مكية، إلا قوله (وَالشُّعَراءُ) إلى آخر السورة وهي مئتان وسبع وعشرون آية.
وفي رواية: وست وعشرون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١ إلى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) [الشعراء: ١ - ٢].
طسم بتفخيم الألف وإمالتها، وإظهار النون وإدغامها. (الْكِتابِ الْمُبِينِ):
_________________
(١) ـ سورة الشعراء مكية، إلا قوله: ﴿والشعراء﴾ إلى آخر السورة وهي مئتان وسبع وعشرون آية، وفي رواية: ست وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (﴿طسم﴾ بتفخيم الألف)، أبو بكرٍ وحمزة والكسائي: بإمالة فتحة الطاء، والباقون: بإخلاص فتحها. وأظهر حمزة النون من هجاء السين عند الميم، وأدغمها الباقون.
[ ١١ / ٣١٠ ]
الظاهر إعجازه، وصحة أنه من عند الله. والمراد به السورة أو القرآن. والمعنى: آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين.
[(لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)].
البخع: أن يبلغ بالذبح البخاع- بالباء، وهو عرق مستبطن الفقار، وذلك
_________________
(١) ـ قوله: (الظاهر إعجازه)، أراد أن المبين من أبان بمعنى بان. قوله: (والمراد به السورة أو القرآن)، اعلم أن ﴿طسم﴾ إما أن يجعل اسمًا للسورة، أو تعدادًا لحروف التهجي، والثاني إما واردةٌ على قرع العصا، أو تقدمةً لدلائل الإعجاز كما سبق في الفواتح، ثم المناسب أن يفسر الكتاب بالقرآن إذا جعل ﴿طسم﴾ اسمًا لله، ويكون مبتدأ وتلك: مبتدأٌ ثانٍ، وآيات الكتاب: الخبر، والجملة خبر المبتدأ الأول، وإذا جعل تعدادًا للحروف يفسر الكتاب بالسورة، ويقدر مضافٌ كما قال: "آيات هذه المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب المبين"، يعني: آيات المؤلف من هذه الحروف، وهو القرآن، كآيات هذه السورة المتحدى به، فأنتم عجزتم عن الإتيان بمثل هذه السورة، فحكم تلك الآيات كذلك. و﴿تِلكَ﴾ على هذه: إشارةٌ إلى القريب إعلامًا ببعد المنزلة والتناهي في الرتبة، وفي الوجه الأول: الإشعار بالتحدي بهذه السورة أيضًا، يعني: هذه السورة من جملة المتحدى به فأتوا بمثلها. قوله: (البخع: أن يلغ بالذبح البخاع- بالباء-)، الموحدة، قال ابن الأثير في "النهاية": بحثت في كتب اللغة والطب والتشريح فلم أجد بخاع بالباء. وفي "الكواشي" وأهل اللغة: النخاع بالنون والخاء والعين. الجوهري: النخاع بضم النون: الخيط الأبيض الذي في جوف الفقار. الواحدي: قال جماعةٌ من المفسرين: باخعٌ نفسك: قاتل نفسك، يقال: بخع الرجل نفسه: إذا قتلها غيظًا من شدة وجده بالشيء. وأنشد الزجاج لذي الرمة:
[ ١١ / ٣١١ ]
أقصى حدّ الذبح، ولعل للإشفاق، يعنى: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إسلام قومك، (أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ): لئلا يؤمنوا، أو لامتناع إيمانهم، أو خيفة أن لا يؤمنوا. وعن قتادة: (باخع نفسك) على الإضافة.
[(إِنْ نَشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ)].
_________________
(١) ـ ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه … بشيءٍ نحته عن يديه المقادر المعنى: ألا أيهذا الذي أهلك الوجد نفسه. وفي "الأساس"، في باب الباء مع الخاء: بخع الشاة: بلغ بذبحها الفقار، ومن المجاز: بخعه الوجد: إذا بلغ منه المجهود، وأنشد بيت ذي الرمة. قوله: (يعني: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرةً على ما فاتك من إسلام قومك)، دل على الأمر بالإشفاق قضية الإنكار، أي: إنك تفعل ذلك فلا تفعل. قال الإمام: لما بين الله تعالى أن الكتاب مبينٌ للأشياء، قال بعده: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ منبهًا على أن الكتاب وإن بلغ في البيان كل غايةٍ فلا مدخل له في إيمانهم، لما سبق أن حكم الله بخلافه، فلا تبالغ في الحزن والأسف، لأنك إن بالغت فيه كنت بمنزلة من يقتل نفسه، ثم لا ينتفع بذلك أصلًا، فصبره وعزاه وعرفه أن غمه لا ينفع، كما أن مجرد وجود الكتاب ووضوحه لا ينفع. قوله: (أو خيفة أن لا يؤمنوا)، إنما قدر الوجهين، لأن قوله: ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ تعليلٌ لقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾، وليس بفعل لفاعل الفعل المعلل، فكان من الظاهر ذكر حرف التعليل، وإنما ترك لأن في "أن" دلالةً عليه لما اطرد حذف الجار منه، أو أنه فعل له على تقدير المضاف، ومن ثم قال: "خيفة أن لا يؤمنوا".
[ ١١ / ٣١٢ ]
أراد: آية ملجئة إلى الإيمان قاصرة عليه. (فَظَلَّتْ) معطوف على الجزاء الذي هو (نُنَزِّلْ)، لأنه لو قيل: أنزلنا، لكان صحيحا. ونظيره: (فَأَصَّدَّقَ وأَكُن) [المنافقون: ١٠]،
_________________
(١) ـ قوله: (آيةً ملجئةً إلى الإيمان)، عن بعضهم: الآية عند أهل السنة غير ملجئةٍ كما قالت المعتزلة، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١]، والآيات من الله ليست بعلةٍ للإيمان، وإنما هي أسبابٌ توجب الاعتبار على سبيل الاختيار، وفيه بحثٌ. قال الواحدي: أعلم الله تعالى أنه لو أراد أن ينزل ما يضطرهم إلى الطاعة لقدر على ذلك. وقال ابن جريج: ولو شاء لأراهم أمرًا من أمره لا يعمل أحدٌ بعده منهم معصية الله. وقال القاضي: "آيةً"، أي: دلالةً ملجئةً إلى الإيمان. قوله: (﴿فَظَلَّتْ﴾ معطوفٌ على الجزاء الذي هو ﴿نُنَزِّلْ﴾)، فالفاء إذن: للتعقيب، والأوجه أن الفاء للسببية، لأن الإنزال سببٌ للخضوع. قوله: (لو قيل: أنزلنا، لكان صحيحًا)، يعني: ﴿فَظَلَّتْ﴾: معطوفٌ على المضارع الذي لو استعمل بدله الماضي لكان صحيحًا، ويمكن أن يقال: إن فائدة وضع ﴿نُنَزِّلْ﴾ موضع "أنزلنا" استحضار صورة إنزال تلك الآية العظيمة الملجئة إلى الإيمان، وحصول خضوع رقابهم عند ذلك في ذهن السامع ليتعجب منه، وإلا لم يصح عطف الماضي على المستقبل بحرف التعقيب، أو جعل الماضي مسببًا عن المستقبل، أو يقال: الأصل "فتظل" فوضع الماضي موضعه ليؤذن بسرعة الانفعال، وأن نزول الآية لقوة سلطانه بمنزلة أن لم يتوقف حصول الخضوع عند وجوده، كفأنه قد مضى يخبر عنه، وإلى هذا المعنى ينظر قوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠].
[ ١١ / ٣١٣ ]
كأنه قيل: أصدق. وقد قرئ: (لو شئنا لأنزَلْنا)، وقرئ: (فتَظل أعناقُهم) فإن قلت: كيف صح مجيء (خَاضِعينَ) خبرا عن الأعناق؟ قلت: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "فتظل")، على فك الإدغام. قال الحريري في "درة الغواص": فك الإدغام ضعيفٌ، لأن العرب استعملت الإدغام طلبًا للخفة، واستثقالًا للنطق بالحرفين المتماثلين، ورأت أن إبراز الإدغام بمنزلة اللفظ المكرر والحديث المعاد، ثم لم تفرق بين الماضي والمستقبل، وتصاريف المصادر وقد يشتمل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] على الإدغام في الفعل الماضي والمستقبل: وهذا الحكم مطردٌ في كل ما جاء من الأفعال المضاعفة على وزن فعل وأفعل وفاعل وافتعل وتفاعل واستفعل، نحو: مد الحبل، وأمد، وماد، وامتد وتماد، واستمد، اللهم إلا أن يتصل به ضمير المرفوع أو يؤمر به جماعة التأنيث، نحو: رددت ورددنا وارددن وامددن، لسكون آخر المتماثلين. وقد جوز الإدغام والإظهار في الأمر للواحد، كقولك: رد واردد، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وفي قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١٣]، فأما ما عدا هذه المواطن فلا يجوز إبراز التضعيف إلا في ضرورة، قال قعنب ابن أم صاحب [في الأفعال]: مهلًا أعاذل قد جربت من خلقي … أني أجود لأقوام وإن ضننوا وقد شذ قولهم: قطط شعره، ومششت الدابة، ولححت عينه، أي: التصقت، وضببت البلد: إذا كثر ضبابه. وصككت من الصكك في القوائم، كل ذلك مما لا يعتد به ولا يقاس عليه.
[ ١١ / ٣١٤ ]
وترك الكلام على أصله، كقوله: ذهبت أهل اليمامة، كأنّ الأهل غير مذكور. أو لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل: (خَاضِعِينَ)، كقوله: (لِي ساجِدِينَ) [وقيل أعناق الناس: رؤساؤهم ومقدّموهم، شبهوا بالأعناق كما قيل لهم الرؤوس والنواصي، والصدور. قال:
في محفل من نواصي النّاس مشهود
_________________
(١) ـ قوله: (وترك الكلام على أصله)، أي: ترك باقي الكلام على أصله، أي: لم يغير، وقيل: ﴿خَاضِعِينَ﴾ خاضعين، وحقه: "خاضعةً". قوله: (كقوله: ذهبت)، أي: أنث الفعل، وأصله مذكرٌ، لأن الأصل في الاستعمال: "ذهبت اليمامة"، والأهل مقحمٌ لبيان الذاهبين، فترك ذهبت على ما كان، وفي أصل السيرافي: النحويون يجعلون: ذهبت بعض أصحابه، وشرقت صدر القناة، مما يجوز في الشعر، وأبو العباس يجيزه في الكلام، واحتج بهذا الوجه في الآية، فكأنه قال: فظلوا لها خاضعين، واعتمدت على أصحاب الأعناق، وكذلك: شرقت صدر القناة، كأنه لم يذكر الصدر، واعتمدت على ما أضيف الصدر إليه. قال أبو البقاء: لما أضيف الأعناق إلى المذكر، وكانت متصلةً بهم في الخلقة، أجرى عليها حكمهم. وقال الكسائي: ﴿خَاضِعِينَ﴾ هو: حالٌ من الضمير المجرور، لا من "الأعناق"، وهذا بعيدٌ في التحقيق، لأنه حينئذٍ جارٍ على غير فاعل "ظلت"، فيفتقر إلى إبراز ضمير الفاعل، وإنما يقال: خاضعين م، وكذا في "الكشف". قوله: (في محفلٍ من نواصي الناس مشهود)، أوله:
[ ١١ / ٣١٥ ]
وقيل: جماعات الناس. يقال: جاءنا عنق من الناس؛ لفوج منهم. وقرئ: (فظلَّتْ أعناقُهم لها خاضعةً).
وعن ابن عباس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية. قال: ستكون لنا عليهم الدولة، فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة، ويلحقهم هوان بعد عزة.
_________________
(١) ـ ومشهدٍ قد كفيت الغائبين به أراد بالمشهد: المجلس، أي: رب مشهدٍ عظيم الشأن تكلمت فيه وخاصمت عن الغيب عنه، وكشفت الغمة، وأتيت بالحجة بقلب ثابت. قوله: (وقيل: جماعات الناس)، الأساس: ومن المجاز: أتاني عنقٌ من الناس، للجماعة المتقدمة، وجاؤوا رسلًا رسلًا، وعنقًا عنقًا، والكلام يأخذ بعضه بأعناق بعض. قال العجاج: حتى بدت أعناق صبح أبلجا ويفهم من تقابل "رسلًا رسلًا"، لقوله: "عنقًا عنقًا": أن في إطلاق الأعناق على الجماعات اعتبار الهيئة المجتمعة، فالمعنى: فظلوا خاضعين مجتمعين على الخضوع، متفقين عليه لا يخرج أحدٌ منهم عنه، كقولك للجماعة: هم يدٌ، وفائدة الوجه الأول، وهو إقحام العنق، تصوير حالة الخضوع إدخالًا للروعة. والوجه الثاني من باب إجراء ما لا يعقل مجرى العقلاء مبالغةً لخضوعهم، فكأنه سرى منهم إليها. والثالث من إطلاق الجزء على الكل، فإن المتكبر إنما يظهر تجبره في عنقه، وليه له، ولهذا سمي الملك بالصيد يقال: ملكٌ أصيد، لا يلتفت من زهوه يمينًا وشمالًا.
[ ١١ / ٣١٦ ]
[(وَما يَأتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَاتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)].
أي: وما يجدد لهم الله بوحيه موعظة وتذكيرا، إلا جددوا إعراضا عنه وكفرا به.
_________________
(١) ـ قوله: (أي: وما يجدد لهم الله بوحيه موعظةً وتذكيرًا، إلا جددوا إعراضًا عنه وكفرًا به)، فإن قلت: هب أن قولهن: ﴿مُحْدَثٍ﴾ يدل على التجدد، لكن قوله: ﴿كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ وقوله: ﴿كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ لا يدل إلا على المضي، فمن أين قال: "إلا جددوا إعراضًا"؟ ولذلك قال الإمام: الآية من تمام قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ﴾، فنبه تعالى أنه مع قدرته على أن يجعلهم مؤمنين بالإلجاء رحيمٌ بهم، حيث يأتيهم بالقرآن حالًا بعد حال، ويكرره عليهم، وهم مع ذلك على جدٍّ واحدٍ في الإعراض والتكذيب والاستهزاء". قلت: المصنف ما اعتبر التجدد والاستمرار من لفظٍ ﴿مُحْدَثٍ﴾، بل من وقوع المضارع مقابلًا للمضي، وهو: ﴿وَمَا يَاتِيهِمْ﴾ كما اعتبروه من وقوع المضارع في حد المضي في قولهم: لو تحسن إلى لشكرت. قال صاحب "المفتاح": قصدوا بـ "تحسن": أن إحسانه مستمر الامتناع فيما مضى وقتًا فوقتًا، وأما لفظة ﴿مُحْدَثٍ﴾، فلتوكيد معنى التجدد والاستمرار فيما يأتيهم. وأما قضية النظم فإن هذه الآية متصلةٌ معنى بقول تعالى: ﴿طسم (١) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، فإنه تعالى أعلم أولًا أنه أنزل هذا الكتاب الكريم في نهايةٍ من الوضوح والبيان، وأنهم ما رفعوا له رأسًا، ثم نبه ثانيًا على أن هذا الكتاب مع وضوح آياته إنما أنزل على سبيل التدرج، ليكون أدخل في التذكير، وأنجع في الاتعاظ به، وهم مع ذلك قابلوا كل حصةٍ منه بتكذيبٍ واستهزاء، كل ذلك تسليةً لحبيبه - ﷺ - لئلا يذهب بنفسه حسرات، ولذلك أوقع قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الآيتين اعتراضًا، يعني: انظر إليهم وإلى ما
[ ١١ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ فعلوا بمثل هذا الكتاب الكريم، وبمنزله، على أنه قادرٌ على أن يقسرهم على الإيمان وهم مهانون خاضعون، فأشفق على نفسك أن تقتلها حسرةً على ما فاتك من إسلامهم. وأنت يا أيها المتأمل في كتاب الله المجيد إذا أمعنت النظر فيما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة وجدته نازلًا تسليةً لقلب الحبيب صلوات الله وسلامه عليه من تكذيب القوم إياه، والطعن فيما أنزل إليه والاستهزاء به، ألا ترى كيف ذيل كل قصةٍ من القصص المذكورة فيها بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾، وجعل كالتخلص إلى قصةٍ أخرى وكالمهتم بشأنه، فيرجع إليه إذا وجد له مجالًا، يعني: لا تتحسر على إصرارهم على الكفر، وتكذيبهم ما أنزلنا عليك، إن ربك عزيزٌ ينتقم منهم، ويرحم عليك بأن يقدر لك من يؤمن بك إن لم يؤمن هؤلاء. ومن ثم قرن معه وقدم عليه كل مرةٍ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وإليه الإشارة بقوله: "لهو العزيز في انتقامه من الكفرة، الرحيم لمن تاب" وأحسن. يعني: لك التأسي بربك مع كبريائه وجلاله، وبالأنبياء ﵈ السالفة، ولذلك بدأ ﷾ بأمر نفسه، وذكر أنه تعالى أنزل عليهم دليل السمع، فأعرضوا وكذبوا واستهزأوا، ونصب لهم الدلائل الظاهرة، وأراهم آياتٍ يفتح بها أعينهم: من إنبات كل صنفٍ بهيج، وما التفتوا ولا رفعوا له رأسًا، ثم فصل ذلك بتلك الفاصلة، وقرنها بتلك القرينة، وثنى بقصة موسى ﵇ وختمها أيضًا بتلك الفاصلة والقرينة، وثلث بقصة الخليل ﵇ وختمها بهما، وهلم جرًا إلى آخر السورة. انظر- أيها المتأمل في كتاب الله المجيد، المستخرج للطائفة من قعر بحره، الملتقط لدرره بغوص فكره- إلى رفعة منزلة سيدنا محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه، ونباهة قدره، كأنه التنزيل بجملته نازلٌ لتسكين بادرته، وتسلي حزنه، وتثبيت خلده، ورباطة جأشه، وتهذيب أخلاقه، وإرشاد أمته، مع مراعاة ألفاظ التلويح والتعريض والرمز، كالمناغاة بين المتحابين، ولله در شيخنا شيخ الإسلام أبي حفص السهر وردي قدس الله تعالى روحه حيث
[ ١١ / ٣١٨ ]
فإن قلت: كيف خولف بين الألفاظ والغرض واحد، وهي: الإعراض والتكذيب والاستهزاء؟ قلت:
إنما خولف بينها لاختلاف الأغراض، كأنه قيل. حين أعرضوا عن الذكر فقد كذبوا به، وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره وصار عرضة للاستهزاء والسخرية، لأنّ من كان قابلا للحق مقبلا عليه، كان مصدقا به لا محالة ولم يظنّ به التكذيب. ومن كان مصدقا به، كان موقرا له. (فَسَيَاتِيهِمْ) وعيد لهم
_________________
(١) ـ قال: بين قوله ﷾: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] وبين قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] مناسبةٌ تشعر بقول أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما: كان خلقه القرآن، وفي رمزٌ غامضٌ وإيماءٌ خفيٌ إلى الأخلاق الربانية، وهو أنها احتشمت الحضرة الإلهية بأن تقول: بأنه صلوات الله عليه وسلامه كان متخلفًا بأخلاق الله تعالى، فعبرت بقولها: "كان خلقه القرآن"، استحياءً من سبحات الجلال، وسترًا للحال بلطف المقال، وهذا من وفور علمها وكمال أدبها، لأن الله تعالى أبرز إلى الخلق أسماء منبئةً عن صفات الكمال، وما أظهرها لهم إلا ليدعوهم إليها، ولولا أنه تعالى أودع في القوى البشرية التخلق بالأخلاق ما أبرزها لهم، لكن يختص برحمته من يشاء. قوله: (والغرض واحدٌ)، وهو دفعه والكفر به، كما قال: إعراضًا عنه وكفرًا به. وتلخيص الجواب: منع ذلك، وأن المراد التدرج من غرضٍ إلى غرضٍ هو المقصود، وتصوير معنى ما صدر منهم من الاستهزاء، وأنه نتيجة التكذيب المسبب عن الإعراض، فالفاء في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ عاطفةٌ كما مر، وفي قولهم: ﴿فَسَيَاتِيهِمْ﴾ سببيةٌ فصيحة، لأن مدخولها وعيدٌ للمستهزئ، والوعيد مسبوقٌ بحصول الاستهزاء، ولذلك قدر: "فقد خف عندهم قدره، وصار عرضةً للاستهزاء والسخرية".
[ ١١ / ٣١٩ ]
وإنذار بأنهم سيعلمون إذا مسهم عذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة (مَا) الشيء الذي كانوا يستهزءون به؛ وهو القرآن، وسيأتيهم أنباؤه وأحواله التي كانت خافية عليهم.
[(أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
وصف الزوج وهو الصنف من النبات بالكرم، والكريم: صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه، يقال: وجه كريم، إذا رضي في حسنه وجماله، وكتاب كريم: مرضىّ في معانيه وفوائده، وقال:
حتّي يشقّ الصّفوف من كرمه
أي: من كونه مرضيا في شجاعته وبأسه، والنبات الكريم: المرضي فيما يتعلق به
_________________
(١) ـ قوله: (حتى يشق الصفوف من كرمه)، أوله: ولا يخيم اللقاء فارسهم قبله: لا يسلمون الغداة جارهم … حتى يزل الشراك عن قدمه أي: إلا إذا مات صاحبه. لا يخيم: لا يجبن، وانتصاب "اللقاء" على حذف "عن" وإيصال الفعل. وقوله: "حتى يشق الصفوف من كرمه"، يريد: إلى أن يشقها كرمًا منه، وأنه لا يرضى بأدنى المنزلتين في اللقاء بنفسه، بل يأتي إلى النهاية في العلو، أي: من كونه مرضيًا في شجاعته وبأسه. وأما قول المصنف: "والكرم صفة ٌ لك ما يرضى ويحمد في بابه"، فبيانٌ للقدر المشترك فيما يطلق عليه اسم الكرم، والقدر المشترك من الاعتبار المجازي. قال في "الأساس": ومن المجاز: كرم السحاب تكريمًا: جاد بمطره، وأرضٌ مكرمةٌ للنبات، إذا جاد نباتها، ولا يكرم الحب حتى يكثر العصف.
[ ١١ / ٣٢٠ ]
من المنافع (إِنَّ فِي) إنبات تلك الأصناف (لَآيَةً) على أن منبتها قادر على إحياء الموتى، وقد علم الله أن أكثرهم مطبوع على قلوبهم، غير مرجوّ إيمانهم (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) في انتقامه من الكفرة (الرَّحِيمُ) لمن تاب وآمن وعمل صالحا. فإن قلت: ما معنى الجمع بين "َكم" و"كُلّ"؟ ولو قيل كم أنبتنا فيها من زوج كريم؟
_________________
(١) ـ قوله: (﴿إِنَّ فِي﴾ إنبات تلك الأصناف: ﴿لَآَيَةً﴾ على أنها منبتها قادرٌ على إحياء الموتى) إشارةٌ إلى بيان النظم، وأن الذكر المحدث المطلق في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ مقيدٌ بقيد إثبات الحشر والنشر، وأن المقدر بعد همزة الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الاستهزاء والتكذيب، وهو المعطوف عليه، أي: أكذبوا بالبعث، ولم يروا إلى الأرض؟ وعليه قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]. قوله: (ما معنى الجمع بين "كم" و"كل"؟ ولو قيل: كم أنبتنا فيها من زوج كريم)، أي: لو قيل لكان كافيًا، وأجاب: أن مقام بيان كمال قدرة الله تعالى يقتضي إيراد ما يستوعب الأصناف كلها مع بيان تكاثرها، ولا يحصل ذلك إلا بالجمع بين كم وكل. ونقل صاحب "الانتصاف" الجواب، ثم قال: فيكون المراد بالتكثير: الأنواع، والظاهر أن المراد به آحاد الأزواج والأنواع، فلو أسقطت "كلًا" وقلت: انظر إلى الأرض كم أنبت الله تعالى فيها من الصنف الفلاني، لكنت مكثرًا آحاد ذلك الصنف، فإذا أدخلت "كل" آذنت بتكثير آحاد كل صنفٍ لا آحاد صنفٍ معين. وقلت: هاهنا صورٌ ثلاث: إحداها: كم أنبتنا فيها من زوج كريم، فالكثرة في آحاد صنف، لا آحاد كل صنف. وثانيتها: أنبتنا فيها كل زوج، فليس فيها إلا استيعاب الأصناف المعلومة. وثالثتها: ما عليه التلاوة، فالكل: لإحاطة جميع الأصناف، وكم: لكثرة أفراد كل صنفٍ من تلك الأصناف،
[ ١١ / ٣٢١ ]
قلت: قد دلّ "كُلِّ" على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و"كَمْ" على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، فهذا معنى الجمع بينهما، وبه نبه على كمال قدرته. فإن قلت: فما معنى وصف الزوج بالكريم؟ قلت: يحتمل معنيين، أحدهما: أن النبات على نوعين: نافع وضارّ، فذكر كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع، وخلى ذكر الضارّ. والثاني: أن يعم جميع النبات نافعة وضارّه، ويصفهما جميعا
_________________
(١) ـ وهو المراد من قوله: فإذا أدخلت "كل" آذنت بتكثير آحاد كل صنف. هذا شرح كلامه، لكن هذا التركيب لا يفيد إلا ما قال المصنف كما سنقرره. وقيل: على ما ذكره المصنف: "من": بيانٌ، والأولى أن يقال: إنها للابتداء، أو للتبعيض، أي: أنبتنا من كل صنفٍ أفرادًا كثيرةً، ونباتاتٍ متعددةً، فيكون إشارةً إلى كثرة الأفراد من كل صنف، و"كل: إشارةٌ على الإحاطة بجميع الأصناف، و"كم": إشارةٌ إلى كثرة الأفراد من أي صنفٍ فرض من هذه الأصناف، ويجوز أن يكون هذا المعنى هو مراد المصنف، وظاهر كلامه يوهم خلافه. وقلت: معنى كلام المصنف: "أن هذا المحيط متكاثرٌ": أن هذا الذي أحاط بأزواج النبات متكاثرٌ، فالمحيط: الكل، والمحاط به: الأصناف والظاهر معه، لأن مدخول "كم" قوله: ﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾، فيلزم تكاثر هذا المجموع، فيدخل فيه آحاد كل صنف، بدليل الخطاب، لكون المقام مقام مبالغة، ولهذا تبعه الإمام، ونقل ألفاظ "الكشاف" بعينها من غير تغيير. وقال القاضي: "كلٌ": لإحاطة الأزواج، و"كم": لكثرتها، فظهر أن فائدة الجمع بين "كم" و"كل": التكميل، إذ لو اقتصر على أحدهما لم يعلم المعنى الآخر، ولهذا قال: "ونبه به على كمال قدرته". قوله: (والثاني: أن يعم جميع النبات نافعه وضاره)، فعلى هذا: الصفة مادحهٌ، وعلى الأول: فارقةٌ.
[ ١١ / ٣٢٢ ]
بالكرم وينبه على أنه ما أنبت شيئا إلا وفيه فائدة، لأنّ الحكيم لا يفعل فعلا إلا لغرض صحيح ولحكمة بالغة، وإن غفل عنها الغافلون، ولم يتوصل إلى معرفتها العاقلون. فإن قلت: فحين ذكر الأزواج ودلّ عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة، وكانت بحيث لا يحصيها إلا عالم الغيب، كيف قال: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً)؟ وهلا قال: آيات؟ قلت: فيه وجهان: أن يكون ذلك مشارا به إلى مصدر (أَنبَتْنَا)، فكأنه قال: إن في الإنبات لآية أىّ آية. وأن يراد: أن في كل واحدة من تلك الأزواج لآية. وقد سبقت لهذا الوجه نظائر.
[(وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ)].
سجل عليهم بالظلم بأن قدّم القوم الظالمين، ثم عطفهم عليهم عطف البيان، كأن معنى القوم الظالمين وترجمته قوم فرعون، وكأنهما عبارتان تعتقبان على مؤدى واحد: إن شاء ذاكرهم عبر عنهم بالقوم الظالمين، وإن شاء عبر بقوم فرعون. وقد استحقوا هذا الاسم من جهتين: من جهة ظلمهم أنفسهم بكفرهم
_________________
(١) ـ قوله: (إلا لغرضٍ صحيح)، وعن بعضهم: الغرض من الغرضة، وهي العقدة، كما سميت الحاجة حاجةً وهي الشوكة، والله تعالى يتعالى عن ذلك، لأنهما ما لم يقضيا تكون عقدةً في قلب الطالب والمحتاج. قوله: وقد سبقت لهذا الوجه نظائر)، ونظيره في هذه السورة قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، أي: كل واحدٍ منا، ومنه قولهم: دخلنا على الأمير فكسانا حلةً، أي: كل واحدٍ منا. قوله: (وقد استحقوا هذا الاسم من جهتين)، يعني: إنما سموا بالظالمين وصار كاللقب لهم، لما عهد منهم ظلمهم أنفسهم ولبني إسرائيل، فجئ بقوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ كشفًا لذلك المعنى، وتشديدًا لذلك الاسم، كما أن الحق إنما يثبت على الغريم بتًا إذا كتب الصك وسجل عليه، وإليه الإشارة بقوله: "سجل عليهم بالظلم".
[ ١١ / ٣٢٣ ]
وشرارتهم، ومن جهة ظلمهم لبني إسرائيل باستعبادهم لهم. قرئ: (ألا يتقون) بكسر النون، بمعنى: ألا يتقوننى فحذفت النون لاجتماع النونين، والياء للاكتفاء بالكسرة. فإن قلت: بم تعلق قوله: (أَلا يَتَّقُونَ)؟ قلت: هو كلام مستأنف أتبعه ﷿ إرساله إليهم للإنذار، والتسجيل عليهم بالظلم، تعجيبا لموسى ﵇ من حالهم التي شنعت في الظلم والعسف، ومن أمنهم العواقب وقله خوفهم وحذرهم
_________________
(١) ـ قوله: (وشرارتهم)، الأساس: طارت من النار شرارةٌ وشررة، وتقول: كان أبوك نار شرارةٍ، وأنت منها شرارةٌ. قوله: (هو كلامٌ مستأنف)، قال أبو البقاء: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ يقرأ بالياء على الاستئناف، وبالتاء على الخطاب، والتقدير: يا قوم فرعون. قوله: (أتبعه الله ﷿ إرساله)، أي: أتبع الله تعالى بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ قوله: ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وهو كلامٌ مشتملٌ على إرسال الله تعالى موسى ﵇ إلى فرعون المسجل بقوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، فقوله: "تعجيبًا": مفعولٌ له لأتبعه، وذلك أنه تعالى لما قال: ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ توطئةً، ثم بينه بقوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ تسجيلًا، ويتم عليهم ذلك المعنى بقوله: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾، فهو كالتتميم للمعنى. وأما معنى التعجيب فكأنه قيل: يا موسى إما انتهى تماديهم في الظلم، وإما بلغ زمان إنذارهم وأوان تخويفهم بأيامي وعقابي فيتقون، ما أعجب حالهم في الظلم! قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال في الغيبة: ائت قوم فرعون قائلًا قولي لهم: ألا يتقون، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]، أي: فقل
[ ١١ / ٣٢٤ ]
من أيام الله. ويحتمل أن يكون "لا يَتَّقُونَ" حالا من الضمير في (الظَّالِمِينَ)، أي: يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال. وأمّا من قرأ: (ألا تتقون) على الخطاب؛ فعلى طريقة الالتفات إليهم، وجبههم، وضرب وجوههم بالإنكار، والغضب عليهم، كما ترى من يشكو من ركب جناية إلى بعض أخصائه والجاني حاضر، فإذا اندفع في الشكاية وحرّ مزاجه وحمى غضبه قطع مباثة صاحبه وأقبل على الجاني يوبخه ويعنف به، ويقول له: ألا تتق الله، ألم تستح من الناس. فإن قلت: فما فائدة هذا الالتفات، والخطاب مع موسى ﵇ في وقت المناجاة، والملتفت إليهم غيب لا يشعرون؟ قلت: إجراء ذلك في تكليم المرسل إليهم في معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم، لأنه مبلغه ومنهيه وناشره بين الناس، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى، وكم من آية أنزلت في شأن الكافرين وفيها أوفر نصيب للمؤمنين، تدبرا لها واعتبارا بموردها. وفي (أَلا يَتَّقُونَ) بالياء وكسر النون
_________________
(١) ـ لهم قولي: إني قريبٌ، أو مبلغًا قولي، وكذا في قراءة كسر النون، وفي الخطاب قائلًا لهم: ألا تتقون، وفي الأوجه: ألا تتقون: منصوب المحل على أنه مفعولٌ، لأنه مقولٌ. قوله: (من أيام الله)، أيام الله تعالى: وقائعه ممن مضى من الأمم، كقولهم: أيام العرب لوقائعهم، واليوم يعبر به عن الشدة. قوله: (وجبههم)، الأساس: جبهته: ضربت جبهته، ومن المجاز: جبهته: لقيته بما يكره، ولقيت منه جبهةً، أي: مذلةً وأذى، وأنشد بعضهم: حييت عنها أيها الوجه … ولغيرك الشحناء والجبه قوله: (أخصائه)، قيل: هو جمع "خصيص"، أي المخصوص. قوله: (وكم من آية أنزلت في شأن الكافرين وفيها أوفر نصيبٍ للمؤمنين)، الأول من عبارة النص، والثاني من إشارته.
[ ١١ / ٣٢٥ ]
وجه آخر، وهو أن يكون المعنى: ألا يا ناس اتقون، كقوله: (أَلَّا يَسْجُدُوا) [النمل: ٢٥].
[(قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ* وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ)].
و(يَضِيقُ) و(يَنطَلِقُ) بالرفع لأنهما معطوفان على خبر "إنّ"، وبالنصب لعطفهما على صلة (أن).
والفرق بينهما في المعنى: أنّ الرفع يفيد أنّ فيه ثلاث علل:
_________________
(١) ـ قوله: (ألا يا ناس اتقون)، هذا من باب حذف المنادى، وحق الكناية هكذا: ألا يا اتقون، وألا يا اسجدوا، ولكن في الإمام كتبا متصلين، ونحوه قول الشاعر: ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى … ولا زال منهلًا بجر عائك القطر أي: ألا يا دار، فحذف المنادى. قوله: (وبالنصب)، قال القاضي: قرأ يعقوب: "يضيق"، "ولا ينطلق"، بالنصب. قوله: (أن الرفع يفيد أن فيه ثلاث علل)، قال القاضي: رتب استدعاء ضم أخيه إليه وإشراكه له في الأمر في الأمر على الأمور الثلاثة: خوف التكذيب، وضيق القلب انفعالًا عنه، وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق، لأنها إذا اجتمعت مست الحاجة إلى معين يقوي قلبه، وينوب منابه، حتى لا تختل دعوته ولا تنبتر حجته.
[ ١١ / ٣٢٦ ]
خوف التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، والنصب على أنّ خوفه متعلق بهذه الثلاثة. فإن قلت: في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة، وفي جملتها نفي انطلاق اللسان. وحقيقة الخوف إنما هي غم يلحق الإنسان لأمر سيقع، وذلك كان واقعا، فكيف جاز تعليق الخوف به؟ قلت: قد علق الخوف بتكذيبهم وبما يحصل له بسببه من ضيق الصدر، والحبسة في اللسان زائدة على ما كان به، على أنّ تلك الحبسة التي كانت به قد زالت بدعوته. وقيل: بقيت منها بقية يسيرة. فإن قلت: اعتذارك هذا يردّه الرفع، لأنّ المعنى: إنى خائف ضيق الصدر غير منطلق اللسان. قلت: يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة واستجابتها، ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي بقي به، ويجوز أن لا يكون مع حل العقدة من لسانه من الفصحاء المصاقع الذين
_________________
(١) ـ قوله: (على أن تلك الحبسة التي كانت به قد زالت بدعوتة)، يعني بقوله ﵇: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧]، والحاصل أن المتوقع زيادة الحبسة على تقدير بقائها، أو معاودتها على تقدير زوالها إن زالت بالكلية ولو بقيت منها بقيةٌ. قوله: (اعتذارك هذا يرده الرفع)، يعني: قد أجبت أنا ما يخاف عليه يجب أن يكون متوقعًا، لا واقعًا، وأن المراد بالحبسة: الزائدة الطارئة، أو معاودة الزائل، هذا على تقدير النصب صحيحٌ، لأن "يضيق"، "ولا ينطلق": معطوفان على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، وأما على قراءة الرفع فلا، لأنهما معطوفان على "أخاف"، فلم يكونا متوقعين، لأن الخوف غير مسلطٍ عليهما، فيلزم الوقوع كالخوف، وأن المعنى: إني خائفٌ ضيق الصدر، وإني غير منطلق اللسان، والواجب اتفاق القراءتين في أصل المعنى. وأجاب بما يجمع القراءتين في المعنى، وذلك أن قراءة الرفع مبنيةٌ على أن هذه القول كائنٌ قبل أن يقول: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧] وقراءة النصب على أنه بعده، فاختلاف الزمانين دافعٌ للتناقض الواقع بين القراءتين، وفيه بحثٌ، فالمختار هي القراءة بالرفع التي عليها الجمهور. قوله: (المصاقع)، الأساس: صقع الديك، وخطيبٌ مصقع، مجهرٌ في خطبته، وقيل: المصقع: الخطيب البليغ، كأنه يقصد كل صقع من الكلام، أي: كل ناحية.
[ ١١ / ٣٢٧ ]
أوتوا سلاطة الألسنة وبسطة المقال، وهارون كان بتلك الصفة، فأراد أن يقرن به. ويدل عليه قوله ﷿: (وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا) [القصص: ٣٤]. ومعنى: (فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ): أرسل إليه جبرائيل، واجعله نبيا، وآزرنى به، واشدد به عضدي، وهذا كلام مختصر. وقد بسطه في غير هذا الموضع، وقد أحسن في الاختصار حيث قال: (فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ)، فجاء بما يتضمن معنى الاستنباء، ومثله في تقصير الطويلة والحسن قوله تعالى: (فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا) [الفرقان: ٣٦]؛ حيث اقتصر على ذكر طرفي القصة أوّلها وآخرها، وهما الإنذار والتدمير، ودلّ بذكرهما على ما هو الغرض من القصة الطويلة كلها، وهو أنهم قوم كذبوا بآيات الله، فأراد إلزام الحجة عليهم، فبعث إليهم رسولين فكذبوهما، فأهلكهم. فإن قلت: كيف ساغ لموسى ﵇ أن يأمره الله بأمر فلا يتقبله بسمع وطاعة من غير توقف وتشبث بعلل، وقد علم أن الله من ورائه؟ قلت: قد امتثل وتقبل، ولكنه التمس من ربه أن بعضده بأخيه
_________________
(١) ـ قوله: (سلاطة الألسنة)، الأساس: امرأةٌ سليطةٌ: طويلة اللسان صخابةٌ، ورجلٌ سليطٌ، وقد سلط سلاطةً، وقيل: رجلٌ سليطٌ، أي: فصيحٌ حديد اللسان. قوله: (وقد بسطه في غير هذا الموضع) منه: في طه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣٢]. قوله: (بما يتضمن)، وهو الإرسال، لأن ما تثبت به النبوة هنا إرسال الملك. قوله: (وقد علم أن الله تعالى من ورائه)، قال في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]: "هذا مثلٌ، لأنهم لا يفوتونه كما لا يفوت فائتٌ الشيء المحيط به"، والمعنى: كيف ساغ له التوقر والتعلل، وقد علم أن سلطان الله وقهره مانعٌ لذلك، وأنه تحت قهره لا يفوته أحدٌ؟ وقوله: "وقد علم أن الله تعالى": حالٌ مقررةٌ لجهة الإشكال. قوله: (قد امتثل وتقبل، ولكنه التمس من ربه ﷿ أن يعضده بأخيه)، قال الإمام:
[ ١١ / ٣٢٨ ]
حتى يتعاونا على تنفيذ أمره وتبليغ رسالته. فمهد قبل التماسه عذره فيما التمسه، ثم التمس بعد ذلك، وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ الأمر ليس بتوقف في امتثال الأمر، ولا بتعلل فيه، وكفى بطلب العون دليلا على التقبل لا على التعلل.
[(وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ)].
أراد بالذنب: قتله القبطي. وقيل: كان خباز فرعون واسمه فاتون. يعني: ولهم علي تبعة ذنب، وهي قود ذلك القتل، فأخاف أن يقتلوني به، فحذف المضاف. أو سمى تبعة الذنب ذنبا، كما سمي جزاء السيئة سيئة. فإن قلت: قد أبيت أن تكون تلك الثلاث عللا، وجعلتها تمهيدا للعذر فيما التمسه، فما قولك في هذه الرابعة؟ قلت: هذه استدفاع للبلية المتوقعة. وفرق من أن يقتل قبل أداء الرسالة، فكيف يكون
_________________
(١) ـ ليس في التماس موسى ﵇ ما يدل على أنه استعفى من الذهاب، بل مقصود فيه أن يقع ذلك الذهاب على أقوى الوجوه في الوصول إلى المراد، واختلفوا فقال بعضهم: إنه وإن كان نبيًا فهو غير عالم بأنه يبقى حتى يؤدي الرسالة، وأنه إنما أمر بذلك بشرط التمكين، والأقرب أن الأنبياء ﵈ يعلمون إذا حملهم الله تعالى على أداء الرسالة أنه يمكنهم منه، وأنهم سيبقون إلى ذلك الوقت. قوله: (حتى يتعاونا في تنفيذ أمره)، وأنشد في معناه: فقلت ادعي وأدع فإن أندى … لصوتٍ أن ينادي داعياني قوله: (تبعه ذنب)، التبعة والتباعة: حقٌ يجب للمظلوم قبل الظالم، يقال: لي قبل فلانٍ تبعةٌ وتباعةٌ، أي: ظلامةٌ. النهاية: التبعة، ما يتبع المال من نوائب الحقوق، وهو من تبعت الرجل بحقي.
[ ١١ / ٣٢٩ ]
تعللا. والدليل عليه ما جاء بعده من كلمة الردع، والموعد بالكلاءة والدفع.
[(قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ* فَاتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ* أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ* قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ* وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ* قالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ* فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ*وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ)].
جمع الله له الاستجابتين معا في قوله: (كَلَّا فَاذْهَبا)؛ لأنه استدفعه بلاءهم فوعده الدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه الموازرة بأخيه فأجابه بقوله فَاذْهَبا، أي: اذهب أنت والذي طلبته وهو هارون. فإن قلت: علام عطف قوله: (فَاذْهَبا)؟ قلت: على الفعل الذي يدل عليه (كَلَّا)، كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظنّ، فاذهب أنت وهارون. وقوله: (مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) من مجاز الكلام، يريد: أنا لكما ولعدوّكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجرى بينكما وبينه. فأظهركما وأغلبكما وأكسر شوكته عنكما وأنكسه. ويجوز أن يكونا خبرين لأنّ، أو يكون (مُسْتَمِعُونَ) مستقرا، و(مَعَكُمْ) لغوا. فإن قلت: لم جعلت (مُسْتَمِعُونَ) قرينة (مَعَكُمْ) في
_________________
(١) ـ قوله: (من مجاز الكلام)، أي: الاستعارة، بدليل قوله: كالناصر الظهير، حيث صرح بأداة التشبيه، وقد عرفت أن الاستعارة مجازٌ والعلاقة فيها: التشبيه. قوله: (ويجوز أن يكونا خبرين)، إلى آخره، وعلى الأول: كان ﴿مَعَكُمْ﴾ حالًا من ضمير ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، أي: مستمعون مشبهين بالناصر والظهير، والمراد بقوله: "مستقرًا" أنه خبر "إن"، و﴿مَعَكُمْ﴾ متعلقٌ به قدم عليه. قوله: (لم جعلت ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ قرينة ﴿مَعَكُمْ﴾؟)، أي: مقارنًا له في جعله مجازًا، أي: استعارة تمثيلية.
[ ١١ / ٣٣٠ ]
كونه من باب المجاز، والله تعالى يوصف على الحقيقة بأنه سميع وسامع؟ قلت: ولكن لا يوصف بالمستمع على الحقيقة، لأنّ الاستماع جار مجرى الإصغاء، والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية. ومنه قوله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا) [الجن: ١]، ويقال: استمع إلى حديثه، وسمع حديثه، أي:
_________________
(١) ـ قوله: (لأن الاستماع جارٍ مجرى الإصغاء)، فيه نظرٌ، لأن السمع في الحقيقة: إدراكٌ بحاسة السمع، وهو أيضًا مما لا يجوز على الله تعالى حقيقةً. ولما استعمل هذا في مطلق الإدراك كذلك ذلك، وعليه كلام القاضي: الاستماع: الذي بمعنى الإصغاء عبارةٌ عن السمع الذي هو لمطلق إدراك الحروف والأصوات. نعم، لو لم يأت بالتعليل كان يحتمل كلامه أولًا أن السامع والسميع مما أذن فيهما الإطلاق على الله تعالى، وورد في أسمائه الحسنى فجريا لذلك مجرى الحقيقة في مطلق الإدراك، بخلاف المستمع الذي يعطيه معنى ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾. قال الإمام في "لوامع البينات": لفظ السامع والسميع موضوعٌ في اللغة لهذا الانكشاف والتجلي، فلما وردا في حق الله تعالى اعتقدنا بثبوت جنس هذا الانكشاف، لا نوعٍ منه، لأن الانكشافات الحاصلة لله تعالى بالنسبة إلى انكشافات العبيد كنسبة ذاته المقدسةً إلى ذواتهم، ولما كان لا مشاركة بين الذاتين إلا في الاسم، فكذا القول في الانكشافين. والعمدة أن الحاصل عند عقول الخلق من معاني صفات الله تعالى خيالاتٌ ضعيفةٌ، ورسومٌ خفيةٌ، جلت صفاته عن مشابهة صفات المحدثات، وتقدست صمديته عن مناسبة الممكنات. قوله: (والاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية)، يعني: كما أن النظر تقليب الحدقة نحو المرئي التماسًا لرؤيته، كذلك الاستماع: استعمال حاسة السمع نحو المسموع التماسًا لسماعه، كالإصغاء، والله أعلم.
[ ١١ / ٣٣١ ]
أصغى إليه وأدركه بحاسة السمع. ومنه قوله ﷺ: «من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صبّ في أذنيه البرم». فإن قلت: هلا ثني الرسول كما ثني في قوله: (إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ) [طه: ٤٧]؟ قلت: الرسول يكون بمعنى المرسل، وبمعنى الرسالة، فجعل ثم بمعنى المرسل فلم يكن بدّ من تثنيته، وجعل هاهنا بمعنى الرسالة فجاز التسوية فيه - إذا وصف به - بين الواحد والتثنية والجمع، كما يفعل بالصفة بالمصادر، نحو: صوم، وزور. قال:
ألكنى إليها وخير الرّسو … ل أعلمهم بنواحي الخبر
فجعله للجماعة. والشاهد في الرسول بمعنى الرسالة قوله:
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم … بسر ولا أرسلتهم برسول
_________________
(١) ـ قوله: (البرم)، ذكر صاحب "النهاية" الحديث، ثم قال: البرم: هو الكحل المذاب. قوله: (وزور)، النهاية: الزور: الزائر، والأصل مصدرٌ وضع موضع الاسم، كصوم ونومٍ بمعنى صائم ونائم، وقد يكون الزور جمع زائرٍ كراكبٍ وركب. وفي نسخةٍ بدل "البرم": الآنك. وفسر بالبرم والمتبرم، ويروى الحديث بالثلاث، وهذه الصيغة صيغة الجمع كالأبحر، وصيغة الفرد شاذٌ فيه كالأسد والسرب، عجمة الآنك. قوله: (ألكني) البيت، ألكني: أرسلني، والألوك: الرسالة، وقيل: تحمل رسالتي إليه وقيل: اجعلني رسولًا، والرسول فيه بمعنى الرسل لإضافة خبرٍ إليهم، ولقوله: أعلمهم. قوله: (لقد كذب الواشون) البيت، قبله لكثير:
[ ١١ / ٣٣٢ ]
ويجوز أن يوحد، لأنّ حكمهما لتساندهما واتفاقهما على شريعة واحدة، واتحادهما لذلك وللإخوة كان حكما واحدا، فكأنهما رسول واحد. أو أريد أنّ كل واحد منا (أَنْ أَرْسِلْ) بمعنى: أي أرسل، لتضمن الرسول معنى الإرسال. وتقول: أرسلت إليك أن افعل كذا، لما في الإرسال من معنى القول، كما في المناداة والكتابة ونحو ذلك. ومعنى هذا الإرسال: التخلية والإطلاق كقولك: أرسل البازي، يريد: خلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين، وكانت مسكنهما. ويروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إنّ هاهنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال:
_________________
(١) ـ حلفت برب الراقصات إلى منى … خلال الملا يمددن كل جديل بعده: فلا تعجلي يا عز أن تتفهمي … بنصح أتى الواشون أم بحبول الحبول: جمع حبل. الأساس: ومن المجاز: رقص البعير رقصًا ورقصانًا: خب، وأرقصوا في سيرهم وترقصوا: ارتفعوا وانخفضوا، خلال الملا: وسط الناس، والجديل: الحبل المفتول والزمام المجدول. "ما" في قوله: "ما فهمت": نافيةٌ، يقال: ما فهمت بكلمة، أي: ما تكلمت. في الاستشهاد بقوله: " ولا أرسلتهم برسول" نظرٌ، لأنه يحتمل أن يكون بمعنى المرسل. قوله: (ويروى: أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما)، إلى قوله: "فعرف موسى ﵇ فقال له: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾: "بيانٌ لوجه اتصال قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ بقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ولما يحتاج إليه من المقدرات ليتصل صدر هذه الآية بعجز تلك. والعجب أن قول المؤلف: "فأديا إليه الرسالة" بعد قوله: "فقال: ائذن له" من هذا الباب، لكون التقدير: فذهب البواب إليهما فأذن لهما بالدخول، فدخلا. لكن في كلام المصنف فاءً فصيحةً.
[ ١١ / ٣٣٣ ]
ائذن له لعلنا نضحك منه، فأدّيا إليه الرسالة، فعرف موسى فقال له: (أَلَمْ نُرَبِّكَ)؟ حذف: فأتيا فرعون فقالا له ذلك، لأنه معلوم لا يشتبه. وهذا النوع من الاختصار كثير في التنزيل. الوليد: الصبي لقرب عهده من الولادة. وفي رواية عن أبي عمرو: (من عمرك)، بسكون الميم. (سِنِينَ) قيل: مكث عندهم ثلاثين سنة. وقيل: وكز القبطي وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وفرّ منهم على أثرها، والله أعلم بصحيح ذلك.
وعن الشعبي: (فِعْلَتَك) بالكسر، وهي قتلة القبطي، لأنه قتله بالوكزة؛ وهو ضرب من القتل. وأما الفعلة، فلأنها كانت وكزة واحدة. عدّد عليه نعمته من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال، ووبخه بما جرى على يده من قتل خبازه، وعظم ذلك وفظعه بقوله: (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) يجوز أن يكون حالا، أي: قتلته وأنت لذاك من الكافرين بنعمتي. أو: وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة. وقد افترى عليه أو جهل أمره، لأنه كان يعايشهم بالتقية، فإنّ الله عز وعلا عاصم من يريد
_________________
(١) ـ قوله: (وعظم ذلك وفظعه بقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾، الانتصاف: وجه تفظيعه أنه أتى به مجملًا إيذانًا بأنه لفظاعته لا ينطق به، كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]. قوله: (وقد افترى عليه أو جهل أمره)، يتعلق بقوله: "أو أنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة"، أي: قال: فرعون ذلك القول، وقد افترى، المعنى: كنت مثلهم حينئذٍ، وفي دينهم، وداخلًا في زمرتهم، كأنه قال: وكنت منا، ومن ديننا. وقوله: "فإن الله عاصم"، تعليلٌ لنسبة اللعين إلى الافتراء وتجهيله. قوله: (بالتقية)، النهاية: التقية والتقاة بمعنى، وهو أن يتقي الرجل الناس، ويرى الصلح والاتفاق، والباطن بخلاف ذلك، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، أي: يوافقهم ظاهرًا، ويخالفهم
[ ١١ / ٣٣٤ ]
أن يستنبئه من كل كبيرة ومن بعض الصغائر، فما بال الكفر. ويجوز أن يكون قوله: (وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) حكما عليه بأنه من الكافرين بالنعم، ومن كانت عادته كفران النعم لم يكن قتل خواص المنعم عليه بدعا منه. أو بأنه من الكافرين بفرعون وإلهيته. أو من الذين كانوا يكفرون في دينهم، فقد كانت لهم آلهة يعبدونهم، يشهد لذلك قوله تعالى: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) [الأعراف: ١٢٧]، وقرئ: (وإلهتَك)، فأجابه موسى صلوات الله عليه بأن تلك الفعلة إنما فرطت منه وهو (مِنَ الضَّالِّينَ)
_________________
(١) ـ باطنًا، ومنه قولهم: كن وسطًا وامش جانبًا. قوله: (ومن بعض الصغائر)، وهو ما ينفر، كالكذب والتطفيف، وفيه خلافٌ سيجيء في النمل إن شاء الله تعالى. قوله: (ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حكمًا عليه بأنه من الكافرين بالنعم)، فعلى هذا: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ اعتراضٌ أو تذييلٌ، يدل عليه قوله: "ومن كانت عادته كفران النعم لم يكن قتل خواص المنعم عليه بدعًا منه"، كما سبق في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١]، وقوله: "أو بأنه من الكافرين" أيضًا على الاعتراض، فالكافرون في الآية يجوز أن يفسر بالكفران الذي هو في إزاء النعمة والمقابل للشكر، وأن يفسر بالذي هو مقابلٌ للإيمان، والحاصل أن قوله: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ إما: حالٌ، أو: تذييلٌ، والكفر على الوجهين ففيه الأوجه المذكورة في الكتاب". قوله: (فقد كانت لهم آلهةٌ يعبدونهم)، متفرعٌ على معنى الكفر بهذا التأويل، أي: يجوز استعمال لفظ الكفر من كل من تدين بدينٍ، ويعبد معبودًا، سواءٌ كان حقًا أو باطلًا فيمن يخالف نحلته، أي: أنت من الكافرين بمعبودنا، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
[ ١١ / ٣٣٥ ]
أي: الجاهلين. وقراءة ابن مسعود ﵁: (من الجاهلين) مفسرة. والمعنى: من الفاعلين فعل أولي الجهل والسفه. كما قال يوسف لإخوته: (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ) [يوسف: ٨٩]؛ أو المخطئين كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل. أو الذاهبين عن الصواب. أو الناسين، من قوله: (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) [البقرة: ٢٨٢]. وكذب فرعون ودفع الوصف بالكفر عن نفسه، وبرّأ ساحته، بأن وضع (الضَّالِّينَ) موضع (الْكَافِرِينَ)؛ ربئًا بمحل من رشح للنبوّة عن تلك الصفة، ثم كرّ على امتنانه عليه بالتربية، فأبطله من أصله واستأصله من سنخه، وأبى أن تسمى نعمته إلا نقمة. حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل؛ لأنّ تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه
_________________
(١) ـ قوله: (أو الذاهبين عن الصواب)، عطفٌ على قوله: "أي: الجاهلين". قوله: (أو الناسين، من قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يعني: جاء الضلال بمعنى النسيان كما في هذه الآية، لأن التذكير لا يكون إلا بعد النسيان لا الضلال الحقيقي. قوله: (ربئًا بمحل من رشح للنبوة)، ربأت بنفسي عن عمل كذا، وإني لأربأ بك عن هذا الأمر، أي: أرفعك عنه ولا أرضاه لك، ومن المجاز: هو مرشحٌ للخلافة، وأصله ترشيح الظبية ولدها لتعوده المشي فترشح، وقد رشح: إذا مشى، وأمه مرشحٌ، وأرشحت، كما يقال: مشدن وأشدنت، ورشح فلانٌ لأمر كذا وترشح له: كل ذلك في "الأساس". وعن بعضهم: يقال: فلانٌ يرشح للوز ارة: أي يربى ويؤهل لها، من ترشيح الأم ولدها: تقليل اللبن، وهو أن تجعله في فيه إلى أن يقوى على المص. قوله: (من سنخه)، أي: من أصله. الجوهري: وأسناخ الأسنان: أصولها، صح "سنخٌ" بكسر السين عن تصحيح الصغاني، بكسر السين عن تصحيح الصغاني، وإنما قال: "سنخه"، لأن قوله: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا﴾ متضمنٌ لإبطال امتنانه، كما سنقرره إن شاء الله تعالى.
[ ١١ / ٣٣٦ ]
إذا حققت، وتعبيدهم: تذليلهم واتخاذهم عبيدا. يقال: عبدت الرجل وأعبدته، إذا اتخذته عبدا. قال:
علا م يعبدني قومي وقد كثرت … فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان
فإن قلت: "إذن" جواب وجزاء معا، والكلام وقع جوابا لفرعون، فكيف وقع جزاء قلت:
قول فرعون: (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ) فيه معنى: إنك جازيت نعمتي
_________________
(١) ـ قوله: (إذا حققت)، أي: إذا حققت التربية والمنة التي امتن بها فرعون على موسى ﵇، كانت تعبيد بني إسرائيل نقمةً لا نعمةً، فهو من تعكيس الكلام، ويروى: "حققت" بفتح التاء، أي: إذا حققت النظر أيها المخاطب. قوله: (قول فرعون: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾) إلى آخره، قيل: هذا الجواب لا يلائم قوله: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾، لأنه يدل على أنه اعترف أنه فعل ذلك جاهلًا أو ناسيًا، لكن المعنى: لما قال: جازيت نعمتي بما فعلت، أجا به بأن تلك صادرةٌ من الجهل والنسيان لا من العلم والقصد، وكنت إذ ذاك جاهلًا، فخفت ففررت، فوهب الله تعالى النبوة، والآن أنا نبيٌ بخلاف ما كنت. وقلت: فإذن ﴿إِذًا﴾ جوابٌ وعذرٌ فأين الجزاء؟ وجواب المصنف موقوفٌ على معرفة أصولٍ خمسة: النحو، والمعاني، والبيان، والبديع، والأصول. أما النحو فإن "إذن" موضوعٌ على أن يكون جوابًا وجزاءً معًا، فيجب أن يكون مدخوله مما يصح أن يكون مسببًا عن معنى القول السابق، نحو قولك: إذن أكرمك لمن قال: أنا آتيك، فإن إكرامك مسببٌ عن إتيانه. فهاهنا الجواب ظاهرٌ، لكن الجزاء على أن يكون هذا الكلام مسببًا عن كلام فرعون خفيٌ، فلابد من بيانه. فالتقدير: إن كان الأمر كما زعمت أنك أنعمت علي، ولم تكن تلك النعمة إلا تعبيدك بني إسرائيل، فأنا جازيتك أيضًا بتلك المجازاة، وهي قتل القبطي، وإليه أشار بقوله: "لأن نعمته كانت عنده جديرةً بأن تجازى
[ ١١ / ٣٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ بنحو ذلك الجزاء". ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦]، قال بعضهم: تقديره: إن كان الأمر على ما تصفون بأنا خنا، إنا إذن لمن الآثمين. وأما المعاني، فإن عطف قوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ على الكلام السابق من باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] على رأي صاحب "المفتاح": كان اللعين أخبر عن حصول تربيته له ﵇، وعن حصول جزائه ﵇ عن تلك التربية. وأما البيان فإن هذا الترتيب على أسلوب قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، يعني: وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر، وإليه الإشارة بقوله: "إنك جازيت نعمتي بما فعلت". وأما الأصول فإن الجواب مبني على قاعدة القول بالموجب، وهو تسليم مقتضى قول المستدل مع بقاء الخلاف، فإن الكليم ﵇ قرر ما جعله اللعين جزاءً لفعله، حيث قال: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾، فلما قرر ما جعله اللعين جزاءً لفعله أتى بقوله: ﴿إِذًا﴾، هذا معنى جواب المصنف عن السؤال. ثم علق بالجواب ما قلعه من سنخه بقوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وإليه الإشارة بقوله: "ثم كر على امتنانه عليه بالتربية فأبطله". وأما البديع فإن وضع قوله: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ موضع الكافرين كالتتميم صونًا عن إبهام تصور ما ينافي النبوة من الكفر، وإليه الإشارة بقوله: "ودفع الوصف بالكفر عن نفسه بأن وضع الضالين موضع الكافرين، ربئًا بمحل من رشح للنبوة"، وهذا لما شارك التتميم
[ ١١ / ٣٣٨ ]
بما فعلت، فقال له موسى: نعم فعلتها مجازيا لك، تسليما لقوله، لأنّ نعمته كانت عنده جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء. فإن قلت: لم جمع الضمير في (مِنكُمْ) و(خِفْتُكُمْ) مع إفراده في (تَمُنُّهَا) و(عَبَّدتَّ)؟ قلت: الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله، بدليل قوله: (إِنَّ الْمَلَأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) [القصص: ٢٠] وأما الامتنان فمنه وحده، وكذلك التعبيد.
فإن قلت: "تِلْكَ" إشارة إلى ماذا، و(أَنْ عَبَّدْتَ) ما محلها من الإعراب؟ قلت: (تِلْكَ) إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة، لا يدرى ما هي إلا بتفسيرها.
_________________
(١) ـ في إرادة الصيانة قلنا: هو كالتتميم، لأن التتميم هو: تقييد الكلام بتابع يفيد مبالغةً، أو صيانةً عن احتمال المكروه. قال أبو الطيب: وتحتقر الدنيا احتقار مجربٍ … يرى كل ما فيها- وحاشاك- فانيا وتحريره: أنه لما قال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ وأتى بهمزة التقرير على سبيل التوبيخ، ورتب عليه قوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ كما قررناه، أي: إني ربيتك، وأحسنت إليك لتفعل ما تقر به عيني، وتشكر إحساني إليك، لما تقرر في النفوس أن شكر المنعم واجب، فعكست القضية وقابلتها بالكفران؟ أجاب ﵇ بقوله: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾، يعني: سلمت أن شكر المنعم واجبٌ، وأني عكست المجازاة، لكن أين النعمة؟ فإن تلك التربية التي مننت بها علي كانت مسببةً عن تعبيد قومي، فهي جديرةٌ بأن تجازى بتلك المجازاة، وإليه الإشارة بقوله: "نعم، فعلتها مجازيًا لك، تسليمًا لقوله: لأن نعمته عنده كانت جديرةً بأن تجازى بذلك الجزاء"، والله تعالى أعلم. قوله: (﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى خصلةٍ شنعاء مبهمة)، يعني: تصور نبي الله ﵇ قوله: ﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أنها نقمةٌ، فتكون خصلةً شنعاء، فأشار إليها، وجعلها مبتدأ، وأخبر عنها، ثم بين عنها كما تقول: هذا أخوك، فلا يكون هذا إشارةً إلى غير الأخ.
[ ١١ / ٣٣٩ ]
ومحل (أَنْ عَبَّدْتَ) الرفع؛ عطف بيان لـ (تِلْكَ)، ونظيره قوله تعالى: (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ) [الحجر: ٦٦]. والمعنى: تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي! وقال الزجاج: ويجوز أن يكون (أَنْ) في موضع نصب، المعنى: إنما صارت نعمة علىّ لأن عبدت بني إسرائيل، أي: لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم.
[(قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ)].
لما قال له بوّابه: إن هاهنا من يزعم أنه رسول رب العالمين قال له عند دخوله: (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ)؟
_________________
(١) ـ قوله: (ومحل ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ الرفع، عطف بيانٍ لـ ﴿تِلْكَ﴾)، فالتقدير: تعبيدك بني إسرائيل نعمةٌ تمنها علي، يعني: تمن علي بتربيتك إياي، وفي الحقيقة تعبيد بني إسرائيل أدى إلى تربيتي، وكان امتنانك علي بقولك: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ امتنانًا علي بتعبيد بني إسرائيل، فأطلق السبب، وأريد المسبب إيجازًا، وإليه الإشارة بقوله: "لأن تعبيدهم، وقصدهم بذبح أبنائهم، هو السبب في حصوله عنده". قال محيي السنة: الكلام متضمن للإنكار، أي: كيف تمن علي بالتربية وقد عبدت قومي؟ ومن أهين قومه ذل، فتعبيدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إلي. قوله: (ويجوز أن يكون ﴿أَنْ﴾ في موضع نصب)، فالمشار إليه حينئذٍ معنى قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾، والإخبار على ظاهره، وإليه الإشارة بقوله: "لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي". قوله: (لما قال له بوابه: إن هاهنا من يزعم أنه رسول رب العالمين، قال له عند ذلك: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟)، قلت: هذا نظمٌ مختلٌ لسبق المقاولة بينهم، كما أشار إليه:
[ ١١ / ٣٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ "فأديا الرسالة، فعرف موسى ﵇، فقالا له ذلك"، أي: إنا رسول رب العالمين، فأرسل معنا بني إسرائيل. وقال الإمام: لم يقل لموسى ﵇: وما رب العالمين؟ إلا وقد دعاه إلى طاعة رب العالمين، يبين ذلك ما تقدم من قوله تعالى: ﴿فَاتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تم كلامه. والنظم يساعد عليه، لأنه تعالى لما أمرهما بقوله: ﴿فَاتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لابد أن يكونا ممتثلين مؤديين لتلك الرسالة بعينها عند اللعين، وعند ذلك أنكر اللعين ذلك الكلام مفصلًا، رد أولًا صدر الكلام، وكونهما رسولين بقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ إلى آخره. وثانيا بقوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ولذلك جيء بالواو العاطفة، وكرر ﴿قَالَ﴾ للطول، فكأنه قال: أأنت الرسول؟ وما رب العالمين؟ وتقرير الأول: ألم نعرفك؟ أما كنت عندنا رضيعًا صغيرًا ونحن ربيناك سنين كالأولاد، وعرفناك أيضًا كافر النعمة، حيث جازيت تلك النعمة بقتل بعض خدمنا، فمن أين أنت والرسالة؟ فأنكر نبوته بتحقير شأنه وكفرانه النعمة، فإنه من رذائل الأخلاق، وأدمج فيه معنى الامتنان، وأجابه به موسى ﵇ بقوله: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ الآية، مسلمًا مقتضاه، ومثبتًا رسالته، ومبطلًا إنعامه، يعني: هب أني كنت كما تقول: صبيًا رضيعًا عندكم، قاتلًا للنفس، وذلك كيف يقدح في دعوى رسالتي، لأن الله تعالى فاعلٌ مختارٌ يختص برسالته من يشاء من غير استحقاقٍ منه، فاختارني للرسالة، ووهب لي حكمًا. فوزان هذه الآية وزان قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، يعني: إني كنت غير عالم بالشرائع، وطريقة السمع، فوهب لي معرفة الأحكام، وجعلني مرسلًا، ثم كر إلى جواب ما أدمج اللعين في الاعتراض من الامتنان قائلًا: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، فأبلطه من أصلها تبريًا من تلك الرذيلة التي نسبها إليه من كفران النعم،
[ ١١ / ٣٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وفيه أن كفران نعمة الكافر قبيحٌ، فكيف بنعمة المسلم، فضلًا عن نعم الله تعالى السابغة ظاهرًا وباطنًا؟ ثم كر اللعين إلى قول موسى ﵇: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ بعد ما ألقمه نبي الله الحجر في إنكار الرسالة مستفهمًا ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ يعني: هب أنك رسول رب العالمين، وأن لك ربًا وهب لك حكمًا، وجعلك من المرسلين، فما تعني بقولك: رب العالمين، وما قصدك فيه وفيه تخصيصه؟ أتعني به التعريض بإنكار إلهيتي أم غير ذلك؟ يدل عليه قوله تعالى بعد هذا: لا ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾. وقول المؤلف: "والذي يليق بحال فرعون ويدل عليه الكلام: أن يكون سؤاله هذا إنكارًا لأن يكون للعالمين ربٌ سواه"، فأجابه ﵇ بما فيه إنكار إلهيته، وأن يكون ربًا للعالمين تعريضًا من قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: أنت أحقر من ذلك وأذل، فإن رب العالمين رب السموات والأرض وما بينهما إن كنت أنت وهؤلاء البهائم الذين اتخذوك إلهًا وسموك برب العالمين من الذين يحققون الأشياء بالنظر الصحيح الذين يؤديهم إلى الإيقان، هل تدرون ما معنى العالم، فإن العالم الذي تدعون أنه ربه عبارةٌ عن: كل ما علم به الخلائق من السموات والأرض وما بينهما، فهل تيقنتم أنه خالقها، ورازق من فيها، ومدبر أمورها، أم تفوهون بذلك جزافًا رميًا على العمياء؟ وتكرير لفظ الرب وإعادته في كل مرةٍ لتعظيم ما نسبوا إليه، فعند ذلك احتد اللعين وقال لمن حوله: ألا ترون هذه الجرأة وتسمعون هذه العظيمة، وهي نسبة الجهل إلينا عاجزًا؟ فثنى نبي الله التقريع بقوله: ﴿رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ مفصلًا لذلك المجمل، فإن الآيات المشاهدة تنقسم إلى دليلي الآفاق والأنفس، نبه به على غباوتهم، وأن الرب ينبغي أن يكون متقدمًا على المربوب ومتأخرًا عنه، فكيف تتخذونه ربًا لكم؟ وآباؤكم الأولون قد تقدموا عليه، وأنه سيموت قبلكم أو قبل أبنائكم، فحينئذٍ زاد في تفر عنه، وشدة شكيمته، ونسبته إلى الجنون استكبارًا وعنادًا، وتهكم به بقوله: ﴿رَسُولَكُمْ﴾، وتوكيده بوصفٍ يدل على مزيد تقرير التهكم برسالته سفاهةً. فعاد نبي الله ﵇ إلى تقريع ثالثٍ بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، عرض به أن الرب ينبغي أن يكون قادرًا على ما في يده وتحت تصرفه، وأنتم تعلمون أن مشارق
[ ١١ / ٣٤٢ ]
يريد: أي شيء رب العالمين؟ وهذا السؤال لا يخلو: إما أن يريد به: أى شيء هو من الأشياء التي شوهدت وعرفت أجناسها؟ فأجاب بما يستدل به عليه من أفعاله
_________________
(١) ـ الأرض ومغاربها ليست في تصرفه، ولا يملك منها على شيءٍ ولا أحاط منها علمًا بشيء، وذيله بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ردًا لنسبته الجنون إليه على طريق المشاكلة المعنوية، أي: كيف تنسبون إلى الجنون وأنتم مسلوبو العقول فاقدون اللب، حيث لا تميزون بين هذه الشواهد، ولا تنظرون إلى هذه الآيات البينات. ولما عجز اللعين عن الحجاج عدل إلى التخويف بالسجن دأب المفحم المبهوت. ولما قهره نبي الله - ﷺ - في الاحتجاج انتقل إلى نوع آخر من الدليل، وهو إظهار المعجزة قائلًا: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾، فعلى هذا هو متعلقٌ بأول المحاجة من لدن وقعت المكالمة مع اللعين، يعني: أو تقر بتوحيد الله تعالى وبرسالتي لو جئتك بما يدل على ذلك دلالةً ظاهرةً مكشوفةً عيانًا من انقلاب العصا حيةً، ونزع اليد من الجيب مشرقةً؟ هذا أوضح من تقرير المصنف، وأوفق لتأليف النظم. ولعله يقرب من هذا المعنى قول صاحب "المفتاح": ويحتمل أن يكون فرعون قد سأل بـ "ما" عن الوصف، لكون رب العالمين عنده مشتركًا بين نفسه وبين من دعا إليه موسى ﵇، لجهله، وفرط عتوه، وتسويل نفسه الشيطانية له بتسليم أولئك البهائم له إياها، وادعائهم له بذلك، وتلقيبهم إياه برب العالمين، وشهرته فيما بينهم بذلك إلى درجة دعت السحر إذ عرفوا الحق، وقالوا: آمنا برب العالمين، إلى أن يعقبوه بقولهم: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [نفيًا] لاتهامهم أن يعنوا فرعون، وكذا فسر المصنف هذه الآية. قوله: (أي شيءٍ هو من الأشياء التي شوهدت وعرفت أجناسها؟) قال صاحب "المفتاح": ولكون "ما" للسؤال عن الجنس، وللسؤال عن الوصف وقع بين فرعون وبين موسى ﵇ ما وقع، لأن فرعون كان جاهلًا بالله تعالى معتقدًا أن لا موجود مستقلًا
[ ١١ / ٣٤٣ ]
الخاصة، ليعرّفه أنه ليس بشيء مما شوهد وعرف من الأجرام والأعراض، وأنه شيء مخالف لجميع الأشياء، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١]؛ وإما أن يريد به: أى شيء هو على الإطلاق، تفتيشا عن حقيقته الخاصة ما هي، فأجابه بأنّ الذي إليه سبيل وهو الكافي في معرفته معرفة ثباته بصفاته، استدلالا بأفعاله الخاصة على ذلك. وأمّا التفتيش عن حقيقته الخاصة التي هي فوق فطر العقول، فتفتيش عما لا سبيل إليه، والسائل عنه متعنت غير طالب للحق. والذي يليق بحال فرعون ويدل عليه الكلام: أن يكون سؤاله هذا إنكارا لأن يكون للعالمين رب سواه؛ لادعائه الإلهية، فلما أجاب موسى بما أجاب، عجب قومه من جوابه؛ حيث نسب الربوبية إلى غيره، فلما ثنى بتقرير قوله، جننه إلى قومه وطنز به، حيث سماه رسولهم. فلما ثلث بتقرير آخر: احتدّ واحتدم وقال: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي) [الشعراء: ٢٩]، وهذا يدل على صحة هذا الوجه الأخير.
_________________
(١) ـ بنفسه سوى أجناس الأجسام، كأنه قال: أي أجناس الأجسام هو؟ وحين كان موسى ﵇ عالمًا بالله ﷿، أجاب عن الوصف تنبيهًا على النظر المؤدي إلى العلم، وهو المراد من قول المصنف: "فأجاب بما يستدل به عليه من أفعاله الخاصة، ليعرفه أنه ليس بشيءٍ مما شوهد وعرف من الأجرام"، أراد أن الجواب من الأسلوب الحكيم، أرشده بقوله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ إلى طريق المعرفة وتحصيل الإيقان، يعني: من تكون هذه الأجرام العظام مربوبة ومخلوقة، وهو مالكها ومدبر أمرها، لا يكون هو من جنسها. قوله: (وهو الكافي في معرفته)، أي: هذا القدر من المعرفة كافٍ للمسترشد دون المعاند المتعنت، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. قوله: (واحتدم)، الجوهري: احتدمت النار: التهبت، واحتدم صدر فلانٍ غيظًا، وقيل: يومٌ محتدمٌ: شديد الحر، واحتدم الدم: اشتدت حمرته حتى يسود.
[ ١١ / ٣٤٤ ]
[(قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)].
قلت: كيف قيل: (وَمَا بَيْنَهُمَا) على التثنية، والمرجوع إليه مجموع؟ قلت: أريد وما بين الجنسين، فعل بالمضمر ما فعل بالظاهر من قال:
في الهيجا جمالين
فإن قلت: ما معنى قوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)؟ وأين عن فرعون وملئه الإيقان؟ قلت: معناه إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي إليه النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب، وإلا لم ينفع. أو إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به، لظهوره وإنارة دليله.
_________________
(١) ـ قوله: (والمرجوع إليه مجموع)، المراد به: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وفي عكسه قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، حيث جمع بعد التثنية، لأنها في معنى الجمع والناس. قوله: (في الهيجا جمالين)، قبله: سعى عقالًا يترك لنا سبدًا … فكيف لو قد سعى عمروٌ عقالين لأصبح الناس أوبادًا فلم يجدوا … عند التفرق في الهيجا جمالين عمرو: تنازع فيه العاملان. يقال: ما له سبدٌ ولا لبدٌ، أي: شيءٌ، وأصل السبد، الشعر. والعقال: صدقة عام، وانتصابه على الظرف، أوبادًا: جمع وبدٍ، أي: هلكى، والوبد، سيء الحال، وحاصله أنه يجوز تثنية الجمع على تأويل الجماعتين. قوله: (أو: إن كنتم موقنين بشيء قط)، يريد أن قوله: ﴿مُوقِنِينَ﴾ مطلقٌ خص بقيد
[ ١١ / ٣٤٥ ]
[(قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ* قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ* قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ* قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)].
فإن قلت: ومن كان حوله؟ قلت: أشراف قومه قيل: كانوا خمس مائة رجل عليهم الأساور وكانت الملوك خاصة. فإن قلت: ذكر السماوات والأرض وما بينهما قد استوعب به الخلائق كلها، فما معنى ذكرهم وذكر آبائهم بعد ذلك وذكر المشرق والمغرب؟ قلت: قد عم أوّلا، ثم خصص من العام للبيان أنفسهم وآباءهم. لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه، وما شاهد وعاين من الدلائل على الصانع، والناقل من هيئة إلى هيئة وحال إلى حال من وقت ميلاده إلى وقت وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب، لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها
_________________
(١) ـ قرينة المقام، وهو الكلام في الاستدلال والنظر في الإلهية، أو ترك على إطلاقه، بمعنى: إن وجد منكم شيءٌ من هذه الحقيقة، فهذا أولى، ويمكن أن يجرى على العموم ليدخل فيه ما سبق له الكلام دخولًا أوليًا. قوله: (لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه)، هذا يشعر بأن الترقي في الاحتجاجات الثلاثة بحسب اعتبار قلة النظر وقرب المنظور فيه، فإن الدلائل المثبتة في السموات والأرض وما بينهما أبعد متناولًا من النظر من دليلٍ أنفسهم وآبائهم فقط، لأن الأول مشتملٌ عليه وعلى الآفاقية أيضًا، والثاني أبعد منظورًا من الثالث، لأن المنظور في الثاني الانتقال من هيئة إلى هيئة، ومن حالٍ إلى حالٍ من وقت ميلاده إلى وقت وفاته في نفس الناظر وأنفس آبائه، ولا كذلك النظر في طلوع الشمس وغروبها في فصول السنة، وإليه الإشارة بقوله: "ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الله ﵇". قوله: (الخافقين)، الخافقان: أفقا المشرق والمغرب، قال ابن السكيت: لأن الليل والنهار يخفقان فيهما بسرعة، من خفقان الطائر، إذا صفق بجناحيه، وخفوق الراية.
[ ١١ / ٣٤٦ ]
في الآخر على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستو من أظهر ما استدل به؛ ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الله، عن الاحتجاج بالإحياء والإماتة على نمروذ بن كنعان، فبهت الذي كفر. وقرئ: (رَبُّ المَشَارِقِ والْمَغَارِبِ)، (الذي أَرسل إليكم) بفتح الهمزة. فإن قلت: كيف قال أوّلا: (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) وآخرا: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)؟ قلت: لاين أوّلا، فلما رأى منهم شدّة الشكيمة في العناد وقلة الإصغاء إلى عرض الحجج خاشن وعارض "إنّ رسولكم لمجنون"، بقوله: (إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ).
[(قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)].
فإن قلت: ألم يكن: لأسجننك، أخصر من (لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) ومؤديا مؤداه؟ قلت: أما أخصر فنعم. وأما مؤدّ مؤدّاه فلا، لأنّ معناه: لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني. وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوّة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فردا لا يبصر فيها ولا يسمع، فكان ذلك أشدّ من القتل وأشدّ.
[(قالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ* قالَ فَاتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)].
_________________
(١) ـ وقال صاحب "المفتاح": ومن التغليب: الخافقان، للمشرق والمغرب ويؤيده ما في "المغرب" عن الأزهري: خفق النجم: إذا غاب، ومنه: الخافقان، للمشرق والمغرب. قوله: (لاين أولًا)، إلى قوله: "خاشن وعارض". قال الإمام: أراد بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: إن كنت من العقلاء وعرفت أن لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت، لأنك طلبت تعريف حقيقته، وقد أرشدتك أنه لا يمكن.
[ ١١ / ٣٤٧ ]
الواو في قوله: (أَوَلَوْ جِئْتُكَ) واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام. معناه: أتفعل بى ذلك ولو جئتك بشيء مبين؟ أي: جائيا بالمعجزة. وفي قوله: (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) أنه لا يأتي بالمعجزة إلا الصادق في دعواه، لأن المعجزة تصديق من الله لمدعي النبوّة، والحكيم لا يصدّق الكاذب.
_________________
(١) ـ قوله: (أتفعل بي ذلك، ولو جئتك بشيءٍ مبين؟)، يريد أن عامل الحال وصاحبها: ما دل عليه قوله تعالى: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾، فجعل وعيده تخلصًا للانتقال إلى نوع آخر من الدليل. قال القاضي: المعجزة جامعةٌ بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته، والدلالة على صدق مدعي نبوته. قلت: ويمكن أن يقال: إن الواو في ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ عاطفةٌ، وهي تستدعي معطوفًا عليه، وهو ما سبق في أول المكالمة بين نبي الله تعالى وعدوه. والهمزة مقحمةٌ بين المعطوف والمعطوف عليه للتقرير. المعنى: أو تقر بالوحدانية وبرسالتي إن جئتك بعد الاحتجاج بالبراهين القاهرة والمعجزات الباهرة الظاهرة؟ كما سبق تقريره، و"لو" بمعنى "أن" غير عزيز. ويؤيد هذا التأويل ما في الأعراف: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَاتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٥ - ١٠٦]. قال المصنف: "إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأتني بها، وأحضرها عندي، ليصح دعواك ويثبت صدقك". قوله: (وفي قوله: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أنه لا يأتي بالمعجزة إلا الصادق)، يعني: في سياق هذا التركيب أدمج معنى أن المعجزة تصديقٌ من الله تعالى لمدعي النبوة، والحكيم لا يصدق الكاذب.
[ ١١ / ٣٤٨ ]
ومن العجب أن مثل فرعون لم يخف عليه هذا، وخفي على ناس من أهل القبلة؛ حيث جوّزوا القبيح على الله تعالى حتى لزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات! وتقديره: إن كنت من الصادقين في دعواك أتيت به، فحذف الجزاء، لأن الأمر بالإتيان به يدل عليه.
[(فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ* وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ)].
(ثُعْبانٌ مُبِينٌ): ظاهر الثعبانية، لا شيء يشبه الثعبان، كما تكون الأشياء المزوّرة
_________________
(١) ـ قوله: (ومن العجب أن مثل فرعون لم يخف عليه [هذا]، وقد خفي على ناسٍ من أهلٍ القبلة، حيث جوزوا القبيح على الله ﷿ حتى لزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات)، قال صاحب "الانتصاف": هذا تعريضٌ بتفضيل فرعون على أهل السنة، وحكمٌ على القدرية أن فيهم نصيبًا من الفراعنة، إذ كل أحدٍ يزعم أنه خالقٌ ومبدعٌ لأفعاله، وجحودٌ على الله تعالى أن يفعل إلا ما واطأ عقولهم، وأنه حسنٌ في الشاهد. وقلت: المصنف بنى كلامه على الحسن والقبح العقليين، ثم شنع على أهل السنة، ولا يلزم من قولهم: يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأنه لا يوجد شيءٌ في الكائنات إلا بإرادته ومشيئته: تصديق الكاذبين بالمعجزات، لأنه ظهر وعلم بالاستقراء أنه تعالى ما حكم ولا أرد تصديق الكاذبين بالمعجزات، ولهذا قطع الأصحاب بأن سنة الله جرت على أن لا يظهر المعجزة على يد الكاذب. هذا، وإن تفسيره لقوله: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ يخالف جعله ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ حالًا وتقريرًا للعطف الذي ذهبنا إليه، لأن الكلام على الحال في السجن، لا في إثبات النبوة، وتصديقه بالمعجزة، والله تعالى أعلم. قوله: (لا شيءٌ يشبه الثعبان)، توكيدٌ لقوله: "ظاهر الثعبانية"، لأن الله تعالى حمل "ثعبانٌ" على ضمير العصا، فيتوهم أنه مثل: زيدٌ هو أسدٌ، فأزال التوهم بقوله: "لا شيءٌ يشبه الثعبان"، يدل عليه قوله: ﴿مُبِينٍ﴾.
[ ١١ / ٣٤٩ ]
بالشعوذة والسحر. وروي: أنها انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة إلى فرعون، وجعلت تقول: يا موسى، مرني بما شئت. ويقول فرعون: أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها، فأخذها فعادت عصا (لِلنَّاظِرِينَ) دليل على أن بياضها كان شيئا يجتمع النظارة على النظر إليه، لخروجه عن العادة، وكان بياضا نوريا. روي: أنّ فرعون لما أبصر الآية الأولى قال: فهل غيرها؟ فأخرج يده فقال له: ما هذه؟ قال: يدك فما فيها؟ فأدخلها في إبطه ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسدّ الأفق.
[(قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ* يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَامُرُونَ)].
_________________
(١) ـ قوله: (بالشعوذة)، الأساس: فلانٌ شعوذيٌ، ومشعوذٌ، ومشعبذٌ، وعملها الشعوذة، والشعبذة، وهي: خفةٌ في اليد، وأخذٌ كالسحر، وقيل للبريد: الشعوذي، لخفته قوله: (إلا أخذتها)، أي: ما أطلب منك إلا أخذها، كقول ابن عباسٍ ﵄: بالإيواء والنصر إلا جلستم، وقد دخل مجلسًا غاصًا من الأنصار، قال صاحب "المقتبس": والقسم يسلك فيه الطرائق، لكثرة وقوعه في كلامهم، والفعل والمصدر لما كانا في اتصالٍ من جهة التوالد والتناشؤ، جاز أن يقع كلٌ منهما موقع صاحبه، يدل على ما يدل عليه الآخر. وفي "ربيع الأبرار": أمر الحجاج بقتل رجل، فقال: أسألك بالذي أنت غدًا بين يديه أذل موقفًا مني بين يديك اليوم إلا عفوت عني، فعفا عنه. قوله: (يدك، فيما فيها؟)، وهو من جملة المقول، أي: هو يدك، فأي شيء؟ أي: ليس فيها معجزةٌ ولا عجب، وقال بعضهم: معنى ما هذه: أي شيءٍ فيها من الآية؟
[ ١١ / ٣٥٠ ]
فإن قلت: ما العامل في (حَوْلَهُ)؟ قلت: هو منصوب نصبين: نصب في اللفظ، ونصب في المحل، فالعامل في النصب اللفظي ما يقدر في الظرف، والعامل في النصب المحلي- وهو النصب على الحال: (قَالَ): ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين، وبقي لا يدري أي طرفيه أطول، حتى زلّ عنه ذكر دعوى الإلهية، وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية، وارتعدت فرائصه، وانتفخ سحره خوفا وفرقا، وبلغت به الاستكانة لقومه
_________________
(١) ـ قوله: (نصبٌ في اللفظ، ونصبٌ في المحل)، قال صاحب "المطلع": العامل في النصب اللفظي: ما يقدر في الظرف من معنى الفعل، تقديره: للملأ مستقرين، أو مجتمعين حوله، والعامل في المحلي، وهو النصب على الحال، قال: تقديره: قال لهم وهم حوله. قوله: (﴿قَالَ﴾)، خبرُ لقوله: "والعا مل" والجملة، وهو النصب على الحال: معترضةٌ، أي: قال في قوله: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ عاملٌ في ﴿حَوْلَهُ﴾ وهو حال. قوله: (لا يدري أي طرفيه أطول)، مثلٌ في التحير. عن بعضهم يقال: بقي فلانٌ حيران لا يدري أي طرفيه أطول، لطولٍ يتراءى له الشبح شبحين، قال الميداني: قال الأصعمي: معناه: لا يدري أنسب أبيه أفضل أم نسب أمه. وقال غيره: يقال: إن وسط الإنسان: سرته، والطرف الأسفل أطول من الأعلى، وهذا يكاد يجهله أكثر الناس حتى يقدر له. وقال ابن الأعرابي" طرفاه: ذكره ولسانه، يضرب في نفي العلم. قوله: (فرائصه)، الفريضة: اللحم بين الجنب والكتف الذي لا يزال يرعد من الدابة. قوله: (وانتفخ سحره)، بالخاء المعجمة، وفي نسخةٍ صحيحة: بالجيم، من قولهم: "هنيئًا لك النافجة" أي: المعظمة لمالك. والسحر: الرئة. الأساس: وانتفخ سحره، وانتفخت مساحره، إذا مل وجبن. وانقطع منه سحري: إذا يئست، يقال: وأنا منه غير صريم سحر: غير قانط.
[ ١١ / ٣٥١ ]
الذين هم بزعمه عبيده وهو إلههم: أن طفق يؤامرهم ويعترف لهم بما حذر منه وتوقعه وأحسّ به من جهة موسى وغلبته على ملكه وأرضه، وقوله: (إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ) قول باهت إذا غلب ومتمحل إذا ألزم. (تَامُرُونَ) من المؤامرة وهي المشاورة. أو من الأمر الذي هو ضدّ النهي. جعل العبيد آمرين وربهم مأمورا لما استولى عليه من فرط الدهش والحيرة. و"ماذا" منصوب: إما لكونه في معنى المصدر، وإما لأنه مفعول به من قوله:
أمرتك الخير
[(قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ* يَاتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ)].
قرئ: (أَرجِئْه) و(أَرْجِهْ)، بالهمز والتخفيف، وهما لغتان. يقال: أرجأته وأرجيته،
_________________
(١) ـ قوله: (من جهة موسى ﵇)، "من": بيان "ما" في "بما حذر منه". قوله: (و"ماذا" منصوبٌ، إما لكونه في معنى المصدر)، أي: أي أمرٍ تأمرون؟ قال في قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩]: " ﴿مَاذَا﴾: منتصبٌ بـ ﴿أُجِبْتُمْ﴾ انتصاب مصدره، على معنى: أي إجابةٍ أجبتم؟ قوله: (قرئ: "أرجئه")، ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، والباقون: بالتخفيف قال صاحب "الكشف": "قالوا أرجئه وأخاه"، و"أرجه" و﴿أَرْجِهْ﴾ باختلاس الكسرة، كل ذلك في السبعة، والأصل: "أرجئهو" بالضم والإشباع، ثم يليه "أرجئه" بضم الهاء من دون الإشباع اكتفاءً بالضمة عن الواو، ثم "أرجئه" بكسر الهاء، لمجاورة الجيم، ولا
[ ١١ / ٣٥٢ ]
إذا أخرته. ومنه: المرجئة، وهم الذين لا يقطعون بوعيد الفساق ويقولون: هم مرجؤون لأمر الله. والمعنى: أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة. وقيل: احبسه (حاشِرِينَ) شرطا يحشرون السحرة،
_________________
(١) ـ اعتداد بالحاجز، أعني: الهمزة الساكنة. فأما من قال: ﴿أَرْجِهْ﴾ فهي من: أرجيته، دون أرجأته، بلا همز، والهمزة أفصح، فلما حذف الياء للأمر أشبع الهاء، وكسرها لمجاورة الجيم، وأضعف الوجوه "أرجه" بإسكان الهاء، لأن هذه الهاء إنما تسكن في الوقف، لكنه أجرى الوصل مجرى الوقف. قوله: (وهم الذين لا يقطعون بوعيد الفساق، ويقولون: هم مرجؤون لأمر الله)، الانتصاف: حرف في تفسير المرجئة، فأهل السنة هم الذين لا يقطعون بوعيد الفساق، ويرجعون أمرهم إلى المشيئة، فإن كان المرجئة هؤلاء فاشهدوا أنا مرجئةٌ. النهاية: المرجئة: فرقةٌ من فرق الإسلام، يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصيةٌ، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا مرجئةً، لاعتقادهم أن الله تعالى أرجأ تعذيبهم على المعاصي، أي: أخره عنهم، والمرجئة تهمز ولا تهمز، وكلاهما بمعنى التأخير. قوله: (شرطًا يحشرون)، يريد أن ﴿حَاشِرِينَ﴾ صفة موصوفٍ هو مفعولٌ به. النهاية: الأشراط: العلامات، واحدتها: شرطٌ بالتحريك، وبه سميت شرط السلطان، لأهم جعلوا لأنفسهم علاماتٍ يعرفون بها، هكذا قال أبو عبيد. وحكى الخطابي عن بعض أهل اللغة أنه أنكر هذا التفسير، وقال: أشراط الساعة: ما ينكره الناس من صغار أمورها قبل أن تقوم الساعة. وشرط السلطان: نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده.
[ ١١ / ٣٥٣ ]
وعارضوا قوله: (إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ) [الشعراء: ٣٤]، بقولهم: (بِكُلِّ سَحَّارٍ)، فجاءوا بكلمة الإحاطة وصفة المبالغة، ليطامنوا من نفسه ويسكنوا بعض قلقه. وقرأ الأعمش: (بكل ساحر).
[(فَجُمِع َ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ* وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ* لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ)].
اليوم المعلوم: يوم الزينة. وميقاته: وقت الضحى، لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى صلوات الله عليه من يوم الزينة في قوله: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) [طه: ٥٩]. والميقات: ما وقت به، أي: حدد من زمان أو مكان. ومنه: مواقيت الإحرام. (هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ) استبطاء لهم في الاجتماع، والمراد منه: استعجالهم واستحثاثهم، كما يقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق؟ إذا أراد أن يحرّك منه ويحثه على الانطلاق، كأنما يخيل له أن الناس قد انطلقوا وهو واقف. ومنه قول تأبط شرا:
هل أنت باعث دينار لحاجتنا … أو عبد ربّ أخا عون بن مخراق؟
يريد: ابعثه إلينا سريعا ولا تبطئ به. (لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ) أي: في دينهم إن غلبوا موسى،
ولا نتبع موسى في دينه. وليس غرضهم باتباع السحرة، وإنما الغرض الكلي: أن لا يتبعوا موسى،
_________________
(١) ـ قوله: (وعارضوا قوله)، لم يرد بالمعارضة الاعتراض، بل: المقابلة، فإن فرعون لما قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ قابلوه بقولهم: ﴿يَاتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾. قوله: (هل أنت باعث ينارٍ؟)، البيت. هل أنتً: حثٌ وتحريضٌ على الاستحثاث. دينار: اسم رجل، وكذا عبد رب، و"عبد رب": منصوبٌ معطوفٌ على محل "دينار"، وأخا عونٍ: منادى لا نعتٌ، ويجوز أن يكون عطف بيانٍ لـ "عبد رب".
[ ١١ / ٣٥٤ ]
فساقوا الكلام مساق الكناية؛ لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى.
[(فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)].
وقرئ: (نعم) بالكسر، وهما لغتان. ولما كان قوله: (إِنَّ لَنا لَأَجْرًا) في معنى جزاء الشرط، لدلالته عليه، وكان قوله: (وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) معطوفا عليه ومدخلا في حكمه، دخلت (إذا) قارّة في مكانها الذي تقتضيه من الجواب والجزاء، وعدهم أن يجمع لهم إلى الثواب على سحرهم الذي قدروا أنهم يغلبون به موسى: القربة عنده والزلفى.
[(قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ)].
_________________
(١) ـ قوله: (فساقوا الكلام مساق الكناية)، يعني: لم يرد بقوله: ﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾: إتباعهم حقيقةً، فكيف وإنه مدع للإلهية؟ وإرادته دفع موسى ﵇ فقط. قوله: ("نعم" بالكسر)، الكسائي. قوله: (ولما كان قوله: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ في معنى جزاء الشرط)، يعني: قد تقرر أن الجزاء لا يتقدم على الشرط، لأنه مسببٌ عنه، فإذا تقدم ما في معنى الجزاء عليه ينبغي أن يقدر مثله بعده، فحكم ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ كذلك، وقد عطف عليه قوله: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، والمعطوف له حكم المعطوف عليه، فصح حينئذٍ دخول "إذا" فيه، فكأنهم لما قالوا: إن كنا نحن الغالبين، فهل لنا من أجرٍ؟ أجيبوا بقوله: ﴿نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، أي: إن غلبتم فلكم الأجر والقربة. وهو قريبٌ من التأويل الذي سبق في قوله تعالى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾.
[ ١١ / ٣٥٥ ]
أقسموا بعزة فرعون وهي من أيمان الجاهلية، وهكذا كل حلف بغير الله، ولا يصح في الإسلام إلا الحلف بالله معلقا ببعض أسمائه أو صفاته، كقولك: بالله، والرحمن، وربي، ورب العرش، وعزة الله، وقدرة الله، وجلال الله، وعظمة الله. قال رسول الله ﷺ: "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمّهاتكم ولا بالطواغيت، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون". ولقد استحدث الناس في هذا الباب في إسلامهم جاهلية نسيت لها الجاهلية الأولى، وذلك أنّ الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها
_________________
(١) ـ قوله: (معلقًا ببعض أسمائه)، حالٌ من الحلف، و"ببعض أسمائه أو صفاته": لفٌ، وقوله: "بالله والرحمن" هما اسمان لله تعالى خاصان به، وقوله: "رب العرش وربي" هما اسمان لله تعالى غالبان، وهذه الأربع: نشرٌ لقوله: "أسمائه" وقوله: "وعزة الله، وقدرة الله، وجلال الله، وعظمة الله" هذه الأربع: نشرٌ لقوله: "أو صفاته"، والمراد بالاسم هاهنا: ما يصح حمله على الله تعالى، وبالصفة: خلافه، فيقال: الله الرحمن والرب، لا يقال: الله العزة والقدرة. مضى تم تقريره في سوره الحجر عند قوله تعالي: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] على القسم. قوله: (الجاهلية الأولى)، عن بعضهم: الجاهلية الأولى: هي زمان ولد قابيل، بعث إليهم نوح ﵇، والأخرى بعث إليهم محمد صلوات الله عليه. قوله: (لا تحلفوا بآبائكم)، الحديث من رواية أبي داود والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تحلفوا بآبائكم، ولا بالأنداد، لا تحلفوا بالله ﷿ إلا وأنتم صادقون". وروى النسائي، عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه: "لا تحلفوا بآبائكم، ولا بالطواغيت".
[ ١١ / ٣٥٦ ]
وصفاته على شيء: لم يقبل منه، ولم يعتدّ بها حتى يقسم برأس سلطانه، فإذا أقسم به فتلك عندهم جهد اليمين التي ليس وراءها حلف لحالف.
[(فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَافِكُونَ* فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ* قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ* رَبِّ مُوسى وَهارُونَ)].
(ما يَافِكُونَ): ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم، ويزوّرونه فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، بالتمويه على الناظرين أو إفكهم: سمى تلك الأشياء إفكا مبالغة. روي: أنهم قالوا: إن يك ما جاء به موسى سحرا فلن يغلب، وإن كان من عند الله فلن يخفى علينا، فلما قذف عصاه فتلقفت ما أتوا به، علموا أنه من الله فآمنوا. وعن عكرمة: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. وإنما عبر عن الخرور بالإلقاء، لأنه ذكر مع الإلقاآت، فسلك به طريق المشاكلة. وفيه أيضا مع مراعاة المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا، لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين، كأنهم أخذوا فطرحوا طرحا. فإن قلت: فاعل الإلقاء ما هو لو صرح به؟ قلت: هو الله ﷿ بما خوّلهم من التوفيق. أو إيمانهم. أو ما عاينوا من المعجزات الباهرة، ولك أن لا تقدّر فاعلا، لأنّ (أَلْقُوا) بمعنى خرّوا وسقطوا. (رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) عطف بيان لرب العالمين، لأنّ فرعون لعنة الله عليه كان يدعي
_________________
(١) ـ قوله: (أو: إفكهم)، وعلى هذا: "ما" مصدريةٌ، وسمى مأفوكهم بالإفك مبالغةً، لأن المعنى لا يتناوله. الجوهري: لقفت الشيء- بالكسر- ألقفه لقفًا، وتلقفته أيضًا، أي: تناولته بسرعة. قوله: (ولك أن لا تقدر فاعلًا)، قال صاحب "الفرائد": هذا منظورٌ فيه، لأن المعدى إلى مفعولٍ لابد له من الفاعل، وإذا أسند إلى المفعول صار الفاعل متروكًا، وما ذكر، من لوازم معناه، لا معناه. قلت: أراد بقوله: "أن لا تقدر فاعلًا": أن لا يخصص، على نحو: قتل الخارجي، فإن
[ ١١ / ٣٥٧ ]
الربوبية، فأرادوا أن يعزلوه. ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام: أنه الذي يدعو إليه هذان، والذي أجرى على أيديهما ما أجرى.
[(قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ)].
(فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) أي: وبال ما فعلتم.
[(قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ* إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ)].
الضر والضير والضور: واحد، أرادوا: لا ضرر علينا في ذلك، بل لنا فيه أعظم
_________________
(١) ـ المقصود حصول قلته، وكونه مقتولًا، لا أن القاتل من هو؟ كذا القصد هنا، كونهم ملقين ساقطين، لا أن الملقي من هو؟ قوله: (أنه الذي يدعو إليه)، خبر مبتدأٍ محذوف"، الجملة: خبر "معنى إضافته"، والضمير في "أنه" راجعٌ إلى الرب المحذوف، وفاعل يدعو: "هذان"، يريد أن قوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ عطف بيانٍ لـ "رب العالمين"، وهو كتابةٌ عمن عرفت إلهيته بواسطتهما. قوله: (لا ضرر علينا في ذلك)، اعلم أنهم أجابوا الملعون بقولهم: ﴿لَا ضَيْرَ﴾، وعللوه بقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾، والمصنف فسره بوجوه، أحدها: اعتبر في ﴿لَا ضَيْرَ﴾ جميع ما تهدد به المعلون من القطع والصلب، حيث أتى باسم الإشارة في قوله: "لا ضرر علينا في ذلك"، ثم أتى في العلة بمتعدد: "من تكفير الخطايا والثواب العظيم والأعواض. والثواب: هو الجزاء على أعمال الخير، والأعواض على ما ذهب إليه المعتزلة هي: السلامة التي هي بدل الألم، والنعم التي هي مقابلةٌ للبلايا والمحن والرزايا والفتن. وثانيهما: قوله: "ولا ضير علينا فيما توعدنا به من القتل"، اعتبر وعيده بجملته، وعبر
[ ١١ / ٣٥٨ ]
النفع لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله، من تكفير الخطايا والثواب العظيم، مع الأعواض الكثيرة. أو: لا ضير علينا فيما تتوعدنا به من القتل أنه لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب الموت. والقتل أهون أسبابه وأرجاها. أو لا ضير علينا في قتلك، إنك إن قتلتنا انقلبنا إلى ربنا انقلاب من يطمع في مغفرته ويرجو رحمته، لما رزقنا من السبق إلى الإيمان. وخبر (لَا) محذوف. والمعنى: لا ضير في ذلك، أو علينا (أَنْ كُنَّا) معناه: لأن كنا، وكانوا أوّل جماعة مؤمنين من أهل زمانهم، أو من رعية فرعون، أو من أهل المشهد. وقرئ: (إن كنا) بالكسر، وهو من الشرط الذي يجيء به المدلّ بأمره، المتحقق لصحته، وهم كانوا متحققين أنهم أوّل المؤمنين. ونظيره
_________________
(١) ـ عنه بالقتل، وعلله بقوله: إنه لابد لنا من الانقلاب إلى ربنا"، والانقلاب حينئذٍ عبارةٌ عن الرجوع إلى الله ﷿، ولابد لكل أحدٍ منه، وأسباب الرجوع إليه تعالى كثيرة، ولهذا قال: "والقتل أهون أسبابه". وثالثها: "أو لا ضير عليها في القتل، فاعتبر في هذا الوجه نفس القتل من غير اعتبار تفصيله، ولا الوعيد به، وهو بمنزلة الموت حينئذٍ، وعلل بقوله: "إنك إن قتلتنا انقلبنا إلى ربنا انقلاب من يطمع في مغفرته"، فأدخل ﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾ في التعليل، وجعله بدلًا منه، وفيه إظهار الرغبة في القتل، يعني: إنه مطلوبنا، لما يحصل منه الفوز بهذه البغية السنية. وذكر وجهًا رابعًا في الأعراف، وهو: "أنا جميعًا، يعنون أنفسهم وفرعون، ننقلب إلى الله تعالى، فيحكم بيننا"، أي: ينتقم لنا منك بما فعلت بنا، ويثيبنا على ما قاسينا منك، لأنا نطمع أن يغفر لنا وأنت لا تطمع، والله تعالى أعلم. قوله: (المدل بأمره)، الأساس: تدللت المرأة على زوجها، وذلك أن تريه جرأةً عليه في تغنج وتشكل، كأنها تخالفه وليس بها خلافٌ، وأدل على قريبه، وعلى من له عنده منزلةٌ، وهو مدلٌ بفضله وبشجاعته، ومنه أسدٌ مدلٌ، وأما تنظير الآية بالمثال فلتتميم معنى
[ ١١ / ٣٥٩ ]
قول العامل لمن يؤخر جعله: إن كنت عملت لك فوفني حقي. ومنه قوله ﷿: (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي) [الممتحنة: ١] مع علمه أنهم لم يخرجوا إلا لذلك.
[(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ* فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ* إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ* وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ* وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ)].
قرئ: (أَسْرِ) بقطع الهمزة ووصلها. و(سِرْ). (إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ): علل الأمر بالإسراء باتباع فرعون وجنوده آثارهم. والمعنى: أني بنيت تدبير أمركم وأمرهم على أن تتقدّموا ويتبعوكم، حتى يدخلوا مدخلكم، ويسلكوا مسلككم من طريق البحر، فأطبقه عليهم فأهلكهم. وروي: أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوتهم ولد،
_________________
(١) ـ الانكسار، وهضم الحق الذي يعطيه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾ كقوله ﵊: ﴿أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]. قوله: (قرئ: ﴿أَسْرِ﴾ بقطع الهمزة، نافعٌ وابن كثيرٍ، بالوصل، والباقون: بالقطع. قوله: ("سر")، أي: وقرئ: "سر"، من السير. قوله: (علل الأمر بالإسراء بإتباع فرعون)، كأنه قيل: أسر بعبادي، لأن فيه نجاتكم وهلاك القوم، وليس بإتباعهم عرضًا للأمر بالإسراء ظاهرًا، لأن الغرض في الأمر بالإسراء إهلاك القوم بإتباعهم، ونجاة موسى ﵇ وقومه، لكن الإهلاك لما كان مسببًا عن الإتباع وضع موضعه، نحوه: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وإليه الإشارة بقوله: "إني بنيت تدبير أمركم وأمركم وأمرهم" إلى آخره، لأن إعداد الخشبة لإدعام الحائط إذا مال تدبيرٌ.
[ ١١ / ٣٦٠ ]
واشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. وروي: أنّ الله أوحى إلى موسى: أن اجمع بنى إسرائيل، كل أربعة أبيات في بيت، ثم اذبحوا الجداء واضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة أن لا يدخلوا بيتا على بابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار القبط، واخبزوا خبزا فطيرا؛ فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري، فأرسل فرعون في أثره ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسوّر، مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدّمته سبعمائة ألف: كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس: خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، فلذلك استقل قوم موسى وكانوا ست مائة ألف وسبعين ألفا، وسماهم شرذمة قليلين. (إِنَّ هؤُلاءِ) محكي بعد قول مضمر. والشرذمة: الطائفة القليلة. ومنها قولهم: ثوب شراذم، للذي يلي وتقطع قطعا، ذكرهم بالاسم الدال على القلة. ثم جعلهم قليلا بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلا،
_________________
(١) ـ قوله: (الجداء)، الجداء: جمع جدي، والأجداء أيضًا. قوله: (فيأتيك أمري)، عن بعضهم: أمري، أي: شأني، أو عقوبتي، من قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٨٢]، ومن قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]. وقلت: ويمكن أ، يكون واحد الأوامر، وهو قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾. قوله: (ثوبٌ شراذم)، وصف الواحد بشراذم كوصف الإزار بالسراويل في أحد القولين، ونظيره: الحضاجر للمنتفخ البطن. قوله: (فجعل كل حزبٍ منهم قليلًا)، يريد أن الأصل أن يقال: "لشر ذمةٌ قليلة"، فعدل إلى: ﴿قَلِيلُونَ﴾، ليؤذن بتفرقهم أحزابًا. الانتصاف: يعني: قللهم، من أربعة أوجهٍ: عبر عنه بـ "شرذمة"، ووصفهم بالقلة، وجمع وصفهم، ليعلم أن كل حزبٍ منهم قليل، واختار جمع السلامة المفيد للقلة، وفيه وجهٌ خامسٌ: جمع الصفة والموصوف مفردٌ، وهو
[ ١١ / ٣٦١ ]
واختار جمع السلامة الذي هو للقلة، وقد يجمع القليل على أقلة وقلل. ويجوز أن يريد بالقلة: الذلة والقماءة، ولا يريد قلة العدد. والمعنى: أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم، ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق صدورنا، ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج، سارعنا إلى حسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن، لئلا يظنّ به ما يكسر من قهره وسلطانه
_________________
(١) ـ قد يكون مبالغةً للصوق الصفة بالموصوف وتناهيه فيها، كقولك: "معًي جياعًا"، وههنا الأصل: "لشرذمةٌ قليلة"، كقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، لتناهيهم في القلة، ويبقى نظرٌ، فإن هذا المعنى هل ينفي الوجوه الأربعة، أو يذهب منها شيئًا؟ فتأمله. قال صاحب "الإنصاف": ينبغي أن لا يسقط منها شيئًا، إذ هو مبالغةٌ في أحدها، وهو وصفهم بالقلة. قلت: بل هو عين ما قال المصنف: "ثم جمع القليل فجعل كل حزبٍ منهم قليلًا"، واستشهد بقوله: "ثوبٌ شراذم"، كما أن القائل جعل كل جزءٍ من أجزاء المعي خاليًا من الغذاء، صفرًا من الطعام، مبالغةً في الجوع. قال صاحب "الكشف": جمع "قليلًا" بالواو والنون، لموافقة رؤوس الآي، وإن أفردها جاز، لأن لفظ "الشرذمة" مفردٌ. قوله: (والقماءة)، الأساس: وقد قمؤ قماءةً وقميء قمأً، إذا ذل وصغر في الأعين.
[ ١١ / ٣٦٢ ]
وقرئ: (حَذِرُون) و(حَاذِرُونَ) و(حادِرُون) بالدال غير المعجمة. فالحَذِر: اليقظ، والحاذر: الذي يجدّد حذره. وقيل: المؤدى في السلاح، وإنما يفعل ذلك حذرا واحتياطا لنفسه. والحادر: السمين القوي. قال:
أحبّ الصّبي السوء من أجل أمّه … وأبغضه من بغضها وهو حادر
أراد أنهم أقوياء أشداء. وقيل مدججون في السلاح، قد كسبهم ذلك حدارة في أجسامهم.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "حذرون" و﴿حَاذِرُونَ﴾، الكوفيون وابن ذكوان: "حاذرون" بالألف، والباقون: بغير ألف. قوله: (و"حادرون" بالدال) المهملة، قال ابن جني: قرأها ابن أبي عمار: الحادر: القوي الشديد، ومنه: الحادرة الشاعر، وحدر الشاعر، إذا قوي جسمه وامتلأ لحمًا وشحمًا. قوله: (فالحذر)، اليقظ، الحاذر: الذي يجدد حذره". هذا التفاوت معلومٌ بين الصفة المشبهة، وبين اسم الفاعل. قال الزجاج: وجاء في التفسير أن معنى "حاذرون": مؤدون، أي: ذووا أداةٍ وسلاح. والسلاح: أداة الحرب، فالحاذر: المستعد، والحذر: المتيقظ. الجوهري: آدى الرجل، أي: قوي، من الأداة، فهو مؤدٍ بالهمز، أي: شاكٍ في السلاح، ورجلٌ مدجج، أي شاكٍ في السلاح. قوله: (وقيل: مدججون في السلاح)، عطفٌ على قوله: "أنهم أقوياء أشداء"، أي:
[ ١١ / ٣٦٣ ]
[(فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ* كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ* فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ)].
وعن مجاهد: سماها كنوزا؛ لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله. والمقام: المكان، يريد: المنازل الحسنة والمجالس البهية. وعن الضحاك: المنابر. وقيل السرر في الحجال. (كَذلِكَ) يحتمل ثلاثة أوجه: النصب على: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه. والجر على أنه وصف لـ "مقام"، أي: لمقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم. والرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي: الأمر كذلك.
_________________
(١) ـ قال: حاذرون، وأراد أنهم شاكون في السلاح، بالكناية، لأن الرجل الشديد القوي لا يخلو في مثل هذه المواطن من السلاح، لأن ادعاء القوة والشدة لازمة التدجج في السلاح. وإليه الإشارة بقوله: "قد كسبهم ذلك حدارةً في أجسامهم". قوله: (سماها كنوزًا، لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله ﷿)، مأخوذٌ مما رواه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: كل ما أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم تؤد زكاته الذي ذكر الله تعالى وإن كان على وجه الأرض. قوله: (وقيل: السرور في الحجال)، الجوهري: الحجلة- بالتحريك-: واحدة حجال العروس، وهو بيتٌ يزين بالثياب والأسرة والستور؟ قوله: (أي: الأمر كذلك)، هذا الوجه أقوى الوجوه، ليكون قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ عطفًا عليه، والجملتان معترضتان بين المعطوف عليه وهو ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ وبين ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾، لأن الإتباع عقب الإخراج، لا الإيراث. قال الواحدي: إن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصر بعد ما أغرق فرعون وقومه وأعطاهم جميع ما كان لقوم فرعون من الأموال
[ ١١ / ٣٦٤ ]
(فَأَتْبَعُوهُمْ): فلحقوهم. وقرئ: (فاتَّبَعوهم)، (مُشْرِقِينَ): داخلين في وقت الشروق، من شرقت الشمس شروقا إذا طلعت.
[(فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ* فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ* وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ)].
(سَيَهْدِينِي) طريق النجاة من إدراكهم وإضرارهم. وقرئ: (إنا لُمدّرِكون) بتشديد الدال وكسر الراء، من ادّرك الشيء إذا تتابع ففني، ومنه قوله تعالى: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) [النمل: ٦٦]، قال الحسن: جهلوا علم الاخرة. وفي معناه بيت "الحماسة":
أبعد بني أمّي الّذين تتابعوا … أرجّى الحياة أم من الموت أجزع!
_________________
(١) ـ والعقار والمساكن، وعلى أن يكون ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة مصدرٍ محذوفٍ لـ "أخرجنا" مع ما قيد توكيدًا، ويكون ﴿وَأَوْرَثَنَا﴾: عطفًا على ﴿وَأَخْرَجْنَا﴾، لابد من تقديرٍ نحو: فأردنا إخراجهم، وإيراث بني إسرائيل ديارهم، فخرجوا وأتبعوهم. قوله: (﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾: فلحقوهم)، ليس تفسيرًا لقوله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾، بل هو مقدرٌ، والفاء في ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ فصيحةٌ تستدعي هذا المقدر ليتصل بقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾. قال الواحدي: فلما تراءى الجمعان، أي: تقابلا، بحيث يرى كل فريقٍ صاحبه. قوله: (أبعد بني أمي)، البيت. الاستفهام للتوجع والاستبعاد والإنكار على نفسه
[ ١١ / ٣٦٥ ]
والمعنى: إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم، حتى لا يبقى منا أحد.
الفرق: الجزء المتفرّق منه. وقرئ: (كل فِلْق)، والمعنى واحد. والطود: الجبل العظيم المنطاد في السماء.
(وَأَزْلَفْنا ثَمَّ) حيث انفلق البحر (الْآخَرِينَ): قوم فرعون، أي: قربناهم من بني إسرائيل: أو أدنينا بعضهم من بعض، وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، أو قدمناهم إلى البحر
_________________
(١) ـ بالترجية، أي: لا يحسن الطمع في الحياة بعد إخواني الذين انقرضوا واندرج واحدٌ إثر واحد، ولا أجزع من الموت عقيب التفجع بهم. قوله: (الفرق: الجزء المتفرق منه)، التعريف في "الفرق": للعهد في قوله: ﴿كُلُّ فِرْقٍ﴾، والضمير في منه عائدٌ إلى البحر. الراغب: الفرق يقارب الفلق، لكن الفلق يقال اعتبارًا بالانشقاق، والفرق اعتبارًا بالانفصال، والفرق: القطعة المنفصلة، ومنه الفرقة: للجماعة المنفردة من الناس، والفريق: الجماعة المنفردة عن الآخرين. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]. قوله: (المنطاد)، الأساس: ما هو إلا طودٌ من الأطواد، وهو الجبل المنطاد في السماء الذاهب صعدًا. قوله: (أو قدمناهم إلى البحر)، عطفٌ على قوله: "قربناهم من بني إسرائيل"، فـ "أزلفنا"- على هذا- كنايةٌ عن "قدمنا". قال الواحدي: قربنا إلى البحر فرعون وقومه حتى أغرقناهم.
[ ١١ / ٣٦٦ ]
وقرئ: (وأزلَقْنا) بالقاف، أي: أزللنا أقدامهم. والمعنى: أذهبنا عزهم، كقوله:
تداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها … وذبيان إذ زلّت بأقدامها النّعل
ويحتمل أن يجعل الله طريقهم في البحر على خلاف ما جعله لبني إسرائيل يبسا فيزلقهم فيه.
[(وأَنجَيْنَا مُوسَى ومَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ* ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ)].
عن عطاء بن السائب: أن جبريل كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون، فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم. ويستقبل القبط فيقول: رويدكم يلحق آخركم. فلما انتهى موسى إلى البحر قال له مؤمن آل فرعون، وكان بين يدي موسى: أين أمرت فهذا البحر أمامك وقد غشيك آل فرعون؟ قال: أمرت بالبحر ولا يدري موسى ما يصنع، فأوحى الله تعالى إليه: أن اضرب بعصاك البحر. فضربه فصار فيه اثنا عشر طريقا: لكل سبط طريق. وروي: أنّ يوشع قال: يا كليم الله، أين أمرت؟ فقد غشينا فرعون والبحر أمامنا؟ قال موسى: هاهنا. فخاض يوشع الماء، وضرب
_________________
(١) ـ قوله: ("وأزلقنا"، بالقاف)، قال ابن جني: هي قراءة عبد الله بن الحارث. قوله: (تداركتما عبسًا)، البيت. عبسٌ وذبيان: قبيلتان. ثل عرشها: أي زوال ملكها، فإن العرش كنايةٌ عن الملك، وفي المثل: زلت نعله: يضرب لمن نكب وزالت نعمته
[ ١١ / ٣٦٧ ]
موسى بعصاه البحر فدخلوا. وروى: أنّ موسى قال عند ذلك: يا من كان قبل كل شيء، والمكوّن لكل شيء، والكائن بعد كل شيء. ويقال: هذا البحر هو بحر القلزم. وقيل: هو بحر من وراء مصر، يقال له: إِسَاف. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) أية آية، وآية لا توصف، وقد عاينها الناس وشاع أمرها فيهم.
[(إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ومَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ* وإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
وما تنبه عليها أكثرهم، ولا آمن بالله. وبنو إسرائيل: الذين كانوا أصحاب موسى، المخصوصون بالإنجاء قد سألوه بقرة يعبدونها، واتخذوا العجل، وطلبوا رؤية الله جهرة. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) المنتقم من أعدائه (الرَّحِيمُ) بأوليائه.
[(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ* إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ* قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ)].
كان إبراهيم صلوات الله عليه يعلم أنهم عبدة أصنام، ولكنه سألهم ليريهم أنّ ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء، كما تقول للتاجر: ما مالك؟ وأنت تعلم أنّ ماله الرقيق، ثم تقول له: الرقيق جمال وليس بمال. فإن قلت: (ما تَعْبُدُونَ) سؤال عن المعبود فحسب، فكان القياس أن يقولوا: أصناما، كقوله تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) [البقرة: ٢١٩]، (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ) [سبأ: ٢٣]، (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا) [النحل: ٣٠]. قلت: هؤلاء قد جاءوا بقصة أمرهم كاملة كالمبتهجين بها والمفتخرين، فاشتملت على جواب إبراهيم، وعلى ما قصدوه
_________________
(١) ـ يقول: تداركتما حال القبيلتين بعد انهدامهما وتضعضعهما. قوله: (﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ المنتقم من أعدائه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه)، وقد سبق أن هذا التذييل تسل لحبيبه - ﷺ -.
[ ١١ / ٣٦٨ ]
من إظهار ما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار. ألا تراهم كيف عطفوا على قولهم: (نَعْبُدُ) (فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ) ولم يقتصروا على زيادة (نَعْبُدُ) وحده؟ ومثاله أن تقول لبعض الشطار: ما تلبس في بلادك؟ فيقول: ألبس البرد الأتحمى، فأجرّ ذيله بين جواري الحي. وإنما قالوا: نظل، لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل.
[(قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ)].
لا بد في (يَسْمَعُونَكُمْ) من تقدير حذف المضاف، معناه: هل يسمعون دعاءكم.
_________________
(١) ـ قوله: (البرد الأتحمي)، وأنشد الجوهري: وعليه أتحمي … نسجه من نسج هوزم غزلته أم خلمي … كل يوم وزن درهم وأنشد المصنف في "الأساس": زانه من الثناء الأهتمي، بأبهى من البرد الأتحمي. قوله: (كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل)، أي: هذا أيضًا تتميمٌ لمعنى الابتهاج والافتخار، أي: يعبدها جهرًا لا سرًا، ولا يلبث في عبادتها لبثًا قليلًا بل طويلًا، ثم لا يكون ذلك البث إلا خضوعًا وخشوعًا، لأن الاعتكاف عبادةٌ معروفة. قوله: (لابد في ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ من تقدير حذف المضاف)، قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣]: يقول: سمعت رجلًا يقول كذا، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع، لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالًا منه فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد، وأن يقال: سمعت كلام فلان، وههنا قرينة المحذوف الظرف، وهو ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾، فإن فيه دلالةً على الدعاء.
[ ١١ / ٣٦٩ ]
وقرأ قتادة: (يُسمِعونكم)، أي: هل يسمعونكم الجواب عن دعائكم؟ وهل يقدرون على ذلك؟ وجاء مضارعا مع إيقاعه في "إذ" على حكاية الحال الماضية. ومعناه: استحضروا الأحوال الماضية التي كنتم تدعونها فيها، وقولوا: هل سمعوا أو أسمعوا قط؟ وهذا أبلغ في التبكيت.
[(قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ* قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ* أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ* فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ* الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ* وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)].
لما أجابوه بجواب المقلدين لآبائهم قال لهم: رقوا أمر تقليدكم هذا إلى أقصى غاياته وهي عبادة الأقدمين الأوّلين من آبائكم، فإن التقدّم والأوّلية لا يكون برهانا على الصحة، والباطل لا ينقلب حقا بالقدم، وما عبادة من عبد هذه الأصنام إلا عبادة أعداء له، ومعنى العداوة: قوله تعالى: (كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) [مريم: ٨٢]؛ ولأنّ المغري على عبادتها أعدى أعداء الإنسان وهو الشيطان، وإنما قال: (عَدُوٌّ لِي) تصويرا للمسألة في نفسه، على معنى: أني فكرت في أمري
_________________
(١) ـ قوله: (وجاء مضارعًا مع إيقاعه في "إذ")، وذلك أن إذ يجعل المضارع في معنى الماضي، كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، وفائدته: استحضار جميع الأحوال الماضية وقتًا فوقتًا، يعني: قولوا لنا: هل قدروا على السماع أو الإسماع قط في تلك الأوقات؟ وهو أدخل في الإلزام من لو قيل: إذ دعوتموهم. قوله: (ولأن المغري)، عطفٌ على قوله: "ومعنى العداوة قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ﴾ ". قوله: (قال: ﴿عَدُوٌّ لِي﴾ تصويرًا للمسألة)، وذلك أنه ﵊ لما بكتهم بقوله: ﴿إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ ما أجابوه إلا بالتقليد المحض، وهو قولهم: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أراد أن يصور لهم بطلان التقليد، قال: أخبروني ما
[ ١١ / ٣٧٠ ]
فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ، فاجتنبتها وآثرت عبادة من الخير كله منه، وأراهم بذلك أنها نصيحة نصح بها نفسه أوّلا وبنى عليها تدبير أمره، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، وما أراد لنا إلا ما أراد لروحه، ليكون أدعى لهم إلى القبول، وأبعث على الاستماع منه. ولو قال: فإنه عدوّ لكم لم يكن بتلك المثابة، ولأنه دخل في باب من التعريض، وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح، لأنه يتأمّل فيه، فربما قادة التأمّل إلى التقبل. ومنه ما يحكى عن الشافعي ﵀: أنّ رجلا واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث أنت، لاحتجت إلى أدب، وسمع رجل ناسا يتحدثون في الحجر فقال: ما هو ببيتي ولا بيتكم. والعدوّ والصديق: يجيئان في معنى الوحدة والجماعة. قال:
_________________
(١) ـ كنتم تعبدونه أنتم وآباؤكم الأقدمون، هل عرفتم أن تلك العبادة كانت في الحقيقة هي عبادة الأعداء، وهل رأيت عاقلًا يعبد عدوه، ومن ضره أقرب من نفعه، ويترك عبادة رب العالمين الذي وسعت رحمته كل شيء، وهو الذي خلقه، ورزقه، وأحياه، وأماته؟ فعرض بالكلام استدراجًا ليكون أدخل في النصح، وإليه الإشارة بقوله: "ربما قاده التأمل إلى التقبل". قوله: (ولأنه دخل في بابٍ من التعريض)، نحوه قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢]، وهذا العريض يحتمل أن يكون من الكناية، وأن يكون من المجاز. فإذا قيل: إن الأصنام لا تصلح أن تكون عدوًا لإبراهيم ﵇، كان مجازًا، وإلا فيكون كنايةً، ونحوه قولك: آذيتني فستعرف. قال صاحب "المفتاح": إذا أردت به المخاطب ومع المخاطب إنسانًا آخر، كان من الكناية، وإن لم ترد إلا غير المخاطب كان من المجاز. قوله: (وسمع رجلٌ ناسًا يتحدثون)، قيل: هو علي بن سند مجاور مكة. والحجر بكسر الحاء: الحطيم المدار بالبيت.
[ ١١ / ٣٧١ ]
وقوم عليَّ ذوي مئرة … أراهم عدوّا وكانوا صديقا
ومنه قوله تعالى: (وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) [الكهف: ٥٠]، شبها بالمصادر للموازنة، كالقبول والولوع، والحنين والصهيل. (إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ) استثناء منقطع، كأنه قال: ولكن رب العالمين فَهُوَ يَهْدِينِي يريد أنه حين أتمّ خلقه ونفخ فيه الروح،
_________________
(١) ـ قوله: (وقوم علي ذوي مئرةٍ)، البيت، مئرةٍ): أي مجادلةٍ ومخاصمة. المئرة بالهمز: الذحل والعداوة، وجمعها مئرٌ، يريد: أنه أطلق العدو على الجماعة، والعدو والصديق يجيئان بمعنى الواحدة والجماعة، قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: إن الصديق والعدو كالرسول في أنه يقال للواحد والتثنية والجمع، قال تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وذلك أن الجمع بمنزلة الواحد في الاتفاق على المعنى المقصود. قوله: (﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: استثناءٌ منقطع)، قال صاحب "الكشف": لأنه تعالى ليس من جملة الأعداء أخبر عن الأصنام بأنهم أعداءٌ، ثم أخذ في حديثٍ آخر، فقال: لكن رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون متصلًا، لأن آبائهم قد كان منهم من يعبد الله تعالى وغير الله. والاختيار الأول، لأن قوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ تخلصٌ إلى الأوصاف الآتية. وذهب أبو البقاء وصاحب "الكشف" أن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾: مبتدأٌ، و﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾: الخبر، وما بعدها من ﴿الَّذِي﴾: صفات ﴿الَّذِي﴾: الأولى، ويجوز إدخال الواو في الصفات، وقيل: المعطوف: مبتدأٌ، وخبره محذوفٌ استغناءً: بخبر الأول، وضعف صاحب "الكشف" هذا. وقلت: الأول أيضًا ضعيفٌ، والأولى ما عليه ظياهر كلام المصنف، أن الكل صفاتٌ
[ ١١ / ٣٧٢ ]
عقب ذلك هدايته المتصلة التي لا تنقطع إلى كلّ ما يصلحه ويعنيه، وإلا فمن هداه إلى أن يغتذى بالدم في البطن امتصاصا؟ ومن هداه إلى معرفة الثدي عند الولادة؟ وإلى معرفة مكانه؟ ومن هداه لكيفية الارتضاع؟ إلى غير ذلك من هدايات المعاش والمعاد، وإنما قال: (مَرِضْتُ) دون "أمرضني"؛ لأنّ كثيرا من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك. ومن ثم قالت الحكماء: لو قيل لأكثر
_________________
(١) ـ لقوله: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ والفاء في ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾: للتعقيب لا للتسبيب، كما يلزم من كلامهما، ويعضده (ثم) في قوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، لأنها للتراخي في الزمان كما أن تلك الفاء لغير التراخي لتقابلهما. قوله: (عقب ذلك هدايته المتصلة)، يعني: عطف ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ بالفاء- وهو جملةٌ من اسمٍ وفعلٍ مضارع- مفيدٌ لمعنى الاستمرار، وفي هذا المقام على ﴿خَلَقْتَنِي﴾ وهو ماضٍ، ليدل على الاتصال الذي لا ينقطع، وإليه أشار بقوله: "فمن هداه إلى معرفة الثدي" إلى قوله: "من هدايات المعاش والمعاد" وإلى دار القرار: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [يونس: ٩]، وعل هذا العموم ينبغي أن يحمل على ﴿يَهْدِيَنِ﴾، لا على المتعارف، وإلا فما معنى قوله: "فمن هداه" إلى آخره؟ ونحوه قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] على معنى: أعطى خليقته كل شيءٍ يحتاجون إليه، ويرتفقون به، ثم عرفهم كيف يرتفعون بما أعطاهم وكيف يتوصلون إليه، و"ثم" في هذه الآية مثل الفاء فيما نحن فيه، وبين بها تفضيل الهداية على الإعطاء. قوله: (لأن كثيرًا من أسباب المرض يحدث بتفريطٍ من الإنسان)، وفي معناه أنشد صاحب "المطلع": عدوك من صديقك مستفادٌ … فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه … يكون من الطعام أو الشراب
[ ١١ / ٣٧٣ ]
الموتى: ما سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم. وقرئ: (خطاياي)، والمراد: ما يندر منه من بعض الصغائر، لأنّ الأنبياء معصومون مختارون على العالمين. وقيل: هي قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) [الصافات: ٨٩]، وقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) [الأنبياء: ٦٣]، وقوله لسارّة: هي أختي
_________________
(١) ـ وقال صاحب "الانتصاف": وقال غيره: هو أدبٌ مع اله تعالى: بنسبة النعمة إليه، ولعل الزمخشري عدل عن هذا لأن إبراهيم ﵇ نسب الإماتة إلى الله تعالى وهو أشد من المرض، وهو أيضًا يرد على الزمخشري، فإن الموت أيضًا يكون بتسيبٍ وتفريط، ويمكن الفرق بين الموت والمرض بأن يقال: إن الموت: قضاءٌ محتوم على جميع البشر، بخلاف المرض، فكم من معافًى منه إلى أن يموت، فلا يكون بنسبته إلى الله تعالى سوء أدب، ويؤيده أن كل ما ذكر مع غير المرض ذكره وبتًا، وأما المرض فجعله مع الشرط. قولت- والله تعالى أعلم-: قد سبق أن قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ واردٌ على الاستدراج وإرخاء العنان، فيكون قوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ تخلصًا منه إلى التمكن من إجراء الأوصاف التي يصحح بها معنى الإلهية من كونه خالقًا رازقًا، محييًا ومميتًا، معاقبًا ومثيبًا، تربيةً لمعنى النصح والاستدراج، وبعثًا على التفكر والتدبر، وأما ذكر المرض والشفاء فكالمتابع لمعنى الإطعام والسقي، ولذلك ترك فيهما الموصول إلى الشرط والجزاء، فروعيت فيهما تلك النكتة، ولا يصح مثلها في تلك القرينة. وفي "المطلع": دخول "هو" دليلٌ على أنه لا يهدي ولا يطعم ولا يسقي ولا يمرض ولا يشفي إلى الله تعالى وحده، وذلك أنهم كانوا يقولون: المرض من الزمان، ومن الأغذية، والشفاء من الأطباء والأدوية. قوله: (التخم)، الجوهري: وخم الرجل بالكسر، أي: اتخم، وقد اتخمت من الطعام، وعن الطعام، والاسم التخمة بالتحريك، والجمع تخماتٌ وتخمٌ.
[ ١١ / ٣٧٤ ]
وما هي إلا معاريض كلام، وتخييلات للكفرة، وليست بخطايا يطلب لها الاستغفار. فإن قلت: إذا لم يندر منهم إلا الصغائر وهي تقع مكفرة، فما له أثبت لنفسه خطيئة أو خطايا وطمع أن تغفر له؟ قلت: الجواب ما سبق لي: أن استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم، وهضم لأنفسهم، ويدل عليه قوله (أَطْمَعُ) ولم يجزم القول بالمغفرة. وفيه تعليم لأممهم، وليكون لطفا لهم في اجتناب المعاصي والحذر منها، وطلب المغفرة مما يفرط منهم. فإن قلت: لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، وإنما تغفر في الدنيا؟ قلت: لأنّ أثرها يتبين يومئذ، وهو الآن خفي لا يعلم.
[(رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ* وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ* وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ* وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ* وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ* يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ* إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)].
الحكم: الحكمة، أو الحكم بين الناس بالحق. وقيل: النبوّة، لأنّ النبي ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله. والإلحاق بالصالحين: أن يوفقه لعمل ينتظم به في جملتهم، أو يجمع بينه وبينهم في الجنة. ولقد أجابه حيث قال: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [البقرة: ١٣٠].
_________________
(١) ـ قوله: (وما هي إلا معاريض كلام)، سبق تحقيقه في أول البقرة. قوله: (ويدل عليه قوله: ﴿أَطْمَعُ﴾ ولم يجزم)، أي: يدل على أن استغفار إبراهيم ﵇ كان لمجرد التواضع، لا لطلب الغفران عن الذنوب، لأنه لو كان طلبًا للغفران كان الواجب الجزم في الطلب، لا الظن والرجاء. قال الإمام: هذا الكلام لا يستقيم إلا على مذهبنا، حيث نقول: لا يجب على الله شيءٌ، وأنه يحسن منه كل شيء، ولا اعتراض لأحدٍ عليه. قوله: (أو يجمع بينه وبينهم)، عطفٌ على: "أن يوفقه لعمل ينتظم به"، وكلا الوجهين حسنان، لكن الأول أوفق لتأليف النظم، لأن قوله: ﴿هَبْ لِي حُكْمًا﴾: طلبٌ للعلم
[ ١١ / ٣٧٥ ]
والإخزاء: من الخزي وهو الهوان. ومن الخزاية؛ وهي الحياء
_________________
(١) ـ والنبوة و﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ طلبٌ للعمل بمقتضى العلم، ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾ طلبٌ للذكر الجميل المستلزم لتكميل الغير بعد طلب كمال النفس، ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾: طلبٌ لجمع الشمل معهم في دار الكرامة. وقال القاضي: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا تعاتبني على ما فرطت ولا تنقص مرتبتي عن مرتبة بعض الوراث. الراغب: الصدق والكذب أصلهما في القول، وقد يستعملان في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد، نحو: صدق ظني، وفي فعل الجوارح، نحو: صدق في القتال: إذا وفى حقه وفعل ما يجب، وكذب في القتال، ويعبر عن كل فعلٍ فاضل ظاهرًا وباطنًا: بالصدق، فيضاف إليه، قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾، سأل بحيث إذا أثنى عليه من بعده، لم يكن ذلك الثناء كذبًا قال: إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍ … فأنت كما نثني وفوق الذي نثني قوله: (أو من الخزاية)، بفتح الخاء، النهاية: يقال: خزي يخزى خزايةً، أي: استحياء، فهو خزيان، وخزي يخزى خزيًا، أي: ذل وهان. الراغب: خزي الرجل: لحقه انكسارٌ إما من نفسه أو من غيره، فالأول هو الحياء المفرط، ومصدره الخزاية، ورجلٌ خزيان وامرأةٌ خزيا وجمعه خزايا، وفي الحديث: "اللهم احشرنا غير خزايا ولا نادمين". والثاني: يقال: هو ضربٌ من الاستخفاف، ومصدره الخزي، ورجلٌ خز- قال تعالى:
[ ١١ / ٣٧٦ ]
وهذا أيضا من نحو استغفارهم مما علموا أنه مغفور وفي (يُبْعَثُونَ) ضمير العباد، لأنه معلوم. أو ضمير (الضَّالِّينَ). وأن يجعل من جملة الاستغفار لأبيه، يعني: ولا
_________________
(١) ـ ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [المائدة: ٣٣]- وأخزى يقال منهما، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] يحتملهما. قوله: (وهذا أيضًا من نحو استغفارهم مما علموا أنه مغفورٌ)، ردٌ إلى قوله: "أن استغفار الأنبياء ﵈ تواضعٌ منهم، وهضمٌ لأنفسهم"، يعني: أن الأنبياء ﵈ معصومون عن الذنوب التي تستوجب الاستغفار، لكن استغفارهم لأنفسهم تواضعٌ منهم، ولغيرهم من الضلال إيذانٌ بما علموا أن ذلك الغير مغفورٌ كما في قوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾، فإنه ﵊ ما قال: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ إلا بعدما ظن أنه خارجٌ من زمرة الضالين منخرطٌ في سلك المغفورين، ولذلك قال: ﴿كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾، لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] تفسيرٌ لهذه الآية. قال القاضي: إن كان هذا الدعاء بعد موته فلعله كان لظنه أنه كان يخفي الإيمان تقيةً من نمرود، ولذلك وعده به، أو لأنه لم يمنع بعد من الاستغفار للكفار. قوله: (وأن يجعل من جملة الاستغفار لأبيه)، عطفٌ تفسيريٌ على قوله: "أو: ضمير الضالين"، يعني: إذا جعل الضمير في ﴿يُبْعَثُونَ﴾ للعباد يكون قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ من جملة الأدعية السابقة مستقلةً بنفسها، معطوفةٌ عليها كما سبق، وإذا جعل الضمير للضالين يكون من تتمة الاستغفار لأبيه عطفًا على قوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ فحسب، والأول أوفق، لأن قوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ بدلٌ من قوله: ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، وهو عامٌ في الضالين وغيرهم.
[ ١١ / ٣٧٧ ]
تخزني يوم يبعث الضالون وأبي فيهم. (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ): إلا حال من أتى الله (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وهو من قولهم:
تحيّة بينهم ضرب وجيع
وما ثوابه إلا السيف. وبيانه: أن يقال لك: هل لزيد مال وبنون؟ فتقول: ماله وبنوه: سلامة قلبه، تريد نفي المال والبنين عنه، وإثبات سلامة القلب له بدلا عن ذلك. وإن شئت حملت الكلام على المعنى وجعلت المال والبنين في معنى الغنى،
_________________
(١) ـ قوله: (وهي من قوله: تحية بينهم ضربٌ وجيع)، أي: من أسلوب نفي الشيء على المبالغة، يعني: إن عد الضرب تحيةً، فتحيتهم ذلك. قال صاحب "المفتاح": ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: مقدرٌ على حذف المضاف، وهو إلا سلامة من أتى الله مدلولًا عليه بقرائن الكلام، منزلة السلامة المضافة منزلة المال والبنين بطريق قولهم: عتاب فلانٍ السيف، وأنيسه الأصداء. وقال الذبياني: وقفت فيها أصيلالًا أسائلها … عيت جوابًا وما بالربع من أحد إلا أواري … البيت أراد: إن كان الأرى يعد أحدًا فلا أحد فيه إلا إياه، فالمعنى: يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا سلامة القلب إن عد مالًا وبنين، ولا ارتياب في أنها ليست بمالٍ ولا بنين، فإذًا لا ينفع مالٌ ولا بنون البتة. قوله: (وإن شئت حملت الكلام على المعنى، وجعلت المال والبنين في معنى الغنى)، أي
[ ١١ / ٣٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ جعلتهما نوعين لجنس الغنى، كما جعلهما الله تعالى في معنى الزينة في قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، ولما ناسب سلامة القلب هذا المعنى، لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه، أدخلته فيهما ثم أخرجت بالاستثناء أحد أنواع هذا الجنس، وهو سلامة القلب، ومنه ما روينا عن أحمد بن حنبلٍ والترمذي وابن ماجه، عن ثوبان ﵁ قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية، قال بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -: لو علمنا أي المال خيرٌ اتخذناه، فقال رسول الله - ﷺ -: "أفضل المال لسانٌ ذاكر، وقلبٌ شاكر، وزوجةٌ صالحةٌ تعين المؤمن على إيمانه". والوجهان متقاربان، والفرق هو أن القصد في الأول نفي المدعى على البت بإثبات ما يقابله ويناقضه، والقصد في الثاني إدخاله في جنس ما يخالفه لمعنى مجازيٍّ يشتركان فيه، ثم إخراجه منه، وسيجيء تحقيق هذا الأسلوب، والاختلاف فيه في النمل إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، والله أعلم. ويمكن أن يحمل على معنى الزينة، بأن يقال: يوم لا ينفع زينةٌ قط إلا زينة من حلي قلبه بالإخلاص، وبالرضا عن الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٤٦]، إذ المعنى بالباقيات: ما يبقى لصاحبه من الأعمال ولم يجعله هباء منثورًا بالرياء والسمعة، ولذلك أوثر لفظة "أتى"، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [النمل: ٨٩]، أي: لم يتركها للغير رياءً، وكما تستدعي كلمة "خير" إدخال الباقيات في معنى الزينة، كذلك توجب كلمة "إلا" إدخال سلامة القلب في حكم ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ﴾ المعبران بالزينة. روى السلمي عن بعضهم: علامة سلامة القلب أن يرى راضيًا عن اله تعالى في جميع الأفعال غير متخلل قلبه خلافه بكل حال. وقال أبو عثمان: وهو على أربع منازل: السلامة عن الشرك، وعن الأهواء المضلة، وعن الرياء والعجب، وعن ذكر كل شيءٍ سوى الله تعالى.
[ ١١ / ٣٧٩ ]
كأنه قيل: يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم، لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه، كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه. ولك أن تجعل الاستثناء منقطعا، ولا بدّ لك مع ذلك من تقدير المضاف؛ وهو الحال، والمراد بها سلامة القلب، وليست هي من جنس المال والبنين، حتى يؤوّل المعنى إلى أن المال والبنين لا ينفعان، وإنما ينفع سلامة القلب. ولو لم يقدر المضاف لم يتحصل للاستثناء معنى. وقد جعل (مَنْ)
_________________
(١) ـ قوله: (ولابد لك مع ذلك من تقدير المضاف)، يعني: إنك إن حملت الاستثناء على الانقطاع فلا تستغني عن تقدير المضاف، كما أنك ما استغنيت في الاتصال من تقدير حالٍ، أي سلامة، أو غنى. قوله: (ولو لم يقدر المضاف لم يتحصل للاستثناء معنى)، قال صاحب "التقريب": إذ شرط المنقطع: أن يصح إسناد الفعل الأول إليه ولا يدخل في المستثنى منه. قيل: فيه نظرٌ، لأنا إذا قدرنا المضاف يكون التقدير: لكن حال من أتى الله بقلبٍ سليم ينفعه، ويستقيم المعنى، وكذلك لو لم يقدر، ويكون التقدير: لكن من أتى الله بقلبٍ سليم ينفعه حاله، يستقيم المعنى. وإذا استقام المعنى على التقديرين بناءً على أنه لابد في الاستثناء المنقطع من جعل إلا بمعنى لكن، وتقدير الخبر بعد ذلك، فلا يتعين تقدير المضاف، ولا يفسد المعنى إذا لم يقدر، ويؤيده قول أبي البقاء: أي: لكن من أتى الله يسلم أو ينتفع. وقلت: لكن مراد المصنف من قوله: "ولو لم يقدر المضاف لم يتحصل للاستثناء معنى" شيءٌ آخر، وهو أن المذكور بعد حرف الاستثناء كلمة ﴿مَنْ﴾، وهو بمعنى النفس أو الشخص، وليس المعنى أن نفس الآتي تنفعه، أو تنفع أحدًا بالدفع أو الشفاعة أو النصرة، لكن المعنى: لا ينفعه إلا سلامة قلبه، فلابد من التأويل كيف ما كان، ويدل على أن المستدعي للمضاف لفظ ﴿مَنْ﴾ قوله: "وقد جعل ﴿مَنْ﴾ مفعولًا لـ ﴿يَنْفَعُ﴾، لأن على هذا التأويل لا يحتاج إلى تقدير المضاف، كأنه قيل: لا ينفع مالٌ ولا بنون أحدًا إلا رجلًا سليم قلبه مع ماله. قال أبو البقاء: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ﴾ متصلٌ، وفي موضع نصب بدلًا من المحذوف،
[ ١١ / ٣٨٠ ]
مفعولا لـ (يَنفَعُ)، أي: لا ينفع مال ولا بنون، إلا رجلا سلم قلبه مع ماله؛ حيث أنفقه في طاعة الله، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين وعلمهم الشرائع. ويجوز على هذا (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) من فتنة المال والبنين. ومعنى سلامة القلب: سلامته من آفات الكفر والمعاصي، ومما أكرم الله تعالى به خليله ونبه على جلالة محله في الإخلاص: أن حكى استثناءه هذا حكاية راضٍ بإصابته فيه، ثم جعله صفة له في قوله: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ، إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الصافات: ٨٤]. ومن بدع التفاسير: تفسير بعضهم السليم باللديغ من خشية الله
_________________
(١) ـ أو استثناءً منه، أي: لا ينفع مالٌ ولا بنون أحدًا إلا من أتى، والمعنى أن المال إذا صرف في وجوه البر، والبنين الصالحين ينتفع بهم من نسب إليهم وإلى صلاحهم، أو: هو في موضع رفع على البدل من فاعل ﴿يَنْفَعُ﴾ وغلب من يعقل، والتقدير: إلا مال من، أو بنو من، فإنه ينفع نفسه أو غيره بالشفاعة. قوله: (ومعنى سلامة القلب: سلامته من آفات الكفر والمعاصي)، قال الإمام: المراد: سلامة القلب عن الجهل، والأخلاق الرذيلة، وكما أن صحة البدن وسلامته: عبارةٌ عن حصول ما ينبغي من استقامة المزاج والتركيب والاتصال، ومرضه: عبارةٌ عن زوال إحدى تلك الأمور، كذلك سلامة القلب: عبارةٌ عن حصول ما ينبغي له، وهو العلم والخلق الفاضل، ومرضه: عبارةٌ عن زوال أحدهما، والمعنى: بقلبٍ سليم الخالي عن العقائد الفاسدة، والميل إلى شهوات الدنيا ولذاتها. ويتبع الأعمال الصالحات، إذ من علامة سلامة القلب تأثيره إلى الجوارح. قوله: (تفسير بعضهم السليم باللديغ)، في "حقائق السلمي" عن بعض العارفين: السليم في لسان العرب: اللديغ، واللديغ هو القلق المزعج، فكأنه يقول: قلبٌ لا يهدأ من الجزع والتضرع من مخافة القطيعة.
[ ١١ / ٣٨١ ]
وقول آخر: هو الذي سَلِمَ وسَلَّم وأسْلَمَ وسَالَم واستَسْلَم. وما أحسن ما رتب إبراهيم ﵇ كلامه مع المشركين، حين سألهم أوّلا عما يعبدون سؤال مقرّر لا مستفهم، ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع على تقليدهم آباءهم الأقدمين، فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا أن يكون حجة، ثم صوّر المسألة في نفسه دونهم حتى تخلص منها إلى ذكر الله عز وعلا، فعظم شأنه وعدّد نعمته، من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته، مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعاه بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوّابين، ثم
_________________
(١) ـ قوله: (وقولٌ آخر)، يجوز أن يحمل على بدع التفاسير، لأن التفسير الصحيح شرطه أن يكون مطابقًا للفظ من حيث الاستعمال، سليمًا من التكلف، عريًا عن التعسف، أراد هذا المفسر أن قوله تعالى: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مطابق، والمقام يقتضي الحمل على معانٍ متعددة، سلم، سلم، وأسلم، وسالم، واستسلم، أي: سلم من الشرك والمعاصي، وسلم نفسه وابنه لحكم الله ﷿، وسالم أولياء الله تعالى وحارب أعداءه، وأسلم حيث نظر فعرف من قوله تعالى: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، واستسلم: انقاد لله تعالى وأذعن لعبادته. قوله: (ثم أنحى على آلهتهم). الأساس: انتحاه: قصده، وأنحى عليه باللوائم: إذا أقبل عليه. وعن بعضهم: وحقيقته الإتيان من ناحية، وعلى هذا قراءة من قرأ: "فاليوم ننجيك ببدنك" أي: نلقيك على ناحية من قارعة الطريق. قوله: (ثم صور المسألة في نفسه)، يعني في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ كما قال: قال: "عدوٌ لي" تصوير للمسألة في نفسه على معنى: أني فكرت في نفسي، إلى آخره، ومعنى قوله: "حتى تخلص منها": أنه جعل تصوير المسألة كالتخلص إلى ثناء الله تعالى وحمده وتعظيم شأنه وتعديد آلائه وهو قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إلى آخره.
[ ١١ / ٣٨٢ ]
وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا.
[(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ* وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ* وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ* مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ* فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ* وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ)].
الجنة تكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويغتبطون بأنهم المحشورون إليها، والنار تكون بارزة مكشوفة للأشقياء بمرأى منهم، يتحسرون على أنهم المسوقون إليها: قال الله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) [ق: ٣١]، وقال: (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الملك: ٢٧]، يجمع عليهم الغموم كلها والحسرات، فتجعل النار بمرأى منهم، فيهلكون غما في كل لحظة، ويوبخون على
_________________
(١) ـ قوله: (وتمني الكرة)، عطفٌ على "الندم والحسرة"، والمراد بالدفع في قوله: "وما يدفع إليه المشركون" هو قوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي: لا ينفع شيءٌ قط، إلا الندم على ما فوتوا على أنفسهم من الإتيان بسلامة القلب، وإلا الحسرة على ما كانوا عليه من الضلال، ولا يمنيهم الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويتعظوا، ومن ثم ختمت هذه القصة بقوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، إلى قوله: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه الطريقة إنما تحسن على رأي صاحب "المفتاح"، وذلك أن يحمل قوله: ﴿لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ على معنى لا ينفع شيءٌ ما حمل قولك: لا ينفع زيدٌ ولا عمروٌ، على معنى: لا ينفع إنسانٌ ما. قوله: (فتجعل النار بمرأى منهم)، إلى آخره، تفصيلٌ لقوله: "تجمع عليهم الغموم كلها"، والفاء في "فيهلكون غمًا": للتسبيب لأن النظر إلى النار سببٌ للغم، وفي "فيقال لهم": للتعقيب، أي: إذا قصد التوبيخ يقال ذلك القول. وقوله: "لأنهم وآلهتهم" وقوله: "وقود النار" تعليلٌ لقوله: "يوبخون"، أي: يقال لهم: أين آلهتكم؟ وهي حاضرةٌ معهم
[ ١١ / ٣٨٣ ]
إشراكهم، فيقال لهم: أين آلهتكم؟ هل ينفعونكم بنصرتهم لكم؟ أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم؟ لأنهم وآلهتهم وقود النار، وهو قوله: (فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ) أي: الآلهة (وَالْغاوُونَ): وعبدتهم الذين برزت لهم الجحيم. والكبكبة: تكرير الكب، جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقى في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقرّ في قعرها، اللهم أجرنا منها يا خير مستجار. (وَجُنُودُ إِبْلِيسَ): شياطينه، أو متبعوه من عصاة الجن والإنس.
[(قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ* تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ* وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ* فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ* وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ* فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
يجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح التقاول والتخاصم. ويجوز أن يجري ذلك بين العصاة والشياطين. والمراد بالمجرمين الذين أضلوهم: رؤساؤهم وكبراؤهم، كقوله: (رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) [الأحزاب: ٦٧]، وعن
_________________
(١) ـ في النار، للتوبيخ، وفي معنى قوله: ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ الترقي والمبالغة، أي: كيف يخلصونكم من عذاب النار، بل كيف يقدرون على خلاص أنفسهم منها؟ فوضع ينتصرون، وهو من انتصر منه، أي: انتقم، موضع الاستخلاص مبالغةً وتهكمًا. وقوله: "وهو قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ بيانٌ لمعنى قوله: أنهم وآلهتهم وقود النار". قال الواحدي: وقيل لهم في ذلك اليوم على وجه التوبيخ: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ أي: يمنعونكم من العذاب ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ يمتنعون منه؟ ثم يؤمر بهم فيلقون في النار، فكذلك قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾. قوله: (يجوز أن ينطق اله تعالى الأصنام)، يعني: أن الضمير في ﴿قَالُوا﴾ للأصنام والغاوين وجنود إبليس، يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
[ ١١ / ٣٨٤ ]
السدّي: الأوّلون الذين اقتدينا بهم. وعن ابن جريج: إبليس، وابن آدم القاتل، لأنه أوّل من سنّ القتل وأنواع المعاصي. (فَمَا لَنَا مِنْ شافِعِينَ) كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين (وَلا صَدِيقٍ) كما نرى لهم أصدقاء، لأنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون. وأما أهل النار فبينهم التعادي والتباغض، قال الله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف: ٦٧]؛ أو: (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ* ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء، لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله، وكان لهم الأصدقاء من شياطين الإنس. أو أرادوا أنهم وقعوا في مهلكة علموا أنّ الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم، فقصدوا بنفيهم نفي ما يتعلق بهم من النفع، لأنّ ما لا ينفع: حكمه حكم المعدوم.
والحميم من الاحتمام، وهو الاهتمام،
_________________
(١) ـ قوله: (أو أرادوا: أنهم وقعوا في مهلكةٍ)، يريد: دل مجموع قولهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ على سبيل الكناية وأخذ الزبدة على الإيقاع في المهلكة، ثم الفرق بين الوجوه الثلاثة أنهم- في الأول- نفوا ابتداءً الشفعاء والأصدقاء رأسًا، كما قال: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ كما نرى للمؤمنين، ولا صديق كما نرى لهم، وفي الثاني: أثبتوا في الدنيا شفعاء وأصدقاء، فلما أضلوهما هناك نفوهما، وفي الثالث: وجدوهما حاضرين هنالك، لكن حين لم ينفعونهم جعلوهما كالمعدومين، لأن ما لا ينفع حكمه حكم المعدوم، وقد فسر بالوجوه الثلاثة قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢]. قوله: (والحميم: من الاحتمام، وهو الاهتمام)، النهاية: وفي حديث أبي بكرٍ ﵁: أن أبا الأعور السلمي قال له: "إنا جئناك في غير محمة"، يقال: أحمت الحاجة: إذا أهمت ولزمت. الراغب: الحميم: الماء الشديد الحرارة، قال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ [محمد: ١٥]، وسمي العرق حميمًا على التشبيه. وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ فهو
[ ١١ / ٣٨٥ ]
وهو الذي يهمه ما يهمك. أو من الحامة بمعنى الخاصة، وهو الصديق الخاص. فإن قلت: لم جمع الشافع ووحد الصديق؟ قلت: لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق. ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته، رحمة له وحسبة، وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة. وأما الصديق - وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك - فأعز من بيض الأنوق. وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال: اسم لا معنى له. ويجوز أن يريد بالصديق: الجمع. الكرّة: الرجعة إلى الدنيا. ولو في مثل هذا الموضع في معنى التمني، كأنه قيل: فليت لنا كرة. وذلك لما بين معنى «لو» و«ليت» من التلاقي في التقدير
_________________
(١) ـ القريب المشفق، فكأنه الذي يحتد حماية لذويه، واحتم فلانٌ لفلان: احتد، وذلك أبلغ من اهتم، لما فيه من معنى الاحتمام، وعبر عن الموت بالحمام كقولهم: حم كذا، أي قدر، والحمى سميت بذلك إما لما فيها من الحرارة المفرطة، وعلى ذلك قوله صلوات الله وسلامه عليه: "الحمى من فيح جهنم"، وإما لما يعرض فيه من الحميم، أي العرق، وإما لكونها من أمارات الموت، لقولهم: الحمى بريد الموت، وقيل: باب الموت. قوله: (أو من الحامة بمعنى الخاصة)، الأساس: وهو مولاي الأحم، أي: الأخص والأحب. قوله: (فأعز من بيض الأنوق)، الجوهري: الأنوق، على فعول: طائرٌ وهو الرخمة، وفي المثل: أعز عن بيض الأنوق، لأنها تحرزه ولا يكاد يظفر بها، لأن أوكارها في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة البعيدة. قوله: (لما بين معنيي "لو" و"ليت" من التلاقي في التقدير)، بيانٌ لوجه العلاقة، يعني: كما يقدر بـ "لو" غير الواقع، نحو: لو كان لي مالٌ لحججت، يقدر بـ "ليت" غير الواقع،
[ ١١ / ٣٨٦ ]
ويجوز أن تكون على أصلها ويحذف الجواب، وهو: لفعلنا كيت وكيت.
[(كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)].
القوم: مؤنثة، وتصغيرها قويمة. ونظير قوله (الْمُرْسَلِينَ) - والمراد نوح ﵇: قولك: فلان يركب الدواب ويلبس البرود، وماله إلا دابة وبرد. قيل:
_________________
(١) ـ نحو: ليت الشباب يعود، وإنما الفرق أن الثاني يستعمل في طلب ما لا يمكن حصوله حقيقةً، قال صاحب "المفتاح": إذا قلت: لو يأتيني زيدٌ فيحدثني، بالنصب، طالبًا لحصول الوقوع فيما يفيد "لو" من تقدير غير الواقع واقعًا، وكذا التمني، فعلى هذا: ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ منصوبٌ على جواب التمني. قوله: (ويجوز أن تكون على أصلها)، أي: على الامتناع، فعلى هذا ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوفٌ على ﴿كَرَّةً﴾، أي: لو أن لنا أن نكر فنكون، أي: فأن نكون، قاله أبو البقاء، وعن بعضهم: قوله: ﴿فَنَكُونَ﴾ في تقدير المصدر عطفًا عى "أن"، أي: لو ثبت حصول الكرة فنكون من المؤمنين لفعلنا. قوله: (ونظير قوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ … قولك: فلان)، مبتدأٌ وخبر. قال صاحب "الانتصاف": من كذاب نبيًا واحدًا فقد كذب وجه دلالة معجزته على الصدق، وهذا مشتركٌ بين الجميع، فمن كذب واحدًا فقد كذب الجميع، وهو معنى قوله ﷿: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: إنهم لما كذبوا نوحًا ومن قبله كذبوا إرسال الله أصلًا، كأنهم كذبوا المرسلين، ولما أنكروا إرسال نوح ﵇ كأنهم منكرون المرسلين.
[ ١١ / ٣٨٧ ]
(أَخُوهُمْ)، لأنه كان منهم، من قول العرب: يا أخا بني تميم، يريدون: يا واحدا منهم. ومنه بيت "الحماسة":
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النّائبات على ما قال برهانا
كان أمينا فيهم مشهورا بالأمانة، كمحمد صلوات الله عليه وسلامه في قريش. (وَأَطِيعُونِ) في نصحي لكم وفيما أدعوكم إليه من الحق. (عَلَيْهِ): على هذا الأمر، وعلى ما أنا فيه، يعنى: دعاءه ونصحه ومعنى (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ): فاتقوا الله في طاعتي، وكرره ليؤكده عليهم ويقرّره في نفوسهم، مع تعليق كل واحد منهما بعلة، جعل علة الأوّل كونه أمينا فيما بينهم، وفي الثاني حسم طمعه عنهم.
_________________
(١) ـ قوله: (لا يسألون أخاهم)، البيت، يندبهم: أي: يدعوهم، يقول: لا يسألون من يدعوهم إلى الإغاثة حجةً، ولا يراجعونه في كيفية ما ألجاؤا إليهم فيه، لكنهم يعجلون الإغاثة، وعن بعضهم: الأخوة إما في الدين أو في النسب أو في النسب أو في الشبه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨] أي: شبيهتها في الإعجاز. قوله: (جعل علة الأول كونه أمينًا فيما بينهم)، يعني: لما قال ﵇: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ رتب عليه ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، يعني: إذا كنت رسولًا من عند الله تعالى يجب عليكم أن تعرفوا من أرسلني إليكم، ومن لوازم المعرفة الخشية ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وإذا كنت أمينًا يجب عليكم أن تطعيوني، لأن نصحي لا يكون عن غدرٍ وخيانة، ولما قال: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ رتب عليه أيضًا ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، يعني: من يدعوكم إلى ما ينفعكم دنيا ودينًا بلا شائبة طمع
[ ١١ / ٣٨٨ ]
[(قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)].
وقرئ: (وأَتْباعُك) جمع تابع، كشاهد وأشهاد. أو جمع تبع، كبطل وأبطال. والواو للحال. وحقها أن يضمر بعدها "قَدْ" في: (واتَّبَعَكَ). وقد جمع الأرذل على الصحة وعلى التكسير في قوله: (الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا) [هود: ٢٧] والرذالة والنذالة: الخسة والدناءة. وإنما استرذلوهم لا تضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا. وقيل: كانوا من أهل الصناعات الدنية، كالحياكة والحجامة. والصناعة لا تزري بالديانة، وهكذا كانت قريش تقول في أصحاب رسول الله ﷺ، وما زالت أتباع الأنبياء كذلك، حتى صارت من سماتهم وأماراتهم. ألا ترى إلى هرقل حين سأل أبا سفيان عن أتباع
_________________
(١) ـ يجب عليكم طاعته، وإذا كان رب العالمين هو الذي يكفل أجره يجب عليكم شكره والحذر من كفران نعمته، والله تعالى أعلم. قوله: (وقرئ: "وأتباعك")، قال ابن جني: قرأها ابن مسعودٍ والضحاك وابن السميفع، وفيها وجهان، أحدها: "أتباعك": مرفوعٌ بالابتداء، و"الأرذلون": الخبر، وثانيهما: أن يكون "أتباعك" معطوفًا على الضمير في "نؤمن"، أي: نؤمن بك وأتباعك الأرذلون؟ والأرذلون: وصفٌ لـ "أتباعك"، ويجوز العطف لوقوع الفصل بقوله ﴿لَكَ﴾. قوله: (والصناعة لا تزري بالديانة)، أنشد أبو العتاهية في المعنى: وليس على عبدٍ تقيٍّ نقيصهٌ … إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم قوله: (حتى صارت من سماتهم)، أي: صارت متابعة من اتضع نسبه وقل نصيبه من الدنيا من أمارات من اتسم بسمة النبوة وعلامات من انتصب لمنصب الرسالة. قوله: (ألا ترى إلى هرقل حين سأل أبا سفيان) روينا عن البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: حدثني أبو سفيان من فيه إلى في قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني
[ ١١ / ٣٨٩ ]
رسول الله ﷺ، فلما قال: ضعفاء الناس وأراذلهم قال: ما زالت أتباع الأنبياء كذلك؟ وعن ابن عباس: هم الغاغة. وعن عكرمة: الحاكة والأساكفة. وعن مقاتل: السفلة.
[(قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ* إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ* وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ* إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ)].
(وَمَا عِلْمِي وأى شيء علمى؟ والمراد: انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم لله واطلاعه على سر أمرهم وباطنه. وإنما قال هذا لأنهم قد طعنوا - مع استرذالهم - في إيمانهم، وأنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة، وإنما آمنوا هوى وبديهة، كما حكى الله عنهم في قوله: (الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّايِ) [هود: ٢٧]. ويجوز
_________________
(١) ـ وبين رسول الله - ﷺ -، قال: فبينا أنا في الشام إذ جئ بكتابٍ من النبي - ﷺ - إلى هرقل، فقال هرقل: هل هاهنا أحدٌ من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌ؟ قالوا: نعم، فدعيت في نفرٍ من قريش فأجلسوني بين يديه، وأصحابي خلفي، ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب، إلى أن قال: اتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، وساق الحديث إلى أن قال: سألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أو أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل. هذا مختصٌر من حديثٍ طويل. قوله: (الغاغة)، الجوهري: الغاغة من الناس هم الكثير المختلطون، وعن بعضهم: الغاغة: السفلة يصخبون في الفتن الناس، ونعوذ بالله من قوم إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا. قوله: (الأساكفة)، الأساس: هو إسكافٌ من الأساكفة، وهو الخراز، وقيل: كل صانع. قوله: (﴿بَادِيَ الرَّايِ﴾)، بغير همز، أي: ظاهره، من بدا، أي: ظهر. ويهمز، أي: قلدوك بديهةً من غير تفكرٍ وتروٍّ.
[ ١١ / ٣٩٠ ]
أن يتغابى لهم نوح ﵇. فيفسر قولهم: الأرذلين، بما هو الرذالة عنده، من سوء
_________________
(١) ـ قوله: (أن يتغابى لهم نوحٌ ﵇)، النهاية: الغبي: القليل الفطنة، وقد غبي يغبى غباوةً، ومن حديث علي: تغاب عن كل ما لا يصح لك، أي: تغافل، وفي معناه أنشد صاحب "المفتاح": أتت تشتكي عندي مزاولة القرى … وقد رأت الضيفان ينحون منزلي فقلت- كأني ما سمعت كلامها-: … هم الضيف جدي في قراهم وعجلي وعن بعضهم: التغابي من أخلاق الكرام، والتجاهل من أخلاق السفهاء، قال: ليس الغبي بسيدٍ في قومه … لكن سيد قومه المتغابي وفي الحديث: "عظموا أقداركم بالتغابي"، وذلك أنهم لما قالوا: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، وعنوا الذين لا نسب لهم ولا نصيب من الدنيا، خيل لهم أنهم عنوا بالأراذل: من لا إخلاص له من العمل، ولم يؤمن عن نظرٍ وبصيرة، فأجابهم بقوله: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾، أي: ما علمي بإخلاص أعمال الأراذل، ولا لي اطلاعٌ على سرائرهم إن كان لهم عملٌ سيءٌ أو حسنٌ، فالله محاسبهم ومجازيهم عليه، كأنه أراهم أنه ما عرف من الأراذل والأنذال إلا ذلك، ونحوه سبق في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وقوله - ﷺ -: "سأزيد على السبعين"، ثم جاءه بقوله: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ تتميمًا لما خطأهم فيه، وإليه الإشارة بقوله: "وقصد بذلك رد اعتقادهم وإنكار أن يسمى المؤمن رذلًا وإن كان أفقر الناس وأوضعهم نسبًا"، قال: أبي الإسلام لا أب لي سواه … إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم
[ ١١ / ٣٩١ ]
الأعمال وفساد العقائد، ولا يلتفت إلى ما هو الرذالة عندهم، ثم يبنى جوابه على ذلك فيقول: ما علىّ إلا اعتبار الظواهر، دون التفتيش عن أسرارهم والشق عن قلوبهم، وإن كان لهم عمل سيئ، فالله محاسبهم ومجازيهم عليه، وما أنا إلا منذر لا محاسب ولا مجاز (لَوْ تَشْعُرُونَ) ذلك، ولكنكم تجهلون فتنساقون مع الجهل حيث سيركم، وقصد بذلك ردّ اعتقادهم وإنكار أن يسمى المؤمن رذلا، وإن كان أفقر الناس وأوضعهم نسبا، فإن الغنى غنى الدين، والنسب نسب التقوى. (وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ) يريد: ليس من شأني أن أتبع شهواتكم وأطيب نفوسكم بطرد المؤمنين الذين صح إيمانهم طمعا في إيمانكم، وما علىّ إلا أن أنذركم إنذارا بينا بالبرهان الصحيح الذي يتميز به الحق من الباطل، ثم أنتم أعلم بشأنكم.
_________________
(١) ـ فعلى هذا، التعريف في ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾: للجنس، وعلى الأول: للعهد، لما كان بين نبي الله - ﷺ - وبين القوم ناس أراذل بادي الرأي بزعمهم، ولذلك استشهد بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ﴾ [هود: ٢٧]. قوله: (رذلًا)، بسكون الذال المعجمة. الجوهري: الرذل: الدون الخسيس. قوله: (فإن الغنى غنى الدين)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس". قوله: (ليس من شأني أن أتبع شهواتكم)، يريد أن إيلاء الضمير حرف النفي في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، نحو قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١]، دل على أنهم زعموا أنه موصوفٌ بصفتين، إحدا هما: اتباع أهوائهم بطرد المؤمنين، لأجل أن يؤمنوا. وثانيتهما: أنه نذيرٌ مبين، لأنه جوابٌ عن قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ فقصر الحكم على الثاني دون الأول، وإليه الإشارة بقوله: ما علي إلا أن أنذركم إنذارًا مبينًا، إلى قوله: "ثم أنتم أعلم بشأنكم".
[ ١١ / ٣٩٢ ]
[(قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ* قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ* فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
ليس هذا بإخبار بالتكذيب، لعلمه أن عالم الغيب والشهادة أعلم، ولكنه أراد أنى لا أدعوك عليهم لما غاظونى وآذوني، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك، ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك، فاحكم (بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ). والفتاحة: الحكومة. والفتاح: الحاكم، لأنه يفتح المستغلق كما سمي فيصلا، لأنه يفصل بين الخصومات. الفلك: السفينة، وجمعه فلك: قال الله تعالى: (وتَرَى الفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ) [فاطر: ١٢]؛ فالواحد بوزن قفل، والجمع بوزن أسد، كسروا فعلا على فعل، كما كسروا فعلا على فعل، لأنهما أخوان في قولك: العَرَب والعُرْب، والرَّشَد والرُّشْد. فقالوا: أَسَد وأُسْد،
_________________
(١) ـ قوله: (ليس هذا بإخبار بالتكذيب)، يعني قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ وذلك أنما لما توعدوا بقولهم: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ كان من حق الظاهر أن يقول: يا رب، إن قومي أوعدوني بأن يرجموني، لكن رفع حصة نفسه من البين، ورفع قصة ما يتعلق با لدين، وقال: يا رب، إني لا أدعوك عليهم لما أوعدوني بالرجم، وإنما أدعوك لأنهم كذبوني في وحيك، وإلى هذ المعنى أشار قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وما روينا عن البخاري ومسلم ومالكٍ وأبي داود، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: ما انتقم رسول الله - ﷺ - لنفسه في شيءٍ قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم. قوله: (لأنهما أخوان)، ذكر أبو علي في "القصريات" أن الضمة في "فعل" منزلةٌ
[ ١١ / ٣٩٣ ]
وفلك وفلك. ونظيره: بعير هجان، وإبل هجان. ودرع دلاص. ودروع دلاص، فالواحد بوزن كناز، والجمع بوزن كرام. والمشحون: المملوء. يقال: شحنها عليهم خيلا ورجالا.
[(كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ* أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ* وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)].
قرئ: (بِكُلِّ رِيعٍ) بالكسر والفتح: وهو المكان المرتفع. قال المسيب بن علس:
_________________
(١) ـ منزلة الفتحتين في "فعل"، يعني: أن الضمة التي هي أثقل الحركات قائمةٌ مقام ثنتين خفيفتين. قوله: (دروعٌ دلاصٌ)، الأساس: درعٌ دلاصٌ ودلامص، ودروعٌ دلاصٌ ودلص: ملساء براقة. قوله: (فالواحد بوزن كناز)، الأساس: وكنز التمر: الوعاء. وكنزت الجراب فاكتنز، إذا ملأته جدًا، وناقةٌ كناز اللحم. قوله: (فالواحد بوزن كناز)، الأساس: وكنز التمر: الوعاء. وكنزت الجراب فاكتنز، إذا ملأته جدًا، وناقةٌ كناز اللحم. قوله: (شحنها عليهم خيلًا)، الضمير للمدينة. الجوهري: شحنت البلد بالخيل: ملأته. قوله: (وهو المكان المرتفع)، الراغب: الريع: المكان المرتفع الذي يبدو من بعيد، الواحدة ريعةٌ، وريعان كل شيء: أوائله التي تبدو، وفيه استعير الريع للزيادة والارتفاع الحاصل. قوله: (قال المسيب)، المسيب: صح بكسر الياء، وهو خال الأعشى، سمي مسيبًا
[ ١١ / ٣٩٤ ]
في الآل يرفعها ويخفضها … ريع يلوح كأنّه سحل
ومنه قولهم: كم ريع أرضك؟ وهو ارتفاعها. والآية: العلم وكانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم. فاتخذوا في طرقهم أعلاما طوالا فعبثوا بذلك، لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم.
وعن مجاهد: بنوا بكل ريع بروج الحمام. والمصانع: مآخذ الماء. وقيل: القصور المشيدة والحصون. (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) ترجون الخلود في الدنيا.
_________________
(١) ـ لأن [أباه] استرعاه إبلًا فسيبها وأبهل أصرتها، فقال له: سيبت إبلي، فسمي مسيبًا. قوله: (في الآل يرفعها)، اليبت، علس، بفتح العين المهملة: ضربٌ من الحنطة، تكون حبتان في قشرةٍ. الجوهري: العلس: القراد الضخم، وبه سمي الرجل. يصف الشاعر ظعنًا. الآل: السراب، والسحل: الثوب لا يبرم غزله. الجوهري: السحل: ثوبٌ أبيض من الكرسف من ثياب اليمن. قوله: (لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم)، الانتصاف: وليس بعبثٍ، لأن الحاجة قد تدعو إليه لغيم مطبق أو غيره. قوله: (وقيل: القصور المشيدة والحصون)، هذا أظهر من العبث من المصانع، لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾. قال الإمام: البناء على المرتفع إنما كان مذمومًا لدلالته على السرف والخيلاء، واتخاذ القصور لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا دار ممر، لا دار مقر.
[ ١١ / ٣٩٥ ]
أو تشبه حالكم حال من يخلد. وفي حرف أبي: (كأَنَّكم). وقرئ: (تُخلَدون) بضم التاء مخففا ومشددا (وَإِذا بَطَشْتُمْ) بسوط أو سيف كان ذلك ظلما وعلوا، وقيل: الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب. وعن الحسن: تبادرون تعجيل العذاب، لا تتثبتون متفكرين في العواقب.
[(وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ* أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ* وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)].
بالغ في تنبيههم على نعم الله، حيث أجملها ثم فصلها مستشهدا بعلمهم، وذلك أنه أيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حين قال: (أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ)، ثم عدّدها عليهم وعرّفهم المنعم بتعديد ما يعلمون من نعمته، وأنه كما قدر أن يتفضل عليكم بهذه
_________________
(١) ـ قوله: (تشبه حالكم حال من يخلد)، لعل هذا واردٌ على الاستعارة التمثيلية، نزل فعلهم منزلة الرجاء، كما في قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤]، قال: "اذهبا على رجائكما وطعمكما، وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله. قوله: (كان ذلك ظلمًا وعلوًا)، فيه أن قوله تعالى: ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ جزاءٌ لقوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾، فأتى بالجزاء نفس الشرط للمبالغة، وأوقع ﴿جَبَّارِينَ﴾ حالًا من الضمير المرفوع في ﴿بَطَشْتُمْ﴾. قال القاضي: ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ أي: متسلطين غاشمين بلا رأفةٍ ولا قصد تأديبٍ ونظرٍ في العاقبة، وهو معنى قوله: "يتبادرون في تعجيل العذاب" أي: تعذيب الناس. قوله: (وأنه كما قدر)، عطفٌ على "تعديد"، أي: عرفهم المنعم بأنه كما قدر، أشار بهذا إلى اتصال قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ بما قبله.
[ ١١ / ٣٩٦ ]
النعمة، فهو قادر على الثواب والعقاب، فاتقوه. ونحوه قوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) [آل عمران: ٣٠]. فإن قلت: كيف قرن البنين بالأنعام؟ قلت: هم الذين يعينونهم على حفظها والقيام عليها.
[(قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ* إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ* وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ* فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
فإن قلت: لو قيل أَوَعَظْتَ أو لم تعظ، كان أخصر. والمعنى واحد. قلت: ليس المعنى بواحد وبينهما فرق، لأنّ المراد: سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ، أم لم تكن أصلا من أهله ومباشريه، فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه، من قولك: أم
_________________
(١) ـ قوله: (ونحوه قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾)، يعني: ضم وصف القهارية مع وصف الرحمانية. قوله: (كيف قرن البنين بالأنعام)، يعني: الجمع بينهما كالجمع بين البنين والأنعام، وأجاب: أنهم كانوا أصحاب مواشٍ، وجل اهتمامهم بشأنها، محتاجين إلى من يعينهم على حفظها فمن عليهم بالبنين لذلك، كما أن قوم نوح ﵇ كانوا أرباب بساتين وسائر الأموال قيل لهم: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٢]. قوله: (لأن المراد: سواءٌ علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ، أم لم تكن أصلًا من أهله)، يعني: أتوا في طرف الإثبات بالفعل الصريح الذي دل على حصوله منه مرةً، وفي النفي باسم الفاعل على الاستغراق، نفوا أن يكون من زمرة من حصل منهم هذا الفعل، واستهزأوا فيه، أي: سواءٌ علينا أجددت الوعظ أم استمررت على ما كنت عليه من الإمساك عنه والخمول فيه. واعلم أن في أكثر النسخ: "أو لم تعظ"، بحرف الترديد، والصواب "أم" كما هو في بعض النسخ.
[ ١١ / ٣٩٧ ]
لم تعظ. من قرأ: (خَلْقُ الأوّلين) بالفتح، فمعناه: أنّ ما جئت به اختلاق الأوّلين وتخرّصهم، كما قالوا:
(أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ). أو: ما خلقنا هذا إلا خلق القرون الخالية، نحيا كما حيوا ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب. ومن قرأ: (خُلُقُ) بضمتين، وبواحدة، فمعناه. ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين وعادتهم، كانوا يدينونه ويعتقدونه، ونحن بهم مقتدون. أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت الإعادة لم يزل عليها الناس في قديم الدهر أو ما هذا الذي جئت به من الكذب إلا عادة الأولين، كانوا يلفقون مثله ويسطرونه.
[(كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ* أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ* فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ)].
_________________
(١) ـ قال ابن الحاجب في الفصل بين "أو" و"أم"- في قولك: أزيدٌ عندك أو عمروٌ، وأزيدٌ عندك أم عمروٌ-: إنك في الأول لا تعلم كون أحدهما عنده، فأنت تسأل عنه، وفي الثاني تعلم أن أحدهما عنده إلا أنك لا تعلمه بعينه، فأنت تطالبه بالتعيين. وذكر كلامًا حاصله يؤول إلى أنهم استعملوا الهمزة و"ام" في معنى التسوية مجردًا من غير استفهام، نحو: سواءٌ على أقمت أم قعدت، واستعملوا الجملتين، والثانية معطوفةٌ بـ "أو" في معنى الحال، كقولك: أضرب زيدًا قام أو قعد، ثم قال: فمثل ذلك يلتبس فيه موضع "أم" بموضع "أو"، وكثيرًا ما ترى في كلام المتأخرين وأشعارهم لا يفرقون بينهما، وشرط استعمال "أم": أن تسبقها الهمزة، واستعمال "أو": أن لا تسبقها الهمزة. قوله: (خلق الأولين)، بفتح الخاء وسكون اللام: ابن كثيرٍ وأبو عمروٍ والكسائي، وبضمهما: الباقون.
[ ١١ / ٣٩٨ ]
[(بُيُوتًا فارِهِينَ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ)].
(أَتُتْرَكُونَ) يجوز أن يكون إنكارا لأن يتركوا مخلدين في نعيمهم لا يزالون عنه، وأن يكون تذكيرا بالنعمة في تخلية الله إياهم وما يتنعمون فيه من الجنات وغير ذلك، مع الأمن والدّعة، (فِي مَا هَاهُنَا): في الذي استقر في هذا المكان من النعيم، ثم فسره بقوله: (فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) وهذا أيضا إجمال ثم تفصيل. فإن قلت: لم قال: (وَنَخْلٍ) بعد قوله: (فِي جَنَّاتِ)، والجنة تتناول النخل أوّل شيء كما يتناول النعم الإبل كذلك من بين الأزواج، حتى أنهم ليذكرون الجنة ولا يقصدون إلا النخيل، كما يذكرون النعم ولا يريدون إلا الإبل. قال زهير:
تسقي جنّة سحقا
_________________
(١) ـ قوله: (والدعة)، الجوهري: الدعة: الخفض، والهاء عوضٌ من الواو، ورجلٌ متدعٌ، أي: صاحب دعةٍ وراحة. قوله: (وهذا- أيضًا- إجمالٌ ثم تفصيل)، يعني: كما أن قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مجملٌ، وتفصيله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ واردٌ على المبالغة في التنبيه على نعم الله تعالى، كذلك قوله: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ﴾ مجملٌ، وتفصيله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ واردٌ على المبالغة في التنبيه على نعم الله تعالى، وبهذا ظهر أن الوجه الثاني، وهو أن يكون ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ تذكيرًا للنعمة والهمزة للتقرير لا الإنكار والتوبيخ أولى، لأنه أوفق لتأليف النظم. قوله: (يتناول النعم الإبل كذلك)، أي: يتناول النعم أول شيء الإبل من بين الأزواج الثمانية المذكورة في الأنعام، هذا يختلف باختلاف العرف والأمكنة، وقوم صالح ﵇ كانوا أعرابًا، وأكثر بساتينهم نخيلٌ وأعظم أموالهم إبل. قوله: (تسقي جنةً سحقا)، أوله:
[ ١١ / ٣٩٩ ]
قلت: فيه وجهان: أن يخص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر، تنبيها على انفراده عنها بفضله عليها، وأن يريد بالجنات: غيرها من الشجر، لأنّ اللفظ يصلح لذلك، ثم يعطف عليها النخل. الطلعة: هي التي تطلع من النخلة، كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو. والقنو: اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه وشماريخه. والهضيم: اللطيف الضامر، من قولهم: كشح هضيم، وطلع إناث النخل
_________________
(١) ـ كأن عيني في غربي مقتلةٍ … من النواضح غربي: دلوي: مقتلة، أي: ناقةٌ مدللة، نخلةٌ سحوقٌ: بعيدة الطول في السماء. قوله: (لأن اللفظ يصلح لذلك)، لأن ﴿جَنَّاتٍ﴾ مطلقٌ يصلح للكل وللبعض، وقرينة إرادة البعض: عطف ﴿وَنَخْلٍ﴾ عليه. قوله: (الطلعة: هي التي تطلع من النخلة)، المغرب: الطلع: ما يطلع من النخلة، وهو الكم قبل أن ينشق، ويقال لما يبدو من الكم: طلعٌ أيضًا، وهو شيءٌ أبيض يشبه بلونه الأشنان، وبرائحته المني. قوله: (شماريخ)، النهاية: العثكال: العذق، وكل غصنٍ من أغصانه شمراخ، وهو الذي عليه البسر، والعرجون: العود الأصفر الذي فيه شماريخ العذق، وهو فعلون من الانعراج، وهو الانعطاف، والواو والنون زائدتان. المغرب: العذق، بالفتح: النخلة، وبالكسر: الكباسة، وهي عنقود الثمر. قوله: (والهضيم: اللطيف الضامر)، الراغب: الهضم: شدخ ما فيه رخاوة، يقال: هضمته فانهضم، وذلك كالقصبة المهضومة التي يزمر بها، ومزمارٌ مضهم، وقال تعالى: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ أي: داخلٌ بعضه في بعض، كأنما شدخ، والهاضوم: ما يهضم الطعام وبطنٌ هضوم، وكشحٌ مهضم، وامرأةٌ هضيمة الكشحين.
[ ١١ / ٤٠٠ ]
فيه لطف، وفي طلع الفحاحيل جفاء، وكذلك طلع البرني ألطف من طلع اللون، فذكرهم نعمة الله في أن وهب لهم أجود النخل وأنفعه: لأنّ الإناث ولادة التمر، والبرني: أجود التمر وأطيبه ويجوز أن يريد أن نخيلهم أصابت جودة المنابت وسعة الماء، وسلمت من العاهات، فحملت الحمل الكثير، وإذا كثر الحمل هضم، وإذا قل جاء فاخرا. وقيل: الهضيم: اللين النضيج، كأنه قال: ونخل قد أرطب ثمره. قرأ الحسن: (وتَنْحَتون) بفتح الحاء. وقرئ: (فَرِهين)، و: (فَارِهِينَ). والفَراهة: الكيس والنشاط. ومنه: خيل فرهة، استعير لامتثال الأمر، وارتسامه طاعة الآمر
_________________
(١) ـ قوله: (الفحاحيل)، المغرب: الفحال: واحد فحاحيل النخل خاصةً، وهو: ما يلقح به من ذكر النخل، والفحل عامٌ فيها وفي الحيوان، وجمعه: فحولٌ وفحولة. قوله: (من طلع اللون)، المغرب: اللون: بفتح اللام: الردئ من التمر، وأهل المدينة يسمون النخل كله ما خلا البرني والعجوة: الألوان، ويقال للنخلة اللينة: اللونة، بالكسر والضم. قوله: (وإذا قل جاء فاخرًا)، الجوهري: نخلةٌ فخورٌ، أي: عظيمة الجذع غليظة السعف. الأساس: رطبٌ فاخرٌ: كبيرٌ ضخم، وتقول: إذا قل التمر جاء فاخرًا. قوله: (وقرئ: "فرهين")، الكوفيون وابن عامر: ﴿فَارِهِينَ﴾ بالألف. والباقون: بغير الألف. قوله: (استعير لامتثال الأمر وارتسامه طاعة الآمر)، يعني: عدل عن أن يقال: ولا تمثلوا أمر المسرفين، إلى قوله: لا تطيعوا أمر المسرفين، والفرق أن الطاعة إنما تكون
[ ١١ / ٤٠١ ]
المطاع. أو جعل الأمر مطاعا على المجاز الحكمي، والمراد الآمر. ومنه قولهم: لك عليّ إمرة مطاعة. وقوله تعالى: (وَأَطِيعُوا أَمْرِي) [طه: ٩٠]. فإن قلت: ما فائدة قوله: (وَلا يُصْلِحُونَ)؟ قلت: فائدته أنّ فسادهم فساد مصمت ليس معه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح.
[(قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَاتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)].
_________________
(١) ـ للآمر لا للأمر كما أن الامتثال يكون للأمر لا للآمر، يقال: أمر زيدًا فأطاعه، ويقال: أمره فامتثل أمره. المغرب: امتثل أمره: احتذاه وعمل على مثاله، وقوله: من إعادة محمد بن الحسن ﵀ في تصانيفه أن يمثل بكتاب الله تعالى، فكأنه ظن أنه بمعنى "يقتدي"، فعداه تعديته. قوله: "وارتسامه"، الجوهري: رسمت له كذا فارتسمه، أي: امتثله. قوله: (على المجاز الحكمي)، أي: الإسناد المجازي، قال صاحب "المفتاح": إنما سمي حكميًا لتعلقه بالحكم. قوله: (لك علي أمرةٌ مطاعة)، الجوهري: معناه: لك علي أمرةٌ أطيعك فيها، وهي المرة الواحدة من الأمر، ولا تقل: إمرةٌ بالكسر، إنما الإمرة من الولاية. قوله: (فسادٌ مصمتٌ)، المغرب: بابٌ مصمتٌ: مغلق، وحقيقة المصمت: ما لا جوف له، وحائطٌ مصمت: لا فرجة فيه. والتركيب من باب الطرد والعكس، وفائدته التوكيد والمبالغة كما سيجيء في الروم.
[ ١١ / ٤٠٢ ]
المسحر: الذي سحر كثيرا حتى غلب على عقله. وقيل: هو من السحر الرئة، وأنه بشر.
[(قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ)].
الشرب: النصيب من الماء، نحو السقي والقيت، للحظ من السقي والقوت، وقرئ بالضم.
روى أنهم قالوا: نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا، فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل: صل ركعتين وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم ونتجت سقبا مثلها في العظم. وعن أبى موسى: رأيت مصدرها فإذا هو ستون ذراعا.
وعن قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، ولهم شرب يوم لا تشرب فيه الماء (بِسُوءٍ): بضرب أو عقر أو غير ذلك. عظم اليوم لحلول العذاب فيه
_________________
(١) ـ قوله: (من السحر: الرئة)، الجوهري: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ يقال: المسحر: الذي خلق ذا سحر. قوله: (وأنه بشرٌ)، عطفٌ- من حيث التفسير- على قوله: "من السحر: الرئة"، وفي كلامه إشعارٌ بأن قولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ كنايةٌ عن كونه بشرًا، لأن قولهم: هو ذو سحر: كنايةٌ عن الحيوان، وجمعه بالواو والنون يخصه بالبشر، وقيل: هو خبرٌ بعد خبرٍ لقوله: "هو". قوله: (نحو السقي)، الراغب: يقال للنصيب من السقي، سقيٌ، وللأرض التي تسقى: سقيٌ، لكونهما مفعولين كالنقض. قوله: (ونتجت سقبًا)، الجوهري: السقب: الذكر من ولد الناقة، ولا يقال للأنثى: سقبةٌ، ولكن: حائل.
[ ١١ / ٤٠٣ ]
ووصف اليوم به أبلغ من وصف العذاب، لأن الوقت إذا عظم بسببه كان موقعه من العظم أشد.
[(فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
وروي: أن مسطعا ألجأها إلى مضيق في شعب، فرماها بسهم فأصاب رجلها فسقطت: ثم ضربها قدار. وروي: أنّ عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين، فكانوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون: أترضين؟ فتقول: نعم، وكذلك صبيانهم. فإن قلت: لم أخذهم العذاب وقد ندموا؟ قلت: لم يكن ندمهم ندم تائبين، ولكن ندم خائفين أن يعاقبوا على العقر عقابا عاجلا، كمن يرى في بعض الأمور رأيا فاسدا ويبني عليه، ثم يندم ويتحسر كندامة الكسعي. أو: ندموا ندم تائبين
_________________
(١) ـ قوله: (ووصف اليوم به أبلغ)، لأنه حينئذٍ من باب الكناية. قوله: (ويتحسر كندامة الكسعي)، أي: كتحسر الكسعي عند الندامة. قال الميداني: هو رجلٌ من كسعة، واسمه محارب بن قيس، أنه كان يرعى إبلًا له بوادٍ معشب، فبصر نبعةً في صخرة، فأعجبته، فجعل يتعهدها، حتى إذا أدركت قطعها واتخذ منها قوسًا وخمسة أسهم، ثم خرج حتى أتى موارد خمرٍ فكمن فيها، فمر قطيعٌ فرمى عيرًا منها فأنفذ فيه وجازه، وأصاب الجبل فأورى نارًا، فظن أنه أخطأه، هكذا خمس مرات، ثم عمد إلى قوسه فضرب بها حجرًا فكسرها، فلما أصبح نظر إلى الحمر مطرحةً حوله، وأسهمه بالدم مضرجةٌ، فندم على كسر القوس، فشد على إبهامه فقطعها، وأنشأ يقول: ندمت ندامةً لو أن نفسي … تطاوعني إذن لقطعت خمسي تبين لي سفاه الرأي مني … لعمر أبيك حين كسرت قوسي
[ ١١ / ٤٠٤ ]
ولكن في غير وقت التوبة، وذلك عند معاينة العذاب. وقال ﷿: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) الآية [النساء: ١٨]. وقيل: كانت ندامتهم على ترك الولد، وهو بعيد. واللام في (العذاب): إشارة إلى (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الشعراء: ١٥٦].
[(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ* أَتَاتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ* وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ)].
أراد بـ (العَالَمِينَ): الناس، أي: أتأتون من بين أولاد آدم- على فرط كثرتهم وتفاوت أجناسهم وغلبة إناثهم على ذكورهم في الكثرة - ذُكرانهم، كأن الإناث قد أعوزنكم. أو أتأتون أنتم - من بين من عداكم من العالمين - الذكران، يعنى أنكم -
_________________
(١) ـ وقال الفرزدق: ندمت ندامة الكسعي لما … غدت مني مطلقةً نوار وقال آخر: ندمت ندامة الكسعي لما … رأت عيناه ما فعلت يداه قوله: (ولكن في غير وقت التوبة، وذلك عند معاينة العذاب)، فعلى هذا: الفاء في ﴿فَأَصْبَحُوا﴾ فصيحةٌ، أي: فعقروها فرأوا العذاب فندموا فأخذهم العذاب. قوله: (ذكرانهم)، نصبٌ مفعول "أتأتون". قوله: (قد أعوزنكم)، أعوزه الشيء: إذا احتاج إليه فلم يقدر عليه.
[ ١١ / ٤٠٥ ]
يا قوم لوط وحدكم مختصون بهذه الفاحشة. والعالمون على هذا القول: كل ما ينكح من الحيوان. (مِنْ أَزْواجِكُمْ) يصلح أن يكون تبيينا لـ (مَا خَلَقَ)، وأن يكون للتبعيض، ويراد بـ (مَا خَلَقَ): العضو المباح منهنّ.
وفي قراءة ابن مسعود: (ما أصلح لكم ربكم من أزواجكم)، وكأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم. العادي: المتعدّى في ظلمه، المتجاوز فيه الحدّ، ومعناه: أترتكبون هذه المعصية على عظمها؟ ! (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ) في جميع المعاصي، فهذا من جملة ذاك، أو بل أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان، حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة.
_________________
(١) ـ قوله: (والعالمون على هذا [القول]: كل ما ينكح)، أي: الناكح، وعلى الأول: مراده المنكوح، فيختص بالعقلاء، يقال: فلانٌ ناكحٌ بني فلان، أي: ذات الزوج منهم، ونكحها زوجها: وطئها، والنكاح في الوطء حقيقةٌ، وفي التزوج مجاز، ثم إن العالم إما: اسمٌ لذوي العلم، فهو المعنى بقوله: "من عداكم من العالمين"، أو: لكل ما علم به الخالق، فهو المعني به بهذا التفسير، فاختص الأول بالناس، لقرينة ﴿أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ﴾، والثاني بالحيوان لتلك القرينة، فـ "من"- على الأول- بيانٌ للذكران، وعلى الثاني: بيانٌ للضمير في ﴿أَتَاتُونَ﴾، وعلى الأول يجوز أن يكون تبعيضًا، ذكر في الأعراف في قوله تعالى: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] أنها تبعيضٌ. قوله: (وأن يكون للتبعيض، ويراد بـ ﴿مَا خَلَقَ﴾: العضو المباح)، فـ "من": منصوبٌ: بدلٌ من: ﴿مَا خَلَقَ﴾: المعنى: أتجمعون بين إتيان الذكران، وترك ما أصلح لكم ربكم من العضو المباح في النساء؟ ويؤيده قراءة ابن مسعودٍ. قوله: (أو: بل أنتم قومٌ أحقاء بأن توصفوا بالعدوان)، هذا مبنيٌ على أن ﴿عَادُونَ﴾ مطلقٌ، ولا يقال في أي شيءٍ كان عداوتهم، وعلى الأول مجرى على العموم في جميع ما يصح فيه العدوان من المعاصي.
[ ١١ / ٤٠٦ ]
[(قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)].
(لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ) عن نهينا وتقبيح أمرنا (لَتَكُونَنَّ) من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا وطردناه من بلدنا، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوإ حال: من تعنيف به، واحتباس لأملاكه. وكما يكون حال الظلمة إذا أجلوا بعض من يغضبون عليه، وكما كان يفعل أهل مكة بمن يريد المهاجرة.
[(قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ* رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ* فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ* إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ* ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ* وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
و(مِنَ الْقالِينَ) أبلغ من أن يقول: إني لعملكم قال، كما تقول: فلان من العلماء، فيكون أبلغ من قولك: فلان عالم، لأنك تشهد له بكونه معدودا في زمرتهم، ومعروفة مساهمته لهم في العلم. ويجوز أن يريد: من الكاملين في قلاكم. والقلى: البغض الشديد،
_________________
(١) ـ قوله: (و﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ أبلغ من أن يقول: إني لعملكم قالٍ)، الانتصاف: كثيرًا ما ورد في القرآن خصوصًا في هذه السورة من التعبير عن الفعل إلى الصفة المشتقة، وجعل الموصوف واحدًا من جمع، لأن التعبير بالفعل يفهم وقوعه خاصةً، وأما بالصفة وجعل الموصوف واحدًا من جمع، فيفهم أمرًا زائدًا، وهو جعل ذلك سمةً للموصوف ثابتة التعلق كاللقب المشهور، ولو قلت- مكان قوله تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧]-: رضوا بأن يتخلفوا، لم يزد على الإخبار بتخلفهم، والمتلو ﴿مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ ألحقهم لقبًا رديئًا وصيرهم نوعًا رذلًا. تم كلامه. قوله: (ويجوز أن يريد: من الكاملين)، عطفٌ على قوله: "كما تقول: فلانٌ من العلماء"، ومن حيث المعنى اللام: للعهد، وعلى الثاني: للجنس، وأريد: قومٌ مشهورون، لأن الجنس إذا أطلق على بعضه في مقام المدح حمل على الكمال. قال أبو البقاء: تقديره: إني لعملكم
[ ١١ / ٤٠٧ ]
كأنه بغض يقلي الفؤاد والكبد. وفي هذا دليل على عظم المعصية، والمراد: القلى من حيث الدين والتقوى، وقد تقوى همة الدّين في دين الله حتى تقرب كراهته للمعاصي من الكراهة الجبلية. (مِمَّا يَعْمَلُونَ) من عقوبة عملهم وهو الظاهر. ويحتمل أن يريد
_________________
(١) ـ لقالٍ من القالين، فـ "من": صفةٌ للخبر متعلقةٌ بمحذوف، واللام متعلقةٌ بالخبر المحذوف، وبهذا تخلص من تقديم الصلة على الموصول، إذ لو جعلت ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ الخبر لأعملته في ﴿لِعَمَلِكُمْ﴾. قوله: (من عقوبة عملهم، وهو الظاهر)، وذلك من وجهين، أحدهما: أن استعمال النجاة في الخلاص من العقوبة أظهر من استعماله في العصمة عن الذنوب، وثانيهما: دلالة الدعاء بعد قولهم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ﴾ إلى آخره، على أنه ﵇ حصل على يأسٍ عظيم من إيمان القوم فأذن بأن الإنذار لم يجد فيهم فلم يبق إلا حلول العذاب. ولابد من تحرير هذا المقام والنظر فيه بحسب تأدية الألفاظ للمعاني الواقعة، والواقع أن القوم هلكوا بعذابين: التدمير، وإمطار الحجارة، كما قال: "المراد بتدميرهم: الائتفاك"، وأما الأمطار، فعن قتادة: أمر الله تعالى على شذاذ القوم حجارةً، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢]، فإذن لابد من بيان إفادة الفاء في قوله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ وإفادة "ثم" في ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ﴾، ﴿دَمَّرْنَا﴾ على ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ يلزم أن يكون العذاب ثلاثةً، فلابد من تأويل ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ إما بمعنى الاستجابة، أي: استجابة التنجية لم تتخلف عن الدعاء، أو تقدير الإرادة حتى يصح العطف، وفي قول المصنف إشعارٌ بأن قوله: ونجيناه المراد منه: التنجية من العذاب الكائن قبل التدمير والإمطار لقوله: "لم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم"، والمعنى على التأويل الصحيح: قال لوطٌ: رب نجني وأهلي مما يعملون، فاستجبنا دعاءه في تنجيته وأهله إلا عجوزًا قدرنا غبورها، ثم دمرنا الآخرين وأمطرنا عليهم.
[ ١١ / ٤٠٨ ]
بالتنجية: العصمة. فإن قلت: فما معنى قوله: (فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا)؟ قلت: معناه أنه عصمه وأهله من ذلك إلا العجوز، فإنها كانت غير معصومة منه، لكونها راضية به ومعينة عليه ومحرشة، والراضي بالمعصية في حكم العاصي. فإن قلت: كان أهله مؤمنين ولولا ذلك لما طلب لهم النجاة، فكيف استثنيت الكافرة منهم: قلت الاستثناء إنما وقع من الأهل وفي هذا الاسم لها معهم شركة بحق الزواج وإن لم تشاركهم في الإيمان. فإن قلت: (فِي الْغابِرِينَ) صفة لها، كأنه قيل: إلا عجوزا غابرة، ولم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم قلت: معناه إلا عجوزا مقدّرا غبورها. ومعنى (الْغابِرِينَ): في العذاب والهلاك: غير الناجين. قيل: إنها هلكت مع من خرج من القرية بما أمطر عليهم من الحجارة. والمراد بتدميرهم: الائتفاك بهم، وأمّا الإمطار: فعن قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم حجارة من السماء فأهلكهم. وعن ابن زيد: لم يرض بالائتفاك حتى أتبعه مطرا من حجارة. وفاعل "ساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ"- ولم يرد بالمنذرين قوما بأعيانهم، إنما هو للجنس، والمخصوص بالذّم محذوف، وهو مطرهم.
_________________
(١) ـ قوله: (قيل: إنها هلكت)، قيل: هو بيانٌ لقوله: "أن معنى الغابرين هو: غير الناجين، لأنها هلكت بما وقعت عليها من الحجارة مع قومها الخارجين من تلك البلدة، وهو المراد بكونها في الغابرين، لا أنها كانت في البلدة الموبقة المنقلبة على أهلها. قوله: (الائتفاك بهم)، أفكه عن الشيء يأفكه إفكًا: صرفه، وائتفكت البلاد بأهلها: هلكت. قوله: (شذاذ القوم)، وهم الذين يكونون في القوم وليسوا من قبيلتهم". قوله: (إنما هو للجنس)، قيل: لأن فاعل "ساء" و"بئس" و"نعم" مشروطٌ بأن يكون جنسًا أو مضافًا إلى جنس، ليكون المخصوص بالذم تفسيرًا له، فيحصل في الكلام إبهامٌ وتفسير، فيتمكن في الذهن فضل تمكن، ويحصل به مزيد مدح أو ذم.
[ ١١ / ٤٠٩ ]
[(كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ* إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ* وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ)].
قرئ: (أَصْحَابُ الأَيْكَةِ) بالهمزة وبتخفيفها، وبالجرّ على الإضافة وهو الوجه. ومن قرأ بالنصب وزعم أن ليكة بوزن ليلة: اسم بلد، فتوهم قاد إليه خط المصحف، حيث وجدت مكتوبة في هذه السورة وفي سورة صاد بغير ألف. وفي
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ بالهمزة وبتخفيفها)، الحرميان وابن عامر: "أصحاب ليكةً" بلام مفتوحةٍ من غير همزةٍ بعدها ولا ألفٍ قبلها وفتح التاء، والباقون: بالألف واللام مع الهمزة وخفض التاء وتخفيفها، وبالجر على الإضافة: شاذةٌ. قوله: (ومن قرأ بالنصب وزعم أن "ليكة"- بوزن "ليلة"- اسم بلد، فتوهمٌ)، قال في "الكواشي": هذا تحكمٌ ظاهر، ولعله كان مع آدم ﵇ حين علم آدم الأسماء كلها وضبطها إلى وقت دعواه. وقلت: روى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في "صحيحه": الأيكة وليكة: الغيضة. وقال الزجاج: ويجوز- وهو حسنٌ جدًا- "ليكة" بغير ألفٍ على الكسر، على أن الأصل: الأيكة، وألقيت الهمزة فقيل: ليكة، وأهل المدينة يفتحون- على ما جاء في "التفسير"- اسم المدينة التي كان أرسل إليهم شعيبٌ ﵇. وكان أبو عبيدٍ القاسم بن سلام يختار هذه القراءة، لأن "ليكة" لا تنصرف، وذكر أنه اختارها لموافقة الكتاب مع ما جاء في التفسير: كان المدينة تسمى ليكة، وتسمى الغيضة التي تضم هذا الشجر.
[ ١١ / ٤١٠ ]
المصحف أشياء كتبت على خلاف قياس الخط المصطلح عليه، وإنما كتبت في هاتين السورتين على حكم لفظ اللافظ، كما يكتب أصحاب النحو "لان" و"لولى"، على هذه الصورة؛ لبيان لفظ المخفف، وقد كتبت في سائر القرآن على الأصل، والقصة واحدة، على أن ليكة اسم لا يعرف. وروى أن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتف، وكان شجرهم الدوم. فإن قلت: هلا قيل: أخوهم شعيب، كما في سائر المواضع؟ قلت: قالوا: إن شعيبا لم يكن من أصحاب الأيكة. وفي الحديث: إن شعيبا أخا مدين، أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة.
[(أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ* وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ* وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ* وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ)].
الكيل على ثلاثة أضرب: واف، وطفيف، وزائد. فأمر بالواجب الذي هو الإيفاء، ونهى عن المحرّم الذي هو التطفيف، ولم يذكر الزائد، وكأن تركه عن الأمر والنهي دليل على أنه إن فعله فقد أحسن، وإن لم يفعله فلا عليه. قرئ: (بالقسطاس)
_________________
(١) ـ قوله: (كما يكتب أصحاب النحو: "لان" و"لولى"، على هذه الصورة لبيان لفظ المخفف)، قال الزجاج: الأولى بسكون اللام وإثبات الهمزة أجود اللغات، وبعدها "لولى" بضم اللام وطرح الهمزة، والقياس: إذا تحركت اللام أن يسقط ألف الوصل، لأن ألف الوصل إنا اجتلبت لسكون اللام، وقد قرئ: "عاد اللولى" على هذه اللغة، فعلى هذا "لان" أصله: الآن، فألقيت حركة الهمزة الثانية على لام التعريف حين خففت، وحذفت همزتها فصار: لان، ذكر في كتاب "خط المصحف" أن في مصحف عبد الله وأبي: "لولى" بلا همزة. قوله: (الدوم)، الجوهري: هو شجرة المقل.
[ ١١ / ٤١١ ]
مضمومًا ومكسورا وهو الميزان وقيل: القرسطون، فإن كان من القسط؛ وهو العدل وجعلت العين مكررة: فوزنه فعلاس، وإلا فهو رباعي. وقيل: وهو بالرومية العدل. يقال: بخسته حقه، إذا نقصته إياه. ومنه قيل للمكس: البخس، وهو عامّ في كل حق ثبت لأحد أن لا يهضم، وفي كل ملك
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: القرسطون)، قيل: القرسطون: القبان الصغير، وهو لغةٌ رومية. قوله: (فوزنه: فعلاس)، قيل: فيه نظرٌ، والصواب أن وزنه: فعلاع، لأن التكرير يقتضي أن يوزن بما قبله. فإن قلت: فعل ذلك لعدم "فعلاع" كما قيل في بطنان؟ قلت: ذلك لوجود "فعلان"، نحو عثمان وغفران، وأما فعلاسٌ فلم يوجد أصلًا. وأيضًا فقد نتكلم هنا على فرض كونه من القسط وتكرير العين، فعلى هذا يجب التعبير عنه بما تقدمه جزمًا. فإن قيل: عدول المصنف إلى أن وزنه "فعلاسٌ" إشارةٌ إلى أنه ليس هذا بالحقيقة تكريرًا للعين، فإن العين لا تضاعف وحدها مع تخلل اللام، لما يلزم من الفصل الممتنع عندهم، ولذلك قالوا: لا تزاد الفاء وحدها مطلقًا. قلت: قد صرح بتكرير العين، فكيف يحمل على ذلك، فهو واردٌ عليه من هذا الوجه أيضًا، إلا أن يقال: في عبارته تساهلٌ، على أن الكوفيين يجوزون مثل هذه الزيادة. قوله: (وهو عامٌ في كل حقٍّ ثبت لأحد)، ففي الكلام ترق، ذكر أولًا الأمر بإيفاء الكيل، وأكده بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ على الطرد والعكس، ثم ترقى إلى الأمر بالعدل في الموازين فإنها أكثر استعمالًا من المكاييل، ثم جاء بها العام، ثم بأعم منه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، فإن بخس الأشياء أعم من أن يكون في المكيال أو الميزان، والعثو أعم من تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد، وإليه الإشارة بقوله: "وذلك نحو قطع الطريق والغارة وإهلاك الزروع".
[ ١١ / ٤١٢ ]
أن لا يغصب عليه مالكه ولا يتحيف منه، ولا يتصرف فيه إلا بإذنه تصرفا شرعيا. يقال: عثي في الأرض وعثى وعاث، وذلك نحو: قطع الطريق، والغارة، وإهلاك الزروع، وكانوا يفعلون ذلك مع توليهم أنواع الفساد فنهوا عن ذلك. وقرئ: (الجُبُلَّة) بوزن الأبلة. و: (الجِبْلة) بوزن الخلقة. ومعناهنّ واحد، أى: ذوى الجبلة، وهو كقولك: والخلق الأوّلين.
[(قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ* وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ)].
فإن قلت: هل اختلف المعنى بإدخال الواو هاهنا وتركها في قصة ثمود؟ قلت: إذا أدخلت الواو فقد قصد معنيان: كلاهما مناف للرسالة عندهم: التسحير والبشرية،
_________________
(١) ـ قوله: (أن لا يغصب عليه مالكه)، قال نور الدين الحكيم: هذا الاستعمال غير موافقٍ لما ذكره في "المفصل" في قوله: غصبت عليه الضيعة. من "الصحاح". الغصب: أخذ الشيء حكمًا ظلمًا، تقول: غصبته منه، وغصبته عليه. فما في "المفصل" هو الصحيح المعول عليه، والعذر في هذا الاستعمال أنه على تقدير أن لا يغصب مالكه حال كونه متسلطًا عليه شرعًا. قوله: (وقرئ: "الجبلة")، قال ابن جني: وهي قراءة الحسن بخلافٍ وأبي حصين. قوله: (الأبلة)، الجوهري: الأبلة، بالضم وتشديد اللام: الفدرة من التمر، أي القطعة، والأبلة: اسم مدينةٍ إلى جنب البصرة. قوله: (إذا دخلت الواو فقد قصد معنيان)، إلى آخره. فإن قلت: هذا بيان خاصية
[ ١١ / ٤١٣ ]
وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرا، ولا يجوز أن يكون بشرا، وإذا تركت الواو فلم يقصد إلا معنى واحد وهو كونه مسحرا، ثم قرر بكونه بشرا مثلهم. فإن قلت: "إن" المخففة من الثقيلة ولامها كيف تفرقتا على فعل الظنّ وثاني مفعوليه؟ قلت: أصلهما أن يتفرقا على المبتدأ والخبر، كقولك: إن زيد لمنطلق، فلما كان البابان - أعنى باب "كان" وباب "ظننت"- من جنس باب المبتدأ والخبر، فعل ذلك في البابين فقيل: إن كان زيد لمنطلقا، وإن ظننته لمنطلقا.
_________________
(١) ـ التركيب، فما بيان الأبلغية واختصاص الواو بموضع دون موضع؟ قلت: التركيب بدون الواو في قصة ثمود يفيد التوكيد والتقرير، والقطع بأنه بشرٌ مثلهم، أي: لا ينبغي أن نؤمن برسالاتك إلا بشيء تمتاز به عنا، ولهذا قالوا: ﴿فَاتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، والقوم أنصفوا في الطلب، ولهذا قال: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ﴾، وأما قوم شعيبٍ ﵇ فإنهم أثبتوا له شيئين: كونه مسحرًا، وكونه بشرًا مثلهم، كل واحدٍ منهما مستقلٌ في المنع من كونه رسولًا، يعني: نحن وأنت في عدم صلاحية الرسالة لكوننا بشرًا سواءٌ، ولك المزيد علينا في كونك مسحرًا دوننا، ثم أكدوا ذلك بقولهم: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، والظن بمعنى اليقين، ولذلك أدخل "إن" واللام. ولما كان هذا الرد أبلغ من الأول ما طلبوا البرهان كما طلبوا، حيث قالوا: ﴿فَاتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، بل قطعوا بما يدل على اليأس من إيمانهم بقولهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ استهزاءً كما قطع قريشٌ بقولهم: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وإلى هذا المعنى رمز بقوله: "ولو كان فيهم أدنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم"، ثم بين الله تعالى استمرارهم على ما كانوا عليه بقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ﴾ أي: استمروا على ذلك وكذبوه تكذيبًا غب تكذيب، هذا معنى الفاء والتكرير في ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾، واتصل بذلك عذاب يوم الظلة. انظر أيها المتأمل في إعجاز التنزيل ومواقع هذه الحروف الثلاثة، أعين: الواو والفاءين، لئلا تغفل عن موقع كل حرف، فتكون أهلًا لأن تخوض فيه، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كان لنهتدي لولا أن هدانا الله.
[ ١١ / ٤١٤ ]
[(فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)].
قرئ: (كِسَفًا) بالسكون والحركة، وكلاهما جمع كسفة، نحو: قطع وسدر. وقيل: الكسف والكسفة، كالريع والريعة، وهي القطعة. وكسفه: قطعه. والسماء: السحاب، أو المظلة. وما كان طلبهم ذلك إلا لتصميمهم، كالجحود والتكذيب. ولو كان فيهم أدنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم فضلا أن يطلبوه. والمعنى: إن كنت صادقا أنك نبىّ، فادع الله أن يسقط علينا كسفا من السماء.
(قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ) [الشعراء: ١٨٨].
رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ) يريد: أنّ الله أعلم بأعمالكم وبما تستوجبون عليها من العقاب، فإن أراد أن يعاقبكم بإسقاط كسف من السماء فعل، وإن أراد عقابا آخر فإليه الحكم والمشيئة.
[(فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ومَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ* وإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ)].
(فَأَخَذَهُمْ) الله بنحو ما اقترحوا من عذاب الظلة إن أرادوا بالسماء السحاب،
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: ﴿كِسَفًا﴾ بالسكون والحركة)، بالحركة: حفصٌ، والباقون: بالسكون. قوله: (﴿فَأَخَذَهُمْ﴾ الله بنحو ما اقترحوا من عذاب الظلة)، يعني: الظلة في عذاب يوم الظلة عين السماء في قوله: ﴿كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ فالسماء إن أريد بها السحاب فأخذهم الله تعالى بنحو ما اقترحوا وإن أريد به المظلة فقد خالف بهم. وقلت: المخالفة أنسب على أن يفسر شعيبٍ ﵇ على غير ما فسره المصنف بأن يجعل من باب الأسلوب الحكيم، فإنهم حين طلبوا إسقاط الكسف من السماء
[ ١١ / ٤١٥ ]
وإن أرادوا المظلة فقد خالف بهم عن مقترحهم. يروى: أنه حبس عنهم الريح سبعا، وسلط عليهم الومد، فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظلّ ولا ماء ولا سرب، فاضطرّوا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. وروي: أنّ شعيبا بعث إلى أمتين: أصحاب مدين، وأصحاب الأيكة، فأهلكت مدين بصيحة جبريل، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة. فإن قلت: كيف كرّر في هذه السورة في أوّل كل قصة وآخرها ما كرّر؟ قلت: كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها، وأن تختتم بما اختتمت
_________________
(١) ـ عنادًا وجحودًا، قال: ربي أعلم بعملكم وبما تستحقونه من العذاب، فإنه فوق ما تطلبونه، ولذلك عاقبهم بحبس الريح، وتسليط الوعد، ثم أمطرت عليهم نارًا فاحترقوا كما قال. قوله: (وسلط عليهم الومد)، الجوهري: الومد والومدة بالتحريك: شدة حر الليل. قوله: (فأهلكت مدين بصيحة جبريل ﵇)، قالوا: الصواب: برجفة الأرض، لقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٩١]، والصيحة كانت لقوم صالح ﵇، لقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١]، وفيه نظر، لما ورد في سورة الأعراف في حق قوم صالح وشعيب: الرجفة، وفي سورة هود في حقهما: الصيحة. قوله: (كيف كرر في هذه السورة)، يعني قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ وفي آخرها: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. قوله: (كل واحدةٍ منها تدلي بحق)، الأساس: ومن المجاز: أدلى بحقه وحجته: أحضرها، وأدلى بمال فلانٍ إلى الحكام: رفعه.
[ ١١ / ٤١٦ ]
به، ولأنّ في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس، وتثبيتا لها في الصدور. ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم إلا ترديد ما يراد تحفظه منها، وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلب وأرسخ في الفهم وأثبت للذكر وأبعد في النسيان؟ ولأنّ هذه القصص طرقت بها آذان وقر عن الإنصات للحق، وقلوب غلف عن تدبره، فكوثرت بالوعظ والتذكير، وروجعت بالترديد والتكرير لعل ذلك يفتح أذنا، أو يفتق ذهنا، أو يصقل
_________________
(١) ـ قوله: (أو يفتق ذهنًا)، من فتق الفجر: انشقاقه، لعله أخذه من قوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]، أو من الفتق الذي هو بمعنى الافتضاض تشبيهًا للنكاح بالأبكار. ذكر من فوائد التكرير وعدها خصالًا ثلاثًا، أولاها: أن الفائدة راجعةٌ إلى القصص وأن كل واحدةٍ منها كافيةٌ في الاعتبار مزجرةٌ للزاجرين. وثانيتها: الدلالة على أن التكرير في نفسه مفيدٌ ومؤثرٌ في نفسه وبه تحصل الملكات. وثالثتها: أن الفائدة راجعةٌ إلى المخاطبين ومؤذنةٌ بأنهم من المصممين الذين لا تنجع فيهم المواعظ مرةً أو مرتين، وهذا الوجه هو المقصود في الإيراد في هذه السورة، لأن السورة من مفتتحها إلى مختتمها مشحونةٌ بذكر المعاندين من قوم رسول الله - ﷺ -، وذكر القصص لوعيدهم وتسليةً لقلب حبيبة صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك لا ينافي اعتبار الفائدتين الأخيرتين، ومن ثم وصل قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: حفظكه وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى حتى اتصل بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بيانًا لعنادهم، وتقريرًا بأن كلًا من القصص مستقلة. قال القاضي: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تقريرٌ لحقيقة تلك القصص، وتنبيهٌ على إعجاز القرآن ونبوة محمدٍ - ﷺ -، فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيًا من الله تعالى.
[ ١١ / ٤١٧ ]
عقلا طال عهده بالصقل، أو يجلو فهما قد غطى عليه تراكم الصدأ.
[(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ* وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ)].
(وَإِنَّهُ): وإن هذا التنزيل، يعنى: ما نزل من هذه القصص والآيات. والمراد بالتنزيل:
المنزل. والباء في (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ) و(نَزَّلَ به الرُّوحَ) على القراءتين للتعدية. ومعنى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ): جعل الله الروح نازلا به (عَلى قَلْبِكَ) أي: حفظكه وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) [الأعلى: ٦]. (بِلِسانٍ) إما أنّ يتعلق بـ (المُنذِرِينَ)، فيكون المعنى: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان، وهم خمسة: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل ومحمد ﵈.
_________________
(١) ـ قوله: (على القراءتين للتعدية)، ابن عامرٍ وأبو بكرٍ وحمزة والكسائي: "نزل به" بتشديد الزاي "الروح الأمين" بنصبهما، والباقون: بتخفيف الزاي والرفع للاسمين. قوله: (ومعنى "نزل به الروح": جعل الله تعالى الروح نازلًا به ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾)، هذا بيان اتصال ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ بقوله: ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وكيفية التنزيل من رب العالمين، يعني: كان ذلك التنزيل بواسطة ملكٍ مقربٍ مطاع عند ذي العرش مكين، وفيه رمزٌ على قوله بعد ذلك: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، ثم في تعلق ﴿بِلِسَانٍ﴾ بقوله: ﴿نَزَلَ﴾ تتميمٌ لهذا المعنى، ومن ثم قال: "وفي هذا الوجه أن تنزيله بالعربية … تنزيلٌ له على قلبك"، وفي اختلاف مجيء ﴿لِسَانَ﴾ من التنكير في التنزيل، والتعريف في التفسير، حيث قال: "المعنى: نزله باللسان العربي" الإشارة إلى أن الأصل التعريف فيه، وأنه للعهد، وأوثر التنكير في التنزيل، ليؤذن بالتعظيم والتفخيم.
[ ١١ / ٤١٨ ]
وإما أن يتعلق بـ (نَزَلَ)، فيكون المعنى: نزله باللسان العربي؛ لتنذر به، لأنه لو نزله باللسان الأعجمى، لتجافوا عنه أصلا، ولقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه فيتعذر الإنذار به. وفي هذا الوجه: أن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك، لأنك تفهمه ويفهمه قومك. ولو كان أعجميا لكان نازلا على سمعك دون قلبك، لأنك تسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها ولا تعيها، وقد يكون الرجل عارفا بعدّة لغات، فإذا كلم بلغته التي لقنها أو لا ونشأ عليها وتطبع بها، لم يكن قلبه إلا إلى معاني الكلام يتلقاها بقلبه ولا يكاد يفطن للألفاظ كيف جرت، وإن كلم بغير تلك اللغة وإن كان ماهرا بمعرفتها، كان نظره أولا في ألفاظها ثم في معانيها، فهذا تقرير أنه نزل على قلبه لنزوله بلسان عربى مبين. (وَإِنَّهُ): وإن القرآن، يعني: ذكره مثبت في سائر الكتب السماوية. وقيل: إن معانيه فيها. وبه يحتج لأبي حنيفة ﵀
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: إن معانيه فيها)، وفيه إشعارٌ بأن الوجه هو الأول، لأن المقصود في الإيراد إثبات النبوة، وتقريع المكذبين على أن القرآن المجيد نازلٌ من عند الله نزل به الروح الأمين، وأنه ليس من قبيل إلقاء الجن: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وفي قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ إيماءٌ على بيان $$$$، وأنه بنفسه دليلٌ بينٌ على حقيقته، ومع ذلك أنه مذكورٌ في كتب الأولين، ومبشرٌ على لسان الأقدمين، ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ والضمير في ﴿يَعْلَمَهُ﴾ راجعٌ إلى القرآن، ولذلك قال: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ [القصص: ٥٣]. ولقد أنصف المصنف من نفسه في الفروع في هذا المقام وفي كثيرٍ مما يحاكيه، ليته ما بالغ في الأصول، تجاوز الله تعالى عنه. وقال صاحب "التقريب": وفي الاحتجاج نظرٌ، لأنه على حذف المضاف، وهو المعاني، لا على تسميتها قرآنًا. ولناصر القول الثاني أن يقول: إن الضمير في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هو هذا بعينه، كرر لإناطة معنى آخر به، وهو بمعنى اسم الإشارة، والمشار إليه ما سبق من القصص والآيات، يدل عليه قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ﴾، يعني: ما نزل من هذه القصص والآيات، فيكون المعنى: إن هذ المذكور منزلٌ عليك بلسانٍ عربيٍّ مبين ومعانيه
[ ١١ / ٤١٩ ]
في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة على أن القرآن قرآن إذا ترجم بغير العربية، حيث قيل: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ)؛ لكون معانيه فيها. وقيل: الضمير لرسول الله ﷺ وكذلك في (أَنْ يَعْلَمَهُ) [الشعراء: ١٩٧]، وليس بواضح.
[(أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ)].
وقرئ: (يَكُنْ) بالتذكير. و(آيَةً) بالنصب على أنها خبره، و(أَنْ يَعْلَمَهُ) هو الاسم. وقرئ:
(تكن) بالتأنيث، وجعلت (آيَةً) اسماء، و(أَنْ يَعْلَمَهُ) خبرا، وليست كالأولى لوقوع النكرة اسما والمعرفة خبرا، وقد خرّج لها وجه آخر ليتخلص من ذلك، فقيل: في (يَكُنْ) ضمير القصة، و(آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ) جملة واقعة موقع الخبر. ويجوز على هذا أن يكون (لَهُمْ آيَةً) هي جملة الشأن، و(أَنْ يَعْلَمَهُ) بدلا عن (آيةٌ). ويجوز مع نصب "الآية" تأنيث (تَكُنْ)، كقوله: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا) [الأنعام: ٢٣] ومنه بيت لبيد:
_________________
(١) ـ منزلٌ في سائر الكتب، ولذلك يصدقه علماء بني إسرائيل، حيث وجدوه موافقًا لما في كتبهم. وعلى هذا سائر المعاني من إثبات التوحيد، وتأسيس الأحكام، والحث على مكارم الأخلاق. وأما الاحتجاج به على جواز القراءة بالفارسية فمشكلٌ. والله تعالى أعلم. قوله: (وقرئ: ﴿يَكُن﴾ بالتذكير)، قرأ ابن عامرٍ بالتاء الفوقانية، و"آيةٌ" بالرفع، والباقون: بالياء والنصب. قوله: (وقد خرج لها وجهٌ)، في "المطلع): قال أبو علي الفارسي: إذا اجتمع في باب كان معرفةٌ ونكرة، فالذي يجعل الاسم منهما المعرفة كما في المبتدأ والخبر، وقد يجيء على قلبه في الشعر إذا اضطر إليه، ولا يجوز في التنزيل، ووجهه أن في ﴿يَكُن﴾ ضمير القصة، و"آيةٌ": خبر مبتدأٍ متقدم عليه، فالجملة في موضع نصب، كما تقول: كان زيدٌ منطلقٌ، على معنى: كان الأمر هذا. قوله: (ويجوز مع نصب "الآية" تأنيث "تكن")، لأن المراد بالعلم الآية، كقولهم: من كانت أمك، قال: وإنما أنث لوقوع الخبر مؤنثًا.
[ ١١ / ٤٢٠ ]
فمضى وقدّمها وكانت عادة … منه إذا هي عرّدت أقدامها
وقرئ: (تعلمه) بالتاء. عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ: عبد الله بن سلام وغيره. قال الله تعالى: (وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) [القصص: ٥٣]. فإن قلت: كيف خط في المصحف (عُلَمَؤا) بواو قبل الألف؟ قلت: خط على لغة من يميل الألف إلى الواو، وعلى هذه اللغة كتبت الصلوة والزكاة والربوا.
[(وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ* فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ* كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ* لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ* فَيَاتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ* فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ* أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ* أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ* ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ)].
الأعجم: الذي لا يفصح وفي لسانه عجمة واستعجام. والأعجمي مثله، إلا أن فيه لزيادة ياء النسبة زيادة تأكيد. وقرأ الحسن: (الأعجميين). ولما كان من يتكلم
_________________
(١) ـ قوله: (فمضى وقدمها)، البيت، يصف الحمار والأتان. وعردت: تأخرت وجبنت، والتعريد: التأخير والجبن، وقيل: الإقدام بمعنى التقدمة، ولذلك أنث فعلها، وقيل: لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه. والاستشهاد في تأنيث الفعل لتأنيث الخبر، وإن كان الاسم، أي: إقدامها، مذكرًا، والضمير في إقدامها للأتان. يقول: مضى العير نحو الماء وقدم الأتان لئلا يتأخر، وكانت إقدام الأتان عادةً من العير إذا هي تأخرت عن الجبن. قوله: (وقرأ الحسن: الأعجميين)، قال: ابن جني: هذه القراءة عذرٌ في القراءة المجتمع عليها، وتفسيرٌ للغرض فيها، وذلك أن ما كان من الصفات على أفعل وأنثاه فعلاء لا يجمع بالواو والنون عجماء، ولكن سببه أنه يريد الأعجميين، ثم حذف ياء النسب، وجعل جمعهما
[ ١١ / ٤٢١ ]
بلسان غير لسانهم لا يفقهون كلامه، قالوا له: أعجم وأعجمي، شبهوه بمن لا يفصح ولا يبين، وقالوا لكل ذي صوت من البهائم والطيور وغيرها: أعجم، قال حميد:
ولا عربيّا شاقه صوت أعجما
(سَلَكْناهُ): أدخلناه ومكناه. والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربيٍّ
_________________
(١) ـ بالواو والنون دليلًا عليها، وأمارةً لإرادتها كما جعلت صحة الواو في عواور أمارةً لإرادة الياء في عواوير. قوله: (ولا عربيًا شاقه صوت أعجما)، قبله: وما هاج هذا الشوق إلا حمامةٌ … دعت ساق حرٍّ ترحةً وترنما تغنت على غصنٍ عشاءً فلم تدع … لنائحةٍ في نوحها متندما عجبت لها أنى يكون غناؤها … فصيحًا ولم تفغر بمنطقها فما ولم أر مثلي شاقه صوت مثلها … ولا عربيًا شاقه صوت أعجما يصف صوت قمري: ساق حر: ذكر القماري. متندمًا: لائمًا. فغرفاه: أي فتحه، ويقال لكل صوتٍ من البهائم والطيور: أعجم. قوله: (والمعنى: إنا أنزلنا هذا القرن)، بيانٌ لنظم قوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ بالمعاني السابقة، فقوله: "إنا أنزلنا هذا القرآن على رجلٍ عربي بلسان عربيٍّ مبين" إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾. وقوله: "وإنه معجزٌ لا يعارض بكلام مثله" إشارةٌ إلى قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. وقوله: "وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتب المنزلة قبله" إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وقوله: "ولو نزلناه على بعض الأعاجم" إلى آخره، إشارةٌ إلى الآية الأخيرة، هذا، وإن ظاهر قوله:
[ ١١ / ٤٢٢ ]
بلسان عربي مبين، فسمعوا به وفهموه وعرفوا فصاحته وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتب المنزلة قبله على أن البشارة بإنزاله وتحلية المنزل عليه وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه وقصصه، وصحّ بذلك أنها من عند الله وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به وجحدوه، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى، وقالوا: هو من تلفيق محمد وافترائه. (وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ) الأعاجم الذي لا يحسن العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله (فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ) هكذا فصيحا معجزا متحدّى به، لكفروا به كما كفروا، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ولسموه سحرا، ثم قال: (كَذلِكَ سَلَكْناهُ) أي: مثل هذا السلك سلكناه في قلوبهم، وهكذا مكناه وقرّرناه فيها، وعلى مثل هذه الحال وهذه الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه فيها، فكيفما فعل بهم وصنع وعلى أي وجه دبر أمرهم، فلا سبيل أن يتغيروا عما هم عليه من جحوده وإنكاره، كما قال: (وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) [الأنعام: ٧]
_________________
(١) ـ "مثل ذلك السلك سلكناه في قلوبهم"، وعلى قلوبهم، وقوله: "لا يؤمنون به" موضحٌ لقوله: ﴿نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ مشعرٌ بأن المشار إليه هو قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾، حيث جعله صفة مصدرٍ محذوف، وجعل ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بيانًا له، ولو جعل ﴿كَذَلِكَ﴾ متبدأ، و﴿نَسْلُكُهُ﴾ الخبر ليكون المشار إليه ما تضمن معنى الآيات السابقة من مفتتح السورة، وهو ما ذكره: "وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا به وجحدوه وسموه شعرًا"، إلى قوله: "لكفروا به كما كفروا، ولتمحلوا لجحودهم" إلى آخره. وكان قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ استئنافًا لبيان موجب ذلك السلك على مذهب أهل السنة، لجاء النظم غير متعسف. قال القاضي في سورة الحجر: وفيه دليلٌ على انه تعالى يوجد الباطل في قلوبهم. قوله: (وتحلية المنزل)، يقال: حليت الرجل تحليةً: وصفت حليته.
[ ١١ / ٤٢٣ ]
فإن قلت: كيف أسند السلك بصفة التكذيب إلى ذاته؟ قلت: أراد به الدلالة على تمكنه مكذبا في قلوبهم أشدّ التمكن، وأثبته فجعله بمنزلة أمر قد جبلوا عليه وفطروا. ألا ترى إلى قولهم: هو مجبول على الشح؟ يريدون: تمكن الشحّ فيه، لأنّ الأمور الخلقية أثبت من العارضة، والدليل عليه: أنه أسند ترك الإيمان به إليهم على عقبه؛ وهو قوله: (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ). فإن قلت: ما موقع (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) من قوله: (سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ)؟ قلت: موقعه منه موقع الموضح والملخص، لأنه مسوق لثباته مكذبا مجحودا في قلوبهم، فأتبع ما يقرّر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به وجحوده حتى يعاينوا الوعيد. ويجوز أن يكون حالا، أى: سلكناه فيها غير مؤمن به. وقرأ الحسن: (فتأتِيهم) بالتاء يعني: الساعة. و(بَغَتةً) بالتحريك. وفي حرف أبىّ: (ويروه بغتة). فإن قلت: ما معنى التعقيب في قوله: (فَيَاتِيَهُمْ بَغْتَةً) (فَيَقُولُوا)؟ قلت: ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة فيه في الوجود، وإنما المعنى ترتبها في الشدّة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب فما هو أشدّ منها؛ وهو لحوقه بهم مفاجأة، فما هو أشدّ منه وهو سؤالهم النظرة. ومثال ذلك أن تقول لمن تعظه: إن أسات مقتك الصالحون فمقتك الله، فإنك لا تقصد بهذا الترتيب أنّ مقت الله يوجد عقيب مقت الصالحين، وإنما قصدك إلى ترتيب
_________________
(١) ـ قوله: (كيف أسند السلك بصفة التكذيب إلى ذاته؟)، يعني: إذا رجع الضمير من قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ إلى المنزل، كان معناه ما قال: "وعلى مثل هذه الحال، وهذه الصفة وضعناه فيها"، فكيف يجوز إسناده إلى الله تعالى؟ وأجاب: أنه أريد بالإسناد إلى الله الدلالة على تمكن المنزل في قلوبهم حال كونه مكذبًا به على سبيل الكناية، فقوله: "مكذبًا": حالٌ مؤكدةٌ من الضمير في "تمكنه"، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [الأحقاف: ٧]، وقيل: حالٌ مقدرةٌ، وفي "المطلع": الضمير في سلكناه للشرك والتكذيب، قال ابن عباس والحسن وغيرهما: سلكنا الشرك والتكذيب في قلوب مشركي مكة.
[ ١١ / ٤٢٤ ]
شدّة الأمر على المسيء، وأنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين، فما هو أشدّ من مقتهم:
وهو مقت الله، وترى "ثمّ" يقع في هذا الأسلوب فيحل موقعه. (أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ) تبكيت لهم بإنكار وتهكم، ومعناه: كيف يستعجل العذاب من هو معرض لعذاب يسأل فيه من جنس ما هو فيه اليوم من النظرة والإمهال طرفة عين فلا يجاب إليها؟ ! ويحتمل أن يكون هذا حكاية توبيخ يوبخون به عند استنظارهم
_________________
(١) ـ قوله: (وترى)، أي: وأنت ترى لفظة "ثم"، يريد أن "ثم" إذا وقعت فيما لم يصح فيه معنى ما وضعت له من التراخي في الزمان، حملت على التراخي في الرتبة، ففعل بالفاءين هاهنا، أعني في قوله: ﴿فَيَاتِيَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَيَقُولُوا﴾ حيث لم يستقما أن يجريا على موضوعهما من التعقيب ما فعل بـ "ثم" في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]. قوله: (تبكيتٌ لهم بإنكارٍ وتهكم)، والتبكيت من بكتة بالحجة، أي: غلبه. البكت: القطع، و"من" في "من النظرة": بيان "ما" في "ما هو فيه"، ومعنى التبكيت: أنه لما قيل: ﴿فَيَاتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ عقب ذلك بقوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ إسكاتًا لهم مع إنكارٍ وتهكم، أي: كيف يستعجلون ما حاله ما ذكر، وهي أنه ما يأتيهم بغتةً، ويسألون عند ذلك الإمهال فلا يمهلون، والعاقل لا يستعجل ما فيه دماره. وهذا معنى التبكيت، لأنه كلامٌ جارٍ على العرف والعادة، والعاقل لا يدفع الكلام المنصف ولهذا قال: "من جنس ما هو [فيه] اليوم النظرة". قوله: (معرض لعذاب)، أي: منصوبٌ له. الجوهري: وعرضت فلانًا لكذا، فتعرض هو له. قوله: (يوبخون به عند استنظارهم)، أي: يوبخون يوم القيامة بقوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ حين يطلبون الإمهال بقولهم: هل نحن منظرون؟ و﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾ على هذا: مضارعٌ وقع موقع الماضي على حكاية الحال الماضية في الدنيا، وكان من حق الظاهر: أفبعذابنا استعجلتم؟
[ ١١ / ٤٢٥ ]
يومئذ، و(يَسْتَعْجِلُونَ) على هذا الوجه حكاية حال ماضية. ووجه آخر: متصل بما بعده، وذلك أنّ استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن ولا لا حق بهم، وأنهم ممتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، فقال عز وعلا: (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ) أشرا وبطرا واستهزاء واتكالا على الأمل الطويل؟ ! ثم قال: هب أنّ الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم وتعميرهم، فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ما ينفعهم حينئذ ما مضى من طول أعمارهم وطيب معايشهم. وعن ميمون بن مهران: أنه لقي الحسن في الطواف، وكان يتمنى لقاءه فقال له: عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية. فقال ميمون: لقد وعظت فأبلغت. وقرئ: (يُمْتَعُون) بالتخفيف.
_________________
(١) ـ قوله: (ووجهٌ آخر: متصلٌ بما بعده)، يعني بقوله: ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾، ويتم الكلام عند قوله: ﴿نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ ثم يبتدئ من قوله: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا﴾ على تأويل: أتستهزئون فتستعجلون بعذابنا؟ فالفاء في ﴿أَفَبِعَذَابِنَا﴾ عطفٌ على هذا المقدر، وفي ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾ للتسبيب، أي: استهزاؤهم ذلك سببٌ لأن يتعجب منهم ويقال لكل سامع: أرأيت إن متعناهم سنين، فإذن الهمزة ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾: مقحمةٌ لمزيد الإنكار والتعجب وعلى الأول الفاء في ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾: عاطفةٌ، عطفت ﴿رأيت﴾ على مقدر، أي: أ×بر فيتعجب؟ والهمزة غير مقحمةٍ فتكون الجملة مستقلة. قوله: (ثم قال: هب أن الأمر كما يعتقدون)، هو معنى قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ﴾ أي: أخبرني ﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾. قوله: (لقد وعظت فأبلغت)، يعني: هذه الآية من الجوامع في باب الوعظ. روينا عن مسلم، عن أنسٍ ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغةً ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيمٌ قط، فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة"، الحديث.
[ ١١ / ٤٢٦ ]
[(وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ)].
(مُنْذِرُونَ) رسل ينذرونهم (ذِكْرى) منصوبة بمعنى تذكرة، إمّا لأن "أنذَرَ"، و"ذكَّر" متقاربان، فكأنه قيل: مذكرون تذكرة. وإمّا لأنها حال من الضمير في (مُنذِرُونَ)، أي: ينذرونهم ذوي تذكرة. وإمّا لأنها مفعول له، على معنى: أنهم ينذرون لأجل الموعظة والتذكرة. أو مرفوعة على أنها خبر مبتدإ محذوف، بمعنى: هذه ذكرى. والجملة اعتراضية. أو صفة بمعنى: منذرون ذوو ذكرى. أو جعلوا ذكرى، لإمعانهم في التذكرة وإطنابهم فيها. ووجه آخر: وهو أن تكون (ذِكْرَى) متعلقة بـ (أَهْلَكْنَا) مفعولا له. والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم، ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، فلا يعصوا مثل عصيانهم، (وَما كُنَّا ظالِمِينَ) فنهلك قوما غير ظالمين. وهذا الوجه عليه المعوّل. فإن قلت: كيف عزلت الواو عن الجملة بعد (إلَّا) ولم تعزل عنها في قوله: (وَمَا أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ) [الحجر: ٤]؟ قلت: الأصل عزل
_________________
(١) ـ قوله: (لإمعانهم في التذكرة)، أي: مبالغتهم، كقولك: رجلٌ عدلٌ، ويقال: أمعن الفرس: تباعد في عدوه، وأمعن في السير: أبعد وأسرع. قوله: (تذكرةً وعبرةً لغيرهم)، الجوهري: العبرة: الاسم من الاعتبار. وعن بعضهم: العبرة: الحالة التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى مرتبة العلم، ولهذا سمي القياس عبرة، ومنه العبارة والعبرة. قوله: (وهذا الوجه عليه المعول)، أي: الاعتماد، لأنه تعالى لما بين أن أولئك المشركين المستهزئين لا يؤمنون بالكتاب ولا بالرسول حتى يروا العذاب الأليم حين لا تنفعهم الآيات، أتى بهذه الآية بيانًا لاستحقاقهم العذاب والاستئصال، وأن يجعلوا نكالًا وعبرة لغيرهم كما جرت سنة الله تعالى في الأمم السالفة والقرون الخالية.
[ ١١ / ٤٢٧ ]
الواو؛ لأن الجملة صفة لـ (قَرْيَةٍ)، وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف كما في قوله: (سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) [الكهف: ٢٢].
[(وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ)].
كانوا يقولون: إنّ محمدا كاهن، وما يتنزل عليه من جنس ما يتنزل به الشياطين على الكهنة، فكذبوا بأنّ ذلك مما لا يتسهل للشياطين ولا يقدرون عليه، لأنهم مرجومون بالشهب معزولون عن استماع كلام أهل السماء. وقرأ الحسن: (الشياطون)، ووجهه: أنه رأى آخره كآخر يبرين وفلسطين، فتخير بين أن يجري الإعراب على النون، وبين أن يجريه على ما قبله، فيقول: الشياطين والشياطون، كما تخيرت العرب بين أن يقولوا. هذه يبرون ويبرين. وفلسطون وفلسطين. وحقه أن تشتقه من الشيطوطة؛ وهي الهلاك،
_________________
(١) ـ قوله: (وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف)، يعني: ليس افتقار القرية في إهلاكها إلى بعثة الرسول لإلزام الحجة، كافتقارها إلى سبق التقدير، وضرب الأجل، وكم من قريةٍ أهلكت ولم يصل إليها نذيرٌ، نعم، قد يصل إليها إنذارهم. وقد اعترض صاحب "الفرائد" ومنع صحة دخول الواو بين الصفة والموصوف، وجوابه ما سبق في "الكهف". قوله: (أن تشتقه من الشيطوطة)، عن بعضهم، أو من شاط، أي: احترق من نار الغضب، وبعضهم جعل نونه أصليةً، قال أمية بن أبي الصلت في وصف سليمان: أيما شاطنٍ عصاه عكاه … ثم يلقى في السجن والأغلال عكاه: قيده
[ ١١ / ٤٢٨ ]
كما قيل له الباطل. وعن الفرّاء: غلط الشيخ في قراءته: (الشياطون)، ظنّ أنها النون التي على هجاءين، فقال النضر بن شميل: إن جاز أن يحتج بقول العجاج ورؤبة، فهلا جاز أن يحتجّ بقول الحسن وصاحبه! - يريد: محمد ابن السميقع - مع أنا نعلم أنهما لم يقرءا به إلا وقد سمعا فيه!
_________________
(١) ـ قوله: (النون التي على هجاءين)، وفي الحاشية: الكوفيون يسمون جمع السلامة الجمع على هجاءين، أي: ظن أن النون هي النون التي تجيء بعد واو الجمع ويائه. وقال الزجاج: وقرأ الحسن: "وما تنزلت به الشياطون"، وهو غلطٌ عند النحويين، ومخالفٌ للمصحف والقراء. وقال ابن جني بعد إطنابه في تصحيح هذه القراءة: وعلى كل حال، فـ "الشياطون" غلط. وقلت: والعجب من المصنف كيف قام على ساق جده في التمحل لهذه القراءة التي ليست تثبت لا روايةً ولا دراية، ويقول: "مع أنا نعلم أنهما لم يقرءا به إلا وقد سمعا فيه"، ويتقاعد إذا سمع من الأئمة المشاهير وأعلام المسلمين أدنى خلاف، كابن عامرٍ وحمزة، لاسيما في هذه السورة في "ليكة" عن الحرميين وابن عامر. قوله: (فقال النضر بن شميل)، قال ابن الأنباري: هو أخذ العلم عن الخليل وعن فصحاء العرب، وأخذ عنه أبو عبيدٍ القاسم بن سلام، وصنف كتبًا. قوله: (بقول العجاج)، هو: عجاج بن رؤبة الراجز السعدي من بني سعد بن تميم.
[ ١١ / ٤٢٩ ]
[(فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)].
قد علم أنّ ذلك لا يكون، ولكنه أراد أن يحرّك منه؛ لازدياد الإخلاص والتقوى.
وفيه لطف لسائر المكلفين، كما قال: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ) [الحاقة: ٤٤]، (فَإن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إلَيْكَ) [يونس: ٩٤]. فيه وجهان: أحدهما أن يؤمر بإنذار الأقرب فالأقرب من قومه، ويبدأ في ذلك بمن هو أولى بالبداءة، ثم بمن يليه. وأن يقدّم إنذارهم على إنذار غيرهم، كما روي عنه ﵇: أنه لما دخل مكة قال: "كل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأوّل ما أضعه ربا العباس". والثاني: أن يؤمر بأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة، ولا يحابيهم في
_________________
(١) ـ قوله: (كل ربًا في الجاهلية موضوع)، روينا عن الترمذي وابن مجاه والدرامي، عن عمرو بن الأحوص، سمعت رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع: "ألا أن كل ربًا في الجاهلية موضوعٌ، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون". وعن ابن ماجه والدرامي عن عمر بن الخطاب: أن آخر ما نزل آية الربا. وكذا عن البخاري عن ابن عباس. قوله: (تحت قدمي)، أي: مهدرٌ. يقول الموادع لصاحبه: اجعل ما سلف تحت قدميك: طأه واقمعه. قوله: (أن يؤمر بأن لا يأخذه ما يأخذ القريب)، الفرق أن "أفعل" على الأول على بابه، وعلى هذا لمجرد الزيادة، ولذلك قال في الأول: "الأقرب فالأقرب"، وفي الثاني: "القريب للقريب".
[ ١١ / ٤٣٠ ]
الإنذار والتخويف. وروي: أنه صعد الصفا لما نزلت، فنادى الأقرب فالأقرب فخذا فخذا، وقال: "يا بنى عبد المطلب، يا بنى هاشم، يا بنى عبد مناف، يا عباس عمّ النبي يا صفية عمة رسول الله، إني لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالى ما شئتم".
وروي: أنه جمع بني عبد المطلب- وهم يومئذ أربعون رجلا: الرجل منهم يأكل الجذعة، ويشرب العس- على رجل شاة وقعب من لبن، فأكلوا وشربوا حتى صدروا، ثم أنذرهم فقال: "يا بني عبد المطلب، لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدّقى؟ " قالوا: نعم. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".
وروي: أنه قال: "يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، افتدوا أنفسكم من النار
_________________
(١) ـ قوله: (وروي: أنه صعد الصفا)، الحديث مرويٌ عن الأئمة مع اختلافٍ كثير، وأما حديث جمع بني عبد المطلب قد ذكره أحمد بن حنبلٍ في "مسنده" مع اختلافٍ أيضًا. وأما ذكر عائشة وحفصة في الرواية الأخيرة فيتوهم أنهما كانتا زوجين لرسول الله - ﷺ - حينئذٍ، وليس كذلك، فإنه صلوات الله وسلامه عليه تزوج بهما بعد قدومه المدينة. قوله: (يا عباس عم النبي - ﷺ -)، ترقى في القريب من العم وإلى العمة في الأشخاص، كما ترقى من بني عبد المطلب إلى بني منافٍ في القبيلة. قوله: (ويشرب العس)، الجوهري: العس: القدح العظيم، والرفد أكبر منه. والقصب: قدحٌ صغير. و"على رجل": متعلقٌ بـ "جمع".
[ ١١ / ٤٣١ ]
فإني لا أغني عنكم شيئا"، ثم قال: "يا عائشة بنت أبي بكر، ويا حفصة بنت عمر، ويا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، اشترين أنفسكنّ من النار فإني لا أغني عنكنّ شيئا".
[(وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ)].
الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع ولين الجانب. ومنه قول بعضهم:
وأنت الشّهير بخفض الجناح … فلا تك في رفعه أجدلا
ينهاه عن التكبر بعد التواضع. فإن قلت: المتبعون للرسول هم المؤمنون، والمؤمنون
_________________
(١) ـ قوله: (فإني لا أغني عنكم)، أي: لا أدفع، قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]. قوله: (مثلًا)، أي: صارت الاستعارة التمثيلية لكثرة استعمالها مثلًا في التواضع، وبلغ مبلغ الأمثال السائرة. قوله: (وأنت الشهير)، أي: المشهور بالتواضع. الأجدل: الصقر، لجدالته، أي: قوته. قوله: (المتبعون للرسول هم المؤمنون)، توجيه السؤال أن قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهرًا غير صالح لأن يقع بيانًا لقوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ﴾، لأن ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ لا إبهام فيه، ولا يحتمل غير المؤمنين.
[ ١١ / ٤٣٢ ]
هم المتبعون للرسول، فما قوله: (لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)؟ قلت: فيه وجهان: أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين؛ لمشارفتهم ذلك، وأن يريد بالمؤمنين المصدّقين بألسنتهم، وهم صنفان: صنف صدّق واتبع رسول الله فيما جاء به، وصنف ما وجد منه إلا التصديق فحسب، ثم إمّا أن يكونوا منافقين أو فاسقين، والمنافق والفاسق لا يخفض لهما الجناح. والمعنى: من المؤمنين من عشيرتك وغيرهم، يعني: أنذر قومك فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، فإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرك بالله وغيره.
[(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ* الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ* وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ* إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)].
(وَتَوَكَّلْ) على الله يكفك شر من يعصيك منهم ومن غيرهم
_________________
(١) ـ وأجاب من وجهين: أن المؤمنين يراد بهم الذين لم يؤمنوا بعد، بل شارفوا لأن يؤمنوا، كالمؤلفة مجازًا باعتبار ما يؤول، وكان من اتبعك شائعًا فيمن آمن حقيقةً، ومن آمن مجازًا، فبين بقوله: ﴿مِنَ﴾ أن المراد بهم المشارفون، أي: تواضع لهؤلاء استمالةً وتأليفًا. وثانيهما: أن يراد بالمؤمنين: الذين قالوا: آمنا، وهم صنفان: صنفٌ صدق واتبع، وصنفٌ ما وجد منهم إلا التصديق، فقيل: من المؤمنين وأريد بعض الذين صدقوا واتبعوا، أي: تواضع لهم محبةً ومودةً، فـ "من"- على الأول: بيانٌ، وعلى الثاني: تبعيضٌ، وموقعه موقع البدل ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ﴾، والتقدير: واخفض جناحك لبعض المؤمنين، وهم الذين اتبعوك، ومن ثم فصلهم بقوله: "فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، فإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم". والذي هو أجرى على أفانين البلاغة أن يحمل الكلام على أسلوب وضع المظهر موضع المضمر، وأن الأصل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ منهم، فعدل إلى "المؤمنين"، ليعم وليؤذن أن صفة الإيمان هي التي تستحق أن يكرم صاحبها، ويتواضع لأجلها من اتصف بها، سواءٌ كان من عشيرتك أو من غيرهم.
[ ١١ / ٤٣٣ ]
والتوكل: تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره. وقالوا:
_________________
(١) ـ قوله: (والتوكل: تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره)، هذا موافقٌ لكلام الشيخ العارف الأنصاري: التوكل: كلة الأمر كله إلى مالكه، والتعويل على وكالته. لكن قوله الآخر: "المتوكل: من إن دهمه أمرٌ لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصيةٌ لله" من أحط مراتب التوكل وأدناها. وقال العارف: التوكل على ثلاث درجات، كلها تسير مسير العامة، الأولى: التوكل مع الطلب ومعاطاة السبب على نية شغل النفس ونفع الخلق وترك الدعوى. والثانية: التوكل مع إسقاط الطلب وغض العين عن السبب اجتهادًا في تصحيح التوكل، وقمع تشرف النفس، وتفرغًا لحفظ الواجبات. والثالثة: التوكل مع معرفة التوكل النازعة إلى الخلاص من علة التوكل، وهو أن يعلم أن ملكة الحق تعالى للأشياء ملكة عزةٍ لا يشاركه فيها مشار:، فيكل شركته إليه، فإن من ضرورة العبودية أن يعلم العبد أن الحق هو مالك الأشياء وحده. وعنى بقوله: "مع معرفة التوكل النازعة إلى الخلاص من علة التوكل": أن يعلم أن الله تعالى لم يترك أمرًا مهملًا، بل فرغ من الأشياء كلها وقدرها، وإن اختلف منها شيءٌ في العقول، أو تشوش في المحسوس، أو اضطراب في المعهود المدبر، وشأنه سوق المقادير إلى المواقيت، فالمتوكل: من أراح نفسه من كد النظر، ومطالعة السبب، سكونًا إلى ما سبق من القسمة مع استواء الحالين، وهو أن يعلم أن الطلب لا يجمع، والتوكل لا يمنع، ومتى طالع بتوكله عوضًا كان توكله مدخولًا، وقصده معلولًا، وإذا خلص من رق هذه الأسباب، ولم يلاحظ في توكله سوى خالص حق الله ﷿، كفاه الله تعالى كل مهم. وإلى المرتبة الأولى الإشارة بترتب الأمر بالتوكل على وصف الرحيم، فإن من رحمته تعالى جعله صلوات الله وسلامه عليه سببًا لإرشاد الخلق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً﴾
[ ١١ / ٤٣٤ ]
المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله، فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة ثم سأل غيره خلاصه، لم يخرج من حد التوكل، لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله. وفي مصاحف أهل المدينة والشام: (فتوكل)، وبه قرأ نافع وابن عامر، وله محملان في العطف: أن يعطف على (فَقُلْ) [الشعراء: ٢١٦]، أو (فَلا تَدْعُ) [الشعراء: ٢١٣]. (عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ): على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم برحمته. ثم أتبع كونه رحيما على رسوله ما هو من أسباب الرحمة: وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل من قيامه للتهجد، وتقلبه في تصفح أحوال المتهجدين من أصحابه، ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون، ويستبطن سر أمرهم، وكيف يعبدون الله، وكيف يعملون لآخرتهم، كما يحكى: أنه حين نسخ فرض قيام الليل، طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون؛ لحرصه عليهم وعلى ما
_________________
(١) ـ [الأنبياء: ١٠٧]، وإلى المرتبة الثانية الإشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، أي: حين تتفرغ لأداء حفظ الواجبات، لأن في حفظ الواجبات تصحيح أمر التوكل، وفي الإخلاص فيها، بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، المومى إليك بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾، فمع تشرف النفس، وإلى الرتبة الثالثة الإشارة بقوله تعالى: ﴿الْعَزِيزِ﴾، كما قال العارف: "أن يعلم أن ملكة الحق تعالى للأشياء ملكة عزة، لا يشاركه فيها مشاركٌ". ولعل السر في تقديم هذا الاسم على الوصفين الأخيرين اقتضاء مقام التسلي عن المشاق اللاحقة من القوم إليه، لأن قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾، كأنه قيل: فإن لم ينتفعوا بإنذارك ولم ينجع فيهم وعظك تبرأ منهم، وكل أمرك وأمرهم إلى العزيز الغالب القاهر، واشتغل بدعوة من يقبل دعوتك، وبلغ إليهم ما أنزل إليك من الرحمة من ربك، واخفض جناحك لهم رحمةً، لأنك رحمةٌ مهداةٌ إلى الخلق، وتفرغ لعبادة ربك بالليل والنهار. قوله: (حين نسخ فرض قيام الليل)، أي: بقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] أي: أسقط عنكم.
[ ١١ / ٤٣٥ ]
يوجد منهم من فعل الطاعات وتكثير الحسنات، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع منها من دندنتهم بذكر الله والتلاوة. والمراد بـ (السَّاجِدِينَ): المصلُّون. وقيل: معناه: يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة. وتقلبه في الساجدين: تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمّهم. وعن مقاتل: أنه سأل أبا حنيفة ﵀: هل تجد الصلاة في الجماعة في القرآن؟ فقال: لا تَحضُرُني، فتلا له هذه الآية. ويحتمل أنه: لا يخفى عليه حالك كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين، (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ) لما تقوله (الْعَلِيمُ) بما تنويه وتعمله. وقيل: هو تقلب بصره فيمن يصلي خلفه، من قوله ﵇: «أتموا الركوع والسجود، فو الله إني لأراكم من خلف ظهري إذا ركعتم وسجدتم". وقرئ: (ويُقَلِّبُك).
[(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ* تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ)].
(كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ): هم الكهنة والمتنبئة،
_________________
(١) ـ قوله: (من دندنتهم)، في "الفائق": الدندنة: كلامٌ أرفع من الهينمة تردده في صدرك تسمع نغمته ولا يفهم. قوله: (قوله: إني لأراكم خلف ظهري)، روينا في "صحيح البخاري" عن أنسٍ، قال: أقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله - ﷺ - بوجهه، فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري". وفي رواية أبي داود عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - كان يقول: "استووا، استووا، فو الذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي".
[ ١١ / ٤٣٦ ]
كشقّ، وسطيح،
_________________
(١) ـ قوله: (كشق وسطيح)، وهما كاهنان، ومسيلمة وطليحة متنبيان. فأما شقٌ فهو ابن صعب بن رهم بن نذير بن بشير. وقصته- على ما رواه الشيخ أبو الوفاء المهدي بن محمدٍ البغدادي في كتاب "مقامات العلماء": أن ربيعة بن نصر اللخمي، من ملوك اليمن، رأى رؤيا هالته، فلم يدع كاهنًا ولا ساحرًا ولا منجمًا من أهل مملكته إلا جمعهم إليه، ثم قال لهم: أخبروني بتأويل رؤيا رأيته، فقالوا: اقصص علينا نخبرك، فقال: لم يعرف تأويلها إلا من يعرفها قبل أن أخبره بها، فقال رجلٌ من أولئك القوم: إن كان الملك يريد هذا فليبعث على سطيح وشق، فأحضر الملك الشق، فقال الملك: أخبرني رؤياي: فإنك إن أصبتها تأويلها. قال: رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهامة فأكلت منها كل ذاتٍ جمجمة. قال له: ما أخطأت يا شق منها شيئًا، فما عندك في تأويلها؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران. قال الملك: وأبيك يا شق، إن هذا لنا لغائظٌ موجع، فمتى هو كائنٌ، أفي زماني أم بعده؟ قال: بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيمٌ ذو شأن، ويذيقهم اشد الهوان. قال: ومن هذا العظيم الشأن؟ قال: غلامٌ ليس بدنيٍّ ولا بذيء، يخرج من بيت ذي يزن، قال: فهل يدوم ملكه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسولٍ مرسل يأتي بالحق والعدل من أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل. قال: وما يوم الفصل؟ قال: يومٌ تجزى فيه الولاة يدعى فيه من السماء بدعواتٍ يسمعها الأحياء والأموات، قال: أحقٌ ما تقول يا شق؟ قال: ورب السماء والأرض وما بينهما إن ما أنبأتك به لحقٌ، وكان قد قدم على الملك سطيحٌ قبله فأخبره بنحو ما أخبره شقٌ لا يختلف إلا في ألفاظٍ، منها: قوله: بل ينقطع، قال: ومن يقطع؟ قال: نبيٌ زكيٌ يأتيه الوحي من قبل العلي. قال: ومن هذا النبي؟ قال: رجلٌ من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر؟ يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يومٌ يجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون، قال: أحقٌ ما تخبرنا يا سطيح؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما نبأتك لحق، فلما فرغ الملك
[ ١١ / ٤٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ من مسألتهما وقع في نفسه أن الذي قالا له كائنٌ من أمر الحبشة، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق فسكنوا الحيرة، فمن بقية ربيعة بن نضرٍ كان النعمان بن المنذر. وأما سطيحٌ فهو ابن ربيعة بن عدي بن مسعود بن مازن، وحديثه على ما رواه ابن الجوزي في كتاب "الوفا"، قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله - ﷺ - ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفةً، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى الموبذان إبلًا صعابًا تقود خيلًا عرابًا قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، فأصبح كسرى فزعًا مما رأى، فتصبر تشجعًا، ثم رأى أن لا يكتم ذلك عن وزرائه ومرازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره، وجمعهم إليه، فقال: أتدرون فيم بعثت إليكم؟ قالوا: لا، فبيناهم كذل ك إذ ورد خبر خمود النار، فازداد غمًا إلى غمه، فقال: الموبذان: وأنا، أصلح الله تعالى الملك، قد رأيت في هذه الليلة، وقص عليه الرؤيا، فقال: ماذا يكون هذا يا موبذان؟ قال: حادثٌ يكون من عند العرب، فكتب كسرى إلى النعمان: أما بعد، فوجه إلى رجلًا عالمًا بما أريد أن أسأله، فوجه إليه عبد المسيح الغساني، فلما قدم عليه قال: هل عندك علمٌ بما أريد أن أسالك عنه؟ فقال: ليخبرني الملك، فإن كان عندي منه علمٌ أخبرته، وإلا أخبرته بمن يعلمه، فأخبره بما رأى، فقال: علم ذلك عند خالٍ لي يسكن مشارف الشام يقال له: سطيح، قال: فأته فاسأله عما سألتك عنه وائتني بجوابه، فركب عبد المسيح راحلته حتى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت، فسلم عليه وحياه فلم يحر جوابًا، فأنشد أبياتًا، فلما سمع سطيحٌ شعره رفع رأسه، وقال: عبد المسيح على جملٍ مشيح، جاء إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح بعثك ملك ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، وذكرها بعينها ثم قال: يا عبد المسيح، إذا كثرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة، وفاض وادي سماوة، وغاصت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليست الشام لسطيح شامًا، يملك منهم ملوكٌ وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آتٍ آت، ثم قضى سطيحٌ مكانه، فلما قدم عبد المسيح على كسرى أخبره بقول سطيح، فقال:
[ ١١ / ٤٣٨ ]
ومسيلمة، وطليحة (يُلْقُونَ السَّمْعَ): هم الشياطين، كانوا قبل أن يحجبوا بالرجم يسمعون إلى الملإ الأعلى فيختطفون بعض ما يتكلمون به مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم من أولئك (وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ) فيما يوحون به إليهم، لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا. وقيل: يلقون إلى أوليائهم السمع أي: المسموع من
_________________
(١) ـ إلى أن يملك منا أربعة عشر قد كانت أمورٌ. فملك منهم عشرةٌ أربع سنين، وملك باقون إلى خلافه عثمان رضي الله تعالى عنه. وأما طليحة فقد روى محيي السنة: هو طليحة بن خويلد بن الوليد، وكان طليحة آخر من ارتد وادعى النبوة في حياة النبي - ﷺ -، وأول من قتل بعد وفاة النبي - ﷺ - من أهل الردة، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إليه فهزمهم بعد قتال شديد، وأفلت طليحة، فمر على وجهه هاربًا نحو الشام. ثم إنه أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه. وأما مسيلمة فقد روى أيضًا محيي السنة أنه قال: اسمه ثمامة بن قيس، وكان قد تنبأ في حياة النبي - ﷺ - في آخر سنة عشر، وزعم أنه اشترك مع النبي - ﷺ - في النبوة، وكتب: من مسيلمة رسول الله إلى محمدٍ رسول الله، أما بعد: إن الأرض نصفها لي، ونصفها لك، فأجاب صلوات الله وسلامه عليه: "من محمدٍ رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين". فبعث أبو بكرٍ ﵁ بعد وفاة النبي - ﷺ - خالد بن الوليد إلى مسيلمة في جيشٍ كثير حتى أهلكه الله تعالى على يد وحشي، وكان وحشيٌ يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية، وشر الناس في الإسلام، والله تعالى أعلم.
[ ١١ / ٤٣٩ ]
الملائكة. وقيل: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون وحيهم إليهم. أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس، وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم، وترى أكثر ما يحكمون به باطلا وزورا. وفي الحديث: "الكلمة يخطفها الجنىّ فيقرّها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة". والقرّ: الصبّ. فإن قلت: كيف دخل حرف الجرّ على "مَن" المتضمنة لمعنى الاستفهام، والاستفهام له صدر الكلام؟ ألا ترى إلى قولك: أعلى زيد مررت؟ ولا تقول: على أزيد مررت؟ قلت: ليس معنى التضمن أن الاسم دل على معنيين معا: معنى الاسم، ومعنى الحرف، وإنما
_________________
(١) ـ قوله: (الكلمة يحفظها- ويروى: يخطفها- الجني)، الحديث من رواية البخاري ومسلم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: سأل ناسٌ رسول الله - ﷺ - عن الكهان، فقال لهم: "ليسوا بشيء". قالوا: يا رسول الله، ف إنهم يحدثون أحيانًا بالشيء يكون حقًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة. النهاية: الخطف: استلاب الشيء وأخذه بسرعة، ومنه حديث الجن: يخطفون السمع، أي: يسترقونه ويستلبونه. والقر: ترديدك الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه، تقول: قررته فيه أقره قرًا، وقر الدجاجة: صوتها إذا قطعته. وفي حديث: "فيأتي بها إلى الكاهن فيقرها في أذنه كما تقر القارورة، إذا أفرغ فيها". وهذا المعنى هو الذي عناه المصنف بقوله: "والقر: الصب".
[ ١١ / ٤٤٠ ]
معناه: أن الأصل أمن، فحذف حرف الاستفهام واستمرّ الاستعمال على حذفه، كما حذف من "هل"، والأصل: أهل. قال:
أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم؟
فإذا أدخلت حرف الجرّ على "مَن" فقدّر الهمزة قبل حرف الجرّ في ضميرك، كأنك تقول:
أعلى من تنزّل الشياطين، كقولك: أعلى زيد مررت. فإن قلت: (يُلْقُونَ) ما محله؟ قلت:
يجوز أن يكون في محل النصب على الحال، أي: تنزل ملقين السمع، وفي محل الجرّ صفة لـ (كُلِّ أَفَّاكٍ)، لأنه في معنى الجمع، وأن لا يكون له محل بأن يستأنف، كأن قائلا قال: لم تنزل على الأفاكين؟ فقيل: يفعلون كيت وكيت. فإن قلت: كيف قيل: (وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ) بعد ما قضي عليهم أن كل واحد منهم أفاك؟ قلت:
_________________
(١) ـ قوله: (أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم؟)، أوله: سائل فوارس يربوع بشدتنا يربوعٌ: أبو حيٍّ من تميم، بشدتنا، بفتح الشين: حملتنا وصدمتنا. وقد شد عليه في الحرب يشد شدًا، ويروى بكسرها، أي: قوتنا، وسفح الجبل: أسفله، والقاع: المستوي من الأرض، والأكمة: التل، والجمع: آكامٌ وأكمٌ، ولا يجوز أن يجعل "هل" للاستفهام، لأن حرف الاستفهام لا يدخل على حرف الاستفهام. قوله: (فإذا أدخلت حرف الجر على "من" فقدر الهمزة قبل حرف الجر)، قال صاحب "الفرائد": يشكل ما ذكر بقولهم: من أين أنت ومن أين جئت؟ وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، وقولهم: فيم، وبم، ومم، وحتام، ونحوها. ويمكن أن يقال: لا اعتبار لتقدم حرف الجر، وقولهم: له صدر الكلام المراد: تقدمه على ما كان، وكذا في الكلام، كقولك: أين زيدٌ، لا يجوز أن تقول: زيدٌ أين، أو مفعولًا من المفاعيل، كقولك: أزيدًا ضربت، ولا تقول: ضربت زيدًا، ولا: ضربت متى، ولا: ضربت أين؟
[ ١١ / ٤٤١ ]
الأفاكون هم الذين يكثرون الإفك، ولا يدل ذلك على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قلّ من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني، وأكثرهم مفتر عليه. فإن قلت: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ) [الشعراء: ١٩٢]، (وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ) [الشعراء: ٢١٠]، (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ) لم فرق بينهنّ وهنّ أخوات؟
_________________
(١) ـ قوله: (ولا يدل ذلك على أنهم لا ينطقون إلا بالكذب)، يريد أن "فعالًا" فيه دلالةٌ على التكثير لا الاستغراق، فنبه أولًا بقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ على أن الشياطين ينزلون على من دأبه الإفك والكذب. ثم بين ثانيًا بقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ على أن أكثر هؤلاء الأفاكين بناءً على دأبهم وعادتهم يفترون على الشياطين فيما يتلقون منهم، لأنهم يزيدون على ما يسمعون كما سبق في حديث عائشة ﵂، فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة. ويجوز أن يرجع الضمير في "أكثرهم" إلى الشياطين، والحديث يحتمله أيضًا، قال القاضي: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ فيما يوحون به إليهم، أو يسمعونهم لا على وجه ما تكلمت به الملائكة ﵈، لشرارتهم، أو لقصور فهمهم. قوله: (لم فرق بينهن وهن أخواتٌ)، يعني: أن هذه الآيات الثلاث نازلةٌ في شأن القرآن، وفيما ينبغي أن يقال فيه وما لا ينبغي، فلم لم تجئ على نسقٍ واحدٍ ولم يقل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، فإنها واردةٌ على وتيرةٍ واحدة؟ ولم فرق بينهن بآياتٍ متباعدة المعاني؟ وحاصل المعنى: أنها كالتراجيع للمعاني التي تخللت بينهن، فإن قوله تعالى: ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كالترجيع من قصص الأنبياء ﵈ إلى ما بدئ منه في فاتحة السورة من ذكر الكتاب وتكذيب القوم له. وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ مذكورٌ بعد إهلاك القرى المنذرة. وقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ مسوقٌ بعد النهي عن إدعاء غير الله
[ ١١ / ٤٤٢ ]
قلت: أريد التفريق بينهنّ بآيات ليست في معناهنّ، ليرجع إلى المجيء بهنّ وتطرية ذكر ما فيهنّ كرّة بعد كرّة: فيدل بذلك على أن المعنى الذي نزلن فيه من المعاني التي اشتدت كراهة الله لخلافها. ومثاله: أن يحدّث الرجل بحديث وفي صدره اهتمام بشيء منه وفضل عناية، فتراه يعيد ذكره ولا ينفك عن الرجوع إليه.
[(والشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ)].
(وَالشُّعَراءُ) مبتدأ. و(يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) خبره: ومعناه: أنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء وتمزيق الأعراض، والقدح
_________________
(١) ـ تعالى إلهًا، وكل هذه الآيات متدانية المعاني في نفسها، لكنها تبعد مناسبتها ظاهرًا عن معنى تلك الآيات الثلاث، والترجيع كما علم يستدعي شدة الاتصال بما رجع به إليها، فدل ذلك على شدة الكراهية لما نزلت الآيات فيه، وهو إنكار قريش أن القرآن ليس من عند الله، وأنه من جنس ما كان ينزل على الكهنة والشعراء. وروي عن المصنف: أن العبارة المتداولة في قولنا: اشتدت كراهة الله تعالى لخلافها، أي: لأجل خلافها اشتدت العناية بذكره، فاحترز عنها في حق الله تعالى. قوله: (وتطرية ذكر)، تطرية السيف: محادثته بالصقل وتعهده به، قال زهيرٌ: أحادثه بصقلٍ كل يوم … وأعجمه بهامات الرجال قوله: (أن يحدث الرجل بحديث، وفي صدره اهتمامٌ بشيءٍ منه وفضل عناية، فتراه يعيد ذكره ولا ينفك عن الرجوع إليه)، وقلت: هذا المعنى هو الذي اعتمدنا عليه في أكثر ما تصدينا لنظم السور، فليكن على ذكرٍ منك، والله تعالى أعلم. قوله: (ومعناه: أنه لا يتبعهم على باطلهم … إلا الغاوون)، هذا الحصر يفيده بناء
[ ١١ / ٤٤٣ ]
في الأنساب، والنسيب بالحرم والغزل، والابتهار، ومدح من لا يستحق المدح، ولا
_________________
(١) ـ ﴿يَتَّبِعُهُمُ﴾ على "الشعراء" على تقوي الحكم، واللام في "الشعراء" و﴿الْغَاوُونَ﴾: للجنس، فإن مثل هذا التركيب عند المؤلف يفيد الاختصاص. وقال في المزمل في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل: ٢٠]: "وتقديم اسمه ﷿ مبتدأ مبنيًا عليه، يقدر: هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير" وقد سبق مرارًا ويعضده قراءة عيسى بن عمر: "الشعراء" بالنصب على شريطة التفسير، فإنها تدل على التكرير والتأكيد، وربما دل على التخصيص لتقدير العامل بعد المنصوب، وإلى معنى هذا الحصر ينظر قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، ومن ثم ناسب أن يعقب بهذه الآية قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، لأنه حديث أمر الوحي كما سبق، وجل منصب الرسالة عن الشعر، وعظم منزلة أمته من الغواية، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. قوله: (والنسب بالحرم والغزل)، الجوهري: نسب الشاعر بالمرأة، ينسب- بالكسر- نسيبًا: إذا شبب بها، ومغازلةً النساء: محادثتهن ومراودتهن، تقول: غازلتها وغازلتني، والاسم الغزل. وحرمة الرجل: أهله، والحرم: النساء، قال: والموت أكرم نزالٍ على الحرم قوله: (والابتهار)، الجوهري: الابتهار: ادعاء الشيء كذبًا، قال: وما بي أن مدحتهم ابتهار وابتهر فلانٌ بفلانة: اشتهر بها.
[ ١١ / ٤٤٤ ]
يستحسن ذلك منهم ولا يطرب على قولهم إلا الغاوون والسفهاء والشطار. وقيل: الغاوون: الراوون. وقيل: الشياطين، وقيل: هم شعراء قريش: عبد الله بن الزبعرى، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومسافع بن عبد مناف، وأبو عزة الجمحىّ. ومن ثقيف: أمية ابن أبي الصلت. قالوا: نحن نقول مثل قول محمد - وكانوا يهجونه، ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أشعارهم وأهاجيهم. وقرأ عيسى بن عمر: (والشعراء) بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر. قال أبو عبيد: كان الغالب عليه حبّ النصب. قرأ: (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) [المسد: ٤]، (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) [المائدة: ٣٨]، و(سُورَةٌ أَنْزَلْناها) [النور: ١]. وقرئ: (يَتْبَعُهم) على التخفيف. و(يَتَّبِعْهم) بسكون العين تشبيها لـ "بَعُهَ" بـ "عَضُد".
_________________
(١) ـ قوله: (إلا الغاوون والسفهاء)، قال: الزجاج: يتبعهم الغاوون من الناس، فإذا هجا الشاعر بما لا يجوز، هوي قومٌ ذلك فأحبوه، وإذا مدح بما ليس في الممدوح أحب ذلك قومٌ وتابعوه، فهم الغاوون. قوله: (الغاوون: الراوون)، روى محيي السنة: الغاوون هم الرواة الذين يروون هجاء المسلمين. قله: (وقرئ: "يتبعهم" على التخفيف)، نافع: "يتبعهم" بتخفيف التاء وفتح الباء، والباقون: بفتح التاء وتشديدها وكسر الباء. قوله: (تشبيهًا لـ "بعه")، بفتح الباء أو كسرها وضم العين، حكايةً لبعض حروف يتبعهم. ويروى عن المصنف أنه قال: لما غيروا الضمة في "عضد" واقعةً بعد الفتحة، فلأن يغيروها واقعةً بعد الكسرة أولى.
[ ١١ / ٤٤٥ ]
ذكر الوادي والهيوم: فيه تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق ومجاوزة حدّ القصد فيه، حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحهم على حاتم، وأن يبهتوا البرىّ، ويفسقوا التقي. وعن الفرزدق: أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله:
فبتن بجانبىّ مصرّعات … وبت أفض أغلاق الختام
فقال: قد وجب عليك الحدّ، فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحدّ بقوله: (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ).
[(إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)].
استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن، وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعرا قالوه في توحيد الله والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والآداب الحسنة، ومدح رسول الله ﷺ والصحابة
_________________
(١) ـ قوله: (ذكر الوادي والهيوم فيه تمثيلٌ لذهابهم في كل شعبٍ من القول)، قال القاضي: وذلك أن أكثر مقدماتهم خيالاتٌ لا حقيقة لها، وأكثر كلماتهم في النسيب والابتهار وتمزيق الأعراض والوعد الكاذب والافتخار بالباطل. قوله: (فبتن بجانبي)، البيت، أوله: دفعن إلي لم يطمثن قبلي … وهن أصح من بيض النعام ثلاثٌ واثنتان فهن خمسٌ … وسادسةٌ تميل إلى شمام طمث الجارية، أي: افتضها.
[ ١١ / ٤٤٦ ]
وصلحاء الأمة، وما لا بأس به من المعاني التي لا يتلطخون فيها بذنب ولا يتلبسون بشائنة ولا منقصة، وكان هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم. قال الله تعالى: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) [النساء: ١٤٨]، وذلك من غير اعتداء ولا زيادة على ما هو جواب لقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) [البقرة: ١٩٤]. وعن عمرو بن عبيد ﵀: أن رجلا من العلوية قال له: إن صدري ليجيش بالشعر، فقال: فما يمنعك منه فيما لا بأس به؟ والقول فيه: أن الشعر باب من الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام. وقيل: المراد بالمستثنين: عبد الله بن رواحة، وحسان ابن ثابت، والذين كانوا ينافحون عن رسول الله ﷺ ويكافحون هجاة قريش. وعن كعب بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال له: "اهجهم، فو الذي نفسي بيده لهو أشدّ عليهم من النبل"، وكان يقول لحسان: "قل وروح القدس معك".
ختم السورة بآية ناطقة بما لا شيء أهيب منه وأهول،
_________________
(١) ـ قوله: (ينافحون)، بالحاء المهملة. النهاية: في الحديث: "نافح عني"، أي: دافع عني، والمنافحة والمكافحة: المدافعة. يريد بمنافحته: هجاء المشركين ومجاوبتهم عن أشعارهم. قوله: (وعن كعب بن مالكٍ)، روي في "شرح السنة" عن كعب بن مالك، عن النبي - ﷺ -، قال: "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل. قوله: (قل وروح القدس معك)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن عائشة، عن رسول الله - ﷺ -: "إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله - ﷺ -.
[ ١١ / ٤٤٧ ]
ولا أنكى لقلوب المتأمّلين ولا أصدع لأكباد المتدبرين، وذلك قوله: (وَسَيَعْلَمُ) وما فيه من الوعيد البليغ، وقوله: (الَّذِينَ ظَلَمُوا) وإطلاقه. وقوله: (أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) وإبهامه، وقد تلاها أبو بكر لعمر ﵄ حين عهد إليه، وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويتناذرون شدّتها.
وتفسير الظلم بالكفر تعليل، ولأن تخاف فتبلغ الأمن خير من أن تأمن فتبلغ الخوف. وقرأ ابن عباس: (أي منفلت ينفلتون) ومعناها: إن الذين ظلموا يطمعون
_________________
(١) ـ قوله: (ولا أنكى)، النهاية: يقال: نكيت في العدو أنكى نكايةً، إذا أكثرت فيه الجراح والقتل، فوهنوا لذلك، وقد يهمز، يقال: نكأت القرحة أنكأها: إذا قشرتها. قوله: (وقد تلاها أبو بكر لعمر حين عهد إليه)، روي أنه لما أيس أبو بكرٍ من حياته استكتب عثمان ﵁ كتاب العهد: هذا ما عهد ابن أبي قحافة إلى المؤمنين في الحال التي يؤمن فيه الكافر، ثم قال بعدما غشي عليه وأفاق: إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن عدل فذلك ظني فيه، وإن لم يعدل فسيعلم الذين ظلموا. قوله: (ويتناذرون)، بالذال المعجمة. الأساس: هو نذيرة القوم: طليعتهم الذي ينذرهم العدو، وتناذروا: خوف بعضهم بعضًا، قال النابعة: تناذرها الراقون من سوء سمها قوله: (وتفسير الظلم بالكفر تعليلٌ)، يعني: أن الذي فسر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالذين كفروا يتعلل بـ "عسى"، ولعله يريد أهل السنة لأنه يسميهم المرجئة، كما أنهم يسمونهم بالوعيدية، ويقال: وعلله بالشيء، أي: لهاه به، كما يعلل الصبي بشيءٍ من الطعام يتجزأ به من اللبن، يقال: فلانٌ يعلل نفسه بتعلة، وتعلل به، أي: تلهى وتجزأ، يريد: أن تفسير الظلم بالكفر ليس بجيد، لأدائه إلى سهولة أمر الظالم.
[ ١١ / ٤٤٨ ]
أن ينفلتوا من عذاب الله، وسيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات؛ وهو النجاة: اللهم اجعلنا ممن جعل هذه الآية بين عينيه فلم يغفل عنها، وعلم أن من عمل سيئة فهو من الذين ظلموا، والله أعلم بالصواب.
قال رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم وبعدد من كذب بعيسى وصدق بمحمد".
_________________
(١) ـ وقلت: سياق الآية بعد ذكر المشركين الذين آذوا رسول الله - ﷺ -، وما لقي منهم من الشدائد كما مر في أول السورة يؤيد قول أهل السنة، وروى محيي السنة: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أشركوا وهجوا رسول الله - ﷺ -. وقال الإمام: إنه تعالى لما ذكر في هذه السورة ما يزيل الحزن عن قلب رسول الله - ﷺ - من الدلائل ومن أخبار الأنبياء ﵈، ثم ذكر مقالات المشركين في تسميته تارةً بالكاهن، وأخرى بالشاعر، بين الفرق بينه وبين الكاهن، ثم بينه وبين الشاعر، ثم ختم السورة بهذا التهديد العظيم. والله تعالى أعلم. تمت السورة حامدًا لله ومصليًا على رسوله * * *
[ ١١ / ٤٤٩ ]