على المبتدأ، فلا يكون ما يربط الجملة الثانية بالأولى؛ لأن قوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ إخبار عن القرآن بأنه للمؤمنين هدى وشفاء، فإذا لم يكن في الثانية ذكر القرآن كانت أجنبية. ويجوز أن يكون ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ، خبره ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ من غير تقدير هو، والرابط محذوف "به" هذا قريب من الوجه الثالث في "الكشاف".
[ ١٣ / ٦١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقال أيضًا: ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ مرتبطًا بقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ والتقدير: هو للذين أمنوا هدى وهو على الذين لا يؤمنون عمى. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ جملة معترضة على الدعاء. وقلت: هذا وغن جاز من جهة الإعراب، لكن من جهة المعاني مردود؛ لفك النظم، وأولى الوجوه ما يصح منه عطف قوله: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ على قوله: ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ﴾ ليكون على وزان قوله: ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ لأن الطريق الواضح والمنهج المستقيم إنما يعمى على من لا بصر له ولا بصيرة، وهذا لا يحسن إلا على الوجه الثاني في "الكشاف"، وعليه يلتئم الكلام؛ لأن قوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ﴾ الآية، جواب عن قوله: ﴿لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ على الأسلوب الحكيم، والمعنى ما قال: إن آيات الله على أي طريقة جاءتهم وجدوا فيها متعنتًا، لأن القوم غير طالبين للحق، فيكون ذكر المؤمنين مستطردًا لبيان أن الكتاب في نفسه سبب إزالة الشك والريب لوضوح آياته وسطوع براهينه، وإنما نشأ الريب منكم لتعنتكم، وأنكم من اهل الختم والطبع، ولكونه مستطردًا أخرج التركيب مخرجًا أفاد التعريض، بأن قدم الخبر على المبتدأ ليفيد التخصيص، وبنى الجملة على الضمير المرفوع لإفادى تقوي الحكم برتبة لفائدة التعريص، أي: هو للطالبين للحق خاصة هدىً وشفاء لما في صدوررهم من مرض الشك والريب، وللذين لا يؤمنون ضلال ومرض على مرض، ﴿فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] ثم ابتدأ ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ لأن الضلالة ومرض الشك والصمم عن الحق والعمى عن الآيات إذا اجتمع في شخص، فداعيهم إلى الهدى كانه يناديهم من مكان بعيد، كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] أي: مثل داعي الذين كفروا، هذا هو التحقيق، ومن ثم قال: "وغن كان الأخفش تخيره"، أي: هذا الوجه ضعيف؛ لأن الدليل على ضعفه والمقام ينبو عنه، وقد منعه سيبويه، والمختار قوله، فإن القول ما قالت حذام.
[ ١٣ / ٦١٨ ]
معطوفًا على قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ على معنى قولك: هو للذين آمنوا هدًى وشفاء، وهو للذين لا يؤمنون في آذانهم وقر؛ إلا أنّ فيه عطفًا على عاملين، وإن كان الأخفش يجيزه؛ وإمّا أن يكون مرفوعًا على تقدير: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر، على حذف المبتدأ، أو: في آذانهم منه وقر. وقرئ: (وهو عليهم عم)، و(عمي)، كقوله تعالى: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [هود: ٢٨]. ﴿يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ يعني: أنهم لا يقبلونه ولا يرعونه أسماعهم، فمثلهم في ذلك مثل من يصيح به من مسافة شاطة لا يسمع من مثلها الصوت فلا يسمع النداء.
[﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ ٤٥]
﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فقال بعضهم: هو حق، وقال بعضهم: هو باطل. والكلمة السابقة: هي العدة بالقيامة، وأنّ الخصومات تفصل في ذلك اليوم، ولولا ذلك لقضي
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ "وهو عليهم عم" و"عمي")، قال الزجاج: ويقرأ: "وهو عليهم عم" بكسر الميم؛ ويجوز "وهو عليهم عمي" بإثبات الياء وفتحها، ولا يجوز إسكان الياء وترك التنوين. قوله: (لا يرعونه أسماعهم)، الجوهري: أرعيته سمعي، أي أصغيت إليه. ومنه قوله تعالى: ﴿رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]. قوله: (شاطة) شطت الدار شطوطًا، قال: لئن غبت عن عيني وشطت بك النوى فأنت الذي في القلب حطت رواحله قوله: (والكلمة السابقة: هي العدة بالقيامة، وأنّ الخصومات تفصل في ذلك اليوم) إشارة إلى ان هذا القول وارد على سبيل التخلص إلى ذكر القيامة، وهو قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ
[ ١٣ / ٦١٩ ]
بينهم في الدنيا. قال الله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾ [النحل: ٦١].
[﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٤٦]
﴿فَلِنَفْسِهِ﴾: فنفسه نفع، ﴿فَعَلَيْها﴾: فنفسه ضرّ، ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ فيعذب غير المسيء.
[﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ * وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ٤٧ - ٤٨]
﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: إذا سئل عنها قيل: الله يعلم. أو: لا يعلمها إلا الله.
وقرئ: ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾، "من أكمامهن، والكم، بكسر الكاف: وعاء الثمرة،
_________________
(١) ـ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ والتسلية للرسول ﷺ من اختلاف قومه في القرآن وطعن الطاعنين المتعنتين فيه، ولذلك اتى بذكر موسى ﵇ واختلاف قومه في كتابه. قوله: (أي: إذا سئل عنها قيل: الله يعلم. أو: لا يعلمها إلا الله) يريد أن التقديم في قوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ يجوز أن يكون إشارة إلى جواب منكر يزعم ان علم الساعة غير مختص بالله، فيجاب بالحصر، أي لا يعلمها غلا الله، وان يكون جوابًا عن متردد يتردد في ذلك ويشك فيه، فيزال شكه بقوله: الله يعلم؛ لإادته تقوي الحكم المستلزم للتخصيص لاختصاص ذكر الاسم الجامع، وانه تعالى يعلمه حقًا البتة، فلا يعلم غيره. قوله: (وقرئ: ﴿مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾) نافع وابن عامر وحفص: بالجمع، والباقون: على التوحيد.
[ ١٣ / ٦٢٠ ]
كجف الطلعة، أي: وما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع إلا وهو عالم به. يعلم عدد أيام الحمل وساعاته وأحواله: من الخداج والتمام،
_________________
(١) ـ قوله: (كجف الطلعة)؛ أي: وعاؤها. النهاية: في حديث سحر النبي ﷺ "أنه جعل في جف الطلعة"، الجف: وعاء الطلع، وهو الغشاء الذي يكون فوقه. قوله: (أي: وما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل) جعل "ما"- في "ما يخرج"- نافية، و"من" بيانية، والمبين مضمرًا، ثم أخذ القدر المشترك بين الفعال الثلاثة- أعني: "تخرج" و"تحمل" و"تضع" وجعله أصلًا في الاعتبار- وعبر عنه بـ"يحدث شيء"، ثم عمد إلى مصادر الأفعال وجعلها تفصيلًا لذلك المجنل وعطف بعضها على بعض ليتسبب له الاستثناء بقوله: "إلا بعلمه" عن المذكورات كلها، فلا يختص بواحد لاستقامة المعنى، كما جاء في "الأصول": الاستثناء المعقب للجمل يعود إليها؛ لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في التعلقات كالحال والشرط وغيرهما، إلا إذا منع منه مانع، والطريق الذي يسلكه ضابط حسن في الباب. قال أبو البقاء: "وما تحمل" "ما" نافية؛ لأنه عطف عليها "ولا تضع"ثم نقض النفي بـ"إلا" ولو كانت بمعنى "الذي" معطوفة على الساعة لم يستقم ذلك، واما قوله: "وما تخرج من ثمرة" فيجوز أن يكون بمعنى "الذي" والأقوى أن تكون نافية. وقال القاضي: "ما" في "ما تخرج" نافية، و"من" الأولى مزيدة، ويحتمل ان تكون موصولة معطوفة على "الساعة" و"من" مبينة، بخلاف قوله: ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ لمكان ﴿بِعِلْمِهِ﴾ حال، أي مقرونًا بعلمه واقعًا حسب تعلقه. قوله: (من الخداج) خدجت الناقة تخدج خداجًا فهي خادج والولد خديج، إذا ألقته قبل تمام الأيام وإن كان تام الخلق.
[ ١٣ / ٦٢١ ]
والذكورة والأنوثة، والحسن والقبح وغير ذلك. ﴿أَيْنَ شُرَكائِي﴾ أضافهم إليه تعالى على زعمهم، وبيانه في قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، وفيه تهكم وتقريع. ﴿آذَنَّاكَ﴾: أعلمناك ﴿ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ أي: ما منا أحد اليوم وقد أبصرنا وسمعنا يشهد بأنهم شركاؤك، أي: ما منا إلا من هو موحد لك: أو: ما منا من أحد يشاهدهم؛ لأنهم ضلوا عنهم، وضلت عنهم آلهتهم، لا يبصرونها في ساعة التوبيخ. وقيل: هو كلام الشركاء، أي: ما منا من شهيد يشهد بما أضافوا إلينا من الشركة. ومعنى ضلالهم عنهم على هذا التفسير: أنهم لا ينفعونهم، فكأنهم ضلوا عنهم. ﴿وَظَنُّوا﴾ وأيقنوا. والمحيص: المهرب. فإن قلت:
﴿آذَنَّاكَ﴾ إخبار بإيذان كان منهم، فإذ قد آذنوا فلم سئلوا؟ قلت: يجوز أن يعاد عليهم: ﴿أَيْنَ شُرَكائِي﴾؟ إعادة للتوبيخ، وإعادته في القرآن على سبيل الحكاية: دليل على إعادة المحكي. ويجوز أن يكون المعنى: أنك علمت من قلوبنا وعقائدنا الآن أنا لا نشهد تلك الشهادة
_________________
(١) ـ قوله: (ومعنى ضلالهم [عنهم] على هذا التفسير) يعني: إذا كان قوله: ﴿آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ من كلام العبد، يكون معنى ﴿وَضَلَّ عَنْهًمْ﴾ غابن وإذا كان من كلام المعدوم فضلالهم بمعنى عدم نفعهم، لا بمعنى غيبتهم× لأنهم حينئذ المجيبون والمسؤول عنهم العبدة، والجملة على الوجهين حال، و"قد" معه مقدرة، ويجوز أن يكون عطفًا على ﴿قَالُوا﴾. قوله: (﴿آذَنَّاكَ﴾ إخبار بإيذان كان منهم) يعني: هذا يقتضي أنه تعالى قد سأل عنهم بمثل هذا السؤال قبل ذلك، وانهم أجابوه بمثل هذا الجواب ثم أعاده، فما فائدة الإعادة؟ وأجاب بوجوه: أحدها أنه من عادة الموبخ أن يعيد كلمة التوبيخ تشديدًا على الجاني وتقبيحًا لجنايته، وثانيها: أن قولهم ليس أنه قد سبق منهم الإيذان بمثله، لكن هو إيذان بلسان الحال من مضمرات البال، وثالثها: أنه توطئة لفخبار وتمهيد لقوله: ﴿ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾، كقول القائل: أعلم الملك، ثم قوله: إنه قد كان من الأمر كيت وكيت.
[ ١٣ / ٦٢٢ ]
الباطلة؛ لأنه إذا علمه من نفوسهم فكأنهم أعلموه. ويجوز أن يكون إنشاءً للإيذان، ولا يكون إخبارًا بإيذان قد كان، كما تقول: أعلم الملك أنه كان من الأمر كيت وكيت.
[﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ٤٩ - ٥٠﴾
﴿مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾: من طلب السعة في المال والنعمة. وقرأ ابن مسعود: (من دعاء بالخير). ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أي: الضيقة والفقر. ﴿فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ﴾ بولغ فيه من طريقين: من طريق بناء "فعول"، ومن طريق التكرير. والقنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر، أي: يقطع الرجاء من فضل الله وروحه، وهذه صفة الكافر، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. وإذا فرجنا عنه بصحة بعد مرض، أو سعة بعد ضيق قال: ﴿هَذَا لِي﴾ أي: هذا حقي وصل إلي، لأني استوجبته بما عندي من خير وفضل وأعمال برّ. أو: هذا لي لا يزول عني، ونحوه قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ﴾ [العراف: ١٣١]، ونحوه قوله: ﴿وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً﴾، ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] يريد: وما أظنها تكون، فإن كانت على طريق التوهم ﴿إِنَّ لِي﴾ عند الله الحالة الحسنى من للكرامة والنعمة، قائسًا أمر الاخرة على أمر الدنيا. وعن بعضهم: للكافر أمنيتان، يقول في الدنيا: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، ويقول في الآخرة: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤]. وقيل:
_________________
(١) ـ قوله: (بولغ فيه من طريقين: من طريق بناء "فعول"، ومن طريق التكرير) قال الإمام: اليأس من صفة القلب، والقنوط آثاره في الأحوال الظاهرة.
[ ١٣ / ٦٢٣ ]
نزلت في الوليد بن المغيرة. فلنخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب؛ ولنبصرنهم عكس ما اعتقدوا فيها أنهم يستوجبون عليها كرامة وقربة عند الله، ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]؛ وذلك أنهم كانوا ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلبًا للافتخار والاستكبار لا غير، وكانوا يحسبون أنّ ما هم عليه سبب الغنى والصحة، وأنهم محقوقون بذلك.
[﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ ٥١]
هذا أيضًا ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه الله بنعمة أبطرته النعمة، وكأنه لم يلق بؤسًا قط فنسي المنعم وأعرض عن شكره، ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ أي: ذهب بنفسه وتكبر وتعظم. وإن مسه الضرّ والفقر: أقبل على دوام الدعاء، وأخذ في
_________________
(١) ـ قوله: (نزلت في الوليد بن المغيرة) فهو بمعنى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] عن الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقال المصنف: والمشهور أنها في العاص بن وائل؛ وقصته مع خباب مذكورة في سورة "مريم". قوله: (وأنهم محقوقون) حق هذا الأمر، وهو محقوق به، أي: تيقن بخلافته، من الخليق، يعني أنهم احقاء بذلك. قوله: (هذا أيضًا ضرب آخر من طغيان الإنسان)، والضرب الأول بيان لشدة حرصه، وأنه إن أعطي لم يشبع، وإن منع لم يقنع. والثاني لبيان طيشه؛ فلا يثبت على السراء، بل طار من منزلته وتكبر وطغى، ولا يصبر على الضراء، بل خضع واستكان في ذل.
[ ١٣ / ٦٢٤ ]
الابتهال والتضرع. وقد استعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه وهو من صفة الأجرام، ويستعار له الطويل -أيضًا- كما استعير الغلظ لشدّة العذاب. وقرئ: (ونأِى بجانبه)، بإمالة الألف وكسر النون للإتباع، و(ناء) على القلب، كما قالوا: راء، في: رأى. فإن قلت: حقق لي معنى قوله: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾. قلت: فيه وجهان: أن يوضع "جانبه" موضع نفسه كما ذكرنا في قوله تعالى: ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]: أن مكان الشيء وجهته ينزل منزلة الشيء نفسه، ومنه قوله:
ونفيت عنه مقام الذئب ..
يريد: ونفيت عنه الذئب. ومنه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٦]، ومنه قول الكتاب: حضرة فلان ومجلسه، وكتبت إلى جهته، وإلى جانبه العزيز، يريدون نفسه وذاته، فكأنه قال: ونأى بنفسه، كقولهم في المتكبر: ذهب بنفسه، وذهبت به الخيلاء كل مذهب، وعصفت به الخيلاء؛ وأن يراد بجانبه: عطفه،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: (ونأِى بجانبه» ابن ذكوان: "وناءى بجانبه" جعل الهمزة بعد الألف، والباقون: بفتحهما، ورش على أصله. قوله: (ونفيت عنه الذئب) قبله: وماء قد وردت لوصل أروى عليه الطير كالورق اللجين ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين واللجين: ما سقط من الورق عند الخبط، وذعرت: أي أفزعته، والضمير في "به" يعود إلى الماء، خص الذئب والقطا؛ لأن القطا أهدى الطير، والذئب أهدى السباع، وهما السابقان إلى الماء، والرجل اللعين؛ شيء منتصب وسط الزرع يستطرد به الوحوش. يقول: رب ماء قد وردته لأجل أن أرى عليه محبوبتي، جاءت إليه لغسل رأسها ورحض ثيابها، وصفة الماء ذلك.
[ ١٣ / ٦٢٥ ]
ويكون عبارة عن الانحراف والازورار؛ كما قالوا: ثنى عطفه، وتولى بركنه.
[﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ٥٢]
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: أخبروني ﴿إِنْ كانَ﴾ القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني: أن ما أنتم عليه من إنكار القرآن وتكذيبه ليس بأمر صادر عن حجة قاطعة حصلتم منها على
_________________
(١) ـ قوله: (ويكون عبارة عن الانحراف) هذا هو الجواب الثاني عن السؤال، وكلا الجوابين لا يتجاوزان عن الكناية، لكن الأول من باب التعريض بالتعظيم، فإنهم يعبرون عن المجلس والمقام والمكان عن ذات من يقصدون تعظيمه، ويحتشمون عن التصريح بالاسم، قال زهير: فعرض إذا ما جئت بالبان والحمى وإياك أن تنسى فتذكر زينبا سيكفيك من ذاك المسمى إشارة فدعه مصونًا بالجلال محجبا وها هنا وارد على التهكم. والثاني من باب الرمز، كما عبروا عن عدم الالتفات بالتولي والنبذ وراء الظهور، ومرجعه أيضًا إلى التكبر والخيلاء؛ لن المتكبر لا يخلو من تلك الحركات. قوله: (يعني: أن ما أنتم عليه من إنكار القرآن) إلى آخره، في كلامه قيود مستفادة من التركيب التنزيلي، فإن قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ وارد على العرض والتقدير، ويوجب أن يكون مسبوقًا بمقدمات تنتهي إليه، وهو أن يقال: إن ما أنتم عليه من إنكار القرىن ليس بصادر عن حجة قاطعة عندكم، وإنما هو أمر محتمل؛ لأنكم ما اتبعتم الدليل، فيجوز أن يكون من عند الله وألا يكون من عنده؛ والعاقل إذا تورط في مثل هذه الورطة يتوقف حتى يحصل على اليقين؛ ثم يشرع في قطع الحكم، فأنتم قطعتم في التكذيب والإنكار قبل الفحص والنظر، أخبروني إن كان صادقًا ومن عند الله؛ فمن أضل منكم؟ وقوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ﴾ وارد على العموم وعدم التصريح والمكافحة، وهو يقتضي أن يقال: ولعله حق فأهلكتم أنفسكم، ومن اظلم منكم؟ فوضع موضع الضمير ﴿مِمَّنْ هُوَ
[ ١٣ / ٦٢٦ ]
اليقين وثلج الصدور، وإنما هو قبل النظر واتباع الدليل أمر محتمل، يجوز أن يكون من عند الله وأن لا يكون من عنده، وأنتم لم تنظروا ولم تفحصوا، فما أنكرتم أن يكون حقًا وقد كفرتم به، فأخبرونى من أضلّ منكم وأنتم أبعدتم الشوط في مشاقته ومناصبته، ولعله حق فأهلكتم أنفسكم؟ وقوله: ﴿مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ موضوع موضع: منكم، بيانًا لحالهم وصفتهم.
[﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ ٥٣ - ٥٤]
﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يعنى ما يسر الله ﷿ لرسوله ﷺ وللخلفاء من بعده ونصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عمومًا وفي باحة العرب خصوصًا- من: الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم،
_________________
(١) ـ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وهو معنى قوله: ﴿ثم كفرتم به﴾ لما فيه معنى البعد البعيد، والكلام وارد على إرخاء العنان والكلام المنصف. قوله: (أبعدتم الشوط)، الجوهري: عدا شوطًا، أي: طلقًا. الأساس: فلان شوطه شوط باطل. قوله: (في مشاقته) أي: بالغتم في مخاصمته، قال: المشاقة؛ مشتقة من الشق؛ لأن كلَا من المتعاديين في شق خلاف صاحبه. قوله: (وفي باحة العرب)، الأساس: نشأ فلان في ساحتك وباحتك وهي العرصة، هذا تفسير لقوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وهذا أيضًا وارد على خلاف مقتضى الظاهر، على عكس ما سبق آنفًا في قوله: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ أي: بنفسه، وقول الشاعر: "مقام الذئب" جعلت أنفسهم بإدخال "في" كالعرصة والمكان المفتوح، إعلامًا بان تلك الفتوح أثرت في أنفسهم أثرًا بليغًا كانها هي مكانها.
[ ١٣ / ٦٢٧ ]
ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة، وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعافهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أمورًا خارجة من المعهود خارقة للعادات، ونشر دعوة الإسلام في أقطار المعمورة، وبسط دولته في أقاصيها، والاستقراء يطلعك في التواريخ والكتب المدوّنة في مشاهد أهله وأيامهم على عجائب لا ترى وقعة من وقائعهم إلا علمًا من أعلام الله وآية من آياته، يقوى معها اليقين، ويزداد بها الإيمان، ويتبين أن دين الإسلام هو دين الحق الذي لا يحيد عنه إلا مكابر حسه، مغالط نفسه، وما الثبات والاستقامة إلا صفة الحق والصدق، كما أن الاضطراب والتزلزل صفة الفرية والزور، وأن للباطل ريحًا تخفق ثم تسكن، ودولة تظهر ثم تضمحل. ﴿بِرَبِّكَ﴾ في موضع الرفع على أنه فاعل كفى. و﴿أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بدل منه، تقديره: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد؟
_________________
(١) ـ قوله: (تقديره: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد؟) إلى آخره، فإن قلت: من أين دل هذا اللفظ الموجز على هذه المعاني المبسوطة؟ قلت: من مقتضى المقام والعدول من الظاهر، فإن أصل المعنى سنريهم هذه الآيات إظهارًا للحق، وكفى دليلًا على ذلك، والواو في ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِ﴾ للحال، وإنما أدخل همزة التقرير على الجملة الحالية لمزيد تقرير حصول الموعود، وأن هذه الآيات كافية في المطلوب لا مزيد عليها، ووضع المظهر وقوله: ﴿بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ موضع ضمير الآيات في قولنا: وكفى بها دليلًا؛ للإشعار بالعلية، وأن هذه الآيات إنما صلحت للدليل على حقية المطلوب؛ لأن منشئها من هو على كل شيء مهيمن مطلع، وإليه الإشارة بقوله: "فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب" وأبدل ﴿أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ من ﴿بِرَبِّكَ﴾ بيانًا وتفسيرًا وإيذانًا بأن هذا الوصف متعين له وشاهد بأن الرب هو الذي يكون على كل شيء شهيدًا، وإليه الإشارة بقوله: "مطكلع مهيمن يستوي عنده غيبه وشهادته"، وأما اختصاص الضمير في أنه الحق بالقرآن، فمن حيث المقام؛ لما سبق أن هذه السورة الكريمة نازلة في بيان عظمة القرآن المجيد والرد على منكريه ومعانديه، فكل ما جعل ذكره مشروعًا لمعنى أتى بما يناسبه من المعاني، فكان قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ كلامًا على سبيل إرخاء العنان كالخاتمة
[ ١٣ / ٦٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ لهذه المعاني، فجيء بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ﴾ الآية مسليًا لحبيبه صلوات الله عليه، ووعدًا لإظهار كلمته وقهر أعهدائه، وسلك فيه مسلك الدليل والبرهان؛ ليظهر للموافق والمخالف حقيته، وإليه الإشارة بقوله: "ولو لم يكن كذلك لما قوي هذه القوة ولما نصر حاملوه هذه النصرة"، وأدمج في الكلام معنى الإخبار بالغيب بذكر ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وإليه الإشارة بقوله: "يستوي عنده غيبه وشهادته"؛ ليكون كالشاهد على أنها بنفسها آية مستقلة من حيث إنها مخبرة عن الغيب. روى الواحدي عن الزجاج أنه قال: ومعنى الكفاية ها هنا أن الله تعالى قد بين لهم ما فيه كفاية من الدلالة. فإن قلت: هل لقول عطاء على ما رواه محيي السنة ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ﴾ يعني أقطار السماوات والأرض؛ من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والأنهار ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من لطيف الصنعة وبديع الحكمة ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وجه مناسبة بالنظم؟ قلت: أجل، ونعمت المناسبة والعلم عند الله، وذلك أنه تعالى لما أمر حبيبه صلوات الله عليه بمتاركة القوم في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ دخل في خلده اليأس من إيمان القوم، وذهبت نفسه عليهم حسرات، فأعلمه الله تعالى بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا﴾ أنه ما عليك إلا البلاغ ومنا الهداية، فأنت قد أديت ما عليك من البلاغ وليس الهداية، ونحن سنهدي منهم من نريد هدايته بأن نفتح قلوبًا غلفًا وآذانًا صمًا وعيونًا عميًا، فيرون آياتنا في الآفاق وفي الأنفس، ثم قرر ذلك بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ إنجازًا للموعد، مسليًا له صلوات الله عليه مما اعتراه من اليأس، كان هذا الوجه أحسن، وفي معنى الخاتمة أدخل، وللتناول أعم وأسهل.
[ ١٣ / ٦٢٩ ]
ومعناه: أن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه، فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، أي: مطلع مهيمن يستوي عنده غيبه وشهادته، فيكفيهم ذلك دليلًا على أنه حق، وأنه من عنده، ولو لم يكن كذلك لما قوي هذه القوة، ولما نصر حاملوه هذه النصرة. وقرئ: (في مرية)، بالضم؛ وهي الشك. ﴿مُحِيطٌ﴾: عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها وظواهرها وبواطنها، فلا تخفى عليه خافية منهم، وهو مجازيهم على كفرهم ومريتهم في لقاء ربهم.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة السجدة أعطاه الله بكل حرف عشر حسنات".
_________________
(١) ـ والقول الذي اختاره المصنف رواه محيي السنة عن مجاهد والحسن والسدي. قال الإمام: فإن قيل: هذا الوجه ضعيف؛ لأن سين الاستقبال يدل على أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات، وسيطلعهم عليها، وليس كذلك. قلنا: إن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء؛ إلا أن العجائب التي أودعها فيها مما لا نهاية لها، فهو تعالى يطلعهم عليها زمانًا قريبًا حالًا فحالًا، فإن كل أحد يشاهد بينة إلا الإنسان؛ إلا أن العجائب التي أودعها الله تعالى في تركيبها لا تحصى واكثر الناس غافلون عنها، فمن حمل على التفكير فيها بالقوارع التنزيلية والتنبيهات الإلهية، كلما ازداد تفكرًا ازداد وقوفًا، فصح معنى الاستقبال والله أعلم. تمت السورة حامدًا ومصليًا على رسول الله * * *
[ ١٣ / ٦٣٠ ]
فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب
وهو حاشية الطيبي على الكشاف
للإمام شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي
المتوفى سنة ٧٤٣ هـ رحمه الله تعالى
الجزء الرابع عشر
تفسير السور من الشورى إلى نهاية ق
[ ١٤ / ٤ ]